هل الجحيم هو القبر فقط أم موضع عذاب واعٍ؟ – متى 5: 29

متى 5: 29 — هل المقصود بالجحيم القبر فقط؟
الإشكال
يقول الرب يسوع في متى 5: 29:
«فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ.»
متى 5: 29 — ترجمة سميث وفاندايك
وهنا يتكلم المسيح عن الجسد الذي يُلقى في جهنم. كما أن المزمور يتكلم عن العظام المرتبطة بالهاوية، إذ يقول:
«كَمَا يَفْلَحُ وَيَشُقُّ الأَرْضَ، تَبَعْثَرَتْ عِظَامُنَا عِنْدَ فَمِ الْهَاوِيَةِ.»
مزمور 141: 7 — ترجمة سميث وفاندايك
وكذلك تكلم يعقوب عن نزول شيبته بحزن إلى الهاوية، فقال:
«فَإِنْ أَصَابَتْهُ أَذِيَّةٌ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي تَذْهَبُونَ فِيهَا، تُنْزِلُونَ شَيْبَتِي بِحُزْنٍ إِلَى الْهَاوِيَةِ.»
تكوين 42: 38 — ترجمة سميث وفاندايك
لكن الرب يسوع في موضع آخر تكلم عن الهاوية كموضع تذهب إليه النفس بعد الموت، وتكون فيه في عذاب واعٍ. ففي مثل الغني ولعازر يقول:
«فَمَاتَ الْمِسْكِينُ وَحَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَمَاتَ الْغَنِيُّ أَيْضًا وَدُفِنَ، فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي الْهَاوِيَةِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيدٍ وَلِعَازَرَ فِي حِضْنِهِ.»
لوقا 16: 22–23 — ترجمة سميث وفاندايك
فهل الجحيم أو الهاوية هو مجرد القبر، كما يدّعي شهود يهوه وبعض الجماعات الأخرى؟ أم أنه موضع عذاب واعٍ بعد الموت؟
الحل
الكلمة العبرية التي تُترجم أحيانًا إلى «جحيم» أو «هاوية» هي كلمة شيول (Sheol). وهذه الكلمة تُترجم أيضًا في بعض المواضع بمعنى القبر أو الحفرة.
ومعناها الأساسي هو العالم غير المنظور. لذلك يمكن أن تشير، بحسب السياق، إلى القبر حيث يكون الجسد غير منظور بعد الدفن، أو إلى عالم الأرواح غير المنظور للعيون البشرية.
معنى شيول في العهد القديم
في العهد القديم، كثيرًا ما تُستخدم كلمة شيول بمعنى القبر. وهذا يظهر من ارتباطها أحيانًا بأشياء تخص الجسد، مثل العظام والشيب.
فالمزمور يقول:
«تَبَعْثَرَتْ عِظَامُنَا عِنْدَ فَمِ الْهَاوِيَةِ.»
مزمور 141: 7 — ترجمة سميث وفاندايك
ويعقوب يقول:
«تُنْزِلُونَ شَيْبَتِي بِحُزْنٍ إِلَى الْهَاوِيَةِ.»
تكوين 42: 38 — ترجمة سميث وفاندايك
في مثل هذه المواضع، يكون المقصود غالبًا هو القبر أو حالة الموت من جهة الجسد.
بل إن قيامة جسد المسيح نفسها تُذكر في سفر الأعمال على أنها قيامة من الهاوية، أي من القبر، حيث لم يرَ جسده فسادًا. يقول بطرس عن داود ونبوته عن المسيح:
«فَإِذْ كَانَ نَبِيًّا، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ، وَلاَ رَأَى جَسَدُهُ فَسَادًا.»
أعمال الرسل 2: 30–31 — ترجمة سميث وفاندايك
إذن، في بعض السياقات، يمكن أن تشير الهاوية إلى القبر، أي الموضع الذي لا يعود فيه الجسد منظورًا بعد الموت.
لكن الهاوية لا تعني القبر فقط
مع أن شيول قد تعني القبر في كثير من نصوص العهد القديم، فهذا لا يعني أنها لا يمكن أن تشير أيضًا إلى عالم الأرواح غير المنظور. فهناك مواضع في العهد القديم تبدو وكأنها تشير إلى ما هو أعمق من مجرد القبر.
يقول سفر الأمثال:
«وَلاَ يَعْلَمُ أَنَّ الأَخْيِلَةَ هُنَاكَ، وَأَنَّ فِي أَعْمَاقِ الْهَاوِيَةِ ضُيُوفَهَا.»
أمثال 9: 18 — ترجمة سميث وفاندايك
ويقول إشعياء:
«اَلْهَاوِيَةُ مِنْ أَسْفَلُ مُهْتَزَّةٌ لَكَ لاِسْتِقْبَالِ قُدُومِكَ. مُنَهِّضَةٌ لَكَ الأَخْيِلَةَ، جَمِيعَ عُظَمَاءِ الأَرْضِ. أَقَامَتْ كُلَّ مُلُوكِ الأُمَمِ عَنْ كَرَاسِيِّهِمْ.»
إشعياء 14: 9 — ترجمة سميث وفاندايك
ومع ذلك، يظهر هذا المعنى بوضوح أكبر في العهد الجديد، حيث تُستخدم الكلمة اليونانية هاديس (Hades) للدلالة على موضع الأرواح الراحلة.
الهاوية في العهد الجديد موضع أرواح وعذاب واعٍ
في العهد الجديد، تتضح صورة الهاوية بوصفها موضعًا للأرواح الراحلة. فالملائكة الذين سقطوا لا أجساد لهم مثل البشر، ومع ذلك يقال عنهم إنهم أُلقوا في موضع عقاب:
«لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى مَلاَئِكَةٍ قَدْ أَخْطَأُوا، بَلْ فِي سَلاَسِلِ الظَّلاَمِ طَرَحَهُمْ فِي جَهَنَّمَ، وَسَلَّمَهُمْ مَحْرُوسِينَ لِلْقَضَاءِ.»
2 بطرس 2: 4 — ترجمة سميث وفاندايك
وكذلك يصف الرب يسوع حالة الغني بعد موته ودفن جسده، فيقول إنه كان في الهاوية وهو في عذاب:
«وَمَاتَ الْغَنِيُّ أَيْضًا وَدُفِنَ، فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي الْهَاوِيَةِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيدٍ وَلِعَازَرَ فِي حِضْنِهِ. فَنَادَى وَقَالَ: يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ، ارْحَمْنِي، وَأَرْسِلْ لِعَازَرَ لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصْبِعِهِ بِمَاءٍ وَيُبَرِّدَ لِسَانِي، لأَنِّي مُعَذَّبٌ فِي هذَا اللَّهِيبِ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا ابْنِي، اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ، وَكَذلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا. وَالآنَ هُوَ يَتَعَزَّى، وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ.»
لوقا 16: 22–25 — ترجمة سميث وفاندايك
هذا النص لا يتكلم عن قبر صامت بلا وعي، بل عن حالة وعي بعد الموت: يرى، يتكلم، يتألم، يطلب الرحمة، ويتذكر حياته السابقة. لذلك لا يمكن اختزال الهاوية في العهد الجديد إلى مجرد القبر.
النهاية الأخيرة: بحيرة النار
في النهاية، الذين في الهاوية يُطرحون في بحيرة النار مع إبليس. يقول سفر الرؤيا:
«وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلًا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ.»
رؤيا 20: 10 — ترجمة سميث وفاندايك
«وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. هذَا هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي. وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ.»
رؤيا 20: 14–15 — ترجمة سميث وفاندايك
فالهاوية ليست هي النهاية الأخيرة، بل تُطرح في النهاية في بحيرة النار، حيث يكون العذاب الأبدي.
تعليم المسيح عن جهنم
تكلم الرب يسوع مرات كثيرة عن جهنم باعتبارها موضع هلاك وعذاب، لا مجرد قبر. قال:
«وَلاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ.»
متى 10: 28 — ترجمة سميث وفاندايك
«وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومُ الْمُرْتَفِعَةُ إِلَى السَّمَاءِ، سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ.»
متى 11: 23 — ترجمة سميث وفاندايك
«وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْوَرَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي جَهَنَّمَ النَّارِ وَلَكَ عَيْنَانِ.»
متى 18: 9 — ترجمة سميث وفاندايك
«وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلًا وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا.»
متى 23: 15 — ترجمة سميث وفاندايك
ويقول في مرقس:
«وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ فَاقْطَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ يَدَانِ وَتَمْضِيَ إِلَى جَهَنَّمَ، إِلَى النَّارِ الَّتِي لاَ تُطْفَأُ.»
مرقس 9: 43 — ترجمة سميث وفاندايك
«وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ رِجْلُكَ فَاقْطَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْرَجَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ رِجْلاَنِ وَتُطْرَحَ فِي جَهَنَّمَ، فِي النَّارِ الَّتِي لاَ تُطْفَأُ.»
مرقس 9: 45 — ترجمة سميث وفاندايك
«وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَاقْلَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ أَعْوَرَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ عَيْنَانِ وَتُطْرَحَ فِي جَهَنَّمَ النَّارِ.»
مرقس 9: 47 — ترجمة سميث وفاندايك
ويقول في لوقا:
«بَلْ أُرِيكُمْ مِمَّنْ تَخَافُونَ: خَافُوا مِنَ الَّذِي بَعْدَمَا يَقْتُلُ، لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ. نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ: مِنْ هذَا خَافُوا!»
لوقا 12: 5 — ترجمة سميث وفاندايك
كل هذه النصوص تُظهر أن تعليم المسيح عن جهنم لا يختزلها إلى القبر، بل يتكلم عنها كدينونة حقيقية وخطيرة.
الخلاصة
كلمة شيول في العهد القديم يمكن أن تعني القبر في بعض السياقات، لأنها تعني العالم غير المنظور، وقد تشير إلى موضع الجسد بعد الدفن. لكنها لا تعني القبر فقط في كل المواضع.
وفي العهد الجديد، تتضح الصورة أكثر: هاديس وجهنم يرتبطان بعالم الأرواح والدينونة والعذاب الواعي. فالرب يسوع تكلم عن الهاوية كموضع عذاب بعد الموت، وعن جهنم كموضع هلاك للنفس والجسد، وعن النهاية الأخيرة في بحيرة النار.
لذلك، لا يصح اختزال الجحيم إلى مجرد القبر. الكتاب المقدس يستخدم ألفاظًا مختلفة بحسب السياق، لكن تعليم العهد الجديد واضح: بعد الموت توجد حالة واعية، والرافضون للتوبة يواجهون دينونة وعذابًا حقيقيًا، لا مجرد فناء صامت في القبر.
المصدر:
Norman L. Geisler & Thomas A. Howe, When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, Victor Books, 1992, p. 331.
تنبيهات
عند عرض الموضوع، يجب التمييز بين شيول في العهد القديم بحسب السياق، وبين هاديس وجهنم في العهد الجديد. كما ينبغي تجنب تبسيط المسألة بالقول إن كل استعمال لكلمة الهاوية يعني نفس المعنى تمامًا؛ فالمعنى يتحدد بالسياق، لكن تعليم المسيح عن العذاب الواعي بعد الموت واضح في العهد الجديد.