المسيح في الإنجيل للقديس لوقا بحسب كيرلس الأسكندري

المسيح في الإنجيل للقديس لوقا بحسب كيرلس الأسكندري

المسيح في الإنجيل للقديس لوقا بحسب كيرلس الأسكندري

المسيح في الإنجيل للقديس لوقا بحسب كيرلس الأسكندري

المسيح في الإنجيل للقديس لوقا

بحسب تفسير القديس كيرلس الأسكندري[1] (1)

د. موريس تاوضروس

 

كيف ندرك سر المسيح [2] ؟

إنه من المستحيل أن ندرك معنى سر المسيح بالضبط إن كنا نستعمل لهذا الغرض عقلاً فاسدًا، وذهنًا ـ كما لو كان ـ غارقًا في النوم. فالأمر يحتاج بالحرى إلى عقل يقظ، وبصيرة ثاقبة، لأن الموضوع يصعب فهمه إلى أقصى درجة. لذلك نحن ننادي على أولئك الذين يريدون أن يفتشوا الكتب المقدسة، فنقول لهم: ” قوموا واستيقظوا” [3].

 

          على أن القديس كيرلس يوضح أن إدراك سر المسيح هو تعليم إلهي، فعندما اعترف بطرس بإيمانه، قال له الرب ـ بحسب ما ورد في الإنجيل للقديس متى ـ ” طوبي لك يا سمعان ابن يونا لأن لحمًا ودمًا لم يعلن لك، لكي أبي الذي في السموات” (مت17:16).

          ويعلق القديس كيرلس على ذلك فيقول: لذلك فالتلميذ تعلم حقًا من الله ـ وهو لم يجيء لنا بهذا الاعتراف بالإيمان من مجرد أفكاره الخاصة، بل بسبب أن النور الإلهي أشرق على ذهنه، وقاده الآب إلى معرفة صحيحة لسر المسيح[4].

 

          فليتنا ـ فيما يقول القديس كيرلس ـ نسأله الحكمة ونطلب الفهم، كي يمكننا أن ندرك معنى كلماته بالضبط، فهو الذي ” يكشف الأغوار في الظلام، ويخرج الأمور الخفية إلى النور (أي22:12) ويعطي الحكمة للعميان ويجعل نور الحق يضيء على أولئك الذين يحبونه، ومن بينهم نحن[5].

          إن لغة الكتاب الإلهية المُوحي بها دائمًا عميقة، فلا ينكشف معناها لمن عندهم مجرد رغبة فقط أن يفهموها، بل لأولئك الذين يعرفون أن يفحصوا أغوارها جيدًا، وقد اغتنوا بالنور الإلهي في ذهنهم، ذلك النور الذي بواسطته يبلغون إلى معنى الحقائق الخفية. لذلك فليتنا نطلب الفهم الذي يأتي من فوق، من الله، مع استنارة الروح القدس، حتى نبلغ إلى منهج سليم لا يخطئ. وبهذا المنهج يمكننا أن نرى الحق الذي تحويه كلمة الله[6].

 

ألوهية المسيح:

          نحن نؤمن بأن الابن الوحيد كلمة الله هو الله، وهو ابن الله بالطبيعة، وأنه غير مخلوق ولا مصنوع بل هو خالق الأشياء. وليس سموه هكذا فقط، بل هو بالحرى جوهريًا مع الآب عالٍ فوق الكل. ونحن نؤمن أن الكلمة، مع أنه هو الله فقد صار جسدًا أي إنسانًا، وليس أنه اصطحب معه إنسانًا في كرامة متساوية، كما يتجاسر البعض وينكرون ويقولون بأن كلمة الله الذي من الآب نعتبره ابنًا على حدة، أما الذي خرج من العذراء القديسة فهو آخر إلى جواره منفصلاً عنه وعلى حده. أما نحن فنوافق المبارك بولس إذ يقول: ” رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة” (أف5:4). فنحن لا نقسم غير المنقسم، ولكن نعترف بمسيح واحد: الكلمة الذي من الله الآب، الذي تجسد وصار إنسانًا، الذي تعبده الملائكة وتكرمه. ونحن أيضًا نسبحه معهم ونكلله بالمجد الإلهي، ليس كإنسان أصبح إلهًا، بل كإله صار إنسانًا.

 

          يكتب المغبوط بوحنا “ في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله ” (يو1:1)، فإن كان مخلوقًا فلابد أنه يكون له بداءة وجود، ولابد أنه قد كان هناك زمان سابق على وجوده، وكان لابد أيضًا من وجود زمان، لم يكن فيه الآب أبًا كما يدل اسمه، بل لم يكن على الإطلاق أبًا بالطبيعة، ولذلك تكون الكلمة أتت إلينا بشأنه غير صحيحة، وهكذا يصير أيضًا بالنسبة للابن، ويكون كلا الاثنين قد دُعيا هكذا كذبًا[7].

 

          قال السيد المسيح: ” لا أحد يعرف الابن إلاّ الآب ولا الآب إلاّ الابن ومن أراد الابن أن يعلن له“. فكيف تفكرون وقولون إنه أدني من الآب وهو الذي يقول: ” ليس أحد يعرف الابن إلاّ الآب فقط“، كأنكم تعرفون بالضبط من هو؟ ومع ذلك فكيف أن ذلك الذي يعرفه الآب فقط، لا يتعالي كثيرًا جدًا على قدرات الكلام ، تمامًا مثل الآب نفسه أيضًا الذي هو معروف من ابنه فقط؟ لأن الثالوث الواحد في الجوهر هو وحده الذي يعرف نفسه، إذ هو فائق جدًا على كل كلام وفهم. فكيف تقول أنت إذن إنه أدنى من الآب، بينما ترى أنه لا أحد يعرف من هو إلاّ الآب الذي وَلَده فقط؟.

 

          دعونا نرفع أنفسنا إلى فحص امتيازات الآب، وتلك الصفات التي تختص به كإله. فالله الآب بالطبيعة هو الحياة والنور والحكمة، ولكن الابن أيضًا بالمثل هو كذلك كما تشهد الكتب الإلهية المُوحي بها في مواضع كثيرة، فهو النور والحياة والحكمة. ولكن إن كان هو أدنى من الآب، يكون مديونًا له بهذه الصفات، وليس في صفة واحدة، بل في كل الخصائص التي تختص بجوهره. ولن يكون هو الحياة كاملة ولا النور كاملاً ولا الحكمة كاملة. وإن كان هذا صحيحًا؛ إذن يكون فيه شئ من الفساد، وشئ أيضًا من الظلام وأيضًا شئ من الجهالة. ثم إن الإنسان يُولد من الإنسان، وكل الأوصاف التي في جوهر أبيه تُوجد كلها في المولود. هكذا بالمثل بالنسبة لباقي الحيوانات، تنظمها قوانين طبيعتها الخاصة. فكيف إذن يكون لطبيعة الله الفائقة الكل أن تعاني ما لا تعانيه حتى نحن، ولا أي من الخلائق الأخرى[8].

 

          إن الابن يملك على الكل مع الله الآب، ولا يمكن أن يُضاف شئ إلى مجده الملوكي، كأن يُزاد له من الخارج، أو كأنه يعطى له بواسطة آخر، ولا أن ينمو معه مع مرور الزمن، لأن مجده الملوكي أشرق معه بلا بداية، فهو كائن منذ الأزل وما يزال كما كان. لذلك؛ فلأنه هو إله بالطبيعة وبالحق، فبالتالي ينبغي أن يكون كلي القدرة، وتكون هذه الخاصية هي له بلا بداية ولا نهاية، إذ يقول أيضًا واحد من الأنبياء القديسين ” الرب سيملك إلى الدهر والأبد” (خر18:15)، والمرنم الإلهي يتغنى قائلاً: ” ملكوتك ملكوت أبدي” (مز13:144س). وأيضًا   ” الله ملكنا قبل الدهور” (مز12:72س)، فإذا كان الله دائم الملوكية وكلي القدرة، فبأي معنى يقول أولئك الذين يدعون الله أبًا في توسلاتهم ” ليأت ملكوتك “. يبدو أنهم يريدون أن يروا المسيح مخلص الجميع ناهضًا مرة أخرى فوق العالم، لأنه سيأتي، نعم سيأتي وينزل كديان، ولكن ليس بعد في هيئة متواضعة مثلنا، ولا في وضاعة الطبيعة البشرية، ولكن في مجد كما يليق بالله، الذي يسكن في نور لا يُدنى منه (1تي12:6) ويأتي مع الملائكة. فهكذا قال هو نفسه في موضع ما: ” ابن الإنسان سيأتي في مجد أبيه مع ملائكته القديسين” (مت27:16).

 

          ويبرهن القديس كيرلس على ألوهية السيد المسيح من أنه يصنع المعجزة بقوته الذاتية، ففي حديثه عن شفاء المرأة التي بها روح ضعف (لو10:13ـ13) يقول: ” أتوسل إليك أن تلاحظ هنا أن المسيح مخلص العالم، لم يقدم أية صلاة، بل تمم الأمر بقوته الذاتية وشفاها بكلمة وبلمسة يده؛ لأنه بسبب كونه ربًا وإلهًا، أظهر أن جسده الخاص له فاعلية مساوية مع نفسه؛ لتحرير البشر من أمراضهم”[9].

 

          وبقوته الإلهية انتهر الأرواح النجسة (لو36،35:4)، فجعل المعجزة تحدث بعد كلماته مباشرة، وذلك حتى لا نسقط في عدم الإيمان. لقد صنع المعجزة دون أن يقدم صلاة، ولم يُسأل من أي أحد آخر أية قوة، لتتميم هذه المعجزات. ولكن إذ هو  نفسه كلمة الله الآب، الكلمة الحي الفعال الذي به توجد كل الأشياء، والذي فيه توجد كل الأشياء، فإنه بشخصه سحق الشيطان وأغلق الفم الدنس للشياطين النجسين[10].

 

          ويقول القديس كيرلس: إن المسيح لم يستعر القوة من آخر. إنه هو بالحرى الذي كان يعمل بقوته الخاصة. كان يعمل كإله ورب، وليس كشخص يشترك في نعمة إلهية. إن قوة المسيح للشفاء لم تكن قوة بشرية، بل هي قوة إلهية فائقة لا تُقاوم، لأنه هو الله وابن الله[11].

 

          وبالنسبة لصلة الآلام باللاهوت يقول:

          وأظن أنه من الضروري أن أُضيف لما قيل، إن أوجاع الحزن والكآبة لا يمكن إرجاعها إلى طبيعة الكلمة الإلهية التي هي غير قابلة للألم، لأنه من المستحيل أن تتألم، إذ أن هذه الطبيعة تعلو عن كل ألم. ولكننا نقول: إن الكلمة المتجسد شاء أن يُخضع نفسه إلى قياس الطبع البشري، بأن فرض على نفسه بأن يُقاس ما يخصه (أي الطبع البشري). وحيث إنه قيل إنه جاع، مع أنه الحياة وسبب الحياة والخبز الحي، وقيل إنه تعب من رحلة طويلة، مع أنه رب القوات، هكذا قيل أيضًا إنه حزن وبدا أنه قادر أن يتألم، لأنه لم يكن من المناسب أن هذا الذي أخضع نفسه للإخلاء، أن لا يشترك في معاناة الأمور البشرية. فكلمة الله الآب إذن هو خال تمامًا من كل ألم. ولكن بحكمة ولأجل التدبير، فإنه أخضع ذاته للضعف البشري، حتى لا يظهر إنه يرفض ما يتطلبه التدبير (تدبير الجسد). حقًا، إنه قد استسلم تمامًا للطاعة وللعوائد البشرية والنواميس، مع أنه ـ كما قلت ـ لا يحمل أي شئ من هذه الأمور في طبيعته الخاصة[12].

 

اتحاد الطبيعتين

          رأي القديس كيرلس في شريعة تطهير الأبرص، إشارة إلى سر المسيح. فالناموس يحدد بوضوح الطريقة التي تُعَلنْ بها طهارة الأبرص فيقول: هذه تكون شريعة الأبرص يوم طهره. يؤتى به إلى الكاهن. ويأمر الكاهن أن يُؤخذ للمتطهر عصفوران حيان طاهران، ويأمر الكاهن أن يُذبح العصفور الواحد في إناء خزف على ماء حي، أما العصفور الحي فإنه يغمسه في دم العصفور المذبوح على الماء الحي ويُرش على المتطهر من البرص سبع مرات فيطهره، ثم يُطلق العصفور الحي على وجه الصحراء (لا1:14ـ7). هذا المثال ـ فيما يقول القديس كيرلس ـ يمثل لنا السر العظيم والمُكرّم الذي لمخلصنا، لأن الكلمة من فوق، أي من الآب، من السماء، ولهذا السبب، من المناسب جدًا أن يُقارن بطائر. فرغم أنه نزل لأجل تدبير الخلاص ليأخذ شكلنا أي يأخذ صورة عبد، إلاّ أنه رغم ذاك كان من فوق، كما قال المسيح نفسه: “ أنتم من أسفل أما أنا فمن فوق” (يو3:8)، وقال أيضًا: ” ليس أحد صعد إلى السماء إلاّ ابن الإنسان الذي نزل من السماء” (يو13:3). فهو، حتى حينما صار جسدًا، أي إنسانًا كاملاً، لم يكن أرضيًا وليس مصنوعًا من طين مثلنا، بل كان سماويًا ويفوق الأشياء العالمية من جهة لاهوته. فيمكننا أن نرى إذن في العصفورين المقدمين في تطهير الأبرص، يمكننا أن نرى المسيح متألمًا بالجسد حسب الكتب، ولكنه يظل متعاليًا على الآلام. نراه مائتًا في طبيعته البشرية الإلهية، لأن الكلمة هو الحياة ” مُماتًا في الجسد، ولكن مُحيي في الروح” (1بط18:3). ورغم أن الكلمة لا يمكن أن يقبل آلام الموت في طبيعته الخاصة، إلاّ أنه ينسب إلى نفسه ما تألم به جسده. العصفور الحي اعتمد في دم العصفور الميت، وهكذا اصطبغ بالدم، وإذ صار مشتركًا فى الآلام، فإنه أُطلق حُرًا إلى الصحراء. وهكذا أيضًًا رجع كلمة الله الوحيد إلى السماء مع الجسد الذي اتحد به.

 

          فرغم أنه كان هناك عصفوران، إلاّ أن الذي كان يشير إليه العصفوران هو واحد فقط، كمتألم وكحُر من الآلام، كمائت وكمن هو فوق الموت. فإذ قيل إن العصفورين يشيران إلى ابنين وإلى مسيحيين، وأن كلمة الله الآب هو مسيح واحد بمفرده، وأن ذلك الذي جاء من نسل داود هو مسيح آخر، فإذا وجد حسب قولهم هذا، ابنان، فبالضرورة يكون هناك ربان، وإيمانان، ومعموديتان؛ بينما بحسب ما كتب القديس بولس هناك فقط: “رب واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة” (أف5:4). فنحن نعترف برب واحد، هو كلمة الله الوحيد المتجسد، غير فاصلين بين الناسوت واللاهوت، بل نؤكد بإخلاص، أن كلمة الله الآب صار هو إنسانًا في الوقت الذي استمر فيه إلهًا[13].

 

          حينما كان يشفي السيد المسيح المرضي، قيل ” جميع الذين كان عندهم مرضى بأنواع مختلفة، قدموهم إليه فوضع يده على كل واحد منهم فشفاه” (لو38:4)، وبهذا يوضح الإنجيل أن جسد بشريتنا المقدس الذي جعله جسدًا له وملأه بالقوة الإلهية، كان يمتلك الحضور الفعال لقدرة الكلمة، قاصدًا بذلك أن يعلمنا أنه رغم أن كلمة الله الوحيد قد صار مثلنا، إلاّ أنه بالرغم من ذلك، لا يزال إلهًا، ويستطيع بسهولة بواسطة جسده الخاص أن يتمم كل الأشياء، لأنه استخدم هذا الجسد كأداة لعمل المعجزات. ولا يوجد أي سبب للتعجب من هذا، بل على العكس، فيمكنكم أن تلاحظوا كيف أن النار عندما توضع في إناء نحاسي فإنها تنقل إلى الإناء قوة إنتاج تأثيرات الحرارة. هكذا أيضًا فإن كلمة الله الكلي القدرة، إذ قد وحَّد الهيكل الحي العاقل المأخوذ من العذراء القديسة مع نفسه اتحادًا حقيقيًا، فإنه ملأه بالقوة التي تظهر قدرته الإلهية بصورة فعالة. لذلك فلكي يُخجل اليهود فهو يقول: ” إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي. ولكن إن كنت أعمل فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال” (يو38،37:10). وبشهادة الحق نفسه هذه يمكننا أن نرى أن الابن الوحيد، لم يعط مجده “لإنسان” منفصل عنه وغيره هو نفسه، ويعتبر مولود المرأة. بل بالحرى إذ هو الابن الوحيد مع الجسد المقدس المتحد به، فإنه قد صنع المعجزات، وهو يُعبد أيضًا من خليقة الله [14]. 

          وعندما دخل الرب إلى بيت بطرس، وهناك كانت امرأة ممدودة على فراش مرهقة من حمى شديدة، وبدلاً من أن يقول كإله: ” اتركي المرض وقومي، ” فإنه سلك طريقًا آخر؛ فإنه لكي يبين أن جسده يملك قوة الشفاء لكونه جسد الله ” لمس يدها” (مت15:8)، ولذلك تركتها الحمى. فما أعظم فاعلية لمسة جسده المقدس، فإنها تطرد الأمراض من كل نوع، وتطرد جمعًا من الشياطين، وتطرح قوة إبليس عنا. وتشفي جمعًا كبيرًا من الناس في لحظة من الزمان. ورغم أنه يستطيع أن يعمل المعجزات بكلمة وبمجرد ميل إرادته، إلاّ أنه لكي يعلمنا شيئًا نافعًا فهو يضع يديه على المرضي أيضًا، لأنه كان لازمًا، بل ولازمًا جدًا لنا أن نتعلم أن الجسد المقدس الذي جعله جسده الخاص، كان مزودًا بفاعلية قوة الكلمة، بأن زرع فيه قوة إلهية. لذلك فلندعه يمسك بنا، أو بالحرى فلنمسك نحن به بواسطة الإفخارستيا السرية، لكي يحررنا من أمراض النفس ومن هجمات الشياطين وعنفهم[15].

 

          إن الطبائع التي اجتمعت إلى هذا الاتحاد الحقيقي، هي مع ذلك مختلفة عن بعضها، ولكن من الاثنين معًا (أي من الطبيعتين) هو واحد، أي الله الابن دون أن يضيع تمايز الطبيعتين بسبب الاتحاد. لأنه قد صار اتحاد من الطبيعتين، ولذلك فنحن نعترف بمسيح واحد، ابن واحد. ونحن بالإشارة إلى فكرة الاتحاد هذه بدون اختلاط، فإننا نعترف بالقديسة العذراء والدة الإله، لأن الله الكلمة أخذ جسدًا وصار إنسانًا، وبالحبل به في بطنها وجد الهيكل الذي اتخذه منها بنفسه. فإننا نري أن الطبيعتين ـ بواسطة اتحاد لا انفصال فيه ـ قد اجتمعتا معًا فيه، بدون اختلاط وبدون انقسام، لأن الجسد هو جسد وليس لاهوتًا، رغم أنه قد صار جسد الله، وبنفس الطريقة أيضًا، فإن الكلمة هو إله وليس جسدًا، رغم أنه بسبب التدبير قد جعل الجسد جسده. ولكن رغم أن الطبائع التي اجتمعت في تكوين الاتحاد، هي مختلفة إحداها عن الأخرى كما أنها غير متساوية بعضها مع بعض، إلاّ أن ذلك الذي تكون من الطبيعتين معًا هو واحد فقط. ونحن لا نفصل الرب الواحد يسوع المسيح إلى إنسان على حدة، وإله على حدة، بل نحن نؤكد أن المسيح يسوع هو واحد، وهو نفسه، معترفين بالتمايز بين الطبيعتين بدون أن نخلطها الواحدة مع الأخرى[16].

 

          لذلك فهو أقام ذاك الذي كان ذاهبًا إلى قبره. وطريقة إقامته كانت واضحة؛ لأن الإنجيلي يقول: ” لمس النعش وقال: أيها الشاب لك أقول قم“، ومع ذلك فكيف لم تكن كلمة منه كافية لإقامة الشاب الذي كان راقدًا في النعش. لأن أي شئ يكون صعبًا أو يعسر تحقيقه أمام كلمته؟! فما هو أكثر من كلمة الله؟. فلماذا إذن لم يتمم المعجزة بكلمة فقط؟. يا أحبائي إنه فعل هذا لكي تعرفوا أن جسد المسيح المقدس فيه فاعلية وقوة لخلاص الإنسان. لأن جسد الكلمة القدير هو جسد الحياة، وقد اكتسى بقدرته. بل لاحظوا كيف أن الحديد حينما يدخل في النار، ينتج تأثيرات النار ويحقق وظائفها. هكذا أيضًا، لأن الجسد صار جسد الكلمة الذي يعطي الحياة للكل، ولذلك صار له قوة إعطاء الحياة، وهو يلاشي تأثير الموت والاضمحلال[17].

1 أُلقيت هذه المحاضرة بالمركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية يوم 5 نوفمبر 2001م.

1 تعتمد هذه الدراسة على تفسير القديس كيرلس الأسكندري للإنجيل حسب القديس لوقا ـ ترجمة د. نصحي عبد الشهيد.

2  الجزء الثاني ص 29.

4 الجزء الثاني ص34.

5 الجزء الثاني ص 137.

6 الجزء الثالث ص 55.

7 الجزء الثاني ص120ـ123.

8 الجزء الثاني ص 137ـ141.

9 الجزء الرابع ص 20.

10 الجزء الأول ص104، 105.

11 الجزء الأول ص122.

12 الجزء الخامس ص 134.

13 الجزء الأول ص 118، 119.

14 الجزء الأول ص 107.

15 الجزء الأول ص 108.

16 الجزء الأول ص 27.

17 الجزء الأول ص 193.

المسيح في الإنجيل للقديس لوقا بحسب كيرلس الأسكندري

مسيح الله للقديس كيرلس الأسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مسيح الله للقديس كيرلس الأسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مسيح الله للقديس كيرلس الأسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

مسيح الله للقديس كيرلس الأسكندري – د. نصحى عبد الشهيد [1]

 

لو18:9ـ22 ” وفيما هو يصلى على انفراد، كان التلاميذ معه، فسألهم قائلاً، من تقول الجموع إنى أنا، فأجابوا وقالوا، البعض، يوحنا المعمدان. وآخرون إيليا. وآخرون أن نبيًا من القدماء قد قام. فقال لهم، وأنتم من تقولون إنى أنا ؟ فأجاب بطرس وقال، مسيح الله. فانتهرهم وأصى أن لا يقولوا ذلك لأحد، قائلاً، إنه ينبغى أن ابن الإنسان يتألم كثيرًا ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويُقتل وفى اليوم الثالث يقوم “.

 

حسنًا أن ننادى على أولئك الذين يريدون أن يفتشوا الكتب المقدسة قائلين لهم: ” قوموا، واستيقظوا “. لأنه من المستحيل أن ندرك معنى سر المسيح بالضبط إن كنا نستعمل لهذا الغرض عقلاً فاسدًا، وذهنًا ـ كما لو كان ـ غارقًا فى النوم. فالأمر يحتاج بالحرى إلى عقل يقظ، وبصيرة ثاقبة، لأن الموضوع يصعب فهمه إلى أقصى درجة وهذا ما يتضح الآن حينما وصل حديثنا إلى شرح هذا المقطع الذى أمامنا. لأنه ماذا يقول البشير ؟:

وفيما هو يصلى على انفراد، كان التلاميذ معه، فسألهم قائلاً، من تقول الجموع إنى أنا ؟ “.

والآن فإن أول شئ ينبغى أن نبحثه هو: ما الذى جعل ربنا يسوع المسيح يوجه هذا السؤال أو الاستفسار إلى الرسل القديسين. فلا كلمة من كلماته ولا عمل من أعماله تكون فى وقت غير ملائم أو بدون سبب مناسب، بل بالحرى هو يعمل كل الأشياء بحكمة وفى حينها. لذلك، فماذا نقول، وأى شرح مناسب نجده لأعماله الحاضرة ؟. لقد أطعم جمعًا كبيرًا من خمسة آلاف رجل فى البرية، وكيف أطعمهم ؟.

بخمس خبزات ! وكسر معها سمكتين إلى أجزاء صغيرة ! وهذه تكاثرت جدًا من لا شئ حتى أنهم رفعوا اثنتى عشر قفة من الكِسَر المتبقية. لذلك، فالتلاميذ المباركون والجموع أيضًا دُهشوا ورأوا بواسطة المعجزة التى أُجريت، أنه حقًا هو الله وابن الله. وفيما بعد، حينما انصرف عن الجموع، وكان هو على انفراد، وكان منشغلاً بالصلاة، وفى هذا أيضًا يجعل نفسه مثالاً لنا، أو بالحرى يُعلم التلاميذ كيف يؤدون بكفاءة واجب وظيفتهم كمعلمين.

لأنى اعتقد، أن هذا هو واجب أولئك الذين يقامون لرعاية الشعب، والذين نصيبهم أن يرشدوا قطعان المسيح، أن يشغلوا أنفسهم على الدوام بعملهم الضرورى، وبحرية يمارسون تلك الأمور التى يُسر بها الله جدًا، أى سلوك القداسة والفضيلة الذى ينال إعجابًا عظيمًا، وهو بالتأكيد ينفع الشعب الذى تحت إشرافهم. لأنه ينبغى إما أن ينشغلوا بنشاط فى تلك الواجبات التى هى لمجد الله، أو أنهم فى خلوتهم يحضرون لهم كل بركة، ويستنزلون عليهم قوة من الأعالى، وواحدة من هذه الأخيرة وهى الممتازة جدًا فوق الكل هى الصلاة، والتى عرّفها بولس الإلهى فقال “صلوا بلا انقطاع ” (1تس17:5).

وكما قلت حينئذ، فإن رب ومخلص الكل، جعل نفسه مثالاً للتلاميذ فى سيرة القداسة، بصلاته على انفراد مصطحبًا إياهم وحدهم فقط معه. ولكن عمله هذا ربما يسبب ارتباكًا للتلاميذ، ويولد فيهم أفكارًا خطرة. لأنهم رأوه يصلى بطريقة بشرية، وهو الذى نظروه بالأمس يعمل معجزات بكرامة تليق بالله. لذلك، فلا يكون بلا سبب لو أنهم قالوا فيما بينهم: آه، إنه سلوك غريب ! ماذا ينبغى أن نعتبره ؟ إلهًا أم إنسانًا ؟ فإن قلنا إنسانًا، ومثل واحد منا، أى مثل أحد الأنبياء القديسين، فإننا نرى من معجزاته الفائقة الوصف، التى يعملها، أنه يعلو على حدود الطبيعة البشرية علوًا كبيرًا، لأنه يعمل عجائب بطرق متنوعة، كإله. وإن قلنا هو الله فبالتأكيد كونه يصلى، فهذا لا يناسب من هو الله بالطبيعة. لأن من هو الذى يستطيع الله أن يسأل منه ما يريد أن يناله؟ وما هو الذى يمكن أن يكون الله فى حاجة إليه ؟

لذلك، فلكى يطرد مثل هذه الأفكار المربكة، ولكى يهدئ إيمانهم، الذى ـ كما لو كانت ـ تتقاذفه العاصفة، فإنه يسألهم هذا السؤال، ليس كأنه يجهل كلية كل ما كان يشاع عنه عمومًا، سواء من أولئك الذين لا ينتمون إلى مجمع اليهود، أو من الإسرائيليين أنفسهم، بل كان هدفه بالحرى أن ينقذهم من طريقة التفكير العامة، ويزرع فيهم إيمانًا صحيحًا. لذلك، سألهم ” من تقول الجموع إنى أنا ؟ “.

ها أنت ترى مهارة السؤال. فهو لم يقل مباشرة، ” من تقولون إنى أنا ؟ ” ولكنه يشير أولاً إلى ما أشاعه أولئك الذين هم من خارج، وبعد أن يدحض رأيهم، ويوضح أن رأيهم غير سليم، عندئذ يعود بهم إلى الرأى الحقيقى. وهذا ما حدث أيضًا، لأنه حينما قال التلاميذ: البعض يقولون إنك يوحنا المعمدان، وآخرون إيليا، وآخرون أن نبيًا من القدماء قد قام، فقال لهم وأنتم من تقولون إنى أنا ؟ آه ! كم هى مملوءة معانى تلك الـ ” أنتم ” !. فهو يفصلهم عن كل الآخرين، لكى يتحاشوا آراءهم، لكى لا يفكروا عنه فكرة غير جديرة به، ولا يضمرون أفكارًا مشوشة متذبذبة، أو يتخيلون أن يوحنا (المعمدان) أو أحد الأنبياء قد قام، لذلك يقول، ” وأنتم ” الذين تم اختياركم، ” وأنتم ” الذين ـ بقرارى ـ قد دُعيتم إلى الرسولية، ” أنتم ” شهود معجزاتى، ” من تقولون إنى أنا ؟ “.

أولاً، انطلق بطرس أيضًا، قبل الباقين، وجعل نفسه الناطق بلسان الجماعة كلها، وسكب تعبير المحبة لله، ونطق باعتراف صحيح وبلا عيب للإيمان به قائلاً: ” مسيح الله”. التلميذ هنا معصوم، وهو شارح للسر بذكاء وشمول. لأنه لم يقل مجرد أن (يسوع) هو مسيح الله، بل بالحرى ” المسيح “، لأنه يوجد كثيرون قد لٌقبوا بلقب ” مسيح “، بسبب أنهم قد مُسحوا من الله بطرق متنوعة. لأن البعض قد مُسحوا ملوكًا، والبعض انبياء، بينما آخرون قد نالوا الخلاص من ذلك ” المسيح ” الذى هو مخلص الجميع، بل نحن أنفسنا نحصل على لقب مسيح، لأننا قد مُسحنا بالروح القدس، لأنه مكتوب فى كلمات المرتل، عن أولئك القدماء، أى قبل مجىء مخلصنا: ” لا تمسوا مسحائى، ولا تسيئوا إلى أنبيائى ” (مز15:105). أما كلمات حبقوق فتشير إلينا: “ خرجت لخلاص شعبك، لتخلص مسحاءك ” (حبقوق13:3سبعينية).

لذلك فالمسحاء كثيرون، وقد دُعوا هكذا من حقيقة (أنهم قد مُسحوا)، أما الذى هو مسيح الله الآب فهو واحد، وواحد فقط، ليس كأننا نحن حقًا مسحاء ولسنا مسحاء الله بل ننتمى إلى شخص آخر، ولكن بسبب أنه هو، وهو وحده له ذلك، الذى فى السماء أبًا له. لذلك، حيث إن بطرس الحكيم جدًا، باعترافه بالإيمان ـ بصواب وبدون خطأ ـ قال: ” مسيح الله “. فواضح أنه بتمييزه إياه عن أولئك الذين يُطلق عليهم اللقب عمومًا، فإنه ينسبه [2] إلى الله، باعتباره مسيحه الوحيد. لأنه رغم كونه بالطبيعة الله وأشرق بطريقة لا يُنطق بها من الله الآب ككلمته الوحيد، إلاّ أنه صار جسدًا بحسب الكتاب. لذلك، فبطرس المبارك، اعترف بالإيمان به، وكما قلت سابقًا، عبر بكلماته عن كل جماعة الرسل القديسين، وقام بدور الناطق بلسانهم جميعًا، باعتباره أكثر دقة من الباقين.

وينبغى أن نلاحظ هذا أيضًا: أنه فى رواية متى نجد أن التلميذ المبارك قال، ” أنت هو المسيح ابن الله الحى ” (مت16:16)، ولكن الحكيم لوقا، إذ يلخص المعنى، فهو يتفق معه فى الأفكار، ولكنه يستعمل كلمات أقل، ويخبرنا أنه قال، ” مسيح الله “. وبالإضافة إلى ذلك، فلا يوجد ذكر هنا لما قاله له المخلص، أما فى متى أيضًا فإننا نجد أنه قال له بوضوح: ” طوبى لك يا سمعان ابن يونا، لأن لحمًا ودمًا لم يعلن لك، لكن أبى الذى فى السموات ” (مت17:16). لذلك فالتلميذ تعلم حقًا من الله، وهو لم يجىء لنا بهذا الاعتراف بالإيمان من مجرد أفكاره الخاصة، بل بسبب أن النور الإلهى أشرق على ذهنه، وقاده الآب إلى معرفة صحيحة لسر المسيح. لذلك، فماذا يقول أولئك المبتدعون[3] المخطئون، عن هذا، أولئك الذين يحرفون بلا لياقة السر العظيم والموقر جدًا، سر تجسد الابن الوحيد، ويسقطون من الطريق المستقيم، سائرين فى سبيل الإعوجاج؟.

لأن بطرس الحكيم اعترف بمسيح واحد، بينما هم يقسمون ذلك الواحد إلى اثنين، مضادين لتعاليم الحق. وهو يجيب[4] ويقول: ” ولكن التلميذ اعترف بمسيح واحد، وهكذا نحن أيضًا نؤكد أنه يوجد مسيح واحد، ونعنى به الابن، أى الكلمة الذى من الله الآب ” وبماذا نجيب على هذا إذن ؟ نقول، أليس واضحًا لكل واحد، أن المسيح لا يسأل الرسل، ماذا يقول الناس عن كلمة الله أنه هو ؟ بل من هو ابن الإنسان؟ وأنه هو الذى اعترف به بطرس أنه “مسيح الله”. دعهم أيضا يشرحون هذا لنا، كيف يكون اعتراف بطرس جديرًا بالإعجاب إن كان لا يحتوى على أى شئ عميق وخفى، وكما لو كان غير ظاهر لعامة الناس ؟ لأن ما الذى أعلنه له الله الآب بالحقيقة؟، هل أعلن له أن ابن الإنسان هو إنسان ؟ هل هذا هو السر المُعلن من الله ؟ هل لأجل هذا صار موضع إعجاب، ويُحسب أهلاً لمثل هذه الكرامات الفائقة ؟ لأنه هكذا خاطبه (الرب)، “طوبى لك يا سمعان بن يونا “.

ومع ذلك، فالسبب الذى لأجله نال هذا التطويب، هو سبب عادل تمامًا، وذلك لأنه آمن أن ذلك الذى رآه كواحد منا، أى على شبهنا، هو ابن الله الآب، الكلمة أى ذلك الذى صدر من جوهره، وتجسد وصار إنسانًا. أرجو أن تروا هنا، عمق الأفكار، وأهمية الإقرار (بالإيمان)، والسر العالى الخطير. لأن الذى كان هناك فى شبه البشر، وكجزء من الخليقة، هو الله الذى يفوق كل المخلوقات ويتجاوزها !. وهو الذى يسكن فى المكان العالى الرفيع، نزل من مجده ليكون فى فقر مثلنا ! والذى هو، كإله هو رب الكل، وملك الكل صار فى شكل عبد، وفى درجة عبد ! هذا هو الإيمان الذى يكلله المخلص، وهو يمد يده اليمنى السخية لأولئك الذين لهم هذا الفكر.

لأنه حينما مدح بطرس، وقال إنه تعلم من الله كمن قد حصل على إعلان من فوق، من الله الآب، فإنه جعله أكثر يقينًا، وأكثر تثبتًا بغزارة، فى الإيمان الذى قد اعترف به، وذلك بقوله: ” وأنا أقول لك، أنت صخرة، وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى.. وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات. كل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا فى السموات. وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً فى السموات” (مت19،18:16). لاحظوا كيف يجعل نفسه رب السموات ورب الأرض فى الوقت نفسه. لأنه يعد بأمور تفوق طبيعتنا، وتعلو على قياس البشرية، نعم، بل تعلو أيضًا فوق قياس الرتبة الملائكية، وتلك الطبيعة وحدها هى التى يليق بها أن تعطى، والتى مجدها وسيادتها تتفوق على الكل. لأنه، أولاً، يقول إن الكنيسة هى خاصة به، ومع ذلك فإن الكتب المقدسة تنسبها بالحرى بوضوح لله وحده، إذ تقول إنها “ كنيسة الله ” (1تى15:3) لأنها تقول إن المسيح أحضرها لنفسه بلا دنس ولا عيب.. بل بالحرى مقدسة وبلا لوم (أنظرأف27:5). لذلك، فلكونه الله، يقول إنها له، وفضلاً عن ذلك يعد أن يؤسسها، ويعطيها أن تكون غير متزعزعة إذ أنه هو نفسه رب القوات.

 

وبعد ذلك يقول إنه يعطيه مفاتيح السماء. من هو إذن ذلك الذى يفيض هكذا بالكلمات اللائقة بالله ؟ هل هو ملاك ؟ أو من أية قوات عقلية، سواء كانت رئاسات، أم عروش، أم ربوبيات ؟ أم أولئك السيرافيم المقدسين. ليس كذلك بالمرة، بل كما قلت سابقًا، مثل هذه اللغة إنما تخص الله الضابط الكل وحده، الذى له السيادة على الأرض وعلى السماء. إذن فليكف هؤلاء المبتدعين عن تقسيم المسيح الواحد، فيقولون إن كلمة الله الآب هو ابن واحد، وأن الذى من نسل داود هو ابن آخر. لأن بطرس ذكر مسيحًا واحدًا، الذى هو الابن الوحيد الذى تجسد وصار إنسانًا، فلأجل هذا الاعتراف حُسب أهلاً لهذه الكرامات غير العادية.

ومن جهة أخرى، حينما اعترف التلميذ بإيمانه، فإنه انتهرهم وأوصاهم أن لا يقولوا ذلك لأى إنسان، إذ يقول، ” لأن ابن الإنسان سوف يتألم كثيرًا، ويُرفض، ويُقتل، وفى اليوم الثالث يقوم “. ومع ذلك كيف لا يكون واجبًا على التلاميذ، بالحرى أن يبشروا فى كل مكان ؟ إذ أن هذا هو العمل نفسه الذى كُلف به أولئك الذين دعاهم إلى الرسولية. ولكن كما يقول الكتاب المقدس: “ لكل شئ وقت ” (جا1:3) فقد كانت هناك أمور لم تتم بعد، والتى ينبغى أن تكون ضمن محتويات كرازتهم به، مثل الصليب، والآلام، والموت بالجسد، والقيامة من الأموات، تلك الآية العظيمة والمجيدة حقًا التى بها تتم الشهادة له، أن عمانوئيل هو الله حقًا، وهو بالطبيعة ابن الله الآب.

لأنه أبطل الموت تمامًا، ولاشى الهلاك، وأتلف الجحيم، وهزم طغيان العدو، وأزال خطية العالم، وفتح الأبواب التى فوق للساكنين على الأرض، ووحد الأرض بالسماء، هذه الأشياء برهنت على أنه ـ كما قلت ـ هو الله بالحقيقة. لذلك أوصاهم أن يحفظوا السر بصمت ملائم، إلى أن تصل خطة التدبير الكاملة إلى خاتمة مناسبة. لأنه حينما قام من بين الأموات أعطاهم وصية أن السر ينبغى أن يُعلن لكل سكان الأرض، واضعين أمام كل إنسان التبرير بالإيمان والقوة المطَهِرة التى للمعمودية المقدسة. لأنه قال: ” دُفع إلىّ كل سلطان فى السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر ” (مت18:28ـ20). لأن المسيح معنا وهو فينا بالروح القدس، ويسكن فى نفوسنا جميعًا، الذى به ومعه لله الآب التسبيح والسيادة والكرامة مع الروح القدس، إلى دهر الدهور. آمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 القديس كيرلس الأسكندرى،تفسير إنجيل لوقا، عظة 49. ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، تفسير إنجيل لوقا (الجزء الثانى)، إصدار مركز دراسات الآباء بالقاهرة، القاهرة 1992 ص29ـ 37.

2 أى ينسب يسوع المسيح إلى الله الآب (المترجم).

3 يشير إلى نسطور وأتباعه.

4 يشير القديس كيرلس إلى نسطور فى جوابه على الرسالة التى أرسلها إليه والتى تحمل رقم 4. وقد تمت ترجمتها ونشرها فى كتاب ” رسائل القديس كيرلس إلى نسطور ويوحنا النطاكى ” يوليو 1988، مركز دراسات الآباء ؛ أما رسالة نسطور إلى القديس كيرلس التى يقتبس منها هنا ـ وهى تحمل رقم (5)، فقد تُرجمت عن اليونانية ونُشرت فى ” رسائل القديس كيرلس، الجزء الثانى ” يوليو 1989 ـ نشر مركز دراسات الآباء.

مسيح الله للقديس كيرلس الأسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من هو الرب عند المسيحيين؟ لماذا يؤمن المسيحيون بأن المسيح هو الله؟

من هو الرب عند المسيحيين؟ لماذا يؤمن المسيحيون بأن المسيح هو الله؟

من هو الرب عند المسيحيين؟ لماذا يؤمن المسيحيون بأن المسيح هو الله؟

في الواقع إذا رجعنا الى العهد الجديد سنجد أن تلاميذ المسيح وهم أصلا من اليهود المؤمنين بوحدانية الله امنوا بألوهية المسيح بمنتهى السهولة. هم كيهود عندهم الوصية الأولى في تثنية ٦ تقول (اسمع يا إسرائيل، الرب الهنا رب واحد) ومع ذلك امنوا بألوهية المسيح وأعلنوا ذلك. فبطرس أعلن أن المسيح ابن الله الحي.

في الواقع إذا رجعنا الى العهد الجديد سنجد أن تلاميذ المسيح وهم أصلا من اليهود المؤمنين بوحدانية الله امنوا بألوهية المسيح بمنتهى السهولة. هم كيهود عندهم الوصية الأولى في تثنية ٦ تقول (اسمع يا إسرائيل، الرب الهنا رب واحد) تث ٦:٤ ومع ذلك امنوا بألوهية المسيح وأعلنوا ذلك. فبطرس أعلن أن المسيح ابن الله الحي.

وتوما قال (ربي والهي) واستفانوس قال له (أيها الرب يسوع اقبل روحي) وبولس قال عنه انه الله حين تحدث الى قسوس كنيسة أفسس قائلا: (لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه) ألوهية المسيح إذن قد امن بها المسيحيون الأوائل ولا زلنا نؤمن جميعا بثقة ويقين انه هو الله. ولأسباب لذلك كثيرة اذكر بعضها

أولا: لأنه حمل لقب اسم (الله):

لقب المسيح باسم (الله) احدى عشرة مرة في العهد الجديد فيوحنا (1: 1) يقول (في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله) يوحنا 1: 1 وأيضًا (الكلمة صار جسدا وحل بيننا) يوحنا 1: 14

في تيطس نقرأ القول (منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح) تيطس 2: 23 فيسوع المسيح هو الله العظيم (المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلها مباركا الى الأبد آمين) رومية ٩:٥ ومتى يقول (يدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا) مت 1: 23 ويوحنا يضيف (ربي وإلهي) يو 20: 28.

ولقب المسيح بابن الله خمسين مرة في العهد الجديد، وهذا اللقب لا يعني التناسل، حاشا لان الله روح ولا مجال للتناسل في الروح. وهذا اللقب لا يعني أيضًا أسبقية الآب عن الابن وهذا يغاير البنوة في الجسد لأنه في حياة البشر لا يسمى الإنسان أبا إلا لحظة أن يولد له ابن. ابن الله إذا لا يعني تناسلا ولا يعني أسبقية في الزمن، ولكنه يعني الوحدة الكاملة بين الآب والابن، يعني المساواة المطلقة بينهما، ويعني التمثيل الحقيقي للاب في شخصية الابن.

  • لقب المسيح بالرب ٦٥٠ مرة في العهد الجديد، فهو رب المجد (لو عرفوا لما صلبوا رب المجد) ١كو 2: 8.
  • يسوع المسيح رب الأرباب (هؤلاء سيحاربون الخروف والخروف يغلبهم لأنه رب الأرباب وملك الملوك) رؤ 17: 14.
  • يسوع المسيح رب الكل (هذا هو رب الكل) أعمال الرسل 10:36
  • يسوع المسيح رب السبت (فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا) مت 8:12
  • لقب المسيح (أنا هو) وهو ذات لقب الله (يهوه): يطلق هذا اللقب على الله وحده كما جاء في خروج 14:3 وتثنية 39:32 وإشعياء 10:43

قد تكلم الرب يسوع عن نفسه بذات اللقب الأمر (بسلطان) الذي معه سقط المخاطبون به للوراء أمام جلال الذات الإلهية فيه يوحنا 6:18 & يوحنا 8: 24، 28، 58 & يوحنا 4: 26 ويوحنا 9: 37

ثانيًا: نؤمن أن المسيح هو الله، لان له الصفات التي تخص (الله) الذات الإلهية فقط:

يسوع المسيح كلي القدرة:

  • على المرض يشفيه (الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس) أعمال 10: 38
  • وعلى الطبيعة هدأ عاصفتها (فقام وانتهر الريح وتموج الماء فانتهيا وصار هدوء) لوقا 8: 24
  • وعلى الأرواح الشريرة طردها (فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان فشفى الغلام من تلك الساعة) متى 17: 18 
  • وعلى الموت إذ أقام الموتى (فقال أيها الشاب لك أقول قم) لوقا 7: 14 
  • وأقام نفسه (انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاث أيام أقيمه) يوحنا 2: 19.
  • يسوع المسيح كلي العلم، فهو موجود في كل مكان (لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم) مت 18: 20 أينما يكونون، في أي مكان في العالم
  • يسوع المسيح موجود في كل زمان (ها أنا معكم كل الأيام الى انقضاء الدهر) مت 20: 28
  • يسوع المسيح أزلي أبدي (أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء) رؤيا 1: 8 (كنت ميتا وها أنا حي الى ابد الأبدين) رؤ 1: 18.
  • يسوع المسيح لا يتغير (يسوع المسيح هو هو أمسًا واليوم والى الأبد) عبرانيين 13: 8.

ثالثًا: انه عمل أعمال تخص (الله) الذات الإلهية فقط:

  • يسوع المسيح أوجد الخليقة: (فانه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يرى وما لا يُرى … الكل به ولد وله قد خلق) كولوسي 1: 16
  • يسوع المسيح يحفظ الخليقة (حامل كل الأشياء بكل قدرته) عبرانيين ١:٣
  • يسوع المسيح يعطي الحياة (كما أن الآب يقيم الأموات ويحي كذلك الابن أيضًا يحي من يشاء) يوحنا 5: 21 وأيضًا (تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون) يو 5: 25
  • يسوع المسيح يغفر الخطايا ولا يغفر الخطايا إلا الله وحده (قال للمفلوج يا بني مغفورة لك خطاياك)٢٩ مرقس 2: 5 بينما الخطية أساسا ضد الله (إليك أخطأت والشر قدام عينيك صنعت) مز٥١ وهو غفر الخطية الموجهة الى الله لأنه هو الله
  • يسوع المسيح يعطي الخلاص (تدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم) متى 21:1
  • يسوع المسيح يعطي الروح القدس (هذا هو الذي يعمد بالروح القدس) يوحنا 33:1
  • يسوع المسيح هو الديان: (الرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات)2 تيموثاوس 1:4

رابعًا: انه أقر بنفسه أنه معادلا لله:

شهد المسيح قائلا (أنا والآب واحد) يوحنا 10: 30 وأيضًا (قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن) يوحنا 58:8 وكلمة أنا كائن هي أهيه وهو اسم الله بحسب (خروج 3: 14). وفي سفر الرؤيا قال المسيح (أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء)٣٦ رؤيا 1: 18 وقال أيضًا (أنا هو الأول والآخر) رؤيا ٣٧ ١-١٧وهي صفة لا يتصف بها إلا الله كما نقرأ في سفر إشعياء (هكذا يقول الرب ملك إسرائيل وفاديه رب الجنود. أنا الأول والآخر ولا إله غيري) إشعياء ٣٨ ٤٤-٦

حين يقول (تعالوا الي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم) ٣٩ متى 11: 38 أو حين يقول (أنا هو القيامة والحياة) يوحنا 11: 2 (أنا هو الحق) (أنا هو خبز الحياة) يوحنا 6: 35 (أنا هو الطريق والحق والحياة) يوحنا 6: 14 (أنا هو الباب) يوحنا 9:10 فكل هذه الأقوال لا يقوى على قولها إلا الله.

فاذا لم يكن المسيح هو الله بينما نسب الى نفسه الألوهية فهو لابد أن يكون مجنونا أو محتالا وهو طبعا ليس كذلك ولا يستطيع أحد حتى من أعدائه أن يتهمه بذلك. إذا لم يبق إلا أن يكون هو الله فعلا وحقا.

خامسًا: انه الوحيد المعصوم من الخطأ: وقد شهد بذلك أعداؤه أيضًا قبل أصدقائه.

  • زوجة بيلاطس قالت لزوجها (إياك وذلك البار) مت٤٤ ٢٧-١٩
  • بيلاطس نفسه قال (إني لا أجد علة في هذا الإنسان) لوقا ٤٥ ٢٣ -٤
  • قائد المئة قال (حقا كان هذا الإنسان ابن الله) مرقس ٤٦ ١٥-٣٩
  • هو نفسه تحدى العالم كل فقال (من منكم يبكتني على خطية) يوحنا 8: 46.
  • (هو الذي لم يعرف خطية) ٢كورنثوس 21:5
  • (الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر) بطرس الأولى 2: 22.

سادسًا: تحققت فيه النبوات المتعلقة به، والتي جاءت في العهد القديم:

  • نبوات عن ميلاده من عذراء (إشعياء ٧: ١٤)
  • نبوات عن ميلاده في بيت لحم (ميخا ٥: ٢)
  • عن دخوله أورشليم على جحش (زكريا ٩: ٩)
  • عن صلبه بين لصين (اشعياء٥٣: ١٢)
  • عن موته ودفنه في قبر مستعار (إشعياء ٥٣: ٩)
  • عن قيامته (هو ٦: ٢)

كل هذه النبوات تحققت بحذافيرها فيه، وقد قيلت قبل أن يأتي بمئات السنين، ألا يحق لنا أن نؤمن به الهًا؟

سابعًا: تحققت وتتحقق نبواته هو:

ولقد أعطانا علامات تنبا بها عن نهاية العالم ن ونراها تتم في وسطنا وأمامنا كل يوم لتؤكد لنا انه هو الله الذي يعرف النهاية قبل أن تأتي، الذي يعرف الزمن كله لأنه أكبر من الزمن.

ميلاده العذري، معجزاته الخارقة، قيامته الإعجازية، كل هذه تؤكد لنا ألوهيته، هو الله الذي ظهر في الجسد وقد جاء إلينا في الجسد باحثاً عنا. فدعونا نأتي إليه، دعونا نؤمن به إلهاً نسلطه على حياتنا ونخضع له ونتبعه حيثما يقودنا.

آمين

إعداد: الدكتور مفيد إبراهيم سعيد

من هو الرب عند المسيحيين؟ لماذا يؤمن المسيحيون بأن المسيح هو الله؟

Exit mobile version