أبحاث

يسوع يعلق بين لصين – إنجيل لوقا 23 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يعلق بين لصين – إنجيل لوقا 23 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يعلق بين لصين – إنجيل لوقا 23 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يعلق بين لصين – إنجيل لوقا 23 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
يسوع يعلق بين لصين – إنجيل لوقا 23 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لوقا32:23ـ43 ): ” وَجَاءُوا أَيْضًا بِاثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مُذْنِبَيْنِ لِيُقْتَلاَ مَعَهُ. وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى جُمْجُمَةَ صَلَبُوهُ هُنَاكَ مَعَ الْمُذْنِبَيْنِ وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. [فَقَالَ يَسُوعُ: يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ]. وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا. وَكَانَ الشَّعْبُ وَاقِفِينَ يَنْظُرُونَ وَالرُّؤَسَاءُ أَيْضًا مَعَهُمْ يَسْخَرُونَ بِهِ قَائِلِينَ: خَلَّصَ آخَرِينَ فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمَسِيحَ مُخْتَارَ اللهِ. وَالْجُنْدُ أَيْضًا اسْتَهْزَأُوا بِهِ وَهُمْ يَأْتُونَ وَيُقَدِّمُونَ لَهُ خَلاًّ. قَائِلِينَ : إِنْ كُنْتَ أَنْتَ مَلِكَ الْيَهُودِ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ. وَكَانَ عُنْوَانٌ مَكْتُوبٌ فَوْقَهُ بِأَحْرُفٍ يُونَانِيَّةٍ وَرُومَانِيَّةٍ وَعِبْرَانِيَّةٍ: هَذَا هُوَ مَلِكُ الْيَهُودِ. وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلاً: إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!. فَانْتَهَرَهُ الآخَرُ قَائِلاً: أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هَذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟. أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ. ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ “.

 

          إن الطوباوي بولس يعتبر سِرّ تجسُّد الابن الوحيد جديرًا بكل إعجاب، وإن جاز القول، فإنه يبدي اندهاشه عن حكمة وسموِّ تدبير الخلاص فيقول: “ يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه” (رو33:11) فانظروا كيف أنَّ مخلِّص ورب الكل، الذي به أوجد الآب كل شيء يُجدِّد طبيعة الإنسان ويستردّها إلى ما كانت عليه في البدء بصيرورته هو نفسه مثلنا، وحمله لآلامنا من أجلنا. لأن الإنسان الأول كان حقًّا في البدء في فردوس البهجة، وقد أنعم الله عليه بغياب كلٍّ من الألم والفساد، لكن عندما احتقر الوصية التي أُعطِيَت له وسقط تحت اللعنة والدينونة وفى فخ الموت بأكله من الشجرة المحرَّمة، فإن المسيح ـ كما قلتُ ـ ردَّه إلى وضعه الأصلي بواسطة الشجرة (الخشبة، أي بواسطة خشبة الصليب) إذ احتمل الصليب الثمين لأجلنا كي ما يبيد الموت، الذي بواسطة الشجرة غزا أجساد البشر. فقد احتمل الآلام لكيما يخلِّصنا من الآلام، وكما هو مكتوب: “ احتُقِر وخُذِل من الناس” (إش3:53س) لكيما يجعلنا مكرَّمين، ولم يفعل خطية لكيما يكلِّل طبيعتنا بمجدٍ مشابه، وهو الذي لأجلنا صار إنسانًا خاضعًا كذلك لنصيبنا، وهو الذي يعطي حياة للعالم خضع للموت بالجسد. أفليس السرّ عميقًا إذن؟ ألا يلزمنا الاعتراف بأن التدبير أعظم ممَّا يمكن للغة أن تصفه؟ أيّ شك يمكن أن يوجد في هذا؟ لذلك ليتنا عندما نقدِّم له التسبيح أن نكرِّر ما أنشده المرنِّم بقيثارته: “ ما أعظم أعمالك… كلها بحكمة صنعتَ” (مز4:103س).

 

          وهكذا عندما عُلِّق على الصليب الثمين، صُلب معه اثنان من اللصوص. ما الذي ترتَّب على هذا؟ كان قصد اليهود حقًّا من هذا هو السخرية به إلى أبعد حدٍّ ممكن، لكنه من ناحية أخرى كان تذكيرًا بالنبوة، لأنه مكتوب أنه “ أُحصيَ مع أثمة” (إش12:53س) لأنه من أجلنا صار هو لعنة، أى ملعونًا، لأنه مكتوب أيضًا: ” ملعون كل من عُلِّق على خشبة” (تث23:21). لكن عمله هذا أبطل اللعنة التى كانت علينا، لأننا معه وبسببه نكون مُبارَكين، وإذ يعلم بهذا الطوباوي داود، فإنه يقول:” مبارَكون نحن من الرب الذي خلق السماء والأرض” (مز23:113س). لأن بآلامه حلَّت علينا البركات، وهو دفع ديوننا بدلاً عنَّا وحمل خطايانا، وكما هو مكتوب، “ هو حمل خطايانا وجُلد عوضًا عنَّا” (إش6:53س)، ” وهو حمل خطايانا في جسده على الخشبة” (1بط24:2). حقًّا إننا “ بِحُبره شُفينا” (إش5:53ش). هو أيضًا تألم بسبب خطايانا، وبهذا خلََّصنا من أمراض النفس. هو احتمل الهزء والازدراء والبصق لأن رؤساء مجمع اليهود استهزءوا به وهزُّوا رؤوسهم النجسة وصبُّوا عليه ضحكهم المرير قائلين: ” خلَّص آخرين فليخلِّص نفسه إن كان هو المسيح“. لكن إن كنتم حقًّا لا تؤمنون أنه هو المسيح فلماذا قتلتموه كالوريث؟ لماذا ترغبون في الاستيلاء على ميراثه؟ وإن كان قد خلَّص آخرين وأنتم تعرفون جيدًا أنَّ الأمر حقًّا كان هكذا، فكيف تُعوِزه القوَّة لأن يخلِّص نفسه من بين أيديكم؟ أنتم سمعتم في الهيكل أولئك الذين كانت وظيفتهم أن يرتِّلوا وينشدوا في الخورس يقولون على الدوام: “ ثقبوا يديَّ ورجليَّ… أحصوا كلَّ عظامي، وهم ينظرون ويتفرَّسون فيَّ، يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون” (مز16:21 ـ18س)، وكذلك ” يعطونني علقمًا لطعامي، ولعطشي يعطونني خلاًّ لأشرب ” (مز21:68س)، وحيث إنكم متمرِّسون في الناموس ـ مثلما تعتبرون أنفسكم هكذا ـ فكيف يتأتَّى لكم أن تتركوا النبوة وتتركوا دونما فحص ما سبق الإخبار به بخصوص هذه الأشياء؟ كان واجبكم أن تستفهموا  وتبحثوا عمَّن قيلت هذه الأشياء، أقصد على أي شخص يليق بكم أن تُطبِّقوا هذه الآيات. أنتم سمعتم قائدكم العظيم موسى ينبئكم عن وحشية هجماتكم، لأنه قال إنكم ” سوف تبصرون حياتكم معلَّقة على خشبة” (تث66:28س). أي سترون الذي هو علَّة الحياة، أو بالحري مَن هو الحياة ذاتها معلَّقًا على خشبة، فكيف تتجاهلون تمامًا نبوة موسى الذي به تفتخرون جدًّا؟ لأننا سمعناكم تُصرِّحون علانية: ” نحن تلاميذ موسى” (يو28:9).

          أخبرنى ماذا تقصد بإنغاضك الرأس عليه؟ هل تزدري بالاحتمال الوديع للمتألِّم؟ أم لكي تُبرهِن بهذا على تحجُّر قلبك وقساوته الشديدة؟ هل أنت متلهِّف على إخضاع رئيس الحياة لموت الجسد؟ لماذا تتطفل على التدابير المقدَّسة؟ لماذا تفكر في مشورةٍ لن تستطيع تحقيقها؟ إنه مكتوب: “ الساكن في السموات يضحك بهم، والرب يستهزئ بهم” (مز4:2).

 

          وكما قلتُ، صُلب معه لصان من باب السخرية على تلك الآلام التى تجلب الخلاص لكل العالم، ولكن أحد هذين اللصين شابه في سلوكه عقوق اليهود، إذ قذف بقوَّة نفس كلماتهم، وتفوَّه بسهولة بتعبيرات تجديفيَّة فقال: ” إن كنت أنت المسيح فخلِّص نفسك وإيانا“، أمَّا الآخر فقد اتَّبع مسلكًا مخالفًا وهو جدير عن حق بإعجابنا، لأنه آمن به. وبينما كان يكابد أقصى عقوبة، وبَّخ صرخات اليهود المتهوِّرة وكذلك كلمات اللص الآخر الذي كان مصلوبًا معه، إنه اعترف بخطاياه لكيما ما يتبرَّر (إش26:43س)، وصار لائمًا لطرق نفسه الخاطئة لكيما يبرئه الله من ذنبه كما هو مكتوب: ” قلتُ أعترفُ للرب بإثمي وأنت صفحتَ لي عن نفاقات قلبي” (مز5:31س)، وهو شهد للمسيح بالبراءة ووبَّخ افتقار اليهود لمحبتهم لله وأدان حكم بيلاطس إذ قال عن المسيح: أمَّا هذا فلم يفعل شيئًا مكروهًا. كم هو جميل هذا الاعتراف، كم هي حكيمة تعليلاته، كم هي سامية أفكاره. لقد صار معترفًا بمجد المخلص، ولائمًا لكبرياء الذين صلبوه. فأية مكافأة نالها؟ وأي كرامات كان هو جدير بها؟ وأية منفعة عادت على هذا اللص الذي كان أول من يُعلِن الإيمان؟ فهو عثر على كنز جدير بالامتلاك، وصار غنيًّا على غير توقع، واقتنى كل بركة، وفاز بميراث القديسين، وصار اسمه مكتوبًا فوق في السموات، والذي كان يكابد حكم الموت صار اسمه في سفر الحياة وأصبح في عداد سكان المدينة السماوية.

 

          فلنتطلَّع إلى اعترافه الإيمانى الجميل جدًّا، إذ قال ليسوع: ” اذكرني يا رب متى جئتَ في ملكوتك“. أنت تراه مصلوبًا وتدعوه ملكًا؛ وذاك الذي كان يكابد العذاب والاستهزاء، أنت تتوقع مجيئه في مجد إلهي؛ أنت تراه محاطًا بجموع اليهود وزمرة الفريسيين الأشرار وعسكر بيلاطس، وهؤلاء جميعًا يسخرون به، وليس بينهم واحد يعترف به…

 

(عدد 45،44): “ وَكَانَ نَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ فَكَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ مِنْ وَسَطِهِ“.

          ذاك الذي يفوق كل المخلوقات ويشارِك في عرش الآب، وَضع ذاته إلى درجة الإخلاء وأخذ شكل العبد واحتمل حدود الطبيعة البشرية لكيما يوفي بالوعد الذي أعطاه الله لأجداد اليهود، لكنهم كانوا في منتهى العناد وعدم الطاعة إلى درجة أن يثوروا على سيدهم. لأنهم جعلوا جلَّ شغلهم الشاغل هو أن يُسلِّموا رئيس الحياة للموت وأن يصلبوا رب المجد، لكنهم لما ثبَّتوا رب الكل على الصليب، انسحبت الشمس من على رؤوسهم وتدثَّر النور بالظلام في منتصف النهار مثلما أنبأ عاموس النبي (عا18:5)، لأنه كانت هناك ظلمة من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة، وهذه كانت علامة واضحة لليهود أنَّ أذهان الذين صلبوه قد تغلَّفت بظلمة روحية، لأن العمى والقساوة قد حصلت جزئيًّا لإسرائيل (رو25:11)، وداود في محبته لله يلعنهم قائلاً: لتظلم عيونهم لكي لا يبصروا (مز23:68س).

          نعم! الخليقة ذاتها ندبت ربها، لأن الشمس أظلمت والصخور تشقَّقَت، والهيكل ذاته ارتدى ثياب النائحين إذ انشق حجابه من أعلى إلى أسفل، وهذا ما يشير به الله إلينا بفم إشعياء قائلاً أُلبس السموات ظلامًا، وبالمِسح أُغطِّيها (إش3:50س).

 

(عدد 47 ): ” فَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ مَا كَانَ مَجَّدَ اللهَ قَائِلاً: بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هَذَا الإِنْسَانُ بَارّاً!“.

          أتوسل إليكم أن تلاحظوا أيضًا أنه بمجرد أن كابد آلامه على الصليب لأجلنا، حتى ابتدأ في اكتساب الكثيرين إلى معرفة الحق، إذ يقول النص: إنه لما رأى قائد المائة ما حدث مجَّد الله قائلاً : بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًّا، وبعض اليهود أيضًا قرعوا صدورهم إذ ـ بدون شك ـ قد وَخَزَتهم ضمائرهم وتطلَّعوا بأعين أذهانهم إلى الرب، وربما برَّأوا أنفسهم من سلوكهم المشين ضد المسيح بهتافهم ضدَّ من صلبوه حتى وإن لم يتجاسروا على فعل هذا علانية بسبب عدم تَقْوَى الحكام. لذلك قال ربنا عن حق:     ” وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذب إلىَّ جميع الناس” (يو32:12).

 

(عدد 55): “ وَتَبِعَتْهُ نِسَاءٌ كُنَّ قَدْ أَتَيْنَ مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ وَنَظَرْنَ الْقَبْرَ وَكَيْفَ وُضِعَ جَسَدُهُ.“.

 

          إن نساء حكيمات تبعن المسيح مخلصنا جميعًا، جامعاتٍ كل ما كان مفيدًا ضروريًّا للإيمان به، وعندما قدَّم جسده كَفِدية لحياتنا جميعًا، عكفنَ بحكمة واجتهاد على الاعتناء بجسده، لأنهن ظننَ أنَّ جسده سيبقى على الدوام في القبر.

يسوع يعلق بين لصين – إنجيل لوقا 23 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد