أبحاث

ترجمات العهد القديم اليونانية

ترجمات العهد القديم اليونانية

ترجمات العهد القديم إلى اللغة اليونانية
ترجمات العهد القديم إلى اللغة اليونانية

أولا: ترجمة أكويلا Aquila

يقال إنه كان من بنطس من عائلة الإمبراطور هادریان (۱۱۷- ۱۳۸م)، وقد عينه الإمبراطور لبناء مدينة جديدة آليا كابيتولينا على أنقاض أورشليم، ليمحو كل ذكر لها من على وجه الأرض. فلما اختلط بالمسيحيين العائدين من بيلا Pella مدينة شرق البحر الميت هرب إليها المسيحيون عندما بدأت حرب تيطس ضد اليهود سنة ٦٧-٧٠م)، آمن على أيديهم بالمسيحية، لكنه تمسك بعلم التنجيم” الذي تعلمه في وثنيته، ولذلك رفضوه.

ولكي ينتقم منهم انضم لليهود واختتن، فأوكل هؤلاء إليه عمل ترجمة يونانية تحل محل السبعينية التي تمد الكنيسة المسيحية بالبراهين ضد اليهود ولا يزال التقليد اليهودي يذكره بالكثير من الاحترام والتوقير، خاصة أنه تتلمذ على يد الربي عقيبا يوسف في فلسطين، وإليه نسبوا أجزاء كثيرة من الترجوم اليهودي المسماة باسم ترجوم أو اونكيلس Onkelos أو ترجوم بابل وهو الترجوم النموذجي Standard.

 

وأسلوبه في الترجمة يعتبر ميكانيكيا جامدا، إذ حاول أن ينحت ويشتق لكل فعل ولكل اسم ولكل أداة ما يناظرها في اللغة اليونانية، حتى إن الأداة את إت” في العبرية، وهي التي تسبق المفعول به في الجملة العبرية، مثل: ברא אלוהים את השמים ואת הארץ: أي “خلق الله السماوات والأرض” (تك1: 1)، استخدم مقابلا لها حرف الجر يتبعه كلمة في حالة المفعول به.

 

 وهذا ضد قواعد اللغة اليونانية حيث إن معنى هذا الحرف “مع” ويتبعها كلمة في حالة القابل Dative”، وذلك إصرارا منه على ترجمة كل حرف في الأصل العبري. كما استخدم بعض المفردات اليونانية الكلاسيكية الأدبية التي بدت له أكثر تعبيرا عن الكلمات العبرية من تلك المفردات اليونانية الدارجة الخاصة بالسبعينية.

 

بل الأكثر من هذا أنه حاول الإتيان بكلمات لها نفس الأصوات والمعاني الدقيقة لحروف الكلمة العبرية، مما أضفى على عمله هذا أهمية خاصة وتقديرا واسع النطاق من قبل المجتمع اليهودي حتى إن معلميه أثنوا عليه بكلمات المزمور التي تقول: יפיפית מבני אדם “أنت أبرع جمالا من بني البشر.” (مز (٤٤ ٣ س؛ ٤٥: ٢ع). هذا وقد حظيت ترجمة أكويلا باعتراف كامل من قبل المعابد اليهودية، وذلك لمحافظتها على التعبيرات والأصول التي اهتم بها اليهود المحافظون الذين حرصوا على بقاء معتقداتهم أكثر من حرصهم على الأساليب الخاصة باللغة اليونانية.

 

ثانيا: ترجمة ثيؤدوتيون Theodotion

نعلم أن عمليات الترجمة للأسفار اليهودية، والتي بدأت بالتوراة حوالي سنة ٢٥٠ ق.م، استمرت بعد ذلك حتى مجيء يشوع بن سيراخ إلى الإسكندرية، والذي ترجم سفر الحكمة الذي وضعه جده بالعبرية في فلسطين حوالي سنة ۱۳۲ ق.م. ونرى في مقدمة هذه الترجمة أن الأسفار اليهودية: أسفار الأنبياء والكتابات المقدسة قد تمت ترجمتها وقتئذ، واشتهرت جميعا تحت عنوان واحد وهو السبعينية kard Bourjkovta.

ولم تتوقف عملية المراجعة والتنقيح والتعديل، إذ نسمع عن ثيؤدوتيون وهو دخيل يهودي من أفسس في آسيا الصغرى في القرن الثاني الميلادي، وإليه تنسب إحدى هذه المراجعات Recensions، وترجمة ثيؤدوتيون هذا وبالأخص بالنسبة لسفر دانيال كانت أقرب للنص اليهودي في فلسطين من الترجمة اليونانية المتداولة حينئذ، لذلك أدخلتها الكنيسة رسميا في كتابها المقدس بدلا مـن نـص الترجمة السبعينية القديم، حيث ثبت للكنيسة أن القديس يوحنا اللاهوتي في سفر الرؤيا (رؤ ۱۱:۲۰)، آخر أسفار العهد الجديد، يستعمل نصا مشابها للنص المنسوب لثيؤدوتيون في (دا2: 35)

ويبدو أن هذه المراجعة قد تمت من خلال نص عبري معتمد، حيث إن كلا مــن ســفـر أيوب ودانيال يزيدان عما هما عليه في الترجمة السبعينية. وقد جارى أيضا ثيؤدوتيون السبعينية في قبول بعض أجزاء من كتب الأبوكريفا، كما فعل بالنسبة للإضافات الخاصة بسفر دانيال وبعض الفقرات الخاصة بسفر أيوب الموجودة في الترجمة السبعينية فقط دون النص العبري، هذا فضلا عن أن كتاب باروخ يحظى أيضا بمكان في نسخته.

 

ثالثا: ترجمة سيماخوس Symmachus

وهو ينتمي إلى إحدى طوائف اليهود المتنصرين والتي كانت تدعى “الإبيونيين، أي الفقراء، وقد عاش في النصف الأخير من القرن الثاني وتتميز ترجمته بأسلوبها اليوناني الرشيق والفخم وعدم التقيد بالنص العبري، فكانت ترجمته أقرب للتفسير.

 

تنقيح الترجمة السبعينية: Recensions of LXX

أولا: الهكسابلا Hexapla

هذه الترجمات اليونانية المختلفة والمنسوبة إلى أكويلا وثيؤدوتيون وسيماخوس نسمع عنها في العمل الجبار الذي قام به العلامة الإسكندري أوريجانوس سنة ٢٤٥م، بعد أن غادر الإسكندرية واستقر في قيصرية فلسطين. وفي نظر العلماء المحدثين يعتبر أوريجانوس أول عالم في دراسة نصوص الكتاب المقدس على أسس علمية. فالعالم لا يزال يعترف بجهوده الجبارة كأول عالم في تحقيق نصوص الكتاب المقدس. وبسبب مشروعه هذا “دراسة ومقارنة لنصوص العهد القديم، تعلم اللغة العبرية ليتمكن من دراسة أسفار اليهود، واستغرقت دراسته خمس سنوات، ودعيت باسم الهكسابلا” Earna BiBia أي المجلد ذو الستة أعمدة، ونظامها كان دراسة ومقارنة للنصوص العبرية واليونانية المتداولة في ذلك العصر. فكان ترتيب الأعمدة كالآتي:

 

  1. عبري
  2. عبري مكتوب ومنطوق بحروف يونانية
  3. ترجمة أكويلا
  4. ترجمة سيماخوس
  5. الترجمة السبعينية
  6. ترجمة ثيؤدوتيون.

 

كان أهم ما أشار إليه أوريجانوس هو العمودان الأول والخامس، من حيث وجود كلمات وجمل بل فقرات كاملة في السبعينية لا توجد في العبري وبالعكس. لذلك وضع عليهـا علامات مميزة في بداية الجملة ونهايتها، مماثلة للعلامات التي نعملها في الهوامش (نجمة مثلا) أيضا أدخل إلى النص السبعيني ما كان غائبا عنه وموجودا في العبري من ترجمات أكويلا، وثيؤدوشن، وسيماخوس.. ووضع لها علامات مع اختصار المصدر بالحرف الأول من اسم الترجمة.

وحفظ هذا العمل الجبار في مكتبة قيصرية، حيث قام أسقفها في القرن الرابع “يوسابيوس القيصري، بإهداء خمسين نسخة من العمود الخامس -الخــاص بالترجمة السبعينية – للإمبراطور قسطنطين لاستعمالها في عاصمته الجديدة القسطنطينية. كان أهم ما في هذا العمل الضخم بعد ذلك بالنسبة للنساخ هو العمود الخامس، لذلك نسخوه بعلاماته المميزة ثم بتوالي الأزمان والقرون صارت العلامات غير مفهومة لدى النساخ، فتغيرت أماكنها وضاعت معانيها وصار كل ناسخ _بحسب خبرته وعلمه_ يبدل في أماكنها ومواضعها أو يحذفها لعدم إدراكه لمعناها ومغزاها.

 

 

ولحسن الحظ، قام أسقف تلا (بجوار إسكندرونة شمال سوريا) في سنة ٦١٨م بترجمة هذا العمود إلى السريانية، ومازالت أجزاء كبيرة عن هذه الترجمة موجودة في المتاحف والمكتبات.

ويسمى النص المنقح عن الهكسابلا باسم Hexaplanic Recension أو النص الفلسطيني. ويوجد في إحدى مخطوطات دير أنبا مقار العربية شرح لكل هذه العملية، وما قام به أوريجانوس، والعلامات التي وضعها، ربما منقولة عن مصدر سرياني أو مترجمة منه (مخطوطة ك – قرن ۱۸).

 

 

النص المصري المنقح

في الوقت الذي كانت تجرى فيه عمليات نساخة الهكسابلا “النص السداسي” في قيصرية فلسطين، كان يوجد في مصر في أواخر القرن الثالث عملية موازية لتصحيح وتنقيح نص السبعينية، نتيجة الأخطاء المتراكمة من النشاخ عبر خمسة قرون، والذي قام بهذا العمل هو الأسقف المصري هزيخيوس Hesychius استشهد في سنة ۳۱۱م)، والذي بحسب ترجيح العلماء – مثل هارناك أعظم العلماء الألمان في بداية القرن الماضي – هو الشهيد الذي ورد اسمه مع رفيقه “الأسقف فيلياس أسقف تمويه (تمي الأمديد حاليا وإحدى عواصم المقاطعات في الوجه البحري قديما، وتقع بين فرعي النيل التنيسي والمندياني، قرب الزقازيق وقد ذكر يوسابيوس القيصري قصة استشهادهما في 7 :13 :7 :9 H. E VIII ، وشهرة الأسقف فيلياس بعلمه وحكمته ترجح اشتراكه مع رفيقه هزيخيوس في مراجعة السبعينية.

 فكم يكون معزيا للنفس وجود هذين الأسقفين في السجون والمطابق يقضيان الوقت في مراجعة وتصحيح وتنقيح نص الكتاب المقدس لصالح الرعية والشعب، وهما ينتظران تنفيذ حكم الموت!

 

وهكذا كان أساقفة مصر، هتهم في كلمة الله، شرحها ودراستها لأجل صالح الرعية، فحتى اللحظات الأخيرة من حياتهم كانت كلمة الله شغلهم الشاغل.

 

والنص المصري المنقح انتشر طبعا في أعمال أساقفة وبطاركة الكنيسة المصرية، وبالأخص عند القديس كيرلس الكبير في كل استشهاداته ونصوصه المأخوذة من العهد القديم. وبذلك يمكن تجميع أكبر قدر من هذا النص إذا ما رجعنا إلى كتاباتهم وأعمالهم وشروحاتهم. كما أن الترجمة القبطية للعهد القديم، أو ما هو موجود منها الآن، يعتمد كليا على هذا النص.

 

النص الأنطاكي المنقح: .Lucianic (Antiochian) Rec

وهو نص ينتسب إلى لوكيانوس الذي من ساموساطه، وكان مديرا لمدرسة أنطاكية اللاهوتية (ويعتبر أبو الهرطقة الآريوسية)، والذي استشهد سنة .۳۱۱م. وقد انتشر هذا النص في مدينة أنطاكية وامتد منها إلى أسيا الصغرى والقسطنطينية. وقد تأثر به آباء الكنيسة الأنطاكية مثل يوحنا ذهبي الفم، وكذلك الكنيسة البيزنطية.

ترجمات العهد القديم اليونانية