القائمة إغلاق

هل يجب على المؤمن أن يعطي كل من يطلب منه أي شيء؟

هل يجب على المؤمن أن يعطي كل من يطلب منه أي شيء؟

هل يجب على المؤمن أن يعطي كل من يطلب منه أي شيء؟
هل يجب على المؤمن أن يعطي كل من يطلب منه أي شيء؟

متى 5: 42 — هل وصية العطاء تعني إعطاء أي شيء لأي شخص بلا تمييز؟

الإشكال

قال الرب يسوع:

«مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ.»
متى 5: 42 — ترجمة سميث وفاندايك

ونجد المعنى نفسه في لوقا:

«وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ.»
لوقا 6: 30 — ترجمة سميث وفاندايك

لكن لو أخذنا هذه العبارة بمعنى حرفي مطلق، فسنصل إلى نتيجة غير معقولة: أن يعطي الإنسان كل ما عنده لأي شخص يطلب، حتى لا يبقى لديه ما يعول به أسرته. وهذا يتعارض مع قول بولس الرسول:

«وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَهْلِ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ.»
1 تيموثاوس 5: 8 — ترجمة سميث وفاندايك

فهل يقصد المسيح أن يعطي المؤمن أي شيء لأي إنسان يطلب، بلا حكمة أو تمييز؟

الحل

النص المأخوذ خارج سياقه يتحول بسهولة إلى ذريعة لفهم خاطئ. لذلك يجب أن نفهم قول المسيح: «مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ» داخل سياقه الكامل في الموعظة على الجبل.

المسيح لا يطلب من المؤمن أن يعطي ما يضر الآخر، ولا أن يشجع الكسل، ولا أن يهمل مسؤولياته الأساسية تجاه أسرته. بل يعلّم روح العطاء والمحبة ورفض الانتقام، في مقابل التفسير الحرفي القاسي والمشوّه للشريعة.

أولًا: العطاء لا يعني إعطاء ما يؤذي الإنسان

من الواضح من تعليم المسيح نفسه أن العطاء لا يعني أن نعطي للإنسان ما يضره. فالله لا يعطي الإنسان شيئًا مضرًا، والآب الصالح لا يعطي ابنه ما يؤذيه. قال الرب يسوع:

«وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، فَهَلْ يُعْطِيهِ حَيَّةً؟»
متى 7: 10 — ترجمة سميث وفاندايك

إذن، العطاء المسيحي ليس اندفاعًا بلا تمييز. فلو طلب شخص شيئًا يستخدمه في الشر أو الإدمان أو الإضرار بنفسه أو بغيره، فليس من المحبة أن نعطيه ما يطلبه. المحبة الحقيقية تساعد الإنسان، ولا تزوّده بما يهلكه.

ثانيًا: العطاء لا يعني تشجيع الكسل ورفض العمل

لا يقصد المسيح أن نُعطي من يستطيع أن يعمل لكنه يرفض العمل بإرادته. فالعهد الجديد واضح في رفض الاتكال الكسول على الآخرين. يقول بولس الرسول:

«إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ، فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا.»
2 تسالونيكي 3: 10 — ترجمة سميث وفاندايك

هنا لا يهاجم بولس الضعفاء أو المحتاجين أو العاجزين عن العمل، بل يتكلم عن الشخص الذي لا يريد أن يعمل. لذلك فالعطاء المسيحي لا يعني تمويل الكسل أو تشجيع الإنسان على الهروب من مسؤوليته.

ثالثًا: السياق هو رفض الانتقام لا إلغاء الحكمة

السياق الكامل لكلام المسيح في متى 5 هو إعادة كشف روح الناموس الحقيقية، لا الاكتفاء بالفهم السطحي أو المشوه الذي وصل إلى الناس من خلال التقليد الشفهي وسوء التفسير.

قال المسيح قبل ذلك:

«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ.»
متى 5: 17 — ترجمة سميث وفاندايك

ثم بدأ يكرر عبارة:

«قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ…»

كما في متى 5: 21، 27، 33، 38، 43. وهو بهذا لا يصحح الناموس الإلهي كأنه كان ناقصًا، بل يصحح الفهم الخاطئ والتقليد المشوه الذي أفسد معنى الوصية.

وهذا ما وبّخ به الفريسيين في موضع آخر:

«لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ؟»
متى 15: 3 — ترجمة سميث وفاندايك

«فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ!»
متى 15: 6 — ترجمة سميث وفاندايك

رابعًا: المسيح يصحح سوء فهم «عين بعين وسن بسن»

في السياق المباشر، يتكلم المسيح عن سوء استخدام مبدأ «عين بعين وسن بسن» وتحويله إلى ذريعة للانتقام الشخصي. قال:

«سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ.»
متى 5: 38 — ترجمة سميث وفاندايك

لكن المقصود الأصلي بهذا المبدأ في الشريعة لم يكن الانتقام الشخصي، بل ضبط العدالة في القضاء حتى لا تزيد العقوبة عن الجرم. أما التفسير الخاطئ فقد جعله وسيلة لتبرير روح الثأر.

لذلك يأتي المسيح ويعلّم تلاميذه روحًا مختلفة: لا تنتقم، لا تقابل الشر بالشر، لا تجعل حقك الشخصي سببًا للكراهية، بل كن مستعدًا للعطاء والمسامحة ومساعدة المحتاج، حتى لو كان عدوًا.

ولهذا يقول بعد ذلك:

«وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ.»
متى 5: 44 — ترجمة سميث وفاندايك

إذن، عبارة «مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ» تأتي داخل تعليم المسيح عن كسر روح الانتقام والأنانية، لا داخل تعليم يلغي الحكمة أو المسؤولية أو التمييز.

خامسًا: المسيح لا يقصد حرفية مطلقة بلا قيود

لا يمكن أن يكون المسيح قصد أن تُؤخذ العبارة بلا أي قيد أو تمييز، كما لا يقصد في نفس الإصحاح أن يقطع الإنسان يده أو يقلع عينه حرفيًا إذا أعثرته.

قال الرب يسوع:

«فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ.»
متى 5: 29–30 — ترجمة سميث وفاندايك

المسيح هنا يستخدم لغة قوية لإظهار خطورة الخطية وضرورة الحسم الروحي، وليس لتأسيس ممارسة حرفية لقطع الأعضاء. وبنفس الطريقة، فإن وصية العطاء في متى 5: 42 تُفهم في ضوء المعنى الروحي والأخلاقي المقصود، لا بطريقة تلغي باقي تعاليم الكتاب عن الحكمة والمسؤولية والعمل والعناية بالأسرة.

الخلاصة

المسيح لا يعلّم أن المؤمن يجب أن يعطي أي شيء لأي شخص بلا تمييز. بل يعلّم روح العطاء والمحبة ورفض الانتقام والأنانية.

العطاء المسيحي يجب أن يكون محكومًا بالمحبة والحكمة. فلا نعطي ما يضر الإنسان، ولا نمول الكسل المتعمد، ولا نهمل مسؤوليتنا تجاه أهل بيتنا. لكن في الوقت نفسه لا نعيش بروح القسوة والانتقام والانغلاق، بل بروح السخاء والمساعدة والمحبة حتى تجاه من يسيء إلينا.

لذلك، قول المسيح: «مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ» لا يعني عطاءً أعمى بلا ضوابط، بل قلبًا محررًا من الانتقام والأنانية، ومستعدًا أن يعطي بمحبة حين يكون العطاء نافعًا وصالحًا.

المصدر:
Norman L. Geisler & Thomas A. Howe, When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, Victor Books, 1992, p. 332.

تنبيهات

عند عرض الموضوع، يجب تجنب طرفين: الأول أن نُفرغ وصية المسيح من قوتها فنحوّلها إلى نصيحة عامة بلا التزام، والثاني أن نفهمها حرفيًا بلا حكمة حتى نناقض باقي الكتاب. المقصود هو العطاء بروح المسيح: محبة وسخاء ورفض للانتقام، مع حكمة ومسؤولية وتمييز.

هل يجب على المؤمن أن يعطي كل من يطلب منه أي شيء؟

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة