أبحاث

معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم - تأمل على خطى يسوع 3 - الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم - تأمل على خطى يسوع 3 - الأب نادر ميشيل
معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

 

إقرأ أيضاً:

3- يسوع والألم

مهّدت لنا قراءة سفر أيوب إلى الدخول في فهم موقف يسوع تجاه الألم، وقبل أن نصل إلى الصليب، لابد لنا من تتبّع خطى يسوع في الإنجيل لنتبيّن من ناحية موقفه من الألم ومن المتألمين، ومن ناحية أخرى لفهم الطريق الذي أوصله إلى الصليب. وعند الصليب سنتوقف أيضاً أمام النشيد الرابع للعبد المتألم في سفر أشعياء.

  • مَن هو يسوع؟

يظهر لنا اختيار يسوع الأساسي في موقف التجارب (منى 4/1-11، لو 4/1-13): حياته هي هبة من الله يقبلها بدون استحواذ أو امتلاك، بل في تسليم كلّيّ لله. ويسير طريق يسوع نحو الله من خلال حياته الإنسانية اليومية التي تعرف الجوع والعطش والرغبة في الصداقة والتطلّع إلى النجاح، والتي تمرّ بتحمّل المشقات والصعوبات حتى الازدراء والألم، وفي ذلك كله يتّكل يسوع اتّكالاً كلِّيًّا على الله ويثق به كل الثقة.

وعندما يعود إلى موطنه بقوة الروح، يدخل المجمع ويقرأ سفر أشعياء: «روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشّر الفقراء وأرسلني لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم وللعميان عودة البصر إليهم وأفرج عن المظلومين وأعلن سنة رضا عند الرب» (لو 4/18). إنه يسوع ابن يوسف النجار من الناصرة الذي يحقق هذه النبؤة، فيه ومن خلاله يعلن الله أنه قريب من الفقراء والمأسورين والعميان والمظلومين.

  • رسالة يسوع:

حياة يسوع كلها هي إعلان عن قدرة الله على الألم والمرض، على الخطيئة والموت، على كل ما يكبّل الإنسان جسدياً ومعنوياً وروحياً، على كل ما يهمّش الإنسان عن مجتمعه، سواء أكان بسبب مرضه (البرص) أو خطيئته (السامرية، المرأة الزانية،…)، أو بسبب وظيفته المشبوهة (جباة الضرائب: زكّا، متّى). «إنه لتعليم جديد يُلقَى بسلطان» (مر 1/27)، كان يقول مَن يراه يعلّم ويشفي ويطرد الأرواح الشريرة. تتلخّص حياة يسوع في مواجهة مستمرة وبلا هوادة مع قوى الشر والألم. بدأ يسوع بشفاء المرضى وطرد الأرواح الشريرة، ثم غفر الخطايا وشفى يوم السبت، متخذاً مكان الله الذي يخلق ويخلّص ويجدّد الخليقة في اليوم السابع، وكأنه مَن يعطي الشريعة الجديدة (مر 1-2).

من خلال يسوع، حياته، كلامه وأفعاله، يظهر الله على أنه قريب من الإنسان، وخاصة الإنسان المتألم والمظلوم والخاطئ. كان اليهود ينتظرون مسيحاً يخلق المجتمع الجديد الطاهر والخالي من الخطاة، حيث يحيا الجميع كل أحكام الشريعة، فجاء يسوع ليدعو الخطاة إلى التوبة ويُرجعهم إلى مجتمعهم وينادي بالعدل والرحمة.

  • يسوع وتساؤل الناس أمام الألم:

وأمام الألم واجه يسوع تساؤل مجتمعه: لماذا الألم؟ في إنجيل يوحنا، الفصل 9، يتساءل الناس أمام إنسان أعمى منذ مولده مَن المخطئ؟ ويردّ يسوع: لا هو ولا أهله، ولكن كان ذلك لتظهر فيه أعمال الله. فيقوم يسوع بفتح أعين الأعمى في بداية المشهد الإنجيليّ (9/7)، وينفتح قلب هذا الرجل على نور الإيمان بيسوع في نهاية المشهد ويشهد أنه ابن الله (9/38). وبالنسبة إلى يسوع، لا تُهمّه معرفة سبب الألم بقدر ما تهمّه مواجهة هذه الحالة فوراً وبقوة جذرياً.

فحياة الإنسان أكرم من أي شيء في عيني الله (أش 43/4)، وفي وسط المرض أو الاحتياج أو الألم، جاء يسوع ليكشف للإنسان أن الله بجانبه، ليحرّره من كل مرض وكل فقر وكل خطيئة. مجد الله هو الإنسان الحي. وجاء يسوع ليعلن أعمال الله، ليمجّد الله. ومجد الله هو في هبة الحياة للإنسان وتجديد هذه الهبة باستمرار. وبالنسبة إلينا اليوم، فقد تستمر حياتنا في وسط بعض الآلام، إلا أنّ الألم فقد قدرته المميتة علينا، إذ اكتشفنا معنى حياتنا في الله ووضعنا ثقتنا ورجاءنا فيه.

وفي مرة أخرى، يخبر الناس يسوع عن الجليليّين الذين خلط بيلاطس دماءهم بدماء ذبائحهم فيعلن يسوع أنهم ليسوا أكبر خطيئة من أقرانهم، ويضيف أنَّهم إن لم يتوبوا فسيهلكون مثل أولئك (لو 13/1-5). لم يمت الجليليّون هكذا ميتة بسبب خطاياهم، ولكن استمرار الإنسان في الخطيئة يُدخل إلى العالم العنف والألم، ومعهما العبث واللا معنى. مات الجليليّون بقسوة وعنف، بسبب غباء شخص وتعنّته وشرّه. وشعر مواطنوهم بالخوف والاضطراب، لا من الموت في حدّ ذاته، بل أمام التساؤل عن معنى الحياة وكرامتها، عن جدواها وجمالها، عن مصدرها وغايتها.

وأمام مشهد القتل المأسويّ راودتهم أسئلة عن الله وعن محبته للبشر، عن قيمة الإنسان وعن ماهيّة الألم، ولذا جاءوا إلى يسوع ليخبروه بما حدث. ويفهم يسوع اضطرابهم ويدرك معنى حديثهم إليه: إنهم يطلبون نوراً وفهماً لأن الألم أنزل بهم ظلمة وحسرة وأغلق باب الرجاء في قلوبهم. ويقول يسوع للجليليّين إن الله ليس مصدر الشر والألم، ولكن، لمواجهتهما، على كل واحد أن يتحمّل مسؤوليته، وأول مسؤولية الإنسان عن قلبه، عن أعماله، عن مواقفه تجاه الآخرين: إذا أراد إنسان أن يواجه الألم والشر في العالم، فليبدأ بترتيب قلبه.

في نظر يسوع، قد ينتج الألم من الخطيئة ومن اختلال العلاقات بين الناس، الذي يصحبها. كلّنا يتذكّر نصّ التكوين وقصة الخلق. أصاب وقوع آدم في الخطيئة باختلال علاقته بالله وبحوّاء وبالأرض والعمل. إنكار الإنسان لله وتمحوره على ذاته يصيب علاقاته بالآخرين والعالم بالاضطراب. فالأنانية وحب الاستحواذ والرغبة في السلطة تصيب العلاقات بالخلل وتؤدي لا محالة إلى الألم، وتقود شيئاً فشيئاً إلى خلع كل معنى وطعم عن الحياة، وتُفضي نهائياً إلى الموت. تكرِّس الخطيئة العبث واللا معنى. فتفضيل الخطيئة، أي الظلمة، على النور، والكذب على الحق، والاستحواذ على العطاء، يدخل في منطق الموت والفناء.

ويسوع، في موقفه أمام الألم، يرى بوضوح ما قد يسببه: مرض، فقر، جهل، غشّ،طمع، هامشيّة، احتلال، استغلال للمنصب، خطيئة شخصية وجماعيّة. ولكنه لا يحاول أن يعطي نظرية شاملة عن أسباب الألم، وأبداً لا يبرر الألم ولا يدافع عنه. موقف يسوع هو الحضور بجانب الإنسان المتألم، أياً كان سبب الألم، ومساعدته على النهوض والشفاء، لأن الألم محطّم ومشوّه. موقف يسوع هو في تحرير الإنسان من القيود المؤلمة والمعيقة. موقف يسوع هو أساساً موقف رجاء وثقة، ففي نظر يسوع، لن يكون للألم وما يحمله من عبث وموت الكلمة الأخيرة على الإنسان/ بل محبة الله. وهذا معنى ردّ يسوع أمام الأعمى منذ ولادته «لكي تظهر فيه أعمال الله» (يو 9/3).

  • إعلان يسوع عن الله أبيه:

يثير يسوع بأعماله وأقواله ومواقفه الاضطراب في نفوس الفرّيسيّين والكتبة، فهو يهزّ صورة معيِّنة عن الله ويزعزع المجتمع القائم على السلطة الكهنوتية والدينية من خلال الطقوس والشرائع. برفض الفرّيسيّون والصدّوقيّون أن يقبلوا إعلان الله عن نفسه من خلال شخص يسوع، مفضّلين ومتمسّكين بصورتهم عن الله، ولذا نرى التآمر على إهلاك يسوع منذ البداية في الإنجيل (متّى 12/14، مر 3/6، لو 4/29).

اختيار يسوع لله وإعلانه عن محبته ورحمته يجلبان عليه الرفض والعنف، فأصبح على هامش المجتمع الديني الذي يعيش فيه. عانى يسوع من عدم الفهم وسوء النيّة، وتحمّل الرفض والتآمر. وتَوضّح له من خلال قراءته الكتاب المقدس وأحداث حياته أن طريق حياته سيؤدي به إلى الموت، لكنه ظلّ يرجو ويحب، يعطي ويبذل، يجول يشفي ويغفر ويقيم الموتى. قدّم حياته لأبيه، واثقاً بأن محبته أقوى من الموت. وهذا هو رهان يسوع: إذا أوصلته محبته للبشر إلى الصليب، فمحبة أبيه أقوى من خطيئة الإنسان وعنفه وستخرج منتصرة (متّى 16/21، مر 8/31، لو 9/22). وهذا هو معنى عبارة «يقوم بعد ثلاث أيّام»، إنها تعبير عن إيمان يسوع ورجائه وثقته بأبيه.

  • من أين لك هذا السلطان؟

وإذا كان يسوع قد سلّم حياته لله، ووجّهها إلى محبة إخوته البشر، من خلال كلماته وأفعاله الشافية والمحرّرة، فالسؤال الأساسي الذي يُطرح عليه: من أين لك هذا السلطان؟ (متّى 21/23، مر 11/28، لو 20/2)، بأيّ سلطان تشفي وتحرّر، تغفر وتقيم الموتى. لن يجاوب يسوع على السؤال، لأن الإجابة ليست في فحواها اللفظيّ، بل في الفهم لحياته وكلماته وأفعاله، في عطائه واختياراته الحرّة. ويصل العطاء الحرّ والكامل إلى قمّته على الصليب. تُعطى الإجابة لمَن يدخل في الفهم الداخلي والعميق لحياة يسوع. محور السؤال هو التالي: هل هذا السلطان منك أم يعلن سلطان الله. لا يردّ يسوع ولا يعطي جواباً، سوى جسد ابنه المعلّق على الصليب عرياناً ومزدرّي. يسوع هو كلمة الله الذي صار جسداً، هو كلمة الله الأولى والأخيرة والنهائية، مَن أراد أن يعرف الله فليسمع ويشاهد ويفهم هذه الكلمة، يسوع الناصري ابن الله.

 

  • طريق الآلام:

 في طريق الآلام الذي يسير فيه يسوع، لا نجد إطلاقاً أيّ بحث عن الآلام، أو دفاعاً عنها، أو تواطؤاً معها، أو تبريراً لها. ولا يمكننا أن ننسى أن يسوع تعرّض للآلام ولم يجلبها أو يطلبها. في بستان الزيتون نسمعه يطلب من أبيه أن يُبعد عنه الكأس: كأس الألم والموت، وبكلّ حرّية ومحبة يقبل أن يقدّم ذاته لأبيه وللبشر. طريق يسوع نحو أبيه هو طريق ابن البشر، طريق كل إنسان، وهذا الطريق يمرّ بالألم والموت. وأراد يسوع بمحبته وبكلّ حريته أن يذهب مع الإنسان إلى نهاية الطريق، ليعلن أن محبة الله أقوى وأقدر من كل خطيئة وعنف، ومن كل ألم وموت.

  • … وأسلم الروح:

على الصليب تظهر المحبة التي تربط يسوع بأبيه في الروح، وهذا ما يخلّص العالم: يسلم يسوع حياته، مصيره ومستقبله بين يديّ الآب، والآب يُسلم نفسه في شخص الابن، فكلمته هي هذا الجسد الممزّق المصلوب. الابن يُسلم الروح للآب، والآب يهب الروح للابن ويقيمه من بين الأموات ليحيا للأبد. يسوع يُسلم الروح على الصليب (متى 27/50، مر 15/37، لو 23/46، يو 19/30)، هذا الروح هو روح البنوة الحقيقية التي تخلق الكنيسة، – جسد المسيح القائم من بين الأموات -، والممثّلة في شخصَي مريم والتلميذ الحبيب الواقفين عند قدم الصليب.

هو الروح مَن يهب لكل إنسان القدرة – أي الإيمان والرجاء والمحبة – على اتّخاذ الطريق الذي اختاره يسوع: طريق الإيمان الجذريّ والرجاء الكامل والمحبة الملتهبة للآب وللبشر. وهذا هو ما يخلّص العالم. فليست الآلام التي تخلّص، بل المحبة والإيمان والرجاء التي عاش بها يسوع هذه الخبرة المؤلمة. ينزع الألم الإيمان والرجاء والمحبة من قلب الإنسان، وظلّ يسوع، بالرغم من الألم مؤمناً وراجياً ومحبّاً بفضل الروح.

الألم لا يخلّص، بل المحبة، الأم لا يعطي الحياة، بل الروح. وعندما نقول إن يسوع خلّصنا بآلامه، فنحن نريد أن نقول إن يسوع خلّصنا بالمحبة التي أظهرها في وسط آلامه المشوّهة والمدمرة. وبالرغم منها، نريد أن نقول إنه غلب قوى الموت والألم بإيمانه وبمحبته لأبيه وللبشر، نريد أن نقول إن العبث واللا معنى لم يغلبا يسوع، نريد أن نقول إن الحياة ظهرت في وسط الفناء الذي يحمله الألم، نريد أن نقول إن روح الله، روح الحياة، أقوى وأكبر من الموت والألم اللذين تجلبهما خطيئة الإنسان وعنفه وكذبه، فأين يا موت نصرك؟ وأين يا موت شوكتك؟… فالشكر لله الذي أتانا النصر عن يد ربنا يسوع المسيح (1 قور 15/55، 57). ونحن، عندما نقول: يا يسوع، أقدّم لك آلامي، نريد أن نقول: يا يسوع، إنّي أحبك وأثق بك، وأحب إخوتي، بالرغم من آلامي التي تريد أن تغلق قلبي وتخلع عنّي كل أمل وكل رجاء وكل محبة.

 

  • النشيد الرابع للعبد المتألم:

نحاول بوجه آخر أن نفهم موقف يسوع من الآلام من خلال قراءة النشيد الرابع للعبد المتألم: أش52/13- 53/12. وكلّنا يعرف كم أثّر هذا النشيد في الفكر والروحانية المسيحية، وتأثر به بلا أدنى شك كتاب العهد الجديد.

  • الإعلان عن انتصار العبد المتألم:

يبدأ النشيد بصوت الله الذي يتحدث عن عبده الذي يوفّق ويتعالى ويرتفع ويتسامى جدا: نسمع إعلاناً عن انتصار عبدٍ شُوّهت إنسانيته من جرّاء الآلام: «كما أن كثيرين ذُعروا في شأنك، هكذا لم يعد منظره منظر إنسان، وصورته صورة بني آدم» (52/14). كيف ينتصر ذاك الذي يثير الذعر من منظره؟ كيف ينتصر ذاك الذي لم يعد منظره إنسان؟ كيف ينتصر مَن دُمّر تحت الآلام؟

  • الإنسان الذي شوّهته الآلام:

ثم نسمع جماعة تتحدث: «مَن الذي آمن بما سمع منّا ولمَن كُشفت ذراع الرب؟» (53/1).

في النشيد الرابع لا يتحدث العبد أبداً ولا نسمع صوته، نسمع أولاً إعلاناً من الله بانتصار عبده، ثم ثانياً اعتراف جماعة تؤمن وتعلن أن ذراع الرب كُشفت فيه. فماذا حدث؟ وكيف حدث هذا؟

«فحسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلّلاً» (53/4ب)، تقول الجماعة، لماذا؟ «فإنه نبت كفرع أمامه وكأصل من أرض قاحلة، لا صورة له ولا بهاء، ننظر إليه ولا منظر فنشتهيه، مزدرّي ومتروك من الناس، رجل أوجاع وعارف بالألم، ومثل مَن يُستر الوجه عنه، مزدرى فلم نعبأ به» (53/2-3).

يعرض هذا النص وصفاً دقيقاً لآثار الألم في الإنسان، فهي تشويه وتحطيم، وهي تدمير وفناء، وهي قوة انغلاق وانعزال. الألم عدو الإنسان، يخلع عن الإنسان إنسانيته.

لماذا يحدث كل هذا لذلك الإنسان؟ في اعتقاد مَن يتحدّثون، بالتأكيد هو متروك من الله ومذلّل، بالتأكيد هو مصاب من الله،فيحمل في جسده عقاب ما اقترفت يداه.

  • اعتراف الجماعة بكذبها:

ولكن أمام هذا المنظر الصامت، المرعب والبشع والمخيف، تكتشف الجماعة كذبها ونفاقها فتقول: «فحسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلّلاً». تكتشف الجماعة الحقيقة في وجه مَن لا صورة له ولا بهاء: إنه ليس مصاباً أو مضروباً من الله، لكنه يحمل على وجهه وجسده وحياته آلام الجماعة وأوجاعها: «لقد حمل هو آلامنا واحتمل معاصينا، فحسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلّلاً. طُعن بسبب معاصينا وسُحق بسبب آثامنا. نزل به العقاب من أجل سلامنا وبجرحه شُفينا» (53/4-5).

تعترف الجماعة بأن آثامها ومعاصيها أدّت بالعبد الصامت إلى الآلام، إلى تشويه صورته وتحطيم جسده وحياته. على وجه العبد المتألم، يكتشف الإنسان فرداً وجماعة قبح الخطيئة، وقبح الكذب والأنانية والعنف والبغض. أمام العبد المتألم، نكتشف إلى أيّ مدة تشوّه الخطيئة الشخصية والجماعية الإنسان وتقتله، وإلى أيّ مدى تؤدّي الخطيئة إلى تحطيم الحياة وهدم الخلق وتنزع عن الإنسان إنسانيته.

 

  • طريق الحياة وانتصار العبد:

تدخل الجماعة في طريق الحياة، في طريق التوبة، معترفة بكذبها وخطيئتها: «كلنا ضللنا كالغنم، كل واحد مال إلى طريقه، فألقى الرب عليه إثم كلنا. عومل بقسوة فتواضع ولم يفتح فاه كحمل سيق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام الذين يجزونه ولم يفتح فاه» (53/6-7). الجرح الذي يسبّبه الإنسان الخاطئ لله هو في الحقيقة جرح لإنسانيته. بالخطيئة يصبح الإنسان لا صورة له ولا بهاء.

كيف يتحقق انتصار العبد، توفيقه، تعاليه وارتفاعه، وتساميه جداً؟ يتحقق ذلك من خلال النور الذي يخرج من جسده الممزّق ليفيق الإنسان من كذبه وعماه. «مع أنه لم يصنع عنفاً ولم يوجد في فمه مكر… بسبب عناء نفسه يرى النور ويشبع بعلمه، يبرّر عبدي الكثيرين وهو يحتمل آثامهم» (53/9ب، 11).

انتصار العبد وتوفيقه هما في اعتراف الإنسان بحرّيّة أمام العبد المتألم والصامت: أحبّني حتى إنه قبل هذا التشويه والتحقير من أجلي، أنا الخاطئ. فالعبد يهب نفسه واثقاً من أن الآلام المشوّهة لن تكون الكلمة الأخيرة في حياته، بل النور الذي يجعله الله له. والعبد يهب نفسه واثقاً من قدرة مَن ينظرون إليه، البشر الخطأة، على الخروج من كذبهم واعترافهم بمحبته الفيّاضة والفائقة لهم. ولذا لا ينطق العبد بكلمة، لكنه ينتظر برجاء وثقة اعتراف الجماعة المؤمنة: «نزل به العقاب من أجل سلامنا وبجرحه شفينا». يراهن الله على عبده، والعبد يراهن بحياته على الخطأة. وتوفيق العبد وتساميه هما في اعتراف الإنسان بحرّيّة بأن المحبة، محبة الله وعبده، تبادر بالعطاء وتهب بلا حدّ ولا قياس. ارتفاع العبد وتعاليه هما في تحمّله الآلام والعنف حتى يخلص مَن يحب من وطأة الظلام والكذب والخطيئة.

انتصار العبد هو إعلان الجماعة عن إيمانها بأن حب الله الذي ظهر على وجه العبد وجسده أكبر وأعظم من خطيئتها. انتصار العبد هو تحوّل الجماعة الحر من الكذب والخطيئة إلى الحق والنعمة. انتصار العبد هو في الاعتراف بنعمته الفيّاضة والمُحيية، ومبادلته الحب بالحب، والعطاء بالعطاء. انتصار العبد هو في إعلان الجماعة أن العبد خلّصها من الخطيئة بمعنى أن ليس لها الكلمة الأخيرة على حياتها، فكما آمن العبد بأن قدرة الله ومحبته أقوى من الموت، كذلك آمنت الجماعة بأن الله هكذا أحبّها حتى إنه غلب الخطيئة بتحمله إياها في شخص العبد.

انتصار العبد هو في إعلان الجماعة أن محبة الله أقوى وأكبر من الخطيئة، وأنه بجرح العبد المتألم دخلت إلى النور والحق والحياة. أمام العبد تكتشف الجماعة في الوقت نفسه كذبها وخطيئتها، ومحبة الله أقوى منهما، تكتشف الظلمة في داخلها والنور الذي يفوق الظلمة، تكتشف قبح فعلها ومحبة الله التي تقبل أن تحمل هذا القبح على وجه العبد الصامت.

انتصار العبد المتألم هو في دخول كل إنسان إلى حياة الحق والعدل والمحبة. العبد المتألم لا يتكلم ولا ينطق، لكن صارت حياته كلها كلمة محبة ورجاء، صارت حياته كلها كلمة مصالحة وشفاء. ومَن يعلن انتصار العبد الصامت؟ هم الذين تحرّروا من خطيئتهم، هم الذين تحرّروا من الكذب والظلمة، هم الذين يعلنون أن محبة الله هي الكلمة الأولى والأخيرة على حياة الإنسان.

 

  • من جسد المصلوب خرجت الحياة:

يعود بنا هذا الالتفاف حول نص أشعيا إلى الصليب، لنزداد تعمّقاً في معنى غلبة يسوع على الموت والآلام. كما ذكرنا سلفاً، يلفظ يسوع الروح على الصليب الذي يمنح الإيمان: «كان هذا الرجل ابن الله حقاً» (متى 27/54، مر 15/39، لو 23/47)، يعلن قائد المائة إيمانه بالله أمام هذا الرجل يسوع الناصري المصلوب الذي يلفظ الروح. كلمة الله للبشر حتى نهاية الأزمنة هي جسد هذا الإنسان المعلّق على الصليب. في المسيح يجد كل إنسان طريقه إلى النور والحياة، لأنه في جسده أبطل الضغينة وغلب الموت (راجع أف 2/14-18، قو 2/13-14).

وفي إنجيل يوحنا يموت الناصري ليقوم حياً في جسده الكنيسة الممثّلة في شخصَي مريم ويوحنا الواقفين عند قدم الصليب. وفي ليلة الأحد، أحد القيامة، ينفخ يسوع روحه على التلاميذ ويرسلهم ليغفروا الخطايا، بمعنى أن يحرّروا ويشفوا ويحلّوا القيود والأغلال، وأن يقاوموا كل ألم وكل ظلم. تلك الرسالة التي بدأوها في حياة يسوع (متى 10/5-8، مر 6/7-13، لو 19/1-6)، تصبح من هذه اللحظة كل حياتهم وأساس عملهم ونشاطهم. فنراهم يشفون المرضى (رسل 3/1-8)، ويقيمون الموتى (رسل 9/37-40)، ويبشّرون بالمصالحة وغفران الخطايا (1 قور 1/22-24، 2 قور 5/11-21).

رسالة التلاميذ هي إتمام رسالة المعلّم: إعلان الله القريب من كل إنسان متألم، مظلوم، فقير، خاطئ. رسالة التلاميذ هي شهادة ليسوع المصلوب القائم من بين الأموات بمعنى أنها شهادة لمحبة الله القادرة على غلبة الخطيئة والعنف والكذب والموت. رسالة التلاميذ هي شهادة لروح الرب الذي يحيي الأموات، الذي يخلق من جديد، الذي يغفر الخطايا، الذي يفتح طريق الحياة في قلوب المتألمين والمحزونين.

رسالة الكنيسة لم تكن ولن تكون في الدفاع عن الآلام، أو في تبرير كل ما يحطّ ويقيّد الإنسان، بل كانت وستظلّ رسالة رجاء، شفاء، تحرير. هي رسالة قيامة: «فإذا كنّا متنا مع المسيح، فإنّنا نؤمن بأنّنا سنحيا معه» (روم 6/8). هذه هي رسالة الإنجيل، وهذه هي البشارة.

رسالة الكنيسة هي الإعلان أن هناك مستقبلاً لمَن هوى في الآلام أصبح بلا أمل ولا رجاء. رسالة الكنيسة هي في اتّخاذ كل الوسائل لتخفيف عن آلام الناس بكافّة أنواعها وأشكالها ومهما كانت أسبابها. رسالة الكنيسة هي رسالة يسوع المسيح: في وسط الآلام والمحنة يفتح الله طريقاً لكل إنسان، يعد بمستقبل، يقيم من الموت، كما أقام ابنه الوحيد سيداً وربّاً في السماوات وعلى الأرض للأبد.

الألم، هل من معنى؟

أنوار على الطريق

يمرّ طريق حياتنا بالآلام، آلام حياتنا الشخصية وآلام مَن نقابلهم على طريقنا. ولنا ولهم لا وجود لوصفة سحرية للتخلّص من تلك الآلام أو الإجابة على التساؤلات والهواجس التي تثيرها في نفوسنا وقلوبنا.

تشوّه الآلام إنسانيتنا وتحطّم حياتنا. هي قوى عبث ولا معنى تتسلّل إلى قلوبنا، تملأنا باليأس والخوف، وتُذيقنا طعم الفناء والموت.

لكن هل من سبيل للوصول إلى معنى عبر الآلام وبالرغم عنها؟ سنحاول تلمّس طريقنا، مع الاعتراف مبدئياً بالتقدير لكل مَن وقع تحت الآلام ولم يستطع الوقوف أو الوصول إلى معنى لحياته المحطّمة من جرّاء الظلم والعنف والألم. نسعى لاكتشاف أنوار على طريق الخروج من الألم، ونحاول إعطاء معنى للحياة بعد أن أصابها الألم. ونكتشف أن الخطوات البسيطة للخروج من الألم والتفوق عليه هي ما تعطي معنى للحياة عبر طريق الألم وبالرغم منه. ولا يتم الخلاص من الألم في لحظة، لأن الشفاء منه مسيرة نهوض مستمر ورجاء متجدّد، ولأن مقاومة سطوته فينا وفي الآخرين يستغرق حياتنا كلها.

  • التعبير عن الألم:

تثير الآلام الثورة والرفض: «إلامَ يا رب؟…» (مز 89/47)، أو، كما يقول إرميا «لماذا صار ألمي دائماً وضربتي معضلة تأبى الشفاء؟ إنك صرت لي كينبوع كاذب، كمياه لا يعتمد عليها» (15/18). وبعد الثورة عليه، يأتي الخوف من أن يعود مرة أخرى بعد أن يذهب. ولذا فلا بدّ من تعلّم التعبير عن الثورة والغضب والخوف أمام الألم، وذل ليس سهلاً دائماً، بسبب الخجل أو اليأس من أنفسنا أو من الآخرين. ولكن التعبير عن الذات هو أول الخلاص، ويعني أنّنا نثق بالآخر بالرغم من كل شيء. وتعرض لنا المزامير درساً رائعاً في هذا الشأن: «اللهم خلّصني فإن المياه قد بلغت حلقي… زاد عدد شعر رأسي عدد الذين بلا سبب أبغضوني… اللهم أنت عالم بحماقتي ولم تخفَ عنك آثامي… إني بائس ومتوجّع، فليحمني خلاصك يا الله… لأن الرب للمساكين يستمع وأسراه لم يزدرِ» (69/1، 5أ، 6، 30، 34).

ومريم، أخت لعازر، انغلقت في حزنها على أخيها الذي مات، وفي غضبها على يسوع لأنه تأخر في المجيء ليشفي أخاها. ولم يُنقذها من انغلاقها سوى نداء أختها، مرتا: «المعلم ههنا وهو يدعوك» (يو 11/28). وبدأت مريم مسيرة الخروج من ألمها بالتعبير ليسوع عن مدى حسرتها على موت أخيها وعن خيبة أملها في يسوع نفسه: «يا رب، لو كنت ههنا لما مات أخي» (يو 11/32). وتستمر المسيرة بالمضيّ نحو القبر حيث أنتن الميت. فتظهر الحياة في مواجهة الموت، ويتم شفاء القلب في التصدّي للشك والتردّد. وهنا يطلب يسوع إلى مريم ومرتا إيماناً به وبمحبته للعازر أقوى وأكبر من الموت: «فقال يسوع: «ارفعوا الحجر». قالت مرتا، أخت الميت: «يا رب، لقد أنتن، فهذا يومه الرابع». قال لها يسوع: «ألَم أقل لك إنك إن آمنت ترين مجد الله؟»… قال هذا ثمّ صاح بأعلى صوته: «يا لعازر، هلمّ فاخرج». فخرج الميت…» (يو 11/39-40، 43).

تبدأ المعجزة في قلب الأختَين، مرتا ومريم، حين يخرجان من صمتهما، ويعبرّان عن ألمهما، ويجدّدان إيمانهما بيسوع في وسط الموت وبالرغم من الألم، وتنتهي المعجزة بخروج لعازر من القبر. وإن لم تكن المعجزة الأولى قد تمّت في القلب، لما كان بالإمكان الوصول إلى الثانية. إن الله يغيّر القلوب ويفتح فيها طرق حياة في وسك الألم والموت. وهذه هي المعجزة اليومية التي تحدث لكل واحد منّا. ربّما لا تتغير الظروف الخارجية الصعبة، وربّما لا تتحوّل المضايق الداخلية المجرّحة، ولكن القلب يتغيّر دائماً بنعمة الله وتنفتح داخله آفاق صبر وتحمّل وأمل، لمَن يضعون ثقتهم بالرب.

  • طرق مسدودة وآفاق جديدة:

وينقذنا الكلام من الانغلاق في المرارة والعدوانيّة، المرارة والعدوانيّة على أنفسنا وعلى الآخرين: «أنا السبب، أستحقّ كل ما يجري لي»، «هو السبب وراء مشاكلي كلها»،… فعندما نتحدّث، نكتشف الأشياء بموضوعية أكبر، تلغي التضخّم الذي يُحدثه الألم في تأنيب الذات وفي اتّهام الآخر.

ويساعدنا الكلام عندما نمرّ بالآلام على التعرّف إلى ردود فعلنا التي يشوبها أحياناً الرجوع إلى الوراء، أي التصرّف بشكل طفوليّ أو مراهق: أنانية، طلب إشباع سريع للرغبات، علاقات انصهاريّة مع الآخرين، ردود فعل سريعة غير متعقّلة، عدم تحمّل النقص المادّيّ والعاطفيّ والروحيّ،… فعلى سبيل المثال، يبدأ بعض الأشخاص في الحديث عن أنفسهم بلا انقطاع كالأطفال، كأنهم أصبحوا مركز الكون، ويطلبون من الآخرين أن يتحولوا إلى خدم لهم. ويتراجع بعضهم إلى الخلف، محاولين، بحثاً عن التعزية، تلبية احتياجات «فميّة» كالأكل بشراهة، أو شرب الكحوليات من دون أدنى تعقل، أو التدخين بجنون، …. ويحاول آخرون نسيان ذواتهم في الغرق في العمل، في الاستغراق في مشاهدة التليفزيون ساعات طويلة، أو في البحث عن إشباع ملذّات جنسية بوجه أناني وغير بناء للشخص وللآخرين.

ويقع بعضهم فريسة للغيرة وللحسد، وللغضب والعصبية. ويرتبط بعضهم الآخر بأشخاص معيَّنين بوجه يحيطه اللبس والإبهام. ففي كل هذه الأحوال، يسمح الكلام للمتألم بالدخول في علاقة سويّة مع مَن حوله، يمكنهم من توجيه نظره إلى بعض ردود أفعاله الزائدة عن الحدّ، أو تلك التي يشوبها مظاهر الطفولة أو المراهقة.

ويلجأ بعض الناس إلى الصلاة بوجه يعني رفض مواجهة الواقع المؤلم (مرض، حادث، فشل أو رسوب، موت،…)، ومحاولة اقتلاع هذا الواقع كأنّ ما حدث لم يحدث قطّ، وكأنّ الزمن قد أُلغي. فيطلبون الشفاء السريع من مرض خطير، أو ينغلقون في مخيّلتهم مع ذكريات وصور مَن رحل عنهم، أو يرفضون قبول فشل ما بالغرق في الحزن والبكاء، وغير ذلك من الأمثلة التي نعرفها. ونحن نعلم أن قوة الصلاة تكمن في الانفتاح على المستقبل وانتظار نعمة الله التي تنتصر على الموت ولكنها لا تُعفي المؤمن من المرور به.

فيسوع في بستان الزيتون كان يطلب من أبيه إبعاد الكأس عنه، إلا أنه عبَّر عن ثقته العميقة بالله وعن تسليم حياته ومصيره ومستقبله بين يديّ الآب. وعلى الصليب لم يردّ الله على طلب الناظرين الذين تهكّموا على يسوع وطلبوا من الله أن ينزل ليُنقذه من الصليب: «خلَّص غيره، ولا يقدر أن يخلّص نفسه. هو ملك إسرائيل، فلينزل الآن عن الصليب. اتَّكل على الله، فليُنقذه الآن، إن كان راضياً عنه، فقد قال: أنا ابن الله» (متّى 27/42-43). كان طلبهم يعني أنه، إن كان الله معه، فليلغِ الصليب والألم والموت، في حين كانت صلاة يسوع تسليم لحياته ومصيره بين يديّ الآب بكلّ إيمان وثقة في الله القادر أن يقيمه من الموت: «يا أبت، في يديك أجعل روحي» (لو 23/46).

في طريق البحث عن معنى لحياتنا المهتزّة تحت وطأة الألم، قد تساعدنا الذاكرة مساعدة كبيرة. فتتذكر ما صنعه الرب في الماضي، كيف وكم خلّصنا؟ وهذا هو ملخّص صلاة المزامير: أنت، يا رب، من خلّص آبائي، ستخلّصني أنا أيضاً، أنت، يا الله، مَن كان معي منذ بداية حياتي، لن تتركني اليوم في ألمي، كما خلّصتني في السابق ستخلّصني مرة أخرى، ما أكثر وأعظم مراحمك يا رب.

وقد تعطينا العودة بالذاكرة إلى الماضي رجاءاّ ينير ما نعيشه اليوم وفهماً يُوضّح لنا ردود أفعالنا وكيفية مواجهتنا للظروف المؤلمة. فمن المهمّ أن تُذكر طريقة معالجتنا السابقة لخبرة الألم وكيف واجهناها وكيف تغلّبنا عليها، فنتجنّب الطرق المسدودة التي تُغرقنا في الحزن والألم، ونتمسّك بكلّ قوة بالوسائل التي تساعدنا على تخطّي الفترات الصعبة. فعلى سبيل المثال، قد نكتشف أن الأكل بشراهة لم يُفد، أو أن إغلاق الغرفة على أنفسنا لم ينفع، في حين شعرنا بجدوى الحديث إلى شخص حولنا، أو أحسسنا بأهمية عدم الانقطاع عن نشاطنا وعملنا.

للخروج من الألم، قد يكون السبيل إذاً في الذاكرة التي تتذكّر أعمال الله في الماضي، وفي الإرادة التي تنتبه لما يحدث لها اليوم من نِعَم، فتدفع الإنسان إلى انتظار الله بملء الثقة والرجاء فيه. وقد تفتح لنا هذه الخطوات الصغيرة آفاق نضج متجدّد لشخصيّتنا، واكتشاف أكبر وأعمق لقدرات وأبعاد مجهولة في حياتنا. كم من مرة بعد عبورنا تحدٍّ معنويّ أو ماديّ (سير على الأقدام لمدّة طويلة، مواجهة دروس صعبة، تخطّي تحديات كبيرة في العمل، …)، نقول لأنفسنا: «لم أتصوّر قطّ أنّي قادر على فعل ذلك».

إذاً قد يكون العبور بالألم فترة نتعرّف فيها إلى ما لم ينضج بعد في أنفسنا، ما بقي فينا من طفوليّ أو مراهق. فقد يساعدنا العبور بالألم على التعرّف إلى ما يعوق نموّنا ونضجنا وإيماننا، وعلى ما يمنعنا من الحياة من أجل الآخرين. لا تساعد الآلام في حدّ ذاتها على النموّ، لكن ما يساعدنا هو اكتشافنا ذواتنا وطريقة حياتنا وتفاعلنا مع الناس والأحداث من خلال خبرة الألم.

  • القلب المنتبه:

ولعبور فترات الألم، يجب علينا أن ننتبه إلى الأمور الصغيرة التي تعطينا تعزية وسلاماً، وأن ننتبه إلى الأضواء الخافتة التي تبدأ بالظهور في ظلمة حياتنا. فالسبيل الغامر يبدأ بقطرات ضعيفة، والنور يبدأ في الظهور في قلبنا عبر مكالمة تليفونية من صديق يواسي، من خلال مرح طفل صغير في العائلة، من خلال انتباه بسيط إلى مشكلة إنسان غيرنا، من خلال كلمة سمعناها من شخص تقيّ أو قرأناها في كتاب صلاة، …. فنتمسّك بهذه الأنوار ونسير وراءها إلى الأمام بكل قوة، لأنها ستزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، وستترسّخ فينا حتى تصبح يقيناً.

ويجب علينا أيضاً أن ننتبه إلى التواطؤ الخفيّ مع الألم، عندما نحتقر علامات التعزية الصغيرة ونتجاهل الأضواء الخافتة المنيرة في قلبنا، أو عندما نفضّل البقاء في الألم لأنه يجلب لنا بعض الفوائد غير المتوقّعة كالتفاف الناس حولنا وإشفاقهم علينا، أو عندما لا نجرؤ على الرجاء في الحياة مرة أخرى، فلا نقاوم الحزن ولا نعالج المعوقات، بل نستسلم لها.

  • التضامن مع الآخرين:

اكتشف أيوب أن طريق الخروج من آلامه يمرّ بالانتباه إلى الآخرين، إلى المظلومين والمتألمين، وبالبحث عن العدالة وبالعمل على تحقيقها. وفي الإنجيل يطلب يسوع من تلاميذه الجائعين والتعبين إطعام الجموع الجائعة، فيُشبع الكل ويُفيض الخبز (مر 6/30-44). وبعد القيامة يظهر يسوع لتلاميذه الخائفين، ويريهم جروحه معطياً السلام لهم ونافخاً الروح فيهم، فينطلقون لتحرير كل الخائفين والمقيَّدين (يو 20/19-23). شبع التلاميذ عندما تخطّوا ألم جوعهم وتفوّقوا على تشكّكهم، فشاركوا الجموع بالأرغفة والسمكات القليلات، بناء على طلب يسوع وببركته. وانطلق التلاميذ يُعلنون البشارة بغفران الخطايا بعدما رأوا الرب وفرحوا لأنه قد انتصر على الجروح التي سبَّبوها له بخطيئتهم وخوفهم وهربهم.

في الإنجيل، نرى الجوعان يُطعم الجائعين، والخاطئ يبشّر بغفران الخطايا. يمرّ طريق الحياة ببذلها في سبيل الآخرين، ويشعّ النور في قلوبنا حين نقاوم الظلام في قلوب الآخرين. لذا، عندما يطبّق علينا الألم، فلا نتراخى عن نجدة مَن يستغيث بنا أو يطلب مساعدتنا وصداقتنا. فهذا هو طريق خلاصنا وخلاصهم. فعلى سبيل المثال، قد تجد الجَدّة الأرملة شعاعاً من نور في مساعدة حفيدها على عمل واجبه المدرسيّ، وقد يتفوّق مريض على جزء من اكتئابه عندما يستمع إلى جاره المريض في غرفة المستشفى، وقد يجد الكاهن الذي يمر بجفاف روحيّ شيئاً من التعزية في إرشاده الروحيّ لأشخاص يشعرون المشاعر نفسها. يشعّ النور عندما نواجه قوى الظلام من شك وحزن وتردّد، فينا وفي الآخرين. تظهر الحياة في واقعنا وتاريخنا عندما نقاوم الجوع والخطيئة فينا وفي الآخرين.

وكذلك نرى بذل الذات في سبيل الآخرين في حب الأم لأولادها، وفي تعب المدرس من أجل تلاميذه، وفي سهر الطبيب على مرضاه. ولا يبحث هؤلاء عن التعب ولا عن الألم، ولكن التضحية بالذات في سبيل مَن نحب هي بمثابة ولادة جديدة لا تخلو من التعب والألم، ولادة تجد معناها في المحبة وفي عطاء الحياة، ولادة تبعث الفرح والرجاء وتنسى الضيق لأنه قد «وُلد إنسان في العالم» (يو 16/21). ومن هذا المنطلق بوسعنا أن نفهم كلمات بولس الرسول: «يسرّني الآن ما أعاني لأجلكمفأُتمّ في جسدي ما نقص من شدائد المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة…» (قو 1/24، 29). لا يرغب الرسول في الآلام ولا يبحث عنها، ولكنه يتحمّلها محبة للآخرين ليلدهم في المسيح.

  • المساندة الروحية وخبرة القيامة:

في طريق البحث عن معنى للألم، بكون حضور الآخرين بجانب الإنسان المتألم هاماً وضرورياً (وجد أيوب في شخص أليهو مَن ساعده على تعميق وجهة نظره وعلى الانفتاح على معنى جديد لحياته؛ استنجدت مرتا ومريم بيسوع لمساندتهما في مرض أخيهما، وجاء يسوع ليقف بجانبهما؛ طلب يسوع من تلاميذه الحضور بجانبه في بستان الزيتون؛…). الحياة والرجاء مُعدِيان، ينتقلان من شخص إلى شخص، وهما دائماً هبة من شخص لشخص آخر. وإذا كنّا أحياء اليوم، فيعود الفضل إلى أشخاص عديدين ساعدونا بحضورهم وبمثالهم، ساعدونا بكلماتهم وبوقوفهم إلى جانبنا في مواجهة الألم، أيّاً كان نوعه وسببه.

وإذا كنّا نؤمن اليوم، فيرجع الفضل إلى ما أعطانا الآخرون من إيمانهم، ومن رجائهم، ومن محبتهم وسط المضايق والآلام. وإذا كنّا نحيا اليوم، فيرجع الفضل إلى الأشخاص الذين قابلناهم في حياتنا ولم يُخفوا آلامهم وضعفهم وجرحهم، بل كشفوا لنا طريق الفصح الذي عبروه.

خبرة القيامة هي إعلان: يظهر يسوع لتلاميذه ويُريهم جروحه، إنها لم تَختَفِ، لكنها صارت علامة الانتصار على الألم والموت، وأصبحت إعلان عن الفرح الذي يهبه القائم من بين الأموات. يخلّص يسوع تلاميذَي عمّاوس من الحزن واليأس، فيجريان في وسط الليل إلى التلاميذ في أورشليم ليعلنوا أن المصلوب قام من بين الأموات وقد تعرّفوا إليه عند كسر الخبز. من إعلان لإعلان، تنتشر بشرى القيامة: يسوع الناصريّ، المصلوب، هو حيّ.

  • من أنا؟

وهكذا قد تساعدنا الآلام على اكتشاف حقيقة حياتنا، وهذا ما يسمّى التواضع. فلا يعني التواضع الانحطاط، بل تقبُّل حقيقة حياتنا وعلاقتنا بالله والآخرين كما هي. مع الألم، تسقط صورنا عن أنفسنا: صورة الصحة التي لا تعرف المرض، القوة الداخلية التي لا تعرف الاضطراب، الغنى المعنويّ أو الماديّ الذي لا ينضب ولا يتغيّر، التعزية الروحية التي لا تفهم معنى الجفاف،…. عندئذ قد ينفتح أمامنا طريق جديد نكتشف من خلاله ذواتنا مختلفين عمّا كنّا نعرف أو نتصوّر عن أنفسنا، نكتشف أنفسنا كأشخاص أكثر حساسية، أكثر شفافية، أكثر تحمّلاً وصبراً، كأشخاص أكبر قدرة على فهم الآخرين والتضامن معهم، وأعمق إيماناً بالله وثقة به.

وإذا أتت الظروف المؤلمة على ما كنّا نمتلك ونحيا من جميل وحلو ومهم، فقد نكتشف، عبر خبرة الألم، حقيقة أنفسنا كإنسان يحيا بواسطة الآخرين ومن أجلهم، إنسان يحيا بنعمة الله ومن أجله. وهذا ما يعبّر عنه بولس حين يقول عن كيانه الجديد في المسيح: «… فإنّي بالأحرى أفتخر راضياً بحالات ضعفي لتحلّ بي قدرة المسيح. ولذلك فإنّي راضٍ بحالات الضعف والإهانات والشدائد والاضطهادات والمضايق في سبيل المسيح، لأني عندما أكون ضعيفاً أكون قويًّا» (2 قور 12/10). لا يبحث الرسول عن الشدائد ولا يبغي المضايق، ولكن عندما تحلّ به الإهانات ويلقى الاضطهادات ويشعر الضعف، يكتشف نفسه محمولاً بقوة محبة المسيح له.

وهكذا قد نكتشف أن قيمة حياتنا لا تعتمد على ما نحن عليه أو نملكه، بل على كون كل واحد فينا مهماًّ وثميناً في نظر الآخرين وفي نظر الله. وهكذا قد تعبر بنا الآلام إلى اختبار حرّية متجدّدة، هي حرّية القلب الذي يسكن في الله ويسكن الله فيه.

نافذة

تحمُّل الآلام طريق صعب وثقيل، ومواجهة الآلام كفاح طويل ومرير، والنصر ليس بديهياًّ أو واضحاً. ولكن إيماننا يعلن أنه ليس للموت والآلام الكلمة الأخيرة في حياة الإنسان، وإيماننا يدفعنا دفعاً لاتّخاذ موقف إيجابيّ للتخفيف من الألم، بل إلى نزعة من حياة البشر، وإيماننا يدعونا بكل قوة إلى التضامن الفعليّ مع كل المتألمين والمظلومين. الآلام هي قوة انغلاق وتحطيم، ونغلبها بالخروج من ذواتنا للدفاع عن كل المتألمين، وقد كان هذا طريق الأنبياء وأيوب ويسوع. تدفعنا الآلام دفعاً لمقاومتها، لإزالتها بكل ما أوتينا من قوة ومقدرة ووسائل.

لماذا الألم؟ لماذا أنا؟ لا توجد لدينا إجابات شافية أو كاملة عن هذه الأسئلة، ولكن نحن واثقون بأننا للحياة والفرح، ونحن واثقون بغلبة يسوع المسيح على الألم والخطيئة والموت.

في وسط العالم نحن شهود على القيامة، نحن فعلة للعدالة، نحن مقاومو الألم، الظلم، المرض والحزن.

في وسط العالم، حياتنا هي إيمان بيسوع القائم من بين الأموات، وإذا جرّدتنا الآلام من كل شيء، فنحن نعلم أنّنا نستمدّ حياتنا من الله وقيمتها الوحيدة هي أن نكون فيه: «فمَن يفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدّة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عريٌ أم خطر أم سيف؟… ولكننا في ذلك كله فزنا فوزاً مبيناً بالذي أحبّنا وأنّي واثق بأنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا أصحاب رئاسات، ولا حاضر ولا مستقبل ولا قوات ولا علوّ ولا عمق ولا خليقة أخرى بوسعها أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا» (روم 8: 35، 37-38).