الرسالة اليمنية – موسى بن ميمون يرد: هل تنبأت التوراة عن نبي المسلمين؟

الرسالة اليمنية – موسى بن ميمون (رمبا”م) يرد: هل تنبأت التوراة عن نبي المسلمين؟

الرسالة اليمنية – موسى بن ميمون يرد: هل تنبأت التوراة عن نبي المسلمين؟

الرسالة اليمنية – موسى بن ميمون (رمبا”م) يرد: هل تنبأت التوراة عن نبي المسلمين؟

الجدل مع الاسلام

تذكر في رسالتك أن المرتد بذل جهوده على عدد من الناس كي يؤمنوا بأن آيات عديدة من الكتاب المقدس تشير إلى رسولهم (محمد)، مثل «بميئود ميئود» (=أكثره كثيرًا جدًا؛ عبر جمع قيمة الاحرف ادعوا ان هذا التعبير واسم محمد متساويين في القيمة) (تك 20:17)، «سطع من جبل فاران» (تث 2:33)، «نبيًا من وسطك من إخوتك مثلي» (تث 15:18)، والوعد لإسماعيل، «وأجعله أمة كبيرة» (تك 20:17). وهذه الحجج تكرر على نحو مستمر إلى درجة أنها صارت تبعث على الغثيان.

ويكفي الإعلان أنها واهية بالكامل؛ ليس هذا فحسب، بل إن إيراد هذه الآيات كحجج أمر سخيف وغير عقلاني إلى أبعد حد. لأن هذه مسائل لا يمكن أن تشوش ذهن أي إنسان. فلا العامة غير المثقفين ولا المرتدين أنفسهم الذي يخدعون الآخرين بها، يؤمنون بها أو يفكرون بأية أوهام حولها. وغرضهم من إيراد هذه الآيات هو كسب الحظوة في أعين الأغيار عن طريق البرهان بأنهم يؤمنون بعبارة القرآن القائلة ان محمدًا مذكور في التوراة.

لكن المسلمين أنفسهم لا يؤمنون بهذه الحجج، ولا يقبلون بها ولا يريدونها، لأنه من الواضح أنها تنطوي على مغالطة كبيرة. ونظراً لأن المسلمين لم يستطيعوا أن يجدوا دليلاً واحداً في الكتاب المقدس كله ولم يكن باستطاعتهم استخدام إشارة أو تلميح محتمل إلى نبيهم، فقد أُجبروا على اتهامنا بقولهم: «لقد بدّلتم في نصّ التوراة، فشطبتم منه أية إشارة إلى اسم محمد».

وهم لم يستطيعوا أن يجدوا ما هو أقوى من هذه الحجة الحقيرة التي يسهل البرهان على زيفها للناس قاطبة عبر الحقائق التالية. أولاً، لقد ترجم الكتاب المقدس إلى السريانية، اليونانية، الفارسية واللاتينية قبل ظهور محمد بمئات السنين. ثانيًا، هنالك تقليد متناسق بالنسبة لنص الكتاب المقدس في الشرق والغرب على حد سواء، مع نتيجة فحواها أنه لا توجد فروقات في النص البتة، ولا حتى في التشكيل، لأنه كله صحيح. كذلك لا توجد أية فروقات مؤثرة في المعنى. إذاً، فالدافع إلى اتهامهم يكمن في غياب أي تلميح إلى محمد في التوراة.

 

الإدعاء الأول: «وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ […] أُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. […] وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً» (تك 20:17)

إن عبارة «أمة كبيرة» الواردة آنفاً لا تعني ضمناً شعباً يمتلك نبوة أو شريعة، بل فقط أمة كبيرة العدد كما يقول الكتاب المقدس في الإشارة إلى الوثنيين «أممًا أكبر وأعظم منكم» (تث 23:11). كذلك فعبارة «بميئود ميئود» (=أكثره كثيرًا جدًا) تعني ببساطة «على نحو مفرط». ولو كان هنالك أي تلميح في الآية إلى محمد، لوجب أن تكون بالتالي «وسوف أباركه بميئود ميئود»، فحينها كان ممكن ان يتعلق هذا المتعلق بخيط العنكبوت فيها. لكن والحق يقال، كون الكتاب المقدس يقول، «أكثره بميئود ميئود»، فهذا لا يشير ضمناً إلا إلى مجموعة كبيرة عددياً.

ما من تساءل يطرح حول أن التأكيد الإلهي لإبراهيم بمباركة نسله، عبر كشف التوراة له، وجعله الشعب المختار، إنما هو إشارة فقط إلى بني إسحق. لأن إسماعيل مذكور كملحق وذيل في بركة إسحق، التي تقول، «وابن الجارية أيضًا سأجعله أمة» (تك 1:21) وهذه الآية توحي بأن اسحق يمتلك موقعاً فائقاً وإسماعيل موقعاً خاضعاً.

وتتوضح هذه المسألة أيضاً في البركة التي تتجاهل إسماعيل بالكامل «لأنه بإسحاق يدعى لك نسل» (تك 12:21) ومعنى وعد الله لإبراهيم هو أن نسل إسماعيل سوف يكون كثيراً لكنه لن يكون مبرّزاً ولا غرضاً لوحي إلهي، ولا متميزاً بحيث يصل إلى الامتياز. وليس بسببهم سيصبح إبراهيم مشهوراً أو معروفاً، بل بسبب ابناء اسحق المشهورين واللامعين.

فهذا هو معنى «يُدْعَى» كما هو الحال في الآية (التي بارك بها يعقوب أبناء يوسف): «وليدع عليهما اسمي واسم أبوي إبراهيم واسحاق» (تك 16:48) أي ان يشهد بهم ويُعلَم. ثم بين اسحاق ان تلك البركات التي وعد بها إبراهيم التي من جملتها ان يكون في بنيه شريعة الله ودين، كما وعده في نسله وقال: «وأكون إلهًا لهم» (تك 8:17).

وثم خصص اسحق عن إسماعيل بجميع ذلك كما بينا ببيان خصصه بالدين دون إسماعيل هو قوله: «غير أن عهدي أقيمه مع إسحق» (تك 19:17). بعد قوله في اسماعيل «ها أنا اباركه» (تك 20:17) بين لنا تعالى على يدي إسحاق ان يعقوب قد خصص بجميع ذلك دون عيسو، وهو قول إسحاق له: «ويعطيك بركة إبراهيم» (تك 4:48). وباختصار نقول، إن العهد الإلهي المقام مع ابراهيم لمنح الشريعة الفائقة لنسله أشار حصرياً إلى أولئك الذين ينتمون إلى أرومة كل من إسحق ويعقوب.

وهكذا فالنبي يعبر عن شعوره بالعرفان إلى الله بسبب «العهد الذي قطعه مع إبراهيم، والقسم الذي أقسمه لإسحق، والذي جعله فريضة ليعقوب، وعهداً أبداً لإسرائيل» (مز 9:105).

ومما يجب ان تعلمه، أن الاسم الذي يزعم الاسماعيليين انه مكتوب بالتوراة والذي يتعلق المرتدين به من «ميئود ميئود» ليس هو (محمد) بل إنه (أحمد) هكذا نص قولهم: «وجدوه مكتوب في التوراة والانجيل اسمه أحمد»، وليس عدد «ميئود ميئود» مثل عدد هذا الاسم الذي زعم انه مكتوب في التوراة.

(يوضح موسى بن ميمون أعلاه ان اعتماد المرتدين والمسلمين على وجود اسم محمد في التوراة يحوي مغالطة كون القرآن ينص ان الاسم الموجود في التوراة هو أحمد وليس محمد، وبالتالي فعند جمع قيمة احرف «ميئود ميئود» العبرية فهي لا تساوي مجموع قيمة احرف احمد).

الإدعاء الثاني: «جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ، وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَظَهَرَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ» (تث 2:33)

أما البرهان من عبارة «ظهر من جبل فاران» (تث 2:33) فمن السهل دحضه. لأن ظهر بصيغة الماضي. ولو كان الكتاب المقدس استخدم صيغة المستقبل، «سوف يظهر من جبل فاران»، لكان عند الأفاكين أثر ضئيل من حقيقة. لكن استخدام صيغة الماضي «ظهر» يبرهن أن هذه العبارة تصف حدثاً مضى، وهو التجلي على سيناء. فحين كان الإله موشكًا أن يكشف عن ذاته على سيناء، لم ينزل النور السماوي على نحو مفاجئ وكأنه صاعقة، بل هبط بلطف، كاشفاً عن نفسه تدريجياً من قمة أحد الجبال ثم الى الآخر، حتى وصل إلى موضع إقامته في سيناء.

وهذه الفكرة متضمنة في الآية: «أقبل الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وظهر من جبل فاران» (تث 2:33). لاحظوا جيداً، أن تعبير «لهم» يشير إلى إسرائيل. وأنظر ايضًا الى الوصف الدقيق في قوله انه «ظهر» من فاران لأنه الأكثر بعدًا، ولأن سعير أكثر قربًا قال «أشرق»، وسيناء الذي كان الوجهة وبه حل المجد قيل: «وحل مجد الرب على جبل سيناء» (خر 16:24)، «وأقبل الرب من سيناء» (تث 2:23).

وهكذا وصفت دبورة عندما وصفت شرف الملة عند وحي سيناء، ان النور تمشى رويدًا رويدًا من جبل الى جبل، فقالت: «يا رب بخروجك من سعير، بصعودك من حقول آدوم» (قض 4:5).

وعلى ما بينوه الحاخامات طيب الله ذكرهم، ان الله بعث رسول الى الروم قبل موسى ربينو سيد الرسل وعرض عليهم التوراة فلم يقبلوها منه، ثم بعث آخر الى العرب وعرضها عليهم فلم يقبلوها منه، ثم بعث لنا موسى ربينو فقبلنا وقلنا: «كل ما تكلم به الرب نفعله ونسمعه» (خر 7:24). وهذا كله امر جرى قبل تنزيل التوراة، ولهذا جاء بها أفعال ماضية، «جاء، أشرق، ظهر»، وليست هي انذار بما سيكون.

الإدعاء الثالث: «نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي» (تث 15:18)

وأما استدلاله بقوله: «نبيًا من وسطك من إخوتك» (تث 15:18)، وقولك ان بعض القوم البس عليهم ذلك، وبعضهم زالت عنه الشبهة بقوله: «من وسطك»، وأن لولا قوله: «من وسطك من اخوتك» لكان ذلك دليل، وهنا ينبغي لك ان تجعل ذهنك وتفهم ما أقوله.  

وتذكروا أنه لا حق لكم في أخذ مقطع عن سياقه واستلال نتائج منه. عليكم أن تأخذوا بعين الاعتبار العبارات السابقة واللاحقة كي تسبروا غور معنى الكاتب وقصده قبل أن تقوموا بأية استقراءات. ولو كان الأمر على غير هذا النحو، لبدى ممكناً حتماً أن الكتاب المقدس حظر إطاعة أي نبي، وحرم الإيمان بالمعجزات، وذلك عن طريق الاستشهاد بالآية «فلا تسمع كلام هذا النبي» (تث 4:13).

ويمكن التأكيد أيضاً أن هنالك وصية إيجابية تطلب منا أن نعبد الأوثان، وذلك عن طريق الاستشهاد بالآية «وتعبدوا آلهة أخرى» (تث 26:11). ويمكن تقديم أمثلة توضيحية أخرى كثيرة وفق ما تشاؤون. باختصار، من الخطأ تفسير أية آية بعينها بمعزل عن سياقها.

ومن أجل أن نستوعب على نحو مطلق الآية التي هي موضع نقاشنا، أي «يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من إخوتك مثلي»، من الضروري أن نتحقق من سياقها. فبداية المقطع الذي تأخذ الآية منه، يتضمن تحريماً لأعمال الكهانة، العرافة، التنبؤ، التنجيم، السحر، التعويذ، وما شابه. وبهذه الأساليب يؤمن الأغيار أن بإمكانهم التنبؤ بمسار الأحداث المستقبلية وأخذ التدابير الوقائية الضرورية تحسباً لها.

وحيث ان الرب حذرنا من ان نتعامل بهذه الأساليب، قال لنا ان الأغيار يعتقدون انهم يعرفون ما سيحصل قبل وقوعه بهذه الطرق، أما أنت فليس عليك محاكاتهم ومعرفة المستقبل بهذه الطرق، إنما النبي الذي سأقيمه لكم سينبئكم بما عتيد، وسوف تصيب كل أقواله ولن يخيب أيًا منها، وهكذا ستعرفون المستقبل دون الالتجاء الى أعمال الكهانة، العرافة، التنبؤ، التنجيم، السحر، التعويذ وما شابه.

ثم بين سهولة الأمر وقال ان كل نبي يبعث لكم ليخبركم بما سيكون انما يكون فيما بينكم، حتى لا تلتجأ لتطوف خلفه من بلد الى بلد او تقطع اليه مسافة بعيده، وهذا هو معنى قولة «من وسطك». ثم أخبر بأخبار أخرى وقال ان مع كونه قريب منكم وفيما بينكم يكون منكم ايضًا، يعني من إسرائيل، حتى تكون هذه الفضيلة وهي التقدم بمعرفة ما يكون مختصة بكم. أكثر من ذلك، فكلمات «من وسطك، من اخوتك، مثلي»، تعبر عن فكرة مفادها أنه سيكون واحداً منكم، أي يهودياً.

وقد أضفيت كلمة «مثلي» تحديداً لتعني أن نسل يعقوب هم وحدهم المعنيون بالأمر. أما عبارة «من أخوتك» بحد ذاتها فربما أنه أسيء فهمها إذ اعتبر أنها تشير أيضاً إلى عيسو واسماعيل، حيث نجد أن إسرائيل يخاطب عيسو بالأخ، كما على سبيل المثال، في الآية، «هكذا قال أخوك إسرائيل» (عد 14:20).

من ناحية أخرى، فكلمة «مثلي» لا تتضمن معنى أن النبي بعظمة موسى، لأن هذا التفسير مستبعد عبر العبارة «ولم يقم بعد في إسرائيل نبي كموسى» (تث 10:34). والاتجاه العام للفصل يشير إلى دقة تفسيرنا الذي يؤكده تعاقب الآيات، أي، «لا يكن فيك من يحرق ابنه أو ابنته بالنار، الخ» (تث 10:18)، «لأن تلك الأمم التي أنت طاردها تصغي إلى المنجمين والعرافين.

وأما أنت فلم يجز لك الرب إلهك مثل ذلك» (تث 14:18)، «يقيم لك الرب إلهك نبياً مثلي من وسطك، من بين أخوتك» (الآية 15). يتبين بوضوح أن النبي المشار إليه هنا سوف لن يكون شخصاً يقدم شريعة جديدة، أو يؤسس ديانة جديدة.

وسوف يمكننا فقط من طرد المتنبئين والمنجمين، وسيكون متاحاً لنا أن نشاوره في كل ما يحدث لنا، تماماً مثلما يتشاروا الأغيار مع العرافين والكهان. وهكذا نجد أن شاؤول يشاور صموئيل بشأن الحمير الضائعة، كما نقرأ، «وكان فيما سبق إذا أراد الرجل في إسرائيل أن يذهب ليسأل الله يقول هلم نذهب إلى الرائي» (1صم 9:9).

الرسالة اليمنية – موسى بن ميمون يرد: هل تنبأت التوراة عن نبي المسلمين؟

يعقوب شاهين يفوز بلقب Arab Idol الذي رنم يا سيدي كم كان قاسيًا

يعقوب شاهين يفوز بلقب Arab Idol الذي رنم يا سيدي كم كان قاسيًا

يعقوب شاهين يفوز بلقب Arab Idol الذي رنم يا سيدي كم كان قاسيًا

يعقوب شاهين يفوز بلقب Arab Idol الذي رنم يا سيدي كم كان قاسيًا

فاز الفلسطيني يعقوب شاهين بلقب محبوب العرب، السبت 25 فبراير/شباط 2017، ضمن الموسم الرابع لبرنامج أراب آيدول، متخطيا الفلسطيني أيضاً أمير دندن، واليمني عمار محمد، بعد مرحلة تنافس محتدمة بلغت مستوى استدعاء الدعم الرئاسي والدبلوماسي، وحظيت بمتابعة جماهيرية واسعة على المستوى العربي.

https://www.youtube.com/watch?v=1Rr5cjlYIq0

وجدير بالذكر أن يعقوب شاهين قد رنم ترنيمة “يا سيدي كم كان قاسيًا” وترنيمة “أنا الأم الحزينة” وترتيلة “يا رب إرحما” باللغة السريانية

ترنيمة يا سيدي كم كان قاسيًا

https://www.youtube.com/watch?v=CBR9trGhsx4

ترنيمة أنا الأم الحزينة

https://www.youtube.com/watch?v=mJkpNP7TL18

يارب إرحمنا

 

المهرطقون وبدايات الكتابات الهرطوقية – بحث

المهرطقون وبدايات الكتابات الهرطوقية – بحث

المهرطقون وبدايات الكتابات الهرطوقية – بحث

المهرطقون وبدايات الكتابات الهرطوقية – بحث

كان على المسيحية أن تدافع عن نفسها، ليس فقط ضد العدوين اللذين من الخارج، اليهودية والوثنية، بل أيضاً ضد العدوين اللذين من الداخل، الغنوسية والمونتانية. وبالرغم من أن هاتين البدعتين تنطلقان من الديانة المسيحية كنقطة بداية، إلا أن كل واحدة منهما كانت تختلف عن الأخرى اختلافاً تاماً، ففي حين كان الغنوسيون هم زعماء حركة توفيق المسيحية مع العالم، كان المونتانيون يناصرون حركة الهروب الكامل منه. لقد سعى الغنوسيون، في توافق مع ثقافة العصر، إلى خلق مسيحية تستوعب الأساطير الدينية الشرقية، وتعطي الدور الأكبر للفلسفة الدينية اليونانية، ولا تترك سوى مساحة صغيرة للوحي الإلهي كأساس لكل المعرفة اللاهوتية والإيمان وإنجيل المسيح. أما المونتانيون فقد عاشوا. انتظاراً لدمار العالم الوشيك. حياة دينية في عزلة وتخل كامل عن العالم ومسراته باعتبار الهدف المسيحي الوحيد الذي يجب على جميع المسيحين أن يتجهوا صوبه. ولقد دعت كل من الطائفتين لنفسها بشكل ناجح، واستقطبت كلتاهما أتباعاً من داخل المجتمعات المسيحية. وهكذا، جازت الكنيسة في محنة ذات شقين، فالغنوسية قد هددت أساسها الروحي وطابعها الديني، في حين قامت المونتانية بتعريض إرساليتها العالمية وطابعها المسكوني للخطر. ومن هذين العدوين، كانت الغنوسية هي الأكثر خطراً.

غنوسية عصور ما قبل المسيحية

ينبغي للمرء أن يتتبع بداية الغنوسية في عصور ما قبل المسيحية، فالبحوث الحديثة قد أثبتت أنه منذ أن دشن الإسكندر الأكبر العصر الهيلينستي بغزوه الانتصاري لبلاد الشرق (334-324ق.م)، أخذ هذا المزيج الغريب من الديانة الشرقية والفلسفة اليونانية، الذي ندعوه بالغنوسية، في التطور. وقد ورثت الغنوسية من الديانات الشرقية الاعتقاد بوجود ثنائية تامة بين الله والعالم، وبين الروح والجسد، وخروج الخير والشر من مبدأين أوليين وجوهرين مختلفين تماماً، والتوق للخلاص والخلود. كما أخذت الغنوسية عنصرها الفكري من الفلسفة اليونانية؛ فدخلت إلى الغنوسية التخمينات المتعلقة بالوسطاء الذين يتوسطون بين الله والعالم من الفلسفة الأفلاطونية الحديثة؛ ومن الفيثاغورية الحديثة دخل إليها نوع طبيعي من التصوف؛ ثم دخل إليها من الرواقية الحديثة تقدير الفرد ودوره الأخلاقي.

أولاً: سيمون الساحر

كان سيمون الساحر هو آخر ممثل لغنوسية ما قبل المسيحية، ولقد كان معاصراً للرسل، فعندما ذهب الشماس فيليبس إلى السامرة، كان سيمون الساحر مشهوراً جداً هناك، كما كان له أتباع كثيرون. ويذكر سفر أعمال الرسل (8: 9-24) أنه كان يلقب بـ “قوة الله” و”العظيم”. واسمه يظهر مع اسم “كيرنثوس” (Cernthus) كممثلين للهرطقة الغنوسية في مقدمة ما يعرف بـ “رسالة الرسل” (Epistola Apostolorum).

ويذكر يوستينوس الشهيد أن سيمون قد ولد في قرية “جيتون” (Gitton) بالسامرة، ووصل إلى روما في عهد الإمبراطور كلوديوس حيث عُبد كإله. وينسب هيبوليتوس الروماني إليه في (Philosophoumena 6: 7-20) كتابة عمل بعنوان “الأنباء العظيمة”، ومن الواضح أنه كان يحتوي على تفسير رمزي لرواية الخلق الكتابية، الأمر الذي يوحي بوجود تأثير للفلسفة الدينية السكندرية. لكن من المشكوك فيه جداً أن يكون هذا الكتاب الذي نملك منه فقط بعض الشذرات، قد كتبه سيمون الساحر.

ثانياً: دوسيثيوس وميناندر

كان هناك رجلان سامريان آخران ذكرا في الأدب المسيحي القديم باعتبارهما غنوسيين؛ هوما دوسيثيوس (Dositheus) وميناندر (Menander)، وقد جمعت كلا الرجلين علاقة ما بسيمون الساحر؛ فقد كان دوسيثيوس معلمه، في حين كان ميناندر تلميذه. وبحسب ما جاء في كتاب “Pseudoclementines”، أسس دوسيثيوس مدرسة في السامرة، ويذكر أوريجينوس أنه قد حاول أن يقنع السامريين بأنه هو المسيا الذي تنبأ عنه موسى. وولد ميناندر، بحسب شهادة يوستينوس، في “كابارتايا” (Capparetaea) بالسامرة، وبحسب ما يذكر إيرينيوس، أخبر أتباعه أنه قد أرسل بواسطة القوة غير المنظورة كمخلص لخلاص جنس البشر. وفي حين كان ميناندر تلميذاً لسيمون الساحر، كان معلماً لـ ساتورنيل (Satornil) وباسيليدس (Basilides). وهكذا يمثل ميناندر حلقة الوصل بين غنوسية ما قبل المسيحية والغنوسية المسيحية.

الغنوسية المسيحية

عندما دخلت المسيحية مدن الشرق العظيمة، اهتدى الكثير من الرجال ذوي المستوى العلمي الرفيع إلى الدين الجديد. وقد كان من ضمن هؤلاء المهتدين بعض ممن كانوا ينتمون إلى الطوائف الغنوسية التي تعود إلى ما قبل المسيحية، وهؤلاء بدلاً من أن يتنازلوا عن عقائدهم السابقة، قاموا فقط بإضافة بعض العقائد المسيحية إلى آرائهم الغنوسية، وهكذا، ولدت الغنوسية المسيحية. وتختلف غنوسية ما قبل المسيحية عن الغنوسية المسيحية في كون شخص يسوع لا يلعب أي دور في أنظمتها العقائدية، في حين في الغنوسية المسيحية كانت الكرازة بالإله الواحد الحقيقي، أبي يسوع المسيح المخلص، واحدة من عقائدها الأساسية. وقد سعى مؤسسو الفرق الغنوسية المختلفة إلى رفع المسيحية من حالة الإيمان إلى حالة المعرفة، وبهذه الطريقة يجدون للمسيحية مكاناً في العالم الهيليني كما لو كانت في بيتها.

وكان الإنتاج الأدبي الغنوسي ضخماً جداً، خاصة في القرن الثاني الميلادي، فقد كانت الكتابات المسيحية الأولى، وبدايات الشعر المسيحي، ذات طابع غنوسي. وقد كُتب الكثير من هذا الأدب بواسطة كتاب مجهولين، وينتمي إلى هذه الكتابات الكثير من الأناجيل الأبوكريفية، وأعمال الرسل الأبوكريفية، ورسائل الرسل الأبوكريفية، وأسفار الرؤى الأبوكريفية. كما كان لهذه الكتابات تأثير عظيم بسبب محتواها الرائج شعبياً. ويتكون الجزء الأهم من الأدب الغنوسي من مقالات كتبها مؤسسو الفرق الغنوسية المختلفة وتلاميذهم، لكن معظم هذه الكتابات قد فقد.

أولاً: باسيليدس

بحسب ما يذكر إيرينيوس في (Adv. Haer. 1: 24: 1)، كان باسيليدس معلماً في مدينة الإسكندرية بمصر، وعاش في عهد الإمبراطور هادريان وأنطونينوس بيوس (120م -145م). وقد كتب باسيليدس إنجيلاً ليس في حوزتنا منه إلا شذرة واحدة، وتفسياً لإنجيله بعنوان “التفسير” (Exegetica) بقت منه عدة شذرات. ونجد هيجيمونيوس (Hegemonius)، في (Acta Archelai. 67: 4-11 ed. Benson)، يقتبس الفقرة التي تصف الحرب بين النور والظلمة من الجزء الثالث عشر من كتاب “التفسير”. وكذلك يقوم كليمندس السكندري، في كتاب “المفرقات” (Stromat. 4: 12: 81: 1-88: 5)، باقتباس عدة فقرات تتناول مشكلة الألم من الجزء الثالث والعشرين – من نفس الكتاب – غير أن هذه الشذرات لا تمكننا من أن نحصل على فكرة أكيدة عن فكر باسيليوس العقائدي. وبالإضافة إلى هذا، ألف باسيليدس مزامير وأناشيد لم يبق منها أي شيء.

ويعطي إيرينيوس في (Adv. Haer. 1: 24: 3-4) الملخص التالي لتعاليم باسيليدس: “باسيليدس أيضاً، لكي ما يظهر أنه قد اكتشف شيئاً أكثر سمواً وقبولاً، يطور عقائده تطوراً هائلاً. فهو يقول أن العقل هو بكر الآب غير المولود، وأن منه أيضاً ولد “اللوغوس” الكلمة، ومن “اللوغوس” ولد “الفرونيسيس” (Phronesis) أي “الحكمة العملية”، ومن “الفرونيسيس” ولد كل من “الصوفيا” أي “الحكمة” (Sophia) و”الديناميس” أي “القوة والحركة” (Dynamis)، ومن “الصوفيا” و”الديناميس” ولدت القوات والملائكة، هؤلاء الذين يدعوهم بـ “الأوائل”؛ وبواسطتهم خلقت السماء الأولى. حينئذ تكونت قوى أخرى بالانبثاق من هؤلاء، وخلقت سماء ثانية شبيهة بالأولى؛ وبعملية مماثلة، عندما تكونت أيضاً قوى ثالثة بالانبثاق من هؤلاء تشبه بالضبط تلك التي تعلوها، صنعت هي أيضاً سماء ثالثة؛ ومن هذا الثالثة أصبح هناك جيل رابع من الأحفاد في ترتيب تنازلي؛ وبنفس الطريقة أعلنوا أن الكثير والكثير من القوات والملائكة قد تكونوا إلى جانب ثلاثمائة خمسة وستين سماء. وهكذا تحتوي السنة على نفس العدد من الأيام في اتفاق مع عدد السماوات. أولئك الملائكة الذين يشغلون السماء الدنيا، أعني التي نراها نحن، قد صنعوا كل الأشياء التي في العالم، ووزعوا الأنصبة فيما بينهم في الأرض وفي تلك الأمم التي فوقها. ويظن أن رئيسهم هو إله اليهود، بقدر ما عزم أن يجعل كل الأمم الأخرى خاضعة لشعب خاصته، أعني اليهود، وقد قاومه وعارضه كل القوت الآخرين. بينما كانت كل الأمم الأخرى في عداوة مع شعبه. ولكن الآب الذي بغير ميلاد وبغير اسم، وهو يدرك أنهم سيفنون، أرسل بكره المولود “نوس” أي العقل – ذاك الذي يدعى المسيح – لينجي الذين يؤمنون به من سلطان الذين صنعوا العالم. فظهر لأمم هذه القوات إنساناً على الأرض وصنع معجزات لكنه لم يكن من مات، بل سمعان، رجل من قوريني[1] (Cyrene)؛ إذ أجبروه ليحمل الصليب عوضاً عنه، فألقى شبهه عليه حتى يظنوا أنه يسوع، فصلبوه بالجهل والخطأ في حين أخذ يسوع هيئة سمعان ووقف يضحك عليهم. فهو؛ إذ كان قوة غير جسدانية وعقل الآب غير المولود، قد غير هيئته بإرادته وصعد إلى الذي أرسله، وقد هزأ بمن لم يقدروا الإمساك به؛ إذ لم يكن منظوراً من الكل. والذين علموا بتلك الأمور تحرروا من سلطان السلاطين الذين صنعوا العالم، لهذا يتعين علينا ألا نعترف بمن صُلب، بل بمن جاء في الجسد واعتقدوا أنه صُلب، ودُعي يسوع وأرسله الآب، حتى بهذا الحكم يبيد عمل صانعي العالم (ANF I, 349).

ومن تلك الفقرة يتضح أن باسيليدس استنبط الاستنتاجات العملية التالية من دراسته لعلم الكون:

  1. تأتي المعرفة (الغنوسية) من السلاطين الذين صنعوا العالم.
  2. قليلون فقط، واحد من كل ألف، أو اثنان من كل عشرة آلاف، قادرون على اقتناء المعرفة الحقة.
  3. لا بد من حفظ الأسرار بلا كشف.
  4. الاستشهاد لا طائل منه.
  5. يؤثر الفداء في النفوس فقط، لا الجسد، الخاضع للفساد.
  6. كل فعل، حتى أشنع خطايا الشهوة، منشأه منتهى اللامبالاة من الشخص.
  7. لا ينبغي على المسيحي الاعتراف بمسيح مصلوب بل بيسوع، المرسل من الآب. وإلا ظل عبداً تحت سلطان الذين صنعوا أجسادنا.
  8. لا بد من احتقار ذبائح الأمم، لكن يمكن استخدامها بلا أدنى تردد، لتفاهتها.

ومن هذا الموجز لإيرينيوس يتضح جلياً أن باسيليدس لم يشارك في النظرة الثنائية مثلما يزعم بعض الدارسين. إن شذرته من كتاب “التفسير” في (Acta Archelai) والتي تتناول الحرب بين النور والظلمة، لا يمكن أن تكون اقتباساً يدل على فكره الثنائي، لأنها في سياقها تدل على أنها تفند بوضوح الثنائية الزورداشتية[2] بين النور والظلمة، بصفتها قوات الخير والشر.

ثانياً: إيزيدور

تابع عمل باسيليدس ابنه إيزيدور (Isidore)، وما نعرفه عنه أقل حتى من الذي نعرفه عن أبيه، وقد أورد كليمندس السكندري اقتباسات قليلة من ثلاثة من كتبه في (Stromat 2: 113; 6: 53; 3: 1-3). وقد كتب إيزيدور تفسيراً لأقوال النبي بارخور (Parchor) حاول فيه أن يثبت أن الفلاسفة اليونانيين قد أخذوا من الأنبياء. وبالإضافة إلى هذا، ألف كتاباً عن “علم الأخلاق” (Ethica) ومقالاً عن “النفس المربوطة”. ويتناول العمل الأخير موضوع الشهوات البشرية، تلك التي تصدر من جزء ثان من النفس. وتعطي الفقرة التي اقتبسها كليمندس من كتاب علم الأخلاق تفسيراً غريباً لكلام الرب الذي يتعلق بالخصيان في (مت 19: 10).

ثالثاً: فالنتينوس

أما الشخص الأهم كثيراً من باسيليدس وابنه أيزيدور فهو “فالنتينوس” (Valentinus). ويقول إيرينيوس عنه في (Adv. Haer. 3: 4: 3): “جاء فالنتينوس إلى روما في عهد البابا “هيجينوس” (Hyginus) (136-140م)، وازدهر في عهد البابا “بيوس” (Pius) (150-155م)، وبقي حتى عهد البابا “أنيكيتوس” (Anicetus)”.

وكان إبيفانيوس، في (Haer. 31: 7-12)، هو أول من ذكر أن فالنتينوس قد ولد بمصر، وتعلم بالإسكندرية، ونشر تعاليمه في مصر قبل أن يذهب إلى روما، ثم يضيف أنه في وقت لاحق ترك روما ليذهب إلى قبرس. ولقد أدخل كليمندس السكندري ست شذرات من كتابات فلنتينوس في كتابه “المتفرقات” (Stromata)، اثنتين منها من خطاباته، واثنتين من عظاته، واثنتين لا تدلان على أي من كتاباته قد نقلتنا منها. وواحدة من الفقرات التي اقتبسها كليمندس (Stromat. 2: 20: 114)، هي كالتالي: “هناك خير واحد الذي حضوره هو الظهور، الذي بواسطة الابن، وبه وحده يمكن للقلب أن يصبح نقياً بطرد كل روح شرير منه؛ لأن كثرة الأرواح التي تسكن به لا تتركه يتكبد المشقة ليصبح نقياً؛ لكن كل واحدة منها تعمل أعمالها الخاصة، وكثيراً ما تهينه بواسطة الشهوات غير اللائقة. ويبدو أن القلب أصبح مثل الحانة التي على جانب الطريق، لأن الأخير به الكثير من الثقوب والتجاويف التي صنعت فيه، وكثيراً ما يمتلئ بالروث، والرجال الذين يعيشون به حياة قذرة غير مبالين بأن المكان ملك الآخرين. لذا، تتفق الأرواح الشريرة مع القلب طالما لم يؤخذ في الحسبان، كونه – أي القلب – نجساً ومسكناً للكثير من الشياطين. لكن فقط عندما يزوره الآب الصالح، يتنقى ويبرق بالنور. ويكون ذلك الإنسان الذي يمتلك مثل هذا القلب مباركاً جداً لأنه سوف ينظر الله”.

وفقرات مثل هذه تفسر السبب الذي لأجله وجد فالنتينوس الكثير من بين المؤمنين – المسيحيين – يؤمنون به. وهي تسلط الضوء على ما قاله إيرينيوس في (Adv. Haer. 3: 15: 2) عن فالنتينوس وتلاميذه: “بهذه الكلمات يخدعون البسطاء ويغونهم، مقلدين طريقة كلامنا، حتى ربما يسمع لهم هؤلاء (المخدوعون) أكثر فأكثر؛ حينئذ يسأل هؤلاء عنا، وكيف أننا، في حين أن تعاليمهم تشبه تعاليمنا، نبقي أنفسنا بلا سبب بمعزل عن صحبتهم”. (ANF. 1. 439).

وقد وجد فالنتينوس الكثير من الأتباع في كل الشرق والغرب، وهيبوليتوس يتكلم عن مدرستين يتبعا تعاليم فالنتينوس، مدرسة شرقية وأخرى إيطالية.

رابعاً: بطليموس

كان بطليموس أشهر أعضاء مدرسة فالنتينوس الإيطالية، وقد كتب “الرسالة إلى فلورا” التي تناقش قيمة الناموس الموسوي. وتقسم الرسالة الشريعة الموسوية إلى ثلاثة أقسام رئيسية. ويأتي القسم الأول من الله، والثاني من موسى، والثالث من شيوخ الشعب اليهودي. مرة أخرى، فإن القسم المنحدر من الله يصير إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأول يشتمل على الناموس النقي الذي لم يشُبه أي شر، وبكلمات أخرى، الوصايا العشرة. وهذا الجزء من الناموس الموسوي هو الذي جاء يسوع ليكمله لا ليوقفه. الجزء الثاني من الناموس هو ذاك الذي أفسده الظلم، أي ذلك الجزء الذي يشمل الوصايا التي تحض على الانتقام، تلك التي أقفها المخلص. والجزء الثالث هو الناموس الطقسي الذي أعطاه المخلص معنى روحياً. ولقد حُفظت هذه الرسالة في كتابات أبيفانيوس (Haer. 33: 3-7). وتعد أهم قطعة من الأدب الغنوسي موجودة في حوزتنا اليوم.

خامساً: هيراكليون

كتب عنه كليمندس السكندري في (Stromat. 4: 71: 1)، وكان هيراكليون (Heracleon) أكثر تلاميذ فالنتينوس احتراماً، وهو ينتمي إلى المدرسة الإيطالية مثل بطليموس. وقد ألف هيراكليون تفسيراً لإنجيل يوحنا. اقتبس اوريجينوس منه ما لا يقل عن ثماني وأربعين فقرة في تفسيره لهذا الإنجيل، كما يستشهد كليمندس السكندري بفقرتين من كتابات هيراكليون بدون أن يشير إلى مصدر اقتباسهما، هل هما من تفسيره لإنجيل القديس يوحنا أم من كتاب آخر من كتاباته؟

سادساً: فلورينوس

كان فلورينوس قساً رومانياً ينتمي إلى المدرسة الفالنتينية الإيطالية. ويوسابيوس هو أول من ذكر أن إيرينيوس قد وجه رسالة إلى فلورينوس” عن سلطان النفس، أو أن الله ليس خالق الشر؛ ويبدو أن فلورينوس كان يدافع عن الرأي المعاكس. ويقتبس يوسابيوس، في (Hist. Eccl. 5: 20: 4)، فقرة من هذه الرسالة يقوم فيها إيرينيوس بذكر فلورينوس: “إن آراء فلورينوس، تلك التي ربما سأتكلم عنها قليلاً، لا تنتمي إلى التعليم الصحيح، فهي غير متوافقة مع تعاليم الكنيسة، تجلب على هؤلاء الذين يؤمنون بها الشر الأعظم. إن هذه الآراء لم يجرؤ حتى الهراطقة الذين هم خارج الكنيسة على المناداة بها. كما أن هذه الآراء لم يسلمها إلينا هؤلاء الذين كانوا شيوخاً قبلنا والذين كانوا مرافقين للرسل”. (LCL. 1. 497) ثم يستمر إيرينيوس ليذكر فلورينوس بالأسقف بوليكاريوس أسقف سميرنا، ذاك الذي كان فلورينوس في أيام شبابه يعرفه شخصياً.

وبالإضافة إلى هذه الرسالة، كتب إيرينيوس عملاً بعنوان “عن الثماني (On The Ogdoad) ضد فلورينوس “عندما اجتذبته الضلالة الفالنتينية”. (Eusebius. Ibid. 5: 20: 1) وقد بقيت لدينا شذرة سريانية من رسالة وجهها إيرينيوس إلى البابا فيكتور يطلب منه فيها أن يتخذ خطوات ضد كتابات القس الروماني، لأنها قد انتشرت في بلاد الغال وهددت إيمان المسيحيين الذين تحت رعايته. وعنوان هذه الشذرة يصف فلورينوس باعتبار تابعاً لحماقة فالنتينوس، ومؤلفاً لكتاب مخز.

سابعاً: بارديصان

المعلومات التي لدينا عن المدرسة الفالنتينية الشرقية أقل من تلك التي لدينا عن المدرسة الفالنتينية الإيطالية. وبارديصان هو واحد من أهم تلاميذ فالنتينوس الشرقيين. ولد بارديصان يوم 11يوليو عام 154 في إديسا، وهو ينحدر من عائلة نبيلة، وتعلم على يد كاهن وثني في “مابوج” هيليوبولس، وكان صديقاً للملك أبجر التاسع (Abgar IX Osrhoene). وأصبح بارديصان مسيحياً في سن الخامسة والعشرين، وعندما غزا الإمبراطور كالاكلا إديسا عام 216م، هرب بارديصان إلى أرمينيا. ومات بعد أن عاد إلى سوريا عام 222م – 223م. ويذكره يوسابيوس في (Hist. Eccl. 4: 30) قائلاً: “رجل نبيل جداً ومتمرس في اللغة السريانية”. وكان بارديصان في البداية عضواً في المدرسة الفالنتينية، لكنه ندد بهذه الفرقة لاحقاً، وفند الكثير من خرافتها. غير أنه، كما يقول يوسابيوس “لم يطهر قلبه تماماً من دنس هرطقته القديمة”. ووفقاً للمصدر نفسه، “ألف بارديصان محاورات ضد أتباع ماركيون وآخرين من قادة المعتقدات المختلفة، ونشرها بلغته وبخطه، مع الكثير من كتاباته الأخرى، وقد ترجمها هؤلاء الذين كانوا يعرفونها لأنها كانت كثيرة، كونه كان مناقشاً قوياً – وقد ترجمها عن السريانية إلى اليونانية. ومن بينها حواره القوي مع أنطونينوس عن “حول المصير”، ويقولون إنه كتب العديد من أعمال أخرى، عقب اضطهاد تلك الفترة”. (LCL I. 399).

وبينما ضاعت الكتابات الأخرى، بقي الحوار “عن المصير” أو “كتاب قوانين البلدان”، والذي يذكره يوسابيوس، محفوظاً في لغته السريانية الأصلية. ومع هذا، فالكاتب ليس بارديصان، بل تلميذه فيليب رغم أن بارديصان هو المتحدث الأساسي في الحوار، والذي يجيب على أسئلة ومشاكل أتباعه فيما يخص خصال الرجال وأماكن النجوم. ويعد بارديصان بحسب كلام مار إفرام السرياني هو مبتكر فن الترانيم السريانية، لأنه صاغ مائة وخمسين ترنيمة لينشر تعليمه. وقد ذاع نجاحه الباهر حتى إن إفرام السرياني في النص الثاني من القرن الرابع اضطر أن ينافس بارديصان في هذا القطاع بتأليفه الترانيم بنفسه. وذهب بعض الدارسين في آرائهم إلى القول بأن القصيدة الجميلة “ترنيمة النفس”، في أعمال توماس الأبوكريفية، هي من عمل بارديصان. لكنه رأي مشكوك فيه للغاية، خاصة أن محتويات تلك الترنيمة الشهيرة لا تشير بأية علامة على غنوسية بارديصان وفي قائمته عن العلوم، المعنون “الفهرست” من أواخر القرن العاشر الميلادي، ينسب العربي ابن أبي يعقوي إلى بارديصان ثلاث كتابات أخرى، يتناول إحداها “النور والظلمة” ويتناول الثاني “الطبيعة الروحية للحق”، أما الثالث فتحث عن “المتحرك وغير المتحرك”.

ثامناً: هارمونيوس

هارمونيوس هو ابن بارديصان، وهو الذي أكمل عمل أبيه. وكان المؤرخ سوزومين أول من أمدنا بكل المعلومات عنه وذلك في منتصف القرن الخامس الميلادي. وبحسب سوزومين (تاريخ الكنيسة 3: 16)، “كان هارمونيوس بليغاً في الأدب الإغريقي واسع الاطلاع فيه وكان أول من قرض الشعر أبياتاً في لغته العامية، وقد سلم تلك الأبيات إلى الجوقات المرنمة، وحتى الآن فإن السريان يتغنون من حين لآخر، لا بالأبيات المضبوطة التي كتبها يراع هامونيوس بل بأبيات أخرى على نفس الوزن. لأنه مثلما كان هارمونيوس وبشكل شامل لا يخلو فكره من أخطاء أبيه وقد علم بالعديد من الآراء عن النفس، وميلاد الجسد وفنائه، وتعليم تناسخ الأرواح، الذي يروج له المعلمون الإغريق الفلاسفة، فقد أقحم بعضاً من هذه الأفكار في الأغاني المرتلة التي صاغها. وحين أدرك إفرام أن السريان انبهروا بالكلمات المنتقاة البليغة وتنوع النغم الموسيقي لكلمات هارمونيوس، تخوف أن يتشربوا بنفس الآراء، لهذا عكف بنفسه على دراسة أوزان شعر هارمونيوس، رغم جهله بالعلوم الإغريقية، وصاغ قصائد مماثلة تتفق وتعاليم الكنيسة، وترانيم مقدسة في تمجيد القديسين. ومنذ ذلك الحين راح السريان يشدون بقصائد إفرام المغناة بنفس الطريقة التي انتهجها هارمونيوس”. ويظهر من هذا الاقتباس أن هارمونيوس حل بالكامل محل أبيه (بارديصان)، فيما عدا أن سوزومين يصرح في عبارة سابقة أن بارديصان قد ابتدع هرطقة ما تعرف باسمه. ولكن وبسبب حقيقة عدم ذكر إفرام لهارمونيوس على الإطلاق يمكن لنا استنتاج أن هارمونيوس اكتفى فقط باستكمال عمل أبيه.

تاسعاً: ثيودوتوس

كان ثيودوتيوس عضواً ينتمي إلى مدرسة فالنتينوس الشرقية. ونعرفه من خلال ما يسمى “Excerpta ex Scriptis Theodoti” والذي يعد ملحقاً لكتاب “المتفرقات” لكليمندس السكندري، وهو يحتوي على ستة وثمانين من الاقتباسات تتضمن اقتباسات من كتابات ثيودوتوس رغم أن ذكره قد جاء فقط في أربعة منها. وتتناول المحتويات أسرار المعمودية، وإفخارستيا الخبز والماء، والرشم بالزيت كوسيلة للتخلص من سطوة القوة الشريرة. علاوة على ذلك، فإن المعتقدات الفالنتانية الأصلية عن (Pleroma) و(Ogdoas) وعن الطبقات الثلاث للبشر موجدة في تلك المقتطفات.

عاشراً: ماركوس

يذكر إيرينيوس شخصاً باسم ماركوس علم في ديوان حاكم آسيا كعضو في مدرسة فالنتيوس الشرقية. ويبدو من رواية إيرينيوس أن ماركوس هذا قد شارك في تعاليم فالنتيوس عن الإيونات، وأنه كان يمارس طقس الإفخارسيتا بالسحر والخداع، وأنه أغوى الكثير من النساء. وقد كرز تلاميذه حتى في القسم القريب من الرون (Rhone) في بلاد الغال وكان إيرينيوس يعرف بعضاً منهم شخصاً. ويذكر إيرينيوس في (Adv. Haer 1: 20: 1) أنهم استخدموا قدراً كبيراً من كتابات أبوكريفية وغير أصيلة قد ألفوها بأنفسهم.

حادي عشر: كاربوكراتس

إلى جانب باسيليدس وفالنتينوس، أبدعت الإسكندرية في مصر مؤسساً لطائفة غنوسية أخرى، وهو كاربوكراتس. وبحسب إيرينيوس في (Adv. Haer 1: 25: 1) زعم كاربوكراتس وأتباعه “أن العالم وما يحتويه قد خلق بواسطة ملائكة أدنى بكثير من الآب غير المولود. وزعموا أيضاً أن يسوع هو ابن يوسف وأنه كان مثل سائلا الناس فيها عدا أنه اختلف عنهم في أن نفسه بقدر ما كنت راسخة ونقية كان يتذكر تماماً تلك الأمور التي شهدها في دائرة الله غير المولود. ولهذا حلت عليه “قوة” من الآب، والتي بواسطتها يمكنه أن يفلت من خالقي العالم. ويقولون إنها بعد أن جازت فيهم كلهم وظلوا أحراراً في كل المجالات، صعدت ثانية إليه”.

وكان مركز يسوع هذا فريداً بشكل منقطع النظير لأنه وبنفس المنوال “فإن النفس (soul) التي تشبه نفس المسيح يمكنها أن تزدري بأولئك الحكام الذين كانوا صانعي العالم، وبنفس الطريقة تتلقى “قوة” لتحقيق نفس النتائج. وقد رفعتهم هذه الفكرة – أعني أتباع كاربوكارتس – إلى ذروة الكبرياء، حتى أن بعضهم أعلنوا عن أنفسهم أنهم مشابهون ليسوع بينما زعم آخرون أكثر قدرة أنهم أعلى وأسمى من تلاميذه، مثل بطرس وبولس وباقي الرسل، والذين اعتبروهم أدنى من يسوع”. (Adv. Haer 1: 25: 2)

وكان أتباع كاربوكراتس يمارسون نوعاً خاصاً من الديانة التوفيقية: “كانوا أيضاً يقتنون صوراً، بعضها مرسوم والبعض الآخر مصنوع من مواد مختلفة. وكانوا يزعمون أن بيلاطس كان يحمل شبهاً من المسيح في ذاك الوقت حين كان يسوع يعيش في وسطهم. وقد كرموا تلك الصور واحتفظوا بها مع صور الفلاسفة في العالم، أي مع صور فيثاغورث وأفلاطون وأرسطو والباقين. وكانت لهم أيضاً أساليبهم الأخرى في توقير وتكريم تلك الصور تتبع نفس طرق الوثنيين”. (Adv. Haer. 1, 25, 6).

“كما مارس الكاربوكراتيون أيضاً فنوناً سحرية وأعمال الرقية والتعاويذ وإعداد أشربة الجاذبية والحب، وكانوا يستدعون الأرواح للكلام معها، وإيفاد الشياطين في الأحلام وغيرها من الرجاسات، زاعمين أن لهم سلطاناً حتى للسيطرة على رؤساء وأمراء هذا العالم، ليس عليه وحسب بل على الأمور التي فيه”. (Adv. Haer. 1: 25: 3).

وعن زمن ظهور كاربوكراتس، فهو من الأهمية بمكان إذ بحسب إيرينيوس فإن إحدى تلميذاته من النساء، وتدعى مرسيلينا، قد ذهبت إلى روما خلال حكم البابا أنيستوس (154-165م)، وأغوت كثيرين. وهو ما يثبت أن كاريوكراتس كان معاصراً لفالنتينوس.

ثاني عشر: إبيفانس

بينما لا تتوفر لدينا كتابات كاربوكراتس، فإن العديد من فقرات المبحث “عن العدل” الذي صاغه ابنه إبيفانس نجدها متوافرة لدينا. وقد كتب إبيفانس هذا البحث كعبقرية إبداع طفل صغير. وقد مات في السابعة عشرة من عمره، وعبده الناس كأنه إله في كيفالونيا، الجزيرة مسقط رأس أمه، ألكسندريا. وقد كرس أهل كيفالونيا معبداً باسمه في مدينة سيم، واحتفل أتباعه بتمجيده وتأليهه بالترانيم والذبائح في كل شهر قمري جديد. ويقتبس كليمندس السكندري فقرات من مبحثه “عن العدل” في كتابه (Storma. 3: 2: 5-9)، تدل على أن إبيفانوس كان يدافع عن مجتمع المقتنيات. بل إنه تمادى في طرحه حتى اعتبر النساء من بين المقتنيات المشاعة للجميع.

ثالث عشر: ماركيون

ولد ماركيون في سينوب، في بنطس، المعروفة الآن باسم سينوب، على البحر الأسود. كان أبوه اسقفاً، وتنتمي عائلته إلى أعلى الطبقات الاجتماعية في هذا الميناء المهم وتلك المدينة التجارية. أما هو فقد حقق ثروة كمالك سفينة. وقد جاء إلى روما عام 140م. في حكم أنطونينوس بيوس، والتحق في بادئ الأمر بجماعة المؤمنين. وسرعان ما تسببت تعاليمه في معارضة شديدة، حتى إن قادة الكنيسة طالبوه بتقديم اعتراف بإيمانه. وكان النتيجة أن تم حرمه في يوليو من عام 144م. وثمة فارق جوهري بين ماركيون وبقية الغنوسيين. فبينما أسس الغنوسيون الآخرون المدارس فقط، فقد أسس ماركيون كنيسته الخاصة بعد انفصاله عن كنيسة روما. فأسس رئاسة تراتبية من الأساقفة والكهنة والشمامسة. وكانت اللقاءات أو الاجتماعات الليتورجية شديدة الشبه بما يتم في كنيسة روما. ولهذا السبب التف حوله من المريدين عدد أكبر من أي غنوسي آخر. ويذكر يوستين أن كنيسته بعد حرمانه قد انتشرت بشكل مكثف في كل المسكونة. وحتى منتصف القرن الخامس بقي العديد من تلك المجتمعات الماركونية في المشرق، خاصة في سوريا، وفي مطلع القرون الوسطى بقيت منها مجموعات قائمة.

والمثير للأمر أن ماركيون قد تم حرمه على يد أبيه قبيل مجيئه إلى روما. وعلى الأرجح في موطنه سينوب واجهته معارضة كتلك التي تعرض لها في روما. لهذا نرى من المهم عرض بعض من تعاليمه، ولكن للأسف، فإن العمل الوحيد الذي حرره كان باسم “الطباق أو التضاد” (Antitheses) والذي يحوي لب تعليمه، قد فقد. بل إن رسالته إلى قادة الكنيسة الرمانية قد فقدت أيضاً، وهي الرسالة التي أقر فيها بإيمانه. ويضع إيرينيوس ماركيون مع الغنوسي السرياني سيردون الذي استقر في روما إبان حكم هيجينوس (136-140م) “وزعما أن إله الناموس والأنبياء ليس هو أبا ربنا يسوع المسيح، وأن أحدهما معلن والآخر مخفي مجهول، أحدهما عادل بار والآخر صالح”. (Adv. Haer. 1: 27: 1).

ويسجل إيرينيوس أن ماركيون قد توسع في مدرسة سيردون في روما، “وفي خزى يجدف على من يدعى الله بالناموس والأنبياء، مؤكداً أنه إله شرير يصنع الشر مغرم بالحروب، متذبذب في أحكامه يناقض نفسه أيضاً، وبالنسبة ليسوع الآتي من عند ذلك الآب، الذي هو فوق الإله الذي صنع العالم، إلى اليهودية في زمن بيلاطس البنطي، الوالي، الذي كان حاكم طيباريوس قيصر، وقد ظهر في الجسد لسكان اليهودية في هيئة بشرية، ليمحو كل الأنبياء والناموس وكل أعمال ذلك الإله الذي خلق العالم، والذي يدعوه أيضاً بحاكم العالم. وعلاوة على ذلك، فهو يشوه الإنجيل حسب القديس لوقا ويزيل منه كل ما كتب عن ميلاد ربنا بل وكثيراً أيضاً من تعليم عظات ربنا، والتي فيها نقرأ مكتوباً بكل وضوح كيف يعترف ربنا أن صانع هذا العالم هو أبوه.

قد اقنع تلاميذه أنه هو نفسه أكثر استحقاقاً من الرسل الذين كتبوا الإنجيل، في حين لا يضع بين أيديهم الإنجيل بل جزءً ضئيلاً منه، وبالمثل، شوه أيضاً رسائل بولس الرسول بأن نزع منها ما قاله رسول الإله الذي صنع العالم، وكيف أنه هو أبو ربنا يسوع المسيح، وكل ما اقتبسه الرسول في تعاليمه من الكتابات النبوية التي تتنبأ بمجيء الرب. ويقول، إن الخلاص هو لنفوسنا فقط، تلك النفوس التي تعلمت تعاليمه، ولكن الجسد لأنه في الحقيقة مأخوذ من تراب، لا يمكنه أن يشارك في الخلاص”.

وفي فقرة أخرى في (Adv. Haer. 3: 3: 4) يسجل إيرينيوس أن بوليكاريوس أسقف أزمير – سميرنا – التقى يوماً ماركيون وحين سأله الأخير: “هل عرفتني؟” أجابه: “لقد عرفتك فأنت بكر الشيطان”.

ومثل كل المقاومين للهراطقة من كتاب الكنيسة الأولى، أحصى إيرينيوس ماركيون من بين الغنوسيين. لكن أدولف هارناك لا يتفق على اعتبار ماركيون من الغنوسيين على الإطلاق، بل أو “مصلح مسيحي” ومسترد “المذهب البولسي”. وهارناك محق في أن ماركيون لم يبذل أدنى جهد لوصل الهوة في المسافة بين اللانهائي والنهائي بسلسلة متكاملة من الإيونات مثلما فعل الغنوسيون. بل إنه لم يشغل باله أبداً بالمناظرات حول سبب الفوضى في العالم المنظور. وهو يختلف أيضاً عن الغنوسيين في رفضه وإنكاره لكل التفسير الرمزي للكتاب المقدس. ولكن من الجهة الأخرى، فإن التعاليم اللاهوتية لماركيون توضح تماماً الخليط النموذجي للأفكار المسيحية والوثنية الأممية والتي تعد من أكثر مميزات الغنوسية. ومفهومه عن الألوهة مفهوم غنوسي صرف، فهو يميز تماماً بين الإله الصالح الخير الذي يقيم في السماء الثالثة وذلك الإله العادل الأدنى منه.

وفي مفهومه عن الكون او الكوزمولوجي نرى أيضاً تلك السمة الغنوسية فالإله الثاني الذي خلق العالم والإنسان ما هو إلا “الديميورج” (Demiurge) أي خالق العالم المادي، والمعروف تماماً لدى الجماعات الغنوسية الأخرى. وفكر ماركيون فكر غنوسي أيضاً، فهو يعتقد أن الأله الثاني لم يخلق العالم من عدم، بل خلقه من مادة أزلية هي بذرة كل الشرور. ويماهي ماركيون هذا الإله مع إله اليهود إله الناموس والأنبياء. هو بار وعادل لكنه يعاني من الأهواء والشهوات. هو غضوب ومنتقم، هو خالق كل شر، مادياً كان أم أخلاقياً. ولهذا السبب هو مشعل كل الحروب. وتظهر التعاليم الخريستولوجية لماركيون نفس الميل الغنوسي. فالمسيح ليس هو المسيا الذي تنبأ عنه العهد القديم. فهو ليس مولوداً من العذراء مريم، لأنه لا يولد ولا ينمو، بل ولا يمكن أن يمر بما يمكن أن يشبههما حتى. وفي السنة الخامسة عشرة لحكم طيباريوس أعلن نفسه هكذا فجأة في مجمع كفرناحوم. ومنذ ذلك الحين صار له شبه بشري، ظل فيه حتى مات على الصليب.

وبسفك دمه افتدى كل النفوس من سلطان الديميورج خالق المادة، الذي أباد حكمه بتعليمه ومعجزاته. وهنا تبرز أيضاً سمة غنوسية في الطرح فإن بحسب ماركيون يكون الفداء قاصراً فقط على النفوس دون الأجساد، بينما يبقى الجسد خاضعاً لسلطان الديميورج خالق المادة، ومصيره الفناء. ويصدمنا من تلك التعاليم غياب الرصانة وكل منطق. ولا يشغل ماركيون باله بشرح أصل إلهه هذا، إله العدل ولا ما قيمة ذبيحة الصليب إن كانت فقط لشبح. وفي طريقه أيضاً لانتقاء نصوص العهد الجديد يظهر ميل واضح للغنوسية.

فهو قد حذف كل النصوص والفقرات الدالة على أن الله أبا المسيح هو نفسه خالق العالم، وأن المسيح هو ابن الله الذي صنع السماء والأرض، وأن أبا يسوع المسيح هو هو إله اليهود، لأن كل تلك النصوص تناقض الآراء الغنوسية بطريقة مباشرة. وفوق ذلك، يتفق ماركيون مع فالنتينوس، في عدم اعترافه بالعهد القديم. لكنه يختلف مرة أخرى عن معظم الغنوسيين بمقدار عدم صياغته أية أناجيل جديدة أو أسفار مقدسة، رغم أنه استهدف عدداً من كتابات العهد الجديد وأنكر ورفض العهد القديم تماماً. وكان ماركيون مقتنعاً تماماً أن اليهود زيفوا الإنجيل الأصلي للمسيح بإقحام عناصر يهودية فيه. لهذا السبب يزعم أن المسيح استدعى بولس الرسول ليستعيد الإنجيل إلى شكله الأصلي. ولكن حتى رسائل القديس بولس قد تم تحريفها من قبل أعدائه، لهذا استبعد ماركيون أناجيل متى ومرقص ويوحنا ورفض الاعتراف بكل الزيادات اليهودية التي زعم ورودها في إنجيل لوقا، والتي تحوي جوهرياً إنجيل المسيح.

واستبعد من مجموع رسائل القديس بولس الرسائل الرعوية والرسالة إلى العبرانيين. أما الرسائل التي احتفظ بها فقد حذف بعض الفقرات منها، فوضع الرسالة إلى أهل غلاطية أولاً، وغير اسم الرسالة إلى أفسس إلى الرسالة إلى لاودكية. وبهذا التغير اختصر العهد الجديد في وثيقتين للإيمان أطلق عليهما اسم الإنجيل، والرسول. ثم أضاف إلى هاتين الوثيقتين كتابه المعروف باسم “الطباق” الذي برر فيه رفضه الاعتراف بالعهد القديم بتجميعه لكل النصوص المعترض عليها ليدلل على الخصال الكريهة لإله اليهود. وفيه أيضاً يشرح اعتراضاته على الأناجيل وأعمال الرسل.

رابع عشر: أبيللس

كان أبيللس هو أهم تلاميذ ماركيون. وبحسب ترتليان فقد عاش أولاً مع ماركيون في روما. لكن وبعد قليل من الاحتكاك بمعلمه غادر إلى الإسكندرية بمصر. ثم عاد بعد ذلك إلى روما. ويمدنا رودون، خصمه اللدود والذي كان يعرفه شخصياً، بالمعلومات القيمة التالية عن تلاميذ ماركيون وخاصة أبيللس: “لهذا توقف الماركيونيون عن التوافق فيما بينهم وهم يتخبطون في آراء متضاربة. وكان أبيللس واحداً منهم، والذي كان محل توقير بسبب حياته وسنه.

وكان يقر أن هناك مبدأ (أصلاً) واحداً، لكنه زعم أن النبوات كانت بروح متناقض، وقد تم إقناعه بواسطة كلمات تتفوه بها شابة فيها روح نجس تدعى فيلومينا. لكن الآخرين، كالقائد نفسه ماركيون فقد زعموا بوجود مبدأين. وينتمي إلى هؤلاء بوتيتوس وباسيليكوس. وهذان قد اتبعا ذئب بنطس ماركيون، غير مدركين تقسيم الأشياء مثلما فعل هو، ولكنهما أخذا حلاً سهلاً؛ إذ أعلنا مباشرة عن وجود مبدأين دونما دليل. وانزلق آخرون إلى خطأ أفدح زاعمين بوجود ثلاثة طبائع لا اثنتين. أحدهم القائد والرئيس وهو سينيروس، مثلما أعلن أولئك الذين يمثلون مدرسته”. (Hist. Eccl. 5: 13: 2-4).

الأهم من ذلك حقيقة أن نقاشاً دار بن رودون وأبيللس، يسميه هارناك “أهم نقاش ديني في تاريخ الكنيسة”، ويصف رودون ذلك الحوار هكذا: “وحين تناقش معنا العجوز أبيللس، ثبت أن تصريحاته كلها زائفة، ومن هنا اعتاد أن يكرر أن لا طائل من وراء فحص المناقشة فحصاً كاملاً، بل أن يظل كل واحد على معتقده، لأنه أكد أن من يضعون رجاءهم في المصلوب يخلصون، إن هم ثبتوا في الأعمال الصالحة. لكن ومثلما قلنا، فإن أكثر الأجزاء غموضاًن في كل التعاليم التي طرحها، كان عن الله.

لأنه داوم على القول إن ثمة مبدأ واحداً تماماً مثلما تعلن تعاليمنا… وحين قلت له: “ما دليلك؟ أو كيف لك أن تقول بمبدأ واحد فقط؟ أخبرنا”، فقال إن النبوات تدحض نفسها بعدم ذكرها الحقيقة أبداً، لأنها غير متماسكة وزائفة وتناقض بعضها البعض، وعن وجود مبدأ واحد، قال إنه لا يعلم كيف، لكنه مال فقط إلى هذا الرأي. وحين رجوته أن يقول الحق، أقسم أنه كان يقول الحق حين ذكر أنه لا يعلم كيف أن الله غير المولود واحد، ولكنه فقط يؤمن بذلك. فسخرت منه وأدنته، لأنه لا يعرف كيف يدلل على تعاليمه، رغم أنه يدعو نفسه معلماً” (Hist. Eccl. 5: 13: 5-7).

ومن هذا العرض يتضح كيف اختلف أبيللس مع ماركيون، في أهم القضايا: أولاً؛ رفض بشكل أساسي الثنائية المطروحة لمعلمه، وسعى أن يعود إلى فكرة المبدأ الواحد المنفرد. ومن ثم، فقد قدم ما يعرف بالديميورج – خالق المادة الشرير – بصفته مخلوقاً من مخلوقات الله، وملاكاً خلق العالم. ثانياً؛ استبعد أبيللس “دوسيتية” أو “شبهية” ماركيون، فلم يعتبر أن جسد يسوع المسيح خيال، بل كان له جسد حقيقي، رغم أنه لم يأخذه من مريم العذراء بل استعاره من عناصر النجوم الأربعة. وحين صعد أعاد جسده إلى تلك العناصر.

ومن جهة أخرى، تمادى أبيللس أكثر مما ذهب إليه ماركيون في رفضه للعهد القديم. فقد اعتبر ماركيون العهد القديم مجرد وثيقة تاريخية تماماً دون أية قيمة دينية، لكن العهد القديم في نظر أبيللس كان مجرد كتاب كاذب زائف، مليء بالتناقضات والخرافات، ولا يعول عليه على الإطلاق. وحتى يثبت أبيللس تجرد العهد القديم من القيمة، صاغ كتاباً أسماه “القياسات المنطقية” حوى قرابة ثمانية وثلاثين كتاباً وقد حفظ أمبروسيوس العديد من الفقرات من هذا العمل، في مبحثه باسم “الفردوس”. ولم يتبق شيء من كتاب أبيللس المسمى “التجليات”، والذي قدم فيه رؤى فيلومينا النبية.

خامس عشر: الإنكراتيون (المتقلبون)

الإنكراتيون[3] (Encartites) هم الذين يرتبط تعليمهم بفكر ماركيون. مؤسس تلك الطائفة هو تاتيان السوري، وبحسب إيرينيوس يتفق الإنكراتيون مع ماركيون في رفضهم للزواج. ويدل غياب نسب يسوع في كتاب تاتيان الدياتسرون على أن ثمة شيئاً مشتركاً بينه وبين فكر ماركيون.

سادس عشر: يوليوس كاسيانوس

ينتمي يوليوس كاسيانوس إلى جماعة الإنكراتين (المتقلبين). ويذكر كليمندس السكندري اثنين من كتاباته في كتابه (Storma 3: 13: 92)، أولهما باسم “التفسير”، ونعرف من كليمندس أن الكتاب الأول في هذا العمل يتناول عمر موسى. أما عنوان العمل الثاني فهو “عن التقشف والزهد في الجنس”، والفقرتان اللتان يقتبسهما كليمندس من هذا العمل تتناولان رفض كل المعاشرات الجنسية. وثمة فقرة ثالثة تتناول إنجيل المصريين الغنوسي. وعن تعليم يوليوس بخصوص الدوسيتية أو الشبهية، فإن كليمندس يربطه بفالنتينوس وماركيون. ومن الواضح أن يوليوس كاسيانوس قد علم في مصر حوالي سنة 170م.

كتابات غنوسية أخرى

وإلى جانب الكتابات الغنوسية التي ذكرها الكتاب الكنسيون، هناك كتابات غنوسية أخرى باقية في الترجمات القبطية.

  1. مخطوط أسكويانوس (Codex Askewianus): وهو مخطوط من الرقوق كان يملكه من قبل “أ. أسكو” وهو محفوظ الآن في المتحف البريطاني (تحت رقم 5114) ويحوي أربعة كتب تحمل العنوان (Pistis Sophia)، وتمثل تلك الكتب الأربعة عملاً واحداً. يتألف رابعها من رؤى من المفترض أن يسوع قد بعث بها لتلاميذه بعد قيامته مباشرة، وهو أقدم من الكتب الثلاثة الأخرى، والتي تحوي رؤى من نفس النوعية من السنة الثانية عشرة بعد القيامة. ولا بد أن يكون الكتاب الرابع قد سطر في النصف الأول من القرن الثالث، في حين كتبت الثلاثة الأولى في النصف الثاني. وكل الكتب الأربعة تم تدوينها في مصر في دوائر باربلو (Barbelo) الغنوسية.
  2. وتذكر بستيس صوفيا مرة واحدة فقط في الكتب الثلاثة الأولى، حيث يرشدهم يسوع بشأن النهاية المصيرية والسقوط وفداء بستيس صوفيا. وهي كائن روحاني من عالم الأيونات، تعاني من نفس مصير البشرية بشكل عام. ولما كان النص يحوي العديد من الألفاظ اليونانية فلابد أن يكون الأصل مكتوباً باليونانية. وبحسب “كارل شميدت” فإن المخطوط يعود إلى النصف الثاني من القرن الرابع.
  3. مخطوطة بروسيانوس (Codex Brucianus): كان مملوكاً في البداية لجيمس بروس، والآن هو في مكتبة بودليان أوكسفورد، وهو بردية من القرن الخامس أو ربما السادس الميلادي، ويضم مخطوطتين مختلفتين. تحوي الأولى الكتابين عن سر اللوغوس العظيم، واللذين يماهيهما كارك شميدت مع كتابي جيو المجودين في بستيس صوفيا. وهما يحويان استعلانات يسوع عن “الكنوز التي على النفس اقتناؤها”، ويتم التعبير عن الكنوز برسومات صوفية، وأرقام ورموز ومجموعات حروف بلا معنى. أما العمل الثاني في مخطوط بروسيانوس فهو مشوه. ويحوي مناظرات عن أصل وتطور العالم المتسامي، والذي يبدو أنه قد نشأ في دوائر (Seth) الغنوسية.
  4. مخطوط ثالث محفوظ في برلين: هو يحوي ثلاثة أعمال. الأول بعنوان “إنجيل مريم” ويعرض رؤى استعلنت لمريم. والثاني بعنون “أبوكريفا يوحنا” هو ترجمة عمل يوناني دحضه إيرينيوس في نهاية كتابه الأول “ضد الهرطقات” (1: 29)، حيث يظهر يسوع في رؤيا ويعلن نفسه ليوحنا الرسول بصفته “أو وأم الابن”. والثالث بعنوان “حكمة يسوع المسيح”، وبحسب كارل شميدت، فإن هذه الحكمة تماثل كتاب الحكمة الذي حرره فالنتينوس.

مخطوطات نجع حمادي

في عام 1946م تم اكتشاف مجموعة كبيرة من النصوص الغنوسية في مصر تتألف من اثني عشر مجلداً أو أكثر من ألف صفحة باللغة القبطية. وقد تم العثور عليها في إناء من فخار بالقرب من مدينة نجع حمادي، في تخوم المدينة القديمة “شينوبوسكيون” على بعد ثلاثين ميلاً شمال الأقصر على ضفة النيل الشرقية. وتحوي الصفحات الألف سبعاً وثلاثين عملاً كاملاً وخمساً في شكل شذرات. وكل تلك الأعمال كان قد فقد. وقد تم التعرف على بعضها بكونها تشبه ما اقتبس منه إيرينيوس وهيبوليتس وأوريجينوس وإبيفانيوس في كتاباتهم الهجومية المناهضة للغنوسية. وهناك أعمال أخرى مجهولة ويوصف الكثير منها بالأعمال السرية التي لا يعرفها غير المؤمنين بها حتى إن الكتاب الكنيسيين الذين كتبوا ضد الغنوسية ربما لم يروها أبداً.

وتنسب خمسة أعمال منها إلى “المثلث العظمة” هرمس. وتحمل أعمال أخرى عناوين مثل، صعود بولس الأول، رؤيا يعقوب الثانية، الإنجيل بحسب توما وفيلبس، الكتاب السري ليوحنا، والإعلانات الخمس بحسب شيث، إنجيل المصريين، تقاليد متياس، حكمة يسوع، رسالة الطوباوي يوجنستوس وحوار المخلص. وتتماثل عناوين عديدة من تلك العناوين مع عناوين أناجيل منحولة – أبوكريفية – ولكن لا تبدو الأعمال التي لهذه العناوين تحمل نفس الفكر. وقد ألقت تلك البرديات المكتشفة مزيداً من الضوء على تاريخ الغنوسية في قرون المسيحية الأولى.

[1] مدينة تاريخية أسسها الإغريق في شرق ليبيا وهي موقع مدينة الشحات الحالية. (المراجع)

[2] ديانة نشأت في المنطقة الشرقية من الإمبراطورية الفارسية. (المراجع)

[3] أي التقشفين أو المتقلبين؛ وهي طائفة كان تحرم أكل اللحوم وتنظر إلى الزواج كزنا، وتمنع النساء من لبس الحلي، وتمنع شرب الخمر فاستعاضت عنه بالماء في الإفخارستيا. (المراجع).

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

ميليتوس أسقف مدينة ساردس[1] بمقاطعة ليديا هو واحد من أكثر شخصيات القرن الثاني الميلادي احتراماً. وفي رسالة إلى البابا فيكتور أسقف روما (189-199م9 ذكر “بوليكراتيس الأفسسي” اسمه من ضمن “كواكب الكنيسة في آسيا” الذين ذهبوا الآن إلى موضع راحتهم، وهو يدعوه “ميليتوس البتول (أي غير المتزوج) الذي عاش بكليته في الروح القدس، والذي يرقد في سادرس، منتظراً مكافأة السماء عندما سيقوم من الموت”. (Eusebius. Hist. Eccl. 5: 24: 5). وإلى جانب ما ذكر في تلك الملاحظة القصيرة، لا نعرف إلا أقل القليل عن حياته. ولقد كان ميليتوس كاتباً غزير الإنتاج، وكتب في عدد كبير من الموضوعات المتنوعة في النصف الثاني من القرن الثاني.

في حوالي عام 170م، وجه ميليتوس دفاعاً عن المسيحيين إلى الإمبراطور ماركس أوريليوس، ولم يبق منه إلا شذرات حفظت بواسطة يوسابيوس وفي كتاب “Chronicon Pasxhale”. وتوجد من ضمن هذه الشذارت عبارة ذات أهمية بالنسبة لمفهوم ميليتوس عن علاقة الكنيسة بالدولة، فهو أول من دافع عن فكرة تضامن المسيحية مع الدولة، فالدولة الدنيوية والديانة المسيحية أختان في الرضاعة، إنهما يشكلان معاً ثنائياً.

بالإضافة إلى أن الديانة المسيحية تعني البركة والرخاء للإمبراطورية: “إن فلسفتنا أصبحت فألاً حسناً على إمبراطوريتك، لأنه منذ ذلك العهد – الذي لأغسطس قيصر – زادت قوة روما في الحجم والعظمة. وأنت الآن خليفته السعيد، وسيكون هذا أيضاً مع ابنك إذا راعيت الفلسفة التي كبرت مع الإمبراطورية وبدأت منذ عهد أغسطس، وكان أجدادك يبجلونها مع الأديان الأخرى. أما الدليل الأكثر اقناعاً على أن ازدهار ديانتنا كان بركة للإمبراطورية، التي كانت حينها قد دشنت بسعادة، هي حقيقة كونها لم تعان من أية حوادث مؤسفة منذ عهد أغسطس، بل على العكس، كل شيء قد زاد من عظمتها وشهرتها في توافق مع الصلاة العامة” (Eusebius. Hist. Eccl. 4: 26: 7-8).

وحتى وقت قريب لم يكن لدينا من هذا الدفاع وأعمال ميليتوس الأخرى سوى الشذرات الصغيرة أو العناوين التي حفظها كل من يوسابيوس (Hist. Eccl. 4: 26: 2) وأنستاسيوس السينائي (Viae Dux 12: 13). ولهذا السبب كان أحد الاكتشافات الحديثة مثيراً للاهتمام بشكل كبير، فقد اكتشف “كامبل بونر” مقالاً لميليوس بعنوان “عظة عن الآلام” كاملاً تقريباً، وقد قام بنشره. وكانت هذه العظة حتى ذلك الحين غير معروفة عنواناً، إلا أنه كان يوجد منها بعض شذرات بلا عنوان باللغات السريانية والقبطية واليونانية.

وتشغل تلك العظة الجزء الأخير من مخطوطة بردية تعود إلى القرن الرابع الميلادي تحتوي على الفصول الأخيرة من سفر أخنوخ، تنتمي ثماني أوراق منها إلى مجموعة تشيستر بيتي والمتحف البريطاني، وست أوراق إلى جامعة متشيجان. وكما يدل عنوان العظة “عظة عن الآلام” تتناول العظة المكتشفة حديثاً آلام ربنا. وتوحي الكلمات الافتتاحية أنها عبارة عن عظة ألقيت في قداس بعد قراءة من العهد القديم، كما أن موضوعها يتناسب مع أسبوع الآلام حتى إن بونر يطلق عليها “عظمة الجمعة العظيمة”.

وبما أن ميليتوس كان من أصحاب وجهة النظر الأربعشرية، إذاً كان هذا اليوم يوافق يوم الاحتفال بعيد الفصح اليهودي. وقد أعيدت فيها صياغة قصة الخروج – وخاصة تأسيس وليمة الفصح – وفُسرت على أساس أنها رمز لعمل المسيح الخلاصي، فكلاهما أطلق عليه لفظة أي “سر” بمعنى أن الأحداث لها تأثير فائق للطبيعة يتجاوز تاريخيتها، فلقد أصبح كل من الخروج والفصح رمزاً لما حدث لاحقاً عندما مات يسوع وقام مجدداً.

إن آلام المسيح وموته تضمن للمسيحي هروبه من الخطية والفناء كما أن حمل الفصح المذبوح ضمن للعبرانيين الهروب من مصر. إن المسيحيين مثلهم مثل اليهود قد خُتموا كعلامة على خلاصهم، لكن اليهود قد رفضوا الرب وقتلوه كما تنبأ الأنبياء، وبالرغم من أن موته كان محدد مسبقاً، إلا أن مسؤوليتهم عنه كانت باختيارهم بالإضافة إلى هؤلاء الذين على الأرض سوف يشاركون في انتصارات القيامة.

وتكشف لغة هذه العظة عن ولع بالكلمات الغريبة والشعرية، والأدوات البلاغية الأدبية. وأسلوب العظة الأدبي متكلف للغاية ومصطنع، كما أن الطباق والجناس لهما فيه مكانة خاصة، وهذا يفسر إشارة ترتليانوس لامتلاك ميليتوس عبقرية ولباقة خطابية (Jerome De Viris Illus.: 24).

التعليم اللاهوتي في العظة

أولاً: الخريستولوجي

  1. إن عقيدة ألوهية المسيح ووجوده السابق الأزلي يسيطر على تعليم اللاهوتي لميليتوس، فهو يدعوه: إله، كلمة، أب، ابن، بكر الله، سيد، ملك إسرائيل، ملكنا. والحقيقة إن استخدام لقب “أب” في الإشارة للمسيح هو استخدام غير معتاد، هو يأتي في فقرة مهمة تشرح وظائف المسيح المختلفة: “لأنه قد ولد كابن وسيق كحمل وقدم ذبيحة كشاة ودفن كإنسان، قام من الموت كإله، كونه بالطبيعة إنساناً وإلهاً. إنه هو كل شيء: هو القانون لأنه يحكم، هو الكلمة لأنه يعلم، هو النعمة لأنه يخلص، هو الأب لأنه يلد، هو الابن لأنه مولود، هو الحمل الذبيح لأنه قد تألم، هو إنسان لأنه دفن، هو إله لأنه قام. هذا هو يسوع المسيح الذي له كل المجد إلى دهر الدهور” (Bonner 8-10).

وهذا التطابق الكامل بين المسيح واللاهوت نفسه يمكن أن يُفسر في صالح (الموداليزم الموارخية) أي وحدة الرئاسة التي تلغي تمايز الأقانيم والتي ظهرت في فترة لاحقة، فإذا كان الأمر هكذا فربما سيفسر هذا سبب إهمال كتابات ميليتوس وفقدانها في آخر الأمر.

  1. ومن ناحية أخرى، كان ميليتوس واضحاً جداً فيما يتعلق بعقيدة التجسد: “هذا هو الذي صار جسداً في العذراء، الذي لم تُكسر – عظامه – على الشجرة، الذي في دفنه لم ينحل إلى تراب، الذي قام من الأموات وأصعد الإنسان من القبر السفلي إلى أعالي السماوات. هذه هو الحمل الذي ذُبح، هذا هو الحمل الذي كان صامتاً، هذا هو من ولد من مريم الشاة الحسنة” (Bonner 70-71). وبطريقة مماثلة، يدعو الكاتب المسيح: “ذاك الذي تجسد عن طريق والعذراء مريم”.
  2. ويشرح ميليتوس وجود المسيح الأزلي السابق في شكل مدائح ترنيمية، كما في الفقرة التالية: “هذا هو بكر الله، الذي ولد قبل نجمة الصبح، الذي جعل النور يطلق، وجعل النهار يسطع، الذي جعل النور يطلع، وجعل النهار يسطع، الذي فصل الظلمة، وثبت أول علامات الخليقة، الذي علق الأرض في مكانها، وجفف لجج المياه، الذي بسط قبة السماء، ورتب العالم (82).
  3. وكانت وظيفة المسيح هي أن ينقذ الإنسان من الخطية (54. 103) والموت (102. 103) والشيطان (67. 68. 102).
  4. وكان وصف ميليتوس لنزول المسيح إلى الجحيم يوحي بأنه ربما قد ضمن في عظته بعض الأجزاء من ترنيمة ليتورجية أقدم: “لقد قام من الموت وصرخ إليك قائلاً: “من ذا الذي يقاومني؟ دعوه يقف أمامي، فلقد حررت المدانين، وجعلت الموتى يحيون مجدداً، وأقمت من دفن. من ذا الذي يرفع صوته ضدي؟” ثم يقول مجدداً: “أنا المسيح، أنا من هزمت الموت، وانتصرت على العدو، ودست الجحيم، وقيدت القوي، ورجعت بالإنسان سالماً إلى الوطن في أعالي السماوات” ثم يقول: “أنا هو المسيح” (101-102).

ثانياً: الخطية الأولى

لقد وصف ميليتوس هذه العقيدة بكل وضوح: “تترك الخطية علامتها على كل نفس، وتكرسها جميعاً للموت، فلا بد لها من أن تموت. هكذا يقع كل جسد تحت سلطان الخطية، ويسقط الجميع تحت سلطان الموت” (54-55).

ثالثاً: الكنيسة

يطلق ميليتوس على الكنيسة لقب “مستودع الحق” (40)

أعمال ميليتوس الأخرى

وبالإضافة إلى الدفاع والعظة المكتشفة حديثاً، كتب ميليتوس الأعمال التالية:

  1. كتابان عن الفصح دافع فيهما عما يدعى بالعادة الأربعشرية (كتبا حوالي عام 166-167م).
  2. مقالة عن الحياة المسيحية والأنبياء، وقد كانت في الغالب ذات طابع مضاد للمونتانية.
  3. عن الكنيسة.
  4. عن يوم الرب.
  5. عن إيمان الإنسان.
  6. عن الخليقة.
  7. عن طاعة الإيمان.
  8. عن الحواس.
  9. عن حسن الضيافة.
  10. عن النفس والجسد.
  11. عن المعمودية.
  12. عن الحق.
  13. عن الإيمان وميلاد المسيح.
  14. عن النبوة.
  15. المفتاح.
  16. عن الشيطان.
  17. عن رؤيا يوحنا.
  18. عن الله المتجسد.
  19. ستة كتب تحتوي على “مقتطفات من الناموس والأنبياء عن مخلصنا وكامل إيماننا”، ولقد حفظ يوسابيوس مقدمة هذا العمل في (Hist. Eccl. 4: 26: 13-14)، وهي تحتوي على أقدم قائمة لأسفار العهد القديم القانونية.
  20. كتاب عن تجسد المسيح.

ويظهر من كل عناوين كتاباته الضائعة تلك أن ميليتوس قد ناقش الكثير من الأسئلة العملية واللاهوتية الخاصة بزمانه بعقلية منفتحة.

كتابات منسوبة إلى ميليتوس

  1. تحتوي مخطوطة سريانية خاصة بالمتحف البريطاني (Add. 14658) على دفاع تحت اسم ميليتوس، غير أنه ليس بقلمه. ويظهر محتوى هذا الدفاع أن كاتبه كان على معرفة جيدة بدفاعات أرستيدس ويوستينوس، ويبدو أنه قد كُتب بالسريانية ولم يترجم عن اليونانية. أما زمن كتابته فهو على الأغلب كان في عهد الإمبراطور “كاراكالا” (Caracalla).
  2. هناك كتاب آخر في ترجمة لاتينية تعود إلى القرن الخامس منسوب بالخطأ إلى ميليتوس، وعنوانه هو: (##)، وتوجد أدلة على أن هذه الرواية الأبوكريفية التي تدور حول رقاد العذراء المطوبة وصعودها إلى السماء لم تظهر قبل القرن الرابع الميلادي، وهي بمثابة نظير لإنجيل الطفولة الأبوكريفي. والنص موجود في عدة تنقيحات يونانية وعدد من الترجمات.
  3. عمل آخر منسوب إلى ميليتوس هو (Clavis Scriptura)، وهو عبارة عن قاموس للمصطلحات الكتابية جمع من كتابات كل من أغسطينوس، وغريغوريوس الكبير، وكُتاب لاتين آخرين. ولقد حرره الكاردينال “بيترا” (Pitra) في عمله (Analecta Sacra, Vol. 2: 1884).

[1] سادرس هي من أهم مدن آسيا الصغرى (تركيا حالياً)، وكانت قديماً عاصمة ولاية ليديا. (المراجع)

ميليتوس أسقف ساردس Melito of Sardis

تاتيان السوري Tatian the Syrian

تاتيان السوري Tatian the Syrian

تاتيان السوري Tatian the Syrian

تاتيان السوري Tatian the Syrian

ولد تاتيان – السوري المنشأ – من أبوين وثنيين. وكما ذكرنا أعلاه، كان تاتيان تلميذاً ليوستينوس الشهيد. وهو يشترك مع معلمه في أنه بعد الكثير من الحيرة قد وجد أن التعاليم المسيحية هي الفلسفة الوحيدة الصحيحة. وهو يزودنا بالمعلومات التالية عن أسباب اهتدائه إلى المسيحية:

“ولأني كنت قد رأيت هذه الأشياء، وبالأكثر لأني أيضاً قد سمح لي بالدخول إلى الأسرار، ولأني في كل مكان قد فحصت الشعائر الدينية التي يقوم بها المخنثون والمأبونون، ووجدت أنه بين الرومان يتلذذ “جوتيتر” بالأشلاء البشرية ودماء الرجال المذبوحين، وأن أرطميس – في مكان لا يبعد كثيراً عن المدينة العظيمة – تجيز أفعالاً من نفس النوع، وأن شيطاناً هنا وآخر هناك يحض على ارتكاب الشر، أويت إلى نفسي وبحثت عن الكيفية التي بها يمكنني أن أصبح قادراً على أن أجد الحق.

وبينما كنت أولي اهتماماً جاداً جداً لهذه المسألة، حدث أن وقعت في يدي كتابات قديمة جداً مقارنة بآراء اليونانيين، وإلهية جداً على أن تقارن بضلالهم.

وقد قادني عدم تكلف هذه الكتابات، وشخصية كُتابها غير المصطنعة، ومعرفتها المُسبقة بأحداث المُستقبل، ونوعية وصاياها الممتازة، وإعلانها عن أن مقاليد الأمور في الكون تتمركز في يد كائن واحد، إلى أن أؤمن بها. ولقد تعلمت روحي من الله، فاكتشفت أن الفئة الأولى من الكتابات – كتابات اليونانيين – تقود إلى الدينونة، في حين تصنع هذه (الفئة) حداً للعبودية التي في العالم وتنقذنا من تعددية الحكام ومن عشرة آلاف طاغية، في حين لا تعطينا بكل تأكيد ما لم يكن لنا قبل أن نناله، لكن تعطينا ما كنا قد نلناه لكن الضلالة قد منعتنا من الاحتفاظ به”. (Orat. 29).

ويبدو أن اهتداء تاتيان إلى المسيحية قد حدث في روما، وهناك تردد على المدرسة التي أنشأها يوستينوس. وبالرغم من أن يوستينوس كان معلم تاتيان. إلا أنه بمجرد مقارنة كتابتهما سنلاحظ وجود تضاد حاد بينهما، وهذا يظهر على وجه الخصوص في التقييم الذي يعطيه كل منهما للفلسفة والثقافة غير المسيحية، ففي حين يحاول يوستينوس أن يجد عناصر للحق في كتابات بعض المفكرين اليونانيين، يعلم تاتيان بالتخلي الكامل عن الفلسفة اليونانية من حيث المبدأ.

ويظهر يوستينوس في دفاعه عن المسيحية الكثير من الاحترام للفلسفة غير المسيحية، في حين يظهر تاتيان كراهية صميمة لكل ما ينتمي إلى الحضارة، والفن، والعلوم، واللغة اليونانية.

لقد تطرفت شخصيته حتى إنه تصور أن المسيحية لم ترفض التعليم والثقافة المعاصرة بشكل كاف. وقد عاد تاتيان إلى الشرق حوالي عام 172م حيث أصبح مؤسساً لطائفة “الإنكراتيين” (Encratites) أي “المتقشفين” التي تنتمي إلى مجموعة الغنوسيين المسيحيين. لقد رفضت هذه الهرطقة الزواج باعتبار زنى، وأدانت استخدام اللحوم تحت أي صورة، وشرب الخمر، وتمادت في هذا حتى استبدلت بالخمر الماء في الخدمة الإفخارستية، ولهذا السبب لُقب المنتمون إلى هذه الطائفة بالـ “Aquarii” أي المائيون. ونحن لا نعرف شيئاً عن موت تاتيان.

كتابات تاينان

أولاً: الخطاب إلى اليونانيين

بقي من أعمال تاتيان عملان فقط، هما: “الخطاب إلى اليونانيين” و”الدياتسرون” (Diatessaron). وزمن كتابة “الخطاب إلى اليونانيين” والهدف من كتابته موضع خلاف، وأغلب الظن أنه قد كتب بعد موت القديس يوستينوس، لكن من الواضح أنه لم يكتب في روما. أما أن كان تاتيان قد كتبه قبل ارتداده أم بعده فلا يزال غير مؤكد.

ويعتقد بعض الدارسين أن “الخطاب” ليس دفاعاً كُتب بهدف الدفاع عن المسيحية أو لتبرير تحول الكاتب إليها، بل عظة تعليمية تشتمل على دعوة للالتحاق بالمدرسة التي أنشأها الكاتب. لكن حتى لو كان قد ألقي كخطاب في افتتاح المدرسة، فلا شك أنه في البداية كان التفكير هو أن يكون خطاباً موجهاً إلى العامة.

غير أنه يبقى صحيحاً أن هذا الخطاب ليس دفاعاً عن المسيحية بقدر ما هو مقالة هجومية عنيفة متطرفة ترفض الثقافة اليونانية برمتها وتستخف بها، فهو يرى أن فلسفة، ودين، وإنجازات اليونانيين أمور حمقاء، مخادعة، ولا أخلاقية، وبلا قيمة. ويقول تاتيان في المقدمة أن أي شيء يبدو ذا قيمة في الحضارة اليونانية، قد أخذه اليونانيون من البرابرة، لكن معظمها بلا قيمة أو يشجع على اللا أخلاقية، كأشعارهم وفلسفتهم وبلاغتهم.

وينقسم الجزء الرئيس من هذا العمل إلى أربعة أقسام:

  1. القسم الأولى (الفصول 4: 3 – 7: 6) ويحتوي على رؤية الكون من منظور مسيحي:

1) يعطي الكاتب تعريفاً للمفهوم المسيحي عن الله (فصل 4: 3-5).

2) ثم يتناول علاقة اللوغوس بالآب، وتكون المادة، وخلق العالم (فصل 5).

3) يتبع هذا وصف لخلق الإنسان، وقيامة الموتى، والدينونة الأخيرة (فصول 6-7: 1).

4) في نهاية القسم (فصل 7: 2-8) يتناول تاتيان خلق الملائكة، وحرية الإرادة، وخطية آدم وحواء، والملائكة الأشرار والشياطين، وهذا الموضوع يقودنا إلى القسم الثاني.

 

  1. القسم الثاني (فصول 8 -20) ويحتوي على رؤية للشياطين من منظور مسيحي:

1) علم التنجيم من اختراع الشياطين، ولقد أساء الإنسان استخدام حرية الإرادة، ومن ثم أصبح عبداً للشياطين. لكن هناك إمكانية أن يحرر الإنسان نفسه من هذا القيد، وذلك بان يتخلى تماماً عن كل الأمور العالمية. (الفصول 8-11).

2) وللحصول على قدرة على هذا التخلي ومن ثم الهروب من قوة الشياطين، يجب علينا أن نسعى لكي ترجع نفوسنا لتتحد بالروح السماوي. وقد كان هذا “الروح في الأصل يسكن في صدر الرجل الأول[1]، لكنه قد رحل عنه بسبب الخطية الأولى، تلك التي كانت من عمل الشياطين. (الفصول 12-15: 1)

3) الشياطين هي صورة للمادة والشر، لذا لا تستطيع أن تُقدم توبة، لكن البشر هم صور لله، وهكذا يستطيعون أن يبلغوا الخلود عن طريق إماتة الذات (الفصول 15: 2 – 16: 6).

4) على الإنسان ألا يخاف الموت لأنه مُرغم على أن يرفض المادة كلها حتى يحوز الخلود. (فصل 16: 7-20).

 

 

  1. القسم الثالث (فصول 21-30) ويتناول الحضارة اليونانية في ضوء الموقف المسيحي من الحياة:

1) جهل التعاليم اللاهوتية اليونانية تتناقض مع سمو سر التجسد تناقضاً حاداً. (فصل 21).

2) المسارح اليونانية هي مدارس الرذيلة، وحلبة المصارعين تشبه المجزرة. والرقص، والموسيقا، والشعر هي أمور أثيمة وبلا قيمة. (فصول 22-24).

3) الفلسفة اليونانية والقانون اليوناني متناقضان ومخادعان (فصول 25-28).

4) يُشرق على خلفية الحضارة اليونانية المظلمة سمو الديانة المسيحية بإشراق أكثر لمعاناً. (فصول 29-30).

 

 

  1. القسم الرابع ويتناول عصر المسيحية وقيمها الأخلاقية (فصول 31-41):

1) الديانة المسيحية أقدم من كل الديانات الأخرى، لأن موسى عاش قبل هوميروس والمشرعين اليونانيين كلهم بزمن طويل، بل وحتى قبل الحكماء السبعة. (فصول 31: 1-6، 36-41).

2) الفلسفة المسيحية والسلوك الحياتي المسيحي يخلوان من كل حسد وحقد، ولهذا السبب يختلفان عن حكمة الكُتاب اليونانيين. وتعود الاتهامات الباطلة الموجهة إلى المسيحيين باللا أخلاقية وأكل لحوم البشر على هؤلاء الذين افتروها من عابدي الآلهة اليونانية، لأن مثل هذه الجرائم متكررة ومعروفة في العبادة اليونانية. ولا يمكن وصم أخلاقية ونقاء المسيحيين بمثل هذه الافتراءات (فصول 31: 7-35).

وفي الختام يقدم تاتيان نفسه لأي نقد:

“يا أيها اليونانيون، أنا تاتيان، تلميذ الفلسفة البربرية، قد كتبت هذه الأمور من أجلكم. لقد ولدت في أرض الآشوريين، وتثقفت أولاً بتعاليمكم، ثم بعد هذا تثقفت بهذا التعاليم التي أخذت على عاتقي أن أنشرها من الآن فصاعداً، عارفاً من هو الله وما هي أعماله، أقدم نفس إليكم مستعداً لاختبار عقيدتي في حين ألتزم ثابتاً بأسلوب الحياة الذي بحسب الله”. (Ch. 42, ANF 2: 81/2).

 

ثانياً: الدياتسرون

إن أهم أعمال تاتيان هو “الدياتسرون”. وهو في حقيقته، عبارة عن توفيق بين الأناجيل الأربعة. ولقد أطلق عليه تاتيان عنوان “الذي من خلال الأربعة” لأنه ينسق فقرات من الأناجيل الأربعة معاُ ليؤلف منها رواية إنجيلية واحدة متواصلة. وقد كان هذا الكتاب لوقت طويل يستخدم رسمياً في ليتورجية الكنيسة السريانية، ولم تُستبدل به الأناجيل الأربعة القانونية قبل القرن الخامس الميلادي.

وقد كُتب الدياتسرون في أغلب الظن بعد عودة تاتيان إلى الشرق، وقد فقدت النسخة الأصلية، فيبقى السؤال قائماً إذا ما كان الدياتسرون قد جمع معاً باليونانية أم السريانية، إلا أن هناك من الأسباب ما يجعلنا نفترض أن تاتيان قد كتبه باليونانية ثم ترجمه بعد ذلك إلى السريانية.

ومؤخراً فقط اكتشف الأثريون الأمريكيون شذرة من نص الدياتسرون اليوناني، وهي تتكون من أربعة عشر سطراً وجدت أثناء الحفريات التي قامت بها جامعة “جون هوبكينز” (John Hopkins) في منطقة “دورا أيروبوس” بسوريا عام 1934، ومن الواضح أنها قد كُتبت قبل عام 1934، ومن الواضح انها قد كتبت قبل عام 254م. ويبدو أن وجود نص يوناني يعود إلى مثل هذا التاريخ المبكر يعزز من الرأي القائل بأن الدياتسرون قد كتب أصلاً باليونانية. ويمكننا أن نعيد تكوين النص كاملاً من الترجمات الباقية لدينا.

ولقد حفظ الدياتسرون في ترجمات عربية، ولاتينية، وفرنكونية متوسطة. علاوة على ذلك، ألف “أفرايم سايروس” (Ephrem Syrus) تفسيراً للدياتسرون في الفترة بين 360م و370م، وهو لا يزال في حوزتنا، وإن يكن ليس في نصه السرياني الأصلي، بل في ترجمة أرمنية تعود إلى القرن السادس الميلادي. وتوحي كل هذه الترجمات للدياتسرون بأن قد أثر بدرجة عالية على النصوص الإنجيلية الخاصة بالكنيسة كلها. ولقد نشأ نص الترجمة اللاتينية للدياتسرون في زمن مبكر، وهو يشكل المحاولة الأولى لتقديم الإنجيل باللغة اللاتينية.

وقد فقدت كل كتابات تاتيان الأخرى، وهناك ثلاثة منها قد ذكرت بواسطة المؤلف نفسه في الدفاع الذي كتبه، فالفصل الخامس عشر من هذا العمل يفترض مسبقاً أن تاتيان كان قد كتب فيما مضى مقالة بعنوان “عن الحيوان”، وفي الفصل السادس عشر يوضح أنه في مناسبة أخرى كتب عملاً عن الشياطين، ثم يعلن في الفصل الرابع عشر أنه بصدد كتابة عمل مستقبلي عن “هؤلاء الذين يتباحثون في الأمور الإلهية”. ويقتبس كليمندس السكندري في (Stromat. 3: 81: 1f) فقرة من مقالة تاتيان “عن الكمال بحسب وصايا المخلص”.

كذلك يقول رودون (Rhodon) إن معلمه تاتيان “قد أعد كتاباً عن المعضلات” أخذ فيه على عاتقه أن يبين ما كان مبهماً أو مخفياً في الكتب الإلهية، إضافة إلى ذلك، يقول يوسابيوس إن تاتيان: “قد جرؤ على أن يعيد صياغة بعض كلمات الرسول “بولس” ظناً منه أنه يصحح أسلوبه الأدبي” (Hist. Eccl. 4: 29: 6)

[1] المقصود هنا هو آدم. (المراجع)

تاتيان السوري Tatian the Syrian

أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

إن أقدم دفاع حفظ لنا هو ذلك الذي كتبه أرستيدس (Aristides) الأثيني. ولقد اتبع يوسابيوس الملاحظات التي أرودها بشأن كوادراتوس بالكلام التالي: “أرستيدس أيضاً، وهو رجل إيمان ومخلص لديانتنا، قد ترك مثل كوادراتس دفاعاً عن الإيمان وجهه إلى هادريان، وقد حُفظت كتاباته أيضاً بواسطة الكثيرين”. (Eccles Hist. 4: 3: 2). ومن فقرة أخرى ليوسابيوس نعرف أن أرستيدس كان فيلسوفاً من مدينة أثينا.

وقد اعتُبر عمل أرستيدس لوقت طويل في حكم المفقود، لكن العلماء قد فوجئوا بأن “رهبان سان لازارو المخيتاريين”[1] (Mechitarists) نشروا عام 1878م مخطوطاً يعود إلى القرن العاشر الميلادي، وهو عبارة عن شذرة أرمينية من عمل دفاعي يحمل العنوان التالي: “إلى الإمبراطور أدريانوس قيصر من الفيلسوف الأثيني أرستيدس”. ولقد قبل معظم العلماء هذه الشذرة باعتبار بقايا ترجمة أرمينية لدفاع أرستيدس الذي ذكره يوسابيوس، وقدر لهذا الرأي أن يحظى بالكثير من التأييد.

وفي عام 1889م، عثر العالم الأمريكي راندل هاريس على ترجمة سريانية كاملة لدفاع أرستيدس في دير القديسة كاترين بجبل سيناء. وقد ساعدت هذه الترجمة السريانية العالم (J. A. Robinson) على أن يثبت أن النص اليوناني للدفاع ليس فقط موجوداً، بل أنه قد حرر في بعض الأحيان ليأخذ شكل رواية دينية تدور حول “برلعام ويوآصاف”.

ومؤلف هذه الرواية، هو راهب من دير القديس سابا بفلسطين في القرن السابع الميلادي، يقدم دفاع أرستيدس باعتباره من قلم فيلسوف وثني يدافع عن المسيحية. ووصلنا النص في ثلاثة أشكال، وقد كُتبت رواية “برلعام ويوآصاف”، تلك التي نملكها باللغة اليونانية، حوالي عام 630م.

وكُتب مخطوط دير القديسة كاترين، الذي يحوي الترجمة السريانية، في وقت ما بين القرن السادس والقرن السابع الميلادي على أرجح التقديرات، لكن الترجمة نفسها تعود إلى حوالي عام 350م، ولم تكن الترجمة الأرمينية حينها قد اكتملت. كذلك نشر مؤخراً جزآن كبيران من النص اليوناني الأصلي – الفصل الخامس والسادس والفصل 15: 6 – 16: 1 من بردية المتحف البريطاني. ويمكننا أن نعيد تكوين النص الأصلي في خطوطه الرئيسية بمساعدة كل هذه المواد.

المحتوى

المقدمة تصف الله مستخدمة لغة رواقية[2] متطورة، وتخبرنا أيضاً بأن أرستيدس قد توصل إلى معرفة خالق وحافظ العالم من خلال تأمله في العالم وما فيه من تناغم. وبالرغم من أن كل التأملات والجدالات التي تدور حول الله هي ذات قيمة قليلة، إلا أنه من الممكن من خلالها على الأقل تحديد إلى حد ما بعض الصفات الإلهية سلبياً[3]. ويقول الكاتب إن المفهوم الواحد الحقيقي الوحيد، الذي تم اقتناؤه، سيعمل كوسيلة اختبار لصحة الديانات القديمة.

وهو يقسم الجنس البشري إلى أربعة أقسام من جهة الديانة: البرابرة، واليونانيين، واليهود، والمسيحيين. ولقد عَبد البرابرة العناصر الأربعة؛ السماء، والأرض، والماء، والنار، والرياح، والشمس، والقمر، وأخيراً الإنسان، ما هم جميعاً إلا خليقة الله، ومن ثم، لم يكن لهم أبداً الحق في الإكرام كآلهة. واليونانيين يعبدون آلهة، تلك التي بضعفها وتصرفاتها الشائنة تُثبت أنها قد تكون أي شيء غير أن تكون آلهة.

واليهود يستحقون الاحترام بسبب المفهوم الأنقى عن الطبيعة الإلهية، وأيضاً بسبب معاييرهم الأخلاقية الأسمى، لكنهم قد احترموا الملائكة أكثر من الله، واهتموا بمظاهر العبادة الخارجية مثل الختان، والصوم، وحفظ أيام الأعياد، أكثر من العبادة الحقيقية. المسيحيون فقط هم من يمتلكون الإعلان الوحيد الحقيقي عن الله، وهم “الوحيدون من بين كل أمم العالم الذين قد عرفوا الحق، لأنهم يعترفون بالله الخالق، صانع كل شيء في الابن الوحيد والروح القدس؛ ولا يشركون بعبادته أحداً”.

(فصل 15) وتظهر عبادة المسيحيين للإله الوحيد الحقيقي نفسها بشكل خاص في طهارة حياتهم، تلك التي يمدحها أرستيدس بأسمى المدائح: “إنهم يمتلكون وصايا الرب يسوع المسيح نفسه منقوشة على صفحة قلوبهم ويحفظونها. مترقبين قيامة الأموات والحياة في العالم الآتي. إنهم لا يزنون ولا يرتكبون الفاحشة، ولا يشهدون بالزور، ولا يشتهون مقتنيات غيرهم؛ يكرمون الأب والأم ويحبون جيرانهم؛ يحكمون بالحق ولا يفعلون بالآخرين ما لا يرغبون في أن يُفعل به.

إنهم يتوقون لصنع الخير بأعدائهم. إنهم متواضعون ولطفاء، يجتنبون العلاقات الجنسية غير الشرعية وكل نجاسة. إنهم لا يحتقرون الأرملة ولا يظلمون اليتيم، الغني بينهم يعطي الفقير بلا تقتير. وإذا رأوا غريباً أخذوه تحت سقفهم وفرحوا به كما لو كان أخاهم، لأنهم يدعون أنفسهم أخوة، ليس بحسب الجسد بل بحسب الروح. إنهم مستعدون ليضعوا حياتهم من أجل المسيح.

إنهم يحفظون وصاياه بلا أي انحراف، يعيشون حياة صالحة مقدسة كما أمرهم الرب إلههم، ويشكرونه كل ساعة من أجل كل الطعام والشراب والبركات الأخرى. من الواضح إذن أن هذا هو طريق الحق الذي يقود من يسافرون عليه إلى المملكة الأبدية التي وعد بها المسيح في الدهر الآتي”.

ودفاع أرستيدس محدود المجال، وأسلوبه الأدبي غير متكلف، وتعاليمه وحججه بسيطة. وبالرغم من بساطة هذا الدفاع، إلا أن لهجته متكبرة؛ فأرستيدس، كما لو كان يحتل منزلة أسمى، يستعرض الجنس البشري باعتباره وحدة مركبة، وهو متأثر جداً بالأهمية الكبرى التي للدين الجديد ورسالته.

كما أنه، بثقة مسيحية في النفس، يرى في القطيع الصغير من المؤمنين الشعب الجديد والجنس الجديد الذي سيقود العالم الفاسد ليخرج من مستنقع الفساد الأخلاقي: “الأمم الأخرى كلها تضل وتخدع نفسها، تسير في الظلام متخبطة في بعضها البعض كما السكارى (فصل 16) إني لا أتردد في أن أقول إن العالم مستمر في الوجود فقط بسبب تضرعات المسيحيين“.

 

[1] هم جماعة رهبان بينديكتين ينتمون إلى “الكنيسة الكاثوليكية الأرمينية” تأسست عام 1717م. وقد اشتهروا بسلسلة المنشورات العلمية من الإصدارات الأرمينية القديمة، والنصوص اليونانية القديمة والمفقودة، وأبحاثهم في اللغة الأرمينية الكلاسيكية والحديثة. (المراجع).

[2] أي تشبه فلسفة المدرسة الرواقية، وهي مدرسة فلسفية والتي تعتمد على تعاليم زينون الرواقي (333-264ق.م). واعتقد الفلاسفة الراقيون أن لكل الناس ادراكاً داخل أنفسهم، يربط كل واحد بكل الناس الآخرين وبالحق – الإله الذي يتحكم في العالم. أدى هذا الاعتقاد إلى قاعدة نظرية للكون، وهي فكرة أن الناس هم مواطنو العالم، وليس مواطني بلد واحد، أو منطقة معينة. قادت هذه النظرية أيضاً إلى الإيمان بقانون طبيعي يعلو على القانون المدني ويعطي معياً تقوم به قوانين الإنسان.

ورأى الرواقيون أن الناس يحققون أعظم خير لأنفسهم. ويبلغون السعادة باتباع الحق، وبتحرير أنفسهم من الانفعالات، وبالتركيز فقط على أشياء بوسعهم السيطرة عليها. وكان للفلاسفة الرواقيون أكبر الأثر في القانون والأخلاق والنظرية السياسية. على أنهم وضعوا أيضاً نظريات مهمة في المنطق، والمعرفة، والفلسفة الطبيعة. (المراجع).

[3] التعاليم اللاهوتية السلبية، أي التي تستخدم أسلوب النفي وهي مجرد نفي لما هو بشري مثل “غير المائت، غير المحدود، غير المدرك….” (المراجع).

أرستيدس الأثيني Aristides – الآباء المدافعون اليونانيون

أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

من أقيم مصادر المعلومات التي لدينا عن عصر الاضطهاد هي تلك الروايات التي تتحدث عن الآلام التي جازها الشهداء؛ والتي كانت تُقرأ للجماعات المسيحية في أثناء الخدمة الليتورجية التي تقام في الذكرى السنوية لاستشهاد الشهيد. وتنقسم تلك الروايات من وجهة النظر التاريخية إلى ثلاث مجموعات:

  1. المجموعة الأولى: وتتكون من محاضر المحاكمات الرسمية وهي لا تحتوي على أي شيء سوى الأسئلة التي واجهتها السُلطات إلى الشهداء، وإجاباتهم عليها كما سجلت بواسطة الموثقين القانونيين أو كُتاب المحكمة، وكذلك الأحكام التي نُطقت ضدهم. وقد كانت هذه الوثائق تحفظ في الأرشيف العام، وأحياناً كان المسيحيون ينجحون في الحصول على نسخ منها. ويجب أن يكون العنوان “أعمال الشهداء” مقصوراً على هذه المجموعة لا غيرها، لأنه هنا فقط توجد مصادر تاريخية مباشرة وموثوق منها، وترد المعلومات ببساطة وبتجرد.
  2. المجموعة الثانية: وتضم شهادات شهود العيان أو المعاصرين، ويُطلق على هذه الروايات عنوان “روايات الآلام” (Passiones) أو “روايات الاستشهاد” (Martyria).
  3. المجموعة الثالثة: وتحتوي على الأساطير التي تدور حول الشهداء والتي أُلفت لغرض تهذيبي وتعليمي بعد وقت طويل من حادثة الاستشهاد. وفي بعض الأحيان تكون هذه الأساطير عبارة عن خليط رائع من بعض الحقائق ومحتوى أسطوري صرف، والبعض الآخر ما هو إلا خيال بدون أي أساس تاريخي.

أولاً: ينتمي إلى المجموعة الأولى[1] كل من التالي:

  1. أعمال القديس يوستينوس ورفقائه: ولهذه الأعمال قيمة كبيرة، لأنها تحتوي على محضر جلسة المحكمة الرسمية التي أقيمت ضد أهم المدافعين اليونانيين، الفيلسوف يوستينوس الشهير. وكان يوستينوس قد ألقي في السجن ومعه ستة مسيحيين آخرين بأمر من الحاكم الروماني (Q. Junius Rusticus) في عهد الإمبراطور “ماركوس أوريليوس أنطونينوس” الفيلسوف الرواقي. وتتكون “أعمال يوستينوس ورفقائه” من مقدمة مختصرة جداً، يتبعها التحقيق مع الشهيد ورفقائه ثم الحكم الذي حكم به عليهم، ثم خاتمة قصيرة. ولقد كان منطوق الحكم الذي نطق به الوالي الروماني هو التالي: “ليُجلد هؤلاء الذين لا يضحون للآلهة ولا ينصاعون لأمر الإمبراطور، وليُساقوا لتقطع رؤوسهم وفقاً للقانون”. وقد استشهد القديس يوستينوس ورفقاؤه في مدينة روما عام 165م على أرجح الأقوال.
  2. أعمال شهداء سيليوم[2] في أفريقيا: وهي تشكل أقدم وثيقة في تاريخ الكنيسة الأفريقية، وهي في الوقت نفسه أقدم وثيقة مسيحية لدينا باللغة اللاتينية من شمال أفريقيا. أما من حيث المحتوى، فهي عبارة عن المحضر الرسمي لجلسة مُحاكمة كل من “نامفانو الذي من مادورا” (Namphano of Madaura) و”ميجن” (Miggin) و”سانام” (Sanam) وستة مسيحيين آخرين من “نوميديا”[3] (Nuimidi)، حُكم عليهم بالموت بواسطة القُنصل “ساتورنينوس” (Saturninus)، وقُطعت رؤوسهم بتاريخ 17 يوليو عام 180م. وبالإضافة إلى الأصل اللاتيني، لدينا ترجمة يونانية لهذه الأعمال.
  3. الأعمال الحكومية للقديس كبريانوس أسقف قرطاج: الذي استشهد يوم 14 سبتمبر 258م. وهي تعتمد على تقارير رسمية رُبطت معا بعبارات قليلة من قلم المحرر. وهي تتكون من ثلاث وثائق منفصلة تحتوي على: (1) المحاكمة الأولى التي حكمت بنفي كبريانوس إلى (Curubis). (2) القبض عليه والمحاكمة الثانية، ثم (3) عملية الإعدام. ولقد كانت شهادة القديس كبريانوس في عهد الإمبراطورين “فاليريان” (Valerian) و “جالينوس” (Gallienus).

ثانياً: ينتمي إلى المجموعة الثانية[4] كل من التالي:

  1. شهادة بوليكاريوس: وهي تعود إلى سنة 156م.
  2. رسالة كنائس فيينا وليون إلى كنائس آسيا وفريجية: وتعطي تلك الرسالة تقريراً مؤثراً عن آلام الشهداء الذين ماتوا في الاضطهاد العنيف الذي وقع على كنيسة ليون عام 177م أو 178م، والذي سجله يوسابيوس القيصري في (Hist. eccl. 51: 1-28). وتُعد تلك الرسالة واحدة من أكثر الوثائق التي تتكلم عن الاضطهادات إثارة للاهتمام، وهي لا تخفي أمر ارتداد بعض أعضاء الجماعة. ونجد من ضمن الشهداء الشجعان الأسقف “فوتينوس” (Photinus)، وذاك الذي “كان يتنفس بصعوبة لكونه تجاوز التسعين من عمره ومريضاً جداً، لكنه قد تقوى بحماس الروح الذي استمده من رغبته الملتهبة في الاستشهاد”؛ و”بلاندينا” (Blandina) الجديرة بالإعجاب، والتي كانت جارية ضعيفة ورقيقة عززت من شجاعة إخوتها بمثالها وكلامها؛ و”ماتوروس” (Maturus)، الذي كان مؤمناً جديداً ذا شجاعة مذهلة؛ و”سانكتوس” (Sanctus) الشماس من فيينا؛ و”أليكساندر” (Alexander) الطبيب؛ و”بونتيكوس” (Ponticus) الذي كان صبياً في الخامسة عشرة من العمر.

وتقول الرسالة عن بلاندينا: “إن المباركة بلاندينا، التي كانت آخرهم جميعاً، وشجعت أولادها مثل أم نبيلة وأرستلهم قبلها إلى الملك متوجين بالمجد، قد عادت لتخوض بنفسها كل المعارك التي خاضها أولادها، مسرعة إليهم، مبتهجة ومنتصرة في رحيلها كما لو كانت مدعوة إلى عشاء عرس لا إلى الطرح للوحوش المفترسة. وبعد الجلد، وبعد الجلد، وبعد الوحوش المفترسة، وبعد الحريق، طُرحت أخيراً في شبكة وأُلقيت أمام ثور. وبعد أن ظل الوحش يتقاذفها لوقت طويل وهي غير مدركة لما يحدث بسبب رجائها، وتمسكها بما تؤمن به، وشركتها مع المسيح، فاضت روحها أيضاً. إن الوثنيين أنفسهم يعترفون أنهم لم يروا قط امرأة تحملت آلاماً كثيرة هكذا أو عظمية هكذا”.

  1. آلام بيريتوا وفيليسيتاس: ويروي هذا العمل قصة استشهاد ثلاثة موعوظين هم: “ساتوروس” (Saturus)، و”ساتورنينوس” (Saturninus)، و”ريفوكاتوس” (Revocatus)، وشابتين هما: “فيبيا بيريتوا” (Vibia perpetua) ذات الاثنين والعشرين عاماً، والتي كانت “ذات نسب عريق، متعلمة جيداً، متزوجة زيجة كريمة، لديها أب وأم وأخان واحد منهما موعوظ مثلها، وابن رضيع على ثديها”، وجاريتها “فيليسيتاس” (Filicitas) التي كانت حبلى وقت القبض عليها ثم ولدت بنتاً قبل أن تموت في حلبة المصارعين بوقت قصير. وقد استشهدوا جميعاً في يوم 7 مارس 202م بمدينة قرطاج.

وتعد هذه الرواية واحدة من أجمل قطع الأدب المسيحي المبكر، كما أنها فريدة من حيث تأليفها، ذلك لأن الجزء الأكبر من الرواية (من الفصل 3 إلى الفصل 10) هو من مذكرات بيربتوا اليومية: “من الآن فلاحقاً ستروي هي نفسها قصة استشهادها وفقاً لما تركته هي مكتوباً بخط يدها وبحسب أفكارها”. (فصل 2) وكتب ستاوروس (أو ستافروس) الفصول من 11 إلى 13.

وهناك سبب يجعلنا نصدق أن كاتب الفصول الأخرى ومحرر العمل كله لم يكن إلا ترتليانوس الذي كان معاصراً لبيريتوا وأعظم كاتب في الكنيسة الأفريقية في ذلك الوقت، فتشابه العبارات وبناء الجُمل والكلمات بين عملي ترتليانوس: (Ad Martyres) و(De Patientia)، وآلام بيربتوا وفيليسيتاس” مُلفت للنظر. وقد كان الناس في زمن القديس أغسطينوس لا يزالوا يكنون احتراماً كبيراً لهذا العمل، حتى إن أغسطينوس كان مضطراً لتحذير مستمعيه ألا يضعوا هذا الكتاب على قدم المساواة مع الأسفار القانونية.

والعمل موجود في نص يوناني وآخر لاتيني، ويبدو أن النص اللاتيني هو الأصلي، لأنه يوحد بالنص اليوناني فقرات محُرفة وخاتمة مشوهة. ويعتقد (C. Van Beek) أن المؤلف الذي حرر قصة الآلام في اللاتينية هو نفسه الذي حررها في اليونانية، ولك الفقرات (21: 2) و(16: 3) تثبت أنه لا بد من أن يكون النص اللاتيني هو الأصلي، وأن النص اليوناني ما هو إلا ترجمة لاحقة له، لأن اللعب بالكلمات الموجود في هذه الفقرات لا يمكن فهمه إلا في اللاتينية.

ولمحتوى هذا العمل أهمية كبيرة في تاريخ الفكر المسيحي، خاصة أن الرؤى التي رأتها بيربتوا أثناء فترة سجنها ودونتها لها قيمة كبيرة في معرفة الأفكار الإسخاتولوجية التي اعتقد بها المسيحيون الأوائل، وتضرب رؤيا “دينوكراتس” (Dinocrates)، ورؤيا “السلم والتنين” أمثلة مدهشة على ذلك، وقد أطلق هذا العمل على الاستشهاد اسم “المعمودية الثانية” مرتين (18: 3 و21: 2)، وكذلك تظهر طقوس التناول في الرؤيا التي رأتها بيربتوا عن الراعي الصالح.

4 – أعمال القديسين كربوس وبابيلوس وأغاثونيس: وهي رواية أصيلة من قلم شاهد عيان على استشهاد “كربوس” (Carpus) و”بابيلوس” (Papylus) اللذين ماتا مشدودين إلى وتد في مسرح مدينة برغامس المدرج، واستشهاد أغاثونيس (Agathonice) التي كانت امرأة مسيحية ألقت بنفسها في النار. ويبدو أن العمل في صورته الحالية غير كامل، فالجزء الذي ذكر فيه صدور الحكم على أغاثونيس – كالشخصين الآخرين – مفقود، وذلك جعل أغاثونيس تبدو كما لو كانت قد ماتت منتحرة. وقد استشهد الثلاثة في عهد الإمبراطورين “ماركوس أوريليوس” و”لوسيوس فيروس” (161-169م). وقد كان هذا العمل لا يزال متداولاً في زمن يوسابيوس القيصري”[5].

5 – أعمال أبوللونيوس: ويعطي يوسابيوس القيصري في كتابه (Eccl. Hist. 5: 21: 2-5) ملخصاً لهذا الكتاب الذي ذكره ضمن ما جمعه من روايات الاستشهاد القديمة. وقد كان أبوللونيوس (Apollonius) فيلسوفاً متعلماً حوكم بواسطة بيرينيس (Perennis) حاكم دار الولاية بروما وقطعت رأسه في عهد الإمبراطور كومودوس (Commodus) (180-185م).

وتشبه الخُطب التي دافع بها أبوللونيوس عن إيمانه أمام بيرينيس كتابات المُدافعين في الحجج التي توردها، وهي في الغالب تعتمد على الإجابات التي أعطاها الفيلسوف في أعمال الولاية الرسمية. ويطلق (A. Harnack) على هذه الخطب “أبرز دفاع عن المسيحية وصلنا من العصور القديمة”.

وقد نشرت ترجمتان لهذا العمل، واحدة أرمينية نشرها كونيبير (Conybeare) عام 1893م، والثانية يونانية نشرها البولانديستيون[6] (The Bollandists) عام 1895م.

ثالثاً: ينتمي إلى المجموعة الثالثة كل من التالي:

  1. أعمال الشهداء الرومانيين: القديسة أجنس (Agnes)، والقديسه سيسيليا (Cecilia)، والقديسة فيليسيتاس (Filicitas) وأولادها السبع، والقديس هيبوليتس، والقديس لورانس (Lorandce)، والقديس سيكتوس، والقديس سباستيان (Sebastian)، والقديسون يوحنا، وبولس، وكوزماس (Cosma)، ودميان (Damian)؛ وأيضاً استشهاد القديس كليمندس واستشهاد القديس إغناطيوس. ولكن هذه الأعمال لا تُثبت بأي شكل من الأشكال وجود هؤلاء الشهداء من عدمه، لكنها تعني فقط أن هذه الوثائق لا يمكن استخدامها كمصادر تاريخية.
  2. المجموعات: لقد جمع يوسابيوس مجموعة من أعمال الشهداء في كتابه المعنون بـ “حول الشهداء القدامى” (On the Ancient Martyrs)، وقد فقد هذا المرجع المهم للأسف، لكن يوسابيوس لخص معظم هذه الأعمال في كتابه “تاريخ الكنيسة”. ومن ناحية أخرى، لدينا مقالته عن شهداء فلسطين، وهو تقرير عن ضحايا الاضطهادات التي وقعت بداية من سنة 303م إلى 311م، تلك التي كان شاهداً عليها باعتباره أسقفاً لقيصرية.
  3. جمع كاتب مجهول أعمال الشهداء الفرس الذين قتلوا في عهد سابور الثاني (Sabor II) (339-379م)، وهي موجودة لدينا باللغة السريانية التي كُتبت بها. ولقد وردت المحاكمات ومحاضر التحقيقات هنا بطريقة تشبه تقارير أعمال الشهداء الأصلية، أما “الأعمال السريانية لشهداء إديسا” فعبارة عن أساطير.

[1] هي التي تحتوي على محاضر وأحكام المحاكمات الرسمية للشهداء كما سجلت بواسطة الموثقين القانونيين.

[2] قرية صغيرة في نواحي قرطاج بشمال أفريقيا (المراجع)

[3] تقع شمال الجزائر الحالية (المراجع)

[4] وهي المجموعة التي تحتوي على شهادات شهود العيان أو المعاصرين.

[5] Hist. eccl. 4, 15, 48.

[6] البولانديستيون هم مجموعة من الرهبان اليسوعيين المقيمين في بلجيكا، وقد سموا باسم قائدهم “جان بولاند”، وهو راهب يسوعي عاش في القرن السابع عشر. وقد كلف الكرسي الرسولي البولانديستيين بمهمة جمع وتأليف مؤلف رسمي معتمد يضم سير القديسين، وهو ذلك المسمى بـ “Acta Sanctorum” (المراجع).

أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

بدايات الشعر المسيحي – بحث آبائي تاريخي موسع

بدايات الشعر المسيحي – بحث آبائي تاريخي موسع

بدايات الشعر المسيحي – بحث تاريخي موسع

بدايات الشعر المسيحي – بحث آبائي تاريخي موسع

1 – الترانيم المسيحية الأولى

كانت الترانيم واحدة من أهم عناصر العبادة المسيحية منذ بدايتها، فقد لعبت المزامير وتراتيل العهد القديم في الترجمة السبعينية دوراً هاماً في الليتورجيا المسيحية المبكرة. ولكن المسيحيين أيضاً قد صاغوا منذ وقت مبكر تراتيل مماثلة من تأليفهم، فيذكر بولس الرسول في (كو 3: 16) المزامير والتسابيح والأغاني الروحية.

ويحتوي العهد الجديد على عدد من هذه التراتيل، منها على سبيل المثال: تسبحة “تعظم نفسي الرب” (لو 1: 46)؛ وتسبحة “مبارك الرب إله إسرائيل” (لو 1: 68)؛ وتسبحة “المجد لله في الأعالي” (لو 2: 14)؛ وتسبحة “الآن تطلق عبدك بسلام” (لو 2: 29)، تلك التي لا تزال مستخدمه في عبادة الكنيسة.

وكذلك يتكلم سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي عن “ترنيمة جديدة” (رؤ 5: 9) يرنمها الأبرار في تمجيد الحمل، ومن الممكن هنا أن يكون الكاتب قد استوحى هذا من العبادة الكنسية في زمانه، فإن كان هذا صحيحاً، فهو إذن يمثل العبادة السماوية باعتبارها صدى العبادة الليتورجية هنا على الأرض.

وبالإضافة إلى هذه “الترنيمة الجديدة” هناك عدة تراتيل قصيرة في هذا السفر تعطينا فكرة عن طبيعة التراتيل المسيحية المبكرة ومحتواها (رؤ 1: 4-7، 8-11…إلخ). وبالطبع لم تكن هذه التراتيل تنتمي إلى ما يعتبره اليونانيون شعراً، حيث إنها لا تتبع وزناً شعرياً منتظماً. ولقد كُتبت تلك الترانيم بلغة احتفالية فخيمة وجُمل متوازية، لكنها مع ذلك كانت نثرية.

إلا أنه في القرن الثاني الميلادي، قام الغنوسيون، الذين كانوا على اتصال بالأدب الهيليني، بتأليف عدد ضخم من التراتيل الموزونة شعرياً لينشروا عقائدهم الخاصة. ونجد الكثير من تلك التراتيل في أسفار أعمال الرسل الأبوكريفية، نذكر منها على سبيل المثال الترتيلتين اللتين ذكرناهما من قبل: ترتيلة “النفس” التي وردت في “أعمال توما” والترتيلة التي رتلها المسيح مع رسله في “أعمال يوحنا”، أما أفضل مثال على هذه التراتيل الغنوسية فهي ترتيلة جماعة “الناسيين” (The Naassenes) التي سجلها هيبوليتوس في (Philos. 5: 10: 2).

ولم تكن مجرد محض صدفة أن يقوم كليمندس السكندري، الذي حاول التوفيق بين المسيحية والثقافة اليونانية وناضل في سبيل غنوسية[1] صحيحة، بتأليف ترتيلة موزونة تكريماً للمسيح. ويمكننا أن نجد تلك الترتيلة الموجهة إلى المسيح المخلص في خاتمة كتابه “المربي”، كليمندس يمجد المسيح هنا باعتباره: “ملك القديسين، كلمة الآب القدير، الرب الأعلى، رأس الحكمة ورئيسها، المعزي من كل حزن، ملك كل زمان ومكان، يسوع، مخلص جنسنا”. (ANF 11: 296).

وتعود ترتيلة المساء الشهيرة “أيها النور البهي” التي لا تزال مستخدمة في الخدمة المسائية، وليتورجية “القداسات السابق تقديسها”[2] بالكنيسة اليونانية، إلى القرن الثاني الميلادي: “أيها النور البهي، الذي للمجد المقدس الذي للآب الأبدي، يا يسوع المسيح، ها بعد أن بلغنا وقت غروب الشمس، ونظرنا أنوار المساء، نمجد الآب والابن، وروح الله القدوس، ينبغي علينا أن نمجدك، في كل الأوقات بترانيم مقدسة، يا ابن الله معطي الحياة لهذا يمجدك العالم”. (ANF 2: 298).

وفي عام 1922م عُثر في “أوكسيرنخوس”[3] (Oxyrhynchos) على شذرة تحتوي على ترتيلة مسيحية والعلامات الموسيقية الخاصة بها (Oxyrh. Pap. Vol. XV. no. 1786). ويبدو أن تلك الترتيلة تعود إلى نهاية القرن الثالث الميلادي، ولم يبق منها إلا كلمات قليلة هي: “لا يجدر بكل مخلوقات الله المجيدة أن تبقى صامتة وأن تغلبها النجوم اللامعة…. ينبغي على مياه الجداول ذات الحفيف أن تمجد الآب والابن والروح القدس”.

ويذكر يوسابيوس القيصري في كتابه “تاريخ الكنيسة” (7: 30: 10) أن بولس الساموساطي[4] قد اتهم بأنه قد أبطل التراتيل الموجهة ليسوع المسيح بحجة أنها حديثة وأن مؤلفيها رحال حديثون. وقد كانت هناك تراتيل أكثر وأكثر تُرتل حتى في المنازل لكي تحل محل التراتيل الموجهة إلى الآلهة الوثنية. وهكذا لعبت التراتيل دوراً مهماً ليس فقط في تطور الليتورجيا المسيحية، ولكن أيضاً في تطعيم الثقافة المحيطة بأفكار مسيحية.

 

2 – أناشيد سليمان

تعد هذه الأناشيد أهم اكتشاف في مجال الأدب المسيحي المبكر منذ اكتشاف الديداخي. ولقد عثر عليها “ريندل هاريس” (Rendel Harres) أثناء بحثه في مخطوطة سريانية عام 1905م. وبالرغم من أنها قد نشرت منذ وقت طويل (عام 1909)، إلا أنها منذ ذلك الحين لم تستطع كل المحاولات التي بُذلت تحديد هويتها بدقة.

صحيح أن بعض هذه الأناشيد الإثنين والأربعين تُفصح عن أفكار غنوسية[5]؛ إلا أنه لا يمكننا أن نصفها، ونحن متأكدون تماماً، بأنها “كتاب التراتيل الخاص بالجماعة الغنوسية”، حيث أنها تفتقد إلى الثنائية الغنوسية[6]. أما الأمر الذي يصعب الدفاع عنه بالأكثر، فهي الفكرة القائلة بأن هذه الأناشيد في شكلها الأصلي هي يهودية صرفة ولكن هناك شخصاً مسيحياً قد ألحق بها الكثير من الإضافات حوالي عام 100م. ولقد أعطى – المؤمنون بهذه الفكرة – سببين لاعتبار أناشيد سليمان أناشيد يهودية:

  1. في المخطوطة التي لدينا، وجدت هذه الأناشيد في تجاور مع “مزامير سليمان” (Psalms of Solomon) التي تعج قطعاً بالأفكار اليهودية.
  2. البرهان الثاني لغوي، فمؤلف “أناشيد سليمان” يستخدم أسلوباً مميزاً يذكرنا بقوة بالعهد القديم؛ فالجمل المتوازية، والأمثال، والرموز مُستخدمة بكثرة. لكن هذه الصفات يمكنها أن تفسر بسهولة على أساس الحقيقة القائلة بأنه من الواضح أن المؤلف قصد أن يقلد أسلوب المزامير ولغتها.

أما وحدة الأسلوب الأدبي التي تُظهرها تلك الأناشيد فهي برهان قاطع ضد أي فرضية بأنها ذات أصل يهودي مع إضافات مسيحية؛ إذ لا بد أن تكون من عمل مؤلف واحد بالرغم من أننا نجهل هويته. ولقد رُفضت الفكرة التي ترجح بارديصان كمؤلف، كذلك لا يمكننا أن ننسب تلك الأناشيد لإفراهاط الفارسي[7] أو إفرام السرياني[8]؛ هذا بالإضافة إلى أن التلميحات الكثيرة إلى عقيدة المعمودية وطقوسها لا يمكننا بسهولة أن تثبت أنها كانت ترانيم للمعمدين.

وكذلك لا توجد أسباب مقنعة تجعلنا نفترض أن تلك الأناشيد تعود إلى أصل مونتاني، فهي على الأرجح تُعبر حقيقة عن إيمان المسيحية الشرقية وآمالها. وهذا لا ينفي احتمالية أن تكون العناصر الأسطورية والفلسفة اليونانية قد أثرت على المؤلف إلى حد ما. وهناك إشارات قوية تدل على أن هذه الأناشيد قد كُتبت في القرن الثاني الميلادي، في النصف الأول منه على الأرجح، ولغتها الأصلية هي بالتأكيد اليونانية، لا العبرية ولا الآرامية، ولا السريانية.

وقد اكتشف “بوركيت” (Burkitt) مخطوطة أخرى لهذه الأناشيد تعود إلى القرن العاشر الميلادي ضمن المجموعة النيترية (Nitrian Collection) الموجودة بالمتحف البريطاني (Add. 14538). وتحتوي هذه الوثيقة على قدر من تلك الأناشيد أقل من الموجود بالمخطوطة التي نشرها “رينديل هاريس”، فهي تحتوي على أناشيد سليمان بداية من النشيد (17: 7) إلى النهاية. ولقد كان كل ما نعرفه عن أناشيد سليمان حتى العام 1909، هو التالي:

  1. يقتبس لاكتانتيوس[9] في (Instit IV. 123) اقتباساً واحداً منها هو (نشيد 19، 6).
  2. ذكر في النص المنحول باسم أثناسيوس “Synopsis Sacrae Scrpturae” ملخص الكتاب المقدس، وهو عبارة عن قائمة بالأسفار المقدسة تعود للقرن السادس الميلادي مع سرد لأسفار العهد القديم القانونية، وفيها نقرأ التالي: “هناك أيضاً أسفار أخرى تنتمي للعهد القديم، وهي لا تعتبر قانونية ولكنها تُقرأ للموعوظين…. المكابيين… مزامير سليمان وتراتيله…. (قصة) سوسنة”.
  3. كذلك هناك قائمة بالأسفار الكتابية في العمل المعنون بـ “The Stichometry” لمؤلفه “نيكيفوروس” (Nicephorous)، تعود في شكلها الحالي إلى حوالي عام 850م، ونجد “أناشيد سليمان” واردة بها على نحو مماثل.
  4. تستشهد المقالة الغنوسية “Pistis Sophia”[10] بالنص الكامل لخمسة من هذه الأناشيد. ويبدو أن الترجمة القبطية التي نجدها لهذا العمل، والترجمة السريانية التي نجدها في مخطوطة هاريس وبوركيت، تعتمدان على النص اليوناني الأصلي الذي فُقد.

 

محتوى أناشيد سليمان

تتسم هذه الأناشيد بالروح الصوفة السامية ويبدو أنها متأثرة بإنجيل القديس يوحنا. ومعظمها يحتوي على تسابيح عامة موجهة لله بلا أي وجود لأفكار لاهوتية أو جدلية. ومع ذلك، يحتوي بعضها على موضوعات عقائدية، مثل التجسد، النزول إلى الجحيم، وامتيازات النعمة الإلهية. فعلى سبيل المثال؛ يصف النشيد السابع التجسد: “مثل اندفاع الغضب على الاثم، هكذا يكون أيضاً اندفاع الفرح نحو المحبوب، إنه يأتي بثماره بلا أي عائق: إن فرحي هو الرب واندفاعي هو نحوه، هذا الطريق الذي أسلكه هو بلا عيب، لأن لي معيناً، هو الرب، لقد عرفني بنفسه بلا أي حفيظة وببساطته؛

إن لطفه جعل عظمته تتضع، لقد أصبح مثلي، حتى أقبله، لقد حسب كمثيل لي، حتى ألبسه، ولم أرتعد حينما رأيته، لأنه كان كريماً نحوي، لقد أصبح في مثل طبيعتي لكي أعرفه، وفي مثل شكلي، لكي لا أرتد عنه، أبو المعرفة هو كلمة المعرفة، إنه من خلق الحكمة، هو أحكم من خلائقه، وهو من خلقني، عندما لم أكن بعد، وعرف ما الذي علي أن أفعله، حينما أتيت إلى وجود لهذا رثى لحالي، في نعمته الغنية، ومنحني أن أطلب منه، وأن أنال – نصيباً – من ذبيحته، لأنه هو غير الفاسد، ملء الدهور وأبوها”.

والنشيد رقم 19 عبارة عن ترنيمة تمجد الحبل العذراوي وبالضبط كما في سفر “صعود إشعياء”[11] (XI. 14)، يشدد المزمور على أن الحبل العذراوي كان بلا ألم، وذلك في مقابلة واضحة مع حبل حواء: “لقد أمسك رحم العذراء به، وحبلت وولدت، وأصبحت العذراء أماً بمراحم عظيمة، تمخضت فولدت ابناً بلا ألم، وهذا لم يحدث من فراغ، ولم تطلب قابلة لأنه هو من ساعدها لتلد. لقد ولدت كان لو كانت رجلاً، بإرادتها الخاصة، ولدته جهاراً، ونالته بقوة عظيمة وأحبته في خلاص، وحرسته في لطف، وبينته في عظمة هليلويا.”

ويرنم النشيد رقم 12 عن اللوجوس: “لقد ملأني بكلمات الحق، حتى أبشر بالحق نفسه، ومثل فيضان الماء فاض الحق من فمي، فأظهرت شفتاي ثماره، لقد جعل معرفته تفيض بداخلي، لأن فم الرب هو “الكلمة” الحقيقي، وباب ضيائه، وقد أعطاه (الآب) العلي إلى عوالمه، تلك التي تفسر جماله، وتكرر التسبيح له، وتعترف بمشورته، وتُبشر بأفكاره، وتهذب خدامه، فَرقَّة “الكلمة” لا يمكن أن توصف، فكمثل نطقه هكذا رقته وسرعته في الاستجابة، وامتداده ليس له نهاية أو حد، وهو لا يفشل أبداً بل يبقى قائماً على الدوام.

وسر تنازله يعسر فهمه، وطريقه تحيطه الغيوم. وكما أن عمله لا ينقطع فهكذا آخرته تدوم. وهو النور وفجر الفكر، وبه تتكلم العوالم مع بعضها البعض، [تكلموا] في “الكلمة” هؤلاء الذين كانوا صامتين، ومنه خرج الحب والتناغم. وكلم الواحد منهم الآخر فيما يخصهم، ونطق بما أعطاهم “الكلمة”، وعرفوا ذاك الذي صنعهم، بسبب أنهم كانوا متناغمين، لأن فم العلي قد تكلم إليهم، وبواسطته أسرع التفسير إليهم، لأن مكان سكنى “الكلمة” هو الإنسان، وحقه هو المحبة، مباركون هم هؤلاء الذين بواسطته فهموا كل شيء، وعرفوا الرب في حقه. هليلويا”.

ويعطي النشيد رقم 28 وصفاً شعرياً لآلام المسيح يذكرنا في بعض المواضع بلغة الكتاب المقدس: “لقد تعجب مني هؤلاء الذي نظروني، لأن كنت مضطهداً وظنوا إني قد ابتُلعت، لأني قد بدوت لهم كواحد من الهالكين، وقد صار لي ضيقي خلاصاً، لقد صرت محل استهجانهم، لأنه لم يكن في حسد، ولأني صنعت الخير لكل إنسان، صرت مكروهاً واكتنفوني كمثل كلاب غاضبة، تهاجم سيدها بجهل.

ففكرهم فاسد وفهمهم مُنحرف، لكني كنت أحمل المياه في يدي اليمنى واحتملت مرارتهم بحلاوتي، سعوا إلى موتي لكنهم لم يجدوه، لأني كنت أقدم مما تصل إليه ذاكرتهم، باطلاً ألقوا علي قرعة باطلاً طلب هؤلاء الذين كانوا خلفي، أن يدمروا ذكرى ذاك الذي كان قبلهم، لأنه لا شيء يتقدم على فكر العلي، وقلبه يسمو على كل حكمة. هليلويا”

ويدور النشيد رقم 42 عن موضوع قيامة المسيح والانتصار الذي أحرزه في الجحيم. ولقد كانت صرخات الأرواح التي في العالم السفلي إلى المخلص ليخلصهم من الموت والظلمة، تلك التي جاء ذكرها في نهاية النشيد، ملفتة للنظر على نحو خاص. “لقد بسطت يدي واقتربت من ربي، لأن بسط يدي هو علامته التي نصبها في طريق الصديق، أصبحت بلا اعتبار عند هؤلاء الذين لم يتمسكوا بي، وسأبقى مع هؤلاء الذين يحبونني، كل مضطهدي قد ماتوا، وطلبني هؤلاء الذين وضعوا رجاءهم فيّ لأني حي، لقد قمت وها أنا معهم.

وسأتكلم بأفواههم، لأنهم قد نبذوا هؤلاء الذين اضطهدوهم، وحملتهم نير محبتي، ومثل ذراع العريس على العروس، هكذا كان نيري على هؤلاء الذين يعرفونني، ومثل الفراش المبسوط في بيت العريس والعروس، هكذا أيضاً حبي [مبسوط] على المؤمنين بي، ولم أُرفض رغم أني قد حُسبت كذلك، لم أهلك رغم أنهم دبروا هذا ضدي، لقد نظرني الجحيم وصار يائساً، ولقد لفظني الموت والكثيرون معي، لقد كنت له مراً وحنظلاً، فنزلت معه إلى أعمق أعماقه.

وأفلت رجلي ورأسي، لأنه لم يقدر أن يتحمل وجهي، وجمعت جماعة من الرجال الأحياء من بين رجاله الأموات، وتكلمت معهم بشفاه حية، لأن كلمتي ليس باطلة، وقد هرع إلي هؤلاء الذين ماتوا، وصرخوا قائلين: يا ابن الله ارحمنا، واصنع معنا حسب لطفك وافتدينا من قيود الظلمة، وافتح لنا الباب الذي من خلاله نأتي إليك اسمح لنا أيضاً أن نخلص معك، فسمعت صوتهم، وختمت باسمي على رؤوسهم، لأنهم رجال أحرار وهم لي. هليلويا.”

 

3 – النبؤات المسيحية السيبلية

كان هناك تحت الاسم الخيالي “سيبل” (Sibyl) أربعة عشر كتاباً من الشعر التعليمي المكتوب بطريقة السداسيات، كُتبت معظمها في القرن الثاني الميلادي. وكان مؤلفو هذه الكتب مسيحيين شرقيين استخدموا الكتابات اليهودية كمادة رئيسية، حيث تبنى اليهود الهيلينيون[12] منذ وقت مبكر كالقرن الثاني قبل الميلاد، فكرة “السيبلة” أو “العرافة” الوثنية، وذلك بهدف الدعاية للديانة اليهودية في الدوائر الوثنية.

ومن الممكن أن يكون هؤلاء اليهود قد أدخلوا نبوات وثنية مثل “أقوال عرافة إيريثريا”[13] (Sayings of the Sibyl of Erythraea) إلى كتابتهم. وقد قادت هذه الرغبة نفسها في الدعاية للمسيحية الكتاب المسيحيين ليكتبوا تلك النبوات السيبلية التي ترجع للقرن الثاني الميلادي.

والعمل في شكله الحالي عبارة عن تجميع لخليط من المواد الوثنية، واليهودية، والمسيحية ذات السمات التاريخية والسياسية والدينية. ويعود الكتاب السادس والسابع وأجزاء كبيرة من الكتاب الثامن إلى أصل مسيحي صرف؛ ومن المرجح أيضاً أن يكون الأمر نفسه صحيحاً بالنسبة للكتاب الثالث عشر والكتاب الرابع عشر. كما يبدو أن الكتب الأول والثاني والخامس تعود إلى أصول يهودية، لكنها تحتوي على إضافات مسيحية، ولم يُكتشف الكتابان التاسع والعاشر حتى الآن.

وقد اكتشف الكاردينال (A. Mai) الكتابين الحادي عشر والرابع عشر عام 1817م. ويحتوي الكتاب السادس على ترنيمة تكريم للمسيح، وقد وردت بها نبوات عن المعجزات المذكورة في الأناجيل القانونية وكأنها ستحدث في المستقبل، وفي النهاية تُعلن الترنيمة عن صعود صليب المخلص إلى السماء. ويتنبأ الكتاب السابع – المكون من 162 عدداً – بالنوائب والمصائب ضد الأمم والمدن الوثنية ويعطي صورة عن النهاية للزمن برمته.

ومحتوى الكتاب الثامن إسخاتولوجي (أخروي) ويمتلئ الجزء الأول منه – من العدد 1 إلى 216 – بالكراهية واللعنات الموجهة ضد مدينة روما، كما أنه يشير إلى هادريان (الإمبراطور) وخلفائه الثلاثة: بيوس (Pius)، ولوسيوس فيروس (Lucius Verus)، وماركوس (Marcus). وهذا يثبت أنه ولا بد من أن هذا الجزء قد كُتب قبل عام 180م، بواسطة كاتب يهودي على الأرجح.

أما باقي الكتاب فذو طابع مسيحي، ويمكننا أن نجد هنا الشعار الشهير [14] – يسوع المسيح ابن الله المخلص – الذي يشير إليه كل من قسطنطين (Ad Coetum Sanctorum: 18) وأغسطينوس (De Civ. Dei. 18: 23). وبعد الوصف الإسخاتولوجي، تأتي فقرات تتكلم عن طبيعة الله والمسيح، والميلاد العذراوي، وعبادة المسيحين.

ويبدو أن المسيحيين قد استخدموا “العرافة السيبلية” تلك في وقت مبكر كالقرن الثاني الميلادي، لأن كيلسوس (Celsus)، في حوالي عام 177-178م، تكبد الكثير من المشقة ليبين أن المسيحيين قد دسوا في هذه النبوات ما ليس منها[15]، ويرفض لاكتانتيوس الذي عاش في القرن الرابع الميلادي هذه الفكرة، وهو يقتبس بعضاً من أقوال الكتاب المسيحيين باعتباره من نبوءات عرافة إيريثريا، ويضعها على قدم المساواة مع أقوال أنبياء العهد القديم.

وقد كانت لهذه النبوءات السيبلية مكانة كبيرة في القرون الوسطى، فتأثر بها لاهوتيون مثل توما الأكويني (Thomas Aquinas)، وشعراء مثل دانتي وكالديرون (Calderon)، كما ان فنانين مثل رافايل (Raffael) ومايكل أنجلو (Michael Angelo) فنان كنيسة سيستين[16] قد استوحوا محتوياتها في فنهم. وقد استشهدت الترتيلة المعروفة باسم (Dies Irae) بالأقوال السيبلية جنباً إلى جنب مع أقوال النبي داود، وذلك في معرض وصفها ليوم الدينونة.

 

4 – أقوال سيكستوس

إن ما يُعرف “بأقوال سيكستوس” هي مجموعة من الجمل الأخلاقية الوثنية والقوانين الحياتية المنسوبة إلى الفيلسوف الفيثاغورثي سيكستوس (Sextus)، وقد قام كاتب مسيحي (من الإسكندرية؟) بتنقيحها في القرن الثاني الميلادي.

وكان أوريجينوس هو أول من ذكر هذه الأقوال، ففي كتابه “ضد كيلسوس” (8: 30) ويذكر: “قول جميل مذكور في كتابات سيكستوس معروف لمعظم المسيحيين هو “إن أكل لحوم الحيوانات أمر لا يستحق الالتفات إليه؛ ولكن اجتنابه أكثر اتفاقاً مع العقل”.

ولقد ترجم روفينوس 451 قولاً من هذه الأقوال من هذه الأقوال من اليونانية إلى اللاتينية. ويقول روفينوس في مقدمة ترجمته اللاتينية إن الفيلسوف الفيثاغورثي سيكستوس هو نفسه الأسقف الروماني والشهيد سكيستوس الثاني (257-258م) وذلك بلا أي دليل يؤكد قوله هذا، ولكن جيروم قد أبدى اعتراضه بشدة على هذا الخطأ الفادح[17].

وكان للأفكار الأفلاطونية الخاصة بالتقنية والاستنارة والتأليه وكذلك المفهوم الأفلاطوني عن الله، تأثيرها على غالبية تلك الأقوال، فكان هناك نصح بالاعتدال في الطعام والشراب والنوم؛ والزواج ليس بمستحب. والحقيقة أن الكثير من تلك الأقوال يذكرنا بفلسفة الحياة عند كليمندس، ومن المحتمل أن يكون هو المؤلف المسيحي الذي قام بمراجعة تلك الأقوال.

5 – الشعر المسيحي على شواهد القبور

استخدم الشعر المسيحي أيضاً منذ وقت مبكر في نقوش شواهد القبور، ولدينا منها مميزتان بسبب قدمهما وأهميتهما.

نقش أبيركيوس

إن نقس قبر “أبيركيوس” هو سيد النقوش المسيحية المبكرة قاطبة، ولقد اكتشف العالم الأثري راماسي (W. Ramasay)، من جامعة “أبردين” (Aberdeen) باستكتلندا، شذرتين من هذا النقش عام 1883م، وذلك بالقرب من مدينة “هيرابوليس” بمقاطعة “فيرجيا سالتوتاريس”، وهما الآن في متحف “لاتيران” (Lateran Museum).

وكان راماسي قد اكتشف نقوش قبر “ألكسندر” المسيحية، التي ترجع لحوالي عام 216م، قبل عام واحد من اكتشافه لنقوش أبيركيوس، ولم تكن هذه سوى تقليد لنقوش أبريكوس. وبمساعدة نقوش قبر ألكسندر، وسيرة أبيركيوس اليونانية التي ترجع للقرن الرابع والتي نشرها (Boissonade) عام 1838م، أصبح من الممكن استعادة النص الكامل للنقش.

ويتكون النقش من 22 بيتاً من الشعر المقفى، و20 سداسية. أما بالنسبة لمحتواه، فهو عبارة عن ملخص لحياة أبيركيوس وأعماله. وقد كُتب النص في نهاية القرن الثاني الميلادي، بالتأكيد قبل عام 216م؛ وهو التاريخ الذي كتبت فيه نقوش قبر ألكسندر. أما كاتب هذا النقش فهو أبيركيوس أسقف هيرابوليس، وقد كتبه وهو في الثانية والسبعين من عمره، ولقد كانت أعظم أحداث حياته هو سفره إلى مدينة روما، تلك الرحلة التي يحكي لنا عنها في نقشه.

وقد كُتب النقش بأسلوب صوفي رمزي، بحسب ما تقتضي قواعد السرية، وذلك بهدف إخفاء طبيعتها المسيحية عن أعين غير المسيحيين. ولقد كان أسلوب هذه النقوش الرمزي سبباً في الخلاف الحاد الذي تبع اكتشاف هذا الأثر، فقد حاول عدة علماء، مثل (G. Ficker) و(A. Dieterich)، أن يثبتوا أن أبيركيوس لم يكن مسيحياً، بل عابداً للإلهية الفيريجية “سيبيل”[18] (Cybele)، أما (A. Garnack) فقد لقبه بـ “الجامع بين مختلف الديانات”، وبالرغم من ذلك، استطاع (De Rossi) و(Duchesne) و(Cumont) و(Dolger) و(Abel) أن يثبتوا أن كلاً من محتوى هذا النقش ولغته تثبت بلا أي شك أنه يعود إلى أصل مسيحي.

وترجمة النص هي كالتالي:

“1. قمت أنا، مواطن المدينة العظيمة، ببناء هذا القبر؛ 2. في حياتي، حتى يكون لجسدي هنا مكان لراحته؛ 3. أبيركيوس هو اسمي، وأنا تلميذ للراعي الطاهر؛ 4. إنه يطعم قطعانه من الخراف على الجبال والسهول؛ 5. إنه هو من يمتلك عيوناً عظيمة تراقب جميع الجوانب؛ 6. لقد علّمني… الكتابات الصحيحة؛ 7. لقد أرسلني إلى روما لأنظر المملكة؛ 8. ولأرى ملكة ذات معطف ذهبي وحذاء ذهبي؛ 9. هناك رأيت قوماً يحملون ختماً جليلاً؛ 10. ورأيت سهل سوريا والمدن كلها حتى نصيبين؛ 11. بعد أن عبرت نهر الفرات، وكل مكان لي فيه رفقاء؛ 12.

واصطحبت بولس كمرافق، يقودنا الإيمان في كل مكان؛ 13. ووضعت أمامي كطعام، السمكة التي من النبع؛ 14. إنها قوية وطاهرة؛ تلك (السمكة) التي أمسكت بها العذراء التي بلا عيب؛ 15. وأعطيتها للأصدقاء ليأكلوا منها دائماً؛ 16. وبعد أن أحضرت نبيذاً حلواً وقدمت كأساً ممزوجة مع خبز؛ 17. أمرت أنا أبيركيوس أن تُنقش هذه الكلمات بينما أنا واقف على مقربة؛ 18. في الحقيقة، لقد كنت في الثانية والسبعين من عمري؛ 19. ليصلي من أجل أبيركيوس كل من يفهم ويصدق هذا؛ 21. وإذا فعل أحد هذا، عليه أن يدفع لخزينة الدولة الرومانية مائتي قطعة ذهبية؛ 22. وأن يدفع لمدينتي الحبيبة هيرابوليس ألف قطعة ذهبية”.

والأهمية اللاهوتية لهذا النص بادية الوضوح، فالنقش يُعد أقدم شاهد حجري يذكر الإفخارسيتا. كما أن الراعي الطاهر الذي يدعو أبيركيوس نفسه هنا تلميذاً له هو المسيح، وقد أرسله إلى روما ليرى الكنيسة “الملكة ذات المعطف الذهبي والحذاء الذهبي” والمسيحيين “الشعب ذو الختم الجليل”، وقد كان مصطلح “ختم” كإشارة إلى المعمودية، مشهوراً في القرن الثاني الميلادي.

ويلقي أبيركيوس، أثناء رحلته إلى روما، بشركاء له في الإيمان يقدمون له الإفخارستيا تحت الشكلين: الخبز والخمر. والسمكة القوية والطاهرة التي من النبع هي المسيح، والذي يدل عليه الشعار كما أن العذراء التي بلا عيب التي أمسكت بالسمكة حسب لغة ذلك العصر، هي العذراء مريم التي حبلت بالمخلص.

نقش بيكتوريوس

وجد نقش “بيكتوريوس” (Pectorius) عام 1830م في سبع شذرات بمقبرة مسيحية قديمة ليست بعيدة عن مدينة (Autun) بجنوب فرنسا. وقد كان الكاردينال (J. P. Pitra) هو أول من نشره، وأرجعه مع (G. B. De Rossi) إلى بداية القرن الثاني الميلادي، وذلك في حين ظن (E. Le Blant) و(J. Wilpwert) أنه يعود إلى نهاية القرن الثالث الميلادي، فتكوينه وشكل الحروف المكتوب بها يشير إلى الفترة ما بين 350-400م، لكن الأسلوب الإنشائي الذي كتب به يشبه بالضبط الأسلوب الإنشائي الذي كتب به نقش أبيركيوس من نهاية القرن الثاني الميلادي.

والنقش عبارة عن قصيدة شعرية جميلة مكونة من ثلاثة دوابيت وخمس سداسيات، وقد ارتبطت الأبيات الخمسة الأولى منها معاً بواسطة الشعار أما بالنسبة لمحتوى القصيدة، فهي مكونة من قسمين: القسم الأول يضم الأبيات من الأول إلى السابع، وهو ذو طابع تعليمي ويخاطب القارئ. تُسمى المعمودية فيه “نبع الماء الإلهي الخالد”، ويُشار إلى الإفخارستيا هنا باعتبارها “الطعام الحلو كالعسل الذي لمخلص القديسين”.

كما أن الطقس المسيحي القديم الخاص بتناول الإفخارستيا باليد يُفسر كلمات القصيدة القائلة: “حاملاً السمكة في يديل”، ويُلقب المسيح هنا بـ “النور – الذي ينير – للموتى”. أما القسم الثاني، والذي يضم آخر أربعة أبيات، فهو شخصي أكثر، فهنا يصلي بيكتوريوس من أجل والدته، ويسأل أبوية الراحلين وإخوته أن يذكروه “في سلام السمكة”. ومن الممكن جداً أن يكون القسم الأول مقتبس من قصيدة شعرية أقدم بكثير، وهذا سيفسر سبب تشابه لغة هذا النقش مع لغة نقش أبيركيوس.

أما نص النقش فهو كما يلي: “انت الابن الإلهي للسمكة السماوية، احفظ روحك طاهرة بين الفانين، لأنك قد نلت ما هو خالد، نبع الماء الإلهي، يا صديقي، أنعش روحك بماء الحكمة الغنية الذي ينبع أبداً. خذ من مخلص القديسين طعاماً حلواً كالعسل، كل بفرح وشهية، حاملاً السمكة في يديك، أصلي أن تُمنح السمكة، والرب، والمخلص طعاماً لك لترقد أمي في سلام، لذا أصلي إليك يا من هو النور الذي ينير للموتى يا أبي أشانديوس، حبيب قلبي مع أمي الحلوة وإخوتي، اذكروا بيكتوريوس خاصتكم في سلام السمكة”.

 

[1] كلمة “غنوسية” هنا لا تعني الهرطقة الغنوسية ولكنها تأتي بمعناها اللغوي أي “المعرفة” الصحيحة. (المراجع)

[2] هي خدمة تناول القداسات التي تم تقديسها وتكريسها في قداس سابق عند الكنيسة البيزنطية، لأن هناك بعض الأيام المحددة يرون أنه لا يجب ليتورجيا أن يتم فيها إقامة قداس. ) (المرجع).

[3] تقع آثار هذه المدينة غرب مجرى نهر النيل، على مسافة نحو مائة وستين كيلو متراً من جنوب غرب القاهرة بمصر العليا، على قناة يوسف المعروفة باسم (بحر يوسف) بالقرب من مدينة البهنسا الحالية. انظر الآب بولا ساويرس، التاريخ الرهباني في أواخر القرن الرابع الميلادي، مركز باناريون للتراث الآبائي، 2013م، ص 106، 217. (المراحع).

[4] أصبح أسقفاً لأنطاكية سنة 260م عن طريق المكر والدهاء، لم يكن له استقامة الفكر والإيمان. ادعى بولس الساموساطي بأن العذراء ولدت يسوع الإنسان ثم حل عليه كلمة الله عند ولادته فصار إلهاً وعند آلامه فارقه كلمة الله. ونادى بأن يسوع المسيح أقنومين، وهو يمثل ابنين لله، أحدهما بالطبيعة (كلمة الله) والآخر بالتبني (يسوع).

وأنكر بولس الساموساطي أقنومية شخص اللوغوس وشخص الروح القدس في الثالوث القدوس إنما هما مجرد قوى من قوى الله مثل قوى العقل والفكر بالنسبة للإنسان. وبسبب انحرافاته الإيمانية عقد له مجمع في أنطاكية سنة 268م أو 269م وحكم بإدانته. (المراجع).

[5] انظر نشيد 19 ونشيد 35.

[6] انظر نشيد 7: 20؛ 16: 10.

[7] ولد في أواخر القرن الثالث أو بداية القرن الرابع الميلادي ببلاد فارس، وكان والداه من سلالة المجوس عبدة الأوثان، أما هو فمنذ صبوته لم يسترح لفكر آبائه وحياتهم المملوءة بالرجاسات. والتقى وهو في سن الرشد ببعض المسيحيين، وتلامس مع محبتهم ووداعتهم وعفتهم فسألهم عن إيمانهم، فتحدثوا معه عن محبة الله الفائقة وعمله الخلاصي فقبل الإيمان بفرح شديد واعتمد ودعي يعقوب إما في عماده أو رهبنته أو سيامته أسقفاً، مما سبب خلطاً بينه وبين يعقوب من نصيبين المتوفى سنة 338م.

ورأى أفراهاط أن يترك بلده ويذهب إلى أديسا (الرها) فيما بين النهرين ليتشدد بإيمان المسيحيين هناك. وإذ كان يميل لحياة الوحدة سكن في مكان قريب من المدينة، يمارس حياة العبادة النسكية، ففاحت فيه رائحة المسيح الذكية وجاء الكثيرون يسترشدون به ويطلبون صلواته. وبعد فترة ذهب إلى أنطاكية وقاوم الأريوسية. ويبدو أنه كان اسقفاً، كما يظهر من حديثه الذي وجهه إلى الرعاة (مقال 14)، وعرضه للإيمان في مقالاته كما كان يفعل الأساقفة في ذلك الحين.

وقد عاصر بعض الاضطهادات الشديدة في عصر أنثيموس والي أنطاكية،و الملك فالنس، وتنيح عام 345م، وتعيد له الكنيسة اليونانية في 29 يناير، والكنيسة اللاتينية في 7 أبريل (انظر القمص تادرس يعقوب ملطي، القديس أفرهاط، كنيسة الشهيد العظيم مار جرجس باسبورتنج، 2003). (المراجع)

[8] ولد حوالي عام 306م في مدينة نصيبين إحدى مدن بلاد ما بين النهرين من أبوين مسيحيين. وقد التصق بالقديس مار يعقوب أسقف نصيبين، ويقال إنه صحبه معه في مجمع نيقية عام 325م. وبعد موت مار يعقوب بقي مار إفرام ملتصقاً بثلاثة الأساقفة خلفائه على الكرسي، ربما كرئيس للمدرسة التابعة للكرسي. وقد تظاهر بالجنون في بعض الأوقات ليهرب من الأسقفية حينما حاول القديس باسيليوس سيامته أسقفاً على أحد أقاليم ابيارشيته.

وكانت دموعه لم تجف قط حعى حسبها القديس غريغوريوس أسقف نيصص ظاهرة طبيعية كما لا يتوقف التنفس في حياة الإنسان. وكانت محبته الفائقة للفقراء وحنوه وشبعه الروحي يعطي لشخصيته جاذبية عجيبة، حتى قال القديس غريغوريوس النيصي عنه إنه شابه الملائكة الذين بلا جسم مادي وبلا هم في حياتهم! وقد أغنى المكتبة المسيحية بكتاباته المنظومة شعراً وأيضاً المنثورة، وهي لا تقل عن ثلاثة ملايين من الأسطر، ضمت شرحاً للأسفار المقدسة كلها، وموضوعات الجدل الديني، وبعض مقالات ورسائل مع ميامر وتسابيح، وقد فقد بعضها. (المراجع).

[9] تحدث جيروم في كتابه “مشاهير الرجال”، وذكر أن أفريقيا لم تكن فقط مهد تدريبه في علوم البلاغة، بل كانت أيضاً مكان ميلاد أول أعماله – والتي فقدت – وهي “الوليمة” والتي كتبها عندما كان شاباً صغيراً. وله أيضاً عدة كتابات منها (صنعة الله، والمخلص، والمضطهدون، القوانين الإلهية، غضب الله….). (المراجع).

[10] مخطوط غنوسي وجد خارج مجموعة نجع حمادي يرجع تاريخه للقرن الرابع الميلادي، وهو يتضمن مجموعة من الحوارات بين المسيح وتلاميذه من الرجال والنساء. (المراجع)

[11] هذا سفر من الأسفار المنحولة نتج عن مزج ثلاثة كتب معاً وهي: (1) استشهاد إشعياء وهو من أصل يهودي ويرجح أنه كتب باللغة الآرامية في القرن الأول قبل الميلاد. (2) وصية حزقيا. (3) رؤيا إشعياء. وهذان الأخيران يرجعان إلى أصل مسيحي وقد كتبا باللغة اليونانية في القرن الثاني للميلاد. والسفر بأكمله موجود الآن في الترجمة الحبشية وتوجد كذلك أجزاء منه في اللغة اليونانية واللاتينية. (المراجع)

[12] اليهودية الهيلينية هي شكل من أشكال اليهودية التي ظهرت بعد العودة من السبي. وقد جمعت اليهودية الهلينية التقليد الديني اليهودي مع عناصر من الثقافة اليونانية، وقد كانت الإسكندرية وأنطاكية المركزين الرئيسين لليهودية الهيلينية، وكذلك أيضاً وجدت اليهودية الهيلينية في أورشليم أثناء فترة الهيكل الثاني، حيث كان هناك صراع بين “اليهود الهلينين” الصدوقيين و”اليهود التقليديين” الفريسيين.

وقد أثرت الهلينية على الإيمان اليهودي ولا سيما على طائفة الصدوقيين، فمثلاً نجد أنهم لا يؤمنون بالقيامة ولا يؤمنون بالعهد القديم كله فالتوراة هي فقط الكتاب المعتمد لديهم. وتعتبر الترجمة السبعينية لنصوص العهد القديم العبرانية والآرامية إلى اللغة اليونانية هي أبرز إنتاج ظهر نتيجة الاتصال بين يهودية الهيكل الثاني والثقافة اليونانية. وقد بدأ انحصار اليهودية الهيلينية في القرن الثاني الميلادي لأسباب ظلت إلى الوقت الحالي غير مفهومة بالكامل، وربما لأنها أخيراً قد تم تهميشها، أو امتصاصها جزئياً. (المراجع).

[13] هي أقوال عرافة إيريترية كانت تعيش في بلدة إيونيا مقابل إقليم خيوس، وتنبأت بأن اليونانيين سينهزمون الطرواديين وسيدمرون مدينة طروادة، وتنبأت أيضاً بأن هيرودس سيكتب أشعاره. (المراجع)

[14] ترد كلمة هنا عند كوستن في هذا النص، في حين لا ترد في نصوص أخرى.

[15] انظر كتاب العلامة أوريجانوس في الرد على كيلسوس (فصل 7: 53).

[16] هي أكبر كنيسة موجودة في الفاتيكان. وتشتهر الكنيسة بمعمارها الفريد، وتشهر بلوحاتها الجدارية التي رسمت بأيدي فنانين عصر النهضة. (المراجع)

[17] Comm. In. Ez. Ad 18: 5ff., Comm. In. Jr. ad 22: 24ff., Ep. 133, ad Ctesiph., 3.

[18] سيبيل هي إلهة الطبيعة والخصب. ولأنها كانت راعية الجبال والحصون، لذلك كان تاجها مصمماً على شكل سور مدينة. وكانت عبادة سيبيل يقودها كهنة خصيان يطلق عليهم اسم “الكوريبانتيون” Corybantes، وقد كان هؤلاء يقودون عبدة سيبيل في طقوس ماجنة مصحوبة بصرخات وموسيقا محمومة من آلات موسيقية مثل المزمار والطبل والصنوج. (المراجع)

بدايات الشعر المسيحي – بحث آبائي تاريخي موسع

أدب العهد الجديد الأبوكريفي – 5- رسائل الرسل الأبوكريفية

أدب العهد الجديد الأبوكريفي – 5- رسائل الرسل الأبوكريفية

أدب العهد الجديد الأبوكريفي – 5- رسائل الرسل الأبوكريفية

أدب العهد الجديد الأبوكريفي – 5- رسائل الرسل الأبوكريفية

1 – رسالة الرسل

إن “رسالة الرسل” هي أهم الرسائل الأبوكريفية وأقيمها من الناحية التاريخية، وقد نشرت لأول مرة عام 1919م. وكُتبت هذه الرسالة الموجهة إلى “الكنائس شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً” في آسيا الصغرى أو مصر. وبحسب (C. Shmidt)، يعود تاريخ كتابة هذه الرسالة إلى الفترة ما بين 160-170م، ولكن (A. Ehrhard) يرجعها إلى الفترة ما بين 130-140م، إلا أن الدلائل الموجودة بالنص تشير إلى أنها قد كُتبت في الفترة ما بين 140-160م. ولك يبق لدينا أي شيء من النص اليوناني الأصلي، ولكننا نمتلك جزءً من ترجمة قبطية اكتشفت عام 1895م في القاهرة، وترجمة إثيوبية كاملة نشرة عام 1913م، ولدينا أيضاً بعض الشذرات من ترجمة لاتينية. ولقد قام (C. Shmidt) عام 1919م بتحرير نسخة نقدية من هذه الرسالة مستخدماً هذه المصادر.

ويتألف الجزء الرئيس من هذه الرسالة من إعلانات يكشفها الرب لتلاميذه بعد قيامته. وتشتمل المقدمة على اعتراف بالمسيح وملخص لمعجزاته، والخاتمة عبارة عن وصف للصعود. وتقتصر الصيغة الرسائلية على الجزء الأول فقط؛ لهذا يُعتبر العمل بأكمله عملاً رؤيوياً أكثر منه رسالة، إنه نموذج للأدب الديني الشعبي غير الرسمي. ويبني المؤلف أفكاره في الأساس على العهد الجديد، فلغته ومفاهيمه متأثرة بإنجيل القديس يوحنا، كما أن روايته لحادثة القيامة مجمعة من روايات الأناجيل الأربعة القانونية، وإضافة إلى هذه المصادر، استخدم المؤلف “رؤيا بطرس”، و”رؤيا برنابا” و”راعي هرماس”.

ومن جهة الفكر اللاهوتي للرسالة، فالرسالة واضحة جداً في شأن طبيعتي المسيح[1]، فالمسيح فيها يقول عن نفسه: “أنا غير مولود ولكني ولدت من الجنس البشري، أنا عديم الجسد ولكني ولدت في الجسد”. (فصل 21) كما أنها تذكر أيضاً عقيدة تجسد الكلمة بكل وضوح: “نحن نؤمن بالرب الإله ابن الله، وأنه هو الكلمة الذي صار جسداً. ونؤمن أنه أخذ جسداً من العذراء مريم مولوداً من الروح القدس، لا بمشيئة جسد، لكن بمشيئة الله. ونؤمن أنه قد قمط في لفائف بمدينة بيت لحم، وظهر للناس وكبر حتى بلغ سن الرشد”. (فصل 3) غير أنه، في فقرة أخرى، يأتي ذكر الملاك جبرائيل باعتباره تشخيصاً للوغوس، فالرسالة تقدمه وهو يقول: “في ذلك اليوم الذي أخذت فيه شكل الملاك جبرائيل، ظهرت لمريم وتكلمت معها. وقد قبلني قلبها، وآمنت، ثم شكلت نفسي ودخلت إلى جسدها، لقد صرت جسداً لأني أنا وحدي كنت خادماً لنفسي في ذلك الأمر الذي استرعى انتباه مريم، عند الظهور في هيئة ملاك”. ومن ناحية أخرى، تساوي الرسالة بين ألوهية اللوجوس وألوهية الآب: “فقلنا له: يا رب، هل من الممكن أن تكون هنا وهناك في الوقت نفسه؟ لكنه أجاب قائلاً: أنا كلي في الآب والآب فيّ، لأنني أشبه في الشكل، والقدرة، والملء، والنور، والقياس الكامل، والصوت، أنا هو الكلمة”.

وبالرغم من وجود بعض طرق التفكير الغنوسية بالرسالة، إلا أن بها ميلاً واضحاً مضاداً للغنوسية، فبداية، تشير الرسالة إلى سيمون (الساحر) وكيرنثوس باعتبارهما “الرسولين الكاذبين اللذين كُتب عنهما أنه لا ينبغي لإنسان أن يتعلق بهما، لأن بهما يكمن الخداع الذي به يقودان الإنسان إلى التهلكة”. ويمكننا أن نرى نفس هذا الميل المضاد للغنوسية في تشديد الكاتب على عقيدة قيامة الأجساد. وتطلق الرسالة على القيامة اسم “الولادة الثانية” و”الثوب الذي لن يبلى”. (فصل 21) كما أنه كلما جاء الحديث عن نهاية العالم، لا تشير الرسالة أدنى إشارة إلى وجهة النظر الألفية (الاعتقاد بالملك الألفي)، وقد ورد في الوصف المعطى فيها ليوم الدينونة أن الجسد سيُدان مع النفس والروح، ثم سينقسم الجنس البشري بعد هذا إلى قسمين “سينال القسم الأول الراحة في السماء، وسيُعاقب من ينتمون إلى القسم الثاني إلى الأبد إلا أنهم سيبقون أحياء” (فصل 22).

والرسالة مهمة أيضاً بالنسبة لتاريخ الليتورجيا، فهي تحتوي على قانون إيمان قصير الذكر، إلى جانب الأقانيم الإلهية الثلاثة، كل من الكنيسة المقدسة والمعمودية التي تعطى لمغفرة الخطايا باعتبارهما بندين من بنود الإيمان (فصل 5). كذلك تُعتبر المعمودية بمثابة شرط لنوال الخلاص، فلا يمكن لأحد أن يكون في غنى منها، لهذا نزل المسيح إلى الجحيم ليعمد الأبرار والأنبياء: “ثم سكبت عليهم بيدي اليمنى ماء الحياة والغفران والخلاص من كل شر، بالضبط كما فعلت معكم أنتم ومع هؤلاء الذين آمنوا بي”. (فصل 27) وهنا يظهر الكاتب أنه على معرفة بسفر “راعي هرماس” الذي يحتوي على نفس التفسير لسبب نزول المسيح إلى الجحيم. ومن ناحية أخرى، ليست المعمودية وحدها بكافية للخلاص: “لكن أي إنسان يؤمن بي ولكنه لا يحفظ وصاياي، فلن ينتفع شيئاً من هذا الرغم من اعترافه باسمي، لكنه يركض في سباق لا طائل منه، لأن مثل هؤلاء سيجدون أنفسهم في خسارة وخراب. (فصل 27).

ويطلق على الاحتفال بالإفخارستيا في تلك الرسالة اسم “البصخة”، وهو يرد هنا باعتباره تذكاراً لموت المسيح. كما أنه لا تزال وليمة الأغابي والإفخارستيا تقامان معاً، وها هو نص هذه الفقرة القيمة (فصل 15): “لكنكم تتذكرون موتي. والآن عندما تحل البصخة، سوف يُلقى واحد منكم في السجن لأجل اسمي، وسوف يكون في حزن وضيق لأنكم تقيمون البصخة بينما هو في السجن منفصل عنكم…. وسوف أرسل قوتي في هيئة ملاكي جبرائيل وستنفتح أبواب السجن، وسيخرج منه ويسهر الليل معكم حتى يصيح الديك. وعندما تُكملون التذكار الذي تصنعون لي، ومائدة الأغابي، سوف يُطرح مرة أخرى في السجن ليشهد لي وذلك إلى أن يحين الوقت ليخرج من هناك ويكرز بما قد سلمته إليكم. فقلنا له: يا رب، هل سيلزم حينئذ أن نأخذ الكأس ونشرب منه؟ فقال لنا: نعم، إنه أمر لازم حتى يأتي اليوم الذي سآتي فيه ثانية مع هؤلاء الذين قتلوا لأجلي”.

2 – رسائل بولس الأبوكريفية

جاء في رسائل القديس بولس القانونية ذكر عدة رسائل لم ترد في قائمة أسفار العهد الجديد القانونية، ومن الواضح أنها قد فقدت، لذا ظهرت الرسائل الأبوكريفية المنسوبة إلى القديس بولس لتحل محلها.

  1. يشير القديس بولس في رسالته إلى أهل كولوسي (4: 16) إلى رسالة كتبها إلى اللاودكيين، وهذه الإشارة قد أتاحت الفرصة لتظهر “الرسالة إلى اللاودكيين الأبوكريفية”. ويقللد محتوى هذه الرسالة رسائل القديس بولس الأصلية وينتحل أسلوبها، خاصة الرسالة إلى أهل فيلبي، فبعد أن يعرب الكاتب عن فرحه بإيمان اللاودكيين وفضائلهم، يحذرهم من الهراطقة، ويحضهم على أن يظلوا مخلصين للعقيدة المسيحية والمفهوم المسيحي للحياة كما علمهم الرسول. وتزعم الرسالة أنها قد كُتبت من السجن، ولا يمكننا أن نحدد تاريخ كتابتها من محتواها. وصحيح أن الوثيقة الموراتورية تذكر رسالة إلى اللاودكيين باعتبارها رسالة منحولة قد زيفت لتدعم هرطقة ماركيون، لكن رأي هرناك القائل بأن هذه هي نفسها “الرسالة إلى اللاودكيين الأبوكريفية” التي بين أيدينا اليوم لم يلق قبولاً من الدارسين. وبالرغم من أن هناك احتمالاً أن تكون هذا الرسالة قد كتبت باليونانية، إلا أنه ليس لدينا لها حتى الآن إلا نص لاتيني، أما أقدم مخطوطة لها في حوزتنا فهي مخطوطة (Codex fuldensis) المملوكة للأسقف فيكتور أسقف “كابوا” (Capua)، والتي كُتبت عام 546م. ولا يعود زمن كتابة هذه الرسالة إلى ما قبل القرن الرابع الميلادي، لأن الكتاب الكنسيين بدأوا يذكرونها منذ ذاك الوقت فصاعداً. ولقد اعتمد كل ما في حوزتنا من ترجمات لهذه الرسالة على النص اللاتيني، كما أنها قد أُدخلت في عدد من الكتب المقدسة المكتوبة في إنجلترا
  2. تذكر الوثيقة الموارتية إلى جانب “الرسالة إلى اللاودكيين” رسالة ماركيونية بعنوان “الرسالة إلى السكندريين” وقد فُقدت.
  3. وردت في السفر المعروف بـ “أعمال بولس الأبوكريفية” رسالة بعنوان “الرسالة الثالثة إلى أهل كورنثوس”. ومن المفترض أن تلك الرسالة قد كُتبت كرد على رسالة أرسلها أهل كورنثوس إلى بولس يبلغونه فيها بأمر شخصين هرطوقيين، هما سيمون وكليوبيس، هذان اللذان يحاولان أن “يقلبا الأيمان” بالتعاليم التالية: “إنهما يقولان أنه ينبغي علينا ألا نستخدم – كتابات – الأنبياء، وإن الله ليس بقدير، وإنه لا توجد قيامة للجسد، وإن الله لم يخلق الإنسان، وإن المسيح لم يأت في الجسد، وإنه لم يولد من مريم، وإن العالم ليس من الله بل من الملائكة”. (289 James) إذاً، سيكون محتوى إجابة بولس على هذه الأسئلة على قدر كبير من الأهمية، لأنها تتناول مواضيع مثل خلق العالم والجنس البشري، وخالقهما، والتجسد، وقيامة الأجساد. ولقد وجدت كل من الرسالة التي أرسلها أهل كورنثوس إلى بولس، والرسالة التي رد فيها بولس عليهم من سجنه في فيلبي، مكاناً في المجموعة السريانية للرسائل البولسية، كما أنه كان هناك زمن اعتبرت فيه هاتان الرسالتان موضعاً للثقة وذلك في الكنسية الأرمينية والكنيسة السريانية. كما يوجد أيضاً ترجمة لاتينية لهما تعود إلى فترة مبكرة كالقرن الثالث الميلادي.
  4. المراسلات بين بولس وسينيكا: هي مجموعة مكونة من ثماني رسائل أرسلها الفيلسوف الروماني “سينيكا” إلى القديس بولس بالإضافة إلى ستة ردود قصيرة من الرسول عليها، ولقد كُتبت باللاتينية ليس بعد القرن الثالث الميلادي. وشهد القديس جيروم، في (de vir. Illus. 12)، أن تلك الرسائل كان “الكثيرون يقرأونها”. ويكتب سينيكا إلى الرسول ليخبره أن محتوى رسائله قد أثرت فيه كثيراً: “لأن الروح القدس، الذي فيك والذي يعلوك، هو الذي ينطق بهذه الأفكار السامية والمثيرة للإعجاب.” لكن الفيلسوف لا يعجبه الأسلوب الأدبي الرديء الذي كتب به بولس رسائله، لذا نصحه قائلاً: “لذلك، سوف ألفت انتباهك إلى بعض النقاط الأخرى، حتى لا تفقد عظمة الأفكار إلى براعة الأسلوب الأدبي”. (Ep. 7). ومن الواضح أن هذه المراسلات قد لُفقت بهدف معين، فالكاتب كان يريد أن تُقرأ رسائل بولس الأصلية في الدوائر الاجتماعية الرومانية بغض النظر عن عيوبها الأدبية، “لأن الآلهة دائماً ما تتكلم بأفواه البسطاء، لا بأفواه هؤلاء الذين يحاولون بخداع أن يعرضوا علينا ما يمكنهم أن يفعلوه مستخدمين معرفتهم”.

3 – الرسائل الأبوكريفية المنسوبة لتلاميذ بولس

  1. رسالة برنابا (وقد تحدثنا عنها سابقاً)
  2. النص المعروف بـ “Epistola titi Discipuli Pauli, de Despositione Sanctimonii”، ولقد نشر (De Bruyne) هذا النص الأبوكريفي اللاتيني لأول مرة عام 1925، وهو ليس برسالة لكنه عبارة عن خطبة عن البتولية موجهة إلى النساك من الجنسين. وهي تُقاوم مساوئ الحياة المُشتركة بين النساك من الجنسين تحت سقف واحد. ولهذا الخطبة علاقة قريبة بالكتاب المنحول المنسوب إلى كبريانوس والمعون بـ “de singularitate clericorum”، والذي استخدمه الكاتب. ولقد نشأ هذا النص، على الأرجح، في دوائر البريسكيليانيين بإسبانيا، ويبدو أن لغته الأصلية كان اليونانية.

[1] مرة أخرى يظهر هنا تأثر المؤلف بخلفيته الكاثوليكية الخلقيدونية والتي يقحمها في الحديث كلما تهياً له الفرصة لذلك، فالنص الذي أورده هنا لا يتحدث عن طبيعتين للمسيح ولكنه يتحدث عن أقنوم الابن قبل التجسد وفي التجسد. (المراجع).

 

إقرأ أيضًا:

أسفار أعمال الرسل الأبوكريفية – أدب العهد الجديد الأبوكريفي 3

أسفار أعمال الرسل الأبوكريفية – أدب العهد الجديد الأبوكريفي 3

أدب العهد الجديد الأبوكريفي – 3- أسفار أعمال الرسل الأبوكريفية

أسفار أعمال الرسل الأبوكريفية – أدب العهد الجديد الأبوكريفي 3

تشترك أسفار الأعمال الأبوكريفية مع الأناجيل الأبوكريفية في كونها تزود القارئ بالمعلومات الغائبة عن العهد الجديد، فتماماً مثل الأناجيل – الأبوكريفية – التي تؤلف مادة قصصية لكي تملأ الفراغات المتروكة في حياة يسوع وعائلته، هكذا أعمال الرسل الأبوكريفية تحكي عن حياة الرسل وموتهم بطريقة تذكرنا بالقصص الرومانسية الوثنية.

ومن الواضح أن قصد ابتداع أدب شعبي يحل محل الروايات الوثنية الإيروتيكية[1] كان له دور هام في تكون هذه الأعمال الأبوكريفية، فهي تذخر بالمغامرات ووصف البلاد الأجنبية والشعوب الغريبة؛ ويمر أبطالها بكل أنواع المخاطر، بل يمكننا أن نرى أن تأثير القصص الخرافية المنتشرة والفلولكلور والأساطير عليها يفوق تأثيرها على الأناجيل الأبوكريفية. لكن أحياناً، تظهر بعض التقاليد الصحيحة تاريخياً تحت كل هذا الكم من القصص المعجزية الخيالية، وذلك مثلاً عندما يذكر سفر “أعمال بطرس وبولس” استشهاد الرسولين في روما، وأيضاً عندما يذكر سفر “أعمال يوحنا” أمر إقامة يوحنا في مدينة أفسس.

وبالرغم من أن معظم هذه الأسفار تُظهر ميولاً هرطوقية، إلا أنها ذات أهمية قصوى لكل من تاريخ الكنيسة وتاريخ الثقافة؛ فهي تلقي بأضواء كثيرة على تاريخ العبادة المسيحية في القرنين الثاني والثالث، وتصف الشكل الأول لخدمات العبادة الدينية التي كانت تقام في المنازل، كما أنها تضم الترانيم والصلوات التي تُشكل بداية الشعر المسيحي. هذا بالإضافة إلى أن هذه الأسفار تعكس الشكل النسكي الخاص بالطوائف الهرطوقية المنتشرة، وتظهر أيضاً محاولات التوفيق التي كانت تتم داخل الدوائر الغنوسية بين المعتقدات المسيحية والأفكار والخرافات الوثنية. ويقول (M. R. James): “يمكننا أن نجد ضمن الصلوات والأحاديث المنسوبة إلى الرسل في أسفار الأعمال المنحولة بعض الأقوال المميزة بل والجميلة؛ كما أن الكثير من هذه القصص المذكورة بها جديرة بالذكر، ومليئة بالخيال، وقد جعلتها عبقرية فناني العصور الوسطى مُبجلة لدينا ومألوفة لنا. لكن، لم يكن مؤلفو هذه الأعمال يتكلمون بلهجة بولس أو يوحنا؛ أو ببساطة الأناجيل الثالثة الأولى، لذا لن نظلمهم إن قلنا إنهم عندما يحاولون أن يكتبوا مثل الأناجيل فإنهم يصبحون مملّين. واختصاراً، يمكننا أن نقول إن دراسة مثل هذا النوع من الأدب دراسة دقيقة، سواء أكانت مجملة أم مفصلة، سوف تعود بالمزيد من الاحترام للوعي الذي كانت تمتلكه الكنيسة الجامعة، والحكمة التي لعلماء الإسكندرية، وأنطاكية، وروما فهم كانوا – بلا أدنى شك – صيارفة متمرسين، لقد امتحنوا كل شيء وتمسكوا بالحسن.”

والمؤلفون الحقيقيون لهذه الأسفار غير معروفين، لكن بداية من القرن الخامس الميلادي ذُكر شخص يدعى “لوكيوس” باعتباره مؤلف أعمال الرسل الأبوكريفية الهرطوقية، فيذكر فوتيوس في (Bibl. Cod. 114)، رجلاً يدعى “لوكيوس خارينوس” باعتباره كاتي مجموعة أعمال بطرس، وبولس، واندراوس، وتوما، ويوحنا. وقد اعتُبر لوكيوس في البداية أنه مؤلف “أعمال يوحنا” فقط؛ إلا أنه لاحقاً نسبت إليه كل أسفار الأعمال الهرطوقية. ولمحاولة منع انتشار هذه الأسفار المنحولة وتعاليمها الهرطوقية، قام مؤلفون مستقيمو العقيدة بإعادة كتابة بعضها، وهكذا عوضوا النقص الكائن في الروايات القانونية المتعلقة برحلات الرسل التبشيرية. ولقد اعتمد كثير من فصور كتاب أعياد الرسل الخاص بالكنيسة الكاثوليكية الرومانية على هذه الأعمال.

1 – أعمال بولس

علق ترتليان في بحثه “عن المعمودية” (الفصل 17) قائلاً: “ولكن الكتابات المنسوبة خطأ إلى بولس تؤيد حجتها بمثال تكلا، وذلك بوصفه أنه يعطي رخصة للمرأة كي تُعلم وتُعمد. ولكن ليعلم الجميع أن هذا القس الذي ألف هذه الكتابات في آسيا – كما لو كان يزيد بولس من شهرة على شهرته – قد عُزل من رتبته بعد أن تمت إدانته واعترف أنه هو من فعل هذا محبة منه في بولس”. ويبدو واضحاً من هذه الكلمات أن هناك كتاباً اسمه “أعمال بولس” كان متداولاً بين الناس قبل زمن ترتليان، وكان مؤلفه كاهناً من آسيا الصغرى قد أوقف عن خدمته الكهنوتية قبل سنة 190م ولا شك. لكن لم يكن من الممكن لنا أن نحدد المحتوى الكامل لهذا الكتاب إلا حينما نشر (C. Shmidt) سنة 1904 شذرات من ترجمة قبطية له كانت موجودة في بردية بجامعة هايدلبرج (Heidelberg).

ولقد أثبتب هذه النسخة القبطية على وجه الخصوص أن هناك ثلاثة نصوص، كانت معروفة لنا منذ وقت طويل باعتبارها كتباً مستقلة، هي في الأصل وببساطة، عبارة عن أجزاء من “أعمال بولس”. وهذه النصوص الثلاثة هي:

  1. أعمال بولس وتكلا.
  2. المراسلات بين القديس بولس وأهل كورنثوس.
  3. استشهاد بولس

أولاً: الكتاب اليوناني المعروف باسم “أعمال بولس وتكلا” (##) يطلق القديس جيروم، في (de vir.ill. 7)، على هذا الكتاب عنوان (Periodi Pauli et theclae)، وهو يضم قصة “تكلا”، الفتاة اليونانية من مدينة إيقونية والتي تحولت إلى المسيحية بكرازة بولس. وتترك تكلا خطيبها وتتبع الرسول لتساعده في عمله الكرازي، ثم تهرب من الاضطهاد والموت بطريقة معجزية، وأخيراً تعتزل العمل الكرازي وتستقر في مدينة سلوقية[2]. وتحمل القصص المروية في هذا العمل كل سمات القصص الخيالية، وتبدو بلا أي أساس تاريخي، إلا أنه، بالرغم من ذلك، أصبح تكريم القديسة تكلا ذا شعبية كبيرة وانتشر في الشرق والغرب، بل إنه في الحقيقة، قد ورد اسمها في الصلوات المقدمة لأجل أرواح المنتقلين (Proficiscere) في الطقس الروماني. ولا يمكننا على وجه التأكيد أن نعرف ما إذا كان هذا الكتاب الأبوكريفي قد كتب ليعطي تبريراً لتكريمها، أم أن القصة لها نواة تاريخية. ولقد حُفظ النص اليوناني الأصلي لهذا الكتاب في عدد من المخطوطات، كما أنه قد بقي لدينا خمس مخطوطات لاتينية له، بالإضافة إلى عدد كبير من الترجمات إلى اللغات الشرقية.

وكان لمحتوى هذه الرواية ولا تزال تأثير كبير على الفن والأدب المسيحي، فلقد أصبح وصف بولس الذي ورد في الفصل الثالث هو النموذج الذي على أساسه رُسمت صورته منذ زمن مبكر: “رأى بولس قادماً، إنه رجل صغير الحجم، ذو رأس أصلع ورجلين معوجتين، قوي، يملك حاجبين ملتصقين، وأنفاً معقوفاً إلى حد ما، مملوءً جمالاً، يظهر أحياناً كإنسان وأحياناً يكون له وجه ملاك.”

ثانياً: المراسلات بين القديس بولس وأهل كورنثوس، وهي تشكل جزءً آخر من “أعمال بولس”؛ وتشمل رد أهل كورنثوس على رسالته الثانية ورسالته الثالثة إليهم.

ثالثاً: وبالإضافة إلى ما سبق، تشتمل أعمال بولس على “استشهاد بولس” أو “آلام بولس” (Passio Pauli). ولقد حفظ هذا النص في مخطوطتين يونانيتين وترجمة لاتينية غير كاملة، وكذلك في ترجمات سريانية، وقبطية، وإثيوبية، وسلافية.

ومحتوى هذا النص أسطوري، وهو يتناول كرازة بولس، وعمله الكرازي في مدينة روما، واضطهاد نيرون، وإعدام الرسول بولس. ولقد أثرت تفاصيل عملية إعدام الرسول، المذكورة في هذا العمل، على كل من الفن والليتورجيا المسيحية بشدة: “ثم وقف بولس ووجهه متجه نحو الشرق ورفع يديه نحو السماء وصلى لوقت طويل. وفي أثناء صلاته، تحاور مع الآباء باللغة العبرية. ثم مد عنقه صامتاً، وعندما قطع الجندي المكلف بالإعدام رأس بولس، تدفع اللبن على عباءته”.

وبعد موته، يظهر بولس للإمبراطور ويتنبأ له بالدينونة الآتية عليه. أما فكرة “المسيح الملك” و”جنود المسيح” فتظهر بوضوح شديد في كل أجزاء هذا العمل؛ فيطلق على المسيح هنا “الملك الأبدي” و”ملك الدهور”، والمسيحيون هم “جنود الملك العظيم”. كما أن الصراع ما بين عبادة المسيح وعبادة الإمبراطور مصور هنا بوضوح.

وقد أثبت الاكتشاف الحديث لجزء كبير من هذا العمل في نصه اليوناني الأصلي أن استنتاج (C. Shmidt) بخصوص الشكل الأصلي لسفر “أعمال بولس” كان صحيحاً. ولقد زودتنا إحدى عشرة صفحة من البردي – كتبت حوالي 300م وموجودة الآن في هامبورج – بجزء كبير من النص الذي كان مفقوداً.

2 – أعمال بطرس

كتبت “أعمال بطرس” سنة 190م، ويبدو أن الكاتب كان يعيش في سوريا أو فلسطين وليس في روما. ونحن لا نمتلك النص الكامل، ولكننا استعدنا ثلثي النص من مصادر مختلفة. ولدينا الجزء الرئيس من “أعمال بطرس” في ترجمة لاتينية وجدت في مخطوطة بمدينة “فيرسيلي” (Actus Vercellenses). وتورد هذه الترجمة المعنونة بـ “Actus Petri cum Simone” الأحداث التالية:

  1. ترك بولس للمسيحيين الرومانيين واتجاهه إلى إسبانيا.
  2. مجيء سيمون الساحر إلى روما وخداعه للمسيحيين بمعجزات ظاهرية.
  3. سفر بطرس إلى روما وانتصاره على الساحر الذي يلقى مصرعه أثناء محاولة منه للطيران منطلقاً من المنتدى الروماني إلى السماء. ثم تُختتم هذه الوثيقة برواية قصة استشهاد بطرس.

وفي سبيل تحديد الوسط الفكري الذي ينتمي إليه المؤلف، يصبح من المهم أن نلاحظ أنه في الفصل الثاني من العمل يذكر أن بولس قد احتفل بالإفخارستيا بخبز وماء: “ثم أحضروا إلى بولس خبزاً وماء للتقدمة، حتى يصلي ويوزعهما على الجميع”. وتشير هذه الحقيقة إلى أن الكاتب يعتنق آراء دوسيتية (docetic). ويمكننا أن نرى التأثير الهرطوقي نفسه في عظة بطرس ضد الزواج، وإقناعه للزوجات بأن يتركن أزواجهن.

ولدينا أيضاً النص اليوناني الأصلي لخبر استشهاد القديس بطرس” (##) الذي يشكل الجزء الثالث من الـ (Vercellenses Actus). وهو يضم قصة “يا رب، إلى أين تذهب؟” الشهيرة، ففي حين كان بطرس يشعر أنه مرغم على ترك مدينة روما، تقابل مع يسوع: “وعندما رآه، قال له: “يا رب، إلى أين تذهب؟” فأجابه الرب قائلاً: “إني ذاهب إلى روما لأصلب”. فقال له بطرس: ” يا رب، هل ستصلب ثانية؟” فأجابه قائلاً: “نعم يا بطرس، سأصلب ثانية”. فعاد بطرس إلى نفسه، وبعد أن رأى الرب صاعداً إلى السماء، عاد إلى روما مبتهجاً وممجداً الرب، لأنه قال: “إني سوف أصلب”، وهو الأمر الذي كان مزمعاً أن يحدث لبطرس”. (Ch. 3. P333 James). ثم تستمر القصة حتى تصل على حكم الوالي أغريباس على بطرس بالموت. وقد صُلب بطرس منكس الرأس بناء على طلبه وقبيل موته، يعظ بطرس عظة طويلة وهو على الصليب تُظهر معانيها الرمزية – مرة أخرى – تأثيراً غنوسياً.

ولا تنتمي القصة المعنونة بـ Martyrium beati Petri Apostoli Lino conscriptum إلى نفس المؤلف، فلقد كُتبت باللغة اللاتينية في القرن السادس الميلادي على الأرجح، وبالتالي لا يمكن أن يكون كاتبها هو لينوس الخليفة الأول لبطرس، ذاك الذي تُنسب إليه كتابتها. كما أن القصة أسطورية تماماً، وهي تتبع تفاصيل خبر الاستشهاد الأصلي كما ورد في الـ (Actus Vercellense) لكنها تضيف إليه بعض التفاصيل الأخرى، مثل اسمي سجاني بطرس: “بروسيسوس” (Proxessus) و”مارتينيان” (Martinian).

3 – أعمال بطرس وبولس

يختلف كتاب “أعمال بطرس وبولس” تماماً عن كل من “أعمال بولس” و”أعمال بطرس” اللذين ذكرناهما تواً، فهو يشدد على العلاقة الحميمة والرفقة التي كانت بين الرسولين. ويبدأ النص بذكر رحلة بولس من جزيرة (Gaudometet) إلى روما، ثم يسرد الأعمال الرسولية التي قام بها الرسولان، ثم استشهادهما في هذه المدينة. ومن الواضح أن الكاتب قد استخدم سفر أعمال الرسل القانوني كأساس لوصفه لرحلة بولس، ومن الممكن أن يكون المؤلف قد كتب هذا العمل بغرض أن يحل محل أسفار أعمال الرسل الأبوكريفية. ويُحتمل أن يكون هذا العمل قد كُتب في القرن الثالث الميلادي، كما أنه نادراً ما يُظهر أي علامات تدل على تأثره بأي هرطقة. والعمل متوفر لدينا في شذرات لاتينية ويونانية.

4 – أعمال يوحنا

إن كتاب “أعمال يوحنا” هو أقدم أسفار أعمال الرسل الأبوكريفية التي في حوزتنا. ولقد كُتب في آسيا الصغرى في الفترة ما بين 150-180م. وبالرغم من أنه لم يبق لدينا منه أي نص كامل، إلا أن بحوزتنا جزءً كبيراً من الأصل اليوناني الذي تُكمل ترجمة لاتينية عدداً من الأحداث الواردة به. ويزعم الكتاب أنه يعطينا رواية شاهد عيان على رحلات يوحنا التبشيرية في آسيا الصغرى، وهو يروي لنا معجزاته، وعظاته، وموته.

وتُظهر عظات الرسول – المذكورة في هذا الكتاب – ميولاً دوسيتية لا تخطئها عين، خاصة عندما تأتي على وصف يسوع وجسده اللامادي، فهو مثلاً يقول في الفصل (93): “أحياناً عندما كنت أمسك به، كانت يدي تصطدم بمادة وجسم صلب. وأحياناً أخرى عندما كنت ألمسه، يصبح جسده غير مادي، كما لو لم يكن موجداً على الإطلاق”. وكذلك صُبغت الترتيلة التي رتلها يسوع للآب مع رسله قبل أن يذهب للموت بصبغة غنوسية في تعبيراتها وتكوينها. ويظهر الكاتب ضعفاً يتمثل في القصص الغريبة، مثل قصة “دوسيانا” (Druciana)، والحوادث المضحكة.

أما بالنسبة للقيم الأخلاقية التي يكشف عنها كتاب أعمال يوحنا فهي نفسها القيم الأخلاقية التي للفلسفة الشعبية الشائعة. ومع ذلك، فإن للكتاب قيمة كبيرة فيما يتعلق بالتاريخ المسيحي، فهو، على سبيل المثال، أقدم مصدر يسجل لنا الاحتفال بالإفخارستيا من أجل الموتى: “وفي اليوم التالي، ذهب يوحنا إلى الضريح في الفجر ومعه أندرونيكوس والإخوة، فاليوم هو اليوم الثالث من وفاة دروسينا حيث يجب علينا أن نكسر الخبز هناك”. (Ch. 72) ولقد جاء في الفصل (85) نص الصلاة الإفخارستيا التي استخدمها الرسول في هذه الخدمة الجنائزية: “وبعدما قال هذا، أخذ يوحنا الخبز وقدمه في الضريح ليكسره ثم قال: “نحن نبارك اسمك، يا من هديتنا من الضلال والخداع القاسي، نحن نمجدك يا من أظهرت أمام أعيننا ما رأيناه، نحن نشهد للطفك المحب، ذاك الذي ظهر بطرق كثيرة، نحن نمجد اسمك الرحيم يا رب ذاك الذي أدانهم، هؤلاء المدانين منك، نحن نشكرك، يا رب يسوع المسيح، لأننا قد قنعنا بنعمتك التي لا تتغير، نحن نشكرك، يا من احتجت أن تأخذ طبيعتنا لتخليصها، نحن نشكرك يا من أعطيتنا هذا الإيمان الأكيد، لأنك أنت الإله وحدك، الآن وإلى الأبد، نحن خدامك نشكرك أيها القدوس، نحن من اجتمعنا بنية صالحة، ولقد اجتمعنا من كل أرجاء العالم”.

5 – إعمال أندراوس

ذكر يوسابيوس أعمال أندراوس في (Hist. eccl. 3: 25: 6) إلى جانب أعمال يوحنا باعتبارهما كتابين وضعهما الهرطقة قائلاً: “لم يعتقد أي شخص ينتمي إلى التعاليم الأرثوذكسية أنه من الصحيح أن يشير إلى أي من هذه الكتب في كتاباته، علاوة على ذلك، يختلف أسلوب كتابة هذه الكتب عن الأسلوب الرسولي، كما أن الآراء والميول العقائدية التي تحتوي عليها غير متناغمة بشكل كبير مع الأرثوذكسية الحقيقية، وتُظهر بوضوح أنها من تزييف الهراطقة”.

ويعتقد أن كاتب كتاب “أعمال أندرواس” هو “لوكيوس خارينوس”، الذي كتبه حوالي سنة 260م، ولا يوجد اليوم إلا بعض الشذرات القليلة التي تحتوي على الأحداث التالية:

  1. قصة أندراوس ومتياس عندما كانا بين آكلي لحوم البشر المتواجدين عند البحر الميت. ونحن نمتلك نص هذه القصة في ترجمات لاتينية، وسريانية، وقبطية، وأرمينة، وكذلك في القصيدة الأنجلوسكسونية “أندرياس” المنسوبة إلى “ساينولف” (Cynewolf).
  2. قصة بطرس وأندراوس.
  3. قصة استشهاد أندراوس في مدينة “بترا” (Patrai) بمقاطقة أخائية، تلك التي كُتبت في وقت ما بعد سنة 400م. وتأخذ هذه الوثيقة شكل رسالة دورية كتبها كهنة وشمامسة أخائية عن استشهاد أندراوس. والرسالة موجودة باليونانية واللاتينية، ويبدو أنه لا علاقة بينها وبين أعمال أندراوس الغنوسية التي أدانها يوسابيوس.
  4. هناك شذرة أخرى محفوظة في المخطوطة الفاتيكانية الإغريقية (Codex Vaticanus grace. 808) تحكي عن الآلام التي عاناها أندراوس في أخائية، والحوارات التي أجراها في السجن في مدينة بترا.
  5. رواية عن استشهاد القديس أندراوس وصلت إلينا في عدة نسخ منقحة.

وهناك شيء واحد مشترك بين هذه القصص جميعاً، وهو أن أندراوس قبل موته يتوجه إلى الصليب الذي كان مزمعاً أن يموت عليه بعظة طويلة تُذكرنا بعظة مُشابهة في إنجيل بطرس، كذلك أيضاً يوصي الرسول في أعمال أندراوس – الزوجات – بترك أزواجهن، الأمر الذي يقوده إلى خلافات مشابهة مع الأزواج ومع السلطات الوثنية، مما يؤدي أخيراً إلى موت الرسول.

6 – أعمال توما

أعمال توما هو الكتاب الوحيد من كتب أعمال الرسل الأبوكريفية الذي وجد كاملاً، وقد كُتب بالسريانية في النصف الأول من القرن الثالث. ومن المرجح جداً أن مؤلفه كان ينتمي إلى شيعة البارديصانيين[3] في مدينة إديسا، وقد تُرجم هذا الكتاب بعد كتابته بفترة قصيرة إلى اللغة اليونانية، ونحن لدينا من هذه الترجمة عدة مخطوطات. كما أنه موجود أيضاً في ترجمات أرمنية وأثيوبية، وترجمتين لاتينيتين مختلفتين.

ويصور الكتاب توما على أنه مبشر الهند ورسولها. وهو يسجل مغامراته وخبراته في رحلته إلى هذه البلد بالتفصيل. وقد آمن الملك جندافور (Gundafor) على يد توما. ثم استشهد توما بعد أن أجرى معجزات كثيرة.

ويتألف الكتاب كله من أربعة عشر عملاً، وبالرغم من أن وجود ملك هندي في القرن الأول الميلادي باسم “جندافور” قد تم تأكيده تاريخياً، إلا أن كل المحاولات التي بذلت حتى الآن لتوثيق قصة كرازة توما في الهند قد فشلت.

ويكشف الكتاب بوضوح عن أصله الغنوسي وميله الجزئي إلى المانوية؛ فاتجاهاته النسكية تُماثل تلك التي في “أعمال أندراوس” و”أعمال بطرس”؛ الزواج مرفوض، كما يتم إقناع الزوجات فيه بترك أزواجهن. كذلك يحتوي العمل على عدة تراتيل ليتورجية على قدر كبير من الجمال، أكثرها لفتاً للأنظار هي الترتيلة المُسماة بـ “النفس” أو “الخلاص”، تلك التي تعود على الأرجح إلى زمن يسبق زمن كتابة الأعمال والتي يبدو أنها قد أقحمت في سياق الرواية. وتصور هذه الترتيلة المسيح باعتباره ابن الملك، ذاك الذي يُبعث من بلده في الشرق إلى مصر في الغرب لكي يهزم التنين ويفوز باللؤلؤة، ثم يعود إلى نور بلده بعد أن يتم له ذلك، وهكذا تكون البلد التي في الشرق هي السماء أو الفردوس الذي نزل منه المسيح إلى العالم الخاطئ ليخلص النفس الواقعة في شرك المادة.

7 – أعمال تداوس

يوحي كلام يوسابيوس القيصري في كتابه “تاريخ الكنيسة” (1: 13) بأنه كان يعرف “أعمال تداوس” التي كُتبت في سوريا. وبحسب يوسابيوس، تحكي هذه الأعمال أن الملك أبجر، ملك أديسا، عندما سمع عن يسوع ومعجزاته، أرسل إليه طالباً منه أن يأتي ويشفيه من مرضه الصعب. لكن يسوع لم يجبه إلى طلبه، بل أرسل إليه رسالة وعده فيها أن يرسل إليه أحد تلاميذه. وفعلاً، بعد قيامة المسيح، حرك الله توما الرسول ليُرسل تداوس، أحد رسل الرب السبعين، إلى أديسا، ثم شفى الملك على يد تداوس، وتحولت أديسا كلها إلى المسيحية.

ولقد ترجم يوسابيوس القيصري المراسلات بين يسوع والملك أبجر من السريانية إلى اليونانية، وهو يخبرنا أنه قد أخذ النص الذي ترجمه من سجلات أديسا، وها هو نص كلامه: “هناك أيضاً دليل وثائقي على صحة هذه الأمور مأخوذ من سجلات أديسا التي كانت حينئذ مدينة كبرى. فعلى الأقل يمكن للمرء أن يجد تلك الأمور أيضاً محفوظة منذ تلك الأيام إلى يومنا هذا في السجلات العامة هناك، تلك السجلات التي تحتوي الأمور التي حدثت في الماضي وفي أيام أبجر. لكن، لا يوجد هناك ما يعادل سماع الرسائل نفسها، تلك التي قمنا باستخراجها من السجلات. ولقد نصت الرسائل على التالي بعدما ترجمتها من السريانية حرفياً: “من أبجر أوخاما الملك إلى يسوع المخلص الصالح الذي ظهر في ناحية أورشليم، تحية. لقد سمعت عنك وعما تجريه من أعمال شفاء، وكيف أنك تتممها بدون أية أدوية أو أعشاب. لأنك، كما تقول الأخبار، ترد للعمي أبصارهم، وتجعل المقعدين يمشون، وتطهر البرص، وتطرد الأرواح الشريرة والشياطين، وتشفي هؤلاء الذين عذبتهم الأمراض الطويلة، وتقيم الموتى. وعندما سمعت كل هذه الأشياء عنك، قررت أمراً من اثنين: إما أنك الله وقد نزلت من السماء لتصنع هذه الأمور، أو أنك ابن الله إذ تصنع هذه الأمور. لهذا السبب، كتبت أستعطفك لكي تسرع إلي وتشفيني من الآلام التي أعانيها. علاوة على ذلك، سمعت أن اليهود يستهزئون بك ويودون أن يؤذوك. لكنني لدي مدينة صغيرة جداً وجليلة، وهي تتسع لكلينا”، رد يسوع على الملك أبجر على يد الساعي أنانياس: “مبارك أنت يا من آمنت بي دون أن تراني، لأنه مكتوب عني أن هؤلاء الذين سيرونني لن يؤمنون بي، وهؤلاء الذين لم يروين سوف يؤمنون ويحيون. والآن بشأن الأمر الذي كتبت لي بسببه، وهو أن آتي إليك، فلا بد لي أولاً أن أكمل هنا كل الأمور التي قد أرسلت لأكملها، وبعد هذا سوف أصعد إلى الذي أرسلني، وبعد أن أصعد سوف أرسل إليك واحداً من تلاميذي ليشفيك من آلامك وليمنحك الحياة أنت ومن معك”.

وانتشرت تلك الرسائل بين يسوع والملك أبجر في كل أنحاء الشرق، ثم وصلت إلى الغرب عن طريق الترجمة التي قام بها “روفينوس” لكتاب يوسابيوس “تاريخ الكنيسة”، ولقد جلس الملك “أبجر أوخاما” على عرش المملكة من 4م إلى 7م، ثم من 13م إلى 50م. لكن بالرغم من ذلك كله، ليست لهذه الرسائل وجود موثق، فقد نفى أغسطينوس في (Cont. Faust. 28: 4; Consens. Ev. 1: 7: 11)، وجود أي رسائل أصيلة بقلم يسوع، كما أن المرسوم الجلاسياني قد ذكر الرسائل محل النقاش بوصفها أبوكريفية. وهكذا لم تكن “أعمال تداوس” سوى أساطير محلية كُتبت في القرن الثالث الميلادي.

ويوجد لدينا شكل آخر من هذه الأعمال مكتوب باللغة السريانية، وهو ذلك العمل المدعو باسم “تعاليم آداي” (Doctrina Addei)، الذي نشر عام 1876م. ويكاد محتوى هذا العمل يكون هو نفسه محتوى “أعمال تداوس” كما سجله يوسابيوس، لكنه يورد تفصيلة واحدة جديدة، وهي أن أنانياس”، الذي حمل رسالة الملك أبجر إلى يسوع، رسم صورة ليسوع ثم حملها إلى مليكه، وهكذا يضعها الملك أبجر في مكان شريف بالقصر. غير أن “تعالم آداي” لا تذكر أمر الرسالة التي كتبها يسوع إلى الملك أبجر، فقد أرسل يسوع رده على رسالة الملك أبجر شفهياً على لسان أنانياس. وربما كان الكاتب على معرفة بما قاله أغسطينوس بشأن هذه الرسائل ومن المرجح أن تكون “تعاليم آداي” قد كتبت في حوالي عام 400م، كما أنه لدينا ترجمة أرمنية لها وأخرى يونانية إلى جانب الأصل السرياني.

وبالإضافة إلى أسفار الأعمال التي تناولناها، لا تزال هناك أسفار أخرى تنتمي معظم هذه الأسفار إلى القرنين الرابع والخامس الميلاديين، بل ويعود بعضها إلى تاريخ متأخر عن هذا. وربما يكفي في هذا الصدد أن نذكر كتاب “أعمال متى” الذي لم يبق منه إلا الجزء الأخير فقط، كذلك “أعمال فيليبس” و”أعمال برثلماوس”. أما بالنسبة للأسفار المنسوبة إلى تلاميذ الرسل أو رفقائهم، فلدينا “أعمال برنابا الأبوكريفية” و”أعمال تيموثاوس الأبوكريفية” و”أعمال مرقص الأبوكريفية”.

[1] هذا النوع من الأدب كان منتشراً مثل الأدب التراجيدي أو الكوميدي، ويرجع تسميته عند اليونانيين إلى الإله إيروس إله الحب والشهوة والغرائز الجنسية. (المراجع)

[2] مدينة سلوقية (تل عمر) Selucia قد بنيت من قبل القائد سلوقس الذي حكم بلاد بابل بعد وفاة الاسكندر الكبير وذلك في الأعوام 321-305ق.م. وفي عام 305 أعلن نفسه ملكاً على إيران والعراق وسوريا العليا وأمر بإنشاء عاصمة له في العراق فبنيت مدينة سلوقية. (المراجع).

[3] نسبة إلى برديصان؛ وهو كاتب سرياني وشاعر موهوب يعتبره البعض مبدع الأدب المسيحي السرياني. وتغنى السريان بشعره وبسببه احتلت الرها مركز الصدارة في الأدب السرياني. وُلد في 11 تموز سنة 154م من أبوين وثنيين. نشأ برديصان في صغره على الديانة الوثنية وتعلم أدبها على يدي الكاهن الأكبر لمعبد منبج، ولما تولى أبجر التاسع رفيقه في الصبا عرش الرها عام 179م عاد برديصان إلى الرها، وهناك التقى مع بعض الذين اعتنقوا الإيمان المسيحي فشرحوا له أسس الدين المسيحي، فقبل الإيمان في شبابه على يدي هسبس أسقف الرها. وبعد أن تعمق في العلوم الدينية سيم شماساً وربما كاهناً. وكتب برديصان في بادئ الأمر مقالات ضد الهرطقات، ولكنه انجرف فيما بعد في معتقدات مرقيون وفالنتينوس. لهذا حذر رجال الكنيسة المؤمنين من تعاليمه التي حسبوها سماً في الدسم. وكان برديصان آخر الغنوسيين من السريان، وقد بقي لفرقته أتباع حتى القرن الثامن كما يقول يعقوب الرهاوي. وقد نظم مائة وخمسين نشيداً على طريقة مزامير داود النبي وضع فيها أفكاره الغنوسية، وقد بذل القديس أفرام السرياني جهداً عظيماً في تأليف أناشيد تقضي بها على أناشيد برديصان، كما كان يعدم كل ما تصل إليه من كتبه. (المراجع)

إقرأ أيضًا:

Exit mobile version