آبائيات

الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله إنسانا - الطريق الأرثوذكسي - د. نصحى عبد الشهيد

الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الله إنسانا - الطريق الأرثوذكسي - د. نصحى عبد الشهيد
الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

الفصل الرابع

الله إنسانـًا

       ” الله، كان فى المسيح مصالحًا العالم لنفسه ” (2كو19:5)

      ” تعطشّ ليسوع، وهو سيرويك بحبه ” (القديس اسحق السريانى)

      ” قال الأنبا اسحق: “كنت جالسًا مرةً مع الأنبا بيمن، ورأيت أنه فى حالة دهش (اختطاف)، ولما كنت معتادًا على الكلام معه بصراحة، عملت له مطانية وسألته ” اخبرنى، أين كنت؟” ولم يرد أن يخبرنى. لكن لما ألححت عليه، أجاب: ” كانت أفكارى مع القديسة مريم والدة الإله، حينما كانت واقفة تبكى عند صليب المخلص، وودت لو أننى أستطيع على الدوام أن أبكى مثلما بكت هي آنذاك ”                                  (أقوال آباء البرية)

 

رفيقنا على الطريق:

          فى نهاية ” الأرض الخراب ” يكتب ت. س. إليوت:

          من هو الثالث الذي يسير دومًا إلى جوارك ؟

          حينما أحصى العدد، أجد أن هناك فقط أنت وأنا معًا، لكننى حين أنظر إلى الطريق الأبيض، أجد دائمًا واحدًا آخر يمشى إلى جوارك…

          وهو يشرح فى ملاحظاته أنه يفكر فى قصة قيلت عن بعثة شاكلتون إلى القطب المتجمد الجنوبى (أنتاركتيكا):

          وكيف أن جماعة المكتشفين، حينما خارت قواهم، كانوا يشعرون دائمًا أن ثمة شخصًا آخر زائدًا رغم أنهم لا يستطيعون إحصاءه فعلاً. وقديمًا جدًا، وقبل شاكلتون بزمن بعيد، كان للملك نبوخذنصر اختبار مماثل حينما قال: ” ألم نلقِ ثلاثة رجال موثقين فى وسط النار؟.. ومع هذا فها أنا ناظر أربعة رجال محلولين يتمشون فى وسط النار، وما بهم ضرر ومنظر الرابع شبيه بابن الله ” (دا 24:3ـ25).

 

          هذا هو معنى ” يسوع ” مخلصا بالنسبة لنا. فهو الشخص الذي يسير دائمًا إلى جوارنا حين تخور قوانا، فهو معنا فى برية الصقيع وفى أتون النار. وحينما يكون كل واحد منا فى وقت عزلته الشديدة وحده أو فى وقت التجربة، تُقال له هذه الكلمة: ” لست وحدك “، فإن لك رفيقًا.

 

          وقد أنهينا فصلنا الأخير بالحديث عن اغتراب الإنسان ومنفاه. ورأينا كيف أن الخطية، سواء الأصلية أم الشخصية، قد أوجدت هوة بين الله والإنسان، هوة لا يقدر الإنسان بمجهوداته الهزيلة أن يعبرها. فإن الإنسان الساقط وقد انفصل عن خالقه، وانعزل عن رفقائه، وتدهور داخليًا، لم يعد قادرًا على شفاء نفسه. ودائمًا ما نسأل نحن، أين نجد علاجًا ؟ ورأينا أيضًا كيف أن الثالوث، كإله محبة شخصية، لا يقدر أن يبقى غير مبالٍ بألم الإنسان، بل قد اشترك فى هذا الألم. فإلى أى مدى وصل هذا التشارك الإلهي؟

          الإجابة أن هذا الانخراط فى ألم الإنسان قد بلغ أقصى مدى ممكن. ولأن الإنسان لم يقدر أن يأتى إلى الله، فقد جاء الله إلى الإنسان، وقد وَّحَد نفسه مع الإنسان بأكثر الطرق مباشرة. فإن الكلمة الأزلى، ابن الله، الأقنوم الثانى فى الثالوث، قد صار إنسانًا حقيقيًا، صار واحدًا منا؛ لقد شفى إنسانيتنا وردها (إلى الله) بأن أخذها كلها لنفسه. وبكلمات قانون الإيمان:    ” أؤمن.. برب واحد يسوع المسيح.. إله حق من إله حق، واحد مع الآب فى الجوهر.. الذي لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء… ” هذا إذن هو رفيقنا فى الصقيع أو النار: الرب يسوع الذي أخذ جسدًا من العذراء، الواحد من الثالوث وهو واحد منا فى نفس الوقت، إلهنا ومع ذلك فهو أخونا.

 

يارب يسوع، ارحمنى:

          فى فصل سابق[1]، تبحرنا فى المعنى الثالوثى لصلاة يسوع، ” يارب يسوع المسيح، ابن الله، ارحمنى أنا الخاطئ “. فلنتأمل الآن ما تخبرنا به هذه الصلاة عن تجسد يسوع المسيح، وشفائنا به وفيه.

          هناك قطبان فى صلاة يسوع أو هناك نقطتان هما طرفان: 

القطب الأول: “ياربى.. ابن الله”: تتحدث الصلاة أولاً عن مجد الله، معترفة بيسوع أنه رب كل الخليقة وبأنه الابن الأزلى. وفى القطب الثانى أى فى نهايتها تتجه الصلاة إلى حالتنا كخطاة ـ خطاة بسبب السقوط، خطاة بسبب أعمالنا الشخصية فى فعل الخطأ: “.. أنا خاطئ”. (فى معناها الحرفى فى النص اليونانى هي أكثر تأكيدًا، إذ يقول، “أنا الخاطئ” وكأنه يقول أنا الخاطئ الوحيد).

 

          وهكذا فالصلاة تبدأ بالتمجيد وتنتهي بالتوبة. فمن هو أو ما هو الذي يصالح هذا القطبان المختلفان تمامًا: المجد الإلهي وخطيئة الإنسان ؟

          هناك ثلاث كلمات فى الصلاة تعطينا الإجابة. الأولى هي “يسوع” الاسم الشخصى المعطى للمسيح بعد ميلاده البشرى من مريم العذراء. هذا الاسم له معنى “مخلِّص”: كما قال الملاك للقديس يوسف خطيب مريم: “.. وتدعو اسمه يسوع؛ لأنه يخلص شعبه من خطاياهم ” (مت21:1)

          الكلمة الثانية هي اللقب “المسيح”، الترجمة اليونانية لكلمة “المسيا” العبرية، والتي تعنى “الممسوح” ـ أى الممسوح بروح الله القدوس. لأنه بالنسبة للشعب اليهودى فى العهد القديم، كان المسيا هو المخلص الآتى، والملك المنتظر، الذي سيحررهم من أعدائهم بقوة الروح.

          الكلمة الثالثة هي “رحمة”، وهي اللفظة التي تعنى “الحب العامل”، الحب الذي يعمل لجلب المغفرة والحرية والصحة الكاملة. سؤال الرحمة يعنى تبرئة الآخر (الذي يطلب الرحمة) من الذنب الذي لا يقوى على محوه بمجهوداته الشخصية، وإعفاءه من ديون لا يستطيع هو نفسه أن يوفيها، وشفاءه من المرض الذي لا يمكنه أن يجد له علاجًا بدون عون. إن كلمة ” رحمة ” تعنى فوق هذا أن يُمنح كل ذلك كهبة مجانية: فالذي يطلب رحمة ليس له على الآخر مطالبات، ولا حقوق يستند عليها.

          إذن، تدل صلاة يسوع على مشكلة الإنسان من جهة وعلى الحل الذي يقدمه الله من جهة أخرى. يسوع هو المخلص، الملك الممسوح، هو الشخص الرحيم. لكن الصلاة تخبرنا أيضًا بشىء آخر حول شخص يسوع نفسه. فنحن نخاطبه “يارب” و”ابن الله”: هنا تتحدث الصلاة عن لاهوته، وتعاليه وأزليته. لكننا أيضًا نخاطبه بالتساوى (فى هذه الصلاة) باسم “يسوع”، أى باسمه الشخصى الذي أعطته له أمه ويوسف بعد ولادته البشرية فى بيت لحم. وهكذا، فالصلاة تتحدث أيضًا عن إنسانيته، عن الحقيقة الأصيلة لميلاده ككائن بشرى.

 

          هكذا فإن صلاة يسوع هي تأكيد على الإيمان بيسوع المسيح كإله حقيقى وإنسان كامل معًا Theoanthropos أى ” الإله الإنسان “، الذي يخلصنا من خطايانا بالضبط لأنه إله وإنسان معًا وفى نفس الوقت.

          الإنسان لم يقدر أن يأتى إلى الله، لهذا أتى الله إلى الإنسان، بأن جعل نفسه إنسانًا. وفى محبته الفائقة أو “المذهلة” ecstatic، يوحدّ الله نفسه بخليقته بألصق ما يكون الاتحاد، بأن يجعل نفسه يصير ذلك الذي خلقه (أى الإنسان). والله، كإنسان، يحقق مهمة الوساطة التي رفضها الإنسان عند السقوط. ويعبر يسوع مخلصنا الهوة السحيقة بين الله والإنسان، لأنه هو الله والإنسان معًا فى آنٍ واحد، مثلما نقول فى إحدى الترانيم الأرثوذكسية عشية عيد الميلاد “اليوم اتحدت السماء والأرض، لأن المسيح وُلد. اليوم نزل الله إلى الأرض، وارتفع الإنسان إلى السماء “.

 

          التجسد إذن، هو فعل الله للخلاص، إذ يعيدنا إلى الشركة مع نفسه. لكن ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم يكن هناك سقوط؟ هل كان الله سيختار أن يصير إنسانًا حتى لو لم يخطئ الإنسان أبدًا؟ هل كان التجسد سيُعدّ هكذا ببساطة استجابة الله لورطة الإنسان الساقط، أم أن التجسد بطريقة ما، هو جزء من القصد الأزلى لله؟ هل يجب أن ننظر فيما وراء السقوط، ونرى فعل الله فى صيرورته إنسانًا على أنه هو التحقيق للغاية الحقيقية للإنسان؟

 

          ليس من الممكن لنا، فى وضعنا الحالى، أن نجيب إجابة نهائية على هذا السؤال الافتراضى. ولأننا نحيا فى ظل ظروف السقوط، فإننا لا نستطيع أن نتصور بوضوح ما كانت ستكون عليه علاقة الله بالبشرية، لو لم يكن السقوط قد حدث بالمرة. وقد جعل الكُتّاب المسيحيون فى معظم الأحوال مناقشتهم للتجسد قاصرة على إطار حالة الإنسان الساقطة. لكن كان هناك قلة منهم أخذوا على عاتقهم أن يكون لهم رأى أوسع، خاصة مار اسحق السريانى ومكسيموس المعترف فى الشرق، ودونس سكوتس   (Duns Scotus) فى الغرب. يقول مار اسحق السريانى إن التجسد هو أكثر الأمور المفرحة والمباركة الذي كان يمكن أن يحدث للجنس البشرى. فهل من الصواب، إذن، أن يكون سبب هذا الحدث المفرح شئ ما، كان يمكن أن لا يحدث أبدًا، وفى الحقيقة هو شئ كان ينبغى ألاّ يحدث؟ ويقول القديس مار اسحق، إنه من المؤكد أن أخذ الله لبشريتنا لا ينبغى أن نفهمه كفعل إصلاح ورد فقط، وليس فقط كمواجهة لخطية الإنسان، بل أيضًا وبشكل أساسى كفعل محبة، وكتعبير عن طبيعة الله الذاتية. فحتى لو لم يكن هناك سقوط، فإن الله فى محبته المتدفقة غير المحدودة كان سيختار أن يوحد نفسه مع خليقته بصيرورته إنسانًا.

 

          إن تجسد المسيح، عندما ننظر إليه من هذه الزاوية، يُحدث تأثيرًا أكبر من مجرد انعكاس السقوط أو مقلوبه وأكثر من رد الإنسان إلى حالته الأولى فى الفردوس. حين يصبح الله إنسانًا، تبدأ مرحلة جديدة جوهريًا فى تاريخ الإنسان، ولا يكون الأمر مجرد عودة إلى الماضى. فالتجسد يرفع الإنسان إلى مستوى جديد، وتكون الحالة الأخيرة أعلى من الأولى. وفى يسوع المسيح فقط نرى أكمل إمكانات طبيعتنا البشرية وقد انكشفت واستعلنت؛ وحتى ميلاد المسيح، لم تكن الملامح الحقيقية للشخص البشرى (Personhood) قد ظهرت بعد. إن ميلاد المسيح، كما يصفه القديس باسيليوس هو “ميلاد الجنس البشرى كله”. المسيح أول إنسان كامل ـ كامل، أى ليس فقط بمعنى (الصورة) أى أنه كمال محتمل، يمكن أن يتحقق فى المستقبل، مثلما كان آدم فى براءته قبل السقوط، بل بمفهوم ” المثال ” (likeness) المتحقق بالكامل. ليس التجسد إذن، هو ببساطة طريقًا لإزالة آثار الخطية الأصلية، بل هو مرحلة جوهرية عبر رحلة الإنسان من الصورة الإلهية إلى الشبه (المثال) الإلهي. فالصورة الحقيقية والمثال الحقيقى لله هو المسيح نفسه، وهكذا، ومنذ اللحظة الأولى لخلقة الإنسان على الصورة، فإن تجسد المسيح كان متضمنًا فعلاً بطريقة ما. إن السبب الحقيقى للتجسد، إذن، يكمن لا فى خطية الإنسان بل فى طبيعته غير الساقطة ككائن مخلوق على الصورة الإلهية وعنده الإمكانية للاتحاد بالله.

 

ثنائى لكنه واحد:

          ويتلخص الإيمان الأرثوذكسى عن التجسد فى القرار الذي يتكرر فى ترنيمة الميلاد للقديس رومانوس المرنم ” طفل مولود حديثًا، هو الله قبل الدهور ” وفى هذه العبارة القصيرة نجد ثلاثة تأكيدات:

          1 ـ يسوع المسيح إله بالتمام وبالكمال.

          2 ـ يسوع المسيح إنسان بالتمام وبالكمال.

          3 ـ يسوع المسيح ليس شخصين بل شخص واحد.

          وقد أعلنت المجامع المسكونية عن هذا الأمر وبتفصيل شامل تمامًا، فمثلما عنى مجمع نيقية (325) ومجمع القسطنطينية (381) بعقيدة الثالوث (أنظر الفصل الثانى)، هكذا اهتم مجمع أفسس بالتجسد.

 

          فقد أعلن مجمع أفسس المسكونى فى سنة 431م، أن العذراء مريم هي “الثيؤطوكوس” أى والدة الإله. وفى هذا اللقب تأكيد ضمنى، ليس عن العذراء أساسًا، بل عن المسيح: أى أن الله قد وُلِدَ وأن العذراء هي أم، لا لشخص بشرى متحد بالشخص الإلهي للكلمة (اللوغوس)، بل أم لشخص واحد غير منقسم هو الله المتأنس بأنٍ واحد[2] 000

          هناك تضاد فى الصياغة الفنية (التقنية) بين عقيدة الثالوث وعقيدة التجسد الإلهي. ففى حالة الثالوث، نحن نؤكد على جوهر واحد وحيد خاص أو طبيعة واحدة خاصة فى ثلاثة أقانيم (أو أشخاص). وفى حالة المسيح المتجسد، من جهة أخرى، فإن هناك طبيعتين؛ واحدة إلهية والأخرى بشرية، لكنهما متحدتان فى شخص واحد وحيد؛ هو الكلمة الأزلى الذي صار إنسانًا أو جسدًا. وكل ما قيل فى الأناجيل؛ وفعله المسيح أو عاناه وتألم به يُنسب إلى نفس الشخص الواحد نفسه، ابن الله الأزلى الذي وُلِد الآن كإنسان فى داخل الزمان والمكان.

 

          وإذا أردنا أن نحدد التعاريف المجمعية حول المسيح كإله متأنس فإن هناك مبدأين أساسيين بخصوص خلاصنا: الأول، الله وحده فقط يقدر أن يخلصنا فإن نبيًا أو معلمًا للبر لا يمكن أن يكون هو فادى العالم. إذن، فلكى يكون المسيح مخلصًا لنا، فلابد أن يكون بالتمام والكمال هو الله. ثانيًا، لابد أن يفى الخلاص بحاجة البشرية. وفقط إن كان المسيح هو بالتمام والكمال إنسانًا مثلما نحن، يمكن لنا نحن البشر أن نشترك فيما فعله لأجلنا.

          لهذا من الخطر المميت على عقيدة خلاصنا إن نحن اعتبرنا المسيح ـ مثلما فكّر الآريوسيون ـ كنوع من نصف إله موجود فى منطقة ضبابية متوسطة بين الإنسانية والألوهية. إن التعليم المسيحى عن خلاصنا يتطلب أن نكون متطرفين Maximalists. ولا ينبغى علينا أن نفكر فى المسيح على أنه  “نصف إله ونصف إنسان” (أو بالعامية “نص نص”). فليس المسيح يسوع 50% إلهًا و50% إنسانًا، بل هو 100% إله و100% إنسان فى وقت واحد معًا. أو بعبارة أخرى، فإن المسيح ” كامل فيما يخص ذاته، وكامل فيما يخصنا نحن.

 

          كامل فيما يخص ذاته: يسوع المسيح نافذتنا على المجال الإلهي، إذ يكشف لنا من هو الله ذاته ” الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي فى حضن الآب هو خبّر (جعله معروفًا ومعلومًا لنا) ” (يو18:1).

          كامل فيما يخصنا نحن: يسوع المسيح هو آدم الثانى، كاشفًا لنا عن السمة أو الخاصية الحقيقية لشخصيتنا البشرية. الله وحده هو الإنسان الكامل.

          فمن هو الله ؟ ومن أكون أنا ؟ لقد أعطانا يسوع المسيح الجواب على كلا هذين السؤالين.

 

الخلاص كمشاركة:

          الرسالة المسيحية عن الخلاص يمكن إيجازها على أفضل صورة بلغة “المشاركة”، أى بلغة التضامن والتوحد والتطابقidentification . إن فكرة المشاركة أو الشركة هي مفتاح للتعليم عن الله الواحد فى ثالوث، كما أنها مفتاح للتعليم عن الله المتجسد. ويؤكد تعليم الثالوث أنه، كما أن الإنسان يكون شخصًا بحق حينما يشارك الآخرين، هكذا فإن الله ليس شخصًا منفردًا يعيش وحده، بل هو ثلاثة أشخاص يشاركون حياة أحدهم الآخر فى محبة كاملة. والتجسد بالمثل هو تعليم عن المشاركة أو الشركة. فالمسيح يشاركنا ما نحن عليه مشاركةً كاملة، وهكذا يجعله ممكنًا لنا أن نشارك ما هو عليه (أو فيما هو عليه)، أى نشترك فى حياته ومجده الإلهييين؛ لقد صار ما نحن، ليجعلنا ما هو (أو صار ما نحن عليه ليصيرنا ما هو عليه).

 

          ويعبر القديس بولس عن هذا بشكل استعارى بلغة الغنى والفقر: ” فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من إجلكم افتقر وهو غنى لكى تستغنوا أنتم بفقره ” (2كو9:8). وغنى المسيح هو مجده الأبدى، وفقر المسيح هو تطابقه أو توحده الشخصى الكامل مع حالتنا البشرية الساقطة. وفى كلمات ترنيمة ميلاد أرثوذكسية ” إذ شاركتنا بالكامل فى فقرنا، فقد جعلت طبيعتنا الأرضية إلهية، باتحادك معها واشترتكك فيها”. المسيح يشاركنا موتنا، ونحن نشاركه حياته. هو ” أخلى ذاته ” ونحن ” نتمجد مجدًا عاليًا ” (أنظر فى5:2ـ9). إن نزول الله قد جعل ارتفاع الإنسان ممكنًا. ويكتب القديس مكسيموس المعترف: ” الغير المحدود حدّد نفسه بطريقة لا يُنطق بها، بينما اتسع المحدود إلى قياس الغير المحدود “.

 

          وكما قال المسيح بعد العشاء الأخير ” أنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتنى، ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فىّ ليكونوا مكمَّلين إلى واحد” (يو22:17ـ23). فإن المسيح يمكنّنا من أن نشترك فى المجد الإلهي للآب. فالمسيح هو الرابطة ونقطة اللقاء والتقابل: فلأنه إنسان، فهو واحد معنا؛ ولأنه إله، فهو واحد مع الآب. لهذا فبواسطته وفيه نحن واحد مع الله، ويصبح مجد الآب هو مجدنا. تجسد الله يفتح الطريق إلى تأليه الإنسان. فأن نُؤلَّه (أى نصير إلهيين)، معناه على وجه الخصوص جدًا، أن نكون “مُمسحَنين” (Christified): فالمثال الإلهي الذي دُعينا إلى بلوغه هو مثال المسيح. ومن خلال يسوع المسيح الإله المتأنس (أو الإله ـ الإنسان)، يمكن لنا نحن البشر أن “نُغرس فى الله” (ingoded) (ندخل فى الله)، نصير مُؤلَّهين (divinized)، أو يصيرنا” شركاء الطبيعة الإلهية” (2بط4:1). فالمسيح باتخاذه بشريتنا، وهو ابن الله بالطبيعة، قد صيَّرنا أبناء لله بالنعمة. فيه يتبنانا الله الآب، فنصير أبناءً فى الابن.

 

          هذه الفكرة عن الخلاص كشركة تتضمن أمرين بوجه خاص، حول التجسد الإلهي:

          أولاً، تتضمن أن المسيح لم يأخذ جسدًا بشريًا فقط مثل أجسادنا، بل أخذ أيضًا روحًا بشريًا وعقلاً ونفسًا مثلنا (مثل أرواحنا وعقولنا ونفوسنا). والخطية كما عرفنا (فى الفصل السابق ص59)، لا تستمد أصولها من أسفل بل من أعلى، هي ليست مادية فيزيقية فى أصلها بل هي روحية. إذن فإن العنصر من الإنسان الذي يحتاج أن يُفتدى ليس هو جسده فى المقام الأول بل هو إرادته ومركز اختياره الأخلاقى. فلو لم يكن للمسيح عقل بشرى، فإن ذلك سوف يؤثر بشكل خطير ومميت على المبدأ الثانى للخلاص، وهو أن الخلاص الإلهي يجب أن يصل إلى نقطة الاحتياج البشرى.

 

          إن أهمية هذا المبدأ قد أُعيد التأكيد عليها خلال النصف الثانى من القرن الرابع حين ابتدع أبوليناريوس النظرية ـ التي أُدين بسببها فورًا كهرطوقى ـ أنه عند التجسد أخذ المسيح فقط جسدًا بشريًا لكنه لم يأخذ عقلاً بشريًا ولا نفسًا عاقلة. وقد أجاب القديس غريغوريوس اللاهوتى على هذا بعبارة: ” ما لا يُؤخذ لا يَخلُّص (أو لا يُشفى)”. أى أن المسيح يخلصنا بصيرورته ما نحن عليه (أى بصيرورته إنسانًا)، هو يُشفينا بأخذه بشريتنا المكسورة لنفسه، (يشفينا) “بأخذه” هذه البشرية له خاصةً، وبدخوله فى خبرتنا البشرية وبمعرفته لها من الداخل بسبب كونه واحدًا منا. ولكن لو كانت مشاركته لبشريتنا ناقصة من أى ناحية، لأصبح خلاص الإنسان أيضًا ناقصًا بالمثل. فإن كنا نؤمن أن المسيح قد أتى إلينا بخلاصٍ كاملٍ شاملٍ، فيتبع ذلك أنه   ” إتخذ ” لنفسه كل شئ (فى طبيعتنا البشرية).

          ثانيًا، هذه الفكرة عن الخلاص كمشاركة تتضمن ـ على الرغم من أن كثيرين أحجموا عن قول ذلك صراحة ـ أن المسيح أخذ لا الطبيعة البشرية غير الساقطة بل الساقطة. وكما تؤكد الرسالة إلى العبرانيين (وفى كل العهد الجديد لا يوجد نص خريستولوجى (خاص بالمسيح) أكثر أهمية من هذا): ” ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثى لضعفاتنا بل مُجرّب فى كل شئ مثلنا، بلاخطية ” (عب15:4). لقد عاش المسيح حياته على الأرض فى ظل ظروف السقوط. هو نفسه ليس شخصًا خاطئًا، لكن بتضامنه مع الإنسان الساقط يقبل عواقب خطية آدم قبولاً تامًا، يقبل كليةً ليس فقط العواقب الجسدية الطبيعية كالتعب والألم الجسدى وبالتالى انفصال النفس عن الجسد بالموت، بل هو يقبل أيضًا العواقب الأخلاقية، كالشعور بالوحدة، والشعور بالغربة، والصراع الداخلى. قد يبدو شيئًا جسورًا أن ننسب هذا كله إلى الإله الحى، لكن تعليمًا رصينًا متماسكًا عن التجسد يستلزم كل ذلك. فلو كان المسيح قد أخذ فقط مجرد طبيعة بشرية غير ساقطة، وعاش حياته على الأرض فى وضع آدم فى الفردوس لَمَا كان قد تأثر أو شعر بضعفاتنا، ولا كان قد جُربَ فى كل شئ تمامًا مثلما نُجرب نحن: وفى تلك الحالة لا يكون هو “مخلّصنا ” الذي يخلصنا.

 

          ويذهب القديس بولس إلى حدٍ بعيد حتى أنه يكتب قائلاً: ” لأن الله جعل الذي لم يعرف خطية، خطية، لأجلنا ” (2كو21:5). ولا يجب أن نفكر هنا بلغة الإجراءات القضائية فقط، تلك التي اقتضت أن المسيح رغم أنه برئ بلا ذنب، قد حمل ذنبنا الذي ” نُسِبَ ” إليه (أو أُلصِقَ به) بشكلٍ خارجى: إن الأمر يتضمن ما هو أعمق من ذلك بكثير. فالمسيح يخلصنا باختباره “من الداخل” ـ كواحد منا ـ كل ما نعانيه نحن داخليًا من خلال معيشتنا فى عالم خاطئ.

 

لماذا الميلاد من عذراء:

          ذكر كتاب العهد الجديد صراحة أن أم يسوع المسيح كانت عذراء (مت25،23،18:1) إن ربنا له أب أزلى فى السماء، ولكن ليس له أب على الأرض. لقد وُلد خارج الزمن من الآب بدون أم، ووُلد فى الزمن من أمه بلا أب. وهذا الاعتقاد فى الميلاد العذراوى لا يقلل رغم ذلك أبدًا من ملء بشرية المسيح. فعلى الرغم من أن الأم كانت عذراء، كان هناك ميلاد حقيقى لطفل بشرى أصيل وحقيقى.

          ورغم ذلك، نتساءل، لماذا كان ميلاده كإنسان لابد أن يأخذ هذا الشكل الخاص ؟ والإجابة على ذلك أن عذراوية الأم تخدم كآية (كعلامة) على فرادة الابن. والعذراوية تفعل ذلك من خلال ثلاثة طرق وثيقة الصلة ببعضها:

          أولاً: حقيقة أن المسيح ليس له أب أرضى تعنى أنه يشير دائمًا إلى ما وراء وضعه فى المكان والزمان، إلى أصله السماوى والأزلى. فالطفل المولود من مريم هو بالحقيقة إنسان، لكنه “ليس إنسانًا فقط”، هو داخل التاريخ لكنه أيضًا فوق التاريخ. إن ميلاده من عذراء يؤكد أنه على الرغم من أنه متنازل (وحال على الأرض) إلاّ أنه أيضًا متعالٍ وسامٍ؛ وعلى الرغم من أنه إنسان كامل فهو أيضًا إله كامل.

          ثانيًا: حقيقة أن أم المسيح كانت عذراء تدل على أن ميلاده يجب أن يُنسب بطريقة فريدة إلى ” المبادرة الإلهية “. وعلى الرغم من أنه إنسان كامل، فإن ميلاده لم يكن نتيجة اتحاد جنسى بين رجل وامرأة، بل كان بطريقة خاصة، عمل الله ” المباشر “.

          ثالثًا: ميلاد المسيح من عذراء يؤكد أن التجسد لم يتضمن مجىء شخص جديد إلى الوجود. فعندما يولد طفل من أبوين بشريين، بالطريقة العادية، يبدأ شخص جديد فى الوجود. لكن شخص المسيح المتجسد ليس شخصًا آخر سوى الأقنوم الثانى فى الثالوث القدوس. ولهذا فعند ميلاد المسيح، لم يأتِ شخص جديد إلى الوجود، لكن الشخص الكائن سابقًا، شخص ابن الله بدأ الآن يحيا حسب طريقة وجود بشرية وإلهية معًا. لهذا فالميلاد العذراوى يُظهر وجود المسيح الأزلى السابق لتجسده.

 

          ولأن شخص المسيح المتجسد هو هو نفسه شخص الكلمة اللوغوس، فيحق أن نُلقب العذراء مريم بلقب “ثيؤطوكوس”، “والدة الإله” فهي أم، لا لابن بشرى عادى مرتبط بالابن الإلهي، بل هي أم لابن بشرى هو ابن الله الوحيد الجنس. ابن مريم هو هو شخص ابن الله نفسه؛ لهذا، وبفضل التجسد، فإن مريم هي بملء الحقيقة ” أم الله “.

          وبينما تضع الأرثوذكسية دور العذراء المباركة فى كرامة عالية كأم المسيح، فهي لا ترى حاجة إلى أية عقيدة (Dogma) عن ” الحبل بلا دنس”. وهذا التعليم كما حددته الكنيسة الكاثوليكية الرومانية فى عام 1854 ينص على أن مريم، ” من اللحظة الأولى للحبل بها ” بواسطة أمها القديسة حنة، كانت مبرأة من ” كل دنس الخطية الأصلية “. وثمة نقطتان بحاجة أن نفتكر فيهما هنا.

          أولاً، ومثلما سبق ولاحظنا (فى الفصل السابق عن السقوط ص79)، أن الأرثوذكسية لا تفهم السقوط بالمفاهيم الأغسطينية، كدنس من الذنب الموروث. فلو كنا نحن الأرثوذكس قد قبلنا الرأى اللاتينى عن الخطية الأصلية، لكنا ربما شعرنا أيضًا بالحاجة إلى تأييد التعليم عن الحبل بلا دنس. لكن لأن مصادرنا فى البحث مختلفة، لذلك فإن العقيدة اللاتينية تبدو لنا ليس فقط خاطئة جدًا بل بالحرى زائدة عن الحاجة ولا لزوم لها.

          ثانيًا: بالنسبة للأرثوذكسية، تشكل العذراء مريم، مع يوحنا المعمدان، تاج وذروة بتولية العهد القديم. هي الشخصية “الرابطة”: آخر وأعظم الأبرار من الرجال والنساء فى العهد القديم. وهي فى نفس الوقت، القلب الخفى للكنيسة الرسولية (أنظر أع14:1). لكن تعليم ” الحبل بلا دنس ” يبدو لنا وقد أخرج العذراء مريم من العهد القديم ليضعها مسبقًا فى العهد الجديد، كلية. وفى التعليم اللاتينى، فإنها لا تقف بعد على قدم المساواة مع القديسين الآخرين فى العهد القديم، ومن ثم فإن دورها ” كرابطة ” أو “حلقة وصل” يتعطل.

          وعلى الرغم من رفضها للتعليم اللاتينى عن “الحبل بلا دنس”، فإن الكنيسة الأرثوذكسية فى عبادتها الليتورجية تخاطب أم الله بأنها “بلا عيب”          (achrantos) و”كلية القداسة” (panagia) “التي بلا دنس بالكامل”         (panamomos). ونؤمن نحن الأرثوذكس أنها بعد موتها أُخذت إلى السماء، حيث تقيم الآن، بجسدها ونفسها ـ فى مجد أبدى مع ابنها. وهي بالنسبة لنا ” فرح كل الخليقة ” (قداس القديس باسيليوس) ” زهرة الجنس البشرى وباب السماء ” (التمجيد باللحن الأول) ” الكنز الثمين للعالم كله ” (القديس كيرلس الأسكندرى)، ونقول مع القديس مار أفرام السريانى:

          ” أنت وحدك، يا يسوع، مع أمك جميل من كل الوجوه:

          لأنه لا يوجد فيك عيب، ياربى، ولا دنس فى والدتك “.

          من هذا يمكن أن يُرى، علو المكانة التي نعطيها نحن الأرثوذكس، للعذراء القديسة، فى اللاهوت وفى الصلاة. هي بالنسبة لنا التقدمة الفائقة التي قدمها الجنس البشرى لله.

          وبكلمات إحدى الترانيم الميلادية:

          ” ماذا نقدم لك، أيها المسيح،

          أنت الذي من أجلنا قد ظهرت على الأرض كإنسان؛

          كل خليقة من صنعك تقدم لك التشكرات.

          الملائكة يقدمون تسبيحة؛ والسماء، تقدم لك نجمًا؛

          المجوس يقدمون الهدايا؛ والرعاة يقدمون دهشتهم؛

          الأرض تقدم مغارتها؛ والصحراء تقدم مذودًا؛

          ونحن نقدم لك ـ أمًا عذراء.

 

 

أطاع حتى الموت:

          تجسد المسيح هو بذاته عمل خلاصى. فالمسيح باتخاذه إنسانيتنا المكسورة لنفسه، فإنه يعيدها ويصلحها، وأيضًا ـ بكلمات ترنيمة ميلادية أخرى ـ “يرفع الصورة الساقطة”. ولكن لماذا كان الموت على الصليب ضروريًا؟ ألم يكن كافيًا أن يحيا أحد أقانيم الثالوث، كإنسان على الأرض، وأن يفكر وأن يشعر وأن يريد كإنسان، دون حاجة أن يموت أيضًا كإنسان؟

          إن تجسد المسيح كان يمكن فى الواقع أن يكفى كتعبير كامل عن حب الله الدافق، فى عالم غير ساقط، ولكن فى عالم ساقط وخاطئ كان يلزم لمحبته أن تذهب إلى ما هو أكثر من مجرد التجسد. فبسبب الوجود المأساوى للخطية والشر، صارت مهمة إعادة الإنسان تجديده مكلفة بغير حدود. كان يلزم للإنسان شفاء عن طريق فعل تضحية ذبائحى، وهي تضحية لا يستطيع أن يقدمها سوى إله متألم ومصلوب.

التجسد هو فعل اتحاد ومشاركة: فالله يخلصنا بأن يوّحد نفسه بنا، بأن يتعرف على خبرتنا البشرية من الداخل. فالصليب يعنى أن فعل المشاركة هذا قد وصل إلى أقصى حدوده وذلك بطريقة قاسية جدًا ومتصلبة إلى أقصى حد. فالإله المتجسد يدخل إلى اختبارنا البشرى دخولاً كاملاً. فيسوع المسيح رفيقنا، يشترك ليس فقط فى ملء الحياة البشرية، بل يشترك أيضًا فى ملء الموت البشرى. ” أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها” (إش4:53) ـ كل أحزاننا وكل أوجاعنا. ” فالذي لا يُؤخذ لا يُشفى”: لكن المسيح طبيبنا الشافى قد أخذ فى نفسه كل شئ، إنه قد أخذ حتى الموت نفسه.

          الموت له وجهان وجه طبيعى (جسدى) ووجه روحى، والوجه الروحى للموت هو الأكثر رعبًا. الموت الطبيعى هو انفصال جسد الإنسان عن نفسه؛ والموت الروحى هو انفصال نفس الإنسان عن الله. فحينما نقول إن المسيح ” أطاع حتى الموت ” (فى8:2)، فلا ينبغى أن نحصر معنى هذه الكلمات فى الموت الطبيعى وحده. فلا ينبغى أن نفكر فقط فى المعاناة الجسدية التي احتملها المسيح فى آلامه: كالجلد، والسقوط تحت ثقل الصليب، والمسامير، والعطش، والحرارة والعرق، والتمزق الناتج عن التعليق مشدودًا على الخشبة. فالمعنى الحقيقى للآلام ينبغى أن نجده ليس فى هذه الآلام فقط، بل بالأكثر فى آلامه الروحية ـ فى الشعور بالإخفاق والعزلة والوحشة التامة، وفى التألم بسبب رفض محبته التي قدمها ولكنها رُفضت.

          ونحن نتفهم الطريقة المتحفظة التي تتحدث بها الأناجيل عن هذه المعاناة الداخلية، ومع ذلك فهي تزودنا ببعض اللمحات. فأولاً تخبرنا الأناجيل عن جهاد المسيح فى بستان جثسيمانى، حينما كان يغمره الرعب والفزع وهو يصلى إلى أبيه متألمًا: ” إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس ” (مت36:26). وكذلك تخبرنا عن سقوط ” عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض” (لو44:22). وكما يصر المطران أنطونيوس أسقف كييف، فإن جثسيمانى تزودنا بمفتاح عقيدتنا عن الكفارة بكليتها. فهنا (فى جثسيمانى) يواجه المسيح ضرورة الاختيار. فمن ناحية هو ليس محتمًا عليه أن يموت، بل هو يختار بإرادته الحرة أن يموت. وبتقديمه لنفسه بإرادته، فإنه يحوّل ما كان عنفًا عشوائيًا وقتلاً شرعيًا، إلى ذبيحة خلاصية. ولكن فعل الاختيار الحر هذا، هو فى غاية الصعوبة. فعندما قرر يسوع أن يسير نحو ساعة القبض عليه والصلب فإنه بكلمات “وليم لو” (William Law): “يختبر رعبًا وفزعًا شديدًا وهو ما تتسم به النفس الضائعة.. أى حقيقة الموت الأبدى “. وينبغى أن نعطى وزنًا كاملاً لكلمات المسيح فى جثسيمانى: ” نفسى حزينة جدًا حتى الموت ” (مت38:26)، ففى هذه اللحظة يدخل يسوع دخولاً تامًا فى اختبار الموت الروحى. وهو فى هذه اللحظة يوّحد نفسه مع كل يأس البشرية وتألمها الذهنى؛ وهذا التوّحد (بينه وبيننا) هو أكثر أهمية لنا من اشتراكه فى آلامنا الجسدية.

          ويقدم لنا الصليب لمحة ثانية حينما صرخ المسيح بصوت عظيم قائلاً: ” إلهي إلهي لماذا تركتنى” (مت46:27). وهنا أيضًا ينبغى أن نعطى تقديرًا ووزنًا كاملاً لهذه الكلمات، فهنا نجد ذروة الشعور بالتخلى والهجر بالنسبة للمسيح، حينما يشعر ليس فقط بتخلى الناس عنه، بل أيضًا بتخلى الآب عنه. ولا يمكننا أن نبدأ بشرح كيف يكون ممكنًا بالنسبة للذى هو نفسه الإله الحى، أن يضيع منه الشعور بالحضور الإلهي. ولكن هذا هو الأمر الواضح أمامنا. فلا يوجد فى آلام المسيح أى نوع من التمثيل ولم يعمل شيئًا فى آلامه للاستعراض الخارجى. فكل كلمة على الصليب تعنى تمامًا ما تقول، وإن كانت صرخة “ إلهي إلهي..” تعنى شيئًا على الإطلاق، فينبغى أن تعنى أن يسوع فى هذه اللحظة كان يختبر الموت الروحى الذي هو الانفصال عن الله (بمعنى تخلى الآب وحجب وجهه عنه). فهو لم يسفك فقط دمه لأجلنا، بل قَبِلَ من أجلنا حتى فقدان الله أيضًا.

          “ونزل إلى الجحيم [3] (قانون إيمان الرسل)، هل يعنى هذا فقط أن المسيح ذهب ليكرز للأرواح المنتقلة، فى الفترة بين مساء الجمعة العظيمة وفجر القيامة (أنظر 1بط19:3). ولكن بالتأكيد أن لهذه العبارة أيضًا معنى أعمق. فالجحيم ليس نقطة فى مكان ما بل فى النفس. الجحيم هو المكان الذي لا يكون الله موجودًا فيه (ومع ذلك فالله موجود فى كل مكان!). “فنزول المسيح إلى الجحيم ” يعنى نزوله إلى الأعماق التي يغيب الله عنها. وقد وحّد المسيح نفسه كلية وبدون أى تحفظ مع كل معاناة الإنسان ووحشته وإحساسه بالعزلة والرفض. لقد أخذ على عاتقه كرب الإنسان، وبإتخاذه إياه فقد شفاه.

 

          لم تكن هناك طريقة أخرى يمكنه أن يشفي بها (كرب الإنسان) سوى بأن يجعل الألم والكرب خاصين به (بالمسيح).

          هذه هي رسالة الصليب لكل واحد منا، فمهما كانت المسافة التي علىَّ أن أسيرها فى وادى ظل الموت، “فأنا لست وحدى إطلاقًا“. فهنا أجد لى رفيقًا، وهذا الرفيق ليس فقط إنسانًا حقيقيًا مثلى، بل هو أيضًا إله حق من إله حق. ففى أعمق لحظات انسحاق المسيح على الصليب، هو فى نفس الوقت الإله الأزلى والحى كما كان هكذا تمامًا عند تجليه بالمجد على جبل طابور. وعندما أنظر إلى المسيح مصلوبًا لا أرى فقط إنسانًا متألمًا بل “إلهًا متألمًا “.

 

الموت نصرة وغلبة:

إن موت المسيح على الصليب ليس إخفاقًا تم تصحيحه فيما بعد بواسطة قيامته. فالموت على الصليب فى ذاته هو انتصار. ما الذي انتصر؟ ليس هناك إلاّ إجابة واحدة: انتصار المحبة المتألمةالمحبة قوية كالموت… مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة” (نش7،6:8). فالصليب يرينا المحبة التي هي قوية كالموت بل هي محبة أقوى من الموت.

          ويفتتح القديس يوحنا روايته عن العشاء الأخير والآلام بهذه الكلمات   ” فيسوع.. إذ كان قد أحب خاصته الذين فى العالم، أحبهم إلى المنتهي” (يو1:13). “إلى المنتهي” ـ وباللغة اليونانية تعنى “إلى النهاية”، أى “إلى الكمال”. وهذه الكلمة اليونانية Telos نجدها فيما بعد مستعملة فى الصرخة الأخيرة التي نطق بها على الصليب: ” قد أُكمّل” (يو30:19) وهذه الصرخة لا ينبغى أن تُفهم كصرخة استسلام أو يأس بل كصرخة انتصار: قد اكتمل، قد أُنجز، قد تحقق. ما هو الذي تحقق؟ ونجيب: عمل المحبة المتألمة، انتصار المحبة على البغضة. المسيح إلهنا قد أحب خاصته إلى المنتهي. لقد خلق العالم بسبب محبته، وبسبب المحبة وُلد فى هذا العالم كإنسان، وبسبب المحبة إتخذ إنسانيتنا المكسورة لنفسه وجعلها خاصة به. بسبب المحبة وحّد نفسه مع آلامنا. بسبب المحبة قدم نفسه ذبيحة واختار وهو فى جثسيمانى أن يمضى بإرادته إلى آلامه: ” وأنا أضع نفسى عن خرافى.. ليس أحد يأخذها منى بل أضعها أنا من ذاتى ” (يو18،15:10). فالذي أتى بيسوع إلى الموت لم يكن قهرًا خارجيًا، بل محبة قوية ومريدة. وفى جهاده فى البستان وعلى الصليب فإن قوات الظلمة تهاجمه بكل عنفها، ولكنها لا تستطيع أن تحوّل محبته إلى بغضة؛ لا تستطيع أن تمنع محبته من أن تظل كما هي. لقد امتُحنت محبته إلى أقصى حد ولكنها لم تُقهر. ” النور يضئ فى الظلمة والظلمة لم تبتلعه” (يو5:1). ويمكن أن نتكلم عن نصرة المسيح على الصليب بالكلمات التي تكلم بها كاهن روسى عند إطلاق سراحه من معسكر السجن، عندما قال: ” الألم قد حطم كل شئ، شئ واحد قد ظل ثابتًا ـ ألاّ وهو المحبة “.

 

          فعندما نفهم الصليب على أنه انتصار فهذا يضع أمامنا مضادة المحبة الكلية القدرة. ويقترب ديستوفسكى من المعنى الحقيقى لنصرة المسيح فى بعض عباراته التي يضعها على لسان الستارتز زوسيما[4]:

          [ يقف الإنسان مرتبكًا أمام بعض الأفكار، وخاصة أمام منظر الخطية البشرية، ويتحير الإنسان هل يقاومها بالقوة أم بالمحبة المتواضعة. قرّر وصمم دائمًا وقل سأقاومها بالمحبة المتواضعة. فإن عزمت على ذلك مرة واحدة، فإنك تستطيع أن تغلب العالم كله. التواضع المملوء محبة هو قوة مرعبة: إنه الأقوى بين الأشياء ولا يوجد شئ آخر مثله ].

 

التواضع المملوء محبة هو قوة مرعبة: فحينما نتخلى عن أى شئ أو نتألم من أى شئ لا بإحساس المرارة المرتبط بالتمرد، بل باستعداد ورغبة ونتيجة المحبة، فهذا لا يجعلنا أضعف بل اقوى. هكذا الأمر أيضًا ـ وأكثر من الكل ـ فى حالة يسوع المسيح. يقول القديس أغسطينوس إن ضعف المسيح كان قوة. إن قوة الله تظهر بالأكثر ليس فى خلقته للعالم أو فى أى معجزة من معجزاته بل بالحرى فى حقيقة أن الله بسبب محبته، قد ” أخلى نفسه” (فى7:2)، قد سكب نفسه فى عطاء سخى للذات باختياره الحر ورضاه بأن يتألم وأن يموت. وهذا الإخلاء للنفس هو تحقيق للذات: الإخلاء هو امتلاء (Kenosis is Plerosis) إن الله لا يكون فى أقصى قوته إلاّ كما يكون وهو فى غاية الضعف.

 

          المحبة والبغضة هما ليس مجرد مشاعر ذاتية، تؤثر فى العالم الداخلى لأولئك الذين يختبرونهما بل هما أيضًا قوتين موضوعيتين فعلاً، وهما تغيران العالم الذي حولنا خارج نفوسنا. بمحبة الآخر أو بغضه فإنى أجعل الآخر ـ إلى درجة ما ـ يتحول ليصير بحسب ما أراه أنا أو أراها. إن محبتى خلاّقة ليس فقط لنفسى بل لحياة كل الذين حولى، وبالمثل فإن كراهيتى هدامة. فإن كان هذا صحيحًا بالنسبة لمحبتى أنا فيكون صحيحًا بدرجة أعظم بما لا يُقاس بالنسبة لمحبة المسيح. فانتصار محبة المسيح المتألمة على الصليب ليس فقط يضع أمامى نموذجًا يبين لىّ ما يمكن أن أصل إليه إن تمثلت به بواسطة جهودى الخاصة، بل أكثر جدًا من هذا فإن محبته المتألمة لها تأثير خلاّق علىَّ ـ إذ أنها تغير قلبى وإرادتى، وتحررنى من العبودية وتجعلنى صحيحًا معافى، وتجعلنى قادرًا على أن أحب بطريقة تتجاوز قواىَّ تمامًا لو لم أكن قد نلت أولاً محبته لىّ. ولأنه وحّد نفسه معى بالمحبة، فإن انتصاره هو انتصارى. وهكذا فإن موت المسيح على الصليب هو بحق “موت خلاّق للحياة” (موت مُحيِى)، كما يصفه قداس القديس باسيليوس.

 

          إذن، فآلام المسيح وموته لهما قيمة موضوعية: لقد عمل لنا شيئًا كنا غير قادرين أن نعمله بدونه. وفى نفس الوقت، لا ينبغى أن نقول إن المسيح قد تألم “بدلاً منا”، بل بالحرى قد تألم “لأجلنا”. ابن الله تألم “حتى الموت”، لا لكى نُعفى نحن من الألم والمعاناة، بل لكى تكون آلامنا مثل ألامه. فالمسيح يقدم لنا طريقًا لا للهروب من الألم بل طريقًا للسير فى وسط الألم؛ فهو لا يقدم لنا مبادلة، بل يرافقنافى آلامنا وبمرافقته لنا يخلصنا.

          هذه هي قيمة صليب المسيح بالنسبة لنا. فإذا أخذناه وربطناه بالتجسد والتجلى اللذين يسبقانه، وبالقيامة التي حدثت بعده ـ فإن كل هذه إنما هي عناصر لعمل واحد لا تقبل الانفصال عن بعضها، أى أنها “دراما”. فإن الصلب ينبغى أن يُفهم على أنه أعظم وأكمل نصرة، وتضحية، ومثال. وفى كل الحالات فإن النصرة، والتضحية، والمثال، هي خاصة بالمحبة المتألمة:

          وهكذا فنحن نرى فى الصليب:

          النصرة الكاملة للتواضع المُحب على البغضة والخوف ؛

          التضحية الكاملة أى تقديم الذات الإرادى الذي للمحبة المشفقة ؛

          المثال الكامل لقوة المحبة الخلاّقة.

          وبكلمات جوليان (من نوريخ Julian of Norwich):

          “هل تريد أن تتعلم قصد سيدك فى هذا الأمر؟ تعلّمه جيدًا. المحبة كانت قصده. من الذي أظهرها لك؟ المحبة. ماذا أظهر لك؟ المحبة. لماذا أظهرها لك؟ لأجل المحبة. فأمسك أنت بها وأنت ستتعلم وتعرف أكثر فى نفس هذا الأمر (المحبة). ولكنك لن تعرف أو تتعلم هناك شيئًا آخر بغير حدود.. ثم قال ربنا الصالح يسوع المسيح: هل أنتِ مسرورة لأنى تألمت لأجلكِ؟ فقلت له: نعم أيها الرب الصالح، إنى أشكرك؛ نعم ياربى الصالح لتكن أنت مباركًا. حينئذٍ قال يسوع سيدنا الحنون: إن كنتِ مسرورة فأنا مسرور. إنه لفرح وإنه لسعادة وأمر مشبع لىّ بلا نهاية إننى عانيت الآلام لأجلكِ، وإن كان يلزم أن أتألم أكثر فإننى سوف أتألم أكثر”.

 

المسيح قام :

          بسبب أن المسيح إلهنا هو إنسان حقيقى، لهذا مات موتًا بشريًا تامًا، موتًا حقيقيًا على الصليب. ولكن لأنه ليس فقط إنسانًا حقيقيًا بل هو أيضًا إله حقيقى، بسبب أنه هو الحياة ذاتها ومصدر الحياة، فهذا الموت لم يكن ولا يمكن أن يكون الخاتمة النهائية.

 

          الصلب ذاته نصرة؛ ولكن النصرة تظل خفية يوم الجمعة العظيمة، ولكن فى فجر القيامة تصير النصرة ظاهرة مكشوفة. المسيح قام من بين الأموات وبقيامته يحررنا من القلق والخوف: فهنا تتأكد نصرة الصليب ويظهر بوضوح أن الحب أقوى من البغضة وأن الحياة أقوى من الموت. الله نفسه مات وقام من الأموات، وهكذا لم يعد هناك موت بعد. فحتى الموت قد صار مملوءًا بالله. وبسبب قيامة المسيح فلم نعد نخاف من أى ظلمة أو قوة شريرة فى الكون كله. وكما نعلن فى صلاة قداس ليلة القيامة ـ بكلمات للقديس يوحنا ذهبى الفم:

          لا أحد يخاف الموت،                                      لأن موت المخلص قد حررنا

          المسيح قام                                                                     والشياطين قد سقطت

          المسيح قام                                                                     والملائكة تتهلل

          هنا ـ مثلما فى مواقف أخرى ـ فإن الأرثوذكسية تصل إلى الطرف الأقصى. فنحن نكرر مع القديس بولس: ” إن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا، وباطل أيضًا إيمانكم” (1كو14:15). كيف نستمر أن نكون مسيحيين، إن كنا نعتقد أن المسيحية مؤسسة على أوهام ؟ وكما أنه لا يكفى أن نعتبر المسيح مجرد نبى أو مجرد معلم للبر، ولم نعتبره الإله المتجسد، هكذا أيضًا لا يكفى أن نشرح القيامة بقولنا أن “روح” المسيح عاش بطريقة ما وسط تلاميذه. فالذي لا يكون “إله حق من إله حق”، والذي لم يقهر الموت بموته وقيامته من بين الأموات، لا يمكن أن يكون هو خلاصنا ورجاؤنا.

 

          نحن الأرثوذكس نؤمن أنه قد حدثت قيامة حقيقية من بين الأموات، أى أن نفس المسيح البشرية قد عادت واتحدت بجسده البشرى، وأن القبر وُجد فارغًا. وبالنسبة لنا نحن الأرثوذكس حينما ندخل فى حوارات “مسكونية” ـ فإن أحد أهم الانقسامات وسط المسيحيين المعاصرين هي بين الذين يؤمنون بالقيامة والذين لا يؤمنون بها.

وأنتم شهود لهذه الأمور” (لو48:24). المسيح المُقام يرسلنا إلى العالم لنشرك الآخرين معنا فى “الفرح العظيم” الذي لقيامته. كتب الأب ألكسندر شميمان:

          [ المسيحية منذ بدايتها كانت هي الكرازة بالفرح، الكرازة بالفرح الوحيد الممكن على الأرض… بدون الكرازة بهذا الفرح تبقى المسيحية غير مفهومة. الكنيسة كانت منتصرة فى العالم لسبب واحد وهو أنها كانت مملوءة بالفرح، وهي فقدت العالم حينما فقدت الفرح، حينما توقفت عن الشهادة للفرح. من بين الاتهامات الموجهة للمسيحيين فإن أشدها هولاً هو الاتهام الذي نطق به نيتشه حينما قال: إن المسيحيين ليس عندهم فرح… الإنجيل يبدأ هكذا: ” ها أنا أبشركم بفرح عظيم..” وينتهي هكذا ” فسجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيم.. ” (لو10:2، 52:24).]

          [ اعتاد أحد الشيوخ أن يقول: نادى اسم يسوع باتضاع وبقلبٍ منسحق، اخبره بضعفك الشديد، وهو يصير قوتك ]                         من أقوال آباء البرية

          [ ما أسهل أن تقول مع كل نَفَس: ياربى يسوع، ارحمنى! اباركك ياربى يسوع، ياربى يسوع، أعنى ]                                   القديس مقاريوس المصرى

          [ كل الآمال، والخطط، والعادات، والحسابات ـ وفوق الكل ـ المعنى، معنى الحياة، كل هذه تطير إلى داخل القبر المظلم المفتوح. المعنى فقد معناه، وهناك معنى آخر يفوق الإدراك هذا المعنى جعل للإنسان أجنحة تنمو فى ظهره… واعتقد أن أى إنسان يكون له هذا الاختبار للأبدية ـ ولو مرة واحدة، الإنسان الذي عرف طريقه الذي يسير فيه، ولو مرة واحدة ؛ ذلك الذي رأى “ذاك” الذي يسير أمامه، ولو مرة واحدة ـ مثل هذا الشخص سيجد أنه من الصعب أن يتحول عن هذا الطريق: فبالنسبة إليه، كل راحة تبدو سريعة الزوال، كل الكنوز لا قيمة لها، وكل الرفقاء لا لزوم لهم إذا فشل فى ان يرى بينهم ” الرفيق الوحيد”، حاملاً صليبه ]       

الأم ماريا من باريس

(هذه السطور كتبتها بعد وفاة طفلها)[5]

          [ الحق بالنسبة لنا ليس منظومة فكرية. الحق غير مخلوق. الحق كائن. المسيح هو الحق. الحق شخص. الحق ليس منحصرًا فى حدود إدراكنا له. الحق يسمو فوق إدراكنا، نحن لا نستطيع أن نبلغ إلى إدراك كامل للحق. البحث عن الحق هو البحث عن شخص المسيح.

          الحق هو سر شخص المسيح، ولأن الحق هو شخص، فإن السر مرتبط بدون انفصال بالحدث: حدث المقابلة. السر والحدث هما واحد.

          السر، عند الذهن الأرثوذكسى، هو حقيقة دقيقة وبسيطة تمامًا. السر هو المسيح، وهو أن تلتقى بالمسيح ]                                       (الأم ماريا من نورماندى)

          [ الرب قد صار كل شئ لأجلك، وأنت ينبغى ان تصير كل شئ لأجل الرب ]                                                                                               القديس يوحنا من كرونستادت

          [ لو لم يكن (المسيح) قد اتخذ (على عاتقه) الإنسان كله لما كان الإنسان كله قد خَلُص ]                                                                                                     أوريجينوس

 

[ عجيبة مدهشة قد أتت اليوم،

الطبيعة تجددت، والله صار إنسانًا.

ما كان عليه،       ظل كما هو،

وما لم يكن عليه، ذلك قد أخذه لنفسه

وأثناء آلامه ليس هناك اختلاط ولا انقسام

كيف أخبر عن هذا السر العظيم ؟

فذاك الذي هو بدون جسم صار متجسدًا،

الكلمة لبس جسدًا ؛

غير المرئى صار مرئيًا ؛

والذي لا تستطيع اليد أن تلمسه صار يُمسك ؛

والذي ليس له بداية، يبدأ الآن أن يوجد ؛

ابن الله صار ابن الإنسان:

يسوع المسيح هو نفسه، أمس، واليوم وإلى الأبد ]

(من صلاة عشية عيد الميلاد)

[ من لنا مثلك، يارب ؟

العظيم الذي صار صغيرًا، الساهر الذي نام، الطاهر الذي اعتمد، الحى الذي مات، الملك الذي حقر نفسه ليضمن الكرامة للجميع.

مباركة كرامتك، يجب على الإنسان أن يعترف بألوهيتك،

ويليق بالسمائيين أن يسجدوا لبشريتك.

الكائنات السمائية ذُهلت إذ رأتك كيف صرت صغيرًا جدًا.

والكائنات الأرضية ذُهلت إذ رأتك مُمجدًا جدًا ]

القديس مار افرآم السريانى

          [ لأن المسيح هو المحبة الكاملة، لذلك فحياته على الأرض لا يمكن أن تصير حياة من الماضى. هو يظل “حاضر” طوال الأبدية كلها. كان وحيدًا عندئذ، وحمل وحده خطايا البشر جميعًا كوحدة واحدة. ولكن فى موته، أخذنا جميعًا فى عمله. لذلك فالأنجيل حاضر معنا الآن. ويمكننا أن ندخل داخل ذبيحته الخاصة ]                                                                                         (الأم ماريا من نورماندى)

[ ذاك الذي لا يمكن لأحد أن يلمسه، يُقبض عليه ؛

ذاك الذي يحل آدم من اللعنة، يُربط.

ذاك الذي يمتحن القلوب وأفكار الإنسان الداخلية، يؤتى به إلى المحاكمة ظلمًا ؛

ذاك الذي أغلق الجحيم يُوضع فى الحبس.

ذاك الذي تقف أمامه قوات السماء مرتعدة، يقف أمام بيلاطس ؛

الخالق يُضرب بيد خليقته ؛

ذاك الذي سيأتى ليدين الأحياء والأموات يُحكم عليه بالصلب ؛

محطِّم الجحيم يُغلق عليه فى قبر.

يا من احتملت كل هذه الأمور بمحبتك الرقيقة،

يا من خلصت جميع الناس من اللعنة،

أيها الرب الطويل الآناة.. المجد لك ].

(من صلوات الجمعة العظيمة)[6]

          [ أعمق أساس للرجاء والفرح، وهو الأساس الذي يميز الأرثوذكسية ويتغلغل فى كل عبادتها، هو القيامة. عيد القيامة، محور العبادة الأرثوذكسية هو انفجار للفرح، نفس الفرح الذي شعر به التلاميذ حينما رأوا المخلص المُقام. عيد القيامة هو انفجار فرح الكون بانتصار الحياة، بعد الحزن الغامر على الموت ـ الموت الذي عاناه رب الحياة حينما صار إنسانًا “. لتفرح السموات ولتتهلل الأرض، وليحتفل العالم كله المنظور وغير المنظور بالعيد، لأن المسيح فرحنا الأبدى قد قام “. كل الكائنات قد امتلأت الآن بيقين الحياة، بينما كانت قبل ذلك تسير بإطراد نحو الموت.

          الأرثوذكسية تشدد بأصرار على إيمان المسيحية بانتصار الحياة ].

الأب دوميترو ستانيلو

          [عندما يكون الإنسان سجينًا فى معسكر سوفيتى بسبب معتقداته الدينية، عندئذ فقط يمكنه أن يفهم حقًا سر سقوط الإنسان الأول، والمعنى التصوفى (mystical) لافتداء كل الخليقة، ونصرة المسيح العظيمة على قوات الشر. إننا، إذ نتألم لأجل مبادئ الإنجيل المقدس فعندئذ فقط يمكننا أن نفهم بوضوح ضعفنا وخطيئتنا، وندرك عدم استحقاقنا بالمقارنة بالشهداء العظام للكنيسة الأولى. وعندئذ فقط يمكننا أن نفهم أن الوداعة والتواضع العميقين هما ضرورة قصوى، وبدونهما (بدون الوداعة والتواضع العميقين) لا يمكننا أن نخلص؛ عندئذ فقط يمكننا أن نبدأ فى تمييز الصورة العابرة لما هو منظور، كما نميز الحياة الأبدية لما هو غير منظور.

          فى يوم عيد القيامة (الفصح) ـ نحن جميعًا الذين كنا مسجونين بسبب معتقداتنا الدينية ـ اتحدنا معًا فى الفرح الواحد ـ فرح المسيح. لقد انجذبنا كلنا إلى شعور واحد، إلى انتصار روحانى واحد، ممجدين الإله الأبدى الواحد. لم يكن هناك قداس عيد القيامة المهيب المصحوب بصوت أجراس الكنيسة، ولم يكن هناك أى احتمال فى معسكرنا أن نجتمع للعبادة، أو أن نرتدى ملابس العيد، أو أن نعد أطباق عيد الفصح. بل بالعكس، كان هناك عمل أكثر وتدخّل أكثر من المعتاد فى شئون حياتنا. كل السجناء هنا بسبب معتقداتهم الدينية ـ أيًا كانت الكنيسة التي ينتمون إليها ـ كانوا محاصرين بتجسس أكثر، وبتهديدات أكثر من البولس السرى.

          ومع ذلك، فعيد القيامة (الفصح) كان هناك: عظيمًا، مقدسًا، روحانيًا، وغير ممكن نسيانه. نال عيدنا الفصحى بركة حضور إلهنا القائم (الحى) فى وسطنا ـ نال عيدنا بركة هدوء وسكون نجوم صحراء سيبريا، كما نال عيدنا بركة أحزاننا.

          كم هو عجيب أن تنبض قلوبنا بفرح عظيم وهي تشترك فى القيامة العظيمة.

          انهزم الموت، لم يعد هناك خوف، لقد أُعطىَ لنا فصح أبدى! وها نحن ـ ونحن ممتلئون بهذا الفصح العجيب ـ نرسل لكم من معسكر سجننا، الأخبار المنتصرة والفرحة: المسيح قام

(خطاب مرسل من معسكر اعتقال سوفيتى)

 

[1] يشير إلى الفصل الثانى ” الله ثالوث ” فى الجزء الخاص بصلاة ” ياربى يسوع.. ” (ص17).

2 بعد مجمع أفسس سنة 431م، ذكر المؤلف المجامع المسكونية عند الروم الأرثوذكس من الرابع إلى السابع، وعلاقتها بالتجسد. وما جاء فى قرارات هذه المجامع هو عبارة عن الإيمان بالثالوث وباتحاد الطبيعتين فى شخص ابن الله المتجسد الواحد، سبق أن أوردته المجامع الثلاث الأولى التي تعترف بها كنيستنا القبطية (المعرب).

3  وردت أيضًا فى القداس القبطى.

1 ديستوفسكى هو الروائى الروسى العالمى الشهير فى القرن التاسع عشر، وشخصية زوسيما هي إحدى شخصيات رواية ” الاخوة كارمازوف “.

3 راهبة روسية كانت متزوجة قبل الرهبنة، فى الفترة الأخيرة من حياتها كرست نفسها لخدمة المرضى والفقراء والسجناء فى فرنسا، وتوفيت فى معسكرات النازى فى رافنزبروك بألمانيا سنة 1945.

1  من صلوات الجمعة العظيمة عند الروم الأرثوذكس.

 

 

الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد