مواضيع عاجلة

الاعتراضات على كتابة موسى للتوراة .. والرد عليها – القمص عبد المسيح بسيط

الاعتراضات على كتابة موسى للتوراة .. والرد عليها – القمص

الاعتراضات على كتابة موسى للتوراة .. والرد عليها - القمص عبد المسيح بسيط
الاعتراضات على كتابة موسى للتوراة .. والرد عليها – القمص

الاعتراضات على كتابة موسى للتوراة .. والرد عليها – القمص

عن كتاب:   كيف كتبت وكيف وصلت إلينا؟ للقمص

نسب النقاد الماديون كتابة لا لموسى النبى بل لكاتب عبقرى، كما زعموا، متأخر، وافترضوا أنه وجد فى زمن الملك شاول (1053ق.م.) أو داود (1000ق.م.) أو سليمان (950ق.م.)، أو فى زمن الملك الصالح يوشيا (640ق.م.)، أو فى الفترة التى سبقت السبى إلى بابل (586ق.م.)، أو فى أثناء السبى البابلى (586-538ق.م.)، أو فى زمن عزرا الكاتب والكاهن فى القرن الخامس ق.م. … الخ. كما زعموا أن هذا الكاتب، المزعوم، كان بين يديه سجلات قديمة جاءت من أزمنة بدائية، يرجع بعضها إلى موسى النبى نفسه، ألف منها الحالية. وكان لكل واحد أو مجموعة من هؤلاء النقاد نظرياتهم وافتراضاتهم التى بنيت على أساس نظرى وعلى مجرد الاستنتاج، والتى بينا بطلانها فى الفصل التاسع.

وقد تصور هؤلاء النقاد أن بعض آيات ونصوص ، التفسيرية، تؤيد وجهة نظرهم.

وهذه اعتراضاتهم واهم النصوص والآيات التى اعتمدوا عليها وردنا العلمى عليها :

1- الاعتراض الأول : افتراض مصادر متنوعة للتوراة :

زعموا أن كتبت من مصادر متنوعة على رأسها المصدر “الايلوهيمى” الذى يستخدم اسم الله “ايلوهم” والمصدر “اليهودى” الذى يستخدم اسم الله “يهوه” ثم المصدر “الكهنوتى” والمصدر “التثنوى” إلى جانب مذكرات وجزئيات صغيرة كثيرة !! وزعموا أن تحتوى على روايات متعددة لنفس الحدث الواحد، وروايات متناقضة إلى جانب وجود اختلاف فى اللغة والأفكار, وهذا الزعم، عمليا وأثريا وتاريخيا ودينيا وباطل من أساسه، للأسباب التالية :

  • أثبتت الدراسات الأثرية والتاريخية الحديثة، فى الشرق الأدنى، أن هذا الأسلوب، المزعوم، فى كتابة لا مثيل له فى أدب تلك العصور سواء الدينى أو غير الدينى. كما أثبت اكتشاف الألواح الطينية، والتى ترجع إلى زمن إبراهيم، أن قصص الخليقة والطوفان وبرج بابل التى وردت بها والتى تقترب مع ما جاء فى بصورة إعجازية بطلان نظرية المصادر المتعددة.
  • كما أن افتراضات ونظريات المصادر هى مجرد افتراضات استنتاجيه بنيت على مجرد الافتراض والظن بدون سند أو دليل واقعى أو منطقى سواء من التاريخ أو التقليد أو الآثار أو الإيمان الذين اجمعوا على أن موسى النبى هو كاتب . وهذه الافتراضات والنظريات متعارضة ومتناقضة للدرجة التى تؤدى إلى رفضها جميعا. إذ لا يعقل أن نترك الحق الظاهر ونجرى وراء أوهام.
  • ويستحيل أن نتصور أنه كان لدى الكاتب مصادر عديدة وضعها فى أعمدة متجاورة ثم خلطها أو دمجها معا بمساعدة زيادات أخرى اخترعها ذاتيا ليكون بذلك رواية واحدة !! فهذا لا يتصوره إلا خيال الناقد فقط ولم يحدث بل ويستحيل أن يحدث فى الواقع. وعند النظر إلى ما حاول النقاد أن يصوروا أنها مصادر متعددة، نجد أن كل ما تصوروا أنه مصدر يكون رواية مستقلة، غير كامل وناقص وغير واضح المعانى وأن هناك حذفا فى الأقسام الجوهرية وفجوات لا يمكن تفسيرها والحدث فاقد الاستمرارية وبه أحداث تظهر بلا تعليل أو منطق. والمثال التالى للمصدر الايلوهى الذى تصوره النقاد فى خروج 20:13؛ 31:14 يوضح لنا ذلك :

“فلما أخبر ملك مصر أن الشعب قد هرب … وأخذ ست مائة مركبة ممتازة وجميع مراكب مصر وعلى كل منها ضابط … رفع بنى إسرائيل عيونهم فإذا المصريين ساعون وراءهم فخافوا جدا … وقالوا لموسى أمن عدم القبور فى مصر أتيت بنا لنموت فى البرية. ماذا صنعت بنا فأخرجتنا من مصر. أليس هذا ما كلمناك به فى مصر قائلين دعنا نخدم المصريين فإنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت فى البرية … ما بالك تصرخ إلى؟ … فأنتقل ملاك الرب السائر أمام عسكر إسرائيل فسار وراءهم … فكان الغمام مظلما من هنا وكان من هناك ينير الليل … وعطل دواليب المراكب فساقوها بشدة … ورأى إسرائيل المصريين أمواتا على شاطئ البحر …”.

فالجزء الأخير، على الأقل، من هذه الرواية ناقص وأحداثه غير مفهومة ومبهمة فلا نعرف من هو قائل “ما بالك تصرخ إلى؟!” ولا لمن قيلت؟! ولا دواليب من التى عطلت؟! ولا كيف وجد المصريين أمواتا ولا كيف ولا أين ماتوا؟!

ومما يدل على استحالة وبطلان هذه الافتراضات والنظريات هو الرسومات الإيضاحية التى تشبه اللوغاريتمات التي يحاول النقاد استخدامها لتصوير كيفية تكون رواية واحدة من مصادر عديدة فى عصور أتسم أسلوب كتابتها بالبساطة كما أجمع العديد من العلماء على أن بساطة أسلوب التوراة ينفى كل هذه الافتراضات والنظريات الوهمية.

  • أن استخدام أسمى الله “ايلوهيم” و”يهوه” لا يدلان على أنهما جاءا من مصدرين مختلفين، بل يدلا على أن لله أسماء وألقاب متعددة تدل على صفاته المتعددة إذ أن “ايلوهيم” يعنى قدرته الكلية و”يهوه” يعنى وجوده المطلق كالواجب الوجود الدائم الوجود علة وسبب كل وجود، كما يعنى لقبه “ايلون” الأعلى، ولقبه “أيل شداى” ضابط الكل.
  • وقد تصور النقاد أن فى قول الله لموسى “وأنا ظهرت لإبراهيم واسحق ويعقوب بأنى الإله القادر على كل شئ. وأما باسمى يهوه فلم أعرف عندهم(1)”، ما يعنى أن اسم يهوه لم يكن معروف عند الأباء الأولين. وتصوروا أن هذا يؤيد وجهة نظرهم بأن المصدر اليهودى جاء متأخرا عن المصدر الايلوهيمى. ولكن هذا الزعم باطل، أولاً : لأن كاتب التوراة، موسى النبى، كان يعرف الاسم يهوه جيدا، واستخدامه له فى التوراة لا يدل على مصدر متأخر لأنه هو نفسه الذى استخدم الاسمين معا فى وقت واحد وعصر واحد وكتاب واحد ورواية واحدة. ثانياً : يظهر جليا من سفر التكوين أن الأباء الأولين استخدموا اسم يهوه كثيرا سواء قبل الطوفان(2) أو بعده(3). ولا يعنى قول الله لموسى، هذا، سوى أن الآباء لم يعرفوا اسم يهوه بمعناه ومغزاه برغم استخدامهم له. فلم يكشف الله لهم عن مغزاه كما كشفه لموسى النبى(4). كان الاسم مستخدما منهم ولكن معناه لم يعرف فى زمنهم.

2- الاعتراض الثانى : الزعم بعدم تاريخية محتويات التوراة :

زعموا أن قصص الخليقة والطوفان والأعمال المعجزية لم تحدث تاريخيا وإنما هى مجرد نسخ عبرية مطابقة للأساطير البابلية والفارسية والهندية وغيرها من الأساطير القومية للشعوب.

ولكن البحث العلمى الصحيح يقول أن تشابه ما جاء بالتوراة مع أساطير الشعوب يدل على صحة ما جاء فى التوراة وليس العكس، للأسباب التالية :

1- وردت قصص الخليقة والطوفان فى معظم أساطير الشعوب قديما وحديثا وفى كل قارات الدنيا الست (آسيا وأفريقيا وأوربا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأستراليا). وعلى سبيل المثال فقد وردت عند البابليين والمصريين والإغريق والهنود وقبائل أستراليا ونيوزلندة وتاهيتى وبورما وسيبيريا وجزر المحيط الهادى وقبائل الهند وسكان الفلبين وقبائل الباجوس والكوميكون والكوركوس بالهند وموندا فى شتانجبور والشريميون فى روسيا والشيلوك فى إقليم النيل الأبيض والايوى بتنجو وقبائل الإسكيمو وسكان المكسيك وقبائل الاسكا وأبيما والديجونيو والهوبى والمتشواكان بالأمريكتين، وغيرهم من القبائل. وذلك إلى جانب الديانات السماوية.

وهذا يدل على صحة وتاريخية مصدر هذه القصص، فقد نشأت فى الأصل وانتشرت عن مصدر واحد، هذا المصدر هو نوح الذى سلم أولاده الثلاثة، سام وحام ويافث، الذين تناسل منهم جميع سكان الأرض(5)، التقليد الذى استلمه عن جده متوشالح عن أخنوخ عن شيث عن آدم. ولما انتشر أحفاد نوح فى الأرض حملوا معهم هذا التقليد، عن الخليقة والطوفان، وبمرور الوقت تحولت قصص الخليقة والطوفان إلى أساطير وإن كانت قد احتفظت بسماتها الرئيسية وجوهر محتواها الأصلى وهو أن الإنسان خلق من طين وأنه كان هناك طوفان عم الأرض. وكان بين أحفاد نوح رجال أتقياء لم يتلوثوا بالعبادات الوثنية مثل إبراهيم، خليل الله، الذى خرج، بدعوة من الله، من أور الكلدانيين(6) فيما بين النهرين (العراق القديم)، حاملا معه التقليد الصحيح الذى تسلمه عن جده سام بن نوح وحافظ عليه وسلمه بدوره إلى ابنه اسحق وحفيده يعقوب وأبنائه الاثنى عشر. ثم وصل هذا التقليد إلى موسى النبى عن جده لاوى بن يعقوب ودونه فى كتاب بوحى الروح القدس(7) وأمر الله المباشر له بالكتابة(8).

2- وعلى الرغم من أن هناك تشابها كبيرا بين ما جاء فى التوراة وبين هذه الأساطير، وبصفة خاصة البابلية، فهناك اختلافات واضحة وفروق جوهرية بينهما تدل على أن كاتب التوراة لم يستعن بأى من هذه الأساطير بالمرة. إذ تقول هذه الأساطير بتعدد الآلهة وتناحرها وتصارعها، كما تقول أن الأرض والسماء قد ظهرتا فى الوجود ولم يخلقا ولا تقول أن الله هو خالق الكون وعلته ومبدعه، بينما تقول التوراة أن الله واحد ولا يوجد إله أو آلهة معه، لا شريك له، فهو السرمدى، الأزلى الأبدى، واجب الوجود الدائم علة وسبب وخالق كل وجود. كما تمتلئ الأساطير بالخرافات اللامعقولة وغير المنطقية وبصف خاصة حيت تقول بوجود علاقات جنسية وتناسلية بين الآلهة، فهناك الإله الذكر والالاهة الانثى، بل وتقول بوجود علاقات من هذا النوع بين الآلهة والبشر!! بينما تقدم لنا التوراة رواية منطقية بسيطة، خالية من التعقيد والخرافة، وقد اتفق معها معظم الفلاسفة والمفكرين إلى جانب الإنجيل والقرآن. ويؤيد ذلك مسز موندر عالمة الآثار البابلية الشهيرة والتى تقول : “أن من يقول بأن كاتب سفر التكوين قد تأثر بالأفكار البابلية يحكم على نفسه بالجهل بتلك الأفكار”.

3- وقد أثبتت أدق النتائج المؤكد للحفريات والبحث الجيولوجى، حتى الآن، اتفاق كبير مع قصة الخلق ونشأة الكون كما جاءت فى التوراة، كما أثبتت حقيقة وصحة ما جاء فى التوراة عن الطوفان.

4- وأثبتت الاكتشافات الأثرية الكلدانية، والتى تتفق مع ما جاء فى التوراة بصورة إعجازية، أن قصص الخليقة والطوفان … الخ قد وجدت فى شكل مكتوب من قبل عصر إبراهيم الذى عاش حوالى 2000 سنة ق.م. أى قبل موسى النبى بأكثر من 500 سنة. وقد يرجع هذا الاتفاق الإعجازي بين ما جاء من الآثار الكلدانية والتوراة إلى أن المصدر الذى استلم منه إبراهيم هذا التقليد هو نفس المصدر الذى استلم منه قدماء الكلدانيين هذا التقليد أيضا. فقد خرج إبراهيم من أور الكلدانيين وكانت منطقة ما بين النهرين (العراق)، والتى تضم أور الكلدانيين وبابل، هى المستقر الأول للجنس البشرى بعد الطوفان(9). وهذا يدل على أن موسى هو كاتب التوراة، بل ويرى العلماء أن هناك احتمال أن يكون موسى قد اطلع على هذه الكتابات قبل إعداد عمله العظيم أو أنه كان بين يديه تقليد مكتوب جاءه من إبراهيم الذى تسلمه من أجداده، وبصفة خاصة جده سام، وكان معه عندما خرج من أور الكلدانيين.

3- الاعتراض الثالث : الزعم بوجود معلومات خاطئة عن مصر :

زعم النقاد أن كاتب التوراة لو يرى مصر وأن معلوماته عنها عرفها بالسماع وغن كانت له معرفة بها، ودليلهم على ذلك أنه ارتكب خطأ عندما قال أن المصريين كانوا، فى زمن موسى، يبنون بالطوب الأحمر(10) “اللبن  brick” مثل البابليين بدلا من الأحجار وانهم كانوا يستخدمون “حمير وجمال(11)” أيام إبراهيم مثل العرب وانهم كانوا يزرعون الكروم أيام يوسف(12) بالرغم من أن الكروم لم تزرع فى مصر إلا فى حكم بسماتيك بعد موسى بحوالى 800 سنة وبعد يوسف بحوالى أكثر من 1000 سنة.

وقد بينا فى الفصل السابق أن كاتب التوراة لا يمكن أن يكون غير موسى الذى ولد وتربى وعاش كل حياته فى مصر وشبه جزيرة سيناء وأن معلوماته عن مصر هى معلومات مصرى 100% لدرجة أن النقاد أنفسهم اعترفوا بأنه كان كاتب التوراة معرفة بأحوال وعادات وقوانين وديانة ومناخ وجغرافية مصر حتى أن أحدهم ذكر خمسة وعشرين مثالا على الأقل على أن معلومات الكاتب كانت صحيحة. وقد أثبت البحث العلمى (الأثرى والتاريخى)، حتى الآن، صحة كل ما جاء فى التوراة وخطأ النقاد وبعدهم عن الصواب، فقد بينت المواد الأثرية التى جمعت ودرست بعد فك رموز اللغة الهيروغليفية أن كل ما جاء فى التوراة عن مصر صحيح بنسبة 100%، فأثبتت أن الحمير كانت من الحيوانات التى استخدمت فى مصر من قبل إبراهيم، وأن الجمال كانت موجودة ومستخدمة فى مصر قبل إبراهيم بحوالى 1000 سنة، إذ وجد فى رمال مصر سنة 1935 جمجمة جمل ترجع لسنة 2000ق.م. وحبل من شعر جمل يرجع لسنة 2500ق.م. وقطعة فخار تحمل صورة راس جمل ترجع لسنة 3000ق.م. كما أثبتت الآثار، أيضا، أن المصريين القدماء كانوا يستخدمون الأحجار فى بناء المعابد والقصور الكبيرة بينما كانوا يستخدمون الطوب اللبن فى بناء المقابر وبيوت السكن وحوائط المدن بل وقد وجدث أمثلة على استخدامه فى أهرامات. كما أثبتت الدراسات الدقيقة شهادة المؤرخ الإغريقي هيردوتس (37:2) أن الخمر كان فى أيام يوسف هو امتياز الطبقة الكهنوتية، وتصور الآثار الكروم والعنب.

وهكذا كل يوم يثبت صحة كل ما جاء فى التوراة وخطأ النقاد الماديين.

4- الاعتراض الرابع : الكلام عن موسى بضمير الغائب :

زعم النقاد أن موسى النبى متكلم عنه دائما فى التوراة بضمير الغائب وصيغة الغائب(13) مما يدل على أنه ليس هو كاتب التوراة ويزعمون أنه لو كان هو الكاتب لتكلم بضمير المتكلم.

وقد فات هؤلاء النقاد، أو تجاهلوا، حقيقة أن موسى النبى تكلم واستخدم ضمير وصيغة المتكلم عشرات المرات فى أسفار الخروج واللاويين والعدد والتثنية. أما استخدام ضمير الغائب فلا يدل على أن الكاتب غير موسى، فقد كانت عادة المؤرخين والكتاب العظماء الكلام عن أنفسهم بضمير وصيغة الغائب، وهذه حقيقة أدبية مسلم بها، وكان هذا الأسلوب شائعا فى الكتابة المصرية فى عصر موسى النبى فكان الملوك يحيون ذكرى انتصاراتهم بنقشها على حوائط المعابد وكانوا يستخدمون ضمير الغائب أحيانا وضمير المتكلم فى أحيان أخرى. فقد كتبت لوحة الكرنك الإحصائية وحوليات تحتمس الثالث التى نشرت فى كتاب “سجلات الماضى” جـ 19:2-18 وكذلك نقش بيانكى ميرامون فى نفس الكتاب (ص 81-104) بضمير وصيغة الغائب. وفى نقش تحتمس الثالث الطويل فى كتاب “سجلات الماضى” جـ 35:2-58 يتكلم بضمير الغائب والمتكلم وكذلك فى حوليات رمسيس الثالث (23:6-70) يتغير الضمير فى 34،50،52،59،69. وكانت النقوش التى وضعها الأفراد فى قبورهم تبدأ بضمير الغائب. وكتب اكسنوفون وقيصر تواريخهم التى كانوا هم أنفسهم أبطالها بضمير الغائب، وتكلموا عن أنفسهم دائما بضمير الغائب. وكذلك نبوخذ نصر ملك بابل كان يخطب شعبه ويتكلم عن نفسه بضمير الغائب “نبوخذ نصر ملك بابل راعى الشعوب …”. لقد كان من غير الطبيعى أن يكتب أحد التاريخ بضمير المتكلم.

5- الاعتراض الخامس : لا يمكن أن يمدح موسى نفسه :

جاء فى خر 3:11 “وأيضا الرجل موسى كان عظيما جدا فى أرض مصر فى عيون عبيد فرعون وفى عيون الشعب”، وجاء فى عدد 3:12 “أما الرجل موسى فكان حليما جدا أكثر من جميع الناس على وجه الأرض”. وزعم النقاد أن موسى الذى اتصف بالوداعة والتواضع لا يمكن أن يمدح نفسه بهذه الصورة وأن استخدام ضمير الغائب فى هذين النصين يدل على أن الكاتب غير موسى. وقد بينا فى الرد على الاعتراض الرابع، أن الكلام عن موسى بضمير الغائب لا يدل على أن الكاتب غير موسى بل على العكس، فإن موسى قد تكلم عن نفسه فى التوراة بضمير المتكلم وضمير الغائب على السواء. أما قوله عن نفسه أنه كان “عظيما جدا” و”حليما جدا” فهاتين العبارتين لا تدلان على أن الكاتب غير موسى أو أنهما تعنيان مجرد تمجيد موسى، بل كانت الأولى تعنى “تأثير موسى” الذى أصبح له فى مصر سواء عند فرعون والمصريين أو عند بنى إسرائيل وذلك بسبب الأعمال والمعجزات العظيمة التى صنعها الله بواسطته فى مصر، أنها تعنى تمجيد الله وعمله فى شخص موسى. وتعنى الثانية وداعة موسى وحلمه بالمقارنة مع قساوة بنى إسرائيل وغلاظة قلوبهم وميلهم الدائم للابتعاد عن الله والارتداد عنه، أنها تعنى حلم موسى وتحمله فى قيادة هذا الشعب القاسى العنيد. ولا يوجد ما يمنع موسى أن يكتب مثل هذه العبارات التى تعبر عن أمر واقع لابد من التعبير عنه(14). ويجب أن لا ننسى أن موسى النبى كتب بوحى الروح القدس وإرشاده، وأنه لم يكتب لجيله فقط بل كتب لفائدة كل الأجيال كقول الوحى “لأن كل ما سبق فكتب كتب لأجل تعليمنا(15)”. وقد فعل نفس الشئ بولس الرسول عندما قال عن نفسه “أهم خدام المسيح (الرسل). أقول كمختل العقل. فأن أفضل. فى الأتعاب أكثر. فى الضربات أوفر فى السجون أكثر … الخ(16)”.

ولا ننسى أن موسى ذكر كل أخطائه دون أن يبررها مثل قتل المصرى(17) وهروبه من وجه فرعون عقب اكتشاف قتله للمصرى(18) ورفضه، فى البداية قبول المهمة التى أوكلها الله إليه(19) وإهماله عهد الختان(20) وكسره للوحى الشريعة المكتوبين بإصبع الله فى لحظة غضبه(21) واحتقاره لنفسه “من أنا حتى أذهب إلى فرعون؟(22)”. أنه تكلم عن نفسه مادحا عمل الله بواسطته قليلا وذكر أخطاءه كثيرا وبرغم ذلك فقد مدحه يشوع تلميذه الذى أكمل سفر التثنية بصورة لا يمكن لموسى أن يتكلم بها عن نفسه بقوله “لم يقم بعد نبى فى إسرائيل مثل موسى الذى عرف الرب وجها لوجه. فى جميع الآيات والعجائب التى أرسله الرب ليعملها فى أرض مصر بفرعون وبجميع عبيده وكل أرضه وفى كل اليد الشديدة وكل المخاوف العظيمة التى وضعها موسى أمام أعين جميع إسرائيل(23)”.

6- الاعتراض السادس : الزعم بوجود آثار من تاريخ متأخر عن موسى :

زعم النقاد أن هناك آيات ونصوص إيضاحية وتفسيرية تدل على أنها كتبت بعد موسى النبى. وفيما يلى نعرض هذه الآيات والنصوص والتفسير العلمى الصحيح لها.

1- جاء فى تك 6:12 “واجتاز ابر أم فى الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة. وكان الكنعانيون حينئذ فى الأرض” وفى تك 7:13 “فحدث مخاصمة بين رعاة مواشى ابرآم ورعاة مواشى لوط، وكان الكنعانيون والفريزيون حينئذ ساكنين فى الأرض”. وقد ظن النقاد أن فى قوله “وكان الكنعانيون حينئذ فى الأرض” ما يدل على أن الكنعانيين لوم يكونوا فى الأرض وقت كتابة السفر، وهذا لم يحدث إلا بعد موسى لا فى أيامه. وقد فات النقاد أن الكنعانيين كانوا فى أرضهم قبل إبراهيم(24)، وفى زمن إبراهيم(25)، وكانوا موجودين أيام موسى(26) وأيام داود(27) وأيام سليمان(28)، كما كانوا موجودين أيام السبى(29) وأيضا أيام السيد المسيح(30).

وقد وضع موسى النبى هذه الجملة للتأكيد على أن هذه الأرض، الأرض الموعودة، أرض كنعان، كانت أرضا مأهولة ولم تكن خالية أو معزولة، بل كانت منطقة كثيفة بالسكان، وهذا ما يعطى للوعدة قوة عظيمة، لأن احتلالها يتطلب طرد السكان منها. وتكرار العبارة فى تك 7:3 “وكان الكنعانيون والفريزيون حينئذ فى الأرض” قصد به موسى النبى أنه لم يكن هناك موضع كاف لمواشى إبراهيم ومواشى لوط وذلك بسبب وجود الكنعانيين والفريزيين بمواشيهم فى الأرض.

2- جاء فى تك 31:36 “وهؤلاء هم الملوك الذين ملكوا فى أرض أدوم قبلما ملك ملك لبنى إسرائيل”. وتصور النقاد أن الكاتب الذى كتب ذلك لابد أن يكون قد عاش تحت حكم الملكية التى تأسست بعد موسى بمئات السنين.

وقد فات هؤلاء النقاد أن الله سبق أن وعد إبراهيم بقوله “وملوك منك يخرجون(31)”، وقال عن سارة “أباركها فتكون أمما وملوك وشعوب منها يكونون(32)”، وقال الله ليعقوب أيضا “وملوك سيخرجون من صُلبك(33)”. وقد سجل موسى النبى هذه الوعود بنفسه فى سفر التكوين وكان عارفا أن الله سيقيم ملوكا لبنى إسرائيل، وهو الذى كتب بنفسه الوصية الخاصة باختيار ملوك بنى إسرائيل “ومتى أتيت إلى الأرض التى يعطيك الرب إلهك وامتلكتها وسكنت فيها. فإن قلت أجعل على ملكا كجميع الأمم الذين حولى. فأنت تجعل عليك ملكا الذى يختاره الرب إلهك من وسط إخوتك تجعل عليك ملكا(34)”. لقد كان موسى يعرف ويثق أن الوعد سيتحقق، فقد تحققت كل الوعود التى وعد بها الله، وكان يعرف أنه سيكون هناك ملكا على شعبه يوما ما، وعندما كتب الآية التى يحتج بها النقاد كان يقصد، أن الوعد قد تحقق لجزء من أبناء إبراهيم وهم الأدوميون، نسل عيسو بن إبراهيم، وصار لهم ملكا قبل أن يتحقق الوعد، أيضا، لبنى يعقوب “قبلما ملك ملك لبنى إسرائيل”.

3- جاء فى تك 5:40 قول يوسف “لأنى سرقت من أرض العبرانيين”. ويزعم النقاد أن تعبير “أرض العبرانيين” يستحيل استخدامه إلا بعد استيلاء بنى إسرائيل على أرض كنعان بالفعل، وهذا لم يتم إلا بعد موسى لا فى أيامه.

وهذه العبارة صحيحة تاريخيا، برغم مزاعم النقاد. فقد دعى الجزء الجنوبى من فلسطين، والمنحصر حول حبرون، بالأرض التى يعيش فيها العبرانيين. وقد دعى إبراهيم بعد عبوره نهر الفرات وسكناه فى أرض كنعان “العبرانى(35)”، ودعى يوسف عندما جاء إلى مصر “العبد العبرانى(36)”، كما سمى أخوة يوسف “العبرانيين(37)”، ودعيت النساء الإسرائيليات فى مصر “العبرانيات(38)”. إذا فقد كان إبراهيم واسحق ويعقوب وأحفادهم معروفين بالعبرانيين، وقد عاش إبراهيم وعبيده وأحفاده من بعده إلى أن دخلوا مصر فى عهد يوسف وكانوا معروفين جيدا خاصة من الملوك المجاورين لهم، فقد كان لإبراهيم معهم معاهدات وحروب(39)، وكان أبنه اسحق متحالفا مع ملك جرار(40)، وكان يعقوب وأبناؤه وعبيدهم ذوى قوة ونفوذ وسلطان فى المنطقة وقال الكتاب عنهم “وكان خوف الله على المدن التى حولهم(41)”. من هذا يتضح أن أسم “عبرانى” و”عبرانيين” و”عبرانيات” كان شائعا منذ أيام إبراهيم فى تلك المنطقة وكان الاسم مرافقا لهم سواء فى استقرارهم أو ترحالهم.

4- جاء فى خر 35:16 “وأكل بنو إسرائيل المن أربعين سنة حتى جاءوا إلى أرض عامرة. أكلوا المن حتى جاءوا إلى طرف أرض كنعان”. ويتصور النقاد أن هذه الفقرة كتبت بعد أن أنقطع المن والمن لم ينقطع بالفعل إلا فى زمن يشوع(42) وبعد موسى.

ولكن الكاتب هنا لا يتكلم عن توقف نزول المن أو انقطاعه بل يبين فقط أنهم أكلوا المن مدة أربعين سنة دون أن يذكر متى توقف. وقد عاش موسى بنفسه هذه المدة وكان يعرف أن مدة تيه بنى إسرائيل فى البرية هى أربعين سنة(43)، كما كان يعرف أن المن سيكون طعامهم طوال مدة التيه فى البرية، فقط، وأنه سينقطع بعد ذلك كما جاء فى خطابه الأخير : “وتتذكر كل الطريق التى فيها سار بك الرب إلهك هذه الأربعين سنة فى القفر … فأذلك وأجاعك وأطعمك المن الذى لم تكن تعرفه(44)” وأمر هرون “خذ قسطا واحدا. وأجعل فيه ملء العمر منا(45)” وذلك للذكرى. كان موسى يعرف أن المن سينقطع بعد دخولهم الأرض الموعودة لذلك طلب من هرون أن يحتفظ بملء العمر “مكيال” للذكرى، لذا فلا يوجد ما يمنع كتابته للفقرة المحتج بها.

5- جاء فى عدد 32:15-36 “ولما كان بنو إسرائيل فى البرية … الخ”. ويفترض النقاد أن هذه الفقرة تدل أنها كتبت بعد أن صارت أيام البرية مجرد ذكرى وبعد أن كانوا مستقرين فى أرض كنعان. وهذه غير صحيح لأن موسى كتب هذه الفقرة فى نهاية حياته عندما كان الشعب معسكرا على أبواب موآب شرق البحر الميت.

6- جاء فى تث 12:2 “وفى سعير سكن قبلا الحوريون. فطردهم بنو عيسو وأبادوهم من قدامهم وسكنوا مكانهم كما فعل إسرائيل بأرض ميراثهم التى أعطاهم الرب”. ويزعم النقاد أن بنى إسرائيل، بحسب هذا النص، كانوا قد استقروا فى الأرض قبل ذلك بزمن.

ولكن أرض ملكية إسرائيل المقصود هنا هى الأرض التى تقع شرق نهر الأردن والتى غزاها بنو إسرائيل بقيادة موسى النبى نفسه وقسمت بين سبطين ونصف “للرأوبينيين والجاديين … ونصف سبط منسى(46)”.

7- الاعتراض السابع : فقرات توحى بأن الكاتب يكتب من فلسطين لا من شرق الأردن :

1- أفترض النقاد أن عبارة “عبر الأردن” التى تتكرر فى عدد 19:32، تث 1:1،5، 8:3، 41-49 تعنى أن الكاتب كان يتكلم من الضفة الغربية التى لم يدخلها موسى النبى عن الضفة الشرقية التى أقام بها موسى. وهذا يعنى أن الكاتب لا يمكن أن يكون موسى بل واحد من الذين عاشوا فى كنعان بالضفة الغربية.

ولكن عبارة “عبر” الأردن يمكن أن يقولها من يعيش على كلا الجانبين من نهر الأردن، فهى تعنى كلا الجانبين بحسب موقع المتكلم، فيمكن لمن كان فى شرق الأردن أو غربه على السواء أن يستخدمها(47). وبالنسبة لموسى الذى كانت يتكلم من شرق الأردن، كانت تعنى، الجانب الآخر، غرب الأدرن. وقد وردت عبارة “عبر الأردن” فى عدد 19:32 لتعنى أن المتكلم يتكلم من سهول موآب شرق الأردن وهو بالتالى يتكلم عن غرب الأردن “أننا لا نملك معهم فى عبر الأردن وما وراء لان نصيبنا قد حصل لنا فى عبر الأردن إلى الشرق(48)”. كما يشير تك 8:3 إلى شرق الأردن الذى كان بالنسبة لموسى، المتكلم، “هذا الجانب”، كما أنه لا يوجد ما يمنع موسى النبى الذى لم يكتب لجيله فقط بل لكل الأجيال أن يتكلم من موقع سيظهر لبنى إسرائيل بعد دخول كنعان وباسم سيكون معروف منهم، كما لا يوجد ما يمنع أن يستخدم، موسى، التعبير الذى كان يستخدمه سكان الأرض الأصليون بصرف النظر عن الموقع الذى يتكلم منه هو.

2- جاء فى تك 8:12 وشواهد أخرى(49) والتى يشير فيها الكاتب إلى “البحر” فى الغرب و”النقب” فى الجنوب. ويفترض النقاد أن هذين الاتجاهين لا يمكن أن يستخدمهما إلا شخص يقيم فى فلسطين لا فى سيناء.

وقد فات النقاد أن موسى النبى كان يكتب باللغة العبرية للعبرانيين، وكان يكتب الأماكن بأسمائها العلم المعروفة بها لسكان فلسطين بصرف النظر عن موقعه هو منها. فقد كان يتكلم عن أسماء معروفة لسكانها ومواقع عرفها الآباء البطاركة من قبله بأسمائها التى ظلت كذلك بعد دخول كنعان وكان يتكلم عن الاتجاهات بالنسبة للآباء وكذلك بالنسبة لسكان مصر أيضا.

8- الاعتراض الثامن : استخدام أسماء أماكن ومقاييس مع إيضاحات متأخرة :

زعم النقاد أن ذكر أسماء المدن القديمة مقترنة بأسمائها المتأخرة وكذلك المقاييس يدل على أن الكاتب متأخر عن موسى. وهذه أهم الأسماء التى استخدموها وبيان صحتها :

  • “بالع التى هى صوغر(50)”. وقد دعى أسم المدينة “صوغر” أيام لوط، أى قبل موسى. وكان الاسمان معروفين جيدا أيام موسى فاستخدمها كقولنا شارع 26 يوليو فؤاد سابقا.
  • “عين مشفاط التى هى قادش(51)”. كان الاسمان معروفين جيدا أيام موسى(52).
  • “عمق شوى الذى هو عمق الملك(53)”. كان الاسمان معروفين جيدا أيام إبراهيم، ودعى “عمق شوى” بـ “عمق الملك” لأنه، كما يقول العلماء، كان مناسبا للرياضيات الملكية والتدريبات العسكرية، ويرى بعض العلماء أن قصر أو معسكر ملكى صادق كانا به.
  • “قرية أربع التى هى حبرون(54)”. كان الاسمان معروفين أيام موسى، فقد كان اسم المدينة قديما “قرية أربع” نسبة إلى رجل عظيم فى العناقيين(55)، ثم دعيت بعد ذلك “حبرون” وهذا الاسم كانت معروفة به جيدا أيام موسى(56).
  • “افراتة التى هى بيت لحم(57)”. “افراتة” هو الاسم القديم للمدينة و”بيت لحم” كان اسما معروفا أيام موسى والقضاة بعده(58).
  • يتكلم تكوين 14:14 وتثنية 1:34 عن مدينة اسمها “دان”، ويقول النقاد أن أسم المدينة كان فى زمن موسى “لايش(59)”، ويقولون أن هذه المدينة لم تحمل اسم “دان” إلا بعد عصر موسى وبعد انتصار الدانيين الذين أسموها باسم أبيهم “دان”. يقول مورفى Murphy أن دان هو الاسم الأصلى للمدينة والذى تغير تحت حكم الصيدونيين إلى “لايش” واستعيدت بعد ذلك بالغزو. ويرى كثيرون من العلماء أنه من المحتمل ألا تكون هذه “دان” التى غزاها الدنيون بل هى “دان ين” المذكورة فى 2صم 6:24 والتى أشار إليها يوسيفوس (عادات 10:1) وأنها كانت واحدة من منابع الأردن، والتى هى بخلاف لايش. ويقول رافين  Raven أنه ليس من الضرورى أن تكون “دان” المذكورة فى تك 14:14 هى لايش بل يحتمل أن تكون مدينة أخرى تحمل نفس الاسم. أما “دان” المذكورة فى تث 1:34 فيجب أن لا ننسى أن كاتب الفصل الأخير من سفر التثنية هو يشوع تلميذ موسى.
  • جاء فى خر 36:16 “وأما العمر فهو عشر الايفة” وزعم النقاد أن “العمر” لم يعرف فى زمن موسى.

ويقول العلماء يجب أن نميز بين “العمر” Omer و”الـ homer” الذى جاء فى أزمنة متأخرة. فقد كان “العمر” مقياس مصرى مثل “الايفة” ونظرا لأن “الايفة” كانت أكثر استخداما من “العمر” فقد فسر موسى النبى بالايفة. ويؤكد العلماء استحالة أن تكون عبارة “أما العمر فهو عشر الايفة” إضافة تفسيرية سواء من يشوع أو عزرا للفرق بين “العمر” المصرى الذى كان يعرفه الذين عاشوا فى مصر وخرجوا منها و الـ homer المتأخر.

  • جاء فى 13:30، 24:38-26 “نصف الشاقل بشاقل القدس” ويتصور النقاد أن هذه العبارة تعنى أن الهيكل قد أقيم وأوزانه استخدمت لمدة.

ولكن القدس أو المقدس كان يعنى وقت موسى النبى، خيمة الاجتماع أو القدس بخيمة الاجتماع. والشاقل استخدم فى العصور القديمة، قبل اختراع العملة، كمقياس معيارى للوزن. وشاقل القدس كان الوزن المعيارى الذى فى حوزة الكهنة. وكان استخدامه جديدا أيام موسى وقد أوضحته التوراة ثلاث مرات (خر 13:30؛ لا 25:27؛ عد 47:3) ولم يكن قد استخدم قبل موسى النبى.

9- الاعتراض التاسع : جوانب تاريخية تعطى إيحاء بأن الكاتب غير موسى :

جاء فى عدد 14:21،15 “كتاب حروب يهوه” الذى كان موجودا بين يدى كاتب التوراة والذى يوحى بأنه جاء من أزمنة أقدم مع أنه لم يتألف قبل العصر الأخير من رحلات بنى إسرائيل فى البرية مما جعل النقاد يتصورون أن كاتب التوراة متأخر عن موسى.

يدل قدم اللغة العبرية المستخدمة فى النص المقتبس من هذا الكتاب على أنه مكتوب فى زمن موسى ويرى بعض النقاد أنه كتب قبل موسى بقرون عديدة ويرى بعضهم، أيضا، أنه كتب أيام موسى فى السنة الأخيرة من التيه. وقد كان فى إسرائيل شعراء لهم أناشيدهم التى تغنت بانتصاراتهم فى الحروب، وهذا كان شائعا بين قادة إسرائيل (عدد 26:11). وسواء كتب، هذا الكتاب، قبل موسى أو أيامه فقد كان بين يديه واستشهد بهذه الفقرة منه. والكتاب، كما هو واضح عبارة عن مجموعة من القصائد الشعرية. وهذه الفقرة لا يمكن أن تأخذ كدليل ضد كتابة موسى للتوراة بل على العكس تماما، تؤكد أنه هو كاتب التوراة.

10- الاعتراض العاشر : صيغة “حتى هذا اليوم”:

وردت هذه الصيغة “حتى هذا اليوم”، بصفة رئيسية فى (تك 37:19،8؛ 33:26؛ 33:32؛ 20:35؛ 26:47؛ تث22:2؛ 14:3؛ 8:10؛ 4:11؛ 4:29؛ 6:34). وقد تصور بعض النقاد أنها تدل على زمن متأخر عن موسى النبى.

ويرى العلماء، منهم دى ويت De Wette وكيلKeil  وغيرهم، أن هذه العبارة تشرح زمن متغير من سنين قليلة إلى قرون قليلة(60)،وأنها لا يمكن أن تكون من آثار موسى فهى تستخدم فى سفر التكوين دائما لتعبر عن أحداث حدثت قبل موسى النبى بعدة قرون(61). وقد حدث لبس فى استخدام هذه العبارة فى سفر التثنية 14:3 بسبب عبارة “باشان حؤوت يائير إلى هذا اليوم” وسبب اللبس أن مثل هذه العبارة قد وردت فى سفر القضاة 3:10،4 مما جعل بعض النقاد يتصورون أنها مكتوبة بعد موسى النبى. وبرغم التشابه بين العبارتين فى سفرى التثنية والقضاة إلا أن كل منهما غير ما تعنيه الأخرى. فـ “حؤوت يائير” أى قرى يائير، المذكورة فى سفر التثنية ترجع إلى “يائير بن منسى” الذى كان فى زمن موسى النبى(63)، بينما “حؤوت يائير” المذكورة فى سفر القضاة ترجع إلى يائير القاضى الجلعاوى الذى كان له ثلاثون ولدا ولهم ثلاثين مدينة يدعونها “حؤوت يائير” مثل المذكورة فى سفر التثنية.

11- الاعتراض الحادى عشر : الزعم بوجود تشابه بين سفر التثنية والأسفار المتأخرة :

يرى بعض النقاد أن هناك تشابه كبير بين سفر التثنية وسفر أرميا النبى فى اللغة والأفكار وأسلوب الكتابة، وأن هناك أيضا اختلافا بين سفر التثنية وبقية أسفار التوراة الأخرى، أيضا، فى اللغة والأفكار وأسلوب الكتابة، ويفترضون أن هذا يبرهن على أن السفر قد وجد فى أيام أرميا أن لم يكن ارميا النبى هو كاتبه !!

وللرد على الاعتراض نقول لمثل هؤلاء النقاد ومن سار على دربهم لقد فاتكم الآتي :

  • أن هناك تشابها كبيرا وتماثلات كثيرة بين سفر التثنية وبقية أسفار التوراة الأخرى فى اللغة والفكر وأسلوب الكتابة وفى الآيات والنصوص التى حوتها أسفار التوراة الخمسة. ويرجع تفرد سفر التثنية إلى أنه اختص بالأمور التشريعية، القانونية، الناموسية، وقد كتبه موسى النبى فى أيامه الأخيرة وهو على مشارف أرض كنعان وقد سجل فيه آخر خطاباته التى ألقاها على بنى إسرائيل وآخر وصاياه لهم.
  • كان فى إمكان موسى الذى قضى أربعين سنة فى قصر فرعون كأمير، وتعلم حكمة المصريين وآدابهم وعلومهم، وأربعين سنة فى البرية كراعى غنم حميه يثرون، وأربعين سنة كقائد للشعب فى البرية يتلقى فيها الوصايا والنواميس من الله مباشرة ويتكلم معه “فما لفم” ويكتب مسوقا من الروح القدس، أن يكتب كلمة الله، بحسب إرادة الله وإرشاد روحه القدس، بأكثر من أسلوب، سواء تعليمى أو كهنوتى أو تشريعى. ومع ذلك فليس موسى النبى وحده هو الذى كتب بأكثر من أسلوب وفى أكثر من موضوع واحد، فهناك العديد من الكتاب الذين كتبوا، قديما وحديثا، بأكثر من أسلوب وفى أكثر من موضوع واحد(63).
  • ويرجع وجود تشابه بين سفر التثنية وسفر ارميا إلى أن التوراة كلها أو سفر التثنية وحده قد اكتشف فى الهيكل، أيام حلقيا الكاهن ويوشيا الملك الصالح(64)، وذلك قبل تكليف أرميا برسالته النبوية بقليل.فكان هذا السفر مع بقية أسفار التوراة الأخرى بين يدى أرميا النبى فتأثر به واستشهد بما جاء فيه كما تأثر أيضا ببقية أسفار التوراة الأربعة الأخرى والتى كان لها تأثير واضح على سفره(65).
  • ومما يدل على أن سفر التثنية كتب قبل زمن أرميا بمئات السنين وأن كاتبه هو موسى النبى هو وجود السفر بين يدى جميع الأنبياء الذين عاشوا فى الفترة بين أرميا وموسى النبى، فقد تأثروا به واستشهدوا بآياته ونصوص واقتبسوا منه(66).
  • وما يدل أيضا على قدم سفر التثنية وأن كاتبه موسى النبى استخدام الكلمات والألفاظ القديمة التى لا مثيل لها إلا فى بقية أسفار موسى الخمسة فقط مثل الضمير “هو” الذى استخدم لكلا الجنسين، المذكر والمؤنث، وتكرر 36 من 195 مرة تكررت فى الأسفار الخمسة، وكذلك كلمة “نعر” التى استخدمت للفتاة كما للفتى ولم تستخدم كلمة “نعرة” المؤنث إلا فى فقرة واحدة فقط(67).
  • ويتكلم السفر فى أغلب الأحيان بأسلوب الحاضر (المضارع) عن أحداث كانت مستمرة فى أيام الكاتب(68)، ويعطى المتكلم البركة واللعنة من على جبل جرزيم(69) مما يدل على أن الكابت هو موسى، ويتكلم عن أحداث سوف تحدث فى المستقبل، أى بعد أيام الكاتب، مثل اختيار ملك(70)، ويحدث الرب الشعب فى ص 19 عما يجب أن يفعلوه عند الدخول فى أرض كنعان، وفى معظم أجزاء السفر يتكلم عن نفسه وعن الشعب باعتبارهم موجودين بالفعل فى البرية بخبرات أهل البرية(71).
  • كما يدل أسلوب السفر على أن الكاتب كان بين الواقفين على حدود الأرض الموعودة ولم يدخلها وان دخول كنعان واحتلال الأرض كان على وشك الوقوع، وكان أعداءه الرئيسيين الكنعانيون الذين لم يعودوا كذلك فى أيام القضاة، كما يدل  أسلوب السفر على أن الكاتب كان من الخارجين من أرض مصر وانه هو موسى النبى تأثره الشديد بمصر وعطفه على الخدم المأخوذين منها وإشارته إلى أمراض خاصة بمصر عند التهديد بالعقوبات(72)، والإشارة إلى الخلاص من مصر عند الوعود(73) وكذلك رفعة مكانتهم التى ستكون فى كنعان بالمقارنة بمصر(74)، وكذلك استخدامه أسلوب مصر فى الكتابة على قوائم المنازل(75) أو على الحجارة(76)، وأيضا العقاب بالعصى (الفلقة)(77)، وطريقة الرى(78)، ووظيفة الكاتب فى الترتيب العسكرى المصرى(79).

ونختم هذا الفصل بالفقرتين التالتين لنوضح أن الكاتب هو موسى النبى الذى كان يكلم أناسا على مشارف كنعان وهم أنفسهم الذين خرجوا من مصر وعاشوا مدة التيه فى البرية : “فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التى أنا علمتكم لتعملوها لكى تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض … أعينكم قد أبصرت ما فعله الرب ببعل فغور(80). أن كل من ذهب وراء بعل فغور أباده الرب إلهكم وأما أنتم الملتصقون بالرب إلهكم فجميعكم أحياء اليوم” (تث 1:4-4)، “ومتى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التى حلف لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب أن يعطيك .. فاحترز لئلا تنسى الرب إلهك الذى أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية … إذا سألك أبنك(81)”.

 

فهرس الكتاب:

 

(1) خر 2:6

(2) تك 1:4؛ 26:5؛ 26:9

(3) تك 22:14؛ 12:15؛ 2:16؛ 30:18؛ 4:20؛ 31:24 … الخ.

(4) حز 2:3-15

(5) أنظر تك 10،11

(6) تك 1:12-3

(7) 2بط 21:1

(8) أنظر ف 4

(9) أنظر تك 30:10

(10) خر 14:1

(11) تك 16:12

(12) تك 9:40،10

(13) وعلى سبيل المثال قوله فى خر 26:6،27 “هذان هما  موسى وهرون اللذان قال الرب لهما أخرجا بنى إسرائيل من مصر … هما اللذان كلما فرعون … هذان هما موسى وفرعون”.

(14) يرى فريق من العلماء وبعض أباء الكنيسة مثل ترتليان واكليمندس الاسكندرى وجيروم وغيرهم أن هناك بعض العبارات التفسيرية والتوضيحية التى وضعها عزرا الكاهن والكاتب فى القرن الخامس قبل الميلاد بين أقواس عند مراجعته للعهد القديم دون أن تؤثر على النص الأصلى بأى حال من الأحوال. كما يرى البعض أنه يشوع بن نون أو صموئيل النبى ومدرسة الأنبياء. وجميع هؤلاء الأنبياء كان يوحى إليهم ولهم كتبهم الموحى بها (15-رو 5:4).

(15) رو 5:4

(16) 2كو 23:11

(17) خر 12:2

(18) خر 14:2،15

(19) خر 1:4-3

(20) خر 24:4-26

(21) خر 19:32

(22) خر 11:3

(23) 10:34-12

(24) تك 19:10

(25) تك 6:12

(26) تث 17:20

(27) 2صم 7:24

(28) 1مل 16:9

(29) عز 1:9

(30) مت 22:15

(31) تك 6:17

(32) تك 16:17

(33) تك 11:35

(34) تث 14:17،15

(35) تك 13:14

(36) تك 17:39

(37) تك 32:43

(38) خر 16:1

(39) تك 1:14-24

(40) تك 26:26-30

(41) تك 5:35

(42) يش 10:5-33

(43) عدد 32:14-34

(44) تث 2:8،3

(45) حز  33:16

(46) تث 12:3،13

(47) أنظر تث 20:3،25؛ يش 1:9؛ عدد 1:22؛ 32:32؛ تك 10:50،11

(48) أنظر عدد 1:22

(49) تك 14:28؛ خر 19:10؛ 18:26،22؛ عد 18:2؛ 23:3؛ تث 7:1؛ 27:3

(50) تك 2:14،8

(51) تك 7:14

(52) عدد 1:20،16

(53) تك 17:14

(54) تك 2:23

(55) يش 15:14

(56) تك 18:13؛ 2:23،19

(57) تك 19:35؛ 7:48

(58) أنظر تك 19:35؛ 7:48؛ قض 19:17؛ راعوث 11:4

(59) يش 47:19؛ قض 19:18

(60) أنظر تك 13:48؛ خر 6:10؛ عد 39:22؛ يش 3:22

(61) كما فى تك 33:26؛ 20:35،47

(63) عدد 40:32،41

(63) كتب المرحوم د. رؤوف عبيد مراجع ضخمة فى القانون كما كتب مراجع ضخمة فى علم الروحيات والأرواح، أنظر مثلا كتابه الضخم “مفصل الإنسان روح لا جسد”. والقانون عبارة عن نصوص تحكم سلوك المجتمع وتعاقب على الجرائم وعلم الروحيات يبحث فيما وراء الطبيعة ولا علاقة بين هذا وذاك.

(64) 2مل 8:22؛ 2:23؛ 2أى 14:34 … الخ

(65) أنظر مثلا تك 22:1؛ 11:35 مع أر 16:3؛ 3:33؛ تك 15:32،18 مع أر 2:4؛ تك 3:38 مع أر 9:1؛ لا 28:19 مع أر 6:6؛ عد 28:21،29 مع أر 45:48،46

(66) قارن بين ما جاء فى أش 2:1،10،17؛ 11:27؛ 8:41،10؛ 2:42؛ 8:46؛ 1:50؛ 14:58؛ 10:49؛ 8:62 .. الخ مع تث 1:32،32؛ 27:28؛ 28:32؛ 6:7؛ 2:14؛ 6:31؛ 15:32،7؛ 1:24؛ 13:32؛ 29:28،31. وما جاء فى عاموس 6:4-10؛ 11:5؛ 10:4؛ 12:6؛ 14:8؛ 14:9،15 مع تث 15:28 … الخ، 21:28،27،26،30،39؛ 18:29؛ 3:30. وما جاء فى هوشع 14:4؛ 10:5،14؛ 1:6؛ 13:8؛ 13:12؛ 6:13،9 مع تث 17:23،18؛ 14:19؛ 17:27؛ 39:32؛ 18:18؛ 14:8؛ 5:32؛ 26:33. وما جاء فى 1ملوك 15:8؛ 1:17؛ 40:18؛ 10:21؛ 11:22 مع تث 20:4؛ 16:11،17؛ 15:13،16؛ 5:17،6،7؛ 15:19؛ 17:33؛ 17:21. وما جاء فى 2ملوك 9:2؛ 28:6-30؛ 16:14؛ 6:18 مع تث 17:21؛ 53:28،57،58؛ 16:24؛ 2:10. وما جاء فى 2صموئيل 6:7، 23:7 مع تث 14:23؛ 8:7. وما جاء فى 1صموئيل 2:2،6،29؛ 1:8؛ 1:10،25؛ 2:15؛ 3:28 مع تث 35:4؛ 39:32،15؛ 18:16؛ 9:32؛ 14:17؛ 17:25؛ 10:18،11. وما جاء فى قضاة 20:15؛ 2:2،3،15،18؛ 14:4؛ 4:5،8؛ 15:11؛ 3:14 مع تث 36:1؛ 2:7؛ 3:12؛ 16:7؛ 15:28 … الخ، 36:32؛ 3:9؛ 2:33؛ 17:32؛ 9:2،19؛ 3:7. وأيضا ما جاء فى راعوث 2:4-12 مع تث 5:25-10. وأنظر أيضا سفر يشوع الذى هو استمرار طبيعى لسفر التثنية.

(67) تث 19:22

(68) تث 9:25؛ 1:7 … الخ، 17:25؛ 16:20-8؛ 14:17 … الخ، 1:19-10

(69) تث 14:17-20

(70) تث 11:27-26

(71) أنظر ص 1-3؛ 3:4،4؛ 44-49؛ 1:7؛ 1:8؛ 1:9؛ 8:11 … الخ، 31:30؛ 12:13؛ 9:18؛ 1:19؛ 2:27

(72) تث 15:5؛ 15:15؛ 12:16؛ 18:24

(73) تث 27:28،35

(74) تث 15:8؛ 60:28

(75) تث 10:11

(76) تث 20:11

(77) تث 17:28

(78) تث 2:25،3

(79) تث 10:11

(80) تث 5:20

(81) عد 4:25 … الخ.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

آلام القديسين - مشكلة الشر

آلام القديسين – مشكلة الشر

آلام القديسين – مشكلة الشر آلام القديسين – مشكلة الشر   1بطرس 4: 12-19 «أيها …