الأناجيل الأبوكريفية – أدب العهد الجديد الأبوكريفي 2

الأناجيل الأبوكريفية – أدب العهد الجديد الأبوكريفي 2

الأناجيل الأبوكريفية – أدب العهد الجديد الأبوكريفي 2

أدب العهد الجديد الأبوكريفي – 2- الأناجيل الأبوكريفية

1 – الإنجيل بحسب العبرانيين

تكلم القديس جيروم في الفصل الثاني من كتابه “مشاهير الرجال” عن يعقوب أخي الرب قائلاً:” أما الإنجيل المعروف باسم “إنجيل العبرانيين”، والذي قمت بترجمته مؤخراً إلى اللسانين اليوناني واللاتيني، والذي كثيراً ما استخدمه أوريجانوس، فيروي أنه بعد قيامة المخلص “أعطى الرب اللفائف الكتابية لخادم الكاهن، ثم ذهب إلى يعقوب وظهر له – لأن يعقوب كان قد أقسم أنه لن يأكل خبزاً منذ أن شرب كأس الرب حتى يراه قائماً من بين الراقدين”. وبعد ذلك بقليل يقول: “قال الرب: أحضر لي مائدة وخبزاً، ثم أخذ الخبز”، ويضيف الإنجيل بعد ذلك مباشرة: “وبارك وكسر وأعطى يعقوب البار وقال له: يا أخي كل خبزك لأن ابن الإنسان قد قام من بين الراقدين”.

وإنجيل العبرانيين، الذي نقل عنه جيروم هذه الفقرة المثيرة للاهتمام، كان قد كُتب أصلاً باللغة الآرامية ولكن بحروف عبرية. وفي زمن جيروم، كان النص الأصلي الخاص بهذا الإنجيل محفوظاً في مكتبة بمدينة قيصرية في فلسطين. وقد استخدمه كل من “الأبيونيين”[1] والناصريين”[2]، ومنهم حصل جيروم على نسخة منه ليترجمها إلى اليونانية واللاتينية. أما حقيقة كونه مستخدماً من قِبل المسيحيين الفلسطينيين، الذين كانوا يتحدثون العبرانية الآرامية، فتُفسر سبب تسميته بـ “إنجيل العبرانيين”، كما أنها تُفسر أيضاً سبب ظهور يعقوب أخي الرب – الذي كان يُمثل المسيحية اليهودية الصارمة – في قلب رواية القيامة على عكس ما ورته الكتابات القانونية. وقد كان معظم الناس، في أيام جيروم، يعتبرون هذا الإنجيل الأبوكريفي بمثابة الأصل العبري لإنجيل متى القانوني، وهو الأمر الذي ذكره بابياس[3]. وفي الحقيقة، تُظهر الشذارات القليلة التي بقيت لدينا منه شبهاً قريباً من إنجيل متى، وهكذا يمكننا أن نستنتج بثقة أن هذا الإنجيل كان في الغالب عبارة عن إعادة صياغة للأصل العبري لإنجيل متى القانوني بتصرف.

وتُظهر الفقرة المقتبسة أعلاه أنه كان يحتوي على أقوال ليسوع لم يوردها أي من الأناجيل القانونية. وقد برهن أناس آخرون غير القديس جيروم على هذه الصفة المميزة لإنجيل العبرانيي، نذكر منهم، على سبيل المثال، يوسابيوس الذي يقول في (Theophany 22): “إن هذا الإنجيل الذي قد وصل إلينا في حروف عبرية يعطي الويل كما لو لم يكن موجهاً لذاك الذي يخفي وزنته، بل لذاك الذي يحيا حياة مستهترة. لأن – المثل الذي ورد فيه يحكي – عن ثلاثة عبيد؛ واحد منهم أنفق فضة سيده على الزواني والمغنيات، وآخر ربح بها أضعافاً مضاعفة، والأخير أخفى وزنته، وكيف أن أحدهم قد قبله سيده، وآخر لم ينله سوى اللوم، وثالثهم أغلق عليه في السجن.”

ولا بد من أن يكون هذا الإنجيل الأبوكريفي قد كُتب في القرن الثاني الميلادي، لأن كليمندس السكندري قد استخدمه في عمله المعروف باسم “المتفرقات” (Stromata 2: 9: 45)، وقد كان ذلك في الربع الأخير من ذلك القرن.

2 – إنجيل المصريين

كان كليمندس السكندري هو أيضاً المصدر الرئيس لمعلوماتنا عما يسمى بـ “إنجيل المصريين”، ويدل هذا الاسم على أن هذا الإنجيل كان متداولاً بين مسيحيي مصر؛ وهذا يُفسر سبب اطلاع كل من كليمندس السكندري وأوريجانوس عليه. وينتمي “إنجيل المصريين” إلى هذا النوع من الأبوكريفا التي كُتبت لتدعم هرطقات معينة، ومن المرجح جداً أن يكون ذا أصل غنوسي، أما عناصره العقائدية المميزة فتُظهر بوضوح نزعة طائفية هرطوقية. ولقد احتفظ كليمندس السكندري بعدد ضئيل من كلمات يسوع التي وردت في حديث الرب مع سالومي – الوارد في هذا الإنجيل – تلك التي تعد أفضل دليل على ما يظهره “إنجيل المصريين” من نزعات عقائدية هرطوقية: “وعندما سألت سالومي: إلى متى سيكون للموت سلطان؟ أجابها الرب – وهو لا يعني أن الحياة شر أو أن الخليقة شريرة – قائلاً: طالما كنتن تحبلن أيتها النساء”. (Stromata 3: 6: 45) “أما هؤلاء الذين يناصبون خليقة الله العداء من خلال التقشف المخزي فيتذرعون بهذه الكلمات التي وجهها الرب لسالومي والتي ذكرناها أعلاه، وهي مذكورة أيضاً – كما أعتقد – في إنجيل المصريين، ذلك لأنهم يقولون إن المخلص نفسه قد قال: “لقد أتيت لأدمر أعمال الأنثى”… إن الأنثى هي الشهوة وأعمالها هي الولادة والفساد”. (Stromata 3: 9: 63) “ولكن لماذا لا يتكلم – هؤلاء الذين يسيرون تائهين بدلاً من أن يتبعوا إنجيل قاعدة الحق – ببقية الكلمات التي تكلم بها الرب لسالومي؟ لأنها لما قالت: “إذاً، لقد فعلت حسناً لأني لم أنجب”، كما لو كانت الأمومة أمراً غير لائق، أجابها الرب قائلاً: “كلي كل عشب، ولكن تلك الأعشاب التي بها مرارة لا تأكلينها”. (Stromata 3: 9: 66) “لهذا يقول كاسيان: عندما سألت سالومي عن الوقت الذي ستكون فيه هذه الأمور فيما يتعلق بسؤالها، قال الرب: “عندما تدوسين ثوب الخزي، وعندما يصبح الاثنان واحداً، والذكر مع الأنثى؛ فلا يكون هناك لا ذكر ولا أنثى”. (Stromata 3: 13: 92).

3 – إنجيل الإبيونيين

من المرجح أن يكون “إنجيل الإبيونيين” هو نفسه “إنجيل الرسل الاثني عشر” الذي يذكره أوريجانوس في (Hom. In Lux. 1). فإذا صح هذا الأمر، فإن زمن كتابته سيعود على الأرجح إلى بدايات القرن الثالث الميلادي. غير أنه من الواضح أن جيروم قد أخطأ في قوله بأن هذا الإنجيل هو نفسه “إنجيل العبرانيين”، وبالرغم من ذلك، يدعم (A. Schmidtke) هذا الرأي.

وقد حصلنا على كل ما نعرفه عن “إنجيل الإبيونيين” من إبيفانيوس (Adv. Haer. 30: 13 -16) الذي استشهد بشذرات منه. ويمكننا أن نحكم من خلال هذه الشذرات أنه قد كُتب لصالح فرقة من فرق المسيحيين كانت تُقاوم تقديم الذبائح، وهكذا يظهر يسوع – في هذا الإنجيل – وهو يقول: “لقد أتيت لأضع حداً للذبائح، وأنه لن يمتنع الغضب عنكم، إلا بأن تتوقفوا عن تقديم الذبائح”. (30: 16).

4 – الإنجيل بحسب بطرس

اكتشف “بوريانت” (Bouriant) شذرة كبيرة من هذا الإنجيل عام (1886-1887) في قبر لراهب بأخميم في صعيد مصر، ونشرها مع ترجمة في 1892م. ويروي هذا الإنجيل قصة آلام يسوع وموته ودفنه، ويزين قصة قيامته بتفاصيل مشوقة تتعلق بما تلاها من معجزات. كما أنه توجد فيه بعض الآثار البسيطة للهرطقة الدوستية (الخيالية)[4]، وربما لهذا السبب غير كاتب الإنجيل كلمات يسوع على الصليب القائلة “إلهي إلهي لما تركتني” لتصبح “قوتي قوتي لقد تركتني”. ومن الملفت للنظر أيضاً أن هيرودس في هذا الإنجيل هو من أصدر الحكم بالإعدام على المسيح وليس بيلاطس؛ وبهذا تقع مسؤولية صلب المسيح على اليهود حصرياً. لكن، هناك شك فيما إذا كان هذا الإنجيل يعود حقاً إلى أصل هرطوقي، لأن الإشارات المبعثرة التي تدل على كونه ينتمي إلى مذهب هرطوقي أقل من أن تكون مقنعة، فالكاتب يبدو كما لو كان قد أعاد صياغة روايات الأناجيل القانونية متصرفاً فيها بحرية.

وهناك كذلك إشارات لـ “الإنجيل بحسب بطرس” في كتابات الكُتاب الكنيسيين. وقد كان أوريجانوس هو أول من ذكره، وذلك في تفسيره لإنجيل متى (10: 17)، فهو يقول إن البعض يظنون – معتمدين على تقليد ذكره إنجيل تحت اسم بطرس – أن هؤلاء المدعوين “إخوة يسوع” هم أبناء ليوسف النجار من زوجة سابقة كانت تعيش معه قبل مريم. وقد ذكر يوسابيوس القيصري أن الأسقف سيرابيون الأنطاكي قد رفض هذا الإنجيل حوالي عام 190م باعتباره ذا سمة دوستية. ومن ثم، ينبغي أن يكون هذا الإنجيل قد كُتب في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي على أقصى تقدير.

5 – إنجيل نيقوديموس

لقد كانت النزعة إلى التهوين من شأن الذنب الذي ارتكبه بيلاطس – والتي نجدها في “الإنجيل بحسب بطرس” – تُظهر مدى الاهتمام البالغ الذي كانت تنظر به المسيحية الأولى لهذا الشخص. ولكن المكانة المرموقة التي كان يشغلها بيلاطس البنطي في الفكر المسيحي المبكر تظهر بشكل أوضح في “إنجيل نيقوديموس”، فلقد اشتمل هذا العمل القصص على الوثيقة المعروفة باسم “أعمال بيلاطس”، وهي عبارة عن تقرير رسمي يفترض أن الوالي الروماني قد كتبه عن يسوع. ويبدو أن بعض أجزاء “أعمال بيلاطس” كانت معروفة في زمن مبكر كالقرن الثاني الميلادي، فبعد أن ذكر يوستينوس الشهيد – في دفاعه الأول (فصل 35) – كلآ من آلام المسيح وصلبه، قال: “يمكنكم أن تتحققوا من صحة هذه الأمور التي حدثت مما قد كتب في أعمال بيلاطس البنطي”، وتوجد أيضاً عبارة مشابهة في الفصل 48 من نفس العمل. كذلك يشير ترتيليانوس مرتين إلى التقرير الذي قدمه بيلاطس إلى – الإمبراطور – طيباريوس؛ فوفقاً لما يقول، أخبر بيلاطس البنطي الإمبراطوري عن حكم الإعدام الظالم الذي صدر ضد شخص بريء وإلهي؛ ولقد تأثر الإمبراطور جداً بهذا التقدير الذي يحكي عن معجزات المسيح وقيامته، حتى إنه عرض أن يقبل المسيح ضمن آلهة روما، لكن مجلس الشيوخ الروماني رفض (Apologeticum 5). كذلك يذكر ترتليانوس في موضع آخر أن “بيلاطس قد أخبر الإمبراطور – الذي كان في ذلك الوقت هو طيباريوس – بقصة المسيح كاملة، لأنه في ذلك الحين كان هو نفسه مسيحياً في قلبه سراً” (Apol. 21. 24) ويمكننا في هذا العمل أن نرى الرغبة في استخدام الوالي الروماني كشاهد على تاريخ موت المسيح وقيامته والحق المسيحي.

ولا بد من أن تلك النزعة عينها هي السبب في ظهور تلك الوثيقة المعروفة باسم “أعمال بيلاطس” التي تشكل قوام “إنجيل نيقوديموس”؛ فالجزء الأول منه (الفصول من 1 إلى 11) يقدم إلينا رواية تفصيلية لمحاكمة يسوع وصلبه ودفنه، ولهذا الجزء عنوان خاص به وهو (Acta Pilate) – أعمال بيلاطس – أما الجزء الثاني من العمل (الفصول من 12 إلى 16) فيحكي عن المناظرات التي حدثت في مجمع السنهدرين بشأن قيامة المسيح، وهو بمثابة إضافة إلى “أعمال بيلاطس”. أما الجزء الثالث من العمل (الفصول من 17 إلى 27) فعنوانه هو: “نزول المسيح إلى الجحيم”، وهو يزعم أنه يحكي قصة نزول المسيح إلى الجحيم على لسان شاهدين هما “ابنا شمعون” اللذان قاما من الموت بعد أن شاهدا المسيح في الجحيم.

ولا بد أن “إنجيل نيقوديموس” هذا والوارد في مخطوطة لاتينية متأخرة تحت عنوان (Evagelium Nicodemi) قد كُتب بالكامل في بداية القرن الخامس الميلادي، لكن يبدو أنه لم يكن أكثر أو أقل من مجرد تجميع لمادة تعود إلى عصر أقدم. ويخبرنا يوسابيوس القيصري أنه في أثناء الاضطهاد الذي شنه الإمبراطور “مكسيمينوس دايا” عامي 311 و312م، نشرت الحكومة الرومانية نسخاً وثنية مزيفة من “أعمال بيلاطس” حتى تثير مشاعر الكراهية تجاه المسيحيين: “لقد زيفوا تقرير بيلاطس ومخلصنا، وجعلوه مليئاً بكل أنواع التجديف ضد المسيح، ثم أرسلوه بموافقة من رئيسهم إلى كل أرجاء الإمبراطورية مع فرمان يفرض بأنه يجب تعليقه علناً ليراه الجميع في كل مكان، في الريف والمدن، وأنه يجب أن يعلمه المدرسون الابتدائيون لتلاميذهم بدلاً من الدروس، ليدرسوه ويحفظوه عن ظهر قلب.” (Hist. eccl. 9: 5; cf. 1: 9: 1; 1: 11: 9; 9: 1).

ومن الممكن أن تكون “أعمال بيلاطس” التي شكلت قوام “إنجيل نيقوديموس” قد كتبت في الأصل لتضاد التأثير السيئ الذي تركته تلك التصرفات الوثنية.

ويبدو أن أقدم قطعة أدبية مسيحية تتكلم عن بيلاطس هي “تقرير بيلاطس إلى الإمبراطور كلوديوس”، والتي أدخلت في نصها اليوناني إلى الكتاب المتأخر “أعمال بطرس وبولس” وألحقت في ترجمة لاتينية بـ “إنجيل نيقوديموس”، ومن المحتمل أن يكون هذا التقرير متطابقاً مع ذاك الذي ذكره ترتليانوس، فإذا كان هذا صحيحاً، لوجب أن يكون تاريخ تأليفه قبل عام 197م، وهو التاريخ الذي ألف فيه ترتليانوس كتابه “Apologeticum”. واعتماداً على النص اليوناني، جاءت الترجمة الإنجليزية التي أنجرها (M. R. James) كالتالي: “من بيلاطس البنطي إلى كلوديوس قيصر، تحية وسلام. لقد جرت مؤخراً أحداث كنت أنا نفسي شاهداً عليها لأن اليهود بسبب الحسد قد عاقبوا أنفسهم وذريتهم بأحكام مخيفة بسبب خطئهم؛ لأنه لما كان آباؤهم قد وعدوهم – أو بشروهم – أن إلههم سوف يرسل لهم من السماء قدوسه الذي يستحق أن يدعى ملكاً عليهم، ووعدهم أن يرسله إليهم على الأرض من عذراء؛ أتى – أو أتى إله العبرانيين هذا – في الوقت الذي كنت فيه أنا حاكماً لليهودية، ورأوه يفتح عيون العميان، ويطهر البرص، ويشفي المفلوجين، ويطرد الشياطين من الرجال، ويقيم الموتى، وينتهر الرياح، ويمشي فوق أمواج البحر دون أن تبتل قدماه، ويفعل عجائب أخرى كثيرة، وكان كل شعب اليهود يدعونه ابن الله، إلا أن رؤساء الكهنة قد ثاروا ضده في حسد، وأمسكوا به وأرسلوه إليّ واتهموه بتهم ملفقة، واحدة بعد الأخرى، قائلين إنه ساحر وإنه فعل أموراً تخالف ناموسهم لكني – بينما كنت أعتقد ان الأمور هي هكذا – جلدته وسلمته إليهم بحسب إرادتهم فصلبوه، وبعد أن دُفن وضعوا حراساً عليه، لكن بينما كان جنودي يحرسونه، قام في اليوم الثالث. إلا أن خبث اليهود قد اضطرم كثيراً حتى أنهم أعطوا الجنود مالاً قائلين لهم: قولوا إن تلاميذه قد سرقوا جسده، لكن الجنود، بالرغم من أنهم قد أخذوا منهم المال، لم يستطيعوا أن يصمتوا بخصوص هذه الأمور التي قد حدثت، لأنهم أيضاً قد شهدوا أنهم رأوه قائماً وأنهم قد أخذوا مالاً من اليهود. ولقد قمت بإخبار عظمتكم بهذه الأمور، مخافة من أن يكذب عليك شخص ما – في اللاتينية: مخافة من أن يكذب عليك شخص ويخبرك بأمور مختلفة – فتحسب أنك تُحسن صنعاً بتصديق أكاذيب اليهود”.

ونذكر من وثائق بيلاطس الأبوكريفية الأخرى كلا من الأعمال التالية على سبيل المثال لا الحصر: “أنافورا بيلاطس”، “ورسالة بيلاطس إلى الإمبراطور طيباريوس”، و”محاكمة الإمبراطور لبيلاطس”، و”المراسلات المتبادلة بين بيلاطس وهيرودس” والتي يعود زمن كتابتها إلى القرون الوسطى.

ولقد كان لـ “أعمال بيلاطس” الموجودة في “إنجيل نيقوديموس” والمحفوظة في نص يوناني، وترجمات سريانية، وأرمينة، وقبطية، وعربية، ولاتينية – نتائج ملفتة للنظر، فقد كرم المسيحيون في مصر وسوريا بيلاطس باعتباره قديساً، بل إنه حتى اليوم لا يزال مدرجاً في التقويم الليتورجي للكنيسة القبطية[5]. ولقد كان لأعمال بيلاطس في العصور الوسطى تأثير هائل في مجالي الأدب والفن.

6 – إنجيل يعقوب التمهيدي

 ينتمي إنجيل يعقوب التمهيدي إلى مجموعة أناجيل الطفولة التي تحكي بشيء من الإسهاب عن فترة شباب مريم العذراء وميلاد يسوع وطفولته. أما تسمية الإنجيل بـ “التمهيدي” (Protoevangelium) فحديثة؛ فقط أطلقت على إنجيل يعقوب لأول مرة عام 1552م في ترجمة لاتينية قام بها جويلاوم بوستيل (Guillaume Postel)، وقد كان أوريحانوس هو أول من أشار إلى “كتاب يعقوب” مشيراً إلى أن هذا الكتاب يذكر أن “إخوة الرب” كانوا أبناء ليوسف – النجار – من زوجة سابقة. لكن حتى أوريجينوس، ذكر معلمه كليمندس السكندري، وكذلك يوستينوس الشهيد، أحداثاُ تتعلق بميلاد يسوع جاء ذكرها في إنجيل يعقوب التمهيدي.

كان هذا الكتاب على الأرجح نتاج منتصف القرن الثاني الميلادي، فمن المؤكد أنه كان موجوداً في نهاية ذلك القرن، كما أنه يحتوي على أقدم رواية لدينا عن ميلاد العذراء المعجزي وطفولتها، ونجد فيه لأول مرة أسماء أبوي العذراء مريم: يواقيم وحنة. أما الأكثر تشويقاً فهي رواية تكريس الطفلة وتقديمها للهيكل حيت أتى بها أبواها وهي في عمر ثلاث سنوات (فصل 6-8): “واشتد عود الطفلة يوماً بعد يوم، وعندما أصبحت في عمر ستة الأشهر، أقفتها أمها على الأرض ليك ترى إذا كانت ستستطيع الوقوف؛ فسارت سبع خطوات ثم عادت إلى حضنها مرة أخرى، فأمسكت بها قائلة: “حي هو الرب، لن تسيري على هذه الأرض مرة أخرى حتى أتي بك إلى هيكل الرب”، ثم صنعت محراباً في غرفة نومها، ولم تدع أي شيء رديء أو غير طاهر يمر به. ثم أحضرت فتيات عبرانيات غير دنسات، فحملنها من ذراعيها. وعندما أتمت الطفلة سنتها الأولى، صنع يواقيم وليمة عظيمة ودعى الكهنة والكتبة ومجمع الشيوخ وكل شعب إسرائيل. ثم أحضر يواقيم الطفلة للكهنة، فباركوها قائلين: “يا إله آبائنا بارك هذه الطفلة واعطها اسماً مشهوراً للأبد في كل الأجيال”، فرد كل الشعب قائلاً: “ليكن هذا، ليكن هذا، آمين”، ثم أحضرها لرؤساء الكهنة، فباركوها قائلين: “يا إله الأعالي، انظر لهذا الطفلة، وباركها بالبركة الأخيرة التي ليس بعدها بركة”. ثم أمسكتها أمها ووضعتها في غرفة نومها وأرضعتها. ورنمت حنة للرب قائلة: “سوف أرنم تسبحة للرب إلهي، لأنه افتقدني ورفع عني تعييرات أعدائي، لقد منحني الرب ثمرة بره أمامه مرة ومرات، ومن ذا الذي سيُخبر بني رأوبين أن حنة تُرضع؟ اسمعوا اسمعوا يا أسباط إسرائيل الاثني عشر، أن حنة تُرضع”. ثم وضعت الطفلة لتستريح في غرفة النوم التي بها محرابها، ثم ذهبت لتخدمهم. وعندما انتهت الوليمة، ذهبوا مبتهجين وممجدين إله إسرائيل. وازدادت شهور عمر الطفلة حتى بلغت السنتين، فقال يواقيم: “لنذهب بها إلى هيكل الرب حتى نوفي النذر الذي نذرناه حتى لا يطالبنا الله به وتصبح تقدمتنا غير مقبولة”. فقالت حنة: “لننتظر حتى السنة الثالثة حتى لا تشتاق الطفلة إلى أبيها وأمها”، فقال يواقيم: “لننتظر”. وعندما بلغت الطفلة ثلاث سنوات، قال يواقيم: “ادع الفتيات العبرانيات غير الدنسات، ولتأخذ كل واحدة مصباحاً وتشعله، حتى لا تلتفت الطفلة إلى الوراء ولكي يأسر هيكل الرب قلبها”. وفعلوا هكذا حتى صعدوا إلى هيكل الرب. فاستقبلها الكاهن وقبلها وباركها قائلاً: “الرب عظّم اسمه في كل الأجيال وفي آخر الأيام سيظهر الرب فيكي خلاصه لكل بني إسرائيل”. ثم أجلسها على الدرجة الثالثة للمذبح، ووضع الرب نعمته عليها وكانت فرحة وأحبها كل بيت إسرائيل. ثم رجع أبواها متعجبين وممجدين الرب الإله لأن الطفلة لم تلتفت للوراء، وكانت مريم في الهيكل مثل حمامة، تتغذى وتتلقى طعاماً من يد ملاك. وعندما بلغت مريم اثني عشر عاماً، اجتمع مجمع من الكهنة قائلين: انظروا، قد بلغت مريم الثانية عشرة من العمر وهي في هيكل الرب، ماذا نفعل بها لئلا تدنس قدس الرب؟ فقالوا لرئيس الكهنة: قف أنت على مذبح الرب وادخل وصلِ من أجلها، ومهما يكن الأمر الذي سيعلنه لك الرب دعنا نفعله”.

ثم يستمر الإنجيل (الأبوكريفي) ليروي قصة خطبة مريم ليوسف الذي كان حينئذ رجلاً عجوزاً وله أولاد، ثم يذكر بالتفصيل ميلاد يسوع في كهف والمعجزات المصاحبة له؛ وهي من النوع الأكثر إفراطاً في الخيال.

أما الهدف الرئيس من الكتاب كله فهو اثبات بتولية العذراء الدائمة التي لم تمس قبلاً، وأثناء، وبعد ميلاد المسيح. وهكذا، شربت العذراء “ماء الإيمان الراسخ الذي للرب” حتى تزيل من نفسها أي شك (فصل 16). كما شهدت لدوام بتوليتها القابلة التي حضرت حادثة الميلاد (فصل 20). وهذا الخصوص، يبدو أن كلميندس السكندري كان يعرف هذا الإنجيل أو مصادره الأسطورية، فهي يقول في كتابه “المتفرقات” (Strom 7: 93: 7): “يقول البعض أنها بعد أ، ولدت، اعتنت بها قابلة فوجدت أنها لا تزال عذراء”.

ويختتم الإنجيل بحادثة استشهاد زكريا أبي يوحنا المعمدان وموت هيرودس، ثم تأتي في نهايته فقرة بخصوص المؤلف هي: “والآن أنا يعقوب الذي كتبت هذا التاريخ في أورشليم عندما اندلع شغب هناك بسبب موت هيرودس، فانسحبت إلى البرية حتى ينتهي الشغب في أورشليم، ممجداً للرب الإله الذي منحني الموهبة والحكمة لأكتب هذا التاريخ”.

ولا شكل أن الكاتب يريد أن يعطي هنا انطباعاً بأنه هو يعقوب الصغير أسقف أورشليم؛ وهو أمر يتعذر اثباته، فالكاتب يُظهر جهلاً شديداً بجغرافية فلسطين. وعلى الجانب الآخر؛ تظهر الحكايات التي أوردها الكاتب في هذا الإنجيل أنه متأثر بشدة بالعهد القديم، وهذا يشير إلى أنه مسيحي من أصل يهودي يسكن في مكان ما خارج فلسطين، ربما مصر. ولا يمكننا أن نعتبر أن الإنجيل في شكله الحالي من قلم مؤلف واحد، فروايتا موت زكريا وهروب يوحنا المعمدان تبدوان كأنهما إضافتان لاحقتان على هذا الكتاب، كما أن تسلسل الأحداث ينقطع عدة مرات فجأة، وهكذا نرى في الفصل الثامن عشر أن يوسف النجار يقتحم الأحداث بغتة ويبدأ في التكلم بدون أي مقدمات.

ويرجع شكل النص اليوناني الموجود بين أيدينا اليوم إلى القرن الرابع الميلادي؛ حيث كان أبيفانيوس قد استخدمه في الجزء الأخير من ذلك القرن. أما الانتشار الواسع الذي كان يحظى به “إنجيل يعقوب التمهيدي” فيمكننا أن نراه في حقيقة كون النص اليوناني قد حُفظ فيما لا يقل عن ثلاثين مخطوطة. علاوة على ذلك، لدينا ترجمات قديمة له في السريانية، والأرمنية، والقبطية، والسلافية، لكننا لم نعثر له على أي مخطوطة لاتينية.

وبالرغم من أن “المرسوم الجلاسياني”[6] – الذي يعود إلى القرن السادس الميلادي – قد أدان هذا الكتاب باعتباره من الكتب المنحولة، إلا أننا لسنا نبالغ في تقدير مدى التأثير الذي تركه إنجيل الميلاد (انجيل يعقوب التمهيدي) على الليتورجية، والأدب، والفن؛ فكلها قد تأثرت به على نحو مماثل. ولقد استمد كل من تكريم “القديسة حنة” والعيد الكنسي الخاص بـ “دخول العذراء إلى الهيكل” مصدره من التقاليد المسجلة في هذا الكتاب، كما أن كثيراً من الأساطير الجميلة التي تدور حول سيدتنا العذراء تعتمد على القصص التي وردت في إنجيل يعقوب التمهيدي، بالإضافة إلى أنه قد ألهم الفنانين مراراً وتكراراً.

7 – إنجيل توما

يقول أوريجينوس في عظته الأولى على إنجيل لوقا: “هناك أيضاً إنجيل متداول بحسب توما”. ولقد نشأ هذا الإنجيل الأبوكريفي في دوائر هرطوقية كانت على الأرجح غنوسية. وبينما ينسبه هيبوليتوس الروماني[7] إلى فرقة “الناسيين”[8] (The Naassenes)، يتكلم كيرلس الأورشليمي عنه باعتباره عملاً مانوياً[9]؛ فهو يقول في عظاته للموعوظين (4: 36): “ومن العهد الجديد اقرأوا أربعة أناجيل فقط، فالباقي أبوكريفي ومُضر. ولقد كتب المانويون أيضاً انجيلاً منسوباً إلى توما، وبالرغم من أنه يحمل اسماً جميلاً هو اسم الإنجيل، إلا أنه يفسد نفوس البسطاء”، وكذلك في عبارة مشابهة يقول في (6: 31): “لا تدعوا أحد يقرأ إنجيل توما، فهو لم يُكتب بواسطة أحد الاثني عشر رسولاً، لكن كتبه أحد تلاميذ ماني الثلاثة الأشرار”. ويبدو أن هيبوليتوس كان يقصد أيضاً هذا الإنجيل نفسه؛ لكن بينما يتكلم هيبوليتوس عن مؤلف هذا الكتاب باعتباره أحد أعضاء فرقة “الناسيين” الغنوسية؛ ينسب كيرلس كتابته إلى المانويين، وربما يمكننا أن نتخطى هذه المعضلة إذا افترضنا أن إنجيل توما المانوي كان مجرد اختصار وإعادة صياغة لإنجيل توما الغنوسي. على أي حال، لقد ضاع كل من إنجيل توما المانوي وإنجيل توما الغنوسي، أما “إنجيل توما الطفولي”، الموجود لدينا في نسخ يونانية وسريانية وأرمينة وسلافية ولاتينية، فهو في الغالب عبارة عن نسخة منقحة ومختصرة للأصل. وهو يورد رواية عن طفولة يسوع، كما أن القصص التي فيه وتحكي عن معرفة وقوة يسوع المعجزية قد نُسخت معاً لتبين أن القوة الإلهية كانت تسكن يسوع قبل معموديته. وتشكل الحياة القروية اليومية خلفية هذه القصص، وذلك كما يظهر مثلاً في القصة التالية: “عندما كان الطفل يسوع في الخامسة من عمره كان يلعب عند النهر، وكان يجمع الماء الذي كان يجري فيه في برك، ثم يجعلها نقية فوراً، ويأمرها بكلمته فقط. وبعد أن صمع طيناً ليناً، شكله على شكل اثني عشر عصفوراً، وكان هذا يوم سبت حينما عمل يسوع هذه الأشياء، وكان هناك أطفال آخرون كثيرون يلعبون معه. وحينما رأى أحد اليهود يسوع وهو يفعل هذا، أي وهو يلعب في السبت، ذهب من فوره وأخبر أباه يوسف قائلاً: “يا للعجبن إن ابنك عند النهر، وقد أخذ طيناً وصنع منه اثني عشر طائراً صغيراً ونجس السبت”. فجاء يوسف إلى المكان ورآه، فصاح به قائلاً: “لماذا تصنع هذه الأشياء في السبت وهو أمر ضد الناموس؟” ولكن يسوع صفق بيديه معاً وصاح في العصافير – الطينية – قائلاً: “طيري!” فطارت العصافير وهي تغرد، وعندما رأي اليهود هذا ذهلوا وذهبوا إلى رؤسائهم وأخبروهم بما فعل يسوع”. (فصل 2).

كما أن بعض المعجزات – التي وردت في هذا الإنجيل – ليست مستساغة، فيبدو أن الكاتب لديه مفهوم شاذ عن الألوهة لأنه يصور الصبي يسوع وهو يستخدم قوته في الانتقام: “بعد هذا، ذهب يسوع ليتمشى في أرجاء القرية، فأتى أحد الأطفال جرياً وصدم كتفه، فاستفز هذا يسوع، فقال له: “إنك لن تُكمل طريقك”، فسقط الطفل ميتاً لوقته، لكن عندما رأى البعض ما حدث، قالوا: “من أين أتى هذا الصبي، حتى إن كل كلمة منه بمثابة عمل قد اكتمل؟”. ثم جاء أهل الصبي الميت إلى يوسف، ولاموه قائلين: “بما إنك تربي مثل هذا الصبي لا يمكنك إذن أن تعيش معنا في القرية، إلا بأن تعلمه أن يبارك ولا يلعن، لأنه يميت أولادنا”. فدعا يوسف الصبي الصغير على انفراد ولامه قائلاً: “لماذا تفعل هذه الأشياء التي تجعلهم يكرهوننا ويضطهدوننا؟” ولكن يسوع قال: أنا أعرف أن هذه الكلمات ليست لك، ورغم ذلك من أجلك سوف أؤثر السلامة، ولكنهم سينالون عقابهم”، وللحال أًصيب الذين اتهموه بالعمى”. (فصل 4، 5).

ومن المرجح أن تعود تلك النسخة الحالية المنقحة من إنجيل الطفولة هذا إلى ما بعد القرن السادس الميلادي.

8 – الإنجيل العربي لطفولة يسوع

أدى كل من إنجيل يعقوب التمهيدي وإنجيل توما إلى ظهور الكثير من أناجيل الطفولة الأخرى التي وسّعت من أحداث القصص التي وردت في هذين المصدرين وأضافت إليها قصصاً أخرى، والكتاب المعروف بـ “الإنجيل العربي لطفولة يسوع” هو مثال قوي على هذا. استمد هذا الكتاب المتأخر محتوى جزئه الأول من إنجيل يعقوب التمهدي، ومحتوى جزئه الثاني من إنجيل توما، لكنه أضاف إليهما الكثير من الأحداث الجديدة والغربية. وهكذا يذكر هذا الإنجيل الأبوكريفي أن يسوع قال لأمه وهو نائم في مهده: “أنا يسوع ابن الله، اللوغوس الذي ولدتيه أنتِ”.

9 – التاريخ العربي ليوسف النجار

هناك عمل مشابه يدعى “التاريخ العربي ليوسف النجار”، وهو يحكي قصة حياة يوسف النجار وموته وتأبين يسوع له. ولقد ضمن الكاتب في هذا العمل بعضاً من مادة إنجيل يعقوب التمهيدي وإنجيل توما، تلك التي أضاف إليها عدة تفاصيل مختلفة. أما هدف هذا الإنجيل فهو الإعلاء من شأن يوسف النجار والتشجيع على تكريمه الذي كان معتاداً في مصر. ولدينا نص هذا الإنجيل كاملاً في العربية واللهجة القبطية البحيرية، وشذارت منه في اللهجة القبطية الصعيدية؛ ولقد ترجم في القرن الرابع عشر إلى اللاتينية. أما بالنسبة لزمن كتابته، فلا بد أن هذا الإنجيل لم يكتب قبل القرن الرابع، كما أن زمن كتابته لا يتعدى القرن الخامس.

10 – إنجيل فيلبس

لم تُنسب الأناجيل الأبوكريفية إلى بطرس ويعقوب وتوما فقط بل إلى باقي الرسل أيضاً. وقد تكلم إبيفانيوس (Haer. 26: 13) عن الغنوسين المصريين قائلاً: “لقد زيفوا إنجيلاً باسم فيلبس، التلميذ القديس، وهو يقول فيه: “لقد كشف لي الرب عن الذي يجب أن تقوله النفس بينما تصعد إلى السماء، والكيفية التي يجب بها أن تجيب على كل قوة من القوات العليا – يجب على النفس أن تقول: “لقد عرفت نفسي، وجمعت شتات نفسي من كل مكان، ولم ألد أولاداً للحاكم، ولكني قضيت عليه، وجمعت الأعضاء المشتتين في جميع الاتجاهات. وأنا أعرف من أنت، لأني أحد الذين هم فوق”. وتكشف هذه الشذرة التي اقتبسها إبيفانيوس من إنجيل فيلبس عن ميل قوي للاتجاه النسكي الغنوسي الذي يزعم أنه يجب على الشرارات الإلهية المبعثرة في العالم أن تتحد وأن تتخلص من تأثير المادة. ويبدو أن الكتاب القبطي المعروف باسم “بيستيس صوفيا” (Pistis Sophia)[10]، كان يشير إلى إنجيل فيلبس عندما ذكر أن فيلبس الرسول قد دون تعاليم سرية علمها الرب لتلاميذه بعد قيامته، ومن هذا يمكننا أن نستنتج أن هذا الإنجيل كان موجوداً في القرن الثالث الميلادي.

11. إنجيل متياس

يذكر أوريجينوس – في عظته الأولى على إنجيل لوقا – أن “إنجيل متياس” كان معروفاً في زمانه. ويظن كل من (M. R. James) و(O. Bardenhewer) أن العمل الذي ذكره كليمندس السكندري باسم “تقاليد متياس” ربما يكون هو هذا الإنجيل نفسه، لكن هناك آخرين، مثل (O. Stahlin) و(J. Tixeront)، يشكون في صحة هذا الأمر. أما الفقرات التي كتبها كليمندس – ذاكراً فيها “تقاليد متياس” – فهي التالية:

“إن بداية معرفة الحق هي أن يشك المرء في الأشياء، وذلك كما يقول أفلاطون في محاورة ثياتيتوس (Theaetetus). وها هو متياس ينصحنا قائلاً: “شك في الأشياء التي أمامك، جاعلاً من هذا الأمر الخطوة الأولى نحو معرفة أعمق” (strom 2: 9: 45).

“إن هؤلاء الغنوسيين الملفين حول باسيليدس يقولون إن متياس قد علمهم قائلاً: “يجب علينا أن نحارب ضد الجسد ونقمعه، لا نسلمه أبداً للمتع الفاحشة، لكن يجب علينا أن نجعل الروح ينمو من خلال الإيمان والمعرفة”. (strom 3: 4: 26).

“يقولون إن متياس الرسول قال في “التقاليد”: “إنه في كل مرة يخطئ جار الإنسان المسيحي، فإن المسيحي أيضاً يكون قد أخطأ، لأنه لو كان المسيحي قد سلك بحسب ما توصي به الكلمة، لكان الجار أيضاً قد شعر بالخجل من أسلوب حياته، وما كان قد أخطأ”. (strom 7: 13: 82).

وسواء كانت هذه الفقرات من “تقاليد متياس” تمثل جزءً من إنجيل متياس أو لم تكن، فلا بد من أن هذا الأخير قد كُتب قبل زمن أوريجينوس.

12 – الإنجيل بحسب برنابا

لم يبق لدينا أي شيء من هذا الكتاب، لكننا قد عرفناه عن طريق “المرسوم الجلاسياني”، الذي يعود إلى القرن السادس الميلادي والذي يذكره من ضمن كتب الأبوكريفا؛ كما أنه مذكور أيضاً في “قائمة الستين كتاباً” اليونانية التي تعود إلى القرن السابع أو الثامن. غير أن هناك عملاً مختلفاً تماماً معروف باسم “إنجيل برنابا الإيطالي” نشره كل من (Lonsdale) و(Laura Ragg) عام 1907م، وقد كتب هذا الأخير مسيحي ارتد إلى الإسلام في القرن الرابع عشر الميلادي، وهو يهدف في الأساس إلى اثبات أن محمداً هو المسيا، وأن الإسلام هو الدين الوحيد الصحيح.

13 – إنجيل برثلماوس

ذكر جيروم هذا الإنجيل في مقدمة تفسيره لإنجيل متى، وقد جاء ذكره أيضاً في “المرسوم الجلاسياني”. وهو نفسه، على الأرجح، العمل المعروف باسم “أسئلة برثلماوس” والذي نعرف أنه قد كُتب أصلاً باللغة اليونانية، وإلى جانب مخطوطتين يونانيتن، الأولى في فيينا والأخرى في أورشليم، لدينا أيضاً شذرات من “أسئلة برثولماوس” في ترجمات سلافية وقبطية ولاتينية. وهو يحتوي – في شكل أجوبة على أسئلة برثلماوس – على إعلانات أعطاها الرب بعد قيامته، وكذلك على إعلانات أعطيت بواسطة مريم العذراء، بل إنه حتى الشيطان نفسه يظهر ويجيب على أسئلة برثلماوس بخصوص الخطية وسقوط الملائكة. كما أن “نزول المسيح إلى الجحيم” موصوف في هذا العمل بالتفصيل.

14 – أناجيل أبوكريفية أخرى

كان من عادة الهراطقة، وخاصة الغنوسيين، أن يكتبوا أناجيل بهدف تدعيم تعاليمهم الخاصة، لذا كان هناك عدد كبير من هذه الأناجيل الأبوكريفية، معظمها معروف لدينا بالاسم فقط، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

  1. إنجيل أندراوس: من المرجح أن كاتبه كان ذا أصل غنوسي ويبدو أن القديس أغسطينوس يشير إليه في: (Contra Adversarios Legis et Prophetarum. 1: 20).
  2. إنجيل يهوذا الأسخريوطي: ذلك الذي كان أعضاء طائفة القايينيين[11] (Cainites) الغنوسية يستعملونه.
  3. إنجيل تداوس: وهو مذكور في المرسوم الجلاسياني.
  4. إنجيل حواء: يذكر إبيفانيوس أنه كان متداولاً بين أعضاء طائفة البوربوريين[12] (Borborites)، وهي طائفة أوفيتية[13] غنوسية.

وبعض هذه الأناجيل يحمل أسماء هراطقة مشهورين مثل:

  1. الإنجيل بحسب باسيليدس: يقول أوريجانوس إن هذا الهرطوقي قد “بلغ من الوقاحة” حتى إنه كتب إنجيلاً. وقد ذكر هذا العمل كل من أمبروسيوس وجيروم، ومن الممكن أن يكون باسيليدس قد قام بإعادة صياغة للأناجيل القانونية حتى يجعلها مؤيدة للتعاليم الغنوسية.
  2. إنجيل كيرنثوس: ذلك الذي ذكره إبيفانيوس.
  3. إنجيل فالنتينوس: وترتليانوس هو مصدر معلوماتنا عن هذا العمل.
  4. إنجيل أبيلس (Apelles)، الذي أشار إليه كل من جيروم وإبيفانيوس.

والسمة المشتركة بين هذه الأناجيل جميعاً هي أنها تتعامل مع محتوى الأسفار القانونية بأسلوب قاس وملتو؛ فالروايات الإنجيلية القانونية تُستعمل فيها كإطار للاستعلانات الغنوسية؛ تلك التي يعلنها الرب أو مريم في حوارات مع تلاميذ يسوع بعد قيامته. أما فيما يتعلق بالتأملات الكونية التي تحتوي عليها فهذه الأناجيل ذات طابع رؤيوي، ولهذا السبب سُميت بـ “الأناجيل الرؤيوية” (Gospel – Apocalpses).

[1] هو اسم معناه الفقراء أو المساكين، وهم جماعة مسيحية ذات نزعة تهودية. وكانوا يستخدمون إنجيل العبرانيين (من كتب الأبوكريفا)، واعتقدوا أن الحفاظ على الختان والناموس أمر ضروري للخلاص. وكانت لهم تعاليم خاطئة عن الرب يسوع. (المراجع).

[2] كانوا متشددين ناموسياً لدرجة شديدة ورفضوا الاعتراف بألوهية الابن قبل تجسده، إلا أنهم آمنوا بولادته من العذراء وبصلبه وقيامته، ورفضوا كل رسائل بولس لأنها لا تعطي أهمية للناموس، ولم يبالوا بكل الأسفار الأخرى واستعملوا فقط ما يسمى بإنجيل العبرانيين والذي يطلق عليه إنجيل الناصريين نظراً لاستخدامهم له. وكانوا يحافظون على السبت وسائر نظم اليهود، وقد تحدث عنهم يوسابيوس في كتابه تاريخ الكنيسة (3: 27). (المراجع).

[3] انظر يوسابيوس القيصري؛ تاريخ الكنيسة 3: 39: 16؛ 6: 25: 4. والقديس إيريناوس (ضد الهرطقات 1: 1).

[4] هي بدعة تعود إلى القرن الأول الميلادي وانتشرت بين الغنوسيين، ينادي أصحابها أن جسد المسيح هو خيال، وأن آلامه وموته كانت مجرد آلام ظاهرية، وتكلم عنهم القديس يوحنا الرسول في (1يو 4: 2، 2يو 7)، وحاربهم القديس إغناطيوس الأنطاكي في رسائله كما يتضح في المتن. (المراجع).

[5] لا نعرف من أين استقى المؤلف هذه المعلومة: فبيلاطس ليس أحد قديسي السنكسار القبطي (المترجم).

[6] كان البابا جلاسيوس الذي تولى باباوية الكنيسة الكاثوليكية من سنة 492-496م قد أصدر قراراً في نهاية القرن الخامس يحتوي على أسماء الكتب المقدسة القانونية والكتب المنحولة. في الجزء الثاني منه نجد أسماء الأسفار القانونية (27 سفراً للعهد الجديد) وفي الجزء الخامس من القائمة نجد أسماء كتب مرفوضة وممنوع قراءتها. وقد ورد فيها كتاب باسم إنجيل برنابا وبقية أسماء الكتب المذكورة هي كتب غنوسية. منها أعمال اندراوس، أعمال بطرس، أعمال توما، أعمال فيلبس، انجيل يعقوب الصغير، انجيل برثلماوس، إنجيل بطرس، انجيل اندراوس، كتاب طفولة المخلص، رؤيا توما، رؤيا بطرس، رؤيا استفانوس…. وغيرها. ويقول البابا جلاسيوس: “إن هذه الكتب (المنحولة) وما شابهها قد علمها ودونها الهراطقة والمنشقون وأتباعهم. فنحن نرفض هذه الكتب ونستبعدها في كل الكنيسة الرومانية الكاثوليكية الرسولية ونحرمها مع كاتبيها”. (المراجع)

[7] Philos 5: 7.

[8]الناسيين” هي جماعة ربما يكون اسمها مشتق من الكلمة العبرية (nahash)، والتي معناها (ثعبان). وهي جماعة ظهرت حوالي عام 100م تقريباً، ولم تعرف إلا من خلال كتابات هيبوليتوس الروماني، وقد زعموا أنهم تلقوا تعاليمهم من مارياميني تلميذة يعقوب البار، ويمكن اعتبار أن تعليمهم ينتمي إلى المراحل الأولى من البدعة الغنوسية. (المراجع).

[9] البدعة المانوية نسبة إلى ماني (215 – 276م) وهو فارسي الأصل، كان تعليمه مزيجاً من الديانات (المسيحية والبوذية وازرادشتية)، علم بوجود مبدأين للخلق (إله النور/ الخير)، (إله الظلمة/ الشر) فكل ما هو خير هو روحي، وكل ما هو مادي فهو شر. لذلك رفض التجسد، وعلم بأن الشر له كيان مادي وأنه كائن في الطبيعة البشرية. ونادى بعدم الزواج لأنه الوسيلة التي ينتقل بها الشر في الكيان الإنساني. والخلاص في المانوية هو تحرر الروح من سجن الجسد حتى تتحد بمبدأ الخير وذلك لن يتم إلى عن طريق تعذيب الجسد، بالزهد والتنسك والتصوف وإيقاف الغرائز الجسدية. (المراجع)

[10] هو مخطوط غنوسي آخر وجد خارج مجموعة نجع حمادي يرجع تاريخه للقرن الرابع الميلادي، وهو يتضمن مجموعة من الحوارات بين السيد المسيح وتلاميذه من الرجال والنساء. (المراجع).

[11] هم طائفة غنوسية كانت مزدهرة في القرن الثاني الميلادي وخصوصاً في المنطقة الشرقية من الإمبراطورية الرومانية، كانت رؤيتهم ليهوه أنه شرير لأنه صمم العالم على نحو معاذ للخير، حتى يمنع العنصر الإلهي في الإنسان من الاتحاد بالإله الكامل غير المعروف، وكانوا يمجدون الشخصيات الكتابية التي رُفضت في العهد القديم مثل قايين وعيسو وغيرهم من الذين اعتقدوا بأنهم كانوا يحملون معرفة باطنية مختلفة، ويقولون إن هذه الشخصيات عوقبت بواسطة إله غيور وشرير، ويطلق على القايينيين أحياناً لقب “الغنوسيين المستبيحين”، وذلك لإيمانهم بأن الخلاص والكمال الحقيقي، يأتي فقط عن طريق كسر كل الوصايا الكتابية في فترة حياة واحدة فقط، أي يجب على الغنوسي الذي يريد الخلاص أن يكسر كل الوصايا أثناء حياته. (المراجع).

[12] كان البوبربوريون طائفة غنوسية موغلة في القذارة والشر بشكل غير طبيعي، وكلمة “بوربوري” مأخوذة من الكلمة اليونانية “بوربوروس” والتي تعني “وحل”؛ لذا يمكن أن تترجم كلمة “البوربوريين” إلى “القذرين”. وكانت عقائدهم تتضمن ممارسة الشذوذ الجنسي بالإضافة إلى أمور أخرى غاية في القذارة. وبما أن كل ما نعرفه عن هؤلاء البوربوريين قد أتى من أعدائهم، لذلك لا يمكننا أن نكون متأكدين ما إذا كانت هذه الاتهامات صحيحة أم مبالغاً فيها. (المراجع)

[13] الأوفيتي هو عضو طائفة من ضمن عدة طوائف غنوسية ازدهرت في الإمبراطورية الرومانية في القرن الثاني الميلادي ولعدة قرون لاحقة. اندرج تحت اسم “الأوفيتيين” عدة طوائف غنوسية مثل الناسيين والقايينيين، وقد اختلفت عقائد هذه الطوائف عن بعضها البعض من أوجه كثيرة لكنها جميعاً تمحورت حول نظرية لاهوتية ثنائية وضعت كائناً أعلى ذا طبيعة روحية محضة – وهو مصدر العملية الكونية والخير الأسمى – على طرف النقيض مع عالم مادي فوضوي وشرير. بالنسبة إلى الأوفيتيين، كانت معضلة الإنسان نتيجة كونه خليطاً من هذه العناصر الروحية والمادية فقط المعرفة – المعرفة الباطنية الخير والشر – هي التي تستطيع ان تخلص الإنسان من قيود المادة وتجعله على دراية بهذا الإله غير المعروف المصدر الحقيقي لكل وجود. (المراجع)

إقرأ أيضًا:

إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

إغناطيوس هو الأسقف الثاني على إنطاكية، وهو رجل ذو شخصية فريدة حُكم عليه في عهد تراجان (98-117م) بأن يقدم للوحوش المفترسة، فتم ترحيله من سوريا إلى روما لكي يستشهد هناك. وفي طريقه إلى المدينة الخالدة، كتب القديس إغناطيوس سبع رسائل هي الذكرى الوحيدة الباقية لنا عن الآلام الشديدة التي جازها.

كُتبت خمس من هذه الرسائل إلى الجماعات المسيحية في مدن أفسس ومغنسيا وتراليا وفيلادليفيا وسميرنا (أزمير)، وهي المدن التي كانت قد أرسلت مندوبين عنها لتحيته عندما كان في طريقه إلى روما. وهناك أيضاً رسالة أخرى موجهة إلى الأسقف بوليكاريوس أسقف سميرنا، أما أهم تلك الرسائل جميعاً فيه تلك الموجهة إلى الجماعة المسيحية في المدينة التي كان يقصدها، مدينة روما.

والرسائل التي قُصد توجيهها إلى أفسس ومغنسيا وتراليا، تم تدوينها في مدينة سميرنا، وهو يشكر فيها الجماعات المسيحية في تلك المدن على ما أظهروه ببراهين كثيرة من شفقة عليه بسبب ما هو مزمع أن يواجهه، ثم يحثهم على طاعة الرؤساء الكنسيين ويحذرهم من التعاليم الغريبة التي للهراطقة.

ومن نفس المدينة، أرسل إغناطيوس تحياته الحارة إلى أعضاء كنيسة روما، راجياً إياهم ألا يتخذوا أي خطوة تحول دون تحقيق رغبته الشديدة، وهي أن يموت من أجل المسيح، لأن الموت بالنسبة له ما كان إلا بداية الحياة الحقيقية: “كم هو مجيد أن أكون شمساً تغرب عن العالم نحو الرب حتى أشرق في حضوره” (رومية 2: 2). “أخاف أن يضرني حبكم، لأني لن أجد فرصة أخرى لملاقاة الرب. فأنا حنطة الرب ويجب أن أطحن بأسنان الوحوش الضارية حتى أصير خبزاً نقياً للمسيح” (رومية 1: 2، 2: 1، 4: 1).

أما رسائل إغناطيوس إلى شركائه في الإيمان في كل من فيلادليفيا وسميرنا، بالإضافة إلى رسالته لبوليكاريوس، فأرسلت من تراوس، لأنه كان قد نما إلى علم إغناطيوس، عندما كان هناك، أن الاضطهاد قد توقف في إنطاكية، ومن ثم أرسل إلى المسيحيين في فيلادليفيا، وسميرنا، وأيضاً إلى أسقف سميرنا “بوليكاريوس” ليحثهم على أن يرسلوا رُسلاً إلى أنطاكية لتهنئة الإخوة هناك.

وتُشبه هذه الرسائل بشدة تلك التي كان إغناطيوس قد أرسلها من سميرنا، وذلك من حيص الموضوعات التي تتناولها، فهي تحمل رجاءً حاراً من أجل وحدة الإيمان ووحدة الذبيحة، وتحث قراءها على الارتباط الوثيق بالأسقف المعين لرعايتهم. أما الرسالة إلى بوليكاريوس فتتضمن، إضافة إلى ما سبق، تعليمات خاصة بخدمة الأسقف؛ فهو يسدي إليه بعض النصائح مثل: “قف ثابتاً مثل السنديان تحت المطرقة، الرياضي العظيم هو الذي يتلقى الضربات ولكنه يغلب” (بوليكاريوس 3: 1).

وتلقي هذه الرسائل بالضوء على الحالة الداخلية للجماعات المسيحية المبكرة، وهي أيضاً تعطينا لمحة عما يدور في قلب هذا الأسقف الشهيد العظيم، وترسل نحونا نسمة من الغيرة الروحية، تلك التي تمتلك كياننا وتُشعل في قلوبنا نارها. ولغة إغناطيوس روحية وشديدة الأصالة، تبعد عن الزخارف الكلامية والتكلف الأدبي وروحه تحمل غيرة لا تضاهى وحماسة تحلق في مستوى يعلو أساليب التعبير المعتادة وتتخطاه. وأخيراً، فإن تلك الرسائل ذات أهمية تفوق الوصف في تاريخ العقيدة.

التعاليم اللاهوتية عند القديس إغناطيوس

  1. إن عقيدة “التدبير الإلهي في الكون” هو محور التعاليم اللاهوتية عند إغناطيوس. فلقد أراد الله أن يخلص العالم والبشرية من طغيان رئيس هذا العالم، لذا أعد البشرية للخلاص في اليهودية، مستخدماً الأنبياء كأداة؛ الذين قد تحقق لهم كل ما كانوا ينتظرونه في المسيح: “يسوع المسيح هو معلمنا الوحيد. إنه هو الذي تتلمذ له الأنبياء في الروح، وهو الذي كانوا ينتظرونه كمعلم لهم. (مغنسيا 9: 1-2).
  2. التعاليم الخريستولوجية عند إغناطيوس واضحة جداً، سواء فيما يختص بلاهوت المسيح أو ناسوته: “هناك طبيب واحد، جسدي وروحي، مولود وغير مولود الله قد صار إنساناً، وحياة حقيقة في الموت نبعت من العذراء ومن الله تألم قبلاً، وهو الآن عصيّ عن الألم، يسوع المسيح ربنا” (أفسس 7: 2). ويقول أيضاً: “إنه بالحقيقة من نسل داود حسب الجسد وابن الله بمشيئة الله[1] وقوته؛ ولد حقاً من عذراء، واعتمد من يوحنا لكي يكمل كل بر” (سميرنا 1: 1).

والمسيح لا زمان له وغير منظور . “ترجى ذاك الذي لا زمان له، غير المنظور الذي لأجلنا صار منظوراً، غير المتألم الذي صار معرضاً للألم إكراماً لنا، الذي لأجلنا احتمل كل شيء” (بوليكاريوس 3: 2).

وفي الوقت نفسه هاجم إغناطيوس البدعة المعروفة باسم “الدوستية”[2] (الخيالية) التي أنكرت طبيعة المسيح البشرية، خاصة فيما يتعلق بآلامه: “لكن إن قال أحد، مثل بعض الملحدين غير المؤمنين، إن آلامه كانت خيالية (وهم الخياليون حقاً) فلماذا أنا إذاً في سلاسل؟ لماذا أصلي حتى أصارع الوحوش؟ سأموت إذاً عبثاً! ستكون شهادتي، في آخر الأمر، مجرد كذبة عن الرب! تجنبوا هذه الأغصان البرية التي لا تحمل سوى ثمر مميت، تلك التي إن ذاقها أحد يحكم عليه بالموت الكلي” (تراليا 1: 10، 11).

“إنهم يجتنبون الصلاة والاشتراك في الإفخارستيا، لأنهم لا يعترفون بأن الإفخارستيا هي جسد مخلصنا يسوع المسيح، الجسد الذي تألم من أجل خطايانا، والذي أقامه الآب من الأموات برأفات محبته. وهكذا يهلك هؤلاء الذين في مجادلاتهم يشككون في عطية الله. الأفضل لهم أن يقتنوا المحبة حتى يكون لهم نصيب في القيامة. إذاً، من الأفضل أن نتجنب مثل هؤلاء القوم ولا نتحدث عنهم سواء سراً أو علانية، ولندرس كتابات الأنبياء جيداً، خاصة الأناجيل تلك التي نرى فيها الآلام واضحة والقيامة ظاهرة بكمالها”. (سميرنا 7).

وبعد أخذ كل ما يلزم في الاعتبار، يمكننا أن نقول إن الأساس الذي قامت عليه التعاليم الخرستولوجية للقديس إغناطيوس هو التعاليم اللاهوتية عند القديس بولس، لكنها تأثرت أيضاً بتعاليم القديس يوحنا اللاهوتي الذي أثراها.

  1. سُميت الكنيسة في رسائل القديس إغناطيوس بـ “مكان الذبيحة” (أفسس 5: 2؛ تراليا 7: 2؛ فيلادلفيا 4) ويبدو أن مفهوم الإفخارستيا باعتبارها الذبيحة التي تقدمها الكنيسة هو سبب هذه التسمية، خاصة وأن الإفخارستيا قد سُميت في الديداخي “الذبيحة”. ولقد دعا إغناطيوس الإفخارستيا “دواء الخلود، وترياق عدم الموت، والحياة الأبدية في المسيح” (أفسس 20: 2)، وهو ينصح قائلاً: “إذاً، احرصوا على الاشتراك في إفخارستيا واحدة؛ لأن جسد ربنا يسوع المسيح واحد، وواحد هو الكأس الذي وحدنا بدمه، كما أن هناك أسقفاً يساعده القساوسة والشمامسة شركائي في الخدمة”. (فيلبي 4).

كما أن الاقتباس التالي واضح بما لا يدع مجلاً للخطأ في فهم المعنى المقصود: “الإفخارستيا هي جسد مخلصنا يسوع المسيح، الجسد الذي تألم لأجل خطايانا، والذي أقامه الآب من الأموات برأفات محبته”. (سميرنا 7: 1).

  1. كان إغناطيوس هو أول من استخدم مصطلح “الكنيسة الجامعة[3]” (سميرنا 8: 2) ويعني به المؤمنين كلهم بشكل جماعي: “حيث يظهر الأسقف هناك تجتمع الرعية، تماماً كما أنه حيث يكون يسوع المسيح هناك تكون الكنيسة الجامعة” (سميرنا 8: 2).
  2. وندرك من رسائل إغناطيوس الصورة الحية لكرامة الرئاسات الكهنوتية والمكانة الممنوحة للأسقف في وسط رعيته. ولا يذكر القديس إغناطيوس أي شيء عن الأنبياء الذين كانوا لا يزالون ينتقلون من كنيسة إلى أخرى مدفوعين من الروح القدس كما وصفوا في الديداخي، بل كان هناك أساقفة ذوو سلطة يرعون جماعات. ونحن لا نرى في الصورة سوى الأسقف الذي يحيط به كهنته وشمامسته. ويترأس الأسقف كممثل لله، ويشكل الكهنة مجمع الرسل، ويقوم الشمامسة بخدمات المسيح: “إني أنصحكم بأن تجتهدوا لتفعلوا كل شيء في اتفاق إلهي، برئاسة الأسقف القائم مقام الله، والكهنة يعملون كمجمع الرسل، أما الشمامسة – وهو الأقرب إلى قلبي – فمؤتمنون على خدمة يسوع المسيح” (مغنيسيا 6: 1).

إن الفكرة القائلة بأن الأسقف يمثل حضور المسيح تكسب وظيفته كرامة وسمواً غير عادي حتى أن سلطان الأسقف صغير السن يصبح أمرً لا يمكن التشكيك فيه: “ولكن بالنسبة لكم أيضاً، يجب ألا تستغلوا له كل احترام لكونه يمثل سلطة الله الآب، وقد عرفت أن قساوستكم يفعلون هذا عينه، إنهم لا يطلبون أن يربحوا شيئاً من وراء حداثة سنه؛ لا، بل إنهم حكماء في الله ولهذا يخضعون له، أو بالأحرى ليس له، بل لأبي ربنا يسوع المسيح، أسقف البشر جميعهم.” (مغنيسيا 3: 1).

  1. والأسقف – قبل كل شيء – هو معلم المؤمنين والمسؤول عنهم، ومعنى أن يكون المسيحي في شركة معه هو أن يكون محصناً ضد الخطأ والهرطقة (تراليا 6؛ فيلادلفيا 3)، وذلك لأن الأسقف دائماً ما يحض رعيته على السلام والوحدة اللذين لا يمكن الوصول إليهما إلا بالتضامن مع الرئاسة الدينية: “لذلك يجب أن تعملوا في اتفاق مع فكر الأسقف؛ وهذا هو ما تفعلونه. وبكل تأكيد ينطبق هذا الكلام على جماعة قساوستكم، هؤلاء الجديرون باسم القسوسية والجديرون بالله، لأنهم متناغمون مع الأسقف تماماً كتناغم الأوتار مع القيثارة، ولهذا السبب تنطبق من سيمفونية تناغمكم ومحبتكم ترانيم التسبيح ليسوع المسيح. لكن، ينبغي عليكم – أيها العلمانيون – أن تشكلوا أنتم أيضاً جوقة تسبيح، وذلك حتى إنه بانضمامكم إلى تلك السيمفونية بتناغمكم معاً، وحصولكم على مفتاح موسيقاكم من الله باتحادكم، يمكن لكم في صوت واحد من خلال يسوع المسيح أن ترنموا للآب، وهكذا سيسمعكم وسيميز فيكم ألحان ابنه بسبب صلاح حياتكم. لذلك، يجب عليكم أن تستمروا في وحدتكم التي لا عيب فيها، حتى يكون لكم في كل وقت نصيب في الله” (أفسس 4، ACW).
  2. والأسقف – بحسب إغناطيوس – هو أيضاً رئيس الكهنة المسؤول عن إقامة الليتورجيا وهو موزع أسرار الله، فلا يمكن أن يُحتفل بالمعمودية أو مائدة الأغابي أو الإفخارستيا بدونه: “ليس مسموحاً بدون إذن الأسقف أن تتم معمودية أو تقام مائدة أغابي؛ لكن الأمر الذي يقره الأسقف، مهما يكن، هو مقبول من الله، وهكذا يكون كل شيء تفعلونه محصناً من الأخطار وشرعياً”. (سميرنا 8: 2). “لا يصنع أحد شيئاً متعلقاً بالكنيسة بعيداً عن الأسقف. ولنعتبر الاحتفال الإفخارستي الذي يقيمه الأسقف أو من ينوب عنه هو وحده الشرعي”. (سميرنا 8: 1).

وبالمثل، يجب أن تُبرم عقود الزواج أمامه: “بالنسبة لهؤلاء الذين من الجنسين ويفكرون في الزواج، سيكون من اللائق أن يدخلا في هذا الاتحاد بمباركة الأسقف؛ وهكذا يكون زواجهم مقبولاً أمام الرب وليس إشباعاً لشهوة ما”. (بوليكاريوس 5: 2).

  1. إن شرح القديس إغناطيوس للزواج والبتولية يُظهر تأثير القديس بولس عليه، فالزواج عنده يمثل الاتحاد بين المسيح وعروسه الكنيسة: “أخبر أخواتي أن يحببن الرب وأن يكتفين بأزواجهن جسدياً وروحياً. وبالمثل، أنصح إخوتي في اسم يسوع المسيح أن يحبوا زوجاتهم مثلما أحب الرب الكنيسة” (بوليكاريوس 5: 1).

ولكنه أيضاً ينصح بالبتولية: “إذا كان إنسان يستطيع أن يظل بتولاً لإكرام جسد الرب، فليهرب دائماً من التفاخر.” (بوليكاريوس 5: 2).

  1. حينما يقارن المرء افتتاحيات الرسائل الموجهة إلى الجماعات المسيحية في آسيا الصغرى مع التحيات التي وجهها إغناطيوس إلى كنيسة روما، لن يبادره أي شك في كون إغناطيوس يضع كنيسة روما في مكانة أعلى من الكنائس الأخرى، ولا يمكن أن نكون قد بالغنا في فهم دلالة هذه التحيات؛ فهي بمثابة أقدم اعتراف بأولوية كنيسة روما نملكه بقلم كاتب كنسي غير روماني[4]: “من إغناطيوس المدعو أيضاً حامل الله إلى الكنيسة التي وجدت رحمة في العظمة الفائقة التي لله الآب العلي، وفي يسوع المسيح ابنه الوحيد؛ الكنيسة التي بإرادته – ذاك الذي بإرادته صار كل شيء – صار محبوبة ومستنيرة بإيمان ومحبة يسوع المسيح إلهنا؛ المترئسة أيضاً في عاصمة بلاد الرومان، تلك اللائقة بالله، واللائق بها الفخر، واللائق بها الحبور، واللائق بها المديح، واللائق بها القداسة، والمترئسة في المحبة، والحافظة لشريعة المسيح، والحاملة لاسم الآب، أحييها باسم يسوع المسيح ابن الآب. وأتمنى الفرح الذي لا ينقطع في يسوع المسيح إلهنا لهؤلاء الذين هم متحدون في الجسد والروح بكل وصاياه الذين برباطة جأش يتمتعون بملء نعمة الله، هؤلاء الأنقياء من كل صبغة غريبة” (ACW) ومن ضمن ألقاب المديح التي أسبغها إغناطيوس الأنطاكي على كنيسة روما لقب محدد استرعى انتباه الدارسين، وهو “المترئسة في المحبة” ، لكنهم منقسمون جداً حول ما يعنيه هذا اللقب، فقد رأي أ. هارناك (A. Harnack) في هذه العبارة مجرد اعتراف يحمل عرفاناً بالجميل بسبب المحبة الفائقة التي كان المسيحيون الرومانيون يُظهرونها. فوفقاً لرأيه، لُقبت كنيسة روما بلقب “المترئسة في المحبة” لأنها كانت أكثر الكنائس إحساناً وكرماً واستعداداً لتقديم يد العون، ولهذا السبب صارت حامية وراعية المحبة. غير أنه لا يمكن للمرء أن يتجاهل حقيقة كون اللقب قد جاء ذكره في التحيات مرتين بدون أي تغير واضح في المعنى، وقد ذكره إغناطيوس في المرة الأولى على النحو التالي: “المترئسة أيضاً في عاصمة بلاد الرومان” ، وهنا تصبح فكرة الرئاسة الكنسية لا مفر منها[5]، ويصبح تفسير هارناك غير قابل للتطبيق. أما الدليل على هذا هو أن العبارة الاصطلاحية اليونانية نفسها المستخدمة هنا لم تستخدم في أي مكان آخر في رسائل إغناطيوس إلا في (مغنيسيا 6: 1، 2)، وهي تشير، بلا أدنى خطأ من جانبنا، إلى ممارسة الأسقف والقساوسة والشمامسة لوظيفة الإشراف. كما أن هناك مشكلة أصعب فيما يتعلق بالمعنى المقصود من كلمة “المحبة” ، فمن يقرأ رسائل إغناطيوس سرعان ما سيدرك أن كلمة مُستخدمة فيها بعدة معاني. ولقد قدم (F. X. Funk) حلاً اعتمد فيه على حقيقة كون إغناطيوس قد قام في أحيان عدة (مثلاً في: فيلادلفيا 11: 2؛ سميرنا 12: 1؛ تراليا 13: 1؛ رومية 9: 3) بجعل المصطلح “المحبة” مرادفاً للكنائس التي وجه إليها رسائله، ولكنه قام بتغير العبارة في الرسالة إلى كنيسة روما إلى: “مترئسة على رباط المحبة” بحيث تكون عبارة “رباط المحبة” مجرد طريقة أخرى لقول “الكنيسة الجامعة”. ولكن الأبحاث اللاحقة التي قام بها كل من (J. Thiele) و(A. Ehrhard) أثبتت أنه من المستبعد أن تكون هذه هي الترجمة الصحيحة وذلك مع أخذ سياق واتجاه فكر إغناطيوس في الاعتبار. أضف إلى ذلك أن الترجمات اللاتينية القديمة، والسريانية، والأرمنية لرسائل إغناطيوس لا تدعم مثل هذه الصياغة. أما الاقتراح الذي قدمه (J. Thiele) فهو الأكثر أقناعاً، وهو يقوم على إعطاء الكلمة المذكورة في هذه الفقرة معنى أوسع وأعمق، وفهم كلمة “المحبة” باعتبارها تعني كلية الحياة الخارقة للعادة التي يضرمها المسيح في قلوبنا بحبه، وهكذا يكون إغناطيوس قد عزا إلى كنيسة روما – بالعبارة القائلة: “المترئسة في المحبة” – السلطة ليكون لها دور الإرشاد والقيادة في هذا الأمر الذي يشكل جوهر المسيحية، وكذلك في النظام الجديد الذي أدخلته إلى العالم محبة المسيح الإلهية للبشر. لكن، وبعيداً عن تلك المشكلة الممثلة في هذا المُصطلح الصعب، تُظهر رسالة إغناطيوس إلى كنيسة روما في مُجملها – متخطية أي اعتراضات – أن إغناطيوس قد اعترف بالمكانة المُشرفة الممنوحة لكنيسة روما باعتباره أمراً تستحقه، وأن هذه المكانة المُشرفة ليس مؤسسة على مدى ما يتركه إحسانها من تأثير، بل على كونها حقاً أصيلاً أن تكون لها الأولية في الكنيسة الجامعة، وهذا ما تؤكده هذه العبارة الواردة في التحيات التي تقول: “المترئسة أيضاً في عاصمة بلاد الرومان”؛ وأيضاً عبارة “بل علمتم الآخرين” (روما 3: 1)؛ ومرة ثالثة بالطلب الذي قدمه إغناطيوس الأنطاكي لأعضاء كنيسة روما في رسالته إليهم بأن يقفوا إلى جانب كنيسة سوريا كما كان للمسيح أن يفعل وكما يجدر بالأسقف أن يعمل: “اذكروا في صلواتكم الكنيسة في سوريا تلك التي ليس لها إلا الله ليرعاها بدلاً مني. فلن يكون لها أسقف سوى يسوع المسيح ومحبتكم” (فصل 9: 1) وأيضاً من الأمور ذات المغزى، هو أن إغناطيوس بالرغم من أنه في كل رسائله يحض المؤمنين على الوحدة والتناغم إلا أنه لا يفعل ذلك في رسالته إلى كنيسة روما، وذلك لأن سلطانها ممنوح لها من مقدمي الرسولين بطرس وبولس: “إني لا آمركم كبطرس وبولس؛ إنهما رسولان أما أنا فمدان” (روما 4: 3). وهذه الشهادة أيضاً تجعل من إغناطيوس شاهداً مهماً على إقامة بطرس وبولس المؤقتة في روما.

المنهج السرائري (المستيكي) للقديس إغناطيوس

ومثلما تجمع التعاليم الخريستولوجية للقديس إغناطيوس بين التعليم اللاهوتي للقديس بولس والتعليم اللاهوتي للقديس يوحنا، هكذا أيضاً تأثر مذهبه المستيكي بكليهما، فهو يربط بين تعليم بولس عن الاتحاد بالمسيح وتعليم القديس يوحنا عن الحياة في المسيح. وهنا تظهر فكرة القديس إغناطيوس المحببة لديه وهي فكرة “الاقتداء بالمسيح”.

1 – الاقتداء بالمسيح

ربما لم يتحدث كاتب في العصور المسيحية المبكرة عن “الاقتداء بالمسيح” بمثل هذه الفصاحة التي تحدث بها القديس إغناطيوس. فإذا أردنا أن نحيا حياة في المسيح وفي الله لا بد أن نتبنى المبادئ والفضائل التي لله وللمسيح: “لا يستطيع الجسداني أن يحيا حياة روحية، ولا يستطيع الروحاني أن يحيا حياة جسدانية، فلا يمكن للإيمان أن يمارس أفعال الكفر، ولا يمكن للكفر أن يأتي بأفعال الإيمان. لكن، حتى الأشياء التي تفعلونها بالجسد هي روحي، لأننا نفعل كل شيء متحدين بيسوع المسيح”. (أفسس 8: 2).

ومثلما كان المسيح يعمل ما يعمله الآب، هكذا أيضاً يجب علينا أن نقتدي بالمسيح: “افعلوا ما فعله المسيح، لأنه هو أيضاً عمل ما يفعله الآب.” (فيلبي 7: 2).

ولكن هذا الاقتداء بالمسيح لا يقتصر فقط على حفظ الناموس الأخلاقي في حياة لا تختلف قيد أنملة عما علم به المسيح، ولكنه أيضاً يتضمن بشكل خاص أن يأخذ المرء إلى نفسه آلام المسيح وموته، وهكذا يستعطف إغناطيوس مؤمني روما قائلاً: “دعوني أتمثل بإلهي المتألم” (روما 6: 3).

2 – الاستشهاد

ينبع اشتياق إغناطيوس وحماسه للاستشهاد من إدراكه للاقتداء بربه، فهو يفهم الاستشهاد باعتباره قمة الاقتداء بالمسيح؛ ومن ثم يكون التلميذ الحقيقي للمسيح هو من لديه الاستعداد أن يبذل حياته من أجله: “إني لم أكتمل بعد في يسوع المسيح، ولكني بالفعل قد بدأت الآن أن أكون تلميذاً، وإني أخاطبكم الآن كشركائي في التلمذة.” (أفسس 3: 1) “أعذروني، أنا أعرف جيداً أين تكمن مصلحتي، فأخيراً أنا في طريقي لأكون تلميذاً. أتمنى ألا يشتت انتباهي أي شيء سواء كان منظوراً أو غير منظور حتى أكمل طريقي بسعادة إلى يسوع المسيح! النار، الصليب، الصراع مع الوحوش، سحق العظام، تشويه الأطراف، سحق الجسد بالكامل، العذابات الرهيبة التي يثيرها الشيطان، لتأت كلها عليّ بشرط أن أسير في طريقي إلى يسوع المسيح. فليس لأقاصي الكون أو ممالك العالم أية أهمية عندي، فأنا أفضل أن أموت وأمضي إلى يسوع المسيح على أن أصير ملكاً على الأرض كلها. إني أطلب ذاك الذي مات من أجلنا، إني أحب ذاك الذي قام بسببنا. لقد أتت آلام المخاض عليّ. سامحوني أيها الأخوة، لا تعطلوا وصولي إلى الحياة، ولا تكونوا راغبين في موتي؛ لا تقدموا إنساناً هدية إلى العالم وهو يريد أن يكون ملكاً لله، احذروا لئلا تغروني بالماديات، واسمحوا لي أن أنال النور النقي، فبمجرد أن أصل إلى هناك سأصير إنساناً”. (رومية 5: 3-6) “لماذا إذاً أسلم نفسي للموت، للنار، للسيف، للحيوانات المفترسة؟ حسناً أن اقترب من السيف يعني أني سأكون في يد الله، ليكن هذا فقط في اسم يسوع المسيح! إني أحتمل كل شيء لأتألم معه، يمنحني القوة، ذاك الذي قد صار إنساناً” (سميرنا 4: 2).

3 – سكنى المسيح

إن تعاليم بولس الرسول عن حلول الله في النفس البشرية تُشكل أحد الموضوعات المفضلة عند القديس إغناطيوس، فإن ألوهية المسيح تسكن في نفوس المسيحيين[6] كما في هيكل: “لنفعل كل شيء ونحن مقتنعون أنه يسكن فينا، وهكذا نكون هيكله وهو إلهنا الذي فينا. هذا حق وسيظهر أمام أعيننا، لذا دعونا نحبه كما يستحق”. (أفسس 15: 3).

وكان إدراك إغناطيوس لسكنى الله في الإنسان قد امتلكه تماماً وألهمه إلى درجة أنه قد صك مصطلحات جديدة دخلت إلى ثقافة عصره، فهو يدعو المسيحيين بالألقاب التالية: “حاملو الله” ، “حاملو المسيح” ، “حاملو الهيكل” : “هكذا أنتم كلكم رفقاء لنا في رحلة السفر، حاملو الإله، وحاملو الهيكل، وحاملو المسيح.” (أفسس 9: 2) وهو يدعو نفسه “حامل الله” وهكذا كان يبدأ رسائله بالعبارة التالية: “إغناطيوس المدعو أيضاً ثيؤفورس”.

4 – الكينونة في المسيح

إن المسيح ليس فقط فينا، ولكننا نحن أيضاً واحد معه، ومن ثم يرتبط المسيحيون بعضهم بالبعض الآخر في اتحاد إلهي. وهكذا يكرر إغناطيوس مرة بعد أخرى تعبير القديس بولس “في المسيح”، فهو يرغب في أن “يوجد في المسيح”. والاتحاد بالمسيح هو الرابطة التي تجمع كل المسيحيين معاً، لذلك هو يتوسل إلى أهل أفسس أن يتمثلوا بالرب: “حتى تكونوا كاملين في النقاوة والتعقل في يسوع المسيح جسدياً وروحياً”. (أفسس 10: 3).

وقد كتب إغناطيوس في رسالته إلى مؤمني مغنسيا يقول إنه يصلي لأجل الكنائس: “إني أصلي لكي يكون فيهم الوحدة القائمة على جسد وروح يسوع المسيح الذي هو حياتنا الأبدية، وحدة الإيمان والمحبة التي ليس هناك شيء آخر أفضل منها، لكنها اتحاد بنوع خاص مع يسوع والآب”. (مغنسيا 1: 2).

ومن الأمور المميزة لإغناطيوس هو أنه يؤكد مراراً وتكراراً على أن المسيحيين يصبحون متحدين في المسيح فقط حينما يكونون متحدين مع أسقفهم بالإيمان، وبالطاعة، وعلى وجه الخصوص بالشركة في العبادة الإلهية؛ فهو لا يعرف الاستقلالية الذاتية في الحياة الروحية أو في الاتحاد السري بالمسيح، لكنه يعترف فقط باتحاد إلهي واحد مع المخلص، هذا الذي يتم من خلال العبادة الليتورجية، فالمنهج الروحي للقديس إغناطيوس ينبع من العبادة الإلهية، أي أن مركزها ليس هو الفرد الواحد بل الجماعة المؤمنة التي تعمل كجسد واحد من خلال الليتورجيا. وهذا يفسر السبب في أن مصطلحاته السرائرية التي تخلل أسلوبه الأدبي تميل إلى الرموز والعبارات التي مصدرها العبادة والليتورجيا.

أصالة الرسائل

كانت أصالة هذه الرسائل محل شك لمدة طويلة من قبل البروتستانت، فقد كانوا يرون – من وجهة نظرهم – أنه من غير المحتمل أن يجد المرء في زمن الإمبراطور تراجان نظام الأسقفيات المونارخية أي ذات الأسقف الواحد، وهذا الترتيب الواضح القاطع في تقسيم الوظائف الكهنوتية إلى أساقفة، وقسوس وشمامسة. لقد شكوا في رسائل إغناطيوس باعتبارها رسائل ملفقة كتبت لهدف معين هو خلق المنظومة الكهنوتية. ومثل هذا الادعاء ليس صحيحاً. ولكن اليوم يتفق الجميع على أصالة تلك الرسائل، وذلك بعد الدفاع البارع الذي قدمه كل من لايت فوت (J. B. Lightfoot)، وهارناك (A. V. Harnack)، وزان (Th. Zahn)، وفانك (F. X. Funk) عن أصالتها. وتقف كل من الأدلة الخارجية والداخلية في صالحها، فلدينا شهادات ترجع إلى زمن كتاباتها؛ فقد كتب القديس بوليكاريوس أسقف سميرنا – وأحد من وجهت إليهم تلك الرسائل – في رسالته إلى أهل فيلبي والتي كتبت بعد استشهاد إغناطيوس بوقت قليل: “نرسل إليكم كما طلبتم رسائل إغناطيوس التي أرسلها إلينا ورسائل أخرى موجودة عندنا، ستستفيدون منها كثيراً لأنها ستقودكم إلى الإيمان والصبر وكل ما يبني في ربنا”. (13: 2) وهذا الوصف ينطبق تماماً على الرسائل. وقد أشار كل من أوريجانوس وإيرينيوس إلى هذه الرسائل، أما يوسابيوس فقد ذكر أسماءها في ترتيبها التقليدي واعتبرها مكملة لبعضها البعض في مجموعة واحدة (Hist Eccles: 3: 36: 4 ff).

كيف وصل النص إلينا

حفظت هذه الرسائل لنا في ثلاثة نصوص:

1 – النص القصير

وهو النص الأصلي الموجود فقط باللغة اليونانية والمحفوظ في المخطوطة (Codex Mediceus lauretianus 57)، ويرجع هذا النص إلى القرن الثاني الميلادي، غير أنه تنقصه الرسالة إلى أهل رومية، لكن نصها قد وجد في المخطوطة (Codex Paris grace. No. 1457) التي ترجع إلى القرن العاشر الميلادي.

2 – النص الطويل

تم التلاعب بالمجموعة الأصلية وتحريفها في القرن الرابع الميلادي، فخرج النص الطويل من قلم كاتب معاصر لمؤلف “المراسم الرسولية”، وهو شخص لها علاقة ما بأتباع الهرطقة الأبوليناريةن[7]. وقد أضاف هذا الشخص ست رسائل مزورة إلى جانب الرسائل السبع الأصلية. ويوجد هذا النص الطويل في عدة مخطوطات يونانية ولاتينية، وقد اشتهر النص الطويل أولاً، فقد طبع باللغة اللاتينية عام 1489م ثم باللغة اليونانية عام 1557م. أما النص القصير الأصلين الخاص بكل من الرسالة إلى أهل أفسس، والرسالة إلى أهل مغنسيا، والرسالة إلى أهل تراليا، والرسالة إلى أهل فيلادلفيا، والرسالة إلى أهل سميرنا، والرسالة إلى الأسقف بوليكاريوس، فقد طبع عام 1646م، ثم طبع نص الرسالة إلى أهل روما عام 1689م، ومنذ ذلك الحين صارت هناك قناعة بأن النص الطويل مزيف.

3 – المختصر السرياني

نشر W. Cureton عام 1845م نصاً سريانياً لمجموعة مكونة من الرسالة إلى أهل أفسس، والرسالة إلى أهل روما، والرسالة إلى بوليكاريوس. ولقد اعتبر المحرر هذا المختصر السرياني هو النص الأصلي، غير أن لايت فوت (Lightfoot) وآخرين أثبتوا أن هذا النص ما هو إلا مختصر سرياني للنص القصير.

[1] تم توضيح علاقة الآبن بالآب في القرون اللاحقة حيث أكد الآباء أن الابن مولود من الآب بالطبيعة وليس بالإرادة على خلاف الخليقة التي أوجدت بمشيئة الله. (المراجع)

[2] هي بدعة تعود إلى القرن الأول الميلادي وانتشرت بين الغنوسيين، ينادي أصحابها بأن جسد المسيح هو خيال، وأن آلامه وموته كانت مجرد آلام ظاهرية، وتكلم عنهم القديس يوحنا الرسول في (1يو 4: 2؛ 2يو 7)، وحاربهم القديس إغناطيوس الإنطاكي في رسائله كما يتضح في المتن. (المراجع)

[3] لم يكن مصطلح “الكنيسة الجامعة” عند إغناطيوس يعني “الكنيسة الكاثوليكية” بالمعنى الطائفي، لكنه يعني نعتاً “للكنسية الرسولية الجامعة” لكل الأجناس والشعوب والبلاد و”الكراسي” الرسولية المحلية. (المراجع).

[4] المؤلف من أبناء الكنيسة الكاثوليكية، وهو بالرغم من مكانته العالية إلا أنه يحاول في كل مناسبة أن يستخرج من النصوص ما لا تتضمنه لإثبات أولية كنيسة روما أو عقائدها المختلفة كما سنرى. وعلى سبيل المثال، كما يتضح من النص، الصفات التي أطلقها ق. إغناطيوس على كنيسة روما لا تشير إطلاقاً إلى أولية تلك الكنيسة ورئاستها على بقية الكنائس كما يدعي المؤلف: فعبارة “المترئسة في عاصمة بلاد الرومان” إنما تعني أن وضعها هو مثل وضع كنيسة الإسكندرية بالنسبة لمصر، وكذلك “المترئسة في المحبة” فتعني تميزها في أعمال المحبة والرحمة وأنها أكثر الكنائس إظهاراً للكرم والإحسان. (المراجع)

[5] ارجع إلى الحاشية السابقة. (المراجع)

[6] التأثر الكاثوليكي عن المؤلف يظهر هنا أيضاً في الفصل بين اللاهوت والناسوت في هذه العبارة، لأن المسيح الواحد كله يتحد بنا روحياً بروحه القدوس وجسدياً بسر الإفخارستيا كما يقول ق. كيرلس السكندري. ونحن لا نرى هذا الفصل في الاقتباس الذي يورده هنا المؤلف للقديس إغناطيوس. (المراجع).

[7] كان أبوليناريوس من أشد المقاومين للآريوسية، وقد صار أسقفاً للاذيقية عام (361م). ادعى أبوليناريوس أن لاهوت اللوغوس حل محل الروح البشرية في المسيح. وقد رد القديس غريغورويوس النزينزي عليه في الرسالة 101 قائلاً: “ما لم يؤخذ كله لا يشفى كله”، مؤكداً أنه لا بد أن يتخذ الكلمة الناسوت كاملاً حتى يشفى الناسوت كاملاً. (المراجع).

إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

كليمندس الروماني – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

كليمندس الروماني – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

كليمندس الروماني – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

كليمندس الروماني – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

وفقاً لأقدم قائمة بأسماء أساقفة روما، تلك التي تركها إيرينيوس للأجيال اللاحقة (Adr. Haer. 3: 3: 3)، كان كليمندس الخليفة الثالث للقديس بطرس على كرسي روما. ولم يذكر لنا إيرينيوس متى بدأ كلميندس عهده، ولا مدة رئاشته للكنيسة. وبالمثل ذكر يوسابيوس المؤرخ (Hist eccl. 3: 15: 34) أن كليمندس هو الخليفة الثالث بعد القديس بطرس، جاعلاً من السنة الثانية عشرة من حكم دومتيان بداية لعهده، والسنة الثالثة من حكم تراجان هي الأخيرة من فترة حبريته، وبالتالي يكون كليمندس هو بابا روما في الفترة من 92م وحتى 101م.

ويذكر ترتليانوس أن كليمندس قد رسمه القديس بطرس بنفسه، ويؤكد إبيفانيوس هذا ولكنه يضيف أن كليمندس من أجل سلام الكنيسة قد تخلى عن الأسقفية لـ لينوس (Linus) واستأنفها ثانية بعد موت أناكليتوس (Anacletus). ونحن لا نعرف عن حياة كليمندس الأولى في روما. ويشير إيرينيوس إلى أن كليمندس كان يعرف شخصياً كُلاً من القديس بطرس والقديس بولس، كما أن أوريجانوس (ْComm. In Joan 6: 36) ويوسابيوس (Hist. eccl. 6: 3: 15) يقولان إنه هو نفسه كليمندس الذي مدحه القديس بولس في الرسالة إلى أهل فيلبي كشريك له في الخدمة (فيلبي 4: 3)، ولكن هذا الرأي ينقصه التأييد. أما الإكليمنديات المنحولة (Pseudo – Clementines)، والتي تجعل من كليمندس عضواً في أسرة فلافي (Flavii)، الإمبراطورية، فليست محل ثقة.

كما أنه لا يمكن التعويل على رأي ديو كاسيوس (Dio. Cassius) (Hist. Rom. 67: 14) بأن كليمندس هذا ما هو إلا القنصل تيطس فلافيوس كليمندس (Titus Flavius Clemens)، أحد أعضاء الأسرة المالكة، والذي أعدم سنة (95م أو 96م) بسبب اعترافه بالمسيح. ولا نستطيع كذلك أن نثق في القصة التي تقول بأن هذا الأسقف الرابع على كرسي روما قد مات شهيداً، فالكتاب اليوناني “استشهاد القديس كليمندس” هو من مدونات القرن الرابع الميلادي، بل والأكثر من ذلك هو أن له طابعاً اسطورياً. وتعيد الليتورجيا الرومانية القديس كليمندس الروماني في 23 نوفمبر، كما يُذكر اسمه في مجمع القداس.

الرسالة إلى أهل كورنثوس

إن المكانة العالية التي كان يحظى بها كليمندس الروماني تظهر واضحة في المؤلف الوحيد الذي وصلنا بقلمه، وهي الرسالة إلى أهل كورنثوس.

ورسالة كليمندس الروماني لأهل كورنثوس هي واحدة من أهم كتابات العصر ما بعد الرسولي، حيث إنها أقدم قطعة من الأدب المسيحي خارج العهد الجديد توثّق تاريخياً اسم ومنصب وتاريخ مؤلفها. وقد كان اندلاع النزاعات في كنيسة كورنثوس في عهد دوميتيان هو الذي دفع الكاتب إلى التدخل؛ فالتحزبات التي قد وبخها القديس بولس بشدة قد ثارت من جديد. لقد تمرد بعض الأفراد المتكبرين المتهورين على السلطة الكنسية ومنعوا الكهنة من الخدمة، فقط أقلية صغيرة من الجماعة هي التي ظلت مخلصة للكهنة المخلوعين.

وكان قصد كليمندس هو أن يسوي تلك الخلافات، ويعالج تلك الفضيحة التي عابت المسيحيين أمام الوثنيين. ونحن لا نعرف كيف وصلت أخبار تلك الخلافات إلى روما، ولا يوجد أساس للرأي الذي كثيراً ما تردد في الماضي والقائل بأن الكورنثيين قد استغاثوا بأسقف روما لكي يتدخل ضد العناصر المتمردة، ولكن النظرية الأكثر قبولاً هي أن روما قد علمت بالظروف الراهنة عن طريق مسيحيين رومانيين كانوا مقيمين بصورة مؤقتة في كورنثوس وكانوا شهوداً على الخلافات والنزاعات التي قامت هناك.

أولاً: المحتويات

تتكون الرسالة من مقدمة (فصول 1-3)، وجزأين رئيسين (4-36، 37-61) وخلاصة (62-65).

وتلفت المقدمة الانتباه إلى الحالة المزدهرة التي كان عليها المجتمع المسيحي في كورنثوس قبل اندلاع النزاعات، والتوافق الذي ساد بين أعضائه وغيرتهم على الحق، ولكن الفصل الثالث – على النقيض – يشير إلى حالة المجتمع التي تغيرت بالكلية.

والجزء الرئيس الأول له صفة العمومية، فهو يستنكر الخلاف والحسد، ويستشهد في شأن هذه النقائص بأمثلة كثيرة من العهد القديم وتاريخ الكنيسة (فصل 4-6). كما أنه يحث على التوبة وإضافة الغرباء. والتقوى والاتضاع، ثم يدعم حجته بالكثير من الاستشهادات والأمثلة. وبعد ذلك يسهب الكاتب في الكلام عن صلاح الله، والتوافق الموجود في الخليقة، وقدرة الله الكلية، والقيامة والدينونة، والاتضاع، والاحتمال، والإيمان والأعمال الصالحة التي تقودنا نحو المكافأة، نحو المسيح.

أما الجزء الرئيس الثاني فيتناول مباشرة الخلاف الموجود بين مسيحيي كورنثوس؛ فالله، خالق النظام في الطبيعة، يطلب النظام والطاعة من خليقته. ثم يثبت الكاتب ضرورة الانضباط والخضوع بالإشارة إلى تدريبات الجيش الروماني الصارمة والنظام الكهنوتي في العهد القديم، وهكذا أيضاً بالمثل دعا المسيح رسلاً، وهم بدورهم أقاموا أساقفة وشمامسة. ولا بد من أن يحل الحب محل الخلاف، ولا بد للمحبة من أن تحث على الغفران. كما يجب وعظ المحرضين على الخلاف لكي يقدموا توبة ويخضعوا.

ثم تلخص الخاتمة النصح الذي قُدم سابقاً، وتعبر عن الآمال المتقدة في عودة المكلفين بتسليم الرسالة بسرعة إلى روما حاملين اخبارً سارة عن استعادة السلام في كورنثوس.

ولهذه الرسالة شأن هام في دراسة العصور الأولى للكنسية، وأيضاً في دراسة تاريخ العقيدة والليتورجيا.

  1. تاريخ الكنيسة

أ – الفصل الأول هام جداً، فهو يحمل شهادة موثقة على إقامة القديس بطرس في روما، ورحلة القديس بولس إلى إسبانيا، واستشهاد هامتي الرسل بطرس وبولس: “لنأخذ المثال النبيل الذي لجيلنا: فإنه بسبب الغيرة والحسد اضطهد العمودان المقدسان العظيمان، وحوربا حتى الموت. دعونا نسترجع ما حدث للرسولين الصالحين: لقد جاز بطرس – بسبب الغيرة الجائرة – لا في ضيقة واحدة أو ضيقتين بل في ضيقات كثيرة، وهكذا استُشهد ورحل إلى موضع المجد الذي يستحقه.

وأيضاً من خلال الغيرة والنزاع أظهر بولس كيف ربح جائزة صبر الاحتمال، فقد سُجن سبع مرات، وأُجبر على الهرب، ورُجم، وبشر في الشرق والغرب؛ وأخيراً نال المكافأة الجليلة التي استحقها إيمانه. لقد علّم العالم كله سبيل الحياة الصالحة، وسافر بعيداً حتى الحدود الغربية للإمبراطورية الرومانية، وعندما شهد أمام السلاطين، وانتهت سيرته الأرضية، ورُفع إلى الأقداس كمثال للصبر والاحتمال” (ACW).

ب – أيضاً يزودنا الفصل السادس بمعلومات عن اضطهاد نيرون للمسيحيين، ويتحدث عن جموع الشهداء، ويذكر أن كثيراً من النساء: “لحق بهؤلاء الرجال الذين عاشوا حياة مقدسة جموع كثيرة من المختارين الذين احتملوا كثيراً من الإهانات والعذابات بسبب الحسد، وهكذا صاروا أمثلة لامعة بيننا. بسبب الحسد، احتملت كل من دانايدس (Danaids)، وديرسي (Dircae)، عذابات مخيفة وكريهة، ثم وصلتا بأمان إلى الهدف المنشود في مضمار الإيمان، وحصلتا على الجائزة النبيلة بالرغم من ضعف جنسهما”. (ACW).

  1. تاريخ العقيدة

أ – إن هذا الوثيقة ثمينة جداً من وجهة النظر العقائدية، وبحق لنا أن نسميها “بيان القانون الكنسي” (Manifesto of Ecclesiastical Jurisdiction). ونحن هنا نرى لأول مرة اعترافاً واضحاً وصريحاً بعقيدة الخلافة الرسولية، كذلك التشديد على الحقيقة القائلة بأنه لا يمكن لأعضاء الجماعة عزل الكهنة، لأن هذا السلطان ليس ممنوحاً لهم، فحق القيادة مستمد من الرسل الذين مارسوا سلطانهم في طاعة المسيح، الذي بدوره كان مرسلاً من الله الآب: “لقد بشرنا الرسل بالإنجيل الذي تسلموه من يسوع المسيح، ويسوع المسيح هو سفير الله الآب، وبكلمات آخرى، أتى المسيح برسالة من الله، وأتى الرسل برسالة من المسيح.

إذاً ينبع هذان الترتبيان التنظيميان من إرادة الله. وهكذا بعدما استلموا التعليم، وتيقنوا بواسطة قيامة ربنا يسوع المسيح، وثبتوا في الإيمان بكلمة الله، خرجوا، متسلحين بملء الروح القدس، وليكرزوا بالبشارة بأن ملكوت الله قد اقترب. من أرض لأرض، ومن مدينة إلى مدينة بشروا، وعينوا من أوائل الذين آمنوا رجالاً اختبروهم بالروح، ليصيروا أساقفة وشمامسة لمؤمني المستقبل. هذا ليس ابتكاراً، لأن الكتاب قد تحدث منذ وقت طويل عن الأساقفة والشمامسة حيث يقول في موضع: “أقيم أساقفتهم في حفظ الناموس، وشمامستهم في الإيمان” (فصل 42)[1].

“ولقد أُعطي لرسلنا أيضاً أن يفهموا من ربنا يسوع المسيح أن خدمة الأسقف قد تثير المؤامرات، لذلك إذ قد تسلحوا بمعرفتهم المسبقة، عينوا الرجال المذكورين آنفاً لهذه الوظيفة، ووضعوا مرة وإلى الأبد قاعدة أنه عند موت هؤلاء الرجال فليخلفهم في هذه الخدمة المقدسة آخرون متفق عليهم، ولذا نرى أنه ليس من العدل أن يُطرد من هذه الخدمة المقدسة من عينهم الرسل، أو عينوا لاحقاً باتفاق الكنيسة كلها، وذلك بواسطة أناس ذوي سمعة طيبة” (فصل 44: 1-3) (ACW).

ب – ولرسالة القديس كليمندس أهمية قصوى بالنسبة لنقطة أخرى في العقيدة، ألا وهي أولية كنيسة روما، حيت تمدنا ببرهان لا لبس فيه على صحتها[2]. ولا يمكننا أن ننكر أن الرسالة لا تحتوي على تأكيد قاطع بشأن أولية الكرسي الروماني، فالكاتب لا يذكر صراحة في أي جزء من الرسالة أن تدخله يقيد أو يلزم قانوناً المجتمع المسيحي في كورنثوس، لكن على الرغم من ذلك، وجود الرسالة هو في حد ذاته شهادة في غاية الأهمية لسلطان أسقف روما، فكنيسة روما تتحدث إلى كنيسة كورنثوس كما يتحدث من هو أرفع مقاماً إلى من هو تابع.

ويعتذر الكتاب في الفصل الأول فوراً لأنه لم يستطع تخصيص جزء من انتباهه مبكراً إلى الخلافات الموجودة في كورنثوس البعيدة. وهذا يثبت بوضوح أن كتابة الرسالة لم تكن فقط بسبب اهتمام وقلق المسيحيين الأوائل في إحدى الجماعات على إخوتهم في جماعة أخرى، ولم كان الأمر هكذا لوجدنا اعتذاراً عن التدخل في الصراع، ولكن أسقف روما يعتبر أنه من واجبه أن يتولى الأمر، ويعتبرهم آثمين لو لم يقدموا له الطاعة[3]: “ولكن إن كان أناس غير طائعين للكلمات التي كلمناهم بها، فليفهموا أنهم سيوقعون بأنفسهم في المعصية، وهو خطر ليس بقليل، ولكننا سنكون أبرياء من هذا الخطية”. (فصل 59: 1-2).

مثل هذه اللهجة السلطوية (Authoritative tone) لا يمكن أن نفسرها على أساس العلاقات الثقافية الوثيقة بين كورنثوس وروما. والكاتب مقتنع بأن أفعاله مدفوعة بواسطة الروح القدس: “لأنكم ستعطونا فرحاً وبهجة إذا أطعتم ما كتبناه بواسطة الروح القدس” (فصل 63: 2).

ج – ويعالج كل من الفصلين 24 والفصل 25 موضوع قيامة الأموات ورمزية أسطورة طائر العنقاء (Phoenix) وهذه هي أقدم إشارة مسيحية إلى هذه القصة القديمة. وقد لعبت تلك الأسطورة دوراً هاماً في الأدب والفن المسيحيين المبكرين.

د – يكشف المقال الذي نجده في الفصل (20) والذي يدور حول الانسجام الموجود في نظام العالم، عن تأثير الفلسفة الرواقية:

“لنتحدث عن كيفية تعامله – أي الله – مع خليقته بهدوء، السماوات تدور بترتيبه، وتخضع له في سلام؛ النهار والليل يكملان دورتهما المرسومة، ولا يتداخل أحدهما مع الآخر؛ الشمس والقمر وجوقات النجوم تطيع ترتيبه، وتدور في توافق بدون أن تحيد عن مداراتها؛ الأرض تحمل ثمراً طبقاً لإرادته في مواسمها المواتية، وتعطي الطعام اللازم للإنسان والوحوش وكل الأحياء عليها وهي لا تتردد في تنفيذ أوامره و لا تبدلها؛ الأحكام غير المفحوصة التي تضبط الأعماق تحكمها نفس الأوامر؛ البحر الذي بلا حدود، والذي أنشأه الله بفعله الخلاق بجمعه للمياه، لا يتعدى الحدود المحيطة به، ويفعل تماماً ما أمر به، لأن الله يقول:

“إلى هنا تأتي، وأمواجك ستتحطم فيك”؛ المحيط الذي لا يستطيع البشر عبوره، والعوالم التي وراءه تحكمه نفس احكام السيد؛ الفصول الأربعة – الربيع والصيف والخريف والشتاء – تتعاقب، الواحد وراء الآخر، في تتابع سلمي؛ الرياح بحسب أدوارها تقدم خدمتها بدون اضطراب في الوقت المعين؛ الينابيع الدائمة الجريان، الخلوقة للبهجة والصحة، تقدم للبشر أثداءها التي لا تنضب التي تحفظ الحياة؛ أصغر الحيوانات تتواءم في سلام وتوافق؛ كل هذه الخليقة التي رتبها الخالق القدير والسيد لتعمل في سلام وتوافق لفائدة العالم، وبالأكثر جداً لنا، نحن الذين التجأنا تحت رحمته بربنا يسوع المسيح، الذي له المجد والعظمة إلى أبد الآبدين . آمين”. (ACW).

3 – الليتورجيا

(أ) الرسالة تشير إلى الفصل الواضح بين الرئاسات – الإكليروس – والعلمانيين، فبعد شرح الأقسام المختلفة لرئاسة الكهنوت في العهد القديم، يضيف الكاتب: “العلماني مرتبط بالقوانين التي وضعت للعلمانيين” (فصل 40: 5)، ثم يصل لهذه الخلاصة: “كل واحد منا أيها الأخوة لابد أن يسعى في موضعه لكي يرضي الله بضمير صالح، ويحترس بوقار ألا يحيد عن قاعدة الخدمة (##) المقررة”. (فصل 41: 1).

(ب) أعضاء رئاسة الكهنوت المسيحية يُدعون “أساقفة” ## و”شمامسة” ## وفي فقرات أخرى يُطلق عليهم جميعاً لقب “شيوخ” ## (قارن 44: 5، 57: 1). أما أهم وظائفهم فهي الاحتفال بالليتورجيا، أي رفع التقدمات (فصل 44: 4).

(ج) يحتوي الجزء الذي يسبق الخاتمة (فصل 59: 4 – 61: 3) على صلاة رائعة اقتبسها لكي يظهر أن كنيسة روما تحمل رخاء العالم المسيحي بأسره في قلبها. ولن نكون مخطئين لو قلنا إنها ليست بأقل من صلاة ليتورجية كانت مستخدمة في كنيسة روما، حيث إنه إن لم يُقتبس في هذا السياق، وبأمانة كاملة، صلاة من الصلوات المعتاد تلاوتها في الليتورجيا، سيكون الأمر بلا معنى.

أما من ناحية الصيغة واللغة، يمكننا أن نقول إن تلك الصلاة ليتورجية وشعرية من بدايتها إلى نهايتها. إنها تشهد لألوهية المسيح الذي تسميه بـ “فتى الله المحبوب” والذي من خلاله علمنا الرب وقدسنا ومجدنا”. والمسيح فيها هو “رئيس الكهنة”، و”حارس نفوسنا” (فصل 61: 3).

إضافة إلى ذلك، يترنم كليمندس فيها بعناية الله ورحمته. أما الخاتمة فهي عبارة عن صلاة توسلية من أجل السلطات المدنية؛ وهي ذات شأن كبير في مجال دراسة المفهوم المسيحي المبكر للدولة: “فأنت أيها السيد، الذي منحتهم أن يمارسوا السلطة والسيادة بقوتك العجيبة التي تفوق كل وصف، حتى إذا ما عرفنا أنهم منك استمدوا المجد والكرامة، نخضع لهم بدون أن نناقض إرادتك.

امنحهم، يا رب الصحة والسلام، والوئام والاستقرار حتى يزاولوا دون عائق السيادة التي سلمتها لهم، لأنك أنت، يا سيد وملك السماوات إلى الأبد، تمنح أبناء البشر المجد والكرامة والقدرة على كل ما في الأرض. فوجه مشورتهم وفقاً لما هو حسن ومرض في عينيك حتى إذا ما زاولوا في السلام والوداعة والتقوى والسلطة التي منحتها لهم، يفوزوا برضاك.” (فصل 61: 1-2).

ولننتقل من دراسة التفاصيل إلى دراسة الرسالة ككل، ويمكننا أن نذكر بعض الحقائق عن زمن كتابتها، وشخصية كاتبها، والسبب الذي دفعه إلى كتابتها.

ثانياً: زمن الكتابة

بالإضافة إلى ما ذكر عن اضطهاد نيرون (فصل 2: 4)، نلمح إشارة إلى اضطهاد آخر كان لا يزال دائراً، وذلك من الكلمات التالية: “نظراً للمصائب التي حلت بنا فجأة واحدة تلو الأخرى” (1: 1). كما أن كليمندس، عقب وصفه للاضطهاد الذي أثاره نيرون، يقول: “ونحن في نفس الحلبة نواجه نفس المعركة”. (فصل 7: 1). ولا شك أن كليمندس، في إشاراته الواضحة تلك إلى اضطهاد آخر، كان يقصد الاضطهاد الذي أثاره دوميتان عامي 95م و96م.

علاوة على ذلك، يفترض سياق الكلام أن الرسل قد ماتوا منذ فترة، بل وحتى القسوس الذين أقاموهم قد تركوا وظائفهم لآخرين ثم رقدوا هم أيضاً في الرب (فصل 42 – 44: 2). وتتفق هذه المعلومات التي حصلنا عليها من داخل الرسالة نفسها مع شهادة التقليد، خاصة ما أورده يوسابيوس عن هيجيسيبوس (Hegesippus) (180)، في أن الخلافات التي جعلت كليمندس يكتب هذه الرسالة قد حدثت في حكم دوميتيان. هذا بالإضافة إلى أن بوليكاريوس رجع إلى رسالة إكليمندس عندما كتب إلى أهل فيلبي.

ثالثاً: شخصية الكاتب

لم يشر كليمندس في رسالته إلى نفسه بالاسم، بل ذكر أن المرسل هو “كنيسة الله المتغربة في روما”. كما أن الكاتب يستخدم صيغة الجمع “نحن” عند حديثه عن نفسه، ذلك بالرغم من أننا متأكدون من أن الرسالة بقلم كاتب واحد، فالوحدة الأدبية والموضوعية في الرسالة تقطع بهذا. ويبدو أن كليمندس قد وضع في اعتباره أن هذه الرسالة ستُقرأ باعتبارها موجهة للجميع لا لشخص واحد؛ ولقد تصور أنها ستُقرأ على جماعة المسيحيين المجتمعين معاً للعبادة الإلهية، ومن ثم نجد أن الرسالة مُستفيضة جداً وزاخرة بالكثير من المحسنات البديعية. ويأخذ الجزء الأول من الرسالة شكل عظة موجهة إلى الجماعة بأسرها، وبه القليل من الإشارات إلى الوضع القائم في كورنثوس.

وفي الحقيقة، يذكر الأسقف ديونيسيوس (Dionysius)، أسقف كورنثوس، أن رسالة القديس كليمندس كانت لا تزال تُقرأ على جماعة المؤمنين في إيبارشيته أثناء العبادة الإلهية (حوالي عام 170م)، فها هو يقول في رسالة إلى البابا سوتير (Eusebius Hist. Eccles 4: 23: 11): “اليوم نحن نحفظ يوم الرب المقدس ونقرأ رسالتك التي سنداوم على قراءتها من وقت لآخر للتذكر، كما نفعل بتلك التي أرسلها إلينا كليمندس من قبل”.

وقد ذكر يوسابيوس أيضاً في موضع آخر (Hist. Eccles, 3: 16) أن هذه العادة ليس مقتصرة على كنيسة كورنثوس، فقال: “هناك رسالة ذائعة الصيت لكليمندس، طويلة ورائعة، كتبها لكنيسة كورنثوس باسم كنيسة روما، حينما كانت هناك شقاقات في كورنثوس، وقد نما إلى علمنا أن هذه الرسالة تقرأ علانية في كنائس كثيرة أثناء العبادة العامة، في الماضي والحاضر.”

ومن الواضح أن قصد كليمندس كان أن يمنح هذه الوثيقة أهمية تتعدى المناسبة المباشرة لكتابتها، بالطبع بعد أن تكون قد حققت هدفها وضمنته، وهي أعطاؤها مكانة دائمة في الأدب الكنسي. وبقدر ما يمكننا أن نكون متأكدين، يبدو أن الكاتب كان من أصل يهودي، فالإشارة المتكررة للعهد القديم والاقتباسات القليلة نسبياً من العهد الجديد تصنع ثقلاً لهذا الافتراض.

رابعاً: كيف وصل النص إلينا

حفظ نص هذه الرسالة في المخطوطات التالي:

  1. المخطوطة السكندرية (Codex Alexandrium) من القرن الخامس في المتحف البريطاني، ولكن ينقصه الفصول (57: 6 – 64: 1).
  2. المخطوطة الأورشليمية أو مخطوطة القدس (Hierosolymitanus) وهي التي خطها سنة 1056م ليو كاتب العدل (Leo the Notary) وتحتوي تلك المخطوطة على نص الرسالة كاملاً.

وهناك ترجمة سريانية قديمة محفوظة في مخطوطة للعهد الجديد من القرن الثاني عشر (1170م) موجودة في متحف جامعة كامبريدج. وقد اكتشف (G. Morin) ترجمة لاتينية في مخطوطة من القرن الحادي عشر موجودة في (The Grande Seminaire) في نامور (Namur). وتكاد تلك الترجمة أن تكون حرفية وتعود غالباً إلى النصف الأول من القرن الثاني الميلادي (ef. P21).

وهناك أيضاً ترجمتان قبطيتان باللهجة الأخمينية، إحداهما قد حررت من البردية (MS orient fol 3075)، وهي من مقتنيات مكتبة برلين (Berlin Staatsbibliothek)، ولكن الفصول (34: 5 – 42) مفقودة نظراً لضياع خمس ورقات من المخطوطة. وتعود تلك البردية إلى القرن الرابع وقد كانت في حوزة الدير الأبيض الشهير الذي للأنبا شنودة (Shenute). أما الترجمة القبطية الثانية فقد وجدت في ستراسبورج (Strsbourg) في مخطوطة من القرن السابع، وهي عبارة عن أجزاء لم تتخط الفصل (26: 2).

الرسالة المعروفة باسم “الرسالة الثانية لكليمندس”

تسبب الصيت الذائع الذي حازه كليمندس في العصور القديمة في نسبة بعض الكتابات الأخرى إليه، فهناك “رسالة ثانية” زائدة في المخطوطتين اللتين تحتويان على النص اليوناني لرسالة كليمندس الأصلية، وهي موجودة كذلك في الترجمة السريانية، وهي موجهة أيضاً إلى أهل كورنثوس. ولكن هذه الوثيقة ليس رسالة، كما أنها ليست بقلم كليمندس، ويقدم كل من الأسلوب الأدبي والصيغة الأدبية اثباتاً دامغاً على هذا.

ومع ذلك، فإن لهذه الوثيقة أهمية كبرى بالنسبة لنا، لأنها تعد أقدم عظة مسيحية موجودة لدينا، فاللهجة والأسلوب الوعظي فيها لا يمكن أن تخطئه عين. وهناك فقرتان على وجه الخصوص تدعمان هذا الرأي، وهما “دعونا لا نبدو مصدقين ومنتبهين فقط الآن وقتما ينصحنا القسوس، بل أيضاً حينما نعود إلى منازلنا، دعونا حينها نتذكر وصايا الرب.” (فصل 17: 3).

أما الفقرة الثانية فتقول: “وهكذا أيها الأخوة والأخوات قد تكلم الآن رب الحق، لقد قرأت عليكم عظة لتحفظوا في قلوبكم ما هو مكتوب، وذلك لعلكم تخلصون أنفسكم، وذاك الذي يقرأ هذا في وسطكم.” (فصل 19: 1). ويبدو أن الكاتب هنا يشير إلى الفصل الكتابي الذي في الغالب كان قد قُرئ قبل أن يبدأ في إلقاء عظته. وأسلوب هذه الوثيقة غير أدبي، ومن ثم يختلف كلياً عن أسلوب رسالة كليمندس الأصيلة، بالإضافة إلى أن الواعظ يشير إلى نفسه بضمير المتكلم المفرد لا الجمع. ولا يقتبس الكاتب من الأسفار المقدسة فحسب، بل أيضاً من أناجيل أبوكريفية (مثلاً من إنجيل المصريين).

ولا تزال الآراء بشأن مكان كتابة هذه العظة مختلفة فيما بينها إلى حد كبير، وقد فشلت كل المحاولات التي بُذلت لتحديد زمن كتابتها أو هوية الكاتب لعدم وجود أية معلومات تاريخية فيها. أما الافتراض الذي قدمه هرناك (Harnack) بأن هذه الوثيقة هي رسالة أرسلها البابا سوتير (165-173م) إلى المسيحيين الكورنثيين فيواجه هذا الاعتراض الذي لا يُرد والقائل بأن هذه الوثيقة لا تحمل صفات الرسالة. ويعتقد كل من هاريس (Harris) وستريتر (Streeter) أنها عظة سكندرية، لأن الفكر اللاهوتي للكاتب ينم عن تأثره بالفكر اللاهوتي السكندري، بالإضافة إلى استخدام الكاتب لـ “إنجيل المصريين” كمصدر.

إذاً: كيف نُسب هذا العمل إلى كليمندس؟ قدم “لايت فوت” (Lightfoot) و”فانك” (Funk) و”كروجر” (Kruger)، أكثر الاقتراحات قبولاً، وهو ذاك الاقتراح القائل بأن هذا العمل قد كتب في كورنثوس، فربما تُفسر مسابقات الدوري الرياضية (Isthmian atheletic contests) – التي كانت تُقام بالقرب من كورنثوس – هذا التشبيه الذي أورده الكاتب في الفصل السابع.

حينئذ يمكن للمرء أن يفهم أيضاً سبب نسبة هذا العمل إلى كليمندس وإلحاقه برسالة كليمندس الأولى، فمن المحتمل جداً أن تكون هذه العظة قد حفظت مع رسالة كليمندس الأولى في أرشيف مدينة كورنثوس، ثم عثر عليهما معاً، أما عن زمن كتابة هذا العمل، فليس لدينا سوى دليل واحد يقودنا إليه، ألا هو تطور شرح التعليم العقائدي المسيحي كما تدل عليه هذه العظة، ومن ثم يصبح من المستحيل أن نحدد تاريخاً معيناً قد كتبت فيه. لكن الآراء المُتعلقة بالتوبة. كما تظهر في العظة.

تكشف أنها قد كُتبت ليس بعد كتاب “راعي هرماس” بفترة طويلة، أي حوالي عام 150م. وبالرغم من أن هذه الوثيقة قد ضُمت إلى الكتب المقدسة القانونية في الكنيسة السريانية، إلا أن كلاً من جيروم ويوسابيوس قد صرح بأنها غير أصيلة. فيوسابيوس – على سبيل المثال – يقول: “لا بد أن نعرف أن هناك رسالة ثانية منسوبة لكليمندس ولكننا لسنا متأكدين من أنها لاقت نفس درجة القبول الذي حظيت به الرسالة الأولى، لأننا لا نعرف أحداً من الكتاب القدامى قد استخدمها”. (Hist eccles 3: 38: 4). أما جيروم فقد رفض هذه الرسالة بالكامل قائلاً: “هناك رسالة ثانية يتداولها الناس تحت اسم كليمندس ولكن الأقدمين لم يسلموا بصحة هذا الأمر”. (De Viris Illustr. 15).

أولاً: المحتوى

يتصف محتوى هذه العظة بالشمول. وهي تؤكد على أن المفهوم المسيحي الخاص بشخص المسيح بكونه ديان الأحياء والأموات، لا بد أن يتفق مع (فهمنا عن) عظمة الله. لذا لابد لنا أن نمجده بحفظنا لوصاياه واحتقار الملذات العالمية، وبالتالي نقتني لأنفسنا الحياة الأبدية.

1– الخريستولوجي

إن ألوهة المسيح وبشريته تظهران بوضوح في هذه الفقرات التالية: “يا أخوة لا بد لنا من أن نفكر في يسوع المسيح كما نفكر في الله، كونه هو ديان الأحياء والأموات”. (فصل 1: 1)؛ “فإذا كان المسيح ربنا الذي خلصنا، بالرغم من أنه أصلاً روح، قد أخذ جسداً ومن ثم دعانا، لذا ينبغي لنا أيضاً أن ننال مُكافأتنا في هذا الجسد.” (فصل 9: 5)؛ “لقد احتمل المسيح الألم لأجلنا”. (فصل 1: 1)؛ “لأنه قد أشفق علينا وخلصنا برحمته، ونظر إلى خطئنا العظيم والهلاك المحدق بنا، ورأى أنه لا رجاء لنا في الخلاص إلا به” (فصل 1: 7).

وقد لُقب المسيح في هذه الرسالة بلقب “رئيس عدم الفساد” (##) الذي به “أظهر (الله) لنا الحق والحياة الأبدية”. (فصل 20: 5).

2 – مفهوم الكنيسة

إن مفهوم الكنيسة في هذه الرسالة مثير للاهتمام، فالكاتب يعتبر الكنيسة موجودة قبل خلق الشمس والقمر، ولكنها كانت غير منظورة، وروحية، وعاقراً. أما الآن فقد صارت جسداً. إنها هي جسد المسيح؛ إنها عروسه، ونحن قد أُعطينا لها كأولاد: “هكذا أيها الأخوة، إذا فعلنا مشيئة الله أبينا سنكون من الكنيسة الأولى الروحية التي خُلقت قبل الشمس والقمر؛ …. لذا، دعونا نختار أن ننتسب لكنيسة الحياة حتى نخلص.

ولكني لا أظنكم تجهلون أن الكنيسة الحية هي جسد المسحي، لأن الكتاب يقول: “ذكراً وأنثى خلقهما”. الذكر هو المسيح، والأنثى هي الكنيسة. من ناحية أخرى، تعلن الأسفار والرسل أيضاً أن الكنيسة ليست شيئاً مستحدثاً، ولكنها كانت من البدء، وذلك لأنها كانت روحية كما كان يسوعنا، ولكنه قد أُظهر في الأيام الأخيرة حتى يخلصنا.

والآن، بما أن الكنيسة روحة، لذا استعلنت في جسد المسيح، وبهذه الطريقة اتضح لنا أن أي إنسان منا يحفظها في الجسد ولا يدنسها سوف ينالها مرة أخرى في الروح القدس. لأن هذا الجسد نفسه هو النموذج النقيض (anti – type) للروح، لذا أي إنسان يدنس النموذج النقيض لن يكون له الحقيقي، وهذا هو ما يعنيه يا إخوة: “احفظوا الجسد لكي تشتركوا في الروح.

والآن إذا قلنا إن الجسد هو الكنيسة والروح هو المسيح؛ إذاً من لا يكرم الجسد لا يكرم الكنيسة. مثل هذا لن يشترك في الروح الذي هو المسيح.” (فصل 14: 1-4). والكاتب هنا يظهر تأثره الكبير بفكر القديس بولس، وخاصة فكره في رسالة أفسس (1: 4، 22؛ 5: 23، 32)، ذلك لأنه يسمي الكنيسة “جسد المسيح السري”، ويشبهها بعروسه.

ونجد كذلك أن لهذه العظة قيمة من ناحية أخرى، ففيها نتقابل لأول مرة مع الإشارة إلى الكنيسة باعتبارها “أم”، بالرغم من أن الكاتب لم يستخدم هذه الكلمة. وفي هذا يقول الكاتب: “ففي قوله: “افرحي أيتها العاقر التي لم تلد” يتكلم عنا، لأن كنيستنا كانت عاقراً قبل أن يعطى لها أولاد”. (فصل 2: 1).

3 – المعمودية

يطلق الكاتب على المعمودية اسم “الختم” (##)؛ هذا الذي يجب أن يبقى محفوظاً: “لأن الكتاب يقول عن هؤلاء الذين لم يحفظوا الختم: دودهم لا يموت، ونارهم لا تُطفأ، ويكونون منظراً لكل ذي جسد”. (فصل 7: 6)؛ “لأن هذا هو ما يقوله: احفظوا الجسد طاهراً والختم بلا دنس حتى ننال الحياة الأبدية”. (فصل 8: 6). وهنا تظهر التعاليم اللاهوتية للرسول بولس مرة أخرى بكل وضوح (انظر: أف 4؛ 2كور 1: 21-22).

4 – التوبة

يحتوي الجزء الأخير من العظة على شاهد صريح لما يُسمى بـ “التوبة الثانية”، ويقصد بها التوبة عن الخطايا التي يرتكبها الشخص بعد المعمودية ويحض الكاتب المسيحيين على التوبة حضاً يماثل في قدره ذاك الذي قد ورد في كتاب “راعي هرماس”: “لهاذا أيها الأخوة، دعونا نتوب عن خطايانا فوراً، دعونا ننتبه إلى ما هو في صالحنا، لأننا ممتلئون بقدر كبير من الجنون والشر. دعونا نزيح عن كاهلنا خطايانا السابقة، ودعونا نخلص بأن نتوب من كل قلوبنا.

دعونا ألا نسعى لإرضاء الناس أو أن نكون راغبين في إرضاء أنفسنا فقط، بل نرضي ببرنا من هم في الخارج، لئلا يُجدف على الاسم بسببنا”. (فصل 13: 1-2) “إذاً أيها الإخوة، بما أنكم قد حظيتم بفرصة كبيرة للتوبة، دعونا – بما أن الوقت متاح الآن – أن نتوجه إلى الله الذي يدعونا، في حين هو الوحيد الذي ينتظرنا”. (فصل 16: 1)؛ “دعونا – طالما كنا في هذا العالم – نتوب بكل قلوبنا عن أي شر قد ارتكبناه ونحن في الجسد، ليخلصنا الرب في حين لا يزال لدينا وقت للتوبة. لأنه بعد أن نرحل من هذا العالم، لن يكون في وسعنا أن نعترف بخطايانا أو أن نتوب عنها.” (فصل 8: 2-3).

5 – فاعلية الأعمال الصالحة في الخلاص:

العظة واضحة جداً في نصها على ضرورة الأعمال الصالحة، كما أن الصدقة هي الوسيلة الرئيسة التي من خلالها تُغفر الخطايا؛ فهي تفوق الصوم والصلاة في فضلها: “إذاً، الصدقة صالحة مثلما هي التوبة عن الخطية. والصوم أفضل من الصلاة، أما الصدقة فأفضل من كليهما. المحبة تستر كثرة من الخطايا، ولكن الصلاة بضمير صالح تخلص من الموت. مبارك كل إنسان مملوء من هذا الأشياء، لأن الصدقة ترفع ثقل الخطية”. (فصل 4: 16).

الرسالتان الموجهتان إلى البتوليين:

لقد وصلت إلينا تحت اسم كليمندس رسالتان عن البتولية موجهتان إلى غير المتزوجين من الجنسين، وهما في الحقيقة تنتميان إلى النصف الأول من القرن الثالث، وقد أُشير إليهما لأول مرة في كتابات إبيفانيوس (Haer 30: 15) وجيروم (Adv. Jovin 1: 12).

والنص اليوناني الأصلي الخاص بهاتين الرسالتين مفقود، ما عدا بعض الشذرات الصغيرة عثر عليها في: (##) للراهب أنطيوخوس (Antiochos) الذي من دير القديس سابا حوالي عام (620م). غير أن الرسالتين قد حفظتا لنا بالكامل في ترجمة سريانية اكتشفت عام 1470م في مخطوطة تحوي ترجمة العهد الجديد المعروفة باسم “البشيطة”. علاوة على ذلك، لدينا ترجمة قبطية للفصول الثمانية الأولى من الرسالة الأولى تذكر أن أثناسيوس هو المؤلف. وفي الحقيقة، كانت الرسالتان تشكلان معاً عملاً واحداً لكنه قد انقسم إلى جزئين بمرور الزمن.

تبدأ الرسالة الأولى بإرشادات عن طبيعة ومعنى البتولية. وينظر الكاتب إلى العفة باعتبارها شيئاً إلهياً، فهي بالنسبة له حياة فوق الطبيعة، إنها حياة الملائكة. لقد لبس الأبكار والبتوليون المسيح حقاً، إنهم متشبهون بالمسيح والرسل؛ إنهم ينتمون في الظاهر فقط إلى الأرض لا في الحقيقة، كما أنهم يستحقون أن يشغلوا في السماء مكانة تفوق تلك التي لبقية المسيحيين. غير أن الكاتب يشدد بقوة على أن البتولية وحدها بدون أن تصحبها أعمال محبة (مثل زيارة المرضى) لن تضمن للبتول الحياة الأبدية.

والكاتب يعرف جيداً السلوكيات الخاطئة المنتشرة بين من يوجه لهم الرسالة، ويشعر أنه مجبر على أن يشير إلى أن حياة البتولية تلقي على عاتق من يمارسها مسؤوليات كبيرة، وهو ينصح ويحذر ولا يتردد أن يوبخ بقسوة. وينهي الكاتب الرسالة (في الفصول 10-13) بتوجيهات ضد السكنى المشتركة للنساك الرجال والنساء معاً، وأيضاً بمرثاة بسبب الشرور الناتجة عن الكسل. غير أن الرسالة ليست لها خاتمة رسمية محددة المعالم.

أما الرسالة الثانية فتبدأ على نحو مفاجئ بلا أي مقدمة من أي نوع، ثم تسير في نفس اتجاه الرسالة الأولى، فالكاتب يستمر في إسداء نصائحه، ولا يمكننا ملاحظة أي انقطاع في حبل الأفكار الساري متصلاً بين الرسالتين. ثم ينتقل الكاتب إلى وصف العادات والقوانين المنتشرة بين النساك في بلده، ويستشهد بنماذج عديدة من الكتاب المقدس، مشيراً في الختام إلى نموذج المسيح.

وكما يتضح من الملخص أعلاه، يقاوم الكاتب بشدة مساوئ السكنى المشتركة بين النساك من الجنسين (##) فهو يندد بسكنى النساك من الجنسين تحت سقف واحد. وحيث أن أول مرة تُسجل في الكتابات الكنسية اعتراضات على مثل هذه الممارسة اللافتة للنظر كانت في حوالي منتصف القرن الثالث، لذا يمكننا أن نستنتج أن هاتين الرسالتين بالمثل قد كُتبتا أيضاً في نفس الفترة التاريخية.

ويبدو أن فلسطين هي مسقط رأس الكاتب، إلا أنه لم يكشف عن اسمه، لكن العمل يدفع المرء ليعتقد أن الكتاب كان ولابد ناسكاً شهيراً موقراً جداً. كما أن الرسالتين قيمتان كونهما من أقدم المصادر التي لدينا عن تاريخ النسك المسيحي المبكر.

كتابات منحولة عن كليمندس:

“الكليمنديات المنحولة” هو عنوان رواية شاملة ذات هدف تعليمي بطلها هو كليمندس الروماني. ومؤلف الرواية المجهول يقدم كليمندس باعتباره سليل العائلة الإمبراطورية الرومانية الذي – في رحلة بحثه عن الحق – يلتحق بلا فائدة بعدة مدارس فلسفية محاولاً أن يجد إجابة لشكوكه المتعلقة بخلود الروح وأصل العالم ومشاكل كثيرة من هذا القبيل. لكن أخيراً، تدفعه ما وصلته من أخبار عن ظهور ابن الله في اليهودية البعيدة إلى الارتحال نحو الشرق، وفي قيصرية تقابل كليمندس مع القديس بطرس الذي شرح له تعاليم الأنبياء الحقيقيين وأزال شكوكه ودعاه ليشترك معه في رحلاته التبشيرية.

ولقد خُصص الجزء الأكبر من هذا العمل لرواية خبرات كليمندس كمرافق للقديس بطرس في رحلته الرسولية وكذلك المواجهة التي حدثت بين القديس بطرس في رحلته الرسولية وكذلك المواجهة التي حدثت بين القديس بطرس وسيمون الساحر. والقصة في تحليلها الأخير تعتبر مجرد مقدمة لعظات القديس بطرس الكرازية، وتنتمي غالباً لفئة “أعمال الرسل الأبوكريفية المنحولة”، لكنها تختلف عن الأساطير الأخرى التي تدور حول الرسل في كون هدفها ليس هو القراءة المجردة بقدر ما هو توفير التعاليم والأسس اللاهوتية التي تساعد على الدفاع عن المسيحية بفاعلية.

أما الشذرات المتبقية لدينا من الكتابات المنحولة عن كليمندس فهي التالية:

أولاً: العظات العشرون

وتشتمل على:

  1. عظات القديس بطرس الكرازية، والتي يُقال أن كليمندس قد كتبها وأرسلها إلى يعقوب أسقف أورشليم.
  1. رسالتان موجهتان إلى يعقوب، أحدهما بقلم بطرس والأخرى بقلم كليمندس. وقد كتبتا بهدف أن تكونا بمثابة مرشد للأسلوب الأمثل لاستخدام تلك المجموعة الوعظية، وهما تسبقان العظات من حيث الترتيب.

ولقد أعطت هاتان الرسالتان لكنيسة أورشليم مكانة مميزة ولقب الرسول يعقوب فيهما بلقت “أسقف الأساقفة”. وتتميز هاتان الرسالتان بأنهما تُناصران تعاليم الأبيونيين[4] (Ebionites) والإلكاسيين[5] (Elkasaites) المتهودين، هؤلاء الذين لم تكن المسيحية في نظرهم سوى “يهودية جديدة”، فالله يعلن عن نفسه للإنسان بواسطة نبي حقيقي يظهر متخفياً في أشكال مختلفة، وقد ظهر أولاً في شخص آدم، ثم في شخص موسى، وأخيراً ظهر في شخص يسوع المسيح. غير أن لقب “ابن الله” لا يطلق إلا على المسيح فقط؛ لكنه، مع ذلك، لا يزال يُعتبر بمثابة نبي ومعلم فقط وليس مخلصاً.

ولقد كانت مهمة موسى هي أن يُعيد التعاليم التي عتّمتها الخطية إلى سابق رونقها. وبمرور الوقت، عندما تُصبح التعاليم التي أعلنها موسى مجهولة ومحرفة، يُصبح هناك ضرورة لإعلان آخر في شخص يسوع المسيح. وتُظهر تعاليم المسيح هنا – في هذه العظات – نظرة توحيدية مُغالية تخلو من أية إشارة إلى تمايز الأقانيم الإلهية. ولا يوجد هنا مفهوم محدد عن الله، فمن ناحية، يظهر الله بصورة الشخص الكائن، ويُصور باعتباره الخالق والديان (17: 7)، ومن ناحية أخرى، يُصور الله – بلغة تميل إلى وحدة الوجود[6] – باعتباره “قلب العالم” (17: 9)، ويُشرح التطور الحادث في العالم باعتباره تطوراً يحدث في الله نفسه.

ثانياً: كُتب التعارف العشرة

لم توجد هذه النصوص مُكتملة إلا في ترجمة روفينوس اللاتينية فقط، أما المادة القصصية فيها، والتي تتشابه جوهرياً مع تلك التي في العظات العشرين، فهي أيضاً عبارة عن سيرة ذاتية لكليمندس لكنها أكثر تفصيلاً.

وتحك هذه الوثيقة عن ظروف غريبة تسبب في تشتت شمل أسرة كليمندس؛ حيث تفرق الأب والأم والأبناء عن بعضهم البعض، وأخذ كل فرد من الأسرة يبحث عن مكان الآخرين. لكن، بتدخل من بطرس، التأم شمل الأسرة أخيراً بعد مغامرات كثيرة ومتنوعة.

ولقد أخذت تلك الوثيقة اسمها “كُتب التعارف” من مشاهد التعارف المتعددة التي فيها يتقابل مجدداً أعضاء الأسرة المشتتون منذ وقت طويل. أما الاختلاف الأكبر بين “كتب التعارف” و”العظات العشرين فيمكن في المحتوى التعليمي لكليهما، فوجود الفكر المتهود في كتب التعارف أقل حدة كما أنه ثانوي. كذلك، يُطلق على المسيح في تلك الوثيقة لقب “الروح الأمين والنبي الحق”.

وتظهر اليهودية في هذه الوثيقة باعتبارها ممهدة للمسيحية كما أن الوثيقة تبرز عقيدة الثالوث بكل وضوح كما يتضح في العبارة التالية:” نحن نقول عن ابن الله الوحيد في جنسه إنه مولود من ذاته (أي من ذات الله)، وليس من أصل آخر، بطريقة لا يعبر عنها، ويتشابه في هذا أيضاً ما نقله عن الباركليت”. ومن الممكن بالطبع أن يكون روفينوس المترجم هو من أدرج مثل هذه العبارة في النص الأصلي، لكن من الصعب أن نحدد ما إذا كان روفينوس بالفعل قد أضافها إلى النص الأصلي أما لا.

ثالثاً: اقتباسان من العظات

بالإضافة إلى العظات العشرين وكتب التعرف العشرة، لدينا أيضاً اقتباسان يونانيان (##) من العظات؛ وقد جرى توسيع هذين الإقتباسين بإضافات من رسالة كليمندس إلى يعقوب الواردة في عمل سيمون ميتافراستيس (Symeon Metaphrastes) المعروف بعنوان؛ (Matyrium Clementis)، كذلك من مقالة الأسقف إفرايم من تشيرسون (Ephraim of Cherson) والتي تتكلم عن معجزة صنعها كليمندس لطفل.

رابعاً: اقتباسان عربيان من “العظات العشرين” و”كتب التعارف”

إضافة إلى تلك النصوص اليونانية، لدينا أيضاً اقتباسان عربيان من “العظات العشرين” و”كتب التعارف”، وهما يقتصران على العناصر القصصية فقط ويجتنبان أية محاولات طويلة.

وسيكون من المفيد لنا جداً أن نحدد الوقت الذي كتبت فيه العظات العشرون” و”كتب التعارف”، ولكن تلك المسألة تتضمن مشكلات أدبية معقدة تحدث كل محاولة لحلها واختلفت بشأنها الآراء إلى أبعد حد. ولكن هناك قناعة عامة بأن “العظات العشرين” و”التعارف” تعتمدان بشكل مشترك على وثيقة أقدم، ولكن لا يوجد اتفاق بشأن المصادر التي استقت منها هذه الوثيقة الرئيسة المعلومات التي بها، تلك المصادر التي كانت في الغالب ذات حجم ضخم.

كما أنه لا بد أن نواة هذه الوثيقة كانت سيرة كليمندس الذي ينسب إليه العمل كله، الأمر الذي يفسر سبب تكرار العناصر القصصية في كل من “العظات العشرين” و”كتب التعارف” بصورة تصل إلى حد التطابق، هذا إذا استثنينا بعض الاختلافات البسيطة، وذلك على الرغم من أن المحاورات الملحقة بكل من تلك القصص تختلف اختلافاً بيناً. ويغلب الظن على أن كاتب هذه الوثيقة كانت له علاقة بالمسيحية المتهودة الهرطوقية، وربما كُتبت الوثيقة الرئيسة التي اعتمد عليها هذا العمل في العقود المبكرة من القرن الثالث الميلادي.

[1] أشعياء 60: 17 (حسب السبعينية) (المترجم).

[2] حسب عقيدتنا القبطية الأرثوذكسية نحن لا نوافق على هذا الرأي ولا يوجد في النص إشارة واضحة تدعم هذا الادعاء، ولكنها كلها استنتاجات من قبل المؤلف. (المترجم).

[3] هذا محض تأويل للنص الذي لم يحتو على تبعية أو طاعة بحسب الرتبة، بل طاعة للوصية الإنجيلية والتي إن لم يطيعوها فسيوقعون أنفسهم في المعصية وسيكون ق. كليمندس بريئاً منها لأنه قد نبههم إليها. (المراجع).

[4] هو اسم معناه الفقراء أو المساكين، وهم جماعة مسيحية يهودية رفضت رسولية بولس واعتبروه مجدفاً على الناموس ولم يقبلوا رسائله، وكانوا يستخدمون إنجيل العبرانيين (من كتب الأبوكريفا). واعتقدوا أن الحفاظ على الختان والناموس أمر ضروري للخلاص وكانوا يؤمنون أن المسيح هو إنسان حل عليه روح الله. (المراجع)

[5] جماعة نشأت في بداية القرن الثاني في منطقة ما بين النهرين وهي جماعة مسيحية يهودية. وكان أتباعها يرفضون رسائل القديس بولس، ويقولون إنهم استلموا كتاباً جديداً من السماء. (المراجع)

[6] وحدة الوجود هو المذهب القائل بأن الله والطبيعة شيء واحد وبأن الكون المادي والإنسان ليسا إلا مظاهر للذات الإلهية، فالشجرة هي الله، والصخرة هي الله، والحيوانات هي الله، والسماء هي الله، والشمس هي الله، وأنت الله…. إلخ. ومذهب وحدة الوجود هو النظرية التي تقوم عليها بدع وديانات خاطئة كثيرة. (المراجع)

كليمندس الروماني – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

قانون إيمان الرسل

إن “قانون إيمان الرسل” (Symblum Apostolicum)، هو عبارة عن موجز مختصر للعقائد المسيحية الرئيسية، لذلك يمكن أن يُطلق عليه الخلاصة الوافية للتعاليم اللاهوتية في الكنيسة. ولكن الشكل الذي هو عليه الآن. المكون من اثني عشر بنداً، لم يظهر قبل القرون السادس الميلادي، ومنذ ذلك الوقت فصاعداً، استخدم في بلاد الغال، واسبانيا، وايرلندا، وألمانيا في مناهج تعليم الموعوظين.

وبالرغم من ذلك، فإن التسمية “قانون إيمان الرسل” تعود إلى ما قبل القرن السادس الميلادي، فقد كتب روفينوس في نهاية القرن الرابع تفسيراً بعنوان حول قانون إيمان الرسل”، يشرح فيه أصل هذا القانون.

وبحسب روفينوس، كان هناك تقليد يذكر أن الرسل بعد ما حل عليهم الروح القدس، وقبل أن يخرجوا للكرازة في مختلف الأمم والبلاد، اتفقوا على صيغة مختصرة للعقيدة المسيحية كأسـاس لتعاليمهم وكقاعـدة إيمان للمؤمنين (ML 21: 337)، ويبدو أن أمبروسيوس يشارك روفينيوس في رأيه، حيث يشير عن عمد في كتابه “شرح مثال الإيمان” (Explanatoin of the Symbol)، إلى الإثني عشر بنداً باعتبارها تمثل الإثني عشر رسولاً.

أما في القرن السادس الميلادي، فنقرأ لأول مرة التأكيد الجازم على أن كل رسول وضع بنداً من بنود قانون إيمان الرسل الاثني عشر، وذلك في عظة منسوبة إلى أوغسطينوس تعود لهذا القرن، وهي تشرح أصل القانون في الكلمات التالية: “قال بطرس: أنا أؤمن بالله الآب ضابط الكل، خالق السماوات والأرض…. وقال أندراوس: وأؤمن بيسوع المسيح، ابنه الوحيد، ربنا…” (ML, 39: 2189-2190) وهكذا ساهم كل رسول في وضع أحد البنود الاثني عشر.

وقد ظل هذا الشرح لقانون إيمان الرسل، والذي ظهر في القرن السادس الميلادي، هو الشرح السائد طوال القرون الوسطى. ولهذا كانت مفاجأة كبرى عندما أعلن ماركوس إفجينيكوس (Marcus Eugenicus)، رئيس أساقفة أفسس اليوناني، في مجمع فيريرا (Ferrara) 1438م، أن الكنائس الشرقية لا تعرف شيئاً لا عن قانون الإيمان المستخدم في الكنائس الغربية، ولا عن نسبته للرسل. وبعد بضعة سنين، أنكر عالم الإنسانيات الإيطالي “لورينزو فالا” (Lorenzo Valla) بشكل قاطع نسبة هذا القانون للرسل.

وقد أثبتت الأبحاث الحديثة حول هذا الموضوع، بشكل كاف، أن المحتوى الجوهري لقانون إيمان الرسل يعود إلى العصر الرسولي؛ ولكن صورته التي هو عليها الآن قد تطورت تدريجياً.

هذا ويرتبط بشدة التاريخ الطويل لقانون إيمان الرسل بالتطور المتطرد لليتورجية المعمودية وإعداد الموعوظين لنوالها، فلم يؤثر شيء آخر، في وضع “قانون الإيمان” هذا، أكثر مما أثرت الحاجة لصيغة اعتراف إيمانية يعلن بها المرشحون لنوال المعمودية إيمانهم، فمنذ عصر الرسل وإلى الآن، كانت الممارسة المسيحية تتطلب أن يعترف الموعوظ بوضوح بإيمانه بالعقائد الأساسية بخصوص يسوع المسيح، لذا كان على المرشحين للمعمودية أن يحفظوا كلمات معدة مسبقاً عن ظهر قلب، وأن يرددوها بوضوح أمام الشعب.

ومن هذه العادة ظهر طقس “التسليم” (Traditio) و”تلاوة قانون الإيمان من الذاكرة” (redditio symboli). وقد كان اعتراف الإيمان جزءً لا يتجزأ من الليتورجية، وعندما ندرك هذه الحقيقة إدراكاً كاملاً، عندئذ يمكننا أن نستوعب مدى أصالتها.

تكشف دراسة التاريخ المبكر لقانون الإيمان عن صيغتين محددتين له: الصيغة الخريستولوجية، والصيغة الثالوثية:

أولاً: الصيغة الخريستولوجية (The Christological Formula)

إن أبسط أشكال قانون الإيمان مسجل في سفر أعمال الرسل (أعمال 8: 37)، فقد عمد فيلبس الخصي الحبشي بعد أن اعترف الأخير بإيمانه هكذا: “أنا أؤمن أن يسوع المسيح هو ابن الله”. هذه العبارة تثبت لنا أن نقطة البداية في قانون الإيمان هي الاعتراف الإيماني بأن يسوع المسيح هو ابن الله. ولم تكن هناك حاجة لأن يطلب المزيد من المرشحين للمعمودية، فقد كان الاعتراف بأن يسوع هو المسيا كافياً، خاصة بالنسبة للمتحولين من اليهودية.

وبمرور الوقت، أضيف ألقاب أخرى لهذه الصيغة، فبعد ذلك بفترة وجيزة أضيف لقب “المخلص” إلى الصيغة، وظهر الشعار “إخثيس” (##)، وهو قانون الإيمان المتداول في العالم اليوناني، لأن كلمة (##) تعني سمكة – تحتوي على الأحرف الأولى من الكلمات اليونانية الخمس: (###) “يسوع المسيح ابن الله المخلص” ويشهد ترتليانوس، وكذلك نقوش” أبيركيوس” (Abercius)، عن انتشار هذه الصيغة (كقانون إيمان) في النصف الثاني من القرن الثاني، غير أنه قبل ذلك بكثير…

كانت توجد في الكتابات المسيحية المبكرة ما يعبر عن الإيمان بالمسيح بصورة رسمية أكثر وبنظرة أوسع، فبالفعل كان الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية (1: 3، 4) يصيغ “إنجيل الله” باعتباره رسالة “ابنه الذي صار من نسل داود من جهة الجسد. وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات يسوع المسيح ربنا”. هناك أيضاً صيغ مشابهة في كورنثوس الأولى (15: 3) وبطرس الأولى (3: 18-22).

وربما كانت هذه الصيغ تستخدم ليتورجياً، هذا الاستنتاج يفرض نفسه خاصة إذا كنا نتكلم عن مُلخص العمل الخلاصي الذي يذكره القديس بولس في فيلبي (2: 5-11) وفي حوالي 100م، أعلن أغناطيوس الأنطاكي (في الرسالة إلى تراليا: 9)..

إيمانه بيسوع المسيح بكلمات تذكرنا بالبند الثاني من قانون إيمان الرسل، فقال: “يسوع المسيح، الذي من نسل داود، ابن مريم، الذي ولد بالحقيقة، أكل وشرب، وتألم بالحقيقة على عهد بيلاطس البنطي، وصلب حقاً ومات، ونظرته الكائنات السماوية والأرضية وما تحت الأرض، والذي أقيم حقاً من الأموات؛ إذ أقامه أبوه، وهكذا سيقيمنا أيضاً في المسيح يسوع طالما نؤمن به، وبدونه ليست لنا حياة حقيقية”.

ثانياً: الصيغة الثالوثية (The Trinitarian Formula)

إلى جانب الصيغة الخرستولوجية، وجدت أيضاً منذ عصر الرسل صيغة ثالوثية للاعتراف بالإيمان خاصة بطقس المعمودية، تلك التي صارت الصيغة السائدة، فوصية الرب بتعميد كل الأمم “باسم الآب والابن والروح القدس” هي التي أوحت بقاعدة الإيمان هذه.

وقد ذكر يوستينوس الشهيد (Apol 1: 61)، حوالي سنة 150م، أن المتقدمين لنوال المعمودية كانوا “يتقبلون غسل الماء باسم الله الآب ورب الكون، ومخلصنا يسوع المسيح، والروح القدس” علاوة على ذلك، كان العمل المعروف باسم “رسالة الرسل” (Epistola Apostolorum)، والذي كتب في نفس الوقت تقريباً، وقد وسع بالفعل من اعتراف الإيمان هذا من ثلاثة بنود إلى خمسة.

فقانون الإيمان. المذكور في هذه الرسالة – يحتوي ليس فقط على الإيمان “بالآب، ضابط العالم كله، وبيسوع المسيح مخلصنا؛ وبالروح القدس المعزي؛ ولكنه يضيف أيضاً “وبالكنيسة المقدسة، وبمغفرة الخطايا”.

ثالثاً: الصيغة المركبة (The Combination Formula)

في حين وسعت “رسالة الرسل” الصيغة الثالوثية بإضافة عنصرين جديدين إليها، إلا أنه قد بقي هناك أسلوب آخر للنمو، وهو بإعطاء تفاصيل أكثر عن كل بند من بنود قانون الإيمان. وتتمثل هذه الطريقة في نمط يمكن لنا أن نسميه الصيغة المركبة، تلك التي تجمع بين الصيغتين الخريستولوجية والثالوثية.

وكان إدخال الاعتراف المسياني الذي كان في الأصل مستقلاً (والذي لا يزال محتفظاً بوجوده المستقل في مدخل الليتورجية الإفخارستية) وقد أخل بتناسق الصيغة الثالوثية البسيطة، وقد نتج عن هذا ثماني أو تسع عبارات بها قاعدة إيمان خريستولوجية موسعة، مثل تلك الصيغة التي كانت سارية في روما سنة 200م، فقد احتوى طقس المعمودية لكنيسة روما الذي يصفه هيبوليتس في التقليد الرسولي على قانون الإيمان التالي:

“أؤمن بالله الآب ضابط الكل، وبيسوع المسيح، ابن الله، الذي ولد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وصلب على عهد بيلاطس البنطي، مات ودفن، وقام من الأموات في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الآب، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، وبالروح القدس، وبالكنيسة المقدسة، وبقيامة الجسد”. وكان ترتليانوس في نهاية القرن الثاني على علم بقانون الإيمان الروماني هذا، وهناك أسباب كثيرة لنعتقد أن هذا القانون كان قد تمت صياغته قبل أن نسمع عنه لأول مرة بفترة طويلة.

هذا ولقد أثبت البحث العميق والواسع النطاق أنه ينبغي اعتبار هذه الصيغة الرومانية لقانون الإيمان بمثابة الأم لكل قوانين الإيمان الغربية بل وأيضاً “قانون إيمان الرسل” خاصتنا. هذا وقد انتقل (قانون الإيمان الروماني) خلال القرن الثالث من كنيسة إلى أخرى حتى ساد عالمياً، ولكننا لا نستطيع أن نثبت – كما حاول (Kattenbush) أن يفعل – أنه كان النموذج الأصلي لصيغ قوانين الإيمان في الشرق، فيبدو على أغلب الظن أن صيغ قوانين الإيمان الشرقية وقانون الإيمان الروماني كانا فرعين مستقلين من أصل مشترك له جذوره في الشرق.

غير أنه يمكننا أن نرى تطوراً في الشرق يشبه ذاك الذي تتبعناه في الغرب، فقد أضيفت إلى الاعتراف الثالوثي البسيط تصريحات خريستولوجية[1]، لكن في حين تم التركيز على الميلاد من العذراء مريم في الغرب، أدخل الشرق عبارات جديدة بخصوص ميلاد المسيح الأزلي قبل خلق العالم، وقد سميت هذه الإضافات بـ: “المادة المضادة للهرطقة”..

ولكننا لا نستطيع أن نكون متأكدين من أن هذه الإضافات كانت لمقاومة أي هرطقة إلا في حالات قليلة فردية، فمعظمها قد تمت إضافته بسبب ظهور حاجة في الكنيسة لشرح العقائد الأساسية في المسيحية أكثر وأكثر في قانون الإيمان بصورة مختصرة بهدف تعليم الموعوظين.

ومثلما تطور طقس المعمودية من طقس بسيط إلى احتفال مهيب، هكذا تطور قانون الإيمان الخاص بالمعمودية من اعتراف ثالوثي بسيط إلى ملخص لكل عقائد المسيحية. ومثلما كانت هناك ليتورجيات مختلفة للمعمودية، هكذا أيضاً وجدت عدة قوانين إيمان.

أما أشهر قوانين الإيمان في الشرق فهو القانون الأورشليمي المسجل في مقالات كيرلس الأورشليمي لطالبي العماد، والقانون القيصري الذي دونه لنا يوسابيوس المؤرخ. ولا يزال الدارسون مختلفين حول ما إذا كان قانون الإيمان النيقي هو صيغة معدلة من النموذج القيصري أم من النموذج الأورشليمي.ِ

من الواضح إذن أن نص قانون إيمان الرسل الحالي لم يظهر قبل القرن السادس، حيث كان قد ظهر أولاً في قيصرية آرل (Arles). كما أن قانون الإيمان الروماني الذي يعود إلى القرن الخامس الميلادي يختلف هو الآخر عن قانوننا؛ إذ تنقصه العبارات التالية: “خالق السماء والأرض – ولِد – تألم ومات ونزل إلى الجحيم – الجامعة – شركة القديسين – الحياة الأبدية.

وعلى كل الأحوال فإن العناصر العقائدية المحتواة في قانون إيمان الرسل كانت جميعها قد ظهرت نحو نهاية القرن الأول الميلادي في صيغ الإيمان المتعددة والمختلفة المسجلة في الكتابات المسيحية المبكرة.

الـديـداخـي

يُذكر الديداخي، في فهرس المخطوطة التي وجدت فيها، تحت اسم مختصر هو: “تعليم الإثني عشر رسولاً” (##)، ولكن عنوانها الكامل هو: “تعليم الرب للأمم بواسطة الإثني عشر رسولاً” يبدو أن هذا العنوان الأخير هو العنوان الذي كان معروفاً به في الأصل.

ولا يكشف الكاتب عن اسمه، إلا أنه سيكون من التسرع أن نفترض، مثلما فعل (Duchesne)، أن العنوان يشير إلى أصل رسولي لهذه الوثيقة، فالنص لا يدل على ذلك بأي شكل من الأشكال، فمن الواضح أن نية الكاتب كانت هي أن يعطي مختصراً لتعاليم المسيح كما علمها الرسل للأمم، وهذا ما قد يفسر العنوان.

ويعتبر الديداخي أهم وثيقة من العصر بعد الرسولي وهو أقدم مصدر قانوني كنسي نملكه هذا ولم يكن الديداخي معروفاً حتى عام 1883م، حينما نشره مطران نيكوميديا اليوناني فيلوثيئوس برينيوس (Philotheos Bryennios) من المخطوطة اليونانية رقم (1057) المملوكة لبطريركية أورشليم. ومنذ ذلك الحين، أغنى الديداخي معرفتنا عن بداية الكنيسة وعمقها بطريقة مدهشة. وقد جنى الدارسون، الذين طالما انجذبوا لمحتواه، الكثير من الإلهام والاستنارة من هذا الكتاب صغير الحجم.

وقد يتوقع المرء – بالاحتكام إلى العنوان فقط – أن الديداخي يُبرز عظات المسيح الكرازية، ولكننا نجده مهتماً بالأكثر أن يقدم خلاصة وافية للوصايا الأخلاقية، وإرشادات تنظيم الجماعات، والقوانين المتعلقة بالوظائف الليتورجية؛ فنحن نملك هنا ملخصاً لتوجيهات من شأنها أن تمنحنا صورة واضحة للحياة المسيحية في القرن الثاني. وفي الحقيقة نقول إنه لدينا هنا أقدم ترتيب كنسي، فهو النموذج الأولي ذو المكانة لكل مجموعات الدساتير والقوانين الرسولية اللاحقة، تلك التي بها بدأت القوانين الكنسية في الشرق والغرب.

المحتـويـات

  1. ينقسم نص الديداخي إلى ستة عشر فصلاً نستطيع أن نميز فيها قسمين كبيرين: القسم الأول (الفصول 1-10)، ويحتوي إرشادات ليتورجية، والقسم الثاني (الفصول 11-15)، ويتضمن قوانين تنظيمية. أما الفصل الأخير عن مجيء الرب الثاني (Parausia)، والواجبات المسيحية المترتبة على ذلك فهو بمثابة الخاتمة.
  2. يحتوي الجزء الأول من القسم الليتورجي (الفصول 1-6) على توجيهات لتعليم الموعوظين، وطريقة عرض هذه التوجيهات هي أكثر ما يثير الاهتمام، فقد قدمت القواعد الأخلاقية فيه في صورة طريقتين: طريق الخير وطريق الشر، وهكذا يبدأ النص قائلاً: “هناك طريقان، أحدهما للحياة والآخر للموت، وهناك فارق كبير بينهما. والآن طريق الحياة هو هذا: أولاً: أحب الله الذي خلقك، ثانياً: أحب قريبك كنفسك، لا تفعل بآخر ما لا تحب لنفسك” (فصل 1: 1-2).

    أما طريق الموت فموصوف في الفصل الخامس كما يلي: “ولكن هذا هو طريق الموت قبل كل شيء، إنه شرير وملعون بالكامل ومليء بكل أنواع القتل، والزنى، والشهوات، والعهر، والسرقة، وعبادة الأوثان، والسحر، والشعوذة، والخطف، وشهادة الزور، والنفاق، والرياء، والمجد الباطل، والخبث، والفظاظة، والطمع، والكلام الباطل، والغيرة، والطيش، والعجرفة، والادعاء الكاذب، وعدم مخافة الله”.
    وتحمل هذه الطريقة المزدوجة، والتي تعتبر هنا وسيلة رئيسية لتعليم الموعوظين، طابعاً يونانياً عقيقاً، فقد كانت هذه الطريقة تستخدم في المجامع الهلينية لتعليم الدخلاء.

  3. أما بالنسبة لدارس التاريخ الليتورجي، فإن الفصول (7-10) هي الأهم. وقد وردت إجراءات منح المعمودية أولاً هكذا: “المعمودية كالتالي: بعدما تشرحون كل هذه النقاط أولاً، عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس في ماء جارٍ، وإن لم يكن هناك ماء جاءٍ فعمدوا بماء آخر، وإن لم يمكنكم أن تعمدوا بماء بارد فعمدوا بماء ساخن، وإن لم يكن لديكم كلاهما، فاسكبوا ماء على الرأس ثلاث مرات باسم الآب والابن والروح القدس[2]”. (فصل 7: 1-3).

وبحسب النص، فإن المعمودية بالتغطيس في ماء جارٍ، أي في الأنهار والينابيع، كانت هي الطريقة المعتادة في ممارسة هذا السر، اما المعمودية بالسكب فقد أجيزت في حالات الضرورة، وهذا هو المصدر الوحيد من القرنين الأول والثاني بخصوص المعمودية بالسكب.

وفوق ذلك، يتضمن الديداخي تعليماً صريحاً عن ضرورة الصوم، فقد كان يجب على كل من المتقدم للمعمودية والمعمد أن يصوما قبل إتمام السر (فصل 7: 4). كذلك، حدد يوما الأربعاء والجمعة بأنهما يوما صوم ثابتان، وهي عادة موجعة ضد الممارسات اليهودية، حيث كانت الأخيرة تتضمن حفظ يومي الإثنين والخميس كيومي صوم تقليديين[3] (فصل 8: 1).

  1. الصلاة والليتورجيا: كان ترديد الصلاة الربانية ثلاث مرات في اليوم أمراً واجباً على كل مؤمن. كما أن للفصلين التاسع والعاشر أهمية خاصة في تاريخ الليتورجية، فهما يحتويان على أقدم صلاة إفخارستية مسجلة وهي كالآتي: “فيما يختص بالإفخارستيا، اشكروا هكذا: أولاً: بخصوص الكأس: “نشكرك يا أبانا، لأجل كرمة عبدك داود المقدسة، التي عرفتنا إياها بواسطة خادمك يسوع. لك المجد إلى الأبد.
    كما كان هذا الخبز المكسور منثوراً فوق التلال ثم جُمع فصار واحداً، هكذا فلتجتمع كنيستك من أقصاء الأرض إلى ملكوتك، لأن لك المجد والقدرة بيسوع المسيح إلى الأبد”. لا يأكل ولا يشرب أحد من إفخارستيتكم غير المعتمدين باسم الرب، لأن الرب قد قال بخصوص هذا: “لا تعطوا القدس للكلاب”. (فصل 9).

والحقيقة إن الرأي الذي قُدم أكثر من مرة والقائل بأن ما لدينا هنا ليست صلاة مخصصة للإفخارستيا بل مجرد صلاة مائدة، هو رأي لا سند له، فمناقشة موضوع الإفخارستيا هنا مرتبط بشكل وثيق بالمعمودية، وكلاهما مرتبطان ببعضهما البعض في إيمان الكاتب كما هو واضح، بل الأكثر من ذلك هو أن غير المعمدين ممنوعون صراحة من الاشتراك في (مائدة) الإفخارستيا.

ثم يورد الفصل العاشر صلاة تُقال بعد التناول: “بعد أن تمتلئوا من الطعام، اشكروا هكذا: “نشكرك أيها الآب القدوس من أجل اسمك القدوس الذي أسكنته في قلوبنا، ومن أجل المعرفة والإيمان والخلود الذي أعلنتهم لنا بواسطة يسوع خادمك. لك المجد إلى الأبد. أنت أيها السيد القدير خلقت كل الأشياء لأجل اسمك، ومنحت الناس طعاماً وشراباً ليتمتعوا بهما، لكي يشكروك؛ أما نحن فمنحتنا طعاماً وشراباً روحيين وحياة أبدية بواسطة خادمك (يسوع). نشكرك قبل كل شيء لأنك قدير، لك المجد إلى الأبد.” (10: 1-4).

وتسمى الإفخارستيا هنا. بكل صراحة – طعاماً وشراباً روحياً (##) ثم يضيف الكاتب: “كل من كان طاهراً فليتقدم، ومن ليس كذلك فليتب” (10: 6).

لا تشير التوجيهات الكثيرة فقط، ولكن أيضاً السياق بشكل خاص، إلى أن المقصود من هذا التوجيهات هو تنظيم التناول لأول مرة للمعمدين الجدد في عشية عيد القيامة، أما الإفخارستيا المعتادة كل يوم أحد فقد وُصفت في الفصل الرابع عشر: “في يوم الرب، اجتمعوا معاً لكسر الخبز والشكر، ولكن اعترفوا أولاً بخطاياكم لكي تكون ذبيحتكم طاهرة، لا يجتمع معكم كل من له منازعة مع أخيه حتى يتصالحا لئلا تتنجس ذبيحتكم، لأن الرب قال: “في كل مكان وزمان قربوا لي ذبيحة طاهرة؛ لأني ملك عظيم، يقول الرب، واسمي مرهوب بين الأمم”.

والإشارة الواضحة هنا إلى الإفخارستيا بكونها ذبيحة (##) كذلك التلميح إلى نبوة ملاخي (1: 10) هما أمران لا يخلوان من دلالة.

  1. الاعتراف: وليس أقل إثارة للاتهام، التأكيد على الاعتراف قبل الاشتراك في الإفخارستيا. ويبدو أن الاعتراف بالخطايا الوارد هنا هو على الأرجح اعتراف ليتورجي، وليس اعترافاً شخصياً. وبالمثل، في الفصل (4: 14)، يطلب الكاتب من المصلين الاعتراف بالخطايا قبل الصلاة في الكنيسة: “اعترفوا بخطاياكم في الكنيسة ولا تتقدموا لصلواتكم بضمير مذنب”.

  2. الرتب الكنسية: لا توجد إشارات في الديداخي تبرهن لنا على وجود ما يُعرف بنظام الإيبارشية ذات الأسقف الواحد (Monarchial episcopate)، فقادة الجماعات المسيحية يُدعون أساقفة (##) وشمامسة (##) لكن من غير الواضح إذا كان هؤلاء المُشار إليهم بكلمة (##) هم كهنة عاديون أم أساقفة، كما أننا لا نجد أي ذكر للقسوس (##) ومن ثم، انتخبوا لكم أساقفة وشمامسة، رجالاً جديرين بالرب، ودعاء، غير محبين للمال، أمناء، وقد اختبروا جيداً، لأنهم يسدون إليكم خدمة الأنبياء والمعلمين المقدسة.

    إذاً فلا تحتقروهم لأنهم هم المكرمون بينكم مع الأنبياء والمعلمين” (فصل 15: 1-2).

وهذا الجزء يدفعنا لنستنتج أنه إلى جانب الإكليروس المحلي، فإن من يُدعون بـ “الأنبياء” قد لعبوا دوراً هاماً. ونحن نقرأ بخصوصهم في الفصل (13: 3) (إنهم) “هم رؤساء كهنتكم” وقد سمح لهم بالاحتفال الإفخارستي: “اسمحوا للأنبياء أن يقدموا الإفخارستيا ## كما يشاؤون” (10: 7). كما أنه كان يحق لهم الحصور على العشور كلها: “لذلك، خذوا كل بكور الكرمة والمحصور، الماشية والأغنام، وأعطوها للأنبياء…

وبالمثل عندما تفتحوا وعاء خمر أو زيت جديداً خذ باكورته وأعطه للأنبياء. أما فيما يخص الأموال والملابس والممتلكات الأخرى، فافرزوا أولاً جزءً بحسب تقديركم وأعطوه حسب الوصية”. (فصل 13: 3-7). ومن الواضح أن المكانة التي كان الأنبياء يحتلونها كانت رفيعة حتى إنه قد قيل عنهم إنه لا يمكن لأحد أن يحكم عليهم: “أنه (النبي) غير خاضع لحكمكم لأنه يُحكم عليه من قبل الرب” (فصل 11: 11)، بل وإن انتقادهم كان خطيئة ضد الروح القدس: “كل نبي يتكلم بالروح لا تجربوه ولا تدينوه، فكل خطيئة تُغفر، أما هذه فلا يمكن أن تُغفر” (فصل 11: 7).

  1. أعمال البر والعمل الاجتماعي: إن مبادئ أعمال الصدقات والعمل الاجتماعي كما تظهر في الديداخي مثيرة جداً للاهتمام. فبالرغم من أن اعطاء الصدقات هو أمر مستحسن جداً، إلا أن وجوب العمل لأجل كسب العيش هو أيضاً أمر مُشدد عليه.

    فالتصديق على الآخرين مشروط بعدم قدرتهم على العمل: “إذا كان الآتي عابر سبيل فساعدوه بقدر ما تستطيعون، ولكن لا يبق عندكم أكثر من يومين أو ثلاثة إذا اقتضى الأمر، أما إذا نوى أن يسكن بينكم، إن كان صاحب حرفة فليعمل ليعول نفسه؛ وإذا لم تكن له تجارة أو حرفة فتبصروا كيف تعولونه كي لا يحيا تابع المسيح بينكم بلا عمل. فإذا لم يرض بهذا الترتيب فهو متاجر بالمسيح. احذروا مثل هؤلاء” (فصل 12: 2-5 ACW).

  2. الإكليسيولوجيا (الكنسيات): مفهوم “الكنيسة” في الديداخي يحمل معنى “الجامعية” (Universality) ففكرة الكنيسة التي تحتضن العالم كله تتصدر الوعي المسيحي، ذلك لأن كلمة (##) “كنيسة” لا تعني فقط جماعة المؤمنين المجتمعين للصلاة، بل أيضاً الشعب الجديد أو الجنس الجديد من المسيحيين الذين سيجتمعون معاً في ملكوت الله يوماً ما، كما أن السمتين “الواحدة” و”المقدسة” لهما أهمية خاصة.

    ورمز هذه الوحدة هو خبز الإفخارستيا حيث يُصبح العديد من الحبوب خبزاً واحداً، وذلك كما توضح إحدى الصلوات: ” كما كان هذا الخبز المكسور منثوراً فوق التلال وحين جُمع صار واحداً، هكذا فلتجتمع كنيستك من أقاصي الأرض إلى ملكوتك”. (فصل 9: 4) وفي فقرة أخرى نجد الصلاة الآتية: “اذكر يا رب كنيستك: نجها من كل شر، وكملها في محبتك، واجمع تلك المقدسة من الرياح الأربع إلى ملكوتك الذي أعددته لها.” (فصل 10: 5).

  3. الإسخاتولوجيا (الأخرويات): إن البعد الإسخاتولوجي (الأخروي) بارز في الديداخي، وهو يظهر من حين لآخر في الصلوات الإفخارستية: “لتأت النعمة، ولينته العالم”، كما أنه يظهر في الخاتمة الآرامية “ماران آثا” – والتي تعني – “يا رب تعال”. وهو يتخلل الفصل الأخير من العمل بشكل كامل. وقد كان المسيحيون جميعهم يجهلون متى تأتي الساعة، ولكن “الباروسيا” أي مجيء المسيح الثاني كانت بالنسبة لهم قد غدت وشيكة، لذلك يجب على المؤمنين أن يجتمعوا معاً كثيراً ليبحثوا عما هو نافع لنفوسهم.

    هذا ويشير الديداخي إلى العلامات التي سوف تسبق مجيء الرب وقيامة الأموا: سيكثر الأنبياء الكذبة والمنحرفون، ستتحول الحملان إلى ذئاب، وستتبدل المحبة إلى كراهية؛ عندئذ سيظهر مُضل العالم كابن لله وسيعمل آيات وعجائب، وستدفع الأرض ليديه، “وحينئذ، ستجتاز البشرية الامتحان الصعب”، وعلى الرغم من أن كثيرين سيتضايقون ويضلون، ولكن من يتمسكون بإيمانهم سيخلصون، عندئذ سيرى العالم الرب آتياً على السحاب وكل قديسيه معه.

    لذلك ينصح الديداخي المسيحيين قائلاً: “اسهروا على حياتكم؛ يجب ألا تنطفئ مصابيحكم، وألا تنكشف عوراتكم، بل بالعكس، كونوا مستعدين. أنتم لا تعرفون ساعة مجيء ربنا”. (فصل 16: 1).

زمن كتابة الديداخي:

إن السؤال ذا الأهمية القصوى الذي يمكن للمرء أن يطرحه بشأن الديداخي هو: متى كتب هذا العمل؟ ويكشف الفحص النقدي الحديث للنص أن الفصول (1-6) من الديداخي تتشابه إلى حد بعيد مع الفصول (18-20) من رسالة برنابا، ولكن كون هذا التشابه يعبر عن اعتماد حقيقي للديداخي على رسالة برنابا فهذا محل شك كبير. وعلى أية حال، لا يمكن لمثل هذه العلاقة أن تؤكد دون أن تثير الجدل.

وهناك تفسير آخر محتمل؛ بما أن الفقرات محل النقاش – في كل من الديداخي ورسالة برنابا – تتكلم عن “طريقين”، إذاً من الممكن أن يكون كلاهما مديناً لمصدر آخر مشترك. كما أن محاولات ربط الديداخي بكتاب “راعي هرماس” أو “دياتسرون” تاتيانوس لم بؤد إلى نتيجة مؤكدة. ولكن هناك شيء واحد مؤكد، وهو أن الجزء (من1: 3 إلى 2: 1) هو إضافة متأخرة على نص الديداخي، وقد يكون هذا هو الحال أيضاً بالنسبة للفصلين (6، 14).

والديداخي ككل ليس كتاباً متماسك الأجزاء، بل هو بالأحرى تجميع غير متناسق لنصوص كانت موجودة مسبقاً، فهو أكثر قليلاً من مجرد مجموعة من القوانين الكنسية التي كانت مستخدمة لبعض الوقت، ولهذا اكتسب. مع الزمن – قوة القانون الكنسي. وهذا سيفسر لنا أيضاً الكثير من التناقضات الموجودة في الديداخي، فقد فشل المصنف في محاولته للوصول إلى وحدة متماسكة من المادة التي أمامه.

وتساعدنا الأدلة الداخلية أكثر على تحديد الزمن الذي جُمع في الديداخي. ويكشف المحتوى بوضوح أن النص لا يعود للعصر الرسولي، وذلك لأن المشاعر المعادية لليهود تظهر فيه واضحة، كما كانت عملية التخلي عن عادات المجامع اليهودية لا تزال في طريقها. علاوة على ذلك، تفترض مثل هذه المجموعة من القوانين فترة ما من الاستقرار.

وكذلك تشير التفاصيل المتفرقة داخل النص إلى العصر الرسولي لم يكن زمن الكتابة بل كان قد انقضى، فقد أقر الديداخي المعمودية بالسكب (في حال عدم توفر الماء الجاري للتغطيس)، كذلك لما كان الاهتمام بالأنبياء في النظام الديني الجديد قد تراجع، لذا وجب أن يتم التنبيه عليه مرة أخرى.

لكن ومن ناحية أخرى، هناك الكثير من الخصائص تشير إلى أصله القريب من العصر الرسولي: فالليتورجية الموصوفة في الفصول (7-10) بسيطة إلى أبعد حد؛ ولا تزال المعمودية في الماء الجاري، أي في الأنهار، هي القاعدة السائدة..

أما المعمودية بالسكب فكان يُسمح بها على سبيل الاستثناء فقط، بل وأكثر من هذا، لا توجد أية آثار تشير إلى وجود صيغة موحدة لقانون الإيمان أو قانون العهد الجديد؛ ولا يزال الأنبياء يقيمون الإفخارستيا، كما أنه كان من الضروري التشديد على أن خدام الليتورجيا الفعليين، الأساقفة والشمامسة، لهم نفس الكرامة والاحترام من قبل المؤمنين.

كل هذه الحقائق تساعد في إثبات أن الديداخي كُتب بين (100م – 150م)، وأغلب الظن أنه كُتب في سوريا.

ولقد منح الديداخي اهتماماً وتوقيراً كبيراً في العصور المسيحية المبكرة حتى إن كثيرين كانوا يحسبونه مماثلاً في أهميته لأسفار العهد الجديد. ولهذا السبب كان يوسابيوس (Euseb. Hist. Eccles 3: 25: 4)، وأثناسيوس (Ep. Fest. 39)، وروفينوس (Comm in Symb. 38)، يرون أنه من الضروري التأكيد على أن الديداخي ليس له صفة قانونية، ولذا يجب أن  يُعد من ضمن الكتب الأبوكريفية[4].

ولقد عمل الديداخي كنموذج لكتابات ليتورجية وقوانين كنسية لاحقة، منها على سبيل المثال: الدسقولية السريانية والتقليد الرسولي لييبوليتس الروماني والمراسم الرسولية، وقد كانت تُستخدم لتعليم الموعوظين كما يخبرنا أثناسيوس.

كيف وصل نص الديداخي إلينا؟

فيما يلي النسخ المرجعية لنص الديداخي:

أولاً: النصوص اليونانية:

  1. المخطوطة الأورشليمية (The Codex Hierosolymitanus) المملوكة للبطريركية اليونانية في أورشليم، والتي كانت قبلاً محفوظة في مكتبة نزل كنيسة القبر المقدس في القسطنطينية. ولقد نُسخت تلك المخطوطة عام 1056م بواسطة “ليو” كاتب العدل (Notary)، ووضع فيها نص الديداخي بعد رسائل برنابا وكليمندس وقبل رسائل اغناطيوس.

  2. حُفظ النص اليوناني الخاص بالفصول (1: 3-4؛ 2: 7-3: 2) في مخطوطات أوكسيرينيخوس (Oxyrhynchos) التي تعود إلى القرن الرابع الميلادي.
  3. ضُمنت الفصول (1-6) من الديداخي في الفصول (18-20) من رسالة برنابا.

  4. تحتوي قوانين الرسل المجمعة في مصر في القرن الرابع الميلادي على الفصول (1: 1-3؛ و2: 2-4، 8). كما يحتوي الكتاب السابع من المراسم الرسولية المكتوبة في سوريا في القرن الرابع الميلادي، على النص اليوناني الكامل الخاص بالديداخي تقريباً.

ثانياً: النصوص اللاتينية:

حُفظت لدينا شذرتان من ترجمة لاتينية قديمة لا بد وأنها قد أُنجزت في القرن الثالث الميلادي، أقصرهما من مخطوطة جاءت من مدينة ميلك (Melk)، وتعود إلى القرن التاسع أو العاشر الميلادي، وهي تحتوي على الفصول (1: 1-3؛ 2: 2-6) من الديداخي. أما الشذرة الأخرى فقد وجدت في مخطوطة ميونخ (God. Monoac. Lat. 6264) وتعود إلى القرن الحادي عشر، وتتضمن الفصول (1: 1-2؛ 2: 2-6: 1).

ولقد اكتشفت حديثاً جزء كبير من الديداخي (الفصول 10: 3ب – 12: 2أ) في ترجمة قبطية تعود إلى القرن الخامس في البردية رقم (927) بالمتحف البريطاني. ووفقاً لهذه الشذرة القبطية كان هذا الجزء من الديداخي بمثابة صلاة تتلى على زيت المسحة (##) بعد صلاة الإفخارستية، وكان هذا الزيت غالباً هو الميرون المستخدم في تتميم سريّ المعمودية والتثبيت.

وبالإضافة للمخطوطات سابقة الذكر نملك شذرات من ترجمات سريانية وعربية وأثيوبية وجورجية.

 

[1] ويعطينا هذا الموضوع فكرة عن مدى قدم الصيغة الثالوثية المستخدمة في المعمودية حتى الآن في كنيستنا القبطية (قانون إيمان دير البلايزه”: “أؤمن بإله واحد، الله الآب ضابط الكل، وابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا، والروح القدس المحيي، وقيامة الجسد، والكنيسة الواحدة الوحيدة المقدسة الجامعة الرسولية، أمين” (المترجم)

[2] هنا السكب جاء كحالة استثنائية عندما لا يوجد ماء كاف للتغطيس، لأن المعمودية هي سر موت ودفن الطبيعة القديمة مع المسيح، والقيامة مع بالطبيعة الجديدة المؤهلة لسكنى الروح القدس. (المراجع)

[3] نستطيع أن نلمح بوضوح مدى تطابق هذه الطقوس والتقاليد السحيقة مع ما تمارسه كنيستنا القبطية حتى يومنا هذا. (المترجم)

[4] أي ليس من الأسفار المقدسة القانونية.

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

الألفاظ اليونانية والسريانية المتداولة كنسياً

الألفاظ اليونانية والسريانية المتداولة كنسياً

الألفاظ اليونانية والسريانية المتداولة كنسياً

الألفاظ اليونانية والسريانية المتداولة كنسياً

1- أبدياقون: يونانية. وهي درجة دون الشماسية وتسمى درجة الشدياقية.

2- أبرشية: يونانية. وهي ولاية الأسقف الكنسية.

3- أرخيدياقون: يونانية. تعني رئيس الشمامسة، وهي درجة دون درجة الكاهن.

4- أسقف: يونانية. تعني الرقيب والناظر. والاسقف هو رئيس الكهنة الذي يتولى تدبير الابرشية ويراقب امورها الدينية.

5- أمولوغيا: يونانية. تعني الاقرار والاعتراف. وهو كتاب الاعتراف بصحة الايمان والمعتقد يوقعة البطريرك الجديد قبل تقليده الرتبة، والاسقف قبل سيامتة وتوليه درجة الاسقفية.

6- أنبا: يونانية. وتعني الأب. وتطلق خاصة على رئيس الدير اما الأقباط فيطلقونها على البطاركة والاساقفة ولكن بادخال لام التعريف عليها.

7- أنتيفونا: يونانية. وهى أبيات صلوات يتلوها الكهنة ويرددها الشعب بعدهم.

8- باعوث: سريانية. وتعني طلبة. وهي أبيات شعرية على اوزان ثلاثة تتلى يومياً في اثناء صلاة الفرض. ولقد عرفها البعض بصلاة الاستسقاء او الاستمطار. ويطلقها نصارى العراق على صوم نينوى وبعض نصارى بلاد الشام على حفلة دينية لبعض اعيادهم.

9- برديوط: يونانية. وتعني نائب الأسقف او كبير الكهنة. وقد يسمى بالسريانية الساعور وهو الراهب القسيس الذي يوفده الأسقف في بعض مهام الرعية.

10- بسالطوس: يونانية. وتعني المرتل. وهي أصغر الدرجات الكنسية.

11- بطريرك: يونانية. وتعني رئيس الآباء، وهو رئيس رؤساء الاساقفة.

12- بيت كاز: سريانية. وتعني مخزناً يراد به عند السريان مجموعة الاناشيد الكنسية.

13- تبرة: يونانية. بيت من الشعر يتلى في مقدمة كل باعوث.

14- تكشفت: سريانية. وتعنى ابتهال. وهو نوع من الاناشيد السريانية المنثورة وضعها رابولا مطران الرها.

15- ترجام: سريانية. وتعني خطبة يفسر فيها فصل الانجيل الذي سبقت تلاوتة.

16- تسبحة: سريانية. وتعني التسبيح والتمجيد. وهي صلاة تتلى في صلاة الليل يومياً.

17- جاثليق: يونانية. وتعني العام الكلي. وهي رتبة دون البطريرك وفوق الأسقف.

18- حبيس: سريانية. وهو ناسك حبس نفسة في صومعة تعبداً لله.

19- حتام: سريانية. وتعني خاتمة. وهو بيت من الشعر يتلوه الكاهن في آخر الصلوات والقداس.

20- حساية: سريانية. وتعني استغفار وغفران. وهي صلاة منثورة مسهبة يتلى منها في القداس والصلوات وايام الآحاد والاعياد والصيام.

21- خرونيقون: يونانية. تاريخ يومي تدون فيه الاحداث سنة فسنة.

22- خورابقوبوس: يونانية. وتعني اسقف الكورة، ولقد خففت فقيل خوري. والمقصود بها اليوم مقدم الكهنة عند البعض، وعند البعض الآخر في بلاد الشام الكاهن على الاطلاق.

23- دبختا: يونانية. تعني ذو اللوحين، وهو لوح كانت تسجل فيه اسماء أئمة الدين المتوفين والاحياء. وكان يتلى في اثناء القداس فى الايام الحافلة، ويعرف عند السريان بسفر الاحياء او الحياة. وقد أهمل بعدئذٍ.

24- دنح: يونانية. وتعني الظهور. ويراد بها عيد الغطاس.

25- ديدسقالية: يونانية. وتعني دار التعليم. اعطيت لمدرسة الاسكندرية اللاهوتية التي أنشئت سنة 180 مسيحية، ثم أطلقت اصطلاحاً على مجموعة السنن والرسوم المنسوبة الى الرسل الاطهار وتلامذتهم.

26- دير: سريانية. مسكن الرهبان الذين يتعبدون لله ويتفرغون للصلاة والتأمل.

27- ربان: سريانية. وتعني الاستاذ. ولقد اريد بها اصطلاحاً الراهب القسيس.

28- زومار: سريانية. وتعني ترتيل. وهي آية من مزامير داود النبي يلحق بها جملة منظومة تتلى قبل الانجيل.

29- سبار: سريانية. تبشير. يراد بذلك ايام صيام وميلاد السيد المسيح في مدينة الموصل وجوارها، حيث تنشد الادعية بمولده حسب الجسد.

30- ستيخارا: يونانية. نوع من الأناشيد البيعية وضعها القديس يوحنا فم الذهب.

31- سدر: سريانية. بكسر السين وتسكين الدال، ومعناها ترتيب، وهو الجزء الثاني من صلاة الحساية.

32- سطيخون: يونانية. اصلها ستيخون ومعناها بيت شعر، وهي نصف منثور من الأناشيد دبجة القديس كيرلوس الأورشليمي.

33- سوسطاثيقون: يونانية. كتاب العهد اى تقليد الولاية للاسقف يكتبة البطريرك.

34- سونترنيس: يونانية. الاجلاس على كرسي الاسقفية او علي العرش البطريركي، وهي حفلة تقام للحبر الجديد عند دخوله الى ابرشيته.

35- سيامة: سريانية. تقليد اصحاب الدرجات الكهنوتية والاسقفية حق القيام بوظائفها، وتعني وضع اليد من قبل الاسقف على رأس المرسوم.

36- شحيم: سريانية. باسكان الشين ومعناها البسيط، وهو اسم لكتاب فرض الصلوات اليومية التي تكرر اسبوعياً.

37- شماس: سريانية. وتعني الخادم. وهو دون القسيس ومعاونه في اثناء القيام بحق العبادة والخدم الكهنوتية.

38- شملاية: سريانية. وتعني تكميل واتمام. وهي أحدي ستة أدعية يتلوها الشماس في اثناء القداس ذكراً للأحياء والموتى.

39- شوباح: سريانية. التسبيح، نوع من الاناشيد المنثورة التي تتلى في اثناء خدمة القربان.

40- طقس: يونانية. نظام وترتيب. وفي العرف الكنسي يطلق على شعائر الديانة وحفلاتها.

41- طروفوريون: يونانية. طروبارية. نوع من الاناشيد النثرية استنبطت في اواسط القرن الخامس المسيحي.

42- عدان: سريانية. وقت، أوان. اهل الشام يستعملونها بهذا المعنى ويراد بها الصلوات التي تقام في نوبات متتابعة فيقال: العدان الاول والثاني…. ويقابلها القومة.

43- عقب:سريانية. بكسر العين. وتعني نهاية. وهو دعاء يلي دعاء العطر.

44- عنيان: سريانية. وتعني جواب. وهي ترتيلة تعاد (ردة).

45- غنيز: سريانية. باسكان الغين والابتداء بالساكن، وتعني خفي، محجوب. وهو نشيد منثور يشابة التكشفت.

46- فردا: سريانية. قطعة فصل وهي انشودة صغيرة.

47- فروميون:يونانية. فاتحة مقدسة، يسمى بها الجزء الاول من صلاة الاستغفار.

48- فنقيت: سريانية. وتعني مجلد والمجموع العام اسم احد كتب الفرض اي الصلاة على الأصلاق.

49- قاثشما: يونانية. واصلها كاثسما، ومعناها مجالس نوع من التراتيل البيعية المنثورة.

50- قال: سريانية. قول وصوت. وهو ترتيلة منظومة تشد بلحن خاص من الاول الى الثامن.

51- قانون: يونانية. قانون، نظام تسبيح بيعي منثور استنبطة اندراوس الكريتي حوالي سنة 700 مسيحية وعم أستعماله،

52- قداس: سريانية. تقدمة القربان الالهي، او الذبيحة الالهية، او الصلوات التى تتلى على الخبز والخمر لتقديسها.

53- قس وقسيس: سريانية. بفتح القاف. وتعني الشيخ الذي يقلد خدمة الكهنوت في الكنيسة المسيحية.

54- كلندار: يونانية. لائحة الفصول والشهور والايام واعياد السنة.

55- كوراخ: سريانية. ترتيلة وجيزة او لحن ينتابه الصفان في البيعة.

56- كوروزوثا: سريانية. وتعني مناداة او انذار. وهي نشيد منظوم كان يتلى في الاعياد الحافلة قبل قراءة الانجيل اذا قرأه الاسقف ومن فوقه. ومن هذه اللفظة فعل كرز الذي يستعمله بعض كتبة النصرانية بمعنى بشر بالدين ونادي به ودعا اليه.

57- ليتورجيا: يونانية. الخدمة الجمهورية. وهي مجموع صلوات القداس ويقال لها ايضاً أنافورا وهي لفظ يوناني معناه رفع القربان.

58- مار: سريانية. وتعني سيدي. وتطلق على القديسين والبطاركة والاساقفة.

59- مدراش: سريانية. ترتيل، نشيد. وهو شعر يصاغ على اوزان مختلفة والحان شتى بلغ عددها الخمسماية. دبجها القديس افرام السرياني (+373)، وقد استنبطها برديصان (+222).

60- مدبرونوث: سريانية. وتعني تدبير وسياسة. عناية الله. ويراد بها هنا ما اقتضته سياسة السيد المسيح بالنسبة الى خلاص البشر.

61- مرميت: سريانية. تعني اصلاً شيء يرمى به. وهي صلاة وجيزة وقسم من المزامير متفاوت العدد أكثره 14 وأقلة 4 مزامير.

62- مسحة: سريانية. زيت مقدس يدهن به المتعمدون والمرضى.

63- مطران: يونانية. اصلها متروبوليت ومعناها رئيس العاصمة. يراد به الاسقف او رئيس الاساقفة المقيم في مدينة كبيرة.

64- معبران: سريانية. ضرب من الاناشيد السريانية المنثورة ترتل في تشييع الجنائز.

65- معذعذان: سريانية. باسكان الميم. عيد حافل. وهو اسم كتاب يشتمل على الأدعية التي تتلى في حفلات الاعياد الكبرى.

66- معنيث: سريانية. اغنية. ترتيلة. وهي نشيد منثور يجري على الالحان الثمانية. يفتتح بآية من الكتاب المقدس ويقال له باليونانية أكطويخس ومعناه ذات الالحان الثمانية، وربما اراد به القدماء النشيد على الاطلاق.

67- مفريان: سريانية. وتعني المثمر. وهو اسم لصاحب رتبة كنسية خاصة بالكنيسة السريانية مرادفة للجاثليق، وهو دون البطريرك وفوق الاسقف. وكان كرسيه في تكريت ثم نقل الى دير مار متى فالموصل.

68- ملفان: سريانية. وتعني المعلم والاستاذ. يراد به أحد أئمة النصرانية وعلمائها. والملفنة تعني الدكتوراه.

69- موربو: سريانية. وتعني تعظيم. وهي اللفظة الاولى من نشيد العذراء مريم “تعظم نفسي الرب” وهو ترتيل منثور يدور على الحان ثمانية ويرنم به يومياً. ويعني ايضاً نشائد التعظيم.

70- ميرون: يونانية. بفتح الميم وكسرها. واصله باليونانية مورون. وهو زيت مقدس ممزوج بالبلسم ومعطر بطيوب. تمسح به الهياكل والمذابح الجديدة، وكذلك يستعمل في سيامة الاساقفة والكهنة.

71- ميمر: سريانية. مقاله. خطبة. قصيدة الألحان.

72- ناقوس: سريانية. مضراب المسيحيين كانوا يدقون به لاوقات صلواتهم. وهذا التحديد ينطبق على الناقوس القديم وهو قطعة من خشب صلب او حديد تعلق فتضرب بمطرقة خشب او حديد.

وقد استبدل بالجرس النحاسي في ما بعد كما نرى ذلك اليوم.

73- هيكل: سريانية. موضع في صدر الكنيسة يصلي فيه الاكليروس عند تقدمة القربان. وربما اطلقه بعضهم على بناء الكنيسة كلها او صحنها، وجمعها هياكل.

 

الألفاظ اليونانية والسريانية المتداولة كنسياً

فيديو لكورال مسيحى ينشد “طلع البدر علينا” فى كنيسة بباريس!

فيديو لكورال مسيحى ينشد “طلع البدر علينا” فى كنيسة بباريس

فيديو لكورال مسيحى ينشد “طلع البدر علينا” فى كنيسة بباريس

فيديو لكورال مسيحى ينشد “طلع البدر علينا” فى كنيسة بباريس

تداول مستخدمو موقع التواصل الاجتماعى فيس بوك، مقطع فيديو لكورال جوقة الفرح التابع لكنيسة الروم الكاثوليك بسوريا أثناء حفل اقيم بكنيسة سان جوليان دو بوفر بالعاصمة الفرنسية باريس منذ شهور، وهى أقدم كنائس الطائفة هناك، حيث أنشد الكورال عدد من الأغانى التراثية الإسلامية والمسيحية والسريانية بينها طلع البدر علينا، وبعضاً من الترانيم البيزنطية.

من جانبه قال الأب رفيق جريش كاهن كنيسة القديس كيرلس للروم الكاثوليك بمصر، أن فرقة جوقة الفرح يشرف عليها الأب الياس زحلاوي واعتادت أن تنشد الأغانى التراثية الإسلامية والمسيحية.

وأوضح جريش، فى تصريحات خاصة لـ “اليوم السابع”، أن الكورال سبق وأن أحيا حفلا لاستقبال الأطفال اللاجئين السوريين بكندا من قبل واختار أغنية طلع البدر علينا للترحيب بهم فى بلاد اللجوء وللتعبير عن المحبة.

يشار إلى أن أطفال جوقة الفرح الدمشقية أحيوا مارس الماضى العديد من الحفلات الغنائية في ست مدن فرنسية وهي “باريس” و” تولوز” و”ليون” و”اورانج” و”بيزيه” و”لورد” بأصوات 111 طفلاً وطفلة من مختلف الأعمار بمشاركة 14 عازفاً بقيادة المايسترو كلوديا توما.

وتأسست جوقة الفرح عام1977 بقيادة الأب إلياس زحلاوي وتضم قرابة 500 منشد من مختلف الأعمار وتحمل رسالة دينية وطنية فنية إنسانية في قالب متجدد من الأداء المتقن كلمة ولحناً وهي تواكب في توزيعها الموسيقي التطور السريع الذي يعيشه عالمنا مع التمسك بتراثنا الموسيقي العربي العريق وللجوقة العديد من الحفلات خارج سورية منها الولايات المتحدة وهولندا وفرنسا واستراليا وبلجيكا وحازت جوائز وطنية ودولية عديدة.

https://www.youtube.com/watch?v=rcTXHaRjw1Q

 

https://www.youtube.com/watch?v=lZZVaWZlE54

نبوات حددت زمن التجسد والفداء بأحداث تاريخية وسنوات محددة جـ1

نبوات حددت زمن التجسد والفداء بأحداث تاريخية وسنوات محددة

القمص عبد المسيح بسيط 

نبوات حددت زمن التجسد والفداء بأحداث تاريخية وسنوات محددة

1- خلفيات النبوة:

  عندما أعطى الله بني إسرائيل الشريعة عن طريق موسى النبي شدد عليهم أن يطيعوا وصاياه لتكون لهم بركات الرب ويبقوا في الأرض الموعودة ولكن أن عصوه فستكون النتيجة اللعنات والجلاء عن الأرض (تث28). وبرغم ذلك فقد خالف هذا الشعب الله وفعلوا كل الشرور وعلى رأسها عبادة الأصنام فتنبأ أرميا النبي أن الله سيعاقبهم بسبب خطاياهم بالسبي إلى بابل مدة سبعين سنة ” لذلك هكذا قال رب الجنود. من أجل أنكم لم تسمعوا لكلامي هاأنذا أرسل فآخذ كل عشائر الشمال يقول الرب 000 وتصير كل هذه الأرض خراباً ودهشاً وتخدم هذه الشعوب ملك بابل سبعين سنة ” (ار25 :8و11). وتم تحقيق هذه النبوّة عندما جاء نبوخذ نصر إلى أورشليم لينفذ ما قررته إرادة الله ومشيئته وحاصر أورشليم ثلاث مرات حتى دمرها وأحرق الهيكل.

  الأولى في سنة 605  ق م أحتل المدينة وسمح للملك يهوياقيم أن يحكم باسمه كتابع له وخاضع لسلطانه وأخذ بعض كنوز الهيكل وعددا من الفتيان “من بني إسرائيل ومن نسل الملك ومن الشرفاء ” (ع3). وكان من ضمنهم دانيال ورفاقه الفتية الثلاثة (2أخ36 :6و7).

  والثانية في سنة 597  ق م عندما جاء نبوخذ نصر ثانية وأخذ بقية أواني الهيكل وكنوزه ونقلهم إلى بابل وأخذ الملك يهوياقيم 10.000 أمير وضابط ورجل شرطة وجميع الصناع والمهرة ولم يترك في يهوذا إلا مساكين الشعب. وكان من بين الذين أخذهم حزقيال الكاهن والنبي (2مل24 :14–16).

  وفي سنة 586  ق م جاء للمرة الثالثة ليعاقب صدقيا الملك على تمرده عليه، فحاصر المدينة ثم كسر الأسوار ” وأحرق بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت أورشليم وكل بيوت العظماء احرقها بالنار ” (2مل25 :9)، وبعد أن أحرق المدينة بالكامل قتل أبناء صدقيا الملك وأخر ملوك يهوذا، وقلع عيني صدقيا نفسه وقاده إلى بابل مقيداً بالسلاسل والأغلال 2مل25).

  ولكن فيما بعد هزم الفرس مملكة بابل واستولوا على بابل وكل البلاد التي كانت تحتلها ومن ضمنها اليهودية وترقي فيها دانيال النبي إلى فوصل إلى درجة رئيس وزراء بابل. وفي السنة الأولى لبداية الإمبراطورية الفارسية، أي سنه (539 – 538 ق م)، كان دانيال النبي قد تجاوز الخامسة والثمانين من العمر وكان له في السبي حوالي 68 سنه (605 –  538 ق م). فأخذ يقرأ في أسفار الأنبياء السابقين عليه ويدرس ما جاء فيها (دا9 :2)، وقد فهم من نبوّات سفر ارميا النبي ” عدد السنين التي كانت عنها كلمة الرب إلى أرميا النبي لكماله سبعين سنه على خراب أورشليم (أر25: 12؛29: 10 – 14). وعندما تأكد دانيال النبي من أن مدة السبي قد وصلت إلى نهايتها وجه وجهه إلى الله ” طالباً بالصلاة والتضرعات بالصوم والمسح والرماد ” (دا9 :3) معترفاً بخطايا شعبه الذي حاد عن وصايا الله ولم يسمع للأنبياء الذين أرسلهم، ومن ثم، صلى دانيال ” يا سيد لنا خزي الوجوه ” (دا9 :18)، وذكر الله بعهوده لإبراهيم وداود، وأنهم نالوا ما سبق أن حذرهم الله منه، وتضرع إلى الله أن يصرف غضبه عنهم ليس لأجلهم هم لأنهم خطاه ” لأنه لا لأجل برنا نطرح تضرعاتنا أمام وجهك بل لأجل مراحمك العظيمة ” (دا9 :18).

  وقبل أن ينتهي دانيال النبي من صلاته كانت الاستجابة قد وصلت من السماء، وحاملها هو الملاك جبرائيل، الملاك الذي أعلن لزكريا الكاهن عن مجيء يوحنا المعمدان بروح إيليا وقوته ليتقدم الطريق أمام الرب المسيح (لو1 :11-17)، والذي بشر العذراء القديسة مريم بحبلها بالمسيح بالروح القدس وولادتها للقدوس (لو1 :26-35).

  ولم يكن الإعلان الذي حمله الملاك جبرائيل عن نهاية مدة السبي فحسب بل كان نبوّة، من أعظم نبوّات الكتاب المقدس عن المسيح، كانت نبوّة بتحديد المدة التي سيأتي في نهايتها المسيح، نبوه بتحديد زمن مجيء المسيح. فقد أعطى للأنبياء الآخرين كثيراً من علامات مجيء المسيح، أما دانيال النبي فقد أعطى له، تحدد له، الزمن الذي سيأتي فيه المسيح. قال الملاك جبرائيل لدانيال النبي: ” سبعون أسبوعا قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الأثم وليؤتى بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القدوسين. فأعلم وأفهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعا يعود ويبنى سوق وخليج في ضيق الأزمنة. وبعد اثنين وستين أسبوعا يقطع المسيح وليس له وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس وانتهاؤه بغماره وإلى النهاية حرب وخرب قضى بها. ويثبت عهداً مع كثيرين في أسبوع واحد وفي وسط الأسبوع يبطل الذبيحة والتقدمة وعلى جناح الأرجاس مخرب حتى يتم ويصب المقضي على المخرب ” (دا9 :24-27).

  ولدراسة هذه النبوّة في ضوء الكتاب المقدس ومعرفة جوهرها ومغزاها يجب أن نضع أمامنا النقاط التالية:

(1) ماذا تعنى الأسابيع في هذه النبوّة؟

V وما هي مدتها الفعلية؟

V متى تبدأ؟

V ومتى تنتهي؟

V كيف فُسرت، هذه النبوّة، عبر التاريخ اليهودي؟

V وكيف فُسرت عبر التاريخ المسيحي؟

(2) تقسيم محتويات النبوة وشرح كيفية إتمامها لغوياً وكتابياً.

(3) تفسير النبوة كتابيا ولغوياً عبر التاريخ اليهودي والمسيحي.

(4) الخلاصة التي يقدمها لنا محتوى النبوّة نبوياً وعملياً.

– 82 –

2 – معنى الأسابيع ومدتها الفعلية:

  كلمة ” أسبوع ” المذكورة هنا، هي في العبرية ” [;Wbv (Shabua) = شبوع “، وفي اليونانية ” a,doj = ados “، ولا تعنى مجرد أسبوع من سبعة أيام، بل تعنى رقم سبعة، وحده من سبعة، كما أن جمعها، هنا، ” شبوعيم – Shabu’im = “، ليس هو الشكل المؤنث المعتاد من أسابيع، وفي اليونانية ” e`bdoma,j = ebdomas “[1]، وتعطي نفس المعنى، ومن ثم تعنى ” وحدات أو فترات من سبعه – Heptads “[2]، وقد وردت في فهرس يونج Young ” أسبوع أو سبعه “[3]، كما وردت في قاموس ” Gesenius للمفردات العبرية والكلدانية “؛ ” سبعه، عدد سبعي “[4]. أي وحده من سبعه، مثل دسته والتي تعنى وحده من اثنى عشر[5].

  ومن ثم فقد اجمع جميع علماء اليهودية والمسيحية، في تفسيرهم لهذه النبوّة، بجميع اتجاهاتهم، على أن عبارة ” سبعون أسبوعا “، تعنى ” سبعون سبعات أو ” سبعون وحدة سبعات “[6]. أي 70×7 = 490، وتعنى في مفهوم النبوّة وجوهرها “سبعون أسبوعا من السنين[7]. ومن ثم فقد ترجمت في العربية المشتركة ” سبعين مرة سبع سنوات “، كما ترجمت في بقية الترجمات العربية ” سبعون أسبوعا “، وفي غالبية الترجمات الإنجليزية ” Seventy weeks ” وفي بعضها ” Seventy  sevens ” و ” Seven times seventy year ” و ” Seventy sets of seven time periods “. وكلها تعني سبعين وحدة من سبعة.

والسؤال هنا: لماذا تعنى هذه المدة سبعات سنين؟

  لأنها لا تصلح أن تكون مدة ثواني (= 16,8 دقائق)، ولا مدة دقائق (= 16،8  ساعات)، ولا مدة ساعات (= 41،20يوم)، ولا مدة أيام ( = سنه وثلاثة شهور)، ولا مده أسابيع (= حوالي 9 سنوات ونصف)، ولا مدة شهور (= حوالي 41سنه). وذلك لأن الأحداث المتضمنة في النبوّة، كما فسرها المسيحيون واليهود والليبراليون والنقاد تحتاج تحقيقها وإتمامها إلى مئات السنين، يتطلب عدة قرون، فمن إعادة تجديد أورشليم وبنائها بعد السبي إلى مجيء المسيح وصلبه ودمار الهيكل سنة 70م (حسب التفسير المسيحي واليهودي) حوالي خمسه قرون، ومن تلك البداية إلى الملك السوري انيتوخس ابيفانس الذي احتل اليهودية ودنس الهيكل سنه 167 ق م أو إلى موت أونيا الكاهن، كما يرى النقاد والليبراليون حوالي ثلاثة قرون ونصف على الأقل.

  كما أن دانيال النبي نفسه قد ميز بين هذه السبعات ذات المدد الطويلة وبين الأسبوع المكون من سبعة أيام فيقول في الإصحاح العاشر ” كنت نائحاً ثلاثة أسابيع أيام 000 ولم أدهن حتى تمت ثلاثة أسابيع أيام ” (دا10 :3). ولو كان المقصود هنا مجرد أسابيع، أيام، عادية لكان الملاك قد قال سبعون أسبوعا من الأيام، وهذا لم يحدث.

  تقسم النبوّة الأسبوع الأخير إلى نصفين كل نصف منها يتكون من ثلاث سنوات ونصف متساوية مع المدة المذكورة في (دا7 :25 و7 :11) والمعبر عنها بـ ” زمان وزمانين ونصف زمان “، أي ثلاث سنوات ونصف، كما بينا في الفصل السابق.

  كان دانيال النبي يقرأ في سفر ارميا النبي ويفكر في انقضاء مدة السبعين سنه على السبي، كان يفكر في تدبير الله بلغة السنين، ومن ثم فقد أعطى الله مده جديدة يعيش فيها الشعب في فلسطين إلى دمار الهيكل نهائياً والعودة إلى الشتات من جديد ومجيء الملك، المسيح المنتظر، المسيح الرئيس، ابن داود، وقد تحددت هذه المدة من إعادة تجديد أورشليم وبنائها إلى مجيء المسيح ودمار الهيكل بـ 490 سنه ” سبعون أسبوعا من السنين “.

  يقول أوتو زوكلر Otto Zocklelr أستاذ اللاهوت في جامعه جريفزولد في بروسيا (بألمانيا) في القرن التاسع عشر ” أن مثل هذا التحول النبوي والروحي إلى فترات كثيرة من سبع سنوات لكل منها له ما يوازيه في استخدامات القدماء “[8]. وكان ذلك ملحوظا بين يهود فتره ما بين العهدين فيقسم كتاب اليوبيلات كل يوبيل إلى أسابيع سنين متعاقبة[9]. وكان لدى اليونان والرومان أيضا ما يعرف بـ ” أسبوع سنه – Week Year “[10].

  ويذكر الكتاب المقدس أن هناك ثلاثة أنواع من الأسابيع أو السبعات وهي سبعات أيام وسبعات سنين وأسبوع من سبعة أزمنة كل منها سبع سنوات، أي 49 سنه. أي أسبوع من سبعة أيام وأسبوع من سبع سنين وأسبوع من 49سنه.

  هناك أسبوع مكون من سبعة أيام يحسب من السبت إلى السبت الذي يليه، أي ستة أيام + السبت (خر20 : 11 – 18). وهناك أسبوع من سبع سنوات ” ست سنين تزرع حقلك ” وأما السنة السابعة ففيها يكون للأرض سبت عطله ” (لا25 :3-7). هذا الأسبوع الذي من سبع سنوات كان مألوفا للآباء البطاركة، فعندما اتفق لابان مع يعقوب أن يخدمه ” سبع سنين براحيل ” كانوا ينظرون إلى هذه السنوات السبع كأسبوع ” أكمل أسبوع هذه 000 بالخدمة التي تخدمني سبع سنين ” (تك29 :15-28). وكان هناك أيضا أسبوع من 49 سنه ” سبعة سبوت سنين. سبع سنين سبع مرات. فتكون لك أيام السبعة السنوية تسعا وأربعين سنه ” (لا25 :8).

  وبناء على ما سبق فقد أجمع جميع علماء اليهودية والمسيحية سواء القدماء أو المعاصرين على أن الـ ” السبعن أسبوعا ” تعنى 490 سنه نبوية. تبدأ من القرن الخامس قبل الميلاد وتنتهي في القرن الأول للميلاد. وقد أجمعت الغالبية، كما سنرى، على أنها تبدأ فيما بين (سنة 457 و 445 ق م) وتنتهي فيما بين (26/27و33و70م).

3 – جوهر النبوّة وغايتها:

  قال الملاك جبرائيل لدانيال النبي ” سبعون أسبوعا قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة “. وكلمة ” قُضيت = حُدِّدَت ” أو ” قُطعت ” من مجرى الزمن لأن الله يعامل أورشليم بكيفية خاصة وكان دانيال النبي يصلى من اجل شعبه ومن اجل أورشليم مدينته والتي دعاها الوحي بـ ” مدينه القدس “، و ” مدينه الحق ” ومن ثم فقد جاءت الإجابة من أجل شعبه بالدرجة الأولى.

(1) لتكميل المعصية:

  كلمه ” تكميل ” هنا في أصلها تعنى، المنع أو التقييد (تك8 :2؛23 :1)، والإزالة، أي إزالة الخطية، إزالة المعصية ” لِإفْناءِ المَعصِيَةِ ” من أمام وجه الله ” أستر وجهك عن خطاياي وأمح كل آثامي ” (مز51 :9)، ومن ثم فقد ترجمت في الكاثوليكية: ” لإفناء المعصية “، وفي المشتركة: ” لِلقضاءِ على المَعصيَة “. وكلمه المعصية، هنا معرفة بالـ ” المعصية ” وتشمل الرفض والارتداد، رفض اليهود للمسيح سواء في مجيئه الأول أو قبل التوبة والرجوع في مجيئه الثاني. كان تمردهم وعصيانهم الذي صلى دانيال من أجله سيستمر إلى النهاية.

  كان بنو إسرائيل يقدمون لله ذبائح تكفيراً عن خطاياهم، كما كانوا يجتمعون في يوم (عيد) الكفارة كل عام ويقدمون ذبائح دموية تكفيراً عن هذه الخطايا، حيث يقول الكتاب: ” لأنه في هذا اليوم يكفّر عنكم لتطهيركم، من جميع خطاياكم أمام الرب تطهرون ” (لا16 :30). ولكن هذه الكفارة كانت مؤقتة ورمزيه ولم يكن لها الكفاية، القدرة الكافية، على محو الخطية والقضاء على المعصية وإزالتها أو إفنائها تماماً، إنما كانت ترمز للمسيح حمل الله الحقيقي، الذي شاءت إرادة الله ومشورته الأزلية، أن يقدم المسيح ذاته فدية وكفارة عن خطايا العالم. لذا يقول الكتاب: ” لأن الناموس إذ له ظل الخيرات العتيدة لا نفس صورة الأشياء لا يقدر أبدا بنفس الذبائح كل سنة التي يقدمونها على الدوام أن يكمّل الذين يتقدمون. وإلا أفما زالت تقدم. من اجل أن الخادمين وهم مطهرون مرة لا يكون لهم أيضا ضمير خطايا. لكن فيها كل سنة ذكر خطايا. لأنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا. لذلك عند دخوله إلى العالم يقول ذبيحة وقربانا لم ترد ولكن هيأت لي جسدا. بمحرقات وذبائح للخطية لم تسرّ. ثم قلت هانذا أجيء في درج الكتاب مكتوب عني لأفعل مشيئتك يا الله. إذ يقول آنفا انك ذبيحة وقربانا ومحرقات وذبائح للخطية لم ترد ولا سررت بها.التي تقدّم حسب الناموس. ثم قال هانذا أجيء لأفعل مشيئتك يا الله. ينزع الأول لكي يثبت الثاني. فبهذه المشيئة نحن مقدّسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة ” (عب10 :1-10).

  فقد جاء المسيح في ملء الزمان وقدم نفسه ذبيحة عن خطايا العالم كله في كل مكان وزمان (1يو2 :1و2). يقول الكتاب أيضاً” ” متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من اجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله ” (رو3 :24و25). ” لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره (جروحه) شفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه أثم جميعناً ” (اش53 :4-6).

(2) وتتميم الخطايا:

  تعنى كلمة ” تتميم ” هنا، ختم (1مل21 :8)، أي ” ختم الخطايا ” أو كما يقول أيوب ” معصيتي مختوم عليها ” (أي14 :17)، كما تعنى الغلق، والغلق على الأشياء بمعنى إخفائها (أي9 :7)، كما تعنى الإنهاء والإزالة ” وإنهاءِ الخطيئَةِ “، ” وإِزالَةِ الخَطيئة “. أي أن الله سيضع نهاية للخطية بغفرانها على الصليب بدم المسيح الذي قدم ذاته كفارة عنها وقد وصفت بأنها ختمت لأنها أزيلت بدم المسيح، فقد ” أخذ المسيح على نفسه ملاشاتها وأبادتها بمعنى أنه كسر شوكتها وأبطل نفوذها وسيطرتها بحيث لم تعد لها قائمه فيما بعد “[11]. وقد رفض جزء من بني إسرائيل، التي كانت النبوّة موجهه إليهم، المسيح، فأكملوا معصيتهم وختموا على خطاياهم برفضهم للمسيا، ملكهم (يو19 :15و16)، وتقديمه للصلب والموت.

(3) ولكفارة الأثم:

  ولكفارة الأثم أو ” وتكفير الإثم “، أو ” واَلتَّكْفيرِ عنِ الإِثْمِ “. وهنا يعنى الفعل ” يكفر ” يغطى، أو يكفر عن، أو ” يغفر، يصفح ” (ار28 :11) و ” يمحو ” (مز79 :9) و ” يحجب ” (تك6 :4) ويطهر ” تطهر المذبح بتكفيرك عليه ” (خر29 :36)، وذلك بمعنى يتخلص من حمل الخطية بالدم أو التوسط (حز32 :3). وكفارة الأثم تعنى إزالة الذنب أو العقاب الذي ينبع من الذنب. والفداء لا يمكن أن يتم إلا بصليب المسيح ” الذي بذل نفسه لأجلنا لكي يفدينا من كل أثم ويطهر لنفسه شعبا خاصّا غيورا في أعمال حسنة ” (2تي2 :14)، كما سبق أن تنبأ عنه العهد القديم، أيضاً، قائلاً: ” وهو يفدي إسرائيل من كل آثامه ” (مز130 :8)، فالمسيح وحده هو الذي يغطى خطيئة الإنسان ويحجبها عن نظر الله بتقديم جسده كفارة عن الخطايا وإيفاء العدل الإلهي حقه[12].

(4) وليؤتى بالبر الأبدي:

  أي ” البر أو البار الأبدي = والإِتيانِ بِالبِرِّ الأَبَدِيّ = وإحلالِ الحَقِّ الأبديِّ، ” أو كما يقول القديس أثناسيوس الرسولي ” إلى أن يأتي البر الحقيقي المزمع أن يكون فديه عن الجميع “[13]. والبر هنا مرتبط بالفداء والخلاص، كقول اشعياء النبي بالروح ” أما خلاصي إلى الدهر يكون وبرى لا ينقض 000 أما برى إلى الأبد يكون وخلاصي إلى دور الأدوار ” (اش51 :6و8). وهذا البر لا يتم إلا بالمسيح وحده البار، والذي دعي بالروح ” غصن بر ” و ” الرب برنا ” (ار23 :6؛33 :16؛51 :10)، وكما يقول بولس الرسول بالروح: ” المسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبر وقداسة ” (1كو1 :30)، ” متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح ” (رو3 :24). وقد بررنا بدمه وحمله لخطايانا، وتنبأ عنه اشعياء النبي كعبد الرب البار الذي يبرر الكثيرين بحمله آثامهم: ” وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها ” (اش53 :11).

(5) وختم الرؤيا والنبوة:

  وتترجم أيضاً ” وتَمامِ الرُّؤيا والنُّبوءَة “، فقد ختم الرب يسوع المسيح وتمم كل رؤى ونبوات العهد القديم التي سبق جميع الأنبياء وتنبؤا بها عنه، وأكمل كل ما هو مكتوب عنه، كقوله هو نفسه ” لأبد أن يتم جميع ما هو مكتوب عنى في ناموس موسى والأنبياء والمزامير ” (لو24 :44). وتعنى الآية أيضاً وضع النهاية للرؤى والإعلانات بمجيء المسيح الذي تمت فيه جميع الوعود والنبوّات والذي كان هو محورها وهدفها، كقوله ” ليتم كل ما هو مكتوب ” (لو21 :26). يقول Young ” عندما يأتي المسيح لن يكون هناك حاجه أخرى للنبوّة بمفهوم العهد القديم “[14]،  وهذا ما أكده الوحي في قوله ” الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثا لكل شيء الذي به أيضاً عمل العالمين الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمه قدرته ” (عب1 :1-3). فقد تكلم الله بواسطة الأنبياء الذين أعطاهم رؤى ونبوات ” لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبأوا ” (مت11 :13)، وهذا كله تم وختم بمجيء المسيح وصلبه.

  يقول القديس أثناسيوس الرسولي متسائلاً: ” متى بطلت النبوّة والرؤيا من بني إسرائيل إلا عندما أتى المسيح قدوس القدوسين؟ لأنه من ضمن العلامات والبراهين القوية على مجيء كلمة الله أن أورشليم لا تكون قائمه فيما بعد، ولا يكون نبي قائماً فيهم، ولا تعلن لهم رؤيا وهذا أمر طبيعي “[15].

  ” فعندما جاء قدوس القدوسين ” كان طبيعياً أن تختم الرؤيا والنبوة، وتبطل مملكه أورشليم. لأن الملوك كان يجب أن يمسحوا بينهم إلى أن يمسح ” قدوس القدوسين “. ويعقوب تنبأ بأن مملكه اليهود تبقى حتى مجيئه “[16].

  ” وقد هتف المخلص نفسه قائلاً ” الناموس والأنبياء إلى يوحنا تنبأوا “. فلو كان بين اليهود الآن نبي أو ملك أو رؤيا، لجاز لهم أن ينكروا المسيح الذي أتى (مت11 :13؛لو16 :16). أما أن لم يوجد ملك ولا رؤيا، بل من ذلك الوقت إلى الآن ختمت كل نبوه، وأخذت المدينة والهيكل “[17].

(6) ولمسح قدوس القدوسين:

  عندما بشر الملاك العذراء بميلاد المسيح قال لها: ” القدوس المولود (منك) يدعي ابن الله ” (لو1 :35)، ودعي الرب أيضاً بـ ” قدوس الله ” (مر1 :33) و ” القدوس البار ” (أع3 :14) و” قدوس بلا شر ولا دنس ” (عب7 :26)، كما دعي بـ ” القدوس الحق ” (رؤ3 :7). وأكد آباء الكنيسة أنه هو المقصود في عبارة دانيال، هذه، يقول هيبوليتوس ” قدوس القدوسين ليس سوى ابن الله وحده “، ويقول اكليمندس الإسكندري ” جاء المسيح ربنا قدوس القدوسين “[18]، ويقول القديس أثناسيوس الرسولي ” المسيح قدوس القدوسين “[19].

  وقد وردت كلمه ” قدوس القدوسين ” في العبرية ” قدش قدشيم = ~yvi(d”q”) vd<qoï “، وترجمت في اليونانية السبعينية ” a[gion a`gi,wn = قدوس القديسين “، واستخدمت حوالي 40 مرة معرفة بأداة التعريف ” قدش ها قدشيم ” لتعنى ” قدس أقداس ” وطبقت على خيمة الاجتماع وأدواتها والذبائح والتقدمات المختلفة “[20]. وعندما استخدمت بدون أداة تعريف ” قدش قدشيم ” فقد استخدمت لهارون وبنيه (1أخ23 :13)، واستخدمت هنا عن الرب يسوع المسيح بالتوازي مع قول النبوّة عنه ” المسيح الرئيس ” وهذا ما اجمع عليه آباء الكنيسة وعلماؤها[21].

  وقد رأي البعض انه إذا كانت العبارة تشير إلى مكان، فتكون الإشارة إلى دخول المسيح المقام إلى السموات ذاتها ” الذي بدم نفسه دخل مره واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً ” (عب9 :12). وذلك لأجل مختاريه “[22]. كما رأي بعض آخر أنها تشير إلى الكنيسة المسيحية ” فالمراد بقوله قدوس القدوسين الكنيسة المسيحية باعتبار أن مؤمنيها هم هيكل الله الحي ” والمراد بقوله لمسحها هو انسكاب الروح القدس كما حدث في يم الخمسين “[23]. ولكن أقدم الآباء وسياق الكلام وروح الكتاب يؤكدون أن الرب يسوع المسيح هو ” قدوس القدوسين “. ومن ثم فقد ترجمت في السريانية القديمة بـ ” مسيا قدوس القدوسين “[24]. وما يؤكد أن لقب ” قدوس القدوسين ” هذا خاص بالرب يسوع المسيح هو استخدام الفعل ” مسح ” والتي جاء منها ” المسيح، المسيا، الممسوح ” ويعنى التكريس أو التعيين كاهن أو نبي أو ملك، وبرغم أن فعل المسح ينطبق على خيمة الاجتماع كعلامة تكريس (خر30 :26؛40 :9-11)، لكنه لم يطبق قط على قدس الأقداس، إنما طبق على كهنة وملوك وأنبياء كهارون وشاول وداود (خر40 :13؛1صم10 :1؛16 :3) كمسحاء للرب. وبالتالي طبق على الرب يسوع باعتبار كونه كاهناً ورئيس الكهنة الأعظم (عب5 :5و6)، ونبي (تث18 :15-18؛ لو1 :70 ؛ أع3 :22) ، وملكاً (رؤ17 :4). ومن ثم يقول فيه المرنم بالروح ” كرسيك يا الله إلى دهر الدهور قضيب استقامة قضيب ملكك 000 أحببت البر وأبغضت الإثم من اجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك ” (مز45 :7و8)؛ (عب1 :8و9). وقد مسح الرب يسوع المسيح ككاهن وملك ونبي بالروح القدس الذي حل عليه في المعمودية (مت3 :16 ؛يو1 :32). يقول بطرس الرسول بالروح ” يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوه ” (أع10 :38).

1 Biblework. V. 7.

2 Encyclopedia Biblical Prophecy. P. 383.

3 Young An. Conc. P. 1041.

4 Gesenius Heb. Chal.  

5 Lehman Strauss Commentary of Daniel, p. 268.  

6 Ibid.  

7 ترجمت هكذا في عدة ترجمات مثل الترجمة العربية الجديدة.

8 Walv. P. 218 – 219.

[9]The Pulpit Commentary,  Vol. 13: 267

[10] Intr. Bib. Comm. Vol. 6 P.

[11] الآيات البينات 292.

[12] الآيات البينات 292.

[13] ) تجسد الكلمة 2:40.

[14] Ency. Proph. 286.

[15] تجسد الكلمة 1:40.

[16] السابق 3:40.

[17] السابق 3:40.

20 Anf Vol. 2 P. 329.

21 تجسد الكلمة 3:40.

22 أنظر مثلاً: خر29 :37؛30 :10و29و36؛لا2 :3و10؛6 :10و18و22؛7 :1و6؛10 :12و17.

23 Ellicottes Comm. P. 385.

24 Prophecy and The Church P. 114.

25 الهداية جـ 158:2.

26 Langes Com. Scrip. P. 169.

نبوات حددت زمن التجسد والفداء بأحداث تاريخية وسنوات محددة

فكرة اليهود وما توقعوه في المسيح المنتظر – القمص عبد المسيح بسيط

فكرة اليهود وما توقعوه في المسيح المنتظر – القمص عبد المسيح بسيط

القمص عبد المسيح بسيط

فكرة اليهود وما توقعوه في المسيح المنتظر – القمص عبد المسيح بسيط

كان اليهود يؤمنون بالمسيح المنتظر ويتوقعون مجيئه في تلك الأيام، الأولى من القرن الأول الميلادي، ولكنهم كانوا يتوقعون مسيحا ملكا يملك على العالم لمدة ألف سنة يكون كل شيء فيها ألفي!! فقد فهموا معظم النبوات الخاصة بتجسد المسيح فهما حرفيا! وتوقعوا أنه سيأتي ليحكم الأرض من خلالهم ويجعل أورشليم عاصمة للعالم ” أمامه تجثو أهل البرية وأعداؤه يلحسون التراب ” (مز72: 9)، ” ويكون الملوك حاضنيك وسيداتهم مرضعاتك بالوجوه إلى الأرض يسجدون لك ويلحسون غبار رجليك فتعلمين أنى أنا الرب الذي لا يخزي منتظروه ” (إش49: 23).

وكان الدافع الأول لهذا الفكر الغريب هو حالة العبودية التي عاش تحتها هذا الشعب اليهودي مشتتا وطريدا على وجه الأرض ابتدأ من العبودية في مصر، ثم السبي الآشوري والبابلي والفارسي، ثم تحت وقوعهم تحت الحكم اليوناني والسوري والروماني. وقد تطور هذا الفكر بدرجة كبيرة في فترة ما بين العهدين؛ ومن ثم امتلأت الكتب الأبوكريفية والمنحولة من أمثال رؤيا عزدراس وسفر اخنوخ وكتاب اليوبيلات ورؤيا باروخ وغيرها، وذلك إلى جانب أقوال الربيين التي وردت في أجزاء كثيرة من التلمود، بالأفكار التي تتحدث عن ظهور الملك المسيا الذي سيملك على العالم مدة ألف سنة. ومن ثم أخذوا يفسرون نبوات العهد القديم عن مجيء المسيح، مسيحهم المنتظر، تفسيرا ماديا خياليا لا يتناسب مع فكر المسيح الذي قال ” مملكتي ليست من هذا العالم “، وإنما بما يتناسب مع فكرهم المادي، فقد أدى فشلهم الديني وفهمهم القاصر لحقيقة ملكوت الله إلى طلب ملكوت مادي أرضى، دنيوي.

ويتحدث كتاب رؤيا اسدراس (عزدراس26:7 – 28) عن الملكوت، الذي يرى أنه سيمتد 400 سنة في العالم كالآتي: ” سيأتي الوقت عندما تُرى العلامات التي أنبأت بها، وستظهر المدينة المخفية الآن (أورشليم السمائية)، والمختومة ستكون مرئية، وسيرى كل الذين خلصوا من الشرور (أي الذين تم جمعهم من الشتات) أعمالي العجيبة التي سبق أن أنبأت بها، وسيظهر ابني المسيا مع رفقائه، ويجلب 400 سنة من السلام لكل الأحياء … “.

ويقول كتاب رؤيا باروخ المترجم عن السريانية والذي يرجع لما بين سنة 100إلى سنة 50 ق. م ” بعد العلامات التي ظهرت والتي أخبرتك بها عندما تثور الأمم وتتآمر الشعوب ويأتي زمن المسيا، يدعو كل قبائل الأرض ويعفو عن بعضهم ويقدم البعض للذبح. فكل أمة لم تعرف إسرائيل ولم تطأ قدامها نسل يعقوب يعفي عنها، ولابد، لكي تكون هناك فرصة للبعض من كل أمة أن يدينوا لإسرائيل. أما أولئك الذين سادوا علي إسرائيل وعرفوه، سيدينون جميعهم للسيف. ويحدث انه، إذ يُخضع (المسيا) كل ما في العالم، ويجلس علي عرش ملكه في سلام إلى الأبد، يحدث أن الفرح يبدو والراحة تظهر. وينزل الشفاء كالندى، وتختفي الأمراض، ولا يكون هناك قلق ولا تعب ولا مراثي من إنسان، وتنتشر السعادة في كل الأرض. ولن يموت إنسان قبل وقته … وتأتى وحوش البرية من الأحراش وتخدم الناس. ويلعب الرضيع علي سرب الصل ويمد الفطيم يده علي جحر الأفعوان فتخرج الأفاعي من جحورها وتقدم له كل ولاء وخضوع تام. وتزول أتعاب الحبل عن النساء وتنقطع آلام الولادة عندهن وتتبارك ثمرة البطن. ويكون في تلك الأيام، أن الحاصدين لا يعيون وان البنائين لا يكلون ولا يشقون. إذ أن الأعمال، من ذاتها، تتم بسرعة ونجاح. والقائمون بها يعملون في قسط وافر من الهدوء والارتياح. ويتمتع الناس بأعمار مديدة، وحياة سديدة، خالية من كل مرض وشقاء ومن كل تعب وعناء ومن شر الحروب والأوبئة.

وما أبهى تلك الوليمة الفاخرة التي يتصورونها عندما يكمل كل شيء في تلك الفصول، حيث يبدأ إستعلان المسيا. ويخرج بهيموث من مكانه ويصعد لوياثان من البحر. هذان الوحشان الهائلان[1] اللذان خلقا في اليوم الخامس وأبقيا إلى تلك الساعة. ليكونا طعاما لكل من بقي في ذلك الزمان. والأرض أيضا تخرج ثمرها آلافا مضاعفة وسيكون علي كل كرمة ألف غصن. وفي كل غصن ألف عنقود. وفي كل عنقود ألف عنبة. وكل عنبة تنتج ألف كر من الخمر فيفرح الجياع بل يرون عجائب كل يوم. فإن الرياح ستخرج من قبل الله في كل صباح محملة بالأثمار ذات الروائح العطرية الذكية. وفي آخر النهار تمتلئ السحب بقطرات الندي البلورية الصحية. وفي ذات الوقت يحدث أن خزائن المن تنزل من السماء فيأكل منها في تلك السنين أولئك الذين انتهي إليهم ملء الزمان. وإذ تصير هذه كلها ويكمل زمن مجيء المسيا، يحدث انه يعود في مجد “

كما جاء في كتاب اخنوخ الأول الذي كتب فيما بين سنة 150 وسنة 100 ق. م؛ ” ويزرعون بفرح إلى الأبد وحينئذ ينجو الأبرار ويعيشون حتى يلدوا آلافا من الأولاد ويكملون كل أيام شبابهم وسبوتهم في سلام. حينئذ تفلح الأرض بالبر. وتغرس كلها بالأشجار وتمتلئ بالبركة. وتغرس بها كل شجرة شهية. ويغرسون فيها كروما. و الكرمة التي يغرسونها فيها تنتج عصيرا فائضا. وكل مكيال من البذور التي تزرع فيها يحمل ألفا. وكل مكيال من الزيتون ينتج عشر معاصر من الزيت. وتطهر الأرض من كل خطأ ومن كل أثم ومن كل دنس ومن كل ما جاء ليغير طهارة الأرض، أزلهم من الأرض. وكل أبناء البشر سيكونون أبرار، وكل الأمم تخدمني وتباركني، والكل يعبدني.. “.

14 بهيموث (= وحيد القرن) ولوياثان حيوانات اقرب للأسطورية تمثل الشر في الكتاب المقدس حيث جاء في سفر أيوب: ” هوذا بهيموث الذي صنعته معك. يأكل العشب مثل البقر … أتصطاد لوياثان بشص أو تضغط لسانه بحبل ” (أي40 :15 :؛41 :1)، وسفر اشعياء ” في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد لوياثان الحية الهاربة.لوياثان الحية المتحوّية ويقتل التنين الذي في البحر ” (اش27 :1).

فكرة اليهود وما توقعوه في المسيح المنتظر – القمص عبد المسيح بسيط

الآباء المدافعون عن الإيمان وإيمانهم بلاهوت المسيح

الآباء المدافعون عن الإيمان وإيمانهم بلاهوت المسيح

الآباء المدافعون عن الإيمان وإيمانهم بلاهوت المسيح

الآباء المدافعون عن الإيمان وإيمانهم بلاهوت المسيح

كتب الآباء المدافعون عن الإيمان في رسائلهم وكتاباتهم التي أرسلوها للأباطرة الرومان أو ضد الهراطقة وغيرهم دفاعا عن الإيمان المسيحي وشرحوا لهم حقيقة المسيح ابن الله المولود من ذات الله، قبل كل الدهور والأزمنة مثل ولادة النور من النور والكلمة من العقل، والذي فيه وبه وله خلق الله الكون والخليقة، وكانوا أكثر شرحا للإيمان والعقيدة من الآباء الرسوليين بسبب نوعية الذين كتبوا لهم ومن ثم فقد استخدموا تعبيرات لاهوتية توضح العقيدة والإيمان مثل تعبيرات التجسد والثالوث ونور من نور وولادة الكلمة من العقل وواحد مع الآب في الجوهر ومساوي للآب في الجوهر ومن نفس جوهر الآب … الخ وفيما يلي فقرات مما كتبه هؤلاء الآباء:

(1) الرسالة إلى ديوجنيتس (كتبت ما بين 120 – 150م)؛ والمرسلة من أحد آباء الكنيسة إلى أحد الوثنيين، والتي تقول: ” انه ليس اكتشافاً أرضياً ذاك الذي استؤمن عليه المسيحيين. انه ليس فكراً ميتاً حتى يظن المسيحيون انه جدير بكل هذه العناية والحفظ، انه ليس مجرد أسرار بشرية استؤمنوا عليها. بل على العكس، أنه المقياس للكل، انه خالق الكل، انه الله نفسه غير المنظور، الذي هو في السماء أسس الكلمة الحق، والقدوس غير المدرك بين الناس، وثبتها جداً في قلوبهم. وهو- ليس قد يُظن – لم يرسل للبشر احد أتباعه أو ملاكاً، أو رئيساً، أو أحداً ممن استؤمنوا على تدبير السماويات، بل بالحري أرسل المدبر والخالق للكون نفسه، الذي به خلق السموات وحدد البحار في حدودها – الذي تسير عناصر العالم بحسب مقاصده الخفية .. لقد أرسل الذي به انتظمت كل الأشياء وتميزت وخضعت … الله أرسله للبشر … لقد أرسله عن رحمة وحنان … أرسله كإله، وأرسله كإنسان، للبشر. لقد أراد أن يخلص الناس بالإقناع لا بالإكراه، لأن الإكراه ليس هو طريقة الله في العمل … أرسله الله في محبة وليس لدينونة. لكنه سيرسله يوماً ما كديان … وحينما دبر خطة عظيمة غير منطوق بها، أو كلها إلى ابنه الوحيد … لقد أعلنها من خلال ابنه الحبيب وجعل كل شئ معروفاً ما كان أعده منذ البدء … لقد دبر كل شئ بنفسه في وحدة مع ابنه … ثم حينما اتضح له أننا غير قادرين على دخول ملكوت الله بمجهوداتنا الخاصة، فأن قوة الله جعلت ذلك ممكناً لنا … يا لحنان الله المتدفق ومحبة الله تجاه الإنسان، الله لم يبغضنا ولم يلق بنا خارجاً أو يحمل لنا نية سيئة. بل بالحري، كان طويل الأناة ومحتملاً ضعفنا. في رحمته، رفع عن كاهلنا حِمل خطايانا. هو نفسه بذل ابنه كفدية عنا، القدوس عن النجسين … البريء وحده عن المذنبين، البار وحده عن الأثمة، الذي لا يعتريه الفساد عن الخاضعين للفساد، غير المائت عن المائتين. فما الذي يمكن أن يستر على خطايانا غير بره؟ وفي من يمكن نحن الأشقياء والأشرار أن نصير قديسين إلا في ابن الله وحده؟ يا للمبادلة الحلوة جداً. يا لعمل الله الذي لا يمكن فحصه. يا للبركات التي تفوق كل توقع. فان خطايا الكثيرين قد اختفت في القدوس وحده وقداسة الواحد قد قدست الخطاة بلا عدد … لقد أرسل ابنه الوحيد الجنس … لقد ظهرت قوة المخلص في تخليص حتى عديمي القوة بنية أن يكون لنا إيمان في صلاحه وان ننظر إليه كمغذى لنفوسنا، وكأب، وكمعلم، وكمعزى، وكشاف وكعقل ونور وكرامة ومجد وقوة وحياة “(10).

(2) أريستيدس الأثيني (حوالي 140م)؛ والذي يقول عنه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري: ” كذلك ترك لنا أريستيدس، وهو مؤمن غيور، دفاعا عن الإيمان مثل كوادراتوس، موجها إلى أدريان. ولا يزال مؤلفه باقيا إلى الآن أيضا لدى أشخاص كثيرين “(11). يقول في دفاعه معبرا عن لاهوت المسيح وتجسده كما يقدم الثالوث في بساطة إيمان الكنيسة الأولى به: ” يرجع المسيحيون في أصلهم إلى الرب الذي جاء من السماء بالروح القدس لخلاص البشرية ونعترف بأنه ابن العلي، وولد من العذراء بدون زرع بشر وأتخذ جسداً بغير فساد، وظهر بين الناس ليدعوهم من خطأ الوثنية، وعندما أتم مهمته العجائبية، ذاق الموت بإراته الحرة على الصليب لهدف سام، ثم عاد إلى الحياة ثانية بعد ثلاثة أيام وصعد إلى السماء.

ومن الممكن لك أيها الملك أن تتعلم لتعرف خبر مجيئه في الإنجيل المقدس المكتوب كما ننادي به، ويمكن لنا أن نقدم لك نسخة منه. وكان له أثنا عشر تلميذا الذين ذهبوا بعد صعوده إلى السماوات إلى بلاد العالم ليعلموا بعظمته. وبهذه الطريقة جاء واحدا منهم إلى الأماكن التي حولنا يعلن عن عقيدة الحق. ومنذ ذلك الوقت فالذين استمروا يدركون الحق الذي بشر به تلاميذه يدعون مسيحيين. وهؤلاء هم الذين فوق جميع شعوب الأرض، وجدوا الحق. لأنهم يعترفون بالله خالق وصانع كل شيء في الابن المولود الوحيد وفي الروح القدس “(12). 

(3) يوستينوس الشهيد (100 إلى 165م)؛ عاش يوستينوس الشهيد في بداية القرن الثاني، وكرس حياته للدفاع عن المسيحية وكان أول المدافعين عنها، وقد بقى لنا من كتاباته دفاعان عن المسيحية وجههما للإمبراطور الروماني أنطونيوس بيوس (138 – 161م) والسانتوس الروماني(13)، وحوار مع الفيلسوف اليهودي فيلو والذي شرح فيه التسليم الرسولي، المسلم من رسل المسيح للكنيسة، فيقول ” لأنه كما آمن إبراهيم بصوت الله وحسب له ذلك برا، ونحن بنفس الطريقة آمنا بصوت الله الذي تحدث لنا بواسطة رسل المسيح وأعلن لنا بواسطة الأنبياء حتى الموت لأن إيماننا تبرأ بكل ما في العالم “(14)، ويقول عنه الدارسون أنه يصف تكرارا التقليد كما تسلمه عن المسيح(15).

وقد تكلم، مثله مثل غالبية آباء الكنيسة الأولى، عن المسيح باعتباره كلمة الله الذي كان موجودا قبل كل خليقة وهو نفسه الله الذي ظهر للآباء البطاركة في العهد القديم وكلمهم باعتباره إله إبراهيم واسحق ويعقوب، وأنه ابن الله الوحيد الذي من ذات الله وغير المنفصل عنه مثلما لا ينفصل نور الشمس عن الشمس، والذي صار إنسانا بولادته من عذراء وتألم في عهد بيلاطس البنطي لأجل خلاصنا. ومن أقواله، على سبيل المثال:

U ” أب الكون له أبن وهو أيضاً لكونه كلمة الله المولود منه وهو إله “(16).

U ” يسوع المسيح هو الابن الوحيد المولود من الله وهو كلمته وبكره وقوته وقد صار إنساناً بإرادته “.

U ” المسيح لكونه الله موجود قبل كل الدهور وقد خضع للولادة وصار إنساناً “.

U ” نحن نسجد له ونعبده (الآب) مع الابن الذي ولد منه وعلمنا هذه الأشياء “. وفي نفس الوقت يقول: ” أعبد الله وحده “، و ” نقدم العبادة لله وحده “.

U ” مكتوب في مذكرات رسله (أي الأناجيل) أنه ابن الله، ولأننا ندعوه الابن، فقد أدركنا أنه ولد من الآب قبل كل الخلائق بقوته وإرادته … وصار إنسانا من العذراء لكي يدمر العصيان الذي نتج بسبب الحية “(17).

U ” يدعى المسيح إله ورب الجنود “(18).

U ويستشهد بعبرانيين (1: 8) لإثبات لاهوت المسيح فيقول: ” كرسيك يا لله إلى الدهر الدهور “(19).

U ” وعلاوة على ذلك فهذه الكلمات تشهد بوضوح أنه [المسيح] أنه قد شهد له الذي صنع كل شيء ليكون معبوداً كالله والمسيح “(20).

U ” كما يستشهد مثل كل الآباء بما جاء في مزمور 110 مؤكدا حقيقة لاهوت المسيح قائلاً: ” واستشهد أيضا بما قاله داود لأنه مكتوب: ” قال الرب لربي أجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك “، كما اقتبست تواً وفي كلمات أخرى أيضاً ” كرسيك يا الله إلى دهر الدهور “(21).

U ” تعلمنا أن الخبز والخمر كانا جسد ودم يسوع الذي صار جسداً “(22).

U ” يسوع المسيح هو الابن الوحيد المولود من الله لكونه كلمته (Logos – λογος) وبكره وصار جسدا بحسب إرادته “(23).

U ” نعبد ونحب الكلمة (Logos – λογος) الذي من الله غير المولود وغير المنطوق به، فقد صار بشراً لأجلنا “(24).

U ” الكلمة ( Logos – λογος) ذاته الذي اتخذ شكلاً وصار بشراً ودعي يسوع المسيح “(25).

U ” قال يسوع وليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا الآب إلا الابن، ومن أراد الابن يعلن له، لأن اليهود لم يعرفوا من هو الآب ولا من هو الابن … والآن نقول، كما قلنا سابقا، كلمة الله هو ابنه “(26).

” يسمي المسيحيون المسيح ” الكلمة “، لأنه يحمل بشارة من الآب للبشر. ولكنهم يُصِرُّون على أن هذه القوة (الكلمة) غير مُنقسِم وغير مُنفصِل عن الآب، كما أن شعاع الشمس الذي يصل إلى الأرض هو غير مُنقسِم وغير مُنفصِل عن الشمس في السماء.

وهذه القوة أي ” الله الكلمة “، مولود من الآب … ليس بالانقسام كما لو كان جوهر الآب قد انقسم. فكل الأشياء إذا انقسمت أو تجزَّأت لا تكون كما كانت قبل الانقسام أو التجزئة.

وعلى سبيل المثال، النيران التي تُشعَل من مصدر ناري نجدها مُتمايزة عن النار الأصلية. ومع ذلك، فالنار التي منها نُشعِل نيران كثيرة لا تَنقُص بل تبقى كما هي “(27).

نحن نؤكِّد أن كلمة الله قد وُلِدَ بطريقة خاصة تختلف تمامًا عن الولادة العادية “(28).

وفي حواره الطويل مع تريفو الفيلسوف اليهودي يؤكد له أن الله والرب الذي ظهر للآباء البطاركة هو ابن الله نفسه، الرب يسوع المسيح، فيقول: ” تبين الأسماء المختلفة للمسيح، بحسب الطبيعتين أنه، هو الله الذي ظهر للآباء، وقد دعي مرة بملاك المشورة العظيم (ملا 1:3)، ودعي إنساناً في حزقيال، ومثل ابن إنسان في دانيال، وولد في اشعياء، ودعاه داود مسيح وإله ومعبود … هو الله ابن الله الغير مولود وغير المنطوق به، لأن موسى يقول الآتي في مكان ما في الخروج ” تكلم الرب لموسى وقال له أنا الرب، أنا ظهرت لإبراهيم وأسحق ويعقوب بأني إلههم وأما اسمي فلم اكشف لهم، وقطعت عهدي معهم ” (خر3:6). ويقول أيضا أن إنساناً صارع مع يعقوب، ويؤكد أنه الله، رؤيا الله،، فقد قال يعقوب ” نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي ” (تك24:32-30)، ومكتوب أنه دعا اسم المكان الذي صارعه فيه وظهر له وباركه فيه وجه الله ” فنيئيل ” … ودعي بالكلمة لأنه يحمل الأخبار من الآب للبشر ولكنه غير منقسم أو منفصل عن الآب أبدا كما يقال أن نور الشمس الذي على الأرض غير منقسم وغير منفصل عن الشمس في السماء … أنه مولود من الآب بقوته وإرادته ولكن دون انفصال “(29).

U وقال عن ناسوته ” دعي يسوع نفسه ابن الإنسان إما بسبب ولادته من خلال عذراء أو لأنه جاء من نسل داود والبطاركة “(29).

(4) تاتيان السوري (كتب حوالي 160م)؛ كان تلميذا للقديس يوستينوس ولكنه ترك الكنيسة وأسس شيعة تدعى الإنكراتية، أي ذاتية الإرادة، ترفض الزواج وتعتبره نوع من الزنا ومال إلى الغنوسية قليلا، كما يقول القديس إيريناؤس ” وعلم مثل ماركيون وساتريينوس بأن الزواج فاسد “(30). وكان تاتيان يرى في المسيحية فلسفة لكنها فلسفة ذات تعاليم وعقائد وقال أن الله هو العلة الأولى الحتمية لكل المخلوقات. وليست خليقة أتت من نفسها إلى الوجود. وأن اللوجوس، الكلمة، ليس منفصلاًً عن الله لكنه من الله وفى الله. ” انه القوة، والأساس الحتمي لكل الأشياء، ما يرى وما لا يرى، وبه كان كل شيء. اللوجوس نفسه كان معه، مع الله، بقوة اللوجوس. ومشيئته البسيطة ولد. والابن لم يولد عبثاً، بل صار بكر عمل الآب. فنحن نعرف أن اللوجوس هو بدء أو أصل ومصدر الكون.

لكن اللوجوس أتى إلى الوجود بالشركة وليس بالانفصال، لأن ما يُبتر ينفصل عن الأصل لكن الذي يأتي من الشركة لا يجعله ناقصاً عن المصدر الذي خرج منه. فكما انه من الشعلة الواحدة تضاء نيران عدة بينما لا ينقص الضوء من الشعلة الأولى بإشعال مشاعل كثيرة، هكذا اللوجوس إذ خرج من القوة العقلية التي للوالد الذي ولده “(31).

U وأيضا: ” الله الكلمة، حتى قبل خلْق الإنسان، كان هو صانع الملائكة “(32).

(5) أثيناغوراس الأثيني (كتب حوالي 180م)؛ كان فيلسوفا مسيحيا من أثينا وكان معاصرا للقديس يوستينوس وتاتيان وترك لنا دفاعان أحدهما بعنوان (توسل للمسيحيين Supplication for the Christians)(33). يقول فيه: ” ابن الله هو كلمة الآب بالفكر والحقيقة الذي فيه وبه كل شيء خُلق، لكون الآب والابن واحد. ولأن الابن في الآب والآب في الابن بوحدة وقوة الروح القدس، فابن الله هو عقل وكلمة الآب … فماذا نعني بالابن؟ سأقول لك باختصار: أنه بكر الآب، ليس كصانعه، – لأنه منذ البدء كان لله كلمته في ذاته، فالله عقل أبدي وعاقل أبداً … والروح النبوي أيضا يؤكد هذا المنطق عندما يقول ” لأن الرب قناني أول طريقه “. فالروح القدس أيضا الذي يعمل في الذين يتكلمون بالنبوّة والذي نؤمن به كتأثير الله ينسكب ويعود مثل أشعة الشمس … الله الآب والله الابن والروح القدس متحدين بقوة كواحد ومتميزين في الترتيب “(34). 

ثم يضيف ” وكما نؤكد أنه يوجد إله، وابن هو كلمته، وروح قدس، متحدين في قوة، الآب والابن والروح القدس، الابن لكونه عقل وكلمة وحكمة الآب، والروح يتدفق مثل النور من النار “(35).

+ ” لقد خُلِقَ الكون ووُضِعَ له تدبيرٌ بواسطة كلمة الله … إذ نؤمن به كابن الله “(36).

+ ” لنا إله واحد والكلمة، أي الابن، مولود منه. ونحن نعي أن الابن غير مُنفصِل عن

الآب “(37).

وهو هنا يشرح العلاقة بين الآب وكلمته ويقدم الثالوث الآب والابن والروح القدس بصورة بسيطة تتكلم عن الوحدانية الجامعة في الذات الإلهية ببساطة قريبة من بساطة الإنجيل.

(6) ثاؤفيلس الأنطاكي (حوالي 180م)؛ يقول المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري أنه كان الأسقف السادس لأنطاكية بعد القديس بطرس(38)، وقد كتب سلسلة من الكتب وصل لنا منها ” إلى أوتوليكوس ” في ثلاثة كتب. وفي كتبه هذه نجد تعبيرات عبرت عن فكر المسيحيين في القرن الثاني حيث وصف الإنجيليين بـ ” حاملي الله – Theophoritoi ” والموحي إليهم مثل أنبياء العهد القديم وكان أول من ظهرت كلمة ثالوث ” Trias – Triavs ” في كتاباته حيث يقول ” وبنفس الطريقة أيضا فالثلاثة أيام التي كانت قبل الأنوار هي رموز للثالوث … ، الله وكلمته وحكمته “(39). وواضح هنا أن تعبير الثالوث كان معروفاً ومقبولاً في الكنيسة في زمنه، ولا يبدو من السياق أنه هو أول من وضعه. ويصف الله بأنه ” غير منطوق به “، ” وغير موصوف “، و” غير ممكن رؤيته بأعين الجسد “، و” غير ممكن اختراقه “، و” غير محوي “، و” غير مولود “، و” غير متغير “، و” أزلي “، و” غير المدرك “. ” لأنه أن قلت انه نور فأني اسمي فقط عمله. وان قلت انه اللوجوس فأْني اسمي فقط ملكوته. وان دعوته العقل فأنا أتكلم فقط عن حكمته، وأن أنا قلت انه روح فانا أتكلم عن نسمته. وان دعوته الحكمة فانا أتكلم عن ذريته. وأن دعوته القدرة فانا أتكلم عن سلطانه. وان أنا دعوته القوة فانا أتكلم عن أفعاله. وأن دعوته العناية الإلهية فأنا أتكلم عن صلاحه. وأن دعوته الملكوت فأنا إنما أشير إلى مجده. وان أنا دعوته الرب فأنا أتكلم عنه كديان. وان دعوته دياناً فأنا أتكلم عنه باعتباره عادلاً. وان دعوته أباً فانا أتكلم عن أن كل الأشياء قد أتت منه ” (1:3).

ثم يقول أن الله ” عنده كلمته التي فيه، ولده وأخرجه هو وحكمته قبل كل الأشياء “(40).

(7) ميليتو أسقف ساردس (حوالي 172م)؛ يقول عنه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري(41) أنه كتب عددا من الكتب منها كتاب باسم ” تجسد الله ” وكتب دفاعا إلى الإمبراطور مرقس أورليوس حوالي سنة 172م، وقد اكتشفت له عظة ” على آلام المسيح ” شبه كاملة موضوعها الرئيسي هو إبادة المسيح للموت، يؤكد فيها على لاهوت المسيح ووجوده الأزلي ويشير فيها إلى المسيح كـ ” إمبراطورنا أو ملكنا ” كإله، كلوجوس، كابن، كبكر الله، كسيد، كملك إسرائيل، وكأب ( وليس أقنوم الآب طبعاً. وفى سياق إشارته للمسيح كأب يصور نواحي أعمال المسيح المتعددة هكذا: ” لأنه ولد كابن، واقتيد كحمل، وقدم ذبيحة كشاه، دفن كإنسان، قام من بين الأموات كإله، وكائن بالطبيعة كإله وإنسان. هو كل شيء. هو الناموس لأنه الديان، هو اللوجوس لأنه يعلم. هو النعمة لأنه يخلص، هو الأب لأنه يلد البشر إلى الخلاص، هو الابن لأنه المولود (من الآب) هو الشاه المقدمة كذبيحة لأنه تألم. هو الإنسان لأنه دفن، هو الله لأنه قام. هذا هو يسوع المسيح، الذي له المجد إلى دهر الدهور ” (8-6).

ويذكر ميلاده العذراوي بقوله: ” هو الذي صار بشراً من عذراء … الذي ولد من مريم حواء الجديدة ” (70-71). وفى مكان أخر يقول أن المسيح: ” اخذ جسداً من العذراء مريم “(42).

ويقول أيضا عن تجسد المسيح وأعماله الإلهية والإنسانية، شارحا لاهوته وناسوته، كالإله المتجسد: ” أننا نقدم أعمال المسيح بعد معموديته كبرهان على أن نفسه وجسده، طبيعته الإنسانية كانت مثل طبيعتنا، حقيقة وليست خيالاً، فأعمال المسيح بعد معموديته توضح وتؤكد للعالم اللاهوت المخفي في جسده، لأنه لكونه إلهاً وأيضاً إنساناً تاماً فقد أعطى إيضاحات إيجابية لطبيعته اللاهوتية بالمعجزات خلال الثلاث سنوات التي تلت معموديته، وإنسانيته في الثلاثين سنة التي سبقت المعمودية، والتي أخفى خلالها علامات لاهوته بحسب الجسد، بالرغم من أنه كان الإله الحق الموجود قبل كل الدهور “(43).

وهو هنا يوضح كل الحقائق الخاصة بلاهوت المسيح، باعتباره الله والكلمة والابن، وناسوته، ولكنه هو المسيح الواحد. 

(8) إيريناؤس أسقف ليون (120-202م)؛ كان إريناؤس أسقف ليون بالغال (فرنسا حالياً) هو أحد تلاميذ الرسل وخلفائهم وحلقة الوصل بين تلاميذ الرسل ومن جاءوا بعده، فقد شاهد واستمع لتلاميذ الرسل، خاصة بوليكاربوس الذي استمع إليه ورآه في شبابه، ويقول عنه ” أنه إلى الآن لم يزل ثابتاً في مخيلتي نوع الاحتشام والرصانة الذي كان يتصف به القديس بوليكاربوس مع احترام هيئته ووقار طلعته وقداسة سيرته، وتلك الإرشادات الإلهية التي كان يعلم بها رعيته وأبلغ من ذلك كأني اسمع ألفاظه التي كان ينطق بها عن الأحاديث التي تمت بينه وبين القديس يوحنا الإنجيلي وغيره من القديسين الذين شاهدوا يسوع المسيح على الأرض وترددوا معه وعن الحقائق التي تعلمها وتسلمها منهم “(44).

وقد كتب مجموعة من الكتب ” ضد الهراطقة ” دافع فيها عن المسيحية وأسفارها المقدسة ورد على هرطقة الغنوسيين وهرطقة الأبيونيين وشرح الإيمان المسيحي في عصره كما تسلمه من تلاميذ الرسل ” الإيمان المسلم مرة للقديسين ” (يه3). وذلك إلى جانب كتاب أخر بعنوان ” الكرازة الرسولية “. وأكد من خلال آيات الكتاب المقدس أن الرب يسوع المسيح هو ابن الله الوحيد، الله الابن، وكلمته وحكمته وقوته، الموجود مع الآب، في ذات الآب، بلا بداية، الذي خلق به كل شيء في الكون. كما أكد على حقيقة تجسده، اتخاذه جسدا، وكان من أوائل آباء الكنيسة الذين استخدموا تعبير ” التجسد – sarkosis – σαρκσις أو ensarkosis – ενσαρκοσς “، أي اتخذ جسدا من تعبير القديس يوحنا ” والكلمة صار جسدا – και ό λογος σαρκς εγενετο – kai ho logos sarx egeneto “(45). وأن المسيح بتجسده اتخذ الطبيعة الإنسانية الكاملة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كما أنه لم يتخذ جسدا من طبيعة أخرى غير طبيعة الإنسان، من لحم ودم وروح إنسانية(46). ويؤكد على أنه كان له روح بشرية كالتي لنا ” كما أننا نتكون من جسد مأخوذ من التراب ومن نفس تقبل روح من الله. فهذا ما صار إليه كلمة الله متخذا لنفسه صنعة يديه وعلى هذا الأساس أعترف بنفسه كابن الإنسان “(47). وفيما يلي بعض من أقوله:

U ” لذلك أيُّ مَنْ يسألنا عن كيفية ولادة الابن من الآب، نجيبه أنه لا يدرك أحد هذا الخروج أو هذه الولادة أو هذه الدعوة أو هذه الرؤيا أو أي تسمية أخري يمكن أن نصف بها هذه الولادة. لأنها في الحقيقة بالإجمال غير قابلة للوصف “(48).

U ” تسلمت الكنيسة … من الرسل ومن تلاميذهم هذا الإيمان [فهي تؤمن] بإله واحد الآب القدير خالق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، وبيسوع المسيح الواحد، ابن الله الذي تجسد لأجل خلاصنا “(49).

U ” صار الله إنسانا والرب نفسه خلصنا معطيا لنا علامة العذراء “(50).

U ” كلمة الله ربنا يسوع المسيح الذي صار إنسانا بين البشر في الأيام الأخيرة ليوحد النهاية في البداية، أي الله بالإنسان “(51).

U ” لأجل خلاصنا، يسوع المسيح ربنا “(52).

U ” كان الكلمة موجودا في البدء مع الله، وبه خلق كل شيء وكان دائما موجودا مع الجنس البشري، وحديثا جدا، في لحظة معينة من الآب، اتحد مع صنعة يديه وبه صار إنسانا خاضعا للألم “(53).

U ” الابن هو سيد القوات الملائكية، إله من إله، وابن من الآب “(54).

U ” خالق العالم هو بالحقيقة كلمة الله. هذا هو ربنا “(55).

وقد شرح القديس إيريناؤس التجسد ووحدة شخص المسيح الواحد، من خلال حديثه عن حلول الروح القدس على العذراء وولادة عمانوئيل الذي هو الله معنا منها، في مجمل رده على الغنوسيين؛ ” ولد ابن الله من عذراء، وهو نفسه المسيح المخلص الذي تنبأ عنه الأنبياء، ليس كما يقول هؤلاء الناس (أي الغنوسيين) أن يسوع هو الذي ولد من مريم ولكن المسيح هو الذي نزل من فوق “. ثم يقول أن متى لم يقل ” أما ولادة يسوع فكانت هكذا ” (مت18:1) إنما قال ” أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا “، ” وهو عمانوئيل لئلا نتخيل أنه مجرد إنسان: لأنه ليس من مشيئة جسد ولا من مشيئة إنسان، بل بإرادة الله صار الكلمة جسدا. ويجب أن لا نتخيل أن يسوع واحد والمسيح آخر، ولكن يجب أن نعرف أنهما نفس الواحد “(56).

U كما رد على الأبيونيين قائلا ” وباطل أيضا الأبيونيين الذين لم يقبلوا الإيمان لنفوسهم في اتحاد الله والإنسان … ولم يريدوا أن يفهموا أن الروح القدس حل على العذراء وأن قوة العلي ظللتها، ولذا فالذي ولد هو قدوس وابن الله العلي أبو الكل، ونتج التجسد “(57).

U ومثل أغناطيوس الأنطاكي الذي شرح كيفية قبول المسيح للحدود البشرية ” من لا يتغير، أي ذاك الذي يعلو الزمان والمكان ولا يرى ولكن صار مرئيا لأجلنا، لا يلمس ولا يتألم ولكنه صار ملموسا ومتألما وأحتمل كل شيء لأجلنا “، فقال أن الرب يسوع المسيح من أجلنا قبل الحدود الجسد والإنسانية، الذي كان غير مرئي صار مرئيا، غير المتألم صار متألما لأجلنا، غير المدرك صار مدركا،لأجلنا(58).

وهكذا قدم آباء الكنيسة، خلفاء الرسل، الذين تسلموا منهم ” الإيمان المسلم مرة للقديسين “، الإيمان الصحيح والعقيدة القويمة (الأرثوذكسية) للكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية وردوا على هرطقات القرنين الأول والثاني، والتي أتت من خارج الكنيسة وأظهروا فساد أفكارها وبدعها.

وفي كتابه ” الكرازة الرسولية ” والذي شرح فيه الإيمان المسيحي تفصيلياً نلخص منه الفقرات التالية(59):

U ” أن الكلمة أيضًا يقول لموسى: ” أنا هو الكائن (خر3:14) ” (ف2).

ويركز دائما على أن ما يعلمه هو ما تسلمه من تلاميذ الرسل وخلفائهم: ” إذن ما الذي يخبرنا عنه الإيمان كما سُلم لنا من الشيوخ تلاميذ الرسل(60). فإن الإيمان أول كل شئ يحثنا أن نتذكر أننا قبلنا المعمودية باسم الله الآب ويسوع المسيح ابن الله، الذي تجسد وصلب وقام، وروح الله القدوس، لغفران خطايانا، وأن هذه المعمودية هي ختم الحياة الأبدية وميلادنا الثاني(61) من الله ” (ف 3).

U ويشرح الإيمان المسيحي بالله الواحد وأبنه، كلمته الذي منه، وروحه القدوس؛ الآب والابن والروح القدس فيقول: ” في الحقيقة، إن كل المخلوقات تستمد بالضرورة بداية وجودها من علة أولى عظيمة، وعلة كل الأشياء هو الله. الكل يأتي منه، أما هو فلم يُوجِده أحد. لذا فإنه من الاستقامة والحق أن نؤمن بأنه يوجد إله واحد، الآب، الذي خلق الكل، وصنع كل ما لم يكن موجودًا من قبل، وهو يحوى ” الكل “، هذا الذي هو نفسه غير المحوى من أي شئ. كما أن العالم يدخل في نطاق ذلك ” الكل ” الذي يحويه الله ومن بين هذا ” العالم ” الإنسان أيضًا، وبالتالي فإن الله خلق هذا العالم كله ” (ف4).

” ويتضح تعليم إيماننا في الآتي: واحد فقط هو الله، الآب، غير مولود، غير منظور خالق الجميع، فوقه لا يوجد إله آخر(62). ولأن الله هو ناطق فقد خلق كل الأشياء بكلمته. ولأن الله روح ولذلك فقد زيّن كل الأشياء بروحه، كما يقول النبي ” بكلمة الرب صُنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها ” (مز33:6). وبينما الكلمة يؤسس أي يعطى الكائن جوهره ويمنحه الوجود، فإن الروح يمنح الشكل والجمال لهذه القوات المختلفة، لذا فإنه من الصواب أن يُدعى الابن كلمة الله، بينما يُدعى الروح حكمة الله(63). لذلك بالصواب أيضًا يقول بولس: ” إله وآب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم “(64). فالآب هو ” فوق الجميع “، والكلمة ” بالكل، طالما أن كل الأشياء بواسطته خُلقت من الله. الروح هو فينا جميعًا ” في كلنا ” وهو يصرخ ” يا أبا الآب ” (غل4:6).

كما أنه يمنح الإنسان أن يكون على صورة الله. والروح أيضًا يُظهر الكلمة، لذلك تنبأ الأنبياء عن ابن الله. والكلمة أيضًا متحد بالروح. لذلك فهو يفسر كتب الأنبياء ويُدخل الإنسان إلى الآب ” (ف5).

U ويشرح الإيمان المسيحي في ثلاثة بنود هي: ” إن البند الأول من قانون إيماننا، وقاعدة البناء وأساس الخلاص هي أن: ” الله الآب غير المولود، غير المُحوى، غير المرئي إله واحد خالق الجميع “.

والبند الثاني: هو أن كلمة الله ” ابن الله، يسوع المسيح ربنا، الذي تنبأ عنه الأنبياء، الذي كل شئ به كان وبتدبير الآب في الأيام الأخيرة صار إنسانًا بين البشر (يو1:14) وتراءى للكل لكي يُبطل الموت ولكي يجمّع كل شئ ويُظهر الحياة ويصنع شركة بين الله والإنسان “.

والبند الثالث هو أن: ” الروح القدس هو الذي بواسطته تنبأ الأنبياء وتعلّم الآباء بأمور الله، والذي بواسطته دخل الأبرار إلى طريق البر، كما أنه انسكب في الأيام الأخيرة بطريقة جديدة على جنس البشر مجددًا الإنسان لله ” (ف6).

U ويكمل شرحه للثالوث الأقدس: ” هذا الإله يُمجد بواسطة كلمته الذي هو ابنه الأزلي وبالروح القدس الذي هو حكمة الآب الذي هو أب الجميع. هذان الأقنومان الإلهيان، الكلمة والحكمة لهما في خدمتهما طغمة من الأرواح الملائكية تُدعى الشاروبيم والسيرافيم الذين يمجدون الله بتسابيحهم التي لا تنقطع، وكل ما في السموات المخلوقة يعطى مجدًا لله، آب الجميع، الذي بكلمته خلق العالم – بما فيه – الملائكة وأعطى قوانين (نواميس) لكل العالم، حتى أن الجميع يظلون في مكانهم ولا يتجاوزن حدودهم المرسومة لهم بواسطة الله، بل إن كل واحد منهم يتمم العمل المحدد له من قِبَل الله ” (ف10).

U ومثل كل آباء القرن الثاني وما بعده آمن أن جميع الظهورات الإلهية في العهد القديم كانت للابن، الكلمة، المسيح: ” كلمة الله (ابن الله) كان يتمشى هناك باستمرار يتحدث مع الإنسان عن الأمور العتيدة، بل حاول بالحري أن يوضح له أنه سيكون رفيقًا له ويتحدث ويتحاور معه، وأنه سوف يسكن مع البشر لكي يعلّمهم البر. لكن الإنسان كان طفلاً، لم يكن لديه بعد إرادة ناضجة، لذا خُدع بسهولة من المضلّل.

وقال: ” صورة الله هي الابن، والذي على صورته خُلِق الإنسان. لذلك ظهر الابن في الأيام الأخيرة لكي يجعل الإنسان، الذي خُلِق على صورته، مشابهًا له (ف22).

U وتأكيده مثل سائر الآباء في كل القرون الأولى على أن جميع الأنبياء تنبأوا عن كل تفاصيل حياة المسيح: ” هنا أرسل الله الأنبياء الذين بإلهام الروح القدس قادوا الشعب إلى إله الآباء، الكلى القدرة، وتنبأوا عن مجيء ربنا يسوع المسيح، ابن الله معلنين أنه سوف يأتي من نسل داود، بحسب الجسد وهكذا يكون المسيح هو ابن داود، الذي هو من خلال سلسلة من الأنساب من نسل إبراهيم، أما حسب الروح فهو ابن الله الكائن أزليًا، مولود من الآب قبل (كل الدهور) وكل الخليقة، ثم ظهر كإنسان في العالم في الأزمنة الأخيرة، فهو كلمة الله الذي يجمع في ذاته كل الأشياء ما في السماء وما على الأرض ” (ف30).

U وشرح التجسد الإلهي وأسبابه بصورة تفصيلية: ” وهكذا وَحّدَ (اللوغوس المتجسد) الإنسان مع الله وصنع شركة بين الله والإنسان. فلو لم يكن قد أتى إلينا لكان من غير الممكن أن نشترك في عدم الفساد، لأنه لو كان عدم الفساد ظل غير منظور ومخفي عن أعيننا، لما كنا قد انتفعنا بأي شئ. لذلك فإن اللوغوس بواسطة تجسده جعل عدم الفساد منظورًا حتى يمكننا بكل الطرق أن نشترك فيه. ولأن الجميع اقتيدوا إلى الموت بسبب عصيان أبونا الأول، آدم ” (ف31).

U الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته ” وهكذا فإن كلمة الله متقدم في كل شئ لأنه هو الإنسان الحقيقي، وهو في نفس الوقت ” عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا”، وهو الذي يدعو الإنسان من جديد ليكون له شركة قوية مع الله، لكي بهذه الشركة معه ننال شركة في عدم فساده ” (ف40).

U وأنه الابن الذي كان في البدء مع الآب: ” يجب أن نؤمن بالله في كل شئ لأنه صادق في كل شئ. ويجب أن نؤمن بابن الله الذي هو كائن ليس فقط قبل زمن مجيئه إلى العالم، بل وقبل خلق العالم. فموسى، الذي هو الأول تنبأ، مُعبِّرًا باللغة العبرية قائلاً: ” في البدء كان الابن، ثم خلق السماء والأرض “. هذا ما يؤكده النبي قائلاً: ” قبل نجمة الصبح ولدتك واسمك قبل الشمس” أي قبل خلق العالم، طالما أن النجوم خُلقت في نفس الوقت مع العالم. هذا النبي يقول: ” طوبى، للذي كان قبل أن يصير إنسانًا”. فبالنسبة لله كان الابن موجودًا في البدء، فهو الذي خلق العالم، أما بالنسبة لنا فهو يُعتبر موجودًا الآن منذ اللحظة التي أُعلن فيها لنا، لأنه قبل ذلك لم يكن موجودًا بالنسبة لنا نحن الذين لم نكن نعرفه. لذلك فإن تلميذه يوحنا يخبرنا عن من هو ابن الله، الذي كان عند الله قبل خلق العالم، وأن به خُلق الكل، إذ يقول: ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان”، مظهرًا بوضوح، أن الكلمة الذي كان في البدء عند الآب والذي به خُلِقت كل الأشياء، هذا هو ابنه ” (ف43).

ثم يشرح في بقية الكتاب كيف أنه هو الذي ظهر لإبراهيم واسحق ويعقوب في القديم: ” وأيضًا يقول موسى، إن ابن الله نزل بالقرب من إبراهيم وتكلّم معه ” … كذلك يعقوب وهو ذاهب إلى ما بين النهرين رآه في حلم واقفًا على سُلّم، وكان السلم منتصبًا من الأرض إلى السماء، الذي هو كمثال الصليب. … هكذا تحدث في العليقة المشتعلة مع موسى.

U الآب والابن كلاهما ربٌ وإله: ” فالآب إذًا رب والابن رب، الآب إله والابن هو إله، لأن الذي يُولد من إله هو إله. هكذا إذن فبحسب كيانه وقوته وجوهره هو إله واحد. ولكن بحسب تدبير خلاصنا يوجد آب واحد وابن واحد. وحيث إن أبا الجميع هو غير منظور وغير مدرك من المخلوقات، فمن الضروري على من يريدون أن يقتربوا إلى الله أن ينالوا نعمة القدوم إلى الآب بالابن ” (ف47).

U وأن الابن هو الله: ” ويتحدّث داود بوضوح عن الآب والابن فيقول: ” كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك”. طالما أن الابن هو إله بالحقيقة فهو يأخذ عرش الملكوت الأبدي من الآب أي من الله ويُمسح بدهن الابتهاج أكثر من رفقائه ” (ف47).

U الابن هو الرب: ” ويقول داود أيضًا: ” قال الرب لربى اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك. يرسل الرب قضيب عزك من صهيون. تسلط في وسط أعدائك. شعبك منتدب في يوم قوتك في زينة مقدسة من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك. أقسم الرب ولن يندم. أنت كاهن إلى الأبد على رُتبة ملكي صادق. الرب عن يمينك يُحطم في يوم رجزه ملوكًا. يدين بين الأمم. ملأ جثثًا أرضًا واسعة سحق رؤوسها. من النهر يشرب في الطريق لذلك يرفع الرأس”. بهذه الكلمات يتضح تمامًا أن المسيح كائن قبل الكل، وأنه يسود على الأمم وأنه يدين كل البشر والملوك الذين يضطهدون اسمه الآن، لأن هؤلاء هم أعدائه، وإذ يدعوه كاهن الله الأبدي، فهذا إعلان بأنه الحي الذي لا يموت. وعندما يقول: “من النهر يشرب في الطريق لذلك يرفع رأسه” فهو يشير إلى تمجيد ناسوته وصعوده بعد المهانة والذل ” (ف48).

(9) أكليمندس الإسكندري (150 – 215م)؛ مدير مدرسة الأسكندرية اللاهوتية وخليفة خلفاء الرسل وتلميذهم، والذي مثله مثل الآباء في عصره، يشرح لنا لاهوت المسيح وتجسده وكونه ابن الله وكلمته وصورة جوهره، كما يشرح لنا علاقة الآب بالابن، الكلمة، وولادة الكلمة، الابن، من الآب والتي يصورها بولادة النور من النور والكلمة من العقل مثل سائر الآباء في عصره. ويلخص لنا القمص تادرس يعقوب جوهر تعليمه هذا كما يلي: [الله (الآب) غير مُدرَك بعقولنا البشرية، وبالتالي لا يمكن أن يكون موضوع معرفة. لكن الابن هو الحكمة والمعرفة والحق وما يماثل ذلك يمكن وصفه وتعريفه. الابن هو إعلان عقلي للآب(65)، هو ختم مجد الآب، يُعلِّمنا الحق(66). هو صورة الله(67)، وفكره(68)، ووجهه(69). هو النور الذي به نعاين الله(70). يعلن عن طبيعة الآب(71)، يُدعى قوّة الله(72) وذراعه(73).

يُقصَد بلقب ” الآب ” أن ” الابن ” أيضًا كائن على الدوام بدون بداية(74).

إن الكلمة نفسه – الذي هو ابن الله – واحد مع الآب بمقتضى مساواته له في الجوهر، وهو أبدي وغير مخلوق(75).

(الابن الكلمة) هو الله وهو الخالق. كما قيل: ” كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان” (يو1: 3)(76).

وفيما يلي بعض فقرات من أقواله عن لاهوت المسيح وتجسده:

U ” كان يوجد إذا كلمة يحوي أبدية لا بداية لها، كما هو الكلمة نفسه أيضاً، الذي هو ابن الله، الذي لكونه مساوي للآب وواحد معه في الجوهر، هو أبدي وغير مخلوق “(77).

U ” المخلص الرحيم، الكلمة الإلهي الذي أعلن اللاهوت بالحقيقة، والذي صار مساوياً لرب الكون لأنه ابنه، والكلمة كان في الله، الذي لم يؤمن به الكل عندما بُشر به أولاً، ولا كان معروفا للكل، عندما اتخذ صورة الإنسان واتخذ لنفسه جسدا وقام بدراما الخلاص “(78).

U ” أنا لا أعرف شيء أخر غير أن الثالوث القدوس يعني أن الروح القدس هو الثالث والابن هو الثاني الذي به كل شيء كان بحسب إرادة الآب “(79).

U ” عندما يقول [يوحنا] الذي كان من البدء (1يو1 :1) فهو يلمس الأجيال التي لا بداية لها للابن المساوي للآب. فقد ” كان ” هو نفسه، أي الابن، لكونه واحد مع الآب بحسب المساواة في الجوهر، أبديا وغير مخلوق. وكون الابن موجود دائماً واضح في قوله: ” في البدء كان الكلمة “ (يو1:1) “(80).

U ” لأن كليهما واحد (أي الآب والابن) – أي الله. لأنه قال: ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله “(81).

U ” [كان يسوع المسيح] محتقرا في المظهر، ولكن في الحقيقة هو المعبود، والفادي، والمخلص، والهادي، والكلمة الإلهي، وهو بوضوح تام إله حق وموضوع في نفس مستوى الآب لأنه ابنه “(82).

U ” هذه هي الترنيمة الجديدة، إعلان الكلمة الذي كان في البدء وقبل البدء، المخلص، الموجود من قبل وقد ظهر في الأيام الأخيرة، والذي فيه (في الآب) بالحقيقة، ظهر لأنه الكلمة الذي ” كان عند الله ” والذي كل شيء به خُلق، ظهر كمعلمنا، الكلمة الذي في البدء منحنا حياة كالخالق عندما صورنا علمنا أن نعيش جيداً عندما ظهر كمعلمنا، وسيمنحنا بعد ذلك الحياة التي لا تنتهي كإله “(83).  

(10) ويقول العلاَّمة أوريجانوس (185- 254):

U ” ليَعلَم مَنْ يقول بأن ” كلمة الله ” أو ” حكمة الله ” ليس أزليًّا، مُذنِب في حق الآب نفسه، إذ ينكر أنه كان ” الآب ” على الدوام، أو أنه كان يلد الكلمة على الدوام، أو أنه كان

يملك الحكمة في كل الحقب السابقة سواء كانت هذه الحقب أزمنة أو دهور(84).

U ” الآب يلد الابن غير المخلوق ويأتي بالروح القدس. ليس كما لو كان الابن لم يكن له وجود سابق (ثم وَلَدَه الآب)، لكن لأن الآب هو الأصل والمصدر للابن وللروح القدس(85).

U ” قيل عن المُخلِّص إنه ” نور”. وفي رسالة القديس يوحنا الأولى، نجد عبارة ” الله نور” (1يو1: 5). فإذا كان الأمر كذلك، سنجد فيه برهانًا على أن الابن لا يختلف عن الآب في الجوهر “(86).

U ” كلمة الله (اللوغوس) يُعلِن عن الآب الذي يعرفه. إذ ليس أحد من المخلوقات يستطيع أن يقترب من الآب إلا من خلال مُرشِد. فلا يعرف أحد الآب إلا الابن ومَنْ أراد الابن أن يعلن له “(87).

U ” الابن لا يختلف عن الآب في الجوهر “(88).

U ” الابن مُشترِك مع الآب في الجوهر، لأن ما ينبثق (أو يُولَد) من الجوهر هو مساوٍ له وواحد معه ” هوموأُوسيوس ” بكل تأكيد “(89).

(11) البابا ديونسيوس السكندري (متوفى سنة 264):

U ” وُلِدَت الحياة من الحياة بنفس الطريقة التي ينبع بها النهر من الينبوع، ويُشعَل بها النور من النور الذي لا ينطفئ “(90).

وسنتكلم عن هذا البابا الذي وُصف بالعظيم وما فهمه البعض خطأ في دفاعه ضد السابيلينية ودفاع القديس أثناسيوس عنه في الفصل التالي.

(12) القديس هيبوليتوس الروماني (استشهد في 235م):

U ” لقد ظهر آخر إلى جانب الآب. ولكن عندما أقول ” آخر” لا أعني أن هناك إلهَيْن، ولكن أعني فقط أنه مثل النور من النور، والماء من الينبوع، والشعاع من الشمس “(91).

U ” الكلمة (اللوغوس) وحده هو الذي من الله (الآب) نفسه. لهذا أيضًا هو إله، لكونه من نفس جوهر الله (الآب). على العكس من ذلك، خُلِقَ العالم من العدم، لذا فهو ليس إله “(92).

(13) ترتليان، العلاَّمة (160- 230):

U ” في البدء كان الكلمة عند الله الآب. لم يكن الآب هو الذي عند الكلمة، فعلى الرغم من كون الكلمة هو الله، إلا أنه كان عند الله، إذ هو إله من إله “(93).

U” تعلَّمنا أن الابن خرج من الله الآب، وبخروجه هذا قد وُلِدَ من الآب. إذن فهو ابن الله، ويُدعى الله لأجل وحدته مع الآب في الجوهر … فحتى شعاع الشمس عندما يخرج منها، يظل متّصلاً بها. وتظلّ الشمس في الشعاع لأنه منها. فلا يوجد إذن تقسيم في الجوهر، فالشعاع هو مجرد امتداد للشمس … هكذا المسيح هو روح من روح، وإله من إله. مثل شمعة مضيئة تُوقَد من شمعة مضيئة، فيظل لهب الشمعة الأصلية بكامله دون أن يتأثر، على الرغم من أنه قد يُوقَد منه أي عدد من الشمعات الأخرى التي لها لهب بنفس الصفات. كذلك أيضًا الذي خرج من الله (الآب) هو بآنٍ واحدٍ الله وابن الله، والاثنان هما واحد “(94).

U ” نؤمن حقا أنه يوجد إله واحد، ونؤمن تحت هذا التدبير، أو كما نسيمه الأيكونوميا (οικονομια)، أنه يوجد أيضاً ابن لهذا الإله كلمته المولود منه والذي به كل شيء كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. ونؤمن أنه أُرسل من الآب إلى عذراء وولد منها، إله وإنسان، ابن الإنسان وابن الله، ودعي باسم يسوع المسيح. ونؤمن أنه تألم بحسب الكتب ومات ودفن وقام ثانية بواسطة الآب ليسترد مكانه في السماء وجلس عن يمين الآب. وسيأتي ليدين الأحياء والأموات. ونؤمن أنه أرسل الروح القدس، البارقليط، من الآب، بحسب وعده، ليقدس إيمان هؤلاء الذين يؤمنون بالآب والابن والروح القدس “(95).

(14) العلاَّمة ثيؤغناسطس الإسكندري (متوفى سنة 282):

U ” جوهر الابن ليس جوهرًا غريبًا من صُنع أحد. ولا وُجِدَ من العدم. بل وُلِدَ من جوهر الآب مثل الشعاع من الشمس، أو مثل مجرى الماء (التيار) من الينبوع. فالشعاع ليس هو الشمس نفسها، كذلك المجرى ليس هو الماء نفسه، ولكن كليهما لا يختلفان عن المصدر (من حيث الجوهر). فالابن هو انبعاث أو فيض من جوهر الآب، ومع هذا يظل جوهر الآب دون تقسيم “(96).

وهكذا يتضح لنا أن آباء الكنيسة ومدافعيها الذين قدموا لنا ولمعاصريهم الإيمان المسيحي وشرحوه ودافعوا عنه، أكدوا لنا على نفس ما تسلموه من الرسل من أن المسيح هو ابن الله وكلمته وصورة جوهره المولود من الآب قبل كل الدهور، إله حق من إله حق، والمولود من الآب قبل كل الدهور والواحد مع الآب والمساوي له في الجوهر، أو الذي له نفس جوهر الآب. وكان هذا الإيمان، كما يقول المؤرخ الكنسي فيليب شاف: ” كان يُعلن في العبادة اليومية والأسبوعية وفي الاحتفال بالعماد، وفي العشاء الرباني، وفي الأعياد السنوية، ولا سيما في عيد القيامة. وقد وجد هذا الإيمان مكانه في الصلوات والتسابيح … وكانت الترانيم التي يكتبها الأخوة تشهد بأن المسيح هو ” كلمة الله “، وكانوا يؤكدون على ألوهيته، وقد دفع كثيرون من المؤمنين حياتهم ثمناً لشهادتهم بأن المسيح هو ابن الله … فهم يرون أن المسيح سابق للوجود، فقد كان هو فكر الآب أو عقله الناطق “(97).

(10) دراسات في آباء الكنيسة لأحد رهبان برية القديس مقاريوس ص 103 و104.

(11) يوسابيوس (ك4 ف3:3). وقد أكتشف الأمريكي رندل هاريس مخطوطة لهذا الدفاع مترجمة إلى السريانية سنة 1893م. (كتاب تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة للمطران كيرلس سليم بسُترس) ص 222.

(12) Apology 15.

(13) يوسابيوس ك 4 ف 12و18.

(14) Dialogue 76.

(15) Jesus After the Gospels p. 59.

(16) 1 Apology, ch 63.

(17) Dial. 100.

(18) Dial. ch, 36.

(19) Dial. ch 56.

(20) Dial. ch. 63.

(21) Dial. ch 56.

(22) Dial.. 66.

(23) Apology 1:23.

(24) Apology 2:13.

(25) Apology 1:

(26) Apology 1:63.

(27) Dial. ch 108.

(28) Apology 1:22.

(29) Dial. 126 – 129.

(29) Dial. 100.3.

(30) Ag. Haer. 28.

(31) دراسات في آباء الكنيسة لأحد رهبان برية القديس مقاريوس ص 105 و 106.

(32) Address to the Greeks ch.7.

(33) تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة ص 244.

(34) Supplication for the Christians 10,24. William A. Jurgens, The Faith of the Early fathers vol. 1 ; 70.

(35)Ibid. (24), vol. 1 ; 70.

(36) A Plea For The Christians ch.6.

(37) Ibid. ch.18.

(38) يوسابيوس 4 :20.

(39)To Autolycus 2 :15.

(40) دراسات في آباء الكنيسة ص 108.

(41) يوسابيوس 4 :26.

(42) السابق 110.

(43) Fragment in Anastasius of Sinai’s The Guide 13.

(44) الآباء الرسوليين للقمص تادرس يعقوب ص 126 أنظر أيضا Ag. Haer. 3:3,4

(45) Catholic Encyclopedia, Incarnation.

(46) Ag. Hear. 5:12,2.

(47) Ag. Hear. B5:14,2.

(48) Ag. Hear. 2.28.

(49) Ag. Hear. B 1:10,1.

(50) Ag. Hear. B3:21,1.

(51) Ag. Hear. B4:20,4

(52) Ag. Hear. B3:16,2.

(53) Ag. Hear. B3:18,1.

(54) ANF, Vol. I , p. 577 (fragments from the lost writings of Irenaeus).

(55) B5:8,3.

(56) Ag. Hear. B3:16,2.

(57) Ag. Hear. B5:1,3.

(58) See Ag. Hear. B3:16,6. And Jesus After The Gospels p. 102.

(59) جميع الفقرات الخاصة بكتاب ” الكرازة الرسولية “، مأخوذة من كتاب ” الكرازة الرسولية للقديس إيرينيوس إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد و د. جورج عوض إبراهيم.

(60) يعطى إريناؤس أهمية كبرى لأصالة وشهادة الشيوخ الذين كانوا حاملين للتقليد الرسولي. وكشيوخ يصفهم أحيانًا بالتلاميذ المباشرين للرسل (AH5:5:1) وأحيانًا تلاميذ بوليكاربوس (AH3:3:4).

(61) انظر تي5:3ـ6.

(62) راجع الحوار مع تريفو6:5 أيضًا انظر ضد الهرطقات1:1:1، 3:28:1.

(63) راجع AH2:47:2, 3:28:2.

(64) أف6:4 راجعAH4:34::2, 5:18:1.

(65) Strom 4: 156.

(66) Ibid 7: 58.

(67) Ibid 5: 94.

(68) Ibid 5: 16.

(69) Paed 1: 57.

(70) Prot 84.

(71) Strom. 5: 34.

(72) Ibid 7: 7.

(73) Prot. 120.

(74) ANF, Vol. II , p. 574.

(75) ANF, Vol. II, p. 574.

(76) ANF, Vol. II, p. 234.

(77) Fragments, Part I, section III.

(78) Exhortations, Chap 10.

(79) Strom, B. V, ch. 14.

(80) fragment in Eusebius History, Bk 6 Ch 14; Jurgens, p. 188.

(81) The Instructor, B. 1, ch 8.

(82) Exhortation to the Greeks, 10:110:1.

(83) Exhortation To The Heathen, ch 2.

(84) ANF, Vol. IV , p. 246.

(85) ANF, Vol. IV, p. 270.

(86) ANF, Vol. X , p. 336

(87) ANF, Vol. X , p. 320.

(88) ANF, Vol. X, p. 336.

(89) PG XIV:1308.

(90) ANF, Vol. VI, p. 93.

(91) ANF, Vol. V, p. 227.

(92) ANF, Vol. V, p. 151.

(93) ANF, Vol. III, p. 610.

(94) ANF, Vol. III, p. 34.

(95) Against Praxeas, ch 1,2.

(96) ANF, Vol. VI, p. 155.

(97) موسوعة آباء الكنيسة ج 1: 227.

الآباء المدافعون عن الإيمان وإيمانهم بلاهوت المسيح

قائمة مجمع لاودكية وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (363)

قائمة مجمع لاودكية وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (363)

قائمة مجمع لاودكية وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (363)

  عقد المجمع سنة 363م في لاوُدكيَّة، وهو مجمع محلي خاص فقط بأساقفة لاوُدكيَّة، (ولم يكن مجمعاً مسكونياً يضم جميع الكنائس المسيحية في العالم)، لدراسة عدة مواضيع، منها قانون الأسفار المقدسة، والتي وردت في القانون 59 و60. والذي يؤكد على أن الأسفار القانونية فقط هي التي تقرأ في الكنائس. على الرغم من أن جميع أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين كان معترفاً بها في ذلك الوقت من جميع الكنائس. ويبدو أن البعض في لاوُدكيَّة كان يقرأ بعض الكتب غير القانونية لذا وضع المجمع هذا القانون ليوضح ما يجب أن يقرأ في الكنائس.

  والملاحظ هنا أنه لم يذكر سفر الرؤيا بالرغم من اعتراف أقدم الآباء في القرنين الثاني والثالث به وإعلانهم أن كاتبه هو القديس يوحنا واقتباسهم منه، وذلك لسببين؛

أولاً: رد فعل بعض كنائس المنطقة، فريجية وما حولها ومن ضمنها لاوُدكيَّة، التى ظهرت فيها هرطقة مونتانوس التي أفرطت في استخدام هذا السفر مما أدى لرفض البعض له؛

ثانياً: صعوبة أسلوب السفر الرؤوي الرمزي وغموضه، جعلت من الصعب قراءة جزء منه على الشعب، على الرغم من أن قانونية السفر كان معترفاً به ومقتبساً منه من أقدم الآباء، وقبل مجمع لاوُدكيَّة بزمن طويل.

  وقد وجد هذا القانون في كل روايات المجمع باستثناء بعض الاختلافات الطفيفة التي لا قيمة لها. وفيما يلي نص قانون أسفار العهد الجديد التي يجب أن تقرأ في الكنائس، عدا سفر الرؤيا[1]:

  ” القانون 59: لا تدع أية مزامير خاصة أو أية كتب غير قانونية تُقرأ في الكنيسة بل الأسفار القانونية للعهد القديم والجديد هي فقط التي تُقرأ.

  القانون 60: (وبعد قائمة أسفار العهد القديم، يُكمل القانون) وهذه هي أسفار العهد الجديد: أربعة أناجيل بحسب متى، مرقس، لوقا، يوحنا ثم أعمال الرسل فالسبع رسائل الجامعة وهى كالآتي: واحدة ليعقوب، اثنتين لبطرس، ثلاثة ليوحنا وواحدة ليهوذا ثم رسائل بولس الأربعة عشر: واحدة إلى رومية، اثنتين إلى كورونثوس، واحدة إلى غلاطية، واحدة إلى أفسس، واحدة إلى فيليبى، واحدة إلى كولوسى، اثنتين إلى تسالونيكى، واحدة إلى العبرانيين، اثنتين إلى تيموثاوس، واحدة إلى تيطس وواحدة إلى فليمون “.

  ويقول بروس ميتزجر: ” إن انعقاد مجمع عام 363م في لاوُدكيَّة، مدينة في قيصرية الكبادوك في أسيا الصغرى، قد اتخذ بعض القرارات حيال القانونية هو أمر مؤكد، ولكن قراره النهائي ليس معلوما لنا. عند إغلاق المراسيم ( أو ” القوانين ” لأنه كان من الشائع قول مراسيم) التي تم مناقشتها من حوالي ثلاثين من الإكلريكيين الحاضرين نقرأ: لا تدع أية مزامير خاصة أو أية كتب غير قانونية تُقرأ في الكنيسة بل الأسفار القانونية للعهد القديم والجديد هي فقط التي تُقرأ. لهذا فان المرسوم موجود في كل حسابات المجمع ولكن مع اختلافات طفيفة.

في المخطوطات الأحدث وعلى الرغم من ذلك نجد أن هذا مُتبع بقائمة، في الأولى أسفار العهد القديم ثم الجديد والأخيرة مطابقة لقانونيتنا الحالية مع حذف سفر الرؤيا. حيث أن القوائم محذوفة من معظم المخطوطات اللاتينية والسريانية للمراسيم، فإن أغلب الباحثين يعتقدون أنها إضافة لتقرير مجمع لاوُدكيَّة فترة ما بعد 363م. يحتمل أن يكون بعض المحررين اللاحقين للتقرير شعروا أن الكتب التي قد تُقرأ يجب أن تُسمى. على أية حال، فانه من الواضح أن مجمع لاوُدكيَّة لم يحاول إضافة أي تشريع جديد.

إن المرسوم المُتبنى في هذا التجمع بالكاد يعرف حقيقة انه بالفعل توجد بعض الأسفار المعروفة عامة والتي يجب قراءتها في العبادات العامة في الكنائس، والتي تُعرف بالأسفار القانونية. مع أن الفهارس أصيلة،إلا فأنهم ببساطة وضعوا أسماء لهذه الأسفار التي بالفعل اُستلمت كأسفار موثوقة في الكنائس المُمثلة في هذا المجمع “[2].

[1] http://www.ntcanon.org/Laodicea.canon.shtml

[2] B. M. Metzger, p. 210.

قوائم أسفار العهد الجديد القانونية وآباء الكنيسة في القرن الرابع

قائمة مجمع لاودكية وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (363)

Exit mobile version