الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

الثالوث القدوس – دراسة دائرة المعارف الكتابية

خرج علينا أحمد سبيع، وهو شاب مسلم كل معرفته بالعقيدة المسيحية لا تتجاوز معرفة من لم يتجاوز عمره في المسيحية 10 أعوام، بفيديو يتكلم فيه عن عقيدة الثالوث، ويصفها بأنها عقيدة غير منطقية ووثنية وأنها عقيدة لا يمكن فهمها حتى من الآباء الأولين وأن الأمثلة التي يسوقها المسيحيون إنما هي لا تمت بصلة للثالوث ولا تشرحهُ. ونحن في هذا الرد المختصر سنقتبس كلامه بالعامية المصرية ثم نجبه في نقاط محددة مرتبة لكي يكون الاعتراض والرد واضحين.

اقتباس

من فترة بسيطة كنت بتكلم مع شخص مسيحي على الفيس بوك فبيقول لي: أنتوا عارفين أننا بنعبد إله واحد، وأنتوا يا مسلمين بتستعبطوا، أو ربما التعليم الفاشل خلاكم أغبياء مش فاهمين، فرديت عليه وقلت له: إحنا فعلا بنستعبط: إزاي مش قادرين نفهم الدين البسيط ده؟ إله واحد وعنده إبن، وهذا الإبن هو أيضًا إله، وعندهم روح قدس هو أيضا إله ومع ذلك هم مش 3 هم واحد بس. لأ فعلا إحنا بنستعبط جدًا.

التعليق:

أولًا: قال الناس قديمًا “تكلم حتى أراك” وقالوا أيضًا “لغتك تظهرك”، وما قاله أحمد سبيع هنا يُعد بيانا لمستوى علمه بالعقائد المسيحية ومثالها هنا هو الثالوث. فأحمد سبيع يعتقد أن الثالوث المسيحي هو “إله واحد وله ابن الذي هو أيضًا إله، ولهما الروح القدس الذي هو أيضًا إله، لكنهم ليسوا 3 بل واحد”، هذا الشرح الذي لربما لم يقله أي مسيحي على الإطلاق من بين كل المسيحيين، لكن أحمد سبيع ينسبه لنا كتعريف عن عقيدة الثالوث. فالثالوث القدوس هو كشف الوهي أكثر عن طبيعة الله الواحد، فعندما نبدأ شرح الثالوث نبدأ من الإله الواحد الجوهر، ثم نتعمق في معرفتنا بهذا الإله الواحد فنعرف –عن طريق الوحي- أنه مثلث الأقانيم. ومعرفتنا بأنه مثلث الأقانيم ليست خروجا عن الجوهر الواحد فنعدده إلى ثلاثة، بل هو دخول لعمق الله أكثر وأكثر لمعرفة طبيعته كما أعلنها لنا. لكن أحمد سبيع بدأ بالثالوث أولًا، وليس بالجوهر الواحد، رغم أن النصوص التي تصرح بعبادتنا لإله واحد متواجدة في شرق الكتاب وغربه، بل أنها حتى أول اعتراف في قانون الإيمان [بالحقيقة نؤمن، بإله واحد].

ثانيًا: في وصفه للعلاقات الأقنومية، استخدم احمد سبيع لفظ “عنده ابن” لوصف علاقة الآب بالابن، ولفظ “عندهم روح قدس”، في فصل واضح للأقانيم، فكيف يستقيم شرحه إذن لو علمنا أن الأقانيم الثلاثة متحدة جوهريًا وليس بين أقنوم وآخر تفاوت زمني في الوجود، فليس الآب لأنه آبًا قد سبق الابن في الوجود باعتباره ابنًا، وليس الآب لأنه باثقًا للروح القدس قد كان هناك وقت لم يكن فيه الروح القدس منبثقًا، فالعلاقات الأقنومية هي علاقات لشرح طبيعة العلاقة بين الأقانيم وليس لترتيبهم زمنيا أو تراتبيًا، فالآب دوما هو آب لأنه دومًا والدًا للابن، والابن دوما هو ابن لأنه دومًا مولود من الآب، والروح دوما هو منبثق من الآب. فالتعبيرات التي استخدمها احمد يظهر منها بجلاء الانفصالية بين الأقانيم، وكان الانسان يستطيع تحجيم الآب ورؤيته منفصلا عن ذاك الذي هو الابن مثلاً. وكيف يكون هذا وكل أقنوم هو غير محدود بمكان أو غير مكان؟

ثالثًا: العبارة الأخيرة له تقول [ومع ذلك هم مش 3 هم واحد بس]، والحقيقة أنهم 3، والحقيقة أيضًا أنهم 1، لكن واحد ماذا، وثلاثة ماذا؟ إنهم ثلاثة أقانيم وجوهر واحد. فعندما ننفي أنهم ثلاثة فإننا بذلك ننفي أنهم 3 جواهر، وعندما ننفي أنهم واحد، فإننا ننفي أنهم أقنوم واحد. فتعبير أحمد سبيع الذي يذكر أننا نؤكد أنهم ليسوا ثلاثة بل واحد، هو تعبير صبياني في هذا السياق، لأنه لم يحدد من هو الواحد ومن هم الثلاثة، بل أنه لو قرأ سيعرف أننا نقول إنهم واحد وثلاثة، وثلاثة وواحد في آن، فهم جوهر واحد وثلاثة أقانيم، فلا تنفي الأولى الثانية ولا الثانية الأولى.

اقتباس

فهل فعلا المشكلة في المسلمين ولا المشكلة في الثالوث نفسه وأنه لا يمكن أن يُفهم لأنه غير منطقي وغير صحيح.

اكتفيت باقتباس هذه الكلمات القليلة لأنها رغم قلتها إلا أنها فحوى اعتراض غير المسيحين خصوصًا العرب منهم، ولن نجد شخصًا يعبر عن أقل مستوى معرفي لاهوتي بعقائد المسيحية أفضل من أحمد سبيع، فلنناقش ما يقوله.

 

أولًا: المشكلة ليست في المسلمين، المشكلة في طبيعة الجنس البشري كله الذي ما ان بدأ في أي أمر جديد يجده صعبًا في البداية، حتى ابتدعنا عبارة [كل شيء في بدايته صعبًا]، فكل المواد الدراسية في بدايتها صعبة على أغلبنا، وكل تعليم صعب، جرب أن تقرأ عن أي علم آخر، بل جرب أن تقرأ عن أي لغة أخرى وتبدأ في تعلمها، ستجدها في البداية صعبة، جرب أن تتعلم فيزياء الكم، أو الفيزياء بفروعها أو الرياضيات أو الكيمياء..إلخ، فستجدها صعبة في بدايتها. هذه ليست مشكلة المسلمين، بل طبيعة الجنس البشري كله. فكم وكم تكون الصعوبة عندما تنشأ على معتقد يكفر المسيحيين، وعطي أوصافا لا يؤمن بها المسيحيون أصلًا مثل أن الله هو “ثالث ثلاثة” أي “أحد ثلاثة”، في حين أن الثالوث في المسيحية هو داخل الله، فالله ليس أحد أطراف الثالوث، بل أنه هو الثالوث، ومثل أن الثالوث هو “الله اتخذ صاحبة (مريم) وأنجب منها الولد (عيسى)”، ثم تجد السواد الأعظم منكم يؤمنون أن هذا ما نؤمن به، ويكون علينا عبء بيان أوضح الواضحات أن هذا ليس ثالوثنا ولا هذه عقيدتنا في الثالوث. فهنا تكمل المشكلة، شخص يريد أن يدرس عقيدة غيره، التي تم شيطنتها منذ نعومة أظافره في أذنيه وأمام عينيه، فكيف سيفهم بحق؟

 

ثانيًا: نطرح هنا سؤالًا، كف يحكم الانسان على شيء أنه منطقي أو أنه غير منطقي؟ وما هو المنطق المقصود هنا كمقياس للحكم على الأشياء؟ لكي نستطيع إجابة هذه الأسئلة يجب أولا ان نعرف كيف يُدرِك عقل الانسان. إن عقل الإنسان لهو مرآة لما مر به من خبرات عبر حواسه ليختبره ويستطيع استرجاعه في كل مرة يحدث أي شيء يذكره به. فمثلاً، أن الذين وُلدوا مكفوفين، لا يمكن أن تشرح لهم ما هو اللون الأحمر، أو الأزرق أو الأخضر أو غيرها من الألوان الأخرى، وهذا لأن كل ما يروه مجبرين هو اللون الأسود، ولا يمكن لغالبيتهم شرح ما هي الدرجات الأفتح والأغمق من أي لون، حتى الأسود، لأنهم وببساطة لم يختبروا هذا التدرج في عقولهم التي لم تر يومًا أي لون آخر. لذا، فعندما تصف لأحدهم شيء، فهو يحاول تكوين صورة عنه في ذهنه، ومتى تم ذلك، فأنه حين يذكر أحدهم هذا الاسم امامه، فأنه يسترجع هذه الصورة التي رسمها هو بنفسه في عقله عن هذا الشيء، ويمكن ان تكون هذه الصورة هي صورة غير صحيحة، لكنها هي التي استقرت في عقله في الأخير.

إذا تخيلنا وجود إنسان لا يملك حاسة الشم منذ ولادته، فكيف يمكن أن تشرح له اختلاف رائحة عطر ما عن عطر آخر؟ لكن، وعلى النقيض، عندما يشم من لديه حاسة الشم رائحة عطر ما، فهذا العطر يحفظه في عقله عبر حواسه، وإذا تعرف على رائحة عطر آخر، سيستطيع تلقائيًا التفريق بينهما، فيقول لك أن هذا العطر ليس ذاك، وإذا شم رائحته في مكان آخر سيتذكره وربما يتذكر أسمه أيضًا. كل هذا لأن رائحة العطر هذه تم تخزينها كمُعَرَّف داخل عقله. هكذا كل الموصوفات التي يعرفها الانسان يوميا، أوصاف مثل، الأقصَر والأطول، السمين والنحيف، الناعم الملمس والخشن، الكبير والصغير، القوي والضعيف، السخن والبارد، الآمن والخطر..إلخ.

كل هذه الأوصاف إنما هي أوصاف لموصوفات تعامل معها الانسان يوما ما فاستقر الوصف الذي توصف به على الموصوف، بمعنى أنك اليوم حينما تقرأ الآن أن فلانا طويلاً، فسيكون عقلك تلقائيًا قد استحضر واسترجع معنى الطول، فلن يأتي في عقلك مثلا الشخص السمين، لأن مفهوم السِمنة في عقلك مفهوم مختلف عن هذا اللفظ “طويل”.  هكذا كل وصف آخر، فعملية الادراك والفهم تقع وفق ما اختبره الانسان وما جمّعه من خبرات طوال حياته ليستطيع استرجاعها متى مر امامه شيء يُذكرهُ بها.

أما عن الحكم على شيء أنه منطقي أو غير منطقي، فعقل الإنسان يربط ما يعرفه من معارف سابقًة معًا، وهذه المعارف هي الأوصاف والخبرات التي مر بها في حياته، ثم بعدما يربط هذه المعارف يرى كيف أنها تتوافق مع بعضها أم لا تتوافق، فإن توافقت فهي منطقية وإلا فهي غير منطقية. فهل من المنطق أن يوصف شخص أنه سمين ورفيع؟ هذا مع عدم تغير العوامل الأخرى مثل النسبية في الحُكم. بالطبع لا، فإن الانسان إما سمينا أو رفيعا أو لا هذا ولا ذاك. هل يمكن لإنسان أن يصف كوب من الماء مثلا أنه ساخن ومثلج في نفس الوقت بالنسبة له؟ بالطبع لا، فهذا غير منطقي ولا يمكن لعقل الإنسان اختبار هذا لأن يده لم تمس شيء ساخن ومثلج في نفس الوقت، وبالتالي، فهذا الكلام بالنسبة له غير منطقي لأنه لا يمثل له خبرة سابقة قد اختبرها.

أما الكلام عن الله، حتى في دين أحمد سبيع، فأنه غير متصور، حتى في الأوصاف التي قالها عن نفسه، فمثلا عندما يصف الإله نفسه فيقول “الرحمن على العرش استوى”، فمع أنك لو سمعت شخصًا يقول “أخي على العرش استوى” ستفهم مباشرة أن أخيه قد جلس على عرشه كأن يكون ملكا مثلاً. إنما هذا الفهم المنطقي التلقائي ستجدهم يمنعوه عن فِعل الاستواء لله ويقولون لك “الكيف مجهول” مع أن الكيف معلوم في حق غير الله لأنه متصور لدى العقل البشري كيف لإنسان أو حيوان ان يستوي على كرسي مثلا، لكن لأن الله غير متصور الهيئة والذات فلا يستطيعون رسم صورة ذهنية لاستواء الله على عرش. هكذا مع كافة الأوصاف التي يصفون الله بها، فما معنى أن لله يد؟ وساق؟ وأنه ينزل ويصعد؟ إلخ، فمع أن هذه الأوصاف هي أوصاف بسيطة وأفعال بسيطة يعرفها كل انسان اذا ما قيلت أمامه عن انسان اخر، إلا ان التوقف عن فهم كيفيتها هو المتبع لديهم، فإذا علمنا أنهم لا يتخيلون حتى الأوصاف والأفعال المذكورة لديهم عن إلههم، فكيف يتخيلون الله نفسه؟ إذا كانت أفعاله وأوصافه الواردة نصًا، غير متصورة، فكم وكم بفاعل هذه الأفعال نفسه؟ ما طبيعته؟ إن سألناهم عن طبيعته؟ فهل يعرفون؟

 

ثالثًا: لكي نحكم على شيء ما أنه منطقي، لابد أولا أن يكون هذا الشيء معقولًا أي متصورا داخل عقولنا لكي نستطيع قياسه على ما في عقولنا من معارف وخبرات، ولما كان هذا ممتنعا عندنا وعندهم، صار مجرد إدراك طبيعة الله الواحد، من المحال على البشر، بل أن رؤيته في طبيعته من محال أيضًا. فإن كنا لا نستطيع معرفة ذات الله الخاصة، فكيف نحكم فيها بأنها منطقية أو غير منطقية؟ نحن ليس لدينا خبرات سابقة في التعرض لآلهه في طبيعتها لكي نعرف كيف نقيس هذا الأمر أهو منطقي أم غير منطقي، فعدم فهمنا لطبيعة الله الواحد حتى ناتجة عن إنعدام معرفتنا السابقة بكينونة هذا الإله، فلم يختبر العقل البشري معرفة سابقة بإله غير محدود وغير مرئي ولا مدرك أو متصور.

فمن يصفون الثالوث أنه غير منطقي يتعدون كل قواعد المنطق، فالمنطق البشري الذي هو استقراء لقواعد بشرية عرفناها في خبراتنا البشرية المتراكمة ليس حكما على من هو خارج الزمان والمكان والقوانين الفزيائية، فكيف لإنسان يحكم بقواعد محددة بمعرفته البشرية أن يحكم على ما يتجاوز حدود كل المعرفات البشرية؟ والأكثر من ذلك، أن حتى مسألة الروح لا يعرفون لها معنى أو تفسير، ويتوقفون عن الكلام فيها بعبارة “هي من أمر ربي” فلا يمكن تخيلها، فكم وكم بالخالق؟ وسوف نورد فيما يأتي أقوال علماء الإسلام أنفسهم في نقض ما يقوله أحمد سبيع والتعدي على العقل.

 

رابعًا: عندما يسأل شخص عن كيف يتكلم الله، فهل يمكن لمسلم أن يجيبه؟ ستكون الإجابة العامة هي “يتكلم كما يليق بجلاله تعالى وعظمته”، وكيف استوى؟ استواء يليق بجلاله تعالى وعظمته..إلخ. فأن تكلمنا عنه هو، وقلنا، أداخل العالم هو أم خارجه؟ أفي كل مكان أم لا؟ إن سألناهم عن “ساق الله” في “يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) القلم” فالساق معروفة، فهل له مثل التي لنا؟ سيقولون لا، سنقول، إذن ما هي؟ سيتوقفون وسيقولون إنها ساق تليق بعظمته وجلاله! وخلاصة القول في هذا أن المعترض نفسه لا يمكنه التفكير في أفعال الله وصفاته لأن ذات الله عنده غير موصوفة وغير معروفة، فتجده يؤمن بالشيء ونقيضه في آن واحد، فتجده ينسب لله اليد واليد والنزول، لكنه ينزه الله عن الساق واليد والنزول ولا يعرف ماهيتهم، ثم تجده فجأة يسألك أنت عن طبيعة الله الواحد الثالوث ويريد أن يفهمها هو بنفسه، وإلا لصارت عقيدة غير منطقية!

 

اقتباس

الإله في الإسلام، هو إله واحد، وحدانية مطلقة، لكن في المسيحية إله واحد لكن مكون من ثلاثة أقانيم.

أولًا: نشكر الله الواحد أن أحمد سبيع اعترف أن الإله في المسيحية هو إله واحد!

ثانيًا: الإله في المسيحية ليس “مكون من” ولا “مركب”! فهذا من الجهل المدقع الذي يملأ عقول البعض ممن يتصدرون الهجوم على العقيدة المسيحية! فإن كان أحمد سبيع لا يعرف أصلا ما يعتقده المسيحيون في إلههم، فكيف يريد أن يفهمه إلههم نفسه؟

ثالثًا: عن ماهية هذا الإله الواحد في الإسلام نبدأ المناقشة، فنريد أن نعرف، أي نوع من الوحدانية هو؟ أوحدانية النوع أم العدد أم الجنس أم ماذا؟ مع العلم أن الإله في الإسلام هو “ليس كمثله شيء” وليس “ليس مثله شيء”، فالنص ينسب لله وجود المثل، وينفي أن شيء مثل هذا المثل، لكن هذه قضية أخرى. فكل نوع من هذه الأنواع يماثله آخر فيها، فوحدانية الجنس يماثله فيها وحدانية للأجناس الأخرى، فكل جنس يكون واحدا في جنسه، فكيف ليس كمثله شيء؟ ووحدانية العدد يماثله فيها وحدانية كل إنسان منا، فكل منا واحد في عدده، فأنا واحد وأنت واحد وهو واحد كما أن الواحد العددي هو واحد من ضمن العدد الكثير فالواحد جزء من الأعداد، ووحدانية النوع يماثله فيها الأنواع الأخرى، مثل الذكور والإناث وخلافه. فأي نوع من الواحد هو؟ فكلمة “واحد” ليست كلمة بسيطة إذا أردنا فهمها بشكل أعمق، فصفة الواحد يجب أن يلازمها صفة أخرى ليتم تعريف هذه الوحدانية فيها.

 

اقتباس

كلمة قنوما تعني شخص بالسريانية، يعني إله واحد مكون من ثلاث أشخاص.

يحلو للإخوة المسلمين اقتباس هذه الكلمة واختيار هذا المعنى من معاني كلمة “قنوما” أو “قنومو” السريانية من بين المعاني الأخرى. وعلى الرغم من أن هذا المعنى ليس كما يدل عليه اللفظ الآن، لأن هذا اللفظ لفظ قديم. فمثلاً كلمة “راجل” قديمًا تختلف عن المعنى المعروف الآن بين عوام الناس. فالكلمة قديمًا تعني “الترجل” أي السير على الأقدام، ومنها جاءت كلمة “رِجل”، لكن الآن تستخدم مثلا في مصر بمعنى “ذَكرٌ” ففلانة إمراة وفلان راجل، ويقال “راجل من ظهر راجل” وهناك كلمات كثيرة على هذا النمط. لكن ليس هذا المستغرب فقط في كلامه، بل أن أحمد سبيع من المفترض أن الكلمة السريانية هي مجرد ترجمة لكلمة أخرى أتت في الإنجيل والكلمة اليونانية أدق قليلاً في المعنى اللاهوتي عن الكلمة السريانية المنتشرة. فالكلمة لا تعني “شخص” بالمعنى المعروف الآن، أن فلان هذا شخص وفلان شخص آخر فهم منفصلون. بل أن من معاني الكلمة الطبيعة، وهنا المقصود هو الطبيعة المشخصنة أي العاقلة.

اقتباس

المسيحيون يضربون أمثلة عشان يوضحوا الثالوث، مثل الإنسان، عبارة عن جسد وعقل وروح، ولكن ليس ثلاثة أشخاص. وأنظروا للشمس، مكونة من كتلة وضوء وحرارة، ومع ذلك ليست ثلاثة شموس، ومثل الإصبع مكون من ثلاثة أجزاء، لكنه هو إصبع واحد. (بتصرف). وهذه الأمثلة يقولها كل مسيحي تتكلم معه، ولكن المشكلة أن هذه الأمثلة ليست لها علاقة بالثالوث المسيحي أصلا، فالمشكلة ليست في أن كيف ثلاثة مكونات يكونوِّا شيء واحد، هذا ليس به مشكلة، إنما المشكلة أن الثالوث ليس مكونات لشيء واحد. لكن كل واحد من الثالوث هو إله، مش جزء من إله ولا صفة من صفات الإله ولا خاصية من الإله. لكن في مثال الإصبع والشمس والإنسان فأننا نتكلم عن مكونات وخواص، فالإصبع مكون من ثلاث أجزاء، لكن لا نقول عن كل جزء منه أنه إصبع، لكن الثالوث بنقول على كل واحد منه أنه إله.

أولاً: الأمثلة لا تعطى للتطابق، بل للإيضاح، فعندما أقول لك أنك سريع مثل الفهد، فلا تقل لي أني إنسانا ولستُ حيوانًا، فسبب ضرب المثال هنا ليس كونك مطابق للفهد في كل شيء، بل التشابه في عامل السرعة فقط. هكذا الله، لا يوجد مثال له، ولا شبه مثال، ولا شبه شبه شبه مثال لطبيعة لاهوته، فهو غير موصوف وغير مدرك وغير مرئي، ولا يماثله من مخلوقاته شيء، إنما نضرب الأمثلة لكم لتقريب الفهم مع الفارق الكبير بين المثل وطبيعة الله. ففي مثال الإنسان نضرب المثل لا لكي نقول أن الله إنسانا أو أن الإنسان إلها، بل لنقول أن نفس الإنسان وروحه وجسده يمثلان الإنسان بلا انفصال، فلا يمكن فصل الروح أو النفس أو الجسد عن أي من الإثنين الآخرين، وهذا لكي نشرك لك ولو بقليل الاتحاد الثالوثي في الله الواحد. فمع معرفتنا أن هذه الأمثلة وغيرها هي أمثلة في أفضل أحوالها قاصرة جدا جدا، إلا أننا كبشر نضربها لكي نقرب المفهوم ولو من بعيد. فالقرآن مثلا يضرب لنا مثلا ويقول:

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) النور

فهل نور الله هو عبارة عن مشكاة فيها مصباح في زجاجة؟ الغريب ان القرآن بنفسه يضرب الأمثال ومع ذلك لا يفهم أحمد سبيع مغزاها، فيقول القرآن في غير موضع: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) الحشر، وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) العنكبوت، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) إبراهيم

ثانيًا: في بداية كلامه، ولأكثر من مرة قال أحمد سبيع أن الثالوث “مكون من”، والآن يقول إن “الثالوث ليس مكونات لشيء واحد” فلا أعلم سبب تناقض أحمد سبيع في كلامه!

ثالثًا: عندما نقول عن الآب أنه إله وعن الإبن أنه إله وعن الروح القدس أنه إله، فهذا يعني أن الطبيعة الخاصة بالآب والإبن والروح القدس هي طبيعة اللاهوت، ولإعطاء مثال تقريبي لشرح مشكلة أحمد سبيع له. نعم عقلة الأصبع ليست هي الأصبع، ولكنها من طبيعة الإصبع، فهي عظام مثل أن الإصبع هو في طبيعته عظام. ورغم قولي أن هذا مثال تقريبي إلا أني سأجد أحدهم يقول لكن العقلة ليست هي الإصبع، فأرد عليه وأقول، ليس هذا هدف المثال، والمثال لا يتطابق مع طبيعة الله التي لا يماثلها طبيعة أو شيء. إنما غرض المثال بيان ما معنى ان العُقلة من نفس طبيعة الأصبع. لكن في حالة كلامنا عن الله، فالله ليس إصبع، فالله غير محدود ولا مجزأ ولا مركب ولا مُبَعَض. كذلك عندما نضرب لكم مثال 1 * 1 * 1 = 1 فلا نقصد به أن الله “واحد رقمي” بل نقصد به بيان أن الآب مساو للإبن مساوٍ للروح القدس وكل منهم هو الله وليس جزء منه. فلا تأخذوا الأمثال التي نضربها لهدف معين وتفهموها وكأنها لهدف آخر.

 

اقتباس

هذه الأمثلة لا تحل المشكلة، لكنها تعتبر إعتراف أن المشكلة ليس لها حل، فيضطر المسيحيون للجوء لأمثلة ليس لها علاقة بالثالوث. وهذا يعني أن الثالوث لا يمكن فهمه لأنه غير صحيح. وهو مجرد إيمان يؤمن به المسيحيون بدون أن يستطيعوا شرحه.

في الحقيقة، فإن هذا المقطع مليء بالقفزات والأخطاء المنطقية، وسوف نعلق عليها جميعا واحدة فواحدة.

أولاً: ما هي المشكلة أصلا، التي نبحث لها عن حل؟ هل صار عدم فهم طبيعة ذات الله الخاصة اليوم مشكلة؟ ومن الذي يقول هذا؟ مسلم لا يعرف حتى كيف يفهم أفعال وصفات الله المذكورة في كتابه؟ هل يُتوقع من الإنسان بعقله القاصر أن يفهم طبيعة من خلقه؟ هل هذه هي المشكلة؟ أم أن المشكلة أن أحمد سبيع وغيره يطالبونا بما ليس في إمكان البشر، وهم أول المتوقفين عن الكلام في طبيعة الله وصفاته وحدثت بينهم وبين المتكلمين (الباحثين في طبيعة الله وصفاته) لديهم المجازر الفكرية والتكفيرية مكفرينهم بها، وفي نهاية كلامهم تجسدهم لا يردون عليهم بشيء عندهم يخالف ما يقوله هؤلاء المتكلمين، بل تجدهم يقولون أننا نتوقف عن السؤال عن الكيف والغرض كما سنعرض بعد قليل.

ثانيًا: بالفعل، إن كانت المشكلة ان البشر لا يمكنهم وصف طبيعة الله بشيء من المخلوقات التي يعمل على فهمها أصلا العقل ولا يعمل إلا من خلالها، فهذه المشكلة ليست لها حل. فطبيعة الله تفوق بما لا يقارن طبيعة البشر وعقلهم القاصر مهما بلغ. فأنت مثلا لا تستطيع معرفة كيفية الاستواء، رغم ان الاستواء كفعل، هو فعل معروف، لكنك لا تجرؤ أن تتكلم فيه مطلقًا ولماذا؟ لأنك لا تتخيل شكلاً معينا لله، فلا تعرف كيف سيستوي ذلك الذي لا أعرف له ذات ولا شكل، فإن كان الاستواء هو مجرد فعل من أفعال هذا الذات، وانت تعجز عن شرح هذه “المشكلة” فكم وكم لو طالبناك بمعرفة وشرح ذات الله نفسها؟

ثالثًا: هذا يوضح ان المشكلة ليست في الثالوث أو الوحدانية، بل في إرادة فهم الله وفق تصورات بشرية محضة، فالبشر لكي يشرح أي شيء سيشرحه بما يتصوره في عقله القاصر، والله، أواحدا كان او ثالوث، لا يمكن الدنو من معرفة طبيعته اللاهوتية بشيء من هذا الشرح، فبدلا من أن يعترف أحمد سبيع أن الله في الإسلام لا يمكن وصف ولا فهم ولا التفكر في أفعاله وصفاته، كما لا يمكن التفكر في ذاته أيضًا، فيكتفي بما نسبه لنفسه فقط، فهو يحاول أن ينقل مشكلة البشر أجمعين وهي وصف غير الموصوف، إلى المسيحين خاصة. فبدلا من القول إن اليهودي والمسيحي والمسلم لكونهم مجرد بشر لا يمكنهم شرح عقيدة إلههم الواحد، فهو يتبرأ ويتناسى أنه لا يستطيع شرح مجرد أفعال وصفات إلهه، وينقل الكرة في ملعب المسيحي ليقول أن سبب عدم قدرة المسيحي على الشرح هو إيمان المسيحي بالثالوث، وهذا أسلوب فاسد، فالمسلم لا يستطيع وصف الروح مثلاً أو أفعال أو صفات إلهه وهو يدعي أنه يؤمن بإله واحد، وإن سألته لتوقفوا، فبدلا من أن يكون مُحقًا في عرض السبب الصحيح، وهو عجز البشر، يتغافل عامدًا عن هذا ويقول أن المشكلة هي حصرًا في إيمان المسيحين.

رابعًا: هل كل ما لا يمكن فهمه هو غير صحيح؟! أو: هل كل ما لا يمكن فهمه، فلا يمكن فهمه بسبب عدم صحته؟ حسنًا، أشرح لي الروح. أشرح لي كيف لإلهك أن يكون له ساق ويد؟ فإن عجزت عن شرح الروح وماهيتها وعن شرح كيفية الاستواء وكيف يكون لله يد وساق، أتوافق أن هذا بسبب أن عقيدتك غير مفهومة لأنها غير صحيحة! إن مبدأ أحمد سبيع لهو من الخطل، فحتى علماء الاسلام يكذبونه كما سنبين بالدليل. فهذه مجرد أفعال وصفات لألهك، فكم وكم إن طلبت منك شرح ذات إلهك الواحد؟ فهذا كله لا علاقة له بالثالوث، ومع ذلك لن تستطيع أن تخط قلم فيه وأن تبدأ برد إيجابي واحد. فلماذا تطلب من غيرك الكمال في الشرح والفهم وانت لا تستطيع شرح مستَصغر الأمور؟

خامسًا: أما الجملة الأخيرة، فتستحق أن أعيد اقتباسها هنا لنرد عليها تفصيلاً، فقد قال أحمد سبيع [وهو مجرد إيمان يؤمن به المسيحيون بدون أن يستطيعوا شرحه]، فتفاجئت أن مسلم سني سلفي يقول مثل هذه الجملة! فأحمد سبيع قد تجاوز كل عقل ومنطق قبل أن يتفوه بهذه الجملة، فهو الآن يربط بين صحة الإيمان وقدرة المؤمن على شرحه! وعلى الرغم من أن الثالوث قد صُنفت فيه المصنفات وكتب فيه آباء الكنيسة كُتبًا كاملة وعظات شاملة وشروحات وافية وردود دامغة على كل الأفكار المخالفة إلا أن أحمد سبيع يربط بين قدرة المؤمن على شرح إيمانه وبين صحة إيمانه، فهنا يجب أن نتوقف ونضع أحمد سبيع أمام علماء الاسلام، لنرى كيف أن احمد لم يعرف حتى قشور عن عقيدته ويذهب لينتقد عقائد غيره.

 

يقول السدي:

{وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظموه جل جلاله حق عظمته إذ عبدوا غيره تعالى وطلبوا من نبيه صلى الله عليه وسلم عبارة غيره سبحانه قاله الحسن. والسدي، وقال المبرد: أصله من قولهم: فلان عظيم القدر يريدون بذلك جلالته، وأصل القدر اختصاص الشيء بعظم أو صغر أو مساواة، وقال الراغب: أي ما عرفوا كنهه عز وجل. وتعقب بأن معرفة كنهه تعالى أي حقيقته سبحانه لا يخص هؤلاء لتعذر الوقوف على الحقيقة، ومن هنا: العجز عن درك الإدراك إدراك… والبحث عن كنه ذات الله إشراك.[1]

 

يقول القرطبي:

قلت: وإذا كان هذا في المخلوق لا يجوز، فالأخبار عن صفات الله عز وجل كاليد والرجل والاصبع والجنب والنزول إلى غير ذلك أولى بالمنع، وأنه لا يجوز الابتداء بشيء من ذلك إلا في أثناء قراءة كتابه أو سنة رسوله، ولهذا قال الامام مالك بن أنس رضي الله عنه: من وصف شيئا من ذات الله عز وجل مثل قوله: ” وقالت اليهود يد الله مغلولة ” (1) [المائدة 64 ] فأشار بيده إلى عنقه قطعت يده، وكذلك في السمع والبصر يقطع ذلك منه، لأنه شبه الله تعالى بنفسه.[2]

 

يقول الغزالي:

القسم الثاني الفكر في جلال الله وعظمته وكبريائه

وفيه مقامان المقام الأعلى الفكر في ذاته وصفاته ومعاني أسمائه وهذا مما منع منه حيث قيل تفكروا في خلق الله تعالى ولا تفكروا في ذات الله وذلك لأن العقول تتحير فيه فلا يطيق مد البصر إليه إلا الصديقون ثم لا يطيقون دوام النظر. بل سائر الخلق أحوال أبصارهم بالإضافة إلى جلال الله تعالى كحال بصر الخفاش بالإضافة إلى نور الشمس فإنه لا يطيقه البتة بل يختفي نهارا وانما يتردد ليلا ينظر في بقية نور الشمس إذا وقع على الأرض.

وأحوال الصديقين كحال الإنسان في النظر إلى الشمس فإنه يقدر على النظر إليها ولا يطيق دوامه ويخشى على بصره لو أدام النظر ونظره المختطف إليها يورث العمش ويفرق البصر. وكذلك النظر إلى ذات الله تعالى يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل فالصواب إذن أن لا يتعرض لمجاري الفكر في ذات الله سبحانه وصفاته فإن أكثر العقول لا تحتمله بل القدر اليسير الذي صرح به بعض العلماء وهو أن الله تعالى مقدس عن المكان ومنزه عن الأقطار والجهات وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا هو متصل بالعالم ولا هو منفصل عنه قد حير عقول أقوام حتى أنكروه إذ لم يطيقوا سماعه ومعرفته. بل ضعفت طائفة عن احتمال أقل من هذا إذ قيل لهم إنه يتعاظم ويتعالى عن أن يكون له رأس ورجل ويد وعين وعضو وأن يكون جسما مشخصا له مقدار وحجم.

 فأنكروا هذا وظنوا أن ذلك قدح في عظمة الله وجلاله حتى قال بعض الحمقى من العوام إن هذا وصف بطيخ هندي لا وصف الإله لظن المسكين أن الجلالة والعظمة في هذه الأعضاء. وهذا لأن الإنسان لا يعرف إلا نفسه فلا يستعظم إلا نفسه فكل ما لا يساويه في صفاته فلا يفهم العظمة فيه نعم غايته أن يقدر نفسه جميل الصورة جالسا على سريره وبين يديه غلمان يمتثلون أمره فلا جرم غايته أن يقدر ذلك في حق الله تعالى وتقدس حتى يفهم العظمة…

 ولما كان النظر في ذات الله تعالى وصفاته خطرا من هذا الوجه اقتضى أدب الشرع وصلاح الخلق أن لا يتعرض لمجاري الفكر فيه لكنا نعدل إلى المقام الثاني وهو النظر في أفعاله ومجاري قدره وعجائب صنعه وبدائع أمره في خلقه فإنها تدل على جلاله وكبريائه وتقدسه وتعاليه وتدل على كمال علمه وحكمته وعلى نفاذ مشيئته وقدرته. فينظر إلى صفاته من آثار صفاته فإنا لا نطيق النظر إلى صفاته كما أنا نطيق النظر إلى الأرض مهما استنارت بنور الشمس. ونستدل بذلك على عظم نور الشمس بالإضافة إلى نور القمر وسائر الكواكب لأن الأرض من آثار نور الشمس والنظر في الآثار يدل على المؤثر دلالة ما وإن كان لا يقوم مقام النظر في نفس المؤثر. وجميع موجودات الدنيا أثر من آثار قدرة الله تعالى ونور من أنوار ذاته بل لا ظلمة أشد من العدم ولا نور أظهر من الوجود.[3]

 

يقول محمد بن المرتضى (ابن الوزير):

والذي وضح لي في هذا وضوحا لا ريب فيه بحسن توفيق الله أمور: أحدها أن الكلام في ذات الله تعالى على جهة التصور والتفصيل أو على جهة الاحاطة على حد علم الله كلاهما باطل بل من المتشابه الممنوع الذي لا يعلمه إلا الله تعالى لقوله تعالى ولا يحيطون به علما ولقوله تعالى ليس كمثله شيء وانما تتصور المخلوقات وما هو نحوها ولما روي من النهي عن التفكر في ذات الله والامر بالتفكر في آلاء الله ولما اشتهر عن أمير المؤمنين عليه السلام أن ذلك مذهبه حتى رواه عنه الخصوم ومن أشهر ما حفظ عنه عليه السلام في ذلك قوله في امتناع معرفة الله عز و جل على العقول امتنع منها بها واليها حاكمها ومن التفكر في الله والتحكم فيه والدعوى الباطلة على العقول والتكلف لتعريفها ما لا تعرفه حدثت هنا البدع المتعلقة بذات الله وصفاته وأسمائه فمن أكبرها قول البهاشمة من المعتزلة أن الله تعالى عن قولهم لا يعلم من ذاته غير ما يعلمونه قال بن أبي الحديد في شرح النهج وهذا مما يصرح به أصحابنا ولا يتحاشون عنه وقد كثرت عليهم الردود حتى تولى عليهم في ذلك كثير من أصحابهم المعتزلة كابن أبي الحديد وغيره حتى قال في ذلك قصائد كثيرة بليغة.[4]

 

يقول محمد الأمين الشنقيطي:

فالجواب من وجهين:

الوجه الأول: أن العرب لا تدرك كيفيات صفات الله من لغتها، لشدة منافاة صفة الله لصفة الخلق. والعرب لا تعرف عقولهم كيفيات إلا لصفات الخلق، فلا تعرف العرب كيفية للسمع والبصر، إلا هذه المشاهدة، في حاسة الأذن والعين، أما سمع لا يقوم بإذن وبصر لا يقوم بحدقة، فهذا لا يعرفون له كيفية ألبتة. فلا فرق بين السمع والبصر، وبين اليد والاستواء، فالذي تعرف كيفيته العرب من لغتها من جميع ذلك، هو المشاهد في المخلوقات. وأما الذي اتصف الله به من ذلك، فلا تعرف له العرب كيفية، ولا حداً لمخالفة صفاته لصفات الخلق، إلا أنهم يعرفون من لغتهم أصل المعنى، كما قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. كما يعرفون من لغتهم، أن بين الخالق والمخلوق، والرزق والمرزوق، والمحيي والمحيا، والمميت والممات. فوارق عظيمة لا حد لها، تستلزم المخالفة، التامة، بين صفات الخالق والمخلوق.

الوجه الثاني: أن نقول لمن قال: بينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما ذكرتم، من كونها صفة كمال، وجلال، منزهة عن مشابهة جارحة المخلوق. هل عرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة باليد، فلا بد أن يقول: لا. فإن قال ذلك. قلنا: معرفة كيفية الصفات تتوقف على معرفة كيفية الذات. فالذات والصفات من باب واحد. فكما أن ذاته جل وعلا تخالف جميع الذوات، فإن صفاته تخالف جميع الصفات. ومعلوم أن الصفات، تختلف وتتباين، باختلاف موصوفاتها. ألا ترى مثلاً أن لفظة رأس كلمة واحدة؟ إن أضفتها إلى الإنسان فقلت رأس الإنسان، وإلى الوادي فقلت رأس الوادي، وإلى المال فقلت رأس المال، وإلى الجبل فقلت رأس الجبل. فإن كلمة الرأس اختلفت معانيها، وتباينت تبايناً، شديداً بحسب اختلاف إضافتها مع أنها في مخلوقات حقيرة.[5]

 

يقول ابن عادل الدمشقي:

وقد كان السَّلَفُ الأولُ – رضي الله عنهم – لا يقولون بنفي الجهةِ ، ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكَافَّةُ بإثْبَاتِهَا لله – تعالى – كما نَطَقَ كِتَابهُ ، وأخبرت [ رسله ] ، ولم ينكر أحدٌ من السَّلَفِ الصَّالِح أنَّهُ استوى على عَرْشِهِ حقيقة ، وخُصَّ العَرْشُ بذلك ؛ لأنَّهُ أعْظَمُ مخلوقاته وإنما جهلوا كيفية الاسْتِوَاءِ ، فإنَّهُ لا تُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ ، كما قال مالكٌ – رحمه الله – : ” الاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ – يعني في اللغة – والكيْفُ مَجْهُولٌ ، والسُّؤالُ عن هذا بِدْعَةٌ ” ، وكذلك قالت أمُّ سلمة – رضي الله عنها – ، وهذا القدرُ كافٍ.[6]

فكل هذه الاقتباسات أنما هي ترد على أحمد سبيع، في كونه لا يعرف حتى الأفعال والصفات والأسماء التي لله، فضلا عن معرفة ذات الله نفسه! كل هذا وهو يؤمن بإله واحد كما يدعي. إذن فالمشكلة ليست في كوننا نؤمن بالثالوث القدوس المتحد في الجوهر، بل في كون طبيعة الله غير موصوفة وغير مختبرة.

اقتباس

فمعنى الكلام أن الأقانيم هي ذوات أو أشخاص، والمسيحي ينكر أنه يؤمن بثلاث أشخاص رغم أن هذا من صميم دينه، لكن طبعا لأنه عايش في مجتمعات صعب تقبل فكرة تعدد الألهه حاليا، فبيلفوا ويدوروا عشان يفسروا الثالوث على أنه مش تعدد.

أولاً: هذا الكلام لا يسوى الوقت الذي استمعنا إليه فيه. فكله أكاذيب. فالمسيحي الذي يرفض الشخص، يرفض فهمك أنت للفظ شخص، كما أنك تؤمن بـ”الله” وترفض اعتقاد العرب الوثنيين قبل الإسلام في نفس هذا الاسم “الإله” فاللفظ يجب أولا أن يتم تحرير معناه لنعرف، هل ما نؤمن به هو ما تقصده أنت أم لا؟ فإن كان هو نفسه، فسنوافقك، وإن كان لا، فسنرفض اللفظ لا لعيب في اللفظ بل لعيب في فهمك له.

ثانيًا: بعد هذا ينتقل أحمد إلى كذبة جديدة ويقول أن المسيحي بسبب أنه يعيش في مجتمعات لا تقبل تعدد الآلهه فهو يلجأ للف والدوران. ولست أعرف لماذا ينسى أحمد سبيع كلام أحمد سبيع نفسه؟! أليس هو القائل منذ قليل أن المسيحين يؤمنون “بإله واحد”؟ فكيف يؤمن أحمد سبيع أن المسيحيون يؤمنون بإله واحد، ويؤمن أيضا أنهم يؤمنون بتعدد الآلهه؟ أليس هذا يبين أن أحمد سبيع لا يعرف ما يقول ولا يعرف عقيدة المسيحين من الأساس؟ أما للرد على كلامه، فالمسيحي يؤمن بالعهد القديم الذي يكتظ بشواهد يؤمن بها بأن الإله واحد، ويؤمن أيضا بالعهد القديم الذي يمتليء بالشهادات عن أن الله واحد، فكيف يؤمن أي مسيحي بتعدد الآلهه؟! هذا إبتداءً. والمسيحيون يعيشون قبل أن يأتي الإسلام بقرابة ستة قرون، كانوا يقولون فيها ما يقولوه الآن، لكن مع عقول كانت تفهم ما يقولوه أكثر من الآن من المعارضين. فشروحات الآباء الكبار للثالوث كلها كانت قبل القرن السابع الميلادي فما علاقة وجودنا في مجتمعات لا تقبل تعدد الآلهه بشرحنا للثالوث؟ فنحن نشرحه بذات الشرح حتى قبل أن يكون هناك شيء أسمه إسلام، فدعك من الكذب الرخيص.

ثالثًا: مرة أخرى يعود أحمد سبيع لأمله في أن يفسر أحد ذات الله، وهل لهذا سبيل؟ أحمد ينسى أنه لا يستطيع حتى التفكر في بعض مخلوقات الله، ولكنه يتذكر أن المسيحي لا يستطيع شرح ذات الله الخاصة! لماذا يكيل بمكاييل؟

رابعًا: الثالوث ليس ثالوثا للألوهية، أي لطبيعة الجوهر، فليس لاهوت الإبن بآخر عن لاهوت الروح القدس عن لاهوت الآب، بل هو لاهوت واحد وطبيعة واحدة لأنه إله واحد فقط وليس إثنين أو ثلاثة. إنما الثالوث هو أن كل أقنوم له نفس ما للأقنوم الآخر من اللاهوت، حتى قال الآباء أن الصفات الأقنومية هي الصفات الوحيدة التي تميز تمييزا عقليا بين الأقانيم، فأقنوم الآب يميزه عن الأقنومين الآخرين عقليًا فقط هو كونه آبا، فهذه صفته الأقنومية، وأقنوم الإبن يميزه عن الأقنومين الآخرين عقليا فقط هو كونه إبنا، وأقنوم الروح القدس يمزيه عن الأقنومين الآخرين عقليًا فقط هو كونه منبثقا. ولا يوجد أي خلاف آخر بين الأقانيم، فالأقانيم ليست خروجا عن ذات الله الواحد فنعدده إلى إله وإله وإله، بل دخولا إلى ذات الإله الواحد فنعرفه أكثر في عمقه بحسب ما أعلن لنا عن كونه جوهر واحد وثلاثة أقانيم، فالأقانيم هي زيادة معرفة عن طبيعة الله الواحد، وليست تغييرًا لطبيعته كواحد فقط.

 

اقتباس

عرض أحمد سبيع فيديو للأنبا رافائيل، من عام 2004، وجاء فيه:

أولاً: وبمجرد سماعك لهذا الفيديو المبتور، ستعرف أنه مبتور وان الإقتصاص من الفديو قد غير معناه الحقيقي، فكيف لأسقف في الكنيسة بل كيف لمسيحي أن يقول أننا نؤمن بالثالوث، لو كان يقصد أن هذا ضد الإيمان بوحدانية الإله؟ فحتى إن كنت مسلمًا عارفًا من هو هذا الأسقف الذي تسمعه ستعرف أن هذا الكلام الذي سمعته بأذنيك هو غير حقيقي لأنه مبتور، وهذا واضح، ولهذا، رجعت للعظة كاملة التي إقتطع منها احمد سبيع هذا المقطع وجمعت عدد المرات التي قال فيها الأنبا رافائيل أن المسيحية تؤمن بإله واحد (طبيعة واحدة) وثلاثة أقانيم:

https://www.youtube.com/watch?v=5xf8RYkjdho

وهذه مجرد عيّنة مما قاله الأنبا رافائيل، الغريب والعجيب أن أول كلمة قالها الأنبا رافائيل في الفيديو الكامل الذي إقتطعه أحمد سبيع، كانت هي “إله واحد متحد وغير منفصل”! فهذه كانت أول كلمة وليست مثلا الكلمة الثانية أو الثالثة. فترى، لماذا التدليس؟

ثانيًا: هل هذا هو الفيديو الوحيد للأنبا رافائيل الموجود على يوتيوب لكي يفهم منه أحمد سبيع كلام الأنبا رافائيل؟ بالطبع لا، فإلى اليوم هناك أكثر من 7 فيديوهات أخرى للأنبا رافائيل عن ذات الموضوع. فلو كان أحمد سبيع صادقًا وطالبًا للحق، كان سيرجع لهذه الفيديوهات ليعرف أن ما فهمه ليس هو الصحيح بل هو الكذب بعينه. والأغرب من ذلك، هل الأنبا رافائيل هو الوحيد الذي يشرح الثالوث المسيحي على بين كل المسيحين على اليوتيوب؟ أفلا يوجد غيره من الفيديوهات لمعرفة ما يؤمن به المسيحيون متى استعصى كلامه البسيط على عقلك؟ هناك الكثير من الأساقفة والكهنة والدكاترة على اليوتيوب ستجدهم يشرحون الثالوث ووحدانية الإله في المسيحية. هذا بخلاف الكتب التي يوجد منها العشرات المنشورة هنا وهناك. فأحمد سبيع لو كان يريد أن يعرف حقيقة إيمان المسيحين لما كان هذا بالصعب عليه، فأمامه فيديوهات لنفس الشخص الذي بتر الفيديو له، وأمامه فيديوهات لآخرين على نفس الموقع الذي اقتطع منه الفيديو، وهناك عشرات المؤلفات التي كان يمكنه الرجوع إليها، لكن ماذا نقول؟ إنه التدليس وعدم الرغبة في الهداية.

ثالثًا: ألم يقل أحمد سبيع بنفسه أننا نؤمن بإله واحد؟! فهل نسى كلامه سريعًا هكذا!

رابعًا: كلمة “توحيد” على وزن “تفعيل” وهي ستعني أننا لدينا أكثر من إله ونقوم بتوحيدهم. وهذا خاطئ، فالمسيحية لا تؤمن إلا بإله واحد، أي بلاهوت واحد فقط، وثلاثة أقانيم لهم نفس هذا اللاهوت وليس مخالفا عنه. ولهذا سنجد الأنبا رافائيل عندما قال إن الـ”توحيد” مسلط علينا، أجاب بعدها مباشرة على نقطة أخرى وهي “جعل الآب هو الابن والابن هو الآب” وقال حرفيا “الآب غير الابن”، فكلام الأنبا رافائيل واضح لمن لديه عقل، وهو أننا لا نوحد الأقانيم بمعنى أننا لا نوحدهم في “أقنوم” واحد.

 

هل كان الآباء الأولين يفهمون الثالوث بسهولة؟

في هذا الجزء، يحاول أحمد سبيع أن يقول ان حتى الآباء الأولين لم يكونوا يفهمون الثالوث بسهولة، أو كانوا يفهمونه بطريقة خاطئة. فماذا فعل؟ أتى باقتباس للقديس يوستينوس الشهيد مبتور كعادته ولم يقرأ إلا هو، وفهم من كلامه أنه يؤمن بالتبعية، ويقصد أن يوستينوس يؤمن أن الابن أقل من الآب في اللاهوت! تخيلوا؟! ثم أتى بكتاب يقول عن أوريجانوس أنه تم اتهامه بذات البدعة (لاحظ أن الكتاب الذي أتى به لا يقول إن أوريجانوس قد وقع في التبعية حتى، بل يقول إنه تم اتهامه بها)، وهكذا عن العلامة ترتليان. ومجرد سماع هذا الكلام من ناقد محقق، أو من قارئ للآباء بعمق، سيجعله يضحك ويشفق على حال أحمد سبيع، ولكيلا نطيل عليكم، سنضع لكم اقتباسات مباشرة من هؤلاء الثلاثة الذين تكلم عنهم أحمد، وفي هذه الاقتباسات ستجدهم يصرحوا حرفيا بلاهوت المسيح وانه يهوه نفسه في مواضع معينة معبرين بذلك عن مساواة الابن والآب.

يوستينوس الشهيد:

لأن هؤلاء الذين يؤكدون أن الآب هو الابن أثبتوا انهم لم يعاينوا الآب ولا حتى عرفوا أن أبو الكون (الآب) له ابن. الذي هو (الابن) ايضًا بكر الله وكلمته، وهو أيضاً الله. وقديماً ظهر في شكل نار وصورة ملاك لموسى والأنبياء الآخرين. لكنه الآن في زماننا ـ وكما قلنا من قبل ـ تجسد من عذراء، بمشورة الآب من أجل خلاص المؤمنين به. وتحمل الهوان والمعاناة. لكي بموته وقيامته مرة أخرى يغلب الموت، وهذا الذي قاله من العليقة لموسى سابقًا “أكون الذي أكون أنا إله إبراهيم وإله أسحق وإله يعقوب، إله آبائك” (خر3: 6)؛ يوضح أن هؤلاء بالرغم من كونهم ميتين إلا أنهم موجودون وانهم رجال ينتمون للمسيح نفسه. لأنهم كانوا أول البشر الذين شغلوا بالبحث عن الله، و إبراهيم هو أبو اسحق و اسحق أبو يعقوب كما كتب موسى.[7]

 

وقال تريفو: لقد سمعنا رأيك في هذه الأمور فأكمل كلامك من حيث توقفت ومن ثمّ قم بإنهائه، لأنه بعضه يبدو لي أن لا يعقل وغير قابل للإثبات. حيث عندما تقول بأن هذا المسيح هو الله الكائن قبل الدهور، الذي وافق على أن يولد ويصير إنسانًا مع أنه ليس من أصل بشرى لا يبدو لي متناقضًا فقط بل مناف للطبيعة والعقل.[8]

على سبيل المثال، هم علموكم أن هذا النص المقدس الذي نناقشه الآن يشير إلى حزقيا، وكما وعدتك أني سأثبت خطأهم، فهم يضطرون للموافقة على أن بعض النصوص التي ذكرناها لهم والتي تثبت بوضوح أن المسيح لابد أن يتألم ويُعبَد (او: يسجد له) ويدعى الله تشير إلى المسيح. ولكن معلميكم ينكرون بجسارة أن هذا الرجل هو المسيح، ولكنهم يعترفون أنه سوف يأتي ليتألم ويحكم ويُعبَد (او: يسجد له) كـ”الله”.[9]

قلت: ولكن يا تريفو لو كنت تعلم من هو الذي دعيّ ذات مرة حزقيال ملاك المشورة[10] وإنسانًا بواسطة حزقيال، ومثل ابن إنسان يدعوه دانيال، وولداً بواسطة أشعياء، ويدعوه داؤود الله والمسيح لكي يُعبَد، ويدعوه (أنبياء) كثيرون مسيحًا وحجرًا، ويدعوه سليمان الحكمة، ويدعوه موسى يوسف ويهوذا والنجم، ويدعوه زكريا الشرق، ويدعوه أشعياء أيضا المتألم ويعقوب وإسرائيل والعصا والزهرة وحجر الزاوية وابن الله، لو كنت تعلم ما جدفت عليه، ذاك الذي الآن قد اتى ووُلدَ وتألمَ وصعد إلى السماوات والذي سيأتي أيضاً مرة أخرى، حينئذ تبكى وتنوح عليه أسباطكم الاثني عشر.[11]حقًا لو أنكم فهمتم ما كتبه الأنبياء لما أنكرتم أنه الله وابن الإله غير الموصوف (المرئي) والمولود (الآب).[12]

 

أوريجانوس:

العبارة: “تعرفونني وتعرفون من أين أنا” (يو ٧: ٢٨) خاصة بشخصه كإنسانٍ، أما العبارة “لستم تعرفونني أنا ولا أبي” فخاصة بلاهوته… فمن الواضح أن كلمات القوم الذين من أهل أورشليم: “هذا نعلم من أين هو” (يو ٧: ٢٧) تشير إلى حقيقة أنه وُلد في بيت لحم (مت ٢: ١). وقد عرفوا أنه ذاك الذي أمه تُدعى مريم وأن اخوته (أبناء خالته) هم يعقوب ويوحنا وسمعان ويهوذا (مت ١٣: ٥٥). لهذا شهد للقائلين: “هذا نعلم من أين هو” قائلاً: “تعرفونني وتعرفون من أين أنا”. لكنه حينما تحدث مع الفريسيين قال: “وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق، لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب”، إذ كان يتحدث عن طبيعته الإلهية، كشخص يتحدث عن الأساس الذي به هو بكر الخليقة (كو ١: ١٥).[13]

أن السيّد أعلن لاهوته للذين صعدوا على الجبل العالي، أمّا للذين هم أسفل فظهر لهم في شكل العبد. إنه يسأل من يشتاق أن يتعرّف على حقيقة السيّد ويتجلّى قدامه أن يرتفع مع يسوع خلال الأناجيل المقدّسة على جبل الحكمة خلال العمل والقول.[14]

تأمَّل الرسل الله الكلمة لا بكونهم قد أبصروا المسيح المخلِّص المتجسّد، بل رأوا الله الكلمة (هنا لا يقصد انفصال المسيح إلى شخصين إنما يؤكِّد التزامنا إدراك حقيقة المخلِّص المتجسّد وبالطبع الرؤية هي رؤية إيمانية). لو كانت رؤيّة المسيح بالجسد (مجردًا) يعني رؤيّة الله الكلمة، لكان هذا يعني أن بيلاطس الذي أسلم يسوع قد رأى الكلمة، وكذا يهوذا الذي أسلمه وكل الذين صرخوا: “أصلبه أصلبه”. هذا الفكر بعيدًا عنه تمامًا، إذ لا يستطيع غير المؤمن أن يرى كلمة الله. رؤيّة الله الكلمة أوضحها المخلِّص بقوله: “الذي رآني فقد رأى الآب”[15].

صمت زكريَّا هو صمت الأنبياء عند شعب إسرائيل، فلا يتكلَّم الله بعد مع اليهود بينما جاء الله الكلمة الذي من البدء. لقد صار معنا المسيح الذي لا يصمت، لكنه صامت حتى يومنا هذا بالنسبة لليهود.[16]

إن كان ليس هو إله أموات بل أحياء، وكما أنه هو إله إبراهيم واسحق ويعقوب فهو إله بقية الأنبياء، والأنبياء هم أحياء، إذ حفظ هؤلاء كلمة ابن الله عندما جاءت كلمة الله إلى هوشع وإلى إرميا وإلى أشعياء. فإنه ليست كلمة الله جاءت إلى أي واحدٍ منهم سوى ذاك الذي من البدء مع الله، ابنه، الله الكلمة.[17]

 

العلامة ترتليان:

ان النطق العبري لعمانوئيل، له ترجمة او تفسير الذي هو “الله معنا”. أستفسر، اذن فيما إذا العبارة “الله معنا” التي هي عمانوئيل، استعملت اعتياديا للمسيح من حين لاح فجر نور المسيح، واظن لن تقدر ان تنكر ذلك. لان اللذين من اليهودية امنوا بالمسيح من اول ايمانهم به، وكلما ارادوا ان يقولوا عمانوئيل، يشيروا الى ان الله معنا، وهكذا اتفق ان الذي تم التنبؤ عنه كعمانوئيل هو الان وسطنا، لان ذاك الذي يشار اليه عمانوئيل قد جاء – الذي هو، الله معنا.[18]

لانالله وحده بلا خطية، والرجل الوحيد الذي هو بلا خطية هو المسيح، لان المسيح هو الله ايضا.[19]

والان رغم ان المسيح هو الله، مع ذلك، كونه ايضا انسان، مات حسب الكتب، وحسب الكتب ذاتها دفن.[20]

الآن، من الضروري ان نبين ما كان السبب المسبق لابن الله يولد من عذراء. إن الذي كان سيقدس ترتيباً جديداً للولادة، ينبغي انه هو بنفسه يولد على اسلوب الرواية، فيما يتعلق بنبوة أشعياء وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً. ماذا اذن هي الآية؟ “هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا”. وفقا لذلك، حبلت عذراء وولدت عمانوئيل، الله معنا هذه هي الطبيعة الجديدة؛ انسان يولد في الله. وفي هذا الانسان الله ولِدَ، اخذاً جسداً من سبط قديم، بدون معونة بذر قديم أيا كان، لكي يقدر ان يكون نسل جديد، على نحو روحي، ويطهره بطرح كل اللطخات او البقع القديمة.[21]

هذه الشجرة هي التي نوه عنها ارميا، عندما كان يتنبأ لليهود، قَائِلِينَ: «لِنُهْلِكِ الشَّجَرَةَ بِثَمَرِهَا، (الخبز) من ذلك هو جسده. لذلك قال الله في انجيلك الخاص بك وحتى كشف المعنى المخفي، عندما دعا الخبز جسده؛ حتى فيما بعد تفهم أنه قد أعطى لجسده هيئة الخبز، الذي جسده تحول رمزيا الى الخبز بحسب النبي في العهد القديم، والرب نفسه يصمم بإعطاء التفسير للسر.[22]

اقول لكم كيف ان ايمانها كان يفوق الكل او اعظم من الكل: جعلها تؤمن ان الهها فضل الرحمة حتى لو قادته الى التضحية والفداء؛ كانت متأكدة ان الهها يعمل من خلال المسيح؛ لمسته ولهذا، فليس لكونه انسانا مقدسا بكل لبساطة، ولا لكونه نبيا، الذي عرفته بانه قادر ان لا يتلوث في طبيعته البشرية، ولكن لأنه الله الحقيقي، الذي توقعت انه بما لا يقاس من كل احتمالات التلوث او الفساد باي شيء غير طاهر.[23]

تعلَّمنا أن الابن خرج من الله الآب، وبخروجه هذا قد وُلِدَ من الآب. إذن فهو ابن الله، ويُدعى الله لأجل وحدته مع الآب في الجوهر… فحتى شعاع الشمس عندما يخرج منها، يظل متّصلاً بها. وتظلّ الشمس في الشعاع لأنه منها. فلا يوجد إذن تقسيم في الجوهر، فالشعاع هو مجرد امتداد للشمس… هكذا المسيح هو روح من روح، وإله من إله. مثل شمعة مضيئة تُوقَد من شمعة مضيئة، فيظل لهب الشمعة الأصلية بكامله دون أن يتأثر، على الرغم من أنه قد يُوقَد منه أي عدد من الشمعات الأخرى التي لها لهب بنفس الصفات. كذلك أيضًا الذي خرج من الله (الآب) هو بآنٍ واحدٍ الله وابن الله، والاثنان هما واحد “.[24]

نؤمن حقا أنه يوجد إله واحد، ونؤمن تحت هذا التدبير، أو كما نسيمه الأيكونوميا (οικονομια)، أنه يوجد أيضاً ابن لهذا الإله كلمته المولود منه والذي به كل شيء كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. ونؤمن أنه أُرسل من الآب إلى عذراء وولد منها، إله وإنسان، ابن الإنسان وابن الله، ودعي باسم يسوع المسيح. ونؤمن أنه تألم بحسب الكتب ومات ودفن وقام ثانية بواسطة الآب ليسترد مكانه في السماء وجلس عن يمين الآب. وسيأتي ليدين الأحياء والأموات. ونؤمن أنه أرسل الروح القدس، البارقليط، من الآب، بحسب وعده، ليقدس إيمان هؤلاء الذين يؤمنون بالآب والابن والروح القدس”.[25]

 

فكل هذه النصوص تصرخ في وجه أحمد سبيع وتقول له: أنك على خطأ، فقد وصفوا المسيح بأنه الله نفسه، فهل الله أقل من الله؟ لكن، أريد هنا افتراض صحة ما قاله سبيع، فإن كان هناك من أخطأ في فهم الثالوث ومن أصاب، أفلا يدل هذا على إمكانية فهم الثالوث بحسب كلامك أنت؟ فأنت قد وسمت أوريجانوس ويوستينوس وترتليانوس بأنهم رغم قربهم لعهد كتابة الأناجيل إلا أنهم لم يستطيعوا استيعاب فكرة الثالوث ووجود إله وإله وإله (بحسب كلام أحمد نفسه)، أفلا يدل النقيض على النقيض؟ بمعنى، أفلا يدل فهم الآخرون للثالوث أنه يمكن فهمه كما فهموه هم؟! أم أنك ستتشدق بمن لا يفهموه (حسب رأيك) وتترك من فهموه؟

فأنت وسمت هؤلاء الثلاثة بأحد إحتمالين، إما أنهم لا يفهمون، أو أن العقيدة لا يمكن فهمها وشرحها ولا يؤمن بها إلا من يلغي عقله. فهل يدل فَهَم الآخرون لها أنهم يفهمون وأن العقيدة يمكن فهمها وشرحها ولا يؤمن بها إلا من يُعمل عقله؟ فحتى منطقيًا، وفي العلوم الطبيعية، تجد أفهام الناس مختلفة متفاوتة في الطباع والقدرات، فلا يدل عدم فهم أحدهم على خطأ العلم نفسه، لأن غيره يفهمه، فما بالك أن هذه العقيدة آمن بها المليارات منذ آلاف السنوات؟ فمع خطأ كلامك ومنطقك كاملاً، إلا أننا حين نتبعه ستكون أنت المخطيء الخاسر أيضًا، فأنظر ما فعلته بنفسك، فحتى كلامك لا ينصفك.

 

اقتباس

الثالوث هو نتيجة واضحة لإختلاط المسيحية بالوثنية، لذلك قالوا: حينما دخلت المسيحية روما لم تصبح روما مسيحية، بل أصبحت المسيحية رومانية.

إنه لشيء جميل يدعو للرأفة بحال أحمد سبيع أن يقتبس أحمد سبيع المسلم، من مسلم آخر كلام عن المسيحية ويعتبره حجة أو شهادة ضد المسيحية! فأحمد سبيع الذي لم يذكر مصدر هذا القول، وربما لا يعرف مصدره يقول “لذلك قالوا” فمن هم الذين قالوا؟! إنه عبدالجبار الهمذاني المتوفى 415هـ. فهل كلامه له وزن أو قيمة عندنا ليستشهد به علينا؟ ماذا لو قام أحد المسيحين باقتباس نقد ما من شخص مسيحي آخر؟ أهذا منطق. على كلٍ، تعودنا من هؤلاء عدم الخوض معهم في أمور المنطق، فلا هم يفهموها ولا يريدوها.

إن ادعاء ان عقيدة الثالوث هي عقيدة وثنية، لهو ادعاء يدعو للسخرية من قائله وذلك لعدة أمور:

أولاً: إن المسيحية نشأت في مجتمع يهودي صِرف، على يد يهودٍ صِرف وهم المسيح الذي هو بحسب الناموس يهودي، والتلاميذ الاثني عشر، وأغلب الرسل كانوا من اليهود، وتكلم المسيح والرسل عن الثالوث في مجتمع يهودي قبل خروج المسيحية للبشارة للأمم، فما علاقة الثالوث الذي أعلنه المسيح ورسله في اليهودية بين اليهود بدخول المسيحية إلى روما بعد هذا؟ إن أحمد سبيع يتخبط ولا يعرف ما يقول ليثبت فكرته الهشة. فاليهود، وبالأخص في هذا العصر، كان لديهم الطوائف المتزمتة والحرفية للنصوص، والتي تتصارع فيما بينها فيمن تكون الطائفة الأفضل في فهم الناموس وتنفيذه، أهم الصدوقيين؟ أم الكتبة أم الفريسيين؟ فكان الرب يسوع حتى ينتقد تقاليدهم وأفهامهم الحرفية للعهد القديم، فكيف يأتي شخص بعد هذا ليتهم المسيحية بأنها أخذت الثالوث من الوثنية؟ ألم يتكلم عنه المسيح في حياته شارحًا من هو الآب والابن والروح القدس؟! عجبًا.

ثانًيا: إن الكتاب المقدس بعهديه مكتظ بالنهي عن التشبة بالوثنيين بل بمجرد الاشتراك معهم في شيء، والحث على عدم فعل ما يفعلون ولا قول ما يقولون ولا حتى الأكل معهم، فكيف للمسيحية إذن أن تأخذ عقائدها من الوثنية؟! هذه بعض النصوص:

1Co 5:11 وأما الآن فكتبت إليكم: إن كان أحد مدعو أخا زانيا أو طماعا أو عابد وثن أو شتاما أو سكيرا أو خاطفا أن لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا.

1Co 6:9 أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله؟ لا تضلوا! لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور.

1Co 10:19-21 فماذا أقول؟ أإن الوثن شيء أو إن ما ذبح للوثن شيء؟ 20 بل إن ما يذبحه الأمم فإنما يذبحونه للشياطين لا لله. فلست أريد أن تكونوا أنتم شركاء الشياطين. 21 لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس شياطين. لا تقدرون أن تشتركوا في مائدة الرب وفي مائدة شياطين.

1Co 10:28 ولكن إن قال لكم أحد: «هذا مذبوح لوثن» فلا تأكلوا من أجل ذاك الذي أعلمكم والضمير. لأن للرب الأرض وملأها

2Co 6:15-17 وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟ وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟ 16 وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان؟ فإنكم أنتم هيكل الله الحي، كما قال الله: «إني سأسكن فيهم وأسير بينهم، وأكون لهم إلها وهم يكونون لي شعبا. 17 لذلك اخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجسا فاقبلكم.

ثالثًا: إن مجرد النظر لتاريخ المسيحية عموما، وتاريخ روما خصوصًا، يخبرنا أن ما يقوله أحمد سبيع هو مجرد كلامًا لا قيمة له ولا يسوى الجهد المبذول في ذِكره أو الرد عليه. فالمسيحيون عموما، وفي روما خصوصًا، قد عانوا كثيرًا بسبب تضييق الولاة الرومان عليهم، حتى بولس الرسول نفسه لم يسلم منهم عندما رفض آلهتهم وعباداتهم، فتعرض المسيحون للتضييق في الحياة والعبادة وتعرضوا للسجن والتعذيب والقتل، وكل هذا لأجل ألا يتركوا عبادة الإله الحقيقي يسوع المسيح ويعبدون ويبخرون للأوثان، ولم يحدث هذا في عام أو إثنين، بل أن هذه كانت سمة المسيحية في القرون الثلاثة الأولى، حتى أنهم المسئولون عن استشهاد القديسين بولس وبطرس. كل هذا ثم يأتي أحمد سبيع من على سريره ليتفوه بمثل هذه الكلمات الداعية للسخرية منه.

 

إلى ههنا أعاننا الرب، ويُعين..

 

 

[1] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي – جـ18، صـ 16.

[2] تفسير القرطبي، جـ 11، صـ256. الشاملة.

[3] إحياء علوم الدين – محمد بن محمد الغزالي أبو حامد – دار المعرفة – بيروت – جـ4، صـ434. الشاملة.

[4] إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات الى المذهب الحق من أصول التوحيد: محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي – دار الكتب العلمية – بيروت، صـ91. الشاملة.

[5] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني الشنقيطي – دار الفكر للطباعة والنشر – بيروت – 1415هـ – 1995م – مكتب البحوث والدراسات. جـ7، صـ 276. الشاملة.

[6] اللباب في علوم الكتاب: أبو حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي الحنبلي – دار الكتب العلمية – بيروت / لبنان – 1419 هـ -1998 م – تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض – جـ9، صـ144.

[7] Justin Martyr. (1997). The First Apology of Justin [The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus.]. In The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus. (184). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[8] Ibid. (219).

[9] Ibid. (233).

[10] النص اليوناني لكلام يوستينوس في هذا اللقب هو ” ἄγγελος μεγάλης βουλῆς” وهو مأخوذ من النص اليوناني السبعيني لسفر أشعياء حيث جاء فيه اللقب “Μεγάλης βουλη̂ςἄγγελος “.

[11] زكريا 12: 10: وافيض على بيت داود وعلى سكان اورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون اليّ الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره.

[12] Ibid. (262).

[13] Commentary on John, Book 19:7, 10.

[14] In Matt. 17.

[15] In Luc. hom 1: 5.

[16] In Luc. hom 5: 1.

[17] Commentary on John, Book 20: 398.

[18] Tertullian. (1997). An Answer to the Jews S. Thelwall, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (161). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[19] Tertullian. (1997). A Treatise on the Soul P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (221). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[20] Tertullian. (1997). A Treatise on the Soul P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (231). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[21] Tertullian. (1997). On the Flesh of Christ P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (536). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[22] Tertullian. (1997). The Five Books against Marcion P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (337). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[23] Tertullian. (1997). The Five Books against Marcion P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (380). Oak Harbor: Logos Research Systems.

[24] ANF, Vol. III, p. 34. مقتبس عن كتاب القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير: لاهوت المسيح حقيقة كتابية تاريخية أم تأليف مجمع نيقية؟ – صـ28.

[25] Against Praxeas, ch 1, 2. مقتبس عن كتاب القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير: لاهوت المسيح حقيقة كتابية تاريخية أم تأليف مجمع يقية؟ – ص29.

 

الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

ثقبوا يدي ورجلي – الدكتور منقذ السقار بين الأسود والثقوب

ثقبوا يدي ورجلي – الدكتور منقذ السقار بين الأسود والثقوب

ثقبوا يدي ورجلي – الدكتور منقذ السقار بين الأسود والثقوب

الدكتور منقذ السقار بين الأسود والثقوب – ثقبوا يديّ ورجليّ

قد كتب منذ حوالي 16 ساعة الدكتور مُنقذ منشوراً على صفحته عجيباً وغريباً بدرجة عالية الغرابة!، لا أريد انا اسأل الدكتور مُنقذ عن أمانته ومجهوده البحثي هذه المرة على قدر ما أريد ان اسأله إذا كان يستخدم عقله، هل حقاً استخدمت عقلك قبل ان تكتب ما كتبت على صفحتك الشخصية؟ لاحظوا ان لا اسأله اذا كان استخدم عقله بشكل صحيح أم خاطئ وكيف اعتنق فكرة مُعينه ولم يعتنق فكرة أخرى، لكني أساله إذا كان استخدم عقله من الأساس أم لا، لأن ذلك موضع شك كبير لدي، لأن من الواضح ان ” الدكتور ” لا يفهم ما تحدث عنه لا بشكل صحيح أو بشكل خاطي هو لم يفهم الموضوع مُطلقاً !، والغريب انه يُطلق عبارات فضفاضة ومطاطية جداً لا تخرج سوى من شخص بعيد تماماً عن البحث الكتابي، سنعرف ما هي تلك العبارات في تعليقنا على ما قال، سأنقل لكم ما كتبه ” الدكتور ” وهو ليس شبهه لأنه لا يرقى لنسميها شبهه حتى وليست مقالة بحثية ( كفى الله الشر ) ولكنها دُعابة موسم الصيف، ربما أراد الدكتور أن يرسم الابتسامة والفرحة على وجوه متابعيه فكتب ما كتب، لنبتسم ونضحك فنحن الرابحون.

 

يقول “الدكتور”:

إنتهى كلام الدكتور

 

رغم إن ما قاله الدكتور إذا تم إلصاقه ببعضه لا يُمثل أكثر من ثلاث سطور تقريباً، الا ان كم السخف يُضاعف أضعاف حروف ما كتبه، لك ان تتخيل ان يبتدأ كلامه بقوله ان الكلمتان مُتشابهتان ويبتعد تماماً وقوع خطأ عفوي نسخي بين الكلمتين الذي يُفرق بينمها حرفاً واحداً، فحرف ” يود ” وحرف ” فاف “، ربما يميزهم فقط سحب خط الى أسفل لا أكثر، رغم ذلك يقول الدكتور ان الكلمة تم تغيرها بهدف واحد وهو تحويلها الى نبوءة !، ويدعي إن ذلك تحريفاً لإنه قد وضع منشوره من ضمن ألبوم ” تحريف الكتاب المُقدس… ” الم أقل لكم انني في شك إذا ما كان ” الدكتور ” قد استخدم عقله؟ فمن أين أتى الدكتور ان هذا تحريف؟

 

يقول ” الدكتور”: “.. قراها اليهود (كأسد، كآري).. بينما رأى النصارى ان بإمكانهم تحويلها إلى نبوءة بتغيير حرف واحد.. فغيروه.. وقرأوها (ثقبوا، كآرو)”

 

هل رأيتم مثل هذه البجاحة؟، عفوا لم أجد تعبيراً أخر يُمثل ما قاله الدكتور مُنقذ إنه تبجح بالفعل، وهذا مثال لما قلته انا، ان الدكتور يستخدم تعابير فضفاضة ومطاطيه، هكذا يقول ” اليهوووود” وكأن اليهود هم فئة ظهرت مساءاً وانتهت صباحاً وجميعهم قرأ النص ” كأسد ” من هم من تُشير لهم باليهود؟ الا تعلم ان مُترجمي الترجمة اليونانية للعهد القديم (السبعينية) ترجموها الى ” ثقبوا “؟ الا تعرف ان هذا النص في مخطوطات قمران الذي أعده يهود أيضاً يقرأ ” ثقبوا “؟ في هامش نُسخة NIV تقول ان مخطوطات البحر الميت (قمران) وبعض مخطوطات النص الماسوري والترجمة السبعينية والترجمة السريانية تقرأ (ثقبوا)، ومعظم مخطوطات النص الماسوري تقرأ ” كأسد ” [1]

 

الترجمة السبعينية (القرن الثالث قبل الميلاد) تقرأ الكلمة ” ثقبوا ” ὤρυξαν:

ὅτι ἐκύκλωσάν με κύνες πολλοί, συναγωγὴ πονηρευομένων περιέσχον με, ὤρυξαν χει̂ράς μου καὶ πόδας

Septuaginta. (electronic ed.) (Ps 21:17).

 

فهل الترجمة السبعينية لم يقوم بها يهود؟ فكيف يقول ” الدكتور ” ان اليهود قرأوها ” كأسد “؟ ليست هذه هي الطريقة البحثية مُطلقاً أن نُطلق ان القراءة الفلانية قرأها اليهود بتلك العمومية، ولكن يجب ان نقول الشاهد الفولاني يشهد لتلك القراءة والشاهد العلاني يشهد لقراءة أخرى، عجيباً انت أيها الدكتور تضع هذا السخف من ضمن ما تسميه انت نقد مضامين الكتاب المُقدس، في أنك انت الذي تحتاج أولا لنقد كيف تستطيع لا ان تنقد بل كيف تستطيع ان تعرف ما هي طرق النقد اساساً! هل لك ان تتخيل كم انت بعيداً؟

بل وأيضاً النص القمراني يشهد لقراءة ” ثقبوا ” في المخطوطة  5/6HevPs, f.9، وهذه هي قراءة النص:

[17 כי סבבוני כלבי]ם֯ עדת מרעים הקיפוני כארו ידיה̇ ורגלי

فالنص القمراني أيضا يشهد لقراءة ثقبوا (pierced) فهل المسيحين هم الذين حرفوا النص واليهود يضعوا ويعرفوا وقرأوا النص بقراءة ” ثقبوا “! فادعائك بتحريف المسيحين للنص من ” كأسد ” الى ” ثقبوا ” كانت لإنهم أرادوا ان يحولوا النص الى نبوءة، فكيف ستبرر وجود قراءة ثقبوا قبل وجود المسيحين في مصادر يهودية؟ بل وجود قراءة ثقبوا في شواهد غير مسيحية قبل حادثة الصلب بحوالي ثلاث قرون او قرنين هذا يجعل قراءة ” ثقبوا ” قراءة غير مُتحيزة، الا تتذكر كلامك انت بنفسك حينما قُلت ان الكلمتان ” متشابهتان “!! وعجبي على المنطق!

بل والأعجب ان الدكتور مُنقذ يقول ان المُفسر اليهودي راشي يقرأ النص كأسد ويفسره كذلك، تفسير راشي يعتمد النص العبري الماسوري والماسوري مكتوب به ” كأسد ” فطبيعي ان راشي حينما يُعلق على العهد القديم سيعلق على النص الماسوري الذي يحتوي على تلك القراءة، ولكن هل راشي قارن بين القراءات مثلا في تفسيره ووضع اسباب تبنيه هذه القراءة..الخ، لا، لماذا، لأنه يُعلق على النص الماسوري لا يُناقش قراءات هذا النص.

 

يرى A. F. KIRKPATRICK شيئان رئيسيان وهما ان قراءة النص هي כארו kā’ărū (ثقبوا) وتمثلت القراءة في شاهد أخر الى כארי kā’ărī (كأسد)، ويرى أيضاً ان إشارة النص الى حادثة صلب المسيح هو أمراً واضحاً. [2]

 

يقول John F. Brug: تقترح NIV ان ” ثقبوا يدي ورجلي ” هو تصحيح لخطأ في النسخ الظاهر في النص العبري القياسي الذي يقرأ ” كأسد يدي ورجلي “، بالرغم ان تلك الكلمتين مختلفتان في اللغة الإنجليزية الا انهما متشابهتان للغاية في الشكل في اللغة العبرية، تدعم عدد من المخطوطات اليونانية والعبرية القراءة المُفضلة لــ NIV قد تكون هذه هي واحدة من الحالات النادرة نسبياً التي تُحافظ فيها المخطوطات الأخرى على القراءة الأفضل. وبقبولنا للقراءة المُعتمدة في NIV فالنص هو وصف رائع لعملية الصلب. [3]

 

ويقولKidner, D: ان ترجمة ” ثقبوا ” هي الترجمة الأكثر ترجيحاً للكلمة العبرية، الحجة القوية هنا ان الترجمة السبعينية تترجمها كذلك والتي تم تجميعها قبل قرنين من حادثة الصلب وبالتالي فهي شاهد نصي غير متحيز فهمت ذلك اهم الترجمات وقد رفضت الــ Massoretic vowels [4]

 

بل وأيضاً إذا كانت القراءة هي ” كأسد ” فالنص ليس له معنى في سياق النص \ سيكون النص بحسب هذه القراءة ” كأسد يدي ورجلي ” فيوجد عدم توافق تماماً فلا يوجد اي ادوات وصل بل ويجب ان تكون كلمة أسد في صيغة الجمع وليس المُفرد

 

ويقول Walter R. Roehrs: على الرغم من ملاحظة RSV، فإن النص العبري (الماسوري – توضيح-) يحتوي على ما يُترجم الي ” كأسد ” وهذا لا يُعطي أي معنى في السياق، والإشارة إلى صلب المسيح هي واضحة [5]

 

ويقول Canne, J وآخرون: ان الترجمة السبعينية تقرأ ωρυξαν (ثقبوا) وكذلك الترجمة اللاتينية والسريانية والأثيوبية والعربية، وقد قدموا أسباب للثقة في تلك القراءة وهي ان القراءة الأخر (كأسد) لا تحتوي على أي معنى واضح على الإطلاق، وأيضاً ان الفارق بين الكلمتين هو حرف (يود \فاف) والذي يُمكن الخلط بينهما بسهولة. [6]

 

في النهاية أريد أن أؤكد ان نظرة هذا ” الدكتور ” هي سطحية جداً بدرجة لا أستطيع ان أوصفها، بل واؤكد أيضاً ان الموضوع به بعض التفاصيل والتدقيقات التي لم اتطرق اليها لكنها لا تخل مُطلقاً بما قلته [7]

 

[1] The New International Version. 2011. Grand Rapids, MI: Zondervan.

[2] Kirkpatrick, A. F. The Book of Psalms. The Cambridge Bible for Schools and Colleges,p, 118

[3] Brug, J. F.. Psalms: Psalms 1-72 (2nd ed.). The People’s Bible, P,109

[4] Kidner, D.. Vol. 15: Psalms 1-72: An introduction and commentary. Originally published: London: Inter-Varsity Press,. Tyndale Old Testament Commentaries,P,125

[5] Roehrs, W. H., & Franzmann, M. H., joint author. Concordia self-study commentary (electronic ed.) 1 ,P, 350

[6] Canne, J., Browne, Blayney, B., Scott, T., & Torrey, R. The Treasury of Scripture knowledge, v1,p, 368

[7] هناك جزء لغوي اكثر تدقيق في إستخدام كلمة ” كأسد ” في الشرق الأدنى القديم، وجذر كلمة أسد وعلاقتها بكلمة ثقبوا وغير ذلك لكني كنت موجه بلأكثر للتعامل مع كلام الدكتور مُنقذ.

ثقبوا يدي ورجلي – الدكتور منقذ السقار بين الأسود والثقوب

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

مقدمة

هل ترجم الإنجيل (والكتاب المقدس بعهديه) إلى اللغة العربية، قبل الإسلام أم بعده؟ سؤال شغل الكثيرين من الباحثين ماضيا وحاضرا، وما زال يطرحه المعاصرون من العاملين في هذا الميدان. حقا، هذا الموضوع شائك، وقد تضاربت الآراء فيه. نحاول بهذه الإلمامة المتواضعة أن نوضح هذه المشكلة.

آراء متنوعة

من المعلوم أنه لم تصل إلينا أي ترجمة عربية سابقة للإسلام، إلا أن هذا الواقع ليس دليلا على عدم ترجمة الكتاب المقدس في الجاهلية؛ وإليك عرض سريع لأهم الآراء:

الأب لويس شيخو اليسوعي، دافع عن وجود ترجمة للكتاب في الجاهلية، مؤيدا رأيه بأدلة عديدة[1]، وتبعه عبد المسيح المقدسي في مقال قيم ظهر في مجلة المشرق البيروتية[2]. ثم نشر المستشرق أنطون باو مشتارك عددا من المقالات ابتداء من العام ۱۹۲۹ حتى ۱۹۳۸ لإثبات الرأي نفسه.

أما جورج غراف الألماني، فقد أثبت أن الترجمات العربية التي وصلت إلينا لا ترجع إلى أيام الجاهلية. ولكنه يفترض وجود ترجمة عربية للكتاب المقدس (أو الأجزاء منه) قبل الإسلام.

ثم ذكر ألفريد غليوم نضا من «السيرة النبوية» لإبن إسحق يستدل به على وجود ترجمة عربية لإنجيل يوحنا في بداية القرن السابع الميلادي.

وعالج آرثر فويس الموضوع باختصار، فتوصل إلى النتيجة ذاتها التي كان قد توصل إليها جورج غراف وكذلك فعل رابين في مقاله، عن «اللغة العربية التي كتبها لدائرة المعارف الاسلامية الجديدة. فأكد أن بعض أجزاء الكتاب المقدس كانت متداولة في الجاهلية، وأن واضعها من النصارى لا اليهود. وقدم جوزيف هنجر نظرة سريعة عن بعض الآراء، وأيد أخيرا رأي جورج غراف.

ثم جاء يوشع بلاو فأنكر وجود ترجمة عربية للكتاب المقدس سابقة للإسلام، اعتمادا على أدلة لغوية، وردا على أنطون بو مشتارك.

بعد هذا العرض لأهم الآراء نرى أن نختمه بتقديم رأي الدكتور جواد علي، لإحاطته موضوع الجاهلية فيقول:

ويظهر من بعض روايات الإخباريين أن بعض أهل الجاهلية كانوا قد اطلعوا على التوراة والإنجيل، وأنهم وقفوا على ترجمات عربية للكتابين. أو إن هذا الفريق كان قد عرب بنفسه الكتابين كلا أو بعضا، ووقف على ما كان عند أهل الكتاب من كتب في الدين، فذكروا مثلا أن ورقة بن نوفل: «كان يكتب الكتاب العبراني، ويكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب». وقالوا: «وكان أمرؤ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي من الإنجيل ما شاء الله أن الكتاب المقدس واللغة العربية يكتب». وذكروا مثل ذلك عن أمية بن أبي الصلت. فقالوا: إنه كان قد قرأ الكتب المقدسة، وقالوا مثل ذلك عن عدد من الأحناف.[3]

وبعد ذكر هذه الأمثلة، أبدى المؤلف رأيه قال:

ولا يستبعد وجود ترجمات للكتاب المقدس في الحيرة. ولما عنها من تقدم في الثقافة وفي التعليم والتعلم، ولوجود النصارى المتعلمين فيها بكثرة. وقد وجد المسلمون فيها حينما دخلوها عددا من الأطفال يتعلمون القراءة والكتابة، وتدوين الأناجيل؛ وقد برز نفر منهم وظهروا في علوم اللاهوت، وتولوا مناصب عالية في سلك الكهنوت في مواضع أخرى من العراق، فلا غرابة، إذا ما قام هؤلاء بتفسير الأناجيل وشرحها للناس للوقوف عليها، ولا يستبعد تدوينهم لتفاسيرها أو لترجمتها، لتكون في متناول الأيدي، ولا سيما بالنسبة إلى طلاب العلم المبتدئين، ولا يستبعد أيضا توزيع بعض هذه الترجمات والتفاسير إلى مواضع أخرى لقراءتها على الوثنيين وعلى النصارى للتبشير.[4]

ونحن إذ نؤيد رأي الدكتور جواد علي ونحبذه، نقول بهذا الصدد:

إن عدة قبائل من العرب أخذت تدين بالنصرانية منذ أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع، بعضها في العراق کالعباديين، وبعضها في بادية الشام كغسان، وبعضها في اليمن والحجاز كبني الحرث (الحارث) وأهل نجران [5]

افلا يقبل العقل أن هذه القبائل العديدة بقيت نحو مائتين وثلاثمائة سنة دون أن يطلع أصحابها على الأناجيل في اللغة العربية. أفليس عن بني غسان وإنجيلهم قال النابغة:

“بمجلتهم ذات الإله ودينهم قويم فلا يرجون غير الوقوف”.

ومن هذه الدلائل أيضا ما جاء في شعر بعض الأقدمين أمية بن أبي الصلت، وعدي بن زيد، وغيرهما من شعراء النصرانية في الجاهلية؛ فإنك ترى في دواوينهم إشارات واضحة إلى نصوص من الإنجيل بل قطع مطولة من التوراة والإنجيل.

وكذا جاء عن البراق أنه كان تعلم تلاوة الإنجيل على أحد الرهبان.[6] وفي سيرة ابن هشام نصوص أخرى من الإنجيل بالعربية نقلها ابن هشام عن محمد بن إسحق. وتراه هناك قد استشهد بالآية الواردة في إنجيل يوحنا (15: 26) على هذه الصورة: “فلو قد جاء المْنَحْمَنَا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب وروح القسط، الخ”؛ وفي لفظتي “مْنَحْمَنَا و «روح القسط» ما يدل على أن الترجمة العربية التي يشير إليها نقلت عن النسخة السريانية الفلسطينية.

ومن البراهين المقنعة أيضا أن القرآن ذكر الإنجيل مرارا، وقال عنه إن فيه نورا وهدى؛ ففي إشارته إلى الإنجيل ومضمونه دليل بين على أن هذا الكتاب كان معروفا عند العرب منقولا إلى لغتهم.[7]

على أن هذا التعريب القديم للإنجيل المقدس أخذته يد الضياع لما شاعت بعد ظهور الإسلام ترجمات محكمة. وأول نقل جاء ذكره في التاريخ أثبته ابن العبري (1226 – 1286) في تاريخه الكنسي بالسريانية، فروى هناك أن الأمير عمرو بن سعد بن أبي وقاص أرسل فاستقدم إليه البطريرك يوحنا (۱۳۱ – 64۹)، وأمره بأن ينقل له الإنجيل إلى العربية بشرط أن يحذف منه ما يختص باسم المسيح الاله والعماد والصليب. فأجابه يوحنا أنه يفضل الموت على أن يترك منه ياء أو نقطة، فلما رأى عمرو عزيمته قال: «اذهب واكتب ما تشاء». فترجمه بمساعدة من بني لحم المسيحيين.[8]

تنامي حركة التعريب قبل الإسلام

ومضى المسيحيون في حركة تعريب كتابهم المقدس إلى اللغة العربية – منذ انتشار المسيحية بينهم في القرن الرابع – ومن بينها الترجمة التي وضعت في نهاية القرن التاسع الميلادي، وقد استشهد بهذه الترجمة الجميلة الامام الزيدي أبو القاسم الطبطبائي في رده على النصارى.

وإذا اعتبرنا وعرفنا أن من أهم شعائر الدين المسيحي في كنائس المشرق وأحبها إلى الشعب كان أن تقرأ كل يوم مساء وصباحا، وإلى يومنا هذا، قطع من الكتب المقدسة[9]، وأن هذه العادة كانت قديمة عندهم، فيجوز لنا أن نفترض أن الحاجة الكنائسية اضطر رؤساء الدين المسيحي في البلاد العربية إلى نقل، ولو هذه القطع فقط، إلى لغة الشعب من يوم أصبح للعرب بيع يقيمون فيها صلواتهم وطقوسهم الدينية، و إلا اضطررنا أن نفرض أن هذه الطقوس وتلك القراءات كانت تقام وتقرأ[10] في بيعهم وبيوتهم وأديرتهم في إحدى اللغات الأجنبية، وهذا محال لا يقبله العقل ولا يتفق مع الشواهد العقلية.

على أن البيع والأديرة والصوامع إلى غير ذلك من بيوت العبادة، لم تقم في كل بلدة أو قرية دخلتها النصرانية من بلاد العرب، إما لقلة من دخل في النصرانية في بعض المدن والقرى، أو لفقر أهاليها وتفرق كلمتهم وآرائهم الدينية بين کسائية وأبيونية وأريوسية وصابئية وحنيفية ونسطورية ونصرانية[11]، وإما لأسباب أخرى بجهلها. إلا أن هذه العراقيل لم تكن لتمنع أصحاب النحل المسيحية وأهل التقوى والعبادة منهم أن يؤلفوا حلقات دينية كانت تجتمع في بيوت الخاصة لقراءة بعض الكتب والأسفار المزورة التي شاعت بين العرب خاصة، أو كتب أخرى منقولة عن السريانية واليونانية.

ويؤيد هذا الفكرة ما نعرفه عن حلقة الحنيفيين في مكة الذين عناهم محمد، كما يخال لي، في سورة النحل (آية 45) حيث سماهم أهل الذكر»، والذين كان محمد يتردد إليهم قبل إظهار دعوته[12] ليسمع قراآتهم، ويشترك معهم في إعتكافاتهم الدينية، وتلاوتهم للكتب المنزلة أو المزورة. فقد ذكر صاحب الأغاني عن ورقة بن نوفل، أحد هؤلاء الحنيفيين وابن عم خديجة زوج محمد الأولى، “أنه كان أمرا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب”.

وقد جاء في مروج الذهب: «وكان ورقة قرأ الكتب ورغب عن عبادة الأوثان، ولم يذكر أسماء الكتب التي كان يقرأها، وهل كانت عربية أو عبرانية، كما قد يؤخذ من عبارة صاحب كتاب الأغاني، على أننا نعتقد أنها كانت عربية مكتوبة بأحرف عبرانية، كما يجب أن تفهم عبارة الأغاني، إن لم يكن وقع فيها تحريف، وحجتنا على ذلك أن العرب كانوا – قبل أن تشيع بينهم الأحرف النبطية – يكتبون بأحرف عبرانية أو سريانية أو يونانية، وأن صحيحي البخاري و مسلم اللذين نرجح أن صاحب الأغاني أخذ عبارته عنها لم يذكروا العبرانية بل العربية، وهذه عبارة البخاري بنصها: «وكان ورقة امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء أن يكتب.

فإذا صح هذا الافتراض، جاز لنا أن نستنتج منه أن الأناجيل، أو قسما منها، نقلت إلى العربية قبل الإسلام، إذ يصعب علينا أن نسلم بأن نصارى الحيرة وسورية واليمن وشبه جزيرة سينا (الآيلة) وفلسطين ويثرب والطائف يقرأون في كنائسهم وأديرتهم الأناجيل والمزامير وغيرها من كتب العهدين بلغات غير مفهومة، أو لا يقرأونها في هذه اللغات – هذا إن فرضنا أنهم كانوا يقرأونها فيها في بادئ الأمر – زمنا طويلا، وبعد أن شاعت بينهم الأحرف العربية الحاضرة التي صاروا يدونون فيها تاريخ بيعهم وأهم حوادئهم المدنية والكنائسية[13]، وكتاباتهم على أبواب أديرتهم[14]، وضرائحهم.[15]

زد على ذلك ما ذكره أحد المؤرخين من أن ملك الحبشة إيلا إسبيبا، أرسل سنة ۵۲۰ ميلادية إلى إمبراطور بيزنطية قسما من إنجيل لنصارى بحران نجا من الحريق. نعم، إن صاحب هذا الخبر لم يذكر لغة هذا الإنجيل، على أننا – استنادا إلى ما قدمنا من الاعتبارات – نرجح أنها كانت العربية[16]حيث النجرانيون عرب أقحاح.

أما وقد ترجح عندنا أن بعض الكتب المقدسة نقل إلى العربية قبل الإسلام، فطبيعي أن نتساءل عن اللغات التي نقلت عنها هذه الكتب، وعن أسمائها، لعلنا نجد في الجواب عن هذين السؤالين دعامة أخرى ندعم بها أو نقوي فكرتنا الأساسية، التي نحاول تأييدها في هذه العجالة[17].

التعريب بعد الإسلام

بعد الفتح الإسلامي للعراق وبلاد الشام، تعددت الترجمات العربية وانتشرت في كل أنحاء المشرق[18]. وهذه النسخ عديدة، منها نسخة في المكتبة الفاتيكانية، يرقى عهدها إلى القرن الثامن للمسيح، والذين سعوا في هذه الترجمة هم رهبان دير القديس سابا بقرب القدس. وفي ديرهم نسخ قديمة محفوظة فيه حتى الآن، وكذلك في دير الصليب المجاور للقدس. وهناك نسخ منقولة إلى العربية عن الأصل السرياني المعروفة بـ “البسيطة”، “بشيطو”، أقدمها النسخة التي وصفها غلومیستر، ورقى عهدها إلى ما بين سنتي ۷۵۰ – ۸۰۰ م.

وجدير بالذكر أن الأناجيل المقدسة ترجمت في نهاية القرن التاسع الميلادي، وقد استشهد بهذه الترجمة الجميلة الإمام الزيدي أبو القاسم الطبطبائي في رده على النصارى (في القرن العاشر الميلادي).

أما مزامير داود فقد ترجمها شعرا الأسقف الأندلسي الحفص بن البر القوطي في منتصف القرن العاشر الميلادي، وهي جوهرة الأدب المسيحي العربي.

وهنا يسرنا أن نورد نموذجا من ترجمة الحفص الموضوعة سنة ۸۸۹ م، نقلا عن الخطوط الفريد المحفوظ في ميلانو.

المزمور الأول

قد أفلح المرء الذي لم يذهب          في رأي أهل الجرم فعل المذنب

ولم يقم على سبيل الآثمة            ولا يكن يجلس بين الظلمة

في مقعد الأزراء والتداهي             لاكن هواه في كتاب الله،

کان، وفیه تالیَا مردَدًا                    نهاره وليله مجتهدا

مثاله شجرة قد غرست                على سواقي الماء حين نقلت

ثمارها لوقتها قد تثمر                  وليس منها ورق ينتثر

وكل ما يفصله قد يصلح               وفعله فعل صعيد مفلح

ليس كذلك الكفار بالتصحيح          بل كغبار ذاهب بالريح

لذلك لن يبعث أهل الفضل           ويوم القصاص والجزا والفصل

عرف سبل الصالحين الرب           والكافرون لهم تتب

المزمور الثامن

يارب يا مالكنا ما أعظم                   في كل أرض اسمك المكرم

قد اعتلا على السماء عزّك             وفوق كل شامخ علوك

جعلت من السنة الأطفال              والمرضعين الحمد ذا الكمال

لأجل شأني، ليهدي المبغض          والواثر المخالف الممرض

أرى السماء ما برت أصابعك            والبدر فيها من مصانعك

والأنجم الزهر التي جعلت،             مشرقة فيها كما قدرت

ماذا هو الإنسان حتى تذكره؟          وما ابنه، إذا بالبلا تختبره

نقصته القليل عن الله                    وستحليه بتاج باه

عزا وقدرا وعظيم الجاه                  مقدماله بلا إشتباه

جعلت كل مابرت يداك                   من تحت رجليه جميع ذاك

من بقر ومن صنوف الشاء،             ومن مواشي القفر في الصحراء

ومن طيور الجو والحيتان                اللاتي في الموج وفي القيعان

السالكات سبل البحار                  جريا بلا حث ولا آثار

يا رب، يا مالكنا، ما أعظم              في كل أرض اسمك المكرم

تاتيان وإنجيل “الدياطسرون”

تاتيان، ولد وثنا حول سنة ۱۱۰ م، ودرس الأدب والخطابة والتاريخ والفلسفة باليونانية. راق له كتاب التوراة، فتنصر ولزم القديس يوستينوس، ثم أنشأ أو اتبع شيعة الانکراتیت (الأعفّة الغلاة)، فأبسلته (حرمته) الكنيسة. قضى تحبه حول سنة 180م.

أما الدياطسرون فهو لفظ يوناني مركب، مدلوله «من خلال الأربعة)، وهو اسم الإنجيل الموحد الذي يشتمل على سيرة السيد المسيح، جمعه في خمسة وخمسين فصلا طيطانوس الحديابي المولد، المعروف بالآثوري، وذلك في حدود سنة 172 م، ووقع الدياطسرون عند السريان في الرها وولايتي الفرات وما بين النهرين أجمل موقع لسهولته وجودة إنشائه وترتيبه التاريخي، فأطلقوا عليه اسم «الأناجيل المختلطة»، وتبسطوا في نشره، واستشهد به أفراهاط، وفشره مار أفرام السرياني.

ودام استعمال الدياطسرون حتى الربع الأول من المئة الخامسة، إذ ألغاه رابولا مطران الرها، حرصا على سلامة الكتاب، وأحل محله الأناجيل المفردة. فزال تداوله من الكنيسة، وبقي منه نسخ للمطالعة. ووجد منه في أواسط المئة التاسعة نسخة بخط عيسى بن على المتطيب، تلميذ حنين بن إسحق، وهي التي نسب نقلها إلى العربية إلى القس الراهب أبي الفرج عبد الله ابن الطيب المتوفي سنة 1043. فتكون هذه الترجمة العربية من أوائل القرن الحادي عشر[19]. ولكن في خاتمة الصفحات الأربع أن هذه الترجمة العربية أقدم عهدا، وهذا نصها:

“كمل. معونة الله الإنجيل المقدس الذي جمعه طيطانوس من الأناجيل الأربعة المعروف بدیاطاسارون (كذا) والحمد لله كما هو أهله ووليّه والمجد لله دائما أبدا سرمدا. وكان الفراغ منه لست وعشرون (كذا) ليلة خلون من أبيب سنة ثمان وأربعون (كذا) وألف للشهداء وافق من الشهور العربية الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة سنة اثنان وثلثون (كذا) وسبع مائة للهجرة العربية (1132 م) بسلام من الرب آمين”

أفلا يجوز أن نستنتج أن الترجمة العربية كانت قبل القرن الحادي عشر، أعني قبل أبي الفرج ابن الطيب، لا سيما أننا لم نجد في قائمة كتب أبي الفرج المذكور ذكر ترجمته لدياطاسرون طيطانوس.

الإنجيل المسجع

ولما انتشر السجع، وأصبح من ضروريات الأدب الفتي، أخذ الأدباء المسيحيون يؤلفون مواعظ دينية مسجعة، وقد اشتهر في هذا الفن الجاثليق المشرقي النسطوري إيليا الثالث المعروف بأبي حليم بن الحديثي في القرن الثاني عشر الميلادي.

وهناك أربع ترجمات مسجعة للأناجيل وضعت في القرن العاشر الميلادي، واحدة منها لابن دادیشوع، وثلاث منها أغفل مترجموها عن أسمائهم، وما زالت مخطوطة في مكتبات أوروبا.

ثم جاء عبديشوع الصوباوي، مطران نصيبين على السريان المشارقة النساطرة، فوضع ترجمته الشهيرة الأناجيل الآحاد والأعياد سنة ۱۲۹۹ م، وهي جيدة بليغة، وكل إنجيل بقافية واحدة. وهذا نموذج من ترجمة الأناجيل العبد يشوع الصوباوي:

  1. وقال المخلص لتلاميذه والرفاق.
  2. لا تظنوا أني أتيت لأوقع في الأرض الصلح والوفاق.
  3. لم آت لأوقع السلام، بل الحرب والشقاق.
  4. فإني أتيت لأجعل الرجل المؤمن يخالف عن أبيه ذي النفاق.
  5. وأباعد بين الابنة وأمها الكافرة، والكنة وحماتها بالفراق.
  6. – وأعداء الرجل آل بيته الفاق.
  7. فمن أحب أبا أو أما أفضل مني، فليس هو لي بأهل الإعتلاق.
  8. ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر مني، فلا يستحقني بإطلاق.
  9. – ومن لا يحمل صليبه ويتبعني، فما هو لي من أهل الميثاق.
  10. من وجد نفسه، فقد أهلكها، وعرضها للانمحاق.
  11. ومن أهلك نفسه، فسوف يجدها بجوار الخلاق.
  12. ومن تقبلكم، فإياي تقبل، بالنية والاشتياق.
  13. ومن تقبلني، فقد تقبل الذي أرسلني، باعثا على مكارم الأخلاق.
  14. ومن تقبل نبيا باسم نبي في الطراق،
  15. فأجر نبي يأخذن وما لمسعاه إخفاق،
  16. ومن تقبل صديقا، صديق صداق،
  17. فأجر صديق يأخذ، ولا عاق.
  18. وكل من سقى أحد هؤلاء الأصاغر شربة ماء بارد عذب المذاق.
  19. باسم تلميذ ذي استشراق،
  20. الحق أقول لكم: إنه لا يضيع أجره الذي فاق،
  21. من شاء أن يتبعني، فليكفر بنفسه ويولي الدنيا الطلاق
  22. وليأخذ صليبه، وليكن من اقتفاء أثرى على لحاق،
  23. إن من أحب أن يحيي نفسه، فقد أبادها وإلى الهلاك انساق،
  24. ومن أهلك نفسه من أجلي، سيجدها في نعيم باق
  25. فما الذي يستقيده المرء من الحذاق،
  26. إذا كسب الدنيا وخسر نفسه بعد المشاق؟
  27. أو ماذا يعطي الإنسان فدية عن نفسه، إذ نزل به البلاء وحاق؟

ترجمة الكتاب المقدس الموصلية الدومينيكية

كانت فكرة طبع الكتاب المقدس بالعربية تراود أذهان رجال الدين منذ مطلع القرن التاسع عشر؛ فقد كان مسيحيو العراق يقرأون الكتاب المقدس في ترجمته المعروفة (بالبسيطة)، وهي ترجمة ضعيفة وغير سليمة من الناحية اللغوية تتغلغل فيها العامية بكثرة، غير أن الإمكانيات كانت محدودة والطباعة لم تدخل العراق آنذاك. إضافة إلى عدم وجود من يستطيع الاضطلاع بهذا العمل الكبير ذي المسؤوليات الكبيرة..

أما في بلاد الشام فقد تم طبع الكتاب المقدس بعهديه العتيق والجديد في المطبعة الأميركية، وذلك بإشراف بطرس البستاني، ومصحح لغوي كبير هو الشيخ ناصيف اليازجي والشيخ يوسف الأسير، غير أن هذه الطبعة كانت خاصة بالبروتستانت، فلم يحبذها الكاثوليك، لذا فقد بدأ اليسوعيون مشروعهم الخاص بترجمة الكتاب المقدس سنة 1872، وعهدوا إلى الشيخ إبراهيم اليازجي بالإشراف اللغوي، واستمر العمل بطبعه من سنة 1876 وحتى سنة 1882، فظهر في ثلاثة مجلدات مزينا بالصور ومتقنا من حيث الطباعة والإخراج.[20]

وفي هذه الفترة تهيأ لنا في العراق من يستطيع القيام بهذا العمل، فقد عهد الآباء الدومنيكان إلى القس (المطران يوسف داود (+ 1890) القيام بترجمة وطبع الكتاب المقدس، فباشر بالعمل سنة 1897، فبدأ أولا بقراءة ترجمات الكتاب المقدس السابقة مقارنا ومدققا بين النصوص المقبولة في الكنيسة كالسريانية والعبرانية واليونانية واللاتينية، مستفيدا من معرفته وإتقانه لهذه اللغات.

وقد اعتمد الترجمة الشرقية القديمة التي كانت أساسا لترجمة الكتاب المقدس وطبعه أول مرة في رومة سنة 1671، وربما اعتمد أيضا على طبعة عربية قديمة ظهرت في حلب سنة 1706[21]، غير أنه لم يذكرها.

شرع الآباء الدومنيكان بطبع الكتاب المقدس، الذي استغرق ثماني سنوات: وتعتبر هذه الطبعة من الطبعات الفريدة اليوم بجودتها وشكلها وحروفها، والمعتمد عليها إلى اليوم في الكنيسة السريانية الكاثوليكية.

وقام بعد ذلك بعمل الحواشي لشرح الآيات والكلمات الغامضة، واستغرق في عمله هذا أربع سنوات متوالية، إلى أن استطاع إنجازه، فبوشر بالطبع سنة ۱۸۷۱ واستمر حتى سنة ۱۸۷۸، فظهر في أربعة مجلدات كانت تظهر تباعا، وبلغ مجموع صفحاته 2507 صفحة.

وسنة 1873، كتبت مجلة العالم الدومنيكي تقول: “… وإلى منتصف عام 1872 طبعوا العهد الجديد، طبعتين، الأولى أوكتافو (الحجم الكبير)، والأخرى أصغر بلا مراجع ولا ملاحظات أو شروحات، وهذا هو القسم الأول من الكتاب المقدس الذي طلب الكردينال بونابرت أن يطبع، والترجمة كانت للقس داود، والمعاون له المطران بهنام بي، رئيس أساقفة الموصل للسريان الكاثوليك؛ ولقد أبدت سرورها مع إبداء إعجابها أكاديمية الآداب في باريس لجودتها ورونقها”.[22]

وقد عهد للبطريرك عبديشوع الخياط (المطران آنذاك) وإلى راهب دومنيكي اسمه يوحنا، كان يتقن العربية بفحص الترجمة للتأكد من سلامتها من الناحيتين الفقهية والدينية، فأبديا شهادتهما في أنها تمت على وجه صحيح ولا شائبة فيها.

ثم ظهرت مشكلة النفقات الكثيرة لطبعه، وقد حلت المشكلة بأن تبرع الكردينال لوقيان بونابرت بنفقات الطبع على شرط أن يوزع مجانا، ولذلك نرى في الطبعة الأولى كلمة Gratis، ومعناها “مجانا”.[23]

وفي سنة 1875، أرسل الآب دوفال رسالة إلى رئيس الجمعية الخيرية للمدارس الشرقية في باريس رسالة يخبره فيها وشارحا له أحوال المطبعة فيقول: (… ونأمل أن ننتهي من طبع الكتاب المقدس (العهد القديم هذه السنة. وسنطبع طبعة ثانية من الأناجيل، إذ إن الطبعة الأولى قد وزعناها مجانا، وذلك بطلب من الكردينال بونابرت، ولذا فقدت هذه الطبعة…”[24].

وقد توالت فيما بعد طبعات الكتاب المقدس، حيث ظهرت طبعة أخرى في ستة مجلدات بين سنتي 1874 – 1878، بلغت عدد صفحاتها ۳۸۰ صفحة. ثم أعيد طبعه كاملا أو متفرقا بعد ذلك عدة مرات وكلما دعت الحاجة.

وفي رسالة أخرى من الأب كورماتشيك[25] الذي كان في رومه سنة 1888، والتي كتبها للأب دوفال[26] يوم ۲۸ تشرين الثاني من تلك السنة يقول فيها: “…أرسلتم الكتاب المقدس باللغة الكلدانية للحبر الأعظم[27]، وقد وصلتنا مساء البارحة. وحبذا لو ترسلون لقداسته كتاب الفرض (الفنقيت) للسريان، وقداسته يرسل لكم كأسا كعربون الشكر لكم وتثمينا لجهودكم…”.[28]

ومن المعروف أن الخوري يوسف راجع الترجمة البسيطة السريانية للكتاب المقدس، وطبعها في المطبعة نفسها بأحرف كلدانية، ولا يخفى أن هذه الترجمة كانت قد عبثت بها أيدي النساخ كما هو دأب كل الكتب المخطوطة باليد، فعهد إليه إصلاحها نظرا لبراعته في اللغة السريانية والعربية، فانكب على العمل بنشاط وافر حسبما يقتضيه شرف هذه النسخة المعتبرة للغاية في الكنيسة الكاثوليكية وأعادها إلى رونقها القديم.

والذي يعنينا في هذا المجال أن نذكر شيئا عن الأسلوب، والطريقة التي اتبعها يوسف داود في إنجاز هذا العمل الكبير بالعربية؛ ويكفي أن ننقل في هذا الخصوص شهادة من الأب أنستاس الكرملي (1947+) العالم اللغوي الشهير نقلا عن اثنين من الثقات، وكلاهما من خاصة أصدقائي، وهما الأستاذ کورکیس عواد (1993+) المؤرخ من النواحي اللغوية والأدبية والدينية، ويعدها من أحسن الترجمات التي ظهرت للكتاب المقدس في تلك الفترة، وحتى يومنا هذا يعترف الكثير من المتخصصين بأنها من أحسن الترجمات في اللغة العربية للكتاب المقدس، وذلك لسلامة لغتها وقوة سبكها وبساطتها. ولا زالت كنائسنا تستعمل هذه الترجمة حتى الآن.

المصادر والمراجع

  • سهیل قاشا، تاريخ التراث العربي المسيحي، منشورات الرسل، مطبعة الكريم (2004).
  • سهیل قاشا، أوتار الكنارة والعود المطران إقليميس يوسف داود، منشورات مطبعة السائح، طرابلس 2005.
  • هنام عفاص، إقليميس يوسف داود، بغداد، 1985.
  • سهيل قاشا، “مطبعة الآباء الدومنيكان وتراثها الفكري”، مجلة بين النهرين، 18، ص 55-73.
  • لويس شيخو اليسوعي، شعراء النصرانية، الجزء الأول.
  • لويس شيخو، “نسخ عربية قديمة في الشرق من الإنجيل الطاهر”، مجلة المشرق، السنة الرابعة، العدد 3.
  • عبد المسيح المقدسي، «نقل الكتب المقدسة الى العربية، مجلة المشرق، كانون الثاني 1933، ص1-112.

 

[1] شيخو، مجلة المشرق، ص ۲۰ – ۲۲، ۲۹۰ – ۳۰، ۳۰-۳۰۱، ۳۱۳ – ۳۲۲.

[2] عبد المسيح المقدسي، «نقل الكتب المقدسة إلى العربية، قبل الاسلام»، المشرق ۱۳۱(۹۳۳)6.

[3] د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، جزء 6، ص 980.

[4] د. جواد علي، المفصل، ۹۸۱: ۹.

[5] راجع التفاصيل في كتابنا: صفحات من تاريخ العرب المسيحيين قبل الاسلام، منشورات المكتبة البولسية (۲۰۰۰).

[6] شیخو، شعراء النصرانية،1: 141.

[7] راجع أيضا قاموس الاسلام، 630.

[8] طبعة أبلوس ولافي، الجزء الأول، ص ۲۲۰.

[9] ) المعروفة بأل Kathismata وهي القراآت أو القرآن، كما كان يسميها السريان، ومنها أخذ محمد اسم کتابه؛ ولعله عناها بقوله: “فاقرأوا ما تيسر من القرآن” (73: 20)

[10] ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أثناء الليل وهم يسجدون (القرآن 3: 113).

[11] نرجح أن كلمة «نصراني» كانت تدل في بادئ الأمر، وفي القرآن نفسه، على أصحاب إحدى النحل المسيحية، سيما “الأبيونية” أو “الأريوسية”، وليس على المسيحية على الإطلاق.

[12] راجع كتابنا: صفحات من تاريخ العرب المسيحيين قبل الاسلام.

[13] راجع ما ذكره الطبري عن كنائس الحيرة (1: 770) وابن خلدون (2: 363).

[14] راجع الكتابة على عتبة البيعة التي أقامتها هند بنت الحارث في معجم البلدان لياقوت 2: 709.

[15] راجع الكتابة على ضريح امرئ القيس التي عثر عليها في سورية.

[16] عبد المسيح المقدسي، “نقل الكتب المقدسة إلى العربية” المشرق 1933.

[17] نحن في صدد وضع دراسة واسعة بعنوان: “السريان ولغة القرآن”، سترى النور قريبا ان شاء الله.

[18] من بحثوا عن هذه النسخ العربية وأصلها وتاريخها العلامة الشهير أغناطيوس غويدي في مقالة مستوفية طبعت عام ۱۸۸۸، بين فيها ما تحتويه الخزائن الأوروبية من نسخ الإنجيل القديمة، فقسمها ستة أقسام، من حيث القدم والترجمة.

[19] ما زال السريان الأرثوذكس والكاثوليك يستعملون هذا الإنجيل (المربع) في قراءاتهم الفرضية لزمن الآلام، وخاصة يوم الجمعة العظيمة (جمعة الصلبوت).

[20] الفكر العربي في مئة سنة، بيروت 1967 ص 59.

[21] وردت معلومات عن هذه الطبعة في مجلة لغة العرب، مجلد لغة العرب، مجلد ۲، ص 462.

[22] مجلة العالم الدومنيكي لسنة 1873، ص 346.

[23] العهد الجديد لربنا يسوع المسيح، موصل، مطبعة الدومنيكان، ۱۸۷۹. استقينا هذه المعلومات من المقدمة التي كتبها المترجم يوسف داود ومن شهادات الفاحصين.

[24] الرسالة محفوظة في دير الآباء الدومنيكان بالموصل.

[25] الرسالة محفوظة في دير الدومنيكان بالموصل. والأب كورماتشيك قدم إلى الموصل في 7 كانون الأول ۱۸۷۱ وتركها عام ۱۸۱۵.

[26] الأب دوفال (۱۸۳۳- ۱۹۰) خدم في العراق (1857- 1895.

[27] هو الحبر الأعظم قداسة البابا كون الثالث عشر (1878- 1903).

[28] النظر مقالنا، “مطبعة الآباء الدومنيكان بالموصل”، مجلة بين النهرين، عدد ۱۷، ص 55-73.

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

البابا تواضروس: نقف ضد تفريغ الشرق الأوسط من المسيحيين

البابا تواضروس: نقف ضد تفريغ الشرق الأوسط من المسيحيين

البابا تواضروس: نقف ضد تفريغ الشرق الأوسط من المسيحيين

البابا تواضروس: نقف ضد تفريغ الشرق الأوسط من المسيحيين

قال البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، إن زيارته إلى لبنان الأسبوع الماضي كانت مثمرة، وإن الهدف الرئيسي من الزيارة هو المشاركة في اجتماعات الآباء البطاركة الثلاثة لكنائس الأرثوذكسية في الشرق الأوسط، والذي تأسس عام 1997، ويهتم بخصوصية منطقة الشرق الأوسط.

وأكد البابا تواضروس، في عظته الأسبوعية، على أهمية الوجود المسيحي في الشرق الأوسط، قائلًا: “نقف ضد تفريغ الشرق الأوسط من المسيحيين”.

واستطرد بابا الكنيسة قائلًا: الهدف الآخر من زيارة لبنان هو تقديم جزء من رفات مار ساويرس الأنطاكي للكنيسة السريانية وقدمنا ذلك باعتبارهم قاموا ببناء كنيسة تحمل اسم القديس في المقر الجديد للكنيسة السريانية في لبنان منطقة العطشانة وافتتاح المقر وتدشين الكنيسة وأيقوناتها.

من هو القديس سمعان العمودي ولماذا سمي بهذا الإسم؟

من هو القديس سمعان العمودي ولماذا سمي بهذا الإسم؟

من هو القديس سمعان العمودي ولماذا سمي بهذا الإسم؟

من هو القديس سمعان العمودي ولماذا سمي بهذا الإسم؟

القديس سمعان العمودي رجل استثنائي في التاريخ. هو من بلدة إكبس في تركيا. كان يرعى أغناماً. في يوم برد قارس ذهب إلى الكنيسة فسمع الإنجيل والرسالة، فهداه الله إلى النسك. يبدو أن جسمه كان قوياً جداً، فتدرج في النسك حتى انتهى إلى مكان ديره الحالي الواقع على مسافة ستين كيلومتراً من حلب. وبلغ في النسك فاعتلى عدة عواميد تتدرج في الارتفاع. وكان رجل صلاة وصواماً كبيراً يوزع على الناس كلمة الله والأشفية المتنوعة. رقد في الرب في العام 459. طبقت شهرته الآفاق. أتاه المرضى من الشرق والغرب والشمال والجنوب. نقل جثمانه إلى أنطاكية فالقسطنطينية.

بدا نوع نسكه غريباً جداً سوى أنه أضحى نموذجاً لكثيرين صاروا عموديين. في مكان العمود بنيت 4 كنائس مصلبة. كتب عليها بالسريانية أنها أنشئت في العام 492. عالمة آثار أمريكية كبيرة قالت لي في 31/3/1997 أنها حين إنشائها كانت أعظم من كنيسة مار بطرس بروما ومن كل كنائس الدنيا. يحج الناس إليها.

راجع سيرة مار سمعان التي أنشأتها في كتابنا “سمعان العمودي”. كان سمعان رجلاً عجيباً وعجائبياً. الإنسان المتأله مثل سمعان لا يكون مريضاً نفسياً إنما مسكناً للروح القدس. لما صعد خادمه السلم ليراه شاهد وجهه يضيء كالشمس وهو ميت. هذا نور إلهي لا بشري. أهل الجسد لا يفهمون ما للروح. يحكمون في الأمور جسدياً (بولس). فطنة الجسد هي غير فطنة الروح. المسيحية برمتها قضية إيمان لا قضية عقلانية. العقلانيون أرضيون ليس لهم روح المسيح. (أسبيرو جبور).

الرد على بارت ايرمان: التاريخ الشفهي وتغير نص العهد الجديد

الرد على بارت ايرمان: التاريخ الشفهي وتغير نص العهد الجديد

الرد على بارت ايرمان: التاريخ الشفهي وتغير نص العهد الجديد

الرد على بارت ايرمان: التاريخ الشفهي وتغير نص العهد الجديد

 

يقول بارت ايرمان في كتاب سوء اقتباس يسوع:

Sometimes Christian apologists say there are only three options to who Jesus was: a liar, a lunatic or the Lord. But there could be a fourth option—legend

“احياناً المدافعين المسيحين يقولون ان هناك ثلاثة خيارات مطروحة عن من هو يسوع؟ اما انه كاذب او مجنون او انه الرب. لكن هناك خيار رابع وهو انه اسطورة.

 

مقدمة

هناك احتمالات لو كنت تريد ان تتذكر شيئاً اليوم. اما أن تشخبط على ورقة الملاحظات notebook التي تمتلكها. او حتى على كف يديك او حتى على البنطال الجينز الازرق الخاص بك. ويمكنك حتى كتابة الملاحظات على غلاف كتاب لديك من الداخل. وهذا لأنك تعيش في عصر يتعلق بثقافة تعتمد على الكلمات المكتوبة. حتى فيما يتعلق بأصغر الامور مثل ذهابك للتسوق فعندما تذهب للسوبر ماركت تكتب قائمة المشتريات وما تريد شراءه او حتى كتابة ارقام هواتف او ماذا تريد زوجتك ان تفعله لأجل المنزل.

لنفترض انه في وقت ما خلال الاسبوع ادعي العديد من الشهود ان أحد المجرمين المدانين بالإعدام على الكرسي الكهربائي قد عاد من الموت. فنحن الان نعيش في ثقافة تتمحور حول الصور المطبوعة والكلمات. الحدث سيكون مدون في الصحف والمواقع في غضون ساعات وفي غضون بضعة اسابيع سنجد ان وكالة IRS agent المتخصصة في الايرادات والضرائب يخرج منها شخص يسمي متي ويتحدث في الجريدة المشهوره التي تسمي وول ستريت Wall Street ونجد ان المجالات المهتمة بالصيد تستضيف شخص يدعي بطرس واندراوس. كما يوجد مصورين فوتجراف ياخذون الصور من مكان الحدث وايضاً هناك تسجيلات صوتية تسجل.

فالفكرة هنا ان كل هذا يتوقف على الثقافة وهذا كله لم يوجد في القرن الاول لكن في عالم يسوع ومريم وبطرس كانت السجلات المكتوبة هي مصدر ثانوي فالأصل كان التناقل الشفهي. لذلك عندما كتبة الاناجيل كان الناس يفضلون تذكر احداث كثيرة أكثر مما هو مكتوب.

وقد علق أحد المتكلمين قديماً قائلاً:

I think we should not write anything which we do not intend to commit to memory” (X 7:32).

ملحوظة جانبية انه في نهاية القرن الحادي والعشرين ما زال بعض القادة المسيحية يعتمدون على اقوال شفوية عن حياة يسوع. بجانب الاناجيل المكتوبة.

بابياس من هيرابوليس قالها بهذه الطريقة “وإن أتي أحد ممن كان يتبع الشيوخ، سألته عن أقوالهم، عما قاله أندراوس أو بطرس أو عما قاله فيلبس أو توما أو يعقوب أو يوحنا أو متى أو غيرهم من تلاميذ السيد، أو ما قاله أرستيون أو الشيخ يوحنا، لأني لا أعتقد ان ما تحصل عليه من الكتب يفيدني بقدر ما يفيدني ما أحصل عليه من خلال الصوت الحي الدائم”

Persons should record their thoughts in written form only “to treasure up reminders for [themselves] when [they] come to the forget- fullness of old age.”

كان يجب على الاشخاص تسجيل افكارهم بشكل مكتوب فقط للحفظ وللتذكير أنفسهم فقد يصابوا بالنسيان من الشيخوخة.

كان هذا الاتجاه الثقافي موجود بشكل جزئي لان عدد قليل من الناس في هذا الزمن هم من يعرفون القراءة والكتابة في القرن الاول. فكان للتاريخ الشفهي اهمية كبيري فالتاريخ الشفوي يوفر الطريق الرئيسي للحفاظ على الحقائق من الماضي.

ولعل تواريخ الاناجيل التي يتفق عليها الباحثين مبكرة “ملحوظة ذكر الكاتب احصائيات لكن لدينا احصائيات أحدث تقول عن تواريخ مبكرة عن هذا”

متى كتب بين عام 75 الى عام 85 ومرقس كتب بين عام 65 الى عام 70 ولوقا كتب بين عام 65 الى عام 85 ويوحنا كتب بين عام 75 الى 95.

فالكتابات الانجيلية متسقة مع بعضها البعض بسبب وجود اشتراك في التاريخ الشفوي للاحداث التي تمت في حياة يسوع. فلا يمكن ان يشكك شخص في موثوقية الاناجيل بعد ان ظهرت متسقة. يبدوا ان بارت ايرمان رؤيته للفجوة الزمنية بين خدمة يسوع الارضية وكتابة الاناجيل تمثل مشكلة حقيقية لديه. ونجد ان ايرمان قال عن هذه الفجوة ان الفجوة الزمنية هي 35 سنة بين موت يسوع وكتابة الاناجيل وادعي ايرمان تغيير السرد الانجيلي بسبب هذه الفجوة وان السرد ظل يتداول عام بعد عام فأدي هذا الى تغيير النص.

وهذا ما كرره بارت ايرمان في العديد من المقابلات والمحاضرات. ففي بعض الاحيان يقول له المدافعون ان هناك ثلاثة خيارات هل يسوع كاذب ام مجنون ام هو الرب فيكون اختيار ايرمان انه اسطورة هذا الاتجاه الرابع الذي يفضله ايرمان. ماذا لو كانت قصة يسوع غير دقيقة تاريخياً ماذا لو كانت القيامة هي تسلسل من مجموعة اساطير ماذا لو كانت الاناجي لا تستند الى شهود عيان؟ لو كان الامر كذلك ايرمان قد يكون صحيحاً! فالايمان المسيحي سيصبح طريق مسدود. على الرغم من الثقة التي يظهرها ايرمان في طرحه في عموم استنتاجاته. انا مقتنع ان هناك بعض الصعوبات في تفسيره.

دعونا نتناول اسئلة بارت ايرمان هل تغيرت القصص عن يسوع؟ سنة بعد سنة؟ وفي الفصل الثاني سنرد على اعتراضه القائل هل كانت الاناجيل مجهولة الهوية كمستندات؟

الرد الاول: هل بقى السرد عن يسوع كما هو ولم يتغير؟

هل سبق لك ان لعبة لعبة الهاتف؟ هل اللعبة التي يهمس فيها أحدهم بجملة لشخص آخر وهذا الشخص يهمس بنفس الجملة تباعاً لشخص اخر وتستمر الهماسات في دائرة وهلم جرا؟ وفي النهاية الشخص الاول والاخير يكشف عن الجملة ويضحك الجميع كيف تغيرت الجملة؟ اتذكر حينما لعبة هذه اللعبة في الصف الرابع كانت الجملة تغيرت تماماً. فعلي الرغم ان هناك تغيرات بسبب لعبة الهاتف لكن قد نجد الحقيقة ونحصل عليها من لعبة الهاتب ايضاً فالجملة تناقلت لعدة اشخاص ومرت من شخص لاخر وفقاً لايرمان ان قصص يسوع مبنية على روايات شهود العيان فليس من الضروري ان تكون موثوق بها. فلو كانت شهادات شهود العيان فقط تتناقل عن طريق الفم لنا ان نتخيل لعبة الهاتف فهل لنا ان نتخيل ان العهد الجديد مر بنفس تجربة لعبة الهاتف؟ ببساطة شديدة، الادلة التاريخية لا تدعم كلام بارت ايرمان وهي ادلة القرن الاول.

النقطة الأولى: كيف يتم الحفاظ على التناقل الشفهي في القرن الاول

يبدو ان بارت ايرمان غير راغب على التعرف على الفرق الشاسع بين التاريخ الشفهي الذي يوجد اليوم والتاريخ الشفهي في العالم القديم. ففي العالم اليوم نحافظ على القراءة والكتابة وهناك سهولة في المعلومات وربما نحافظ على التاريخ الشفهي للأحداث لبضعة شهور. ليس فقط في العالم القديم بل ايضا الان.

الحفظ الشفهي عند اليهود له انماط وحقائق غفل عنها بارت ايرمان فهناك مدارس رابيين يهود شفهية تحفظ بشكل متصل ولها دقة عالية تصل من جيل الى جيل اخر. وهنا وصف الفيلسوف اليهودي فيلو الاتي:

His instruction proceeds in a leisurely manner; he lingers over it and spins it out with repetitions, thus permanently imprinting the thoughts in the souls of the hearers.

مما يعني أن المعلم اليهودي يقول تعاليمه ببطئ ويكررها بالتالي تطبع في افكار ونفوس المستمعين.

الانماط التي استخدمها الرابيين في التكرار مع الايقاع ايضاً كانت تستخدم في العهد الجديد. فتعاليم يسوع كانت تحتوي على نفس الانماط ونجد هذا في تكرار الكلمات مثل ما جاء في متى 5 سمعتم انه قيل للقدماء اما انا فاقول هذه الانماط المميزة تشكل ملامح التقليد الشفهي القديم.

ما هو أكثر من هذا ان هناك ادلة تفوق تعاليم يسوع بل تمتد الى قيامة المسيح وموته فكانت تتداول بشكل شفهي مثل التقليد الوارد في كورنثوس الاولى 15: 3 – 7 وهو التقليد المسلم في وقت قصير بحسب الباحثين وذكر بولس انه تلقاه فكان بولس يحفظة هذا التقليد يرجح الباحثين ان تاريخه خلال ثلاث سنوات من موت المسيح فهناك ادلة تبين مدى سرعة التناقل وايضاً هذا التقليد يثبت ما جاء في الاناجيل فيقول بولس:

“فإني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب” كورنثوس الاولى 15: 3 – 7.

وهذا ما ذكرته الاناجيل إذا التقاليد الشفهية تأكد السرد الانجيلي.

لذلك كيف يمكن للعلماء ان يعرفوا ان هذه الكلمات الواردة تشير الى تقليد شفهي مبكر. من خلال الكلمتين اللتين استخدمهما بولس paradidomi التي تعني استلمت وparalambano التي تعني تلقيت فالقراءة القديمة تشير الى التقليد الشفهي. وبولس قال انه سيقول ما تسلمه. وعلى الرغم ان بولس كان يكتب باليونانية، لكنه يدعوا بطرس Cephas كيفا وهذه الكلمة الآرامية. فاستخدام مألوف يدل ان هذا كان في سياق مجتمع يسوع حيث الآرامية منتشرة. فعلى الارجح ان بولس تلقي هذا التقليد عام 35 عندما زار أورشاليم. فوفقاً لرسالة غلاطية بولس ذهب بعد قضاء ثلاث سنين

غلاطية 1

18 ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس، فمكثت عنده خمسة عشر يوما. والشكل النحوي واستخدام كلمة أن وتكرارها. للآيات تؤكد انه تقليد. وايضاً ذهب بولس الى بطرس ويعقوب لأنه يريد الحصول على التاريخ الشفهي

ايرمان يريد ان يوحي ان المسيحين المبكرين تغيرت القصص ونسي ان الادلة التاريخية دقيقة على عكس ما يقول فلدينا حساب مهم عن القيامة وهذا التقليد لم يتغير من شخص لآخر مثل لعبة الهاتف. فظلت حقائق القصص متسقة مع بعضها البعض عام بعد عام عبر مئات الثقافات والسياقات الاجتماعية.

يقول كريج كويل

الحقائق الاولية

نجد ان الحجة في ظاهرها حجة مقنعة. لكن افتراض لعبة الهاتف يحتوي على ثغرات، فهو ليس مكتوباً بل شفوياً وينتقل الكلام شفويا من رجل للآخر الى الثالث دون نموذج خطي. فالاعتماد في لعبة الهاتف على انتقال الكلام عن طريق الفم. لكن العهد الجديد لدينا وثائق مكتوبة. ترد على مفهوم تشوه الكلام في لعبة الهاتف.

ولا ينطبق افتراض لعبة الهاتف على النص المكتوب للعهد الجديد. فالعهد الجديد لم ينقل بين خط من الافراد بل مجموعات بطريقة متشعبة وليس طريقة فردية بمعني ان كان هناك نسخة واحده اصبحت 25 نسخة ثم اصبحت 200 نسخة وهكذا. ويمكننا اختبار المخطوطات المكتوبة بالدراسة ليس كلام شفوياً.

فبهذا تصبح حجة الهاتف ليس لها اي معنى. ولا تستند لأي شيء.

اسمحوا لي ان اوضح امور تساعدكم على كيف يمكن للعلماء اعادة بناء الثقة لنص العهد الجديد. بمثل بسيط تحت عنوان

اعادة بناء خطاب للعمه سالي.

ساوضح من خلال هذا المثل كيف يتم استعاده النص.

كانت العامة سالي لديها حلم ان تتعلم وصفة تسلمها للاجيال القادمة فكانت عندما تستيقظ تكتب خربشات على ورقة. ثم تحاول ان تعمل الخلطة في غضون ايام نجحت وعملت خلطة باسم صلصة العمة سالي السرية.

كانت سالي متحمسه جداً ان ترسل ما توصلت اليه بخط يديها لثلاثة من الاصدقاء (كانت العمة سالي غير متواجده في عصر التكنولوجيا ولا آلة التصوير) وكتبت مقادير الصلصة واصدقائها نسخوا عشرة نسخ لأصدقائهم.

كل شيء يسير الى حد الان على ما يرام حتى كان أحد حيوانات العمة سالي الاليفة يتجول في البيت وإذا به يأكل النسخة الاصلية للوصفة. سالي كانت في حالة من الذعر. فأذابها تتصل بأصدقائها الثلاثة في محاولة استعادة الصيغة الاصلية للصلصة.

وقد قاموا بجلب النسخ المكتوبة بخط اليد المتبقية ووجدوا انها 26 نسخة. فوجدوا داخلها بعض الاختلافات ففي ثلاثة وعشرون نسخة يوجد في كل نسخة خطأ املائي. وفي أحد النسخ وضعت كلمتين بالتبادل مثل مزيد من التوابل قلبت الى التوابل المزيد.

هل تعتقد ان العمة سالي قادرة على استعادة الوصفة بدقة؟ بالطبع يمكنها فالأخطاء الاملائية سهلة الاستكشاف. ويمكن ايضاَ اصلاح الجمل المقلوبة فهي جمل مفردة في عدد قليل. وحتى النسخة التي فيها اضافة سنري انه يمكن تجاهلها بالتمام. من نسخ العامة سالي مثل الذي اضاف مقادير ليست في بقيت النسخ.

حتى إذا وجد اختلافات عديده ومتنوعة لازال لدينا امكانية بناء النص الاصلي بمستوى قوي وعالي من الصحة بحسب الادلة النصية. فالأخطاء الاملائية ستكون واضحة. وستظهر الجمل المقلوبة بشكل صحيح وان ضاف أحدهم جملة تفسيرية او بطريق الخطأ من خلال المقارنة يمكن اكتشافها بسهوله.

هذا الامر في شكل مبسط، يشرح لنا كيف يعمل علم النقد النصي والنقاد النصيون. ووفقاً لبروس فإن هدف العلم هو تحديد الكلمات الاصلية من خلال الادلة المتاحة.(2)

يستخدم النقد النصي لاختبار جميع وثائق النصوص القديمة وليست فقط النصوص الدينية. فيخضع له ايضا الكتابات التاريخية والادبية. فهو علم ليس مبني على العشوائية والتخمينات لأنه ليس قاصر على اللاهوت. فهناك قواعد مشتركه يعمل بها. تسمح للنقد النصي تحديد القراءة الاصلية.

كم عدد وكم عمر؟

مقدرة الباحث في النقد النصي قوية لسببين ليس لدينا نسختين او عشرة او مائة حتى. فكلما زاد العدد كان الاسهل في المقارنة.

العامل الثاني ان لدينا وجود فجوة زمنية قصيرة بين الاصل المكتوب وما نسخ منه. فوجود نسخ قريبة يزيد عمل الناقد النصي ثقة في اعادة الصياغة الدقيقة.

ونجد ان الباحثين لديهم يقين على استعاده حروب اليهود ليوسيفوس فقد كان هناك تسع مخطوطات يرجع تاريخها للقرن الخامس اي بعد أربع قرون بعد كتابتها. (3) وتاسيتوس ايضاَ.

تحدث عن الامبراطور الروماني اناليس لكن هذه ايضاً لا يوجد سوى اثنين من المخطوطات يرجع تاريخها الى العصور الوسطي (4). ثيودوسيوس هناك ثماني مخطوطات ايضاَ. حروب قيصر عشر مخطوطات تاريخ هيوديت ثماني مخطوطات، وسبع مخطوطات من افلاطون، وكل هذا مؤرخ على مدى ألف عام من الأصل. الالياذة والاوديسة تعتبر من أكثر الكتابات التي لها مخطوطات عن اي عمل كلاسيكي، فيوجد منها 647 وهذا العدد لاقي اعجاب كبير (5). وكتب بروس “انه لا يوجد عالم كلاسيكي يقول ان صحة هيرودس او ثوسيديدس هي موضع شك بالرغم ان مخطوطاتهم اتت بعد أكثر من 1300 سنة من النسخ الاصلية.(6)

بالنسبة لمعظم الادلة الكلاسيكية القديمة فعدد المخطوطات قليلة وبعضها الفجوة بين الاصل والنسخ المكتوب 800 – 2000 سنة او أكثر ومع ذلك العلماء واثقون من اعادة واستعادة الاصل بدرجة عالية من الدقة. فكل معرفتنا بالتاريخ القديم يعتمد على وثائق مثل هذه.

ادلة المخطوطات الكتابية

بالمقارنة باي كتاب آخر، نجد ان دليل مخطوطات العهد الجديد تجعلنا نُذهل. اخر احصاء تم في عام 1980 اظهر ان عدد المخطوطات هي 5366 مخطوطة يونانية وهي على هيئة قصاصات. وهناك مخطوطات على هيئة كتاب (7).

من بين ما يقرب من 3000 منها تحتوي على 34 كاملة من العهد الجديد يرجع تاريخها من القرن التاسع الى 15 (8)

هناك مخطوطات كاملة ترجع للقرن الرابع وقد اشترت الحكومة البيرطانية المخطوطة السينائية من السوفيتيين في عام 1933 ب 100 ألف جنية استريليني (9) وهي تؤرخ لسنة 340 (10) وايضا المخطوطة الفاتيكانية ترجع تاريخها بين عام 325 – 350 والمخطوطة السكندرية وهي التي تحتوي على العهد القديم كامل والعهد الجديد شبه كامل وهناك مخطوطات اخرى من اواخر القرن الرابع الى القرن الخامس.

الادلة الاكثر اثارة تاتي من القصاصات

فتوجد مخطوطة باسم تشيستر بيتي يوجد داخلها معظم العهد الجديد وتصنف الى منتصف القرن الثالث (12) وايضاَ مخطوطة بودمر التي اكتشفت عام 1956 والتي تحتوي على اربعة عشر اصحاحاً من انجيل يوحنا ايضاً الاصحاحات السبع الاخيرة وتصنف لسنة 200 او ما قبل هذا (13)

ومع ذلك نجد اكتشاف مذهل هو جزء صغير من انجيل يوحنا الاصحاح 18: 31 – 33 وتسمى بمخطوطة جون رايلاند وهي أقرب البرديات زمنا، وتاريخها يرجع الى حوالي سنة 117 الى 138 وقد يكون قبل ذلك (14). وتؤكد لنا هذه المخطوطة ان انجيل يوحنا كان واسع الانتشار ووصل الى مصر في غضون ثلاثين عام. وهو الزمن هو اقل من جيل.

ويجب ان نضع في اعتبارنا ان البرديات عبارة عن قصاصات. يوجد لدينا ايضاً حوالي 50 مخطوطة تحتوي على العهد الجديد بأكمله. على الرغم ان معظم المخطوطات الأخرى تحتوي على الاناجيل الاربعة ومع ذلك فان الادلة النصية للمخطوطات العهد الجديد بالمقارنة مع غيرها من اعمال الكتاب العصور القديمة.

اقتباسات الاباء والترجمات القديمة

لا يزال هناك لدينا فحصان جديدان يؤكدان دقة المخطوطات وهما التراجم القديمة واقتباسات الاباء في وقت مبكر. فلدينا وثائق عن تاريخ الكنيسة اليونانية وهناك الترجمة اللاتينية. وبحلول القرن الثالث والرابع ترجم العهد الجديد الى القبطية والسريانية والارمينية والجورجية. وابتدأ يمتد لثقافات جديدة وبلغات جديده وتنتشر من خلال المبشريين ونمت الكنيسة وانتشرت رسالة الانجيل (1).

وتسمى ترجمات المخطوطات اليونانية بالنسخ بالإضافة الى هذا هناك مصادر خارج الكتاب المقدس وهي مصادر قديمة نقلت عن تعاليم اباء الكنيسة يقول بول بارنيت “انه كان هناك انتاج هائل من الادب المبكر المسيحي تم الحفاظ عليه (16) ويلاحظ بروس ميتزجر الحقيقة المذهلة “ان جميع مصادر إذا تم تدميرها ولا يوجد نص العهد الجديد بامكاننا تجميع النص من كتابات الإباء” (17).

في النهاية الحكم على ما سبق

ماذا يمكننا الاستنتاج من هذه الادلة؟ اشار عالم العهد الجديد دانيال والاس على الرغم ان هناك حوالي 300 ألف اختلافات في مخطوطات العهد الجديد الا ان هذا الرقم هو مضلل للغاية لان معظم الاختلافات ليس لها تاثير وغير منطقية فهي اخطاء املائية وعبارات مقلوبة وما شبه ذلك. وبالمقارنة بين النص الرئيسي نص الاغلبية والنص الحديث يظهر اتفاق كامل بنسبة 98 % (18).

فالعهد الجديد نقدياً يقول الباحثين اننا نملك 99.5% من نص العهد الجديد ولا شيء يؤثر على اي عقيدة مسيحية (19)

إذا رفضنا العهد الجديد على الاساس النقدي فسنرفض جميع الاعمال الكلاسيكية القديمة ونعلن انها باطلة ولاغية. كل المعلومات التاريخية القديمة التي لدينا من الالفية الثانية تصبح ليس لها اي معنى.

وننتهي بالسؤال هل تم تغيير نص العهد الجديد؟ التحليل الأكاديمي يقول بشكل حاسم لا لم يتم هذا.

 

المراجع

Misquoting Truth: A Guide to the Fallacies of Bart Ehrman’s Misquoting Jesus [Timothy Paul Jones]

Larry King with Shirley MacLaine, spring 1989.
Bruce, F. F. , The New Testament Documents: Are They Reliable? (Grand Rapids: Eerdmans, 1974), 19.
Barnett, Paul, Is the New Testament History? (Ann Arbor: Vine Books, 1986), 45.
Geisler, Norman L. , Nix, William E. , A General Introduction to the Bible (Chicago: Moody Press, 1986), 405. Note: Bruce records two existing copies of this document (p. 16) but Barnett claims there’s only one (p. 45) and that single copy exists in partial form. To be conservative, I’ve cited Geisler & Nix’s statistics.
Metzger, Bruce M. , The Text of the New Testament (New York and Oxford: Oxford University Press, 1968), 34. This number consists of 457 papyri, 2 uncials and 188 minuscule manuscripts.
Bruce, 16-17.
Geisler & Nix, 402.
Ibid.
Metzger, 45.
Geisler & Nix, 392.
Ibid. , 391.
Ibid. , 389-390.
Metzger, 39-40.
Geisler & Nix, 388.
Barnett, 44.
Ibid. , p. 46-47.
Metzger, 86.
Wallace, Daniel, “The Majority Text and the Original Text: Are They Identical?,” Bibliotheca Sacra, April-June, 1991, 157-8.
Geisler and Nix, 475.

هل يمكننا الوثوق في انتقال نص العهد الجديد؟ كريج كويل

هل يمكننا الوثوق في انتقال نص العهد الجديد؟ كريج كويل

هل يمكننا الوثوق في انتقال نص العهد الجديد؟ كريج كويل

هل يمكننا الوثوق في انتقال نص العهد الجديد؟ كريج كويل

 

هل يمكننا ان نعرف بشكل يقيني ان نص العهد الجديد انتقل الينا بدقة؟ الاجابة نعم نستطيع.

في عام 1989 استضاف Larry King وهو اعلامي امريكي وكان مع Shirley MacLaine فخرج أحد الاشخاص يعترض على العهد الجديد وقال ان العهد الجديد قد تغير على مدار 2000 سنة ومن المستحيل ان يكون هناك اي دقة. والاعلامي أسرع بالتصديق على كلامه وقال ان الجميع يعرفون هذا. (1)

هذا النداء الذي طالب به الناقد للمسيحية أصبح يصل للآخرين في الشارع. ويرمز له النقاد بلعبة الهاتف. شخص يهمس في اذن الاخر وينقل الكلام من اذن الي اذن في دائرة ثم نجد تغيير في الكلام. هذه الحجج التي يقدمها النقاد لأقناع أنفسهم او الاخرين ان نص العهد الجديد لا يمكن الاعتماد عليه.

وكيف يمكن ان نعلم ان النصوص التي لدينا تعكس دقة النسخ الاصلية.

نتناول في هذا المقال موضوع الموثوقية وتوضيح العديد من التساؤلات حول المسيحية.

الحقائق الاولية

نجد ان الحجة في ظاهرها حجة مقنعة.

افتراض لعبة الهاتف يحتوي على الثغرات فهو ليس مكتوباً بل شفوياً وينتقل الكلام شفويا من رجل للآخر الي الثالث دون نموذج خطي. فالاعتماد في لعبة الهاتف على انتقال الكلام عن طريق الفم. لكن العهد الجديد لدينا وثائق مكتوبة. ترد على مفهوم تشوه الكلام في لعبة الهاتف.

ولا ينطبق افتراض لعبة الهاتف على النص المكتوب للعهد الجديد. فالعهد الجديد لم ينقل بين خط من الافراد بل مجموعات بطريقة متشعبة وليس طريقة فردية بمعني ان كان هناك نسخة واحده اصبحت 25 نسخة ثم اصبحت 200 نسخة وهكذا. ويمكننا اختبار المخطوطات المكتوبة بالدراسة ليس كلام شفوياً.

فبهذا تصبح حجة الهاتف ليس لها اي معني. ولا تستند لأي شيء.

اسمحوا لي ان اوضح امور تساعدكم على كيف يمكن للعلماء اعادة بناء الثقة لنص العهد الجديد. بمثل بسيط تحت عنوان

اعادة بناء خطاب للعمه سالي.

سأوضح من خلال هذا المثل كيف يتم استعاده النص.

كانت العامة سالي لديها حلم ان تتعلم وصفة تسلمها للأجيال القادمة فكانت عندما تستيقظ تكتب خربشات على ورقة. ثم تحاول ان تعمل الخلطة في غضون ايام نجحت وعملت خلطة باسم صلصة العمة سالي السرية.

كانت سالي متحمسة جداً ان ترسل ما توصلت اليه بخط يديها لثلاثة من الاصدقاء (كانت العمة سالي غير متواجدة في عصر التكنولوجيا ولا آلة التصوير) وكتبت مقادير الصلصة واصدقائها نسخوا عشرة نسخ لأصدقائهم.

كل شيء يسير الي حد الان على ما يرام حتى كان أحد حيوانات العمة سالي الاليفة يتجول في البيت وإذا به يأكل النسخة الاصلية للوصفة. سالي كانت في حالة من الذعر. فأذابها تتصل بأصدقائها الثلاثة في محاولة استعادة الصيغة الاصلية للصلصة.

وقد قاموا بجلب النسخ المكتوبة بخط اليد المتبقية ووجدوا انها 26 نسخة. فوجدوا داخلها بعض الاختلافات ففي ثلاثة وعشرون نسخة يوجد في كل نسخة خطأ املائي. وفي أحد النسخ وضعت كلمتين بالتبادل مثل مزيد من التوابل قلبت الي التوابل المزيد.

هل تعتقد ان العمة سالي قادرة على استعادة الوصفة بدقة. بالطبع يمكنها فالأخطاء الاملائية سهلة الاستكشاف. ويمكن ايضاَ اصلاح الجمل المقلوبة فهي جمل مفرده في عدد قليل. وحتى النسخة التي فيها اضافة سنري انه يمكن تجاهلها بالتمام. من نسخ العامة سالي مثل الذي اضاف مقادير ليست في بقيت النسخ.

حتى إذا وجد اختلافات عديده ومتنوعة لازال لدينا امكانية بناء النص الاصلي بمستوي قوي وعالي من الصحة بحسب الادلة النصية. فالأخطاء الاملائية ستكون واضحة. وستظهر الجمل المقلوبة بشكل صحيح وان ضاف أحدهم جملة تفسيرية او بطريق الخطأ من خلال المقارنة يمكن اكتشافها بسهوله.

هذا الامر في شكل مبسط هو يشرح لنا كيف يعمل علم النقد النصي والنقاد النصيون. ووفقاً لبروس.ان هدف العلم هو تحديد الكلمات الاصلية من خلال الادلة المتاحة. (2)

يستخدم النقد النصي لاختبار جميع وثائق النصوص القديمة وليست فقط النصوص الدينية. فيخضع له ايضا الكتابات التاريخية والادبية. فهو علم ليس مبني على العشوائية والتخمينات لانه ليس قاصر على اللاهوت. فهناك قواعد مشتركه يعمل بها. تسمح للنقد النصي تحديد القراءة الاصلية.

كم عدد وكم عمر؟

مقدرة الباحث في النقد النصي قوية لسببين ليس لدينا نسختين او عشرة او مائة حتى. فكلما زاد العدد كان الاسهل في المقارنة.

العامل الثاني ان لدينا وجود فجوة زمنية قصيرة بين الاصل المكتوب وما نسخ منه. فوجود نسخ قريبة يزيد عمل الناقد النصي ثقة في اعادة الصياغة الدقيقة.

ونجد ان الباحثين لديهم يقين على استعاده حروب اليهود ليوسيفوس فقد كان هناك تسع مخطوطات يرجع تاريخها للقرن الخامس اي بعد أربع قرون بعد كتابتها. (3) وتاسيتوس ايضاَ.

 تحدث عن الامبراطور الروماني اناليس لكن هذه ايضاً لا يوجد سوي اثنين من المخطوطات يرجع تاريخها الي العصور الوسطي (4). ثيودوسيوس هناك ثماني مخطوطات ايضاَ حروب قيصر عشر مخطوطات تاريخ هيروديت ثماني مخطوطات وسبع مخطوطات من افلاطون وكل هذا مؤرخ على مدى ألف عام من الاصل الالياذة والاوديسة تعتبر أكثر الكتابات لديهم مخطوطات عن اي عمل كلاسيكي فيوجد منها 647 وهذا العدد لاقي اعجاب كبير (5).

وكتب بروس “انه لا يوجد عالم كلاسيكي يقول ان صحة هيرودس او ثوسيديدس هي موضع شك بالرغم ان مخطوطاتهم اتت بعد أكثر من 1300 سنة من النسخ الاصلية. (6)

بالنسبة لمعظم الادلة الكلاسيكية القديمة فعدد المخطوطات قليلة وبعضها الفجوة بين الاصل والنسخ المكتوب 800 – 2000 سنة او أكثر ومع ذلك العلماء واثقون من اعادة واستعادة الاصل بدرجة من الدقة. فكل معرفتنا بالتاريخ القديم يعتمد على وثائق مثل هذا.

ادلة المخطوطات الكتابية

بالمقارنة باي كتاب نجد ان دليل مخطوطات العهد الجديد تجعلنا ننذهل. اخر احصاء تم في عام 1980 اظهر ان عدد المخطوطات هي 5366 مخطوطة يونانية وهي على هيئة قصاصات. وهناك مخطوطات على هيئة كتاب (7)

من بين ما يقرب من 3000 منها تحتوي على 34 كاملة من العهد الجديد يرجع تاريخها من القرن التاسع الي 15 (8)

هناك مخطوطات كاملة ترجع للقرن الرابع وقد اشترت الحكومة البريطانية المخطوطة السينائية من السوفيتيين في عام 1933 ب 100 ألف جنية إسترليني (9) وهي تؤرخ لسنة 340 (10) وايضا المخطوطة الفاتيكانية ترجع تاريخها بين عام 325 – 350 والمخطوطة السكندرية وهي التي تحتوي على العهد القديم كامل والعهد الجديد شبه كامل وهناك مخطوطات اخري من اواخر القرن الرابع الي القرن الخامس.

الادلة الاكثر اثارة تأتي من القصاصات

فتوجد مخطوطة باسم تشيستر بيتي يوجد داخلها معظم العهد الجديد وتصنف الي منتصف القرن الثالث (12) وايضاَ مخطوطة بودمر التي اكتشفت عام 1956 والتي تحتوي على اربعة عشر اصحاحاً من انجيل يوحنا ايضاً الاصحاحات السبع الاخيرة وتصنف لسنة 200 او ما قبل هذا (13)

ومع ذلك نجد اكتشاف مذهل هو جزء صغير من انجيل يوحنا الاصحاح 18: 31 – 33 وتسمي بمخطوطة جون رايلاند وهي أقرب البرديات قرباً وتاريخها يرجع للناحية الجغرافية الي حوالي سنة 117 الي 138 وقد يكون قبل ذلك (14). وتؤكد لنا هذه المخطوطة ان انجيل يوحنا كان واسع الانتشار ووصل الي مصر في غضون ثلاثين عام. وهو اقل من جيل.

ويجب ان نضع في اعتبارنا ان البرديات عبارة عن قصاصات. يوجد لدينا ايضاً حوالي 50 مخطوطة تحتوي على العهد الجديد بأكمله. على الرغم ان معظم المخطوطات الأخرى تحتوي على الاناجيل الاربعة ومع ذلك فان الادلة النصية للمخطوطات العهد الجديد بالمقارنة مع غيرها من اعمال الكتاب العصور القديمة.

اقتباسات الاباء والترجمات القديمة

لا يزال هناك لدينا فحصان جديدان يؤكدان دقة المخطوطات وهما التراجم القديمة واقتباسات الاباء في وقت مبكر. فهناك لدينا وثائق عن تاريخ الكنيسة اليونانية وهناك الترجمة اللاتينية. وبحلول القرن الثالث والرابع ترجم العهد الجديد الي القبطية والسريانية والارمينية والجورجية. وابتدئ يمتد لثقافات جديدة وبلغات جديده وتنتشر من خلال المبشرين ونمت الكنيسة وانتشرت رسالة الانجيل (15).

وتسمي ترجمات المخطوطات اليونانية بالنسخ بالإضافة الي هذا هناك مصادر خارج الكتاب المقدس وهي مصادر قديمة نقلت عن تعاليم اباء الكنيسة يقول بول بارنيت “انه كان هناك انتاج هائل من الادب المبكر المسيحي تم الحفاظ عليها (16) ويلاحظ بروس ميتزجر الحقيقة المذهلة “ان جميع مصادر إذا تم تدميرها ولا يوجد نص العهد الجديد بإمكاننا تجميع النص من كتابات الاباء (17).

في النهاية الحكم على ما سبق

ماذا يمكننا الاستنتاج من هذه الادلة؟ اشار عالم العهد الجديد دانيال والاس على الرغم ان هناك حوالي 300 ألف اختلافات في مخطوطات العهد الجديد الا ان هذا الرقم هو مضلل للغاية لان معظم الاختلافات ليس لها تأثير وغير منطقية فهي اخطاء املائية وعبارات مقلوبة وما شبه ذلك. وبالمقارنة بين النص الرئيسي نص الاغلبية والنص الحديث يظهر اتفاق كامل بنسبة 98 % (18)

فالعهد الجديد نقدياً يقول الباحثين اننا نملك 99.5 % من نص العهد الجديد ولا شيء يؤثر على اي عقيدة مسيحية (19)

إذا رفضنا العهد الجديد على الاساس النقدي فسنرفض جميع الاعمال الكلاسيكية القديمة ونعلن انها باطلة ولاغية. كل المعلومات التاريخية القديمة التي لدينا من الالفية الثانية تصبح ليس لها اي معني.

وننتهي بالسؤال هل تم تغيير نص العهد الجديد؟ التحليل الأكاديمي يقول بشكل حاسم لا لم يتم هذا.

ليكن للبركة كريج كويل

المراجع

[1] Larry King with Shirley MacLaine, spring 1989.

[2] Bruce, F. F., The New Testament Documents: Are They Reliable? (Grand Rapids: Eerdmans, 1974), 19.

[3] Barnett, Paul, Is the New Testament History? (Ann Arbor: Vine Books, 1986), 45.

[4] Geisler, Norman L., Nix, William E., A General Introduction to the Bible (Chicago: Moody Press, 1986), 405. Note: Bruce records two existing copies of this document (p. 16) but Barnett claims there’s only one (p. 45) and that single copy exists in partial form. To be conservative, I’ve cited Geisler & Nix’s statistics.

[5] Metzger, Bruce M., The Text of the New Testament (New York and Oxford: Oxford University Press, 1968), 34. This number consists of 457 papyri, 2 uncials and 188 minuscule manuscripts.

[6] Bruce, 16-17.

[7] Geisler & Nix, 402.

[8] Ibid.

[9] Metzger, 45.

[10] Geisler & Nix, 392.

[11] Ibid., 391.

[12] Ibid., 389-390.

[13] Metzger, 39-40.

[14] Geisler & Nix, 388.

[15] Barnett, 44.

[16] Ibid., p. 46-47.

[17] Metzger, 86.

[18] Wallace, Daniel, “The Majority Text and the Original Text: Are They Identical?,” Bibliotheca Sacra, April-June, 1991, 157-8.

[19] Geisler and Nix, 475.

 

المقالة الاساسية

Is the New Testament Text Reliable? Greg Koukl

شهادات مبكرة عن يسوع – فحص الأدلة

شهادات مبكرة عن يسوع – فحص الأدلة

هل عندنا شهادات مبكرة عن يسوع؟ فحص الأدلة

هل عندنا شهادات مبكرة عن يسوع؟ فحص الأدلة

“إنا الأدلة التاريخية تقودنا إلى تأكيد اعتقادنا؛ والنتيجة أن الإيمان اللازم لملء الفجوة المتبقية إيمان معقول”.

كريج بلومبرج Craig Blomberg

الإنجيل حسب غير المسيحيين

سنة 66م قام اليهود في فلسطين بثورة ضد الحكم الروماني، وإن أردنا أن نعطيها وصفاً مخففاً، نقول إن الرومان لم يتوقعوها. ومن ثم أرسل الإمبراطور قوات بقيادة الجنرال فسبزيان Vespasian لقمع التمرد واستعادة السيطرة على مناطق المتمردين. وسنة 67 ضرب فسيزيان الحصار على مدينة يودفات Jotapata المتمردة في الجليل. وفي اليوم السابع والأربعين من ذلك الحصار، فضل أحد شباب الثورة أن يستسلم للجيش الروماني الأقوى على أن ينتحر، وهو المصير الذي اختاره الكثير من اهل بلده. ونال ذلك الشاب رضا فسيزيان ثم أخذه بعد ذلك الجنرال تيطس، ابن فسيزيان، إلى روما بعد أن دمر تيطس أورشليم والهيكل اليهودي سنة 70.

وكان ذلك الشاب فلافيوس يوسيفوس Flavius Josephus (حوالي 37 – حوالي 100) الذي أصبح أعظم مؤرخ يهودي في عصره. وقد بدأ يوسيفوس كتاباته التاريخية في روما أثناء عمله مؤرخاً للإمبراطور الروماني دوميتيان Domitian. وهناك كتب سيرته الذاتية وعملين تاريخيين كبيرين. وأحدهما عمله المشهور حالياً، وعنوانه “آثار اليهود” Antiquities of the Jews الذي انتهى منه حوالي سنة 93م. وفي الكتاب الثامن عشر من هذا العمل، في القسم الثالث من الفصل الثالث كتب يوسيفوس، الذي لم يكن مسيحياً، هذه الكلمات:

في ذلك الوقت [زمن بيلاطس] كان هناك رجل حكيم يدعى يسوع. كان سلوكه طيباً وعرف بفضيلته. والكثير من اليهود ومن الأمم الأخرى صاروا له تلاميذ. إلا أن بيلاطس حكم عليه بالصلب والموت. ولكن من صاروا له تلاميذ لم يهجروا تتلمذهم له. وقد رووا أنه ظهر لهم بعد صلبه بثلاثة أيام، وأنه كان حياً؛ وبناء عليه من المحتمل أنه كان المسيا الذي روى عنه الأنبياء الأعاجيب. وهذه ليست المناسبة الوحيدة التي يشير فيها يوسيفوس[1] إلى يسوع.

ففي فقرة أخرى من كتاب “الآثار”، كشف يوسيفوس كيف استغل رئيس كهنة اليهود الجديد (حنان الصغير) الفراغ في الحكم الروماني لقتل يعقوب أخي يسوع. ففي سنة 62م مات الحاكم الروماني فستوس فجأة وهو لم يزل في منصبه. ولم يصل خليفته ألبينوس Albinus إلى اليهودية إلى بعد ثلاثة شهور. مما أتاح لحنان وقتاً كافياً للقيام بعمله الدنيء. ويصف يوسيفوس الحادثة على هذا النحو:

مات فستوس، وكان ألبينوس في الطريق لم يصل بعد، فجمع [حنان رئيس الكهنة] سنهدريم القضاة، وأحضر أمامهم أخا يسوع الذي يدعى المسيح، واسمه يعقوب، وأناساً آخرين [أو بعض رفاقه]، وعندما حَبَكَ تهمة ضدهم باعتبارهم خارجين على القانون، سلمهم للرجم.

لذا، هذه ليست مجرد إشارة أخرى إلى يسوع من القرن الأول، ولكنها أيضاً تأكيد أن يسوع كان له أخ يدعي يعقوب واضح أنه لم يكن محبوباً من السلطات اليهودية. هل من المحتمل أن يعقوب استشهد لأنه كان قائد كنيسة أورشليم كما هو متضمن في العهد الجديد؟[2]

ولكن كم عدد المصادر غير المسيحية التي تذكر يسوع؟ هناك عشرة كتاب غير مسيحيين معروفون، منهم يوسيفوس، يذكرون يسوع في غضون 150 سنة من حياته[3].

وخلافاً لذلك، نجد أنه على مدار هذه المائة والخمسين سنة هناك تسعة مصادر غير مسيحية تذكر طيباريوس قيصر، الإمبراطور في زمن يسوع. لذا، باستثناء كافة المصادر المسيحية، نجد أن المصادر التي تذكر يسوع تزيد عن التي تذكر الإمبراطور الروماني بمصدر. وإن أضفت المصادر المسيحية، تجد أن الكتاب الذين يذكرون يسوع يزيدون علن الذين يذكرون طيباريوس بنسبة 43 إلى 10![4]

وبعض هذه المصادر غير المسيحية، مثل سيلسوس Celsus، وتاسيتس Tacitus، والتلمود اليهودي يمكن أن تعتبر مصادر ضد المسيحية. ورغم أن هذه الأعمال لا تتضمن أي شهادة شهود عيان تتناقض مع الأحداث الموصوفة في وثائق العهد الجديد، فهي أعمال ألفها كتاب ضد المسيحية على خط مستقيم. فماذا نستنتج من مصادرهم ومن المصادر غير المسيحية الأكثر حيادية؟ نستنتج أنهم يعترفون بحقائق معينة عن المسيحية المبكرة تساعدنا على تجميع أحداث قصة تتوافق بشكل مدهش مع العهد الجديد. وإن جمعنا كل المراجع العشرة غير المسيحية، نرى أن:

  1. يسوع عاش أثناء حكم طيباريوس قيصر.
  2. عاش حياة فاضلة.
  3. صنع عجائب.
  4. كان له أخ يدعى يعقوب.
  5. أُعْلِنَ أنه المسيا.
  6. صلب على عهد بيلاطس البنطي.
  7. صلب ليلة الفصح اليهودي.
  8. عند موته حدثت ظلمة وزلزلة.
  9. آمن تلاميذه أنه قام من الأموات.
  10. كان تلاميذه على استعداد أن يموتوا في سبيل عقيدتهم.
  11. المسيحية انتشرت بسرعة حتى وصلت إلى روما.
  12. تلاميذ يسوع أنكروا الآلهة الرومانية وعبدوا يسوع بصفته الله.

في ضوء هذه المراجع غير المسيحية يتضح أن النظرية التي تقول بأنه لم يكن هناك شخص اسمه يسوع، غير منطقية على الإطلاق. فكيف يكشف كُتاب غير مسيحيين مجتمعين أحداث قصة تتفق مع العهد الجديد لو لم يكن هناك شخص اسمه يسوع؟ ولكن هذه الحقيقة تنطوي على مضامين أعمق. فماذا تعني بخصوص العهد الجديد؟ واضح أن المصادر غير المسيحية تؤكد العهد الجديد. فبالرغم من أن الكتاب غير المسيحيين لا يقولون إنهم يؤمنون بالقيامة. فهم يسجلون أن التلاميذ آمنوا بها دون شك.

وبما أن الإعلان الطبيعي يؤكد وجود الله وإمكانية المعجزات كما أوضحنا، وبما أن مصادر غير مسيحية تؤكد الأحداث الرئيسية في قصة المسيح والكنيسة الأولى، فهل معجزات المسيح حدثت بالفعل كما يزعم التلاميذ؟ هل وثائق العهد الجديد تسجل تاريخاً حقيقياً؟ هل من الممكن ألا تكون كتابات دينية متحيزة مليئة بالأساطير والحكايات كما يفترض الكثيرون في عالمنا الحديث. بل تصف أحداثاً وقعت بالفعل منذ حوالي ألفي عام؟ إن كان كذلك، فنحن في طريقنا إلى اكتشاف الدين الصحيح من بين الأديان التي تؤمن بالله الخالق.

وحتى نتأكد مما إذا كان العهد الجديد سجلاً لتاريخ حقيقي، ينبغي أن نجيب عن سؤالين بخصوص الوثائق التي تشكل العهد الجديد:

  1. هل لدينا نسخ دقيقة للوثائق الأصلية التي كتبت في القرن الأول؟
  2. هل تلك الوثائق تقول الحقيقة؟

حتى نصدق رسالة العهد الجديد، لا بد أن تكون إجابة كل من هذين السؤالين بالإثبات. فلا يكفي تقديم أدلة على أنه لدينا نسخة دقيقة من وثائق القرن الأول الأصلية (السؤال الأول) لأنه من المحتمل أن تلك الوثائق تسجل أكاذيب. ولكن يجب أن تتوافر لدينا نسخة دقيقة من الوثائق وأن يكون لدينا سبب لتصديق أن تلك الوثائق تصف ما حدث حقاً منذ ما يقرب من ألفي عام (السؤال الثاني). فلنبدأ بالسؤال الأول.

السؤال الأول: هل لدينا نسخة دقيقة؟

مؤكد أنك تتذكر لعبة الأطفال “التليفون”. في هذه اللعبة يعطى أحد الأطفال رسالة شفهية ليوصلها للطفل المجاور له، وهكذا دواليك. وعندما تصل الرسالة إلى آخر طفل في السلسلة تكون قد اختلفت عن الرسالة التي أعطيت لأول طفل. ويبدو للملاحظ غير المدقق أن هذا النوع من التشوه يمكن أن يطول الوثائق التي انتقلت من جيل إلى جيل على مدى ألفي عام.

ولكن من حسن الحظ أن العهد الجديد لم ينتقل بتلك الطريقة. فيما أنه لم يقال لشخص واحد أخبر به شخصاً أخر وهكذا، إذن مشكلة لعبة التليفون لا تنطبق على العهد الجديد. ولكن أعداداً كبيرة من البشر، كلاً منهم على حدة، شهدوا لأحداث العهد الجديد. والكثيرون منهم احتفظوا بها في الذاكرة، وتسعة من شهود العيان/ المعاصرين أولئك سجلوا ملاحظاتهم كتابة.

وهنا يجب أن نزيل مفهوماً خاطئاً شائعاً عن العهد الجديد. عندما نتحدث عن وثائق العهد الجديد لا نقصد كتاباً واحداً، بل حوالي 27 كتاباً. فوثائق العهد الجديد عبارة عن 27 وثيقة مختلفة كتبت على 27 درجاً مختلفاً بقلم تسعة كتاب مختلفين في فترة زمنية حوالي من عشرين إلى خمسين عاماً. وهذه الكتب الفريدة جمعت منذ كتابتها في كتاب واحد نطلق عليه اليوم الكتاب المقدس. إذن العهد الجديد ليس مجرد مصدر واحد، بل مجموعة مصادر.

ولكن أمامنا مشكلة واحدة: حتى الآن لم تكتشف ولا واحدة من وثائق العهد الجديد المكتوبة الأصلية. وليس لدينا إلا نسخ من الكتابات الأصلية يطلق عليها مخطوطات. فهل يمنعنا ذلك من معرفة ما تقوله الأصول؟

إطلاقاً. فالحقيقة أن كل كتابات العالم القديم القيمة أعيد إنشاؤها بما يطابق الشكل الأصلي عن طريق المقارنة بين المخطوطات الباقية. ولإعادة إنشاء الأصل. من المفيد أن يتوافر لدينا عدد كبير من المخطوطات التي كتبت بعد الأصل بفترة ليست طويلة. وكلما ازداد عدد المخطوطات وكلما كانت أقدم، عادة ما توفر لنا شهادة أكثر موثوقية وتمكننا من إعادة الإنشاء بمزيد من الدقة.

فما مدى مطابقة وثائق العهد الجديد لهذه القواعد؟ إنها تتطابق معها بدرجة كبيرة جداً، بل بدرجة تفوق بكثير أياً من وثائق العالم القديم. فالحقيقة أن مخطوطات وثائق العهد الجديد أكثر وأقدم ولها أدلة أوفر مقارنة بأفضل عشرة أعمال كلاسيكية مجتمعة. وإليك ما نعنيه:

مخطوطات أكثر: بين آخر إحصاء أن مخطوطات العهد الجديد اليونانية المكتوبة بخط اليد تصل إلى ما يقرب من 5700 مخطوطة. علاوة على ذلك هناك أكثر من 9000 مخطوطة بلغات أخرى (مثل السريانية، والقبطية، واللاتينية، والعربية). وبعض هذه المخطوطات التي تبلغ زهاء 15000 مخطوطة عبارة عن كتاب مقدس كامل، والبعض الآخر عبارة عن أسفار أو صفحات، والقليل منها مجرد قصاصات غير مكتملة.

وكما هو مبين في الشكل التالي، ليس هناك شيء من العالم القديم يقترب من هذا المستوى من تأييد المخطوطات لصحة النص. فأول عمل يقترب من هذا المستوى بعد العهد الجديد هو إلياذة هوميروس التي يبلغ عدد مخطوطاتها 643 مخطوطة. ومعظم الأعمال القديمة الأخرى تستند على أقل من اثنتي عشرة مخطوطة، ومع ذلك قليل من المؤرخين يشككون في تاريخية الأحداث التي تصفها تلك الأعمال.

شهادات مبكرة عن يسوع – فحص الأدلة

مخطوطات أقدم:

إن العهد الجديد لا يتمتع بالتأييد نتيجة لوفرة مخطوطاته فحسب، بل يتمتع أيضاً بمخطوطات كتبت بعد الأصول بفترة وجيزة. وأقدم مخطوطة لا خلاف عليها عبارة عن جزء من يوحنا 18: 31-33، 37، 38 وتعرف باسم قصاصة جون ريلاندز John Rylands Fragment (لأنها محفوظة في مكتبة جون ريلاندز John Rylamds Library في مانشستر بإنجلترا). ويحدد الدارسون تاريخها فيما بين 117-138م، ولكن البعض يقولون إنها أقدم من ذلك. وقد وجدت في مصر على البحر المتوسط مقابل المكان الذي يتوقع أنها كتبت فيه في آسيا الصغرى. مما يبين أن إنجيل يوحنا نسخ وانتشر في مساحة شاسعة بحلول مطلع القرن الثاني.

ولكن هناك تسع قصاصات عليها خلاف أقدم من قصاصة جون ريلاندز يترواح تاريخها من 50 إلى 70م، عثر عليها مع مخطوطات البحر الميت. ويعتقد بعض العلماء أن هذه القصاصات عبارة عن أجزاء من ستة أسفار من العهد الجديد تتضمن إنجيل مرقص، وسفر الأعمال، ورسالة رومية، ورسالة تيموثاوس الأولى، ورسالة بطرس الثانية، ورسالة يعقوب. ورغم أن علماء آخرين يعترضون على هذا الاستنتاج (ربما لأن الاعتراف به يقوض ميلهم الليبرالي إلى الاعتقاد بأن العهد الجديد كتب في مرحلة متأخرة عن ذلك)، فلم يمكنهم العثور على أي نصوص أخرى بخلاف العهد الجديد تتطابق مع هذه المخطوطات[5].

وقد وجدت القصاصات في كهف عرف فيما سبق أنه يحوي مادة من سنة 50ق. م إلى 50م. وأول عالم رصد هذه القصاصات المبكرة باعتبارها أسفاراً من العهد الجديد هو هوسية أوكالاهان Jose O’Callahan وهو عالم اسباني مشهور في خطوط الكتابة Paleographer. وقد أقرت مجلة نيويورك تايمز بتداعيات نظرة أوكالاهان إذ اعترفت أنها إذا كانت صحيحة «ستثبت أن واحداً من الأناجيل على الأقل، ألا وهو إنجيل القديس مرقص، كتب عقب موت يسوع ببضع سنوات قليلة”.

ولكنها حتى إن لم تكن قصاصات حقيقية من العهد الجديد وقصاصة جون ريلاندز هي فعلاً الأقدم، فالفاصل الزمني بين الأصل وأول نسخة باقية ما زال أقصر بكثير من أي شيء آخر من العالم القديم[6]. فثاني أقصر فاصل هو الذي يفصل بين أصل الإلياذة وأقدم نسخها، ويبلغ حوالي 500 سنة، ومعظم الأعمال القديمة الأخرى يبلغ عمرها 1000 سنة أو أكثر بعد الأصل. ولكن فجوة العهد الجديد حوالي 25 سنة وربما أقل. (وهذا لا يعني عدم وجود مخطوطات أخرى بين الأصل والنسخة الأولى، بل المؤكد أنه كان هناك مخطوطات. ولكنه يعني ببساطة أن تلك المخطوطات فنيت، أو دمرت، أو لم تكتشف بعد).

ما عمر أقدم المخطوطات الباقية لأسفار كاملة من العهد الجديد؟ المخطوطات التي تمثل أسفاراً كاملة من العهد الجديد باقية من حوالي سنة 200م. وماذا عن أقدم مخطوطات العهد الجديد كاملاً؟ معظم العهد الجديد، بما فيه كل الأناجيل، باق من سنة 250، وهناك مخطوطة للعهد الجديد كله (وتتضمن عهداً قديماً يونانياً) يطلق عليها المخطوطة الفاتيكانية Codes Vaticanus باقية من حوالي سنة 325. وما زال عدد من المخطوطات الأخرى الكاملة باقياً من ذلك القرن. وتتميز تلك المخطوطات بسمات في الهجاء وعلامات الترقيم ترجح أنها تنمي لعائلة من المخطوطات يمكن إرجاعها إلى سنة 100-150م.

فإن كان هذا العدد الضخم من المخطوطات المبكرة كل ما يملكه العلماء، يمكنهم إعادة إنشاء العهد الجديد الأصلي بقدر كبير من الدقة. ولكنهم أيضاً يملكون أدلة داعمة وفيرة من العالم القديم تزيد من درجة اليقين في إعادة إنشاء العهد الجديد. فلنتناول هذه الفكرة فيما يلي.

مخطوطات مؤيدة بأدلة وفيرة:

منذ شباط/ فبراير 303م أصدر الإمبراطور الروماني دقلديانوس ثلاثة مراسيم تقضي باضطهاد المسيحيين لأنه اعتقد أن وجود المسيحية يكسر العهد بين روما وآلهتها. وقد دعت المراسيم إلى تدمير الكنائس، والمخطوطات، والكتب، وقتل المسيحيين.

وهو ما أدى إلى تدمير مئات، إن لم يكن آلاف، المخطوطات في أنحاء الإمبراطورية الرومانية أثناء هذا الاضطهاد الذي استمر حتى سنة 311م. ولكن حتى إن كان دقلديانوس قد نجح في مسح كل المخطوطات الكتابية من على وجه الأرض، إلا أنه لم ينجح في تدمير قدرتنا على إعادة إنشاء العهد الجديد. لماذا؟ لأن آباء الكنيسة الأوائل الذين عاشوا في القرنين الثاني والثالث مثل يوستينوس الشهيد، وإيريناوس، وأكليمندس السكندري، وأوريجانوس، وترتليان وغيرهم، اقتبسوا من العهد الجديد بغزارة (36289 مرة بالضبط) حتى إنه يمكن إعادة إنشاء العهد الجديد كله ما عدا 11 آية من اقتباساتهم فقط.

أي أنه يمكنك أن تزور مكتبتك العامة المحلية، وتستعير أعمال آباء الكنيسة الأوائل وتقرأ العهد الجديد كله تقريباً من اقتباساتهم منه فقط! إذن لسنا نملك آلاف المخطوطات فقط، بل آلاف الاقتباسات من تلك المخطوطات وهو ما يجعل إعادة إنشاء النص الأصلي عملية تكاد تكون يقينية. ولكن ما مدى يقينيتها؟ كيف يعاد إنشاء الأصول، وما مدى دقة هذا العهد الجديد الذي أعيد إنشاؤه؟

 

كيف يعاد إنشاء الأصل؟

 هذه الحقائق الثلاث: مخطوطات كثيرة، مبكرة، مدعمة بالأدلة؛ تيسر على العلماء إعادة إنشاء مخطوطات العهد الجديد الأصلية. فعملية مقارنة العدد الضخم من النسخ والاقتباسات تسمح بإعادة إنشاء الأصل بمنتهى الدقة حتى وإن حدثت أخطاء أثناء النسخ. كيف تسير هذه العملية؟ خذ المثال التالي، هب أن عندنا أربع مخطوطات مختلفة تحوي أربعة أخطاء مختلفة في آية واحدة مثل فيلبي 4: 13(«أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني»). إليك النسخ الافتراضية:

  1. أ#تطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني.
  2. أس#طيع كل شيء في المسيح الذي يقويني.
  3. أست#يع كل شيء في المسيح الذي يقويني.
  4. أستط#ع كل شيء في المسيح الذي يقويني.

هل من غموض حول ما يقوله الأصل؟ لا غموض على الإطلاق. فبمقارنة المخطوطات ومطابقتها ببعضها البعض يمكن إعادة إنشاء العهد الجديد الأصلي بدقة متناهية. بل إن إعادة إنشاء العهد الجديد أسهل من ذلك لأن الأخطاء في مخطوطات العهد الجديد الحقيقية أقل بكثير من المبينة في هذا المثال.

ولنفترض لحظة أن العهد الجديد فعلاً كلمة الله. وعندئذ قد يسأل الشكوكيون: «إن كان العهد الجديد فعلاً كلمة الله، فلماذا لم يحفظ الله الأصل؟» لا يمكننا هنا إلا أن نخمن، ولكن أحد الاحتمالات هو أن كلمته يمكن أن تحفظ في النسخ أفضل مما تحفظ في الوثائق الأصلية. كيف؟

لأنه لو كان الأصل بحوزة أحد الأشخاص. قد يحرفه. ولكن إن كانت النسخ منتشرة في كافة أنحاء العالم القديم، فمن المستحيل أن يغير واحد من الكتبة أو الكهنة كلمة الله. وكما رأينا، عملية إعادة الإنشاء تسمح بتحديد التغييرات والتنوعات بين النسخ وتصحيحها بسهولة كبيرة. لذا من المدهش أن عدم وجود الأصول قد يحفظ كلمة الله على نحو أفضل مما لو كانت الأصول موجودة.

 

ما مدى دقة إعادة الإنشاء؟

لتناول قضية الدقة، علينا أن نجلو بعض المفاهيم الخاطئة عند الكثير من النقاد بخصوص “الأخطاء” في المخطوطات الكتابية. فقد قدر البعض أن هناك حوالي 200 ألف خطأ في مخطوطات العهد الجديد.

أولاً، هذه ليس “أخطاء” ولكنها قراءات متنوعة، وغالبيتها العظمى لغوية صرف (أي علامات ترقيم وهجاء).

ثانياً، هذه القراءات موزعة على ما يقرب من 5700 مخطوطة، بحيث إن التنوع في هجاء حرف واحد في كلمة واحدة في آية واحدة في 2000 مخطوطة يحسب 2000 “خطأ”.

وقد قدر عالما الدراسات النصية Textual Scholars وسكوت Westcott وهورت Hort أن التنوعات ذات الأهمية تعادل فقط واحداً من ستين. وهو ما يعني نقاء النص بنسبة 98,33٪. وقد حسب فيليب شاف Philip Schaff أنه، من بين التنوعات المائة والخمسين ألفاً المعروفة في أيامه، 400 فقط هي التي غيرت معنى النص، وخمسون فقط من هذه الأربعمائة ذو قيمة حقيقية، وليس هناك ولا حتى واحد منها أثر على «أحد أركان الإيمان أو إحدى الوصايا؛ حيث إنها مؤيدة بالعدد من النصوص الأخرى التي لا يرقى إليها الشك، وبروح التعليم الكتابي ككل».

ما من كتاب آخر من العالم القديم يتمتع بهذا القدر من الدقة. وقد قدر أستاذ العهد الجديد البارز والأستاذ بجامعة برينستون، بروس متسجر Bruce Metzger أن نسخ كتاب المهابهاراتا Mahabharata الهندوسي دقيق بنسبة حوالي 90٪ فقط، وإلياذة هوميروس بنسبة حوالي 95٪. وبالمقارنة، قدر أن العهد الجديد دقيق بنسبة حوالي 99,5٪. وأيضاً الـ 0,5٪ المشكوك فيها لا تؤثر على تعليم واحد من تعاليم الإيمان المسيحي.

فردريك كنيون Fredric Kenyon الذي يعد حجة في المخطوطات القديمة، أوجز ببراعة وصع العهد الجديد في هذه السطور: إن الكلمات تعجز عن تأكيد مدى دقة نص الكتاب المقدس في جوهره. وخاصة العهد الجديد. فعدد مخطوطات العهد الجديد، وترجماته المبكرة، واقتباسات أقدم كُتاب الكنيسة منه كبير جداً حتى أننا نكاد نجزم أن القراءة الصحيحة لكل نص مشكوك فيه محفوظة في واحدة أو أخرى من هذه المراجع القديمة الموثوقة. وهو ما لا يمكن أن يقال عن أي كتاب آخر من كتب العالم القديم.

إذن نحن نعلم أن العهد الجديد الذي بين أيدينا هو نفسه الذي كتب من 2000 سنة تقريباً. ولكن السؤال التالي أهم: هل هو نسخة دقيقة من الحق، أم أنه كذبة؟ أي هل العهد الجديد موثوق تاريخياً؟

 

السؤال الثاني: هل العهد الجديد موثوق تاريخياً؟

عندما نطرح سؤال: «هل العهد الجديد موثوق تاريخياً؟» نحن نحاول أن نكتشف ما إذا كانت الأحداث الكبرى التي تصفها وثائق العهد الجديد حدثت بالفعل أم لا. وتحديداً، هل كان هناك فعلاً رجل يهودي منذ 2000 عام تقريباً يدعى يسوع علم حقائق عميقة، وصنع معجزات، وصلب على يد السلطات الرومانية واليهودية لأنه زعم أنه الله، وظهر للكثير من الشهود عقب قيامته من الأموات بعد ثلاثة أيام؟

من المهم أن نلاحظ أننا هنا لا نحاول أن نكتشف ما إذا كان العهد الجديد خالياً من الأخطاء أو ما إذا كان “كلمة الله”. كل ما نحاول أن نكتشفه هو ما إذا كانت أحداث القصة الأساسية حقيقة، وليست خيالاً. وحتى نكتشف ذلك، يجب أن نتثبت من نوعية السجلات التي تؤلف العهد الجديد. هل هي وثائق كتبها شهود عيان عقب الأحداث بفترة وجيزة (أو كتبها أناس التقوا بشهود العيان شخصياً وتحدثوا معهم)، أم أنها وثائق كتبها أتباع متحيزون بعد الأحداث بفترة طويلة وأضافوا تفاصيل تجميلية عن حياة شخصية تاريخية حقيقية؟

ولكي نكتشف، سنفحص وثائق العهد الجديد في بضعة الفصول القادمة بمعايير غالباً ما يستخدمها المؤرخون ليحددوا صدق أو كذب أي وثيقة تاريخية. وسنشير إلى هذه المعايير باسم “الاختبارات التاريخية”. وهي تتكون من:

1 – هل عندنا شهادة مبكرة؟ بوجه عام، كلما كانت المصادر أقدم، كانت الشهادة أدق.

2 – هل عندنا شهادة شهود عيان؟ عادة شهادة شهود العيان أفضل وسيلة للتأكد مما حدث بالضبط.

3 – هل عندنا شهادة من شهود عيان متعددين ومستقلين عن بعضهم البعض؟ شهود العيان المتعددون والمستقلون عن بعضهم البعض يؤكدون أن الأحداث حدثت بالفعل (إنها ليس خيالاً)، ويدلون بتفاصيل إضافية قد تفوت المصدر الواحد. (المصادر الصادقة المستقلة عن بعضها البعض عادة ما تتفق في القصة الأساسية ولكنها تختلف في التفاصيل. وهو ما يطلق عليه المؤرخون أحياناً “الاتساق مع عدم التماثل” Coherence with dissimilarity).

4 – هل شهود العيان مصادر موثوقة؟ هل يجب أن تصدقهم؟ شخصية الإنسان الأخلاقية مهمة.

5 – هل لدينا أدلة داعمة من علم الآثار أو كتابات أخرى؟ هذا يقدم مزيداً من التأكيد.

6 – هل لدينا شهادات من أعداء؟ إن كان خصوم شهود العيان يعترفون بأشياء معينة يقول شهود العيان إنها صحيحة فهي غالباً صحيحة فمثلاً إن كانت أمك تقول إنك شجاع، قد يكون قولها صحيحاً، ولكنه غالباً يكون أكثر مصداقية إن كان عدوك اللدود يعترف به).

7 – هل الشهادات تتضمن أحداثاً أو تفاصيل محرجة للكُتاب؟ بما أن معظم الناس لا يحبون أن يسجلوا معلومات سلبية عن أنفسهم، فأي شهادة تسيء إلى صورة الكاتب غالباً تكون صحيحة.

وفي معظم الحالات، الوثائق التي تجتاز معظم هذه الاختبارات التاريخية، أو كلها، تعتبر موثوقة بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. فما مستوى وثائق العهد الجديد بالنسبة لهذه الاختبارات؟ سنكتشف في هذا الفصل والفصول الثلاثة القادمة. ولكن قبل أن نبدأ في الاختبار التاريخي رقم 1 (الشهادة المبكرة)، يجب أن نرد على بعض الاعتراضات التي تمنع الكثير من الشكوكيين حتى من التفكير في صحة العهد الجديد.

اعتراضات شائعة على صحة العهد الجديد

التاريخ لا يمكن أن يعرف: أحدث حجة صيغت ضد حتى مجرد التفكير في صحة وثائق العهد الجديد هي التي تؤكد أننا لا نستطيع أن نعرف التاريخ. والمضحك أن هذا الاعتراض عادة ما يصدر من نفس الأشخاص الذين يقولون إنهم يعرفون أن الحياة الأولى تولدت تلقائياً من كيماويات غير حية، وأن كل الحياة اللاحقة تطورت من تلك الحياة الأولى دون تدخل ذكي. إنهم على يقين مطلق بشأن ذلك التاريخ رغم عدم وجود شهود عيان أو بيانات داعمة لتلك الأحداث. ومع ذلك فهم يؤكدون أن قيامة يسوع المسيح، وهي حدث يؤكده شهود عيان وبيانات داعمة، لا يمكن أن يعرف!

والتأكيد الذي يقول باستحالة معرفة التاريخ ضد الحس السليم تماماً. فهل نحن لسنا متأكدين أن جورج واشطن كان أول رؤساء الولايات المتحدة؟ وأن لينكون كان السادس؟ وأن اليابان ضربت بيرل هاربور Pearl Harbor يوم 7 كانون الأول/ ديسمبر 1941؟

وأن فريق نيويورك متس New York Mets لكرة البيسبول فاز ببطولة ورلد سيريز World Series سنة 1969؟ طبعاً متأكدون. إن الشكوكي مخطئ. فنحن نستطيع أن نعرف التاريخ، بل نعرفه بالفعل. والحقيقة أننا إن لم نكن قادرين على معرفة التاريخ، فيستحيل أن نرصد التحريف التاريخي Historical Revisionism أو الدعاية التاريخية الزائفة Historical Propaganda وكلتاهما تفترضان وجود تاريخ موضوعي يمكن معرفته.

لماذا لا يستطيع الشخص أن يعرف حدثاً من الماضي؟ قد يقول الشكوكي: «لأنك لا تمتلك كل الحقائق». وهو ما نرد عليه بالقول: «إذن العلماء أيضاً لا يستطيعون أن يعرفوا أي شيء لأنهم لا يملكون كل الحقائق». واضح أنه كلام عبثي. فرغم أننا لا نملك كل الحقائق، يمكننا أن نجمع ما يكفي منها حتى نصل إلى يقين معقول بشأن ما وقع من أحداث.

وينطوي هذا التشوش جزئياً على الفشل في تعريف كلمة “المعرفة”. فبما أننا لا نستطيع أن نعود بالزمن ونشهد الأحداث التاريخية مجدداً، فمعرفتنا التاريخية تقوم على الاحتمالية. وهو ما يعني أننا نستخدم نفس المقاييس التي تستخدمها هيئة المحكمة للجزم بما إذا كان المدعى عليه هو مرتكب الجريمة بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. فإن كانت معرفة التاريخ مستحيلة، إذن لا يمكن لأي محكمة أن تصدر أي حكم!

ففي كل الأحوال، هيئة المحكمة تحكم بإدانة المتهم أو براءته بناء على معرفتها بحدث ماض. والمؤرخون عليهم أن يكتشفوا أحداث الماضي مثلما يفعل رجال الشرطة وعلماء الأدلة الجنائية، أي بجمع الأدلة معاً والتحدث مع شهود العيان. وعندما يفعلون ذلك، غالباً ما يستخدمون الاختبارات التاريخية السبعة التي سردناها أعلاه.

وأخيراً، إن كنا لا نستطيع أن نعرف التاريخ، إذن الشكوكيون لا يستطيعون أن يزعموا أن المسيحية ليس صحيحة. فحتى يقول الشكوكي بأن المسيحية ليس صحيحة، عليه أن يعرف التاريخ. لماذا؟ لأن كل نفي يتضمن إثباتاً. فحتى يقول الشكوكي بأن يسوع لم يقم من الأموات (النفي)، يجب عليه أن يعرف ما حدث له فعلاً (الإثبات).

في النهاية يتضح أن الشكوكيين واقعون في مأزق. فإن قالوا إن معرفة التاريخ مستحيلة، لا يستطيعون أن يقولوا إن التطور صحيح والمسيحية خاطئة. وإن اعترفوا بأن معرفة التاريخ ممكنة، عليهم أن يتعاملوا مع العديد من أنواع الأدلة التاريخية على الخلق والمسيحية.

وثائق العهد الجديد تحتوي على معجزات:

عادة ما يتعرض الشكوكيون قائلين: «العهد الجديد يحتوي على معجزات، إذن جزء كبير منه لا بد أن يكون أساطير». لقد أجبنا على ذلك الاعتراض. بما أن الله موجود، إذن المعجزات ممكنة. وكما سنرى في الفصل الثالث عشر، أحداث العهد الجديد تتم في إطار لم تكن فيه المعجزات ممكنة فحسب بل جاءت عنها نبوات. إذن وجود المعجزات لا ينفي تاريخية وثائق العهد الجديد، بل بالعكس قد يقوي تاريخيتها (لأنها تسجل أحداثاً تم التنبؤ بها).

كتاب العهد الجديد متحيزون: قال الشكوكي الكبير ديفيد هيوم إن الشهود لا بد أن يكونوا محايدين حتى يكونوا جديرين بالثقة. لذا، عندما ينظر الشكوكيون إلى وثائق العهد الجديد، غالباً ما يسألون: «كيف تستطيع أن تقول إنها جديرة بالثقة وقد كتبها المتحولون إلى المسيحية؟ إنها روايات منحازة كتبها أشخاص منحازون».

صحيح أن كتاب العهد الجديد كانوا أشخاصاً متحيزين ومتحولين إلى المسيحية. إلا أن هذا لا يعني أنهم كانوا يكذبون أو يبالغون. بل الحقيقة أن تحولهم للمسيحية وتحيزهم غالباً ما دفعاهم بالفعل لتحري المزيد من الدقة. فلنر سبب ذلك.

منذ بضع سنوات، على إحدى الفضائيات بدأ فيلم وثائقي مفترض أنه عن يسوع بهذا التعليق بصوت الراوي: «معظم ما نظن أننا نعرفه عن يسوع يأتي من أناجيل العهد الجديد: متى، ومرقص، ولوقا، ويوحنا. ولكننا لا نستطيع أن نثق في دقة المعلومات التي تقدمها تلك الأسفار لأن كتابها كانوا ممن تحولوا إلى المسيحية».

ما الخطأ في ذلك المنطق؟ الخطأ في ذلك المنطق أنه ينقصه طرح أهم سؤال: لماذا تحولوا إلى المسيحية؟ فالحقيقة أن أول وأهم سؤال ليس: «ماذا كانت عقائد كُتاب العهد الجديد؟» بل أول وأهم سؤال: «لماذا تحولوا إلى هذه العقائد الجديد؟» أي لماذا هجر كُتاب العهد الجديد موارد رزقهم بغتة وتقاليدهم الدينية التي كانوا يجلونها من أجل هذه العقائد الجديدة؟

طرحت (أنا فرانك) ذلك السؤال، أثناء مناظرة إذاعية من وقت ليس ببعيد، على اثنين ممن لا يؤمنون أن يسوع صلب، ومن ثم مستحيل أن يكون قد قام. وبناء على ذلك، سألتهما: «لماذا تحول كُتاب العهد الجديد فجأة من اليهودية إلى الإيمان بقيامة يسوع؟» فقال أحدهما: «لأنهم أرادوا أن يكتسبوا سلطة على الشعب».

قلت: «ما السلطة التي اكتسبها كُتاب العهد الجديد بتأكيدهم أن يسوع قام من الأموات الإجابة أنهم “لم يكتسبوا أي سلطة على الإطلاق”. الحقيقة أنهم اكتسبوا ما هو عكس السلطة تماماً: الخضوع، والخدمة، والاضطهاد، والتعذيب، والموت”. فلم يجدا إجابة. ثم سألتهما السؤال بطريقة مختلفة: «لو لم تكن قصة القيامة حقيقية، ترى ما الدافع الذي جعل كُتاب العهد الجديد يختلقونها؟»

ولم تكن عندهما إجابة أيضاً. لماذا؟ لأنهما بدأ يدركان أن كل الدوافع الأرضية كانت تدفع كُتاب العهد الجديد إلى إنكار القيامة لا إلى إعلانها. فلم يكن هناك أي دافع أو حافز يغريهم باختلاق قصة العهد الجديد. والحقيقة أننا دائماً ما نجد أن الوعد بالخضوع، والخدمة، والاضطهاد، والتعذيب، والموت لا يدفع أي شخص لاختلاق مثل هذه القصة.

مؤكد أن كُتاب العهد الجديد لم يكن عندهم سبب لاختراع دين جديد. بل علينا أن نتذكر أن جميعهم (ربما باستثناء لوقا) كانوا يهوداً آمنوا إيماناً راسخاً أن اليهودية هي الدين الوحيد الصحيح. وهذا الدين الذي بلغ عمره آنذاك زهاء ألفي عام أكد أنهم، أي اليهود، شعب الله المختار. فلماذا يخاطر اليهود الذين تحولوا إلى المسيحية بالاضطهاد، والموت، وربما الهلاك الأبدي، لأنهم أسسوا شيئاً 1) لم يكن صحيحاً، 2) رفع مكانة غير اليهود إلى العلاقة الوحيدة الصحيحة التي زعموا أنهم يتمتعون بها مع خالق الكون؟

ولو لم تكن القيامة قد حدثت بالفعل، لماذا يهجرون بشكل شبه فوري حفظ السبت، والختان، وناموس موسى، ومركزية الهيكل، والنظام الكهنوتي، وغير ذلك من تعاليم العهد القديم؟ لا شك أن كُتاب العهد الجديد شهدوا أدلة قوية جداً دفعتهم إلى إدارة ظهروهم لتلك العقائد والممارسات القديمة التي ميزتهم وآباءهم لمدة ما يقرب من ألفي عام.

الأشخاص المتحولون إلى إيمان آخر غير موضوعيين: هنا قد يعترض الشكوكيون قائلين: «ولكن بما أن كُتاب العهد الجديد كانوا أشخاصاً متحولين إلى المسيحية، يستحيل أن يكونوا موضوعيين». كلام فارغ. فالناس يمكن أن يكونوا موضوعيين حتى إن لم يكونوا محايدين. الطبيب مثلاً يستطيع أن يشخص تشخيصاً موضوعياً حتى إن كان يشعر بعواطف قوية تجاه المريض. أي أنه يقدر أن يكون موضوعياً رغم أنه غير محايد. فالحقيقة أن مشاعره نحو المريض قد تدفعه لمزيد من الدقة في التشخيص ثم معالجة المرض على النحو الصحيح.

وفي كتابتنا لهذا الكتاب، رغم أننا طبعاً غير محايدين، فنحن نقدم حقائق موضوعية. وكذلك الملحدون غير محايدين، ولكنهم أيضاً يستطيعون أن يقدموا حقائق موضوعية إن أرادوا. وكُتاب العهد الجديد أيضاً يقدرون أن يفعلوا ذلك.

وحقيقة الأمر أن كل الكتب تكتب لغرض، ومعظم الكُتاب يؤمنون بما يكتبون. إلا أن هذا لا يعني أن ما يكتبونه خطأ أو لا يحتوي على عنصر موضوعي. ولكن كما ذكرنا في تمهيد هذا الكتاب، الناجون من الهولوكوست الذين كتبوا خبراتهم، مؤكد أنهم لم يكونوا متفرجين محايدين. فقد آمنوا بكل قلوبهم بضرورة تسجيل تلك الأحداث لأنهم أرادوا ألا ينسى العالم أبداً الهولوكوست وتمنوا ألا يكرره أبداً. فرغم أن الولع بموضوع معين قد يدفع البعض إلى المبالغة، قد يدفع البعض الآخر إلى مزيد من الدقة والحرص حتى لا يفقد مصداقية وقبول الرسالة التي يبغي توصيلها.

وهذا التمييز بين الحياد والموضوعية عند كُتاب العهد الجديد نقطة في منتهى الأهمية. ففي أغلب الأحيان الوثائق التي تكوّن العهد الجديد ينظر إليها تلقائياً على أنها متحيزة وغير جديرة بالثقة. وهو أمر يثير السخرية لأن أصحاب هذا الموقف غالباً ما يكونون هم أنفسهم متحيزين. وهم متحيزون لأنهم لم يفحصوا أولاً وثائق العهد الجديد ولا الإطار الذي كتبت فيه حتى يمكنهم أن يبنوا تقييمهم لمصداقيتها على معلومات سليمة.

وكما سنرى بعد قليل، وثائق العهد الجديد ليست “دعاية كنيسية زائفة” ولا مجموعة كبيرة من الكتابات قصد بها الترويج للاهوت من صنع الكنيسة. فما هي إذن؟ هذا هو السؤال الذي سنتناوله في بقية هذا الفصل والفصول الثلاثة القادمة. فلنبدأ. نعرف أن عندنا نسخة دقيقة مما كتبه كُتاب العهد الجديد. ولكن هل تلك الوثائق جديرة بالثقة؟ سؤالنا الأول يتناول الاختبار التاريخي: 1 – هل وثائق العهد الجديد من تاريخ مبكر؟

هل وثائق العهد الجديد من تاريخ مبكر؟ نعم. منذ متى؟

كل أسفار العهد الجديد كتبت قبل سنة 100م (بعد موت وقيامة يسوع بحوالي 70 سنة): كما يبين الجدول التالي ثلاثة من آباء الكنيسة الأوائل وهم أكليمندس وإغناطيوس وبوليكاريوس اقتبسوا نصوصاً من 25 سفراً من أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين في رسائل مكتوبة بين سنة 95 وسنة 110م. والسفران الوحيدان اللذان لم يقتبسوا منها هما رسالة يهوذا ورسالة يوحنا الثانية، وهما من أصغر الأسفار، ولكن مؤكد أنهما كانتا قد كتبتا.

(كان يهوذا قد كتب رسالته الصغيرة قبل هذا التاريخ لأنه حيث أنه كان أخاً ليسوع، نكاد نكون متأكدين أنه توفي قبل 100م، ويوحنا الثانية كانت قد كتبت لأنها تسبق يوحنا الثالثة التي كانت ضمن الخمسة والعشرين سفراً التي اقتبس منها آباء الكنيسة).

 

وثائق العهد الجديد اقتبسها:

أكليمندس

كتب من روما (حوالي سنة 95م)

إغناطيوس

كتب من سميرنا في آسيا الصغرى (حوالي سنة 107م)

بوليكاريوس

كتب من سميرنا في آسيا الصغرى (حوالي سنة 110م)

متى

مرقص

لوقا

رومية

كورنثوس الأولى

أفسس

 تيموثاوس الأولى

تيطس

العبرانيين

 يعقوب

بطرس الأولى

متى

مرقص

لوقا

يوحنا

أعمال الرسل

رومية

كورنثوس الأولى

كورنثوس الثانية

غلاطية

أفسس

 فيلبي

كولوسي

تسالونيكي الأولى

تيموثاوس الأولى

تيموثاوس الثانية

تيطس

فليمون

العبرانيين

يعقوب

بطرس الأولى

بطرس الثانية

يوحنا الأولى

يوحنا الثالثة

رؤيا يوحنا

متى

مرقص

لوقا

يوحنا

أعمال الرسل

رومية

كورنثوس الأولى

كورنثوس الثانية

غلاطية

أفسس

 فيلبي

كولوسي

تسالونيكي الثانية

تيموثاوس الأولى

تيموثاوس الثانية

العبرانيين

بطرس الأولى

يوحنا الأولى

بما أن أكليمدنس كان في روما وكان إغناطيوس وبوليكاريوس على بعد مئات الأميال في سميرنا، مؤكد أن وثائق العهد الجديد الأصلية كتبت قبل ذلك بوقت طويل، وإلا لما انتشرت عبر العالم القديم قبلما اقتبس منها آباء الكنيسة الثلاثة. ومن ثم يمكننا أن نقول بثقة إن العهد الجديد كله كُتب قبل سنة 100م وعلى الأقل الأسفار الموضحة في العمود الأيمن كتبت قبل سنة 95 بعدة سنوات.

ولكن هذا هو أحدث تاريخ يمكن أن تكون أسفار العهد الجديد قد كتبت فيه. فغالباً أن معظمه كتب في فترات مبكرة قبل ذلك بكثير. قبل ذلك بكم عام؟ معظمه، إن لم يكن كله، قبل سنة 70م.

معظم هذه الأسفار، إن لم يكن كلها، كُتب قبل سنة 70م (بعد موت وقيامة يسوع بحوالي 40 سنة): تخيل ذلك، أنت يهودي تقي في القرن الأول. وأورشليم، ولا سيما الهيكل يمثلان مركز حياتك القومية والاقتصادية والدينية. وقد ظل الحال هكذا في أمتك وعائلتك وكل العائلات اليهودية تقريباً على مدى ألف عام منذ أن بنى سليمان الهيكل الأول. وأحدث هيكل الذي بناه الملك هيرودس اكتمل معظمه عندما كنت طفلاً، ولكن أجزاء منه لا تزال تحت الإنشاء منذ سنة 19ق.م.

وقد حضرت طيلة حياتك خدمات في الهيكل وقدمت ذبائح هناك للتكفير عما ارتكبت من خطايا ضد الله. لماذا؟ لأنك أن وأهل بلدك تعتبرون هذا الهيكل المسكن الأرضي لإله الكون صانع السماء والأرض، الإله الذي يحمل الاسم الكلي القداسة حتى إنك لا تجرؤ أن تنطقه.

وفي شبابك تبدأ في اتباع رجل يهودي يدعى يسوع يزعم أنه المسيا الذي طال انتظاره والذي تنبأت عنه الكتب المقدسة. وهو يصنع المعجزات، ويعلم حقائق عميقة، ويوبخ الكهنة المسؤولين عن الهيكل ويحيرهم. والغريب أنه يتنبأ عن موته وقيامته. وهو يتنبأ أيضاً أن الهيكل نفسه سيهدم قبل أن يمضي جيلك (مرقص 13: 2، 30).

ولكن المشين حقاً أن كهنة الهيكل يدينونه بتهمة التجديف ويصلب ليلة الفصح. أحد أقدس أعيادك. ويدفن في قبر يهودي، ولكن أنت وأتباع يسوع الآخرون ترونه حياً مثلما تنبأ. فتلمسونه، وتأكلون معه، ويستمر في صنع المعجزات، وآخرها صعوده إلى السماء. وبعد أربعين عاماً، يهدم هيكلك كما تنبأ يسوع، وتخرب المدينة بكاملها ويموت الآلاف من أبناء بلدك.

سؤال: إن كتبت أنت ورفاقك من أتباع يسوع روايات عن يسوع بعد خراب الهيكل والمدينة سنة 70م، ألن تذكروا على الأقل تلك المأساة القومية والإنسانية والاقتصادية والدينية غير المسبوقة، خاصة أن يسوع المقام تنبأ بها؟ طبعاً. وهنا تكمن المشكلة أمام من يقولون إن العهد الجديد كتب بعد سنة 70، والمشكلة هي أنه لا ذكر على الإطلاق لتحقيق هذه المأساة التي تنبأ عنها يسوع في أي موضع من وثائق العهد الجديد. وهو ما يعني أن معظم الوثائق إن لم يكن كلها كتبت قبل سنة 70م.

وقد يعترض البعض قائلين: «إنها حجة مبنية على الصمت[7] Argument from silence، وهي لا تثبت أي شيء». ولكن الحقيقة أنها ليست حجة مبنية على الصمت لأن وثائق العهد الجديد تتحدث عن أورشليم والهيكل، أو الأنشطة المرتبطة بهما كما لو أنهما ظلا في أمان دون أن يمسهما سوء أثناء زمن الكتابة[8]. ولكنها حتى لو كانت حجة مبنية على الصمت، فهذا لا يعني أنها خاطئة. خذ مثلاً هذه الأمثلة المشابهة من التاريخ الحديث.

هب أن بحاراً سابقاً على متى السفينة يو إس إس أريزونا USS Arizona كتب كتاباً عن تاريخ تلك السفينة والكتاب ينتهي دون أي ذكر لغرق السفينة وموت 1177 من بحاريها في بيرل هاربور، فهل يخالجك أي شك أن الكتاب لا بد أن يكون قد كتب قبل 7 كانون الأول/ديسمبر 1941؟ أو لو أن أحد المستأجرين السابقين في مركز التجارة العالمي كتب كتاباً عن تاريخ تلك المباني، والكتاب ينتهي بأن هذه الأبراج لا تزال قائمة، دون أي ذكر على الإطلاق لتدمير الأبراج ومقتل 3000 شخص تقريباً على يد الإرهابيين، فهل يخالجك أي شك في أن الكتاب لا بد أن يكون قد كتب قبل 11 أيلول/سبتمبر 2001؟ بالطبع لا.

إن الكارثة التي وقعت سنة 70م كانت أكبر بما لا يقاس من كارثة بيرل هاربور وكارثة 11 سبتمبر من حيث حجم الخسائر في الأرواح، والممتلكات، والأثر القومي. لقد أنهت حرباً شعواء وصفها يوسيفوس بأنها “أعظم” حروب التاريخ كله، حتى أنه هو نفسه استسلم للرومان سنة 67. فاليهود لم يفقدوا مجرد سفينة واحدة ولا بضعة مبان عظيمة، ولكنهم فقدوا بلادهم بالكامل، وعاصمتهم، وهيكلهم الذي كان مركز حياتهم الدينية والسياسية والاقتصادية على مدار الألف سنة الأخيرة. وعلاوة على ذلك عشرات الآلاف من أبناء بلادهم لقوا حتفهم ومئات من قراهم حرقت حتى سويت بالأرض.

لذا، إن كنا نتوقع ذكر كوارث مثل هزيمة بيرل هاربور، وأحداث 11 سبتمبر في كتابات اليوم المتصلة بهذه الأحداث، مؤكد أنه يجب أن نتوقع الإشارة إلى أحداث سنة 70م في أي موضع من العهد الجديد (خاصة أن يسوع تنبأ بهذه الأحداث). ولكن بما أن العهد الجديد لا يذكر هذه الأحداث في أي موضع، ويوحي بأن أورشليم والهيكل كانا في مأمن من أي تخريب، فمن المنطقي أن نستنتج أن معظم وثائق العهد الجديد، إن لم يكن كلها، كتبت قبل سنة 70م.

قبلها بكم سنة؟

الكثير من أسفار العهد الجديد كتب قبل سنة 62م (بعد موت وقيامة يسوع بحوالي 30 سنة): تخيل هذا: أنت طبيب بشري تعيش في القرن الأول، وقد بدأت مشروعاً بحثياً لتسجيل أحداث الكنيسة الأولى. وهذا البحث يتطلب منك أن تجري لقاءات مع شهود عيان من الكنيسة الأولى وأن تسافر مع الرسول بولس في زياراته للكنائس الجديدة في أنحاء العالم القديم.

وأنت تسجل الأحداث البارزة في حياة الكنيسة مثل الأعمال المبكرة التي قام بها يوحنا وبطرس، وكذلك استشهاد استفانوس ويعقوب (أخي يوحنا). وتسجل كل شيء في حياة بولس بدءًا بالعظات، والضربات، والمحاكمات، وانتهاءً بحوادث انكسار السفن والسجن عدة مرات. وتسجل أيضاً المجمع اللاهوتي الذي عقده مع بطرس ويعقوب أخي يسوع قائد كنيسة أورشليم.

وإذ تصف الكثير من هذه الأحداث، تعج روايتك بتفاصيل يفهم منها كل قارئ مُطَّلع أنك إما تستند على شهادة شهود عيان أو أنك أنت نفسك شاهد عيان. فمثلاً، بينما تتبع بولس في رحلاته تنتقل من استخدام الضمير “هم” إلى الضمير “نحن”، وتسجل بدقة أسماء الساسة المحليين، واللغة العامية المحلية، وأنماط الطقس المحلي، والتضاريس المحلية، والممارسات التجارية المحلية، بل إنك تسجل كذلك عمق المياه بدقة إذ تقول نحو ربع ميل من مالطة بينما كانت سفينتكم على وشك الرسو أثناء هبوب العاصفة! والحقيقة أنك تسجل ما لا يقل عن 84 من هذه التفاصيل في النصف الأخير من روايتك.

سؤال: بما أنه يتضح أنك مهتم بتسجيل كل هذه التفاصيل الفرعية، فلو كان موضوعك الرئيسي، ألا وهو الرسول بولس، قد أعدم على يد الإمبراطور الروماني نيرون، هل تظن أنك كنت ستسجل هذا الحدث؟ أو لو كان أخو يسوع، قائد كنيسة أورشليم، قد قتل على يد السنهدريم، وهو نفس المجمع اليهودي الذي حكم بموت يسوع، أتظن أنك كنت ستسجل هذا الحدث؟ بالطبع. وإن لم تدون هذه الأحداث الكبرى، نكون محقين عندما نفترض أنك كتبت روايتك قبل موتهما.

وهذا هو الوضع الذي نجده في العهد الجديد. فلوقا الطبيب يدون بمنتهى الدقة كافة التفاصيل في سفر الأعمال الذي يسجل تاريخ الكنيسة الأولى (في الفصل التالي قائمة تضم 84 معلومة تفصيلية ثابتة تاريخياً). إن لوقا يسجل موت شهيدين مسيحيين (استفانوس، ويعقوب أخي يوحنا)، ولكن روايته تنتهي باثنين من أبرز القادة (بولس، ويعقوب أخي يسوع) على قيد الحياة.

وينتهي سفر أعمال الرسل فجأة بالرسول بولس قيد الإقامة الجبرية في روما، دون ذكر لموت يعقوب. ونعرف من أكليمندس الروماني Clement of Rome الذي كتب في أواخر القرن الأول، ومن غيره من آباء الكنيسة الأوائل، أن بولس أعدم أثناء حكم نيرون الذي انتهي سنة 68م. ونعرف من يوسيفوس أن يعقوب قتل سنة 62م. إذن يمكننا أن نستنتج بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن سفر الأعمال كتب قبل سنة 62م.

إن كنت غير مقتنع حتى الآن، خذ هذا المثال المشابه من تاريخنا الحديث: هب أن شخصاً كتب كتاباً يسجل الأحداث المرتبطة بالشخصيات الرئيسية في حركة الحقوق المدنية التي انطلقت في ستينات القرن العشرين. يبدأ الكتاب باغتيال الرئيس جون كنيدي ويتضمن تشريع الحقوق المدنية لسنة 1964، والمسيرات والاحتجاجات التي قادها مارتن لوثر كينج، وكذلك إلقاء القبض عليه وسجنه، وخطبته العظيمة “عندي حلم” I have a dream التي ألقاها في حديقة مول Mall في العاصمة واشنطن.

سؤال: إن انتهى الكتاب بمارتن لوثر كينج، قائد الحركة شخصياً، على قيد الحياة، فما الاستنتاج الذي ستتوصل إليه بخصوص زمن كتابة الكتاب؟ واضح أنه قبل اغتياله في نيسان/أبريل 1968. وهو ما ينطبق على رواية لوقا. فكتابه ينتهي بالقادة الأساسيين على قيد الحياة، وهو ما يعني أنه انتهى من كتابته سنة 62 على أقصى تقدير (يسوق كولين همر Colin Hemer الباحث في اليونانية واللاتينية القديمة ثلاثة عشر سبباً إضافياً تعلل أن سفر الأعمال كتب سنة 62 على أقصى تقدير).

إن كان سفر الأعمال قد كتب سنة 62 على أقصى تقدير، إذن إنجيل لوقا كتب قبل ذلك. كيف نعرف هذا؟ لأن لوقا يذكر ثاوفيلس (الذي كان غالباً من كبار المسؤولين الرومان)، المتلقي الأصلي لسفر الأعمال أنه كتب له فيما سبق. فأول آية في سفر الأعمال تقول: «الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس، عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به». “الكلام الأول” لا بد أن يكون إنجيل لوقا لأن لوقا يوجهه إلى ثاوفيلس أيضاً (لوقا 1: 1-4، انظر الشاهد أدناه).

فما الفارق الزمني بين إنجيل لوقا وسفر الأعمال؟ من المنطقي أن يكون تاريخ إنجيل لوقا سنة 60م أو قبلها. لماذا؟ لأن سنة 62 هي أقصى تقدير لتاريخ كتابة سفر الأعمال، ولا بد من وجود قارق زمني بين كتاب لوقا الأول إلى ثاوفيلس وكتابه الثاني. فإن كان سفر الأعمال كتب سنة 62م على أقصى تقدير (وغالباً قبل ذلك)، إذن من الواقعي أن يكون إنجيل لوقا قد كتب سنة 60 أو قبلها.

وهذا التاريخ منطقي أيضاً نظراً لأن بولس يقتبس من إنجيل لوقا. فبولس، وهو يكتب فيما بين سنة 62 وسنة 65م، اقتبس من لوقا 10: 7 وسماه “الكتاب” (1تيموثاوس 5: 18) إذن لابد أن إنجيل لوقا كان متداولاً قبل ذلك الوقت بفترة كافية تسمح لكل من بولس وتيموثاوس أن يعرفا محتواه ويعتبراه جزءًا من الكتاب المقدس. (بالمناسبة هذا الزعم الذي يقوله بولس ليس بالأمر الهين. فهو يعني أن بولس يؤكد تأكيداً جريئاً مفاده أن إنجيل لوقا موحى به تماماً مثل الكتاب المقدس اليهودي، أي العهد القديم الذي كان يقدره أيما تقدير).

فإن كان لوقا قد كتب سنة 60م على أقصى تقدير، إذن مرقص لا بد أن يكون قد كتب فيما بين منتصف وأواخر الخمسينات إن لم يكن قبل ذلك. لماذا؟ لأن لوقا يقول إنه جمع الحقائق من مصادر منسوبة لشهود عيان:

إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزير ثاوفيلس لتعرف صح الكلام الذي علمت به (لوقا 1: 1-4).

يعتقد معظم الباحثين أن إنجيل مرقص كان أحد هذه المصادر المنسوبة لشهود عيان. وإن كانت قصاصات البحر الميت التي ذكرناها سلفاً تنتمي فعلاً للفترة بين سنة 50 وسنة 70م، إذن مؤكد أن مرقص أقدم من لوقا. ولكن حتى إن لم يكن مرقص قبل لوقا، فبما أننا نعرف بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن لوقا قبل سنة 62 وأنه غالباً قبل سنة 60م، إذن نحن عندنا شهادة شهود عيان مسجلة بمنتهى الدقة ومكتوبة في غضون 25 أو 30 سنة من موت يسوع ودفنه وقيامته.

وهو وقت مبكر جداً بحيث يستحيل أن تكون الرواية مجرد أسطورة تقليدية. وهو ما يعني أيضاً أن المصادر المنسوبة لشهود العيان ترجع إلى تاريخ أقدم من ذلك. أقدم منه بمقدار كم سنة؟

بعض أسفار العهد الجديد كتب في الأربعينيات والخمسينيات، وبعض المصادر من الثلاثينيات (عقب موت يسوع بسنوات قليلة): على قدر يقيننا بخصوص تاريخ سجلات لوقا، فما من باحث، بما فيهم أكثر الباحثين ليبرالية، يشك أن بولس كتب رسالته الأولى إلى كنيسة كورنثوس (التي تقع في اليونان الحالية) بين عامي 55 و56م. ويتحدث بولس في هذه الرسالة عن مشكلات أخلاقية في الكنيسة. ثم ينتقل إلى مناقشة خلافات حول الألسنة والنبوات وعشاء الرب. وهو ما يبين طبعاً أن كنيسة كورنثوس كانت تختبر نوعاً من النشاط المعجزي وكانت تمارس عشاء الرب في غضون 25 سنة من القيامة.

ولكن أهم جانب في هذه الرسالة أنها تحوي أقدم وأصدق شهادة عن القيامة نفسها. ففي الأصحاح الخامس عشر من كورنثوس الأولى، يسجل بولس الشهادة التي تلقاها من الآخرين والشهادة التي تأكد صدقها عندما ظهر له المسيح:

فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنه دفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب. وأنه ظهر لصفا ثم للاثني عشر. وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمس مئة أخ أكثرهم باقٍ إلى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين. وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا (1كورنثوس 15: 3-8).

من أين أتى بولس بما “قبله”؟ محتمل أنه قبله من بطرس ويعقوب عندما زارهما في أورشليم بعد تحوله للإيمان بثلاث سنوات (غلاطية 1: 18). ما أهمية ذلك؟ كما يشير جاري هابرماس Gary Habermas، معظم الباحثين (حتى الليبراليين) يعتقدون أن هذه الشهادة كانت جزءًا من قانون إيمان مبكر يعود تاريخه إلى القيامة نفسها، أي عقب القيامة بما يتراوح بين ثمانية عشر شهراً وثماني سنوات، ولكن البعض يقولون إنها أقدم من ذلك[9].

فمن المستحيل بأي حال أن تصف هذه الشهادة أسطورة لأنها تعود مباشرة إلى زمان ومكان الحدث نفسه[10]. فإن كان هناك مكان يستحيل أن تحدث فيه قيامة خيالية أسطورية، فهذا المكان هو أورشليم؛ لأن اليهود والرومان كانوا يتوقون إلى سحق المسيحية وكان يمكنهم أن يفعلوا ذلك بسهولة بأن يطوفوا شوارع المدينة بجسد يسوع.

لاحظ، بالإضافة إلى ذلك أن بولس يستشهد بأربعة عشر شاهد عيان معروفين بالاسم: الرسل الاثني عشر، ويعقوب، وبولس نفسه (“صفا”) وهو الترجمة الآرامية لبطرس)، ثم يشير إلى ظهور شهده أكثر من 500 آخرين دفعة واحدة. وكان من بين تلك الجماعات أحد الشكوكيين وهو يعقوب، وعدو لدود هو بولس نفسه. وإذ يعدد بولس كل هؤلاء الأشخاص الذين يثبتون ما يقول، يتحدى القراء الكورنثيين للتحقق من كلامه. هو ما يعبر عنه وليم ليلي William Lillie أستاذ الكتاب المقدس قائلاً:

ما يجعل من هذه القائمة حجة مرجعية خاصة باعتبارها دليلاً تاريخياً هو الإشارة إلى أن معظم الخمسمائة آخ باق إلى الآن. وكأن القديس بولس يقول: إن كنتم لا تصدقونني، يمكنكم أن تسألوهم”. إن هذا التصريح المذكور في رسالة أصلية دون أدنى شك، كتبت في غضون ثلاثين عاماً عقب الحدث، يمثل أقوى دليل يتمنى المرء الحصول عليه على حدث وقع ما يقرب من ألفي عام.

لو أن القيامة لم تحدث، لماذا يسرد بولس قائمة كهذه من شهود عيان افتراضيين؟ لو فعل ذلك لفقد مصداقيته فوراً عند قرائه الكورنثيين بسبب كذبة متبجحة كهذه.

وبالإضافة إلى كورنثوس الأولى، هناك العديد من وثائق العهد الجديد الأخرى التي كتبت في الخمسينات أو قبلها. غلاطية (48م)، وتسالونيكي الأولى (50-54)، ورومية (57-58) تدخل كلها ضمن هذه الفئة. والحقيقة (ونحن نعلم أننا قد نكون الآن في موقف خطير وليس أمامنا فرصة للتراجع) أن كل أعمال بولس لا بد أن تكون قد كتبت قبل موته الذي حدث نحو منتصف الستينيات.

ولكن ليس الباحثون المحافظون فقط هم من يعتقدون في هذه التواريخ المبكرة. بل حتى بعض النقاد الأشداء مثل الملحد جون أ. ت. روبنسون John A. T. Robinson يعترفون أن أسفار العهد الجديد كتبت مبكراً. ورغم أن روبنسون معروف بالدور الذي لعبه في إطلاق حركة “موت الله” Death of God، فقد كتب كتاباً ثورياً بعنون “إعادة تأريخ العهد الجديد”Redating the New Testament حيث قال بأن معظم أسفار العهد الجديد، بما فيها الأناجيل الأربعة جميعاً، كتبت بين سنة 40 وسنة 65م.

وعالم الآثار العظيم والليبرالي السابق وليم ف. أولبرايت William F. Albright بعد أن رأى مدى توافق العهد الجديد مع البيانات الأثرية والتاريخية، كتب: «يمكننا أن نؤكد فعلياً أنه لم يعد هناك أي أساس متين لتأريخ أي سفر من أسفار العهد الجديد بعد نحو سنة 80م». وقد قال أولبرايت في مناسبة أخرى «في رأيي كل سفر من أسفار العهد الجديد كتبه أحد اليهود الذي تحولوا إلى المسيحية بعد الأربعينيات والثمانينيات من القرن الأول (غالباً فيما بين نحو سنة 50 وسنة 75م)».

إذن نحن نعلم بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن معظم أسفار العهد الجديد، إن لم يكن كلها، ترجع لتاريخ مبكر. إلا أن الشكوكيين ما زالت عندهم بعض الاعتراضات.

محامي الشكوك

 

الوثائق ليست مبكرة بما يكفي

بعض الشكوكيين قد يعتقدون أن فجوة زمنية من 15 إلى 40 سنة بين حياة المسيح والكتابات التي تتحدث عنه واسعة جداً بحيث لا نستطيع أن نثق في مصداقية الشهادة. ولكنهم مخطئون.

فكر في الأحداث التي وقعت منذ 15 إلى 40 عاماً. عندما يكتب المؤرخون عن تلك الأحداث، لا نقول: «هذا مستحيل! لا يستطيع أحد أن يتذكر أحداثاً من هذا الزمن البعيد!» واضح أن هذه الشكوكية لا مبرر لها. فالمؤرخون اليوم يكتبون بدقة عن أحداث وقعت في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين بالرجوع إلى ذاكرتهم، وذاكرة غيرهم من شهود العيان، وأي مصادر مكتوبة من هذا العصر.

وهي العملية نفسها التي استخدمها كُتاب العهد الجديد لتسجيل وثائقهم. فلوقا أجرى حوارات مع شهود عيان، مثل أي صحفي ماهر[11]. وكما سنرى في الفصل التالي، بعض كُتاب العهد الجديد كانوا هم أنفسهم شهود عيان. ومن ثم تمكنوا أن يتذكروا أحداثاً عمرها 15 إلى 40 سنة بسهولة شديدة، مثلك تماماً. لماذا تستطيع أن تتذكر جيداً أحداثاً معينة منذ 15 إلى 40 سنة، بل أكثر (إن كنت أكبر سناً)؟ قد تستطيع أن تتذكر أحداثاً معينة لأنها تركت فيك أثراً نفسياً كبيراً. (الحقيقة أن كبار السن منا يستطيعون أن يتذكروا بعض الأحداث منذ 30 سنة أفضل مما يتذكرون أحداثاً منذ 30 دقيقة).

أين كنت وماذا كنت تفعل عندما اغتيل الرئيس كنيدي؟ عندما انفجر المكوك الفضائي تشالنجر Challenger؟ عندما صدمت الطائرة الثانية البرج؟ لماذا تقدر أن تتذكر تلك الأحداث جيداً؟ لأنها تركت فيك أثراً نفسياً عميقاً. وبما أنه من المؤكد أن حدثاً مثل القيامة ترك أثراً نفسياً عميقاً في كُتاب العهد الجديد وغيرهم من شهود العيان الذين ربما استشارهم الكتاب. إذن من السهل أن نفهم لماذا يمكن تذكر تاريخ يسوع بسهولة بعد سنوات كثيرة. خاصة في ثقافة اعتمدت لزمن طويل على الشهادة الشفهية (مزيد حول هذا الموضوع أدناه).

علاوة على ذلك، إن كانت الأعمال الكبرى في العهد الجديد عبارة عن روايات شهود عيان كتبت في غضون جيلين من وقوع الأحداث، إذن ليس من المحتمل أن تكون حكايات أسطورية. لماذا؟ لأن البحث التاريخي يبين أن الأسطورة لا تقوى على إزاحة الحقائق التاريخية طالما شهود العيان باقون على قيد الحياة. ولذلك، يصف المؤرخ الروماني أ. ن. شروين-وايت A. N. Sherwin-White المنظور الأسطوري للعهد الجديد بأنه «غير قابل للتصديق».

ويكتب وليم لين كريج قائلاً: «تبين الاختبارات أن جيلين وقت قصير جداً لا يسمح للميول الأسطورية أن تكتسح جوهر الحقيقة التاريخية الصلب». ففي هذين الجيلين، لا يزال شهود العيان أحياء مما يمكنهم من تصحيح أخطاء المحرفين التاريخيين.

ونحن نرى هذا الميل حالياً بخصوص الهولوكوست. ففي مطلع القرن الحادي والعشرين بدأنا نرى البعض يزعمون أن الهولوكوست لم يحدث مطلقاً. لماذا يحاول المحرفون أن يقولوا ذلك الآن؟ لأن معظم شهود العيان ماتوا. ولكن لحسن الحظ أننا سجلنا شهادة شهود العيان عن الهولوكوست كتابةً، وبذلك لم ينجح المحرفون في نشر أكاذيبهم على أنها الحقيقة. وهو ما ينطبق على العهد الجديد. إن كان العهد الجديد قد كتب خلال 60 سنة من الأحداث التي يسجلها، فمن المستبعد تماماً أن تكون تلك الأحداث أسطورية. وكما رأينا، كل وثائق العهد الجديد كتبت في خلال 60 سنة من الأحداث، والكثير منها كتب قبل ذلك بكثير.

 

لماذا لم تكتب قبل ذلك؟

وهنا قد يقول الشكوكي: «جميل. العهد الجديد يرجع لتاريخ مبكر، ولكنه ليس مبكراً كما كنت تتوقع. فلماذا لم يكتبوا شهادتهم قبل ذلك؟ لو رأيت ما يقولون إنهم رأوه، لما انتظرت 15 أو 20 سنة حتى أدونه». هناك عدد من الأسباب المحتملة للانتظار:

أولاً، بما أن كتاب العهد الجديد كانوا يعيشون في ثقافة الغالبية العظمى من أهلها أميون، لم تظهر حاجة ولا فائدة في البداية لتدوين الأحداث. فأهل فلسطين في القرن الأول تدربوا بالضرورة على تقوية ذاكرتهم حتى يتذكروا المعلومات وينقلوها. وفي هذا الصدد يكتب كريج:

في ثقافة شفيهة مثل ثقافة فلسطين في القرن الأول كان القدرة على حفظ واختزان كميات ضخمة من التقليد الشفهي مهارة قوية وتحظى بتقدير كبير. فمنذ الصغر كان الأطفال في البيت، والمدرسة الابتدائية، والمجمع يتعلمون أن يحفظوا التقليد المقدس بأمانة. وهو ما فعله التلاميذ مع تعاليم يسوع.

وفي مثل هذه الثقافة الشفهية، من المتوقع أن الحقائق المختصة بيسوع حفظت في قالب يسهل تذكره. ولدينا من الأدلة القوية ما يؤكد ذلك. فقد رصد جاري هابرماس واحداً وأربعين جزءًا صغيراً في العهد الجديد يبدو أنها إقرارات إيمان، أي مقولات موجزة يسهل تذكرها، وأغلب الظن أنها كانت تتداول شفهياً قبل أن تدون (ومنها ما ذكرناه آنفاً في 1كورنثوس 15: 3-8).

ثانياً، حيث أنه غالباً أن بعض كتاب العهد الجديد كانوا يأملون آمالاً كبيرة في أن يسوع سيأتي ثانية في حياتهم، لم يروا حاجة ملحة لكتابة أسفار العهد الجديد. ولكنهم عندما بدأوا يتقدمون في العمر، ربما رأوا أنه من الحكمة أن يدونوا ملاحظاتهم على البردي.

ثالثاً، عندما أخذت المسيحية تنتشر في أنحاء العالم القديم، أصبحت الكتابة أكثر الوسائل فاعلية في التواصل مع الكنيسة التي كانت تمتد سريعاً. وهو ما يعني أن الزمن والمسافة أجبرا كتاب العهد الجديد على كتابته.

ومن ناحية أخرى، من المحتمل أنه لم تكن هناك فجوة زمنية في حالة إنجيل واحد على الأٌقل. فإن كانت تلك القصاصات التي عثر عليها في مخطوطات البحر الميت فعلاً من إنجيل مرقص (والاحتمال الأكبر أنها كذلك)، إذن من المحتمل أن ذلك الإنجيل كتب في الثلاثينيات. لماذا؟ لأن القصاصات عبارة عن أجزاء من نسخ، وليست من الأصل. فإن كان عندنا نسخ من الخمسينيات، إذن لا بد أن الأصل أقدم[12].

فضلاً عن ذلك، يعتقد الكثير من الدارسين أنه كانت هناك مصادر قبل الأناجيل، ففي الحقيقة لوقا في الأعداد الأربعة الأولى من إنجيله يقول إنه رجع لمصادر أخرى، وإن كان من المحتمل أن بعضها أناجيل أسبق (مثلاً متى ومرقص)[13]. فهل كان إنجيل مرقص أحد مصادره؟ لسنا نعلم على وجه اليقين.

ولكن من المؤكد أن لوقا يتحدث عن عدة مصادر أخرى مكتوبة، لأنه يقول «إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا» (لوقا 1: 1). فمن المحتمل أن لوقا رجع إلى إنجيل مرقص وغيره من الشهادات المكتوبة بما فيها سجلات المحكمة العامة المختصة بمحاكمة يسوع.

وفي النهاية، ليس المهم ما إذا كانت هناك مصادر مكتوبة تسبق العهد الجديد. ولا المهم ما إذا كان مرقص قد كتب في الثلاثينيات من القرن الأول. لماذا؟ لأن الوثائق المعروفة لدينا على وجه اليقين ترجع لتاريخ مبكر بما يكفي وتحتوي على مادة من مصادر مبكرة. وكما سنرى في الفصل التالي، الكثير من وثائق العهد الجديد إن لم يكن كلها كتبت بيد شهود عيان أو معاصريهم في خلال 15 إلى 40 سنة من حياة يسوع، وبعضها يتضمن شهادات أخرى مكتوبة أو شفهية تعود إلى تاريخ القيامة نفسها. أي أن القضية الأهم ليست تاريخ الكتابات، بل تاريخ المصادر المستخدمة في الكتابات.

 

لماذا لا نجد وثائق أكثر؟

قد يتساءل الشكوكيون: «إن كان يسوع قد قام حقاً من الأموات، أما كان يجب أن يكتب عنه أكثر من ذلك؟» ورداً على ذلك نقول إن عندنا بالفعل شهادات أكثر مما نتوقع، ومؤكد أنها أكثر من كافية لتأكيد ما حدث بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. وكما رأينا، عدد الكتاب الذين يشيرون إلى يسوع يتجاوز بكثير عدد الكتاب الذين يشيرون إلى الإمبراطور الروماني في عصره (الكتاب الذين أشاروا إلى يسوع 43 مقابل 10 أشاروا إلى طيباريوس في غضون 150 سنة من حياتهما).

وتسعة من أولئك الكتاب كانوا شهود عيان أو معاصرين للأحداث، وقد كتبوا 27 وثيقة، ومعظمها تذكر القيامة صراحة أو ضمناً. وهو أكثر من كاف لتأكيد تاريخية يسوع.

أما للذين ما زالوا يعتقدون أنه كان يجب أن يوجد المزيد من الوثائق المكتوبة عن يسوع، يقدم أستاذ العهد الجديد كريج بلومبرج أربعة أسباب تبين عدم منطقية هذا التوقع:

  1. البدايات المتواضعة للمسيحية.
  2. موقع فلسطين النائي على الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية.
  3. ضآلة أعمال المؤرخين اليونانيين الرومان القدماء التي ظلت باقية (وقد يرجع ذلك إلى الفقد، أو الفناء، أو التدمير، أو كل ما سبق).
  4. قلة اهتمام الوثائق التاريخية الباقية بالشخصيات اليهودية عموماً.

ومع ذلك، لا يزال بعض الشكوكيين يعتقدون أنه يجب أن تكون هناك شهادة من الخمسمائة الذين يقال إنهم رأوا المسيح المقام. ومنهم الشكوكي فارك تيل Farrell Till. فأثناء مناظرة عن القيامة كان لي (أنا نورم) معه سنة 1994، طالبني قائلاً: «اعرض لنا شهود العيان الخمسمائة أولئك أو أعطنا شيئاً كتبوه، وسنقبل ذلك باعتباره برهاناً أو دليلاً صادقاً».

إنه مطلب غير منطقي لعدة أسباب.

 أولاً، كما أشرنا سابقاً، فلسطين في القرن الأول كان ثقافة شفهية. فمعظم السكان كانوا أميين وكانوا يتذكرون المعلومات وينقلونها شفهياً.

ثانياً، كم من شهود العيان أولئك الذين كان معظمهم من الأميين كان سيكتب شيئاً حتى إن كان قادراً على الكتابة؟ وحتى اليوم، مع ارتفاع نسبة القراءة والكتابة وكل وسائل الكتابة الحديثة وأدوات البحث اليسيرة، كم شخصاً تعرفه كتب كتاباً أو حتى مقالاً في أي موضوع؟ كم شخصاً تعرفه كتب كتاباً أو مقالاً في أي حدث تاريخي معاصر، حتى وإن كان حدثاً جللاً مثل 11 سبتمبر؟ غالباً ليسوا كثيرين، ومؤكد أنهم أقل من 1 من 500. (هل كتب فارل تيل طيلة حياته مقالاً في حدث تاريخي كبير شهده؟)

ثالثاً، حتى إن كان بعض هؤلاء الخمسمائة شخص العاديين قد كتبوا ما رأوا، لماذا يتوقع الشكوكيين أن تبقى شهاداتهم لمدة 2000 سنة؟ العهد الجديد ظل باقياً بفضل آلاف المخطوطات التي نسخها الكتبة للكنيسة النامية على مر القرون. فالمؤلفات التاريخية لأعظم المؤرخين القدماء مثل يوسيفوس، وتاسيتس، وبلينيوس لم ييق منها إلا حفنة من النسخ، وتلك النسخ أحدث من الأصول بمئات السنين. فلماذا يظن الشكوكيون أن مجموعة من الفلاحين الجليليين الأميين القدماء يجب أن تكتب أي شيء، ناهيك عن أن يظل هذا الشيء باقياً؟[14]

وأخيراً، نحن نعلم على وجه اليقين أسماء الكثير من الخمسمائة، وشهادتهم مسجلة في العهد الجديد. فمنهم متى، ومرقص، ولوقا، ويوحنا، وبطرس، وبولس، ويعقوب، بالإضافة إلى تسعة مذكورين بالاسم في مواضع أخرى بصفتهم رسلاً (متى 10، أعمال 1).

إذن يجب ألا نتوقع شهادة أكثر مما عندنا عن يسوع. وما عندنا أكثر من كاف لإثبات تاريخيته.

الملخص والخلاصة

لدينا أمور أكثر من ذلك بكثير يجب فحصها بخصوص تاريخية العهد الجديد. ولكن يمكننا حتى الآن أن نتوصل إلى استنتاجين رئيسيين:

1 – لدينا نسخة دقيقة من وثائق العهد الجديد الأصلية:

  • رغم أن وثائق العهد الجديد الأصلي ليست باقية، أو لم تكتشف حتى الآن. فلدينا نسخ وفيرة ودقيقة من وثائق العهد الجديد الأصلية، أكثر بكثير من النسخ الباقية لأفضل عشرة أعمال مجتمعة من الكتابات القديمة. إضافة إلى ذلك، يمكن إعادة إنشاء الأصول بدقة تكاد تكون تامة وذلك عن طريق مقارنة آلاف النسخ من المخطوطات التي لا تزال باقية. وقد اكتشفنا قصاصات من المخطوطات ترجع إلى مطلع القرن الثاني وربما إلى منتصف القرن الأول، وليس هناك أي من كتابات العالم القديم يقترب من العهد الجديد من حيث قوة تأييد المخطوطات.
  • تتأكد صحة إعادة الإنشاء بعنصر آخر، ألا وهو آلاف الاقتباسات في كتابات آباء الكنيسة الأوائل. والحقيقة أن العهد الجديد كله، فيما عدا إحدى عشرة آية، يمكن إعادة إنشائه من اقتباساتهم منه فقط.

2 – وثائق العهد الجديد مبكرة وتحتوي على مادة من مصادر أسبق:

  • بما أن كتاباً آخرين استشهدوا بوثائق العهد الجديد قبل حوالي سنة 100م، إذن مؤكد أن هذه الوثائق كتبت قبل ذلك.
  • بما أن وثائق العهد الجديد تتحدث عن الهيكل والمدينة على أنهما ما زالا باقيين في زمن الكتابة، وليس هناك ذكر لاندلاع الحرب اليهودية ولا لتدمير الهيكل وأورشليم، إذن الاحتمال الأكبر أن معظم وثائق العهد الجديد كتبت قبل سنة 70م.
  • لدينا أدلة قوية جداً على أن سفر الأعمال كتب سنة 62 على أقصى تقدير، وهو ما يعين أن إنجيل لوقا أقدم.
  • لدينا مواد من مصادر يرجع تاريخها إلى الثلاثينيات. وكل المتخصصين تقريباً يتفقون على أن الشهادة الواردة في 1كورنثوس 15 عن موت يسوع ودفنه وقيامته ترجع إلى زمن تلك الأحداث أو في غضون بضع سنوات من وقوعها. بالإضافة إلى ذلك، هناك ما لا يقل عن 40 إقراراً آخر في العهد الجديد يبدو أن أصلها يرجع إلى تاريخ مبكر جداً.

إذن الوثائق من تاريخ مبكر والمصادر أسبق منها. ولكن هذا لا يكفي لإثبات التاريخية بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. ولإثبات التاريخية علينا أن نتأكد أن هذه الوثائق تحوي فعلاً شهادة شهود عيان. فهل هذا هو الحال؟ هذا هو السؤال الذي سنبحثه فيما يلي.

 

 

[1] لماذا لم يشر يوسيفوس إلى يسوع أكثر من ذلك؟ يمكننا أن نخمن أن يوسيفوس بصفته مؤرخاً للإمبراطور كان لا بد أن يختار موضوعاته وكلماته بعناية. فقد كان دوميتيان شديد الارتياب من أي شيء قد يكون له ارتباط بالفتن. وهذه الطائفة الجديدة المسماة بالمسيحية ربما اعتبرت مثيرة للفتن؛ لأن المسيحيين كان عندهم هذه المنظومة العقائدية الجديدة الغريبة من رفض عبادة القيصر والآلهة الرومانية. ولذلك، من المؤكد أن يوسيفوس لم يرد إزعاج رئيسه أو مضايقته بالإفراط في كتابة الكثير من التعليقات الإيجابية عن المسيحية. ومع ذلك، هاتان الإشارتان تؤكدان وجود يسوع ويعقوب وتؤيدان روايات العهد الجديد.

[2] انظر أعمال 21: 17؛ 18؛ قارن 15: 13.

[3] المصادر العشرة غير المسيحية هي: يوسيفوس، والمؤرخ الروماني تاسيتس، والسياسي الروماني بلينيوس الأصغر Plins the Younger، وفليجون Phlegon وهو عبد معتق له مؤلفات تاريخية، وثالوس Thallus وهو مؤرخ من القرن الأول، والمؤرخ الروماني سويتونيوس Seutonius، ولوقيان Lucian الكاتب اليوناني الساخر، الفيلسوف الروماني سيلسوس، ومارابار سرابيون Mara Bar-Serapion وهو مواطن كتب لابنه، والتلمود اليهودي. وللاطلاع على قائمة كاملة بكل النصوص التي ذكرت المسيح من هذه المصادر، انظر Norman L.Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics (Grand Rapids. Mick: Baker, 1999) 381-385. انظر أيضاً Gary Habermas, The Historical Jesus (Joplin, Mo.: College Prees, 1996) Chaper 9

[4] بما أن لوقا ذكر طيباريوس، يكون مجموع الكتاب الذين ذكروا طيباريوس هو 10، انظر Habermas and Licona. Case for the Resurrection of Jesus. أضفنا التلمود اليهودي لقائمة Habermas and Licona لأنه الأرجح كتب في مطلع القرن الثاني، في غضون 150 سنة من موت يسوع. لذا فنحن نعتبرهم 43 إلى 10 بدلاً من 42 إلى 9 التي اقترحوها.

[5] قليل من النقاد اقترحوا بدائل محتملة بخلاف العهد الجديد. ولكن حتى ينجحوا في ذلك كان عليهم أن يغيروا عدد الحروف التي يسعها السطر في النص القديم من العشرينات إلى الستينات في بعض الحالات. ولكن هذا العدد الكبير من الحروف غير محتمل بالمرة. انظر Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics, 547.

[6] لاحظ أن هذا ليس فاصلاً بين الأحداث والكتابات الأصلية. فالفاصل بين الأحداث والكتابات الأصلية أقصر من الفاصل بين النصوص الأصلية والمخطوطات كما سنرى لاحقاً في هذا الفصل.

[7] مغالطة منطقية تستخدم في التاريخ، وهي تحاول أن تثبت خطأ زعم ما لعدم وجود أدلة تثبته. مثال: بما أنه ليس هناك ذكر للحثيين في المصادر اليونانية والرومانية، إذن لا بد أن إشارات الكتاب المقدس إلى الحثيين محض خيال Lange, John “The Argument form Silence” History and Theory, vol 5. No. 3. 1966. Pp. 288-301 (www.jstor.org/stable/2504447) تم الاطلاع عليه بتاريخ 27/ 11/2016 (المترجمة).

[8] انظر يوحنا 5: 2؛ 2تسالونيكي 2: 4؛ عبرانيين 5: 1-3؛ 7: 23، 27؛ 8: 3-5؛ 9: 25؛ 10: 1، 3، 4، 11؛ 13: 10، 11؛ رؤيا 11: 1، 2.

[9] معظم الباحثين، إن لم يكن كلهم، يرجعون أصل هذه المادة إلى ما قبل سنة 40م. انظر Gary Habermas, The Historical Jesus (Joplin, Mo: College Press, 1996), 152-157. انظر أيضاً Havermas and Licona, Case of the Restriction of Jesus, forthcoming). Chapter 7.

[10] فضلاً عن ذلك، عندما يكتب بولس “فإنني سلمت إليكم”، فهذا يعني أن يذكرهم بأنه أعطاهم تلك الشهادة من قبل. فرغم أنه كتب إليهم ريما سنة 56، لا بد أنه قالها شفاهة في زيارة سابقة له لكورنثوس، ربما سنة 51م. وهو ما يعني أيضاً أن بولس لابد أنه تسلمها قبل سنة 51 أي أن هذه المعلومة كانت موجودة قبل ذلك الوقت.

[11] إن كان لوقا قد تحاور فعلاً مع شهود عيان كما يزعم، إذن إنجيله يحوي شهادة شهود عيان مبكرة يجب أن نثق بها كما لو كان لوقا قد شهد الأحداث بنفسه. فشهادة شهود العيان تعتبر مادة من مصدر أساسي حتى لو سجلت فيما بعد على يد شخص آخر.

[12] يعتقد بعض الدارسين بوجود دليل عرضي آخر على أن مرقص كتب في الثلاثينيات. فمرقص يذكر رئيس الكهنة خمس مرات ولكنه لا يذكر اسمه. ولكن الأناجيل الثلاثة الأخرى تذكر أن اسمه قيافا. فلماذا لا يذكره مرقص بالاسم؟ ربما لأن قيافا كان رئيس الكهنة أثناء كتابة مرقص لإنجيله، لذا لم تكن هناك ضرورة لذكر اسمه. إن كان ذلك صحيحاً، إذن مرقص كتب قبل سنة 37م لأن هذا هو وقت انتهاء رئاسته للكهنوت (يوسيفوس، الآثار، 18: 3، 4).

[13] يعتقد بعض الدارسين أن كتاب العهد الجديد استخدموا سجلات مكتوبة تسبق الأناجيل. ويبدو أن لوقا 1: 1 يؤكد ذلك. إلا أن الكثير من الباحثين الليبراليين يرجحون أن الأناجيل ليس روايات شهود عيان ولكنها اشتقت من مصدر لم يكتشف بعد يعرف باسم “Q”. ولكننا سنرى في الفصل القادم ما يؤكد أن كتبة العهد الجديد كانوا بالفعل شهود عيان. للاطلاع على تحليل نقدي مهم للنقد الكتابي وفكرة وجود مصدر “Q” اقتبس منه كتاب العهد الجديد، راجع هذا الكتاب بقلم إتا لينمان Eta Linnemann أحد مؤيدي المصدر “Q” سابقاً Eta Linnemann, Biblical Criticism on Trial (Grand Rapids. Mich.: Kreged, 2001) انظر أيضاً Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics, 618-621.

[14] على سبيل المصادفة أنه بالرغم من عدم وجود وثائق من الخمسمائة شخص، فإدراجهم مع شهود العيان الأربعة عشر المذكورين بالاسم يجعل رؤيتهم للمسيح المقام ليس اختراعاً من بولس. وسنناقش ذلك بمزيد من التفصيل في الفصل العاشر.

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

 

هل عندنا شهادات مبكرة عن يسوع؟ فحص الأدلة

مفهوم علم الآباء وتاريخه (باترولوجيا) – مدخل إلى علم الآباء

مفهوم علم الآباء وتاريخه (باترولوجيا) –  مدخل إلى علم الآباء

مفهوم علم الآباء وتاريخه (باترولوجيا) – مدخل إلى علم الآباء

مفهوم علم الآباء وتاريخه (باترولوجيا) –  مدخل إلى علم الآباء

 

كلمة باترولوجيا مأخوذة عن الكلمة اليونانية باتير، أى “أب ” فعلم الباترولوجيا هو ” علم الآباء ” وهو ذلك الجزء من تاريخ الكتابات المسيحية ، الذى يتناول حياة وأعمال الكُتّاب اللاهوتيين والروحيين فى العصور المسيحية الأولى .

بمعنى آخر ” علم الآباء ” هو العلم الذى يساعد على التفهم العميق والحقيقى للحياة المسيحية والإيمان الجامع من خلال كتابات آباء الكنيسة . وهكذا يمكن أن نتفهم جو الكنيسة الأولى ونختبر عذوبته ، ونتعرف على الفكر الأرثوذكسى الأصيل وكيف شهدت الكنيسة للحق فى مواجهة كل المقاومات .

اسم هذا الفرع من فروع علم اللاهوت هو حديث العهد نسبيًا. وأول من استعمل مصطلح ” باترولوجيا ” ، هو اللاهوتى اللوثرى John Gerhard فى القرن السابع عشر وذلك عندما استخدم كلمة ” باترولوجيا ” Patrologia كعنوان لكتابه الذى نشره سنة 1653م .

إلاّ أن فكرة تسجيل أقوال الآباء هى فكرة قديمة ترجع إلى القرون الأولى ، وتبدأ بيوسابيوس المؤرخ الكنسى فى القرن الرابع الميلادى . إذ يقول فى مقدمة كتابه ” تاريخ الكنيسة ” { إنه قصد أن يسجل كتابة ما يعرفه عن عدد من أولئك الذين كانوا فى كل جيل هم سفراء كلمة الله بالكلام أو بالكتابة ، وأيضًا أسماء وعدد وأعمار أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم (أى الهراطقة) .. } (كتاب تاريخ الكنيسة ليوسابيوس 1:10،1) .

ولذا فهو يسجل أسماء الكُتّاب وكتبهم على قدر ما يعرفهم ويسجل إقتباسات من معظم كتاباتهم وذلك حتى عام 325م (تاريخ مجمع نيقية) . ولهذا السبب يُعتبر يوسابيوس واحدًا من أهم مصادر الباترولوجيا ، خاصة وأن عددًا كبيرًا من الكتابات التى اقتبس منها قد فُقدت بعد ذلك .

وقد ترجم روفينوس كتاب يوسابيوس هذا من اليونانية إلى اللاتينية وأضاف إليه حتى عصر الأمبراطور ثيودوسيوس الكبير سنة 392م . وبعد ذلك واصل هذا الجهد كل من جلاسيوس القيصرى وسقراط وسوزومين وثيودريت وجيروم فى كتابه ” مشاهير الرجال ” حتى نهاية القرن الرابع، وقام جيناديوس ، وهو كاهن بمرسيليا بتكملة عمل جيروم حتى نهاية القرن الخامس .

وجاء بعد جيناديوس كثيرون يقدمون أعمالاً تحمل ذات المنهج نذكر منهم إيسيذوروس فى القرن السابع الميلادى وفوتيوس بطريرك القسطنطينية فى القرن التاسع الميلادى الذى قام بعمل مماثل لعمل جيروم تحت عنوان Photu Bibliotheca يمتاز بالدقة .

و كثيرون غيرهم فى الشرق والغرب حتى وصلنا إلى عصر النهضة الأوربية فى القرون من السادس عشر إلى التاسع عشر حين بدأت التجميعات العظيمة للمؤلفات الكنسية القديمة ونشرها فى طبعات ممتازة .

طبعات الكتابات المسيحية الأولى :

1 ـ لقد افتتحت أكاديمية ” فيينا ” وأكاديمية ” برلين ” هذا العمل بطبع مجموعات لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية .

2 ـ وتعتبر أعظم مجموعة كاملة ، وبنفس هاتين اللغتين هى المجموعة الشهيرة التى أصدرها الراهب الكاثوليكى J. P. Migne ” مينى ” فى القرن التاسع عشر باسم : Patrologia Cursus Completus.

ومجموعة مينى هذه تتكون من سلسلتين :

أـ السلسلة اليونانية : وتشمل كتابات الآباء باليونانية حتى القرن الخامس عشر ويبلغ عددها (161) مجلدًا وتسمى Patrologia Greaca (P.G.) وطُبعت فى باريس سنة 1866م .

ب ـ السلسلة اللاتينية : وتشمل كتابات الآباء باللاتينية حتى القرن الثالث عشر ويبلغ عددها (221) مجلدًا وتسمى Patrologia Latina (P.L.) وطُبعت فى باريس سنة 1855م .

3 ـ أيضًا بدأ علماء الآباء الفرنسيون بنشر أعظم سلسلة للكتابات المسيحية الشرقية وهى التى تُعرف باسم Patrologia Orientalis وهى تشمل الكتابات الكنسية باللغات الشرقية : القبطية والسريانية والأرمينية والأثيوبية والعربية . وهى تصدر بباريس منذ عام 1907م فى (28) مجلدًا حتى الآن وقام بنشرها Graffin .

4 ـ مجموعة كتابات الكنيسة السريانية Patrologia Syriaca قام بنشرها أيضًا Graffin ، بباريس سنة 1926 فى (3) مجلدات .

ترجمات كتابات الآباء :

1 ـ ترجمات إنجليزية :

أ ـ مجموعة آباء ما قبل نيقية The Ante – Nicene Fathers

وهى ترجمة إنجليزية للكتابات الخاصة بآباء ما قبل نيقية وجاءت فى (10) مجلدات وقد صدرت أولاً فى أوكسفورد فى منتصف القرن 19 وقد أُعيد طبعها بأمريكا سنة 1951م .

ب ـ مجموعة آباء نيقية وما بعد نيقية The Nicene and Post Nicene Fathers

وقد أعيد طبعها بأمريكا أيضًا فى (28) مجلدًا وقد أُعيد طبعها سنة 1957م ويقوم بنشر كلا المجموعتين : Eerdmans Publishing Company : Grand Rapids. Michigan .U.S.A .

ج ـ مجموعة آباء الكنيسة The Fathers of The Church

تقوم بنشرها الجامعة الكاثوليكية الأمريكية بواشنطن The Catholic University of America Press. Washington منذ 1947م وقد وصلت حتى الآن (92) مجلدًا .

2 ـ ترجمة فرنسية : مجموعة المصادر المسيحية:Sources Chretiennes بدأ بنشرها Danielou بباريس منذ عام 1941 وتشمل النصوص الآبائية مع ترجمة فرنسية وتعليقات . وصل عددها إلى (400) مجلد حتى الآن .

3 ـ توجد مجموعات أيضًا لترجمة كتابات الآباء بالألمانية والإيطالية والأسبانية والهولندية والبولندية والنرويجية .

الدراسات الآبائية :

ومن جانب آخر بدأت معظم الجامعات فى الغرب إنشاء كراسى خاصة لعلم الآباء (الباترولوجيا) من القرن التاسع عشر . وفى القرن العشرين ظهر اتجاه مكتسح فى الغرب للاهتمام بدراسة النصوص الآبائية القديمة فى الكتابات المسيحية . ومن مظاهر هذا الاهتمام هو بداية المؤتمرات العالمية لدراسة كتابات الآباء وتعاليمهم . وأبرز هذه المؤتمرات الآبائية العالمية هو مؤتمر جامعة أوكسفورد (بانجلترا) للدراسات الآبائية الذى بدأ أول انعقاد له سنة 1951م وينعقد مرة كل أربع سنوات فى الصيف ، ويشترك فيه المهتمون بدراسة كتابات الآباء فى كل جامعات ومعاهد ومراكز الدراسات من قارات العالم ، ويصدر المؤتمر بعد كل دورة إنعقاد، الدراسات والأبحاث التى أُلقيت فيه فى عدة مجلدات باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية .

كما بدأت بعد مؤتمر أوكسفورد مؤتمرات عالمية فى دراسات آبائية متخصصة . فبدأ مؤتمر لدراسة كتابات أغسطينوس ومؤتمر لدراسة كتابات أوريجينوس العلامة الاسكندرى .

وهذه المؤتمرات تُعقد أيضًا كل أربع سنوات فى بلاد مختلفة ، بجامعات أوروبا أو أمريكا. كما بدأ الاهتمام أخيرًا بعمل مؤتمرات على نطاق القارة الأمريكية لدراسة الآباء ، وهذه المؤتمرات الآبائية تنعقد كل سنتين .

أيضًا بدأت فى السنوات الخمس والعشرين الأخيرة مؤتمرات دولية متخصصة فى دراسة الكتابات المسيحية باللغة السريانية ، وفى دراسة القبطيات ، وأيضًا فى دراسة الكتابات العربية المسيحية . وهذه كلها تنعقد أيضًا كل أربع سنوات فى أماكن مختلفة .

المسيح المتألم – دكتور مجدي وهبه

المسيح المتألم – دكتور مجدي وهبه

المسيح المتألم – دكتور مجدي وهبه

المسيح المتألم – دكتور مجدي وهبه

مقدمة:

 من بداية خدمة السيد المسيح العلنية، بعد معموديته مباشرة، وهو يواجه ردود أفعال مضادة، وحسد، وكراهية، وهجوم على شخصه، منها من هو من الشيطان نفسه (أنظر مت1:4ـ11، لو1:4ـ13) ومنها ما هو من شعبه الخاص، الشعب اليهودى (أنظر يو11:1) وبالذات من الرؤساء الدينيين (أنظر على سبيل المثال مر 1:3ـ6، لو 9:20ـ19، يو1:9ـ34).

وترجع أسباب هذه المقاومة إلى العوامل التالية:

1ـ عمل السيد وسلطانه الذى ظهر في إتمام المعجزات الكثيرة في الوقت الذى لا نسمع ولا نقرأ فيه عن عمل مقابل من جانب الرؤساء الدينيين، الأمر الذى أربكهم وجعلهم في خوف على فقدان مراكزهم ووضعهم أمام الشعب (أنظر يو17:12ـ19).

2ـ تعليم السيد الذى ركز فيه أساسًا على الحياة حسب الروح وليس حسب الحرف، الأمر الذى اعتبره الحرفيين من اليهود أنه خطر على تقاليدهم وعلى ميراثهم الآبائى (أنظر مر1:3ـ6، يو1:9ـ34، يو1:11ـ44).

3ـ شخصية السيد كابن لله، حيث إنه كلما أعلن السيد عن نفسه أنه “ابن الله” وساوى نفسه بالله الآب، كلما جاء في صدام مباشر مع اليهود الذين بحسب مفاهيمهم الدينية المطلقة، اعتبروا أن السيد إنسان يساوى نفسه بالله بل واعتبروا أن كلامه هو تجديف على الله (أنظر يو1:5ـ18، 22:10ـ39).

ولكن على مدى ثلاثة سنوات متواصلة، ورغم خطط الزعماء الدينيين للقبض على السيد بطرق مختلفة، إلاّ أن أحد لم يستطع أن يلقى عليه الأيادى. لأنه بحسب، الإنجيليين الثلاثة الأُّول، إن رؤساء اليهود الدينيين قد خافوا من الشعب الذى احترم السيد المسيح وآمن به كنبى (أنظر مت 45:21ـ46، مر12:12، لو19:20). وبحسب الإنجيلى الرابع ” لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد” (يو25:7ـ30). أما في السنة الرابعة لخدمته وقبل آلامه وصلبه بقليل وقع حدثان كبيران جعلا قرار القبض عليه وقتله واجب التنفيذ الفورى، هذان الحدثان هما:

1 ـ إقامة لعازر :

بحسب الإنجيلى يوحنا كانت معجزة إقامة لعازر بعد أربعة أيام من موته ودفنه (يو1:11ـ45). فمن المعروف أن رؤساء كهنة اليهود كانوا من الصدوقيين الذين لم يكونوا يؤمنون بقيامة الأموات (أع17:5، 23:6ـ8)، وبالتالى كانت إقامة لعازر بالنسبة لهم، ضربة قوية لتعاليمهم ووضعهم أمام الشعب، ولذا نجدهم من بعد هذه المعجزة مباشرة، يدعون لاجتماع عاجل، أفتى فيه قيافا رئيس كهنة اليهود في تلك السنة ” إنه خير أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمّة كُلّها” (يو50:11) ومن ذلك اليوم “أصدروا أمرًا أنه إن عرف أحد أين هو (المسيح) فليدل عليه لكى يمسكوه” (يو57:11)[1].

2ـ دخول المسيح أورشليم :

وبحسب الإنجيليين متى ومرقس ولوقا، كان دخول السيد الانتصارى لأورشليم وتطهيره للهيكل من باعة الحمام والصيارفة ومن كل الذين يبيعون ويشترون، الإجراء الذى اعتبرته القيادات الدينية وقتئذ تعديًا صارخًا على واجباتهم وتحديًا قويًا لسلطانهم.(مت1:21ـ13، مر1:11ـ10، 15ـ17، لو29:19ـ40، 45ـ46)، وطلبوا من ذلك اليوم كيف يهلكونه (مر18:11، لو47:19)[2].

وسنقتصر هنا على معالجة موقفين فى ليلة آلام السيد المسيح هما:

1 ـ القبض على السيد .

2 ـ محاكمة السيد الدينية أمام مجمع السنهدريم.

أولاً: القبض على السيد المسيح في بستان جثسيمانى:

(قراءات الساعة التاسعة من ليلة الجمعة العظيمة). ” فأخذ يهوذا الجند وخُدّامًا من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح (يو3:18، تث47:26، مر43:14). ” في تلك الساعة قال يسوع للجموع كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصى لتأخذونى ..” (مت55:26، مر48:14، لو52:22) كل مشهد القبض عليه يفسره السيد على أنه:

1ـ إعلان لسلطان الظلمة أى سلطان الشيطان (لو53:22). وذلك لأن كل الذين جاءوا للقبض عليه كانوا تحت قيادة الشيطان. فالتلميذ الخائن يهوذا قال عنه السيد ” أليس أنى أنا اخترتكم الاثنى عشر وواحد منكم شيطان” (يو70:6، أنظر يو23:13ـ27، لو3:22ـ4).واليهود ورؤسائهم قال عنهم سابقًا السيد ” أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا..” (يو44:8).

هذا وبقول السيد “.. وسلطان الظلمة” يعنى أن إرادة الشيطان واليهود في ساعة القبض عليه كانت واحدة. يسوع يصف الفترة الزمنية لسلطان الظلمة على أنها “ساعة” وذلك لأن كل سلطان الظلمة للشيطان هو في حقيقته وقتى، ففي حالة آلام السيد، ظهر هذا السلطان في منتصف ليلة الخميس بالقبض عليه وتلاشى تمامًا مع الساعات الأولى لفجر يوم الأحد بقيامته المقدسة.

2ـ تكميل للكتب (مر49:14، مت56:26) أى أن كل ما يحدث له، لا يحدث بالصدفة ولكن كل شئ قد تم التنبؤ به منذ القديم في الناموس والأنبياء والمزامير (أنظر لو 26:24ـ27، 44ـ46).

ثانيًا: محاكمة السيد المسيح الدينية أمام مجمع السنهدريم اليهودى:  (قراءات الساعة الحادية عشر من ليلة الجمعة العظيمة وباكر من يوم الجمعة).

1ـ تحقيق رئيس الكهنة السابق حنان مع يسوع (يو12:18ـ13، 19ـ24). هذا الإجراء كان أساسًا غير قانونى، لأن حنان لم يكن هو رئيس الكهنة الرسمى لليهود، رئيس الكهنة الرسمى كان قيافا صهر حنان ـ والذى اعترافًا بجميل حماه عليه ـ (رفعه إلى هذا المنصب وزوجّه ابنته) أعطى له إمكانية التحقيق مع المسيح أولاً [3].

لقد وجّه حنان سؤالاً مزدوجًا إلى السيد عن تلاميذه وعن تعليمه. وهو بالتأكيد لا يسأل لكى يعرف مَن هم تلاميذ المسيح، فهو يعرفهم جيدًا وواحد منهم (يوحنا) كان ماثلاً أمامه (أنظر يو15:18)، ولكنه يسأل لكى يعرف:

أ ـ هل تعليم السيد هو وفق الناموس الموسوى

بـ وهل يُعلّم السيد تلاميذه تعليم آخر جديد غريب عن الناموس، لأن هؤلاء بدورهم سيقومون بتعليم الشعب بهذا التعليم الجديد. وبالتالي لو تأكد حنان من صحة ما يظنه عن المسيح، فهذا سيكون لديه بمثابة سبب قوى لا لاتهام السيد فقط أنه مخالف للناموس بل ولاتهام تلاميذه أيضًا. وتكون الفرصة مواتية جدًا بالتالي لهم للتخلص النهائي من السيد وتلاميذه في مرة واحدة[4].

نلاحظ في إجابة السيد على حنان أنه لم يقل شيئًا يخص تلاميذه لأنه دائمًا يحافظ عليهم (أنظريو12:17)، بينما عن تعليمه قال ” أنا كلمت العالم علانية. أنا علَّمت كل حين في المجمع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود دائمًا. وفي الخفاء لم أتكلم بشئ. لماذا تسألني أنا أسأل الذين قد سمعوا ماذا كلمتهم هوذا هؤلاء يعرفون ماذا قلت أنا” (يو20:18ـ21). وهنا قَبِل السيد لطمة على خده من أحد خدام رئيس الكهنة (أنظر يو22:18).

وأعتقد أنه من المناسب هنا أن نبحث عن السبب الذي جعل ذلك الخادم يتجاسر ويضرب يسوع الذي لم يجب على السؤال بإجابة غاضبة، بل أجاب في وداعة، وأيضًا مع ملاحظة أن رئيس الكهنة لم يطلب من هذا الخادم أن يضرب المسيح. بحسب رأى ق. كيرلس الأسكندرى أن هذا الخادم كان من ضمن الخدام الذين أرسلهم رؤساء الكهنة والفريسيون مرة للقبض على يسوع (أنظر يو32:7)، ولكنهم اندهشوا من تعليمه وعادوا وهم يقولون لرؤسائهم “لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا” (يو46:7). ولذلك حنق الفريسيون عليهم بشدة وقالوا لهم ” ألعلكم أنتم أيضًا قد ضللتم..” (يو47:7).

وهكذا أعادت كلمات المخلص إلى ذاكرة الرؤساء غضبهم السابق على خدامهم، خاصة عندما أشار إليهم كشهود على تعليمه “..هوذا هؤلاء يعرفون ماذا قلت أنا” (يو21:18). وهكذا صار هذا الخادم بالذات أحد المتهمين أمام رؤسائه بأنه معجب بالمسيح، وبالطبع كان عليه أن يبعد هذه الشبهة عن نفسه. ولكي يوجه أنظار رؤسائه إلى عدم إعجابه بالمسيح، ضربه على فمه لكي لا يقول شيئًا يحرج أيًا من الخدام! متعللاً في نفس الوقت بالتبرير غير المقنع ” أهكذا تجاوب رئيس الكهنة” (يو22:18). في حين ـ كما قلنا سابقًا ـ أن السيد في إجابته لم يقل كلام يثير غضب رئيس الكهنة[5].

2ـ تحقيق قيافا رئيس الكهنة والمجمع اليهودى مع يسوع (مر 53:14ـ65، مت 57:26ـ68، لو 54:22 ، 63ـ65).

أـ الجلسة المسائية

وفقًا لمرقس53:14ـ65 ، متى57:26ـ68 نعلم أن رئيس الكهنة قيافا، قد دعى أعضاء المجمع اليهودى (السنهدريم) ليلاً في بيته لكى يبدأ في إجراءات محاكمة يسوع. كان المجمع اليهودى يتكون من (71)عضوًا (70 شيخًا من شيوخ الطوائف الدينية اليهودية ويرأسه رئيس الكهنة)[6] وكانت الاجتماعات تتم صباحًا في المكان المخصص لذلك في الهيكل والمسمى “بالمجلس”، ولكن ربما لأن هذا المكان كان يشغله في ذلك الوقت القائد الرومانى المختص بحفظ النظام في الهيكل والهدوء في المدينة أيام عيد الفصح الكبير، لذلك فقد اجتمع الأعضاء في بيت رئيس الكهنة. هذا ووفقًا للأبحاث الأثرية لمدينة أورشليم القديمة أمكن معرفة أن دار حنان ودار رئيس الكهنة قيافا كانت دارًا واحدة[7].

1ـ اجراءات المحاكمة

طلب الشهود

حسب تعليم الكتاب في تثنية (15:19)، فإن الشهود أمر ضرورى في المحاكمات التى من هذا النوع. هذا وبينما وفقًا للتشريع القضائى اليهودى في المحاكمة، يُستدعى أولاً شهود الدفاع، بهدف المساعدة على تبرئة المتهم، نجد في محاكمة يسوع أنه قد حدث العكس تمامًا، إذ استدعوا أولاً شهود الاتهام[8]. وعلى الرغم من أن هؤلاء كانوا كثيرين وأطلقوا على السيد اتهامات عديدة إلاّ أن اتهاماتهم كانت كلها باطلة ولم تتفق فيما بينها.

وحتى الشاهدان اللذان قالا: ” نحن سمعناه يقول أنى أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادى وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأياد” (مر 58:14 ، مت 61:26)، لم يقولا الحقيقة. فالسيد أولاً لم يقل هذا من نفسه بل كان ردًا على سؤال اليهود “أيّة آية تُرينا حتى تفعل هذا” (يو18:2) وثانيًا أن السيد أجاب اليهود قائلاً ” انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه” (يو19:2) وثالثًا أن السيد كان ” يقول هذا عن هيكل جسده” (يو21:2)[9]. ولذا وُصف هذان الشاهدان من الإنجيليين بأنهم شاهدى زور.

صمت يسوع أمام شهادات الزور، يذكرنا بنبوة إشعياء عنه ” ظُلم أمَّا هو فتذلّل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاهُ” (53:7). فهو المسيح المتألم الذى يسير بإرادته نحو الآلام والموت، وقد عرف جيدًا أن الدفاع عن نفسه لن يأتِ بأية نتيجة إيجابية مع قضاة وشعب قد قرروا قتله.

2ـ سؤال رئيس الكهنة قيافا واعتراف السيد المسيح بأنه المسيا:

السؤال الذي وجهّه رئيس الكهنة قيافا ليسوع ” أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله“؟ (مت63:26، مر61:14). كان يحوي ثلاثة احتمالات ويضمن ثلاثة ضمانات لمحاكمة يسوع:

أـ ففي حالة عدم إجابة يسوع، سيحكم عليه عندئذ أنه مزدرى بالقسم الإلهى.

ب ـ وفي حالة إجابة يسوع سلبيًا، أى أنه ليس ابن الله، سيُتهم عندئذ انه كاذب ومضلّل للشعب إذ قد علّم أكثر من مرة أنه ابن الله (أنظر مثلاً يو35:9ـ38 ، 30:10ـ39).

ج ـ وفي حالة إجابة السيد المسيح إيجابيًا، أى قبل وأعلن أنه حقيقة المسيح ابن الله، سيتهم أيضًا بالتجديف. وهذا ما حدث[10]، فأجابة يسوع وكما يظهر في الأناجيل الثلاثة ” قال له يسوع أنت قلت وأيضًا أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة وآتيًا على سحاب السماء” (مت 64:26) ” فقال يسوع أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة وآتيًا في سحاب السماء” (مر 62:14).

فقال لهم إن قلت لكم لا تصّدقون وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني. منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوة الله. فقال الجميع أ َفأنت ابن الله. فقال لهم أنتم تقولون أنى أنا هو” (لو 67:22ـ70)، إذن كانت إجابة المسيح إيجابية تمامًا، لأنه بغير ذلك لا يمكن تعليل غضب رئيس الكهنة والمجمع وتمزيق رئيس الكهنة ثيابه واتهام يسوع بالتجديف والحكم عليه انه مستوجب الموت (انظر مت 65:26ـ66 مر 63:14ـ64 ، لو 71:22).

هذا الاتهام يعني أن يسوع تجاوز بحسب المفاهيم الدينية لليهود حدود الطبيعة البشرية، طالما هو يعلن بنوته لله الآب (أنظر يو16:5ـ18). وهذا قول غير مقبول إطلاقًا عند اليهود إذ وهو إنسان ـ بحسب فكرهم ـ يساوى نفسه بالله، ولذا فإن هذا القول يعتبر عندهم تجديفًا على الله وعاقبته الموت رجمًا (أنظر لا16:24يو30:10ـ34). يضاف إلى هذا انه قد جرت العادة انه في حالة تجديف إنسان ما على الله أمام الكهنة، فهؤلاء يقومون بتمزيق ثيابهم معبرين بذلك على مدى بشاعة هذه الخطية وعلى انهم في نفس الوقت أبرياء منها (انظر مثلاً أع 13:14ـ18)[11].

هكذا حُكم على السيد أنه مذنب ذنب الموت. ولكن من الجدير بالذكر هنا، أنه في قرار المحاكمة هذه لم يكن هناك اتفاق كامل بين أعضاء المجمع، فيوسف الرامى على سبيل المثال ” لم يكن موافقًا لرأيهم وعملهم” (لو 51:24) وأيضًا نيقوديموس (أنظر يو50:7ـ53 ، 39:19).

الاستهزاءات بيسوع:

من بعد انتهاء الجلسة المسائية للمجمع مباشرة واتهام السيد فيها بالتجديف وإصدار الحكم عليه بالموت، وقبل أن تصير الجلسة الثانية في الصباح تسجل لنا الأناجيل الثلاثة (مت67:26، مر65:14، لو67:22) أن السيد سيق إلى ساحة دار رئيس الكهنة حيث بدأ هناك في تقبل صنوف من الاستهزاءات ووابل من اللطم والبصق واللكم والجلد وذلك من الخدام والرجال الذين كانوا ضابطين له، وهو يظهر أمام كل هذا احتمال عظيم وصبر كبير. وعلى الرغم من أن التاريخ يعلمنا أن جلد المتهمين بعد إصدار قرار المحاكمة كانت عادة ـ ومازالت ـ عند الشعوب الشرقية القديمة، وذلك حتى يكونوا درسًا وعبرةً للآخرين، إلاّ أن كل هذا سبق وتنبأ عنه الكتاب المقدس تفصيليًا عن ابن الإنسان كما في إشعياء (6:50، 1:53ـ12)[12]

مجمع اليهود السنهدريم وحقه في إصدار قرارات الحكم بالموت:

في نهاية حديثنا نتعرض للسؤال التالي:

هل كان للمجمع اليهودى وقتئذ حق إصدار قرار حكم بالموت في قضية ما وتنفيذه دون الرجوع للسلطة الحاكمة الرومانية؟ أم أن دور المجمع كان ينحصر فقط في جمع أدلة الاتهام لتقديمها بعد ذلك مع المتهم عند مثوله لدى القضاء الرومانى؟

في الحقيقة أن اليهود أيام السيد المسيح ورغم أنهم كانوا تحت قبضة السلطة الرومانية إلاّ أنهم كانوا يمتلكون، في نظام مجمعهم الدينى (السنهدريم) الحق في إصدار أحكام بالموت وتنفيذها أيضًا وذلك فيما يخص الجرائم أو القضايا الدينية فقط، أما القضايا الأخرى (القتل، الفتنة) فكانت من اختصاص الحاكم الرومانى. وهذا يظهر من :

أـ قول بيلاطس لهم عندما ساقوا إليه السيد المسيح ليحاكمه “خذوه أنتم واحكموا عليه حسب ناموسكم” (يو31:18). وحتى عندما ردوا على بيلاطس بقولهم “لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا” (يو31:18)، قالوا هذا بسبب مناسبة عيد الفصح والتى يجب عليهم أن يكونوا فيها أنقياء ليتمكنوا من ذبح الخروف وأكله (أنظر يو14:19). ولم يكن قولهم ذلك راجعًا إلى أنه لم يكن مسموحًا لهم بتنفيذ عقوبة الموت في شخص ما.

ب ـ يذكر لنا العهد الجديد أكثر من حادثة تكشف لنا أن اليهود عندما كانوا تحت الحكم الرومانى لم يفقدوا إمكانية إصدار قرارات بالموت وتنفيذها في حالة القضايا الدينية فعلى سبيل المثال لدينا محاولة اليهود رجم المرأة الزانية في (يو 1:8ـ11)، رجم اسطفانوس رئيس الشمامسة وأول الشهداء (أع7) ومحاولاتهم قتل بولس الرسول (أع 12:23ـ15).

ج ـ القضايا التى كانت تخص الأمن والنظام في الدول الخاضعة للحكم الرومانى كانت من حق الحاكم نفسه، على سبيل المثال قضية باراباس ورفقائه الذين كانوا قد طرحوا في السجن بسبب فتنة حدثت في المدينة وقتل (أنظر مر 7:14 ، لو 19:23)[13].

وبالتالى فاليهود كان في استطاعتهم وبسهولة قتل السيد المسيح وبالتحديد عن طريق الرجم، كما حُددت هذه الطريقة كعقوبة للمجدف في لاويين (16:24). لكننا نجد أنهم لم يفعلوا أى شئ من هذا، بل في الجلسة الثانية لمجمعهم في صباح يوم الجمعة تشاوروا على قتل يسوع وأوثقوه ومضوا به إلى الوالى بيلاطس البنطى (أنظر لو66:22ـ71 ، 1:23 ، مر 1:15 ، مت 1:27ـ2). وهم قد فعلوا هكذا للأسباب التالية:

1ـ كان هدفهم التأكد من موت السيد، موت الصليب المهين ولذا اتهموه لدى الرومان بتهمة سياسية “وجدنا هذا يفسد الأمّة ويمنع أن تُعطى جزية لقيصر قائلاً أنه هو مسيح ملك” (لو 2:23).

2ـ لكى يقتله القائد الرومانى وليس هم، وبالتالى سيظهرون أمام الشعب أنهم أبرياء من دم المسيح، وأمام الحكام الرومان أنهم يعملون لصالح الإمبراطورية.

3ـ من المحتمل جدًا أنهم تخوفوا من استخدام طريقة الرجم، وذلك لأنه ربما لن يجرؤ أحد أن يلقى ولو حجر واحد على السيد.

4ـ لا شك أنهم فكروا أنه بموت السيد المسيح على الصليب سيضمنون بذلك محو كل أثر طيب وتأثير حسن تركه السيد في قلب الشعب اليهودى الذى سيأتى من كل مكان إلى أورشليم بسبب عيد الفصح (أنظريو55:11).

ومما ساعد رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على تحقيق خطتهم الشريرة العوامل الآتية:

1ـ وجود بيلاطس البنطى الوالى الرومانى في أورشليم في ذلك الوقت لأجل الإشراف والمحافظة على النظام أيام عيد الفصح، (إذ أن المقر الرئيسى له كان في قيصرية فلسطين، وفي فترة الأعياد كان ينتقل إلى أورشليم لكى يحافظ بنفسه على الأمن فيها)[14].

2ـ أن القيادات الرومانية لن تتوان في القبض على أى إنسان ومحاكمته إذا أُتهِمَ بأنه يهيج الشعب على أحكام قيصر.

3ـ كانوا يعلمون أن الوالى الرومانى سوف يُطلق في عيد الفصح واحدًا من المتهمين كما جرت العادة وسيقدم الآخرين للصلب (أنظر مر6:15، مت15:27، لو17:23، 32، يو39:18). وهو ما اعتبروه بمثابة فرصة ذهبية لهم لتحقيق هدفهم الشرير بسرعة. لكن السيد كان بالطبع يعرف كل هذا جيدًا وسبق وأخبر تلاميذه عدة مرات كيف وبأى طريقة سوف يموت (أنظر مثلاً مت 18:20، مر 32:10ـ34، لو 31:18ـ33). كما أن العهد القديم سبق ورمز لموت المسيح بالصليب بالحية النحاسية التى رفعها موسى النبى في البرية (أنظر عد 9:21 ، يو14:3ـ15). وهكذا يتأكد لنا أكثر وأكثر أنه بإرادته قبل الصليب بسببنا ولأجلنا.

ويقول القديس ألكسندروس أسقف الأسكندرية (ق3 م) “لماذا كان يجب أن يموت المسيح ؟ هل كان مذنبًا ذنب الموت!.. إنه من محبته غير المحدودة لصورته ومثاله ـ لخليقته ـ الإنسان الذى فقد هدف وجوده. لهذا أراد أن يعيده بنفسه مرة أخرى إلى مسيرته السليمة ” [15].

[1]  أنظر تفسير إنجيل يوحنا (ج2) للأب متى المسكين ـ دير القديس أنبا مقار 1990 ، ص698.

[2]  أنظر تفسير إنجيل متى للأنبا أثناسيوس ـ بنى سويف 1985 ص 227

[3] Hengstenberge E.W., “ Commentary on the Gospel of St John”, Edinburgh, 1871,P.351

4 أنظر تفسير إنجيل يوحنا للقديس كيرلس الأسكندرىP.G. M:74,600؛ أنظر أيضًا تفسير إنجيل يوحنا لأمونيوس الأسكندرىP.G.M:85,1505.

5  أنظر P.G.M:601-604

[6] E. Sclurer, “A History of Jewish people in the Time of Jesus Christ”, Edinburgh, 1901, part II,  P. 163-195.

[7] Westcott, B.F., “ the Gospel according to st. John “, Eerdmans, 1962, P.267.

8 أنظر تفسير إنجيل يوحنا ج2 ، للأب متى المسكين ص 1138

9 أنظر القول الصحيح في آلام المسيح بطرس السدمنتى القاهرة 1872 ص 184.

10 أنظر ” البيان في كشف ما استتر من لاهوت المسيح.. “، للشماس أبو شاكر أبو الكرم ـ إصدار الأب جرجس السريانى القاهرة 1905 ص 254ـ255؛ أنظر أيضًا ” القول الصحيح.. ” بطرس السدمنتى ص 196ـ197.

[11] A. Eedersheim “ The life and Times of Jesus the messiah “, Eerdmans, 1965, vol. II, P. 561.  

[12] Bl. Iw. KarabidÒpoulou, « TÒ k£ta M£rkon Euaggšlio» Qes|n…kh1988 s. 477.

13 أنظر شرح إنجيل يوحنا للقديس كيرلس الأسكندرى (إصحاحات 21:18) د. جورج حبيب، القاهرة 1977، ص 44.

[14] Bl. Iw. KarabidÒpoulou, « TÒ k£ta M£rkon Euaggšlio» Qes|n…kh1988 s. 429.

[15]  من مقالة عن آلام السيد (ترجمة عن السريانية) P.G 18, 596.

المسيح المتألم – دكتور مجدي وهبه

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

Exit mobile version