آبائياتأبحاثكتب

حوار حول الثالوث ج3 (الحوار الرابع) – القديس كيرلس الاسكندري

حوار حول الثالوث ج3 (الحوار الرابع) – القديس كيرلس الاسكندري

حوار حول الثالوث ج3 (الحوار الرابع) – القديس كيرلس الاسكندري

حوار حول الثالوث ج3 (الحوار الرابع) – القديس كيرلس الاسكندري
حوار حول الثالوث ج3 (الحوار الرابع) – القديس كيرلس الاسكندري

الحوار الرابع

في أن الابن غير مخلوق وغير مصنوع

براهين ثبتت الولاده حسب الطبيعة للابن وحيد الجنس:

كيرلس: فإن كان هو الله، وقد وُلِدَ بطريقة لا تُوصف من الله الآب فهل من الممكن لشخص ما ألاّ يَضَعْهُ في مرتبة الابن حسب الطبيعة، بل يدعوه مخلوقًا أو مصنوعًا ولا يُحكم على هذا الشخص بعقوبة من اعتادوا أن يعوقوا مجد الله؟ في الوقت الذي تقول فيه الكتب المقدسة المُوحى بها أن “كُلُّ مَنْ سَبَّ إِلَهَهُ يَحْمِلُ خَطِيَّتَهُ. وَمَنْ جَدَّفَ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. يَرْجُمُهُ كُلُّ الْجَمَاعَةِ رَجْماً. الْغَرِيبُ كَالْوَطَنِيِّ عِنْدَمَا يُجَدِّفُ عَلَى الاسْمِ يُقْتَلُ.[1].

 

إرميا: إني أعتقد أنه لن يقدر أن يهرب من تلك العقوبة التي يستحقها.

كيرلس: وبالتالي فمن الأفضل جداً يا إرميا ألاّ نعتاد أن نرتعب من لغو
الآخرين لأنهم يَعرضون علينا فكراً لا قيمة له، بل أن يكون لنا قانون إيمان يتفق وأقوال الآباء مُعلّمي اللاهوت. لأنه يليق بنا وليس بآخرين، وبالحري بهؤلاء الآباء أن نصفهم ونقول لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ.[2].

 

إرميا: بالصواب تتكلّم.

كيرلس: إذن لقد تَعلّم هؤلاء (الآباء) ألاّ يَسجدوا للابن الوحيد كلمة

الله على أنه مخلوق- بمعنى أنه قد خُلِقَ- لكنهم يَشهدون أنه هو ثمرة جوهر الأب، وهو كائن معه أزليًا ويُسمّونه ابن الله الحقيقي وأيضًا الحياة الأبدية. والواقع أن يوحنا اللاهوتي يقول وَنَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ اللهِ قَدْ جَاءَ وَأَعْطَانَا بَصِيرَة ًلِنَعْرِفَ الْحَقَّ. وَنَحْنُ فِي الْحَقِّ فِي ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هَذَا هُوَ الإِلَهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.[3]. لكن يا صديقي، لو أن الابن مع كونه الإله الحقيقي والحياة الأبدية كان أيضًا مخلوقًا ومصنوعًا في الوقت الذي لم ينفصل عن الطبيعة الممّجده، فهل لا يكون هذا سببًا لأن تُلصق نفس هذه التهمة بجوهر الآب لأن لا شيء يمكن أن يَمنعُ هذا الإتهام؟

 

إرميا: وبأي طريقة.

 

كيرلس: ألا يُسمي هو أيضًا إله حقيقي وهل لا يُحيي كل الأشياء طالما أنه بطبيعته هو الحياة؟ لأنه حسبما يقول لنا مُتكلّم حكيم “لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ[4].

 

إرميا: نعم، كلامك حق.

كيرلس: لو صح هذا القول فإن الإتهام غير اللائق سيمس الآب أيضًا. وسَيُدعي بأنه مخلوق، لأنه هكذا لن يوجد شيء يمنع الآب من أن يُحسب ضمن المخلوقات طالما أن الإلوهة الحقيقية تأثرت بكون الابن (حسب قولهم) من ضمن المخلوقات، ولا أيضًا يوجد شيء يمنع الحياة الأبدية، ولا أعرف كيف، من أن تَكُف عن أن تكون حياه، بل تكون مختلِطة بالمخلوقات الأخرى مثلما لو كانت مضطرة أن تكون مرتبطة بزمن محددّ، لأن كل ما هو مخلوق ليس هو خارج الزمن أو أعظم من الزمن.

أرميا: إن كلامهم هذا، الخالي من كل تقوى، هو أمر رهيب جداً.

كيرلس: غير أنه أمر سهل أن تتجنّب هذا الكلام لأنه يمكن لهؤلاء الذين يرغبون أن يبتعدوا بسهولة ويطردوا عنهم كلام المعارضين المُفسد والمُهلك، أن يثقوا بكل تقوي في الغلبة باستخدام أقوال القديسين. لأن الآباء الرُسل لم يكرزوا إطلاقًا بأن الله هو خالق للابن الوحيد بل أنه هو الآب الذي وَلدَه. وهؤلاء الآباء هم الذي كانوا نورًا للعالم وقد استمدوا نورهم من ذلك الذي له نفس طبيعة الله الآب، أعني أنهم استمدوا نورهم من المسيح وذلك لأنه قال لهم مرّة  أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ[5]. وقد جعلهم مُعلّمين ثابتين وحقيقيين لأنه قال لهم “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.”[6] فحيث يكون الآب الحقيقي والولادة، وبالطبع الابن الذي لم يكن ابنًا بالتبني لكن ابنًا من أبيه حسب الطبيعة، هل يمكن أن يكون هناك مكانًا لتخاريفهم وقولهم بأن الابن مخلوق؟

إرميا: لا يوجد مكان لها بالمرّة، على الأقل كما أعتقد أنا.

كيرلس: وربما يصل بعض هؤلاء الذين يهتمون بالبحث عن ما هو صحيح بصفة عامة، إلى ذلك الحد من الفكر غير المُتدّرِب ويعتقدون أننا نهتمّ بعملية الولادة أكثر من إهتمامنا بجوهر الله الآب، وهم يَحمَّرُون خجلاً من عدم المعرفة معتقدين أن جوهر الله ربما يتأثر من التغيّرات غير الإدارية ويخضع للحاجات الجسدية لأن بعض المخبولين يُقسّمون جوهر الله وطريقة الولادة وَيظْهُرون بذلك أنهم صَاروا إلى الهلاك المبين. فعندما يقال عن طبيعة الله غير الموصوفه والتي تفوق كل عقل أنها تَلِد، فهؤلاء يَعتقدون  إنها تتأثر بعملية الولادة هذه، وهم في هذا يَجهلون تمامًا ماهية الطبيعة غير الجسديّة وماهية طبيعة الأجسام وما هي التغيّرات التي تعانيها الأجساد. لأن ما لا جسم له هو غير قابل للتقسيم على الإطلاق، بمعني أنه غير قابل للاشتقاق والتجزيء الذي يتناسب مع طبيعة الأشياء الماديّة الملموسة، أو لإمكانية أن يتأثر بأي شيء من هذه الأشياء.

إذن عندما يُقال عن الله أنه “وَلَدَ” فيجب أن يُرفض أي شك في أن الله يعتريه تغيّير بل أن يسود الفكر الذي يعطي طبيعة الله ما يليق بها. لأن الله لا يلد كما نلد نحن بل يلد بالطريقة التي تناسبه.

س:لم.

 0أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم

إذن ما يفكر ويستند إليه المعاندون هو نوع من السفسطة التي لا معنى لها. لأنهم وهم يَتظاهرون بأنهم يَخشون من أنه ربما يُصيبُ طبيعة الأب شيء نتيجة الولادة، فأنهم يَحرمونها كرامة عظيمة جداً (أي كرامة إنها لا تتغيّر). لأني أعتقد أن كل حديث يتصف بالحكمة لابد أن يقنعنا أنه يجب أن يُمجد الله الأب بسبب أنه وَلَدَ، لا بسبب أنه خَلَق الابن الوحيد[7]. لأنه بهذه الطريقة يُمجّد اكثر ويُعدّ من بين هؤلاء الذين لهم مكانة ربوبية (أي مع الابن والروح القدس) حيث إنه يعلو بما لا يقارن عنا نحن البشر وأيضًا لأنه يجعل ابن الإنسان في وضع أكثر علواً مما هو فيه.

غير أنه إن كان الله خالق ويقدر أن يخلق بينما في نفس الوقت لا يَلِدُ، فإني أرتعب من أن أقول شيئًا لا يَليقُ به ومشكوك فيه، ومع ذلك فسوف أقوله مع أني لا أرغب في ذلك كثيرًا، وهو أنه إن كان الأمر هكذا فإن الطبيعة الإلهية قد ابتعدت بالفعل عن ما هو أفضل وأوضح، وذلك لأنه بينما يظهر أن للطبيعة المخلوقة إمكانيات متعددّة ومَقِدَره على أن تُشكّل مناظر طبيعية فنيّه، مع مقدرتها على الولادة، الأمر الذي يعطيها عظمة، نجد أن الطبيعة الإلهية لا تتمتع بهذه المقدرة، وهذا أمر مرعب.

أرميا: أنك تتكلّم كلامًا حسنًا.

 

كيرلس: إذن يا إرميا، الابن، حسب ما نؤمن، هو وَليد حقيقي لجوهر الله وليس هو نتاجًا لحكمة وثمرًا لصنعةٍ لأننا نقول على الخليقة كلها إنها خُلِقت بهذه الطريقة.

إرميا: بالـفعل.

كيرلس: ولهذا فالحكيم يوحنا يواجه كل الأكاذيب ويقول بكل وضوح: “وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَة ًصَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ[8]. ويُقلدّ كل من يؤمن بذلك أرفع الأوسمه لأنه يكتب أيضًا: “مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟.[9] وبالإضافة إلى هذا يا صديقي فإن الابن نفسه يوضحّ ويشدّد على محبة الله الأب لنا لأنه يقول: “لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.”[10]

ومع ذلك، فإن لم يكن هناك ابن، فلما حرص يوحنا على أن تكون غاية كتاباته هو أن يجب أن نعترف بأن الكلمة الذي تجسد هو بالحقيقة ابن الله؟ وكيف يغلب العالم كله مَنْ لا يقبل الإيمان بأن الابن مخلوق؟ وكيف يُكافأ بمثل هذه المكافأه أي غلبه العالم مَنْ له مثل هذه الأفكار الخاطئة؟

لأنه لو لم يكن من الخطر لقلنا إن الله يكرّم ويقبل هؤلاء الذين يؤمنون بإيمان خاطئ وإنه يُكافئ بعضهم بعطايا إلهية، فإني سأقول ومعي كل الحق بأنه يجب أن يُكرمّ وبكل الطرق مَنْ يؤمنون– في ضلال- بأن وحيد الجنس ليس ابنًا لكنه مخلوق ومصنوع حتى ولو قيل عنه أنه وُلد ودُعيّ ابنًا بواسطة الأب نفسه والروح القدس. وعلى عكس ذلك سيكون من الحق والصواب أن يكون من غير اللائق أن نقول هكذا ومن غير التقوى أن نفكر بمثل هذا الفكر. لأن الله يُكافئ الذين يحبون ويؤمنون بالحق أي بالابن الحقيقي وليس بشيء مصنوع لأن الإيمان بأنه مخلوق هو إيمان مريض وغير منطقي. ولهذا فإن الآباء الرُسل قد وصفوا القديس بطرس بأنه مطوّب. ففي الحقيقة عندما سأله المخلّص عندما كان في قيصرية فيلبس: مَنْ يقول الناس عن ابن الإنسان وأي أراء تُقال وتنتشر عنه في بلاد اليهودية. حينئذ ترك بطرس كل ما يقال من سخافات عن ابن الإنسان وقال بكل حكمة ومعرفة أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ.”[11]

ولم يتأّخر الربّ يسوع في مدح الحق الذي نطق به بطرس فقال له: طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا إِنَّ لَحْماًوَدَماًلَمْ يُعْلِنْ لَكَ لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضاً: أَنْتَ بُطْرُسُ وَعَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا.[12]. ودُعي سمعان “بصخره” لا لأمر أخر إلاّ لأجل ثبات وعدم تزعزع إيمان التلميذ بطرس وعلى هذا الإيمان تثبتتّ وتأسسّت كنيسة المسيح وستبقى إلى الأبد حتى أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها. وإيمان بطرس في الابن لم يُعبّر عنه بدون تدقيق ولا نبَعَ من فكر بشرّي، لكنه كان باستنارة سمائية: فالله الآب يوضح مكانه الابن ويلهم كل نفوس المؤمنين الحقيقيين بالإيمان بالابن. لأنه لم يكن من الممكن أن يكون المسيح كاذبًا ولهذا قال: “إِنَّ لَحْما ًوَدَما ًلَمْ يُعْلِنْ لَكَ لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ[13].

إذن طالما أن بطرس قد وُصِفَ بأنه طوباوي وأستحق كل هذا التكرّيم لأنه أعترف بابن الله الحيّ، فكيف لا يكون هؤلاء الذين يُنزلون بذاك الذي هو ثمرة جوهر الله، إلى مرتبة المخلوقات ويَحسبون ذلك الذي هو شريك في الأزليّة ونبع الحياة، بين هؤلاء الذين ليس لهم الحياة في ذواتهم، وكيف لا يكون هؤلاء مملؤين حماقة وجديرين بكل ازدراء وهم الذين لا يعطون اهتمامًا بكل ما يليق بالله الآب وبكل ما هو حق؟ أم أن هؤلاء ليسوا جهلاء جدًا؟

ارميا: هم بالفعل جُهلاء.

كيرلس: ولأن إيمانهم في الابن هو ضعيف جداً وغير لائق بالمرّة فهم يشوّهون محبة الله الآب الجديرة بكل تقدير، بمحاولاتهم التفوّه بكلام لا يليق ضد الخصائص الإلهية.

 

إرميا: هل تستطيع أن تقول لي بأي طريقة يفعلون هذا، لأني لا استطيع أن أتابع كلامك؟

كيرلس: بكل سرور لأنه لا توجد أي صعوبة في ذلك. ودعني اسأل هل بذل الآب ابنه من أجل حياه العالم؟.

إرميا: بالتأكيد.

كيرلس: إذن سيكون واضحًا لكل أحد أن المولود هو أرفع مِن ما هو مصنوع بمهارة وحذق حيث إن المولود- من بين البشر- هو ثمرة شخصية لذلك الذي وَلَده بينما ما هو مصنوع هو نتيجة محصله لفكر وحكمه بشريّة.

إرميا: وماذا يعني هذا أيضًا؟.

كيرلس: ألا تفهم، أن محبة الله للعالم كانت ستُعطَى قيمه أقل لو أنه أرسل لخلاص العالم، ابنه الذي هو جزء من العالم (طالما هو كذلك كما يدّعون)، بينما كانت تلك المحبة ستُقدّر جدًا، وهذا حق، إذا علّمنا أن الله الآب قد بذل ابنه فداء عن حياة العالم ولم يشفق على ثمرته الذي اسلمه للموت بالجسد مفضلاً بذلك أن يهب السعادة لكل البشر؟.

إرميا: إني أفهم ذلك.

كيرلس: إني بالتأكيد أعتقد (وأرجو ألاّ يَغضبُ أحد من طريقة حديثي، إنما اضطر لهذا من أجل محبة لله )، أن المسيح كان لا يمكن أن يكون واحد من بين الخليقة أو أن يفدي العالم أو أن يعطي حياته ذبيحة كفارة أو أن يسفك دمه الكريم عنا إن لم يكن الابن هو إله حق من الإله الحقيقي وليس مخلوقًا وجزءً من الخليقة.

إرميا: بالصواب تتكلّم.

 

كيرلس: وسأضيف أيضًا أن كانت الخليقة قد خلُصت بدون أن تتلقي من الآب شيئًا بالمرّة أو أنها قد إحتاجت لمساعده قوات السماء. فمِن أين وبأي طريقة استطاعت الخليقة من نفسها وبمفردها أن تَخلُص وأن تَبقْي في حالة السعادة؟ لأنه، كما يقولون إن الابن والذي هو جزء من الخليقة هو مَنْ قد خلَّص الخليقة، فلأي سبب إذن نُعطِي تسبيح الشكر لله؟ وبغض النظر عن هذا، فلماذا لا نسبّح الخليقة بل نأتي لإله الكلّ ونتضرّع له قائلين: بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ. الَّذِي يَغْفِرُ جَمِيعَ ذُنُوبِكِ. الَّذِي يَشْفِي كُلَّ أَمْرَاضِكِ. الَّذِي يَفْدِي مِنَ الْحُفْرَةِ حَيَاتَكِ[14]. فإن فعلنا هذا فنحن نفعل بالتأكيد ما هو ضد الله بينما لو قدّمنا لله التسبيح فإننا سنصبح حكماء ومؤمنين حقيقيين. إذن فكيف يكون ذلك الذي هو مخلوق وكواحد منا إله من إله وابن حقيقي؟ أم ليس الأمر هو هكذا؟.

 

إرميا: وكيف لا يكون هكذا!!

كيرلس: هيّا إذن إن أردت، كي نضيف شيئًا آخر إلى ما سبق أن وضحّناه ونقول إن الأسماء التي تدلّ على علاقة، تُشير أيضًا إلى طرفي هذه العلاقة لأن المعنى يشمل كل منهما. هكذا سيكون من السهل علي المرء وهو يعرف معنى اليمين- على سبيل المثال هو أن يعرف من خلاله معنى اليسار وسيوافق المرء أيضًا أن العكس صحيح. فالأسم “آب” إذن هو من الأسماء التي تدلّ على علاقة مع آخر[15]، كما أن الأسم “ابن” يدلّ على نفس العلاقة. وبالتالي فإلى أي شيء تدل الأسماء “الآب”، “الابن” وإلى أي علاقة تُشير، وعند استخدامها هل يخرج الحديث عمّا يليق؟.

إرميا: وهل هذا الأمر هو غير واضح لأحد؟! لأن الأسم “آب” يقُصد به شخص في علاقته “بابن” وبالطبع “ابن” في علاقته “بأب”.

كيرلس: إذن فلماذا يسموّن هؤلاء المجانين والمنحرفين الله “بالآب” ولكنهم يدّعون أن الابن هو مخلوق؟ أم أنه لا يُعتبر جهل وعدم لياقة أن نقول إن “الخالق” يُناظر الآب و”المخلوق” يُناظر “الابن” طبقًا للعلاقة التي توجد بين اثنين؟.

 

إرميا: إنه جهل كبير، لأنه هكذا سيصل الحال أن ندعَو الآب نفسه بأنه “مخلوق” طالما إن له علاقة حسب الطبيعة بشيء من بين المخلوقات وذلك حسب تفكيرهم.

 

كيرلس: إذن لنسمع المسيح نفسه وهو يصرخ قائلاً: “ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَنِي أَنَا وَلاَ أَبِي. لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضاً[16]. وعندما سألوا عن سبب توبيخهم أجابهم قائلاً “إن من ينكر الآب ينكر الابن أيضًا ومن ينكر الابن لن يقبل الآب أيضًا[17]. وبالطبع فإنه محق في قوله هذا. لأنه إن لم يكن هناك آب قد وَلَدَ حسب الطبيعة، فإن أحد لن يقبل أن يكون هناك ابن مولود، ولا حتى آب، وهذه طريقة تفكير غير منطقية. لأن الآب يدعي أبًا لأنه وَلَدَ. وبالتالي هو قول حق أن الأسمين أب وابن يُشيران إلى الاثنين وعندما يوجد الواحد، يوجد بالضرورة الآخر وهذا هو السبب فيما يُقال عن كينونة كل منهما[18]. وإلاّ لماذا قال المسيح للشعب اليهودي المُعاند “أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلوني”؟[19] مع أن المسيح بالطبع لا يُسمىَ أبا لنفسه لكن يُسمىَ ابنًا قد وُلِدَ من آب. فكيف يقول إنه قد أتي إلينا باسم الآب؟ أم أنه يجب أن نُفسر لفظ “بإسم” على أنه يدل على مجد الآب وسروره؟ لأن لفظ “اسم” في الكتاب المقدّس يدلّ في بعض الأحيان على المدح والمجد الظاهر لكل أحد كما جاء في سفر الأمثال:  “اَلصِّيتُ[20] أَفْضَلُ مِنَ الْغِنَى الْعَظِيمِ[21]. فهل كفّ قول المخلّص عن أن يكون قولاً حقيقيًا ومملؤ بالحكمة عندما قال بكل وضوح أنه قد أتي إلينا باسم أبيه؟.

إرميا: من الصحيح بالتأكيد، أن أقول إن مَنْ هو حق لا يمكن أن يخطىء في بيان ما هو حقيقي.

كيرلس: إذن طالما أننا نتكلّم بالحق، فيجب علينا إما أن نضع الله الآب في منزله المخلوقات حتى لا يظهر بأنه يَتفوّق على الابن في المجد، أو أن نرفع الابن إلى مرتبة تليق بإله أي من جهة طبيعيّة وجوهرة. لأن الله الآب لن يُضار في شيء إن كان الابن له نفس الطبيعة. وسيساعدنا في ذلك يوحنا الحكيم بقوله اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ[22]. وتعبير “من فوق” يعني رِفعّة طبيعة الابن وعلوها وهذا ما يوضحه تلميذ المُخلّص بقوله “كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ[23]. إذن فالابن أتى من الآب، إلينا (على الأرض) كما من نَبعْ وكَنبَت من جذر فوقاني، وبقوله “الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع” فإنه يُظهر من ذاته نفس المجد الذي منه قد جاء وأنه هو فوق الجميع مثله مثل الآب تمامًا. وبقولنا إنه “فوق الجميع” لا نقصد بهذا أنه هو فوق الخليقة من حيث المرتبة والمجد فقط لكن نقصد أن جوهره الفائق يعلو فوق الجميع وهو واحد في الجوهر مع الآب الذي وَلَدَه. إذن طالما هو فوق الجميع، فكيف يمكن أن نفهم أنه واحد ضمن الكلّ؟ لأنه إن كان فعلاً هو مخلوق، فحينئذ يجب أن يُحسب ضمن كل المخلوقات. وكيف يكون مختلفًا عن الكلّ وفوق الجميع إن لم يتفوّق– بحسب الطبيعة – على كل مقارنه بينه وبين كل المخلوقات؟ وكيف يكون مدحنا للابن هو مديح بغير حق إن كنا نعليّ مكانيًا فقط من طبيعته غير المنظورة؟.

أرميا: ماذا تعني بهذا؟.

 

كيرلس: هل تريد أن نُعطِي تعبير “من فوق” تفسيرًا مكانيًا ويكون عكس تعبير “من أسفل”. وهي تعبيرات تتعلق بالمسافات؟.

 

إرميا: إن فَعَلنا هذا، فماذا سنفعل بالابن إن وجد في موضع معيّن؟ لأن مثل هذا الوضع هو من خصائص المخلوقات المادية (الجسميّة)!

 

كيرلس: إذن ما نقوله هو صحيح، وهو أن تعبير “من فوق” معناه من عند الآب. لأن الابن يُعرَف أنه فقط من عند الآب وهو وحده الذي يَعرِف الله أبيه. طالما أن الطبيعة (الإلهية) الفائقة غير مرئية وغير معروف ما هي ماهيتها بالضبط لدى أي كائن من الكائنات. لأننا نؤمن بوجود الله، لكنه من غير اللائق أن نبحث في ماهية الله حسب طبيعته الإلهية ولأنه ليس من السهل أن ندرك هذا، إذ أن طبيعة الله هي أبعد من حدود الفكر البشرّي. ثم إن كان الابن هو مخلوق ومصنوع فكيف يمكنه وحده أن يعرف الآب وأن يكون هو وحده أيضًا معروفًا من الآب؟ لأن معرفة طبيعة الله هو أمر مستحيل تمامًا بالنسبة للمخلوقات، بينما أن يُعرَف شيئًا عن تلك المخلوقات، وماهيتها، ليس هو أمر يفوق إدراك العقل حتى ولو كان هذا الأمر صعب قليلا علينا. وبالتالي فطالما أن الابن وحده هو الذي يَعرِف الآب وهو فقط الذي يُعرَف من الآب. إذن سيتلاشى الاتهام بأنه قد خُلِقَ. لأن الطبيعة الفائقة غير الموصوفة هي فقط التي تَعرفُ نفسها ولا يستطيع أولئك الذين خُلقوا أن يقتربوا منها على الإطلاق.

إرميا: بالفعل، إن الطبيعة الإلهية لا يُقترب ولا يُدنى منها، لأن الله أعلى من فحص عقلى.

 

كيرلس: إذن كيف يمكن أن نقول إن الابن قد خُلق مع أن الحكيم بولس يبشر بالآتي ويقول: وَإِنَّمَا أَقُولُ: مَا دَامَ الْوَارِثُ قَاصِرا ًلاَ يَفْرِقُ شَيْئا ًعَنِ الْعَبْدِ، مَعَ كَوْنِهِ صَاحِبَ الْجَمِيعِ. بَلْ هُوَ تَحْتَ أَوْصِيَاءَ وَوُكَلاَءَ إِلَى الْوَقْتِ الْمُؤَجَّلِ مِنْ أَبِيهِ. هَكَذَا نَحْنُ أَيْضاً: لَمَّا كُنَّا قَاصِرِينَ كُنَّا مُسْتَعْبَدِينَ تَحْتَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ. وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودا ًمِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ.[24] بمعنى أنه في كل الوقت الذي كنا نعيش في جهل وكنا قاصرين كنا مُستَعبَدين تحت أركان العالم كنا نَعبدُ الخليقة مع أنه كان يجب علينا أن نقدمّ الكرامة لمن بطبيعته وحده هو الله الحقيقي. وعندما أشرق الابن بيننا، فقد صارت معرفتنا أفضل من جهالة الطفولة، وإذ انتقلنا من الظلمة إلى نور الحق، فإننا- وكما أظن أنَك ستوافقني- قد أُعتقنا من أن نكون مُستَعبَدين تحت أركان العالم. وبخلاف هذا فإن الكتاب المقدّس قد أعلن لنا هذا التعلّيم مرارًا قبل قليل وهو تعلّيم يتصّف بالحكمة والحق وكل من يهتم بما هو سليم سوف يتفق مع ما جاء فيه لأن هذا التعلّيم يعلّن لنا أسرار المسيح.

إرميا: أني أتفق معك بالتأكيد.

كيرلس: إذن يا إرميا، هل كل شيء قد أتي إلى الوجود بموافقة الله الخالق، يجب ألاّ نحسبهُ بين أركان هذا العالم، أو طالما أنه هو جزء من العالم فيجب أن يُحسب مع الكلّ؟.

إرميا: بكل تأكيد.

 

كيرلس: وهل تحررّنا تمامًا عندما تحررّ عقلنا وفكرنا وعندما رفضنا الرغبة في أن نظل مُستعبدين لأركان هذا العالم؟.

 

إرميا: هكذا أعتقد.

 

كيرلس: إذن فلنقبل الإيمان بالابن على أنه هو الابن الحقيقي، أو كيف يمكن أن يكون خلاف ذلك؟.

 

إرميا: هو هكذا بالفعل.

 

كيرلس: بالتالي لا يمكن أن يكون الابن الوحيد هو مخلوق وكواحد من أركان هذا العالم ويُحسب من ضمن المخلوقات. ونحن مازلنا أطفالاً في أفكارنا ولا نقدر أن نفخر بأن لنا العقل التام، بل بالحري تخدعنا بعض الأفكار غير المجدّية مع أن لدينا بالحقيقة الرجاء الواثق أي الرجاء في الابن. لأنه في أي شيء سيكون الابن قد أفادنا بكونه قد صار انسانًا إن لم يكن قد حررّنا من عباده المخلوقات؟ أم أنه لا يكون ضلالاً إن كنا نؤمن به على أنه مثل أي ابن آخر (مخلوق)؟.

إرميا: سيكون بالفعل هكذا لو أن الابن كان مخلوقًا.

كيرلس: ألن تكون شريعة موسى أفضل من شريعة المسيح لو أننا بالفعل نؤمن بشخص مخلوق؟ وفي هذه الحالة يجب أن توضع شريعة موسى القديمة بعد الأناجيل المقدسة؟ وحينئذ كيف يمكن  ” للْبَارُّ أن يَحْيَا َبِالإِيمَانِ [25] طالما أن الناموس لا يقود أبدًا للكمال؟[26] مع أن الإيمان بالابن– كما يقول هؤلاء- يُهلك أولئك الذين يقبلونه بينما الناموس يفيد القدماء.

إرميا: إشرح لي بأي طريقة يحدث هذا كما يتصّورون.

 

كيرلس: إن الناموس الذي أُعطيّ للقدماء بواسطة موسى الحكيم قد أوصاهم قائلاً:  “إِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ[27] وفي موضع آخر قال لهم: لا تَصْنَعْ لكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ[28] وهو قد ارتقى بهم إلى أعلى بعيدًا عن عباده أركان العالم عندما قال لهم: “لِئَلا تَرْفَعَ عَيْنَيْكَ إِلى السَّمَاءِ وَتَنْظُرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ كُل جُنْدِ السَّمَاءِ التِي قَسَمَهَا الرَّبُّ إِلهُكَ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ التِي تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ فَتَغْتَرَّ وَتَسْجُدَ لهَا وَتَعْبُدَهَا.”[29]، بمعنى أن الناموس قد دعاهم للإيمان بالواحد الذي هو بالحقيقة إله حسب الطبيعة وأعتقهم نهائيًا مما هو خطأ وشر. لأن الناموس لم يطالبهم بضرورة السجود للخليقة بجانب الخالق، لكنه أوصي مَِنْ دعاهم إلى الاعتماد الكلّي على الخالق وهددّ بعقاب الموت لِمنْ لم يرغب في عبادته. فإن كان هذا هو بالتأكيد ما يقوله الناموس، فدعنا نقول إلى أي مدى دعانا كلام الإنجيل. لقد انقضى الناموس الذي كان ظلاً ورمزًا وسطع نور الحقيقية منذ أن قَبِلنَا الإيمان بالابن مع أنه- حسب ما يعتقد المخالفون- هو مخلوق ومصنوع. فهل نحن مجانين إذ قد آمنا إيمانًا أسمى من أولئك الذين آمنوا- وفقًا للناموس- بالواحد الذي هو بالحقيقة إله حسب الطبيعة؟ والأكثر غرابه أن هؤلاء بغير أن يكون قد قبلوا نور الحقيقة فإنهم قد عرفوا الإله بحسب الطبيعة بينما نحن يا من قد أتينا بعدهم ونفتخر أننا قَبِلنَا الحق الذي لم يُستعلن لِمنْ كان قبلنا، فإننا قد انحرفنا عن هذه الحقيقة ونوجد في ظلام لا استنارة رغم وجود النور الإلهي.

 

إرميا: يالها من حجج قوية.

 

كيرلس: إنك لو عرفت أمرًا آخرً، سوف تتعجب بالأكثر.

 

إرميا: وما هو هذا الأمر؟.

 

كيرلس: إن الناموس قد صار مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ [30] وأعتقد أنك تعرف أن هذا قد كتبه بولس الرسول.

إرميا: أعرف هذا.

 

كيرلس: يجب إذن أن نفحص بتدقيق إلى أي شيء وبأي كيفية كان الناموس هو مُؤدِّبنَا الذي يقودنا إلى المسيح، بمعنى يقودنا إلى معرفة المسيح وأقواله. فهل سيقودنا إلى معرفة اسمى تتّفوق على المعرفة التي بواسطة الناموس والمخفيّة فيما بين الرموز أَمّ إلى معرفه أقلّ منها؟.

إرميا: بالطبع إلى معرفة اسمى وأوضح.

 

كيرلس: حسنا يا صديقي، لأني أعتقد أن كل حكيم وعارفٍ سيوَافق وسيقول إن الأمر لابد وأن يكون هكذا. إذن فإن كان الناموس الذي هو مؤدّبنا، والذي كَرَزَ بالواحد الذي هو بالحقيقة إله حسب الطبيعة، لمَ يقُدنَا إلى معرفة اسوأ فيما يختص بسرِّ المسيح، حينئذ لا يجب أن يكون الابن مخلوق، حتى لا يظهر الناموس بأنه قد ظَلَمِنا فيما نفعل أو كأنه يُظهر أن معرفة المخلوق أفضل من معرفة الله الخالق وبذلك يُصبح الناموس فخًا ومصيّدة يَستخدمها الشيطان، مع أن الملائكة قد أعلنت أنه أُعطى لنا كي يساعدنا كما قال أحد القديسين: “إن الناموس أُعطى للمساعدة” وطالما أن المسيح هو كمال الناموس والأنبياء، فكيف يمكن أن يكون كلام الكتاب صادقًا وهو ينتهي بنا إلى نتيجة مُضلّه في كل معرفتنا ويجعلنا نعبد الطبيعة المخلوقة بدلا من الله الخالق؟

­­

رد على الإعتراضات الخاصة بلقب “بكر”::

إرميا: بالصواب تتكلّم، غير أني أعتقد أن المخالف لنا سوف يسأل عن معني كلمة “بكر”.

كيرلس: كلمة “بكر” تعني أن أحد يتقدّم على أخوته ويكون قد وُلِدَ قبلهم.

 

إرميا: إذن لماذا- كما يقولون- دُعيّ الابن “بكر” كل الخليقة لو أن الخليقة كلها ليست- بطريقه ما- هي أخته ومن نفس جنسه وليس هو من طبيعتها؟

 

كيرلس: إذن فقد دُعي ابنًا- على ما يبدو- بدون هدف وولادته ليست ولادة حقيقية كما أن الحديث عن الآب سيكون بالنسبة لنا بمثابة أسطوره بلا قيمه!!

إرميا: إطلاقًا،فهم يقولون أن الحديث عن آب للابن قد تم بطريقة مبالغ فيها مدعين إنه في موضع آخر قيل عن ابناء اسرائيل وبنفس الطريقة رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ“(اش1: 2س)[31].

كيرلس: إذن سيكون وحيد الجنس قد أصبح ابنًا بالتبني مثلنا- كما يقولون- لكي يصبح ابنًا، وألا يعنى هذا انه في الواقع هو مخلوق؟

 

إرميا: هم يقولون هكذا،

كيرلس: لماذا أهملوا الدافع لمعرفة الحقيقه وتنبئوا ما قاله النبي لأَنَّنَا جَعَلْنَا الْكَذِبَ مَلْجَأَنَا وَبِالْغِشِّ اسْتَتَرْنَا“؟[32] غير أني أعتقد أنه قبل كل شيء علينا أن نَعلَم متى دُعيّ الكلمة بكرًا ومَنْ هم الذين أتي بينهم ودُعيّ وسطهم بكرًا. لأننا هكذا سَنُسرع في أن نرفع قلوبنا تجاه المعاني الصحيحة للكلمات التي تليق بالاسرار. لأن معرفة الأزمنة وتمييز في الأشخاص هي أمور توضّح لنا بسهولة معنى الكلمات المُستَقيمة وغير المنحرفة التي تأتي إلينا مباشره من الكتب المقدّسة[33]. أو إن لم يكن ما أقوله صحيحًا، ولم يكن مهمّا أن تُفحص بتدقّيق الأزمنة والأوقات التي فيها كان كلمة الله غير متجسّد ثم صار جسدًا، فيجب ألاّ يرتّعب أحد لو أن ما يخصه يقال بدون أي تمييّز- ولتَكُفْ أيه تجديفّات واتهامات (للابن). ولو أن أحد يؤمن بأن الابن قد مات بالحقيقة مع أن الكلمة الذي قد جاء من الآب هو الحياة حسب الطبيعة، فليستحق منّا التحيّة والتكريّم لأنه لا يكذب، ولكن من سيقول إنه قد مات بالجسد (حاسبًا أن الابن كلمة الله هو مخلوق) سيكون كلامه بلا معنى وبلا أي تمييّز.

 

إرميا: هذا صحيح، ومع أن الكلام يمكن بالفعل أن يُفهم هكذا، إلاّ إنهم يوجهون نقدًا له.

كيرلس: لا أيها الحبيب، لأن كلامهم هذا سيقودهم لأمر آخر لا يليق  وسيجعلهم يفعلونه بجرأة كبيرة.

إرميا: ما هو الأمر الذي تُعنيه؟.

 

كيرلس: لقد كان الكثيرون يقومون بتحصيل الجزيّة طبقًا لناموس موسى، درهميّن عن كل شخصين. وعندما ذهبوا لبطرس ليعرفوا إن كان المسيح سَيُحسب ضمن دافعي الجزية أم سيرفضُ دفع الجزية، حينئذ سأل بطرس المسيح ماذا يجب أن يَفعلُ معهم، فبادَرَه المسيح بهذا السؤال مِمَّنْ يَأْخُذُ مُلُوكُ الأَرْضِ الْجِبَايَةَ أَوِ الْجِزْيَةَ أَمِنْ بَنِيهِمْ أَمْ مِنَ الأَجَانِبِ؟”[34] وعندما أجاب بطرس “من الأجانب” فإن الرب أضاف قائلاً: “فَإِذا ًالْبَنُونَ أَحْرَارٌ. وَلَكِنْ لِئَلاَّ نُعْثِرَهُمُ اذْهَبْ إِلَى الْبَحْرِ وَأَلْقِ صِنَّارَةً وَالسَّمَكَةُ الَّتِي تَطْلُعُ أَوَّلا ًخُذْهَا وَمَتَى فَتَحْتَ فَاهَا تَجِدْ إِسْتَارا ًفَخُذْهُ وَأَعْطِهِمْ عَنِّي وَعَنْكَ[35]. إذن هل فهمت؟ إنه عندما يتكلّم عن طبيعته فإنه يؤكد أنها حرّه لأن هذا يوضّح أنه يعلو على كل الخليقة لأن ما يُخلق هو عبد للخالق. ولهذا فإن الطوباوى داود يُشير إلى الله ضابط الكلّ بقوله: لأَنَّ الْكُلَّ عَبِيدُكَ[36] وبالتالي فالابن لا يخضع لمقاييّسنا نحن العبيد كما أنه لا يوجد تحت نير، لكن له الطبيعة الإلهية الفائقة العلو والتى تسمو على كل الخلائق.

إرميا: هذا كلام صحيح.

 

كيرلس: إذن يا إرميا هل سنُخضِع ذلك الذي له كل هذا المجد اللامع، تحت نير العبودية حتى ولو قيل عنه أنه أخلى نفسه واتخذّ شكل العبد؟ وكيف لا يكون هذا دليلاً على الجهل؟ لأني أريد أن أقول إنه مع كونه اتخذّ شكل العبد إلاّ أنه قَبِلْ ذلك كانت طبيعته حرّه وغير مقيّده[37] ومن ناحيه أخري ولا حتى أي كائن آخر يمكنه أن يصير ما كان عليه الابن وهو عندما يتخلّى عن ما كان عليه فإنه بطريقة طبيعيّة يتممّ أمر آخر. إذن لقد جاء الابن الينا ليس لكونه عبدًا فصار عبد بل جاء إلينا من طبيعة حرّه إلى شكل العبد. فلو لم يكن هناك للزمن دورًا، وان لم يكن تميز الاشخاص أى معنى مفيد، فحتى لو فكرنا أن كان الكلمة يمكن أن يدرك عاريًا وبدون جسد، فلن نستطيع إلاّ أن نحسبه عبدًا لا حرًا وأنه ضمن من هم تحت النير.

إرميا: وكيف لا يكون كل هذا كلام غير منطقي ولا يلَيق؟.

كيرلس: فليسمع إذن المخالفين؛ فطالما أنكم لا تقبلوا أن تفحصوا بالتدقيق الأزمنة وتميزوا الأشخاص، فإلى أين أنتم مُنقادون، وماذا تفعلون يا مَنْ لكم ذهن شرير ملتّو؟. ولماذا تخلطون بين أمور لا تقبل الاختلاط، مُهملّين الأزمنة والأوقات، والمعاني التي يمكن من خلالها أن تصبح كل الآيات التي قِيلت عن الابن واضحه في معانيها كل الوضوح؟ لأنكم يجب أن تَنسبوا لله الكلمة حتى قبل تجسده، إذ هو ابن للآب، كل ما يليق بالله، أي المجد والحريّة التي لا تُقارن، ونفس القوّة التي للآب. لأنه بواسطة الكلمة صارت كل الأشياء التي لم تكن موجودة. لأن للآب والكلمة نفس الإرادة والعمل المُشتَرك كما هو واضح في كل ما كتب عنه موسى. لأن موسى كتب لنا كيف أن الله الأب قال للكلمة أي الابن الذي قد وُلِدَ منه والكائن معه لنَخلِقْ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا[38] لأن تعبير “لنخلق” لا يدل على أن المتكلّم هو واحد، بل على أكثر من واحد وأكثر من اثنين[39]. ومن ناحية آخرى لأنه يهتّم بنا ويحبنا فإنه تحرّك بدافع من رأفته ومراحمه الإلهية حتى أنه إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ[40] وأي كلام يمكن أن يُقنعُنا نحن الذين بطريقة سليمة نعتقدُ في الابن، حتى نُقيّم درجه الأخلاء هذه أو أن نتعجّل بإنقاص قيمة ذلك الذي وضَعَ من عظمته بسببنا ومن أجلنا؟ فحينذاك دُعيّ الابن الوحيد بكرًا وحُسب بين أخوه كثيرين وهو الابن الواحد الوحيد الذي وُِلَدَ من الآب. إذن لقد وضَعَ نفسه وظهر كواحد منّا، لا لكي يتعرّض لأمر ممّا نتعرّض نحن له عاده، تاركًا عنه الطبيعة الآلهية وصِفَته كإبن حقيقي، لكن كي يرفع مَنْ كان بطبيعته عبد ومخلوق. بمعنى كيّ يرفعنا للمجد المدّخر فيه وحده، فهو الربّ وهو قد دعانا كي نكون أبناء. إذن عندما تعتبر كواحد منّا حين ندعوه بكرًا فنحن لا نجبره كيّ يكون فيما هو خارج طبيعته، وعلى الجانب الآخر عندما نقول إنه قد ارتقى بنا، فهذا لا يعني أنه قد تَخلّى عن طبيعته الفائقة وبالتالي تكون الطبيعة المخلوقة قد سادت عليه. فإن فكرّنا بهذه الطريقة ألاّ يكون هذا هزيان كامل؟ وبالتالي فعندما صار (الابن) مثلنا فهو لم يتخلّ عن ما هو له لكننا نحن الذين ارتقينا اليه، بسبب نعمته وأيضًا عَبَرنا مقياس طبيعتنا بسبب نعمته التي كرّمتنا، وارتقينا إلى ما هو أرفع وأعلى.

إرميا: ما تقصد بقولك هذا؟

­

كيرلس: ألم ندعى ابناء لله والمولودين- من الروح؟

أرميا: بلى.

كيرلس: لهذا فنحن لدينّا وصيّه ألاّ ندعو لنا أبًا على الأرض، بل أن نقدّم لله فقط بكونه أبانا، وذلك بسبب البكر الذي قد جاء بيننا ليس لسبب أحد آخر، سوى أن يجعل منا نحن أيضًا أبناء. لأن هذا هو هدف تجسده. وإلاّ فكيف كان سيكون سرّ المسيح مملؤ بالحكمة إن كان هو قَبِلَ أي أحد آخر قد أساء إلى طبيعته (الإلهيه) دون أن تعود الفائدة على حالتنا؟ لأنه قد نزل وصار بكرًا كي يُصنَّف مع الكثيرين مع أنه يختلف جوهريًا عنهم حسب طبيعته بل ويفوقهم، وليس فيه شيئًا- من أي جهه- مما يظن هؤلاء الذين يشترك معهم، أنه يتصّف به.

إرميا: لكنهم يقولون أنه يُسمّى بكراً للخليقة لأنه يختلف كثيرًا ويفوق بما لا يقارن كل الكائنات التي يحسب أنه من ضمنها.

كيرلس: وأين يَكمنُ مجده الذي لا يقارن وما هو مقدار علّوه، حتى وإن كان يقال لنا باللغة التي نفهمها، الكثير عنه وعن ماهيته، بأنه لابد أن يكون قد خُلِقَ؟ إن بَحثَِنا الآن يدور بكل تدقيق لا عن ما هو الكائن، أو هل تنقصه كرامة أو مجد، لكن بحثَِنَا يدور حول طبيعة المخلوق الذي جاء إلى الوجود، وما هو الشيء الأعلى منه والذي يفوقه، وأيضًا يتركّز حول طبيعة الابن الوحيد وهل هي مختلفة عن باقى المخلوقات، والتي سوف ترتْقي اليها بعد وقت معيّن طبيعة كل الكائنات التي يُعتقد أنها قد خُلِقت. وبالتالي فإن أراد شخص ما يا صديقي أن يَعلمُ عن ماهية طبيعة الشمس، وعن طبيعة الخيل، فإنه سيسأل: مَنْ مِن الأثنين حسب طبيعته- مخلوق وقد أتى من العدم إلى الوجود، أو هل يوجد رأى آخر. ما رأيك أنت؟.

إرميا: سأقول إنها مخلوقات.

 

كيرلس: ولو أصرّ بالأكثر علي رأيه وسأل مرّه أخري قائلا: مَنْ مِن الاثنين يسبق الآخر من حيث العظمة؟ ألن يكون سؤاله هذا مضحكًا لأن الإجابة لا تحتاج إلى تفكير مِمَن يسألهم؟.

إرميا: بالفعل سيكون سؤال مضحك جدًا.

 

كيرلس: أعتقد أن الأمر هو عبارة عن ثرثرة فارغة لأنه كيف يمكن المقارنة بين الشمس والخيل في العظمة وأين هي أوجه المقارنة؟ لأن الاختلافات التي تفصلهما هي أبعد من أي قياس. غير أنه لو صار الحديث عن جوهر كل من الاثنين وفكرّ أي شخص في ماهيه كل منهما، فلن يكون هناك فرق بينهما من حيث إن كليهما مخلوق مع أن الشمس تختلف كثيراً من حيث العظمة. لكن نحن نفحص بتدقيق ما قيل عن الابن، ونريد أن نعرف ماهيه طبيعته. فلو أن الابن يُعدّ من بين المصنوعات ويُحصى معنا كمخلوق، لكان تفاخرنا بأن الابن يفوق في المجد هو مجرد تفاخر مزيّف- لأن البعض يُزيّن الابن بامتيازات خارجية، ويُنسبون إليه أموراً وقتيه وهم يحاولون بطرق لا قيمه لها وبهتافات مثيره أن يجعلوا لتجاديفهم صوره حسنه. وبصفه عامه فإن من يُحسب وفق طبيعته من المصنوعات ويُعدّ بين المخلوقات، ليس هو وفق طبيعته إله ولا بالتأكيد ابن حقيقي وربّ ولكن شخص مختلف بين العبيد ويتفرّد عنهم فقط بمجد متواضع.

إرميا: بالصواب تتكلّم.

كيرلس: يتبقي فقط أن نتعجب من الأتي.

 

إرميا: وأي شيء هذا؟.

 

كيرلس: أنهم في تحاشيهم أن يعرفوا الحقيقة جيدًا وأن يؤمنوا، يهذون بأن لقب البكر معناه أن المسيح هو دائمًا وحيد الجنس، وهم في هذا يخدعون البسطاء، مع أن من يريد أن يقول شيئًا يتعلّق بهذا الأمر لا يكون محقًا. لأنه لو كان لقب “بكر” يجعل من الابن مخلوقًا ويُعدّ واحدًا بين أخوه كثيرين وهو لهذا يكون بكرًا، فحينئذ سيُظهِر هذا اللقب أن الابن وحيد الجنس هو مختلف عن الآخرين من جهة طبيعته. لأن كونه أنه وحيد الجنس يعني أنه ليس هناك آخر مثله من جهة طبيعته. وأيضًا أنه من المحتمل ألاّ يكون بكرًا بسبب كونه وحيد الجنس أو لن يكون وحيد الجنس بسبب أنه بكر، وهكذا سيكون من الحتمي أن يعتقدوا بأنه ولا حتى يوجد ابن بالمرّة. لأن سيوجد نوع من “الصراع بين الاسمين “بكر” و “وحيد الجنس” وسَيُفرَغ كل منهما الآخر من معناه. فكيف يمكن إذن أن يُستخَدم كل من الاسميّن لنفس الشخص ويعتبر هذا أمر صحيحًا؟.

إرميا: أعتقد أن الأمر لن يكون خلاف ذلك إلاّ إذا أخذنا في اعتبارنا ما حدث في تدبير التجسد.

 

كيرلس: وأيضًا فلتَعلم- بالتأكيد- أنك لم تؤمن بأي شيء آخر سوي ذلك الذي رآه القديسين مُعلّمي اللاهوت، أنه صحيح. هؤلاء الذين سلّمونا وشرحوا لنا ما يتعلّق بهذه الأمور[41]. فالواقع أن يوحنا اللاهوتي قد دَعى الكلمة الذي أتى من الله، بوحيد الجنس وبأنه هو الله وأكدّ الوهتيه إذ ليس له بداية في الزمن (أي أزلي). كما أن بولس الرسول المملؤ بالمسيح والروح القدس والمتميّز بين الرسل يقول وَأَيْضاً مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ»[42] وأعتقد أنه يستخدم تعبير “بكر” في الزمن المناسب الذي يشير إلى ظهوره في الجسد. لأنه قد جاء إلى العالم مع أنه منذ القِدم هو كائن فيه مع أن العالم لم يكن يعرفه وهكذا صار وسيطًا بين الله والناس وأصبح لقب “وحيد الجنس” امتيازًا خاصًا له. فهو إله من إله، واحد من واحد، ومولود بطريقة لا توصف، وعندما أتي إلينا فحينئذ فقط حُسِبَ بيننا كأخوه له وذلك عندما دُعى بكراً. وإلاّ فأين الأخلاء إن لم يكن مَنْ هو “وحيد الجنس” قد صار “بكراً”، وسكن بين البشر كإنسان وهو يعلو عن كل الخليقة؟ وبصفه عامة كيف صار مَنْ هو غني، فقيراً، إن لم يكن قد ظهر بيننا متخذًا ما هو غريب عليه، الأمر الذي من أجله صار فقيراً[43]؟ فطالما أن ما هو مخلوق (أي الجسد) والذي يُعدّ من بين المخلوقات، قد وُجِدَ فقط في زمن الإخلاء والفقر، إذن فَقَبِْل هذا الزمن ألا يليق به تمامًا مجد كل ما هو غير مخلوق بل ما يفوق كل الخليقة؟

إرميا: نعم هذا يليق به.

كيرلس: وطالما أنه وهو غني قد دُعىّ “بكرًا” عندما صار فقيرًا مثلنا ومن أجلنا، فإنه من اللائق- على ما أعتقد- أن نُفكر في أنه هو وحيد الجنس قبل زمن الأخلاء (العوز). لاني أعتقد بأنه يجب أن تكون هذه الأسماء صادقة بكل طريقه. إذن هو بكر ووحيد الجنس وابن في نفس الوقت بكونه ابنًا حقيقيًا وليس مخلوقًا.

 

إرميا: غير أنهم يقولون أن لقب “الابن” يُستَخدم لِمنْ هم من بين المخلوقات لأنه قال: “أنا قلت أنكم ألهه وبنو العليّ كلكم”[44]

كيرلس: لكن قل لي: إن كنا نحن أيضًا قد دُعينا أبناء الله بالتبني وآلهه، مع أننا حسب طبيعتنا قد خُلقتنا من التراب، فما هو الشيء الذي سينتقض مجد الابن الحقيقي الذي هو إله حسب الطبيعة ومولود من ذات جوهر الآب عندما نتحدّث عن كينونته ابنًا؟ وكيف لا يكون من المفيد للمتعطشين لمعرفة الأمور الخاصة بالابن، أن يتعلّموا بطريقة ما عندما يدرسون حالتنا نحن؟.

 

إرميا: كيف يكون هذا؟.

كيرلس: أريد أن أقول يا صديقي: إن مَنْ له طبيعة سامية تفوق الكلّ لا يمكن للاستخدام السيئ لمعاني الكلمات أن يُنزله إلى مستوي مَنْ هم أقل. ولا حتى مَنْ هو أقل ومَنْ ليس له مجد الابن أن يُرفع إلى مستوى الطبيعة الفائقة إن اُعطى كرامة ساميه بمجرد وصفه بكلمات وأوصاف بسيطة. هل تعرف ما أقوله وتفهمه جيدًا؟.

 

إرميا: أفهمه ولكن ليس جيدًا.

كيرلس: اسمع إذن، نحن نؤمن بإله واحد حسب الطبيعة ونعبده ومع ذلك نُدعَي نحن أيضًا آلهه حسب النعمة، بل بالحري صار لنا مجد البنوّه. أليس هذا ما قد قلته لنا قبل قليل؟.

إرميا: نعم.

كيرلس: فماذا إذن يا صديقي، هل يمكن أن نَصيرُ نحن أنفسنا ألهه حسب الطبيعة وأبناء حقيقين لذلك الذي يعلو ويوجد فوق الجميع لأننا دعينا ألهه وأبناء بدون أن نكون قد حصلنا على البهاء لأجل هذا الغرض وأيضًا أن نكون قد استؤمنا على أن نكون ثمره الطبيعة الفائقة؟.

إرميا: إطلاقًا، لان مَنْ هو بطبيعته مخلوق، كيف يمكن أن يصير إلهًا بالطبيعة؟

كيرلس: حسنًا تقول يا صديقي، لأن كل واحد يَحتفظُ- في الواقع- بطبيعته، حتى وإن عَلاَ بواسطة الكلمات العظيمة وأيضًا لا يُحدَّ أو يصيبه نقصًا إن قِيلت عنه كلمات وَضيِعه. وهيّا بنا لنقول إنه، طالما أن تعبير “بكر” يُشير إلى الابن عندما اتخذ لأجلنا جسدًا مخلوقًا وصار مثلنا، فإنه لم يتخلّ عن كونه إلهًا بالطبيعة وابنًا بالحقيقة. لأنه كما أننا لمَ نرتفعُ إلى ما هو فوق طبيعتنا عندما دُعينا آلهه، هكذا الابن- حَسبما أؤمن لم تَتَغيّر طبيعته بسبب حقيقة أنه صار كواحد من بين المخلوقات بسبب طبيعته البشريّة. أما إن رفض البعض  ما جاء من عبارات في نصوص الكتاب المقدِّس، فإني أعتقد بأنه لا هُمْ ولا نحن أيضًا سنعرف ماذا سنقول- لو أراد أحد أن يَعلم بسبب الشغف الكبير والتسرّع بقولهم: لماذا كان كتاّب الوحي الإلهي يُشيّرون إلى الربَّ على أن له أيدي وأرجل مع أنهم كانوا يتكلّمون عن الطبيعة التي تفوق الكلّ وتعلو على كل جسم وهيئه وليس لها طول وعرض وهي غير ملموسة وغير ماديه؟ أننا نستطيع أن نواجه ادعائاتهم هذه بكل سهوله وبدون تفكير كثير، ونقول لهم الآتي: إن الاستخدام غير المُحددّ للكلمات لا يضير الطبيعة الفائقة على الجسد من جهة ماهيتها، حيث إن هذه الكلمات تُساهم في فائدة من يسمعها. أم أن حديثى غير مُقنع وليس صحيحًا بالمرّة؟.

 

إرميا: على العكس تمامًا.

كيرلس: وبسبب أنهم يتباهون بأقوالهم التي تبدو وكأنها مملؤه حكمه، ويثرثرون بحجج يتصوّرون أنه من الصعب تفنيدها فأنهم يتصورون أن من العسير أن ينسب للابن وحيد الجنس، لقب “البكر” قائلين بإن الابن وحيد الجنس لا يجب أن يكون خارج الخليقة طالما أنه له طبيعة مماثله لطبيعة كل المخلوقات، وهذا طبقًا لقوانين الخلق. هل تريد أن نضيف أمرًا آخر نافعًا؟.

إرميا: أنك تتحدّث بطريقه شيّقة، كما أني أريدك أن تتحدّث عن هذا الأمر الآخر.

كيرلس: ألم نُدعيَ نحن الذين نؤمن بالابن، كي نصير أبناء بواسطة الابن، كما أننا تَشكلّنا حسب صورته مثلما تتشكلّ الأيقونات حسب الأصل؟.

إرميا: بالفعل لقد دُعيِنا أن نتشكلّ على حسب صوره الابن. لأنه قد كُتِبَ كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.[45]

كيرلس: لقد تحدثّت بشكل فائق، غير أني أعرف أنك ستضيف أمرًا ضروريًا يتعلّق بهذا الموضوع وهو: هل أننا بالفعل دُعينا للتبني بحسب الجوهر والطبيعة؟ وإن كان هذا لم يحدث، فكيف حصلنا على صفه الأخوّة والقرابة؟

إرميا: أننا لم نحصل بأي طريقه من الطرق على التبني حسب الجوهر، بل حسب النعمة وبطريقة مُكتسبة.

كيرلس: إذن فكيف يُعتَبر الكلمة مخلوقًا بسبب تسميّته بالبكر؟ وبأي طريقه يمكن أن يُحسب مثلنا بحسب الجوهر كأنه بين أخوه له لأننا نُشْبَهَهُ، مع أن الصفة بأننا إخوَه له لم تكن في طبيعتنا بل بالحري خارجه عنّا وقد اكتسبناها في مليء الزمان وليس في وقت سابق على تجسّده بل عندما صار كواحد منا؟ لأني لا أعتقد أنهم سيقولون- مع أنهم تعوّدوا على الثرثرة الكثيرة- بأن الناموس قد دَعي القدماء بأن يصيروا إخوَه للابن لأنه يوجد في الناموس روح عبودية[46]. وعليه يكون واضحًا جدًا أن كلمة الله لم يكن معنا نحن العبيد طالما أنه لم يكن قد اتخذ جسدًا وصار في شكل العبد حتى يصيح أخًا لنا. لكن علينا الآن أن نتابع حديثنا عن هذا الأمر وبشكل واضح.

إرميا: وما هو هذا الأمر؟

كيرلس: إن الميّزة الطبيعيّة يا أرميا في بعض الكائنات لا تُكتسّب بمرور الوقت أو تُفرض عليها بواسطة آخر، لكن يتضحّ أنها توجد فيها دائمًا وتكوّن جوهرها. وأقصد بما أقول الأتي: إن الإنسان عند خِلقَتِه هو كائن عاقل حسب طبيعته غير أنه لم يصبح غنيا بعد. إذن فإن جاءته الثروة كشيء أضافي وخارجي فهل هذا معناه أن طبيعته كإنسان عاقل كانت ناقصة؟. وبالتالي- وعلى ما أعتقد- سيكون حقيقيًا أنه لا يمكن أن نتصوّر أن شخصًا سيحصل بمرور الزمن على شيء كان قد حصل عندما جاء إلى الوجود (أي العقل).

 

إرميا: بالفعل.

 

كيرلس: إذن لو أن الابن كان دائمًا أخًا لنا ويحسب بأستمرار من بين المخلوقات لأنه من نفس طبيعتهم ولهذا فقد كان بكرًا بينهم، فحينئذ أي هبه لم تكن لدينا قد تخف إياها وأقصد بذلك هبه الأخوّة؟ ولماذا منح هذه العطية فقط لمن آمنوا به؟ وما هو الذي يمكن أن يحصل عليه مخلوق من مخلوق مثله؟ هل أدركت إذن إلى أين يقودنا منطق هؤلاء المخالفين؟.

إرميا: نعم.

 

كيرلس: نترك عنّا إذن يا صديقي، كل اهتمام بهذه الأفكار الساذجة وننتهي إلى القول اليقين مؤمنين حقًا بأن الابن قد دُعيّ بكرًا من أجلنا عندما صار مثلنا كما أنه هو وحيد الجنس لأنه لا يوجد أحد يماثله حيث إنه الوحيد الذي وُلِدَ من جوهر الله الآب.

هل يُعبّر لقب ” الابن” على أنه خليقة مميّزة؟

إرميا: غير أنه إن قَبَل هؤلاء بأنه يجب أن ندعوه وحيد الجنس لأنه هو الوحيد الذي جاء من الآب الفريد، فماذا ستكون إجابتك على هذا؟.

كيرلس: كنت بالطابع سأعتقد بأنهم فقدوا نعمة العقل الذي يجب أن يرى بطريقة لائقة وبشهامه. بل أنهم يرتكبون خطًأ كبيرًا من جهة معرفتهم بمعنى الأسماء مُعطين إياها معاني بحسب ما يرغبون. لأن “وحيد الجنس” تعني ذلك الذي وُلِدَ حسب الطبيعة من آخر وليس ذَلك الذي صُنِع بطريقه ماهرة. وليأتوا هؤلاء إلى هنا ليجيبونا عندما نسألهم أين قرأوا أن هذا التعبير يستخدم ليصف عملاً من الأعمال الفنيّة أو العلّمية. لأننا لن نسمح لأفكارهم الزائفة أن تُقنن ما يريدونه هم في توجيههم لمعاني الكلمات بطريقه خاطئة جدًا نحو تفسير غير سليم بالمرّة. فلو أن نجارًا- على سبيل المثال- قد صنع مركبًا واحدًا فريدًا، فهل كان يسمىّ وحيد الجنس بالنسبة له مع أن هذا المركب هو من صُنعِه ونتيجة لخبرته؟ وكيف لا يكون هذا مدعاة للسخرية؟ أم أنك تعتقد أن هذا تفكير حكيم؟.

 

إرميا: طبقًا لا أعتقد هذا بالمرّة.

كيرلس: وأيضًا ما يدّعيه المعارضون وبطريقه غبيّة بأن الابن وحده قد وُلِدَ من الآب ولهذا فإن له طبيعة مُميزَّه وأنه لذلك قد وصلَ إلى هذا القَدْر الرفيع من المجد، في كل هذا سنثبت بطريقتين أن هؤلاء المعارضون يرتكبون خطًأ وأنهم جهلاء.

 

إرميا: قُل لىّ كيف ستثبت هذا.

كيرلس: أولاً، إن تفكيرهم هذا سيقودهم بالضرورة وسيحصرهم في أن ينسبوا للآب أنه كفَّ (عن أبوَّته) بعد أن وَلَد الابن. وبدون أن يريدوا يعترفون بأن الطبيعة الفاعله على الدوام كفَّت عن فعل ما يخصها وأن عمليه الخلق قد إنتهت وأنه بعد ذلك لم ينشغل بأى أمر على الإطلاق بل أنه قد حوَّل للابن- بطريقه ما- أن يفعل الأمور التي بواسطتها فقط تُعرف خصائص الطبيعة الفائقة. وهكذا فإن ثمار الجوهر المولود ستكون هي خصائص الالوهيه بينما حسب ما هو ظاهر- فإن الله الآب سيكون فخورًا بالابن الذي هو مخلوق فريد بينما الابن وهو يري الأعمال الكثيرة، فإنه سيعتقد أنه في مرتبه أعلى مساوية لمرتبه الآب لأنه بسبب ولادته قد أرتقى ليكون خالقًا حيث إنه قد أحضر الأشياء غير الموجودة إلى الوجود، بل أنه أيضًا يفوق على ذلك بأنه صالح حيث إن عمل مَنْ هو صالح هو أن يُحضر للوجود تلك الأشياء التي لم تكن لها هبه الوجود. وهكذا فإن الحديث يبتعد عن الجدّية مظهرًا البطيء في الطبيعة الدائمة الحركة حيث إنها تَقْدَر فقط أن تَهِب الوجود للأشياء غير الموجودة. وهل لا يعتبر هؤلاء التعساء أن ولادة الابن هي توقف فعلّي للطبيعة الولوده وذلك بحسب أفكارهم الخاصة والتي يعتبروها صحيحة بالنسبة لهم؟. وإلاّ فإن كان الله الآب قد فضَّل أن يَكفُّ عن العمل، فلماذا كتب لنا موسى المطوّب كلاما غير صحيح بالنسبة لهؤلاء المعارضون قائلاً وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا[47]؟ لان عبارة “لنَخلقْ”[48] توضح أن الله لم يتحاش على الإطلاق أن يخلق، بمعنى أن يخلقنا نحن أنفسنا بل بالحري كان يُفضّل العمل المشترك مع الابن والروح القدوس وقد تمّ هذا بالفعل لأنه مكتوب فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ[49]. وكلام موسى لن يكون كاذبًا لأنه كان عالمًا بالأمور اللاهوتية وكان يكرّم طبيعة الله. غير أن الكلمة الذي أتي من الآب سيُعلن لنا بالأكثر أن طبيعة الآب هي فعّاله دائمًا وعامله. لأن المسيح عنفّ مرّة اليهود عندما رآهم غاضبون من أنه قد فعل شيئاً في يوم السبت قائلا لهم “أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل” وفي موضع آخر قال الْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي لَكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ[50]. إذن يا أرميا أليس من غير اللائق وهو خطأ كبير أن نعارض كلام المُخلّص ونصوص الكتاب المقدّس- والتي تتفق مع ما قاله الابن- ونجرؤ على القول بإن الآب غير فاعل أيضًا بالنسبة للخليقة؟.

إرميا: هو خطأ كبير بالفعل.

كيرلس: وأعتقد أن هناك أمراً آخر هو غير واضح وغير مفهوم.

إرميا: وما هو؟.

كيرلس: فَليَقُل ليّ هؤلاء إذن، لأني أريد أن أتعلّم، لو كان الابن فقط هو الذي خضع لعملّيه الخلق ولهذا فهو مختلف عن جميع المخلوقات لأنه هو الوحيد الذي صار بواسطة الآب فقط. فأيهما لا يحبه الآب: المخلوقات التي خُلِقَت بعد الابن وبواسطته والتي لم يسمح لها لهذا السبب أن تصل إلى درجه عاليه من الطوبى لأنه يترفّع عن خلقتها، أم أنهم سيقولون إن الآب هو فوق كل حسد وكل جمود؟.

إرميا: سيقولون هذا بالفعل على ما أعتقد.

كيرلس: سيقولون هذا لو أنهم كانوا يؤمنون حتى بهذا فقط. لأني لا أتخيّل أن يصلوا إلى أبعد من أفكار الفلاسفة اليونانيين في هذا الأمر، حيث إن أحدهم وهو أفلاطون قد قال عن الله “إنه كان صالحًا وبالتالي لا يوجد فيه حسد بالمرة تجاه أي شيء”. إذن طالما أن الآب هو صالح وبالحري هو نفسه معدن الصلاح، وبالتالي فهو قد سمح بإرادته وفِعله وحده، للمخلوقات أن تصل إلى درجه عاليه من السعادة، فلماذا إذن لم يجعل هذه السعادة عامة للجميع بدون أن يحسد بكونه هو الصالح، ولماذا أسند لآخر (الابن) أن يفعل هذا حارمًا بذلك الخليقة من أمر فائق لا يقارن؟.

إرميا: غير أن الآب لا يظَّل غير فاعل على الدوام لأنه يعمل مع الابن مُعطيًا الوجود لكل المخلوقات.

كيرلس: وما هي إذن مساهمه الابن في عملية الخلق؟ هل كانت تفوق قدره الآب ولهذا فقد كانت ضرورية له فيما يفعل وأنه قَبَلَها عن احتياج؟ أم كانت أدنى منه ولهذا فلم تكن ضرورية له؟ فإن كانت تَفوُقه وضروريّة وأنه لهذا قَبِلها فإن هذا الكلام سيكون بلا معني بل بالحري تجدّيف. لأن الابن سيكون متفوقًا على مَنْ جاء منه وسيفوق طبيعة الله الآب بل وسيكملّها بما تحتاجه وبكل ما هو صالح. ومن ناحية آخرى إن كان قَبِلَها مع أنها أدنى منه وليست ضرورية، حيث تُظهر عدم روعه الخليقة، إذن- فقل لي- ما هو الأمر الذي أقنع الآب كي يعمل مع الابن؟ وهل لن يبادر أحد بالقول إن الآب تخلّى عن ما هو أعلى– ولا أعرف بأي طريقة- بينما أراد أن يتمسك بما لم يكن أعلي. بمعني أنه يتحاشى بسبب الخوف أن يخلق بنفسه الخليقة، رغم أن عن طريقه هو وحده وبواسطته يمكن أن تظهر روعه الخليقة، وإنه قَبِلَ الابن كشريك حتى يكون  إحضار الخليقة هو عمل بلا أي شائبه؟.

 

إرميا: غير أنهم يقولون إن الطبيعة المخلوقة لم تتّم بفعل الآب وحده، لأنه كان سيكون من غير المعقول على مثل هذه القوة الفائقة السامية أن تضطر لأن تتنازل إلى فعل مثل هذه الأمور البسيطة.

كيرلس: إن هذا القول هو قول أحمق ينتج عن عقل طائش. أليس من عدم الحكمة أن يفكر أحد ويقول بإنه لو كان في الحقيقة خلق الخليقة هو أمر أدنى وغير مقبول ويمثل عبئًا بالنسبة للآب؛ إلاّ أن نفس الأمر ليس كذلك بالنسبة له عند خلق الابن وحده، إذ هو أمر مقبول وسامي، مع أن الابن له نفس طبيعة المخلوقات كما يقال؟ ولا يمكن أن يكون هناك أمر يمثل عبئًا عن خلق الخليقة ولا يمثل عبئًا عن خلق الابن حتى لو كان الابن يبدو مكانه أعلى من بقية الخليقة. إما  إن تجرأت بالقول بإنه لا يليق يسمو الآب أن يتنازل ويهتم بخلق الخليقة فإن مثل هذا القول يحمل في طيلته تجديفًا مزدوجًا، لأنه يهين الابن من ناحية ومن ناحية أخرى يلوم الآب رغم ظنهم بأنهم يكرمونه بمثل هذه الادعاءات.

إرميا: وماذا تقصد بقولك هذا؟.

كيرلس: في قولهم بتفوّق الآب، هم يظنون أنهم يقللّون من مكانه الابن، ومع هذا فاني أعتقد أنهم لا يستطيعوا أن ينزعوا عنه مكانته العليا وسمو مجده. إذن طالما أن طبيعة الابن هي هكذا وأنه قد وصل إلي هذه الدرجة من الكرامة والمجد حتى أنه يخلق الرئاسات والسلاطين والكراسي وما دونها، فقلّ لي هل يليق به أنه بينما يخلق عصفورًا صغيرًا وأشياء أخرى أقل، أن تنسب له أنه يخلق كل هذا بواسطة قدرات آخر؟ وماذا سيبقي صحيحاً في إيماننا لو أننا اعتقدنا بذلك؟.

إرميا: هذا لا يليق بأي حال من الأحوال لأنه مكتوب كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ[51].

  

كيرلس: وكيف لا تكون إهانه وتحقير لطبيعة الابن أن يخلق عصفورًا صغيرًا؟ وطالما أنه هو صورة الآب وشبهه، فهل هذا الشبه يعني أنه يهدر قوّته المُحييّة في خلق مثل هذه الأشياء المتواضعة؟. وبالتالي فهّم عندما يَتعجّبون من قدره الآب الفائقة فإنهم يَقولون إن خلقته للملائكة هو أمر متواضع وبالتالي كان سيكون من السهل عليهم أن يقولوا بإن الابن لا يجب  أن يخلق عصافيرًا أو زواحف وأيضًا كل تلك الأنواع العديدة من الزهور في الحقول؟ ولكن لماذا يصفه المزمور بكل هذه الصفات الرائعة قائلا الْمُنْبِتُ عُشْباً لِلْبَهَائِمِ وَخُضْرَةً لِخِدْمَةِ الإِنْسَانِ[52]؟ وبطريقه آخرى إذن هم يعترفون (بآلهه) أخرى خالقه لها نفس طبيعة تلك الخلائق البسيطة أو هم يهينون وبطريقه علنيّة الابن الوحيد عندما يتحدّثون عنه كخالق فقط لتلك المخلوقات البسيطة.

إرميا: لو فكروا بهذا سيكون أمرًا خطيرًا عليهم.

كيرلس: وكيف لا ينسبون للآب حماقة وتفاخر بقولهم إنه لم يرغب في أن يكون خالقًا لتلك المخلوقات التي يريد أن يكون هو ربها؟ مع أننا نسمع المسيح وهو يثني علي عناية الله الآب وتدبيره عندما قال: أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ[53]. وكيف يمكن لذلك الذي يبسط عنايته حتى بالنسبة للعصافير، أن ينسي أن يخلق ملائكة وأن يبسط السماء ويثّبت الأرض ويصنع الشمس والقمر والنجوم، تلك الأمور التي اِمتُدحت من الملائكة القديسين على أنها عمل الخالق العظيم، لأن الربّ قال “ترنمت كواكب الصبح معاً”[54]. فألا يتضّح لك أنه يجب أن نفكر بطريقه سليمة فيما يجب أن نقوله؟.

إرميا: بالتأكيد.

كيرلس: قُلّ لي أذن، هل تَستَطيع أن تقول إن جزء صغيرًا أو كبيرًا من بين المخلوقات ليس هو نتيجة عمل القوّه الإلهية؟.

إرميا: إطلاقًا.

كيرلس: وكيف لا يكون دليلاً على جهلهم أنهم يَصفُون الأعمال التي تمّت بواسطة الابن بأنها إلهيه ومع ذلك لا يؤمنون أنه هو الله بل يحسبونه ضمن المخلوقات كما لو كانت له نفس طبيعة الأشياء المخلوقة؟ لأن ما هو مخلوق ليس هو الله، ولن تستطيع المخلوقات أن تشعر بتفوّق طبيعة خالقها على طبيعتها إن لم تكن طبيعتها أقل بل ومختلفة عن طبيعة الله الذي خلقها، ولقد فهم الطوباوي بولس هذا الأمر جيدًا عندما كتب لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ[55]. إذن هل يمكن أن تُدرَك الوهيته وقدرته السرمديه لو جعلتم الكلمة خالق الكل، مخلوقًا؟![56].

حاشا لأنه أزلى. لكن أعتقد أنه- حسب تفكيرهم هذا- يمكن للخليقة أيضًاأن تتباهى بكونها إلهيه، غير أنه ما سينتج من مثل هذا التفكير؟ سيظهر أن الخليقة التي يشاهدونها أمامهم وليس الله الخالق- ستكون بالنسبة لهم كإله”[57].

هل يعمل الآب من خلال وسيط، وهكذا يصير هو نفسه معروفًا:

إرميا: وماذا لو قالوا إن إلوهه الآب وقوتّه السرمديّه هي التي تتضح من خلال أعماله العجيبة في خليقته؟.

كيرلس: هم أنفسهم يدينون أقوالهم هذه ويستطيع المرء أن يثبت بسهوله أن أقوالهم تتناقض مع أفكارهم.

إرميا: ماذا تقصد؟.

كيرلس: إنهم يحصرون قدرة الآب الخالقة في عملية خلق الابن ويقولون إن الآب أُظهر منذ أن خلق العالم، مع أن الكتاب المقدس ينسب خلق العالم للابن إذ هو مكتوب: بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ وَبِنَسَمَةِ فَمِهِ كُلُّ جُنُودِهَا[58] إذن العالم يشهد أمامنا أن الكلمة هو خالقه كما أنه يوضّح قوّته وإلوهيته. لأننا ونحن نشاهد الخليقة، فإننا لا نُعجب بالكلمة خالق الكون على أنه مخلوق لكننا نكّرمه ونُعلّيه جدًا وهكذا فإننا نعبر عن تقوانا بطريقه سليمة، مؤمنين أن الابن الوحيد هو الله حسب الطبيعة وأنه قد أتي من الله. لأنه بهذا فقط سننكر الاتهام بأننا نوجد في ضلال وسنبعده عن أذهاننا وسننجو من العقاب الذي يشير إليه المطوّب بولس بقوله: لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضاً فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ[59]، أي هؤلاء الذين يسلكون بطرق معوّجه ويستبدلّون الحق بالباطل عابدين الخليقة دون من هو بطبيعته الله. وهكذا صار الذهن غير مختبر وسقط باندفاع في هذا الفكر الخاطئ فضللّنا نحن أيضًا مع الوثنين عابدين الطبيعة المخلوقة، بمعني أننا عبدنا الابن- الذي هو بحسب ما يقول هؤلاء- مخلوق. وأليس كل ما هو صائر من العدم هو مخلوق؟!.

إرميا: بالتأكيد

كيرلس: انتبه إذن يا أرميا كيف أن أفكارهم مليئة بالحماقات. لأن الكتاب المقدّس يذكر أن الأمم عرفوا إلهًا حيًا وحقيقيًا وبالإيمان فُتنوا بالابن، بينما وصل هؤلاء إلى مثل هذه الدرجة من حماقة الأفكار حتى أنهم لم يخجلوا بالمرّة عندما ينسبوا له هذه الصغائر ويقولون إنه مخلوق. لأنه قد كُتب عن أولئك الذين تبعوا الرسل بأنهم هم أنفسهم: يُخْبِرُونَ عَنَّا أَيُّ دُخُولٍ كَانَ لَنَا إِلَيْكُمْ، وَكَيْفَ رَجَعْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الأَوْثَانِ لِتَعْبُدُوا اللهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ[60]. فطالما أن ما تفعله العبادات الوثنية هو أمر شائن ومُخجل إذ يعبدون الخلائق (دون الخالق) وطالما أن الأمم قد رجعوا إلى عباده الإله الحيّ وآمنوا باسم الربّ يسوع وعادوا إلى السجود للابن مع الآب، فكيف مازال من الممكن اعتبار أن الابن مخلوق؟ أو أن الإيمان هو بلا فائدة أو أن اعتقادنا نحن في الله هو كاذب مع أنه بالتأكيد يُقال أننا قد تركنا الضلالات القديمة؟.

إرميا: بالفعل يُقال هذا، لأن الأمم قد رجعوا إلي الله الآب الحقيقي والحيّ.

كيرلس: وكيف كانت طريقة عودتنا إلى الله؟ أو كيف يقدر البعض أن يعودوا بطريقه حسنه وصحيحة وبدون ضلال إلى الربّ الحيّ الحقيقي، دون أن يعترفوا بأن عباده الخليقة هو أمر باطل؟.

إرميا: أعتقد أنه عن طريق الإيمان لأنه يقول”الذي مِثَالهُ يُخَلّصِنَا نحن الآن أي المعمودية لا إزاله وسخ الجسد، بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح”[61].

كيرلس: إن هذا هو قول حق، أنما أريدك أن تجاوبني. هل الإيمان هذا معناه أن نؤمن بالآب والابن والروح القدس؟[62]

إرميا: نعم.

كيرلس: إذن هل يستطيعون من يريدوا أن يحفظوا إيمانهم ثابتًا ونقيًا وحرًا من أي شائبه، أن يؤمنوا بالله والخليقة في نفس الوقت، أم هل يستطيعوا أن يؤمنوا بالله جاعلين الابن مع الآب لأنه هو مساوٍ له في الجوهر؟

إرميا: يستطيعون هؤلاء أن يؤمنوا بإله واحد بمعني طبيعه إلهيه واحده مدركين بالطبع أنهم لن يحيدوا عن الطريق طالما أنهم لم يخلطوا طبيعة الله بالطبيعة المخلوقة.

كيرلس: هؤلاء إذن يوافقون على أن الإيمان بالابن هو الإيمان بالله الحيّ والحقيقي وهذا يتضّح وبدون مشقّه عندما نسمع الابن وهو يقول: أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فَآمِنُوا بِي[63]. وهذا ليس معناه أن يؤمنوا بالخليقة والله معًا، بل على العكس فلأن الابن هو من نفس جوهر الآب لهذا فإن الإيمان هنا هو إيمان بالطبيعة الإلهية الواحده. وفي موضع آخر يقول: الَّذِي يُؤْمِنُ بِي لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي[64] لآن الإيمان بالابن لا ينفصل عن الإيمان بالآب بل أن الإيمان بالابن هو الذي يقود المؤمن الحقيقي- عن طريق الابن- إلى الآب الذي وَلَده. كما أنه يمكنكِ بسهوله أن تعلم أن من كانوا قبلاً وثنييّن قد اعترفوا بالمسيح وسجدوا له، وذلك عندما تسمع بولس الرسول وهو يقول: “لِذَلِكَ اذْكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأُمَمُ قَبْلاً فِي الْجَسَدِ، الْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ الْمَدْعُوِّ خِتَاناً مَصْنُوعاً بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ، أنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ وَبِلاَ إِلَهٍ فِي الْعَالَمِ[65]. إذن يمكن أن نفهم أن الأمم الذين كانوا يعيشوا بدون المسيح كانوا بعدين عن مَنْ هو بطبيعته الله، محرومين بذلك من الحقيقة لأنهم كانوا بلا إله في العالم. لكنهم عندما عرفوا الابن بالإيمان، وعندما اُستعلن للعالم الرجاء الصالح، وتطهّروا من ضلالات الإلحاد وابتعدوا عنها.

إرميا: بالصواب تتكلّم.

كيرلس: إذن الابن هو الله الحقيقي، لأنه هكذا ستبقي ولادتنا الجديدة بالمعمودية المقدسة، ولادة أصيله وبلا أي شائبه.

إرميا: وماذا يعني هذا؟ لأني لم أفهم ما قلت.

كيرلس: ألم نُولَد روحيًا[66] يا صديقي آخذين صورة ابنه وتشكّلنا حسب بهاءه الإلهي عن طريق الروح القدس فصرنا شركاء الطبيعة الإلهية، بنسبنا للابن الذي هو الله؟.

إرميا: بالطبع.

كيرلس: إذن كيف يكون الابن مخلوقًا؟ (وقد أتمّ كل هذا فينا)، لأنه إن لم يكن الابن هو مَنْ تؤمن به أنه من الله كيف لا يكون سرّ (المعمودية) مبنيًا على رَجاء باطل وفكر عقليّ فقط وسيكون في الواقع مجردّ خيال وخداع؟ فأي ختم الهي سنكون قد خُتمنا به في داخلنا حتى ولو كنا أخذنا شكل الابن إن لم يكن الابن بحق هو الله وليس مخلوق؟

والآن يجب عليك أن تؤمن أيضًا بأن الله الآب نفسه هو خالق لأن الصورة لابد وأن تشبه الأصل. أو جاوبني على هذا الأمر لأنني سوف أسألك: ألا توافقني على أن الطبيعة الإلهية- وفي أي صورة يمكن أن تدركها أنت- لا يمكن أن تقارن بالطبيعة المخلوقة وهي مختلفة عنها تمامًا وأنها لا تشابه بأي صورة من الصور أي من المخلوقات؟.

 

إرميا: أتفق معك تمامًا لأنه كيف لا تعلو طبيعة الله عن طبيعة أي مخلوق؟

كيرلس: وبالتالي فكلّ من لدّيه عقل سوف لا يقبل بأن تكون الطبيعة غير المخلوقه وغير المصنوعة هي صورة لأي طبيعة مخلوقه. أو حتى يمكنه أن يقبل أن يكون داخل مَنْ هو كائن في كل مكان ومَنْ هو بغير تغييّر، طبيعة أخري كانت غير موجودة وخُلِقتَ فيما بعد؟.

إرميا: بالصواب تتكلّم.

كيرلس: وأعتقد أيضًا أن العكس صحيح. بمعني أنه لا يمكن في داخل الشيء الذي لم يكن كائن دائمًا[67]، أن يوجد الشيء الذي هو دائم الوجود وغير المتغيّر[68].

إرميا: هذا حق.

كيرلس: إذن ما هو الأمر المستحق لكل أعجاب أكثر من أننا في داخلنا قد تشكّلنا حسب صورة الابن؟ وأين سطع الجمال الإلهى داخل نفوس أولئك الذين آمنوا كشيء غير معتاد بل وغريب؟ فبالتأكيد يوجد تشابه تام بين أحد الخلائق والخلائق الآخرى، وأن هذا التشابه لا يأتيهم من خارجهم بل تفرحنه قوانين الطبيعة، وعليه فإن كل الخليقة الباقية كانت تشبه دائمًا الابن الذي هو- حسب اعتقادهم- من بين المخلوقات. وبالتالي فأي بهاء قد تشكّل في نفوسنا بواسطة الروح القدس؟ لأنه سيتضح أن ما قد وُهب لنا كان بدون هدف لأننا إن لم تكن من حصلنا عليه (بواسطة الروح القدس) كانه سيكون في داخلنا حسب طبيعتنا وقد حصلنا عليه من ذواتنا وبدون أن نأخذه من آخر. غير أن هذا سيناقض كل ما هو سليم ومنطقي. لأننا نحن أي كل الذين آمنا صرنا شركاء الطبيعة الإلهية وذلك عن طريق علاقتنا بالابن بواسطة الروح القدس وهذا حدث ليس بطريقه ظاهرية بل بطريقه حقيقية، إذ عندما قبلنا هذا الصورة الإلهية فقد أعيدّت خلقتنا حسب هذا البهاء الذي يفوق كلّ الخليقة. لان المسيح يتشّكل داخلنا بطريقة لا توصف- ليس كمخلوق داخل (البشر) المخلوقين لكن بكونه هو غير المخلوق وهو الله، داخل طبيعة مخلوقه ومجبوله، مُشكّلاً إياها من جديد حسب صورته بواسطة الروح القدس واضعًا هذه الخليقة أي نحن، في مرتبه أعلى من رتبه كل المخلوقات.

إرميا: وبالتالي فلا يوجد ما يعوق أو يستبعد الابن الوحيد عن البنوّة الحقيقية، ويجب علينا أن نؤمن بأنه مولود غير مخلوق.

كيرلس: نعم، وذلك يكون بأن نقبل بالفعل بأنه إله حقيقي ونؤمن بأنه يجب أن يكرمّ منّا ومن كل الملائكة القديسين بالسجود وبأن يُعطىَ له كل المجد والكرامة الإلهية. لأنه لو عبدنا الخليقة دون الخالق، ولم نعطِ كَرامة للطبيعة الإلهية التي تفوق الكلّ ناسبين كرامة الخالق للمخلوق لاستحققنا أن نسمع عن حق قول النبي ” شعب جاهل لا يفهم[69].

إرميا: غير أن هؤلاء لن يقولون عنه أنه ابن وإنه هو الله.

كيرلس: وكيف لا يكون قولاً غير متناسق ويدعو للسخرّية أن يُقال عن الابن أسماء مشتركه وألقاب متعددّة مثل أنه “صورة” الآب وفي نفس الوقت لا نُعطيه المجد اللائق بالله حاسبين إياه ضمن المخلوقات؟ أم ليس هو أمر شائن أن نقول إنه مخلوق مع أننا نعبده على أنه هو الله؟.

إرميا: بصواب تتكلّم.

 كيرلس: إن كانوا يعتقدون كما يجب، فليكفوا عن محاولتهم بخداعنا بكلام مزيّن يبعدون به الابن عن الإلوهه الحقيقية. لأن هذا هو ما يقولونه بكل وضوح وهكذا يجدّفون عليه بطريقة مباشرة. وإلاّ فإنهم سيسمعون منا ومن الملائكة “يا هؤلاء جميعكم القادحين نارًا المتنطقين بشرار اسلكوا بنور ناركم وبالشرار الذي أوقدتموه. من يدي صار لكم هذا في الموضع تضطجعون”[70]. لأننا سنتبع الطريق المستقيم مؤمنين بأن الكلمة هو الله الحقيقي الذي وُلِدَ من الله الحقيقي بطريقه لا توصف. وعندما يتعقلّون قليلاً مع أنهم قليلى الفهم وحتى لو أنهم خففّوا من حدّه ضلالاتهم- حسب اعتقادي- فأنهم بالقطع لن يتراجعوا عما يقولون لأنهم بينما يعترفون بالابن على أنه هو الله لكنهم يحسبونه أنه أقل من الله (الآب) حسب الجوهر، ويضيفون قائلين إنه هو مخلوق اسمي قليلاً عن باقي المخلوقات جاعلين إياه (على الحدود) بين الطبيعة المخلوقة وغير المخلوقة. غير أنه يجب أن يعرفوا أن طبيعة الإلوهه يجب ألاّ تُفهم على أن بها اختلاف، لأن الله لا يمكن أن يكون آخر غير الله من جهة إلوهيته، مثلما الأمر في حالتنا نحن البشر. لأننا نقول أن الطبيعة البشرّية هي واحده وتوصيف الجوهر هو واحد ولا يمكن تغييّره. فإن كانوا يؤمنون بأن الابن هو الله، فليكفوا تمامًا عن أن يحسبوه بين المخلوقات، أما إن كانوا غير مقتنعين بألاّ يؤمنوا به على أنه ليس من بين المخلوقات، حينئذ لا يجب أن يعترفوا به على أنه هو الله. لأنه في هذه الحالة سوف نقول في سخرية اِجْعَلُوا الشَّجَرَةَ جَيِّدَةً وَثَمَرَهَا جَيِّداً أَوِ اجْعَلُوا الشَّجَرَةَ رَدِيَّةً وَثَمَرَهَا رَدِيّاً[71]. أم هل أننا يا صديقي لا يمكننا أن نعرف أحد المخلوقات بكل وضوح وبدون أي خداع عن طريق تلك الأشياء التي تؤمن أنها حقيقية؟.

إرميا: بالتأكيد.

كيرلس: هيّا بنا نتحدّث بالضبط عن ماهية طبيعة الابن، واضعين في اعتبارنا الآتي: لو أن الابن ليس هو الله بالطبيعة لكنه أتي إلى الوجود مثلنا- وذلك حسب أساطيرهم وكلامهم غير المعقول- فكيف يكون منفصل عن باقي الخليقة؟ وهل يمكن أن يكون هذا قد حَدَثْ بسبب بُعد المسافات بينه وبينهم؟ وكيف لا يكون مثل هذا الكلام سفسطه فلسفيّه؟ لأنه أين أو بأي طريقه يكون (الكلمة) غير المتجسد معزولاً في مكان ما او ما هو المكان الذي يستطيع أن يحده؟ وبخلاف هذا فإن يوحنا الطوباوي يؤكد أنه كَانَ فِي الْعَالَمِ وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ[72]. وبالتالي يا أرميا فإننا عندما نفكر بطريقه صحيحة في طريقة ابتعاده لا يستطيع إلاّ أن نقول إن العالم لم يعرف خالقه مع أنه هو الكائن دائما فيه.

إرميا: كيف لا يكون هكذا.

كيرلس: إذن فقد هرب العالم من خالقه، طالما أنه ابتعد عن الاتصال به، لأنه لم يعرف الخالق الذي هو اسمي من الخليقة. ولأنه أنعطف نحو الشرّ فإنه قطع علاقته بالخالق تلك التي كانت عن طريق الروح القدوس. لأنه بمجرد أن خُلِقَت طبيعة الإنسان بواسطة روح الخالق غير الموصوف في نفس الوقت زُينّت بهبه العلاقة بالروح القدوس لأنه مكتوب “وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ[73]. لأنه كما أعتقد – لا نستطيع الكائن الحيّ أن تكون له هذه الدّالة وهذا التقدّيس بأي طريق آخر سوي عن طريق شركه الروح القدس. لأنه عندما تجسَّد الابن الوحيد وَجَدَ أن طبيعة البشّر خاليه من الصلاح الذي وَهَبه الله إليها في القديم عند خلقتها، لهذا أسرع بأن يشاركها من ملئه مثلما من نبع قائل أقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ[74] ومبيّنًا نفخه روحه عندما نَفَخَ في وجوههم. وهكذا كان تجديّد البشريّة وإعادتها إلى رتبتها الأولي مُماثلاً لما قد حَدَثَ عند خلقها في البدء، بينما نجد أن انفصال الطبيعة المخلوقة لا يُفهم على أنه بُعد مكاني بل بالحري على أنه بُعد هذه الخليقة عن الله وعن شركه الابن والروح القدس. لهذا فيمكن أن ترجع إلى حالتها الأولي لو أرادت- طالما أنها وُهبت التجديّد الروحي وهي مدّعوه لشركه الطبيعة الإلهية عن طريق الروح القدس. فلو كان الابن- حسب ما يقولون- هو واحد من ضمن المخلوقات، فبأي طريقه تكون الخليقة قد انفصلت عنه؟ لأن مَنْ تربَطهم علاقة قرابة هم دائمًا متحابون، ولن ينفصل أحدهم عن الأخر أبدًا، إذ أن كل منهم هو مثل الأخر مخلوق. بينما الغريب، أي الذي لا يكون من نفس الطبيعة، لا يوصف عاده بنفس صفات تلك الطبيعة، لأنه مختلف عنها، فكيف يكون (الابن) قد صار ضمن الخليقة عن طريق الروح؟ وما هو الشيء الذي يمكن أن يُضيفه أو يَهبه إليها، أو إلى أي مستوي يمكن أن ترتقي إليه هذه الطبيعة المخلوقة وما هو الشيء الفائق الذي يشكّله داخلها؟ وكيف يُقال أنه قد وَضَعَ نفسه[75] طالما أنه لا يحسب من ضمن مَنْ هم أعلى (لأنه هو مخلوق مثلنا حسب اعتقادهم)؟ أو أي تنازل قد احتاجه حتى أنه في تنازله هذا من علّوه فوق الخليقة، يكون قد اتحد بهذا العالم ويصير جزءًا منه، إن لم يكن هو اسمى من العالم والخليقة؟.

إرميا: أعتقد أنهم سيجدون صعوبة في الإجابة عن هذا السؤال؟

كيرلس: وما هو السبب الذي يجعل الابن وحده أن يكون حرًا ومخلّص طالما أن كل الخليقة تحني عنقها في عبودية لله؟ وسنكون غير عقلاء ومثرثرين يا صديقي لو أننا وضعنا الابن المولود من الآب حسب الطبيعة بين أبناء الله بالتبني لأنه هو أزلي مع الله الآب. وإن كان الابن هو مخلوق مثلنا فأين يوجد ومَنْ هو ذلك الذي يجب أن نتشبّه به ونتغيّر لنصير على حسب صورته؟.

أعتراضات المخالفين مبنيه على سوء فهمهم لبعض الآيات الكتابية:

إرميا: أظن أنك شرحت هذا الأمر بشكل واضح جدًا. غير أني أعتقد أن المخالفين سيقولون متسألين: وهل لم يذكر الكتاب المقدّس منذ القديم عن الابن أنه مخلوق، وهكذا إعترف به سليمان الحكيم عندما قال في الأمثال اَلرَّبُّ قَنَانِي(خلقني) أَوَّلَ طَرِيقِهِ مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ مُنْذُ الْقِدَم[76]. وأيضًا سيقولون بأن بطرس المميّز من بين الرسل قد قال فَلْيَعْلَمْ يَقِيناً جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هَذَا الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ رَبّاً وَمَسِيحاً[77]. فماذا نستطيع إذن أن نقول لو أنهم قد حاصرونا بمثل هذه الأقوال؟.

كيرلس: وماذا نقول أيضًا، إلاّ الذي هو بالفعل حقيقة؟ لأن الذهن الذي لا يستنير بالحكمة السمائيه التي تتدفق بغزاره من عند أبي الأنوار هو ذهن مُظلم وبالتأكيد لا يستطيع اجتياز ضباب صعوبات المعرفة. وأعتقد أن داود النبي عبّر عن هذا بقوله: “أنر عيني لئلا أنام نوم الموت”[78]. فهّلا نفحص بعناية وبذهن متقّد روحي، معاني هذه الآيات وبحاسة شم مدّربه نشتّم ونتتّبع أثار الحقائق غير المرئية وغير المدركة فيها. لأن الابن قد قال فعلا إنه مخلوق، لكنه لم يقل هذا بدون إيضاح السبب، لكن قال إن هذا قد تمّ “لأجل أعمال وفي بداية طرق الله الآب” وبالتالي فالخلق في هذه الحالة لا يمكن أن يعني أنه خُلِقَ من العدم، بل يعني استخدام مَنْ هو كائن بالفعل لأداء هذه الأعمال المزمع أن تجري. مثل النسّاج أو الحدّاد، فمع أنهما كائنان وموجودان بغض النظر عما يقومان به من أعمال إلاّ أنه رغبه مَنْ يريد أن يقوما بعمل من هذه الأعمال، هي التي تُكَلِف كل منهما بأداء عمله حسب مهنته التي يجيدها، وهذا ليس معناه أنه يحضرهما إلى الوجود. فلو أن الابن قال فقط “إن الربّ خلقني” ولم يضيف شيئًا بالمرّة على هذا القول لكان من الجائز أن يُفهم قوله بالمعني الذي يشير إليه المحرّفون، لكنه لم يقل فقط هذا بل أضاف أنه قد خُلق لأجل أعماله لأول طرقه. ودعهم يتركوا عنهم الاستخدام السيئ لمعني هذه الآيه وليُعطي لهم مثلاً آخرً أوضح. فعندما تقرأ ما قد كًُتب عن الله أنه “قد صار ملجأً وصخره”[79] فهل تقبل إذن بأن الله مخلوق لأن أحد قال عنه أنه  قد صار ملجأً؟.

إرميا: مستحيل.

كيرلس: فلماذا يفكرون هؤلاء التُعساء بمثل هذه الطريقة مستخدمين أضاليلاً كثيرة كأسلحه يدّمرون بها أنفسهم، بينما كان من الواجب عليهم أن ينحازوا إلى الحقيقة وبالحري إلى ما يتضّح أنه قد قيل عن الله ليس من جهة الوهيته بل بسبب تجسدَّه واتخاذه طبيعة بشرّيه ومشابهه الابن لنا؟ وغير ذلك فإنه يجب علّى حِسب ما أظن- أَن أقول الآتي: في قوله إنه قد ُخلِقَ أضاف أيضا بأنه وُلِدَ لأنه قال “مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقَرَّرَتِ الْجِبَالُ قَبْلَ التِّلاَلِ وُلِدتَ[80]. فإما أن نلغي عمليه الولاده لأنه قال إني خُلِقتَ أو نترك هذا التعبير ونؤمن بأنه وُلِدَ. لأن التعبيران يتصارعان فيما بينهما بما يحمله كل منهما من معانٍ، غير أن التعبيّرين هما حق. وبالتالي فالابن ذاته قد وُلِدَ فعلاً من الآب بكونه هو الله، وأيضا فإن جسده مخلوق[81] ويمكن أن نجد في الكتاب المقدّس ما يقنعنا بذلك عندما نقرأ ما قاله أشعياء النبي هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ[82] فكيف إذن يأتي الكلمة إلينا بينما هو الله إلاّ عن طريق قربي وصله تتفق مع قانون الأجساد؟ وكيف لا يكون هذا أمر غير لائق إذ أنه عندما قيل أنه يتخذ هيئتنا ويتنازل إلى تواضعنا ويصير بين الخليقه وهو غير المخلوق، لأنه حينئذ جاء إلينا مع أنه هو اسمي منا وأرفع، بقدر سمو الطبيعة الإلهية عن الطبيعة المخلوقة. لأن الطوباوي داود دعى الابن الوحيد الذي وُلد من الله (الآب) والذي هو أرفع منا بدرجه لا تُقارن ولا تقاس والكائن في المجد الذي لا يوصف، مُنشدًا وقائلاً يَا رَبُّ لِمَاذَا تَقِفُ بَعِيداً؟ لِمَاذَا تَخْتَفِي فِي أَزْمِنَةِ الضِّيقِ؟[83]. لأن ذاك الذي يختلف عنّا من حيث طبيعته الفائقة في كل شيء، جاء إلينا عندما قَبِلَ بإرادته أن يخلي ذاته. فإن قالوا إن الأمر ليس كذلك، فحينئذ لن يمنعهم أي شيء- على ما أعتقد- عن أن يقولوا بغير خجل، إن ما قيل عن أن الابن قد جاء إلينا، عندما صار إنسانًا، وهو قول بلا معني. لأنه متى كان الابن ليس هو معنا إن كان هو مخلوق؟

إرميا: بالصواب تتكلّم.

كيرلس: وعندما يُقال أنه جُعِلَ ربًا ومسيحًا فإنك يجب أن تفهم أنه وَضَعَ نفسه آخذًا شكل العبد بسبب أنه قد شابهنا. وواضح- على ما أعتقد- بل كان من الضروري أن الطبيعة الإلهية لا تتأثر بخصائص طبيعتنا البشرية، عندما تواضع بالجسد، حاملاً فيه دائما صفات العبودية والمذّلة، بل حتى عندما نُسِبَ للمجد الإلهي ما يليق فقط بضعف البشر. وبالتالي فلأنه صار- من أجلنا- في شكل العبد، ولأنه عاد إلى ربوبيته التي كانت له والتي لم تفارقه إذ أنها في طبيعته، فلهذا يقال أنه قد جُعِلَ ربًا وأنه جاء إلى عالمنا عندما اتخذّ جسدًا.

فلو كنا بصدد أن ننسب للكلمة (قبل تجسَّده) كل ما هو خاص بالجسد، أي كل ما حدث وقيل بسبب التجسَّد، فإننا سنكون منكرين للتعاليم الحقة في غير وقار شديد. لأنه قد خضع للناموس وصار مرئيًا وملموسًا ووُضع قليلاً عن الملائكة[84] وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ[85] مِثْلَ شَاةٍ سِيقَ إِلَى الذَّبْحِ[86] وتعرّض لالآم الموت القاسية. فيجب ألاّ تُنسب لطبيعة الكلمة غير المتجسَّد، مثل هذه الأمور المتواضعة وغير الكريمة ودعنا نتسأل: ما النتيجة لو تمّ ذلك. أعتقد أن المحبوب والجليس مع الآب سيبتعد عن كل الأمور التي تجعله في المجد اللائق به كإله، أو بالحري لا يكون في مقام مساوٍ حتى للملائكة. وحينئذ لماذا بينما هو بالتأكيد يُمجّد إذ هو شريك العرش الالهي مع الآب، نجد أن الملائكة تقف حوله ماثله لآوامره كعبيد؟ وهو الذي بالقطع يُدعى ربّ القوات وهم الذين يمجدّونه بتسابيح تدلّ على ربوبيته قائلين إن السماء والأرض مملؤتين من مجده[87]، وبالتالي فإن قال المعارضون إنه مخلوق مع أنه يُمجّد حتى من الملائكة الفائقة المجد، أفلا يبيّن قولهم هذا أن عقولهم ثمله بل ومريضه جدًا؟.

إرميا: بالفعل لأن، هذا هو رأيّ أنا أيضًا لكنهم أيضًا يقولون إن الابن خُلِقَ لأجل أعمال الآب، ليس عندما اتخذّ الابن شكلنا، لكن عندما وُلِدَ من الآب لكي يعمل به الآب أعماله، فصار مثل الأداه التي أعطت للمخلوقات حركتها.

كيرلس: يالها من حماقة شديده. فأي كلام كان من الممكن أن يتحاشوه هؤلاء الذين ينسبون لله الآب أنه خَلقَ الخليقة بلا هدف وأن قوّه الخلق لديه هي ناقصه وأنه أخطأ فيما لا يجب الخطأ فيه وبالتالي فإن قوِّته الفائقة تصبح غير كاملة؟.

 

إرميا: كيف؟

كيرلس: ألاّ تفهم- وبغض النظر عن كل هذا- أنه إن كان يليق بالله الآب وبما لديّه من قدرات تتضّح في عمليه الخلق، أن يظهر كخالق وأن تكون طبيعته هكذا وأن يعمل كل ما يشاء، وبالتالي يتحاشى كل لوم، طالما أنه أجرى أعماله بطريقة أخرى ( أي ليس بواسطة الابن )، فكيف لا يكون قد ظَلَمَ الابن إذ قد أحضره للوجود بدون أن يستخدم أداة ووسيط لكن وهبه الوجود بقوته الخّلاقه؟ وكيف تكون بقية الخلائق- التي يقولون إنها أقل في المجد من الابن- قد جاءت إلى الوجود بطريقة أفضل وأرفع بينما الابن مع أنه ممجّد بخصائص طبيعية علويّه قد جاء إلى الوجود بطريقة أدنى وهامشية؟ لكن ربما يقول البعض إن الفعل الشخصي لله الآب كان أرفع ونتيجه لهذا الفعل الشخصي صار الابن. فلو قالوا هذا عليهم أن يجيبوا على هذا السؤال: ما هو الأمر الذي اقنع أراده الله الآب التي هي فوق كل تقدير ألاّ يُفضِِِّل الطريقة الأعلى على الطريقة الأدنى عندما أراد أن يخلق، بل ألاّ ينجح في عمل كان يجب عليه عمله، متجنبًا- بدون سبب- أن يتممّ ما كان يجب أن يتممّه؟

إرميا: وهل كان محتم على أبو كل الخلائق أن يخلق الخلائق بدون وسيط.

 

كيرلس: لماذا يا صديقي؟ وهل كان من الأصلح له أن يقبل مساعدة آخرين؟ إن مثل هذه الأقوال ستقود إلى أفكار كثيرة غير منطقيّة؟ فما الذي كان الآب في احتياج إليه، لأننى لا أرى ما هي الفائدة من الأداه أو الوسيط. لأننا لو رأينا أنه كان في احتياج حقيقى وأنه بسبب هذا الإحتياج ولأجل هذا الهدف قد خَلَق الابن، والذي يعتبره هؤلاء المعترضون أنه ضمن الخلائق، فكيف يكون من الممكن أن تكون للآب القدّرة الكاملة بكونه هو الخالق حينما يستجمع في نفسه- بواسطه أداه وفي آخر لحظه، قوته كي يستكمل تمامًا- كل ما هو له بالطبيعة؟ ولكن أقول ما هو أبشع إذ أن حسب تفكيرهم هذا، سيكون المخلوق هو مُكمّلاً للألوهه، وأن مَنْ اتخذ وضع الخادم يتبيّن أنه كان معونه ضروريّه للقوةّ البارئه التي لله الآب. وقلْ لى- بالإضافه إلى ذلك- كيف وبدون  تدخل أى وسيط، كان سيقدر أن يَخلق الابن، لو كان هو بالفعل مخلوق، طالما أنه يتفوّق كثيرًا ويغير قياس؟. لأنى أظن أنه بسبب خجلهم من أقوالهم المشينة ضد الله فإنهم يتظاهرون بأنهم ينسبون إليه كرامات مزيّفة. فمَنْ كان هو قادر على أن يخلق بمفرده ما كان متفوقًا، وما كان عاليا جدًا، وبدون مساعدة كيف كان من الممكن أن يُظهر ضعفه أمام خلق الأشياء التي هي أقل إن كان ليس لديه مساعد؟ وبالتالى كيف لا يكون هؤلاء الذين يفكرون هكذا هم جديرون بالشفقه؟.

 

إرميا: ولِما لا؟ غير أنه من المُحتمل أن تسمع أشياء أخرى. مثل أن يقولوا إن الله الآب، قد خَلَق كل الأشياء بمفرده وذلك لأن هذا أمرًا بسيطًا.

كيرلس: وبعيد عن أي تجديف سيكون من الأصح وأنت تبتعد عن الأسباب المؤدية لهذا كله أن تقول: “اجْعَلْ يَا رَبُّ حَارِساً لِفَمِي. احْفَظْ بَابَ شَفَتَيَّ. لاَ تُمِلْ قَلْبِي إِلَى أَمْرٍ رَدِيءٍ لأَتَعَلَّلَ بِعِلَلِ الشَّرِّ مَعَ أُنَاسٍ فَاعِلِي إِثْمٍ[88]. لأن مَنْ يقول إن الله الآب قد خَلَقَ كل شيء بمفرده لأن هذا أمرًا بسيطًا، كأنه يقول إن الله متكبّر ومعجب بذاته، وهكذا فهو ينسب لله مثل هاتين الصفتين السيئتين والمقززتين ومثل هذا الشخص هو جاهل ولا يعرف معنى الكلام. غير أنى أريد بدورى أن أسألك.

 

إرميا: عن أى شيء تريد أن تسأل؟

 

كيرلس: ألا يقولون إن الابن هو مخلوق؟

 

إرميا: نعم. لكن ماذا تقصد بسؤالك؟

كيرلس: لو نظرنا نحن- على قدر استطاعتنا- إلى ماهية تلك الطبيعة التي تتحكم في كل الخلائق، ألن نرى أن كل ما هو مخلوق هو ضئيل بالنسبة لها.

 

إرميا: بالفعل هو ضئيل.

 

كيرلس: ولهذا فقد أحسن الله عندما خلق الابن فقط. وكأنه عندما شعر بالخجل من باقي الخلائق الدنيا فقد تخلّص من أمر خلقتها بأن أوكل لآخر (أي الابن) أن يُحضرها من العدم إلى الوجود؟! في حين أننا نجد أنه بالنسبة لله فإن أجمل وأروع ما يظهر من مجده وعظمته هو قدرته على الخلق، طالما أنه هكذا نعرفه نحن ونعرف مَنْ هو أو كما هو مكتوب “فإنه بعظم جمال المبروءات يُبصر فاطرها على طريق المقايسة”[89] فإذا كانت الخلائق التي تعرف من خلالها تعتبر ضئيلة ومهملة فإن الله نفسه كان سيخجل من طبيعته مدركًا بالتالي أنها قبيحة فإن كانت الأشياء التي تظهر ويُعرَف من خلالها هي أشياء صغيرة وحقيرة، فإن الله نفسه كان سيخجل منها وهو مُدرك أن الطبيعة ليست رائعه. لكن أيضًا توجد أشياء رائعه في كل إنسان وكل ملاك والتي من خلالها تَظَهر حقيقة طبيعته، وكيف إنه لا ينقصه شيئاً، أو أنه يمكن أن يخجل من شيء يخص طبيعته إن أراد أن يُعرف (عن طريق طبييعته هذه). فإن كان الأمر هكذا (مع المخلوقات) فما هو السبب الذي يجعل الله يخجل ممّا يخصه، أو أن يعتبر ما يمكن أن يُعرف من خلاله أنه هو الله، أنه هو شيء معيب؟ وإن كان أمراً معيباً بالنسبة لله ولا يليق به كونه قد خُلق السيرافيم والملائكة الذين لا يقارنوا بالمّره بعظمة الله ورفعته، إذن فلأجل السبب نفسه لن يكون أمرًا وضيعًا أنه يريد من الملائكة أن تسجد له وتمجدّه؟ لأنه كيف لِمَنْ يزدرى أن يكون خالق للملائكة، أن يعتبر نفسه إلهاً لها؟ ولأى سبب يرغب في أن نكرّمه ونعبده طالما هو يزدرى من أَمْر خلقتنا من العدم؟ وكيف لا يتأثر مجده لو أنه اعتبر أن الأمر الذي من أجله يستحق التمجيّد هو أمر مهين؟.

 

إرميا: إذن لماذا يُقال إن الآب قد خَلَق كل شيء بالابن؟

كيرلس: يُقال هكذا لأن الآب خَلَقَ كل شيء بالكلمة والحكمة والقوّة المذّخرة فيه. لأن كل ما هو للآب هو للابن. لكن دعنا نفسّر هذا بالطريقة الآتية متبعيّن الطريق الملوكي سالكين باستقامة في الحق. ألا ترغب بشدة في أن توافقني على أنه طالما تقول إن الآب هو خالق، فبالضرورة لابد أن نفكر في أنه لا يخلق لا بدون قوّة ولا بدون حكمة ولا بدون كلمة؟

إرميا: بالطبع، فالضرورة تحتم ذلك، ولهذا فإن المزمور- من جهه أخرى- يقول إن الخليقة كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ[90] بينما يُحدثّنا إرميا النبى بطريقة رائعه ويقول إن الربّ هو صَانِعُ الأَرْضِ بِقُوَّتِهِ مُؤَسِّسُ الْمَسْكُونَةِ بِحِكْمَتِهِ وَبِفَهْمِهِ بَسَطَ السَّمَاوَاتِ[91]

كيرلس: ماذا إذن؟ ألم يَقُل لنا إرميا بكل وضوح إن كلّ الأشياء قد صارت بفهم الله وحكمته وقوّته، وأيضًا يقول يوحنا الحكيم إن كلّ الأشياء قد صارت بالابن؟ لأن كُلُّ شَيْءٍ كما يذكر “كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ[92].

إرميا: نعم هم قالوا هذا، لكن ما يعني كل ما قالوه؟

كيرلس: إن ما قد قالوه يعضّد تأكيدنا على أن الابن هو حكمة الله وقوّته[93].

إرميا: لكن كيف ومِن أين يأتى الشك في هذه الحقيقة؟

كيرلس: تقدّم إذن وقُل لىّ: في أى من هذين الأمرين نعتقد: في أن الابن قد جاء إلى الوجود عن طريق حكمة وفهم وقوّة الآب؟ أم أنه قد جاء بدون حكمة وفهم وقوّة؟ وذلك لأنهم يقولون إن الابن مخلوق.

إرميا: إن هذا هو جهل تام بالحقيقة، لأن الآب لم يكن على الإطلاق بدون حكمة وقوّة.

 

كيرلس: بالصواب تتكلّم، وإنى امتدحك لأنك تفضّل أن تؤمن إيمانًا مستقيمًا سليمًا، غير أنه ماذا سيقول أولئك الذين يحسبون الابن ضمن المخلوقات؟ لأنه إن لم يكن الابن كائن منذ الأزل وإنه قد جاء إلى الوجود حسب قانون الخلق[94]، وأنه كان فقط حكمة وقوّة وفهم الآب، فيجب أولاً أن يعترفوا بأنه قَبَلَ وجود الابن كان الآب ضعيفًا لا قوّة له ولا حكمة ولا فهم وأن يقبلوا بأنه قد خََلَق الابن بدون حكمة وبدون قوة مع أن مُحاط بكثير من الأمور المدهشة وأنه لا يشابه بقيّة المخلوقات بل يتفوّق عليها بشكل لا يُقارن، ومن ناحية أخرى- مع أن كل كلامهم هو مُثير للضحك لإصرارهم على كل ما هو تجدّيف شائن- فإنهم لو أصروا على إعتقادهم بأنه من الضرورى أن يكون الابن قد جاء عن طريق حكمة الآب وقوّته، فحينئذ سيكون هو ذاته أكبر من ذاته، ولكن أيضًا خالق. بمعنى أن يكون الابن قد خَلَقَ نفسه، إذ هو كل حكمة وقوّة الآب- وصار إلى الوجود بقوّته وحكمته. هل تدرك إذن أن اسانيدهم يمكن تفنيدها من كل جانب؟

 

إرميا: نعم ادرك ذلك جيدًا.

كيرلس: بل ويمكن وبدون أى جهد أن تُفند عقيدتهم. وبعدما بَحَثنا في كلّ المعانى المُمكنه الخاصة بطبيعة الله، هياّ بنا ننشغل يا صديقى بالخصائص التي تليق بهذه الطبيعة وما هي وكيف أنها عظيمة ففيما يختص بالخلق، هل تعتقد أن الباعث أو الرائع في عملية الخلق هي الإرادة التي تمنح الخلائق عطية الوجود من العدم، وموافقة أحد هذه الخلائق (الابن كما يقولون) أن تأتي إلى الوجود بقية الخلائق التي لم تكن موجودة من قبل وبذلك يكتمل خلق كل الخليقة؟ أم أنه أحضر لنفسه إداة للخلق كان ضروريًا أن يستخدمها مثلما يفعل النحّات الذي لديه الأدوات التي يجب أن يستعملها كي يصير نحاتًا يقوم بتنفيذ الأعمال التي يعرف كيف ينحتها؟

إرميا: قُل ليّ: هل يمكن للمرء أن ينكر أنه يليق جداً بالله أن يخلق بإرادته هو وحده؟

كيرلس: بالطبع لا يمكن لأحد أن ينكر هذا، لأن الطوباوى موسى أوضح لنا هذا قائلاً إن الله هو الذي خلق وأن الخليقة لم تتمّ بطريقة أخرى وذلك عندما كتب: وَقَالَ اللهُ: “لِيَكُنْ نُورٌ” فَكَانَ نُورٌ[95] وهذا يعنى أنه بمجرد أن نَطَقَ الله، تحقّق ما نطق به بدون أى تأخير بسبب وجود الوسيط أو المساعد- كما يدّعي هؤلاء- يعمل وفق نظام محدد لأن كلمة الله هي قوة الخلق في حد ذاتها، فمجرد كلمة من الله، خلقت غير الموجودات وليس بإرادة أي من المخلوقات الآخرى. إذن فخلق المخلوقات تم بإرادة الله فقط. فإن كان يليق بالله الآب أن يخلق بمثل هذا الطريقة الرائعة، فلماذا إذن ينسبون له الحاجة إلى مساعدة آخر وسيط، الأمر الذي لا نعرف كيف اخترعوه وعبرّوا عنه بطريقة غير لائقه عندما قالوا إن وجود الابن كان ضروريًا كى يكون وسيطًا يخلق الآب عن طريقة بقيّه المخلوقات؟ لأنه من الواضح أنهم يجهلون أنه لو أنهم نادوا بأن الابن مخلوق وأنه يُحسب ضمن المخلوقات، فإنهم بذلك يظهرونه وكأنه أعلى وأفضل من الآب.

 

إرميا: بأى طريقة؟

كيرلس: إن كان الآب يَخلِقُ وهو مضطر عن طريق وسيط بينما الابن يفعل بمفرده ما يريد بإرادته وأوامره حينما قال بسلطان للأبرص أُرِيدُ فَاطْهِرْ[96] كما أنه أتى بأولئك إلى الحياة، هؤلاء الذين كان قد هُزموا من الموت، وأعطى العميّان نور البصر الذي لا يقدّر بشيء، إذن هل لن يلاحظ أحد أن هذا الوسيط أو الخادم والذي ليس هو حسب طبيعته هو الخالق- كما يعتقدون- هو في مجد أعظم وأنه هكذا سيكون الأداه، أفضل من الصانع؟.

 

إرميا: هكذا يبدو الأمر.

كيرلس: لماذ إذن يستخفون- بدون تبصّر- بأهميه أن يفكروا بطريقة سليمه، وينحرفون تجاه ما هو أشر تابعين ما يرون هم فقط أنه سليم؟ ناسين أن مَنْ يخلقه الإنسان لا يستطيع أن يصنع تلك الأشياء التي يخلقها الإنسان نفسه أو أن مَنْ يُصنع بواسطه آخر لا تكون له حسب الطبيعة وبكيفيّه لا تتغيّر، خصائص جوهر الصانع؟.

 

إرميا: كيف؟ لأن عكس هذا الكلام هو أيضا صحيح. لأنه لا يحدث أصلا على سبيل المثال أن يصير صانع النحاس أو نحات الخشب هو نفسه ما يصنعه من تماثيل نحاس أو خشب.

كيرلس: بالصواب تتكلّم، وأنا امتدح فيك هذا الاستعداد الروحى الجيّد. فلو كان الابن مخلوقاً، فبأى طريقة إذن يمكن أن يعمل أعمالاً مثل التي يعملها الله الآب؟ وكيف له وهو الذي يملك في طبيعته كل خصائص الجوهر الفائق، أن يستدعى بمثل هذه القّوة وبدون جهد، إلى الوجود كل ما لم يكن موجودًا، حتى أنه بمجرد إرادته يستكمّل كل الخليقة؟ أم هل ربما لم يكن من الممكن للآب نفسه أن يخلق بنفس الطريقة طالما أن طبيعته كافيه لتحقيق هذا الغرض كما أن قدرته لا تحتاج لمساعدة المخلوقات؟.

إرميا: بالفعل هو كذلك.

كيرلس: لأنه كما أن المصنوعات والأعمال الفنيّة التي يعملها الإنسان بيديّه لا تقدر ولا تستطيع أن تعمل ما يعمله الإنسان نفسه، هكذا وبالطريقة عينها- حسب ما أؤمن- فإنه ولا حتى المخلوقات التي خلقتها اليّد الإلهية، تستطيع أن تعمل ما يعمله الله ذاته. لكن لأن الابن قد خَلَقَ وفَعَل، لا يمكن أن يكون هو نفسه مخلوقاً من بين مخلوقات التي خلقتها اليدّ الإلهية، أو يكون قد خُلِقَ من العدم ليصير خالقًا، لأنه يملك خاصيه الخلق هذه في جوهرة وبدرجه ليست أقل ممّا يملكه الآب ذاته.

إرميا: غير أنه يُقال إن الابن قد خَلَقَ الخليقة بدافع من الآب لأنه يقول الْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي لَكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ[97]

كيرلس: أعرف تماماً أن هذا هو رأى المعارضون لأنهم لا يكفّوا عن تحرّيف الحقيقة وما كان يجب عليهم أن يفكروا فيه بطريقة حكيمه من جهه التدبير الألهى في سر التجسد، يتهكّمون عليه بالأكاذيب الكثيره. فلو أنهم صاروا بالفعل- في أغلبهم- رافضين ومُنكرين سّر تدبير تجسّد الكلمة، ومفسرّين حسب رغبتهم أى أقوال يريدونها، ولو أنهم أيضاً يتفقون مع أولئك الذين يفضلون أن يؤمنوا إيماناً مستقيماً بأن الكلمة الذي هو الله، قد تجسَّد وصار إنساناً، إذن فلماذا يظلمون حكمه التدبير الإلهى ويحرّفون معانى الكلمات التي تتفق تماماً مع هذه الحكمة، معطين إياها ما يريدون من معانى حاثين اتباعهم على إنكار طبيعه ومجد الابن الوحيد؟ لأنه بينما كان من الواجب على اليهود التعساء أن يعجبوا بالمسيح ممتدحين أعماله وممجّدين إياه بصفته أنه هو الله، إذ أن أقواله وتعاليمه كانت تفوق جداً ما جاء في الناموس، ومعجزاته كانت تتِّعدى كل منطق (بشرّى) إلاّ أنهم لم يفعلوا ذلك، بل أعربوا عن غضبهم مُهددّين إياه، بالقتل، ووصل بهم الحال إلى الاعتقاد في أن من واجبهم أن يجدّفوا عليه وهم يفعلون ذلك بدون أى تقوى. لهذا فقد قالوا مرّه هَذَا لاَ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ إِلاَّ بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ[98] ومرّه أخرى قالوا: مِنْ أَيْنَ لِهَذَا هَذِهِ الْحِكْمَةُ وَالْقُوَّاتُ؟[99]غير أن سّر التدبير الإلهى كان أمراً صعباً وعسر الفهم بالنسبه لأولئك الذين وُجِدوا في تلك الحاله، أى كون أنه هو إله حق من إله حق، وأنه قد استُعلِنَ من أجلنا وصار انساناً مثلنا، كى يقول بكل وضوح: “أننى بالفعل حكمة وقوّة كما أننى الفاعل في كل المعجزات، وأيضاً أن سلطانى غير مُكَتسب ولا أنا أفتخر بشيء هو غريب عنى بل أن لى سلطان في ذاتى ولىّ الحق أن افتخر بكل ما أعمل لأنها أعمال خاصة بى وحدى”. لأنه إن كان قد قال هذا، لَمَا كانوا قد قبلوه منه وهم الذين رغم كلماته المعتدله، كانوا قد ثاروا ضده في كل مرّه كان يتحدّث فيها معهم في أمور تفوق إداركهم البشرى. وهو قد أبعدهم عن حماقاتهم الكبيرة وقادهم رويداً رويداً إلى الفهم العميق وبطريقة حكيمة جداً أبعدهم عن اعتقادهم بأن ربّ الكلّ يعمل المعجزات باسم بعلزبول، حيث نسب النتائج المبهره لكل أفعاله إلى قوّة الآب التي لا توصف، مُعطياً الطبيعة الإلهية كل ما يليق بها. ولأن الابن كائن في الآب الذي وَلَده، وبسبب حقيقه أنهما واحد في الجوهر تماماً، فقد قال الابن إن الآب كائن فيه ويعمل هذه الأعمال. إذ أنه لا يجب أن يعتقد أحد- لو كان تفكيره سليماً- أن الأفعال التي تليق بالله والتي تكشف عن هويته، هي أفعال جسّديه أى أفعال بشرّيه حينما نفكر فيها بمفردها وفي حد ذاتها. وأيضا فأنا لا أعتقد أن هذا الكلام يبعد بعيداً عن طريقة التفكير المستقيمه.

 

إرميا: اطلاقاً، فهذا كلام صحيح.

 

كيرلس: وبالإضافه إلى ذلك، فانى أكاد أن أقول إن أقوالهم عينها تتعارض مع بعضها لو ظنوا أن الكلمة يعمل بمشيئته وحده فقط (دون مشيئه الآب)، وهم بذلك لا يوقرون الآب أيضاً.

إرميا: قل لىّ كيف؟ لأنى لا أستطيع أن أفهم قصدك.

 

كيرلس: إن ما يعطيه شخص آخر- يا صديقي- ألا يمكنه أن يسترده منه- حتى وإن لم يفعل لأنه فكر في أنه يجب ألاّ يسترده- لأنه يملك القدره على ذلك؟! وما لا يملكه الإنسان في طبيعته بل هو مضاف إليه من خارجه، ألا يمكن أن يُسترد منه طالما أن هذا الشيء قابل للاسترداد حتى وإن كان هذا الأمر لا يحدث بالمره؟!

 

إرميا: بالتأكيد.

كيرلس: انتبه إذن لأن عدم التقوى تجاه الابن وحيد الجنس هي عظيمة. لأنه إن لم يكن بمفرده يفعل هذه الأعمال بل يستمد قوه من الآب كى يخلق فما هو الأمر الذي يضايقهم حتى أن يقولوا معنا وَلَكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً[100]؟ وكيف كان من الممكن للرسول الحكيم جداً بولس- لو أراد أن يكون صادقاً- أن يكتب قائلاً نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ[101]؟ وكيف يكون من يتلقى نعمته من الخارج أن يكون هو ذاته واهباً للنعمة مع الآب؟ ولا أعتقد أنه سيكون من الصواب والحق أن يؤمن شخص بأن صفة الخلق لدى الابن وحيد الجنس هي بدون هدف، وأنه سيأتى وقت سيعانى فيه الابن وذلك لو أراد الآب أن ينزع منه ما قد وَهَبه أياه وأن يُبعِد عن طبيعة الابن تلك الطاقه التي عن طريقها- كما يقولون- نشط الابن وصار خالقاً. لأن من ينشط بواسطه آخر يمكن ان يَسْكن ويكون في حالة خمول عندما تكون حركته ليست هي ثمره لطبيعته الخاصه.

إرميا: هذا صحيح.

كيرلس: وبالاضافة إلى هذا فإنه سيتضحّ من الكلام الآتى أن ما يقولونه لا أساس له بل أنه سفسطه مملؤة بالشر.

 

إرميا: أى كلام تقصد؟

كيرلس: ألم تسمعهم أخيراً عندما كانوا يتناقشون معنا بشأن الآب عندما علّوا من شأنه جداً (بالمقارنه بالابن) الذي أهانوه بكلام مشين، لأنه حينئذ قالوا بإن الابن قد جاء إلى الوجود (خُلق) كضرورة وحتمّيه وذلك لأنه كان يليق الآب أن يخلق بنفسه، لذا خلق آخر (الابن) الذي هو أقل منه ليتم به عمليه الخلق هذه. ولأن خلق الخليقة كان وشيكًا أن تحدث، فلهذا، أحضر الآب الابن إلى الوجود كى يخلق (بالابن) الخليقة الآخرى التي كانت أقل منه.

إرميا: بالفعل لقد سمعت هذا.

كيرلس:وما مصير تفكيرهم “الحكيم” لو كان الآب قد خلق كل شيء بواسطة الابن؟ لأنه أن يفعل أحد شيئًا عن طريق شخص آخر، وهذا الآخر ليس له الامكانيه أن يفعل شيئًا من ذاته أو بإرادته الذاتيه بل يكون- بطريقة ما- مجرد أداه، فأنا- على الأقل- كنت سأقول وبدون تردد إنه قد تم ما يريد بنفسه وليس بواسطه آخر. وسيكون من الحماقه أن نقول أنه لا يليق بالله الآب أن يخلق بقية الخلائق لأنها ضئيله بالنسبة له والأمر ليس كذلك بالنسبة للابن. لأنه ما هو الكائن- الذي طالما هو محسوبًا من ضمن المخلوقات- لا يكون ضئيلاً بالمقارنه بطبيعة الله؟ لأنهم بينما يفحصون الطبيعة غير المفحوصة، يصفون بعضًا من الخلائق أنها ضئيله بالنسبة لها، غير عابئين في نفس الوقت بمن هو أعظم بما لا يقاس من طبيعة المخلوقات، بل ويثرثرون عليه .

إرميا: إن كلامك رائع.

كيرلس: دعنا يا إرميا إذن من كل عبارات المديح وهيّا بنا نتكلّم بكل جديّه ونذكر ما هو وحده حق والذي تعلّمنا أن نعترف به وهو أن الابن الوحيد هو الله وأنه قد أتى- حسب الطبيعة- من الله الآب. ولأن “الله” هو بالفعل كائن وأن طبيعته غير المخلوقه هي بلا بدايه وأزليّه، إذن فلتبطل وبدون رجعه كل الخداعات والخيالات. لأنه كيف يمكن أن نقبل بأن الكلمة الحقيقى لله قد صار فيما بعد وأنه مخلوق، ولا يقول كل أحد ممّن يفكرون بطريقه سليمه- على ما أعتقد- أننا قد انحرفنا عن التفكير الصائب؟، أو هل يمكن أن تجاوبنى عندما أسألك: هل تنكر أن ما أقوله صحيح؟ لأنه عندما يقول المرء “ابن الله” فأنى أعتقد (مع أن كثيرين قد نالوا التبنى) أنه لا يمكن إلاّ أن يقصد- وأيضاً من يسمعه- ذلك الذي هو ابن وحيد بالحقيقة، حسب الطبيعة أم ربما يبدو لك أن الأمر ليس كذلك؟ 

إرميا: بالفعل.

كيرلس: إذن فكما أن الله هو بالنسبة لنا واحد وهو الإله الحق حسب الطبيعة، فلوا أراد أحد أن يعرّف إلهنا حتى بدون أن نضيف إلى اسمه أى اسم آخر، فإنه لن يراودنا حتى مجّرد التفكير في أننا نقصد إلهًا آخر مع أنه توجد أسماء كثيرة لله في السماء وعلى الأرض كما هو مكتوب[102]. وهكذا فعندما يشير المرء إلى اسم ابن الله فإن تفكير أولئك الذين يحبون الله سيتّجه مباشرة إلى الابن الوحيد والحقيقى وسيضيف إلى الاسماء الباقية هذا الاسم أيضاً.

إرميا: اسم مَنْ تقصد؟.  

 

كيرلس: ألا توافقنى يا صديقى أن مَنْ هو كائن بالفعل هو واحد فقط وليس كثيرون؟ هذا هو الله بمعنى طبيعة الله.

إرميا: اتفق معك.

كيرلس: إذن تلك الأشياء التى خُلقت وجاءت إلى الوجود بواسطته، أليست هي كائنات؟

إرميا: هي كائنات، وكيف لا؟. غير إن تلك الكائنات الموجودة هي مشابهه للكائن الحقيقي.

كيرلس: لقد تيقنتّ أنك تعرف الحقيقة بطريقة جيده جداً. لأن ما هو مشابه يكشف لحد ما المجد الطبيعى للكائن الحقيقي.والكائن الحقيقي إذن هو واحد. وبنفس الطريقة، على ما أعتقد مع أن كثيرين يدعون آلهه وأبناء إلاّ أن واحد هو حسب الطبيعة هو الابن وهوالله، إذ إنه مولود من طبيعة الآب بطريقة لا توصف. لهذا فإنه من الحسن جداً أن نعترف نحن به مع الملائكة أنه أزلى مع الآب وبأنه لم يُخلَق مثل بقيّة المخلوقات حسب ما يتصّور المنحرفون بأن فكرهم هذا هو معتقد صحيح مع أنهم يجهلون الحق الذي هو المسيح الذي له مع الآب والروح القدس المجد من الآب وإلى الابن أمين.

[1] . لاوين 24: 15- 16.

[2] . مت10-20.

[3] .1يوه:20-21

[4]. أعمال 28:17

[5] .مت14:5

[6]. مت19:28

[7] سبق ان أشار القديس كيرلس إلى هذه النقطة الهامة في حواره الثاني. انظر حوار حول الثالوث ج1، مركز دراسات الآباء، ص  ، وهذا التعليم نجده أيضًا في تعليم القديس أثناسيوس

[8] يوحنا20: 30-31

[9] . 1يوحنا5:5

[10] . يوحنا 16:3

[11] . مت16:16

[12] .مت16 :17-18

[13] . انظر مت 17:16

[14] مز103: 2-4

[15] أنظر القديس غريغوريوس الناطق بالآلهيات في مقالاته اللاهوتية الخمسة.

[16] يوحنا 35:8

[17] انظر يوحنا 22:2-23

[18] سبق أن تناول القديس كيرلس هذه النقطة في الحوار الثاني. راجع: حوار حول الثالوث. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ج1.

[19] يو5: 43

[20] الأسم الممدوح

[21] أمثال1:22(سبعينيه)

[22] يوحنا31:3

[23] يع17:1

[24] غلاطيه 1:4-5

[25] انظر روميه17:1

[26] انظر عب19:7 “إِذِ النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئاً

[27] تث 4:6

[28] تث8:5

[29] تث19:4

[30] غلاطيه 24:3

[31] أش2:1(س)

[32] أش 15:28

[33] يعطي القديس كيرلس أهمية كبرى لهذا المبدأ في تفسير وفهم آيات الكتاب المقدس. انظر: الحوار حول الثالوث. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية.ج1 ص30

[34] مت25:17

[35] مت17: 26-27

[36] مز 91:119 “كل الخليقة تطيعك كالعبيد”

[37] هذا لا يعنى بالتأكيد أن الطبيعة الإلهية صارت محدودة بالجسد.

[38] تك26:1

[39] كثيراً ما استخدم آباء الكنيسة هذه الآية لشرح عقيدة الثالوث.

[40] فيلبي6:2-8

[41] هنا يكمن مبدأ الاعتماد على التقليد الكنسي باعتباره مصدرًا للتعلّيم في الكنيسة إذ لابد من الرجوع لتعاليم الآباء الكبار فيما يخص عقيدة الكنيسة وإيمانها ولقد سبق للقديس كيرلس أن أشار إلى هذه الأهمية في حواره الأول. أنظر الحوار حول الثالوث. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. ج1 ص17.

[42] عب6:1

[43] “فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من أجلكم أفتقر وهو غني لكي تغنوا أنتم بفقره” كو9:8

[44] مز6:82

[45] يوحنا 12:1

[46] والتي هي ضد ما فعله الابن عندما تجسد وجعلنا ابناء.

[47] تكوين26:1 في موضع آخر استخدم القديس كيرلس هذه الآية لشرح عقيدة أن الله هو جوهر واحد وثلاثة أقانيم أنظر: الحوار حول الثالوث. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ج1 ص وهنا يستخدمها لبيان دور الله الآب، الإيجابي في عملية الخلق. هذا الدور كان من الممكن ألاّ يكون إيجابيًا كنتيجه لتفكير المعارضين وثانيًا: للتركيز على العمل المشترك لأقانيم الثالوث كنتيجة طبيعية لوحدة الجوهر بينهم.

[48] انظر تكوين27:1.

[49] تك27:1

[50] يوحنا14: 10

[51] يوحنا3:1

[52] مز14:104

[53] مت29:10

[54] ايوب7:38

[55] رومية20:1

[56] وبالتالي خاضع لعنصر الزمن ولن يكون سرمديًا.

[57] وهذا ما ذكره بولس الرسول في رسالته  إلى أهل روميه عندما تحدث عن هؤلاء الذين “عبدوا المخلوق دون الخالق” (رو1: 25)

[58] مز6:33

[59] رومية1: 24-25

[60] 1 تسالونيك 9:1

[61] 1 بط21:3

[62] أثناسيوس عن الروح القدس

[63] يو1:14

[64] يو44:12

[65] أفسس11:2-12

[66] يع18:1

[67] أي الإنسان.

[68] أي الله.

[69] انظر أرميا5:21

[70] اشعياء11:5

[71] مت33:12

[72] يو10:1

[73] تك7:2

[74] يو22:20

[75] فيلبي7:2

[76] أمثال22:8سبق أن شرح القديس أثناسيوس نفس هذا المعنى الصحيح لهذه الآية للرد على الأريوسيين الذين أنكروا إلوهية الابن المتجسد. أنظر المقالة الثانية ضد الأريوسين ص87.

[77] اعمال36:2

[78] مز22:93

[79] مز22:94 “فكان الرب لي صرحاً وإلهي صخره وملجأي”

[80] أمثال8 :25س

[81] سبق أن عالج القديس أثناسيوس هذه القضية ورد على الذين كانوا يتصورون أن جسد المسيح غير مخلوق بل هو واحد مع الكلمة في الجوهر. أنظر. المسيح في رسائل القديس أثناسيوس. المركز الأرثوذكسي لدراسات الآباء بالقاهرة. الرسالة إلى ابكتيتوس.

[82] اشعياء4:7، متي23:1.

[83] مز1:10

[84] عبرانين7:2

[85] اشعياء 12:53، لوقا37:22

[86] اشعياء7:53، أعمال الرسل 32:8

[87] اشعياء3:6

[88] مز3:141-4

[89] سفر حكمة سليمان 5:13

[90] مز24:104

[91] إرميا12:10

[92] يوحنا4:1

[93] انظر 1كو24:1

[94] أي أنه خاضع للزمن

[95] تك:3:1

[96] لو13:5

[97] يو10:14

[98] متى24:12

[99] مت54:13

[100] 1كو10:15

[101] 1كو3:1

[102] 1كو8: 5

حوار حول الثالوث ج3 (الحوار الرابع) – القديس كيرلس الاسكندري