لباس الروح للقديس مقاريوس الكبير

لباس الروح للقديس مقاريوس الكبير

لباس الروح للقديس مقاريوس الكبير [1]

لباس الروح للقديس مقاريوس الكبير
لباس الروح  للقديس مقاريوس الكبير

“المسيح، الطبيب الحقيقى للإنسان الداخلى، وهو يستطيع وحده أن يخلص النفس، ويزينها بثوب النعمة “..

1 ـ إن كان أحد عريانًا لقلة الملابس الإلهية السماوية التى هى قوة الروح القدس كقول الرسول ” إن كان أحد ليس له روح المسيح فهو ليس من خاصته” (رو9:8). فليبكِ ويتوسل إلى الرب حتى ينال الثوب الروحانى الذى من السماء ويأخذ غطاء لنفسه العارية من القوة الإلهية لأن الإنسان الغير مكسو بكساء الروح فهو مكسو بالعيب العظيم: عيب الأهواء الدنيئة.

لأنه كما فى الأشياء المنظورة إن كان أحد عريانا يحل به خزى وفضيحة عظيمة بل الأصدقاء ينصرفون عن أصدقائهم العرايا والأقارب عن أهاليهم. بل أن من البنين من رأوا أباهم عريانًا وصرفوا عنه وجوههم لكيلا يعاينوا جسد أبيهم العريان، وإنما رجعوا على أعقابهم وستروه . ولذلك ارتفعت عنه عيونهم . كذلك ينصرف الله عن النفوس غير المكسوة بـ لباس الروح فى ملء ثقة الإيمان لكونها لم تلبس الرب يسوع (رو14:13). بالقوة والحق.

خطورة العرى الروحى :

2 ـ ثم أن الإنسان الأول لما رأى نفسه عريانا خجل. فما أعظم فضيحة العرى. فإذا كان من جهة الجسد يعتبر العرى فضيحة كبرى، فكم بالحرى النفس العارية من القوة الإلهية التى لا تكتسى ولا تلبس اللباس الأبدى الروحانى غير الموصوف وهو الرب يسوع نفسه بالحق ـ وهى مغطاة بالخجل والأهواء الرديئة ، وكذلك كل من كان غير مكتسى بذلك المجد الإلهى يجب عليه أن يستحى ويقر بفضيحته كما استحى آدم من عرى جسده ومع أنه ستر نفسه بورق التين فلم يزل خجله مصاحبًا له لعلمه بفقره وعريه جدًا.

فعلى هذه النفس أن تطلب من المسيح الذى يعطى المجد لكى يكسوها بالمجد فى النور الذى لا يوصف، بدون أن تعمل لنفسها غطاء من الأفكار الباطلة أو تنخدع بزعمها أنها بارة من نفسها وأنها تملك لباس الخلاص.

المسيح هو بر الله لنا :

3 ـ فإنه أن استند أحد على بره ولم يتطلع إلى بر الله، هذا البر الذى هو الرب يسوع ” الذى صار لنا برًا وفداءً” (اكو30:1). كما يقول الرسول، فإن تعبه يصبح باطلا لا ثمرة له، لأن كل زعمه ببره يظهر فى اليوم الأخير كلا شىء بل يكون مثل خرقة نجسة كما قال أشعياء النبى ” كخرقة الحائض كل برنا” (أش6:46).

 

فلنطلب إذن من الله ونتوسل إليه أن يلبسنا لباس الخلاص وهو الرب يسوع المسيح، النور الفائق الوصف الذى إذا لبسته النفوس لا تخلعه قط، بل تتمجد أجسادهم أيضا فى القيامة بمجد ذلك النور الذى تلبسه النفوس الأمينة الفاضلة منذ الآن حسب قول الرسول ” إن ذلك الذى أقام المسيح من بين الأموات سيحيى أجسادكم المائتة أيضا بروحه الساكن فيكم ” (رو11:8). فالمجد لمراحمه المتعطفة ولرأفته التى تفوق كل وصف وكل تعبير.

4 ـ وأيضا كما أن المرأة التى كانت معتلة بنزف الدم لما صارت مؤمنة بالحق، ولمست طرف ثوب ربنا شفيت حالا وانقطع نزيف دمها النجس، كذلك كل نفس فيها جرح الخطية الذى لا شفاء له، وينبوع الأفكار الخبيثة النجسة، إن هى أتت فقط إلى المسيح وصلت إليه بإيمان صحيح فإنها تعود إلى الصحة وتخلص من ينبوع الأهواء الفاسدة الذى لم يكن له علاج. وذلك الينبوع الذى يخرج أفكارًا نجسة لا ينقطع ويجف إلا بقوة المسيح فقط، وليس لأحد غيره قدره على شفاء هذا الجرح.

لأن العدو كان محتالاً للغاية فى معصية آدم حتى أنه جرح الإنسان الباطن وأظلمه أى العقل المرشد الذى ينظر الله. فمالت عيناه بعد ذلك إلى الخطية والأهواء وكانت مغلقة عن رؤية خيرات السماء.

المسيح وحده هو الذى يخلص ويشفى النفس مجانًا:

5 ـ فهذه كانت شدة جرحه حتى أنه لم يستطع أن يشفه منه غير الرب وحده. فهذا مستطاع عنده وحده. ولهذا فقد جاء ” ورفع خطية العالم” (يو29:1)، أى جفف الينبوع النجس. ينبوع أفكار النفس. لأنه كما أن تلك المرأة التى كانت مريضة بنزف الدم كانت قد صرفت كل ما كان لديها على الذين وعدوها بالشفاء ولم يشفها أحد، إلى أن أتت إلى الرب بإيمان صادق ولمست طرف ثوبه فشعرت حينئذ بالشفاء فى الحال، ووقف نزف الدم. كذلك هو حال النفس التى جرحت منذ البدء بجرح أهواء الخطية الذى لا شفاء له، فلم يقدر أن يعالجه أحد من الأبرار. كلا ولا الآباء ولا البطاركة.

6 ـ ولقد أتى موسى ولكنه لم يقدر أن يعطى شفاءً كاملاً. والكهنة والعطايا والعشور والسبوت والآهلة والغسلات والذبائح والمحرقات وسائر متفرعات البر كانت تحفظ جميعها بالدقة تحت الناموس. ومع ذلك لم يمكن بها شفاء النفس وتطهيرها من الينبوع النجس أى ينبوع أفكار الخطية. وكل بر النفس لم ينفع لشفاء الإنسان إلى أن أتى المخلص نفسه الطبيب الحقيقى الذى يشفى مجانا فبذل نفسه فداء لجنس البشر.

فهو وحده صنع فداء النفس العظيم وخلاصها وشفاءها، وهو ذاته الذى حررها من العبودية وأخرجها من الظلمة ممجدا إياها بنوره الخاص. فهو حقا جفف ينبوع الأفكار النجسة الذى كان فيها لأن الكتاب المقدس يقول ” هو ذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم ” (يو29:1).

لباس الروح للقديس مقاريوس الكبير
لباس الروح للقديس مقاريوس الكبير

الدواء الوحيد:

7 ـ لأن أدويتها التى كانت من الأرض يعنى أفعالها البارة لم تقدر أن تعالجها وتشفيها من هذه الضربة العظيمة غير المنظورة بل يتم الشفاء بالطبيعة السماوية الإلهية التى لموهبة الروح القدس. فإنه بواسطة هذا الدواء فقط يمكن للإنسان أن يجد الشفاء ويحصل على الحياة إذ يتطهر فى قلبه بالروح القدس. ولكن كما أن تلك المرأة، ولو أنها لم تكن قد شفيت وكان فيها مرضها لكنها جاءت بقدميها إلى الرب، وعند مجيئها نالت الشفاء ـ وكما أن الأعمى أيضا الذى لم يقدر أن يمشى ليأتى إلى الرب، بسبب عماه، صرخ إليه صرخة شديدة وصل بها إلى الرب لأنه قال ” ارحمنى يا ابن داود” (مز47:10)

وبإيمانه نال الشفاء إذ أن الرب أتاه بنفسه وجعله يبصر بوضوح ـ كذلك النفس ولو أنها جرحت بجروح الأهواء الفاسدة وعميت بظلمة الخطية فمع ذلك لا تزال فيها الإرادة أن تصرخ إلى يسوع وتناديه ليأتى ويصنع لها فداءً أبديًا .

ضرورة المجىء إلى المسيح بثقة الإيمان :

          8 ـ لأنه كما أن الأعمى لو لم يصرخ إلى الرب ، والمرأة التى كان بها النزف الدموى لو لم تأت إليه لما وجدا الشفاء، كذلك الآن إن لم يأت الإنسان إلى الرب بإرادته وبكل نية قلبه ويطلب منه بثقة الإيمان التامة فلا يشفى أبدًا. فلماذا شفى هذان الاثنان للوقت بإيمانهما، ونحن لم يعد إلينا بصرنا بالحقيقة ولم نشف من أمراضنا الخفية؟.

مع أن الرب يهتم ويعتنى بالنفس غير المائتة أكثر من الجسد، لأنها إن انفتحت عينيها، كما يقول ” افتح عينى” (مز18:119) فلا تعمى أبدًا فيما بعد. وإن شفيت فلا تعود تنجرح أبدًا. فإنه إن كان الرب عند مجيئه على الأرض اعتنى بالأجساد الفاسدة، فكم بالحرى يعتنى بالنفس غير المائتة المصنوعة على شبهه؟ ولكن بسبب قلة إيماننا وانقسام قلوبنا وعدم محبتنا له من كل القلب، وعدم إيماننا به حقيقة، لذلك لم نجد بعد الشفاء الروحى والخلاص.

فلنؤمن به إذن ولنأت إليه بالحقيقة لكى يتم فينا حالاً عمل الشفاء الحقيقى لأنه وعد بأنه يعطى للذين يسألونه روحه القدوس ويفتح للذين يقرعون وبأن الذين يطلبونه يجدونه. فالذى وعد لا يمكن أن يكذب له المجد والقدرة إلى الأبد آمين.

[1] عظات القديس مقاريوس الكبيرـ ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، مركز دراسات الآباء، الطبعة الثالثة، القاهرة، سبتمبر 2000، العظة العشرون ص200ـ204.

مقالات ذات صلة