قلقنا مبرر – سي إس لويس

قلقنا مبرر – سي إس لويس

قلقنا مبرر - سي إس لويس
قلقنا مبرر – سي إس لويس

قلقنا مبرر – سي إس لويس

 

هذه المقالة هي جزء من كتاب “ المجردة” لسي أس لويس، ولقراءة كل مقالات الكتاب مفرغة على موقع فريق اللاهوت الدفاعي فإضغط هنا:http://goo.gl/hy23Rm ولقراءة المقالة السابقة إضغط هنا: http://www.difa3iat.com/31156.html

ختمت الفصل السابق بفكرة مؤداها أن القانون الخُلقي يستدعي وجود شخص ما أو شيء ما خارج العالم المادي يستهدفنا فعلاً. وتوقعي أن بعضاً منكم، عند بلوغي تلك النقطة، شعروا بشي من الانزعاج. حتى أنك ربما ظننت أنني لجأت إلى خُدعة تمويهية: إذ حرضت على إلباس ثوب الفلسفة لما تبين أخيراً أنه “حديث ديني” آخر. ولعلك شعرت بأنك مستعد للإصغاء إليّ ما دمت تعتقد أن لدي شيئاً جديداً أفوله؛ ولكن إذا تبين أن ذلك لا يعدو كونه بحثاً دينياً، حسناً، فإن العالم سبق أن جرّب ذلك، وليس في وسعك إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء. فإن كان هذا شعور أحد منكم، أود أن أقول له ثلاثة أمور.

أما الأمر الأول، فهو يخص إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء. هل تظن أنني أمزح إذا قلت إن في وسعك تأخير الساعة فعلاً، وإن ذلك غالباً ما يكون أحكم عمل تقوم به إذا كانت السعة قد سبقت الوقت الصحيح؟ إلا أنن أُوثر بالحري أن أتحول عن فكرة الساعات برمتها. فجميعنا نريد التقدم. ولكن التقدم يعني الاقتراب أكثر إلى المكان الذي تريد بلوغه. وإذا كنت قد سلكت مُنعطفاً خطأ، فإن مضيك قُدماً لا يقربك إلى مقصدك بتاتاً. وإن كنت على الطريق الخطأ، فالتقدم يعني أن تسلك مُنعطفاً معاكساً والعودة إلى الطريق الصحيح؛ وفي تلك الحالة يكون الإنسان الذي يعود راجعاً في أبكر وقت هو الإنسان الأكثر تقدماً. ونحن جميعاً لمسنا ذلك عند إجراء العمليات الحسابية. فعندما أكون قد باشرت عملية جمع بطريقة خاطئة، فكلما أسرعت في الاعتراف بالخطأ وفي الرجوع إلى الوراء لمباشرة العملية من جديد، يكون تقدمي أسرع. وليس من تقدمية في المعاندة ورفض الإقرار بالخطأ. وأعتقد أنك إذا نظرت إلى حالة العالم الراهنة، يتضح لك إلى حد بعيد أن البشرية ما زالت ترتكب خطأ كبيراً من نوع ما. فنحن على الطريق الخطأ. وما دام هذا واقع الحال، فيجب علينا الرجوع عنه. وهكذا يكون الرجوع أسرع طرقة للمُضي إلى الأمام.

وأما الأمر الثاني، فهو أنه لم يتبين بعد أن كلامي قد تحول إلى “حديث ديني” تماماً. فنحن لمن نصل بعد إلى الحديث عن إله أي دين فعلي، ناهيك بإله الديانة المخصوصة المسماة “”، بل وصلنا فقط إلى تلمُس شخص ما، أو شيء ما، يكمن وراء القانون الخُلقي. ولسنا آخذين هنا أي شيء من أو الكنائس، بل نحاول أن نرى ما يمكننا الاهتداء إليه عن هذا الشخص بسعينا الذاتي. وأريد أن أوضح تماماً أن ما نجده بسعينا الذاتي لهو شيء يسبب لنا صدمة. والحق أن لدينا اثنتين من البينات بشأن ذلك الشخص، أحداهما الكون الذي صنعه. وإذا استخدمنا الكون بوصفه مفتاحنا الوحيد، فأعتقد أنه ينبغي لنا عندئذ أن نستنتج أنه فنان عظيم (لأن الكون مكان جميل جداً)، ولكن أيضاً أنه عديم الرحمة تماماً وغير محب للإنسان (لأن الكون مكان خطر جداً ومُروع كثيراً). أما البيّنة الثانية، فهي القانون الخُلقي الذي وضعه في أذهاننا. وهذه البينة أفضل من سابقتها، لأنها معلومات داخلية. فأنت تستنتج عن من القانون الخُلقي أكثر مما تستنتجه عنه من الكون عموماً، تمامً كما تكتشف عن إنسان ما بالإصغاء إلى حدثيه أكثر مما تكتشفه عنه بالنظر إلى بيت بناه. والآن، من هذه البينة الثانية نستنتج أن الكائن فيما وراء الكون مَعنيّ على نحو شديد بالسلوك الصائب: بالعدل والإنصاف واللاأنانية والشجاعة والأمانة والاستقامة والصدق. ومن هذه الناحية، ينبغي لنا أن نقبل التوصيف الذي تفيدنا به وبعض الأديان الأخرى من أن “صالح” بمعنى كونه متساهلاً أو ليناً أو مُسايراً. إذ ليس في القانون الخُلقي تساهل من أي نوع، بل هو صُلب كالصخر. فهو يقول لك أن تفعل ما هو مستقيم، ولا يبدو أنه يهمه كم يكون ذلك مؤلماً أو خطراً أو عسراً. وإذا كان مثل القانون الخُلقي، فهو ليس ليناً. وليس من نفع، في هذه المرحلة، أن تقول إن ما نعنيه بكون صالحاً (أو طيباً) هو أنه إله قادر أن يغفر. فأنت تسير بسرعة زائدة.

إن الشخص وحده قادر أن يغفر. ونحن لم نصل بعد الحديث عن إله ذي شخصية، بل كل ما وصلنا إليه هو تأكيد وجود قوة ما، وراء القانون الخُلقي، أشبه بعقل منها بأي شيء آخر. ولكن قد تكون ما تزال غير شبيه بشخص إلى حد بعيد. فإذا كانت عقلاً محضاً لا شخصياً. فربما لا يكون أي معنى لطلبك منها أ، تلتمس لك أعذاراً أو تعفو عنك، تماماً كما لا يكون أي معنى لطلبك من جدول الضرب أن يعفو عنك حين تغلط في حاصل العمليات. فإن أخطأت في حاصل العمليات، فلا بد لك من الحصول على الجواب الخطأ. وليس من جدوى أيضاً في قولك إنه إذا كان موجوداً إله من هذا النوع، صلاحُ مطلق لا شخصي، فإنك عندئذ لا تحبه ولن تزعج نفسك بشأنه: لأن المشكلة هي أن جزءاً منك هو في صفه وموافق حقاً على عدم رضاه بالجشع والاحتياك والاستغلال الموجودة عند البشر. قد تريج منه أن يُجري استثناء في ما يتعلق بحالتك، أو أن يعفو عنك هذه المرة الواحدة، ولكنك تعلم في قرارة نفسك أن مصدر تلك القوة الكامن وراء الكون لا يمكن أن يكون صالحاً إلا إذا مقت، حقاً ودون تغيير، ذلك النوع من السلوك السيء. ومن الناحية الأخرى، نعلم أنه إذا كان صلاح مطلق موجود فلا بد أن يكره معظم ما نفعله. هذه هي الورطة الرهيبة التي نحن فيها. وإن لم يكن صلاح مطلق متحكماً بالكون، فعندئذ تكون جميع مجهوداتنا معدومة الرجاء في نهاية المطاف. ولكن إذا كانت الحال عكس ذلك، فعندئذ نكون جاعلين أنفسنا أعداءً لذلك الصلاح كل يوم، ومن غير المحتمل أبداً أن يكون وضعنا أفضل غداً، وهكذا تكون حالتنا عديمة الرجاء أيضاً. فلا يمكننا أن نستغني عن ذلك الصلاح، كما لا يمكننا أن نفي بما يقتضيه. من هنا كان عزاءنا الوحيد، كما أنه أيضاً مصدر قلقنا الأخطر: الأمر الذي نحتاج إليه أشد الاحتياج، والأمر الذي نرغب في الاختباء منه أشد الرغبة. فهو حليفُنا المحتمل الوحيد، ونحن قد جعلنا أنفسنا أعداءً له. ويتحدث بعض الناس كما لو كان الوفاء بمطالب الصلاح المُطلق نُزهة ممتعة. فعلى هؤلاء أن يُعيدوا النظر في موقفهم هذا. إنهم ما زالوا يلعبون بالدين لعباً. غير أن الصلاح هو إما مصدر أماننا العظيم وإما مصدر خطرنا العظيم، تبعاً لطريقة استجابتنا له. ولطالما استجبنا له بالطريقة الخاطئة.

والآن حان دور الأمر الثالث. عندما آثرت بلوغ موضوعي الفعلي بهذه الطريقة غير المباشرة، لم أكن أحاول خداعكم بأيّة خُدعة، بل كان لدي سبب آخر. وسببي هذا أن تكون معقولة ما لم تواجهوا نوع الحقائق التي دأبت في وصفها. فالمسيحية تطلب من الناس أن يتوبوا وتَعِدهم بالغفران. وعليه، فهي لا تملك ما تقوله (على حد علمي) لأولئك الذين لا يعلمون أنهم قد فعلوا ما ينبغي أن يتوبوا عنه والذين لا يشعرون بأنهم يحتاجون إلى أي غفران. إنما بعد أن تكون قد أدركت وجود قانون خُلقي حقيقي، وقوة عاقلة وراء ذلك القانون، وأنك قد خالفت ذلك القانون ووضعت نفسك في موضع الخطأ تجاه تلك القوة، بعد هذا كله، وليس قبل ولو بلحظة واحدة، تبدأ تتكلم إليك. فعندما تدرك أنك مريض، تُصغي فعلاً إلى الطبيب. وعندما تدرك جيداً أن وضعنا مُوئِس إلى أبعد حد، فستبدأ بفهم ما يتحدث المسيحيون عنه. فهم يقدمون تفسيراً يُبين كيف تورطنا في حالتنا الراهنة، حيث نكره الصلاح ونحبه في آن معاً؛ كما يقدّمون تفسيراً يُبين كيف يُعقل أن يكون هو ذلك العقل اللاشخصي وراء القانون الخلقي، ومع ذلك يكون شخصاً أيضاً. إنهم يقولون لك كيف تم الوفاء بمطالب هذه القانون نيابة عنا، فيما لا نقدر أنا وأنتم، أن نفي بها: كيف صار نفسه إنساناً كي ينقذ الإنسان من عدم رضى . هذا خبر قديم، وإن شئت أن تغوص فيه فلا بد أن تستشير أشخاصاً لديهم أكثر مما لدي من سلطة تُخولهم التكلم عنه. إنما كل ما أنا فاعله هو حث الناس على مواجهة الحقائق الواقعة، وفهم الأسئلة التي تقول بأنها تجيب عنها. وإنها لحقائق مروعة جداً. وأود لو كان ممكناً أن أقول ما هو أكثر مقبولية أو استساغة. غير أنه ينبغي لي أن أقول ما أعتقده صحيحاً. إنني بالطبع أوافق تماماً على أن الديانة ، في نهاية المطاف، هي أمر ينطوي على عزاء يفوق الوصف. إلا أنها لا تبدأ بالعزاء والإراحة، بل تبدأ بالخيبة الهائلة التي ما زلت أصفها؛ ولا نفع البتة في محاولة التقدم إل ذلك العزاء بغير معاناة تلك الخيبة أولاً. ففي الدين، كما في الحرب وكل شيء غيرها، تكون الراحة هي الأمر الذي لا يمكنك الحصول عليه بالتطلع إليه. وإن تطلعت إلى الحق، فقد تجد الراحة في النهاية. ولكن إذا تطلعت إلى الراحة، فلن تجد لا الراحة ولا الحق، بل مجرد كلام معسول وتفكير رغبيّ في البداية، ويأساً رهيباً في النهاية. وفي الواقع أن معظمنا قد تعافوا من التفكير الرغبيّ السابق للحرب الكبرى فيما يتعلق بالسياسة الدُولية. وقد آن الأوان لأن نتغلب أيضاً على التفكير الذي تُمليه الأماني فيما يتعلق بأمور الدين.

وإلى المقال التالي: 

زر الذهاب إلى الأعلى