أبحاث

بين الغروب والشروق – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

بين الغروب والشروق – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

بين الغروب والشروق – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

بين الغروب والشروق – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟
بين الغروب والشروق – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

بين الغروب والشروق – فرانك موريسون

رأينا في فصل سابق كيف تعجلت الحوادث القبض على يسوع، واشتد ضغطها فدفعت أيدي السلطات إلى العمل، وأطالت ساعات المحاكمة التمهيدية، وعدّلت ماهية المحاكمة الرومانية تعديلاً كبيراً. وكأن كل شيء في هذه القضية قد ألهبه سوط غير منظور، ولم يكن مردٌّ لأحكامه.

والآن سنرى المشكلة تضيق رويداً رويداً حتى تنحصر في بحث ما حدث خارج أسوار أورشليم قبل نيف وتسع مائة وألف من السنين، في فترة من الزمن بين غروب يوم من أيام السبت وبين انبثاق أنوار الفجر في صباح اليوم التالي. ولنبدأ أولاً ببحث الفروض والمزاعم المختلفة التي أدلى بها أصحابها لتعليل الوقائع:

وثمة زعم لا ينتظر أن تناوله جدّياً وتبسَّط فيه إلا الأقلّون من قراء هذا الكتاب – وأعني به الزعم القائل إن التلاميذ أنفسهم هم الذين سرقوا جسد يسوع وهربوا به. ولست أريد الإطالة في تفنيد هذا الزعم تاريخياً، لأن شعور الجنس البشري قاطبة قد حكم عليه وحسبه أكذوبة جريئة. وليس بين النقّاد الذين يقام لأقوالهم وزن في هذا العصر، مَن يرضى أن يجعل هذا الزعم مثاراً للبحث والنقاش، وذلك لأنه مستحيل من الوجهة النفسية. ونحن نعرف جيداً التلاميذ الأحد عشر من تصرفاتهم اللاحقة ومن كتاباتهم.

ومعرفتنا لهم تدلنا على أنهم ليسوا من هذا الطراز من الرجال الذين يُقْدِمون على هذه المجازفة. وليس بينهم زعيم جريء مقدام يرسم خطة كهذه في خيالاته، ثم يُقدم على تنفيذها دون أن يفتضح أمره. وحتى لو فرضنا أن عملاً كهذا كان ممكناً، وأن التلاميذ كانوا له أكفاء، لأتّخذ تاريخ المسيحية اللاحق طريقاً غير هذا الذي نراه، ولنشَقّ، عاجلاً أو آجلاً، عن الجماعة المسيحية أحد الذين عرفوا بواطن الأمور.

وإن كانت هذه الأكذوبة الجريئة على شيء من الحق، فكيف استطاعت الكنيسة المسيحية الأولى أن ترفع رأسها، وتقيم دعامتها، وتشق طريقها في بحر خضمّ من الاضطهاد والآلام –كيف يتم كل هذا على أساس واهٍ يعلم الرسل الأحد عشر أنه أكذوبة مختلقة صاغوها بأيديهم! ولطالما سألت نفسي مراراً: أيستطيع بطرس أن يكون طرفاً في هذه الخديعة المضلّلة؟ أيفعل هذا يوحنا أو اندراوس أو فيلبس أو توما؟ ومهما يكن من تعليل للحوادث الخارقة التي تلت الصليب فإن الزعم أبعد ما يكون عن الصواب.

وتبقى بعد هذا مشكلة القبر الفارغ. فهل نجد في التأويلات الأخرى التي أدلى بها أصحابها ما يلقي عليها بصيصاً من النور؟

أعتقد أن هناك ستة حلول مستقلة أدلى بها الناقدون لحل المشكلة – أربعة منها تفترض أنّ خلّو القبر من الجسد حقيقة تاريخية، والحلاّن الآخران يشطان في التعليل ويزعمان إما أن القصة مشكوك في صحتها، وإما أن القبر لم يُفحص وينقب على نحو ما جاء في رواية الإنجيل.

ويمكن تلخيص هذه المزاعم فيما يلي:

1 – أن يوسف الرامي نقل الجسد خفية إلى مرقد آخر أكثر ملائمة.

2 – إن الجسد نُقل بأمر السلطات الرومانية.

3 – إن الجسد نُقل بأمر السلطات اليهودية للحيلولة دون ما قد يُخلّع عليه من أسباب التكريم والتقديس في المستقبل.

4 – أن يسوع لم يمت موتاً نهائياً حاسماً، فاستفاق من إغمائه في برودة القبر.

5 – أن النسوة قد أخطأنَ في التعرّف إلى القبر في غبشة الصباح القاتمة.

6 – أن القبر لم يزره أحد مطلقاً، وأن القصة عن النساء اختلاق في عصر متأخر.

هذه كلها مزاعم واسعة النطاق. وتشمل، فيما أعتقد، كل الفروض التي أدلى بها الناقدون في تحدّي قصة الإنجيل. فلنلق الآن نظرات عابرة على كل منها:

1 – أن يوسف الرامي نقل الجسد:

يقول أصحاب هذا الزعم إنه من المحتمل جداً أن يقدم الرجل – الذي التمس أن يُعطى جسد

يسوع من الوالي الروماني – على نقل الجسد إلى مثوى آخر لأسباب خاصة عنده. وهو زعم يبدو لأول وهلة على شيء من الوجاهة.

ولقد استنتج بعض الكتاب من روايات الإنجيل المقتصدة في أقوالها أن القبر ربما اشتراه يوسف الرامي لمنفعته الخاصة، وأن قربه من مشهد الصلب حمله على استعماله مؤقتاً في يوم السبت على أن يعود في أول فرصة لنقل الجثة إلى مثوى آخر. كل هذا قول مفهوم، ويبدو عليه شيء من مسحة الانسجام والقوة لو أننا نظرنا إليه بمعزل عن الملابسات الأخرى التي أحاطت بالموقف كله.

على أنه من المتعذر علينا أن نترك هذه الزعم التاريخي الخطير في هذه الحالة، ولا بد من تمحيصه على ضوء الملابسات الأخرى في الموقف كله، ثم نحكم له أو عليه بعد أن نكون قد استعرضنا النتائج كلها واستكشفنا بواطن الأمور ومجرياتها.

ولدى تمحيص هذه الزعم يتكشف لنا كثير من نقط الضعف والشذوذ وعدم الانسجام مما يبعده كثيراً عن نطاق الترجيح. ونلاحظ قبل كل شيء أن الساعة التي تمّ فيها هذا النقل المزعوم (وهي بالضرورة واقعة بين نهاية السبت اليهودي وبين تباشير الفجر في اليوم التالي) من الساعات التي قلما يختارها زعيم له كرامته بين الشعب لأداء عمل جائز لا حرج فيه، وقد كان في وسعه أن يقوم بمهمّة النقل على وجه أتم وبطريقة أكثر لياقة، لو انتظر طلوع النهار.

ولا يغرب عن الأذهان أنه على فرض صحة هذا الزعم كان كل من يوسف الرامي والنسوة، كل فريق مستقل عن الآخر وغير معروف له، يتأهبون لأداء خدمة عند القبر في ساعة مبكرة جداً تتفق وحفظ فرائض السبت اليهودي. وكانت تلك الساعة بلا شك عند شروق الفجر اجتناباً للصعاب التي يتعرضون لها في الظلام. والمفروض نظرياً أن مريم المجدلية وصويحباتها قد التقين عند مجيئهن إلى القبر يوسف الرامي وأصحابه يعملون ناشطين في هذه المهمة.

على أنه ليس هناك لمثل هذا اللقاء الوهمي. ونحن لذلك مسوقون إلى أن نفترض حدوث النقل قبل هذا الأوان في ساعة من الليل لكي نتمشى مع أصحاب هذا الزعم في دعواهم. وعلينا أن نصّور لأنفسنا فريقاً من الناس يعملون على ضوء المصابيح أو المشاعل في ظروف تحيط بها صعاب جمة، يتحسّسون طريقهم في مناطق معتمة وراء أسوار المدينة حاملين بين أيديهم جسداً ثقيلاً – ربما لمسافة بعيدة – لإيداعه مثوى آخر.

ونحن نتصورهم يُعنون أولاً بتجريد الجسد من أكفانه، تاركين إياها في القبر، وبعدُ إما يلفونه في أكفان جديدة غير التي ابتاعوها وأنفقوا عليها في الدفن الأول، وإما ينقلون الجسد عارياً إلى المثوى الجديد. ونتصور أيضاً أنهم نسوا إغلاق القبر القديم، أو ربما لم يريدوا إضاعة الوقت في ذلك.

الآن لنلقِ نظرة على ما في هذا المشهد من تماسك وقوة. وهنا أتصور أحد المكابرين يقول: “ألسنا هنا أمام حقيقة لا وهم. فإن الأخبار تتطاير بسرعة البرق الخاطف، ولعلّ يوسف الرامي قد خشي أن يتجمع حوله المتسكعون من المارة إذا هو بدأ بعد شروق الشمس في عمل يستغرق ساعتين على الأقل. أفلا يكون قد قام بالأعمال التمهيدية تحت جُنح الظلام، وحينما جاءت مريم المجدلية وصويحباتها إلى القبر، كان الفريق قد غادر إلى المدفن الآخر الذي نقلوا إليه الجسد”.

وقد يفترض الزاعمون المكابرون أن هذا التأويل ينسجم مع القصة التي دوّنها رواة الإنجيل. وهو يعلل دهشة النسوة حين رأين الحجر مدحرجاً عن القبر، ويعلل القبر الفارغ، ثم يتفق تماماً والرسالة التي حملتها المجدلية بأنفاس متقطعة لاهثة إلى التلميذين: “أخذوا السيد ولسنا نعلم أين وضعوه!” ولو لم تكن هناك نواحٍ أخرى للمشكلة، لقلنا إن هذا التعليل يذهب إلى حد بعيد في الإقناع والانسجام مع طبائع الأشياء.

على أنه لا يمكن لأية نظرية مهما بدت وجيهة مقنعة لأول وهلة، أن تقف وحدها، ولا مندوحة من أن تنسجم مع الحقائق الكبرى والصغرى في الموقف كله. وسنرى أن هذا التعليل لا ينسجم مع الحقائق الكبرى في الموقف الذي نحن بصدده.

وهناك طريقتان ندلّل بهما على موقف يوسف الرامي في القصة:

1 – فهو إما تلميذ متخفِّ ليسوع أراد أن يقوم جهاراً بخدمة لزعيم لم يستطع لظروف خاصة أن يعترف له بالزعامة في حياته على الأرض.

2 – وإما عضو متدين تقيّ من أعضاء السنهدريم لم يُعن إلا بمراعاة فرائض الناموس اليهودي التي أوجبت أن يُدفن المصلوب قبل مغيب الشمس.

وقد قيل الشيء الكثير عن الاحتمال الثاني، لا سيما من جانب الذين يهمهّم الأمر في تصوير يوسف رجلاً يتردد في إبقاء جسد يسوع في قبره الخاص. ويبدو لي أن ثمة صعوبة تُذلّل قائمة في سبيل قبول هذا الزعم، فإن الناموس اليهودي الذي أوجب الدفن قبل غروب الشمس يتمشى على اللصين المصلوبين سواء. وليست في القصة أية إشارة إلى أن يوسف عني أو فكر بجد في المصلوبَين. وهذا أمر غريب حقاً لأن الحالات الثلاث التي نفذت فيها عقوبة الإعدام كانت في نطاق السلطة الرومانية.

فكان محتوماً الحصول على إذن بيلاطس في حالتي اللصين الآخرين. وما من شك أن السلطات التمست فيما بعد إذناً رسمياً بدفن الجسدين، وربما دفنا في المقابر العامة، ولكن هذا لم يتمّ إلى بعد أن أجيب يوسف الرامي إلى رغبته الخاصة التي تقدّم بها للوالي الروماني لدفن جسد يسوع. وفي تقدم يوسف بهذا الطلب المنفرد إلى بيلاطس دليل على أنه لم يفعل هذا بصفته الرسمية أو بشعور الغيرة على الناموس.

وليت شعري ما الذي حمل ذلك الرجل الكبير المشير الكريم وعضو السنهدريم الأعلى، على أن ينفق من ماله لشراء الطيوب والحنوط والأكفان، ويؤدي بيده عملاً وضيعاً كان يصحّ أن يدعه لرجال السلطة المدنية؟

ثم أن هناك تلميحات صريحة، لا في بشائر الإنجيل، بل في مؤلفات الأبوكريفا غير القانونية، تدل على أن الكهنة نقموا على يوسف الرامي واستدعوه أمام مجلسهم لمحاكمته. ولم يكن ثمة داع لهذا السخط لو أن الرجل فعل ما فعل بصفته الرسمية، وبإيعاز منهم بتنفيذ فرائض الناموس اليهودي في الدفن. والدلائل متوافرة على أنه بتكريمه جسد يسوع ودفنه دفناً كريماً لائقاً قد سفّه تصرفات زملائه في أعين الشعب وفي عيني بيلاطس.

ولا نغفل الإشارة أخيراً إلى العبارة الصريحة التي ذكرها متى في بشارته في قوله أن يوسف هذا كان تلميذاً، والتي ذكرها لوقا في قوله إنه لم يكن راضياً عن عمل زملائه من أعضاء السنهدريم.

وهذه الاعتبارات مجتمعة تدلّنا على أن يوسف كان يعطف على يسوع أشدّ العطف، وأنه قد تأثر في أعماق قلبه بما شهد من شذوذ وتعصب في قضيته، فاعتزم أن يجهر بتكريمه هذا المعلم الكبير في دفنه. ولهذا مضى إلى بيلاطس، ولهذا اختار القبر الذي أعدّه لنفسه، مثوى للملم الذي أكرمه.

حين نسلّم بوجهة النظر هذه عن يوسف الرامي، نسلّم أيضاً بكثير من الآراء التي تتصل بها اتصالاً لا ينفصم. فإنه يبدو لنا بعيد الاحتمال جداً أن يعمد يوسف الرامي إلى نقل جسد يسوع في مثل الظروف التي كان فيها، وهو الرجل الذي غامر بمقامه الاجتماعي وكرامته بين مواطنيه، وعرّض نفسه لامتهان زملائه بإقدامه على ما فعل، وهو الرجل الذي ألقى بنفسه جهراً في زمرة صحابة يسوع. وما نظن رجلاً عاقلاً يقف مثل هذا الموقف، لو لم يكن يُكنٌّ ليسوع أعمق عواطف الاحترام والتوقير.

وإذ قد بذل هذه التضحية في نهاية الأمر، وهي تضحية تقاعس عن بذلها في حياة يسوع، فإنه مما لا شك فيه أن فكرة غالبة طغت على نفسه حملته على تكريم ذلك الزعيم الشهيد إرضاءً لنفسه وتعزية لها، وإبقاءً على ذكرى مقدسة ستكون بمثابة نقطة لامعة بين الذكريات الحزينة السوداء في أيام شيخوخته. ولكما أمعنا النظر في موقف يوسف، رأينا فيه رجلاً نبيلاً يعمل بحافز من نفسه، فانتهز الفرصة الأخيرة العابرة لنصرة قضية يسوع قبل أن تفوت فيندم.

فهل يعقل أن يفرض على نفسه هذه العقوبات الشائنة – احتقار زملائه القدماء، إثارة عداء الكهنة ضده، وعار اتّباعه لنبيّ مصلوب مُهان – ثم يخلع عنه هذا الشرف ولمّا تمضِ عليه ست وثلاثون ساعة؟ لا أظن هذا مما يسيغه العقل، أو يسلّم به علم النفس.

وهناك سبب أقوى للدلالة على أن يوسف الرامي لم ينقل جسد يسوع. فإنه بعد ستة أسابيع من تاريخ الحادث كان التلاميذ في أورشليم ينادون بملء أفواههم وقلوبهم على مسمع من الناس أن يسوع قام من الأموات. فلو كان يوسف نقل الجسد بطريقة قانونية، وفي منتصف الليل (ليتجنب المظاهرة الشعبية) قبل أن تصل مريم وصويحباتها إلى القبر، لكان هيناً على الكهنة ان يعلموا سر الأمر.

ثم كان هيناً أن يكتشفوا القبر الجديد الذي وضعوا فيه الجسد، لأن اثنين أو ثلاثة اشتركوا مع يوسف في عملية النقل على فرض حدوثها. فلماذا لم يجرؤ الكهنة، والمجادلات المسيحية محتدمة في أورشليم، على أن يقولوا الحق، ويضعوا حدّاً للشائعات التي لاكتها الألسن حول اختفاء الجسد؟

وأخيراً – وهذا عندي دليل قوي البنيان – فإننا لا نجد في مؤلفات التاريخ المعاصرة أثراً لقبر أو مزار صار فيما بعد موضعاً للتكريم والعبادة، على أساس أنه ضمّ بين جنباته رفات يسوع. وهذا أمر لا يكاد يصدقه العقل لو كان قيل جدّياً في ذلك الوقت أن يسوع دُفن فعلاً في مكان آخر غير هذا القبر الفارغ. وأغلب الظن أن الشائعات كانت تحوم حول مئات من الأمكنة التي يحتمل أن يكون الجسد قد ثوى فيها، وكان كثيرون من الناس يحجّون إليها.

ويخيل إلينا أن المخرج الوحيد لتعليل هذه الظاهرة، أي عدم حجّ الناس إلى القبر، هو قبول ما روته قصة الإنجيل من أن القبر كان معروفاً، وأن فريقاً من الناس زاروه بعد ساعات من الدفن، فوجوده فارغاً والجسد مختفياً.

2و3 – أن السلطات اليهودية أو الرومانية نقلت الجسد:

من اللائق أن نأخذ هذه الفَرضين معاً، لأن الموقف الناشئ عنهما لا يختلف كثيراً عن الموقف الذي كنّا نعالجه.

ومما لا شك فيه، حتى بعد مضيّ هذا الزمن الطويل، أن ننتحل أسباباً وتعلاّت نفترض بها أن الجسد ربما نقلته السلطات الرومانية أو اليهودية، ولو أن هذا الزعم في حدّ ذاته يبدو ركيكاً واهياً. فقد كان بيلاطس رجلاً شديد المراس بدليل تمنّعه عن تغير العنوان الذي كتبه على الصليب. وكان يرحب في حرج موقفه بأية حجة تحلّله نهائياً من آثار هذه الحادثة الأليمة. وإذا كان قد منح الإذن ليهوديّ ممتاز بدفن الجسد، فماذا يعوزه بعد ذلك، وما الذي يحمله في موقفه على تغيير رأيه حتى بإيعاز من السلطات اليهودية؟

وفي بشائر الإنجيل، وفي مؤلفات الأبوكريفا غير القانونية، حديث مسند قوي يقول إن اليهود ذهبوا فعلاً إلى بيلاطس وطلبوا إليه أن يقيم على القبر حرّاساً. وسأعالج مشكلة الحرّاس في فصل تالٍ. ولكن الحديث كله لا يذهب إلى أكثر من طلب وضع القبر تحت الحراسة لمنع نقل الجسد، لا الحصول على تصريح لنقله. وليس في الكتابات الأولى، قانونية كانت أو غير قانونية، أية إشارة إلى أن الكهنة فكروا في تغيير مكان الدفن، بل على نقيض ذلك تدل الروايات الصريحة على أنهم قد شُغلوا فعلاً لئلا يُقدم أحد الأشخاص غير المأمورين على خطف الجسد وتهريبه.

على أن الزعم بأن السلطات الرسمية هي التي نقلت الجسد ينهار إلى الحضيض حين نجابه الحقائق الرائعة بعد الحادث. لأنه إذا كان الكهنة قد حملوا بيلاطس على تغيير مكان الدفن، أو أنه صرح لهم بذلك، فلا شك أنهم عرفوا المثوى الأخير الذي استقر فيه بعد نقله. وفي هذه الحالة ما كانوا ليلجأوا قد إلى تشويه الواقع تشويهاً يضرُّ بقضيتهم، فيقولوا كذباً إن التلاميذ هم الذين سرقوا الجسد. بل كان المفروض أن يذيعوا بين الناس المنطق السليم المعقول، فيقولوا إن الجسد نُقل لأسباب قانونية بأمر بيلاطس أو بناءً على طلبهم.

ومثل هذا التصريح من جانب رئيس الكهنة كان يقضي على كل زعم، وكان يفسد كل نداء من جانب أنصاره بقيامة الجسد الفعلية. وذلك لأنه كان في وسعهم في أية لحظة، إذا تحداهم أحد، أن يُظهروا للناس على بقايا هذا الجسد. أما وقد فشل الجميع في إظهار الناس على بقايا الجسد، وعجزوا عن الإدلال إلى قبر رسمي أو غير رسمي، فإن في هذا وحده القضاء المبرم على كل نظرية تزعم أن الجسد نُقل بيد بشرية.

4 – أن يسوع لم يمت فعلاً على الصليب.

وما أظن القارئ يرى في هذا الزعم الباطل أساساً صالحاً للمناقشة، ولكني أدمجه بين المزاعم الأخرى رغبة في استيفاء الموضوع لا غير. وهو لا يعدو في الواقع مجرد مماحكة تاريخية. فإن العالم الألماني فينتوريني Venturini وهو من أنصار المذهب العقلي، قد هالته الأدلة القوية التي أيدت القبر الفارغ، فابتكر مماحكة سمجة (نقلها عنه بعض من يكتبون ضد المسيحية في الشرق) وقال إن المسيح لم يمت فعلاً على الصليب ولكنه أُغمي عليه فقط، ولما أُودع القبر الرطب استفاق ثم خرج وظهر للتلاميذ.

وهذا الزعم الذي يحاول به صاحبه تعليل الحادث تعليلاً عقلياً محضاً، هو أبعد المزاعم عن العقل، لأنه يتجاهل الجراح العميقة التي أُثخن بها الجسد، والضرب الوجيع الذي أحدثته السياط، وتمزيق اليدين والرجلين من أثر المسامير، وفقدان القوة الناشئ عن نزف الدماء، وطعنه الحربة التي خرقت جنبه، وانقطاع المداد البشري عن إغاثته في ساعات عصيبة هو أحود ما يكون فيها إلى الإغاثة، والأكفان الضيقة التي أُحبكت حول جسمه الممزق، والحجر الضخم الذي وُضع على باب القبر، وكان حجمه هائلاً بحيث لم يكن في طوق بضع نساء دحرجته مجتمعات معاً، وكنّا يفكرنَ في مُعين من الخارج.

ويكفي أن نحكم على سخافة هذا الزعم وبُعده عن العقل بمجرد التفكير فيما كان عليه ذلك الهيكل البشري المحطّم بعد نزف الدماء من جروح الجلد الوجيع وتاج الشوك والمسامير والحربة دون أن يُعنى أحد بتضميدها، وبعد وضعه على أرضية القبر الرطب في يوم من أيام شهر أبريل (نيسان) محروماً من أية عناية بشرية. على أن الضربة القاضية التي أجهزت على هذا الزعم الفاسد هي التي أعدّها العلاّمة “ستروس” والتي نقتبسها هنا لما فيها من قوة وإفحام.

قال: “إنه من المحال على شخص تسلل من القبر في حالة من الإغماء والوهن والمرض، وفي حاجة إلى العلاج الطبي وتضميد الجراح والعناية والإسعاف، وفي حالة من الخنوع والاستسلام لآلامه – إنه من المحال أن يطبع شخص كهذه أثره العميق في نفوس التلاميذ، ويخدعهم بأنه قاهر الموت والقبر وأنه رئيس الحياة – ذلك الأثر البارز الذي كان أساساً لوعظهم وخدمتهم.

أن مثل هذا الانتعاش بعد الإغماء، لو أنه حدث، لما كان له هذا الأثر الذي انطبع على نفوسهم في الحياة والموت، ولما بدّل أحزانهم غيرة وحماساً، ولما حولّ توقيرهم له سجوداً وتعبُّداً” Straus, New Life of Jesus, i, 412.(tr.).

5 – أن النسوة قد أخطأنَ في التعرّف إلى القبر:

وهذا ما يأتي بنا إلى زعم لا يمكن أن يُوفى حقه من البحث إلاّ بعد دراسة المقابلة التاريخية عند القبر دراسة وافية. على أنه يمكن البحث هنا في بعض النتائج العامة التي تترتب على هذه النظرية.

يقول أصحاب هذا الزعم أن مريم المجدلية وصويحباتها جئن إلى القبر في صباح الأحد والظلام باقٍ، وكانت أنوار الفجر خافتة ضئيلة. والأشياء تبدو في النور المكمد القاتم على غير حقيقتها. ويذهبون إلى أن النسوة ربما أخطأن في التعرف إلى القبر.

ويزعمون أنه عند وصولهن إلى القبر التقين هناك بشاب – قيل إنه البستاني – عرف المهمة التي جئن من أجلها، فقال لهنّ أن يسوع ليس هنا، فارتعبن لقوله، ودون أن يتريثن حتى يفرغ الشاب من كلامه ويشرح لهنّ الخطأ، أسرعن مهرولات من البستان.

ويبدو لنا، على الرغم من مسحة المعقولية التي تلابس هذه النظرية، ان بها ضعفاً هائلاً. فإنه إذا كان الوقت ظلاماً بحيث أخطأ النسوة في التعرّف إلى القبر، فكيف يكون البستاني قد صحا وبدأ في مزاولة عمله؟ أما إذا كان النور قد انبثق من وراء الأفق فكيف يخطئ النسوة في معرفة القبر؟

ولكي نبسط هذه النظرية كل البسط أشير إلى ما كتبه عنها أحد كبار شارحيها وهو الأستاذ “ليك” الذي عالج النظرية علاجاً وافياً واضحاً في كتابه “قيامة يسوع المسيح”. وسأقتبس نصّ كلامه على قدر الإمكان لما امتاز به أسلوبه من صراحة:

يبدأ الأستاذ ليك – وهو على حق في ذلك – بحثه مفترضاً أن زيارة النسوة للقبر قصة صادقة من التاريخ، فإن هذه القصة بالذات أصيلة في كل المؤلفات الأولى، فهي واردة في أقدم الوثائق التي لدينا وهي بشارة مرقص، ثم في بشارتي متى ولوقا، يؤيدها يوحنا أيضاً فيما يتعلق بمريم المجدلية نفسها.

وجاءت القصة أيضاً في بشارة بطرس من أسفار الأبوكريفا. والأهم من هذا كله وردت أيضاً في الأثر القديم المستقل المأثور المتضمن الفصل الرابع عشر (آية 13 – 24) من بشارة لوقا عن الرحلة إلى عمواس.

وليس بين المؤرخين مَن يخامره شك في تاريخية زيارة النسوة للقبر، ولذلك يعمد الأستاذ “ليك” إلى بحث مسألة القبر الذي وفد إليه النسوة، فيسأل: أهو القبر الأصلي الحقيقي أم قبر آخر غيره.

ويعالج المسألة في فصلين، فيقول في الفصل الذي عنوانه “الحقائق الجاثمة وراء التقليد”.

“من المسائل المشكوك فيها أن يكون النسوة في وَضْع يساعدهن على تعرف القبر الذي وضع في يوسف الرامي جسد الرب… فإذا لم يكن هو القبر بذاته، انهارت القضية من أركانها. والمفهوم أن النسوة جئن في الصباح الباكر إلى القبر حسبْنَهُ القبر الذي وُضع فيه جسد الرب وأمِلْن أن يرين قبراً مختوماً، ولكنهن وجدن قبرً مفتوحاً وشاباً واقفاً عند بابه، حاول بعد أن عرف موضوع مهمتهن أن يخبرهنَّ بما وقعن فيه من خطأ، فقال. ليس ههنا، اذهبن إلى المكان الذي وضعوه فيه.

وربما أشار إلى قبر آخر. ولكن النسوة فزعن وارتعبن عند افتضاح المهمة التي بكّرن لأجلها، وهرولنَ مسرعات دون أن يفهمن ما سمعنه. أو ربما كان فهمهنّ له ناقصاً. ولم يدركن إلا مؤخراً – بعد أن عرفنَ أن الربّ قام وأن القبر فارغ – أن ذلك الشاب الذي وقف على باب القبر كان غير الذي زعمن، وأنه لم يلفتهن إلى ما ارتكبنَ من الخطأ في التعرّف إلى القبر، بل كان مزوداً بإعلان قيامة المسيح من الأموات وإبلاغ رسالته إلى التلاميذ”.

وتبرز هذه الفكرة عينها في العبارة الآتية تعليقاً على “القصة كما رواها مرقص” فيقول الأستاذ “ليك”:

“راقب النسوة، اللواتي بقين حتى الساعات الأخيرة، دفن سيدهن، ربما عن بُعد. ولم يكن معهن أحد من التلاميذ الذين تفرقوا عقب القبض على يسوع (ففرّ بطرس بعد الآخرين بقليل من الزمن). وهم إما أن يكونوا قد عادوا إلى أوطانهم، وإما اختفوا في مخابئ أورشليم حتى تسنح فرصة للهرب”.

“وبعد قليل وجد التلاميذ أنفسهم في موطنهم القديم، فتأهبوا للعودة إلى أساليب حياتهم القديمة. ولكن لفرط دهشتهم يظهر لهم الربُّ، أولاً لبطرس ثم للآخرين – لمن سكنوا اليهودية ولم سكنوا الجليل. وتحت تأثير ظهوره لهم مراتٍ لم تُتوخَّ الدقة في تدوينها تفصيلاً، آمنوا أن الرب قام وصعد إلى السماء، وأنهم دُعوا للرجوع إلى أورشليم وحمل أعباء رسالته.

“وفي أورشليم التقوا بالنسوة اللائي راقبن الدفن، فقلن لهم أنهن ذهبن إلى القبر في صباح اليوم الثالث لتكميل فرائض الدفن التي لم يستطع يوسف الرامي أن يقوم بها فوجدن القبر مفتوحاً، وأفزعهن شاب واقف على القبر بقوله إن يسوع الذي يطلبنه ليس هنا. وهذه الرواية على لسان النسوة مضافة إلى اليقين الثابت الذي رسخ في أذهانهم عن حقيقة القيامة، وهو يقين اقتضاه القبر الفارغ، أدّت إلى القول إن القيامة حدثت في اليوم الثالث”.

ولقد أثبتُّ العبارتين بنصّيهما من أقوال الأستاذ “ليك” لأنهما تشرحان الدعائم التي أقام عليها مزاعمه الآتية:

1 – أن النسوة ربما أخطأنَ في التعرّف إلى القبر.

2 – أنهن لم يذعن النبأ مباشرة لأن التلاميذ كانوا قد فرّوا من أورشليم.

3 – وإن التلاميذ سمعوا القصة عند عودتهم من الجليل بعد انقضاء بضعة أسابيع.

ولست أقصد هنا بحث النقط الغامضة في النصوص الأصلية، فموضع هذا في فصل لاحق، ولكني أراني هنا أمام اعتبارات ثلاثة وجيهة:

وأول كل شيء أن الحجة التي يفترضها في غياب التلاميذ أو اختفائهم في أحد القيامة (وهي حجة جوهرية لتأييد مزاعم الأستاذ ليك) مشكوك فيها ومزعزعة الأركان. وهي تستند إلى عبارة مقتضبة في بشارة مرقص. وإلى جانب هذه الحجة الواهية دليلاً إيجابياً قوياً فليس مرقص وحده هو الذي يشير صراحة وضمناً إلى حضور التلاميذ في قوله “اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس إنه يسبقكم إلى الجليل. وهناك ترونه كما قال لكم” (مرقص 16: 7)، بل تؤيده أيضاً روايات البشائر الأخرى.

وإذا كان في قصة الإنجيل شيء لا يتسرب إليه الشك، فهو أن التلاميذ لم يهربوا كلهم، وإن يكن قد قيل إنهم تركوه وهربوا. فإن واحداً منهم على الأقل صارع أهوال المدينة في تلك الليلة، وتمكن من رؤية مشهد المحاكمة في منتصف الليل – وهو بطرس.

ولا تخامرني ريبة البتة في صدق القصة المؤثرة التي رُويت عن سقطة بطرس في تلك الليلة وتوبته وندامته، فهي قصة تصور لنا أصدق تصوير ناحية من نواحي الحياة البشرية ولا يمكن تعليلها على أساسي انها رواية خيالية، إذ كيف نعلل إدخال قصة تَصِمُ رسولاً من قادة الرسل بوصمة الخزي والخجل وسوء الأحدوثة، إلاّ إذا كانت صورة لواقعة حقيقية لم تُمح ذكراها. وإذا كان بطرس موجوداً في أورشليم في صبيحة يوم الجمعة، فمن الذي يدّعي واثقاً أنه وزملاءه قد فرّوا من المدينة قبل يوم الأحد التالي؟

ونرى ثانياً أن موقف النسوة يبدو غريباً شاذاً بحسب هذا الزعم. وهنّ لسن مجرد معارف للجماعة الرسولية، بل يرتبطن بهم بأوثق روابط القرابة. فكانت سالومة أماً لتلميذين من المقربين، ومريم زوجة كلوبا أختها أماً لاثنين آخرين، فضلاً عن ذلك لم يكن من المقيمات في المدينة أصلاً، بل جئن إليها خصيصاً للعيد.

وإن كان التلاميذ كهيئة عرضة للخطر، فبالأولى تكون أمهاتهم وهن نسوة ضعيفات. ولم يكن معقولاً أن يتركوهنّ وحيدات تحت رحمة الكهنة الحاقدين وجمهور الدهماء الأحمق. ولو كان الأمر كما يذهب إليه أصحاب هذه الزعم، لما فات التلاميذ أن يكفلوا الأمن لأمهاتهم بإخراجهن عاجلاً من المدينة.

ويخيل إليّ أن صلة النسوة بالتلاميذ الرجال واعتمادهن عليم تُحرج نظرية الأستاذ “ليك” كل الاحراج في أدق نقطة فيها. فهو مضطر لأن يُبقي النساء في أورشليم حتى صباح الأحد لأنه يؤمن يقيناً أنهن ذهبن إلى القبر، وهو مضطر أيضاً أن يخرج التلاميذ من أورشليم قبل شروق شمس يوم الأحد لأنه يذهب إلى أن النسوة قد صمتن ولم يفهنَ بشيء.

ولكي يوفق بين هذا وبين سردهن القصة فيما بعد بكل ما ترتب عليها من نتائج منطقية لا مفّر منها، نراه يضطر أيضاً إلى إبقاء النسوة في أورشليم أسابيع معدودات، بينما قفل التلاميذ راجعين إلى مواطنهم، ثم عادوا بعد ذلك إلى العاصمة على أثر بعض الحوادث.

وليت شعري ما الذي كان يفعله النسوة، في عُرْف الأستاذ ليك، طيلة هذه الأسابيع في مدينة بعيدة عن أوطانهن، بينما تجذبهن إلى الشمال روابط الأهل وموحيات الغريزة؟ أتراه هو نفسه في موقف كهذا يفرُّ لاجئاً تاركاً زوجته أو أمه في موقف الخطر المحقق؟ إنه ليصعب عليّ تصديق هذا. فإنه إذا كان الأمن مكفورً للنسوة ولا خوف عليهن من البقاء في المدينة والذهاب إلى القبر، فهو أيضاً مكفور للتلاميذ، ولا حرج عليهم أن يبقوا في أورشليم.

أما إذا كان في بقاء التلاميذ خطر عليهم، فإنه من البديهي أن يشاركهم الفرار سالومة ومريم زوجة كلوبا وأم يسوع.

على أن هناك صعوبة أدق وأعمق من هذه. فإنه يبدو لنا أنه، لا الأستاذ “ليك” ولا “جاردنر سميث” الذي نحا نحوه مع بعض التحفظ، فَطن إلى أن هذه النظرية لو صحّت، لوضعت سلاحاً ماضياً بتّاراً في أيدي رؤساء الكهنة. ولم يكن عسراً على قيافا وزملائه، وهم كما نعهدهم، أن يفندوا أكذوبة القبر الفارغ ويسفّهوا دعاتها بإبراز البستاني والاستشهاد بأقواله.

فهو الإنسان الذي كان في وسعه أن يتكلم بثقة وسلطان لا مردّ لهما، وكلمة منه كانت كافيه للقضاء على القصة السخيفة وإطارتها عصافة في الهواء. فأين آثار المجادلات التي كان من البديهي أن تثور في وجه هذا التحدي الذي نادى به التلاميذ عقيب القيامة؟ وأين دعاوي الكهنة بأن القبر لم يكن فارغا، وإن بقايا الجثة البالية المتعفنة ثاوية فيه؟ لا أثر البتة لشيء من هذه المجادلات أو الأقوال – إلا صدى هزيل خافت لتهمة قالوا فيها أن التلاميذ هم الذين سرقوا الجسد.

والحق ان هناك سببين قويين يمتّان بأمتن صلة إلى الحقيقة التاريخية، من أجلهما لم يجرؤ أعداء المسيحية على إستدعاء ذلك الشاب الي رُئي عند باب القبر لسماع شهادته. أما السبب الأول فهو أن ذلك الشاب لم يكن البستاني مطلقاً، كما سنرى فيما بعد، وأن وجوده أمام القبر في نور الفجر الشاحب، في صباح ذلك اليوم، كان لدواعٍ أخرى.

ولكن السبب الحاسم الأقوى هو أن خلّو القبر كان حقيقة تاريخية ثابته لم يعترضها أي شك في عصور المسيحية الأولى وفي عالم معادٍ للمسيحية. والظاهر أن الحوادث مجتمعة قد ائتمرت كلها على إثبات هذه الحقيقة فكانت بنجوة عن كل اعتراض أو شك.

6 – أن النسوة لم يزرن القبر

وهذا يأتي بنا إلى نظرية لعلّها تكون على شيء من المنطق إذا أراد المكابرون تحدّي رواية الإنجيل.

وهم لو استطاعوا أن يدللوا على أن القبر لم يزره أحد في صباح الأحد، وأنه بقي مجهولاً لم يفكّر فيه إنسان شهوراً طوالاً، لو استطاعوا شيئاً من هذا، لتحطمت الصخرة التي قامت عليها الفروض والمزاعم التي أسلفنا. وإذا لم يكن النسوة قد أعلنّ خلّو القبر، لما كان ثمة داعٍ لأن يصطنع رؤساء الكهنة نظريتهم، ولظلّت المدينة هادئة منصرفة إلى حياتها العادية، إلا ما تحدثه حادثة الصلب من جدل عادي ورجّة في الأفكار.

على أنني أراني مضطراً إلى القول إنه ما من نظرية من النظريات التي ذكرنا تتعرض لمثل ما تتعرض له هذه النظريات من التحطًم والبوار على ضوء الأسانيد العقلية. وسنرى في الفصول التالية أن الحوادث اللاحقة تسدّ عليها المنافذ وتخنقها خنقاً.

فصول كتاب من دحرج الحجر

بين الغروب والشروق – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟