أبحاث

العاطفة والبرية – فيليب يانسي

العاطفة والبرية – فيليب يانسي

العاطفة والبرية – فيليب يانسي

العاطفة والبرية – فيليب يانسي
العاطفة والبرية – فيليب يانسي

العاطفة والبرية – فيليب يانسي

“إن الإله الذي يُشبع جوع الإنسان هو في نفس الوقت، المجهول والغريب، وحضوره غير المنظور هو الذي يسمح للشخص أن يكون ذاته”

جان سولفان

إنني أحاول جاهداً أن أعطي تقريراً أميناً وأن أقول الحق والصدق عن الحياة المسيحية، ولهذا السبب سأهدأ وأتراجع خطوة للوراء عن الصورة الذهنية الكبيرة عن الله الذي يعيش داخلي، وأفكر في صورة ذهنية أخرى.

فكر ملياً في خبرة رجل يحترمه الكثيرون كقائد روحي:

“ماذا عن حياة الصلاة الخاصة بي؟ هل أحب أن أُصلي؟ هل أرغب في أن أصلي؟ هل أقضي وقتاً في الصلاة؟ فالإجابة على كل من الأسئلة الثلاث، بعد عمر يناهز الثالثة والستين، منها ثلاثون سنة قضيتها في الخدمة، أشعر أن صلاتي ميتة كالصخرة… لقد انبهرت كثيراً للصلاة، وقرأت عنها، وكتبت عنها، وقمت بزيارة الأديرة وأماكن الصلاة، كما قمت بإرشاد الكثيرين في رحلتهم الروحية.

والآن كان يجب أن أكون ممتلئاً بالنار الروحية، وأستغرق في روح الصلاة. كثيرون من الناس يعتبرونني كذلك، ويتحدثون إليّ كما لو أن الصلاة هي موهبتي، ورغبتي العميقة.

ولكنني في الحقيقة لا أشعر بشيء عندما أصلي. لا توجد لديّ مشاعر دافئة، أو إحساسات جسدية أو رؤى هنية. لم تُلمس واحدة من حواسي الخمس، ولا أشعر برائحة خاصة، أو أصوات ومناظر أو حركات خاصة. في حين أنه خلال مدة طويلة عمل الروح القدس بكل وضوح من خلال جسدي، ولكنني الآن لا أشعر بشيء. وكنت أحيا متوقعاً أن صلاتي ستصبح أمراً سهلاً كلما كبرت في السن، واقتربت من الموت. ولكن العكس هو الذي يحدث لي. وكلمات مثل الظلام والجفاف هي أفضل كلمات توصف بها صلواتي اليوم.

هل ظلام وجفاف صلاتي علامة لغياب الله، أم أنها علامة لحضور عميق ومتسع لا أستطيع إدراكه. وهل موت صلاتي هو نهاية علاقتي مع الله، أم أنه بداية لعلاقة جديدة أكبر من كلمات مثل العواطف والأحاسيس الجسدية؟”.

لقد كتب “هنري نووين” هذه الكلمات في السنة الأخيرة من حياته. وبسبب وفاته الفجائية، ليس لدينا إجابة على سؤاله الأخير، والذي عندما أستحضر معلوماتي عنه يبدو أنه سؤال خاطئ. ولأنني أعرف “نووين” ولديّ فكرة عن كم الوقت والطاقة التي كرسها للصلاة – أكثر من أي شخص آخر أعرفه – فلا يمكنني أن أتغافل عن هذه الفقرة كخطأ م مؤقت وقع فيه. إذ أنها تصف بصراحة الحقيقة لاختباره الروحي.

وأشك في انتشار وشعبية كتابات هذا الكاهن الكاثوليكي بين البروتستانت الإنجيليين، لأنها تعبر عن ضعف الأمانة. كتب “نووين”: “عندما كان الناس يشكرونني لأنني أساعدهم في الاقتراب إلى الله، كنت أشعر أن الله تخلى عني. كما لو أن البيت الذي وجدته أخيراً بلا أرضية”.

ربما يكون قد تأثر أيضاً باستنتاجات “توماس جرين” وهو متخصص في الصلاة والمدير الروحي للمعهد اللاهوتي بفيلادلفيا. يقول “جرين”: إن الجفاف هو النتيجة الطبيعية لحياة الصلاة. وبعد أن أجري مقابلة للحب الإنساني رسم جرين ثلاثة مراحل لحياة الصلاة الصحية.

ففي فترة المغازلة والتودد، نتعرف على الله، وفي فترة شهر العسل ننتقل من المعرفة إلى الحب، وعلى مدى السنين ننتقل من الحب إلى الحب الحقيقي. وفي استطاعة أي متزوج أن يخبرك بأن المرحلة الأخيرة في الحب الناضج تتضمن مللاً أكثر من الرومانسية، ونفس الشيء ينطبق على العلاقة مع الله. لهذا ففترة الجفاف في الصلاة قد تعني النمو، وليس الفشل. هكذا يقول “جرين”.

ولأن نشأت بين تقاليد إنجيلية متفائلة ومبتهجة، ففي البداية وجدت أن هذه الأفكار بمثابة نوع من الهرطقة. وتخيلت أن الجفاف والظُلمة قد تُحزن، بشلك أساسي الكاثوليك. ولأن الرهبان والراهبات يصلون طوال اليوم فلا عجب إذا أصابهم الملل.

ومع ذلك فقد اكتشفت نموذجاً مشابهاً في الكتاب المقدس نفسه وخاصة في العهد القديم. فالكثير من المزامير تذكر أوقات الجفاف والظلمة مرات عديدة، وقد اقتبس يسوع البعض منها الذي يعبر عن الحزن والكآبة وقد يصف بولس وبعض الذين دونوا الرسائل في العهد الجديد، الحياة المسيحية بكلمات مضيئة، ولكن عند القراءة لما بين السطور تجعلك تدرك أن قلة من القراء يختبرون النصرة التي يحضونهم عليها.

صرحت قديسة كاثوليكية أخرى تُدعى “تيريزا قلب يسوع” أن “الصلاة ترفعنا من العجز وعدم الكفاءة وإلا فلا حاجة لها”. وأنني أرى الآن أن حاجتنا، وشعورنا بعدم الكمال يقودنا إلى الله. والنعمة هي هبة نتلقاها بأيادٍ مفتوحة، والفشل هو الذي يجعلنا نفتح أيدينا.

عندما نتلقى نعمة الله وتبدأ الحياة الروحية فإن التوتر يزداد أيضاً. والقديس الكامل لا يختبر التوتر ولا الخاطئ تؤرقه الجريمة. والبقية الباقية تعيش في مكان بين الطرفين، وهذا ما يُعقد الحياة ولا ييسرها.

كتب القديس “جيروم”: لا أحد أكثر سعادة من المؤمن، لأن له وعد ملكوت السموات: لا أحد أكثر تعباً منه، فكل يوم يجتاز مخاطر الحياة. ولا أحد أقوى منه، لأنه ينتصر على الشيطان: ولا أحد أضعف منه لأنه يُهزم من الجسد… والطريق التي يسلكها منزلقة، ومجد النجاح أقل من عار الفشل”.

عندما سُئل “مودي” ما إذا كان مملوءً من الروح القدس قال: “نعم؛ ولكن أحياناً ما يحدث تسرب أو ارتشاح”.

ما هو الأمر إذاً؛ أامتلاء أم جفاف، نور أم ظلمة، أانتصار أم فشل؟ إذا كنت مضطراً للإجابة فسأقول: “الاثنان معاً”. ارسم خطة لفترة دراسية تضمن حياة صلاة ناجحة، وحضوراً ظاهراً لله، انتصار دائماً على التجربة، فمع ذلك فسوف يكون هناك احتمال للفشل، أو جوانب للضعف. وكذلك العلاقة مع إله غير منظور فهي تشمل دائماً على الشك، والتقلب، أو التغيير.

أفضل أن أتفادى السؤال، لأنني أعتقد أنه سؤال خطأ. فعندما أتذكر أبطال الإيمان أجد جميعهن مشتركين في أمر واحد: ليس انتصاراً أو نجاحاً، بل عاطفة ومشاعر. كما أن التقليد على الأسلوب الروحي قد يقودنا بعيداً عن العلاقة العاطفية التي يقررها الله فوق كل شيء. وما هو أكثر من نظام عقائدي، أو اختبار روحي عميق، فإن الكتاب المقدس يؤكد على علاقة مع شخص، والعلاقات الشخصية لا يمكن أن تثبت على حال واحد.

إنني أمتدح الخدام البسطاء الذين أستمع إليهم في الراديو، والتلفزيون، وأندهش لجاذبيتهم، وخاصة بين الفقراء. ربما يحبونهم لأنهم يقدمون لهم إلهاً يمكن لأي شخص أن يعرفه ويحبه. فقد قال الرب يسوع: إننا يجب أن نقبل وندخل ملكوت السموات كأطفال. فالأطفال لا يفهمون معنى العلاقة أو الشركة، بل بكل بساطة يعيشونها.

كتب اللاهوتي “جورجن مولتمان”: “كنت معتاداً على التفكير بأن الله الذي يشتعل غضباً وغيرة روحية، وحباً، يحمل قلب طفل، وفي غاية الإنسانية. بينما كان إله الفلاسفة المجرد والبعيد عن كل الصور الإنسانية، كان أقرب للحقيقة لي. ولكن كلما تعمق اختباري أكتشف كيف أن هذا التجريد قد دمر حياتي، وكلما ازداد فهمي لمشاعر وعواطف الله في العهد القديم، أدرك مقدار الألم الذي مزق قلب هذا الإله”.

كان رجال الله المحبوبون يستجيبون لانفعال وعاطفة. فنجد أن موسى قد تجادل مع الله بقوة، حتى أنه مرات عديدة حاول إقناعه بتغيير رأيه. وصارع يعقوب مع الله طوال الليل، واستخدم حيلة بشرية لينال بركة من الله. اندفع أيوب بشدة في غضب ساخر ضد الله. كسّر داود خمسة وصايا من الوصايا العشر، ورغم ذلك فهم لم يتركوا الله كما أن الله لم يتركهم. إن الله يستطيع أن يعالج الغضب والملامة، بل وحتى العصيان المقصود.

ولكن شيئاً واحداً هو الذي يقطع العلاقة وهو: اللامبالاة. ونجد تعبيراً يحمل هذا المعنى في سفر إرميا حيث يقول الله لإرميا “لقد أعطوني القفا لا الوجه”، وذلك عندما أراد أن يدين شعب إسرائيل.

هناك منظمة تُدعى “مدمني الخمر من الأطفال البالغين” تعمل على مساعدة الأسر التي ابتليت بالخمور، وتعلم الأولاد السـكيرين ثـلاثة أمور لتسـاعدهم على التغـلب على المُسكرات: لا تتحدث، لا تثق، لا تشعر. وفيما بعد، عندما يكبر هؤلاء الأولاد، وجدوا أنهم لا يستطيعون الحفاظ على العلاقة الوثيقة، فقد كان عليهم أن يرفضوا نموذج اللامبالاة. أخبرني المؤمنون الذين يعملون في حقل المشورة أن المؤمنين المجروحين قد يتواصلوا مع الله بنفس هذا الأسلوب.

فقد كانت ردود أفعالهم ضد التربية المتشددة في الصغر، أو شعورهم بتخلي الله عنهم، إنهم أخمدوا العاطفة في داخلهم، وعادوا إلى الإيمان الشكلي والرسمي، وليس الإيمان الشخصي الاختباري.

وعلى النقيض من ذلك، فالعلاقة الصحيحة تحتفظ بالعاطفة والحب، والمشاعر في الحزن والألم، وسواء كان في الانتصار او الفشل، فالغياب كالحضور يثير المشاعر. فعندما يترك الجندي منزله ملبياً نداء الوطن والواجب، أو عندما يتخرج الشاب من المدرسة الثانوية ليلتحق بالكلية، فالعاطفة لا تخبو، بل ربما تقوى وتزداد.

لقد تعلمت من أبطال الإيمان في الكتاب المقدس هذا الدرس الهام عن العلاقة مع الله غير المنظور: مهما تفعل، لا تتجاهل الله. ادع الله إلى كل جانب في حياتك. وبالنسبة لبعض المؤمنين كانت أزمة أيوب مع الله تشمل خطراً عظيماً بالنسبة لهم. فكيف يتمسكون بالإيمان بإله لا يُظهر اهتماماً بهم، بل وقد يكون كارهاً لهم؟ وآخرون، وأحسب نفسي واحداً منهم، يواجهون غضباً خبيثاً ماكراً. وربما عندما تتراكم المشاكل – كمبيوتر متعطر، فواتير يجب أن تُدفع، رحلة يجب أن نقوم بها، زواج صديق، مشاغل الحياة اليومية – كل هذه تُبعد الله تدريجياً عن مركز حياتي.

وفي بعض الأيام أقابل الناس، آكل، أعمل، أتخذ قرارات، أفعل كل هذا دون التفكير في الرب. ونسيان الله هذا هو أكثر خطورة مما اختبره أيوب، لأن أيوب لم يتوقف تفكيره في الرب.

حضرت دراسة للكتاب المقدس، قال فيها أحد الأصدقاء ملاحظة عن حياة الملك داود: “إذا أثبت شاول أن “الطاعة أفضل من الذبيحة”، فإن داود أثبت أن العلاقة أفضل من الطاعة”. ومع أن البعض قد يعترض على هذه الكلمات، فإن قصة داود توضح أن العلاقة مع الله بإمكانها أن تتغلب على أسوء أعمال العصيان. إنني أواصل الإشارة لقصة الملك داود الذي يعني اسمه “المحبوب”.

ولكن هناك سؤال لا يمكن تجنبه في حياة داود: كيف يمكن لشخص مثل داود، وهو من ارتكب الزنى، والقتل، يقول عنه الله: “وجدت قلب داود عبدي بحسب قلبي”. لدينا الكثير الذي يمكننا أن نستفيده من الإجابة على هذا السؤال، لأن الصفحات المخصصة لداود تُعطي أفضل معالجة لأي شخصية في الكتاب المقدس، بمن فيهم الرب يسوع. لقد شعرت أن لدى هذا الرجل الشهير الكثير لكي نتعلمه.

عند مراجعتي لقصة داود بحثاً عن سره الروحي، ظهر أمامي مشهدان. الأول يقدم إجابة على السؤال الأول. ففي أحد أعماله الرسمية كملك، أرسل داود في احضار تابوت العهد ليضعه في أورشليم كرمز لحضور الله في العاصمة الجديدة التي كان يبنيها. وعندما وصل التابوت برفقة فرقة المغنيين النحاسية وجماهير الشعب، فقد داود سيطرته على نفسه تماماً. وهو مغمور بالفرح سار بالعربة ذات العجلات في الشوارع – كما لو كان رياضياً أوليمبياً وقد حصل على ميدالية ذهبية.

لقد كان منظر داود وهو يمارس هذه الحركات البهلوانية، مرتدياً ثيابه المقدسة، بمثابة الفضيحة في نظر زوجته، وقال لها: “إنني سأفعل أكثر من هذا. إنني أحتفل بقدوم التابوت أمام الرب”. ولم يحفل داود بسمعته الملكية مطلقاً، طالما أن الله بإمكانه أن يشعر بفرحته وانتصاره.

إن داود المفعم بالحب قد شعر بحب غامر نحو الله أكثر من أي شيء أخر في العالم، وفي أثناء حُكمه تغلغلت تلك الرسالة إلى كل الأمة. كتب عن ذلك “فريدريك بوتشنر”:

لقد أخطأ داود مثل باقي البشر، بل ربما أكثر، فقد كان أنانياً، ومخادعاً، وشهوانياً، غير أن جوهر رقصه أمام تابوت الرب فقط، يمكنك أن ترى فيه لماذا أحب شعب إسرائيل داود أكثر من أي شخص آخر. حتى أنه عندما دخل يسوع الناصري راكباً جحش ابن أتان إلى أورشليم، بعد ألف سنة، رحبوا به مصفقين له كابن داود”.

أما المشهد الثاني؛ فيأتي بعد ذلك بعدة سنوات، حيث داود في قمة قوته، وأكثر من أي شيء آخر يوضح عظمة هذا الملك. لقد ارتكب داود جريمة يرتكبها معظم الناس في كل العالم منذ القدم: رجل يرى امرأة، ويُعاشرها، فتحمل منه، وليس هناك أمر غريب في ذلك. وبدلاً من كلمة “ملك” في هذه القصة ضع كلمة سياسي، أو ممثل، أو مليونير، أو حتى مُبشر.

وضع بدلاً من كلمة بثشبع ضع كلمة ملكة جميلة، عندئذ فقط بإمكانك أن تقرأ نفس القصة في فضيحة حديثة على صفحات إحدى الجرائد. ما هو الجديد في هذا الأمر؟

إن حادثة بثشبع تكشف جانباً مكيافيلياً لداود. فعندما فشلت خطته للتغطية على حادثة الزنا، لجأ إلى خطة جهنمية، تتضمن قتل الزوج في المعركة. قضية كلاسيكية قديمة “جريمة تقود لأخرى”، داود القائد الروحي لأمة كسر الوصية السادسة والسابعة والتاسعة والعاشرة في تتابع سريع. وعندما انتقلت بثشبع لتعيش معه في القصر وتزوجها، بدا له وكأن الأمر كله قد نُسي، ولم ينطق أحد بكلمة احتجاج، فيما عدا ناثان النبي.

أحب كثيراً المشهد المذكور في (2 صموئيل 12) لأنه يوضح بقوة هذه القصة. يبدأ ناثان النبي بقصة الطمع الشديد – الرجل الغني الذي يمتلك الكثير من الغنم والبقر، وسرق النعجة الوحيدة للرجل الفقير – وبعد سرد القصة، عرضّ ناثان حياته للخطر عند توجيهه الاتهام المباشر للملك: “أنت هو الرجل”. وما حدث بعد ذلك يُظهر عظمة داود الحقيقية. فقد كان بإمكان داود أن يقتل ناثان أو أن يلقيه خارج القصر، وكان بإمكانه أن ينكر كل شيء… فهل كان لدى ناثان أية أدلة على ذلك؟ وهل كان خدام داود سيشهدون ضده؟

أن أي شخص معاصر لفضيحة ووترجيت، أو مونيكا جيت، كان سيشعر بما كان يمكن أن يفعله الملك داود. لقد كذب الرئيس الجمهوري “ريتشارد نيكسون” محاولاً تغطية جرائمه بالرشوة، غير أن شريط تسجيل، وليس الاعتراف، هو ما أسقطه. والرئيس الديمقراطي “بيل كلينتون” تطلع إلى الكاميرا بكبرياء، وخدع الأمه كلها، غير أن فستاناً ملوثاً أدانه، وليس الاعتراف، هو الذي أدى إلى ادانته. لقد اعترف نيكسون قائلاً: “إن هذه الأخطاء قد حدثت”، كما صرح كلينتون بكل ما ارتكبه، وأذيع على العالم أجمع.

إن التناقض في كلمات داود الأولى ليست أعظم من هذا: “أخطأت إلى الرب”. لم يتبادر إلى ذهن داود الناس الذين أخطأ في حقهم، أوريا أو زوجته بثشع، لكنه قال: قد أخطأت إلى الرب. وكما رقص أمام الرب عندما أحضر التابوت، هكذا أخطأ أمام الرب عند ارتكابه للخطية.

إن مزمور 51 هو بمثابة أعظم نتيجة مؤثرة للخطية الفظيعة التي ارتكبها. فاعتراف ملك بخطأ أخلاق أمام النبي في جلسة خاصة شيء مختلف تماماً عن كتابة تقرير مفصّل بهذا الاعتراف (مزمور 51) لكي يتغنى به المؤمنون حول العالم. ويجسد هذا المزمور الطبيعة الحقيقية للخطية التي تكسر علاقتنا بالله. يصرخ داود في هذا المزمور: “إليك وحدك أخطأت…” لقد رأى أن الله يريد “الروح المنسحق، والقلب المنكسر” وتلك صفات اتصف بها داود.

عندما نظر بنو إسرائيل إلى ملكهم العظيم تذكروا تكريسه للرب أكثر من إنجازاته العظيمة. إن داود الملك – الزاني، والمحب للانتقام – يقول عنه الله: “إن قلب داود حسب قلبي”. لقد أحب الله من كل قلبه، هل يمكننا أن نقول أكثر من هذا؟

سر داود، في هذين المشهدين: أحدهما مُبهج للغاية، والآخر مُدمر للناموس، ابحث عن إجابة. فسواء كان في السير بعربة خلف تابوت الرب، أو اضطجاعه على الأرض مدة ستة أيام في ندم وأسف عميق على ما فعل، فإن غريزته القوية تدفعه لأن يربط حياته بالله. فلا يهم أي شيء آخر. يتضح من كل ما دونه في المزامير ان حياته كانت مُشبعة بالرب: “يا إلهي أنت إليك أبكر. عطشت إليك نفسي، يشتاق إليك جسدي في أرض ناشفة ويابسة بلا ماء، لأن حبك أطيب من الحياة، شفتاي تسبحانك”. هكذا كتب هذه الكلمات عندما كان في صحراء قاحلة.

بكل وضوح وجلاء وصل كل هذا الحب، وكل هذه العلاقة مع الله. فبعد عدة سنوات عندما كاد جيش الأشوريين أن يستولي على أورشليم أجرى الرب معجزة وأنقذهم. وقال لليهود أن حبه لهم لن ينتهي…” من أجل داود عبدي سأقطع معكم عهداً”.

بينما أعيد التفكير في افتراضاتي عن العلاقة مع الله، فإنني أرى الآن أنها ضُللت وشُوهت. فقد ورثت في طفولتي صورة عن الله كمدرس قاس وصارم يوزع الدرجات على الطلبة. وكأي شخص آخر لي نفس الهدف: أن أحصل على الدرجة النهائية، وأن أُرضي المدرس. لكن إذا تسببت في أي مشكلة فسوف يرسلني المدرس لآخر الفصل للوقوف في ركن الغرفة، أو ربما يرسلني إلى غرفة فارغة في آخر الردهة كعقاب.

كل شيء تقريباً في هذا التشبيه الجزئي، تعلمته، يناقض تعاليم الكتاب المقدس، ويشوه هذه العلاقة. ففي المقام الأول، يتوقف رضى الله ليس على “سلوكي الطيب”، بل على نعمة الله. ليس بإمكاني أن أحصل على درجات مرتفعة لكي أصل إلى المستوى الكامل للمدرس، وحمداً لله، فأن لست مضطراً لذلك.

بالإضافة إلى ذلك؛ فإن علاقتي مع الله، سواء كانت في ارتفاع أو هبوط، لا تتوقف على سلوكي. فالله لن يرسلني إلى الغرفة الفارغة إذا عصيته، بل على العكس من ذلك تماماً: فالأوقات التي أشعر فيها بأنني قد ابتعدت عن الله قد يُشعرني باليأس الذي قد يُتيح لي فرصة جديدة لتدخل نعمة الله. فعندما اختبأ إيليا في مغارة هرباً من وجه الرب سمع الصوت الخفيض الهادئ الذي جلب له الهدوء، وليس التوبيخ. وحاول يونان الهروب من الله ولكنه فشك، وعندما أنكر بطرس المسيح استرده يسوع بكل محبة.

أحاول أن أعبر لله عن فهمي كيفية عمل العلاقة الإنسانية مشتملة على الافتراض بأن الخيانة تُدمر هذه العلاقة بطريقة دائمة. ومع ذلك؛ فإن الله لا يتوقف عن العطاء بسبب هذه الخيانة، ربما لأنه قد اعتاد عليها منا. قال الرب يسوع لبطرس: “على هذه الصخرة أبني كنيستي”، وكما قال لوثر: إننا دائماً، وفي نفس الوقت، الخطاة والأبرار التائبون. فتعبيرات الحب الضعيفة والمتعثرة التي نقدمها قد لا تصل إلى ما يرغبه الله منا، ولكنه مثل أي أب فهو يقبل ما يقدمه له أولاده.

قمت بزيارة صديقين يعملان في الخدمة داخل المدينة، وسألت كل منهما نفس السؤال: “يخبرنا الناس بالكنيسة بأننا عندما نخطئ أن “نرتد” فنحن بذلك نقطع علاقتنا مع الله. وأنتم تعملون مع أناس يعيشون مع الفشل كل يوم، فهل وجدتم أن الارتداد يبعدهم عن الله أكثر أم يدفعهم نحوه أكثر.

أجابني “بد Bud” الذي يعمل بين المدمنين بإجابة سريعة: “إنه يدفعهم نحو الله، وبإمكاني أن أخبرك بقصص كثيرة عن مدمنين استسلموا لإدمانهم وهم يعلمون أنهم يرتكبون أخطاء فادحة ضد أنفسهم، وضد عائلاتهم. وعند ملاحظتي لهم، فهمت مدى قوة الخطية في هذا العالم، إنهم يريدون مقاومة الخطية، ولكنهم لا يستطيعون ذلك. وبالرغم من كل ذلك، فإن لحظات الضعف هذه هي نفسها التي يُحتمل أن يرجعوا فيها للرب صارخين إليه من عمق يأسهم، ولكنهم فشلوا.

والآن لماذا؟ هل بإمكانهم أن يقفوا مرة أخرى ويسيروا أم سيبقون مشلولي الحركة؟ بمعونة الله يتمكن البعض منهم من الوقوف ثانية. وفي الحقيقة، لقد تأكدت من وجود عامل قوي واحد لمعرفة ما إذا كان المدمن يمكن شفاؤه: إذا كان لديه الإيمان العميق بأن الله سوف يغفر له ويصبح ابناً لله، فسوف يُشفى تماماً.

كما يقول “ديفيد” الذي يدير بيتاً لمرضى الإيدز: “لم ألتق بأناس أكثر روحانية من أولئك الموجودين في هذا البيت، الذي يواجهون الموت ويعلمون أنهم هم الذين جلبوا هذا المرض على أنفسهم. معظمهم أصيب بهذا الفيروس من خلال استخدامه للمخدرات أو الاتصال الجنسي غير الشرعي. ويمكن وصف حياتهم بأنهم نوع من الفشل، ولا يمكنني شرح ذلك. فهؤلاء الرجال لديهم نوع من الروحانية والعلاقة مع الله لم أر لها مثيلاً في أي مكان آخر”.

كما كتب “فرنسيس دي سال”: “كلما ازدادت معرفتنا بمدى بؤسنا، كلما ازداد عمق ثقتنا في صلاح ورحمة الله، لأن الرحمة والبؤس مرتبطين ارتباطاً قوياً حتى أنه لا يمكن ممارسة أي منها دون الآخر”.

لقد انتقد “فرنسيس دي سال” بقسوة أولئك الذين يتعثرون ثم ينغمسون في ملذاتهم الخسيسة قائلين: “كم أنا إنسان بائس! إنني لا أصلح لشيء!” ولكن الذين يتبعون الله بالحق يتواضعون ويقفون ثانية بكل شجاعة.

ذات مرة استمعت إلى خدمة عن حنانيا وسفيرة، تلك القصة المخيفة التي ترد في الأصحاح الخامس من سفر أعمال الرسل، والتي يحاول بعض الخدام تفاديها. وهي عن زوجين، سقطا ميتين بعد أن كذبا في ذكر مقدار المال الحقيقي الذي تبرعا به للكنيسة. يقول “جون كلايبول” إنهما ارتكبا خطأ واحداً، وهو الذي تسبب في موتهما. إن احتفاظهما ببعض المال من ثم الحقل لم يكن المشكلة – لقد قال بطرس إن ذلك من حقهما – ولكنهما قدما مثلاً روحياً سيئاً عن نفسيهما.

يستطيع الله أن يغفر أية خطية، ويتعامل مع أية حالة روحية. فنحن نسقط ونقوم، ويعطينا الكتاب المقدس أمثلة لهذا مثل: داود، وبطرس، غير أن الله يطلب الأمانة. ونحن لا نجرؤ على إنكار ما نفعله أمام الله، لأننا إن فعلنا ذلك، فنحن نغلق أيدينا عن تلقي نعمة الله.

في طفولتي كنت أشير إلى الكارزين المتنقلين والخدام الذين يقودون المؤتمرات والمؤلفين المكرسين للرب كأناس قريبين من الله. وتعرفت على البعض منهم. ولكنني الآن أشير إلى بعض أصدقائي الذين يقاومون ضد خطايا جنسية وضد الخمور. وفي هذا العالم، فإن الشخص الذي قادني إلى مستويات جديدة مع الله، هو قسيس جُرد من خدمته ويعاني من إدمان الكحول والسجائر.

وفي صراعه هذا يأتي إلى الله يومياً لأنه لا يستطيع أن يتنبه ويستيقظ ويدرك أنه بار. وعندما يقابلني يقول: “أنا خاطئ وأتحدث إلى خاطئ آخر”. وقد تخلى عن أي شعور زائف بالكمال قد يبعده عن نعمة الله.

وفي وقت الحاجة لا يلجأ كل إنسان إلى الله. ومع ذلك؛ فعندما أشعر بالعطش والتعب، يتولد داخلي أمل لحياة جديدة، إنها خصوصية الخالق. وطالما لا نتعود على الألم من حولنا أو الذي بداخلنا، ونكون محايدين تجاه سقطات العالم، ولا نشعر باشتياق لبقائنا في العالم، فسوف نعطي مكاناً لنعمة الله لأن تدخل حياتنا.

كتب “هنري نووين” عن صراعه المستمر للتميز بين الصوت الصادر من نفسه المجروحة، والتي تبتعد بعيداً، وبين صوت الله. واستمر الناس يقرأون له ويستمعون إليه في انتظار ما سيقوله عن سلطان صوت الله، وفي أثناء ذلك تأمل داخله فلم يجد سوى النفس المجروحة. وتدريجياً تعلم أن صوت الله يتحدث فقط من خلال النفوس المجروحة. واستمر في انتظاره أمام الله بالرغم من النتائج الظاهرة:

“لم يكن وقتاً اختبر فيه اقتراباً خاصاً من الله، ولا فترة من الاهتمام الجاد بالأسرار السماوية. وكم كنت أود أن يكون كذلك، بل على العكس، كانت فترة مملوءة بالتشتت، والقلق الداخلي، والشعور بالندم، والارتباك، والزهق. ولم أتمتع فيها بأي سرور. ولكن مجرد شعوري بأنني متواجد في حضوره في حضرة الرب لمدة ساعة وأظهرت له فيها ما أشعر به وأفكر فيه واختبره بدون أن أحاول تخبئة أي شيء عنه، فلا بد أن هذا الأمر قد سرّ قلب الله.

أنا أعلم أنه يحبني حتى وإن لم أكن أشعر بهذا الحب مثلما أشعر باحتضان البشر لي، أو لم أشعر بوقت مثلما أشعر بكلمات بشرية للتعزية، حتى وإن لم أر ابتسامة مثلما أراها على وجه إنسان. فسيظل الله يتحدث إليّ، وينظر إليّ، ويحتضنني بينما أنا ما زلت غير قادر على ملاحظة ذلك”.

“يا إلهي، لا أعلم إلى أين أنا ذاهب. ولا أرى الطريق أمامي، ولست متأكداً من نهايته، ولا أعرف حقيقة نفسي، واعتقادي بأنني أتبع إرادتك لا يعني أنني أتعبها فعلاً. ولكنني أعتقد أن رغبتي في إرضاءك أمر يسرك”

توماس مرتون

إن الله يختار آنية خزفية ليسكن فيها. وفي هذا الكتاب قد تسمع لصوت الله، وهذه هي رغبتي العميقة التي أبحث عنها طوال حياتي. ومثلما قال “نووين”: فبالرغم من أنني أستمع إلى صوت نفسي المجروحة محاولاً ألا يختلط صوتي بصوت الله، فإنني أعيش في يقظة دائمة، وأعرف أنه من الأسهل أن تحرر كتاباً من أن تحرر نفساً.

العاطفة والبرية – فيليب يانسي