أبحاث

الكتابة والعهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط

الكتابة والعهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط

الكتابة والعهد القديم - القمص عبد المسيح بسيط
الكتابة والعهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط

الكتابة والعهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط

عن كتاب:  التوراة كيف كتبت وكيف وصلت إلينا؟ للقمص عبد المسيح بسيط

1- الكتابة قبل التوراة

1- تاريخ الكتابة :

ترجع أقدم نصوص وصلت إلينا باللغة المسمارية واللغة الهيروغليفية إلى ما قبل سنة 3000 ق.م.، فقد وجدت فى مدينة أوروكا، اركا حاليا (آرك فى تكوين 10:10) بالعراق، ألواح طينية مسمارية ترجع إلى سنة 3500 ق.م. وهى عبارة عن رسوم وصور، كما اكتشفت الهيروغليفية المصرية، والتى كانت تتكون من الكتابة التصويرية والهجائية وعناصر صوتية مقطعية، فى مناطق كثيرة بمصر وترجع إلى الألف الرابع قبل الميلاد.

وقد تطورت اللغة الصورية المرسومة إلى حروف هجائية (ألف باء) فى الفترة من 2000 إلى 1500 ق.م. حتى أنه فى سنة 1500 ق.م. كانت هذه الكتابة منتشرة وشائعة الاستخدام فى سوريا وفلسطين. وقد أخذت فى الأصل عن الهيروغليفية وقد وجدت أقدم كتابة بالحروف الهجائية فى سرا بيت الخادم فى سيناء كتبها ساميون آسيويون كانوا يعملون فى أحد المناجم هناك وترجع إلى حوالى 1800 ق.م.

كما وجد فى تل عيد دوير (لافيش، يش 3:10) بالقرب من أورشليم كتابة بالحروف الهجائية منها نقش على خنجر يعود تاريخه إلى حوالى 1600 ق.م. كما اكتشفت كتابة بالحروف الهجائية أيضا فى رأس شمرا، أو غاريت القديمة فى شمال سوريا ترجع إلى سنة 1400 ق.م.، ووجد نقش ملكى للملك شافاط بعل ملك جيبال (بيبلوس) يرجع إلى سنة 1600 ق.م.

ثم نقل الفينيفيون هذه الحروف إلى الإغريق الذى أضافوا إليها الحروف المتحركة إذ كانت قاصرة على الحروف الساكنة وغيروا اتجاه كتابتها من اليمين إلى الشمال ثم انتشرت عنهم بعد ذلك.

2- المواد التى كان يكتب عليها:

 الأحجار:

كانت الكتابة قديماً تكتب بالحفر أو النقش على الصخور والأحجار فى المبانى وقواعد التماثيل وعلى ألواح حجرية أيضا أو على أوانى حجرية.

 الخزف:

وكانت النقوش تحفر أو تدهن أو تختم على الخزف قبل حرقه، وقد وجدت نقوش على كسر خزفية فى مصر وسوريا والعراق وفلسطين.

 الأسطح الجبسية :

كانت تطلى بعض الأحجار بالجبس وينقش عليها، وقد وجد فى تل دير ايلا بالأردن نقش آرامي طويل بالحبر الأحمر يرجع إلى سنة 700 ق.م.

 المعادن (البرونز والفضة والذهب والرصاص) :

مثل التماثيل والأوانى والعملات المالية والحلى وأحياناً الأدراج والتى كانت الكتابة تخفر عليها.

 العاج :

كانت تصنع ألواح من العاج ويطلى سطحها بالشمع ثم يكتب عليها.

 الخشب :

وكانت تصنع أيضا ألواح من الخشب ويطلى سطحها بالشمع ويكتب عليها مثل ألواح العاج بآلة حادة. وكانت هذه الألواح منشرة فى مصر.

 الطين :

وكان السومريون يصنعون ألواح من الطين ويكتبون عليها وهى طرية ثم تجف وتحرق بعد ذلك. وقد وجدت فرن فى أوغاريت لحرق ألواح الطين ترجع إلى سنة 1200 ق.م. وبداخلها بعض ألواح لم تحرق بعد.

 ورق البردى Papyrus :

كان يستخرج من نبات البردى بمصر وتصنع منه لفائف طويلة بلصق صفاته معاً وتوجد منه لفائف ترجع إلى سنة 2700 ق.م. وكان قد صنع قبل ذلك بمئات السنين، وكان يصدر إلى مدينة جوبلا الفينيقية. ومن هناك يعاد تصديره إلى اليونان فى الألف الثانى ق.م. وقد عاش تحت ظروف مناخية مناسبة وكان يمكن الكتابة عليه أكثر من مرة بإزالة الكتابة القديمة.

 الجلد والرقوق :

استخدم البشر الجلد بصفة عامة حوالى سنة 4000 ق.م. وقد استخدم للكتابة عليه فى مصر وآسيا الغربية. وكانت تستخدم هذه الجلود بعد معالجتها معالجة خاصة لتصبح رفيعة ومتينة تخيط صفحاتها معا لتكون لفائف أو أدراج طويلة مثل لفائف البردى.

النسيج :

كتبت بعض النصوص قديماً على الكتان الذى كانت تلف عليه مومياوات قدماء المصريين ويوجد منه نص الآن فى متحف زغرب فى يوغسلافيا.

3- أدوات الكتابة وأشكال النصوص المكتوبة :

كان يكتب على الألواح الطينية الطرية أو الجافة والدرج الذى هو عبارة عن لفة طويلة سواء المصنوع من ورق البردى أو الجلد وكان يلف على قضيب من خشب أو على قضيبين من جهتى الدرج وكان يكتب على الأدراج فى الأغلب على وجه واحد وعادة فى أعمدة متجاورة. وكان يربط لوحين من الخشب أو العاج معاً ثم صنع الأقباط الكتاب بشكله الحالى فى القرون الأولى للمسيحية.

واستخدمت آلات حادة مدببة للكتابة بها، بالحفر والنقش، على الحجر أو الخزف أو المعادن وكانت هذه الآلات من الحديد أو البرونز أو الرصاص. واستخدمت أيضا آلات (أقلام) من الخشب أو القصب للكتابة بها على ألواح الطين.

واستخدمت الفرش أيضا للكتابة أو النقش أو الرسم بالسوائل، وكانت تصنع من نبات الاسل وكان ينقش بها على الأوانى قبل الحرق. واستخدمت أقلام القصب أيضا للكتابة بالحبر الأسود والأحمر. واستخدم ريش الطيور فى بداية العصور الوسطى كأقلام للكتابة بالحبر.

واستخدمت الأختام أيضا ولكن بصورة محدودة، فى إسرائيل القديمة، لختم الأوانى الخزفية التى كانت تحتوى على زيت أو خمر.

وكان يستخدم الحبر الأسود المصنوع من الكربون المخلوط بالصمغ والحبر الأحمر الذى كان يصنع من أوكسيد الحديد أو من لون المغرة للكتابة على ورق البردى والجلد والأسطح الملساء.

وكانت الأحبار توضع، عند قدماء المصريين، فى لوحات خشبية ذات تجويفين واحد للحبر الأسود والآخر للحبر الأحمر، كما استخدمت الدواة أيضا. وقد وجدت أوانى حجرية للحبر فى خربة قمران شبيهة بأوانى الحبر التى استخدمت فى عصور الرومان.

ب- الكتابة فى العهد القديم

1- اللغة العبرية وتاريخها :

اللغة العبرية هى إحدى اللغات السامية التى ترجع إلى سام بن نوح (تك 21:10،22)، وهى من أقدم اللغات فى العالم ويرجع تاريخها إلى ما قبل سنة 2000 ق.م. وأقدم إشارة لاستخدام هذه اللغة وردت فى تكوين 47:31 إذ يدعو لابان خال يعقوب كومة من الحجارة (رجمة) باللغة الأرامية “يجر سهدوثا” بينما يدعوه يعقوب بالعبرية “جلعيد”، وهذا الحدث يرجع إلى حوالى سنة 1950 ق.م. ودعيت هذه اللغة فى 1ملوك 26:18 بـ “لغة يهوذا” أى بعد يعقوب بحوالى 1000 سنة كما دعيت فى أشعياء 18:19 بـ “لغة كنعان” ودعيه فى مقدمة يشوع بن سيراخ (130 ق.م.) بـ “اللغة العبرية”.

وأقدم كتابة وصلتنا باللغة العبرية هى التوراة، أسفار موسى الخمسة، ولم يصلنا أى شئ مما كتبه العبرانيون سواء قبل موسى أو بعده سوى العهد القديم. أما أقدم النقوش العبرية خارج العهد القديم والتى وصلتنا هى كالآتى :

 نقش عزبة سارتة، الذى أكتشف سنة 1976 م ويرجع إلى ما قبل سنة 1000 ق.م. ويحتوى على حوالى 80 حرفاً.

تقويم جيزر ويرجع إلى سنة 925 ق.م. ويذكر قائمة بالمعنى الزراعى لشهور السنة المتعاقبة ومكتوب بالنقش العبرى القديم.

 نقوش كونتلة عجرود بسيناء التى اكتشفت سنة 1976 م وهى عبارة عن 70 نقشاً عبرياً وفينيقياً وترجع إلى ما بين سنة 850 و 750 ق.م.

 نقوش سلوام وترجع إلى سنة 705 ق.م.

عامود السامرة والذى يؤرخ بيربعام الثانى حوالى 770 ق.م.

خطابات لاخيش وترجع إلى سنة 587 ق.م.،  وهى عبارة عن اتصالات لقاعدة أمامية إلى قيادتها. وهى تبين الطريقة التى كانت تتهجى بها اللغة فى تلك العصور.

 لفائف ومخطوطات البحر الميت والتى ترجع إلى القرون الثلاثة قبل الميلاد.

2- اللغة العبرية حروفها ومفرداتها :

تتكون اللغة العبرية من 22 حرفاً ساكناً وكانت حتى سنة 1000 ق.م. تكتب بحروف ساكنة فقط بون الحروف المتحركة (a – e – I – o – u) وكان القارئ يدرك النطق الصحيح ويضع الحروف المتحركة من الذاكرة تقليديا، خاصة وأن أكثر الناس قراءة كانوا هم الأنبياء والكهنة والكتبة. وحوالى سنة 900 ق.م. بدأ الكتبة يستخدمون الحروف “هيه، واو، يودا” والتى تساوى “هـ، و، ى” بالعبرية، كحروف نصف ساكنة، فقد استخدما “هيه” فى آخر الكلمة لتنطق همزة “ء” وأحيانا واو قصيرة.

وحوالى سنة 600 ق.م. استخدمت هذه الحروف الثلاثة كحروف متحركة. وفى الفترة من 500 إلى 1000 م ميز الماسوريين 14 صوتاً متحركاً ثم وضعوا حركات الفتح والكسر والضم والسكون.

وتأخذ مفردات اللغة العبرية من المصدر الذى تشتق منه الأفعال والصفات والأسماء .. الخ. ويتكون كل مصدر من ئلائة حروف ساكنة مثل ” ك ت ب” الذى يشتق منها مثلاً “كتب ـ Katab” أى ينقش أو ينحت و “مكتاب ـ Miktab” و”كتاب ـ Ketab” أى كتابة. وهى تضم حوالى 1800 مصدر منهم حوالى 30 مصدر من أربعة حروف والباقى كله من ثلاثة حروف. وتضم مفردات اللغة العبرية بحسب ما جاء فى فهرس سترونج 8674 كلمة، منها، كما يحسب الينوجين 146 كلمة أو أقل من 2% كلمات دخيلة.

جاء 50% من هذه الكلمات من اللغة الآكادية، أقرب اللغات السامية إلى العبرية، والتى تضم كلمات من أصل سومرى، و22% من اللغة المصرية القديمة، و18% من الفارسية، 10% من أصل يونانى وهندى، إلى جانب 268 آية بالآرامية الرسمية أو الإمبراطورية جاءت فى (دا 4:2؛ 28:7؛ عز 8:4؛ 18:6؛ أر 11:10).

وبعد السبى البابلى فقدت اللغة العبرية مكانها كلغة حديث وحلت محلها اللغة الآرامية التى كانت سائدة فى المنطقة، ولكن ظلت اللغة العبرية حية فى العهد القديم كاللغة المقدسة ولغة الأدب. وكان ذلك نتيجة لنقل الطبقة المتعلمة إلى بابل فى بداية السبى البابلى وهروب البعض إلى مصر واستيعاب البقية التى ظلت فى الأرض واختلطت بالشعوب المجاورة للغة الآرامية حتى أنه عندما عاد نحميا إلى أورشليم سنة 432 ق.م.

وجد اليهود يتكلمون لغة مهجنة “نصف كلام بينهم باللسان الأشدودى ولم يكونوا يحسنوا الكلام باللسان اليهودى، (نح 23:13)، فاضطر عزرا الكاتب ورفاقه من قراءة الشريعة، كما هى، باللغة العبرية وترجمتها شفويا للشعب باللغة الآرامية “فسروا المعنى وأفهموهم القراءة” (نح 8:9). وحوالى سنة 200 ق.م. تبنت اللغة العبرية، تحت تأثير الآرامية، الخط المربع أو الحروف المربعة فى الكتابة بدلا من الخط العبرى القديم، وهى الحروف التى لازالت مستخدمة حتى اليوم فى الأدب العبرى إلى جانب العهد القديم.

وكان لغة، كان هناك تنوع فى اللهجات يبدأ أول ذكر له فى سفر القضاة، فمثلاً نطق الأفرايميون كلمة “سبولت” والتى تعنى “سيل المياه” (أش 12:27؛ مز 2:69، 15) هكذا بينما كان الجلعاديين ينطقونها “شبولت” (قض 6:12). ويرى بعض العلماء أن سفر أيوب مكتوب بلهجة تختلف عن العبرية التقليدية.

3- الكتابة والأدوات الكتابية فى العهد القديم :

استخدم العهد القديم كلمة “كتب ـ Katab” من المصدر “ك ت ب” والذى يعنى فى الآرامية والعبرية “ينحت، ينقش” والذى يرادفها فى اليونانية “جرافو ـ Grapho” وذلك للكتابة على الأسطح الصلبة بقلم حاد وأيضا للكتابة على بالحبر على ورق البردى والجلد والرقوق. ويشتق من الفعل “ك ت ب” الأسمين “كتاب” و”ميكتاب” ويعنيان “كتابة ـ Writing”.

أ- طرق الكتابة :

كان موسى النبى، الذى تربى فى مصر وتعلم بكل حكمة المصريين بل وعاش كل حياته فى مصر وسيناء، وكذلك بنى إسرائيل الخارجين معه من مصر، يعرفون كل مواد الكتابة التى كان يستخدمها المصريون وأهمها الكتابة على ورق البردى. ولذا يذكر العهد القديم أنهم استخدموا هذه المواد فى كتابة الوحى الإلهى، فقد كتبت الوصايا العشر على لوحين من الحجارة (خر32) وكتبت الشريعة على أحجار مطلية بالجبس (تث 2:27-4).

كما كتبوا على الألواح “خذ لنفسك لوحا كبيراً واكتب عليه بقلم” (أش 1:8) واستخدم القلم المصنوع من القصب (حز 1:45) والمصنوع من الرصاص (أى 24:19) والحديد (أر 1:17) وكتبوا بالحبر (أر 18:36) وعلى ألواح من خشب أو ورق البردى كما يذكر سفر عزدراس الأبوكريفى (2عز 24:14).

ب- الكتاب :

استخدم العهد القديم كلمة “سفر ـ Selpher” العبرية بمعنى كتاب أى وثيقة مكتوبة مثل، كتاب طلاق (تث 3:24، أش 1:50)، قائمة أنساب (نح 5:7)، أو سجل تاريخى (1مل 4:11)، أو كتاب أعمال الإنسان (ملا 6:3) .. الخ. وأهم كتاب كان هو “سفر توراة موسى” (يش 31:8)، أو “سفر الناموس” (تث 61:28) أو “سفر التوراة” (يش 34:8)، أو “سفر شريعة الله” (يش 26:24)، أو “كتاب موسى” (نح 1:13). ثم بقية كتب العهد القديم (2مك 32:2؛ 2أخ 11:16؛ 25:35). كما استخدمت الكلمةاليوناينة “بيبلون ـ biblion” للأسفار المكتوبة باليونانية (1مكابيين 56:1،57؛ طوبيت 12:7،13).

جـ- الدرج :

وهو بالعبرية “ميجيلا ـ megilla” أى شئ يلف (أر 36). وكانت تستخدم أوراق البردى أو الجلود (الرقوق 2تى 13:4) فى صنع الأدراج. وقد ورد ذكر الدرج فى (أر 36؛ مز 7:40؛ حز 9:2؛ زك 21:5). وكانت الكتابة عادة تكتب على جانب واحد على اللوح أو الدرج أو أى سطح يكتب عليه ونادراً ما كان يكتب على الجانبين مثل لوحى الشهادة (خر 5:32). وكان الكاتب يكتب بنفسه أو يملى على أحد تلاميذه مثل أرمياء النبى الذى كان يملى على تلميذه باروخ (أر 36).

فهرس الكتاب:

الكتابة والعهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط