مواضيع عاجلة

 أنتم نور العالم – للقديس مقاريوس الكبير

أنتم نور العالم – للقديس مقاريوس الكبير

أنتم نور العالم للقديس مقاريوس الكبير
أنتم نور العالم للقديس مقاريوس الكبير 

أنتم نور العالم للقديس مقاريوس الكبير  [1]

          أن تصير نفوس الأبرار نورًا سماويًا، فهذا هو ما أعلنه الرب للرسل، عندما قال  ” أنتم نور العالم” (مت14:5) لأنه صيّرهم نورًا أولاً، ثم بعد ذلك أمر بأن يستنير بهم العالم إذ يقول “ لا يوقدون سراجًا ويضعونه تحت المكيال، بل على المنارة فيضئ لكل من فى البيت، فليضئ نوركم هكذا قدام الناس” (مت16،15:5).

 

          وبمعنى آخر، لا تخفوا الموهبة التى قبلتموها منى، بل أعطوا لكل الذين يرغبون أن ينالوها. وقال أيضًا ” سراج الجسد هو العين فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرًا. وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلمًا. فإن كان النور الذى فيك ظلامًا فالظلام كم يكون” (مت23،22:6، لو34:11)، فكما أن العينين هما نور الجسد ـ وطالما هما بحالة جيدة ـ فالجسد كله يكون نيرًا، ولكن إن حدث لهما حادث فأظلمتا، يصير الجسد كله فى ظلمة، هكذا قد جعل الرسل ليكونوا عيونًا ونورًا للعالم كله. لذلك فإن الرب أمرهم بهذا القول.

فأنتم الذين هم نور الجسد ، إن كنتم تثبتون ولا تنصرفون عنى، فحينئذ يستنير جسد العالم كله، وأما إن كنتم وأنتم النور تكونون مظلمين فما أعظم تلك الظلمة، التى هى ليست شيئًا أقل من العالم. وهكذا فإن الرسل إذ كانوا هم أنفسهم نورًا، فقد أعطوا النور لأولئك الذين آمنوا، إذ أناروا قلوبهم بذلك النور السماوى ـ نور الروح الذى كانوا هم أنفسهم مستنيرين به.

 

الملح والذبيحة والكاهن :

          وإذ كانوا هم أنفسهم ملحًا فإنهم حفظوا وملّحوا كل نفس مؤمنة بملح الروح القدس؛ لأن الرب قال لهم ” أنتم ملح الأرض” (مت13:5)، ويقصد بالأرض قلوب الناس. إنهم أعطوا لنفوس الناس من الداخل الملح السماوى ـ ملح الروح ـ فيملحونهم ويجعلونهم أحرارًا من الفساد والتعفن، بدلاً من تلك الحالة الكريهة التى كانوا فيها. إن اللحم، إن لم يُملّح، يفسد ويمتلئ برائحة كريهة، حتى أن الناس كلهم يبتعدون من الرائحة العفنة، ويدب الدود فى اللحم الفاسد ويسكن فيه ويتغذى عليه ويختبئ فيه؛ ولكن حينما يلقى عليه الملح يموت الدود الساكن فيه وتنتهى الرائحة الكريهة لأن هذه هى خاصية الملح أن يقتل الدود ويزيل الرائحة الكريهة.

 

          وبنفس الطريقة فإن كل نفس لا تُصلّح وتُملّح بالروح القدس ولا تشترك فى الملح السماوى الذى هو قوة الله فإنها تفسد وتمتلئ برائحة الأفكار الرديئة الكريهة حتى أن وجه الله يتحول عن الرائحة المرعبة النتنة رائحة أفكار الظلمة الباطلة وعن الشهوات التى تسكن فى مثل هذه النفس. والدود الشرير المرعب، الذى هو أرواح الشر وقوات الظلمة، تتمشى وتتجول فيها، وتسكن هناك، وتختبئ وتدب فيها وتأكلها وتأتى بها إلى التحلل والفساد. كما يقول المزمور ” قد أنتنت وقاحت جراحاتى” (مز5:38).

 

          ولكن حينما تهرب النفس إلى الله لأجل الخلاص وتؤمن وتطلب ملح الحياة الذى هو الروح الصالح المحب للبشر، فحينئذ يأتى الملح السماوى ويقتل تلك الديدان المرعبة ويزيل الرائحة النتنة، ويطهر النفس بعمل قوته الفعال، وهكذا تصير النفس سليمة صحيحة وحرة من الاضمحلال بواسطة ذلك الملح الحقيقى وتُرد وتُعاد لتكون نافعة لخدمة السيد السماوى وهذا هو السبب الذى من أجله أمر الله، فى الناموس مستعملاً الرمز أن كل ذبيحة ينبغى أن تُملح بملح (لا13:2، انظر مرقس49:9).

 

          فالذبيحة ينبغى أولاً أن تُذبح بواسطة الكاهن، وتموت، ثم تُقطع قطعًا وتُملح، وبعد ذلك توضع على النار. فإن لم يذبح الكاهن الخروف أولاً ويموت، فإنه لا يُملح ولا يُقرب كقربان محرقة للرب. هكذا نفسنا أيضًا ينبغى أن تأتى إلى المسيح رئيس الكهنة الحقيقى ليذبحها، وتموت عن هوى فكرها الخاص وعن حياة الخطية الشريرة التى كانت تعيشها قبلاً. يجب أن تخرج منها الحياة حياة الأهواء الشريرة. كما أن الجسد إذ خرجت منه النفس يموت، ولا يعود يعيش بالحياة التى سبق أن عاشها، فلا يسمع ولا يمشى، كذلك المسيح، رئيس كهنتنا السماوى ـ حينما يذبح نفسنا بنعمة قوته، ويميتها عن العالم، فإنها تموت عن حياة الشر التى كانت تعيشها، فلا تعود تسمع أو تتكلم أو يكون لها شركة وتوطن فى ظلمة الخطيئة لأن حياتها ـ التى هى الأهواء الشريرة قد خرجت منها بواسطة النعمة. والرسول يصرخ قائلاً:” قد صُلب العالم لى وأنا صُلبت للعالم” (غلا14:6).

 

          فالنفس التى لا تزال تحيا فى العالم وفى ظلام الخطيئة ولم تُمات بواسطة المسيح ولا يزال روح الخبث فى داخلها أعنى نشاط ظلمة أهواء الشر، التى تتحكم فيها فإن هذه النفس لا تنتمى إلى جسد المسيح، لا تنتمى إلى جسد النور، بل هى فى الحقيقة جسد الظلمة ولا تزال جزءً لا ينفصل من الظلمة، أما الذين لهم حياة روح النور، أعنى قوة الروح القدس فإنهم جزء لا ينفصل من النور.

[1] عن العظة الأولى، من عظات القديس مقاريوس الكبير، ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، إصدار مركز دراسات الآباء، الطبعة الثالثة، القاهرة سبتمبر 2000 ص27 ـ 29.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مشكلة الشر في مشكلة أيوب - ستنتهي الأمور بصورة طيبة للأتقياء

مشكلة الشر في مشكلة أيوب – ستنتهي الأمور بصورة طيبة للأتقياء

مشكلة الشر في مشكلة أيوب – ستنتهي الأمور بصورة طيبة للأتقياء مشكلة الشر في مشكلة …