وصلت الآن إلى ذلك الجزء من الأخلاق المسيحية الذي فيه تختلف اختلافاً حاداً عن جميع المفاهيم الأخلاقية الأخرى. فثمة رذيلة ليس من إنسان في الدنيا براءً منها. وكل إنسان في الدنيا يعافها عندما يراها في أحد سواه، ولا يكاد قوم يتصورون أنهم مُذنبون بها، ما عدا المسيحيين حقا. وقد سمعت أشخاصاً يعترفون بأنهم سيئو الطباع، أو أنهم لا يستطيعون تمالك أنفسهم حيال النساء والشراب، أو أنهم جبناء أيضاً. إنما لا أظن أني سمعت يوماً شخصاً غير مسيحي أبدى رحمة تجاهها في الآخرين. وليس من نقيصة أخرى تجعل الإنسان أقل شعبية، ولا نقيصة أخرى نحن أكثر سهواً عنها في أنفسنا. وكلما تفاقمت لدينا نحن، كرهناها لدى الآخرين.
هذه الرذيلة التي أشير أليها هي الكبرياء أو الغرور. أما الفضيلة المعاكسة لها، في الأخلاق المسيحية، فتدعى التواضع. ولعلك تذكر أنني في معرض حديثي عن الأخلاق المتعلقة بالجنس نبهتك إلى أن النقطة المركزية في الأخلاق المسيحية ليس الجنس. وها نحن الآن قد وصلنا إلى المركز. ففي رأي المعلمين المسيحيين أن الرذيلة الأساسية، أو الشر الأقصى، هي الكبرياء. وما عدمُ العفة والغضب والجشع والسُّكر، وما شابهها، سوى قرصات براغيث مقارنة بها: فبالكبرياء صار إبليسُ إبليسَ، والكبرياء تُفضي إلى كل رذيلة أخرى، وهي التوجه الذهني المُعادي لله.
أيبدو هذا لك مُبالغاً فيه؟ إن كان هكذا، فأعد النظر في الأمر. لقد ذكرتُ قبل قليل أنه كلما تفاقمت الكبرياء لدى المرء كره الكبرياء لدى الآخرين. فبالحقيقة إذا أردت أن تعرف مدى كبريائك فأسهل طريقة أن تسأل نفسك: “كم لا يروقني الأمر حين يهملني الآخرون بازدراء، أو يرفضون إعارتي أي انتباه، أو يُملون عليّ آراءهم، أو يتعالون عليّ، أو يتبجحون ويتباهون؟” بيت القصيد أن كبرياء كل إنسان تُنافس كبرياء كل إنسان سواه. فلأني أردت أن أكون محطّ الأنظار في الحفلة انزعجت كثيرً من كون شخص آخر محط الأنظار. واثنان من أهل مهنة واحدة لا يتفقان أبداً.
فما ينبغي أن يتوضح لديك هو أن الكبرياء تنافسية في جوهرها، أي بطبيعتها، في حين أن باقي الرذائل تنافُسية عرضاً فقط، إن صح التعبير. فالكبرياء لا تنال لذة من حصولها على شيء، بل فقط من حصول المرء على مقدار منها يفوق ما لدى الإنسان الآخر. ونحن نقول إن الناس متكبّرون لكونهم أغنياء، أو أذكياء، أو وسماء، غير أنهم ليسوا كذلك. إنهم متكبرون لكونهم أغنى من الآخرين أو أذكى أو أجمل منظراً. فلو صار الجميع أغنياء أو أذكياء أو وُسماء، لما كان من داع إلى الكبرياء. ذلك أن المقارنة هي ما يجعلك متكبراً، إذ تُشعرك بلذّة كونك فوق الآخرين.
وما إن يزول عنصر التنافس، حتى تزول الكبرياء. لذلك أقول إن الكبرياء تنافسية في جوهرها، على خلاف باقي الرذائل. فإن الحافز الجنسي قد يُفضي برجُلين إلى التنافس إذا كانا يريدان المرأة عينها. ولكن ذلك ناشئ عن العرض فحسب، إذ كان يمكن كذلك تماماً أن يريدا امرأتين مختلفتين، ولكن رجلاً متكبراً من شأنه أن ينتزع منك فتاتك، لا لأنه يريدها، بل فقط كي يبرهن لنفسه أنه رجلٌ أفضل منك. وقد يدفع الجشع الناس إلى التنافس إذا شحّت الموارد؛ غير أن الإنسان المتكبر، حتى لو حصل على أكثر مما قد يحتاج إليه، سيحاول أن يحصل على المزيد بعدُ فقط كي يؤكد نفوذه. وتكاد جميع الشرور المنتشرة في العالم والتي يوجزها الناس بكونها من قبيل الجشع أو الأنانية أن تكون بالأحرى نتيجة للكبرياء.
ولننظر إلى هذا الأمر من زاوية المال، فالجشع سيدفع الإنسان حتماً لأن يطلب المال، لأجل بيت أفضل، وعطلات أمتع، ومأكل ومشرب أفخر. لكن ذلك يبقى ضمن حدود معينة. فماذا يجعل رجُلاً مدخوله السنوي عشرة آلاف جنيه تواقاً لتحصيل عشرين ألف جنيه في السنة؟ طبعاً، ليس الدافع هو الجشع لمزيد من المسرات. فالعشرة آلاف جنيه توفر للمرء كل تنعُّم يمكن أن يتمتع به فعلاً. إنما الكبرياء هي الدافع: الرغبة في أن يكون المرء أغنى من شخص آخر غنيّ، وأيضاً (أكثر من ذلك بعد) أن يكون ذا نفوذ. وذلك لأن النفوذ أو السلطان هو ما تستمتع به الكبرياء حقاً.
فليس ما يُشعر الإنسان بأنه أعلى مقاماً من الآخرين بكثير مثل قدرته على تحريكهم كما لو كانوا جنوداً دُمى. وماذا يجعل الحسناء تبثُ البؤس أينما ذهبت، حاشدة حولها المعجبين؟ طبعاً ليس الدافع غريزتها الجنسية، إذ أن امرأة من هذا النوع غالباً ما تكون باردة جنسياً. إنما هو الكبرياء! وماذا يجعل قائداً سياسياً، أو شعباً بكامله، يمضي قُدماً مُطالباً بالمزيد؟ هي الكبرياء أيضاً! فإن الكبرياء تنافسية بطبيعتها في ذاتها، ولذلك تمضي قدماً بغير حدود بادية. وإذا كنتُ إنساناً متكبراً، فما دام في العالم إنسان واحد أقوى منى، أو أغنى أو أذكى، يكون ذلك مُنافسي وخصمي.
إن المسيحيين على حق: فهي الكبرياء ما زالت علّة الشقاء الرئيسية في كل أمّة وكل عائلة منذ بدء العالم. فالرذائل الأخرى قد تقرّب الناس بعضهم من بعض أحياناً: إذ ربما وجدت صداقة طيبة وتنكيتاً ومودة مؤنسين بين السكارة أو غير الأعفاء. غير أن الكبرياء دائماً تعني العداوة، بل هي العداوة، ولي فقد العداوة بين الإنسان والإنسان، بل العداوة لله أيضاً.
وتجد في الله ما هو متفوق عليك تفوقاً لا حدود له من كل ناحية. وما لم تعرف الله بهذه الصفة (ومن ثم تعرف نفسك باعتبارك لا شيئاً مقارنة به) فلن تعرفه أبداً. فما دمت متكبراً، فلا يمكنك أن تعرف الله. ذلك أن المتكبر ينظر دائماً باستعلاء إلى الأشياء والأشخاص. وما دمت تنظر دائماً إلى تحت، فلا يمكنك أن ترى ما هو فوقك.
وهذا يُثير سؤالاً رهيباً: كيف يُعقل أن أناساً تنهشهم الكبرياء على نحو واضح يقولون إنهم يؤمنون بالله ويَبدون في نظر أنفسهم متدينين جداً؟ أخشى أن يكون هؤلاء متعبدين لإله من نسج خيالهم. فهم يعترفون نظرياً بأنهم لا شيء في حضرة هذا الإله الوهمي. ولكنهم في الواقع يتصورون كل حين كيف هو راض عليهم ومعتبر إياهم أفضل من الناس العاديين. ذلك أنهم يؤدون له قيراطاً من التواضع يستثمرونه في رطل من الكبرياء تجاه إخوانهم البشر.
وأظن أن مثل هؤلاء القوم كانوا في فكر المسيح لما قال إن بعضاً سيُبشرون به ويطردون شياطين باسمه إنما كي يسمعوا في آخر الدهر أنه لم يعرفهم قط. وأي واحد منا قد يكون في أي وقت عالقاً في شرك الموت هذا. إنما من الخير أن لدينا اختباراً: كلما تبين لنا أن حياتنا الدينية تجعلنا نشعر بأننا صالحون (وفي المقام الأول أننا أصلح من شخص آخر سوانا)، أعتقد أنه يمكننا أن نتيقن بأننا قد خُدعنا لا من قِبَل الله طبعاً، بل من قِبَل إبليس. فالاختبار الحقيقي لكوننا في حضرة الله هو أنك إما أن تنسى أمر نفسك كلياً وإما أن ترى نفسك هباءة صغيرة قذرة. والأفضل أن تنسى أمر نفسك كلياً.
إنه لأمر رهيب أن أسوء رذيلة على الإطلاق قد تنسل إلى قلب حياتنا الدينية بالذات. ولكن في وسعك أن تدرك السبب. ذلك أن الرذائل الأخرى، الأقل سوءً، تنتج من عمل الشيطان للتأثير فينا بواسطة طبيعتنا الحيوانية. ولكن هذه الرذيلة لا تنتج من طبعتنا الحيوانية أبداً. إنها تأتينا من جهنم مباشرة فهي روحية محض، ولذلك هي أدهى وأفتك بكثير. وللسبب عينه قد تُستخدم الكبرياء أحياناً لدحر رذائل أبسط. فالمعلمون، في الواقع، غالباً ما يركنون إلى كبريا الولد، أو كما يسمّونها: احترامه لذاته، كي يحملوه على التصرف بحُسن سلوك.
وما أكثر الرجال الذين تغلبوا على الجبن أو الشهوة أو حدة الطبع بتعلمهم أن يعتبروها مُهينة لكرامتهم، أي الكبرياء. ثم أن إبليس يضحك. فهو مبتهج تماماً بأن يراك تصير عفيفاً وشجاعاً وضابطاً لنفسك، على أن يُنصب في داخلك كل حين دكتاتورية الكبرياء. تمامً كما يسره أن يراك قد شفيت من مرض بسيط إذا سُمح له، مقابل ذلك، أن يُصيبك بالسرطان. ذلك أن الكبرياء سرطان روحيّ؛ إذ تنهش حتى إمكانية المحبة أو القناعة أو الفطرة السليمة أيضاً.
وقبل اختتام هذا الموضوع، ينبغي لي أن أُنبه إلى وجوب الاحتراس من بضع إساءات فهم محتملة:
1- إن سرور المرء بامتداحه ليس كبرياء. فالولد الذي تُربت كتفه لإبلائه حسناً في دروسه، والمرأة التي يمتدح حبيبها بجمالها، والنفس المخلصة التي يقول لها المسيح “نعِماً” جميعهم يُسرون، وينبغي لهم ذلك. إذ أن المسرة هنا لا تكمن في هويتك بل في حقيقة كونك جلبت سرور لشخص أردت أن تسرّه (وإرادتك لهذا في محلها). إنما تبدأ المشكلة حين تنتقل من التفكير: “لقد جلبت له السرور وكل شيء بخير”، إلى التفكير: “يا لي من شخص رائع إذ فعلت هذا! فكلما زادت مسرتك بنفسك وقل سرورك بالمدح، تصير أسوأ حالاً.
وعندما تبتهج كلياً بنفسك ولا تكترث للامتداح أبداً، تكون قد بلغت الدرك الأسفل. لذلك كان الغرور، مع أنه نوع من الكبرياء الذي يظهر أكثر الكل على السطح، هو بالحقيقة أقل أنواعها سوءاً وأكثرها قابلية للاغتفار. فالشخص المغرور يطلب الامتداح والإطراء والإعجاب طلباً يفوق الحدّ، ونجده كل حين يحتال للحصول عليها. وهذه غلطة، لكنها غلطة صبيانية، بل أيضاً متواضعة بطريقة غريبة. فهي تبين أنك غير راض كلياً بعد عن إعجابك الشخصي. فأنت تُقدر الآخرين تقديراً كافياً بحيث تريد منهم أن يتطلعوا إليك.
وهكذا ما تزال في الواقع بشرياً. إنما الكبرياء الشيطانية السوداء حقاً تحصل حين تنظر باستعلاء إلى الآخرين بحيث لا يهمك ما يفكرون فيك. طبعاً، صحيح جداً، وغالباً ما يكون من واجبنا، ألا نهتم بما يفكره الناس فينا، إذا فعلنا ذلك بدافع من السبب الصحيح، أي لأننا نهتم أكثر على نحو لا نظير له بما يراه الله فينا. غير أن الإنسان المتكبر يحدوه سبب مختلف على ألا يهتم.
فهو يقول: “لماذا يهمني استحسان أولئك الرعاع كما لو كان رأيهم لا يستحق أي التفات؟ حتى لو كانت آراؤهم ذات قيمة، أفأنا ذلك الرجل الذي يتورد خداه سروراً لدى إطراءة توجّه إليه، كما لو كنت فتاة خجلة ترقص رقصتها الأولى؟ كلا، فأنا شخص راشد مكتمل! فكل ما فعلته إنما فعلته لإرضاء مُثلي العليا الخاصة (أو ضميري الفني، أو تقاليد أسرتي)، أو بكلمة وجيزة: لأني فتى كريم ماجد! فإن راق الرعاع ذلك، كان به. إنهم لا شيء في نظري”. بهذه الطريقة قد تقوم الكبرياء الخالصة الحقيقية بدور كابح للغرور، لأن إبليس، كما قلت منذ هُنيهة، يحب أن “يشفي” علّة يسيرة بإعطائك علّة خطيرة. فيجب علينا أن نحاول ألا نكون مغرورين، إنما يجب ألا نستدعي كبرياءنا البتة كي تشفينا من غرورنا.
2- ينبغي التميز بين الفخر والكبرياء. فقد نقول إن المرء فخور بابنه أو أبيه، أو مدرسته أو فوجه. وربما نسأل: هل الفخر في هذا النطاق خطية؟ أعتقد ان الأمر يتعلق تحديداً بما نعنيه بالفخر. فغالباً ما يُستعمل الفخر هنا بمعنى الإعجاب القلبي الشديد. ومثل هذا الإعجاب بالطبع أبعد ما يكون عن كونه خطيّة.
إلا أنه قد يعني أن ذلك الشخص يصطنع الكِبَر على أساس أبيه الممتاز، أو لأنه ينتمي إلى فوجٍ شهير. فواضح أن هذا عيب. ومع ذلك، فمن شأنه أن يكون أفضل من كون المرء فخوراً بنفسه فحسب. فإن يروقك ويُعجبك أي شيء خارج نفسك هو أن تخطو خطوة واحدة بعيداً عن الخراب الروحي؛ مع أننا لن نكون بخير ما دام يرقنا ويعجبنا أي شيء أكثر مما نحب الله ونعجب به.
3- يجب ألا نحسب الكبرياء شيئاً يحظره الله لأنه يستاء منه، أو أن التواضع شيء يطلبه كواجب يؤدّى لجلالته، وكأن الله نفسه متكبر. فهو غير قلق البتة على كرامته. إنما بيت القصيد أنه يريد لك أن تعرفه، يُريد أن يُعطيك ذاته. وأنت وهو كائنان من نوعين مميّزين بحيث أنك إذا دخلت حقاً في أي تماس معه فلا بد أن تكون بالحقيقة متواضعاً، متواضعاً على نحو مبهج، شاعراً بالراحة اللامحدودة الناجمة عن التخلص نهائياً من كل ذلك الهراء التافه عن كرامتك بعدما أقض مضجعك وسبّب لك الشقاوة طوال حياتك.
فهو تعالى يسعى لأن يصيرك متواضعاً كي يجعل هذه اللحظة ميسورة؛ يسعى لأن يجردنا من كثير من الملابس التنكرية القبيحة التافهة التي لبسناها كلنا ورحنا نجول فيها متضايقين ونحن نبدو على حقيقتنا…. حمقى صغاراً. وأتمنى لو أنني أنا شخصياً تقدمت أكثر في مجال التواضع. فلو كان ذلك قد حصل لي، لربما أمكنني أن أكشف لك المزيد عن الراحة والفرج الناجمين عن خلع تلك الملابس التنكرية، أعني التخلص من الذات الزائفة بكل ادعاءاتها: “انظروا إليَّ!”، “ألست أنا فتى رائعاً؟” وكل استعراضها وموقفها وتوجّهها. ألا إن مجرد الاقتراب من ذلك، ولو قليلاً وإلى لحظة، أشبه بشربة ماء بارد لأنسان في صحراء!
لا تتصور أنه إذا قابلت إنساناً متواضعاً حقاً فسيكون ما يدعوه معظم الناس “متواضعاً” هذه الأيام: فلن يكون شخصاً من ذلك النوع الزلق المُتمسكن الذي لا ينفك بالطبع يقول لك أنه نكرة. وربما كان كل ما فكرت فيه من جهته أنه سيبدو شخصاً فطيناً مُستبشراً يهتم فعلاً بما تقوله أنت له. وإن كرهته فعلاً، فسيكون ذلك لأنك تشعر بشي من الحسد تجاه أمرئ يبدو أنه يتمتع بالحياة بمثل تلك السهولة. وهو لن يكون مفكراً في التواضع. بل إنه لن يكون مفكراً في نفسه البتة.
وإذا ودّ أحد أن يكتسب التواضع، فأظن أن في وسعي اطلاعه على الخطوة الأولى. فأول خطوة هي أن يدرك أنه متكبر. وهي خطوة كبيرة نسبياً أيضاً. فعلى الأقل، لا شيء على الإطلاق يمكن القيام به قبلها. وإن حسبت أنك غير مغرور، فذلك يعني أنك بالحقيقة مغرور جداً.
الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة, لكي نموت عن خطايانا فنحيا للبر, الذي بجلدته شفيتم, لأنكم كنتم كخراف ضالة, ولكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأسقفها
بطرس الأولى 2: 24-25
تصور أن صديقاً وهبك قصراً جميلاً لتتمتع به, لكنه طلب شيئاً وأحداً قائلاً ” أرجوك أن لا تقفز من البرج لئلا تموت”, ثم أتى عدو إلى قصرك وقال لك: “من منعك من القفز؟ هيا اقفز حتى تشعر شعوراً رائعاً! وتختبر لذة الطيران, وتكون قادراً على رؤية قصرك من زاوية مختلفة, لا تقلق مما سيجري لك عندما تطأ قدمك الأرض, فكر فقط في الأشياء الجديدة التي ستتعلمها في طريقك إلى الأرض”.
هل ستسرع إلى أعلى البرج وتقفز؟ بالطبع لا, إنه من الحماقة أن تثق بعدوك وتعمل بما يقوله لك.
لقد مر آدم وحواء بإختبار مشابه, فقد وضعهما الله في جنة جميلة وأخضع لهما كل شئ, ثم ما لبث أن أتى العدو – الشيطان – وقال لهما أن يأكلا من ثمار الشجرة, وأوهمهما بأن ذلك لن يؤذيهما, فصدقا كلامه بدل أن يصدقا كلام الله ….ياللعجب!
وكما درسنا سابقاً, فقد خُلق الإنسان كاملاً, إلا أنه بموقف عصيانه دخلت الخطية إلى حياته, فما هي الخطية؟ وما هو قصاص الخطية؟ وهل هناك مفر من سلطانها؟
إن الآيات المأخوذة من الكتاب المقدس والواردة في هذا الدرس ستعطينا الإجابات ولتبق قصتنا التي قرأناها في أذهاننا, ولنحاول أن نوجد تعريف للخطية.
ما هي الخطية..؟
لا يمكن لأحد أن يقرأ الكتاب المقدس بكثرة دون أن يدرك عظم الأهمية الموجههة لموضوع الخطية وسببها وعلاجها.
يروي الفصل الثالث من سفر التكوين قصة الزوج البشري (آدم وحواء), فبعد أن وضع الله الزوجين الأولين في الفردوس وسخّر كل شئ لهما, إذ أعطاهما الحيوانات كي يسودا عليها والنباتات ليأكلا منها “ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جداً” (تكوين 1: 31) وكأن الله قد أعطاهما وصية “وأوصى الرب آدم قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً, أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكلا منها, لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت” (تكوين 2: 16-17). وهذه الوصية ستكون الأداة التي ستستخدمها الحية المجربة للإيقاع بآدم وحواء في شباك الخطية.
ربما يكون رد فعل البعض عندما يقرؤا هذا النص قراءة سطحية هو التعليق بالقول: لو لم تكن هناك وصية لما كانت خطية!
ويضيفون: لماذا أعطى الله مثل هذه الوصية؟ .. وهل ضاقت عينه بثمرة أكلها الإنسان؟
ولعل مبعث هذه الأسئلة هو أننا كثيراً ما نفكر بالخطية على أنها الجريمة والقتل ولكن الخطية في الكتاب المقدس تشير إلى أي شئ يعوزه كمال الله, ففي الرسالة إلى رومية 3: 23 (الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله), ومجد الله يتضمن فكرة الكمال المطلق, لذلك فالخطية هي التقصير عن الوصول إلى الهدف, وجميع الناس بهذا آثمون.
تذكر الخطية في الكتاب المقدس بالأساليب التالية:
1- أن الخطية هي عصيان على شرائع الله:
وهي أن يقول الإنسان لله: ” أنا لست أقل أهمية منك, وأرفض أن أحيا حسب أقوالك”. فالخطية هي التمرد.
قد تقول: ” ليس لأحد الحق في التحكم في بل سأعمل ما يحلو لي”.
أن الحدود التي وضعها الله لنا لها غرض اساسي, وهو مصلحتنا العليا, فالله يعلم مثلاً أن البغض والكراهية ترهقان الأعصاب وتسببان الصداع وأن الرغبة في الإنتقام تؤدي إلى حدوث قرحة بالجهاز الهضمي.
ومواقف كهذه تؤثر على الآخرين أيضاً وتؤذيهم والله أظهر محبته لنا بوضعه بعض الحدود أو الشرائع لحمايتنا, ونحن نخطئ عندما نتجاوز هذه الحدود, نقرأ في (1 يوحنا 3: 4) أن “كل من يفعل الخطية يفعل التعدي أيضاً, والخطية هي التعدي” فهل يجوز إذاً أن افعل أي شئ بشرط أن لا يؤذي الآخرين؟
كلا؟ فكل شئ يكون شرعيا فقط أن كان ضمن الحدود التي وضعها الله, فقد نظن أن شيئاً ما لن يؤذينا أو يؤذي الآخرين فنخطئ الظن, والطريق الوحيد الآمن بالنسبة لنا هو إطاعة الشرائع التي وضعها الله.
2– والخطية هي أن نرفض دعوة الله إلى الحياة معه. في الحب…
فالله دائماً يدعو الإنسان إلى الحب, ولكن الإنسان حر في أن يقبل أو يرفض, وقد قال السيد المسيح عن أورشليم:
” يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها, كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها, ولم تريدوا” (متى 23: 37).
وهذه هي الخطية, فالخطية هي دائماً من نمط رديء, حب مخلوط بحب الذات, أو مجرد رفض الحب.. وذلك طوال حياتنا كلها.
3- والخطية هي أن نرفض التعهد إلى أقصى حد بخلق ذواتنا..
كأن نقول لأنفسنا وللآخرين دائماً (أنا كده ..!!) فنتخذ من اللامبالاة موقفاً ثابتاً لنا تجاه أنفسنا, بل وأيضاً تجاه اخوتنا (كل البشر).
وطاعة الوصية ما هي إلا قبول التعهد الكامل مع الله بأن نحيا وصاياه وقال لهم : “اثمروا واكثروا وأملأوا الأرض..” (تكوين 1: 28). بل أننا نشوه هذا الخلق (شهواتنا..وأعظمها الإمتلاك), أن نخلق ذواتنا لأنفسنا ناسين إخوتنا (أنانية وكبرياء) وذلك بأن نتجاهل كلمة الله لنا حيث تعلن لنا:” أن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليومي فقال لهما أحدكم: امضيا بسلام, استدفئا واشبعا ولكن لم يعطيهما حاجات الجسد فما المنفعة ” (رسالة يعقوب 2: 15-16)
وأيضاً ” نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لإننا نحب الأخوة, من لا يحب اخاه يبق في الموت, كل من يبغض اخاه فهو قاتل نفس, وأنتم تعلمون أن كل قاتل نفس ليس له حياة ابدية ثابته فيه, بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الأخوة, أما من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجا وأغلق أحشاءه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه, يا أولادي لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق., وبهذا نعرف أننا من الحق ونسكن قلوبنا قدامه ” (رسالة يوحنا الأولى 3: 14-19).
4- الخطية هي رفض الإعتراف بأن الله هو الغاية العليا لكل فرد, لكل العالم, ورفض اكرامه.
هي أن نجعل أنفسنا آلهه مكان الله, وذلك إذا فكرنا فقط في ذواتنا واتخذنا لنا ما يجب أن يكون للآخرين وله, وهي أن نجعل أنفسنا مركزا للعالم, فنعوق هكذا نمو البشر جميعاً والخلق أيضاً, وأن نخلق الشقاق في العالم ونجعله يتعثر في طريقه نحو غايته.
من كل ما سبق نجد أن الخطية ما هي إلا حالات الرفض, وحالات الرفض هذه ما هي إلا حالات حب فاشل تحيط الإنسان والعالم. لأنها تضعها خارج خطة الله الآب, وهي التي (أي خطة الله الآب) تهدف إلى جمع كل شئ في الحب لإنه لا يوجد في العالم إلا قوتان:
* قوة انتشار نحو الله ونحو الآخرين وهي الحب.
* وقوة تقهقر نحو الذات وهي الأنانية والكبرياء وكل الخطايا الأخرى التي ليست إلا ظواهر خاصة بمسعى هذا الإنسحاب الذاتي. الذي يرتكز على الأنانية.
ملخص تعريف الخطية:
الخطية هي أي موقف من مواقف عدم المبالاة أو عدم الإيمان أو العصيان لإرادة الله المعلنة في الضمير أو في الناموس أو في الإنجيل, سواء ظهر هذا الموقف في الفكر أو في القول أو في الفعل أو في الإتجاه أو في السلوك.
والآن وقد وجدنا تعريفاً محدداً للخطية لنا أن نسأل:
ما هو مصدر الخطية..؟!
الشيطان مصدر الخطية
لقد أغوى الشيطان الإنسان ليخطئ, واستسلم الإنسان لهذا الإغواء. والكتاب المقدس يقدم لنا وصفاً رمزياً لهذا الإغواء, حيث نقرأ في (تكوين 3: 1) ” أحقا قال الله: لا تأكلا من كل شجر الجنة” وهنا ينبغي لنا أن نسأل: هل هذا الإدعاء صحيح؟ في واقع الأمر هذا كلام دخل عليه تحريف وتزوير, وما قاله الله يختلف عما قالته الحية! (والتي هي هنا رمز الشيطان) وما قاله الله بالحقيقة ” من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكلا منها,لأنك يوم تأكل منها موتا تموت” (تكوين 2: 16-17).
نلاحظ بأن الفارق بين كلام الله وكلام الحية هو كبير. اذ أن الحية تضع لا تأكل في بداية الكلام, فالله يبدو للوهلة الأولى المحرم الذي يمنع عن الإنسان خيراته, في حين أن البداية هي العطاء: ” من جميع شجر الجنة تأكل “, والحية تشوه الحقيقة وتشوه صورة الله, فالوجه المعطي يصبح وجهاً مُحَرِّماً, وكم من الناس خدعوا بالحية وبقيت صورة الله مرتبطة في أذهانهم, بصورة الذي يمنعهم من التمتع بالحياة ويحجب عنهم صورة الله محبة فيحل الخوف والشعور بالذنب مكان الإنطلاق والفرح والرجاء.
والحية لا تكتفي بهذا فقط, بل أنها تخطو خطوة أخرى على طريق زعزعة الثقة وزرع الشك بين الله والإنسان, ونتناول هذه المرة مقاصد الله وغايته من الوصية, فتقول لحواء: ” لن تموتا, بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر “.
كلام الحية هذه المرة يهدف إلى إثارة الشكوك في نوايا الله الحقيقية وفي موقفه من الإنسان الذي خلقه فمقصد الله من الوصية ليست حماية الإنسان من الموت “لئلا تموتا” بل حماية الله من الإنسا
فالله يمتلك امتيازات ومعارف يريد إبعاد الإنسان عنها وعدم مشاركته فيها, أنه يريد الإحتفاظ بها لنفسه, أن الله يريد منع آدم وحواء من أن يصيرا “كالله” فالغيرة والحسد يدخلان في العلاقة بين الإنسان والله… الله يحرص على ما يملك من إمتيازات, والإنسان يشتهي ما عند الله, ويسعى إلى إمتلاكه, وهذا ما يجعله يكذب ولا يقول الحقيقة, فنتيجة المعصية ليست الموت كما يدعي الله, بل المعرفة التي تجعله مساوياً له” لذا فهي (أي الحية) تقول: ” لن تموتا …تكونان كالله”.
فهل هذا الإدعاء صحيح أم أن المجرب (إبليس) ” أبا الكذاب” يسقط على طبيعته بالذات؟
إذا عدنا إلى الفصل الأول من سفر التكوين نجد نقيض هذا الإدعاء, إذ خلق الله الإنسان على صورته ومثاله: ” فخلق الله الإنسان على صورته, على صورة الله خلقه, ذكراً وأنثى خلقهم ” (تكوين 1: 27).
أن الله لم يخلق الإنسان كسائر المخلوقات, فالإنسان مخلوق على صورة الله – أن جاز لنا التعبير – خلقه شبيهاً به, وليعطيه حياته الإلهية بالذات, هذه القرابة التي تحول الإنسان إلى شريك لله, هذا هو مشروع الله الأساسي ” كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى..لكي تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية ” (2 بطرس 1: 3-4), فالله يدعونا إذاً لنصير شركاء معه, وهذه الشراكة ليست شراكة في الخيرات أو الممتلكات, بل “بذاته الإلهية” وتحقيق هذه الشراكة يبقى مشروع الله حيال الإنسان, وإكتمال هذا المشروع بتجسد الله الإبن (يسوع المسيح).
أن الشيطان هو الذي جلب الخطية إلى العالم, لكن هذا لا يبرئ الإنسان ولا يعفيه من المسئولية. كان على آدم أمام إغواء الشيطان, كان عليه أن يتمسك بالمحبة, بالوجود الدائم مع الله ونحن نعلم أن الإغواءات لا تأتي من الله, كما جاء في (يعقوب 1: 13-14) ” لا يقل أحد إذا جرب أني أجرب من قبل الله, لأن الله غير مجرب بالشرور وهو لا يجرب أحداً).
إذا فابليس (والذي رمزه في الكتاب المقدس “الحية القديمة”) هو مصدر الخطية, ولكن ما هي نتائج الخطية؟!
نتائج الخطية:-
يقول القس الياس مقار في كتابه إيماني: وفي قصة خيالية أن أحدهم تصور نفسه وكأنه يقف إلى جانب أمنا حواء عندما مدت يدها لتأخذ الثمرة المحرمة من شجرة معرفة الخير والشر, وإذا به يصيح:
أي أمنا حواء! انك لا تعلمين ماذا تفعلين؟ إنك لا تعلمين بأنك ستقودين موكب البشرية بأجمعه إلى بحار من الدم والدموع والعرق والتعاسة والشقاء, أن الملايين من أبنائك سيصرخون في شتى العصور والأجيال من وراء هذه الأكلة صرخات الوجع والتلم والعار, في أنين مروع وحزن رهيب, بل هلا ذكرت أكثر من هذا منظر ابن الله في جثسيماني وهو منبطح على وجهه ينضح بالعرق الممزوج بالدم حيث كان عليه أن يتحمل آلام الورى وتعاسات الناس!؟ وهلا عرفت آخر الأمر بأن فريقا من أبنائك سيقضي عليه في عذاب دائم إلى أبد الآبدين!؟.
أي أمنا حواء كفّي يدك عن أكل الثمرة!
غير أن حواء أكلت واعطت زوجها فأكل! وسقط الجنس البشري كله بالتبعية من جراء هذا السقوط.
الخطية تحدث تبدلاً وتغييراً في الوجود الإنساني, إذ تخلق وضعاً انسانياً جديداً يحرفه عن وضعه الأصلي, وهكذا ينقسم زمن الوجود الإنساني إلى زمنين: زمن ما قبل الخطية وزمن ما بعدها, والفرق بين الزمنين هو ثمرة الخطية.
كما أن هذا الفرق يشير إلى أن الوضع البشري الحالي الخاطئ لم يكن عند انطلاق البشرية ولا يدخل في بنية الخطيئة والشر والموت في العالم.
فإذا أردنا أن نفهم لما تتآمر أمة على أمة, ولماذا تنقسم العائلة على نفسها, ولماذا تمتلئ صحفنا بأنباء العنف والإجرام والبغضاء, فلا بد لنا من الرجوع من جديد إلى البداءة لنرى القصة التي يرويها الفصل الأول من سفر التكوين عن آدم حينما كان في جنة عدن.
يظن بعض الناس أن قصة الخلق, كما يرويها الكتاب المقدس ليست سوى خرافة قد يصدقها الأطفال! لكنهم مخطئون في ما يزعمون, اذ أن ما يرويه الكتاب المقدس هو صادق كل الصدق. فهو يروي لنا بأمانة ودقة ما حدث بالفعل في أول الأمر, ثم يروي لنا كيف, ولماذا مضى الإنسان في سيره منذ تلك اللحظة في طريق الدمار والخراب.
خلق الله هذا الكون كاملاً لا نقص فيه ولا علة. خلقه كامل الجمال والإنسجام….ونحن اليوم نتوق إلى ذلك العالم.
في هذا العالم الكامل وُضع الإنسان كاملاً, وهل يعقل أن يصنع الله شيئا إلا كاملا؟! ثم سكب الله في آدم اعظم الهبات وأثمنها, وهي الحرية, حرية الإختيار. كان آدم كامل النضوج في جسمه وعقله, سائراً مع الله ومتمتعاً بالشركة المباركة معه. وكان من المقرر أن يكون ملكاً على الأرض يحكم وفق إرادة الله.
في جنة عدن نرى سمو حالة الإنسان الكامل, الإنسان الأول الذي تفرد بين سائر مخلوقات الله بهبة الحرية, حرية كاملة. فله أن يختار وله أن يرفض, له أن يطيع وصايا الله وله أن يعصيها, له أن يسعد نفسه أو يشقيها. ولكن مجرد إمتلاك الحرية لا يكفي لإسعادنا, وإنما ما نختار فعله بحريتنا هو الذي يقرر ما إذا كنا سنجد أم لا السلام مع أنفسنا ومع الله.
هذا هو جوهر المشكلة لأنه حالما توهب الحرية للإنسان يجد نفسه مخيراً بين طريقين اثنين. إذ لا معنى للحرية إذا كان هناك طريق واحد لاتباعه, الحرية تتطلب أن يمتلك المرء حق الإختيار وحق تقرير ما ينوي أن يفعله.
نعرف رجالاً ونساء ذوي استقامة وأمانة ولكن ليس ذلك منهم عن اختيار حر, لأنه لم تتح لهم الفرصة ليكونوا غير ما هم عليه. وكثيراً ما يفتخر الناس بأنهم طيبون, بينما هم في الواقع مدينون في صلاحهم إلى البيئة المحيطة بهم, وإلى نمط الحياة التي يحيونها. وكيف نفاخر بمقاومة التجربة إذا لم نواجه أية تجربة؟!
وقد اعطى الله آدم تمام الحرية ليختار ما يشاء, كما هيأ له افضل فرصة ليمارس تلك الحرية. العالم كافة كان خاضعا له رهن اشارته, وتاريخ البشرية كان في قبضة يديه, اشبه بصفحة ناصعة البياض, ينتظر أن يخط عليها آدم الفصل الأول…وجاءت التجربة العظيمة التي كانت بمثابة اختبار لادم الذي كان له ملء الخيار والحرية في اختيار السبيل الخطأ. ولم يكن أمامه سبيل واحد لابد من اتباعه, بل كان أمامه سبيلان, وقد اختار أحدهما بمحض ارادته.
لقد جرى اختياره فتحمل نتائج ذلك الإختيار ووضع النموذج الذي كان لابد للإنسانية من اتباعه ” بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة ” (رومية 5: 18).
وما اشبه آدم بالينبوع الذي انبثقت منه الإنسانية بأسرها. وقد كان بإمكان ذلك الينبوع الصافي الرقراق أن يختار مصيره بين أن يصبح نهرا صافيا يجري بين المراعي الخضاء المخصبة ليرويها وينعشها, أو أن يصبح نهرا موحلا قذرا يتسرب بين الصخور القاسية, منحدرا في الفجوات والكهوف المظلمة, فيصبح هو نفسه شقياً كما يصبح عاجزاً عن حمل الفرح والقدرة على الإخصاب لما يمر به من الأماكن والأراضي.
لايجوز أن نلوم الله بسبب ما نراه في العالم من فوضى واضطراب مستعصيين لأن الغلطة ترجع في أصولها إلى آدم وحده. فقد مُنح حق الإختيار في أن يصغي إلى أكاذيب الشيطان, أو أن يصدق قول الله.
ويتخلص تاريخ الجنس البشري منذ ذلك اليوم حتى الآن في محاولاته لاستعادة الوضع الذي خسره بسبب سقطة آدم.
قد تقول في نفسك: ” إن هذا ليس من الإنصاف في شئ! فما جنينا نحن حتى نتالم؟ هل ينبغي أن نتالم اليوم لمجرد أن الإنسان الأول قد أخطأ منذ عهد بعيد؟ ولماذا لم يتمكن الإنسان من التخلص من تلك الحالة وإستعادة وضعه الذي كان فيه؟ ولماذا نستمر نحن في تحمل الجزاء يوما بعد يوم؟”
لنعد ثانية إلى قصة النهر البارد المظلم الذي يجري أسفل الممر العميق بين الفجوات والكهوف. لماذا لا يستطيع ذلك النهر أن يرجع ويصعد إلى الحقول المبهجة الممتدة فوقه؟ ولماذا لا يترك طريقه المحزن وينقلب إلى جدول خرار كما كان عندما انبثق من الأرض لأول مرة؟
أنه لا يفعل ذلك لأنه لا يستطيع. وهو لا يمتلك بذاته القدرة على أن يفعل خلاف ما اعتاد أن يفعله دائماً. فما أن انحدر إلى ممره المظلم مرة حتى لم يعد بوسعه الإرتفاع إلى الأراضي المشرقة الممتدة فوقه. فالوسيلة للإرتقاء متوفرة, وكذلك الطريق, لكن النهر لا يعرف كيف يستفيد منها. ولا شك أن ذلك يتطلب حدوث معجزة. أن تلك المعجزة اللازمة مهيأة دائماً وهي كفيلة بتحويل نهر الإنسانية من الشقاء الذي يسير فيه لتجعله يسير مرة أخرى في مجرى السلام الدافئ المتالق, لكن النهر لا يرى ولا يسمع, وهو يظن أنه لا يستطيع سوى الإستمرار في طريقه الملتوي إلى أن يتلاشى اخيراً في بحر الدمار.
وقصة النهر هي قصة الإنسان منذ عهد آدم. فما زال يتمادى في مسيره بين الفجوات والكهوف مستمراً في انحداره نحو الظلمة المرعبة. ونحن أنفسنا بالرغم من أصواتنا التي تصرخ طالبة النجدة, مانزال نختار بمحض حريتنا الطريق الخطأ كما فعل آدم. وحين يدركنا اليأس والقنوط نلتف إلى الله وننحي باللائمة عليه بسبب مشكلتنا المستعصية, ونشك في حكمته وقضائه, وننتقص من رحمته ومحبته.
الإصحاح الثالث من سفر التكوين (وهو الكتاب الأول من التوراة), نتائج الخطية:-
1– فقد الإنسان بفعل الخطية شفافيته وعلاقته الآليفة والصداقة بالله, وحل محلها الخوف والإنطواء على النفس..
فبعدما تناول آدم وحواء من الثمرة ” انفتحت أعينها وعلما أنهما عريانين” (تكوين 7:3) وهذا العري يولد الخوف ” سمعت صوتك في الجنة فخشيت لإني عريان فأختبأت ” (تكوين 10:3), مع أن حالة العري هذه ليست جديدة, ولكن الخطيئة أحدثت تغيراً في نظرة الشريكان الأولين أحدهما نحو الآخر, وفي نظرتهما نحو الله, ” وكانا كلاهما عريانين آدم وأمراته وهما لا يخجلان ” (تكوين 25:2).
وأول ما يسرع الإنسان إلى فعله هو ستر عريه كي يحمي نفسه من الآخر: ” فخاطا أوراق تين وصنعا لإنفسهما مآزر ” (تكوين 7:3), فالعري ما قبل الخطية لم يكن مدعاة للخجل أو الإضطراب, لان النعمة كساء لهما, وحالة النعمة هي الوضع الطبيعي للإنسان, أي هي حالة الألفة والإنسجام مع الآخر, ولكن الخطية أضعفت هذه الحالة الكيانية بين الله والإنسان, بل بين الإنسان وذاته!
نعم فالضعف يربك العلاقات الإنسانية ويدفع البشر إلى الناتج وهو تكوين حواجز دفاعية من الآخرين, وإنتحال أقنعة مختلفة لستر هذا النقص الأساسي الناتج عن ابتعاد الإنسان عن مصدر حياته ووجوده, كما أن الخجل هو تعبير عن حالة إنطوائية, فيتقوقع الإنسان على ذاته باحثاً عن صورته في وجه الآخر بدلا من أن يعكس له وجه الآخر صورة الله.
إن العري الإنساني يكشف درجة إنخداع الإنسان وانطلاء الحيلة عليه, فالبون شاسع بين وعد الحية ” تنفتح أعينكما وتكونان عارفين الخير والشر ” (تكوين 5:3) وحالة العري التي انفتحت أعينهما عليها.
2– التعالي عن رؤية الذات الخاطئة وإلقاء تبعتها على الغير..
فآدم يتهم إمراته ويمس اتهامه الله ذاته: ” المرأة إلى جعلتها معي هي اعطتني من الشجرة فأكلت ” (تكوين 12:3), فهو يتهم الله لإنه اعطاه شريكه لحياته.
والمرأة تتهم الحية التي أغوتها. فحين لا يعترف الإنسان بخطيته فإنه سيلقي تبعتها بالضرورة على الآخر, والباحث بإستمرار عن القذي في عين أخيه هو المتعامي عن الخشبة التي في عينه.
3– العقاب في ذات وظائف الإنسان (الرجل والمراة)..
فالمراة تصاب بوظيفتها الأساسية وهي نقل الحياة بالولادة: ” وقال للمرأة: تكثيراً أكثر اتعاب حبلك بالوجع تلدين أولاداً “
كما تصبح علاقتها بالرجل علاقة انقياد وسيطرة ” وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك ” (تكوين 16:3). أما آدم, فيمس بوظيفته الأساسية وهي العمل, فالعمل ليس عقاباً على الخطية كما يتصور البعض. إذ وجد قبل الخطية: ” وأخذ الرب آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها ” (تكوين 15:2), لكن العمل بعد الخطية يترافق بالمشقة والعرق: ” ملعونة الأرض بسببك, بالتعب تأكل كل أيام حياتك, وشوكا وحسكا تنبت لك وتأكل عشب الحقل ..” (تكوين 3: 17-18).
وواضح للعيان بأن حياة الإنسان الآن ما هي إلا صراع وعناء شديد من اجل البقاء.
إن هذه الرواية التي يقصها الكتاب المقدس عن تجربة آدم وحواء لا تهدف إلى تصوير ما جرى من الأحداث في الماضي السحيق فوراء هذه الصور والرموز تكمن حقائق وأسئلة أساسية موجهه إلى الإنسان, ذلك لإن الحقائق حاضرة في كل زمان ومكان.
أن ما شغل ويشغل الأجيال المتلاحقة من البشرية هو التساؤل عن مصدر الشر والخطية, ولماذا الألم والموت. ولماذا العذاب والمشقة, والكتاب المقدس يقدم الإجابة عن هذه التساؤلات المصيرية, يؤكد أن الله ليس مسئولا عن الخطية والموت والألم في العالم, لإنه معطي الحياة, بل هو نصير للإنسان في صراعه مع قوى الموت والخطية, وإذا كان الله منزهاً عن الخطية والموت, فمعنى ذلك أن الإنسان مسئول خاصة عن ذلك, والكتاب المقدس يربط بين الخطية وحرية الإنسان وعظمته وفي الوقت نفسه بؤسه, أنه في حالة اختيار ومدعو إلى اختيار الحياة.
تمرين للتطبيق
اقرا مرة اخرى الفقرة السابقة (مع قراءة الإصحاحين الثاني والثالث من سفر التكوين) واكتب باسلوبك انت ..
* ما تحدثه الخطية من تبدل وتغير في الوجود الإنساني
* نتائج الخطية
هل التعرض للتجربة خطية ..؟!
ليس التعرض للتجربة خطية في ذاته, فحتى الرب يسوع قد تجرب من قبل إبليس, لكنه لم يخطئ ابداً, حتى وإن كنا نشعر بشئ من التلوث بعد تعرضنا للتجربة, لكن علينا أن نتذكر أن التجربة في ذاتها ليست خطية, ولكن الخطية تأتي عندما نضعف أمام التجربة.
كم كان سيختلف حال العالم لو لم يستسلم آدم للتجربة والإغواء. وينبغي أن نعلم بأن قصاص الخطية في يومنا هو نفس القصاص الذي نالاه آدم وحواء, أي الموت والآية الواردة في (رومية 12:5) تخبرنا: ” وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس ” وأيضاً نقرا في (رومية 23:6) ” لان أجرة الخطية هي الموت “, وبالطبع لا يموت الخاطئ جسديا في اللحظة التي يرتكب فيها الخطية, بل على العكس, فأحيانا يبدو أنه آل إلى الأفضل, لكن رغم ذلك فالموت يأخذ طريقه إليه, وأخيراً سوف لا يموت جسدياً فقط بل روحياً أيضاً, والموت الروحي يعني الإنفصال الأبدي عن الله.
تمرين للتطبيق
اختر الإجابة المكملة لكل جملة في التمارين الآتية, ضع دائرة حول الحرف المقابل لاختيارك.
دخلت الخطية العالم
عن طريق الشيطان الذي يخطئ من البدء.
لان آدم استسلم لإغراء الشيطان.
ج) عندما تعمد آدم عصيان الله.
بما أن الخطية دخلت العالم:
لم يعد الشيطان بحاجة لإغواء أحد.
فالجميع خطاه ومعرضون للسقوط في التجربة.
ج) أصبح هناك موت جسدي وموت روحي أيضاً.
اكتب رايك في هذا القول:
ليس لنا ذنب في خطية آدم, وأيضاً ” الله غفور رحيم”
الحية المجربة
تنسب بعض الديانات القديمة كالمانوية وجود الشر في العالم إلى مبدأين يقوم عليهما الكون:
المبدأ الصالح, وهو إله الخير. والمبدأ االشرير, وهو إله الشر.
هذان المبدأن هما في حالة صراع مستمرة ويتخذان من الكون ساحة للصراع بينهما. ففي المخلوقات يختلط الشر بالخير, والخلاص يكون بالخروج من العالم الروحي اللامادي للتحرر من الشر والدخول في العالم الروحي اللامادي.
لكن الكتاب المقدس لا يعترف إلا بوجود إله واحد كلي المحبة والخير, ويفسر وجود الحرية والإختيار عنده. أن الحرية تفترض إمكانيه الإنزلاق نحو الشر, وإلا لساد القهر والجبر أفعال الإنسان وتصرفاته, وما دام الشر مرتبطاً بالحرية والإختيار, فمعنى ذلك أنه دخيل على العالم وليس اساساً فيه. فالحرية, كقوة اختيار وتغيير, تنفي عن الإنسان مبدأ الضرورة في المجال الأخلاقي, ومثلما يقع الإنسان في الشر بسبب خيار خاطئ, فهو يستطيع الخروج منه بتصحيح الإختيار.
لذلك لا يتمتع الشر بصفة الوجود بحد ذاته, ولا ينتمي إلى بنية الخلق الأساسية. إنه متطفل عليها, ولكن كما رأينا أن الإنسان إنزلق إلى الخطية بفعل الغواية, لذلك ليس مسئولاً مئة بالمئة عن خطيئته, فهناك التاثيرات الخارجية, والحية تلعب دور هذا المؤثر الخارجي, وهي تمارس تأثيرها بالحيلة والغواية: ” الحية غرتني فأكلت ” (تكوين 13:3). الحية كما رأينا تشوه الحقائق وتزيفها. إنها الحيلة والخداع, إنها بناء وهمي يقوضه النور, فلذلك تحب الظلمة.
لكنها تمارس عملها بالغواية المرتبطة بضعف الإنسان وسعيه الدائم لملء نقصه الأساسي ككائن مخلوق بالأشياء والممتلكات والملذات, في حين أن الذى يملأ هذا النقص هو الله. فالغواية هي إقناع الإنسان عن طريق الحيلة بأن هناك أشياء يمكنها ملء هذا النقص الأساسي فيه عوضاً عن الله.
والتجربة تستند إلى نفاذ صبر الإنسان ومحاولته سد هذا النقص باللحظة الآنية. التجربة هى إلغاء للزمن وبالتالي إلغاء للوعد الذي تحمله كلمة الله, وهو الوعد الذي يفتح أفق المستقبل, في حين أن وعد المجرب آني يجعل من العلاقة بالآخ علاقة استهلاكية. أما العلاقة الحقيقية فتتطلب احترام الآخر لذاته لا السعي لإستملاكه وإستهلاكه. فالخطية هي ثمرة إنزلاق الإنسان نحو علاقة استملاكية بالله والمخلوقات تحت تأثير غواية الحية.
إن الحية تبقى نزعة شر خارجة عن الإنسان, لكنها لا تبلغ الوجود إلا من خلاله, إذ يعطيها إمكانية تجسد فى العالم, ولكن عندما يغلق الإنسان أذنيه وقلبه عنها فهي تفقد صفة الوجود. لذا فإن طبيعة الشر طفيلية لا تعيش إلا بالإستيلاء على إرادة الإنسان وحريته عن طريق الحيلة والخداع. إنها تحول قلب الإنسان إلى ساحة صراع فتخلق فيه الإضطراب والقلق وتفقده السلام الداخلي.
لكن الله لا يترك الإنسان وحيداً في هذا الصراع, والمخلص جاء لينقذ الإنسان من هذه القوى, فينتصر عليها في نهاية المطاف. ويصور الرسول يوحنا في رؤياه هذا الانتصار بقوله ” ورأيت ملاكاً نازلاً من السماء معه مفاتيح الهاوية, وسلسلة عظيمه على يده. فقبض على التنين, الحية القديمة, الذي هو إبليس والشيطان, وقيده ألف سنة وطرحه في الهاوية وأغلق عليه ” (رؤيا 12:2). وهذا الإنتصار نرى جذوره في الوعد الذي أعطاه الله منذ لحظة السقوط, إذ تحل لعنة الرب على الحية وحدها:
” فقال الرب الإله للحية: لأنك فعلت هذا, ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية ” (تكوين 14:3). كما أن الصراع الذي يخوضه الإنسان مع الحية المجربة يحمل في طياته رجاء الإنتصار, وتحمله البشرية من جيل إلى جيل: ” وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها, هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه ” (تكوين 15:3). فالجرح الذي يصيب الإنسان في عقبه له دواء, في حين أن رأس الحية المسحوق لا شفاء له. هذا الرجاء سيحققه آدم الجديد للإنسانية التي تنتظر تحررها من عبودية الخطية, كإنتظار الولادة الجديدة التي تحمل في آلام مخاضها ساعة خلاصها:
” فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معاً إلى الآن وليس هكذا فقط, بل نحن الذين لنا باكورة الروح, نحن أنفسنا أيضاً نئن في أنفسنا, متوقعين التبني فداء أجسادنا ” (رومية 8: 22-24).
فإذا كان آدم القديم قد جمع البشرية فى الخطية, فإن آدم الجديد يجمعها في الخلاص. لذلك فقصة السقوط الأول ودخول الخطية إلى العالم لا ندرك حقيقتها إلا في ضوء الخلاص الحقيقي الذي حققه يسوع المسيح.
والولادة الجديدة هي الإنتقال من حالة آدم القديم إلى حالة آدم الجديد, والله لا يخلص البشرية بمحو البشرية القديمة, بل بإخراجها من البشرية القديمة.
فبين البشريتين يقف المسيح كجسر يدعو كل إنسان إلى العبور به.
الحل لمشكلة الخطية:
هل تتذكر القصة التي بدأنا بها هذا الدرس؟
لابد للشخص الذي يقفز من برج القصر أن يموت ولكن, ماذا لو أن صديقاً نصب شبكة قوية تحت النافذة؟
إنه سينجو من الموت إذا وقع داخل الشبكة.
لقد رتب الله علاجاً لكى لا يتعذب الناس عذاباً أبدياً على خطاياهم, فأرسل ابنه إلى العالم ليعد طريقاً لنجاة الإنسان, ولد الرب يسوع المسيح من مريم العذراء ولم يرث طبيعة آدم الخاطئة, فكان الإنسان الوحيد بلا خطية البتة, وعلى صليب الجلجثة احتمل بإرادته عقاب الخطية ووفّى جميع مطالب الله المقدسة, وبما أن عقاب الخطية قد تسدد فإن الله يستطيع الآن أن يعطى الحياة الأبدية لكل خاطئ يعترف بأنه خاطئ ويقبل الرب يسوع المسيح رباً ومخلصاً له.
الخلاصة..
في ختام هذا العرض, نختصر موضوع الخطية كقضية في النقاط التالية:
1- عندما نتحدث عن الخطية الأصلية نخلط عادة بين حقيقتين:-
– حقيقة الخطية التي حدثت أولاً, أي خطية الإنسان الأول باختياره واتباعه صوت المجرب بحثاً عن استملاك الحياة, في حين أنها عطية الله نتلقاها بالعلاقة الحميمة معه.
هذه الخطية شكلت البداية الإفتتاحية لعصر الخطية.
– وحقيقة الإنسان الذي ينزع إلى الخطية منذ مولده. لذا فإن الخطية الأصلية لا تعني فعلا فردياً معيناً, بل تشير إلى الواقع البشري الذي تراكمت فيه سلبيات الخطايا عبر العصور, والذي يدفعنا إلى ارتكاب الخطايا نحن أيضاً, مثلما يؤثر الجو الملوث في صحة السكان الذين يعيشون فيه.
هذا الواقع لا ينزع إلى الإنفتاح على صداقة الله ومحبته والمشاركه في حياته…فالخطية ليست أصلية بالمعنى التاريخي للكلمة, بقدر ما هي نزعة متأصلة في الإنسان بابتعاده عن الله وارتكابه المعاصي. فآدم يرمز إلى الوجه المشترك للإنسانية, إذ يرى كل منا فيه ملامحه. إنه يعبر عن البعد التضامني للبشرية. فإذا كان آدم القديم تشير إلى هذا التضامن ببعده السلبي, فالمسيح هو آدم الجديد يشير إلى بعده الإيجابي.
2- ولكن يجب ألا نعزل حقيقة الخطية الأصلية عن الإطا العام للتاريخ الخلاصي, بجعلها حقيقة مستقلة قائمة بحد ذاتها ونقطة انطلاق لعلاقة الله مع الإنسان. بل يجب فهمها على ضوء الخلاص الذي حققه يسوع المسيح بموته وقيامته, والذي كشف لنا عن محبة الله اللامتناهية التي تبقى هي الأصل. وهذا ما بينّاه مطولاً فى عرضنا.
لذا يجب إعادة النظر في مكانة هذه الخطية ضمن إطار التعليم المسيحي وإعادتها إلى حجمها الحقيقي.
3 – من المؤسف ألا نرى في تجسد المسيح ورسالته الخلاصية سوى حادث ناتج عن الخطية الأصلية, خطيئة آدم. وحدث مجئ المسيح إلى عالمنا وكأن الخطية هي الحدث الأساسي الذي يفسر سر الخلاص, في حين أن الحدث الأول الأصلي هو حب الله الذي يتجلى في الخلق وفي الخلاص. فالمسيح هو كلمة الله الذي كان منذ البدء والذي به كُون كل شئ. فالمحرك الأول لتاريخ الخلاص ليس سقوط آدم, بل مبادرة الله المُحبِة التىي تسبق الخطيئة وتتجاوزها.
4- إن الكتاب المقدس لا يتحدث عن دينونة إلهية لإنسان كُتبت عليه الخطيئة قضاءً وقدراً, بل عن ثمار أعمال الإنسان المتولدة عن اختياراته الحرة. فوراء الخطية نكمن مسئولية الإنسان المتولدة عن اختياراته الحرة. فوراء الخطية تكمن مسئولية الإنسان ومأساة حريته. والواقع أن الكتاب المقدس فى أسفاره كافة عندما يتكلم عن الخطية يذكر في الوقت عينه الدعوة إلى التوبة, كأمكانية مفتوحة أبداً أمام الإنسان الخاطئ. والكتاب المقدس لا يتحدث عن خطية بالمعنى الوراثي للكلمة, بل عن تلوث عام بالخطية ينتقل من جيل إلى جيل. فخطية الأبناء لا يحددها سلوك الآباء, بل يضرس الأبناء بالمرارة التي تفرزها خطايا الآباء.
وفي النهاية يمكننا القول إن الخطية الأصلية هي الجذر العميق الذي نجده في كل خطية, في كل مرة نقول فيها “لا” لنعمة الله ومحبته الفياضة, عندما يرفض الإنسان تلقي حياته كهبة من الله, معتبراً إياها غنيمة يستولي عليها. ومهما يكن فإن نعمة الله ومحبته تبقيا هما جوهر العلاقة التي تربط الإنسان بالله والتي فاضت وتكاثرت, خصوصاً عندما كثرت الخطية.
من جديد نعود مع منشورات قناة البينة، ولكن هذا المنشور يتميز بمستوى ضحل من التفكير المنطقي واللاهوتي والعلمي. ففي بداية الصورة يوجة كلامه إلى النصارى، ولا يعلم أنهم هم النصارى وأننا فقط مسيحيون، وقد رددنا على هذا الزعم وفندنا أطروحاته بالتفصيل في موضوع ومازلنا مسيحيين ولسنا نصارى ، وهل المسلمون نصارى؟، وثاني خطأ في المنشور في نفس السطر هو أن يوجه الكلام لعقل المسيحي (الذي يسميه بالخطأ بالنصراني) وهو في نفس اللحظة لا يملك من العقل ما يؤهله لفهم سؤاله، فلو فهم سؤاله لما سأله. لكن على كلٍ سنرد على سؤاله كاملاً…
ولنا تعليقات على هذه الصورة.
أولاً: ما معنى “يعيد الخطية الأصلية إلى العدم”؟! ما معنى هذا التعبير “يعيد إلى العدم”؟ هل يقصد هذا النصراني المسلم أن يغفر الله الخطية دون تجسد وفداء؟ لو كان يقصد هذا فليقرأ موضوع: #العيّنة_بيّنة (20): الخطية الأصلية والموت والفداء الخلاصي
ثانيا: نسأله نفس سؤاله، لماذا لا تؤمن أن الله يقدر ببساطة أن يغفر أن يشرك به؟ فالنص القرآني صريح ويقول [ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) النساء] فلماذا لا يعيد الله الشرك إلى العدم؟ هل لا يقدر؟ ولماذا لم يغفر الله لآدم الذي جحد فجحدت ذريته والذي أخرج بذنبه الناس من الجنة؟ لماذا لم عيد ذنبه إلى العدم؟ فالحديث يقول:
ثالثاً: ما معنى “المتحكم بالعدم والوجود”؟ وما هو الذي كان موجودا ثم جعله الله عدماً؟ هل يمكن أن يجيب المسلم على هذه الأسئلة أم انه يطرح كلاما لا يفهم معناه؟!
رابعاً: من قال لك أن الله “إضطر” للتجسد والفداء؟! الله لا يضطر لشيء، بل من فائق حبه للبشر ورحمته بنا تجسد إلينا من مجده وهذه هي أفضل وأرقى وأقرب خصيصة خص بها الله الإنسان، أن يتجد آخذا جسده بغير تغير في طبيعته اللاهوتية، فالله لا يضطر لشيء.
رابعا: هو بالطبع يقدر، لكن بهذا لن يكون قد حل المشكلة، ليست القضية في خطية آدم بقدر ما نتائج هذه الخطية الأصلية، فالإنسان إلى اليوم يخطيء كل يوم، فآدم ليس مجرد إنسان، آدم كان المخلوق البشري الأول لله، وكان على صورته في القداسة والبر، ولم يكن آدم قد عرف بعدُ الشر، الخطية الأصلية والعصيان، وكانت وصية الرب له ألا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر، ولم تكن الخطية الأصلية في الأكل بحد ذاته بل في العصيان الذي طرأ فجأة في طبيعة الإنسان من مؤثر خارجي، عبر عنه الكتاب المقدس بأنه هو الحية، الشيطان
فليست القضية مجرد خطية وغفران كما يصورها لنا هذا المسلم، بل أن القضية في أصولها هي قضية حب إلهي دائم وثابت نحو بني البشر، فمحبته للبشر جعلته يتجد في صورة بني البشر، فالرب يسوع قد جاء ليعطينا الحياة إذا ما آمنا بإسمه، ومن ضمن هذه الحياة كان فداء الصليب، فداء الله لنا، ليست المشكلة في الخطية الأصلية فالإنسان يخطيء، ولكن المشكلة في دخول الخطية إلى الإنسان الأول فهذا تغييرا قد طرأ عليه فجأة وأفسد نقاءه.
خامساً: يقول هذا المسلم أنه “بمجرد توبة آدم وحواء بكلمة واحدة يعدم الله الخطية” وهنا أسأله، لماذا إذن عندما تاب الله على آدم، إستمر تأثير خطيته على الناس أجمعين بحيث أنهم هبطوا من الجنة ولم يعودا إليها؟ حتى أن موسى حاجج آدم وقال له انه هو السبب في إخراج الناس من الجنة بذنبه، فإن كانت القضية تنتهي بالتوبة -في الفكر الإسلامي- فلماذا لم يعد الناس مجددا إلى الجنة؟ أو بالأحرى لماذا لم يظلوا فيها من الأساس؟!
سادساً: بخصوص قوانين الخالق وسير الكون عليها، فهذه صحيح، لكن ما هي قوانين الخالق؟ نعرف أنه منذ البدء وفقا للكتاب المقدس قد جعل الله الذبائح رمزا أساسيا لغفران الخطايا، حتى في الإسلام فإنهم إلى اليوم يعيدون بالأضحية على مثال إبراهيم! فيلزمنا أولا تحديد ما هي قوانين الخالق لكي نعرف من الذي يسير عليها ومن لا يسير. فحاول أن تدرس دينك ثم ديننا لتعرف أنك كنت جاهل فيهما.
بين يدينا اليوم، أحد الإختراعات التي يخترعها بعض المسلمين كل يوم، وهنا نجد ان الأخ المسلم يخترع مثالا لا علاقة له بقضية الخطية الأصلية ولا علاقة له بالعقيدة المسيحية من قريب أو من بعيد، وللأسف، يصدق المسلمون هذا الكلام الخاطيء عن الإيمان المسيحي مما يساهم بصورة أو بأخرى في تشويه عقيدة المسيحيين والمسيحية بشكل عام نظرًا لأن القاريء لهذا الكلام ربما لا يقرأ في أي مصدر مسيحي عقيدة المسيحيين بدلا من إستقاء معلوماته من مصادر كهذه لا تعرف أي شيء عن العقيدة المسيحية، وسوف ننتهج سياسة تصحيح المثل ثم تصحيح صورة العقيدة التي يحاول أن يشوها هذا المدعي.
تصحيح المثل:
يقول [خادم اخطأ فعاقبه سيده]
ليست القضية في خطية آدم بقدر ما نتائج هذه الخطية الأصلية، فالإنسان إلى اليوم يخطيء كل يوم، فآدم ليس مجرد إنسان، آدم كان المخلوق البشري الأول لله، وكان على صورته في القداسة والبر، ولم يكن آدم قد عرف بعدُ الشر، الخطية الأصلية والعصيان، وكانت وصية الرب له ألا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر، ولم تكن الخطية الأصلية في الأكل بحد ذاته بل في العصيان الذي طرأ فجأة في طبيعة الإنسان من مؤثر خارجي، عبر عنه الكتاب المقدس بأنه هو الحية، الشيطان.
يقول [ونتيجة خطأ هذا الخادم، أصبح أبناء هذا الخادم ملوثين]
في الحقيقة لا أعرف، هل كاتب هذا الكلام مسلم حقاً؟ هل يعرف في دينه ليتصدر للكلام عن دين غيره؟ هل لم يقرأ هذا المسلم هذه الأحاديث الصحيحة في دينه:
5209 – لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء ؟ قال: هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم أعجبه نور ما بين عينيه فقال: أي رب من هذا ؟ قال: رجل من ذريتك في آخر الأمم يقال له داود قال: أي رب كم عمره ؟ قال ستون سنة قال: فزده من عمري أربعين سنة: قال: إذن يكتب و يختم و لا يبدل فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة ؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود ؟ فجحدت ذريته و نسي آدم فنسيت ذريته و خطئ آدم فخطئت ذريته. (صحيح الجامع، للألباني)
3368 حدثنا محمد بن بشار حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا الحارث بن عبد الرحمن ابن أبي ذباب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذنه فقال له ربه يرحمك الله يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملإ منهم جلوس فقل السلام عليكم قالوا وعليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال إن هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله له ويداه مقبوضتان اختر أيهما شئت قال اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته فقال أي رب ما هؤلاء فقال هؤلاء ذريتك فإذا كل إنسان مكتوب عمره بين عينيه فإذا فيهم رجل أضوؤهم أو من أضوئهم قال يا رب من هذا قال هذا ابنك داود قد كتبت له عمر أربعين سنة قال يا رب زده في عمره قال ذاك الذي كتبت له قال أي رب فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة قال أنت وذاك قال ثم أسكن الجنة ما شاء الله ثم أهبط منها فكان آدم يعد لنفسه قال فأتاه ملك الموت فقال له آدم قد عجلت قد كتب لي ألف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة فجحد فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته قال فمن يومئذ أمر بالكتا ب والشهود قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
تحقيق الألباني : حسن صحيح ، المشكاة ( 4662 ) ، ظلال الجنة ( 204 – 206 ) [صحيح وضعيف سنن الترمذي]
كل هذه الاحاديث هي أحاديث صحيحة، يؤمن المسلم أنها وحي من عند الله، فماذا قرأتم في هذا الوحي؟ قرأتم قول موسى النبي لآدم النبي (حسب الإسلام) [ أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ] وقرأتم [فجحد فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته].
إذن، من المفترض ان يؤمن المسلم أن آدم هو المسئول عن إخراج الناس من الجنة، فهل كان الناس من الجنة حين أخطأ آدم؟ وما ذنب الناس في خطية آدم؟ وما الناس أن يخرجوا من الجنة بذنب آدم الذي لم يقترفوه؟ الغريب أن النص الآخر يربط بين جحود آدم وجحود ذريته، ونسيان آدم ونسيان ذريته، فما علاقة آدم بذريته، يا من تخترع الأمثال الخاطئة عن المسيحية؟ هل يجرؤ أن يجيبنا؟ وهنا نسأله: لماذا جحد أبناء آدم؟
يقول [ولمحبة السيد لهذا الخادم هو وأسرته ورحمته بهم قام هذا السيد بعقاب إبنه وليس إبن الخادم]
للأسف، هنا يظهر هذا الشخص أنه لا يعرف أبجديات العقيدة المسيحية، فالعقيدة المسيحية تقول أن الله تجسد وأخذ جسد إنساني، بغير أن يُحَد الله أو يتأثر، فالله نفسه قد تجسد وأخذ جسدنا، فهو إذن لم يعد بعيدا أو غريباً عن الجسد الذي كان لآدم، فكيف يقول هذا المسلم أن السيد قام بعقاب “إبنه” وليس “إبن الخادم” في حين أن العقيدة المسيحية تقول أن هذا السيد قد تجسد وأخذ جسد الخادم؟ ففي المسيح له كل المجد إتحدت طبيعته الألوهية بطبيعته البشرية، فلم يعد بعدُ غريباً عن طبيعة آدم، حتى أنه دعي أنه آدم الثاني، فيما عدا الخطية.
يقول [وذلك لكي يخلص أبناء الخادم من هذا الذنب]
للأسف، فإن الشائع لدى غير الدارسين من المسيحيين فضلا عن غير المسيحيين، أن السبب الأول والأوحد لتجسد الله هو لغفران الخطية الأصلية، ولكن الصحيح هو أن الله تجسد لأنه يحبنا، هذا هو السبب الأول والأعم في خطة الفداء، فالرب قد قال أن لذته في بني البشر وقال أيضا أنه أحبنا محبة أبدية، فالرب يسوع المسيح قال أنه قد جاء ليكون لنا حياة وليكون لنا أفضل، ويؤكد الكتاب المقدس على هذا المبدأ كثيراً.
فليست القضية مجرد خطية وغفران كما يصورها لنا هذا المسلم، بل أن القضية في أصولها هي قضية حب إلهي دائم وثابت نحو بني البشر، فمحبته للبشر جعلته يتجد في صورة بني البشر، فالرب يسوع قد جاء ليعطينا الحياة إذا ما آمنا بإسمه، ومن ضمن هذه الحياة كان فداء الصليب، فداء الله لنا.
يقول [فلا أبناء الخادم لهم ذنب في شيء ولا إبن السيد له ذنب في شيء]
يجتمع هنا جهل هذا الشخص بدينه وبدين غيره، فدينه يقر كما أوضحنا بنصوص صريحة صحيحة موحى بها أن خطية آدم وذنبه هما السبب في خروج أبناءه من الجنة بل وشقائهم، وأن آدم جحد فجحدت ذريته، فكيف يقول المسلم هذا الكلام؟! وما رده هو نفسه على سؤاله؟
أما عن المسيحية، فبالفعل الرب يسوع المسيح ليس له ذنب، لكن هذه العبارة يكتمل معناها عندما نعرف أنه هو بنفسه وإرادته من أراد حمل ذنبنا، فيقول الكتاب المقدس [4 لكن احزاننا حملها واوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا. 5 وهو مجروح لاجل معاصينا مسحوق لاجل آثامنا تاديب سلامنا عليه وبحبره شفينا] (أشعياء 53: 4-5)، فهل الأخ المسلم هذا؟
يقول [فالحل الوحيد هو عقاب هذا الخادم أو العفو عنه]
الغريب هنا أن هذا الشخص لا يعرف أن هذا ما حدث فعلاً، فمن جهة فقد أخذ الله جسدنا هذا وبه تمم الفداء ومات وقام من بين الأموات، وهنا فقد عوقب الإنسان، ومن جهة أخرى فقد أعفي عن البشر الذين قبلوا الخلاص الذي قدمه الرب يسوع المسيح على الصليب.
يقول [وهذا ما جاء به القرآن الإسلام: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) إنتهى الإشكال يا سادة] كما قلنا من قبل، فلم تكن المشكلة هي الخطية الأصلية بل طبيعة آدم التي تغيرت وطرأت عليها الخطية، أما في الجانب الإسلامي، فقد رأينا كيف أن موسى يحاج آدم ويقول له أنك أخرجت الناس من الجنة بسبب ذنبه، ويقول القرآن [قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) طه].
فأين إنتهى الإشكال ومازال البشر أبناء آدم هابطون عن الجنة كما يقول القرآن وخارجون عنها كما يقول الحديث؟، بل ولماذا يكون بعضنا لبعض عدو إن كان الإشكال إنتهى بالتوبة؟ ولماذا بعد هذه التوبة المدعاه لم يقل الله لآدم وإمرأته [إصعدا إليها جميعا بعضكم لبعض حليف]؟ لهذا، فلا يمكن أبدا أن نقول أن الإسلام قد عالج هذه القضية حتى وفق العقيدة الإسلامية.
أما بخصوص الشواهد الكتابية التي ذكرها، حيث قد ذكر (أرميا 31: 30) و (أخبار الأيام الثاني 25: 4)، فهي وكالعادة شواهد مجتزأة مبتورة من سياقها، فلكل نص من هذين النصين سياق يتكلم عن قصة محددة وحدث محدد وواقعة محددة كان فيها الله يتكلم بشأنه، ولم يعمم هذا الأمر على الإنسان ككل، لأنه وكما قلنا أن ليست المشكلة في الخطية الأصلية فالإنسان يخطيء، ولكن المشكلة في دخول الخطية إلى الإنسان الأول فهذا تغييرا قد طرأ عليه فجأة وأفسد نقاءه، لكن ولأن المسلم لن يعي هذا الكلام وسيفهم النصوص فقط، فسنعطي له نصوصا تخالف المعنى الذي قصده من إقتباس هذه النصوص، ولهذا فمن السهل جدا إقتباس نصوص صريحة تخالف فكرته:
Deu 5:9 لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء وفي الجيل الثالث والرابع من الذين يبغضونني
Exo 34:7 حافظ الاحسان الى الوف. غافر الاثم والمعصية والخطية. ولكنه لن يبرئ ابراء. مفتقد اثم الاباء في الابناء وفي ابناء الابناء في الجيل الثالث والرابع».
Jer 32:18 صانع الإحسان لألوف ومجازي ذنب الآباء في حضن بنيهم بعدهم الإله العظيم الجبار رب الجنود اسمه
Mat 23:35 لكي يأتي عليكم كل دم زكي سفك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح.
فهذه النصوص تنفي الفكرة التي أراد المسلم خداع البسطاء من المسلمين بها، لكن أيضاً هذه النصوص هي نصوص لها سياق محدد وحكم محدد ولا يمكن تعميمه.
يقول [من الذي فرض على الله قانون أن الله لا يستطيع غفران الذنوب بدون دم]
في الحقيقة يجب أن نسأله نحن، من الذي قال هذا الكلام من الأساس؟ من الذي قال أن الله لا يستطيع أن يغفر دون دم؟ هناك فارق كبير بين “بدون دم لا تحصل مغفرة” وبين “الله لا يستطيع أن يغفر دون دم”، فكما قلنا وكررنا، فالقضية لم تكن هي الخطية الأصلية ليكون الحل هو الغفران، بل القضية هي قضية فساد طبيعة الجنس البشري.
لذلك كان الحل أن ياخذ الكلي الصلاح جسدنا هذا ويموت به بحسب الجسد لكي يصلح فساد هذه الطبيعة، لقد كانت المشكلة أن الإنسان ورث الموت، ورث عدم الحياة، لذلك جاء الرب يسوع المسح بجسد إنساني وقال لنا أنه هو الحياة (يوحنا 11: 25)، فلقد أدل الرب يسوع المسيح الحياة إلى جسدنا المائت فأحيا أجسادنا لكل من آمن به وبخلاصه المجيد.
الغريب أن هذا الشخص المسلم أيضاً قد نسى أو تناسى أنه يعيّد بعيد “الأضحى” أي “الأضحية”، ومع ذلك يعترض على مبدأ الذبيحة.
العقيدة المسيحية:
العقيدة المسيحية والكتاب المقدس والآباء، وخاصة آباء مدرسة الإسكندرية يعلمون بتوارث الموت وفساد طبيعة الإنسان، وليس توارث الخطية نفسها كفعل في زمن محدد، فيقول القديس بولس الرسول:
12 من اجل ذلك كأنما بانسان واحد دخلت الخطية الى العالم وبالخطية الموتوهكذا اجتاز الموت الى جميع الناس اذ اخطأ الجميع.
13 فانه حتى الناموس كانت الخطية في العالم. على ان الخطية لا تحسب ان لم يكن ناموس.
14 لكن قد ملك الموت من آدم الى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي.
15 ولكن ليس كالخطية هكذا ايضا الهبة. لانه ان كان بخطية واحد مات الكثيرون فبالأولى كثيرا نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالانسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين.
16 وليس كما بواحد قد اخطأ هكذا العطية. لان الحكم من واحد للدينونة. واما الهبة فمن جرى خطايا كثيرة للتبرير.
17 لانه ان كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد فبالأولى كثيرا الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح.
18 فاذا كما بخطية واحدة صار الحكم الى جميع الناس للدينونة هكذا ببر واحد صارت الهبة الى جميع الناس لتبرير الحياة.
19 لانه كما بمعصية الانسان الواحد جعل الكثيرون خطاة هكذا ايضا باطاعة الواحد سيجعل الكثيرون ابرارا.
(رومية 5: 12- 19)
فبالخطية قد ملك الموت علينا وبتجسد الله (الحياة، وأصل الحياة) قد أعاد لنا الحياة في جسدنا المائت.
إن شعور الخطاة في الأبدية بالآلام الذاتية المتعددة التي ذكرنا طرفاً منها في الفصل السابق، لا يعفيهم من توقيع القصاص الإِلهي عليهم بسبب خطاياهم. ولا غرابة في ذلك، فشعور المجرمين بالحسرة والندم بعد القبض عليهم لا يعفيهم من توقيع القصاص القانوني عليهم. فالخطاة لا بد أن ينالوا من اللّه عقاب خطاياهم
الخطية والعقوبة الإلهية الأبدية
1 – عدالة العقوبة الإِلهية:
إن شعور الخطاة في الأبدية بالآلام الذاتية المتعددة التي ذكرنا طرفاً منها في الفصل السابق، لا يعفيهم من توقيع القصاص الإِلهي عليهم بسبب خطاياهم. ولا غرابة في ذلك، فشعور المجرمين بالحسرة والندم بعد القبض عليهم لا يعفيهم من توقيع القصاص القانوني عليهم. فالخطاة لا بد أن ينالوا من اللّه عقاب خطاياهم، كبيرها وصغيرها، حتى إن كانوا قد نالوا قصاصاً عنها في دنياهم بواسطة المحاكم الأرضية، لأن عقاب هذه المحاكم ليس عن الإِساءة إلى اللّه، بل عن الإساءة إلى المجتمع الذي يعيش فيه الناس.
2 – مدى العقوبة الإلهية:
يتناسب قصاص الإساءة طردياً مع مكانة الشخص المُسَاء إليه، فإذا وقعت إهانة على شخص قليل الشأن، كان قصاصها لا يُذكر، وكان تعويضها (إن كان لا بد من تعويض) ضئيلاً. أما إذا وقعت الإهانة على شخص عظيم القدر كملك أو حاكم، كانت جريمة شنيعة تستحق عقاباً جسيماً لا مجال للتعويض فيه بحال. وبما أن الخطية هي إهانة للّه الذي لا نهاية لمجده ولا حدّ لسموّه، إذاً فالعقوبة المستحقَّة عنها هي عقوبة لا نهاية لها. فلا عجب إذا كان اللّه قد قال لآدم إنه يوم يأكل من الشجرة التي نهاه عنها موتاً تموت (تكوين 2: 17) . ومن مواضع كثيرة في الكتاب المقدس يتضح لنا أن الله قصد بهذا الموت المؤكد، الموت بأنواعه الثلاثة: الأخلاقي والجسدي والأبدي. وقد تحدثنا فيما سلف عن النوعين الأولين من هذا الموت.
أما الموت الأبدي فهو الذي يدعوه الكتاب المقدس الموت الثاني أو العذاب الأبدي (رؤيا 20: 14) . وهو قصاص لا نهاية لمدته، لأن الخطية جريمة ضد اللّه الذي لا نهاية لمجده، ولا حد لسموّه. لذلك قال الوحي عن الأشرار إن نصيبهم هو البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذي هو الموت الثاني (رؤيا 21: 8) . وهذه البحيرة هي جهنم التي لا تُطفأ نارها ولا يموت دودها (مرقس 9: 44) . والنار هنا ليست طبعاً ناراً مادية، لأن المادة (بالمعنى المعروف لدينا) هي من خصائص الأرض. ومع ذلك فمن المؤكد أن تأثيرها سيكون للأسباب السابق ذكرها، أشد من تأثير النار المادية بنسبة لا حدّ لها، لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين الحقيقة والصورة الخاصة بها، وهذا الفرق شاسع للغاية. كما أن الدود الوارد ذكره مع جهنم ليس دوداً بالمعنى الحرفي، إذ أن المراد به وخزات الضمير وتأنيباته اللاذعة، التي تحدثنا عنها في الفصل السابق.
مذكرة توضيحية عن جهنم:
كلمة جهنم مشتقة من كلمة جي هنوم أو وادي هنوم الذي كانت تُحرق فيه الضحايا البشرية كل يوم قرباناً للوثن مولك (2ملوك 23: 10) ، وكان ما لا تصيبه النار من هذه الضحايا، يصبح مأكلاً للدود. فاتَّخذ الوحي اسم جي هنوم الذي يعرفه الناس وأطلقه على مكان عذاب الأشرار الأبدي الذي لا يعرفونه. وجهنم ليست هي الهاوية، لأن الهاوية بقسميها هي المكان العام الذي تنطلق إليه الأرواح بعد خروجها من أجسادها. والقسم الأول خاص بأرواح الذين لهم علاقة حقيقية مع اللّه، ويدعى الفردوس(لوقا 23: 43) ، والقسم الثاني خاص بأرواح الذين ليست لهم مثل هذه العلاقة معه، ويدعى السجن (1بطرس 3: 19) . ولا شك أن الذين يدخلون السجن بأرواحهم وأجسادهم معاً يتألمون قبل نزول هذا العذاب بهم. أما الذين يدخلون الفردوس بأرواحهم فيشعرون بشيء من السعادة الأبدية التي تنتظرهم عند قيامة أجسادهم من بين الأموات، فيفرحون بها قبل قيامتهم.
3 – الأساس الذي توقع عليه العقوبة:
بما أن من يرتكب خطية صغيرة (في نظرنا) يتعدى على شريعة اللّه ويحرم نفسه من التوافق معه، شأنه في ذلك شأن من يرتكب خطية كبيرة سواء بسواء. إذاً لا غرابة إذا قال الوحي: من قال: يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم (متى 5: 22) ، وقال إن هذه النار بعينها يستحقها الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة (رؤيا 21: 8) ، لأن من يقول يا أحمق ، يكون مجرداً من المحبة للآخرين والعطف عليهم. والذي يتجرد من هاتين الصفتين لا يستطيع التوافق مع اللّه في صفاته الأخلاقية السامية، وبالتالي لا يستطيع التمتع به على الإطلاق. وعدم التمتع باللّه أو الحرمان منه، هو جهنم بعينها.
ولا يُراد بغير المؤمنين المشركون والملحدون فحسب، بل يُراد بهم أيضاً المؤمنون بالاسم، لأن هؤلاء وإن كانوا يعترفون بالمسيح ويقومون بالفرائض أحياناً، غير أنهم لا يستطيعون التوافق مع اللّه في صفاته الأخلاقية السامية، مثلهم في ذلك مثل المشركين والملحدين تماماً.
الاعتراضات التي تُوجَّه ضد هذه الحقائق والرد عليها
1 – ليست الخطية جريمة بل مرضاً متأصّلاً فينا، فلا يكون موقف اللّه إزاءنا موقف القاضي الذي يحكم بالعقاب، بل موقف الطبيب الذي يتولى العلاج.
الرد: وإن كنا ورثة الطبيعة الخاطئة من آدم، غير أننا لا نرتكب الخطية رغماً عنا بل بإرادتنا كما ذكرنا في الفصل الأول، لذلك تكون خطيتنا معصية أو جريمة. وهذه لا تُقابَل بالعطف بل بالعقاب، إلا إذا تاب فاعلها توبة صادقة واعتمد على رحمة اللّه في الغفران الذي يتفق مع كمال صفاته جميعاً. فإن الله في هذه الحالة يقف منه موقف الطبيب الذي يعالجه ويأخذ بناصره.
2 – ليس الإنسان مسئولاً عن الشر الذي يعمله، لأنه مجبَر على عمله بواسطة قوة أعظم منه، سواء كانت هذه القوة هي قوة الشيطان، أم قوة الغرائز، أم قوة الجبر الإلهي. وإن لم يعمل الإنسان الشر بسبب إحدى هذه القوى، فإنه يعمله بسبب العوامل الاجتماعية القاسية التي تحيط به، فلا تجوز معاقبته عما يأتيه من شر.
الرد: الإنسان مخلوق عظيم، بل هو أعظم مخلوقات اللّه قاطبة، لذلك استطاع أن يسيطر على الطبيعة ويستغلها لفائدته، كما استطاع أن يحلّق في الفضاء ويهبط على القمر وغيره من الكواكب، مؤيَّداً بإرادته القوية وعقله الجبار. كما أن الشيطان ليست له (كما سيتضح في الباب التاسع) سلطة على الإِنسان، إلا إذا انقاد الإنسان بإرادته وراءه. كما أن العوامل الاجتماعية مهما كانت قسوتها، لا تؤثر على الإِنسان إلا إذا تخلى عن عقله ورضخ لها. والدليل على ذلك أن بعض الفقراء يحيون حياة الأمانة، وبعض الأغنياء لا أمانة لديهم! أما اللّه فإنه لكماله المطلق، لا يمكن أن يرغم أحداً على فعل الخطية. وإذا كان الأمر كذلك، فالإنسان هو الذي يفعلها بمحض إرادته، فلا يجب أن يتنصَّل من المسئولية الملقاة على عاتقه، أو يعارض فيما يستحقه من عقاب بسبب خطاياه.
3 – خطايا الإلحاد والإشراك وحدها هي التي يعاقب اللّه عنها، أما الخطايا الأخرى فلا يعاقب عنها، لأن البشر لهم العذر أو بعض العذر في ارتكابها، لأن طبيعتهم البشرية تدفعهم إليها.
الرد: لا شك أن خطايا الإِلحاد والإِشراك أشرّ من غيرها من الخطايا ولا علاقة لأصحابها مع اللّه، لا في العالم الحاضر أو العالم الآخر. غير أن الملحدين والمشركين لا علاقة لهم باللّه، مثلهم مثل باقي الخطاة، لأنهم لا يتوافقون معه في قداسته وكماله، ولأنهم أيضاً أساءوا إليه بمخالفتهم لشريعته التي أعطاها لهم. فمن البديهي ألاّ يكون لهم حق التمتع باللّه في الأبدية، وأن ينالوا فيها أيضاً ما يستحقونه من قصاص بسبب خطاياهم. أما الاعتذار عن مخالفتنا لشريعة اللّه بدعوى وجود طبيعة تميل إلى الخطية فينا، فقد ناقشناه في الفصل الثاني.
4 – هل من العدالة أن يظل عذاب الخطاة إلى الأبد، مع أنهم لم يستغرقوا في عمل خطاياهم إلا وقتاً محدوداً؟
الرد: تتناسب العقوبة تناسباً طردياً مع قدر الشخص المُساء إليه، فعقوبة الخطية لا تُقاس بالنسبة إلى المدة التي عُملت فيها، بل بالنسبة إلى شناعتها بوصفها إساءة إلى اللّه نفسه. وإذا كانت جريمة واحدة تُعمل ضد الدولة في دقائق معدودة، قد يكون عقابها الإعدام، أو الأشغال الشاقة مدى الحياة، فلا غرابة إذا كان عقاب الخطية عذاباً أبدياً.
5 – هل من العدالة أن يطرح اللّه جميع الخطاة في جهنم إلى الأبد، مع أن بعضهم أقل شراً من البعض الآخر؟
الرد: قلنا إن الخطاة مهما قلّت خطاياهم قد أساءوا إلى اللّه، وأبعدوا أنفسهم عن التوافق معه، فلا جدال أنهم جميعاً سيقضون الأبدية بعيداً عنه. والبُعد عن اللّه مهما كان شأنه هو جهنم بعينها، لأنه لا هناء للنفس إلا بالوجود في حضرة اللّه والتوافق معه.
وحتى لو كان كل الخطاة سيكونون في جهنم إلى الأبد، فإن كلاً منهم سيشعر هناك بما يستحقه من عذاب عن خطاياه، وذلك للأسباب الآتية:
(أ) سيكون الضمير مصدراً من مصادر العذاب الأبدي. فالذي فعل خطايا شنيعة، سيكون تأثره بالألم أكثر من تأثر الذين لم يفعلوا مثل هذه الخطايا.
(ب) للّه طرقه الخاصة لتحقيق عدالته بدرجة لا يجد الإنسان أو غير الإنسان معها مجالاً للاعتراض، فقد قال الوحي يستدُّ كل فم، ويصير كل العالم تحت قصاص من اللّه (رومية 3: 19) .
(ج) سيجازي الله كل واحد حسب أعماله (رومية 2: 6) . ولذلك نرى أن أهل كفر ناحوم (الذين كانت لهم فرص للخلاص لم يَحْظَ بشيء منها أهل سدوم) ستكون حالتهم في الأبدية أقسى من حالة أهل سدوم كثيراً (متى 11: 23 و24) .
6 – كيف يعاقب اللّه الخطاة مع أنه المحب الرحيم؟
الرد: يقدم الله أولاً للخطاة كل محبة ورحمة، فيعرض عليهم الخلاص من دينونة خطاياهم مجاناً، بناءً على كفارته العظيمة (سنتحدث عنها في الباب السادس) ، لأنه يريد أن جميع الناس يَخْلُصون وإلى معرفة الحق يُقبِلون (1تيموثاوس 2: 4) . فكل من يرفض محبة اللّه ورحمته، يستحق أن يعامله اللّه حسب شريعة عدالته وقداسته. لأن صفاته لا تطغى إحداها على الأخرى، لكمال كل صفة منها.
فإذا تساءل الناس: كيف يحب اللّه البشر، وفي الوقت نفسه يسمح بعقابهم على خطاياهم؟ فالجواب: إنه فضلاً عن أن العقاب بسبب الخطية يتفق مع العدالة، التي لا اعتراض عليها من أحد، فإن محبة اللّه ليست المحبة العمياء التي لا ترى العيوب والنقائص، ولا هي المحبة الدنسة التي ترضى عن الشرور والآثام. بل هي المحبة المبصرة التي ترى كل الأشياء على حقيقتها، كما أنها المحبة المقدسة التي لا ترضى عن هذه الشرور والآثام. ومثل هذه المحبة لا تظهر فقط في العطف على الأتقياء الذين يحبون اللّه ويبذلون كل جهدهم للسير في سبيله، بل تظهر أيضاً في النفور من الأشرار الذين لا يراعون قداسته ويُفسِدون أمامه. وإلا لكان الله يُسَرّ بخطاياهم وتعدياتهم، وهذا مستحيل. ثم أن محبة اللّه التي تبعث إلى أتباعه بالفرح والابتهاج، ستكون هي بعينها العامل الذي، من ناحية أخرى، يُشعِر الخطاة بأقسى أنواع الألم والعذاب، لأنهم سيدركون في الأبدية أنهم رفضوا هذه المحبة واحتقروها مع أنها لم تكن تبغي إلا خلاصهم وإسعادهم.
7 – تدلّ معاقبة اللّه للخطاة على أنه يتأثر، والتأثُّر يقتضي التغيُّر، مع أن اللّه لا يتغير. لذلك فإنه لا يعاقب الخطاة بل يترك أرواحهم وشأنها في الفضاء.
الرد: بما أن اللّه يعرف كل الأشياء قبل حدوثها، إذاً فكراهيته للخطية لا تتوقّف على زمن ظهورها في العالم بل كانت لديه أزلاً. ولا غرابة في ذلك، فإن هذه الكراهية ليست إلا الوجه السلبي لكماله. فعندما يعاقب الخطاة بسبب خطاياهم لا يثور (كما نفعل نحن) بل يسمح بتوقيع العقوبة عليهم باعتبارها ضرورة قانونية تتفق مع الكمال الذي يلازمه من الأزل إلى الأبد.
8 – ما الفائدة التي تعود على اللّه من معاقبة الخطاة؟
الرد: لا تعود على اللّه من معاقبة الخطاة فائدة ما، لأنه كامل في ذاته، ولا يعود عليه نفع أو خير من أي كائن من الكائنات. لكنه في معاقبته للخطاة يحقّق شريعة عدالته. وكما أنه إذا أمسك إنسانٌ ناراً يحرق نفسه بنفسه، كذلك إذا أساء أحد إلى اللّه يهلك نفسه بنفسه. وكما أنه لا يجوز للشخص الأول أن يلوم النار لعدم تحوُّلها برداً وسلاماً عليه، لأن النار بناءً على ناموسها الطبيعي تحرق كل من يمسك بها، كذلك على الثاني أن يلوم نفسه عندما يرى ذاته في العذاب الأبدي، لأنه ليس هناك أمامه مجال للاعتراض، فشريعة الله تقول إن من يتوافق مع اللّه يتمتع بالراحة والهناء، ومن يبتعد عنه لا يكون نصيبه إلا التعاسة والشقاء. وقد أدرك الجاحظ (أحد فلاسفة المسلمين المشهورين) هذه الحقيقة فقال: إن نار الآخرة تجذب أهلها إلى نفسها دون أن يدخل أحد (بنفسه) فيها. لأن طبيعة أهل النار وفاق النار، وطبيعة أهل الجنة وفاق الجنة (ضحى الإسلام ج 3 ص 135 و 136) . ورأيه عين الصواب، لأننا نعلم أن شبيه الشيء ينجذب إليه.
فإذا رجعنا إلى الكتاب المقدس، نرى أن اللّه لم يقل لآدم إنه يوم يأكل من الشجرة المنهي عنها يُميته، بل قال له يوم تأكل منها موتاً تموت (أنت بنفسك) (تكوين 2: 17) . ولم يقل إن اللّه يجلب الضرر على من يخطئ عنه، بل قال من يخطئ عني يضرّ نفسه (بنفسه) (أمثال 8: 36) . ولم يقل إن الذين يبغضون اللّه يدفع بهم إلى الموت الأبدي، بل قال إنهم يحبون (هم أنفسهم) هذا الموت (أمثال 8: 36) .
9 – لا يرضى اللّه بسبب رحمته المطلقة أن تظل نفوس الخطاة معذبة إلى الأبد، فلا بد أنه سيفنيها بعد حين. (وهذا هو رأي جماعة شهود يهوه التي انحرفت عن المسيحية، ورأي فرقة الجهمية التي انحرفت عن الإسلام. غير أن الجهمية ذهبوا إلى أبعد مما ذهب إليه شهود يهوه كثيراً، وقالوا إن الجنة والنار تفنيان، وإن أهل الجنة والنار ينتهون إلى حال يبقون فيها جموداً ساكنين سكوناً دائماً) .
الرد: صحيحٌ أن اللّه رحيم كل الرحمة، ولكن له قوانينه الخاصة التي تتفق مع عدالته المطلقة. والوحي مع إعلانه عن رحمة اللّه، يقرر مبدأ معاقبته للخطاة بسبب خطاياهم. فقد قال الرب إله رحيم ورؤوف، ولكنه لن يبرئ إبراءً (خروج 34: 6 و7) . وبما أن الخطاة لا يستطيعون مهما طالت مدة وجودهم في العذاب أن يقوموا بإيفاء مطالب عدالة اللّه (لأن هذه لا حد لها) فمن البديهي أن لا ينتهي عذابهم عند حد ما. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الاعتقاد بفناء النفس بعد حين يتعارض مع عدالة اللّه وعدم محدودية حقوقها، وإنه في الواقع ليس سوى فكرة ابتدعها بعض الناس رغبة منهم في إزاحة شبح القصاص الأبدي عن خواطرهم. لكن أمام عدالة اللّه التي لا تجد حقوقها، لا بد أن تتبدد أفكارهم وتصوراتهم جميعاً.
10 – هل تعجز رحمة اللّه عن الصفح عن الخطاة وتقريبهم إليه؟
الرد: تتَّسع رحمة اللّه لقبول كل الخطاة التائبين، لكن عدم توبتهم هي التي تجعلهم عاجزين عن التوافق معه. كما أنه بسبب كماله المطلق لا يأتي بهم إلى حضرته رغماً عنهم، لأنه لو فعل ذلك لما شعروا بسرور أو راحة في البقاء معه، ولسعوا للارتداد بكل قواهم عنه. فحرمان العصاة من التمتع باللّه، وتعرضهم للعذاب الأبدي تبعاً لذلك لا يرجع إلى قسوة اللّه عليهم، ولا إلى نقص رحمته نحوهم، بل إلى شرهم وعدم رغبتهم في التوافق معه. أما من جهته فهو يحبهم ويعطف عليهم ولا يريد أي أذى لهم. فقد قال إنه لا يسر بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا (حزقيال 33: 11) . وإنه يريد أن جميع الناس يَخْلُصون وإلى معرفة الحق يُقْبِلون(1تيموثاوس 2: 4) .
11 – إذا كنا جميعاً خطاة بطبيعتنا وأعمالنا، وبناء على عدالة اللّه لا خلاص لنا من عقوبة خطايانا، فهل سمح اللّه بولادتنا في العالم الحاضر لنشقى إلى الأبد؟
الرد: هذا هو اعتراض الإِنسان المتمرّد على الحق، والذي بدل أن يرى عيوبه ويلوم نفسه عليها يحاول أن يتنصَّل من تبعة خطاياه، لعله يفلت من عدالة اللّه. فأي عقل راجح يمكن أن يتصوّر أن اللّه سمح بولادة البشر ليَشْقوا إلى الأبد! ونحن نرى أن غاية الآباء المُخْلصين، رغم ما يوجد بهم من نقائص، هي أن يُسعِدوا أبناءهم ويبعثوا الفرح والسرور إلى نفوسهم. لذلك لا يمكن أن يكون اللّه قد سمح بولادتنا في العالم الحاضر لنشقى إلى الأبد، كما يقول أصحاب هذا الاعتراض. ولكننا نحن الذين في جهلنا نجلب الشقاء على ذواتنا بإساءتنا إلى اللّه، وإلى أنفسنا أيضاً. فلا يلومنّ أحد إلا نفسه.
ومع ذلك فقد استطاعت محبة اللّه ورحمته أن تشقّا لنا طريقاً كريماً يتفق مع قداسته وعدالته، لأجل خلاص الخطاة الراغبين بإخلاص في الرجوع إليه، وذلك بإنقاذهم من عقوبة خطاياهم وتهيئة نفوسهم للتوافق معه في صفاته الأخلاقية السامية (كما سيتضح بالتفصيل ابتداءً من الباب الثالث) . إنما نرى من الواجب قبل التحدث عن هذا الطريق الكريم، أن نستعرض أولاً (في الباب الثاني) الطرق التي يلجأ إليها معظم الناس ليحصلوا (حسب اعتقادهم) على الغفران والقبول لدى اللّه، لنرى إلى أي حدٍّ تُجدي وتُفيد.
خادم الرب: عوض سمعان من كتاب: فلسفة الغفران في المسيحية
غلبت الحية ادم واسقطته وتسببت في دخول الموت للعالم، وهذا ما جلب المسيح للعالم (تك 3: 15) لكي ما يغلب الحية ويقيم الانسان الميت ويعطيه حياة ابدية. سنعرض 3 اقتباسات هامة تربط بين ادم والمسيح -المُصلِح- وبين الحية والمسيح -الغالب-.
-في الزوهر اليهودي – في مجلد (فيّر)
[بكى الرابي شمعون وقال: الويل للعالم الذي جُذِب بعد هذا ،لانه من هذا اليوم الذي فيه اُغرى آدم بواسطة الحية الشريرة، تسلطت (الحية) على الانسان و على بني العالم . وهكذا اضطهدت (الحية) العالم ، والعالم لا يقدر ان يتفادى هجماتها حتى يأتي الملك المسيح. ويُقيم القدوس المبارك هو الذين ناموا في التراب كما هو مكتوب “يبلع الموت إلى الأبد” (اشعياء 25: 8) ومكتوب “ازيل .. الروح النجس من الأرض” (زكريا 13: 2) . ولكن (حتى ذلك الحين) ستستمر (الحية) قائمة على العالم هذا لتأخذ ارواح كل بني البشر]
نرى هنا كيفية الربط بين المسيح قاهر الحية التي تُسقط البشر، وواهب الحياة بعد الموت المستحق للبشر.
-في مدراش رباه للخروج (30 :2) [“وهذة مواليد (תולדות) فارص” (راعوث 4 : 18)، ولها مغزى كبير -لماذا قال “هذة مبادئ (תולדות) السموات والارض” (تكوين 2: 4) ، كاملةً؟ -من قبل ان يخلق القدوس المبارك هو (الله) عالمه ،لم يكن هناك ملاك للموت في العالم ولاجل هذا كانت (السموات والارض) كاملة ، ولكن عندما اخطأ آدم وحواء، اسقط القدوس المبارك هو (الله) كل الاجيال (اي جعل الانسان فانيا)…
ولكن عندما ظهر فارص سُجِلت المواليد (תולדות) التي له كاملة، لان منه سيظهر مسيحنا وبأيامه فإن القدوس المبارك هو (الله) يبلع الموت لانه مكتوب (اشعياء 25: 8) “يبلع الموت إلى الابد” ، لهذا السبب فإن “مبادئ (תולדות) السموات والارض” و “مواليد (תולדות) فارص” كاملة] ن
رى هنا المسيح المُصلِح عمل ادم والمُرجِع الكمال للخلق والعالم.
-مدراش رباه للعدد (13: 11ب) [تفسير آخر “قربانه – וקרבנו” ، لماذا هناك واو (ו) زائدة؟ قال الرابي بيبى بإسم الرابي رأوبين : ستة هي قيمة الواو (ו) ، وهي الاشياء الستة التي أُخِذَت من آدم وهي العتيدة ان ترجع من خلال ابن نحشون ، هذا هو المسيح. وهذة هي الاشياء الست التي أُخِذَت من آدم بريقه ، حياته ، قامته، ثمر الارض ، ثمر الشجرة ، والانوار..]
بحسب التفاسير اليهودية فان ادم فقد ستة اشياء بسقوطه في الخطية ومنها حياته (اي خلوده) ، وتلك الاشياء سيرجعها المسيح للبشر.
خطوات طريق الحياة الروحية السليمة – الجزء الأول – أيمن فايق
خطوات طريق الحياة الروحية السليمة – الجزء الأول – أيمن فايق
خطوات طريق الحياة الروحية السليمة – الجزء الأول – أيمن فايق
أولاً – الخطوة الأولى (الوعي والإيمان بالمُخلِّص):
أننا من خلال تاريخ الكتاب المقدس نتعرف على أننا جميعاً طبيعة بشرية واحدة، لا تختلف قط مهما تغير الزمان أو المكان أو الظروف، فنحن جميعاً كإنسان نتعرض لنفس ذات التجارب والسقطات والشهوات، وان اختلف شكل السقوط أو مظهره من واحد لآخر، فمن الممكن أن يسقط أي أحد في أي خطية مهما كان علمه أو تربيته أو أخلاقه أو حتى قامته الروحية، بل ومن الممكن أن يسقط في أعظم الخطايا شراً وعنفاً بل وقد تصل للزنا أو القتل أو أي نوع من أنواع الخطايا التي نعتبرها بشعة للغاية !!!!
وبالرغم من ذلك كله – ومهما ما حدث لنا – فأن الله ينقذنا ويقدم لنا طوق النجاة، وهو الإيمان به كمخلص حقيقي وشافي للنفس فعلاً، وإمكانياته لا تتغير لأنه هو هو أمس واليوم وإلى الأبد، إذ أنه قادر بفعل نعمته أن يخلق من أشر المجرمين وأعظم العُتاة وأفجر الخطاة قديسين وبلا لوم أمامه في المحبة…
فلنا أن نعرف أننا لا نختلف عن القديسين الذين نعتبرهم أعمده في الكنيسة، لا أقصد من جهة القامة أو المواهب، إنما من جهة إنسانيتنا الواحدة، والتي تتعرض للتجارب والسقوط وحرب عدو الخير من جهة معرفته بمداخل الشرّ عندنا من ناحية خبرتنا التي قضيناها في الشرّ زماناً طويلاً، فهو يدخل لنا من خلال محبتنا للذة معينة أو بسبب كبرياء القلب أو غيرها من الأسباب المتعددة والتي توجد في عمق كل شخص فينا، وفي هذا لا فرق بين صغير وكبير وقديس متقدم في الطريق ومبتدأ في الحياة الروحية !!!
فيا ترى ما هو الفرق الحقيقي بيننا وبين القديسين الذين نجدهم وصلوا للحرية الحقيقية والتطبع بالطبع الإلهي وحراسة القلب والفكر بقوة الله وعمل نعمته فتحرروا من الهوى في داخل القلب الذي هو المحرك الأساسي للخطية فينا !!!
عموماً الفرق الحقيقي بيننا وبين القديسين ينصب في أمرين: [1] الأمر الأول: هو معرفتهم – الإيمانية – بإمكانية النعمة الإلهية المُخلِّصة القوية القادرة أن تعمل بقوة الله في داخل النفس فتغيرها بالتمام، وقد وضعوا كل ثقتهم في الله المُغير مع تقديم توبة مستمرة عن كل خطأ، طالبين ليلاً ونهاراً المعونة الإلهية لتسندهم ليقينهم أنهم بدون نعمة الله لا يقدروا أن يصنعوا شيئاً قط، غير قادرين على أن يسيروا في طريق القداسة لأنهم لا يثقون في قوتهم الشخصية بل في قوة الله وحده !!!، لذلك اعتمادهم على الله قوي جداً، بل ثابت كجبل من الصخر لا يتزحزح مهما أتت من رياح أو عواصف شديدة أو حتى تكسرت بعض أجزاؤه !!!
فالقديس هو إنسان مثلي ومثلك، له ضعفاتي وضعفاتك، لأنه عاش بنفس ذات الجسد عينه وبكل غرائزه وإمكانياته، إنما أدرك القوة الإلهية وتلامس معها وتلاقى مع الحب الإلهي في قوة الصليب والفداء بالإيمان، وعرف أنه هوَّ كما ما هو، أي أن ليس له شيء في ذاته يُنجيه أو يُخلصه حتى توبته نفسها، بل هي فقط نعمة الله العاملة فيه وغرس كلمة الحياة في قلبه [الكلمة المغروسة القادرة أن تخلص نفوسكم ] (يعقوب 1: 21)، لهذا لا عجب في أن القديس بولس الرسول لا يكف عن أن يطلب من أجل شعب المسيح لكي تستنير عيونهم وقلوبهم فيدركوا تلك القوة الفائقة العظيمة التي تعمل في قلوب المؤمنين:
+ لذلك أنا أيضاً إذ قد سمعت بإيمانكم بالرب يسوع ومحبتكم نحو جميع القديسين. لا أزال شاكراً لأجلكم ذاكراً إياكم في صلواتي. كي يُعطيكم إله ربنا يسوع المسيح أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته. مستنيرة عيون أذهانكم لتعلموا ما هو رجاء دعوته وما هو غنى مجد ميراثه في القديسين وما هي عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته (أفسس 1: 15 – 18)
[2] والأمر الثاني الذي ميز القديسين: أن معرفتهم لم تقف عند حدود المعرفة العقلية الجافة كمعلومة أو فكرة للوعظ أو النقاش والجدل، أو الإيمان النظري الفكري، لكن آمنوا إيماناً حياً عاملاً بالمحبة ظاهراً في حياتهم الشخصية واتكالهم التام على من يُقيم من الأموات: [ لكن كان لنا في أنفسنا حكم الموت لكي لا نكون متكلين على أنفسنا بل على الله الذي يُقيم الأموات ] (2كورنثوس 1: 9).
فالمعرفة الحقيقية تتطلب منا حياة حقيقية فعلية مُعاشه، بالجهد والاغتصاب [ ملكوت الله يُغتصب والغاصبون يختطفونه ]، فينبغي أن نعمل ونجتهد جداً بالنعمة التي لنا من الله، وكما يقول القديس بولس الرسول: [ لكن بنعمة الله أنا ما أنا ونعمته المُعطاة لي لم تكن باطلة بل “تعبت”… ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي ] (1كورنثوس 15: 1).
فالعمل عمل النعمة، والجهد والتعب والبذل يأتي بسبب خضوعي لنعمة الله العاملة فيَّ والتي معي، لأن النعمة تحرك الإنسان بقوة وتحثه على البذل لأقصى درجة حتى الموت، واي جهد أو تعب أو بذل بدون النعمة ينفخ الإنسان ويجعله يشعر أن له فضائل تخصه ويُريد ان يخفيها عن أعين الناس لكي لا يسرقها أحد منه وأن ظهرت تجلب المدح للإنسان وتعظيمه في أعين الناس إلى حد تقديسه حتى ينسى الناس عمل المسيح الرب نفسه وينحصروا في شخصيته التي تكون محور حديثهم وتفكيرهم حتى يصير لهم مصدر البركة، وهذه هي أعمال الإنسان الميتة حسب قدرته الشخصية التي تخفي عمل الله وتظهر ذاته؛ أما عمل النعمة لا يضيع ولا يسرقه أحد بل يظهر قوة الله في الإنسان، وبطبيعة ظهورها فأنها تجذب الكثيرين وتشدهم نحو المُخلِّص إذ يشتهوا هذه النعمة الجاذبة والكل يُمجد الله:
+ من يفعل الحق فيُقبل إلى النور لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولة؛ فليُضيء نوركم هكذا قُدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويُمجدوا أباكم الذي في السماوات (يوحنا 3: 21؛ متى 5: 16)
___ومن الأهمية ___ يا إخوتي أن لا تفزعوا أو تخوروا في أنفسكم وتفشلوا حينما تجدوا أنفسكم وقعتم في أشد الخطايا فظاعة وعنفاً، أو أحد القامات العليا وقعوا في خطايا لا يقع فيها المبتدئين، لأن جميعنا نضعف ونخور ونسقط لأسباب كثيرة متنوعة تختلف من واحد لآخر ومن قامة لقامة ومن حالة لحالة، إنما “أفزعوا من عدم التوبة”، لأن الفزع الحقيقي هو من عدم العودة لحياة القداسة والتقوى والشركة المقدسة مع الله والقديسين في النور، لأن نعمة الله مُخلِّصة فعلاً ويد الرب لا تُقصر على أن تُخلص، فهو قادر أن يُغير الفُجار لقديسين عِظام جداً، فلا تفشلوا أو تحزنوا حزن بلا رجاء حي بيسوع المسيح الذي مات لأجل خطايا العالم كله، لأن الخطية خاطئة جداً تجرح وتُميت، وخطورتها تكمن في أنها تعطي روح الفشل واليأس واحتقار الذات وكل مرض نفسي والإحساس بالدونية، فلنا أن نبتعد عنها فوراً مهما تورطنا فيها أو طال سقوطنا فيها، ولا نهتم أبداً بروح الفشل والحزن الذي بلا رجاء حي التي تولده فينا، لأن أي فشل وحزن واكتئاب هو ثمرتها المُرّة الطبيعية، أما نعمة الله المُخلِّصة فهي الأقوى والقادرة على تبديدها بل وتلاشيها تماماً وتفقدها سلطانها وفعل حزنها المُدمر للنفس، لأن الخطية لها سلطان الموت أما النعمة المخلصة لها سلطان الحياة في المسيح يسوع، لأن من آمن يرى مجد الله ويقوم من الموت، لأن ربنا يسوع هو القيامة والحياة، الذي إن آمنا به يكون لنا حياة أبدية ولا نأتي لدينونه بل به يحق أن ندخل للأقداس لأنه هو برنا وسلامنا الحقيقي (أفسس 2: 14) الذي نقلنا من الظلمة إلى النور:
+ الحق الحق أقول لكم أن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة (يوحنا 5: 24) + لأن هذه مشيئة الذي أرسلني أن كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أُقيمه في اليوم الأخير (يوحنا 6: 40) الحق الحق أقول لكم: “من يؤمن بي فله حياة أبدية” (يوحنا 6: 47) + إذاً لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح، لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت (رومية 8: 1 و2) + فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع، طريقاً كرسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده. وكاهن عظيم على بيت الله. لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي. لنتمسك بإقرار الرجاء راسخاً لأن الذي وعد هو أمين. (عبرانيين 10: 19 – 23)
فاليوم لنا أن نتوب الآن، ونعود لذلك الحضن الحلو، فلا نفقد رجاءنا لأن اتكالنا عليه وحده، وهو الذي قام وأقامنا معه وصعد بجسم بشريتنا عن يمين الآب، وجلس في العظمة في الأعالي يشفع فينا وينجينا من فخ الصياد ومن الوباء الخطر، ويُدخلنا لعرش مملكه مجده لنتذوق حبه ونحيا له مُبررين بدمه، لأننا ان اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل أن يغفر لنا خطايانا إذ يسمع لنا وبدمه يطهرنا من أي خطية أو إثم.
________________________________________________
* ثانياً – الخطوة الثانية (بداية التوبة وأول ما ينبغي أن نسعى إليه)
دائماً عند بداية الطريق الروحي، يبدأ بشعور الإنسان أنه غير نافع وغير صالح في شيء وليس له أي قدرة أن يحيا مع الله بأصوامه أو جاهده الشخصي، لأن كل أعماله ستظل منقوصة لن يستطيع بها أن يُرضي الله أبداً لأنها تخلو من عنصري القداسة الداخلية وطهارة القلب والفكر، وحينما يحاول جاهداً أن يقدم صوماً ويتمم كل الطقوس والواجبات التي يراها مفروضة فأنه يجد أنه يعود ويرجع للخطية التي تعمل في أعماق قلبه وفكره بعنف وترديه صريعاً في النهاية لأنه غير قادر على التغلب عليها والنصرة حينما تهتاج عليه، ولو كان إنسان أميناً في السعي لإرضاء الله فأنه بأنين داخلي يصرخ في النهاية صرخة صامته يسمعها الله في أعماق قلبه المتألم الجريح: ويحيي أنا الإنسان الشقي من يُنقذني من جسد هذا الموت (رومية 7: 27).
ومن هنا تبدأ التوبة الحقيقية الصادقة، لأن التوبة في مفهومها الأصيل [ ألبسوا الرب يسوع المسيح ولا تصنعوا تدبيراً للجسد لأجل الشهوات (رومية 13: 14) ]، فيبدأ الله يتعامل مع النفس وتحل نعمة الله المُخلَّصة في القلب للشفاء والإبراء، ويتيقن الإنسان أن بالمسيح الرب وحده القيامة من موت الخطية، فيدخل في خبرة [ لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني (فكني وحررني) من ناموس الخطية والموت (رومية 8: 2) ]، فيبدأ الإنسان في حياة الإيمان الحي بشخص المسيح الرب الذي هو القيامة والحياة ويبدأ يُبصر مجد الله [ ألم أقل لك إن آمنتِ ترين مجد الله (يوحنا 11: 40) ]، ويبدأ التعرف على النعمة المُخلِّصة ويتذوقها بفرح حينما يجد قلبه يتحرر وينطلق نحو الله بالمحبة لأنه يشعر أنه هو من فداه وشفاه وهو حياته الأبدية، فلا يعد يخاف شراً ولا كل حروب العدو لأن من معه هو أقوى ممن عليه، وله النصرة الأكيدة المضمونة بيسوع وحده لأنه مُخلِّص نفسه من الفساد ومعطيه حياة داخليه باسمه، وله الوعد برجاء حي أنه يدخل للأقداس بدم المسيح يسوع حينما يستمر في حياة التوبة بإيمان حي ثابت لا يلين، وحتى لو سقط يعود ويقوم أعظم مما كان، بالرجاء الحي والثقة في شخص الكلمة الذي يعطيه النصرة ليغلب بالإيمان “العالم والجسد والشيطان”: + وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه؛ ها أنا أعطيكم سلطانا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء (يوحنا 1: 12؛ لوقا 10: 19). ومن هنا ينطلق الشكر من أعماق قلب الإنسان ليقول [ أشكر الله بيسوع المسيح ربنا ]، ويحب الاسم الحلو اسم [ يسوع ] ويصير أنشودة قلبه المبتهج به لأنه هو سرّ خلاصه وفرح حياته الخاص: اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم (متى 1: 21)
ولكن الطريق يمتد ويطول، لأن كل هذا المجد يبدأ ويتداخل مع خطوات أخرى ليدخل الإنسان في حياة تُسمى التجديد المستمر والذي لا يتوقف قط [ تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة (رومية 12: 2) ]، بل يستمر ليوم انتهاء أيامه على الأرض، لأن كل واحد فينا لازال وهو في الجسد معرض للسقوط والضعف واستمرار الحرب الروحية، وعليه أن يتقدم من مرحلة لمرحلة، قد تتوالي أو تتداخل، لذلك نحن نتدرج في الطريق الضيق لكي نسير معاً في درب المسيح الحلو الذي سنبلغ منتهاه للسكنى في حضره الرب بل في حضنه المبارك ونتهلل بلقائه المفرح إلى الأبد مع جميع القديسين… + فأن مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشرّ الروحية في السماويات (أفسس 6: 12)
+ إذ أسلحة محاربتنا ليست جسدية بل قادرة بالله على هدم حصون (2كورنثوس 10: 4)
وأول شي ينبغي أن نسعى إليه ونقتنيه هو “المحبة”، والمحبة ليست كلمة تُقال أو عاطفة مشاعر فياضة نتكلم بها ونبكي من شدة التأثير النفسي، إنما هي فعل ذات سلطان، لأنها وحدها القادرة أن تُدخلنا لله بجدارة، وبدونها سنفقد كل شيء حتى قوة النعمة المُخلِّصة، لأن بدون المحبة ليس هناك علاقة شركة مع الله القدوس ولا القديسين في النور، لأن هدف المسيحي الحقيقي هو أن يكون له شركة حيه مع الله بإيمان رائي وقلب شديد الحب… ونشكر الله لأن المحبة ليست صناعة بشر ولا عمل إنسان لكي يخفق أو ينجح فيها، بل هي انسكاب الروح القدس في داخل القلب، لأنه مكتوب في رسالة رومية 5 [ محبة إلهنا قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا ].
والمحبة – حسب طبيعتها – ليست سلبية تنسكب ونسكت ولا نتحرك أو نقوم بفعل – لا بأعمالنا الخاصة بل بفعل سلطان المحبة كثمرها في حياتنا – لأن طبيعة المحبة مثمرة، وثمرتها هي حفظ وصية المحبوب يسوع، لأن من يحب الرب يحفظ وصاياه [ إن أحبني احد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً (يوحنا 14: 23) ]، ومن يحفظ وصاياه بالحب، يبحث عن كلام الرب بشغف لكي يحيا به، ومن يحيا به يبحث عن إرادة الله وينفذها بكل شوق واجتهاد عظيم، لأن المحبة في قلبه كالنار تشتعل فيه وتقوده لله بقوة وعزم لا يلين، لأنها تفتح بصيرته على مشيئة الله أبوه في المسيح يسوع متمم مشيئة الآب [ قال لهم يسوع طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمم عمله – يوحنا 4: 34 ] + أجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك، لأن المحبة قوية كالموت، الغيرة قاسية كالهاوية، لهيبها لهيب نار لظى الرب، مياه كثيرة لا تستطيع أن تُطفئ المحبة والسيول لا تغمرها، أن أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة تحتقر احتقارا (نشيد 8: 6 و7) + المتوكلون عليه سيفهمون الحق، والأمناء في المحبة سيلازمونه، لأن النعمة والرحمة لمختاريه (الحكمة 3: 9) + وتطلب التأديب هو المحبة، والمحبة حفظ الشرائع، ومراعاة الشرائع ثبات الطهارة (الحكمة 6: 19) + بنو الحكمة جماعة الصديقين وذريتهم أهل الطاعة والمحبة (سيراخ 3: 1) + الحكمة والعلم ومعرفة الشريعة من عند الرب، المحبة وطرق الأعمال الصالحة من عنده (سيراخ 11: 15)
يا إخوتي الآن لنا أن نعرف أن القداسة ليس معجزات ولا خوارق ولا دراسات عظيمة ولا معرفة لاهوت نظري أو فكري، بل أساسها وقاعدتها هي المحبة، أي إفراز النفس وتخصيصها لله، لتكون إناءه الخاص يحل فيها ويسكنها، ومن هنا تأتي قداستنا لأننا نكون اللابسي الله، أو المتوشحين بالله، فعلى الفور نصير قديسين لأن القدوس السماوي يسكننا وهو القدوس الذي يشع فينا قداسته…
أعود وأكرر بإلحاح كما كتبت سابقاً، وأحدث الكلمات قليلاً قائلاً: لا ترتعبوا من سقوطكم في خطية ما، إنما ارتعبوا وخافوا جداً من عدم التوبة، وافزعوا من أن تكون توبتكم ليس لها هدف الشركة مع الله والقديسين في النور، واحزنوا جداً أن لم تسكن محبة الله في قلوبكم لتعيشوا كما يحق لإنجيل ربنا يسوع.
أفرحوا يا إخوتي بالرب كل حين واطلبوه ليلاً ونهاراً ولا تدعوه يسكت حتى يسكب محبته بالروح القدس في قلوبكم فتعيشوا الوصية بتدقيق وإخلاص المحبين لله والطالبين اسمه ليلاً ونهاراً: + ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بالحري أن اسماءكم كُتبت في السماوات (لوقا 10: 20) + افرحوا بالرب وابتهجوا يا أيها الصديقون واهتفوا يا جميع المستقيمي القلوب (مزمور 32: 11) + افرحوا أيها الصديقون بالرب واحمدوا ذِكر قدسه (مزمور 97: 12) + ويا بني صهيون ابتهجوا وافرحوا بالرب إلهكم لأنه يُعطيكم المطر المبكر على حقه وينزل عليكم مطراً مبكراً و متأخراً في أول الوقت (يؤيل 2: 23) + أفرحوا في الرب كل حين وأقول أيضاً افرحوا (فيلبي 4: 4) + افرحوا كل حين (1تسالونيكي 5: 16) + أخيراً أيها الإخوة افرحوا، اكملوا، تعزوا، اهتموا اهتماماً واحداً، عيشوا بالسلام، وإله المحبة والسلام سيكون معكم (2كورنثوس 13: 11)
__________ وسوف نتكلم في الجزء الثاني عن الخطوات الثلاثة الأخيرة__________
نحن نحيا الآن في الزمن الدهري الجديد ببشارة الحياة [ المسيح قام، داس الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور ]، فتحيتنا اليوم لبعضنا البعض تحية سلام عميق: [ المسيح قام ]، لأننا آمنا بقوله [ ثقوا أنا قد غلبت العالم ] (يوحنا 16: 33)، العالم الحاضر الشرير الذي كان متسلطاً علينا بالشهوة: [ لأن كل ما في العالم: شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم ] (1يوحنا 2: 16)، والعالم صلبه المسيح الرب لذلك نفتخر بصليب مجد المسيح القائم المنتصر: + وأما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صلب العالم لي وأنا للعالم (غلاطية 6: 14) + مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ، فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه (للموت) لأجلي (غلاطية 2: 20) + عالمين هذا: أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليبطل جسد الخطية كي لا نعود نستعبد أيضًا للخطية (رومية 6: 6)
القيامة هي الزمن المسيحي، زمن العتق من العبودية والفك من الأسر بسقوط سلاسل الشيطان المقيدة للنفس بالخطايا والذنوب، زمن الاستنارة، الربيع الدائم، غلبة النور على الظلمة، النهوض من كبوة الموت: انفلتت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين، الفخ انكسر ونحن انفلتنا (مزمور 124: 7)
فقيامة المسيح الرب هي ربيع حياتنا بعد خريف متعب عشناه على مر تاريخ طويل من الموت والعُزلة عن الله بلا رؤية أو قدرة على التطلع إليه [ لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش ] (خروج 33: 20). فالطبيعة في الربيع تتجدّد وتكتسي الأشجار أوراقها من جديد والأزهار تتفتح، النهار يطول على حساب الليل. ليس لأنّ الطبيعة تتجدّد فحسب، بل لأنّها تتحوّل إلى الأفضل جداً مما كانت قفر في الشتاء الذي عَبَر، وهكذا أيضاً أصبحت القيامة ربيع حياتنا للتجديد الداخليّ لكل من يؤمن. وهي علامة أكيدة بأنّنا قادرون بقوّة المسيح القائم من بين الأموات أن نتغير: [ الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خَبَّر ] (يوحنا 1: 18) [ ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة، نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح ] (2كورنثوس 3: 18)
فكما أنّ الرب يسوع تألم ومات وقام من الموت وغلبه وحطّم أبواب الجحيم وكسر شوكة الخطيئة والشرّ وغَيَّرَ طبيعة الألم ليكون معبر للمجد، كذلك نحن قادرون بقوّة المسيح القائم أن نغلب نحن بدورنا أيضاً كلّ فكر شرّير، ونرتفع بالمرض والآلام لأعلى درجات القيامة. فلم يعد للموت سلطان لأنه “قيّد القوي” (متى 29:12) وجرده من كل أسلحته، حتى أقوى سلاح لدية وهو الألم والموت الذي جعلهما بصليبة قوة مجد خاص لتمجيد كل من يتألم باسمه أو حتى يموت في الإيمان، بل وقد صار خبرة الدخول في سرّ مجد قيامته [ فأن كنا أولاداً (لله) فأننا ورثة أيضاً ورثة الله (ميراث البنين) ووارثون مع المسيح (ابن الله بالطبيعة) أن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه ] (رومية 8: 17)
بالحقيقة قد صارت قيامة المسيح هي قيامتنا كلنا، هي قيامة كل من يُعاني من الخطية المتسلطة عليه بالموت الذي يولد الحزن وضيق النفس العظيم.
وقيامة النفس ليس بمجرد أعمال، لأنها ستصير أعمال ميته لا تُعطي حتى مجرد قيام، بل قيامة النفس هي اتّحادها بالحياة. فالنفس لا تستطيع أن تحيا وحدها إن لم تتّحد بالله، لأنّه قبل الإتحاد تكون النفس مائتة بالمعرفة، لا تشعر ولا تحس بالحياة، لأن المعرفة لا تكون بدون رؤيا ولا الرؤيا بدون إحساس، لذلك أتى الرب القيامة والحياة متجسداً آخذاً جسداً قابلاً للموت، لكي يتحد بكل إنسان ميت فيشع حياته فيه، فيحيا كل من يؤمن في النور، ويمتلئ من قيامة يسوع فيهتف – بخبرة من رأى الرب ففرح – بنشيد الغلبة والخلاص الذي لنا: [ أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية ] (1كورنثوس 15: 55)، لأنه قد تحقق الوعد: [ من يد الهاوية أفديهم، من الموت أُخلصهم: أين أوباؤك يا موت أين شوكتك يا هاوية، تختفي الندامة عن عيني ] (هوشع 13: 14)
فيا ترى هو نحن نؤمن حقاً بقيامة يسوع: + أن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم، أنتم بعد في خطاياكم (1كورنثوس 15: 17) + قال لها يسوع ألم أقل لكِ أن آمنتِ ترين مجد الله (يوحنا 11: 40) + لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح (2كورنثوس 4: 6) + وأما هو (استفانوس لحظة استشهاده) فشخص إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس فرأى مجد الله ويسوع قائماً عن يمين الله (أعمال 7: 55) + فلنؤمن ونصدق ولنكن مملوئين من ثمر البرّ الذي بيسوع المسيح لمجد الله وحمده آمين (فيلبي 1: 11)