نظرة شاملة للباترولوجي في الستة قرون الاولي – القمص تادرس يعقوب ملطي

نظرة شاملة للباترولوجي
في الستة قرون الاولي

القمص تادرس يعقوب ملطي

PDF 

القديس مقاريوس الكبير ع1 – تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي

القديس مقاريوس الكبير ع1 – تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي

 

القديس مقاريوس الكبير ع1 – تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي

العظة الأولى

النفس عرش الله وهو قائدها

“تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي”

          1- يقص حزقيال النبي المبارك الرؤيا المجيدة الملهمة التي رآها، ووصفه لهذه الرؤيا يبين أنها مليئة بالأسرار التي لا ينطق بها.

          لقد رأى مركبة الشاروبيم وهي عبارة عن أربعة كائنات روحانية حية، لكل منها أربعة أوجه، واحد منها وجه أسد، وآخر وجه نسر، وآخر وجه ثور، والرابع وجه انسان. ولكل وجه أجنحه بحيث لا توجد أجزاء خلفية لي واحد منهم. وظهورهم مملؤة عيوناً، وكذلك بطونهم مشحونة ومزدحمة بالعيون، وليس فيهم أي جزء لم يكن مملوءاً عيوناً. وكان أيضاً لكل وجه بكرات، بكرة في وسط بكرة وكان الروح في البكرات.

          ورأى حزقيال منظر شبه انسان قدميه كمنظر حجر العقيق (الياقوت) الأزرق. ومركبة ([1]) الشاروبيم والكائنات الحية كانت تحمل الرب الذي جلس فوقهم. وحيثما شاء أن يسير فإنه يسير والوجه إلى الأمام. ورأى تحت الشاروبيم كمثل يد انسان تسند وتحمل.

          2- وهذا الذي رآه النبي كان في جوهره حقيقياً وأكيداً، ولكنه يشير كظل مسبق إلى شيء آخر، سري والهي – السر المكتوم بالحقيقة منذ الدهور ومنذ الأجيال ([2])، ولكنه أظهر في الأزمنة الأخيرة ([3]) بظهور المسيح. فإن السر الذي رآه هو سر النفس التي كانت ستستقبل ربها وتصير هي ذاتها عرشاً لمجده ([4]).

لأن النفس التي تتمتع بامتياز الاشتراك في روح ونور الله وتتشرب بأشعة جمال مجده غير الموصوف، وهو الذي هيأها لتكون كرسياً ومسكناً له، فإنها تصير كلها نوراً وكلها عيناً! ولا يكون فيها أي جزء غير مملوء بعيون النور الروحانية. أي ليس فيها جزء مظلم بل تصير بكليتها نوراً وروحاً، وتمتلئ كلها عيوناً، فلا يكون لها جزء خلفي بل في كل اتجاه يكون وجهها إلى الأمام بواسطة الجمال الذي يفوق التعبير الذي لمجد نور المسيح الجالس والراكب عليها.

          وكما أن الشمس هي بكليتها ذات شبه واحد، بدون أي جزء من الخلف أو من أسفل، بل هي مكسوة بالنور من كل ناحية، وهي بالحقيقة كلها نور، بدون اختلاف بين اجزائها، أو كما ان النار، أي نفس نور النار، هي متشابهة كلها، وليس فيها أول أو آخر، أو أكبر وأصغر،

هكذا أيضاً النفس التي تتشبع تماماً بالجمال الذي لا يوصف جمال مجد نور وجه المسيح وتكون في شركة تامة مع الروح القدس وتنال الامتياز بأن تكون محل سكن الله وعرشاً له، فانها تصير كلها عيناً، وكلها نوراً، وكلها وجهاً، وكلها مجداً، وكلها روحاً، والمسيح الذي يقودها، ويرشدها، ويحملها ويسندها، هو الذي يصنعها ويجعلها هكذا وينعم عليها ويزينها هكذا بالجمال الروحاني، لأن الكتاب يقول: ويد انسان كانت تحت الشاروبيم ([5]) لأنه هو ذاك الذي يركب عليها ويوجهها.

الشاروبيم رمز لقوى النفس:

          3- والكائنات الحية الأربع التي حملت المركبة انما كانت رمزاً للملكات (أي القوى) الحاكمة للنفس. فكما ان النسر هو ملك الطيور والأسد ملك الوحوش الضارية، والثور ملك الحيوانات المستأنسة، والإنسان ملك المخلوقات عامة، هكذا فإن النفس أيضاً لها ملكاتها الحاكمة. وهذه الملكات هي الإرادة، والضمير، والعقل، وملكة الحب فهذه الملكات تضبط مركبة النفس، وعليها يستريح الله وبحسب تفسير آخر فإن الرمز يشير إلى كنيسة القديسين في السماء.

فكما يقال هنا ان الكائنات الحية كانت مرتفعة جداً، ومملوءة عيوناً وانه لم يستطع احد ان يدرك عدد العيون أو الارتفاع، لأننا لم نعط عنها معرفة، وكما أنه – قد المعطي لجميع الناس – فيما يخص نجوم السماء، ان ينظروا النجوم ويتعجبوا منها، ولكن لم يعط لهم ان يعرفوها ويدركوا عددها، فهكذا أيضاً الحال فيما يخص كنيسة القديسيين في السماء، فالدخول اليها، والتمتع بها قد أعطي لكل الذين يرغبون ويجاهدون في طلبها، أما كيفية رؤية وإدراك العدد الذي فيها، فهذا خاص بمعرفة الله وحده.

فالراكب اذن تنقله وتحمله مركبة أو عرش الكائنات الحية التي كلها عيوناً، أو بمعنى آخر تحمله النفس التي أصبحت عرشاً له وكرسياً، وهي الآن عين ونور. أنه يصعد عليها ويحكمها بزمام الروح ويقودها بحسب فكره هو. وكما ان الكائنات الروحانية الحية، لم تذهب إلى حيث شائت بل إلى حيث يعرف ويشاء ذاك الذي يجلس عليه ويوجههم، هكذا الحال هنا، فإنه هو نفسه الذي يمسك الزمام ويقود قوى النفس بروحه، حينما تتجه للسير في السماء، فهي تسير حسب قيادته وليس بحسب مشيئتها الخاصة.

فأحياناً يطرح الجسد، ويقود النفس ويأخذها بالفكر إلى السماء، وأحياناً – حينما يشاء هو – يأتي بها للعمل في الجسد وشئونه، – وأحياناً – حينما يشاء هو – يأتي بها إلى أقاصي الأرض ويشكف للنفس أسراراً بلا حجاب. آه، يا لسموه وصلاحه، ذلك القائد الحقيقي الوحيد (للنفس)!. وبنفس الطريقة، فإن أجسادنا أيضاً ستنال الإمتياز في القيامة، بعد أن تكون النفس قد سبقت وتمجدت منذ الآن على الأرض وامتزجت مع الروح في الحياة الحاضرة.

أنتم نور العالم:

          4- وأما ان نفوس الأبرار تصير نوراً سماوياً، فهذا هو ما أعلنه الرب للرسل، عندما قال “أنتم نور العالم” ([6]) لأنه صيرهم نوراً أولاً، ثم بعد ذلك أمر بأن يستنير بهم العالم إذ يقول “لا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت الميكال، بل على المنارة فيضيء، لكل من في البيت. فليضيء نوركم هكذا قدام الناس”([7]).

          وبمعنى آخر، لا تخفوا الموهبة التي قبلتموها مني، بل أعطوا لكل الذين يرغبون ان ينالوها. وقال أيضاً “سراج الجسد هو العين فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيراً. وان كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلماً. فإن كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلام كم يكون” ([8])، فكما ان العينين هما نور الجسد – وطالما هما بحالة جيدة – فالجسد كله يكون نيراً، ولكن ان حدث لهما حادث فاظلمتا، يصير الجسد كله في ظلمة، هكذا قد جعل الرسل ليكونوا عيوناً ونوراً للعالم كله.

لذلك فإن الرب أمرهم بهذا القول. فأنتم الذين هم نور الجسد، إن كنتم تثبتون ولا تنصرفون عني، فحينئذ يستنير جسد العالم كله، وأما أن كنتم وانتم النور تكونون مظلمين فما أعظم تلك الظلمة، التي هي ليست شيئاً أقل من العالم. وهكذا فإن الرسل إذ كانوا هم أنفسهم نوراً، فقد أعطوا النور لأولئك الذين آمنوا، إذا أناروا قلوبهم بذلك النور السماوي – نور الروح الذي كانوا هم أنفسهم مستنيرين به.

الملح والذبيحة والكاهن:

          5- واذا كانوا هم أنفسهم ملحاً، فانهم حفظوا وملحوا كل نفس مؤمنة بملح الروح القدس، لأن الرب قال لهم “أنتم ملح الأرض” ([9]) ويقصد بالأرض قلوب الناس. انهم اعطوا لنفوس الناس من الداخل الملح السماوي – ملح الروح – فيملحونهم ويجعلونهم أحراراً من الفساد والتعفن، بدلاً من تلك الحالة الكريهة التي كانوا فيها.

ان اللحم، ان لم يملح، يفسد ويمتلئ برائحة كريهة، حتى ان الناس كلهم يبتعدون من الرائحة العفنة، ويدب الدود في اللحم الفاسد ويسكن فيه ويتغذى عليه ويختبئ فيه، ولكن حينما يلقى عليه الملح يموت الدود الساكن فيه وتنتهي الرائحة الكريهة لأن هذه هي خاصية الملح ان يقتل الدود ويزيل الرائحة الرديئة.

          وبنفس الطريقة فإن كل نفس لا تصلح وتملح بالروح القدس ولا تشترك في الملح السماوي الذي هو قوة الله فانها تفسد وتمتلئ برائحة الأفكار الرديئة الكريهة حتى ان وجه الله يتحول عن الرائحة المرعبة النتنة رائحة أفكار الظلمة الباطلة وعن الشهوات التي تسكن في مثل هذه النفس. والدود الشرير المرعب، الذي هو أرواح الشر وقوات الظلمة، تتمشى وتتجول فيها، وتسكن هناك، وتختبئ وتدب فيها وتأكلها وتأتي بها إلى التحلل والفساد. كما يقول المزمور “قد انتنت وقاحت جراحاتي” ([10]).

          ولكن حينما تهرب النفس إلى الله لأجل الخلاص وتؤمن وتطلب ملح الحياة الذي هو الروح الصالح المحب للبشر، فحينئذ يأتي الملح السماوي ويقتل تلك الديدان المرعبة ويزيل الرائحة النتنة، ويطهر النفس بعمل قوته الفعال، وهكذا تصير النفس سليمة صحيحة وحرة من الاضمحلال بواسطة ذلك الملح الحقيقي وترد وتعاد لتكون نافعة لخدمة السيد السماوي وهذا هو السبب الذي من أجله أمر الله، في الناموس مستعملاً الرمز ان كل ذبيحة ينبغي ان تملح بملح([11]).

          6- فالذبيحة ينبغي أولاً ان تذبح بواسطة الكاهن، وتموت، ثم تقطع قطعاً قطعاً وتملح، وبعد ذلك توضع على النار. فان لم يذبح الكاهن الخروف أولاً ويموت، فإنه لا يملح ولا يقرب كقربان محرقة للرب. هكذا نفسنا ايضاً ينبغي ان تأتي إلى المسيح رئيس الكهنة الحقيقي ليذبحها، وتموت عن هوى فكرها الخاص وعن حياة الخطية الشريرة التي كانت تعيشها قبلاً. يجب ان تخرج منها الحياة حياة الأهواء الشريرة.

كما ان الجسد اذا خرجت منه النفس يموت، ولا يعود يعيش بالحياة التي سبق ان عاشها، فلا يسمع ولا يمشي كذلك المسيح، رئيس كهنتنا السماوي – حينما يذبح نفسنا بنعمة قوته، ويميتها عن العالم فانها تموت عن حياة الشر التي كانت تعيشها قبلاً. يجب ان تخرج منها الحياة حياة الأهواء الشريرة.

كما ان الجسد اذا خرجت منه النفس يموت، ولا يعود يعيش بالحياة التي سبق ان عاشها، فلا يسمع ولا يمشي كذلك المسيح، رئيس كهنتنا السماوي – حينما يذبح نفسنا بنعمة قوته، ويميتها عن العالم فانها تموت عن حياة الشر التي كانت تعيشها، فلا تعود تسمع أو تتكلم أو يكون لها شركة وتوطن في ظلمة الخطيئة لأن حياتها – التي هي الأهواء الشريرة قد خرجت منها بواسطة النعمة. والرسول يصرح قائلاً “قد صلب العالم لي وأنا صلبت للعالم” ([12]).

          فالنفس التي لا تزال تحيا في العالم وفي ظلام الخطيئة ولم تمات بواسطة المسيح ولا يزال روح الخبث في داخلها أعني نشاط ظلمة أهواء الشر، التي تتحكم فيها فإن هذه النفس لا تنتمي إلى جسد المسيح لا تنتمي إلى جسد النور، بل هي في الحقيقة جسد الظلمة ولا تزال جزءاً لا ينفصل من الظلمة، أما الذين لهم حياة روح النور، أعني قوة الروح القدس فإنهم جزء لا ينفصل من النور.

          7- ولكن قد يسألني أحدكم قائلاً: كيف تدعو النفس بلقب جسد الظلمة في حين انها لم تخلق من الظلمة؟ اصغ الي، وافهمني جيداً. كما ان ثوبك الذي تلبسه قد صنعه آخر غيرك، وانت تلبسه، وكما ان بيتك قد بناه آخر وأنت تسكن فيه، هكذا حينما تعدى آدم وصية الله وأطاع الحية الخبيثة، صار مباعاً أو باع نفسه للشيطان فاكتست النفس – تلك الخليقة الحسنة التي صورها الله على صورته الخاصة – اكتست بنفس الشرير مثل رداء.

لذلك يقول الرسول “اذ جرد الرياسات والسلاطين، ظفر بهم في الصليب” ([13])، وهذا هو الغرض الذي من أجله جاء الرب (الى العالم)، لكيما يطرحهم خارجاً ويسترجع بيته وهيكله، أي الانسان. لهذا السبب تسمى النفس جسد ظلمة الخبث طالما ان ظلمة الخطية موجودة فيها، لأنها تحيا لعالم الظلمة الشرير، وهي ممسوكة بشدة هناك.

لذلك يسميها الرسول جسد الخطيئة أو جسد الموت، قائلاً “ليبطل جسد الخطيئة” ([14])، وأيضاً: “من ينقذني من جسد هذا الموت” ([15])، ومن الجهة الأخرى فان النفس التي قد آمنت بالرب وانقذت من الخطية واميتت عن حياة الظلمة وقد نالت نور الروح القدس كحياة لها، وبهذه الطريقة قد انتقلت إلى الحياة حقاً، فانها تصرف زمانها بعد ذلك في نفس هذه الحياة، لأنها تكون هناك ممسوكة بشدة بقوة نور اللاهوت.

فان النفس في ذاتها لا هي من طبيعة اللاهوت، ولا هي من طبيعة ظلمة الخبث، بل هي خليقة عاقلة، جميلة، عظيمة، وحسنة كمثال وصورة الله. وانما عن طريق التعدي دخل فيها خبث أهواء الظلمة.

ضرورة المجيء إلى المسيح لنموت ونحيا:

          8- اذن فما تختلط به النفس فانها تكون متحدة معه في حركات ارادتها، فإما يكون لها نور الله في داخلها، وبذلك، تعيش في النور، في كل الفضائل، وتنتسب إلى نور الراحة. وإما يكون لها ظلمة الخطيئة فستجد الدينونة. فالنفس التي تشتهي ان تعيش مع الله في الراحة والنور الأبدي يجب ان تأتي، – كما قلنا سابقاً – إلى المسيح رئيس الكهنة الحقيقي لتنذبح وتموت عن العالم وعن حياة ظلمة الخبث السابقة. وتنتقل إلى حياة أخرى والى سيرة الهية.

وكما يحدث عندما يموت انسان في مدينة ما فانه لا يسمع صوت الناس الساكنين فيها ولا أحاديثهم ولا الضوضاء التي يصنعونها، بل هو يصير ميتاً مرة واحدة، وينتقل إلى منطقة أخرى حيث لا يوجد أصوات ولا صرخات من تلك المدينة التي خرج منها…

كذلك النفس ايضاً حينما تنذبح مرة وتموت عن مدينة الأهواء الشريرة التي تسكن وتعيش فيها فانها لا تعود تسمع في داخلها صوت أفكار الظلمة، ولا يعود يسمع فيها حديث وصراخ المنازعات الباطلة الشريرة أو ضجيج أرواح الظلمة بل تنتقل إلى مدينة مملوءة بالصلاح والسلام، إلى مدينة نور اللاهوت وتعيش هناك، وتسمع وتستوطن وتتكلم وتشارك، وهناك تعمل اعمالها الروحانية التي تليق بالله.

فلنصل لكي ننذبح بقوته:

          9- لذلك فلنصلي لكي ننذبح بواسطة قوته ونموت عن عالم الظلمة الخبيث ولكي تموت فينا روح الخطية، ولكيما نلبس وننال حياة الروح السماوي، وننتقل من حيث الظلمة إلى نور المسيح، ولكي نستريح في الحياة إلى مدى الدهور. فكما ان المركبات تتسابق في الميدان والمركبة التي تسبق الأخرى تصير لها مانعاً وحاجزاً وعائقاً، حتى انها لا تستطيع ان تتقدم وتصل إلى النصرة، وهكذا ايضاً سباق أفكار النفس والخطيئة في الانسان.

فاذا حدث ان سبق فكر الخطيئة فانه يعوق النفس ويحجزها ويمنعها، حتى انها لا تستطيع ان تقترب إلى الله وتنال النصرة منه. ولكن حيث يركب الرب ويمسك بزمام النفس بيديه فانه دائماً يغلب لأنه بمهارة يدير ويقود مركبة النفس إلى ذهن سماوي ملهم كل حين.

وهو – أي الرب – لا يحارب ضد الخبث اذ له دائماً القوة الفائقة والسلطان في نفسه، بل هو يصنع النصرة بنفسه. فالكاروبيم اذن لا تسير حيث تشاء من نفسها ان تسير بل إلى حيث يقودها ويوجهها الراكب عليها. وهي تسير حيث يريد هو، وهو يسندها لأن الكتاب يقول “ويد انسان كانت تحتها” ([16]).

          فهذه النفوس المقدسة تنقاد وتسير بروح المسيح الذي يمسك بزمامها ويقودها إلى حيث يشاء – فاحياناً يشاء ان تقيم في التأملات السماوية، واحياناً يشاء ان تلبث في الجسد، وهكذا حيثما يشاء هو فانها تقوم بالخدمة.

          وكما ان أجنحة الطائر هي له بمثابة الرجلين كذلك فان النور السماوي أي نور الروح يحمل اجنحة افكار النفوس المستحقة، ويقودها ويدبرها كما يعرف هو انه الأحسن لها.

أنظر إلى نفسك جيداً:

          10- لذلك فحينما تسمع بهذه الأشياء أنظر إلى نفسك جيداً، هل انت حاصل على هذه الاشياء ومالك لها بالفعل والحق في داخل نفسك أم لا؟ فانها ليست مجرد كلمات تقال بل هي فعل الحق الذي يحدث في داخل نفسك. فان لم تكن مالكاً لها بل انت معدم من مثل هذه الخيرات الروحانية، ينبغي لك ان تكتئب وتحزن وتسعى بلهفة كانسان لا يزال ميتاً ومنفصلاً عن الملكوت وكانسان مجروح اصرخ دائماً إلى الرب واطلب منه بايمان ان يمنحك انت شخصياً هذه الحياة الحقيقية.

          وحينما صنع الله جسدنا هذا فانه لم يمنحه ان تكون له حياة لا من طبيعة الله الخاصة ولا ان يحيا الجسد بذاته، وهكذا دبر له الطعام والشراب واللباس والأحذية، وهكذا عين الله له ان يأخذ كل حاجات الحياة من الخارج اذ انه صنع الجسد نفسه عرياناً ولا يمكن للجسد ان يعيش بدون الاشياء الخارجة عنه أي بدون الطعام والشراب واللباس فان حاول ان يعتمد على طبيعته وحدها دون ان يأخذ شيئاً من الخارج فانه يضمحل ويموت.

وهذا هو نفس الحال بالنسبة للنفس ايضاً فهي لا تملك النور الالهي رغم انها مخلوقة على صورة الله وهكذا نظم الله احوالها وقد سر بأن لا تحصل على الحياة الأبدية من طبيعتها الخاصة، ولكن من لاهوته، أي من روحه ومن نوره. تنال طعاماً وشراباً روحانياً، ولباساً سماوياً وهذه هي حياة النفس، أي الحياة بالحقيقة.

          11- وكما رأينا ان حياة الجسد ليست من ذاته، ولكن من خارجه، أي في الأرض، وبدون الأشياء التي من خارجه لا يمكنه ان يعيش هكذا أيضاً النفس أن لم تولد الآن إلى “أرض الأحياء” ([17]) وتستمد غذاء روحياً منها وتنمو نمواً روحياً أمام الرب وتكتسي من اللاهوت بحلل الجمال السماوي التي تفوق الوصف، فانها بدون ذلك القوت لا يمكنها أن تعيش من نفسها في فرح وراحة.

أن الطبيعة الالهية فيها خبز الحياة الذي قال “أنا هو خبز الحياة”([18])، “والماء الحي”([19])، “والخمر التي تفرح قلب الانسان”([20])، “وزيت الابتهاج”([21]) وجميع أصناف طعام الروح السماوي ولباس النور السماوي تلك التي تأتي من الله. وفي هذه الأشياء تكون حياة النفس الأبدية.

ويل للجسد حينما يعتمد على طبيعته الخاصة لأنه حينئذ يضمحل ويموت، وأيضاً ويل للنفس أن استندت على طبيعتها الخاصة ولم تضع ثقتها في شيء سوى أعمالها الخاصة، ولم تنل شركة روح الله، فانها تموت اذ انها لم تحصل على حياة اللاهوت الأبدية الممنوحة لها. ففي حالة المرضى بالجسد، بمجرد أن يفقد الجسد القدرة على تقبل الغذاءن لا يعود هناك أمل في هؤلاء المرضى ويبدأ أصدقاؤهم الحقيقيون وأقرباؤهم ومحبيهم في البكاء وذرف الدموع.

وبنفس الطريقة فان الله والملائكة يبكون على النفوس التي لا تتغذى بطعام الروح السماوي، ولم تأت إلى الحياة في عدم الفساد. ومرة أخرى أقول: أن هذه الأشياء ليست مجرد كلمات تقال، بل هي عمل الحياة الروحانية، عمل الحق الذي يتحقق في النفس الأمينة المستحقة.

ليكن لنا حس سريع:

          12- فاذا كنت قد صرت عرشاً لله، وجلس فوقك الراكب السماوي، ونفسك كلها قد صارت عيناً روحانية، وصارت نفسك كلها نوراً، واذا كنت قد تغذيت بذلك الغذاء، غذاء الروح القدس، وان كنت قد سقيت من ماء الحياة، وان كنت قد لبست ملابس النور الذي لا يوصف، وثبت انسانك الداخلي في اختبار هذه الأمور بملء الثقة واليقين، فانك بذلك تكون حياً، انك تحيا الحياة الأبدية بالحقيقة، وان نفسك هي في الراحة مع الرب منذ الآن فصاعداً.

انظر فها أنت قد قبلت هذه الأشياء من الرب وامتلكتها بالحق، لكيما تحيا الحياة الحقيقية. ولكن اذا وعيت نفسك ووجدت انه ليس عندك شيء من هذه الأشياء (التي سبق ذكرها) فحينئذ يلزم أن تبكي وتنوح وتحزن لأنك حتى الآن لم تجد الغنى السماوي الأبدي.

          لذلك ينبغي أن تتوجع بسبب فقرك المدقع، وتتضرع إلى الرب ليلاً ونهاراً لأنك قد سقطت في فقر الخطيئة المرعب.

          يا ليت كل انسان يصير له احساس سريع وتوجع بسبب فقره، ولا نسير في الحياة بلا مبالاة، مكتفين كأننا قد امتلأنا!، لأن الذي يحس بشدة فقره، ويأتي إلى الرب ويسأله بالصلاة باستمرار، فانه حالاً يحصل على الفداء والكنوز السماوية، كما قال الرب في ختام حديثه عن القاضي الظالم والأرملة “أفلا ينصف الله الذين يصرخون إليه ليلاً ونهاراً، نعم أقول لكم انه ينصفهم سريعاً” () الذي له المجد والقوة إلى الأبد آمين.

 

([1]) حزقيال النبي لم يستعمل كلمة “مركبة” في الأصحاح الأول ولكن الكلمة استعملت في النسخة السبعينية في سفر حزقيال اصحاح 43 عدد 3.

([2]) كولوسي 1 : 26.

([3]) 1 بطرس 1 : 10.

([4]) مت 25 : 31.

([5]) حزقيال 1 : 8 يفسر القديس مقاريوس “الإنسان” هنا بأنه المسيح ويد انسان كانت تحت الشاروبيم لأنه هو الذي يركبها ويوجهها.

([6]) مت 5 : 14.

([7]) مت 5 : 15، 16.

([8]) مت 6 : 22، 23، لو 11 : 34.

([9]) مت 5 : 13.

([10]) مز 38 : 5.

([11]) لا 2 : 13، انظر مرقس 9 : 49.

([12]) غلاطية 6 : 14.

([13]) كولوسي 2 : 15.

([14]) رومية 6 : 6.

([15]) رومية 7 : 24.

([16]) حزقيال 1 : 8.

([17]) مز 27 : 13.

([18]) يو 6 : 35.

([19]) يو 4 : 10.

([20]) مز 104 : 15.

([21]) مز 45 : 7.

القديس مقاريوس الكبير ع1 – تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي

تفسير رسالة العبرانيين – دكتور موريس تاوضروس

تفسير رسالة العبرانيين – دكتور موريس تاوضروس

تفسير رسالة العبرانيين – دكتور موريس تاوضروس
 
Download

تفسير رسالة العبرانيين – دكتور موريس تاوضروس

إلهي إلهي لماذا تركتني (مت 27: 46) للقديس كيرلس الكبير

إلهي إلهي لماذا تركتني (مت 27: 46) للقديس كيرلس الكبير

إلهي إلهي لماذا تركتني (مت 27: 46) للقديس كيرلس الكبير

من كتاب الكنوز في الثالوث للقديس كيرلس الإسكندري ترجمة د.جورج عوض إبراهيم مراجعة د.جوزيف موريس فلتس – إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية

تفسير آية:” إلهي إلهي لماذا تركتني” (مت 27: 46)

 

نحن نفتخر بصليب مخلِّصنا المسيح، ونؤمن أننا خَلُصنا؛ لأن كلمة الله صار إنساناً لأجلنا وصُلِب لأجلنا، لكي يُبطِل الموت الذي يسري علينا ([1])، ولكي يُقيمنا أيضاً بذاته محوِّلاً إيانا من حالة الفساد إلى حالة عدم الفساد([2]).

لذلك كان ينبغي عليه أيضاً أن يبرهن – وقت الألم – على أنه صار حقاً إنساناً، وليس بحسب الخيال، ولأجل هذا السبب بالضبط، صرخ وتحدث بما يتناسب مع إنسان، وقال: “إلهي إلهي لماذا تركتني” (مت 27: 46)، “فلتعبر عني هذا الكأس” (مت 26: 39). بينما بأعماله برهن على أنه هو الله، هذا الذي لأجلنا صار إنساناً، واحتمل هذه الأمور البشرية على الصليب لأجل خلاصنا جميعاً. لأن الشمس أخفت شعاعها ولفَّ الظلامُ السماءَ، وانشقت الصخور وحجاب الهيكل.

 

وصنع أموراً أخرى عظيمة مثل هذه لكي يبرهن أنه هو الله الذي صار إنساناً. لذلك أيضاً، فإن صالبيه، الذين كانوا يستهزئون به من قبل، وهم يرون كل ما صار بطريقة إلهية، قالوا: “حقاً كان هذا هو ابن الله” (مت 26: 24).

 

كلمة الله صار إنساناً، لا لكي يتصرَّف ويتحدَّث مثلما كان قبل تأنُّسه كإله، لكن لكي يقول ويتصرَّف كإنسان بالشكل الذي يتناسب مع احتياجات خطة التدبير الإلهي. فإذا كان هذا هو مفهوم سرَّ التأنُّس، فكيف يُعقل أن يَعثُر فيه كل الذين يسمعونه يتحدَّث بشرَّياً؟ لأنه يتحدَّث كإنسان، بل ويتحدَّث أيضاً كإله آخذاً سلطة الاثنين معاً. فكإنسان قال: “الآن نفسي قد اضطربت”، بينما كإله: “ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضاً” (يو 10: 18).

الاضطراب إذن هو من ضمن أوجاع الجسد الخاصة، بينما السلطان الذي له ليقدَّم حياته ذبيحةً، وأيضاً ليأخذها، هو من عمل قوة الكلمة. فإذا كنا لا نعثر عندما يقول شيئاً بكونه إلهاً، بالرغم من أنه يبدو كإنسان، بل أيضاً نقصد الكلمة الذي اتخذ جسداً. هكذا الأمر عندما يقول شيئاً كإنسان، علينا أن لا نعثر متفكرين في أنه لأجلنا صار إنساناً، ولذلك يقول هذه الأقوال التي تتناسب مع الطبيعة البشرية([3]).

بسبب محبته العظيمة والفائقة أتحَدَ كلمة الله ذاته بنا، لا لكي يصير مثلنا؛ لأنه هو غير المتحول ولا يعرف التغيير، لكنه اتَّحد بنا بذاته لكي يغيِّرنا نحن ([4]) إلى ما هو عليه. لأنه مثلما أصبح لدينا – نحن الذين قبلناه – كل ما يخصه؛ لأنه سكن في داخل الجسد (إذ قد دُعينا “أبناء” (1 يو 3: 1)، و”آلهة” (مز 82: 6، يو 10: 34)، ليس بحسب الطبيعة مثله، بل بحسب النعمة)، هكذا أيضاً عندما اتحد بنا وصار إنساناً، لَبِسَ ضعفاتنا. هكذا تألم لأنه جعل الجسد الذي أخذه واحداً معه، لكي تُمَات أوجاع الجسد بالنسبة لنا، نحن الذين نُسرع لكي نصير متشبِّهين بالمسيح الذي أخذ لأجلنا كل أوجاعنا في ذاته.

 

يدين الله الإسرائيليين بسبب خطاياهم بواسطة الأنبياء، فيقول: “وَبَنَوْا مُرْتَفَعَاتٍ لِلْبَعْلِ لِيُحْرِقُوا أَوْلاَدَهُمْ بِالنَّارِ مُحْرَقَاتٍ لِلْبَعْلِ، الَّذِي لَمْ أُوْصِ وَلاَ تَكَلَّمْتُ بِهِ وَلاَ صَعِدَعَلَى قَلْبِي” (أر 19: 5). أيضاً يقول لأورشليم: “سببت لي حزناً بكل ما فعلتِ” (أر 16: 43 س). وأيضاً لأجل شرور أخرى: “أَفَمَا أُعَاقِبُهُمْ عَلَى هذِهِ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ أَمْ لاَ تَنْتَقِمُ نَفْسِي مِنْ أُمَّةٍ كَهذِهِ؟” (أر 9: 9). إذن، لأنه من الواضح للجميع، أن كلمةالله كان هو من قال هذه الأقوال للأنبياء، فما الذي يمكن أن يصنعه محاربو المسيح؟ هل يعتقدون أن كلمة الله – مثل البشر – له نفساً وقلباً، ويقولون إن ألَمَ الحزن والغضب قد استحوذا عليه، فيظهر وكأن لا شيء لديه أكثر من أنه إنسان، في حين أنه هو مثل الآب فوق أي طبيعة مخلوقة؟

لكن ربما يتجنبون هذا ويقولون إن هذه الأقوال قيلت من الكلمة بطريقة رمزية وبشرية. وأنا أقول لكم إذا كنتم تحفظون لابن الله مكانته التي تليق به – عندما يقول هذه الأقوال – مؤكدين على أنه فوق الحزن والغضب والهوى، بالرغم من أنه ظهر محتملاً كل هذا لأجل شيء مفيد، فكيف يُعقل ألاَّ نسمح له – وقد صار إنساناً واتخذ جسداً – بأن يقول مثل هذه الأقوال لكي يظل غير متألم، بالرغم من أن هذه الأمور تُعد من خصائص الجسد بحسب طبيعته، أي ذلك الجسد الذي أخذه لأجلنا مع كل صفاته الطبيعية؟ أي أن يبكي، ويضطرب، ويصارع، ويتجنب الموت، ويتألم بكل ما هو شبيهٌ بتلك الأمور؛ لأن هذه الأمور كلها مِن صفات الطبيعة الإنسانية.

 

([1]) يؤكد دائماً القديس كيرلس – أثناء حديثة عن معجزة تحويل ماء النهر إلى دم بيد موسى – على ما سبق وأكده الرسول بولس بأن موت المسيح هو ربح، إذ يقول: “يقول: “وَيَكُونُ إِذَا لَمْ يُصَدِّقُوا هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، وَلَمْ يَسْمَعُوا لِقَوْلِكَ، أَنَّكَ تَأْخُذُ مِنْ مَاءِ النَّهْرِ وَتَسْكُبُ عَلَى الْيَابِسَةِ، فَيَصِيرُ الْمَاءُ الَّذِي تَأْخُذُهُ مِنَ النَّهْرِ دَماً عَلَى الْيَابِسَةِ” (خر 9:4). الماء هو رمزٌ للحياة، لأنه هو عملياً ضروري ومفيد جداً للبشر.

 

إذن، الابن حقاً هو ذاته الحياة، أتى عملياً كأنه مِن نهر، أي مِن الآب. لأنه كما هو نور أتى من نور، هكذا هو أيضاً حياة من حياة. كون أنه لم يأخذ وجوده من الخارج، بل أتى بحسب الطبيعة من الله الآب، هذا تعلّمه موسى وليس أقل أبداً مما نعمله نحن. لأنه يقول: “إنك تأخذ من ماء النهر” ثم أمره أن يسكب على الأرض. هذا رمزياً يعني سر التأنس.

 

أي حقاً وحيد الجنس هو الحياة، ومولود من الله الآب الذي هو الحياة اتحد بطريقة ما بالبشرية التي أتت من التراب بالضبط مثل اتحاد الماء بالتراب: “فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً” (كو 9:2)، وصار مثل الطبيعة البشرية، هكذا لا يستطيع أحد أن يدرك هذا الأمر بذهنه أو يعبر عنه. لكن الماء تحول إلى دم. بمعني أن الحياة بحسب الطبيعة، كلمة الله الآب بالاتحاد الذي تم بحسب التدبير، أقصد اتحاده بالجسد أي بكل البشرية وبكل طبيعتنا، تحمّل الموت بالجسد.

 

بمعني أننا نقول إنه مات لأجلنا بدون أن تعاني طبيعته (الإلهية) لأنه لم يكن من الممكن أن يموت طالما أنه الحياة ذاتها بل مات بجسده”. جيلافيرا، ترجمة د. جورج عوض إبراهيم، مراجعة د. نصحي عبد الشهيد، الكتاب الشهري، عدد أغسطس 2010.

 

([2]) أثناء حديثة عن التابوت يؤكد القديس كيرلس على أن جسد المسيح بسكنى الكلمة فيه ارتفع فوق الفساد، إذ يقول: [التابوت، يا بلاديوس، يمكن أن يكون مثالاً وأيقونةً للمسيح. لأنه في تفسيرنا لطريقة تأنس الوحيد الجنس روحياً، سوف نرى أن اللوغوس ساكن في هيكل العذراء كما لو كان داخل التابوت. لأنه وفق الكتب المقدسة “فإنه يحل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً” (كو 9:2).

 

إذن، اللوغوس – بالتأكيد – هو ما يشير إليه لوحا الشهادة بالتابوت. والخشب أيضا كان من النوع الذي لا يصاب بالفساد، وكان مغطىً بذهب نقي وخالص من الداخل والخارج. لأن جسد المسيح غير فاسد محفوظٌ في عدم الفساد بقوة وبهاء اللوغوس الذي يسكن داخله بطبيعته والفعل المحيي للروح القدس.

 

لأجل هذا بالتأكيد يُقال إن المسيح يُحيي. فلأن اللوغوس – باعتباره كلمة الله الآب – حي بحسب طبيعته، فإنه بقوة الروح يُعيد إحياء هيكله جاعلا إياه أسمى من الفساد. لأن “جسده لم يرَ فساداً” وفقاً لكلام بطرس القديس (أع 31:2)]. السجود والعبادة بالروح والحق، ج: 5، المقالة التاسعة ص 65.

 

([3]) لقد أراد الابن أن يحرر الطبيعة البشرية من أوجاعها لذلك اجتاز – بكونه إنساناً – كل الآلام التي تجتازها هذه الطبيعة، وهذا ما سبق إن ذكره القديس كيرلس في نفس السياق، إذ يقول: “كما أن إبادة الموت لم تتم بطريقة أخرى غير موت المخلّص، هكذا أيضاً من جهة كل ألم من آلام الجسد: فلو لم يشعر بالخوف، لما أمكن للطبيعة البشرية أن تتحرر من الخوف، ولو لم يكن قد اختبر الحزن، لما كان هناك تحرر من الحزن على الإطلاق؛ ولو لم يكن قد اضطرب وانزعج، لما وُجِدَ أي مهرب من هذه المشاعر.

 

ومن جهة كل انفعال من الانفعالات التي تتعرض لها الطبيعة البشرية، فإنك ستجد المقابل لها بالضبط في المسيح. فانفعالات الجسد كانت تتحرك، لا لكي تكون لها السيطرة كما يحدث في حالتنا نحن، بل لكي حينما تتحرك، فإنها يتم إخضاعها كلية بقوة الكلمة الساكن في الجسد، وهكذا فإن طبيعة الإنسان تجتاز تغيّراً نحو الأفضل”. شرح إنجيل يوحنا، المرجع السابق، الجزء السابع، الإصحاح الثاني عشر ص 38.

 

([4]) أكد هذه الحقيقة القديس كيرلس في موضع آخر، قائلاً: “فإن كلمة الله وحَّد الطبيعة البشرية بكليتها مع نفسه، لكي، بذلك يخلّص الإنسان بكليته. فما لم يتخذه للاتحاد بطبيعته (الإلهية)، لا يحصل له خلاص”. شرح إنجيل يوحنا، المرجع السابق، الجزء السابع، الإصحاح الثاني عشر، ص 35.

إلهي إلهي لماذا تركتني (مت 27: 46) للقديس كيرلس الكبير

شرح وتفسير قانون الايمان – القمص عبد المسيح ثاوفيلس النخيلي

شرح وتفسير قانون الايمان – القمص عبد المسيح ثاوفيلس النخيلي

شرح وتفسير قانون الايمان – القمص عبد المسيح ثاوفيلس النخيلي

شرح وتفسير قانون الايمان – القمص عبد المسيح ثاوفيلس النخيلي

القمص عبد المسيح ثاوفيلس النخيلي

الصيغ المتاحة للتحميل:

PDF

ما هو سر التفسير الخاطئ للكتاب المقدس – موضوع إرشادي لفهم كلمة الله.

ما هو سر التفسير الخاطئ للكتاب المقدس
موضوع إرشادي لفهم كلمة الله

  • ناموس الرب كامل يرد النفس، شهادات الرب صادقة تُصير الجاهل حكيماً – مزمور 19: 7
  • كل كلمة من الرب نقية، تُرسٌ هو للمُحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك، فتكذب – أمثال 30: 5، 6
  • إلى الأبد يا رب كلمتك مُثبتة في السماوات – مزمور 119: 89
  • قدسهم في حقك؛ كلامك هو حق – يوحنا 17: 17
  • طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه – لوقا 11: 28
  • لأني لستُ استحي بإنجيل المسيح، لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن، لليهودي أولاً ثم لليوناني – رومية 1: 16
  • سراجٌ لرجلي كلامك ونورٌ لسبيلي – مزمور 119: 105

أقول لكم سرّ يا إخوتي، ربما ليس سراً لكنه منهج لاهوتي حي، وهو رفض أي عقيدة أو فكر أو شرح أو تأمل أو سلطان ديني يُناقض الكتاب المقدس، فضمير المسيحي الحقيقي ينبغي أن يكون أسير كلمة الله، لأن الكتاب المقدس يعلن فكر الله، ويكشف حالة الإنسان، ويظهر طريق الخلاص، وتعليمه تعليم واحد مقدس للغاية، ووصاياه مُلزمة، وتاريخه حي، وقراراته لا تُنتقض، فأن قرأته بروح التوبة والإيمان والشوق لله، تصير حكيماً، ولكي تخلص ينبغي أن تصدقه، وطبقه لكي تحيا قديس مملوء من نعمة الله ومحبته، لأنه مكتوب: [ اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة ] (أفسس 1: 4)

كلمة الله يا إخوتي قوت النفس وغذائها الحي: [ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله ] (متى 4: 4)، هي تفتح الأسرار السماوية للنفس وتغلق أبواب الجحيم، وتنقذ القلب من الدنس وتفحص النفس وتنقيها وتشع نور الله فيها، فكل من يتواجه معها بالإيمان وبتوبة قلب بتواضع، تفعل فيه حسب مسرة مشيئة الله لأنه مكتوب: [ هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليَّ فارغة بل تعمل ما سُررت به وتنجح فيما أرسلتها له ] (إشعياء 55: 11)
[ من أجل ذلك نحن أيضاً نشكر الله بلا انقطاع، لأنكم إذ تسلمتم منا كلمة خبر من الله، قبلتموها لا ككلمة أُناس، بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل فيكم أنتم المؤمنين ] (1تسالونيكي 2: 13)

فيا إخوتي ما هي الفائدة التي تعود علينا حينما ندرس الكتاب المقدس ويكون هدفنا ان نرد على المخالفين، ونحن لا نتفاعل مع كلمة الله على المستوى الشخصي لتصير هي حياتنا، بغرض أن نكون نحن أنفسنا إنجيل مفتوح ليكون مقروء من جميع الناس، لأنه مكتوب: [ لأن هذا هو العهد الذي أعهده مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب أجعل نواميسي في أذهانهم وأكتبها على قلوبهم وأنا أكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً ] (إرميا 31: 33؛ عبرانيين 8: 10)

أعظم خطأ نقع فيها هو أننا نجعل كلمة الله مصدر لنا لكي نقاوم الناس والمخالفين، أو نضعها في موضع سخيف بأن نلقيها أمام الغير مستحقين ونجعلها محل حوار سخيف في جدل عقيم، فنخسر قوتها فينا ولا نقدم روحها للآخرين، فتصل عن طريقنا ميته لا حياة فيها، بل والأدهى حينما نستخدمها لكي نتهم الآخرين بالهرطقة أو لكي نسعى أن نقطعهم من شركة الكنيسة عوض أن نصلحهم حسب أمر إعلان كلمة الله عن طريق الرسول الملهم بالروح والمتشبع من كلمة الله: [ أيها الإخوة ان انسبق إنسان فأُخذ في زلة ما، فاصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة ناظراً إلى نفسك لئلا تُجرب أنت أيضاً ] (غلاطية 6: 1)

فمن يُريد أن تنطفأ كلمة الله فيه ويدخل في حالة عمى روحي حتى ولو كان أعظم المعلمين وكتب تلال ضخمة من التلال التفسيرية الصحيحة، فليعيش في كبرياء القلب ونقض الآخرين المستمر بغرض أن يحرمهم ويفصلهم ويقطعهم، لأن في تلك الحالة لن يُضيء له إنجيل الخلاص لأن إله هذا الدهر سيخدعه ويعميه عن الحق في المسيح لذلك لن يستطيع ان يُجمع أبداً بل سيفرق ويسعى للوشاية: 

  • [ الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله ] (2كورنثوس 4: 4)
  • [ لا تسع في الوشاية بين شعبك لا تقف على دم قريبك أنا الرب ] (لاويين 19: 16)
  • [ كلهم عصاة متمردون ساعون في الوشاية هم نحاس وحديد كلهم مفسدون ] (إرميا 6: 28)
  • [ من ليس معي فهو عليَّ، ومن لا يُجمع معي فهو يفرق ] (متى 12: 30)

إرشاد هام لمن يُريد أن يتعمق في الكتاب المقدس:
+1+ حينما يقرأ البعض كلمة الله يتعجلون في الفهم ثم الشرح والتفسير، فلا ينبغي أن يتم استخلاص أي استنتاجات على حساب التفسير الصحيح للكلمة المكتوبة كما هي في إعلانها الإلهي، فلا ينبغي أن ندع الكتاب المقدس يقول ما نُريد نحن أن يقوله، بل علينا أن ندع الكتاب المقدس يتكلم ويقول ما قصده الله حين أوحى به !!!

+2+ أحيناً كثيرة نتسرع ونقول هذا النص يُقصد به كذا وكذا، وذلك حسب ما فهمنا من سطحية النص وحسب خلفيتنا الحضارية والفكرية التي نعيش بها، أو حسب ثقافتنا الخاصة وتعليمنا الشخصي، أو حسب تأثرنا ببعض الشراح والمفسرين أو ببعض ما تعلمناه من الصغر أو ما سمعناه من أُناس موثوقاً بهم، أو ببعض المراجع القديمة، لأن أناس كثيرين حينما يسمعون عن مرجع أو فكر قديم منتشر يصدقونه فوراً دون فحص مع أنه مكتوب:

  • [ التي نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يُعلمه الروح القدس قارنين الروحيات بالروحيات ] (1كورنثوس 2: 13)
  • [ وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يُحكم فيه من أحد ] (1كورنثوس 2: 15)
  • [ هذا أُصليه أن تزداد محبتكم أيضاً أكثر فأكثر في المعرفة وفي كل فهم. حتى تميزوا الأمور المتخالفة لكي تكونوا مخلصين وبلا عثرة إلى يوم المسيح ] (فيلبي 1: 9 و10)
  • [ امتحنوا كل شيء تمسكوا بالحسن ] (1تسالونيكي 5: 21)
  • [ أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله !!! لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم ] (1يوحنا 4: 1)

+3+ وطبعاً لا ينبغي حينما نقرأ كلمة الله نروحنها بفكرنا ونستخلص من كل حرف وكلمة معنى روحي ونجعل كل شيء قانون مُلزم، غير مميزين مقاصد الله بل كل ما سوف نستخلصه سيكون مقصدنا نحن الذي نٌعلم به، لأننا لن نُعلِّم أبداً بكلمة الله بل بفكرنا نحن ورأينا الشخصي، لأن هذا هو الذي أتعب الكنيسة على مر عصورها كلها، الآراء الشخصية والتفسيرات الفكرية الخاصة والتي تبدو روحية هايلة لكنها ليست مقاصد الله بل مقاصد الناس…

+4+ وأخيراً يا إخوتي للاستفادة الحقيقية من كلمة الله ينبغي لنا أن نسمع قول المرنم ونحيا به بل يكون منهجنا الأصيل والأساس الذي ننطلق منه لفهم كلمة الله: [ طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار، وفي طريق الخطاة لم يقف، وفي مجلس المستهزئين لم يجلس، لكن في ناموس الرب مسرته، وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً ] (مزمور 1: 1 و2) 
فلا ينبغي أن نكتفي ابداً بأن ندرس كلمة الله ونفهمها ونعلم بها، بل ينبغي أن نغوص ونغطس فيها مثل البحر، حتى نغتسل بها جيداً جداً، لأنها المحلول المطهر لكل جراحات أنفسنا الداخلية.
[ لا تبرح سفر هذه الشريعة من فمك، بل تلهج فيه نهاراً وليلاً لكي تتحفظ للعمل حسب كل ما هو مكتوب فيه: لأنك حينئذٍ تُصلح طريقك، وحينئذٍ تُفلح ] (يشوع 1: 8)

  • كلمة الله – يا إخوتي – النبع الحي الذي منه يفيض الماء لإطفاء لهيب شهوات نفوسنا
  • هي الشجرة الذي ينمو عليها الحق لإرشادنا نحو طريق الحياة الأبدية
  • هي الحكم الأمين الذي يفصل في النزاع حينما تُخفق كل مساعي البشر الأذكياء لتوصيل الحق
  • هي خبز حي يُغذي الحياة ويقويها، فلا يقدر الموت أن يمسها أو يجعل أي برودة تمسها
  • هي حصن إيماننا الحصين، والتُرس الذي عليه تنكسر كل سهام العدو الملتهبة ناراً
  • هي الكنز المخفي عن أنظار المتكبرين والذين يظنون أنهم عارفي الحق، لكنه كنز ثمين غالي يُكشف ويظهر أمام منكسري القلوب والمتواضعين.

فحذاري أن نكون مثل الخنزير، الذي استحم وصار نظيفاً جداً وله دُرر وكنوز ثمينة جداً من حوله مع أفخر الأطعمة الصالحة المُفيدة، لكنه يلقى سروراً أوفر في أن يتمرغ في الطين دائساً على كل ثمين، عاشقاً الخرنوب تاركاً كل ما هو حسن وجميل…

  • فيا إخوتي لا ينبغي أن يقرأ أحد كلمة الله إلا بتوبة صادقة وعين بسيطة، في وداعة وتواضع قلب، مع طلب نعمة الله لكي يفهم الحق بكل نقاء، مع صلاة بإيمان أن يُثمر الحق في القلب حسب مقاصد الله، وبذلك يستطيع كل واحد أن يغلب خطيئته وينتصر على أهواء نفسه، فتسري السعادة في قلبه ويصير مستعداً لملاقاة العريس في أي وقت لأنه صار صالحاً للمملكة السماوية آمين

إلهي إلهي لما تركتني، دراسة نصيّة تفسيريية مُبسطة.

إلهي إلهي لما تركتني

 

دراسة نصيّة تفسيريية مُبسطة ، للرد على الفكر الخاطيء في أسباب إختلاف قراءات هذا النص في المخطوطات ، ضمن سلسلة الرد على تفاهات إيرمان

 

شبهتنا اليوم عن الآية الواردة في بشارة معلمنا مرقس والأصحاح الخامس عشر والآية 34 ” وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «إِلُوِي إِلُوِي لَمَا شَبَقْتَنِي؟» (اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟) ” وسوف ندرسها من الجانب النصي من حيث أصوليتها من عدمه ولكن ليس هذا هو العامل الأساسي في البحث ، العامل الأساسي والذي ينصب عليه إهتمامي بالبحث هو الرد على الأسباب الواهية الغريبة التي اطلقها بارت إيرمان كأسباب إختلاف قراءات هذا النص في المخطوطات ، حيث انه تم التعديل فيه لأسباب لاهوتية ، وهذا هو الهدف من هذا البحث ، الرد على هذا الزعم الغريب ، وسأحاول ان ابسط كل شيء في هذا البحث لكي يتثنى للكل ان يصل لما اريد إيصاله بسهولة !

– لتحميل البحث –

كتاب نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي

كتاب نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي

كتاب نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي

كتاب نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي

تحميل الكتاب PDF

 

 

 

 

التفسير التطبيقي للكتاب المقدس

كتاب التفسير التطبيقي للكتاب المقدس

التفسير التطبيقي للكتاب المقدس

 لتحميل كتاب التفسير التطبيقي للكتاب المقدس  إضغط هنا

 

كتاب التفسير التطبيقي للكتاب المقدس

كتاب الاصطلاحان طبيعة و اقنوم في الكنيسة الاولي للقمص تادرس يعقوب ملطي

كتاب الاصطلاحان طبيعة و اقنوم في الكنيسة الاولي للقمص تادرس يعقوب ملطي          

كتاب الاصطلاحان طبيعة و اقنوم في الكنيسة الاولي للقمص تادرس يعقوب ملطي

كتاب الاصطلاحان طبيعة و اقنوم في الكنيسة الاولي للقمص تادرس يعقوب ملطي

 

يتحدث هذا الكتاب عن : المصطلحات اللاهوتيه – المعني العام لاصطلاح طبيعه – اصطلاح طبيعه في الكنيسه الاولي عند كتابات الابوكريفا و الاباء – الافكار الخريستولوجيه الاسكندرانيه و الانطاكيه – الاتحاد الاقنومي في التعليم السكندري – الطبيعه الواحده في التعليم السكندري – الطبيعتان حسب الانطاكيين – بعض الاصطلاحات اللاهوتيه – ………… و مواضيع اخري

 

لتحميل الكتاب إضغط هنا

 

 

Exit mobile version