أكليمندس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
أكليمندس الإسكندري ؟
أكليمندس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
القديس أكليمندس الإسكندري (150 – 215م):
كان القديس فلافيوس تيطس أكليمندس، المعروف بأكليمندس الإسكندري (Titus Flavius Clement) مديراً لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية وتلميذاً للعلامة بنتينوس ومُعلماً لكل من العلامة أوريجانوس وهيبوليتوس وكان كما يصفه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري: ” متمرساً في الأسفار المقدسة “. فقد تعلم مع استاذه العلامة بنتينوس دراسة الأسفار المقدسة: ” وفي ذلك الوقت اشتهر أكليمندس إذا تعلم معه (بنتينوس) الأسفار المقدسة “[1]. ودعاه القديس كيرلس أنه: ” كان شغوفًا في التعلم ” و “خبيرًا في التاريخ اليوناني “. وقال عنه القديس جيروم: ” مجلداته المعروفة مملوءة علمًا وفصاحة، يستخدم الكتب المقدسة والأدب الدنيوي، في رأيي أنه أكثر الجميع علمًا “[2].
وكان لأكليمندس دور كبير في الصلة بين تلاميذ المسيح ورسله، أو ما يسميه البعض بالسند المتصل، فقد كان حلقة الوصل بين التلاميذ والرسل ومن تتلمذ على أيديهم وصار من خلفائهم ومن كانوا في جيله، وينقل لنا يوسابيوس عن كتابه وصف المناظر أنه أستلم التقليد بكل دقة من الذين تسلموه من الرسل، فقد كان هو نفسه خليفة تلاميذ الرسل أو كما يقول هو عن نفسه إنه ” التالي لخلفاء الرسل “[3]، ” ويعترف بأن أصدقاءه قد طلبوا منه بإلحاح أن يكتب من أجل الأجيال المتعاقبة التقاليد التي سمعها من الشيوخ الأقدمين “[4]، وذلك باعتباره أحد خلفائهم.
ومن ثم فقد سجل التقليد الشفوي الذي سمعه ورآه وتعلمه وعاشه وحوله إلى تقليد مكتوب، كما شرحه ودافع عنه. وينقل عنه يوسابيوس، أيضاً، قوله عن معلميه الذين استلم منهم التقليد ” وقد حافظ هؤلاء الأشخاص على التقليد الحقيقي للتعليم المبارك، المسلم مباشرة من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس، إذ كان الابن يتسلمه عن أبيه (وقليلون هم الذين شابهوا آباءهم) حتى وصل إلينا بإرادة الله لنحافظ على هذه البذار الرسولية “[5].
ويقول عنه القديس جيروم أنه كان ” تلميذا لبنتينوس وأدار المدرسة اللاهوتية بالإسكندرية بعد نياحة معلمه، كان معلما وخاصة لطريقة السؤال والجواب (Catechetes). ألف عدة كتب في كل من الإنجيل المقدس والعلوم اللاهوتية ملأها بالعلم والروعة “[6].
وكان واسع الإطلاع جدا في كل العلوم والمعارف في عصره، ويقول عنه أحد العلماء أنه اقتبس من 359 كاتب كلاسيكي ومن غيرهم من الكتاب غير المسيحيين، ومن 70 كاتبا كتابيا بما في ذلك الأسفار القانونية الثانية ومن 36 كاتب آبائي ومن الكتب الأبوكريفية بما فيهم هراطقة. وكان أجمالي ما اقتبسه من اقتباسات وأستشهادات حوالي 8000 أكثر من ثلثها من كتاب وثنيين[7].
وكان محبا للقراءة لمعرفة الحق. يظهر اتساع إطلاعه في كتاباته حيث أقتبس أكثر من 700 نصا من 348 مؤلفا وربما أكثر وقد أقتبس من أسفار العهد الجديد 1433 مرة، منها 591 من الأناجيل الأربعة و731 اقتباسا من رسائل القديس بولس الرسول و111 من بقية العهد الجديد[8]. وكان الكتاب المقدس بالنسبة له هو المرجع الأخير والحاسم, فقد أمن أن ” الذي يؤمن بالكتاب المقدس وبصوت الرب العامل لخير البشرية هو المؤمن الحقيقي “[9].
أما عن قائمته الخاصة بالأسفار القانونية فقد نقلها لنا المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري عن الجزء المفقود من كتابه ” وصف المناظر Hypotyposes “، حيث يقول: ” وبالاختصار فقد قدم في مؤلفه ” وصف المناظر ” وصفا موجزا عن جميع الأسفار القانونية دون أن يحذف الأسفار المتنازع عليها، أعني رسالة يهوذا والرسائل الجامعة الأخرى، ورسالة برنابا[10]، والسفر المسمى رسالة بطرس[11].
ويقول أن الرسالة إلى العبرانيين[12] من تأليف بولس، وأنها كتبت إلى العبرانيين باللغة العبرية، ولكن لوقا ترجمها بدقة ونشرها إلى اليونانيين، ولذا فأنه يوجد في نفس أسلوب التعبير الذي في سفر الأعمال.
ويرجح بأن كلمتي ” بولس الرسول ” لم توضعا في مقدمة الرسالة لأنه إذ أرسلها إلى العبرانيين المتحاملين عليه والمتشككين فيه كان حكيما إذا لم يشأ أن ينفرهم منذ البداية بذكر اسمه.
بعد ذلك يقول: والآن كما قال الشيخ المبارك، لأن الرب رسول القدير أُرسل إلى العبرانيين، فأن بولس إذا أُرسل إلى الأمم لم يشأ أن يعتبر نفسه رسول العبرانيين وذلك تأدبا منه. وهو إذ كان سفيرا ورسولا للأمم لم يكتب إلى العبرانيين إلا لغزارة مادته “.
وفي نفس الكتاب أيضاً يقدم أكليمندس تقليد الآباء (presbyters) الأولين عن ترتيب الأناجيل على الوجه التالي: فيقول أن الإنجيلين المتضمنين نسب المسيح كتبا أولاً. أما الإنجيل بحسب مرقس فقد كانت مناسبة كتابته هكذا: لما كرز بطرس بالكلمة جهارا في روما. وأعلن الإنجيل بالروح، طلب كثيرون من الحاضرين من مرقس أن يدون أقواله لأنه لازمه وقتا طويلاً وكان لا يزال يتذكرها. وبعد أن دون الإنجيل سلمه لمن طلبوه.
ولما علم بطرس بهذا لم يمنعه من الكتابة ولا شجعه عليها. وآخر الكل لما رأى يوحنا أن الحقائق الخارجية قد دونت بوضوح في الإنجيل كتب إنجيلا روحيا[13]. هذه رواية أكليمندس “[14].
وكما قلنا أعلاه فقد اقتبس أكليمندس الإسكندري من 359 كاتب كلاسيكي ومن غيرهم من الكتاب غير المسيحيين، ومن 70 كاتبا كتابيا بما في ذلك الأسفار القانونية الثانية ومن 36 كاتب آبائي ومن الكتب الأبوكريفية بما فيهم هراطقة، ومن ضمن هذه الاقتباسات ما اقتبسه من الأناجيل بحسب العبرانيين والمصريين وتقاليد متياس وكرازة بطرس ورسالة أكليمندس الروماني والديداكية ورسالة برنابا وراعي هرماس ورؤيا بطرس. فقد رأى في كل كتاب أما شيء من التقاليد أو نوع ما من الوحي، يقول بروس متزجر أن أكليمندس الإسكندري كان يعرف أناجيل أخرى بجانب الأناجيل الأربعة وقد قبلها بصفة بدائية، فقد أشار إلى الإنجيل بحسب المصريين 8 مرات وإنجيل العبرانيين 3 مرات وتقاليد متياس 3 مرات، وعلى الرغم من أنه أشار مرة واحدة إلى إنجيل العبرانيين بعبارة ” مكتوب في الإنجيل بحسب العبرانيين ” فقد قلل من سلطته بسب ما أحدثه فيه الغنوسيين[15].
ويعلق على إحدى عبارات إنجيل المصريين الأبوكريفي قائلاً: ” ليس لدينا هذا القول [من يسوع لسالومي] في الأناجيل الأربعة التقليدية ولكن في الإنجيل بحسب المصريين “[16].
كما اقتبس أكليمندس من الرسالة إلى أكليمندس الروماني 12 مرة وكذلك من كرازة بطرس، ويعلق عالم النقد الكتابي بروس متزجر على ذلك بقوله: ” أنه [أكليمندس] يشير إلى أورفيوس (Orpheus) كلاهوتي ويتحدث عن أفلاطون كما لو أنه تحت الوحي الإلهي، حتى ميترودورس (Metrodorus) الابيقوري ينطق بكلمات موحى بها إلهياً. لذا فليس من المدهش أن يقتبس فقرات من رسالة أكليمندس الروماني ورسالة برنابا وراعي هرماس ورؤيا بطرس كأنها موحى بها “[17]. كما يقتبس من الدياديكية دون أن يشير إليها[18].
ولكن لم يقل أحد أن هذه الكتب موحى بها مثل الأسفار التي كتبها تلاميذ المسيح ورسله بالروح القدس، بل اقتبس منها كما اقتبس من كتب الفلاسفة اليونانيين، الذي أختلف معهم في الكثير وأتفق في القليل، ككتب نافعة. ويعلق فليب شاف على قول البعض أنه اقتبس من رسالة برنابا كوحي إلهي ويقول: ” وهو يقتبس من برنابا مع بعض الاضافات والحذف فأين في كلامه ما يقول أنه يؤمن بها كوحي مقدس؟ “[19].
فقد اعترف القديس أكليمندس الإسكندري بكل الأسفار الموحي بها، ومن ضمنها الأسفار التي تأخر قبولها في بعض الكنائس، والتي كان البعض يسمونها بالأسفار المتنازع عليها، وأكد أن كاتب الرسالة إلى العبرانيين هو القديس بولس الرسول، ولكنه لم يعترف بوحي أي من الكتب التي كتبها خلفاء وتلاميذ الرسل مثل رسالة برنابا ورسالة أكليمندس وراعي هرماس، والتي رأي فيها، هو وكل الآباء في كل العصور، كتب نافعه ومفيدة، وكذلك الأسفار المرفوضة مثل رؤيا بطرس.
ويعلن عن موقفه من الأسفار المقدسة والكتب الأبوكريفية التي كتبها الهراطقة في نهاية الكتاب السابع من مؤلفه المتفرقات (Stromata) عن الهراطقة والهرطقات[20] ويرى أن ” الحق ” هو العنصر الأساسي في المسيحية. أما المبدأ الأول للحق فهو الرب المتكلم من خلال الكتاب المقدس[21], الرب الذي قاد الأنبياء والإنجيليين والرسل هذا الذي منه أخذنا براهين إيماننا.
فقد قبلنا الحق من خلال الكتاب المقدس, من خلال صوت الرب نفسه وليس من خلال آراء الناس كما يفعل الهراطقة, فأن الهراطقة وأن كانوا يستخدمون الكتاب المقدس لكنهم لا يعرفون الحق. أنهم يقرأون الكتاب المقدس بطريقة سطحية, يقرأون دون أن يدخلوا إلى أعماقه. بهذا لا يتعلمون أسرار معرفة الكنيسة[22]. أنهم ليسوا من النضوج ليستوعبوا عظمة الحق.
كما يؤكد على حقيقة أن الهراطقة يسرقون مقتطفات من الحق ويدفنونها في نظام فكرى بشرى, يقتطفون عبارات متفرقة ومقاطع غامضة ويشكلونها حسب أهوائهم. وهم بهذا لا يدخلون الكنيسة من بابها الرئيسي إنما يدخلون من باب جانبي خفي, لهذا يصير الكتاب المقدس بالنسبة لهم بلا فائدة. أما بالنسبة إلى الكنيسة فالكتاب يكون أشبه بالقديسة مريم العذراء التي تحمل أسرار الحق مخفية داخلها, فتنجب الحق.
وفيما يلي مقتطفات من أقوال أكليمندس عن الهراطقة وعلاقتهم بالكتاب المقدس:
” أن كان الذين يتبعون الهرطقات يتجاسرون ويحتمون في الكتب النبوية فأنهم في المقام الأول لا يستخدمون الكتب المقدسة كلها ولا يقتبسون العبارات كاملة, إنما يختارون عبارات غامضة يحرفونها لخدمة آرائهم الخاصة ويجمعون عبارات قليلة من هنا وهناك, غير مهتمين بالمعنى إنما بمجرد استخدام الكلمات. وتجدهم في اغلب اقتباساتهم يهتمون بالألفاظ وحدها محرفين المعنى, فلا يستخدمون الاقتباسات التي يدللون بها في طبيعتها الحقيقية “[23].
” مع أنهم يتحدثون عن الله الواحد, ويسبحون بالترانيم للمسيح, لكنهم لا يتكلمون بالتدقيق, مخالفين الحق, لقد اكتشفوا أخر وقبلوا مسيحا ليس حسب النبوات. هؤلاء تعاليمهم باطلة تعارض الحق وهم ضدنا “[24].
” ليت من قبل الإنجيل مرة, حتى وعرف الخلاص لو لساعة, أن لا ينظر إلى الوراء كما فعلت امرأة لوط ولا يرتد إلى حياته الأولى المرتبطة بالحسيات والهرطقات “[25].
ويجب أن نعرف أن غلبية الآباء والعلماء يتفقون على أن كل من الإنجيل بحسب العبرانيين والإنجيل بحسب المصريين، هو نفسه الإنجيل للقديس متى كما كتب باللغة العبرية ولكن الأبيونيين والفرق التي استخدمته عدلته وحذفت منه وجعلته يتناسب مع أفكارها. وأن ما عرف بإنجيل متياس هو تقاليد قديمة نقلت تحت اسم تقاليد متياس. ومن هنا اقتبس بعض فقراتها بعض الآباء لأنها تمثل نصوص شبيهة نسبيا من نصوص الأناجيل القانونية أو أنها فقرات كانت محفوظة في ذاكرة الكنيسة كتقليد شفوي. وفيما يلي هذه الفقرات التي اقتبسها من هذه الكتابات:
1 – إنجيل العبرانيين:
والذي ننقل عنه هذين الاقتباسين:
” كما هو مكتوب أيضاً في الإنجيل بحسب العبرانيين: من يدهش يملك. ومَنْ يملك يَذُق الراحة “[26].
” لأن تلك الكلمات لها نفس القوة مثل: من يبحث لن يتوقف حتى يجد، وعندما يجد سيدهَش. وعندما يدهش سيملك وعندما يملك سيستريح! “[27].
2 – الإنجيل بحسب المصريين:
(أ) ” وإذا كان الحديث يتناول نهاية الأزمنة، سألت سالومي، في الوقت المناسب: ” حتى متى يموت البشر؟ ” (الكتاب المقدس يعطى كلمة إنسان معنى مزدوجاً، يشير إلى الشخص المرئي وإلى النفس، وأيضاً ما هو مُخلص وما ليس كذلك. والخطيئة تُدعى موت النفس) فقدم لها الرب هذا الجواب الثاقب: ” ما دام النساء يُنجبنَ “. فقالت سالومي: ” ألم أفعل حسناً بعدم ولادة أطفال؟ “[28].
” وقالت له: ” أحسنتُ صنعاً بعدم الإنجاب “. معتقدة بأن التوليد شر، والحال أن الرب أجابها: كُلى من كل عشبٍ، إنما تحاشى الأعشاب المرة ”[29].
(2) وعندما سألته سالومي: ” متى تعلن الأمور التي سألت عنها؟ ” قال لها الرب: ” عندما تدوسين ثياب الخجل، وعندما يصبح الاثنان واحداً ويكون الذكر مع الأنثى لا ذكراً ولا أنثى “[30].
(3) وعندما سألت سالومي: ” كم من الوقت يسود الموت؟ قال لها الرب: ” ما دام أنتن النساء تحملن أطفال “. ” ليس لأن الحياة مرض ولا الخليقة شر، ولكن كما يظهر من تتابع الطبيعة، لأنه في كل الأحوال يتبع الميلاد الانحلال “[31].
ويعلق على ذلك بقوله: ” يعترض البعض، بتعففٍ ورٍع على خلق الله ويستشهدون بكلمات يسوع هذه إلى سالومي التي ذكرت بها. أننا نجدها، إلا إذا كان ثمة خطأ، في الإنجيل بحسب المصريين. أنهم يؤكدون أن الرب صرح بنفسه: ” أتيتُ لأهدم أعمال المرأة ” بالمرأة، افهموا الشهوات، وبأعمالها، الولادة والموت[32].
وتعلق دائرة المعارف الكتابية: ” وهذه الأقوال تختلف بكل تأكيد عن طبيعة أقوال الرب. ويختلف العلماء في العصر الحاضر على مدى ما يذهب إليه هذا الإنجيل (المنحول) في هذه الهرطقة، وإلى أي مدى أطاعوه، فمع القليل الذي لدينا عنه، من الصعب أن نصل إلى نتيجة. ولا بد أنه كان يحتوي على أجزاء أخرى جعلت أوريجانوس يحكم عليه بالهرطقة، وقد استخدمه النحشتانيون (نسبة إلى الحية نحشتان) والسابليون. ويرجع تاريخ هذا الإنجيل إلى ما بين 130 – 150م “[33].
وجاء نفس مضمون هذه الأقوال في أقوال ثيودوتس (Theodotus)، تلميذ فالنتينوس الغنوسي في القرن الثاني، والذي قال: ” وعندما قال المخلص لسالومي أنه سيكون موت ما دامت النساء تحبل بأطفال، لم يقل ذلك كسوء لاستعمال الميلاد، بل لأن هذا ضروري لخلاص المؤمنين “[34].
ويعلق أكليمندس قائلاً: ” ولكن هؤلاء الذين هم ضد خليقة الله بسبب كبح الشهوات، التي لها اسم لطيف، يقتبسون هذه الكلمات أيضاً التي قيلت لسالومي، التي ذكرتها من قبل 000 في الإنجيل بحسب المصريين، إذ يقولون أن المخلص نفسه قال: ” لقد أتيت لأدمر عمل الأنثى “. ويقصد بالأنثى الشهوة، وبعمل الميلاد والانحلال “[35].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
[1] يوسابيوس ك 5 ف11 .
[2] مقالة لرشيد المليكي.
[3] يوسابيوس . ك 6 ف13 .
[4] يوسابيوس ك 6 ف9:13 .
[5] يوسابيوس ك 5 ف5:11.
[6] مشاهير الرجال 57.
[7] Clement Of Alex. By Ferguson P.17.
[8] Clement Of Alex. By Ferguson, P.17.
[9] Stromata, 7 : 16.
[10] يوسابيوس ك 3 ف 25.
[11] يوسابيوس ك 3 ف 3.
[12] فيما يختص بالرسالة إلى العبرانيين أنظر يوسابيوس ك3 ف 3.
[13] أنظر يوسابيوس ك 3 ف 24.
[14] يوسابيوس ك 3 ف 14.
[15] Bruce M. Metzger, p132.
[16] Bruce M. Metzger, p132.
[17] Bruce M. Metzger, 134.
[18] Stromata I,100,4. Metzger. p. 167.
[19] PNF. vol.1. p. 143.
[20] Stromata 7 : 15-18.
[21] The Philosophy Of Clement Of Alexandria By F.F. Osborn ,Ch. 9.
[22] Stromata, 7:97.
[23] Stromata, 7 : 16 : 96.
[24]Stromata, 6 :15.
[25] Stromata, 7:16.
[26] Strom. 1.9.45. Miscellanies 2.9. Strom. II 9.45.
[27] Strom. 5.14.96. Miscellanies 5.14.
[28] Strom. III. 9.64. &III. 45.
[29] Strom. iii.9.66. & III. 66.
[30] Strom. III. 13.92. & 91ff.
[31] Strom. III. 6.45.
[32] Strom. iii.9.63.
[33] دائرة المعارف الكتابية ج 1 :55 و56.
[34] Excerpts From Theodotus 67.
[35] Strom. III. 9.63
أكليمندس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
لنُلخص ما قد توصلنا إليه حتى الآن. في حالة الأحجار والأشجار وما يشابهها، ربما لا يكون ما ندعوه قوانين الطبيعة مجرد أسلوب في الكلام. فعندما نقول إن الطبيعة تحكمها قوانين معينة فقد لا يعني ذلك سوى أن الطبيعة تتصرف فعلاً، في الواقع، بطريقة معينة. وعليه، فما ندعوه قوانين ربما لا يكون أمراً حقيقياً، أو أمراً مستقلاً عن الحقائق الفعلية التي نلاحظها وقائماً بذاته. لكننا رأينا أن هذا ينطبق على الإنسان. فلا بد أن يكون قانون الطبيعة الإنسانية، أو قانون الصواب والخطأ، شيئاً مختلفاً ومستقلاً عن الحقائق الفعلية المتعلقة بالسلوك البشري. وفي هذه الحالة فضلاً عن الحقائق الواقعة، لدينا شيء آخر: قانون حقيقي لم نخترعه نحن، ونعلم أن علينا الخضوع له.
والآن أُريد أن ننظر فيما يقوله ذلك العالم الذي نعيش فيه. فمنذ صار البشر قادرين أن يفكروا، استمروا يتساءلون ماهية هذا الكون حقاً وكيف خرج إلى الوجود. وقد انقسم الناس كلهم تقريباً بين رأيين اعتنقوهما. فأولاً، هناك ما يسمى الرأي المادي. ويعتقد معتنقو هذا الرأي أن المادة والفضاء انوجدا صدفة فحسب، وأنهما تواجدا دائماً، ولا أج يعرف لماذا؛ وأن المادة إذ تصرفت بطرق معينة ثابتة، اتفق أنها بنوع من المصادفة انتجت مخلوقات نظيرنا نحن قادرة على التفكير. فبمصادفة واحدة من ألف، ضرب شيء ما شمسنا وجعلها تُنتج الكواكب.
وبمصادفة أُخرى من ألف، صدف أن وُجدت على واحد من تلك الكواكب المواد الكيماوية الضرورية للحياة الحرارة الملائمة، وهكذا دبّت الحياة في بعض المادة على هذه الأرض. ثم بسلسلة طويلة جداً من المصادفات تطورت الكائنات الحية إلى مخلوقات مثلنا. أما الرأي الآخر فهو الرأي الديني، وبحسبه أن ما هو وراء الكون إنما هو أشبه بعقل منه بأي شيء آخر نعرفه. معنى ذلك أنه كائن مدرك واع، وله مقاصد، ويُفضل أمراً على أمر. وعلى أساس هذه الرؤية، صنع هو الكون، جزئياً لأغراض لا نعرفها، ولكن جزئياً، على أية حال، كي يُنتج خلائق تشبه، أعني أنها تشبهه من حيث حيازتها عقولاً.
رجاء، لا تحسب أن واحداً من هذه الرأيين تم اعتناقه منذ زمان طويل ثم حل الآخر محله تدريجياً. فحيثما تواجد ناس مفكرون، كان كلا الرأيين موجودين. ولاحظ أيضاً هذا: أنك لا تستطيع أن تتبين أي الرأيين هو الصائب بواسطة العلم بمعناه المألوف. فالعلم يشتغل بالاختبارات، وهو يراقب الأشياء كيف تتصرف. وكل تصريح علمي، في نهاية المطاف، مهما بدا معقداً، يعني بالحقيقة شيئاً مثل هذا: “لقد وجهت التلسكوب نحو الجزء كذا وكذا من الفضاء، في الساعة الثانية والثلث بعد نصف الليل، في الخامس عشر من كانون الثاني/يناير، ورأيت كذا وكذا” أو “وضعت قليلاً من هذه المادة في إناء، وغليته حتى درجة الحرارة كذا وكذا ففعل كذا وكذا”.
لا تظنوا أني أقول أي شيء ضد العلم، فأنا إنما أقول ما هي وظيفة العلم. وكلما ازداد المرء علماًن قويت في اعتقادي موافقته لي على أن هذه هي وظيفة العلم. وهي فعلاً وظيفة نافعة كثيراً وضرورية جداً. أما لماذا يخرج إلى الوجود أي شيء من الموجودات، وهل يوجد وراء الأشياء التي يلاحظها العلم شيء، شيء ما من نوع مختلف، فليس هذا سؤالاً علمياً. وإن كان وراء الكون “كائن ما”، فعندئذ ينبغي إما أن يبقى مجهولاً لدى الإنسان كلياً وإما أن يُعلن ذاته بطريقة من الطرق مختلفة. ثم إن التصريح بأن كائناً كهذا موجود، والتصريح بأن كائناً كهذا غير موجود، كلاهما ليس تصريحاً يمكن أن يُصدره العلم. والعلماء الحقيقيون عادة لا تصدر عنهم تصريحات من هذا النوع.
إنما هم الصحافيون وكتاب الروايات الشعبيون الذين عادة من يلتقطون نثريات قليلة من العلم غير المدروس من بطون الكتب ثم يبادرون إلى إطلاق تصريحات كهذه. وبعد، أفليست هذه مسألة فطرة سليمة؟ وعلى فرض أن العلم صار ذات يوم كاملاً بحيث بات يعلم كل أمر بمفرده من أمور الكون كله، أفليس واضحاً تماماً أنه لن يطرأ أي تغيير البتة على هذه الأسئلة: “لماذا الكون موجود؟”، “لماذا يدوم على حاله؟”، “ألَهُ أي معنىً؟”
وكان من شأن الوضع أن يكون موئِساً تماماً لولا هذا الأمر: أن في الكون بكامله شيئاً واحداً فقط لا غير نعرف عنه أكثر مما يمكننا أن نتعلمه من الملاحظة الخارجية، وذا الشيء الواحد هو الإنسان. ونحن لا نلاحظ البشر فحسب، بل إننا بشر أيضاً. ففي هذه الحالة لدينا معلومات داخلية. إذا جاز التعبير، لكوننا في قلب المعرفة. وبسبب ذلك نعلم أن البشر يجدون أنفسهم تحت قانون خلقي أو أدبي، لم يصنعوه هم، ولا يمكنهم نسيانه تماماً حتى حين يحاولون ذلك، ويعلمون أنه ينبغي لهم أن يخضعوا له.
ولنلاحظ النقطة التالية: إن أي شخص يدرس الإنسان من خارج، مثلما ندرس الكهرباء أو الملفوف، وهو لا يعرف لغتنا ولا يقدر تالياً أن يحصل منا على أية معرفة داخلية، بل يلاحظ فقط ما يقوم به، لن يحصل البتة على أدنى بينة على وجود هذا القانون الخُلقي لدينا. وأنّى له ذلك فيما تُبين له ملاحظاته ما نفعله فقط، والقانون الخُلقي يدور حول ما ينبغي لنا أن نفعله؟ وعلى المنوال عينه، لو كان في حال الحجارة أو الطقس أي شيء مستقل عن الحقائق الملحوظة أو وراءها، لما كان في وسعنا قطعاً أن نرجو اكتشافه بدراسة تلك الأشياء من خارج.
ومن ثم كان لب المسألة شبيهاً بهذا: أننا نريد أن نعرف عن الكون أهو موجود بالمصادفة على ما هو عليه فحسب، أم وراءه قوة تجعله على ما هو عليه؟ وبما أن تكل القوة، في حال وجودها، لن تكون واحدة من الوقائع الملحوظة بل حقيقة توجد تلك الوقائع، فلا يمكن عموماً لمجرد الملاحظة أن تهتدي إليها. ولكن ثمة حالة واحدة فقط يمكننا فيها أن نعرف بوجود شيء إضافي أو بعدم وجوده، ألا وهي حالتنا نحن البشر. وفي هذا الحالة يتبين لنا وجود شيء نظير ذلك.
أو لنعبر عن القضية بأسلوب معاكس: إذا كان خارج الكون قوة ضابطة، فلا يمكن أن تُظهر لنا ذاتها كواحدة من الحقائق الواقعة داخل الكون، كما لا يقدر مهندس منزل ما أن يكون في الواقع جداراً أو درجاً أو موقداً في ذلك المنزل. فالطريقة الوحيدة التي يمكننا بها أن نتوقع من تلك القوة إظهار ذاتها ستكون داخل أنفسنا، بصورة سُلطة مؤثرة أو وصية ثابتة تحاول أن تحملنا على التصرف بطريقة معينة. وذلك تماماً هو ما نجده داخل أنفسنا.
أفليس مؤكداً أن هذا الأمر ينبغي أن يثير تساؤلاتنا؟ في الحالة الوحيدة التي فيها يمكننا أن نحصل على جواب يتبين أن الجواب هو “بلى”. أما في الحالات الأخرى، حيث لا تحصل على جواب، فتدرك سبب عدم حصولك عليه. هب شخصاً سألني عندما أرى رجلاً لابساً زياً أزرق يسير في الشارع ويترك عند باب كل بيت ظرف ورق صغيراً: “لماذا تفترض أن تلك الظروف تحتوي على رسائل؟” فيكون جوابي:
“لأنه عندما يترك لي هذا الرجل ظرفاً صغيراً مشابهاً، يكون محتوياً على رسالة بالفعل!” وإذا اعترض بعدئذ قائلاً: “ولكنك لم تر قط كل تلك الرسائل التي تحسب أن الناس يتلقونها”، فلا بد أن أقول له: “طبعاً لم ارها، ولكن لا ينبغي لي أن أتوقع رؤيتها، لأنها غير موجهة إلي.
فأنا أفسر الظروف التي لا يحق لي أن أفتحها من خلال تلك التي يحق لي فتحها”. والأمر نفسه ينطبق على هذا المسألة. فالظرف الوحيد المسموح لي بأن أفتحه هو الإنسان. وحين أفعل ذلك، ولا سيما حين أفتح ذلك الإنسان المخصوص المدعو أنا، أجد أنني غير موجود مستقلاً بذاتي، وأنني تحت قانون ما، وأن شخصاً ما أو شيئاً ما يريد مني أن أتصرف بطريقة معينة.
ولست أحسب بالطبع أني إذا استطعت بلوغ داخل حجر أو شجرة فسأجد الأمر عينه تماماً، مثلما لا أحسب أن جميع الناس الآخرين في الشارع يتلقون الرسائل عيناها التي أتلقاها أنا. ينبغي لي مثلاً أن أتوقع الاهتداء إلى أن على الحجر أن يخضع لقانون الجاذبية، وأنه بينما يكتفي باعث الرسائل بأن يطلب مني إطاعة قانون طبيعتي الإنسانية، يُجبر الحجر على إطاعة قوانين طبيعته الحجرية، ولكن ينبغي لي أن أتوقع الاهتداء إلى أن وراء الحقائق الواقعة، إن صح التعبير، مُرسلاً للرسائل في كلتا الحالتين: قوة أو مدبراً أو مرشداً.
لا تتصور أنني أسير أسرع مما أنا سائر فعلاً. فأنا لم أصل بعد إلى نطاق مئة ميل بالقرب من إله اللاهوت المسيحي، بل كل ما وصلت إليه الآن شيء ما يُدبر الكون ويظهر فيَّ بصورة قانون يحثني على فعل الصواب ويجعلني أشعر بالمسؤولية والقلق حين أفعل الخطأ.
وأعتقد أن علينا أن نفترض أنه اشبه بعقل منه بأي شيء آخر نعرفه: لأن الأمر الوحيد الآخر الذي نعرفه، رغم كل شيء، إنما هو المادة، وأنت لا تكاد تتصور قطعة من المادة مُصدِرة للتوجيهات! ولكن بالطبع لا داعي لأن يكون ذلك الشيء كثير الشبه بعقل، ولا ضئيل الشبه بشخص. وسنرى في الفصل التالي هي يمكننا أن نهتدي إلى المزيد بشأنه. إنما لا بد من كلمة تحذير. لقد حفلت المئة سنة الأخيرة بمقدار كبير من كلام المداهنة أو الاسترضاء عن الله. فليس هذا مما أقدمه في هذا الكتاب. وفي وسعك أن تصرف نظرك عن ذلك كله.
ملاحظة: توخياً لإبقاء هذا الجزء قصيراً على نحو كاف عند إذاعته على الهواء، لم أذكر سوى الرأي المادي والرأي الديني. لكن تكميلاً للموضوع، ينبغي لي أن أذكر الرأي الوسيط المدعو فلسفة قوة الحياة (Life-Force Philosophy)، أو التطور الخلاّق (Creative Evolution)، أو التطور الطبيعي (Emergent Evolution). وأذكر الشروح لهذا الرأي وردت في آثار برناد شو (Bernard Shotw)؛ أما أعمقها فقد تضمنتها آثار برغسون (Bergsn).
ويقول معتنقو هذا الرأي إن التحولات الصغيرة التي بها “تطورت” الحياة على كوكبنا هذا من أدنى أشكالها إلى الإنسان لم تكن من جراء الصدفة، بل بفعل “كفاح” قوة الحياة أو “غائيتها”. فحين يقول قوم هذا القول، يجب أن نسألهم: أيقصدون بقوة الحياة شيئاً ذا عقل، أم لا؟ فإذا كان جوابهم “نعم”، فعندئذ يكون “العقل الموجد للحياة والموجه لها إلى الكمال” إلهاً بالحقيقة، ويكون رأيهم من هذا القبيل موفقاً للرأي الديني تماماً. وإذا كان جوابهم “لا” فأي معنى عندئذ للقول إن شيئاً بلا عقل “يكافح” أو “تكون له غاية”؟ يبدو لي أن هذه ضربة قاضية لرأيهم.
ومن الأسباب الكامنة وراء اعتبار كثيرين من الناس “التطور الخلاق” جذاباً جداً أنه يؤتي المرء كثيراً من الراحة العاطفية المقترنة بالإيمان بالله دون أية عاقبة من العواقب الأقل استساغة. فعندما تشعر بأنك في أحسن حال وتكون الشمس مشرقة، ولا تريد أن تصدق أن الكون كله مجرد رقص آلي للذرات، يحسن بك أن تتمكن من التفكير في هذا القوة الغامضة العظيمة وهي تجري عبر العصور حالمة إياك على متنها.
أما إذا أردت أن تفعل شيئاً أقرب إلى الخفة، فإن قوة الحياة، لكونها مجرد قوة عمياء بلا أخلاق ولا عقل، لن تتدخل في شؤونك أبداً على غرار ذلك الإله “المزعج” الذي تعلمنا عنه لما كنا صغاراً. إن قوة الحياة أشبه بإله أليف: يمكنك أن تُشغلها عندما تريد، ولكنها لن تزعجك. وهكذا تحصل على مباهج الدين كلها بغير أن تدفع شيئاً من الثمن! أتكون قوة الحياة إنجاز شهده العالم حتى الآن في مجال التفكير الرغبيّ، أو التفكير الذي تُمليه الأماني؟
المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو يرفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة.
والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المضللة، فيدركون فجأة سر ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.
فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي. فما هي المداخل التي نقصدها؟
حتى عهد قريب، كان الاتجاه السائد في الدفاعيات يعتمد على استخدام الحجج للدفاع عن الإيمان المسيحي بشكل عقلاني. إلا أن هذا الاتجاه كان يمثل إلى حد كبير استجابة لثقافة عقلانية اتخذت من التوافق مع العقل معيارًا للحق. وسنرى أن استخدام الحجة ما زال يمثل جزءًا لا يتجزأ من الدفاعيات المسيحية ولا يجب تهميشه أبدًا. إلا أن تراجع المذهب العقلاني في الثقافة الغربية أدى إلى الإقلال من أهميتها. وخلَق جوًا يتطلب إدراكَ جوانب أخرى في الإيمان المسيحي، وعلى رأسها ما يتمتع به من جاذبية عظمى على مستوى الخيال، والأخلاق.
والكُتاب المسيحيون القدامى، وخاصةً كُتاب العصور الوسطى وعصر النهضة، علقوا أهمية كبرى على الصور التشبيهية والقصص الكتابية في تعليم الأشخاص المخلصين، إلا أن صعود تيار الحداثة أدى إلى الحط من قيمة هذين العنصرين، بقدر ما أدى ظهور تيار ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف قوة تأثيرهما.
وقد أدى نمو تيار ما بعد الحداثة مؤخرًا إلى تأكيد أهمية القصة والصورة من جديد لأن كلاً منهما يجذب الخيال البشري بشكل خاص. وكل من له دراية بتاريخ الدفاعيات المسيحية لا يصعب عليه أن يدرك أن المدافعين القدامى كانوا يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على هذين العنصرين باعتبارهما مداخل للإيمان، وخاصةً في عصر النهضة. ولذلك، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الأساليب القديمة في الدفاعيات لخلق منهج متوازن يدافع عن الإيمان المسيحي ويبرز جماله في ظل ما تشهده ثقافتنا من تحولات.
وعلينا أن نكيف دفاعياتنا بم يتلاءم مع مستمعينا، مع الانتباه لوجود عدة نقاط للتلاقي بين الإنجيل والنفس البشرية. ويتضح أن العهد الجديد نفسه يُعنى بربط الإنجيل مع مفاهيم وخبرات المتلقين على اختلاف نزعاتهم. فإن كانت النفس تَعطش لله “كَأَرضٍ يَابِسَةٍ” (مز143: 6)، فكيف ترتوي؟ إن مهمتنا تحديد القنوات المتاحة التي تتدفق فيها مياه الإنجيل الحية فتنعش النفس البشرية وتغيرها، ثم استخدام هذه القنوات بأمانة وفاعلية. وفي هذا الفصل سأستخدم صورة المدخل لتساعدنا على فهم هذه المنهجيات المختلفة.
المداخل والدفاعيات: بعض الأفكار:
تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل” Alan of Lille (المتوفى سنة 1203) مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة. ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء.
إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزاً من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.
وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية. إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.
والمدخل وسيلة تنفتح بها عيوننا على حقيقة حالتنا، وقدرة الإنجيل على تغييرها. ولكي نفهم هذه النقطة المهمة، تخيل أنك مصاب بتسمم في الدم، وحياتك ستنتهي في غضون ساعات لو لم تحصل على الأدوية اللازمة، ولكنك لا تعرف ما أصابك على وجه التحديد، ولا تعرف بوجود علاج لهذه الحالة. حاول أن تتخيل نفسك في ذلك الموقف. والآن فكِّر في الطرق التالية التي يمثل كلٌّ منها مدخلاً يؤدي إلى تغيير وضعك:
يخبرك طبيب من أصدقائك أن ما تعانيه هو تسمم في الدم، ويشرح لك أن هذه الحالة إن لم تعالج تؤدي إلى الوفاة، ويعطيك أسماء عدة أدوية ويخبرك بالمكان الذي تحصل عليها منه وبكيفية استخدامها.
يخبرك صديق آخر أنه أصيب بهذه الأعراض عينها، إلا أن شخصًا أخبره بدواء معين أنقذ حياته. يقترح عليك أن تجرب هذا الدواء. أي أنه يحكي لك قصته الشخصية التي تتقابل مع قصتك في هذه النقطة الحرجة.
الطريقة الأولى تمثل حجة تستند إلى أدلة، أما الثانية قصة تستند إلى خبرة شخصية يرى صاحبها أنها مطابقة للموقف الذي تمر به. ورغم أن كل أسلوب يختلف تمامًا عن الآخر، فكلٌّ منهما يمثل مدخلاً. كيف؟
أولاً، كلٌّ منهما يساعدك على رؤية الأمور على حقيقتها. ثانياً، كلٌّ منهما يتيح لك أن تدرك ما يجب فعله لتغيير الأوضاع. ثالثًا، كلٌّ منهما يشجعك على اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة بالحصول على الدواء، وتناوله حتى تتحسن حالتك.
إن الدواء هو سبب شفائك، ولكنك لو لم تدرك حقيقة حالتك، وأنك تحتاج للدواء، لكان شفاؤك مستحيلاً. ونعمة الله هي الدواء، وبعد أن تُشفى بهذه النعمة يمكنك أن تساعد الآخرين على إدراك حاجتهم لها، ويمكنك أن تشهد عن قوتها. والله هو من يغير الناس ويأتي بهم للإيمان. أنت جزء صغير (ولكنه حقيقي) في عملية الشفاء هذه. ومن ثم، فما تقوله يمكن أن يمثل مدخلاً يسمح للناس برؤية الأمور من منظور مختلف، مما يساعدهم على تخيل طريقة جديدة للتفكير والعيش.
فما هذه المداخل المتاحة للدفاعيات المسيحية؟ سوف نبحث في هذا الفصل بعض الإمكانات المتوفرة للدفاعيات. وسنبدأ بأبسط الأساليب الدفاعية، ألا وهي شرح ماهية المسيحية.
المدخل الأول: الشرح:
أفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان.
ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[1] كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.
وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا. ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟
اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروز Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا.
اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه.[2]
وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروز (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روجتها المانوية عن المسيحية. وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروز بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.
ولابد أن البعض ممن نلتقي بهم في خدمتنا الدفاعية يحمل أفكارًا مضللة ومشوهة تمامًا عن المسيحية. وهذه المفاهيم الخاطئة التي يلتقطها البعض دون وعي، والبعض الآخر ينشرها عن قصد، لابد من تحديدها وإبطال مفعولها بخطة مُحكمة مدروسة.
ننتقل الآن لنبحث ما قد يُعتبر أكثر مداخل الإيمان شيوعًا، ألا وهو استخدام الحجة المنطقية.
المدخل الثاني: الحجة:
تؤكد المنهجيات الكلاسيكية في الدفاعيات أهمية العقل في كلٍّ من بناء حجة فكرية تؤيد فكرة وجود الله، ونقد الأفكار المغايرة. وقد بحثنا فيما سبق دور الحجج في الدفاع عن وجود الله، ومنها:
الحجة المبنية على التصميم argument from design: وهي تَعتبر أن ملاحظة التصميم الموجود في العالم، مثل ما يميزه من “ضبط دقيق”، أو بنية معقدة يشير إلى أن الله هو المصمم (ص 99، 100).
الحجة المبنية على الإنشاء argument from origination: إن كانت للكون بداية، فهذا يعني أن له مسببًا أنشأه، وقد يكون هذا المسبب شخصًا أو شيئًا، وهو ما يشير تلقائيًا إلى فكرة الله في المسيحية باعتباره خالقَ كل شيء (ص 96- 98).
الحجة المبنية على الترابط argument from coherence: وهنا نركز على قدرة الإيمان المسيحي أن يقدم تفسيرًا لما نلاحظه في العالم المحيط ولما نختبره داخلنا (ص79- 86، 101- 103).
الحجة المبنية على الأخلاق argument from morality: تقول هذه الحجة باستحالة وجود قواعد ثابته وموثوق بها للقيم الأخلاقية إلا إذا كان لها أساس يتجاوز هذا العالم المادي، كإله بار مثلاً (ص 104-109).
وقائمة الحجج تطول، ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا أن هذه الحجج لا يجب أن تُفهم على أنها “براهين” بالمعنى المنطقي الدقيق للكلمة. ولكن ما توضحه هذه الحجج بكل جلاء أن الإيمان بالله له أسباب وجيهة، أو أن الإيمان بالله له مبرراته، حتى وإن كان لا يمكن البرهنة عليه بشكل مطلق.
وكلمة “برهان” بمعناها الدقيق لا تنطبق إلا على المنطق والرياضيات، فكما يمكننا أن نبرهن على أن الكل أكبر من الجزء، يمكننا أن نبرهن أن 2+2 =4. إلا أنه يجب أن نحترس من الخلط بين “قابلية البرهنة” و”الحق”. ففي مطلع القرن العشرين أثبت عالم الرياضيات العظيم “كرت جودل” Kurt Gödel أنه بالرغم من كثرة ما نصوغه من قواعد الاستدلال، ستظل هناك بعض الاستدلالات التي لا تخضع لهذه القواعد، ومع ذلك فهي مقبولة.
أي أن هناك عددًا من الأفكار الصحيحة التي قد لا يمكننا إثبات صحتها،[3] وهذه الحقيقة تنطوي على معانٍ غاية في الأهمية من الناحية الفلسفية.[4]
ويمكن استخدام الحجج أيضًا في نقد بدائل الإيمان المسيحي وتقييمها، وذلك بإظهار عدم ترابطها على المستوى الفكري أو افتقارها لأساس من الأدلة يمكن الوثوق به. فقد أبرزنا مثلاً عبر صفحات هذا الكتاب قدرة الإنجيل على خلق معنى للأشياء.
ونحن بذلك لا نحصر جاذبية المسيحية في أبعادها العقلانية فحسب، لأنها غنية بالجوانب الوجدانية، والأخلاقية، والتخيلية، والوجودية. ويجب على المدافع الذي يتحلى بروح المسئولية أن يستفيد منها استفادة كاملة. ولا شك أن الكثيرين ينجذبون إلى الإيمان المسيحي بسبب قدرته على خلق معنى للأشياء.
ولكن ماذا عن بدائل المسيحية؟ ما مدى قدرة النظم المنافسة على خلق معنى للأشياء؟ هل تصمد أمام اختبار الاتساق التجريبي، أي هل تنجح نظرياتها في خلق معنى للملاحظة وللخبرة؟ وقد أكدنا في فصل سابق أهمية إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من قدرة على خلق معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ولا يكفي هنا أن يقتصر المدافع على إظهار تفوق المسيحية في هذا الصدد، ولكنه لا بد أن يبين قصور البدائل الأخرى.
ويرجع الفضل في تصميم هذا الأسلوب لواحد من أهم المدافعيين الكتابيين في أمريكا الشمالية أثناء القرن العشرين، وهو “فرانسيس شِفَر” (1912- 1984). ويُبرز أسلوب “شِفَر” في الدفاعيات الكثير من النقاط التي تناولناها في هذا الكتاب.[5]
فهو يلفت النظر مثلاً لأهمية أخذ الجمهور في الاعتبار، والابتعاد عن استخدام منهج موحد للجميع: “إن أردنا أن نتواصل مع مستمعينا، لابد أن نصرف الوقت والجهد لنفهم لغتهم، حتى نوصل لهم الرسالة باللغة التي يفهمونها.”[6] أي أن المدافع لابد أن يستمع لجمهوره حتى يتعلم لغتهم ليتمكن من التواصل معهم بهذه اللغة.
ويبدو أن “شِفَر” اكتشف بنفسه أهمية الإصغاء لأفكار جمهوره ومخاوفهم وتطلعاتهم أثناء عمله المرسلي في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا في أواخر الخمسينات وفي الستينات من القرن العشرين. ونظرًا لأنه كان يقيم في كوخ سويسري (اسمه “لابري” L’Abri وهو مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعنى “مأوى” أو “ملجأ”) في قرية بجبال الألب تدعى “إيموز” Huemoz، فقد كان يستضيف الكثير من الطلاب الذين يتجولون في أنحاء أوروبا، ولاسيما الشباب الأمريكيين الذين كانون يتجولون في مختلف البلدان الأوروبية بحقيبة ظهر.
فكان يسمع آرائهم في الأفلام والروايات المعاصرة أو في الفلسفات الجديدة التي ظهرت آنذاك. وكان يتساءل كيف يمكن تقديم الكتاب المقدس بشكل يناسب الأفكار الوجودية العنيدة التي روجها الفلاسفة المؤثرون في تلك الحقبة مثل “جان بول سارتر” Jean Paul Sartreوكذلك “سورن كيركجارد”. وإذ استمع “شِفَر” لهؤلاء الطلاب وهم يُعبرون عن أفكارهم، اكتشف أنه يمكنه التفاعل معهم في مستواهم وبلغتهم، مستخدمًا صورًا توضيحية من عالمهم ليساعدهم على إدراك معقولية الإيمان المسيحي.
إلا أن أعظم إساهم قدمه “شِفَر” للدفاعيات يكمن في الأهمية التي يعلقها على تحديد مَواطن الصراع في الفلسفات غير المسيحية واكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ أشمل. والمقصود أن أي فلسفة حياتية ترتكز على افتراضات مسبقة معينة، فإن كانت هذه الافتراضات المسبقة من صنع الإنسان ولا تتضمن تفويضًا أو تخويلاً إلهيًّا، فلن تتمكن من التوافق مع بِنَى الكون الذي خلقه الله.
كلما كان مَن يؤمن بفكر غير مسيحي منسجمًا مع افتراضاته المسبقة، ابتعد عن العالم الحقيقي، وكلما اقترب من العالم الحقيقي، تَبدد انسجامه مع افتراضاته المسبقة.[7]
ويقول “شِفَر” إن كل شخص يعيش بإحدى قدميه في أحد العالمَين ويضع الأخرى في العالم الآخر: العالم الحقيقي الخارجي الذي يتميز بعمقه وتعقيده، وعالم داخلي من الأفكار يشكله الاشتياق للتفهم، والحب، والقيمة. فإن وُجِد صراع بين هذين العالمين، يستحيل على الفرد أن يحيا حياة لها معنى.
فلابد من وجود توافق بين خبرتنا في العالم الخارجي وعالمنا الداخلي.[8] ولذلك، يرجح “شِفَر” أن المدافع لابد أن يستخدم الحجة المنطقية لتحديد وكشف التناقضات والصراعات الداخلية التي تحويها الفلسفات الحياتية غير المسيحية. وهو يبين أنها تقوم على فرضيات أو افتراضات مسبقة لا تتسق مع الوجود الإنساني الحقيقي ولا تتوافق معه.
كل مَن نتحدث إليه، سواءً أكان بائعًا في متجر أم كان طالبًا جامعيًا، يحتفظ بمجموعة من الافتراضات المسبقة، سواء قام بتحليلها أم لم يقم… ويستحيل على أي شخص غير مسيحي أو جماعة غير مسيحية أن تتوافق مع النظام الذي تتبعه سواء على مستوى المنطق أو على مستوى الممارسة.
وعندما يحاول الشخص إخفاء الصراع، عليك أن تساعده على كشفه، وفي نقطة معينة سيكتشف عدم الاتساق. وعندئذٍ سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار، وهذا الصراع ليس صراعًا فكريًا فحسب، ولكنه يقع في صميم الكيان الإنساني ككل.[9]
ومن ثم، على المدافع أن يساعد الفرد على إدراك هذا “الصراع” والشعور بقوته الفكرية والوجودية، وهو ما يتضمن مساعدته على اكتشافه أولاً، وتقدير أهميته ثانيًا. ويرى “شِفَر” أن البشر يَقُون أنفسهم من هذا الصراع بحمايتها داخل شرنقة فكرية تمنعهم من مواجهة ذلك الاكتشاف المزعج بأن أفكارهم لا تتفق مع الواقع. ويستخدم “شِفَر” صورة يقتبسها من شتاء سويسرا لوصف هذه الحالة، فهو يشبه هذه الشرنقة الفكرية بأسقف أكواخ جبال الألب التي تعمل كمصدات تحمي المسافرين من الانهيارات الثلجية:
فهو يشبه المصدات الكبيرة التي تبنى على بعض الممرات الجبلية لحماية العربات من انهيارات الصخور والحجارة التي تهوي من فوق الجبل من آن لآخر. وهذه الانهيارات الثلجية في حالة غير المسيحي هي العالم الحقيقي الساقط المشوه الذي يحيط بهم. وعلى المسيحي أن يزيل المصدة بحب ويسمح لحقيقة العالم الخارجي وحقيقة الإنسان بأن تصدمه.[10]
ومن ثم يمكن النظر إلى الدفاعيات باعتبارها نزعًا لسقف هذا الكوخ لإجبار الشخص على إدراك أن طريقة تفكيره عاجزة عن الصمود في مواجهة العالم الحقيقي الخارجي.
فكيف يمكن تطبيق هذا المنهج؟ يعطينا “شِفَر” مثالاً يوضح هذا الأسلوب جيدًا. فقد كان يتحدث إلى مجموعة من الطلاب في غرفة بإحدى الكليات في جامعة كامبردج. وبينما كان الماء يغلي لتحضير الشاي، ابتدره أحد الطلاب الهنود قائلاً إن المسيحية لا معنى لها. فسأله “شِفَر” عن عقيدته قائلاً: “ألستُ على صواب إن قلت إن القسوة وعدم القسوة متساويات في عقيدتك، وليس بينهما أي فارق أصيل؟” فوافقه الطالب. ثم يروي “شِفَر” ما حدث بعد ذلك:
الطالب الذي اجتمعنا في غرفته فهم جيدًا ما يعنيه اعتراف الطالب السيخي، فتناول الغلاية الممتلئة بالماء الساخن الذي كان سيعمل به الشاي، ووضعها أعلى رأس الشاب الهندي والبخار يتصاعد منها. فنظر الشاب لأعلى وسأله: ماذا تفعل؟ فأجابه بنبرة حاسمة باردة ولكنها مهذبة: “لا فرق بين القسوة وعدم القسوة.” وعندئذ خرج الهندي صامتًا واختفى في ظلام الليل البهيم.[11]
وأسلوب “شِفَر” يتسم بقوته وبقدرته على الوفاء بالعديد من الأغراض، مما يجعله صالحًا لعدد من المواقف المختلفة. خذ مثلاً الوضعية المنطقية Logical Positivism، وهي حركة فلسفية حققت نجاحًا كاسحًا في العالم الناطق بالإنجليزية في ستينات القرن العشرين. وقد أعلنت هذه الحركة أن كل العبارات الميتافيزيقية*، بما فيها ما يتعلق بالله، عديمة المعنى.
وكان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الفلسفة في ذلك هو “مبدأ التحقق” الذي قصر العبارات ذات المعنى على القضايا الصحيحة في حد ذاتها (مثل “كل العزاب غير متزوجين”) أو التي تتأكد بالخبرة (مثل “كان في الحديقة الأمامية لقصر “باكينجهام” ست إوزات الساعة 5:23 صباحًا يوم 1 ديسمبر 1968″). وتطبيق منهج “شِفَر” يتيح لنا أن نؤكد أن مبدأ التحقق نفسه عديم المعنى لأنه لا يتماشى مع المعيار الذي اعتمدته الوضعية المنطقية لقياس المعنى.
أو خذ مثالاً أبسط للهجمة الشرسة التي غالبًا ما نواجهها في جامعات أمريكا الشمالية: “لا يمكن أن تتأكد من أي شيء”. وهذه النظرة تهدف إلى الإطاحة برؤية “الصورة الكبرى” للواقع، كتلك التي يقدمها الإيمان المسيحي لأنها تعني أننا لابد أن نتشكك حتى في كل العبارات المؤكدة المختصة بالحياة.
ولكن من الواضح أن هذا التصريح ذاتي المرجعية يعتمد في صدقه أو كذبه على ذاته self-referential، ويمكن تقويضه والقضاء عليه بطرح سؤال بسيط ردًا عليه: “هل أنت متأكد من ذلك؟” وهكذا فإن المنطق الذي يقوم عليه الادعاء هو نفسه الذي يُسقطه.
إلا أن هذا لا يعنى أن مهمتنا هي مجرد الفوز بالمجادلات أو تقديم المؤهلات العقلانية للإيمان. فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.
أولها، أنه ليس مؤسسًا على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في العهد القديم، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تَثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهومًا علاقاتيًا.
والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[12]
لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.
وأخيرًا اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى.”[13] وجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.
أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأسًا على عقب. فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعًا في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة.
وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصًا عظيمة للدفاعيات الكتابية نظرًا لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.
ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافًا؟[14] وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها.
ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحيانًا أن نُظهر أنها حقيقية.
المدخل الثالث: القصص:
إن تركيز تيار ما بعد الحداثة على القصص يمثل أهمية خاصة في الدفاعيات. فقد كانت الحداثة تنظر بعين الريبة للقصة في التعامل مع الواقع. ومن ثم، سعت لإجهاضها أو التخلص منها بالاستناد إلى التحليل أو الحجة العقلانية، بحيث تتحرر تمامًا من قيود عشوائية التاريخ الأليمة. وقد انعكس ذلك بكل وضوح في تفسير الكتاب المقدس. وكما أشار “هانس فري” Hans Frei (1922- 1988) أستاذ اللاهوت في “جامعة ييل” Yale University، مختزلاً ما به من روايات تاريخية وأشكال قصصية (كأمثال المسيح) إلى أفكار مجردة من الزمن.[15] وكان يُنظر إلى القصة كأنها قشرة مزعجة غير مستحبة تغطي على الجوهر الفكري والأخلاقي للكتاب المقدس.
إلا أن تيار ما بعد الحداثة شهد استعادة للاهتمام بالقصة الكتابية بما فيها الأشكال القصصية الخاصة كالأمثال التي رواها يسوع ليُعَلم الجموع عن ملكوت الله. ولم يعد إثبات الحق يتوقف على الحجة، ولكن بدأ يُنظر للقصص على أنها قادرة على تكوين هوية مميزة من الناحية الأخلاقية والمفاهيمية.
فالمسيحية تعلن عن عالم يتشكل بالقصص وهي تسكن في هذا العالم، والأساس الذي يشكل أفكار هذا العالم وقيمه هو قصة تعاملات الله مع شعبه التي تبلغ ذروتها في قصة يسوع الناصري. وهكذا فالمسيحية في أساسها ليست مجرد مجموعة أفكار.
منذ حوالي سبعينات القرن العشرين، تزايد الاهتمام بدراسة دور القصة في كلٍّ من اللاهوت والفلسفة، وعلى صعيد الفلسفة الإنجليزية والأمريكية، ظهر بعض الكُتاب البارزين أمثال “بول ريكور” Paul Ricoeur وكذلك “ألاسدير ماكينتاير” وأيضًا “تشارلز تيلور” الذين تصدوا لتقديم معالجات جادة لما ينطوي عليه القَصَص من موضوعات أساسية. فقد درس “ريكور” القصة بوصفها أساسًا لكل صور فهمنا للعالم وبوصفها إطارًا يعيش فيه البشر. ويقول “ماكينتاير” بأن قرارات حياتنا تتشكل وتترتب بناءً على فهمنا لها باعتبارها تشكل جزءًا في “قصة” (أو تقليد) أكبر.
وهو يقول “لا يمكنني أن أجيب عن سؤال “ماذا يجب أن أفعل؟” إلا بعد أن أجيب عن سؤال أسبق، وهو “ما هي القصة التي أشكل جزءًا منها؟”[16] وكما سنرى، يمكن أن تمثل هذه المنهجيات قيمة عظمى للدفاعيات المسيحية.
والكثيرون اليوم يؤيدون الرأي الذي يقول بأن القصص هي المنظار الأساسي الذي يرى البشر الواقع من خلاله. فنحن نرى العالم باعتباره قصة تجيب عن الأسئلة المحورية المختصة بالوجود، والهوية، والمستقبل.
وهذه القصص يمكن أن تجيب عما يسميه الفيلسوف “كارل بوبَر” Karl Popper “الأسئلة العليا” “ultimate questions” وهو بذلك يريدنا أن نفهم المسائل الكبرى التي تتناول “معنى الحياة”، ومنها تلك التي يطرحها “روي بوميستر” Roy [17]Baumeister، وهي التي تتعلق بالهوية، والغرض، والتكليف، والقيمة وتتخذ شكل أسئلة مثل: “من أنا؟” “ما هدف الحياة؟” ” ماذا أفعل لأُحدث فرقًا؟”
وقد أدرك البشر من قديم الزمان الأهمية الثقافية والفكرية لوجود قصة تفسيرية شاملة. وغالبًا ما يستخدم مصطلح “الأسطورة” في المجال الأكاديمي للإشارة إلى هذه القصص التفسيرية التي تشرح الواقع والهوية الشخصية والاجتماعية. (عادةً ما يساء فهم مصطلح “الأسطورة” على أنه “قصة غير حقيقية”، إلا أن هذا المعنى ليس هو المقصود هنا). ولكن كما أشار “لويس” وآخرون، كلمة “أسطورة” تشير أساسًا إلى قصة عن العالم تُمكن الأفراد من فهمه والعيش فيه.
وهذه “الأساطير” تمثل العدسات التي ينظر بها أي مجتمع للعالم، فهي تقدم إطارًا يسهم في حل التناقض بين الخبرات العديدة ويعمل على خلق رابطة بينها.
والقصة المسيحية عند “لويس” التي يعتبرها المنحة الإلهية التي تكمل وتتوج المحاولات البشرية الأخرى في صنع الأسطورة، تمثل أعلى وأسمى قمة نرى منها الحقيقة ونفهمها. فالقصة المسيحية عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تعطي معنى لكل القصص الأخرى التي نرويها عن هويتنا وغاياتنا الحقيقية. إنها القصة الأم، الرواية العليا التي تضع سائر الروايات المختصة بأصل الإنسان ومصيره في مكانها الصحيح.
ويؤكد هذه النقطة أستاذ العهد الجديد والمدافع البريطاني ” ن. ت. رايت” N.T. Wright الذي يقول إننا عندما نروي قصة الكتاب المقدس كاملةً فنحن بذلك نعلن النظرة المسيحية للواقع وفي الوقت نفسه نتحدى البدائل العلمانية الأخرى. فبروايتنا لقصة الكتاب المقدس
مؤكد أننا نتحدى جوانب عديدة في نظرة العالم للأمور (أي نظرته للسلطة والقوة). ونقوض نظرته لماهية العالم ولغرضه بالكامل، ونقدم نظرة جديدة للعالم بأفضل طريقة ممكنة.[18]
والكتاب المقدس عند “رايت” يتحدى طرق التفكير الأخرى ويبرز جمال طريقته ويجسدها بوضوح. وهو يروي قصة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:
من نحن؟ الكتاب المقدس يخبرنا أننا بشر مصنوعون على صورة خالقنا، ولا نكتسب هويتنا الجوهرية من العنصر الذي ننتمي إليه، ولا النوع، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الموقع الجغرافي.
أين نحن؟ نتعلم من الكتاب المقدس أننا نحيا في عالم حسن وجميل، ولكنه مؤقت. وقد خلقه الله الذي نحمل صورته.
ما المشكلة؟ نفهم من الكتاب المقدس أن البشرية تمردت على خالقها، وبالتالي انحرف العالم عن القصد المخلوق له.
ما الحل؟ يطمئننا الكتاب المقدس أن الله عمل، ويعمل، وسوف يعمل في الخليقة من خلال المسيح يسوع والروح القدس ليتعامل مع الشر الذي نتج عن تمرد البشرية، وليصل بعالمه إلى الغاية التي صنعه من أجلها، ألا وهي أن يكون في توافق تام مع حضوره ومجده.[19]
وتطالعنا أعمال الروائي “ج. ر. ر. تولكين” بنظرة مشابهة. وقد عُرف “تولكين” بدفاعه المستميت عن الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في خلق معنى للواقع وبمحاولته أن يطبق هذا الفكر في ثلاثيته الملحمية “ملك الخواتم” The Lord of the Rings.[20] ووفقًا لهذا النهج، تظهر قدرة القصة المسيحية الكبرى على تفسير الأمور في تَمَكُّنها من وضع غيرها من القصص الكبرى في موقعها الصحيح، وتفسيرها، وشرحها. والقصة المسيحية، مثل سائر القصص، لا يمكن “البرهنة عليها” بالوسائل الموضوعية منطقية كانت أم علمية.
بل يجب تقييمها بناءً على قدرتها أن تخلق للأشياء معنى أعمق من منافساتها الحالية أو التي قد تظهر فيما بعد، وذلك ببساطتها، وأناقتها، وسهولة فهمها، وقدرتها على خلق معنى يتجاوز حدودها.
فكيف نستفيد من عودة الاهتمام بالقصة في محاولتنا لفهم كيفية تقديم الإيمان المسيحي لثقافتنا؟ سأطرحُ هنا بعض الأفكار الشخصية. عندما كنت أصغر سنًا كنت أعتقد أن أفضل طريقة لمساعدة الآخرين على اكتشاف حق المسيحية المدهش هو مناقشتهم بالحجة. أي إقناعهم بأن المسيحية صحيحة وحق. وباختصار، كونت ما يطلق عليه الكثيرون اليوم منهجًا “حداثيًا”. ولكني اليوم أوصل حق الإنجيل بطريقة مختلفة. فأنا أحكي قصة قبولي للإيمان.
لماذا؟ لأن القصة أكثر تشويقًا من أي حجة، ولكن السبب الأهم أن قصتي تبين أن المسيحية حقيقية، أي أنها قادرة على تغيير حياة البشر، وإعطائهم أسباب جديدة للحياة ورجاء أكيد للمستقبل. فالقصة تدور حول فلسفة حياتية أصبحت تمثل نظرة شخصية في حياة صاحبها، وهي قادرة على التجديد والتغيير والاستثارة. وروايتي لهذه القصة الشخصية تؤكد أن الإنجيل حقيقي في حياتي.
إننا نعيش في عالم تشكله القصص. بالإضافة إلى أن “القصص الكبرى” قادرة على إضفاء معنى على العالم وعلى خلق علاقة مفيدة بين من يلاحظ الأحداث والأحداث نفسها. وهذه القصص عبارة عن شباك من المعاني نحكيها لنجمع فيها خبراتنا الشخصية ونحتفظ بها، ولنختزن فيها المعنى الذي نرى أنها تنقله أو تنطوي عليه.
والمسيحية تروي واحدة من هذه القصص، والإلحاد الجديد يروي قصة أخرى، وهناك قصص لا تحصى يرويها أولئك ممن لديهم أغراض يريدون تنفيذها، ورؤى ينشرونها، ومصالح أو أغراض شخصية يروجونها. إن القصص تحدد أماكن الحقائق بوضعها في إطار قصصي.
والآن بعد أن وضعنا أساسًا نظريًا لتأكيد أهمية القصص في الدفاعيات، سنتناول كيفية استخدامها. وسنبدأ بعد قليل بقصتين تُستخدمان في تدعيم الدعاوى التي يقيمها بعض الكُتاب ضد المسيحية، وسنرى كيف يمكن نقدهما.
على الدفاعيات المسيحية أن تنقد وتُقَيم غيرها من القصص الكبرى، مثل القصص العلمانية التي تعمل على تقويض المسيحية أو تهميشها. ولكنها لابد أن تُقدر في الوقت نفسه ما تتضمنه المسيحية من قصص خاصة بها. فالقصة المسيحية الكبرى عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تساعدنا أن نفهم معنى العالم، كما أشار “لويس” وغيره. ولكن هذه كلها “قصص كبرى” فماذا عن القصص العادية؟ وكيف يمكن استخدامها في الدفاعيات المسيحية؟
أَوضَحُ نموذج يمكننا البدء به هو أمثال المسيح. فاستخدام الرب يسوع للقصص حتى يتفاعل مع مستمعيه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكن هذه القصص كان لها غالبًا أساس في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية والزراعية التي سادت فلسطين في القرن الأول. وقد كانت قصصًا غاية في السهولة تجذب انتباه المستمعين وتثير خيالهم. وكلُّ من هذه الأمثال يحمل داخله قدرة دفاعية هائلة يجب اكتشافها وفهمها، بل استخدامها. وإذا استُخدمَت هذه الأمثال بحكمة فإنها تتمتع اليوم بذات التأثير الذي كانت تتمتع بها عندما قيلت لأول مرة.
والمدافع الحكيم هو من يدرس الأمثال الرئيسية ويسأل هذه الأسئلة المحورية: كيف تساعدني هذه القصة في توصيل الإنجيل؟ كيف تساعدني على التواصل مع هذه الفئة؟ فالقضية هنا ليست دراسة ما في المثل من صور ومفردات في ضوء الديانة اليهودية إبان القرن الأول، بل اكتشاف وسائل لاستخدامه دفاعيًا اليوم.
ولنأخذ مثالاُ لوضيح هذه النقطة، وليكن تلك القصة المعروفة التي عادةً ما يشار إليها باسم “مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن.”
بالرغم من صياغة القصة بأقل عدد ممكن من الكلمات (خمس وعشرون كلمة فقط في الأصل اليوناني)، فالخيال البشري يمكنه بسهولة معالجتها وتذوق تأثيرها. والخبرة البشرية تؤكد صحتها. بالإضافة إلى أنه من السهل البناء عليها وتطبيقها. فكيف نستخدمها في الدفاعيات؟ سأعرض لك كيف أستخدمها، وأترك لك الحرية في تطويرها:
إننا جميعًا نبحث عن شيء له قيمة في الحياة. إلا أننا غالبًا ما نكتشف أن الأشياء التي كنا نظن أنها ستسعدنا وتفرحنا لا تفعل ذلك، فنشعر أنه ما من شيء يمكنه أن يمنحنا الفرح والسلام. ولكن يسوع روى قصة عن هذا الموضوع. فقد قال إن تاجرًا وجد لؤلؤة ثمينة كانت معروضة للبيع، فقرر أن يبيع كل شيء ليحصل عليها. لماذا؟ عندما رأي التاجر تلك اللؤلؤة المميزة أدرك أن كل ممتلكاته باهتة وتافهة مقارنةً بها. وكما يغطي لمعان الشمس على لمعان النجوم، فلا يُرى إلا ليلاً، هكذا أتاحت هذه اللؤلؤة الثمينة للتاجر أن يرى ممتلكاته من منظور مختلف.
فما كان يظن أنه سيشبعه ثبت أنه يكشف عدم شبعه، ويثير اشتياقه لشيء لم يكن في متناوله. ولكنه رأى تلك اللؤلؤة المتميزة، فأصر أن يحصل عليها، لأنها شيء عظيم القيمة، شيء يستحق الامتلاك، حتى إن كل مقتنياته الأخرى تبدو قليلة القيمة مقارنةً بها. هذا هو الإنجيل عندما تكتشفه لأول مرة. إنه شيء في غاية الروعة حتى إنه يتفوق على كل ما عداه.
وهنا نرى مثالاً لاستخدام قصة كتابية لتوضيح نقطة دفاعية مهمة. إلا أن القصص الكتابية يمكن أن تُستخدم أيضاً لتكوين أطر تقدم معاني أو تفسيرات يمكن استخدامها لإضفاء معنى على الحياة. وعندما نستخدم القصص ندعو المستمع للدخول في القصة ونسأله عما إذا كانت تعطي معنى لخبراته وملاحظاته.
ولكن ليست كل القصص الكتابية تلقي الضوء على نقاط محددة بهذا الشكل. فبعض القصص تتيح لنا أن نرى خبراتنا الحياتية وملاحظاتنا من منظور مختلف. ولتوضيح هذه الفكرة سنأخذ قصة من أعظم قصص العهد القديم، وهي قصة السبي البابلي وَرَدّ مسبيي أورشليم إلى أرضهم بعد سقوط الإمبرطورية البابلية.
وتُعتبر قصة السبي البابلي سنة 586 ق. م من أهم قصص العهد القديم. ففي سنة 605 ق.م هزم الإمبرطور البابلي نبوخذ نصر الجيوش المصرية التي تجمعت في كركميش، وهكذا أسس بابل باعتبارها أعلى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. إلا أن يهوياقيم ملك يهوذا تمرد على الحكم البابلي، فقامت القوات البابلية بغزو يهوذا، وهو ما فسره الكُتاب آنذاك بكل وضوح باعتباره تنفيذًا للقضاء الذي أخبر به الرب على شعبه الخائن وملكهم.
وفي مطلع سنة 597 ق.م استسلم كلٌّ من الملك، والعائلة المالكة، ومستشارو البلاط الملكي لقوات الحصار. وتم ترحيلهم إلى بابل مع عدة آلاف من المسبيين غيرهم. ثم حدثت موجة أخرى من الترحيلات سنة 586 ق.م ولم يحصل اليهود على حريتهم في العودة إلى أرضهم إلا بعد سقوط بابل أمام الفرس سنة 539 ق.م.
وغالبًا ما تستخدم هذه القصة التاريخية المؤثرة لخلق معنى للوضع البشري. فمن منظور مسيحي، يرمز وضع اليهود أثناء سبيهم في بابل لحالة البشر. وذلك لأن اليهود لم يكونوا ينتمون لبابل، ولكنهم كانوا مسبيين يتوقون للعودة إلى أرضهم. ومزمور 137 يرسم صورة تنبض باشتياقهم للعودة وتعبر عن ذكرياتهم المرتبطة بأرضهم: “عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ.” (ع1).
إن هذا الإطار يعطي الحياة الإنسانية معنى. فليس المفترض أن نكون هنا، وهذه الأرض ليست وطننا، ولكننا ننتمي لوطن آخر. ومازلنا نحمل في أعماقنا ذكرى هذا الوطن التي لا تستطيع قوة في الوجود أن تمحوها. إننا نتحرق شوقًا للعودة إلى وطننا، ونحيا على رجاء أننا يومًا ما سنكون في الوطن الذي ننتمي إليه بالفعل. إن هذا الإطار يشير إلى مصدرنا الحقيقي ومآلنا، ويعطي معنى للشوق والتوق العميق الذي تتناوله “الحجة المبنية على الرغبة.”
ولكن ماذا عن القصص التي تتحدى المسيحية؟ سنستعرض قصتين تهدفان لهدم المصداقية التاريخية لأهمية يسوع الناصري كما يصورها التقليد المسيحي. أولهما “شفرة دافينشي” The Da Vinci Code (2003) لكاتبها “دان براون” Dan Brown، والثانية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (2010) لمؤلفها “فيليب بولمان” Philip Pullman. ما المنهجيات التي يتبعها كلٌّ منهما؟ وكيف نرد عليهما؟
إن القصص تدعونا لنتخيل عوالم بديلة ونقارنها بعالمنا: أيهما أكثر معقولية؟ وأكثر جاذبية؟ وتجدر الإشارة إلى أن إعادة قراءة التاريخ بشكل مختلف عادةً ما يكون وراءها دوافع هجومية أو أخلاقية، ومنها على سبيل المثال تصوير شخصية تاريخية خبيثة بشكل أفضل، أو شخصية محبوبة بشكل أسوأ. فرواية “أنا كلوديوس” I, Claudius (1934) مثلاً لكاتبها “روبرت جرفز” Robert Graves تتعاطف مع الإمبرطور الروماني كلوديوس (10ق.م – 54 م) وترسم له صورة إيجابية، وهو شخص كان يُنظر إليه في التاريخ على أنه رجل أحمق لا يضر ولا ينفع.
إلا أن “جرفز” يبرز كلوديوس على أنه يروج هذه الصورة عمدًا حتى يخدع الآخرين فيضمن بقاءه في زمن ملئ بالمخاطر السياسية.
وقد تَمكَّن كتاب “دان براون” الذي صدر سنة 2003 من تحقيق نجاح باهر واستحوذ على انتباه قرائه بفضل حبكته المتقنة التي تروي بداية تاريخ المسيحية بدرجة عالية من المعقولية حتى إن القارئ لا يلحظ التحريفات الجذرية المدسوسة في الكتاب ببراعة. (والطبعات الأولى من الكتاب كانت بحمل على غلافها كلمة “رواية” تحت العنوان. ولكنها حُذفَت فيما بعد). والقصة المحورية في هذا الكتاب تتلخص في أن الكنيسة اخترعت صورة خاصة بها ليسوع وجعلت منه إلهًا وفرضت هذه الصورة بالمؤامرة السياسية والتهديد بالعنف. ويصور “براون” الإمبراطور قسطنطين على أنه شخص مكيافلي انتهازي يغير طبيعة المسيحية لتخدم أغراضه السياسية.
ويروي “براون” قصة خداع وقمع تنتهي بكشف “الحق” وتحرير الناس. ويركز جزء كبير من القصة على بداية تاريخ المسيحية، فيروي أن الإمبراطور قسطنطين أراد للمسيحية أن تكون الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكنه أدرك أنها تحتاج لنوع من إعادة الصياغة حتى تفي بهذا الغرض. ومن ثم، كان لابد من رفع رتبة يسوع الناصري بحيث لا يظل ذلك المعلم الريفي الفلاح، فأعلن فسطنطين أن يسوع هو الله. وقد استلزم ذلك الحصول على عدد مناسب من الأصوات والتلاعب في النصوص.
ويتم إطلاع القارئ على هذه الأسرار في شخصية السير “لي تيبينج” Sir Leigh Teabing الذي يعلم بهذه الخفايا التاريخية، فيصرح بأنه لم يكن أحد يعتقد أن يسوع هو الله حتى مجمع نيقية سنة 325 عندما طُرحَت المسألة للتصويت، وحصلت على غالبية الأصوت بفارق ضئيل. وتُصدم “صوفي نفو” Sophie Neveu المتخصصة في فك الشفرات عندما تسمع هذا الكلام وتقول في حالة من الذهول: ” لست أفهم ما تقول. هل تتحدث عن ألوهيته؟”
صرح لها “تيبينج”: “عزيزتي، حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبيًا فانيًا مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.
[قالت “صوفي”]: “ليس ابن الله؟”
أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسميًا للتصويت في مجمع نيقية.”
ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته.[22]
ويتم تعريف القارئ بالحقائق المحظورة الخطيرة التي تتعلق بتاريخ الكنيسة ويركز الكاتب بشكل خاص على جماعة يلفها الغموض تعرف باسم “جمعية سيون” Priory of Sion ويقدمها باعتبارها حارسة لأحد الأسرار الخطيرة. ويخبر “براون” قراءه بأن هذه “الجمعية” هي جماعة سرية تكونت سنة 1099 ومازالت موجودة حتى اليوم ويؤكد لهم أن هذه حقائق ثابتة.
والحقيقة أن هذا كلام خاطئ بكل المقاييس، لأن “جمعية سيون” عبارة عن منظمة اخترعها “بيير بلانتار” Pierre Plsntard (1920- 2000) سنة 1956، وقد كان “بلانتار ” بارعًا في تأليف القصص الخيالية، فنسج قصصًا غاية في الإتقان عن هذه الجماعة التي اخترعها وربط بينها وبين أحداث من العصور الوسطى والأرض المقدسة.[23] أي أن الموضوع لا يمت بصلة لأي نوع من الحقائق.
ولست أعرف أي سند تاريخي ذا قيمة يؤيد أيًا من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها “شفرة دافينشي” التي يمكن تفنيدها جميعًا بمنتهى السهولة. ولكن مربط الفرس أن “براون” يروي قصة يتمنى الكثيرون أن تكون صحيحة ويدعوهم أن يصدقوها. وقصة “براون” تقوض الفكر المسيحي التقليدي في أذهان عموم القراء بتصويره لهذا الفكر على أنه نشأ من إساءة ممارسة السلطة والرغبة في قمع العناصر الأنثوية للإيمان.
والقصة “تُعرفنا” بأن الحقيقة هي أن يسوع تزوج مريم المجدلية وأن ابنتهما أنجبت نسلاً ملكيًا في فرنسا. وقد قال “براون” ردًا على الانتقادات الكثيرة التي تناولت الأخطاء التاريخية الفادحة في روايته إن كل ما فعله أنه وضع الكلمات في أفواه شخصيات الرواية وترك القارئ يفهم منها ما يفهمه.
وتكمن جاذبية منهج “براون” في المقام الأول في قدرته على الهدم. فالقصة مكتوبة بأسلوب ركيك يبدو أن معظم القراء يتقبلونه خاصةً مع سرعة توالي الأحداث. وهي من حيث الأسلوب على النقيض تمامًا من “يسوع الصالح والمسيح الشرير” لكاتبها “فيليب بولمان” التي صدرت سنة 2010.[24] فأسلوب “بولمان” يتبع نوعًا ما أسلوب ترجمة الملك جيمز King James للكتاب المقدس، وهو يتميز بفصاحة لا نجد لها أثرًا في أسلوب “براون” الممل الركيك.
وكتاب “بولمان” يعيد سرد قصة الإنجيل في قالب تخيلي يحتفظ بالأسلوب الأصلي للأناجيل ولكنه يغير المحتوى تغييرًا جذريًا. وتنطوي إعادة صياغة القصة بهذا الشكل على تقديم فرضية محورية يبني عليها “بولمان” أطروحته. فهو يصور مريم على أنها فتاة تعاني من ضعف قدراتها العقلية وصعوبات في التعلم، يخدعها أحد الرجال لتنام معه مؤكدًا لها أنه ملاك، فتلد توأمين، يسوع والمسيح، ولكن العلاقة بينهما تسوء منذ سن مبكرة.
كان يسوع رجلاً تقيًا، وواعظًا متجولاً يكرز بملكوت الله وينتظر من أتباعه أن يتغيروا أخلاقيًا. ويخبرنا “بولمان” أن يسوع، كأي كارز بروتستانتي ليبرالي من القرن التاسع عشر، لم يصنع معجزات بالمعنى المفهوم. ولكنه كان يجعل الأمور تحدث بشكل طبيعي. فما الذي حدث في إشباع الخمسة الآلاف؟ كل ما في الأمر أنهم تقاسموا ما كان معهم من طعام.
وهكذا يتضح أن يسوع شخص صالح ينتمي إلى عالم مثالي غير عالمنا ولا يحتك بواقع السلطة السياسية. إلا أن المسيح مختلف. فهو يلتقي بشخصية غامضة اسمها “الغريب” The Stranger تزرع في عقله فكرةَ أن يعيد كتابة قصة يسوع وتعاليمه على نحو يجعلها أكثر جاذبية وأطول عمرًا.
والنتيجة إنجيل أسطوري كُتِب أصلاً لأسباب تافهة بقلم توأم يسوع المزعوم. وما يريد “بولمان” أن يشير إليه من طرف خفي أن إنجيل المسيح “المحسَّن” والمزوَّر هو السبب الأساسي في ظهور كتابات بولس في العهد الجديد.
وهكذا تصبح الكنيسة مؤسسة على إنجيل المسيح الوهمي، وليس على حقيقة يسوع التاريخية المفقودة. فالمسيح يدرك بدهائه ضرورة خلق قصة كبرى، فلسفة حياتية مغرية لتضمن استمرار الكنيسة على مر التاريخ.
ونظرًا لفشل يسوع في تقديم هذه القصة، يقوم المسيح بتعويض هذا العجز بنفسه بتأليف قصة قادرة على إنشاء مؤسسة قوية والحفاظ عليها. والقوة المؤسسية تعتمد على الأمر الإلهي الذي يُفرض دون هوادة ويصبح أيديولوجية راسخة تضمن استمراريته. ويظهر بكل وضوح من هذه الرواية ومن ثلاثية “مواده السوداء” His Dark Materials أن “بولمان” يستهدف مؤسسة الكنيسة.
وأخيرًا يحرض “الغريب” المسيح على خيانة أخيه، خيانة تؤدي إلى موت الشقيق (نعم، يتضح في النهاية أن المسيح هو يهوذا الإسخريوطي). ثم تصبح القيامة مسرحية يحاول فيها المسيح الحي أن يُظهر نفسه على أنه يسوع الميت، وهو ما يعني طبعًا أن القيامة تمثيلية اخترعها المسيح ليعوض عن موت يسوع ميتة مؤسفة عادية. والموضوع مألوف لدى قراء الأعمال العقلانية التي أعادت تأليف حياة يسوع في القرن الثامن عشر، ولكن “بولمان” أدخل عليها تعديلات تاريخية جديدة ولكنها مستحيلة الحدوث.
وهذه هي المشكلة، فهذه القصة الهجومية غير معقولة على الإطلاق لدرجة أنها لا تطابق أدنى المعايير المستخدمة لتحديد صحة الأحداث من الناحية التاريخية. والقصة معقدة ومتداخلة حتى إنها لا يمكن أن بؤخذ على محمل الجد من الناحية التاريخية. ورغم أن الكاتب قَصَّاص من الطراز الأول عندما يؤلف قصصًا خاصة به، فعندما يعيد إنتاجَ قصص غيره، وخاصةً إذا كانت قصة مألوفة كقصة يسوع الناصري يتعثر كثيرًا. فالحبكة مفتعلة بشكل مفرط حتى إن براعة “بولمان” الأسلوبية تعجز عن التعامل مع هذا الخط القصصي المعقد اللازم لتحقيق أغراضه في مهاجمة التقليد.
وقد أقحم “بولمان” نفسه في القصة الكتابية على نحو سافر، فلم يكن دوره فيها سلبيًا ولا صامتًا. وأكثر المواقف التي يظهر فيها هذا الإقحام بشكل صريح هو صلاة يسوع في جثسيماني التي يفاجئنا بأن يسوع يختمها قائلاً أنه لا يوجد إله. ويأتي صوت المؤلف مملاً رتيبًا في مواقف كهذه، ولا سيما عندما يعظ يأخذ مكان يسوع ويعظ قراءه بنبرة حادة مزعجة.
وهو ما يختلف عن أسلوبه في ثلاثية “مواده السوداء”. وهو في رواية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” يفتعل حالة من التقوى المفرطة بشكل يثير الاشمئزاز. علاوة على أنه يَسهل على القارئ التنبؤ بما سيحدث قبل قراءته.
ومن الواضح أن القصة مستحيلة الحدوث التي نطالعها في هذه الرواية تهدف إلى هدم مؤسسة السلطة الدينية. ويتضح هذا الهدف بجلاء في سؤال طرحه أثناء لقاء أجري معه عقب نشر كتابه بفترة وجيزة: “إن استطعت أن ترجع بالزمن وتنقذ ذلك الرجل من الصَلب وأنت تعلم أن هذا يعني عدم ظهور الكنيسة لحيز الوجود، هل ستنقذه أم لا؟” وترتكز هذه الحجة على افتراض مسبق مفاده أن القارئ يشارك “بولمان” في كراهيته الشديدة للمؤسسة الكنسية، وهو ما يظهر بكل وضوح في أعماله الأسبق.
ولكن هل الأمور حقًا بهذه البساطة؟ وهل الحق التاريخي يتوقف على ما نحب؟ وهل الإنجيل يتمحور فعلاً حول الكنيسة باعتبارها مؤسسة؟
معروف أن “بولمان” يريد أن يزعزع أساس الإيمان المسيحي. ولكن كيف يدعم هذا الكتاب حجته؟ إن ما حصل عليه هذا الكتاب من ردود أفعال فاترة على المواقع الإلكترونية الإلحادية يؤكد مدى غموضه. وقد سألني أحد زملائي من الأساتذة الملحدين مؤخرًا: “ولكن ما الفائدة منه؟ ومن سيلتفت لهذا الهراء؟” وقد راودتني هذه الأسئلة الوجيهة الواضحة وأنا أقرأ هذا الكتاب. ورغم استمتاعي بأسلوبه، لم أتمكن من تصديق حبكته الركيكة. ولابد أن أعترف أني لم أجد إجابة مقنعة حتى الآن.
المدخل الرابع: الصور:
تُعتبر الصور، لا الكلمات، أعلى أشكال التواصل عند كُتاب ما بعد الحداثة. وشركات الدعاية والإعلان تنفق أموالاً طائلة لتحصل على أفضل صورة للشركة المعلِنة، وتصمم إعلانات تليفزيونية تعرض صورًا تجعلنا نريد أن نشتري منتجات معينة دون غيرها. إلا أن الكثير من المسيحيين، مثلي، يفضلون استخدام الكلمة (ولا سيما الكلمة المكتوبة، في حالتي) لتوصيل الإيمان وإبراز جماله. ولكن علينا أن نعي أن الصور يُنظر إليها في إطار ما بعد الحداثة على أنها تتمتع بمصداقية وقوة من نوع خاص وتتجاوز الحدود المفروضة على الكلمات.
والعقل البشري يعمل عن طريق توليد صور تساعدنا على “تصوير” العالم المحيط بنا وفهم معناه. ويمكن تشبيه الصور بالخرائط الذهنية التي تساعدنا على رسم أرض الواقع وتحديد مكاننا في الإقليم المحيط بنا. وهذه الصور مفيدة جدًا للمدافع، لأن الصور التي تُعبر عن الفكر المسيحي يمكن تقديمها بأشكال تجذب الخيال البشري. وعمومًا نحن نتعلم أن نسكن في صورة نستخدمها ونكتشف مدى ملاءمتها لواقع عالمنا.
وسنفحص في هذا الجزء عددًا من هذه الصور ونبحث كيفية استخدامها لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله. وبعضها مأخوذ من الكتاب المقدس، والبعض الآخر من الثقافة العلمانية. وأولى هذه الصور مأخوذ من أحد كلاسيكيات الفلسفة اليونانية القديمة، ألا وهو كتاب “الجمهورية” Republic لأفلاطون. (إن كنت قد قرأت رواية “الكرسي الفضي” The Silver Chair، وهي إحدى روايات سلسلة “نارنيا” لكاتبها “لويس”، ستكون الصورة مألوفة لك، حتى وإن لم تكن تعرف أصلها التاريخي[25]).
يدعونا أفلاطون لأن نتخيل كهفًا مظلمًا عاشت فيه مجموعة من الناس منذ مولدهم. وقد ظلوا محبوسين في هذا الكهف طيلة حياتهم حتى إنهم لم يعرفوا عالمًا آخر سواه. وفي أحد أطراف الكهف تشتعل نيران متوهجة بالدفء والضوء. اللهُّب المتصاعدة تلقي ظلالاً على جدران الكهف، فيشاهد الناس هذه الظلال التي تسقط أمامهم على الحائط، ويفكرون فيما تعنيه، فهذه الظلال المرتعشة هي كل ما يعرفه سكان الكهف عن العالم. وإدراكهم للواقع منحصر فيما يرونه ويختبرونه في هذا السجن المظلم.
فإن كان هناك عالم خارج الكهف، فإنه شيء لا يعرفونه ولا يمكنهم أن يتخيلوه، وكل آفاقهم محدودة ومحددة بالظلال وبما ينالونه من ضوء خافت. ولكنهم لا يعرفون أن الكهف سجن ولا أنهم محبوسون فيه، وليس لهم أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف إلا إذا عرفوا بوجود عالم آخر.
ويزين أفلاطون هذه الصورة بالعديد من التفاصيل، منها أن سكان الكهف مقيدون بأغلال تمنعهم من الحركة في أنحاء الكهف. ولا يمكنهم أن يروا إلا الجدار المقابل لهم. ويمتد خلفهم ممر يعبر فيه أشخاص يحملون أشياء متنوعة على رؤوسهم، والنار تلقي هذه الظلال المتحركة على جدران الكهف.
والناس الذين يعبرون الممر يتحدثون بعضهم مع بعض فتُرَجِّع أصواتهم صداها في جنبات الكهف، ولكنها تأتي مشوهة بفعل الجدران. وهكذا يرى السجناء ظلالاً متحركة ويسمعون أصداء أصوات. فهم لا يرون ولا يسمعون أي شيء بشكل مباشر، ولكن خبرتهم بكل شيء تأتي على نحو غير مباشر وغير واضح المعالم.[26]
ولا يعنينا هنا البناء الفلسفي لهذا التشبيه كما وضعه أفلاطون، ولكن ما يعنينا هو إمكانية استخدامه في الدفاعيات. فكيف نستخدم هذه الصورة لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله في عالم اليوم؟ تخيل نفسك الآن تسكن في هذه الصورة بضع دقائق، ولاحظ أنك لابد أن تنسى كل شيء عن العالم الذي نعرفه جميعًا حيث الشمس الساطعة، والهواء العليل، والورود، والبحيرات، والأشجار. وتَذَكر أن العالم الوحيد الذي تعرفه هو ذلك الكهف المظلم الذي يمثل لك الواقع كله.
وأنت لا ترى إلا ظلالاً ولا تسمع إلا أصداء. وما يظهر من هذه الأشياء يصبح واقعًا لك.
احترس من مقارنة عالم الكهف بأي واقع آخر، ففكرة التشبيه كلها تقوم على أساس أنك لا تعرف أي شيء غير هذا الكهف الذي يمثل لك تعريف الواقع. وعندما تشعر بأنك اعتدت على الصورة، سنبدأ في فحصها ودراسة كيفية تطبيقها في الدفاعيات.
اسأل نفسك هذا السؤال: كيف يتأتى لسكان الكهف أن يدركوا أن هناك عالمًا أفضل خارج جدران الكهف المظلمة المدخنة؟ فكر قليلاً في السؤال ثم واصل القراءة بعد أن تصل إلى بعض الإجابات.
ثلاث وسائل تُمكن سكان الكهف من اكتشاف وضعهم الحقيقي:
يدخل شخص من العالم الحقيقي الخارجي إلى داخل الكهف ويخبر سكانه بالعالم الحقيقي. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة فكرة الإعلان الإلهي.
بنية الكهف نفسه تحتوي على دلائل تشير إلى وجود عالم خارج جدرانه. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بناءً على المؤشرات التي نراها في بنية العالم.
عند هؤلاء المساجين معرفة حدسية تقول لهم إن هناك عالمًا أفضل من الكهف المظلم المدخن. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بالاستناد على المشاعر الإنسانية، ومنها الحجة المبنية على الرغبة.
وسوف نبحث فيما يلي ما تتضمنه كل وسيلة من إمكانية دفاعية مع الاحتفاظ بصورة الكهف.
أولاً، قد يقتحم الكهف شخص من عالم آخر، ويخبرنا عن ذلك العالم الآخر مستخدمًا تشبيهات مستمدة من الكهف. بل إنه قد يفعل ما هو أفضل من هذا فيعرض علينا أن يرشدنا لطريق الخروج. وقد يفعل ما هو أفضل من هذا وذاك، فيعرض علينا أن يُخرجنا بنفسه.
وهذا الأسلوب هو الذي ينعكس في عقيدة التجسد المسيحية التي ترى يسوع المسيح باعتباره الشخص الذي يدخل إلى عالم التاريخ والخبرة البشرية، ليُظهر لنا الأمور على حقيقتها وليعطينا القدرة أن نتحرر من ربط العالم وقيوده. وبالرغم من أن هذا الموضوع يملأ صفحات العهد الجديد، فهو يَبرز بشكل خاص في إنجيل يوحنا، كما يتضح من الآيتين التاليتين:
والوسيلة الثانية تقول بأن عالم الكهف نفسه مرصع بمؤشرات ومفاتيح تشير إلى أنه ليس العالم الوحيد. فقد يكون على جدران الكهف علامات تشير إلى أصله أو إلى مصيره الحقيقي، مثل العلامات التي لاحظها أريستبوس على شاطئ جزيرة رودس (ص 122). فربما الكهف يكشف عن أدلة تشير إلى وجود تصميم أو بنية معقدة تثير أسئلة جوهرية عن نشأته. وقد تكون جدرانه مزينة بالرسوم أو غيرها من الدلائل التي تشير إلى أصله وتاريخه.
أما الحل الثالث هو أن من يلاحظون الكهف أنفسهم يملكون في أعماقهم حسًا فطريًا أصيلاً بوجود عالم آخر. وقد يتخذ هذا الحس شكل قناعة عميقة أن الحياة أكثر من مجرد ظلمة هذا الكهف المدخن، أو معرفة حدسية قوية بأن مصيرهم يجب أن يكون في مكان آخر، أو رغبة في شيء يشعر صاحبها أنها لن تُشبع أبدًا، وهو شعور يشير إلى أن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن إشباعنا الحقيقي لن يتحقق فيه.
فنار الشوق التي تشتعل داخلنا ولا تطفئها خبراتنا في هذا العالم تمثل مفتاحًا جوهريًا يشير إلى وضعنا الحقيقي ويدعونا لاكتشاف الواقع الأعظم الذي تشير إليه.
هكذا قمنا ببحث الأساليب الثلاثة وشرحها بسهولة مستخدمين صورة كهف أفلاطون. وكل وسيلة منها تتيح للدافع أن يبحث أحد جوانب الإيمان المسيحي ويكتشف تلامسه مع خبرتنا بالعالم المحيط ومع معرفتنا الحدسية وأشواقنا العميقة وقدرته على خلق معنى لكل هذه الأمور.
ويمكن إدماج هذه الصورة المعبرة بسهولة في الأحاديث، والعظات، والمحاضرات، ويمكن تطويرها بالعديد من الطرق المبتكرة. ويسهل كذلك إضافة طرق أخرى للثلاثة المذكورة أعلاه.
فما الصور الأخرى التي يمكن استخدامها في الدفاعيات؟ يستخدم بولس مجموعة من الصور القوية في رسائله ليساعدنا على فهم ما فعله المسح لأجلنا بصلبه وقيامته. ومن هذه الصور صورة التبني. وفيها يؤكد لنا بولس أننا أصبحنا أبناء الله بالتبني في المسيح (رو 8: 23، غل 4: 5). ويرى بولس أن هذه الصورة المستمدة من قانون الأسرة الروماني تلقي الضوء على امتيازات المؤمن ومكانته في علاقته بالله.[27] وهي صورة تتطلب منا أن ندركها في عقولنا ونقدرها في قلوبنا.
وصورة التبني سهلة الفهم نسبيًا، فهي تُعبر عن أسرة تقرر أن تمنح طفلاً لم يولد في أحضانها الامتيازات القانونية نفسها التي يحصل عليها الطفل المولود في الأسرة. وهو ما يستتبع أن الطفل المتبنى يتمتع بحقوق الميراث التي يتمتع بها الطفل الطبيعي.
وهكذا يمكن أن يرى المؤمن نفسه باعتبار أنه أُدخِل في عائلة الله ومُنح ذات الامتيازات القانونية التي يتمتع بها أي ابن طبيعي. ومن هو الابن الطبيعي لله؟ إنه المسيح نفسه. وبذلك، يشرح بولس هذه الفكرة القوية، ألا وهي أن كل ما منحه الله للمسيح باعتباره ابنه سيؤول إلينا في النهاية باعتبارنا أولاد الله:
ولذلك فالسمات الأسرية التي تميز أولاد الله هي الألم في هذه الحياة والوعد بالمجد في الحياة الآتية. وهو ما يعني أن المجد يكمن وراء الألم، ولابد أن نتعلم أن نرى الألم باعتباره امتيازًا نحتمله مسرورين بوصفه نتيجة لمركزنا الجديد بصفتنا ورثة الله.
ولكن صورة التبني لا تخاطب العقل فحسب، بل تستحوذ على الخيال والقلب أيضًا. وهي بذلك تدعونا أن نترجمها بشكل تخيلي، ولا نكتفي بفهمها. فالتبني معناه أن الطفل مرغوب فيه، وهو يتضمن أيضًا معنى الانتماء. وهذه قضايا وجدانية عميقة تتلامس مع اهتمامات الكثيرين ومخاوفهم في مجتمعات تزداد انكسارًا يومًا بعد يوم.
فالتبني يعني دعوة الشخص ليدخل في بيئة مُحبة حانية. وهي تعني الترحيب بالشخص والرغبة في وجوده وتقديره . والتبني يقدر امتياز الدعوة التي يتم بمقتضاها الترحيب بشخص من خارج الأسرة وإدخاله في كنف الإيمان والحب.
والصورة التي يرسمها بولس للتبني تتوافق بشدة مع اشتياق الإنسان العميق للانتماء إلى مكان ما. فنحن نحتاج أن نشعر أننا مقبولون ومرغوبون. وتؤكد “سيمون فيّ” كثيرًا في كتاباتها أهمية هذه النقطة.
فهي تشير في كتابها “البحث عن الجذور” The Need for Roots إلى أهمية المجتمعات في تكوين الهوية الشخصية وحمايتها: “قد تمثل الحاجة للجذور أهم احتياجات النفس البشرية ولكنها الأقل حظًا من حيث إدراكها والاعتراف بها.”[28] ويتناول “ولتر بروجمَن” Walter Brueggemann أستاذ العهد القديم المعروف هذه الفكرة بمزيد من العمق عندما يشير إلى أن
الشعور بالضياع والتشرد وفقدان المأوى يسود ثقافتنا المعاصرة. وتوق الإنسان لأن ينتمي لمكان، ويكون له بيت، يحتمي في موضع آمن هو سعي عميق يثير في النفس لهيبًا من المشاعر المتأججة.[29]
ونجاح المسلسل التليفزيوني الأميريكي “في صحتك” Cheers يعكس هذه النقطة على أكمل وجه. وقد بدأ عرض المسلسل الذي تجري أحداثه في حانة في بوسطن سنة 1982 واستمر على مدى 271 حلقة حتى سنة 1993. ويرجع نجاحه الباهر إلى ما خلقه من شعور قوي بالانتماء لجماعة.[30]
فقد كانت الحانة مكانًا للأحاديث الخفيفة والأحاديث الجادة، وكانت ملجأ يرحب بكل من يأتيه، والجميع هناك يعرفك. أما خارج الحانة هناك جموع مجهولة من بشر لا يعرفهم أحد ولا يعرفون بعضهم البعض. ولكن داخل الحانة، أنت شخص مميز، ومهم عند الآخرين، أنت تنتمي لمكان. وقد عبَّرت أغنية المسلسل عن هذا المعنى أوضح تعبير: أنت تريد أن تكون في مكان “كل من فيه يعرف اسمك.”
ويمكن للمدافع أن يستخدم صورة التبني التي يرسمها بولس مشيرًا إلى ما تحمله من معانٍ على مستويات مختلفة. فهي لا تلقي الضوء على ما يعود علينا من موت المسيح وقيامته فحسب، ولكنها تخاطب اشتياق القلب البشري العميق للانتماء.
وهناك صور كتابية أخرى يسهل الاستفادة منها في الدفاعيات، مثل صورة الله الراعي، أو المسيح خبز الحياة. فالدفاعيات تتمتع بصندوق زاخر بالكنوز التي يمكننا الاستفادة منها، وهي تستخدم الخيال باعتباره مدخلاً للنفس البشرية. وينبغي على المدافع الناجح أن يجدد هذا الصندوق باستمرار مضيفًا إليه قصصًا وصورًا جديدة.
خطوة للأمام:
المداخل الأربعة التي تناولناها في هذا الفصل كلها مهمة ويمكن تطبيقها بسهولة في الدفاعيات. إلا أنها مجرد أمثلة توضيحية لا تشمل كل المداخل التي يمكن الاستفادة منها، بل يمكن إضافة مداخل أخرى لها. ومنها على سبيل المثال تجسيد المؤمن لإيمانه في حياته العملية، وهو مدخل يؤدي وظيفة دفاعية مهمة.
فالكثيرون يسألون عن الإيمان عندما يرون أن أصدقائهم يتميزون بشيء غير متوفر لهم، كالشعور بالسلام أو بوجود غرض للحياة، أو الشعور العميق بالحنان والحب للبشر، وهو ما يثير لديهم السؤال: “من أين لهم هذا؟” ويتمنون في أعماقهم أن يتمتعوا بما يتمتع به هؤلاء. ومحبة الله تتجسد وتعلَن عندما يخدم المسيحي الحقيقي العالم المحيط به.
والطريقة التي يتعامل بها المؤمن مع الموت تقدم شهادة مهمة لرجاء القيامة المغير الذي يمثل ركيزة أساسية في الإنجيل. فممارسة الحق في حياتنا العملية هي “دفاعيات متجسدة” تمثل في حد ذاتها شهاد قوية لذلك الحق. أي أننا نحتاج لما هو أكثر من الحجج، نحتاج أن نظهر أن الإيمان المسيحي يغير الحياة ويمنحها قوة، كما أشار المدافع “فيليب د. كنِسون” Philip D. Kenneson في ملاحظة حكيمة قائلاً:
إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس الاستمرار في تقديم مزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الآخرين سبباً للالتفات لهذا الحق.[31]
علاوة على ذلك، تقدم الحياة المسيحية شهادة مهمة لقدرة الإنجيل على تغيير حياة البشر، فعندما نشهد عن قصتنا الشخصية، نقدم شهادة غير مباشرة على أن الإنجيل حقيقي، وليس صحيحًا فحسب.
ومن السهل إضافة المزيد من الأساليب أو تطويرها حسب القضايا التي يواجهها المدافع أو الاتجاهات الثقافية التي يشعر أنه يجب التعامل معها. ومن الأمثلة الواضحة التي يمكن استخدامها في الدفاعيات من بعض المجالات الفنية والأدبية الأخرى:
الأفلام: ربما يعتبر الفيلم، لما يميزه من المزج بين القصة والصورة، أفضل وسيلة للتواصل مع جيل يطَلِّع على الواقع بطريقة بصرية أكثر منها نَصية. والكثير من الأفلام الحديثة تثير قضايا لاهوتية ودفاعية كبرى، مما يتيح الفرصة لفتح مناقشات دفاعية.
الشعِر: تُعبر الكثير من القصائد عن شعور بالقلق الشديد تجاه الوضع الحالي للعالم، وعن تطلع نحو الهدف الأسمى للبشرية. وليس من الصعب على المدافع أن يحدد بعض القصائد، وكلمات بعض الأغاني المشهورة، التي تتيح الفرصة لإثارة أسئلة أو فتح مداخل للدفاعيات.
اللوحات الفنية: الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، ناهيك عن الصور المشهورة، يمكن أن تمثل مداخل دفاعية. فإذا أجريت بحثًا سريعًا على الإنترنت مثلاً ستجد لوحة مشهورة للفنان “إدفارد مونك” Edvard Munch اسمها “الصرخة” The Scream(1893) يظهر فيها شخص في حالة من اليأس الوجودي المريع لعجزه عن التعامل مع العالم. فكيف نستفيد من هذه اللوحة؟ إنها مدخل ممتاز للدفاعيات، ويمكنك أن تجد الكثير غيرها بسهولة.
الآن وقد اطلعنا على أساليب تساعدنا في إبراز جمال الإيمان المسيحي وربطه بحياة الناس العاديين، لابد أن ننتقل للعثرات والشكوك التي يواجهها الناس في الإيمان وكيفية التعامل معها .
لمزيد من الاطلاع:
Garson, D.A.The God Who Is There: Finding Your Place in God’s Story. Grand Rapids: Baker, 2010.
Johnston, Robert K.Reel Spirituality: Theology and Film in Dialogue، 2nd ed. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.
Keller, Timothy J. The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism. New York: Dutton, 2008.
Marsh, Clive. Theology Goes to the Movies: An Introduction to Critical Christian Thinking. New York: Routledge, 2007.
McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville: Westminster john Knox, 2011.
Nash, Ronald H. Faith and Reason: Searching for a Rational Faith. Grand Rapids: Academie Books, 1988.
Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.
Piper, John. Think: The Life of the Mind and the Love of God. Wheaton: Grossway, 2010.
Sire, James W. Naming the Elephant: Worldview as a Concpt. Downers Grove, IL: Inter Varsity, 2004.
Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: HarperSanFrancisco, 2006.
[1] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).
[3] James Robert Brown, Philosophy of Mathematics: An Introduction to the World of Proofs and Pictures (London: Routledge, 1999, 71-78); George Bools, “Gödel’s Second Incompleteness Theorem Explained in Words of One Syllable,”, Mind 103 (1994): 1-3.
[4] For a highly influential discussion, see John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.
[5] For two good assessments of Schaeffer’s approach, see Thomas V. Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics: A Critique (Grand Rapids: Baker, 1987); Bryan A. Follis, Truth with Love: Apologetics of Francis Schaeffer (Wheaton: Crossway, 2006).
[6] Francis Schaeffer, The God Who Is There, Complete Works of Francis Schaeffer, vol. 1 (Westchester, IL: Crossway, 1982), 130.
* metaphysical وتترجم أحياناً إلى “ما وراء الطبيعة” والمقصود كل ما يختص بالبحث الفسلفي في المبادئ أو العلل الأولى للكينونة والمعرفة. (المترجمة)
[12] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.
[13] C. S. Lewis, Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.
[14] See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.
[15] Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Biblical Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1977).
[16] Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1985), 216.
[18] N. T. Wright, “How Can the Bible Be Authoritative?” Vox Evangelica 21 (1991): 7-32.
[19] N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), 132.
[20] See Verlyn Flieger, Splintered Light: Logos and Language in Tolkien’s World (Kent, OH: Kent State University, 2002); Jeffrey L. Morrow, “J. R. R. Tolkien as a Christian for Our Times,” Evangelical Review of Theology 29 (2005), 164-77.
[21] Dan Brown, The Da Vinci Code: A Novel (New York: Doubleday, 2003), 233.
[22] Brown is totally wrong on all these points. See, for example, Bart D. Ehrman, Truth and Fiction in The Da Vinci Code: A Historian Reveals What We Really Know About Jesus, Mary Magdalene, and Constantine (Oxford: Oxford University Press, 2004), 23-24.
[23] The best account of the fabrication of this myth is Massimo Introvigne, Gli Illuminatie il Priorate di Sion (Milan: Piemme, 2005). An English summary of this work is available at http://www.cesnur.org/2005/pa_introvigne.htm.
[24] Philip Pullman, The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (Edinburgh: Canongate, 2010).
[25] You might enjoy reading the interesting study of William G. Johnson and Marcia K. Houtman, “Platonic Shadows in C. S. Lewis’ Narnia Chronicles,” Modern Fiction Studies 32 (1986), 75-87.
[26] For a detailed discussion, see Gail Fine, Plato on Knowledge and Forms: Selected Essays (Oxford: Oxford University Press, 2003).
[27] James C. Walters, “Paul, Adoption, and Inheritance,” Paul in the Greco-Roman World, ed. J. Paul Sampley (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2003), 42-76.
[28] Simone Weil, The Need for Roots (London: Routledge, 2002), 43.
[29] Walter Brueggemann, The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith, 2nd ed. (Philadelphia: Fortress Press, 2002), 1.
[30] Bill Carter, “Why ‘Cheers’ Proved So Intoxicating,” New York Times, Sunday, May 9, 1993.
[31] Philip D. Kenneson, “There’s No Such Thing as Objective Truth, and It’s a Good Thing, Too.” Christian Apologetics in the Postmodern World, ed. Timothy R. Phillips and Dennis L. Okholm (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1995), 155-70.
المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
تُعنى الدفاعيات بإقناع الناس بأن المسيحية تخلق للحياة معنى، حتى إن “سي.إس.لويس” الذي قد يُعتبر أعظم مدافع مسيحي في القرن العشرين يصف قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للأشياء بفصاحة بليغة وبإيجاز قاطع قائلاً: “إني أؤمن بالمسيحية كما أؤمن بأن الشمس قد أشرقت، لا لأني أراها فحسب، ولكن لأني أرى كل الأشياء الأخرى بواستطها.”[1] وما يقوله “لويس” أساسي في الدفاعيات المسيحية: فالمسيحية لها معنى في حد ذاتها وهي قادرة على إضفاء المعنى على سائر الأشياء أيضًا.
ويعرض “لويس” في كل أعماله، حتى الخالي منها، نظرة المسيحية للأمور باعتبارها نظرة منطقية، ومقنعة، ومتصلة بحياة البشر. فما أن ننظر للعالم من منظار مسيحي حتى يتضح قصور وجهات النظر الأخرى. وقد أشار أحد زملاء “لويس” في جامعة أكسفورد، وهو اللاهوتي وأستاذ العهد الجديد “أوستين فارِر” Austin Farrer إلي أن تفوق “لويس” في الدفاعيات يرجع إلى قدرته على إظهار الإيمان بالله منطقي وطبيعي.
لم تكمن قوة “لويس” الحقيقية في البرهان، بل في التصوير. فقد سكن في كتاباته عالَمٌ مسيحي يمكن للقارئ أن يفكر فيه ويشعر به. وكان يشعر في هذا العالم بارتياح تام، وقد تمكن من نقل الشعور ذاته لقرائه. كان يقدم القضايا الأخلاقية بمنتهى الوضوح ويبين ارتباطها بالإرادة الإلهية، وعندما يتمكن المرء من رؤيتها على هذا النحو، لا يمكنه أن يراها غير ذلك أبدًا.[2]
يُعتبر الاتساع الفكري الذي يتميز به الإيمان المسيحي من أعظم نقاط قوته، ويمكن استخدامه بكل قوة في الدفاعيات كما سنرى في هذا الفصل. وعندما اقول إن المسيحية قادرة على خلق معنى أعمق للواقع أكثر من غيرها لا أقصد أن وجهات النظر الأخرى غير منطقية.
فمعظم أشكال الإلحاد مثلاً لها منطقها الذي يفترض بعض الملحدين مثل “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins وكذلك “كرستوفر هيتشنز” Christopher Hitchens أنه الشكل الوحيد للعقلانية، وهو افتراض طفولي ساذج. إلا أن المسيحية تتفوق على غيرها من حيث قدرتها على إضفاء معنى أكثر عمقًا ومنطقية على الأمور، كما يرى معظم المدافعين.
والروائي الإنجليزي “إفيلين وُه” Evelyn Waugh (1903-1966) الذي اشتهر بروايته ” العودة إلى برايدزهد” Brideshead Revisited (1945) يشير إلى نقطة مشابهة. فبعد أن آمن بالمسيحية سنة 1930 كتب لأحد أصدقائه يشرح له كيف مَكًنه إيمانه الجديد من رؤية الأشياء بوضوح لأول مرة.
الاهتداء إلى الإيمان يشبه الخروج من عالم “أليس في بلاد العجائب”، حيث يبدو كل شيء كاريكاتيريًا وعبثيًا، والدخول إلى العالم الحقيقي الذي صنعه الله، ثم تبدأ بعد ذلك رحلةٌ بهيجة لا نهائية لاستكشاف هذا العالم.[3]
فقبل الإيمان لم يرَ “وُه” إلا عالمًا مشوهًا وهميًا، ولكنه بعد إيمانه رأى الأمور على حقيقتها. وبدأ رحلة اكتشاف هذا العالم الجديد تملؤه مشاعر الحماس والدهشة والإثارة كما يتضح من كتاباته بعد الإيمان.
بإظهار القاعدة القوية من الحجج والأدلة المؤيِّدة للعقائد الجوهرية في المسيحية: يتضمن هذا المنهج بناء حجج عقلانية تثبت وجود الله، أو حجج تاريخية تثبت قيامة يسوع الناصري. في هذا المنهج يتم الدفاع بشكل مباشر عن مصداقية العناصر الأساسية للأمان المسيحي.
بإظهار أنه إذا كان الإيمان المسيحي صحيحًا، فهو يخلق للواقع معنى أعمق وأكثر منطقية من البدائل الأخرى: تتفوق المسيحية على البدائل الاخرى من حيث توافقها مع ملاحظاتنا وخبرتنا على نحو أكثر منطقية. وهي بذلك تشبه اختبار النظريات العلمية للتأكد من اتساقها مع الملاحظات أو قدرتها على تفسير هذه الملاحظات.
هذان المنهجان لا يلغي أحدهما الآخر، بل يمكن استخدامها معًا في الدفاعيات. سنتناول الآن بعض الأفكار والخطوط المنهجية التي تمثل قيمة محورية في الدفاعيات بوصفها أداة تُظهر لثقافتنا ما يتميز به الإيمان المسيحي من عقلانية ومنطقية.
وسنبدأ دراستنا بالنظر إلى طبيعة الإيمان. طبيعة الإيمان:
أدى صعود تيار”الإلحاد الجديد” سنة 2006 إلى خلق اهتمام جديد بطبيعة الإيمان، وأصبح السؤال المطروح: لماذا نؤمن بالله إن كنا لا نستطيع إثبات هذا الإيمان بيقين مطلق؟ ومن أشد انتقادات الإلحاد الجديد وأكثرها شيوعًا هو القول بأن “الإمان بالله غير منطقي”، حتى إن “ريتشارد دوكينز”، ذلك الملحد الذي يعتمد أسلوب المواجهات في دعم قضاياه ، يرى أن الإيمان هروب من الأدلة بدفن الرؤوس في الرمال، ورفض التفكير.
وبالرغم من أن الكثير من المراقبين الإعلاميين أظهروا نوعًا من القبول لهذه الانتقادات في بادئ الأمر، فقد أظهر الفحص الدقيق مدى ضحالتها، لأن هذا الإلحاد الجديد نفسه له معتقداته وتعاليمه غير المثبَتة، وغير القابلة للإثبات، مثل غيره من الأفكار.
يقول نقاد حركة التنوير من الفلاسفة، مثل “ألاسدير ماكينتاير” Alasdair Maclntyre أو “جون جري” John Gray إن محاولة حركة التنوير أن تضع أساسًا ومعيارًا واحدًا وشاملاً للمعرفة قد ضعُف حتى انهار تمامًا تحت وطأة كمية ضخمة من الأدلة المضادة.[4] فالنظرة القائلة بوجود عقل وحيد شامل لا يمكن الدفاع عنها ولا يمكن تحقيقها. وذلك، لأننا باعتبارنا بشرًا محدودين ليس أمامنا خيار سوى أن ندرك أننا لابد أن نعيش في غياب بعض الحقائق العقلانية الصرفة، الواضحة، المطلقة التي لا تتحمل أي لبس.
فمؤكد طبعًا أنه علينا أن نضع معايير تثبت صحة معتقداتنا، وعلينا أن ندافع عن هذه المعايير، ولكننا في الوقت نفسه لابد أن ندرك أن تلك المعتقدات قد تستعصي على الإثبات. إلا أنها، على حد التعبير الذي أطلقه “وليم جيمز” William James أحد علماء النفس بجامعة “هارفارد” Harvard ، وتُفهم على أنها “فرضيات مقبولة” ” Working hypotheses”.[5]
وسوف أضرب مثالاً لتوضيح هذه النقطة. بعض العبارات الأخلاقية مثل “الاغتصاب فعل خاطئ” لا يمكن إثباتها لا بالمنطق ولا بالعِلم، وهو ما ينطبق على بعض العبارات السياسية أيضًا، مثل “الديمقراطية أفضل من الفاشية.” ولكن هذا لا يمنعنا من الإيمان بهذه المعتقدات السياسية والأخلاقية والتصرف وفقًا لها. ولا يقتصر ذلك على الأخلاقيات الشخصية والآراء السياسية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المعتقدات الاجتماعية، وأهمها العدالة. فما من أمة أو مجتمع يمكنه أن يبقى على قيد الحياة دون أن يكون عنده مفهوم للعدالة. ومع ذلك، لا يمكننا أن نثبت بالمنطق البشري المحض صحة مفهوم بعينه من مفاهيم العدالة.
ومؤخرًا أكد “مايكل ساندل” Michael Sandel أستاذ الحكومة في جامعة “هارفارد” أن أي فكرة للعدالة تقوم على مفهوم ما للحياة الطيبة بما يتضمنه من شبكة معتقدات عن الطبيعة البشرية وقيمها وغرضها.[6] وقد أشار إلى أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، وهو محق في ذلك. صحيح أن بعض مفكري عصر التنوير، تلك الفترة العظيمة في الثقافة الغربية التي قالت بالمرجعية العليا للعقل البشري، آمنوا بأن العقل قادر على تقديم إجابات قاطعة لهذه الأسئلة.
فلا يمكن العثور على إجابات ذات معنى للأسئلة المتعلقة بالعدالة دون الاعتماد على معتقدات لا يمكن إثباتها بشكل نهائي. وقد تلاشى حلم التنوير بتأسيس العدالة على المنطق البحت، لأن فكرة “المنطق الخالص” هي فكرة خيالية، لأن مفاهيم العقلانية تتشكل وفقًا للبيئة الثقافية، كما أشار “ستيفن تولمين” Stephen Toulmin في ملاحظة صائبة قائلاً:
إن ممارسة الحكم العقلاني في حد ذاتها تتم في إطار معين وتعتمد عليه في الأساس، والحجج التي نواجهها توجد في زمان معين وفي طروف معينة، وعندما نُقَيٍّمها لابد أن نحكم عليها في ظل هذه الخلفية.[7]
يبدو أن الكثير من مفكري التنوير نجوا من هذه الحقيقة التي تقوض بناءهم الفكري، وذلك بفضل محدودياتهم الأكاديمية التي كانت شديدة الارتباط آنذاك بالتقليد الغربي الكلاسيكي، ولكن هذا الوهم قد تلاشى، حتى إن “ألاسدير ماكينتاير” يختم تحليله العبقري للتناول العقلاني لكلٍّ من المعرفة والأخلاق بأن التنوع الكبير في طريق التناول “العقلاني” للعدالة والأخلاق لابد أن يؤادي للاستنتاج بأن “الإرث الذي خَلَّفته حركة التنوير هو نموذج مثالي للتفسير العقلاني الذي ثبتت استحالة تحقيقه.”[8]
فالعقل يعد بالكثير ولكنه يعجز عن الوفاء بكل ما يعد به.
ويمكننا في هذا الصدد أن نسوق الكثير من الأمثلة التي تصل جميعها إلى الاستنتاج ذاته الذي أشار إليه منذ عدة سنوات فيلسوف أكسفورد العظيم والمؤرخ الفذ السير “أيزيا برلين”” Sir Isaiah Berlin (1909 – 1997 ) عندما قال بأن القناعات البشرية يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات:
قناعات يمكن إثباتها بالملاحظة التجريبية.
قناعات يمكن إثباتها بالاستنباط المنطقي.
قناعات لا يمكن إثباتها بأي من الطريقتين السابقتين.[9]
تتمثل الفئتان الأولى والثانية فيما يمكن التحقق منه بالعلوم الطبيعية، وما يمكن إثباته بالمنطق والرياضيات. وبذالك، ينحصر”البرهان” في نوعية محدودة من العبارات التقريرية، مثل: 2+2= 4 الكل أكبر من الجزء. التركيبة الكيميائية للماء هي H₂O.
العبارة الأولى والعبارة الثانية يمكن إثباتهما منطقيًا، والأخيرة يمكن إثباتهما علميًا. أما الفئة الثالثة فهي التي تضم القيم والأفكار التي تشكل الثقافة البشرية وتُعَرِّف الوجود الإنساني، أي أنها المعتقدات التي تعطي للحياة الإنسانية سببًا، واتجاهًا، وغرضًا، ولا يمكن إثباتها بالمنطق أو العلم.
ما الذي يندرج تحت هذه الفئة؟ سنة 1948 أكدت الأمم المتحدة “إيمانـ]ها[ بحقوق الإنسان الأساسية.” ورغم أهمية هذا المعتقد، فبنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يمكن إثباتها منطقيًا ولا علميًا، كما لا يمكن إثبات الاعتقاد بأن الظلم شر أو أن الاغتصاب خطأ. فهذه أمور مستحيلة الإثبات. ومع ذلك يتخذ الناس منها عملاً لهم طيلة حياتهم انطلاقًا من اعتقادهم بأنها، أولاً صحيحة، وثانيًا مهمة.
وقد أشار الناقد الأدبي البريطاني “تِري إيجلتون” Terry Eagleton في نقد قوي لكتاب “وهم الإله” the God Delusion لمؤلفه “ريتشارد دوكينز” قائلاً: “إننا نؤمن بالكثير من المعتقدات التي ليس لها مبرر عقلاني يفوق مستوى الشبهات، ومع ذلك هذه المعتقدات منطقية إلى الدرجة التي تجبرنا على أخذها بعين الاعتبار.”[10] والإيمان بالله واحد من هذه المعتقدات.
وقد أكد الفيلسوف “ألفين بلانتيجا” Alvin Plabtinga هذه النقطة منذ سنوات بالإشارة إلى مشكلة دائمة وهي مشكلة “العقول الأخرى”[11] التي تقول بأنه لا يمكنك أن تبرهن برهانًا مطلقًا على أن اللآخرين عندهم عقول. ومع ذلك لم يشغل أحد نفسه بهذا الأمر، لأنه افتراض مقبول ويتفق مع طبيعة الأمور. ثم يقول “بلانتينجا” بوجود توازٍ بين إثبات وجود “عقول أخرى” وإثبات وجود الله.
ويستطرد قائلاً إنه لا يمكن إثبات أي منهما، ويمكن تقديم حججٍ قوية ضد كلٍّ منهما، ولكن مؤيدي هاتين النظرتين يرون أنهما منطقيتان جدًا.
إن “ريتشارد رورتي” Richard Rorty (1931- 2007 ) الذي قد يُعتبر أعظم فيلسوف أمريكي في القرن العشرين عرض نقطة مشابهة في خطابه الرئاسي أمام “الجمعية الفلسفية الأمريكية” American Philosophical Society منذ عدة سنوات أشار إلى أنه
إذا كان أي شخص يؤمن بالفعل أن قيمة أي نظرية تتوقف على أساسها الفلسفي، عندئذٍ لابد أن يشك في أشياء مثل الفيزياء والديمقراطية إلى أن نتغلب على نسبية النظريات الفلسفية، ونجعل منها نظريات مطلقة. ولكن من حسن الحظ أنه ما من أحد يؤمن بشيء كهذا.[12]
ماذا يقصد “رورتي” بهذا الكلام؟ يقصد أننا يمكن أن نؤمن بالمفاهيم الجوهرية في عصرنا دون أن يتوفر لدينا إثبات مطلق.
إن الكل يؤمن منطقيًا بصحة معتقدات معينة رغم إدراكه أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، بالمعنى الضيق لكلمة إثبات. ألا أن نقاد العقائد الدينية غالبًا ما يرجحون أن “الإيمان” نوع من المرض العقلي لا يصيب إلا المتدينين. ولكن هذا خطأ لأن الإيمان جزء من إنسانيتنا.
وقد عبَّرت الفيلسوفة “جوليا كريستفا” Julia Kristeva عن ذلك مؤخرًا بالقول: “سواءً أكنت أنتمي إلى دين، أو كنت لاأدرية، أو ملحدة، فعندما أقول “أنا أؤمن” فهذا يعني أني أقول “أنا أعتبر ]ما أؤمن به [ صحيحًا.”[13] فالإيمان بالله، وبالعدالة، وبحقوق الإنسان تعاني جميعًا من هذه المشكلة المزعومة، وهذه ليست إلا ثلاثة أمثلة، ولكن القائمة تطول.
وعادةً ما يعجز الكُتاب الملحدون عن أن يأخذوا في الاعتبار محدودية العقل البشري، ويرون أن قناعتهم تتميز بالصلابة والمصداقية والقدرة على التحدي. وهم يقولون إنهم لا يؤمنون بأي شئ، ويقتصرون على ما هو صواب، حتى إن المدافع الملحد “كريستوفر هيتشنز” أعلن بكل جرأة أن الملحدين الجدد من أمثاله لا يأخذون العقائد في حسبانهم قائلاً إن “عقيدتنا هي اللاعقيدة.”[14]
هذا خطأ، وأخشى أن “هيتشنز” يضلل نفسه، لأنه يتضح أن تحليله للدين يقوم على معتقدات جوهرية معينة لا يمكن إثباتها، حيث إن نقده العنيف للدين يقوم على قيم أخلاقية معينة (كما في القول بأن “الدين شر” أو ” الله غير صالح” لا يمكن إثباتها، وهو ما يمثل في النهاية نوعًا من التسليم القائم على مجرد شعور بالثقة في في صحة هذه الأفكار. ومادام تقييم “هيتشنز” للدين أخلاقيًا في المقام الأول، فهو مجبر على افتراض قيم أخلاقية معينة لا يمكنه إثباتها. وكل القيم الأخلاقية تقوم في النهاية على معتقدات.
ونقد”هيتشنز” للمسيحية يقوم في نهاية الأمر على معتقداته ويُعبر عنها، أي أنه يقوم على ما يعتقد أنه صواب ويفترض أن أناسًا أخرين يعتقدون أنه صواب، ولكنه لا يستطيع إثباته فعليًا لا بالمنطق ولا بالعلم.
إلا أن مفهوم الإيمان في المسيحية أعمق بكثير من مجرد الاعتقاد بصحة بعض الأفكار. لأن الإيمان عند المسيحيين ليس معرفيًا (“أنا أعتقد أنا هذا صواب”) فحسب، ولكنه في الوقت نفسه يحمل بعدًا علاقتيًا ووجوديًا (“أنا اثق في هذا الشخص”). فالأمر لا يتوقف عند الاعتقاد بوجود الله، بل يمتد إلى أكتشاف حكمة هذا الإله ومحبته وصلاحه، مما ينتج عنه قرار إرادي بتسليم الحياة لهذا الإله. وهو ما عبَّر عنه “سي.إس.لويس” عندما قال إنك لا تواجه “حجة تطالبك بأن توافق عليها، بل شخصًا يطالبك بأن تثق فيه.”[15]
ولذا، فالإيمان يعني الثقة في شخص، وليس مجرد الاعتقاد في وجوده. وقد أشار الكاتب الدنماركي “سورن كيركجارد” Soren Kierkegaard (1813 – 1855) إلى هذه الفكرة عندما أكد أن الايمان الحقيقي بالله هو “قفزة نوعية” من وجود إلى وجود مختلف. فالايمان المسيحي ليس مجرد إضافة بند الايمان بالله لما نختزنه من أفكار عن العالم. ولكنه يعني إدراك واعتناق “النظام الوجودي” mode of existence” ” الجديد الذي تتيحه هذه الثقة.
وتجدر الإشارة إلى أن الفيلسوف النمساوي “لودفيج فيتجنشتاين” Ludwig Wittgenstein الذي يُعتبر عند الأغلبية من عباقرة القرن العشرين العظماء، كان يعاني من شكوك مضنية في فكرة “إثبات” وجود الله. وقد صرح بأنه لم يلتقِ بشخص واحد آمن بالله نتيجةً للحجة العقلية!
وقد تنبأ “جوناثان إدواردز” Jonathan Edwards (1703- 1785 ) عالمِ اللاهوت البيوريتاني الأمريكي العظيم بهذا الموضوع في كتاباته حيث رأى أن الحجة العقلية لها قيمتها وأهميتها في الدفاعيات المسيحية، ولكنها قد تؤدي إلى مجرد الايمان بوجود الله دون أي تأثير يغير الحياة. وكما يشير ” إدوردز”، البعض “يخضع لحق الديانة المسيحية بناءً على البراهين أو الحجج العقلية التي تثبت صحته.”[16] إلا أن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الحياة أو “الإيمان الحقيقي.”
وما يقصده “إدواردز” أن الشخص قد يؤمن بوجود إله دون أن يؤمن بهذا الإله. وهو موقف معروف من العهد الجديد. “أَنتَ تُؤمِنُ أَنَّ الله وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤمِنُونَ وَيَقشَعِرُّونَ!” (يع19:2). فالفرق شاسع بين القبول العقلاني والتغير الشخصي. ويصرح “إدواردز” بأن ما يغير الناس ليس الحجة بل “إدراك” مجد الله، أي التقدير الواعي لهذا المجد، أو لقاء مباشر أو اختبار شخصي مع الله.
قد تلعب [الحجج] دورًا فعالاً في تنبيه غير المؤمنين وحثهم على التفكير بجدية، وفي تثبيت إيمان القديسين الحقيقيين. ولكنها لا تتمتع بالأهمية ذاتها في خلق الإيمان الخلاصي لدي الأشخاص. فالاقتناع الروحي لا ينتج عن الحكم العقلاني، بل من إدراك مجد الأمور الإلهية وجمالها الروحي.[17]
ولكن قيادة الناس للتحول إلى الإيمان هي في النهاية مهمة الكرازة. فالدفاعيات تمهد الطريق لهذا التحول بإظهار أن الإيمان بالله منطقي. إنها تزيل الأحجار والركام من طريق الكرازة. وقد لا يمكننا أن نثبت وجود الله بالمعنى الجامد والمطلق لكلمة إثبات. ولكن مؤكد أنه يمكننا أن نبين أن الإيمان بوجود هذا الإله منطقي تمامًا من حيث أنه يعطي معنى أعمق للحياة وللتاريخ وللخبرة الإنسانية على نحو يتفوق على غيره من البدائل، وبعدها يمكننا أن ندعو الشخص ليتجاوب مع هذا الإله المحب ويثق في مواعيده.
ما أهمية منطقية الإيمان المسيحي؟
لماذا تمثل هذه النقطة أهمية كبرى؟ لماذا يجب علينا أن نظهر أن العقيدة المسيحية منطقية؟ لماذا لا نكتفي بإعلان هذه الفكرة وحسب؟ من النقاط الدفاعية التي يجب تأكيدها هنا أنه من الصعب أن ندافع عن الأفكار التي تسير في اتجاه مضاد لطريق التفكير السائدة في الثقافة.
وقد أشار “أوستين فارر” إلى أن نجاح “سي. إس. لويس” المبهر في عمله بالدفاعيات يرجع في جانب منه لقدرته على “عرض قوة الأفكار المسيحية على المستوى الأخلاقي، والخيالي، والعقلاني عرضًا إيجابيًا.”[18] ويرى “فارر” أن منهج “لويس” في الدفاعيات أظهر أن المسيحية تعطي معنى لأعمق انطباعات العقل البشري والقلب والخيال.
إلا أن “فارر” كان معنيًا بوجه خاص بتأكيد أهمية إظهار منطقية الإيمان. ولكنه لم يقصد بذلك أن المنطق يخلق الإيمان، أو أن الناس يؤمنون بالله بفضل الحجج العقلانية. إلا أنه أراد أن يؤكد مدى صعوبة الدفاع عن الايمان المسيحي علنًا إن كان المجتمع يراه غير منطقي. ولذلك، فإن أعظم إنجاازات “لويس”، من وجهة نظر “فارر”، أنه أظهر منطقية الإيمان بشكل يَسَّر قبوله على المستوى الثقافي.
رغم أن الحجة لا تخلق قناعة، غيابها يضرب الإيمان في مقتل. فما يُثبَت، قد لا يُعتنق، ولكن ما لا يستطيع أحد أن يدافع عنه سرعان ما يتخلى الناس عنه. وإن كانت الحجة العقلانية لا تخلق الإيمان، فهي تحفظ على مناخ ملائم يسمح له بالنمو.[19]
وإظهار منطقية الإيمان لا يعني إثبات كل عنصر فيه، بل يعني القدرة على إظهار أن الاعتقاد في مصداقية هذه العناصر وصحتها يقف على أسس سليمة. ومثال ذلك تبيان أن الإيمان المسيحي يعطي معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ومن ثم، يمكن تشبيهه بعدسة تضع كل شئ في البؤرة، أو بضوء يسمح لنا بالرؤية على مسافات أبعد وبشكل أوضح مما تتيحه لنا قدرتنا العادية.
وقد أكدت هذه الفكرة الفيلسوفية والناشطة الاجتماعية الفرنسية “سيمون فيّ” Simone Weil ، وهي مفكرة يهودية آمنت بالمسيحية في شبابها. فقد استخلصت بعد إمعان النظر فيها يتضمنه إيمانها الجديد من معانٍ أن الإيمان بالله ينير الواقع على نحو أفضل من البدائل العلمانية الأخرى بكثير. وإن كانت طريقة تفكير بعينها قادرة على وضع الأشياء في البؤرة أو إنارة ما هو مظلم وملتبس، فهذا يعد دليلاً على مصداقيتها.
إن أنرتُ كشافًا كهربائيًا في شارع مظلم، لن أحكم على قوته بالنظر إلى المصباح الموجود بداخله، بل بعدد الأشياء التي يسلطه على الأجسام المظلمة. وقيمة أي منهج ديني، أو روحي، بوجه عام، تقَيَّم بكمية النور الذي يُسلِّطه على ما في هذا العالم من أمور.[20]
إن قدرة النظرية على إنارة الواقع ووضعه في بؤرة التركيز تُعتبر في حد ذاتها مقياسًا مهمًا لمصداقيتها. وهنا ترى موضوعًا جوهريًا في الدفاعيات المسيحية، ألا وهو أن الإيمان بصحة المسيحية له أسباب وجيهة، ومنها مدى قدرته على خلق معنى منطقي لما نراه حولنا وبداخلنا. وقد علًّق “برايان لفتو” Brian Leftow الفيلسوف بجامعة أكسفورد على اختباره المسيحي الذي مكنه من رؤية الأشياء على حقيقتها قائلاً: “إن كنت ترى الأشياء على حقيقتها من الموقع الذي تقف فيه، فأنت في المكان الصحيح.”[21]
فماذا عن العلوم؟ إن “جون بولكينجهورن” John Polkinghorne (المولود سنة 1930 ) الفيزيائي الذي ترك المجال العلمي وتخصص في اللاهوت يثير نقطة وثيقة الصلة بموضوع هذا الفصل:
إن البحث عن الحق مهما كان شكله لا يمكنه الوصول إلى استنتاجات يقينية مطلقة. ولكن الشخص الواقعي في تطلعاته هو من يطمح إلى الوصول لأفضل شرح ممكن للظواهر المعقدة، وهو هدف يمكن تحقيقه بالبحث عن فهم شامل مدفوع بدوافع طيبة ليوفر أساسًا للقبول العقلاني. فلا العلم ولا الدين يمكنه أن يأمل في بناء برهان قاطع تجبر منطقيتُه علي قبوله حتى إنه لا ينكره إلا الحمقى.[22]
إن كلاً من العلم والعقيدة المسيحية ملتزمان بإيجاد أفضل تفسير مدعوم بالدليل لما نلاحظه ونواجهه فعليًا في هذا العالم. ومن وجهة نظر المسيحي، تمثل الدفاعيات في جزء منها تأكيدًا للتوافق المفاهيمي بين الإطار النظري للمسيحية والأنظمة العميقة للعالم كما تكشفها العلوم الطبيعية.
فهل الإيمان بالله منطقي؟ أم أنه مجرد وهم، ونموذج أليم للتفكير الرغبوي عند بشر يعانون مشاعر الوحدة والتعطش؟ لقد قال “لويس” نفسه معلِّقًا على معتقداته الإلحادية قبل الإيمان” “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[23] لقد اكتسبَت هذه القضية أهمية في الآونة الأخيرة نتيجةً للمناقشات السائدة حاليًا في ثقافتنا.
وبالرغم من أن الإلحاد الجديد الذي انفجر سنة 2006 فقدَ الكثير من الجاذبية التي تكسو أي شيء جديد، فالأسئلة التي يطرحها مازالت موضع مناقشة، ومنها هل الإيمان بالله يُعبر عن حالة من التجاوب العقلاني مع الواقع، أم أنه ضلالة قديمة الطراز تتفشى بين الجماهير بفعل فيروسات عقلية تعيش على منطق هش ساذج وتفرضها مؤسسات وأفراد سلطويون؟
وهنالك طبعًا نظرة أكثر تشددًا تقول: إن المحاولات البشرية لتكوين معنى أو تأسيس قيم تتساوى في أنها جمعيًا ضلالات سواءً أكانت تؤمن بوجود الله أم كانت إلحادية. وهي نظرة للواقع شديد التشاؤم وتنعكس بكثرة في كتابات “ريتشارد دوكينز” كما في تصريحه الشهير بأن “خواص هذا الكون الذي نراه هي ذات الخواص التي يمكن أن نتوقعها في كون هو أساسًا بلا تصميم ولا غرض ولا شر ولا خير، ولا أي شيء سوى حالة من الحياد القاسي الأعمى حيث يكون كل شيء عاديًا، لا هو بالجيد ولا بالرديء.”[24]
وترى هذه النظرية أننا نفرض معنى وقيمة على عالم بلا معنى، فيصبح المعنى مخترعًا، وليس شيئًا أصيلاً يكتشفه الإنسان. وهذه الفكرة على قدرة اتساقها، إلا أنها شديدة القسوة على نحو يجعل الكثيرين يرونها لا تطاق.
ونحن في هذا الفصل نبحث قدرة الإيمان المسيحي على إضفاء معنى على الأشياء. وتركيزي على مسألة منطقيته لا يعني اختزال المسيحية إلى تفسير عقلاني للأمور، ولا يعني أنه القيمة العليا في اللاهوت المسيحي. ولكن الغرض من ذلك توضيح أن المحيط الثقافي الحالي تَشَكَّل بصعود تيارات عدائية يؤكد أن الإيمان في الأساس غير عقلاني، ومن ثم وجب الرد على هذه الادعاءات بشكل واعٍ ومحسوب.
وقد شهد القرن العشرين طاقة فكرية جديدة تم حقنها في الدراسات الفلسفية للأدلة العقلية والتجريبية التي تتعلق بالله، وكان ظهور تفاسير علمية جديدة لنشأة الكون من العوامل التي حفزت هذه الطاقة الجديدة. وقد أكد فلاسفة الأديان مثل “ألفين بلانتينجا” وكذلك “ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne مجددًا على منطقية الإيمان وأحيوا الحجج القديمة التي تشرح اساب الإيمان بالله، وهنالك تزيد في الاتفاق على أن الإيمان بالله عقلاني تمامًا، إلا إذا عرَّفت “العقلانية” على نحو يتعمد إقصاء هذا الإيمان.[25]
والأمر الذي يزداد وضوحًا أن العقلانية يمكنها فعليًا أن تسجن البشرية في نظرة جامدة متحجرة تحصر الواقع فيما يمكن إثباته عقلانيًا وحسب. وكما أشار “أيزيا برلين” أنه من اللافت للانتباه أن التيار السائد في الثقافة الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر وما بعده يتمثل في “رفض العقل والنظام باعتبارهما سجنًا للروح.”[26] فحصر الإنسان لنفسه فيما يمكن إثباته بالعقل والعِلم هو عبارة عن الأخذ بالقشرة السطحية للواقع والعجز عن اكتشاف ما يمكن تحتها من أعماق.
أما الكتُاب المسيحيون يرون أن الإيمان الديني ليس تمردًا على العقل بل ثورة على سَجن البشرية بين جدران الجمود العقلاني الباردة. فالمنطق والحقائق لا يمكنهما إلا أن “يصلا بنا إلى نقطة معينة في الرحلة، بعدها يجب علينا أن نكمل المسيرة حتى نصل للإيمان.”[27]
فقد يكون المنطق البشري كافيًا على المستوى العقلاني ولكنه قاصر على المستوى الوجودي. والإيمان يعلن عما هو أعمق من العقل، ولا يتعارض معه، بل يفوقه. فالإيمان يستخلص الموافقة العقلانية، ويدعو إليها، ولكنه لا يفرضها، وهو يصل إلى حيث يصل العقل ولكنه لا يحد نفسه عند نقطة تَوقُّف العقل بل يتجاوزها.
فلسفة العلوم باعتبارها أحد الموارد التي تعتمد عليها الدفاعيات:
يوضح “سي.إس.لويس” في روايته لقصة إيمانه بالمسيحية في كتاب “مندهش من الفرح” أن إيمانه بالله لم يأتِ نتيجةً لحجة استدلالية، بل نتيجةً لإمعان التأمل في خبرته، وهو ما يبين أنه يمكننا الاستفادة من منهجيات العلوم الطبيعية في الدفاعيات.
إن العلم يعتمد على الاستدلال inference لا على استنباط براهين رياضية deduction of mathematical proof ، ويتم ذلك بتراكم سلسلة من الملاحظات التي تطرح السؤال الأعمق: كيف نقدم تفسيرًا حقيقيًا صحيحًا لما نلاحظه؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع ما نلاحظه فعليًا في خبرتنا الواقعية؟ وقد استخدم العالم والفيلسوف الأمريكي “تشارلز إس.بيرس” Charles S. Peirce مصطلح “الاستدلال الاحتمالي” “abduction“ للإشارة إلى الطريقة التي يتبعها العلماء لتوليد النظريات التي من شأنها تقديم أفضل تفسير للأشياء.
إلا أن هذه الطريقة أصبح يشار إليها الآن باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” “inference to the best explanation”. وهنالك اتفاق عام الآن على أن هذا الأسلوب هو الفلسفة المميِّزة للعلوم الطبيعية في تقصيها للعالم. فكيف تتم؟
يُعبر “بيرس” عن عملية التفكير التي تؤدي إلى تكوين نظريات علمية جديدة أو طرق تفكير في الواقع كما يلي:
لاحظنا واقعة مفاجئة سنرمز لها بالرمز (ج).
ولكن إذا كانت الواقعة (أ) حقيقية يمكن أن تكون الواقعة (ج) متوقعة.
إذَن هناك سبب يدعو إلى الشك في أن الواقعة (أ) حقيقية.[28]
فالاستدلال الاحتمالي هو عملية ملاحظة أشياء معينة ومحاولة اكتشاف الإطار الفكري الذي يمكن أن يفسرها. وقد كان “شرلوك هولمز” Sherlock Holmes ، المخبر الشهر بطل الروايات البوليسية، يستخدم هذه الطريقة رغم أنه كان يطلق عليها خطأ مصطلح “الاستنباط.” ويرجح “بيرس” أن الاستدلال الاحتمالي أحيانًا ما “يعبر بعقولنا كومضة خاطفة سريعة كأنه “فعل استبصار”.”[29] ولكنه أحيانًا ما يحدث عن طريق عملية بطيئة من التفكير المنهجي العميق أثنا محاولتنا لتوليد كل الاحتمالات التي من شأنها تفسير ما نلاحظه.
وقد فحص “بيرس” بدقة كيفية تكوين العلماء لأفكارهم، وهو يعتبر أن هذه العملية هي التي تكمن وراء المنهج العلمي. فالعلم يبدأ بجمع سلسلة من الملاحظات ثم يبحث عن إطار تفسيري يقدم أفضل شرح لهذه الملاحظات. وقد يكون هذا الإطار نظرية موروثة من عصر سابق، وقد يكون أسلوب تفكير جديد تمامًا.
والسؤال الذي يتطلب إجابه هنا هو: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟ وغالبًا ما يُستخدم مصطلح “الاتساق التجريبي” “empirical fit” للإشارة إلى هذا التوافق بين ما يُرى في العالم وما تقدمه النظرية.
خذ مثلاً حركة الكواكب التي خضعت للملاحظة على مدى آلاف السنين. ما أفضل تفسير لها؟ في العصور الوسطى كان يُعتقد أن أفضل تفسير لهذه الملاحظات هو النظام “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تام مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا أن العالم في حاجة لأسلوب جيد.
وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus ويوهانس كِبلر Johannes Kepler إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في السماء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علاقة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.
ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة. ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ماهي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.
وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة، والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينتطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟
للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation ، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيراتexplanation unificatory. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلٍّ منها في الدفاعيات.
التفسير بتحديد المسببات:
أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي شيوعًا. ويقول بأن (أ) تفسر (ب) إن تمكنَّا من إثبات أن (أ) تسبب (ب).[30] فهل هذا يعني أن المسيحيين يؤمنون أن الله يجول في الطبيعة ويخبط التفاح برفق ليسقط من الشجر فيجذبه إلى الأرض؟ لا. ولكن الله يفوض فاعلاً مسببًا في هذا النظام المخلوق.
وقد قال توما الأكويني Thomas Aquinas بفكرة “السببية الثانوية” “secondary causality” باعتبارها امتدادًا للسببية الأولية primary causality أي الله نفسه وليست بديلاً لها. أي أن ما يتم من أحداث في النظام المخلوق يتم عن طريق علاقات سببية معقدة دون أي إخلال باعتمادها النهائي على الله باعتباره العلة النهائية.[31]
والنقطة الجوهرية التي يجب إدراكها أن النظام المخلوق إذَن يعكس علاقات سببية يمكن للعلوم الطبيعية أن تبحث فيها. وتلك العلاقات السببية يمكن تقصيها وربطها معًا على هيئة “قوانين الطبيعية” مثلاً دون أن يعني ذلك مطلقًا أو يستلزم تبني نظرة إلحادية. ولتبسيط هذه الفكرة قدر المستطاع نقول: إن الله خلق العالم بأنظمة وعمليات خاصة تُسيره.
ولكن ماذا عن نشأة الكون؟ ظهر ميل بين العلماء في أواخر القرن التاسع عشر نحو الاعتقاد بأن الكون موجود أزلاً. إلا أنه في القرن العشرين بات واضحًا أن الكون دخل حيز الوجود بفعل انفجار ضخم يُعرف عادةً باسم “الانفجار الكبير” “the big bang”.[32] ومنذ أدرك العلماء أن الكون له بداية سعت فلسفة العلوم لإيجاد تفسير لكيفية وجود شيء من العدم. فكيف نقول إن العدم سبَّب شيئًا؟ ولكن انتشار فكرة أن الكون نشأ في الزمن وأنه ليس ازليًا أحدث تحولاً كبيرًا لصالح الاعتقاد في وجود “علة أولى” “first cause” وصانع عاقل intelligent designer.
فما الذي تسبب في ظهور الكون؟ محتمل أنه خلق نفسه، أو أنه وُجد بالصدفة، أو أنه خُلق بفعل فاعل، وليكن الله مثلاً. وإن كان هذا طبعًا لا يُثبت شيئًا بالمعنى المنطقي الجامد للكلمة، إلا أنه يعطي مصداقية جديدة لحجة من أشهر الحجج التقليدية المختصة بوجود الله التي يمكن التعبير عنها كما يلي:
كل ما يظهر إلى الوجود له سبب.
العالم ظهر إلى الوجود.
إذَن العالم له سبب.
البحث عن أفضل تفسير:
منذ حوالي سنة 1970 تكوَّن شبه اتفاق على أن الفلسفة الأساسية للعلوم الطبيعية تتمثل في النهج المعروف عمومًا باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات.”[33] “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تامٍ مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا ان العالم في حاجة لأسلوب جديد.
وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus ويوهانس كِبلرJohannes Kepler إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في المساء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علامة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.
ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة. ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ما هي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.
وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة، والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟
للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيرات unificatory explanation. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلًّ منها في الدفاعيات.
التفسير بتحديد المسببات:
أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي ويتلخص أساسًا في طرح السؤال: أي النظريات تقدم أفضل تفسير لما نلاحظه فعليًا في الطبيعة؟ وتطرح الكتابات الفلسفية الكثير من الآراء المهمة حول كيفية تحديد أفضل تفسير: هل هو الأبسط؟ أم الأفخم؟ أم الأكثر قدرة على توليد أفكار جديدة؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع الأدلة؟ والطريقة التي اعتمدها “تشارلز داروين” Charles Darwinفي وضع نظرية “الانتخاب الطبيعي” “natural selection” تُعتبر حاليًا نموذجًا لهذا المنهج.
وتبرز هنا نقطتان في غاية الأهمية. الأولى، أن هذا المنهج يدرك أنه لا يمكن أن نثبت أي تفسير يُعتبر الأفضل، فهي مسألة تتوقف على حالة من الثقة والارتياح، أو القدرة على التمييز لدى أفراد المجتمع العلمي. وهذا ما نراه فيما يدور حاليًا من جدل حول “الأكوان المتعددة” “multiverse” حيث نجد تفسيرين مختلفين اختلافًا جذريًا للملاحظات نفسها، ومع ذلك نجح كلٌ منهما في حشد التأييد اللازم من المجتمع العلمي. ولكن لا أحد يعرف على وجه الدقة أيهما صحيح.
لذلك، فأنت تختار ما يعتقد في صحته على أساس الأدلة المتاحة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأدلة ليست قاطعة بما يكفي لإثبات تفسير دون الأخر. (وقد يكون هذا المنهج غير مريح ولكنه على الأقل يضمن لك أن تعامل خصومك بالحسنى بدلاً من أن تتهمهم بأنهم مضلَّلون).
والنقطة الثانية أن “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” يدرك احتمالية وجود تفاسير عديدة للأشياء، ويحاول أن يتوصل لإطار يؤدي إلى حل النزاع بين الآراء المتصارعة، ونادرًا ما يمكن إثبات صحة نظرية، ولكن هذا ليس ضروريًا، لأن المهم أن نتأكد أن نظريةً ما أفضل من منافساتها، بمعنى أن الكثير من النظريات العلمية لها ما يدعمها أو يبررها (أي أنها تستند على أدلة قوية) دون أن يعني ذلك أنها مثبَتة.
ومسألة الله تتلاءم تمامًا مع هذا المنهج، حتى إن “ريتشارد سوينبرن” فيلسوف الأديان بجامعة أكسفورد يقول إن الإيمان بالله يقدم أفضل تفسير لمجموعة ضخمة من الأشياء التي نلاحظها في العالم.[34] ويشير الفيزيائي “جون بولكينجهورن” في ذات الصدد إلى أن الإيمان بالله يقدم تفسيرًا لأسئلة “ما وراء النظرية” “metatheoretical” التي تبحث في أساس النظرية، وهي المعتقدات التي ينبغي على العلم أن يعتمد عليها رغم أنه لا يستطيع أن يثبت صحتها.
التفسير بتجميع عناصر رؤيتنا للواقع:
منذ حوالي عام 1990 ازداد الاهتمام في مجال فلسفة العلوم بفكرة “التجميع التفسيري” “explanatory unification” وقد نشأ هذا الأسلوب في التفسير العلمي إبان السبعينات من القرن العشرين، وهو يحاول تكوين إطار مشترك يجمع الأحداث التي كان يُنظر إليها باعتبارها لا تمت بصلة بعضها لبعض.[35] ومنذ ذلك الحين تطور هذا الأسلوب تطورًا كبيرًا واستُخدم لتفسير بعض السمات الجوهرية في تكوين المنهج العلمي الحديث.[36] وموضوعه الأساسي بسيط يتلخص في ضرورة إيجاد إطار يتسع لأكبر عدد ممكن من العناصر.
ويقوم هذا الأسلوب في فهم التفسير العلمي على فكرة أن أَوجُه الواقع التي كان يُعتقد أنها تتطلب تفسيرات مختلفة يمكن أن تدخل ضمن إطار تفسيري واحد. ويُعَد التفسير الشهير الذي قدمه “جيمز كلرك ماكسويل” James Clerk Maxwell للترابط بين الكهرباء والمغناطيسية مثالا واضحًا على هذا المنهج الذي كان له الفضل في اعتبار الكهرباء والمغناطيسية وجهين لعملة واحدة بعد أن كان يُظن أنهما متمايزتان تمامًا.
وهكذا يعني تفسير الشيء، وفقًا لهذا المنهج، أن يوضع في إطار أكبر يسمح بفهم علاقاته المتداخلة مع أوجه الواقع الأخرى. ويصبح السؤال هو: أي شبكة من الأفكار توفر أقصى درجة ممكنة من الترابط بين مختلف المجالات والنظريات العلمية؟
ولا يصعب علينا أن نرى التوافق الكبير بين هذا الفكر وأحد الموضوعات الجوهرية في الإيمان المسيحي. فقد رأى القديس أغسطينوس أن الله مثل شمس فكرية تنير أرض الواقع وتتيح لنا رؤية أعمق أنظمته واكتشاف مكاننا فيها. وكتابات “سي. إس. لويس” تشير إلى معانٍ مشابهة.
معنى الأشياء: دراسة حالة:
لمزيد من التعمق في هذا الأمر سنتناول مدى فاعلية النظرة المسيحية للأشياء في إضفاء معنى على ما نلاحظه. وسنحاول أن نجيب على سؤال: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟
كيف يمكننا إذَن أن نفهم معنى التاريخ والخصائص المميِّزة للثقافة البشرية؟ قد تم طرح عدد من القصص التفسيرية لشرح هذه الأمر. تقول إحداها، وهي المفضلة لدى الإلحاد الجديد، بحدوث تطور تقدمي للوضع البشري نتيجةً لتآكل خرافة الدين، وتحرر البشرية من كل المحرَّمات والقيود الاعتباطية.
إلا أنه أصبح من الصعب الاستمرار في اعتناق هذه القصة في الغرب نظرًا لما مُنيت به اللبرالية الغربية من إخفاقات واضحة. ومن اللافت للانتباه أن هذه القصة التفسيرية الكبرى تمثل واحدًا من الموضوعات الرئيسية التي يستهدفها “إيجلتون” بتحليله الذي أجراه مؤخرًا للإلحاد الجديد الذي يواجه فيه انتقادات عنيفة لهذا الفكر.
فهو يصف “حلم التقدم البشري الذي لا يقف أمامه عائق” بأنه “خرافة متجسدة”، قصة خيالية من قصص الجنيات تفتقرِ لأي نوع من الأدلة. “إن وُجِدَت أسطورة دينية وخرافة ساذجة، فإنها ذلك الاعتقاد الليبرالي العقلاني بأننا نسير قدمًا على الطريق إلى عالم أفضل، باستثناء بعض الانتكاسات القلية.”[37] ومن اللافت للنظر أن “كريستوفر هيتشنز” ينهي هجومه على الدين بدعوة للرجوع إلى فكر التنوير ولاسيما للشكل الذي اتخذه في القرن الثامن عشر.
وهكذا يبدو أن أسطورة العصر الذهبي المفقود لا تزال قائمة في هذا الفكر بعيد المنال. ولكن لا شك أننا مدعوون لفحص الخيالات المتعلقة بكلٍّ من الفرد والمجتمع حتى لو كانت هذه الخيالات متأصلة في العقل الغربي العلماني.
وتتحدث القصة الشاملة (أو القصة الكبرى) للإلحاد الجديد عما عانته البشرية من عبودية للخرافات البدائية. ولكن تطبيق المنطق والعلم تطبيقًا ذكيًا في القرون الأخيرة مَكنَّها أن تتحرر من هذا القهر الطويل وتدخل عالمًا جديدًا مشرقًا بالحرية والاستنارة. عالم جديد مشرق يواجه حاليًا خطر عودة ما يشار إليه باسم “الخرافة” وباسم “اللاعقلانية.” فالدين عاد لمكانته وكانت عودته متوقعة ولكن غير مرغوب فيها. لذلك لابد من إنقاذ الموقف قبل فوات الأوان!
وكأي قصة جديدة، تتميز هذه القصة بالبساطة، ولكنها سرعان ما تفقد قيمتها عندما يثبت عجزها عن شمول التاريخ ككل، وليس فقط مجرد بضعة مقتطفات منتقاة بعناية. ووفقًا لهذه القصة يُفرض أن يكون الدين قد مات في الغرب منذ سنوات، ففي الستينات من القرن العشرين تنبأ علماء الاجتماع الأوربيون بقرب حلول نظام عالمي علماني وكانوا واثقين من ذلك كثافة الجيل السابق من المُنَظِّرين السياسيين السوفييت عندما أعلنوا أن سيادة الماركسية – اللينينية حتمية تاريخية.
وقد أجمع “أكبر علماء الاجتماع والأنثروبولوجي وعلم النفس” أن “أبناءهم، وإن لم يكن فأحفادهم، سيشهدون بزوغ عصر جديد تنضج فيه البشرية فتتخلى عن أوهام الدين الطفولية على حد تعبير “فرويد”.”[38]
إلا أن الدين لم يختفِ، بل إن الكثيرين الآن يقولون إنه أصبح أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى، بالرغم مما يُفرض من ضوابط اجتماعية للحج من تأثيره الاجتماعي في الكثير من بلدان أوروبا الغربية. فالاتحاد السوفيتي انهار، وعلمانيته التي كانت تُفرض بالقوة حلَّت مكانها حالة من النشاط والحماس الدينيين اللذين اجتاحا الأمم التي كانت تحت سيطرته. وهذا ما يخيف الملحدين الجدد لأن قصتهم الكبرى تواجه تحديًا خطيرًا، مما يبين أنها غير صالحة للاستخدام.
والقصة الكبرى لعصر التنوير تعجز عن تفسير أي شئ ذي قيمة. وكما أشار “ريتشارد شودَر” Richard Shweder مؤخرًا أن “قدرتها التنبؤية تكاد تساوي صِفرًا.”[39] وهو يقول في ملاحظة فكاهية إن الدين قد يتضح في نهاية الأمر أنه ضلالة، ولكنه ضلالة لها مستقبل. “إن شعبية الهجوم على الدين حاليًا تخفي وراءها حالة من القلق الشديد الذي عاد مجددًا للمجتمع العلماني لا لأن قصة الدين وهمية بل لأن قصة التنوير هي الوهمية.”[40]
والقصة التي يتبناها التنوير ويعتمد عليها الإلحاد الجديد اعتمادًا كبيرًا لا تحمل ذرة واحدة من الواقع، وهي تشبه في ذلك تأكيد الماركسية على الحتمية التاريخية لسيادة الاشتراكية. فالصحوة الدينية في الكثير من مناطق العالم التي تم قمع الدين فيها على يد الحكومات الإلحادية مؤشر واضح على ضعف هذه القصة وهشاشتها. وفي كل الأحوال تُعَد فكرة “الحتمية التاريخية” حكمًا يصدره علم الاجتماع. ومن ثم، فهو لا يتصل كثيرًا بالصواب والخطأ من الناحية الفكرية أو الأخلاقية.[41]
فسواءً أكان أحد التطورات الاجتماعية “حتميًا” أم لا ، فهذا لا يعني صحته أوخطأه. وأحد التطورات الثقافية أو التاريخية قد يكون حتميًا بوصفه مرحلة تاريخية عابرة وليس تطورًا مستديمًا.
غالبًا ما يتهم الإلحاد الجديد من يؤمنون بالله بأنهم يتمسكون “بعقائد بلا دليل” عكس حقائق الملحدين “المستنيرين” التي لها إثباتات قوية. ولكن هل ينطبق هذا الكلام على اعتقاد الإلحاد الجديد بالتقدم البشري؟ يرى “إيجلتون” أن هذه الأسطورة ليست جديرة بأي اهتمام لأنها كالعمل الفني المزيَّف وأنها مثال صارخ على “الإيمان الأعمى.”[42]
فهل من شخص عاقل يقبل أسطورة علمانية كهذه تتعامل مع الكوارث التي صنعها البشر مثل هيروشيما، وأوشفتز Auschwitz أكبر معسكرات الاعتقال النازية، والتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا باعتبارها “بضع انتكاسات محلية بسيطة” لا تنفي التقدم المستمر للتاريخ ولا تعطله على الإطلاق؟ إن الفرق بين المسيحية والإلحاد الجديد يكمن في اختيارهما لما يطلق عليه المعتقدات التي لا تقوم على دليل والأساطير الكبرى الشاملة، ورغم أن كليهما غير قابل للإثبات، فهذا لا يمنعنا من تمييز أيهما أكثر مصداقية وجاذبية.
فماذا عن القراءة المسيحية للثقافة والتاريخ؟ يحكم هذه القضية موضوعان أساسيان أولهما أن الإنسان مخلوق على “صورة الله”، وثانيهما أنه خاطئ. وبالرغم من اختلاف اللاهوتيين والمدارس الفكرية الدينية فيما يولونه من أهمية لهذين العنصرين في الفهم المسيحي للطبيعة البشرية، فهما القطبان التوأمان اللذان يُكونان أي محاولة مسيحية لفهم لغز السلوك البشري على مستوى الأفراد والمجتمعات وحل طلاسمه.
ووفقًا لهذه النظرية فإننا نمتلئ حماسًا وإلهامًا بفضل رؤيتنا لله التي تجذبنا لأعلى، ولكننا في الوقت نفسه ننجذب لأسفل بسبب ضعف الطبيعة البشرية وسقوطها. وهو مأزق مألوف عَبَّر عنه بولس في إحدى فقرات الكتاب المقدس الشهيرة قائلاً: “لَستُ أَفعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَستُ أُرِيدُهُ فَإِيَاهُ أَفعَلُ.” (رو 19:7).
ومن هنا يتضح أننا من وجهة النظر المسيحية ندرك أن البشرية تتمتع بتطلعات وقدرات تفوق بكثير ما تسمح به معظم الأنظمة السياسية أو الفلسفية، وندرك في الوقت نفسه أنها تملكُ قدرة متساوية على العجز عن تحقيق هذه التطلعات.
وتساعدنا هذه النظرة على وضع إطار للصورة المعقدة للثقافة والتاريخ التي تتسم بالتطلع نحو العظمة والصلاح من ناحية، والظلم والعنف من ناحية أخرى. وقد علق الكثيرون على الغموض الرهيب الذي يكتنف التاريخ وتفنيده للنظريات الساذجة التي تقول بصلاح البشرية. وقد أشار الكثيرون أمثال “تِري إيجلتون” مؤخرًا إلى الجانب المظلم في الثقافة والتاريخ المعاصرين.
إن البشر باعتبارهم من المخلوقات يتمتعون بقدرة على فعل الصلاح، ولكن هذه القدرة تعادلها قدرة أخرى على فعل الشر. وإدراك هذا الغموض الشديد هو ما يساعدنا على التخلص من احلام المدينة الفاضلة المثالية في المجالات السياسية والاجتماعية التي تقوم على أحكام قيمية أيدولوجية ساذجة لم تخضع للتجربة. فالنظرة الساذجة للبشرية تُوَلد يوتوبيا سياسية حيث يفضي “التقدم” إلى كارثة، “ج.ر.ر. تولكين” J.R.R Tolkien في نظرة ثاقبة للمستقبل سنة 1931 ليلة صعود النازية:
درسنا في هذا الفصل أهمية إظهار “منطقية” الإيمان في العمل بالدفاعيات. فما من أحد يحب أن يعتنق إيمانًا غير منطقي. إلا أن بعض المسيحيين يرجحون أنه مادام بولس يتحدث عن الإنجيل باعتباره نوعًا من “الجهالة” التي تخزي معرفة العالَم وحكمته (كما في 1كو 18:1 مثلاً) فلا داعي لاستخدام الوسائل العقلانية للدفاع عن الإنجيل. إلا أنه من الواضح أن هذه النظرة تعكس خطأً في قراءة ما يشغل بولس في كنيسة كورنثوس من ناحية، وفهمهِ لدور “العقل” في الحياة المسيحية من ناحية أخرى.
لقد كانت المسائل التي تشغل بولس في كنيسة كورنثوس معقدة.[44] فالكنيسة كانت عرضة للتأثر بأشكال سابقة من الغنوصية التي كانت تقول بأن الأفراد يخلصون عن طريق معرفة سرية باطنية لا تتاح إلا للقلة. وكان البعض في كورنثوس يمجدون التحزلق الفكري ولم يكونوا مستعدين لقبول أي شئ يخلو منه أو أي نوع آخر من المعرفة الثقافية.
وبولس يرفض هذه الأفكار تمامًا ويصر أن الإنجيل لابد أن يؤخذ كما هو حتى لو كان يتعارض مع الفكر الثقافي السائد والمقبول في كورنثوس. فهو هنا يتحدى النظرية العلمانية للحكمة ولكنه لا يدعو للتخلي عن المنطق البشري.
وبولس يؤكد أننا نحن المسيحيين “لَنَا فِكرُ المَسِيحِ” “have the mind of Christ” (1كو 16:2) مميزًا بينه وبين غيره من منهجيات الحكمة التي سادت كورنثوس قبل دخول المسيحية. ويُعتبر “العقل المسيحي” “Christian mind” تركيبة عقلية متميزة من حيث إنه طريقة تفكير تتشكل وتزدهر بالإيمان المسيحي. فهو ليس سعيًا نحو الوصول إلى معرفة غريبة أو باطنية، ولا حالة من الغرور الإكاديمي، ولا انتكاسًا إلى عقلانية حركة التنوير التي سادت القرن الثامن عشر وفقدت مصداقيتها.
ولكنه السماح لنور المسيح أن يشرق على عقولنا حتى تتمكن قوة الله المغَيرة أن تجدد أذهاننا كما تجدد أرواحنا. إنه النتيجة التي يستحثها الله ويبغيها ونحن نسعى لخدمته في هذا العالم.
فكيف يعطي الإنجيل معنى للأشياء؟ كيف نفهم خطابه العميق الموجَّه لعقولنا ومشاعرنا وخيالنا وبحثنا عن المعنى وكيف نطبقه؟ سنستعرض في الفصل القادم ثمانية اتجاهات رئيسية في الدفاعيات يسهم كلٌّ منها بدور خاص في إفساح مجال للإنجيل في الثقافة المعاصرة.
لمزيد من الاطلاع:
Evans, C .Stephen. Natural Signs and Knowledge of God: A New Look at Theistic Arguments. New York: Oxford University Press, 2010
McGrathm, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville, Westminster John Knox, 2011
Morris, Thomas V., ed. God and the Philosophers: The Reconciliation of Faith and Reason. Oxford University Press, 1994.
Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: Harper San Francisco, 2006.
[1] C. S. Lewis, “Is Theology Poetry?” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper-Collins, 2000), 21.
[2] Austin Farrer, “In His Image,” Remembering C. S. Lewis, ed. James T. Como (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 344-45.
[3] Letter of 1949 to Edward Sackville-West, cited in Michael de-la-Noy, Eddy: The Life of Edward Sackville-West (London: Bodley Head, 1988), 237.
[4] See, for example, Alasdair MacIntyre, Whose Justice? Which Rationality? (London: Duckworth, 1988); Stephan Toulmin, Cosmopolis: The Hidden Agenda of Modernity New York: Free Press, 1990); John Gray, Enlightenment’s Wake: Politics and Culture at the Close of the Modern Age (London: Routledge, 1995).
[5] William James, “The Sentiment of Rationality,” The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy (New York: Longmans, Green, and Co., 1897), 63-110.
[6] See Michael J. Sandel, Justice: What’s the Right Thing to Do? New York: Farrer, Straus and Giroux, 2010).
[7] Stephan Toulmin, The Uses of Argument (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), 183.
[9] Isaiah Berlin, Concepts and Categories: Philosophical Essays New York: Viking Press, 1979), 2-5, 161-62.
[10] Terry Eagleton, “Lunging Flailing, Mispunching: A Review of Richard Dawkins’s The God Delusion,” London Review of Books, October 19, 2006.
[11] Alvin Plantinga, God and Other Minds: A Study of the Rational Justification of Belief in God (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1990).
[12] Richard Rorty, “Pragmatism, Relativism, and Irrationalism,” Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association 53 (1980): 719-38, quote at 730.
[13] Julia Kristeva, The Incredible Need to Believe (New York: Columbia University Press, 2009), 3.
[14] Christopher Hitchens, God Is Not Great: How Religion Poisons Everything (New York: Twelve, 2007), 5. For criticism of this approach, see Aloster McGrath, Why God Won’t Go Away: Is the New Atheism Running on Empty? Nashville: Thomas Nelson, 2011).
[15] C. S. Lewis, “On Obstinancy in Belief,” C. S. Essay Collection (London: Harper-
[16] Collins, 2000), 213-14. Jonathan Edwards, The Works of Jonathan Edwards, vol. (Edinburgh: Banner of Truth Trust, 1974), 290.
[20] Simone Weil, First and Last Notebooks London: Oxford University Press, 1970), 147.
[21] Brian Leftow, “From Jerusalem to Athens,” God and the Philosophers, ed. Thomas V. Morris (Oxford: Oxford University Press, 1994), 191.
[22] John Polkinghorne, Theology in the Context of Science (London: SPCK, 2008), 85-86.
[23] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 197.
[24] Richard Dawkins, River out Eden: A Darwinian View of Life London: Phoenix, 1995), 133.
[25] See, for example, Alvin Plantinga, “Reason and Belief in God,” Faith and Philosophy: Reason and Belief in God, ed. Alvin Plantinga and Nicholas Wolterstorff (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1983), 16-93.
[26] Isaiah Berlin, The Cooked Timber of Humanity: Chapters in the History of Ideas (London: Pimkico, 2003), 208-13. The curious title of this important collection of essays reflect a famous dictum of Immanuel Kant: “Nothing straight was ever made out of the crooked timber of humanity.”
[27] See M. Neil Browne and Stuart M. Keeley, Asking the Right Questions: A Guide to Critical Thinking, 8th ed. (Upper Saddle River, NJ: Pearson Prentice Hall, 2007), 196.
[28] Charles S. Peirce, Collected Papers, vol. 5, ed. Charles Hartshome and Paul Weiss (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960), 189. I reflect further on the importance of this approach in Alister E. McGrath, Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things (Louisville: Westminster John Knox), 2011.
[30] The best studies are Paul Humphreys, The Chances of Explanation: Casual Explanation in the Social, Medical, and Physical Sciences (Princeton: Princeton University Press, 1989); and James Woodward, Making Things Happen: A Theory of Casual Explanation (Oxford: Oxford University Press, 2003).
[31] For a good discussion of Aquinas of this point, see William E. Carroll, “Divine Agency, Contemporary Physics, and the Autonomy of Nature,” Heythrop Journal 49 (2008): 582-602.
[32] Helge S. Kragh, Conceptions of Cosmos: From Myths to the Accelerating Universe: A History of Cosmology (Oxford: Oxford University Press, 2006).
[33] See especially Peter Lipton, Inference to the Best Explanation, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).
[34] Routledge, 2004). Richard Swinburne, The Existence of God, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).
[35] Michael Friedman, “Explanation and Scientific Understanding,” Journal of Philosophy 71 (1974): 5-19; Paul Kitcher, “Explanatory Unification and the Causal Structure of the World,” Scientific Explanation, ed. P. Kitcher and W. Salmon (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989), 410-505.
[36] For example, Margaret Morrison, Unifying Scientific Theories: Physical Concepts and Mathematical Structures (Cambridge: Cambridge University Press, 2000).
[37] Terry Eagleton, Reason, Faith, and Revolution: Reflections on the God Debate (New Haven: Yale University Press, 2009), 28.
[38] William S. Bainbridge and Rodney Stark, The Future of Religion: Secularization, Revival, and Cult Formation (Berkeley: University of California Press, 1985), 1.
[39] Richard Shweder, “Atheists Agonistes,” New York Times. November 27, 2006.
[41] A point famously emphasized by Karl R. Popper, The Poverty of Historicism (London: Routledge & Kegan Paul, 1957).
[42] Eagleton, Reason, Faith, and Revolution, 87-98.
[43] J. R. R. Tolkien, “Mythopoeia,” Tree and Leaf (London: HarperCollins, 1992), 85-90; quote at p. 89.
[44] See especially Walter Schmithals, The Theology of the First Christians (Louisville: Westminster John Knox, 1997), 122-23, 146-51. See further Raymond Pickett, The Cross in Corinth: The Social Significance of the Death of Jesus (Sheffield, England: Sheffield Academic Press, 1997), 213-16; and Edward Adams and David G. Horrell, esd., Christianity at Corinth: The Quest for the Pauline Church (Louisville: Westminster John Knox, 2004).
Not surprisingly, one of the major tenets in Ehrman’s argument is that Jesus never considered himself to be God, nor ever claimed to be God. In order to make his case, Ehrman summarizes his arguments from his book, Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium (Oxford, 2001), and says that Jesus just viewed himself as an apocalyptic prophet who was ushering in the Kingdom of God (basically Albert Schweitzerredivivus).
Here Ehrman adopts what he regards as the standard methodologies of modern critical scholarship, including the criteria of authenticity (and even the controversial and oft-debated criteria of dissimilarity). Of course, the upshot of Ehrman’s reconstruction of the historical Jesus is that any statements that might sound like a claim to divinity are conveniently dismissed as unhistorical. So, not surprisingly, the claims of Jesus in the Gospel of John are considered “not part of the historical record of what Jesus actually said” (125). In addition, Ehrman refuses to allow any statement where Jesus identifies himself as the “Son of Man.”
Needless to say, this all works out a little too neatly. Ehrman portrays his critical methods not only as something that all scholars agree upon, but as something that leads to clear cut, unambiguous results. Left unsaid is the fact that the criteria of authenticity themselves have come under tremendous fire from scholars of all stripes (e.g., see Chris Keith and Anthony Le Donne, Jesus, Criteria, and the Demise of Authenticity [T&T Clark, 2012]). Even more, the specific criterion of dissimilarity (which fuels much of Ehrman’s reconstruction) has been vigorously debated and, in the minds of many, is fundamentally flawed. On top of all of this, even scholars who agree on the criteria reach radically different conclusions about how those criteria should be applied.
Given that Ehrman has spent much of his academic career lamenting reconstructions of early Christianity which portray it as neat and tidy, and given that he is quick to point out that early Christianity was, in reality, full of debate and disagreement, it is ironic that he seems so unwilling to point out those same challenges within his own discipline. The truth of the matter is that reconstructions of the historical Jesus do not give us some clear and simple division of sayings where the human Jesus is on one side and the divine Jesus is on the other. It is much more complex than this, and Ehrman owes it to the reader to make that plain.
Take as an example Ehrman’s dismissal of the sayings where Jesus identifies himself as the Son of Man. This move is not at all consistent with much of modern scholarship, as can be seen by the collection of essays in the recent volume, Who Is This Son of Man?(eds. Larry Hurtado and Paul Owen; T&T Clark, 2011). If Jesus did see himself as the Son of Man, and the evidence suggests that he did, then there are numerous places in the Synoptics where Jesus sees himself in what is arguably a divine role. For instance, in Matt 26:63-65 (cf. Mark 14:62/Luke 22:67-71) Jesus not only identifies himself as the Son of God, but then also identifies himself as the Son of Man coming to judge the world on the clouds of heaven—an identity that the chief priests regard as worthy of the charge of blasphemy. So, even if one were to discount the Gospel of John, there is ample evidence elsewhere for Jesus’ divine self-understanding.
But, there is another problematic aspect to Ehrman’s methodology. Slipped into the discussion (rather subtly) is the expectation that if Jesus really thought he was God he would go around talking about it all the time. Indeed, this is the very point of Ehrman’s argument when comparing John and the Synoptics: “If Jesus really went around calling himself God [in John], wouldn’t the other Gospels at least mention the fact?” (87, emphasis mine). There are several problems with the way Ehrman frames the question. For one, Jesus doesn’t always go around calling himself God even in John’s Gospel. There are only a handful of times where Jesus explicitly claims to be God in John—not nearly as out of sync with the Synoptics as Ehrman would claim.
Beyond this, Ehrman’s statement presents an expectation that if Jesus were God he would always say it directly, something like, “Good to meet you, I am God.” But could Jesus not present himself as the God of Israel in other ways? For instance, is it not relevant that Jesus presents himself as the judge of the world, who will sit on God’s glorious throne, who reigns over the angels, and is the key to people’s eternal destinies in heaven or hell (Matt 25:31-46)? Is it not relevant that Jesus forgives sins, a prerogative that the scribes regard as solely belonging to God and thus worthy of the charge of blasphemy (Mark 2:5-6)? Is it not relevant that Jesus claims to have such a special relationship with the Father that “all things have been handed over to me” and that a person cannot know the Father unless “the Son chooses to reveal Him” (Matt 11:27)? And more examples could be given.
We can agree that John’s Gospel makes such claims to divinity even more direct—as the last Gospel it is not surprising that it offers a more sustained theological reflection on the person of Jesus. But, we should not confuse the directness of a claim with the existence of a claim. The historical evidence suggests the Synoptic Jesus and the Johannine Jesus both claimed to be the God of Israel.
“You can’t say everything.” This is one of the refrains I often cite to my students as we discuss historical documents. When ancient authors put quill to papyrus (or parchment), we need to remember that they had a limited amount of space, a limited amount of time, a limited number of goals, and often a very specific purpose for which they wrote.
Inevitably, therefore, an historical account will include some things that other historical accounts (of the same event) might omit, and they might omit some things that other historical accounts might include.
This reality is particularly important to remember when the Gospel accounts are analyzed and compared with one another. Differences aren’t (necessarily) the same as contradictions. Each author inevitability gives a limited perspective on the whole. They can’t say everything.
Unfortunately, in Bart Ehrman’s recent book, How Jesus Became God–The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee (HarperOne, 2014), this particular principle goes unheeded. In order to demonstrate contradictory Christologies in the New Testament (particularly amongst the Gospels) Ehrman leans heavily on what the Gospel authors don’t say. Put directly, Ehrman uses anargumentum ex silentio (argument from silence).
This discussion of Ehrman’s use of the argument from silence will be the final installment of a series of posts interacting with and responding to his new book (for the prior post see here,here, and here).
For Ehrman, a central example of contradictory Christologies comes from comparing Mark with Matthew and Luke. Mark, he argues, believes Jesus became divine only at his baptism, and was a mere man prior to that point. Matthew and Luke, in contrast, present Jesus as divine even from birth (since he was born to a virgin).
But, how does Ehrman know that Mark rejects the virgin birth, and therefore rejects the higher Christology that goes with it? Simple: Mark doesn’t mention it. Ehrman states,
[Jesus] was already adopted to be God’s Son at the very outset of his ministry, when John the Baptist baptized him. This appears to be the view of the Gospel of Mark, in which there is no word of Jesus’s pre-existence or of his birth to a virgin. Surely if this author believed in either view, he would have mentioned it (238).
Here is where we see the clear use of the argument from silence. Ehrman assumes that if a New Testament author doesn’t mention something then they must not believe it. But, there is a reason why arguments from silence are regarded as fallacious. As noted above, we simply do not know why an author included some things and not others; and it is very dangerous to suppose that we do.
Think, for example, of Paul’s discussion of Jesus instituting the Lord’s Supper in 1 Cor 11:23-26—a topic he never discusses anywhere else. Now imagine for a moment that (for some reason) we didn’t have 1 Corinthians. We might conclude that Paul didn’t know about Jesus instituting the Lord’s Supper; indeed we might even conclude that Paul didn’t believe in the institution of the Lord’s Supper. And we would be flat out wrong.
Likewise, to suppose that Mark’s omission of the virgin birth means he doesn’t believe in the virgin birth (and thus must not share Matthew and Luke’s Christology) is an unsustainable line of reasoning. After all, Mark doesn’t even include a birth account! Should we conclude from that fact that he didn’t believe Jesus was born at all? Indeed, Mark omits many other stories that the other Gospels include; shall we conclude that he did not know any of them? Historical records are inevitably limited in scope; an author cannot say everything. Thus, we cannot draw hard and fast conclusions about things an author did not include.
Later, Ehrman makes the same argument from silence again. This time, he wants to show that Matthew and Luke don’t share John’s view of Jesus as pre-existent. He states:
I should stress that these virginal conception narratives of Matthew and Luke are by no stretch of the imagination embracing the view that later became the orthodox teaching of Christianity. According to this later view, Christ was a pre-existent divine being who ‘became incarnate through the Virgin Mary.’ But not according to Matthew and Luke. If you read their accounts closely, you will see that they have nothing to do with the idea that Christ existed before he was conceived. In these two Gospels, Jesus comes into existence at the moment of his conception. He did not exist before (243).
Notice particularly the last line: “He did not exist before.” But, how does Ehrman know that Matthew and Luke don’t believe Jesus existed before? Do they state such a thing anywhere? No. Ehrman is simply assuming this because they don’t directly mention Jesus’ pre-existence. In other words, he assumes this because Matthew and Luke are silent on the matter.
In the end, the repeated use of the argument from silence suggests that Ehrman is more intent on finding contradictions than he is on simply exploring the Christology of the New Testament authors. But, if one gives historical documents the benefit of the doubt, and doesn’t assume that omissions of a fact equal rejection of a fact, then the Gospel accounts actually prove to be quite complementary in regard to their understanding of Jesus as the divine Son of God.
Was Jesus an apologist? As we read through the Gospels it could not be more evident that we see Jesus utilize a variety of methodologies to communicate spiritual truths. Since there was no New Testament canon at that time, it is not as if Jesus was cognizant of 1 Peter 3:15-16 where we read, “But sanctify Christ as Lord in your hearts, always being ready to make a defense to everyone who asks you to give an account for the hope that is in you, yet with gentleness and reverence; and keep a good conscience so that in the thing in which you are slandered, those who revile your good behavior in Christ will be put to shame. So I doubt that Jesus walked around saying, “ I have been called to be an apologist and I need to carry out my task in a faithful manner.” However, Jesus offered reasons on several occasions as to why He is the Jewish Messiah and God incarnate. So let’s take a look at some of these and try to learn some things.
1. Jesus asked questions
For starters, if you read through the Gospels, you will see Jesus asked 153 questions. This is something that needs to be practiced by all Christians. As Christians we tend to be great talkers but poor listeners. If you read through the rabbinical literature, you will see that asking questions is a common occurrence. In all my discussions with my friends that are skeptics, I tend to ask the following questions:
1. If Christianity is true, would you want to be a Christian? 2. If the God of the Bible exists, would you want to know that? 3. If the God of the Bible does exist, would you be interested in looking at the evidence?
In some cases, asking questions helps to cut to the real issue at hand. When I ask these questions, many people realize they really have no intention of surrendering to God. In the end, no evidence will really convince them. And in one case, I even had one skeptic tell me they didn’t want Christianity to be true. It is true that Biblical faith involves the entire person—-the intellect, the emotions, and the will. And this is why we generally see there are three barriers to belief:
#1 Emotional Barriers: Many people have emotional issues with the claims of Yeshua or the claims of the Bible. Perhaps they have been hurt or their present circumstances have caused barriers to being able to trust that there really is a loving Creator. We need to be sensitive to these issues.
#2 Intellectual Barriers: There are always skeptical barriers. What kind of evidence to do have for God? What about science? Miracles are not possible! There are many more intellectual objections. They have been around for a long time.
#3 Volitional Barriers: In this case, the will is in the way. We trust the Spirit of God to work in this area. While can’t give life to the spiritually dead, the Spirit of God can use our words to remove barriers.
2. Jesus Appealed to Evidence
Jesus knew He could not show up on the scene and not offer any evidence for His Messiahship. In his book On Jesus, Douglas Groothuis notes that Jesus appealed to evidence to confirm His claims. John the Baptist, who was languishing in prison after challenging Herod, sent messengers to ask Jesus the question: “Are you the one who was to come, or should we expect someone else?” (Matt. 11:3). This may seem an odd question from a man the Gospels present as the prophetic forerunner of Jesus and as the one who had proclaimed Jesus to be the Messiah. Jesus, however, did not rebuke John’s question. He did not say, “You must have faith; suppress your doubts.” Instead, Jesus recounted the distinctive features of His ministry:
“Go back and report to John what you hear and see: The blind receive sight, the lame walk, those who have leprosy are cured, the deaf hear, the dead are raised, and the good news is preached to the poor. Blessed is the man who does not fall away on account of me.” (Matt. 11:4-6; see also Luke 7:22).
Even in the Messiah Apocalypse, which is dated between 100 and 80 B.C.E mentions a similar theme as seen in Matt.11: 4-6: “He [God] frees the captives, makes the blind see, and makes the bent over stand straight…for he will heal the sick, revive the dead, and give good news to the humble and the poor he will satisfy, the abandoned he will lead, and the hungry he will make rich.”
Jesus’ works of healing and teaching are meant to serve as positive evidence of His messianic identity, because they fulfill the messianic predictions of the Hebrew Scriptures. What Jesus claimed is this:
1. If one does certain kinds of actions (the acts cited above), then one is the Messiah. 2. I am doing those kinds of actions. 3. Therefore, I am the Messiah.
3. Jesus Appealed to Testimony and Witness
Because Jesus was Jewish, he was well aware of the principles of the Torah. The Baker’s Evangelical Dictionary of Theology notes that the Biblical concept of testimony or witness is closely allied with the conventional Old Testament legal sense of testimony given in a court of law. In both Testaments, it appears as the primary standard for establishing and testing truth claims. Uncertifiable subjective claims, opinions, and beliefs, on the contrary, appear in Scripture as inadmissible testimony.
Even the testimony of one witness is insufficient—for testimony to be acceptable, it must be established by two or three witnesses (Deut 19:15). In John Ch 5:31-39, Jesus says,” If I alone bear witness of Myself, My testimony is not true.” Far from the verification, Jesus declares that singular self-attestation does not verify, it falsifies. We see in this passage that Jesus says the witness of John the Baptist, the witness of the Father, the witness of the Word (the Hebrew Bible), and the witness of His works, testify to His Messiahship. (1)
4. Ontology: Being and Doing-The Actions of Jesus
Ontology is defined as the branch of philosophy that examines the study of being or existence. For example, when Jesus says, “If you have seen Me, you have seen the Father” (John 14:9), ontology asks questions such as, “Is Jesus saying He has the same substance or essence of the Father?” Ontology is especially relevant in relation to the Trinity since Orthodox Christians are required to articulate how the Father, the Son, and the Holy Spirit are all the same substance or essence. In relation to ontology, the late Jewish scholar Abraham J. Heschel said, “Biblical ontology does not separate being from doing.” Heshel went on to say, “What is acts. The God of Israel is a God who acts, a God of mighty deeds.” (2) Jesus continually appeals to His “deeds” that testify to His Messiahship. We see this in the following Scriptures:
But I have a testimony greater than that from John. For the deeds that the Father has assigned me to complete the deeds I am now doing testify about me that the Father has sent me (John 5:36-5:36).
If I do not perform the deeds of my Father, do not believe me (John 10:37).
But if I do them, even if you do not believe me, believe the deeds, so that you may come to know and understand that I am in the Father and the Father is in me. (John 10:38).
Do you not believe that I am in the Father, and the Father is in me? The words that I say to you, I do not speak on my own initiative, but the Father residing in me performs his miraculous deeds (John 14:10).
The New Testament authors show that Jesus performs the same “deeds,” or “acts,” as the God of Israel. For example, Jesus imparts eternal life (Acts 4:12; Rom. 10:12-14), raises the dead (Luke 7:11-17; John 5:21; 6:40), and shows the ability to exercise judgment (Matt. 25:31-46;John 5:19-29; Acts 10:42; 1 Cor 4:4-5). Jesus also has the authority to forgive sins (Mark 2:1-12; Luke 24:47; Acts 5:31; Col. 3:13). Just as the God of Israel, Jesus is identified as eternally existent (John 1:1; 8:58; 12:41; 17:5; 1 Cor. 10:4; Phil. 2:6; Heb. 11:26; 13:8; Jude 5); the object of saving faith (John 14:1; Acts 10:43; 16:31; Rom. 10:8-13), and the object of worship (Matt 14:33; 28:9,17; John 5:23; 20:28; Phil 2:10-11; Heb. 1:6; Rev. 5:8-12).
5. The Miracles of Jesus
In the Bible, miracles have a distinctive purpose: they are used for three reasons: 1. To glorify the nature of God (John 2:11; 11:40) 2. To accredit certain persons as the spokesmen for God (Acts 2:22; Heb. 2:3–4) 3. To provide evidence for belief in God (John 6:2, 14; 20:30–31). (3)
Nicodemus, a member of the Jewish ruling council, the Sanhedrin, told Jesus, “‘Rabbi, we know you are a teacher who has come from God. For no one could perform the miraculous signs you are doing if God were not with him’ ” (Jn. 3:1–2). In Acts, Peter told the crowd that Jesus had been “accredited by God to you by miracles, wonders and signs, which God did among you through him” (Acts 2:22).
In Matthew 12:38-39, Jesus says, “A wicked and adulterous generation asks for a miraculous sign! But none will be given it except the sign of Jonah the prophet.” In this Scripture, God confirmed the Messianic claim when Jesus said the sign that would confirm his Messiahship was to be the resurrection.
It is important to note that not all witnesses to a miracle believe. Jesus did not do His miracles for entertainment. They were done to evoke a response. So perhaps Paul Moser is right on target in what he calls “kardiatheology” – a theology that is aimed at one’s motivational heart (including one’s will) rather than just at one’s mind or one’s emotions. In other words, God is very interested in moral transformation.
We see Jesus’ frustration when His miracles did not bring the correct response from his audience. “Even after Jesus had done all these miraculous signs in their presence, they still would not believe in him” (John 12:37). Jesus himself said of some, “They will not be convinced even if someone rises from the dead” (Luke 16:31). One result, though not the purpose, of miracles is condemnation of the unbeliever (cf. John 12:31, 37). (4) So the Biblical pattern of miracles is the following:
Sign/Miracle—–Knowledge is Imparted—–Should Result in Obedience/Active Participation 6. Jesus Appealed to the Imagination
Since the parables appealed to the imagination, Jesus made use of the parables to illustrate his message. Parables were used to explain the kingdom and character of God. The Greek word “parabole” means “a comparison.” The two most common forms of comparison are simile and metaphor. In comparing simile and metaphor, a metaphor suggests a comparison while a simile explicitly states such a comparison. The Hebrew word for parable is “mashal.” In the Tanakh, there is a wide range of meaning of the word mashal. In some cases it is referred to as a Proverb (1 Sam: 24:13; Ezek. 12:22-23; 16:44; 18:2-3). Mashal is also seen as Riddle (Ps. 49:4; 78:2; Prov. 1:6; Ezek.17:2), and Allegory (Ezek. 24:2-5). (6)
7. Jesus Appealed to His Own Authority
Another way Jesus appealed to those around Him was by His own speaking authority. The rabbis could speak of taking upon oneself the yoke of Torah or the yoke of the kingdom; Jesus said, “Take my yoke upon you, and learn from me.” (Mt 11:29). Also, the rabbis could say that if two or three men sat together, having the words of Torah among them, the shekhina (God’s own presence) would dwell on them (M Avot 3:2). But Jesus said, “Where two or three are gathered in my name, I will be among them” (Matt 18:20). The rabbis could speak about being persecuted for God’s sake, or in his Name’s sake, or for the Torah’s sake; Jesus spoke about being persecuted for and even losing one’s life for his sake. Remember, the prophets could ask people to turn to God, to come to God for rest and help. Jesus spoke with a new prophetic authority by stating, “Come to me, all you that are weary and are carrying heavy burdens, and I will give you rest” (Mt 11:28). (5)
8. Jesus appealed to the authority of the Hebrew Bible
Jesus was raised on the Hebrew Bible. It could not be more evident that He had a very high view of Scripture. We see the following:
1. Jesus viewed himself as being revealed in the Torah, the Prophets and the Psalms, (Lk. 24:44); (Jn. 5:39) 2. Jesus taught Scripture was authoritative: Jesus quotes passages from the Torah in the temptation in the wilderness (Matt. 4:1-11). 3. Jesus discussed how Scripture (The Hebrew Bible) is imperishable in the Sermon on the Mount (Matt. 5:2-48). 4. Jesus also discussed how Scripture is infallible: (Jn. 10:35)
So we can ask two things: What is your view of the Hebrew Bible? Do you read it?
9. Jesus as the Embodiment of Wisdom
Israel’s Wisdom literature includes books such as Proverbs, Job, Ecclesiastes. Yeshua most certainly fulfilled the role of a sage by attributing the Wisdom literature to Himself. In the recent book called The Messiah Mystery: Toward A Perfect World, Rabbi Jacob Immanuel Schochet (who thinks the Messiah has not come), says the following about one of the expectations of the Messiah. He says:
His wisdom shall exceed even that of King Solomon; he shall be greater than all the patriarchs, greater than all the prophets after Moses, and in many respects even more exalted than Moses. His stature and honor shall exceed that of all the kings before him. He will be an extraordinary prophet, second only to Moses, with all the spiritual and mental qualities that are prerequisites to be endowed with the gift of prophecy. (7)
It is interesting that Jesus spoke about this messianic qualification 2,000 years ago. As it says in Matt. 12:42; Lk. 11:31: “The Queen of the South will rise at the judgment with the men of this generation and condemn them; for she came from the ends of the earth to listen to Solomon’s wisdom, and now one greater than Solomon is here.”
10. Jesus is the agent to bring someone out of epistemic darkness
Biblically speaking, revelation is needed because of sin. People do not find God, rather God finds us. He has to take the initiative to reveal His plans and intentions for humanity. The reason He is the one to do this is because sin has dampened the cognitive faculties that God has given us to find Him. In other words, sin affects the whole person—mind, emotions, and will. People can and do harden their hearts towards God. And sadly, sometimes people can reach the point where they are desensitized towards the ways of God. Another way to say this is that they are extensively affected by sin. One of the main themes of John’s Gospel is people’s epistemic darkness and how an encounter with the revelation of Jesus can transfer a person from darkness to light. These main epistemic themes occur throughout John’s Gospel:
1. Epistemic darkness
2. Illumination/Enlightenment
3. Jesus as the revelation of God/ His teaching
4. Saving truth
5. Sensory Perception
6. Cognitive perception
7. The Spirit as a cognitive agent
8. People’s response
9. The relationship between the Father and the Son
10. The relationship between the believer with the Father and the Son (8)
For Judaism the Torah had been the main source of knowledge of God. But now we see that with the coming of the Messiah that the entire epistemic foundation for knowing God has now become the person and work of Jesus the Messiah (John 1:17-18; 5:39, 46). (9)
Conclusion:
So as we have looked at some of the apologetic methods of Jesus, perhaps we can concur with Douglas Groothuis when he says the following:
“Our sampling of Jesus’ reasoning, however, brings into serious question the indictment that Jesus praised uncritical faith over rational arguments and that He had no truck with logical consistency. On the contrary, Jesus never demeaned the proper and rigorous functioning of our God-given minds. His teaching appealed to the whole person: the imagination (parables), the will, and reasoning abilities. For all their honesty in reporting the foibles of the disciples, the Gospel writers never narrated a situation in which Jesus was intellectually stymied or bettered in an argument; neither did Jesus ever encourage an irrational or ill-informed faith on the part of His disciples.”
Sources:
1. Sproul, R.C, Gerstner, J. and A. Lindsey. Classical Apologetics: A Rational Defense of the Christian Faith and a Critique of Presuppositional Apologetics. Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing. 1984, 19. 2. Heschel., A.J. The Prophets. New York, N.Y: 1962 Reprint. Peabody MA: Hendrickson Publishers. 2003, 44. 3. Geisler, N. L., BECA, Grand Rapids, MI: Baker Book. 1999, 481. 4. Ibid. 5. Skarsaune, O., In The Shadow Of The Temple: Jewish Influences On Early Christianity. Downers Grove, ILL: Intervarsity Press. 2002, 331.
6. Stein, Robert H, The Method And Message of Jesus’ Teachings. Philadelphia, PA: Westminster Press, 1978, 34-35.
7. The Jewish Learning Institute, The Messiah Mystery: Toward a Perfect World. Canada: The Jewish Learning Institute. 2000, 56.
8. Mary Healy and Robin Parry, The Bible And Epistemology: Biblical Soundings On The Knowledge of God. Colorado Springs, CO: Paternoster
Apologetics is a branch of Christian theology that helps give reasons for the truthfulness of the Christian faith/worldview. The word “Apologia” means “to give reasons, make a legal defense” (Acts 26:2; 2 Tim. 4:16; 1 Pet 3:15). The apostles approach to spreading the message of the Gospel is characterized by such terms as “apologeomai/apologia” which means “to give reasons, make a legal defense” (Acts 26:2; 2 Tim. 4:16; 1 Pet 3:15); “dialegomai” which means “to reason, speak boldly” (Acts 17:2; 17; 18:4; 19:8), “peíthō” which means to persuade, argue persuasively” (Acts 18:4; 19:8), and “bebaioō ” which means “to confirm, establish,” (Phil 1:7; Heb. 2:3). (1)
The Gospel of John records: “This is the disciple who testifies to these things and who wrote them down. We know that his testimony is true” (John 21:24).
In this post, I will highlight some of the different ways John utilizes apologetics in his testimony of who Jesus is.
1.Jesus Appealed to Testimony and Witness
Because Jesus was Jewish, he was well aware of the principles of the Torah. The Baker’s Evangelical Dictionary of Theology notes that the Biblical concept of testimony or witness is closely allied with the conventional Old Testament legal sense of testimony given in a court of law. In both Testaments, it appears as the primary standard for establishing and testing truth claims. Uncertifiable subjective claims, opinions, and beliefs, on the contrary, appear in Scripture as inadmissible testimony.
Even the testimony of one witness is insufficient—for testimony to be acceptable, it must be established by two or three witnesses (Deut 19:15). In John Ch 5:31-39, Jesus says,” If I alone bear witness of Myself, My testimony is not true.” Far from the verification, Jesus declares that singular self-attestation does not verify, it falsifies. We see in this passage that Jesus says the witness of John the Baptist, the witness of the Father, the witness of the Word (the Hebrew Bible), and the witness of His works, testify to His Messiahship. (2)
2. Moses and Jesus both claim to speak the words of God
John emphasizes the relationship between Jesus and Moses.
“ The Lord your God will raise up for you a prophet like me from among you, from your brothers—it is to him you shall listen— just as you desired of the Lord your God at Horeb on the day of the assembly, when you said, ‘Let me not hear again the voice of the Lord my God or see this great fire any more, lest I die.’ And the Lord said to me, ‘They are right in what they have spoken. will raise up for them a prophet like you from among their brothers. And I will put my words in his mouth, and he shall speak to them all that I command him.”– Deut 18: 15-18
Here, we can notice the emphasis, “And I will put my words in his mouth, and he shall speak to them all that I command him.” The prophet only respeaks the words of God (cf. Jer 1:9: Isa. 59: 21). God said to Moses “Now therefore go, and I will be with your mouth and teach you what you shall speak” (Exod. 4:12).
We see in the context of Numbers 16, Moses faced his opposition in that they challenged his headship and authority. Hence, they challenge the idea that Moses has a special mission and that he was sent from God. In response, Moses defends his mission in that he has never “acted on his own,” i.e., claiming for himself an authority which he did not have. Moses says, ” Hereby you shall know that the LORD has sent me to do all these works, and that it has not been of my own accord” (Num.16:28).
As far as Jesus being like Moses, we see a similar pattern in that Jesus doesn’t claim to speak or act on his own authority:
So Jesus answered them and said, “My teaching is not Mine, but His who sent Me. If anyone is willing to do His will, he will know of the teaching, whether it is of God or whether I speak from Myself. He who speaks from himself seeks his own glory; but He who is seeking the glory of the One who sent Him, He is true, and there is no unrighteousness in Him” (John 7: 16-18)
So Jesus said to them, “When you have lifted up the Son of Man, then you will know that I am he, and that I do nothing on my own authority, but speak just as the Father taught me. And he who sent me is with me. He has not left me alone, for I always do the things that are pleasing to him.”-(John 8:28)
I have many things to speak and to judge concerning you, but He who sent Me is true; and the things which I heard from Him, these I speak to the world. (John 8:26)
For I did not speak on My own initiative, but the Father Himself who sent Me has given Me a commandment as to what to say and what to speak.I know that His commandment is eternal life; therefore the things I speak, I speak just as the Father has told Me” (John 12: 49-50).
Do you not believe that I am in the Father and the Father is in me? The words that I say to you I do not speak on my own authority, but the Father who dwells in me does his works (John 14:10).
Whoever does not love me does not keep my words. And the word that you hear is not mine but the Father’s who sent me(John 14:24).
For I have given them the words that you gave me, and they have received them and have come to know in truth that I came from you; and they have believed that you sent me (John 17:8).
3.Signs and Miracles
While actions by other prophets such as Ezekiel and Jeremiah etc. show some significant parallels to Jesus, Jesus is closer to the actions of the Jewish sign prophetssuch as Moses. “Signs” have a specific apologetic function in that they are used to provide evidence for people to believe the message of God through a prophet of God. Hence, the signs Moses does proves he is truly sent from God. Moses had struggled with his prophetic call when he said “ But they will not believe me or listen to my voice, for they will say ‘The Lord did not appear to you.’ (Exod. 4:1). God assures Moses that the “signs” will confirm his call:
God says, “I will be with you. And this will be אוֹת “the sign”to you that it is I who have sent you” (Exod. 3:12).
“If they will not believe you,” God said, “or listen to the first sign, they may believe the latter sign. If they will not believe even these two signs or listen to your voice, you shall take some water from the Nile and pour it on the dry ground, and the water that you shall take from the Nile will become blood on the dry ground.” (Exod 4: 8-9).
We see the signs are used to help people believe.
Moses “performed the “signs” before the people, and they believed; … they bowed down and worshiped” (Exod. 4:30–31)
The Works of Jesus
“Works” are directly related to the miracles of Jesus (Jn. 5:20; 36;10:25; 32-28; 14:10-12; 15:24) and is synonymous with “signs.” Interestingly enough, when Jesus speaks of miracles and he calls them “works” he doesn’t refer to Exod. 4:1-9, but to Num. 16:28, “Hereby you shall know that the LORD has sent me to do allthese works, and that it has not been of my own accord.” For example:
Jesus answered them, “I told you, and you do not believe. The works that I do in my Father’s name bear witness about me” (John 10:25).
If I am not doing the works of my Father, then do not believe me; but if I do them, even though you do not believe me, believe the works, that you may know and understand that the Father is in me and I am in the Father.” (John 10:37-38).
But the testimony that I have is greater than that of John. For the works that the Father has given me to accomplish, the very works that I am doing, bear witness about me that the Father has sent me (John 5: 36)
“Sign”(sēmeion) is used seventy-seven times (forty-eight times in the Gospels). As far as the “signs’ Jesus does, 29:18-19; 35:5-6; 42:18; 61:1). In John’s Gospel, Jesus performs three “signs,” at the beginning of his ministry; the water turned into wine at Cana at Galilee (2:1-12), the healing of the son of the royal official at Capernaum (4:46-64), and catching of the fish in the sea of Galilee (21:1-14). The link between the first two signs in Jn 2:12 while the link between the last two are seen in Jn 7:1, 3-4, 6, 9. Jesus follows the pattern of Moses in that he reveals himself as the new Moses because Moses also had to perform three “signs” so that he could be recognized by his brothers as truly being sent by God (Exod 4: 1-9). In the exchange between Nicodemus said to Jesus, Nicodemus said, We know you are a teacher who has come from God. For no one could perform the miraculous signsyou are doing if God were not with him” (John 3:2
Also, regarding miracles, in some cases the miracle is a witness against those who reject this evidence. John grieved: “Even after Jesus had done all these miraculous signs in their presence, they still would not believe in him” (John 12:37). One result, though not the purpose, of miracles is condemnation of the unbeliever (cf. John 12:31, 37).
4. Jesus as the Shechinah
In the Bible, the Shechinah is the visible manifestation of the presence of God in which He descends to dwell among men. While the Hebrew form of the glory of the Lord is Kvod Adonai, the Greek title is Doxa Kurion. The Hebrew form Schechinah, from the root “shachan,” means “dwelling” while the Greek word “Skeinei” means to tabernacle.
The Shechinah glory is seen in the Tankah in places such as Gen.3:8; 23-24; Ex.3;1-5; 13:21-22; 14;19-20; 24; 16:6-12; 33:17-23; 34:5-9. In these Scriptures, the Shechinah is seen in a variety of visible manifestations such as light, fire, cloud, the Angel of the Lord, or a combination of all of these. The ultimate manifestation of the Shechinah was seen in the giving of the Torah at Mt. Sinai (Ex.19:16-20).
The Shechinah continued to dwell in the holy of holies in Tabernacle and the Temple (Ex.29:42-46; 40:34-38; 1 Kin.8:10-13). Upon the return of the Jewish people from the Babylonian captivity, the second temple was finished. However, the Shechinah was not present in this temple. Haggai 2:39 is a critical passage since it discusses that the Shechinah would return in an even different and more profound way. Therefore, in relation to the incarnation, the Shechinah takes on greater significance in John 1: 1-14. As John says, “And the Word became flesh, and dwelt among us, and we saw His glory, glory as of the only begotten from the Father, full of grace and truth.” As already stated, the Greek word “Skeinei” means to tabernacle. John 1:14 literally says,” the Word became flesh and tabernacled among us.” (3)
As the Shechinah, Jesus is the agent to bring someone out of epistemic darkness
Biblically speaking, revelation is needed because of sin. People do not find God, rather God finds us. He has to take the initiative to reveal His plans and intentions for humanity. The reason He is the one to do this is because sin has dampened the cognitive faculties that God has given us to find Him. In other words, sin affects the whole person—mind, emotions, and will. People can and do harden their hearts towards God. And sadly, sometimes people can reach the point where they are desensitized towards the ways of God. Another way to say this is that they are extensively affected by sin. One of the main themes of John’s Gospel is people’s epistemic darkness and how an encounter with the revelation of Jesus can transfer a person from darkness to light. These main epistemic themes occur throughout John’s Gospel:
1. Epistemic darkness
2. Illumination/Enlightenment
3. Jesus as the revelation of God/ His teaching
4. Saving truth
5. Sensory Perception
6. Cognitive perception
7. The Spirit as a cognitive agent
8. People’s response
9. The relationship between the Father and the Son
10. The relationship between the believer with the Father and the Son (4)
For Judaism the Torah had been the main source of knowledge of God. But now we see that with the coming of the Messiah that the entire epistemic foundation for knowing God has now become the person and work of Jesus the Messiah (John 1:17-18; 5:39, 46).
Sources
Garrett J. Deweese, Doing Philosophy as a Christian (Downers Grove, ILL: IVP Publishers, 2012), 78-79.
Sproul, R.C, Gerstner, J. and A. Lindsey. Classical Apologetics: A Rational Defense of the Christian Faith and a Critique of Presuppositional Apologetics. Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing. 1984, 19.
These points were laid out systematically in Fruchtenbaum, A.G, The Footsteps of Messiah: A Study of Prophetic Events. Tustin CA: Ariel Press, 1977, 409-432.
Mary Healy and Robin Parry, The Bible And Epistemology: Biblical Soundings On The Knowledge of God Colorado Springs, CO: Paternoster).
This is the eighth in a series of interviews about religion that I am conducting for The Stone. The interviewee for this installment is Michael Ruse, a professor of philosophy at Florida State University and the author of the forthcoming book “Atheism: What Everyone Needs to Know.”
Gary Gutting: What do you think of the claim that scientific accounts provide all the explanations needed to understand the existence and nature of the world, so that there’s no need to posit God as the ultimate explanation?
I don’t think science can explain everything. As far as I am concerned, if you want God to have a crack at the job, go right ahead!
Michael Ruse: Let me start at a more general level by saying that I don’t think science as such can explain everything. Therefore, assuming that the existence and nature of the world can be fully understood (I’m not sure it can!), this is going to require something more than science. As far as I am concerned, if you want God to have a crack at the job, go right ahead!
G.G.: Could you say a bit more about why you think that science can’t fully explain everything?
M.R.: In my view, none of our knowledge, including science, just “tells it like it is.” Knowledge, even the best scientific knowledge, interprets experience through human cultural understanding and experience, and above all (just as it is for poets and preachers) metaphor is the key to the whole enterprise. As I developed my own career path, as a historian and philosopher of evolutionary biology, this insight grew and grew. Everything was metaphorical — struggle for existence, natural selection, division of labor, genetic code, arms races and more.
G.G.: It’s clear that metaphors are useful when scientists try to explain complex ideas in terms that nonscientists can understand, but why do you think metaphors have an essential role in the development of scientific knowledge?
M.R.: Because metaphor helps you move forward. It is heuristic, forcing you to ask new questions. If your love is like a rose, what color is the rose? But note that it does so at a cost. A metaphor puts blinkers on us. Some questions are unanswerable within the context of the metaphor. “My love is a rose” tells me about her beauty. It does not tell me about her mathematical abilities.
Now combine this fact with history. Since the scientific revolution, one metaphor above all — the root metaphor — has dictated the nature and progress of science. This is the metaphor of the world as a machine, the mechanical metaphor. What questions are ruled out by this metaphor? One is about ultimate origins. Of course you can ask about the origins of the metal and plastics in your automobile, but ultimately the questions must end and you must take the materials as given. So with the world. I think the machine metaphor rules out an answer to what Martin Heidegger called the “fundamental question of metaphysics”: Why is there something rather than nothing? Unlike Wittgenstein, I think it is a genuine question, but not one answerable by modern science.
Coming now to my own field of evolutionary biology, I see some questions that it simply doesn’t ask but that can be asked and answered by other areas of science. I think here about the natural origins of the universe and the Big Bang theory. I see some questions that it doesn’t ask and that neither it nor any other science can answer. One such question is why there is something rather than nothing, or if you like why ultimately there are material substances from which organisms are formed.
G.G.: So do you think that we need religion to answer the ultimate question of the world’s origin?
M.R.: If the person of faith wants to say that God created the world, I don’t think you can deny this on scientific grounds. But you can go after the theist on other grounds. I would raise philosophical objections: for example, about the notion of a necessary being. I would also fault Christian theology: I don’t think you can mesh the ancient Greek philosophers’ notion of a god outside time and space with the Jewish notion of a god as a person. But these are not scientific objections.
G.G.: What do you think of Richard Dawkins’s argument that, in any case, God won’t do as an ultimate explanation of the universe? His point is that complexity requires explanation — the whole idea of evolution by natural selection is to explain the origin of complex life-forms from less complex life-forms. But a creator God — with enormous knowledge and power — would have to be at least as complex as the universe he creates. Such a creator would require explanation by something else and so couldn’t explain, for example, why there’s something rather than nothing.
M.R.: Like every first-year undergraduate in philosophy, Dawkins thinks he can put to rest the causal argument for God’s existence. If God caused the world, then what caused God? Of course the great philosophers, Anselm and Aquinas particularly, are way ahead of him here. They know that the only way to stop the regression is by making God something that needs no cause. He must be a necessary being. This means that God is not part of the regular causal chain but in some sense orthogonal to it. He is what keeps the whole business going, past, present and future, and is the explanation of why there is something rather than nothing. Also God is totally simple, and I don’t see why complexity should not arise out of this, just as it does in mathematics and science from very simple premises.
Traditionally, God’s necessity is not logical necessity but some kind of metaphysical necessity, or aseity. Unlike Hume, I don’t think this is a silly or incoherent idea, any more than I think mathematical Platonism is silly or incoherent. As it happens, I am not a mathematical Platonist, and I do have conceptual difficulties with the idea of metaphysical necessity. So in the end, I am not sure that the Christian God idea flies, but I want to extend to Christians the courtesy of arguing against what they actually believe, rather than begin and end with the polemical parody of what Dawkins calls “the God delusion.”
G.G.: Do you think that evolution lends support to the atheistic argument from evil: that it makes no sense to think that an all-good, all-powerful God would have used so wasteful and brutal a process as evolution to create living things?
I don’t want an argument that convinces me that the death of Anne Frank in Bergen-Belsen ultimately contributes to the greater good. If my eternal salvation depends on the death of this young woman, then forget it.
M.R.: Although in some philosophy of religion circles it is now thought that we can counter the argument from evil, I don’t think this is so. More than that, I don’t want it to be so. I don’t want an argument that convinces me that the death under the guillotine of Sophie Scholl (one of the leaders of the White Rose group opposed to the Nazis) or of Anne Frank in Bergen-Belsen ultimately contributes to the greater good. If my eternal salvation depends on the deaths of these two young women, then forget it.
This said, I have never really thought that the pains brought on by the evolutionary process, in particular the struggle for survival and reproduction, much affect the Christian conception of God. For all of Voltaire’s devastating wit in “Candide,” I am a bit of a Leibnizian on these matters. If God is to do everything through unbroken law, and I can think of good theological reasons why this should be so, then pain and suffering are part of it all. Paradoxically and humorously I am with Dawkins here. He argues that the only way naturally you can get the design-like features of organisms — the hand and the eye — is through evolution by natural selection, brought on by the struggle. Other mechanisms just don’t work. So God is off the hook.
G.G.: What do you think of the claim that evolutionary accounts show that religion emerged not because of any evidence for its truth but because of its adaptive value?
M.R.: It is interesting that you ask this question because recently I’ve found myself wrestling with this issue more than just about any other. As an ardent Darwinian evolutionist I think that all organisms, and I include us humans, are the end product of a long, slow process of development thanks to the causal mechanism of natural selection. So this means that I think features like the eye and the hand are around because of their adaptive value; they help us to survive and reproduce.
G.G.: Of course, evolutionary explanations are empirically well established on the biological level. But is the same true on the level of social and cultural life, especially among humans?
M.R.: I include society and culture here although I would qualify what I say. I don’t see being a Nazi as very adaptive, but I would say that the things that led to being a Nazi — for instance being open to indoctrination as a child — have adaptive significance. I would say the same of religion. The biologist Edward O. Wilson thinks that religion is adaptive because it promotes bonding and he might be right. But it can go biologically haywire, as in the case of the Shakers, whose religious prohibition on procreation had an adaptive value of precisely zero.
So it is true that in a sense I see all knowledge, including claims about religious knowledge, as being relative to evolutionary ends. The upshot is that I don’t dismiss religious beliefs even though they ultimately can be explained by evolution. I think everything can! I wouldn’t dismiss religious beliefs even if you could show me that they are just a byproduct of adaptation, as I think Darwin himself thought. It is as plausible that my love of Mozart’s operas is a byproduct of adaptation, but it doesn’t make them any the less beautiful and meaningful. I think you have to judge religion on its merits.
G.G.: Is one of religion’s merits that it provides a foundation (intellectual and practical) for morality through the idea of God as divine lawgiver?
M.R.: I am on record as an “evolutionary skeptic.” I don’t deny substantive morality — you ought to return your library books on time — but I do deny objective foundations. I think morality is a collective illusion, genetic in origin, that makes us good cooperators. And I would add that being good cooperators makes each one of us individually better off in the struggle for existence. If we are nice to other people, they are much more likely to be nice to us in return. However, as the philosopher J.L. Mackie used to argue, I think we “objectify” substantive ethics — we think it objectively the case that we ought return library books on time. But we do this (or rather our genes make us do this) because if we didn’t we would all start to cheat and substantive ethics would collapse to the ground.
So I don’t buy the moral argument for the existence of God. I think you can have all of the morality you need without God. I am a follower of Hume brought up to date by Darwin. Morality is purely emotions, although emotions of a special kind with an important adaptive function. I don’t, however, think that here I am necessarily denying the existence of God. Were I a Christian, I would be somewhat of a natural law theorist, thinking that morality is what is natural. Caring about small children is natural and good; killing small children for laughs is unnatural and bad. If you want to say that God created the world and what is good therefore is what fits with the way God designed it, I am O.K. with this. In fact, I think you should say it to avoid the problem (raised in Plato’s “Euthyphro”) of simply making the good a function of God’s arbitrary will.
G.G.: There seems to be a tension in your thinking about religion. You aren’t yourself a believer, but you spend a great deal of time defending belief against its critics.
M.R.: People often accuse me of being contradictory, if not of outright hypocrisy. I won’t say I accept the ontological argument for the existence of God — the argument that derives God’s existence from his essence — but I do like it (it is so clever) and I am prepared to stand up for it when Dawkins dismisses it with scorn rather than good reasons. In part this is a turf war. I am a professional philosopher. I admire immensely thinkers like Anselm and Descartes and am proud to be one of them, however minor and inadequate in comparison. I am standing up for my own. In part, this is political. Religion is a big thing in America, and often not a very good big thing. I don’t think you are going to counter the bad just by going over the top, like in the Battle of the Somme. I think you have to reach out over no-man’s land to the trenches on the other side and see where we can agree and hope to move forward.
I should say that my Quaker childhood — as in everything I do and think — is tremendously important here. I grew up surrounded by gentle, loving (and very intelligent) Christians. I never forget that. Finally, I just don’t like bad arguments. In my case, I think I can offer good arguments against the existence of the Christian God. I don’t need the inadequate and faulty. In “Murder in the Cathedral,” T.S. Eliot has Thomas à Becket say, “The last temptation is the greatest treason: To do the right deed for the wrong reason.” Amen.
Ehrman’s core argument is that Jesus was a mere man who gradually, over time, came to be regarded as more and more divine, until he was ultimately (in the fourth century) regarded as the God of the universe. He states, “It will become clear in the following chapters that Jesus was not originally considered to be God in any sense at all, and that he eventually became divine for his followers in some sense before he came to be thought of as equal with God Almighty in an absolute sense. But the point I stress is that this was, in fact, a development” (44).
In other words, Ehrman argues that the earliest Christians did not understand divinity as something that was “all or nothing”–it could have gradations.
It is no surprise, therefore, that Ehrman begins his volume with a discussion of “gods” and semi-divine beings in the Greco-Roman world because this was a world which clearly did view divinity as something that could have degrees. The problem with such a starting place, however, is that the earliest Christology was not born in a Greco-Roman context, but in a decidedly Jewish one. Indeed, it was born into a Jewish world which was concretely monotheistic. And in a monotheistic Jewish world, there are no “half-way” gods.
How, then, does Ehrman avoid this obvious problem for his thesis? Richard Bauckham in his bookJesus and the God of Israel (Eerdmans, 2008), though not responding directly to Ehrman, describes Ehrman’s kind of approach precisely:
Much of the clear evidence for the ways in which Second Temple Judaism understood the uniqueness of God has been neglected in favour of a small amount of highly debatable evidence. Intermediary figures who may or may not participate in divinity are by no means characteristic of the literature of Second Temple Judaism (5). . . Methodologically, it is imperative to proceed from the clear consensus of Second Temple monotheism to the more ambiguous evidence about so-called intermediary figures. (13).
Ehrman commits the very fallacy that Bauckham describes—he highlights the limited number of ambiguous or debatable passages about supposed semi-divine figures and uses those instances to override the larger and more established monotheistic trends in first-century Judaism. The problem, of course, is that even if his interpretation of these passages is correct (and that is questionable), these passages at best represent only the minority report. And why should we think the earliest Christians held this fringe/minority view of divinity when they formulated their ideas about the identity of Jesus? Or for that matter, why should we think Jesus himself held these minority views when he expressed his own identity?
Each of Ehrman’s examples of supposed semi-divine figures cannot be addressed here, but he bases his argument primarily on angels, particularly the mysterious “angel of the Lord” phenomenon in the OT. However, the idea that early Christians saw Jesus in the category of an angel runs contrary to numerous other lines of evidence. For one, Jesus is clearly distinguished from the angels (Mark 1:13;Matt 4:11), given Lordship over the angels (Matt 4:6, 26:53; Luke 4:10; Mark 13:27), and exalted in a place above the angels (Heb 1:5, 13). In addition, Jesus is accorded both worship (Matt 28:17; Luke 24:52) and the role of creator (1 Cor 8:6; Col 1:16; Phil 2:10-11)—two key marks of God’s unique divine identity within Judaism—whereas angels are never portrayed as creating the world, nor as worthy of worship (Col 2:18; Rev 19:10, 22:9).
Ehrman attempts to overcome these clear restrictions on angel worship by flipping them around to his advantage: “We know that some Jews thought that it was right to worship angels in no small part because a number of our surviving texts insist that it not be done. You don’t get laws prohibiting activities that are never performed” (54-55, emphasis his).
Yes, you don’t get laws prohibiting activities that are never performed; but at the same time you can’t use laws prohibiting activities as evidence that those activities actually represent a religion’s views! It would be like using the Ten Commandments (which are filled with prohibitions) to argue that ancient Judaism was a religion that embraced idolatry, Sabbath-breaking, adultery, murder, coveting, and so on.
Again, Ehrman is using what is, at best, a condemned and fringe activity (angel worship) as characteristic of first-century Judaism.That simply doesn’t work as a model for how early (Jewish) Christians would have viewed Jesus.