بينما نتفحص كل الأدلة، تثار بقوة فكرة أن هناك قوة فائقة للطبيعة لا بد وأن تكون قد تدخلت. هل من الممكن أننا فجأة وبدون قصد، عثرنا بالصدفة على دليل علمي على وجود كائن فائق؟ هل الله هو الذي بدأ وصمم بعناية إلهية هذا الكون لفائدتنا؟
الفلكي جورج جرينشتاين[1]
إن الفلك يقودنا إلى حدث فريد من نوعه؛ إلى كون خُلق من العدم، كون يتمتع بأقصى توازن دقيق مطلوب لتوفير الشروط التي تسمح بوجود حياة، وكون له خطة كامنة (أو كما يقول واحد) “فائقة للطبيعة”.
أرنو بنزيا – حاصل على جائزة نوبل[2]
لا يوجد شيء غير عادي عن الأرض. أنها صخرة متوسطة بسيطة تدور بتلقائية حول نجم غير مميز في مجرة غير مميزة – “بقعة منعزلة في هذا الظلام الكوني الرهيب” كما قال الرحل كارل ساجان[3].
إن حقيقة أن الحياة تزدهر على كوكبنا ليست استثنائية. يقال لنا إن المخلوقات على أنواعها تتكاثر بلا شك في مواقع لا حصر لها بنا العشرة تريليون بليون نجماً في الكون. وقد قدر بعض العلماء أن هناك ما يصل إلى 10 تريليون حضارة متقدمة[4]. ووصل ساجان لرقم مليون بالنسبة لمجرتنا الطريق اللبني لوحدها.
وبالإجمال، فإن قوى الطبيعة أوتوماتيكية جداً حتى أنه من المؤكد أن الحياة قد ظهرت حيثما وُجد الماء. ولهذا عندما يثير العلماء فكراً جديداً عن الماء السائل كونه موجوداً على جسم سماوي آخر، فإن العوالم السرية لقمري كوكب المشتري المتجمدان يوروبا Europa، وجانيميد Ganymede هما حالياً الأمثلة الحية – ثم إن الادعاء الأوتوماتيكي هو أن الكائنات الحية لا بد بالضرورة أن تتبع ذلك.
إن كان بإمكان الحياة أن تظهر من اللا حياة بسرعة وبكفاءة كبيرة على كوكب عادي ككوكبنا كما يعتقدون، فلماذا لا يحدث هذا إذاً عبر مئات بلايين المجرات؟ بالنسبة لهم، تشبه الحياة مزيجاً من الحساء: أضف الماء فحسب![5]
إن عنوان كتاب الفلكي البيولوجي ديفيد دارلنج الذي صدر حديثاً يلخص بأناقة هذه الفلسفة المتفائلة؛ وهو “الحياة في كل مكان Life Everywhere”[6] إنه متحمس بخصوص التأكيدات القائلة بأن “الحياة قد تظهر بطريقة محتومة حيثما يتلاقى معاً مصدر طاقة مناسب، ومخزون مركز من المادة العضوية (المعتمدة على الكربون) والماء”. وقال إن هذه المكونات “تبدأ في أن تبدون موجودة في كل مكان في الفضاء”[7]. ونتيجة هذا، يعتقد ان الحياة الميكروبية على الأقل “منتشرة”[8].
باختصار، فإن الأرض ليس لها حالة مميزة. فالعالم البولندي نيكولاس كوبرنيكوس قلل من ذاتنا المبالغ فيها بوضعنا في مكاننا منذ زمن بعيد – فالكون لا يدور حولنا؛ ولكن بدلاً من ذلك، نحن اللذين نعيش في قرية رتيبة بعيداً جداً في ضاحية يصعب وصفها من مجرد الطريق اللبني الواسعة. ليس لدينا دوراً عظيماً، ولا معنى، ولا أهمية، ولا سبب لنكون أكثر من مجرد …. كائنات.
قال ريتشارد داوكنز من أكسفورد: “إن الكون الذي نلاحظه يتمتع بدقة بالخواص التي يجب أن نتوقعها إن كان هناك لا تصميم، ولا هدف، ولا شر أو خير، ولا شيء سوى اللامبالاة القاتلة والرهيبة”.
وهذا هو جوهر ما تعلمته عندما درست العلوم. فبالطبع دعمت هذه الاستنتاجات قيمي الإلحادية. وتمكنت بشكل ما أن أتجنب الاكتئاب الشديد بالتضمينات الشخصية لكل هذا، ومن الغريب أنني وجدت الرجاء والإلهام في الاعتقاد بأننا لسنا وحدنا في الكون. فحتى إن كان الله غير موجود، فعلى الأقل كانت هناك ملايين من الحضارات المتقدمة الأخرى[9].
رسائل لاسلكية إلى هرقل
منذ أن شاهدت للمرة الأولى الفيلم الكلاسيكي The Day the Earth Stood Still، وأنا طفل، أسرت بالصور الخيالية عن الحياة المتكاثرة داخل المجرات المصورة بالخيال العلمي. وبالطبع كان فيلمي Star Trek، وStar Wars سخيفان، لكن فكرة المخلوقات الغريبة الأخرى التي تعيش في زوايا وأركان الكون كانت ملفتة وحتى مريحة دائماً بالنسبة لي.
وبعد ذلك انبهرت بمعادلة Drake؛ وهي محاولة من الفلكي فرانك دريك لحساب عدد الحضارات التي قد توجد في مجرتنا. وعوامل المعادلة في مثل هذه المتغيرات مثل كم نجماً يمكنه أن يشبه شمسنا من بين الـ 200 – 300 بليون نجم في الطريق اللبني، ونسبة النجوم التي قد تكون بها كواكب في مناطق مسكونة، إلخ.
ومع أن الأرقام المحددة التي وضعها العلماء فيما بعد في معادلة دريك قد بلغت في مجملها تخمينات متأثرة بتحيزاتها الشخصية، اعترف عالم أنها كانت “طريقة لضغط كمية كبيرة من الجهل في فراغ صغير.”[10] – وهذا ما أعطى نوعاً من التأكيد العلمي لقضية تثير الكثير من التفكير.
ثم ابتهجت في منتصف السبعينات عندما أرسل دريك وساجان رسالة تهنئة للمجموعة الكونية العظيمة M13؛ والتي هي تركيز لربع مليون نجم في مجموعة نجوم هرقل، وفيما عرفت أنه لم يكن هناك الكثير من العلم العملي المتضمن في هذه المكالمة التليفونية عبر المجرات – فالأمر سيأخذ أكثر من 22000 سنة لوصول هذه الرسالة إلى مكانها المقصود – ومع ذلك كان هناك شيء رومانسي وجريء بخصوص محاولة الاتصال بالحضارات التي من المرجح جداً أنها سكنت تلك النجوم البعيدة.
كل هذا ساعد في تشكيل منظوري فيما كنت أتأمل عبر السنوات النجوم المتلألئة في السماوات المظلمة. أما الآن فقد تغير اتجاهي. فبعد دراسة آخر دليل من وجهات نظر علمية مختلفة – من الفلك إلى علم الكونيات إلى الجيولوجيا إلى علم المحيطات إلى الميكروبيولوجي – اتجهت استنتاجاتي إلى الاتجاه المعاكس.
يتضح أن الأرض يمكن أن تكون أي شيء سوى أن تكون شيئاً عادياً، وأن شمسنا أبعد من أن تكون متوسطة، بل وحتى موقع كوكبنا في المجرة موقع محظوظ بدرجة عجيبة. إن فكرة أن الكون هو مكان مزدهر لحضارات متقدمة تٌقوض الآن بالاستكشافات العلمية الجديدة المذهلة وبالتفكير الحديث.
وباختصار، فإن بالاستكشافات الجديدة تقول بأننا متميزين. فهناك أعداد متزايدة من العلماء يدرسون الالتقاء المذهل لنقاط “التزامنات” التي تجعل الحياة الذكية ممكنة على الأرض، ومستنتجين أن هذا لا يمكن أن يكون صدفة. إنهم يرون علامات تصميم، ونوعاً من تعديل حياة يشبه تعديل الفيزياء الذي استكشفناه في الفصل السابق.
في الواقع، قال باحث لامع: “إن الأدلة الحديثة التي استطاعت بقوة تفنيد فرضية [التصميم] انتهى بها الحال بتأكيدها”[11]. ومرة أخرى نجد أن دليل العلم يشير إلى خالق.
وبدلاً من أن تكون حياتنا بلا هدف، يقوم العلماء للمرة الأولى بالكشف عن أدلة ملموسة تقترح غرضاً مذهلاً واحداً على الأقل خلقنا من أجله؛ وهو أن نكتشف ونتعلم عما يحيط بنا في المكان الذي وضعنا فيه.
وبمعنى آخر، كما سنرى في هذا الفصل، أن هدفاً واحداً صُممنا لأجله هو أن نقوم بالعلم نفسه.
المكان الصحيح والزمان الصحيح
مع بزوغ فجر الألفية الجديدة، نشر الجيولوجي بيتر وورد، والفلكي دونالد براونلي[12] – وهما أستاذان بجامعة واشطن في سياتك – كتاباً ناجحاً ومثيراً للجدل أثار هذا السؤال المزعج بخصوص الأرض: “ماذا إن كانت فريدة تماماً: الكوكب الوحيد الذي به حيوانات في هذه المجرة أو حتى في الكون المرئي…. ؟”
وكتابهما “الأرض النادرة Rare Earth” ينظم الأدلة من مدى عريض من الفروع العلمية لبناء دفاعه بأن “ليس فقط الحياة الذكية، بل أيضاً أبسط مظاهر الحياة الحيوانية نادرة للغاية في مجرتنا، وفي الكون”[13]. وتوصلوا إلى الاستنتاج “الذي لا يمكن الهروب منه” بأن “الأرض مكان نادر حقاً”[14].
ومع أن وورد، وبراونلي يؤمنان بأن الحياة الميكروبية ربما تكون أكثر سيطرة؛ وهي رؤية يستخلصانها من الطريقة التي بد فيها أن الحياة قد تطورت على الأرض دون أدنى مجهود “بقدر ما سمحت الظروف البيئية ببقاءها”[15]، فإن اقتناعهما بأن وجود حياة معقدة أمر “نادر بطريقة استثنائية” هو اقتناع مدعم ببيانات مقنعة منفصلة عن أي إطار لاهوتي.
أطلق دون جوهانسون – مدير معهد الأصول الإنسانية في جامعة ولاية أريزونا – على كتابهما “عقلاني بحرص وماكر علمياً”، وقال: “رغم تفكيرنا التواق، ربما لن يظهر موزارت أو مونيه آخر”.[16] وأضاف ديفيد ليفي الذي أطلق اسمه على المذنب Shoemaker-Levy* “إن الحياة المعقدة كما نعلم قد تكون نادرة جداً، وثمينة جداً”[17] وقالت جريدة Times of London: “إن كانا على حق، فربما آن أوان عكس عملية كانت مستمرة منذ كوبرنيكوس”[18].
يلاحظ علماء متزايدون الطرق المدهشة التي يتمكن بها كوكبنا – على خلاف كل الشواذ – من تحقيق عدداً كبيراً من المعايير جيدة الاتزان الحاسمة تماماً لتدعيم موطناً مناسباً للبشرية.
قال معلما العلم جيمي ديفيز وهنري بو: “أهم من كونه كوكباً واحداً من بلايين الكواكب، فإن كوكب الأرض يبدو الآن الأرض الاستثنائية. فالبيانات تتضمن أن الأرض ربما تكون الكوكب الوحيد “في المكان المناسب في الزمان المناسب”[19].
تأكيـد جـريء
إن موقع الأرض، وحجمها، وتركيبها، وبنيتها، وجوها، ودرجة حرارتها، وحركاتها الداخلية، ودوائرها المعقدة الضرورية للحياة – دورة الكربون، ودورة الأوكسجين، ودورة النيتروجين، ودورة الفوسفور، ودورة الكبريت، ودورة الكالسيوم، ودورة الصوديوم، إلخ – تشهد بأن كوكبنا متزن بإتقان[20].
إنهما يذكران كيف أن جو الأرض يُزيل الأشعة فوق البنفسجية الضارة بينما يعلم مع المحيطات ليجعل المناخ معتدلاً من خلال تخزين وإعادة توزيع الطاقة الشمسية، وكيف أن الأرض من الكبر بمكان حتى إن جاذبيتها تحتفظ بالغلاف الجوي، ومع ذلك فهي من الصغر بمكان حتى إنها لا يمكنها الاحتفاظ بالكثير من الغازات الضارة. ثم يصفان داخل الأرض هكذا[21]….
…. محرك حراري ضخم، لكنه متزن بدقة يحفزه النشاط الإشعاعي…. إن كانت تسير ببطء أكثر… لما كانت القارات تشكلت على وضعها الحالي…. ولما انصهر الحديد ووصل لمرحلة السائل، ولما تطور المجال المغناطيسي… وإن كان هناك مزيد من وقود النشاط الإشعاعي، ومن ثم محرك دائر، لغطى الغبار البركاني الشمس، وصار الغلاف الجوي أكثر كثافة، وتحطم السطح بزلازل يومية وانفجارات بركانية[22].
هذا النوع من العلميات الجيولوجية عالية التنسيق – وهناك الكثير منها – يثير تفكري بقوة إزاء الطرق المذهلة التي يتهيأ بها مجالنا الحيوي بدقة للحياة. ومع ذلك، فإن الأكثر إثارة هو لماذا يحدث هذا. ما تفسير كل هذه “التزامنات” المدهشة؟
بينما كان بريس وسايفر مندهشان من أن الأرض “مكان خاص جداً”، إلا أنهما لا يؤكدان إمكانية التصميم.[23] أما وورد وبراونلي فيتجنبان القضية في كتاب “الأرض النادرة Rare Earth”، مفضلين بدلاً من هذا عادة أن يذكروا كلمات من قبيل “حظ تام”، و”صدفة نادرة تحدث”[24] وقد قال وورد في مؤتمر: “نحن محظوظون جداً. فشخص ما كان عليه أن يربح اليانصيب، وكنا نحن الرابحون”.
ولكن هل يفسر الحظ فعلاً لماذا تتمتع الأرض بهذا التقارب المذهل للظروف غير المحتملة تماماً التي سمحت بازدهار الكائنات الحية؟ بالعودة إلى الماضي، توصل المسيحيون إلى استنتاج مختلف تماماً: أن الله خلق الأرض كالمسرح الذي تجري عليه الدراما الإنسانية. والمثير في العلم الحديث – بما فيه الاكتشافات الحديثة في السنوات الأخيرة – هو أن رؤية الكون هذه تبدون مدعمة اليوم بشكل أفضل بكثير من الماضي.
فكر في استنتاج مايكل دينتون زميل بحث كبير في الجينات الجزيئية الإنسانية في جامعة أوتاجو في نيوزيلانده، في كتابه “مصير الطبيعة Nature’s Destiny” في العام 1998:
لم يتصور إنسان ان نظرية أو فكرة أخرى على الإطلاق يمكنها أن تتعادل في جراءتها وقوتها هذا التأكيد القوي… إن كل السماوات المرصعة بالنجوم، وأن كل أنواع الحياة، وأن كل خاصية من الواقع موجودة [كي تخلق موطناً مناسباً] للبشرية… ولكن اللافت للنظر جداً، هو أنه بافتراض جراءتها، إلا أنها تأكيد بعيد جداً عن أسطورة غير علمية مشكوك فيها. وفي الواقع، لم تتمكن أية ملاحظة من إثبات خطأ الافتراض. واليوم، بعد أربعة قرون من الثورة العلمية، بدأت هذه الفكرة تظهر من جديد. وفي هذه العقود الأخيرة من القرن العشرين تدعمت مصداقيتها باكتشافات في فروع عديدة من العلم الجوهري[25].
ما مدى صدق هذه الكلمات؟ هل الشروط الخاصة التي تسمح بالحياة على الأرض تتطلب مصمماً؟ للبحث عن إجابات دقيقة، رتبت لقاء في مطار أوهير O’Hare الجوي في شيكاغو مع خبيرين اشتركا في تأليف كتاب حديث الأسلوب عن هذا الموضوع. وستكون هذه فرصة رائعة لاستكشاف التفرد المذهل لكوكبنا.
[1] George Greenstein, The Symbiotic Unverse (New York: William Morrow, 1988), 27.
[2] Henry Margenau and Roy Abraham Varghese, editors, Cosmos, Bios, and Theos (LaSalle, III.: Open Court, 1992), 83.
[3] Carl Sagan, Pale Blue Dot (New York: Ballantine, 1994), 7.
[4] See: Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth (New York: Coper-nicus, 2000), xxiv.
[5] Ibid., xiv.
[6] David Darling Life Everywhere (New York: Basic Books, 2002).
[7] Ibid., xii.
[8] Ibid., xi.
[9] Science 277 (1997), 892.
[10]Bernard Oliver quoted in Steven ,I, Dick, Life on Other Wolds (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), 217.
[11] Michael J. Denton, Nature’s Destiny (New York: The Free Pres, 1998), 389.
[12] Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth, xxiv.
[13] Ibid,. xiv.
[14] Ibid,.33.
[15] Ibid,. xix.
[16] Ibid, .back cover.
* مذنب اصطدم بالمشتري في العام 1994.
[17]Ibid.
[18] The Times of London (January 26, 2002), quoted in: David Darling, Life Everwhere, 91.
[19] Jimmy H. Davis and Harry L. Poe, Designer Universe Nashville: Broadman & Holman, 2002), 107.
[20] See: Michael Denton, Nature’s Destiny (New York: The Free Press, 1998), 88-89.
[21] Frank Press and Raymond Siever, Earth (New York: W. H. Freeman, 1986),3.
[22] Ibid., 4.
[23] Ibid., 3.
[24] Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth, 37, 229.
النبوات تحدد أنساب المسيح ومكان ميلاده وزمن تجسده وصلبه – القمص عبد المسيح بسيط
القمص عبد المسيح بسيط
النبوات تحدد أنساب المسيح ومكان ميلاده وزمن تجسده وصلبه – القمص عبد المسيح بسيط
حددت نبوات العهد القديم، وبكل دقة، أنساب المسيح الذين تناسل منهم من آدم وحتى داود النبي، كما حددت ميلاده من عذراء ومكان ميلاده في بيت لحم، وحددت، وبكل دقة، زمن مجيئه وتجسده وصلبه (قطعه حسب تعبير الملاك جبرائيل لدانيال النبي)، سواء بالحكم الذي سيتجسد في زمنه أو بعدد سنوات محددة تبدأ من تاريخ معلوم وتنتهي بتاريخ معلوم وترتبط بأحداث معلومة لم يخطئها لا علماء اليهود (الراباي – الرابيين – Rabbi) ولا آباء الكنيسة المسيحية وعلمائها، من بعدهم، بل عرفها علماء اليهود وعلى ضوئها انتظروه وكانوا متوقعين مجيئه أثنائها، كما سنبين حالا من أقوال علماء اليهود (الربيين):
1- مجيئه كنسل المرأة:
النبوّة
إتمامها
” فقال الرب الإله للحيّة لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية. على بطنك تسعين وترابا تأكلين كل أيام حياتك. وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه ” (تكوين 3: 14و15).
” ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس ” (غل4: 4).
” وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع 000 الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو1 :34و35).
وعبارة ” نسلها = H[‘_r>z: = seed (offspring) “، في النبوّة تشير إلى نسل يأتي من المرأة فقط دون مشاركة من الرجل، أي من عذراء وبدون زرع بشر، كما تنبأ بذلك اشعياء النبي، بعد ذلك (اش7 :14). حيث تقول النبوّة أن نسل المرأة سيولد، فقط، من المرأة من دون الرجل، وهذا النسل هو الذي سيسحق رأس الحية، والحية هي إبليس نفسه؛ فيقول القديس بولس: ” ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة مولودا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني ” (غل4 :4و5). ويشرح عملية التجسد بقوله: ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفا من الموت كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية ” (عب2 :14و15). ويقول القديس يوحنا: ” من يفعل الخطية فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطئ. لأجل هذا أظهر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس ” (1يو3 :8)
ويشرح لنا الإنجيل القديس متى كيفية الحبل بالمسيح من المرأة، العذراء، من دون الرجل، وبدون زرع بشر، فيقول بالروح: ” أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان بارا ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سرّا. ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك. لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس ” (مت1 :18-20).
كما يقدم لنا سفر الرؤيا وصفا تصويرياً لتطبيق هذه النبوّة في شخص الرب يسوع المسيح، فيقول: ” وظهرت آية عظيمة في السماء امرأة (إسرائيل = العذراء مريم) متسربلة (مُلتَحِفَةٌ) بالشمس (المسيح شمس البر) والقمر تحت رجليها وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبا (أسباط إسرائيل) وهي حبلى (بالنبوات والمسيح) تصرخ متمخضة (مِن أَلَمِ المَخاض) ومتوجعة لتلد. وظهرت آية أخرى في السماء. هوذا تنين عظيم احمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى رؤوسه سبعة تيجان. وذنبه يجر ثلث نجوم السماء فطرحها إلى الأرض. والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتى يبتلع ولدها متى ولدت. فولدت ابنا ذكرا عتيدا أن يرعى جميع الأمم بعصا من حديد. واختطف ولدها إلى الله والى عرشه 000 فطرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان (الَّذي يُقالُ لَه إِبْليسُ والشَّيطان) الذي يضل العالم كله طرح إلى الأرض وطرحت معه ملائكته. وسمعت صوتا عظيما قائلا في السماء الآن صار خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه لأنه قد طرح المشتكي على أخوتنا الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهارا وليلا ” (رؤ12 :1-10).
والمرأة المتسربلة بالشمس هنا هي رمز لمملكة إسرائيل التي كانت تحمل نبوات العهد القديم وسيأتي منها المسيح المنتظر، شمس البر ” شمس البرّ والشفاء في أجنحتها ” (ملا4 :2)، كما ترمز للعذراء التي تجسد منها الرب يسوع المسيح وولدته، والتنين هو الشيطان أو الحية القديمة الذي سحقه المسيح وطرده من السماء، كقول الكتاب: ” واله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعا ” (رو16 :20)،
وقد أكد علماء اليهود (الراباي – Rabbi)، خاصة في ترجوم يوناثان المنحول وترجوم أورشليم، أن هذه النبوة، نبوة نسل المرأة، خاصة بالمسيح المنتظر، ويسبقها ما جاء في (تك1 :2) ” وروح الله يرف على وجه المياه “، والتي ربطوها بقول النبوة في اشعياء عن المسيح ” ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب ” (اش11 :2)، وقالوا أن روح الله يتحرك على وجه عمق التوبة. ويقولون أنها روح الملك المسيا. كما يربطون نبوة نسل المرأة بما جاء (راعوث4 :18) ” وهذه مواليد فارص. فارص ولد حصرون “. ويركزون على فارص باعتباره أحد أجداد المسيح من راعوث الموآبية لدرجة أن سفر راعوث له كتاب كبير يسمى مدراش راعوث.
ويقول ترجوم يوناثان (Jonathan Ben Uzziel): ” الملك المسيا (المسيح) الذي جرح ليشفي “، ويربط الرابي ديفيد كيمي (rabbi David Kimchi) هذه البنوة بالمسيح الذي من نسل داود ويقول: ” أنت جلبت الخلاص لشعبك بالمسيا (المسيح)، بيد ابن داود الذي سيجرح الشيطان الذي هو رأس وملك وأمير الشر “.
وفي مدراش شيموت راباه (Shemot Rabbaa 30) يوضح أن مجيء المسيح من فارص من سبط يهوذا بعد سقوط الإنسان وفساد كل الشعوب سيصحح حالة الإنسان النهائية ويدمر الموت للأبد، كما قال القديس بولس: ” آخر عدو يبطل هو الموت ” (1كو 15 :26)، وما جاء في رؤيا ” وسمعت صوتا عظيما من السماء قائلا هوذا مسكن الله مع الناس وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعبا والله نفسه يكون معهم إلها لهم. وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم والموت لا يكون فيما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد لان الأمور الأولى قد مضت ” (رؤ21 :3و4)، فيقول ” هذا هو تاريخ فارص وله مغزى عميق (000) عندما خلق روح الله عالمه، لم يكن هناك ملاك الموت بعد (000)، ولكن عندما سقط آدم وحواء في الخطية، فسدت كل القبائل. وعندما نهض فارص بدأ التاريخ يكون صحيحا بواسطته، لأنه منه سيتناسل المسيا (المسيح)، وأثناء أيامه سيختطف الله القدوس الموت، كما قيل: أنه سيدمر الموت إلى الأبد “.
ويقول ترجوم يوناثان أيضاً: ” وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. وعندما يحفظ نسل المرأة وصايا الناموس فإنهم يصوبون نحوك تصويباً صحيحاً، ويضربونك على رأسك، ولكن عندما يتركون وصايا الناموس فإنك تصوبين نحوهم تصويباً صحيحاً وتجرحين عقبهم. لكن هناك علاجاً لهم، أما لك أنت فلا علاج. وفي المستقبل يصنعون سلاماً مع العقب، في أيام الملك المسيح “[1].
ويقول ترجوم على التوراة: ” وسيكون عندما يدرس نسل المرأة التوراة باجتهاد ويطيعون وصاياها، سيضربونك على الرأس ويقتلونك؛ ولكن عندما يهجر نسل المرأة وصايا التوراة ولا يطيعون أوامرها، فستوجهين نفسك للدغهم في العقب وتؤلميهم، وعلى أية حال فهناك علاج لأبناء المرأة، ولكن بالنسبة لك، أيتها الحية، فلا علاج، سيعملون سلام مع احد آخر في النهاية، في نهاية الأيام، في أيام الملك المسيا “[2].
ويقول ترجوم أونكيلوس على (تكوين 3: 15): ” وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين ابنك وابنها وهو سيذكر ما فعلته معه منذ البدء، وأنت ستراقبينه حتى النهاية “[3].
2 – ولادته من عذراء:
النبوّة
إتمامها
” ولكن يعطيكم السيد نفسه آية ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل ” (أش7:14). وعذراء في العبرية هنا (עלמה- عُلماْه)، وتعني عذراء بكر وفتاه. وقد ترجمت في اليونانية السبعينية (παρθενος -Parthenos)،أي عذراء.
” فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست اعرف رجلا. فأجاب الملاك وقال لها. الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو1 :34و35).
يقول القديس متى بالروح: أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان بارا ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سرّا. ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك.لان الذي حبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت1 :18-23).
والنبوة هنا تركز على أربعة نقاط هامة:
1 – آية ” يعطيكم السيد نفسه آية “.
2 – العذراء 00 من هي؟
3 – العذراء تحبل وتلد ابناً.
4 – المولود هو عمانوئيل.
1 – الآية: والآية المقصودة في هذا الفصل الإلهي أو المعجزة مزدوجة، فهي أولا: تعنى أن ” عذراء ” أو ” العذراء ” ستحبل وتلد ومع ذلك تظل ” عذراء ” لأنه يتكلم عنها كعذراء سواء قبل الحبل أو إثناؤه أو بعد الميلاد ” ها العذراء تحبل وتلد ” فالآية تنص على أن العذراء ستحبل وان العذراء ستلد وبذلك تنص ضمناً على أنها ستظل بعد الحبل والولادة عذراء أيضاً لأنه يدعوها ” بالعذراء ” معرفة بأداء التعريف.
والآية ليست معطاة من بشر أو بواسطة بشر ولكن معطاة من الله ذاته ” ولكن السيد نفسه يعطيكم آية “، السيد نفسه وليس مخلوق هو معطى الآية. ولكن كيف تتم هذه الآية؟ وهذا ما سألته العذراء مريم نفسها للملاك قائله: ” كيف يكون لي هذا وأنا لست اعرف رجلاً “؟ (لو1 :34). أي كيف أحبل وأنا عذراء وقد نذرت البتولية وليس في نيتي التراجع؟ ويجيب الملاك أن هذا الحبل لن يمس بتوليتك ولن يضطرك للتراجع عما نذرتيه وسوف تظلين بتول إلى الأبد. وأما عن الكيفية فهذا عمل الله وحده: ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو1 :35).
الروح القدس هو الذي سيتولى هذه المهمة الإلهية لأن المولود هو القدوس ذاته. وقوه الله هي التى تظللها أي تحل عليها، تسكن فيها، لذلك لن تحتاج إلى رجل، لن يكون المولود من زرع بشر لأنه القدوس، بل لابد أن يولد من عذراء بحلول الروح القدس على العذراء. وكان برهان المعجزة، معجزة حبل العذراء، هو حبل اليصابات العاقر المتقدمة في الأيام وزوجها الشيخ (لو1 :18) والتي لم تنجب في شبابها ولكن أراد الرب أن تحبل وتنجب في شيخوختها عبر هنا على قدرته التى ليست لها حدود.
2 – العذراء: وكلمه ” العذراء ” المستخدمة هنا فضلاً عن أنها تشير إلى دوام البتولية جاءت في اللفظ العبري ” hm’ªl.[;h’ = ها عُلماه = Alma ” وال – ” h’ = ها = ال = the “، أي أداة التعريف، أي العذراء، وتعنى فتاه ناضجة، وهي مشتقة من أصل بمعنى ” ناضج جنسياً ” كما يعنى عذراء كاملة الأنوثة، كما تشير إلى امرأة في سن الزواج (of marriageable age) ويرادفها في اليونانية (neanis) نيانيس = فتاه)[4]. وقد تكررت هذه ألكلمه سبع مرات في الكتاب المقدس وكلها ترجمت بمعنى فتاه (أو عذراء) غير متزوجة. وهى كالأتي:
(1) جاء في (تك24 :43و44) ” فها أنا واقف على عين الماء وليكن أن الفتاه (عُلماه = hm’ªl.[;h’ = of marriageable age) التى تخرج 000 هي المرأة التى عينها الرب لأبن سيدي “. والفتاه المقصودة هنا هي التى ستكون عروس لأسحق، أي أنها عذراء غير متزوجة.
(2) وجاء في (نش1: 3) ” 00 أسمك دهن مهراق لذلك أحبتك العذارى “، والعذارى هنا جمع (عُلماه = tAmïl'[] = عُلموت).
(3) وجاء في (نش8 :5) ” أحلفكنّ يا بنات (tAmïl'[] = عالموت = al-maw) أورشليم أن وجدتنّ حبيبي “. وبنات هنا جمع (عُلماه = tAmïl'[] = عُلموت) والمقصود عذارى في مرحله الحب قبل الزواج.
(4) وقيل عن أخت موسى العذراء ” فذهبت الفتاه (عُلماه = hm’ªl.[;h’) ودعت أم الولد ” (خر8:2) والفتاه هنا (عُلماه).
(5) وجاء في (أم 30: 19) ” وطريق رجل بفتاة (hm'(l.[;. = عُلماه) “، والفتاه هنا (عُلماه) والمقصود بها العروس التى أحضرت توا[5] ولم يدخل بها العريس ” أي ما زالت عذراء.
(6) وجاء في مزمور(68 :25) عن ضاربات الدفوف أثناء التسبيح للرب ” في الوسط فتيات (tAmªl'[]÷ = عالموت = al-maw) ضاربات الدفوف ” والفتيات هنا جمع (عُلماه) والمقصود بهن العذارى[6] أو الفتيات غير المتزوجات.
والكلمة السابعة هي ما جاء عن العذراء نفسها في نبوّة أشعياء النبي. وهذا يدل على أن كلمة ” hm’ªl.[;h = عُلماه ” المقصود بها في اللغة العبرية على الأقل في زمن الآيات المذكورة والتي يرجع تاريخ أحداثها إلى ما قبل سنة 1000 قبل الميلاد – الفتاة العذراء غير المتزوجة ولكنها في سن النضوج والزواج كرفقة عروس اسحق وعذارى سفر النشيد وأخت موسى العذراء التى لم تكن قد تزوجت بعد وعروس النشيد وضاربات الدفوف في فريق التسبيح للرب.
وهناك لفظ عبري أخر هو ” בּתוּלה = بتوله ” وهو مشتق من لفظ عبري بمعنى يفصل، وتعنى عذراء منفصلة لم تعرف رجلاً قط، ومرادفها باليونانية ” παρθένος = parthenos = بارثينوس “[7]. ولكن استخدمت عدة مرات لتعبر عن امرأة متزوجة، أو غير عذراء، مثلما جاء في ” نوحي يا ارضي كعروس (hl’îWtb.Ki) مؤتزرة بمسح من اجل بعل صباها ” (يوئيل1 :8)، والتي ترجمت في اليونانية السبعينية (nu,mfhn) كعروس، متزوجة من بعل صباها، عذراء لم تتزوج.
وقد اختار الوحي الكلمة الأولى ” عُلماه ” للعذراء مريم في سفر اشعياء النبي للدلالة على أنها كانت فتاة ناضجة وفي سن الزواج، كما إنها كانت ستكون تحت وصاية خطيب – وذلك حسب الترتيب الإلهي – لحمايتها عند الحمل والولادة.
ولكن الوحي الإلهي أيضاً ألهم مترجمي الترجمة السبعينية فترجموا كلمة ” ها العذراء (hm’ªl.[;h = عُلماه) 00 ” إلى ” ها العذراء (παρθένος =parthenos = بارثينوس)00 ” أي ترجموها ” παρθένος = بارثينوس ” أي عذراء منفصلة لم تعرف رجلاً قط ولم يترجموها ” نيانيس ” للدلالة على أنها ستكون عذراء دائماً ولن تعرف رجلاً قط لأن محتوى الآية يدل ويؤكد على هذا المعنى وأن الفتاة المقصودة وإن كانت ستكون ناضجة وتحت وصايا خطيب إلا إنها ستكون عذراء لم ولن تعرف رجلاً قط ” παρθένος = بارثينوس ” رغم خطبتها ليوسف.
3 – العهد الجديد والعذراء: وقد سار العهد الجديد على هذا النهج وأطلق على العذراء لقب ” بارثينوس ” واقتبس القديس متى فصل نبوّة اشعياء النبي وكتبها هكذا: ” هوذا العذراء (παρθένος = بارثينوس) تحبل وتلد ” (مت1 :23). وكذلك القديس لوقا لم يستخدم عن العذراء مريم سوى ” العذراء = παρθένος = بارثينوس “، فيقول بالروح: ” أرسل جبرائيل إلى عذراء (παρθένος = بارثينوس) مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف. وأسم العذراء (παρθένος = بارثينوس) مريم ” (لو1 :27).
وهكذا أيضاً دعا آباء الكنيسة القديسة مريم بالعذراء ” παρθένος = بارثينوس ” والدائمة البتولية ” إيبارثينوس “. وهذا يبطل ما زعمه اليهود ومن سار على دربهم بقولهم لم يكتب في نبوّة اشعياء ” عذراء ” بل كتب ” فتاة ” محاولين النيل من بتولية العذراء سواء قبل الحبل أو بعده.
1 Bowker, TRL, 122 – Webster, William. “Behold Your King: Prophetic Proofs that Jesus is the Messiah.” Christian Resources Inc. 2003.
2 Fragmentary Targum to the Pentateuch; emphasis added) [Webster (4): 156.
3 Ethridge, TOJ,41
4 The new Bible Dic. P. 1312.
5 Theo. Dic. Of The New Test. Vol. 5:831.
6 أنظر قض 34:11.
7 The New B. Dic. P. 1312.
النبوات تحدد أنساب المسيح ومكان ميلاده وزمن تجسده وصلبه – القمص عبد المسيح بسيط
المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو يرفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة.
والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المضللة، فيدركون فجأة سر ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.
فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي. فما هي المداخل التي نقصدها؟
حتى عهد قريب، كان الاتجاه السائد في الدفاعيات يعتمد على استخدام الحجج للدفاع عن الإيمان المسيحي بشكل عقلاني. إلا أن هذا الاتجاه كان يمثل إلى حد كبير استجابة لثقافة عقلانية اتخذت من التوافق مع العقل معيارًا للحق. وسنرى أن استخدام الحجة ما زال يمثل جزءًا لا يتجزأ من الدفاعيات المسيحية ولا يجب تهميشه أبدًا. إلا أن تراجع المذهب العقلاني في الثقافة الغربية أدى إلى الإقلال من أهميتها. وخلَق جوًا يتطلب إدراكَ جوانب أخرى في الإيمان المسيحي، وعلى رأسها ما يتمتع به من جاذبية عظمى على مستوى الخيال، والأخلاق.
والكُتاب المسيحيون القدامى، وخاصةً كُتاب العصور الوسطى وعصر النهضة، علقوا أهمية كبرى على الصور التشبيهية والقصص الكتابية في تعليم الأشخاص المخلصين، إلا أن صعود تيار الحداثة أدى إلى الحط من قيمة هذين العنصرين، بقدر ما أدى ظهور تيار ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف قوة تأثيرهما.
وقد أدى نمو تيار ما بعد الحداثة مؤخرًا إلى تأكيد أهمية القصة والصورة من جديد لأن كلاً منهما يجذب الخيال البشري بشكل خاص. وكل من له دراية بتاريخ الدفاعيات المسيحية لا يصعب عليه أن يدرك أن المدافعين القدامى كانوا يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على هذين العنصرين باعتبارهما مداخل للإيمان، وخاصةً في عصر النهضة. ولذلك، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الأساليب القديمة في الدفاعيات لخلق منهج متوازن يدافع عن الإيمان المسيحي ويبرز جماله في ظل ما تشهده ثقافتنا من تحولات.
وعلينا أن نكيف دفاعياتنا بم يتلاءم مع مستمعينا، مع الانتباه لوجود عدة نقاط للتلاقي بين الإنجيل والنفس البشرية. ويتضح أن العهد الجديد نفسه يُعنى بربط الإنجيل مع مفاهيم وخبرات المتلقين على اختلاف نزعاتهم. فإن كانت النفس تَعطش لله “كَأَرضٍ يَابِسَةٍ” (مز143: 6)، فكيف ترتوي؟ إن مهمتنا تحديد القنوات المتاحة التي تتدفق فيها مياه الإنجيل الحية فتنعش النفس البشرية وتغيرها، ثم استخدام هذه القنوات بأمانة وفاعلية. وفي هذا الفصل سأستخدم صورة المدخل لتساعدنا على فهم هذه المنهجيات المختلفة.
المداخل والدفاعيات: بعض الأفكار:
تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل” Alan of Lille (المتوفى سنة 1203) مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة. ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء.
إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزاً من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.
وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية. إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.
والمدخل وسيلة تنفتح بها عيوننا على حقيقة حالتنا، وقدرة الإنجيل على تغييرها. ولكي نفهم هذه النقطة المهمة، تخيل أنك مصاب بتسمم في الدم، وحياتك ستنتهي في غضون ساعات لو لم تحصل على الأدوية اللازمة، ولكنك لا تعرف ما أصابك على وجه التحديد، ولا تعرف بوجود علاج لهذه الحالة. حاول أن تتخيل نفسك في ذلك الموقف. والآن فكِّر في الطرق التالية التي يمثل كلٌّ منها مدخلاً يؤدي إلى تغيير وضعك:
يخبرك طبيب من أصدقائك أن ما تعانيه هو تسمم في الدم، ويشرح لك أن هذه الحالة إن لم تعالج تؤدي إلى الوفاة، ويعطيك أسماء عدة أدوية ويخبرك بالمكان الذي تحصل عليها منه وبكيفية استخدامها.
يخبرك صديق آخر أنه أصيب بهذه الأعراض عينها، إلا أن شخصًا أخبره بدواء معين أنقذ حياته. يقترح عليك أن تجرب هذا الدواء. أي أنه يحكي لك قصته الشخصية التي تتقابل مع قصتك في هذه النقطة الحرجة.
الطريقة الأولى تمثل حجة تستند إلى أدلة، أما الثانية قصة تستند إلى خبرة شخصية يرى صاحبها أنها مطابقة للموقف الذي تمر به. ورغم أن كل أسلوب يختلف تمامًا عن الآخر، فكلٌّ منهما يمثل مدخلاً. كيف؟
أولاً، كلٌّ منهما يساعدك على رؤية الأمور على حقيقتها. ثانياً، كلٌّ منهما يتيح لك أن تدرك ما يجب فعله لتغيير الأوضاع. ثالثًا، كلٌّ منهما يشجعك على اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة بالحصول على الدواء، وتناوله حتى تتحسن حالتك.
إن الدواء هو سبب شفائك، ولكنك لو لم تدرك حقيقة حالتك، وأنك تحتاج للدواء، لكان شفاؤك مستحيلاً. ونعمة الله هي الدواء، وبعد أن تُشفى بهذه النعمة يمكنك أن تساعد الآخرين على إدراك حاجتهم لها، ويمكنك أن تشهد عن قوتها. والله هو من يغير الناس ويأتي بهم للإيمان. أنت جزء صغير (ولكنه حقيقي) في عملية الشفاء هذه. ومن ثم، فما تقوله يمكن أن يمثل مدخلاً يسمح للناس برؤية الأمور من منظور مختلف، مما يساعدهم على تخيل طريقة جديدة للتفكير والعيش.
فما هذه المداخل المتاحة للدفاعيات المسيحية؟ سوف نبحث في هذا الفصل بعض الإمكانات المتوفرة للدفاعيات. وسنبدأ بأبسط الأساليب الدفاعية، ألا وهي شرح ماهية المسيحية.
المدخل الأول: الشرح:
أفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان.
ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[1] كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.
وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا. ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟
اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروز Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا.
اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه.[2]
وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروز (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روجتها المانوية عن المسيحية. وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروز بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.
ولابد أن البعض ممن نلتقي بهم في خدمتنا الدفاعية يحمل أفكارًا مضللة ومشوهة تمامًا عن المسيحية. وهذه المفاهيم الخاطئة التي يلتقطها البعض دون وعي، والبعض الآخر ينشرها عن قصد، لابد من تحديدها وإبطال مفعولها بخطة مُحكمة مدروسة.
ننتقل الآن لنبحث ما قد يُعتبر أكثر مداخل الإيمان شيوعًا، ألا وهو استخدام الحجة المنطقية.
المدخل الثاني: الحجة:
تؤكد المنهجيات الكلاسيكية في الدفاعيات أهمية العقل في كلٍّ من بناء حجة فكرية تؤيد فكرة وجود الله، ونقد الأفكار المغايرة. وقد بحثنا فيما سبق دور الحجج في الدفاع عن وجود الله، ومنها:
الحجة المبنية على التصميم argument from design: وهي تَعتبر أن ملاحظة التصميم الموجود في العالم، مثل ما يميزه من “ضبط دقيق”، أو بنية معقدة يشير إلى أن الله هو المصمم (ص 99، 100).
الحجة المبنية على الإنشاء argument from origination: إن كانت للكون بداية، فهذا يعني أن له مسببًا أنشأه، وقد يكون هذا المسبب شخصًا أو شيئًا، وهو ما يشير تلقائيًا إلى فكرة الله في المسيحية باعتباره خالقَ كل شيء (ص 96- 98).
الحجة المبنية على الترابط argument from coherence: وهنا نركز على قدرة الإيمان المسيحي أن يقدم تفسيرًا لما نلاحظه في العالم المحيط ولما نختبره داخلنا (ص79- 86، 101- 103).
الحجة المبنية على الأخلاق argument from morality: تقول هذه الحجة باستحالة وجود قواعد ثابته وموثوق بها للقيم الأخلاقية إلا إذا كان لها أساس يتجاوز هذا العالم المادي، كإله بار مثلاً (ص 104-109).
وقائمة الحجج تطول، ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا أن هذه الحجج لا يجب أن تُفهم على أنها “براهين” بالمعنى المنطقي الدقيق للكلمة. ولكن ما توضحه هذه الحجج بكل جلاء أن الإيمان بالله له أسباب وجيهة، أو أن الإيمان بالله له مبرراته، حتى وإن كان لا يمكن البرهنة عليه بشكل مطلق.
وكلمة “برهان” بمعناها الدقيق لا تنطبق إلا على المنطق والرياضيات، فكما يمكننا أن نبرهن على أن الكل أكبر من الجزء، يمكننا أن نبرهن أن 2+2 =4. إلا أنه يجب أن نحترس من الخلط بين “قابلية البرهنة” و”الحق”. ففي مطلع القرن العشرين أثبت عالم الرياضيات العظيم “كرت جودل” Kurt Gödel أنه بالرغم من كثرة ما نصوغه من قواعد الاستدلال، ستظل هناك بعض الاستدلالات التي لا تخضع لهذه القواعد، ومع ذلك فهي مقبولة.
أي أن هناك عددًا من الأفكار الصحيحة التي قد لا يمكننا إثبات صحتها،[3] وهذه الحقيقة تنطوي على معانٍ غاية في الأهمية من الناحية الفلسفية.[4]
ويمكن استخدام الحجج أيضًا في نقد بدائل الإيمان المسيحي وتقييمها، وذلك بإظهار عدم ترابطها على المستوى الفكري أو افتقارها لأساس من الأدلة يمكن الوثوق به. فقد أبرزنا مثلاً عبر صفحات هذا الكتاب قدرة الإنجيل على خلق معنى للأشياء.
ونحن بذلك لا نحصر جاذبية المسيحية في أبعادها العقلانية فحسب، لأنها غنية بالجوانب الوجدانية، والأخلاقية، والتخيلية، والوجودية. ويجب على المدافع الذي يتحلى بروح المسئولية أن يستفيد منها استفادة كاملة. ولا شك أن الكثيرين ينجذبون إلى الإيمان المسيحي بسبب قدرته على خلق معنى للأشياء.
ولكن ماذا عن بدائل المسيحية؟ ما مدى قدرة النظم المنافسة على خلق معنى للأشياء؟ هل تصمد أمام اختبار الاتساق التجريبي، أي هل تنجح نظرياتها في خلق معنى للملاحظة وللخبرة؟ وقد أكدنا في فصل سابق أهمية إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من قدرة على خلق معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ولا يكفي هنا أن يقتصر المدافع على إظهار تفوق المسيحية في هذا الصدد، ولكنه لا بد أن يبين قصور البدائل الأخرى.
ويرجع الفضل في تصميم هذا الأسلوب لواحد من أهم المدافعيين الكتابيين في أمريكا الشمالية أثناء القرن العشرين، وهو “فرانسيس شِفَر” (1912- 1984). ويُبرز أسلوب “شِفَر” في الدفاعيات الكثير من النقاط التي تناولناها في هذا الكتاب.[5]
فهو يلفت النظر مثلاً لأهمية أخذ الجمهور في الاعتبار، والابتعاد عن استخدام منهج موحد للجميع: “إن أردنا أن نتواصل مع مستمعينا، لابد أن نصرف الوقت والجهد لنفهم لغتهم، حتى نوصل لهم الرسالة باللغة التي يفهمونها.”[6] أي أن المدافع لابد أن يستمع لجمهوره حتى يتعلم لغتهم ليتمكن من التواصل معهم بهذه اللغة.
ويبدو أن “شِفَر” اكتشف بنفسه أهمية الإصغاء لأفكار جمهوره ومخاوفهم وتطلعاتهم أثناء عمله المرسلي في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا في أواخر الخمسينات وفي الستينات من القرن العشرين. ونظرًا لأنه كان يقيم في كوخ سويسري (اسمه “لابري” L’Abri وهو مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعنى “مأوى” أو “ملجأ”) في قرية بجبال الألب تدعى “إيموز” Huemoz، فقد كان يستضيف الكثير من الطلاب الذين يتجولون في أنحاء أوروبا، ولاسيما الشباب الأمريكيين الذين كانون يتجولون في مختلف البلدان الأوروبية بحقيبة ظهر.
فكان يسمع آرائهم في الأفلام والروايات المعاصرة أو في الفلسفات الجديدة التي ظهرت آنذاك. وكان يتساءل كيف يمكن تقديم الكتاب المقدس بشكل يناسب الأفكار الوجودية العنيدة التي روجها الفلاسفة المؤثرون في تلك الحقبة مثل “جان بول سارتر” Jean Paul Sartreوكذلك “سورن كيركجارد”. وإذ استمع “شِفَر” لهؤلاء الطلاب وهم يُعبرون عن أفكارهم، اكتشف أنه يمكنه التفاعل معهم في مستواهم وبلغتهم، مستخدمًا صورًا توضيحية من عالمهم ليساعدهم على إدراك معقولية الإيمان المسيحي.
إلا أن أعظم إساهم قدمه “شِفَر” للدفاعيات يكمن في الأهمية التي يعلقها على تحديد مَواطن الصراع في الفلسفات غير المسيحية واكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ أشمل. والمقصود أن أي فلسفة حياتية ترتكز على افتراضات مسبقة معينة، فإن كانت هذه الافتراضات المسبقة من صنع الإنسان ولا تتضمن تفويضًا أو تخويلاً إلهيًّا، فلن تتمكن من التوافق مع بِنَى الكون الذي خلقه الله.
كلما كان مَن يؤمن بفكر غير مسيحي منسجمًا مع افتراضاته المسبقة، ابتعد عن العالم الحقيقي، وكلما اقترب من العالم الحقيقي، تَبدد انسجامه مع افتراضاته المسبقة.[7]
ويقول “شِفَر” إن كل شخص يعيش بإحدى قدميه في أحد العالمَين ويضع الأخرى في العالم الآخر: العالم الحقيقي الخارجي الذي يتميز بعمقه وتعقيده، وعالم داخلي من الأفكار يشكله الاشتياق للتفهم، والحب، والقيمة. فإن وُجِد صراع بين هذين العالمين، يستحيل على الفرد أن يحيا حياة لها معنى.
فلابد من وجود توافق بين خبرتنا في العالم الخارجي وعالمنا الداخلي.[8] ولذلك، يرجح “شِفَر” أن المدافع لابد أن يستخدم الحجة المنطقية لتحديد وكشف التناقضات والصراعات الداخلية التي تحويها الفلسفات الحياتية غير المسيحية. وهو يبين أنها تقوم على فرضيات أو افتراضات مسبقة لا تتسق مع الوجود الإنساني الحقيقي ولا تتوافق معه.
كل مَن نتحدث إليه، سواءً أكان بائعًا في متجر أم كان طالبًا جامعيًا، يحتفظ بمجموعة من الافتراضات المسبقة، سواء قام بتحليلها أم لم يقم… ويستحيل على أي شخص غير مسيحي أو جماعة غير مسيحية أن تتوافق مع النظام الذي تتبعه سواء على مستوى المنطق أو على مستوى الممارسة.
وعندما يحاول الشخص إخفاء الصراع، عليك أن تساعده على كشفه، وفي نقطة معينة سيكتشف عدم الاتساق. وعندئذٍ سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار، وهذا الصراع ليس صراعًا فكريًا فحسب، ولكنه يقع في صميم الكيان الإنساني ككل.[9]
ومن ثم، على المدافع أن يساعد الفرد على إدراك هذا “الصراع” والشعور بقوته الفكرية والوجودية، وهو ما يتضمن مساعدته على اكتشافه أولاً، وتقدير أهميته ثانيًا. ويرى “شِفَر” أن البشر يَقُون أنفسهم من هذا الصراع بحمايتها داخل شرنقة فكرية تمنعهم من مواجهة ذلك الاكتشاف المزعج بأن أفكارهم لا تتفق مع الواقع. ويستخدم “شِفَر” صورة يقتبسها من شتاء سويسرا لوصف هذه الحالة، فهو يشبه هذه الشرنقة الفكرية بأسقف أكواخ جبال الألب التي تعمل كمصدات تحمي المسافرين من الانهيارات الثلجية:
فهو يشبه المصدات الكبيرة التي تبنى على بعض الممرات الجبلية لحماية العربات من انهيارات الصخور والحجارة التي تهوي من فوق الجبل من آن لآخر. وهذه الانهيارات الثلجية في حالة غير المسيحي هي العالم الحقيقي الساقط المشوه الذي يحيط بهم. وعلى المسيحي أن يزيل المصدة بحب ويسمح لحقيقة العالم الخارجي وحقيقة الإنسان بأن تصدمه.[10]
ومن ثم يمكن النظر إلى الدفاعيات باعتبارها نزعًا لسقف هذا الكوخ لإجبار الشخص على إدراك أن طريقة تفكيره عاجزة عن الصمود في مواجهة العالم الحقيقي الخارجي.
فكيف يمكن تطبيق هذا المنهج؟ يعطينا “شِفَر” مثالاً يوضح هذا الأسلوب جيدًا. فقد كان يتحدث إلى مجموعة من الطلاب في غرفة بإحدى الكليات في جامعة كامبردج. وبينما كان الماء يغلي لتحضير الشاي، ابتدره أحد الطلاب الهنود قائلاً إن المسيحية لا معنى لها. فسأله “شِفَر” عن عقيدته قائلاً: “ألستُ على صواب إن قلت إن القسوة وعدم القسوة متساويات في عقيدتك، وليس بينهما أي فارق أصيل؟” فوافقه الطالب. ثم يروي “شِفَر” ما حدث بعد ذلك:
الطالب الذي اجتمعنا في غرفته فهم جيدًا ما يعنيه اعتراف الطالب السيخي، فتناول الغلاية الممتلئة بالماء الساخن الذي كان سيعمل به الشاي، ووضعها أعلى رأس الشاب الهندي والبخار يتصاعد منها. فنظر الشاب لأعلى وسأله: ماذا تفعل؟ فأجابه بنبرة حاسمة باردة ولكنها مهذبة: “لا فرق بين القسوة وعدم القسوة.” وعندئذ خرج الهندي صامتًا واختفى في ظلام الليل البهيم.[11]
وأسلوب “شِفَر” يتسم بقوته وبقدرته على الوفاء بالعديد من الأغراض، مما يجعله صالحًا لعدد من المواقف المختلفة. خذ مثلاً الوضعية المنطقية Logical Positivism، وهي حركة فلسفية حققت نجاحًا كاسحًا في العالم الناطق بالإنجليزية في ستينات القرن العشرين. وقد أعلنت هذه الحركة أن كل العبارات الميتافيزيقية*، بما فيها ما يتعلق بالله، عديمة المعنى.
وكان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الفلسفة في ذلك هو “مبدأ التحقق” الذي قصر العبارات ذات المعنى على القضايا الصحيحة في حد ذاتها (مثل “كل العزاب غير متزوجين”) أو التي تتأكد بالخبرة (مثل “كان في الحديقة الأمامية لقصر “باكينجهام” ست إوزات الساعة 5:23 صباحًا يوم 1 ديسمبر 1968″). وتطبيق منهج “شِفَر” يتيح لنا أن نؤكد أن مبدأ التحقق نفسه عديم المعنى لأنه لا يتماشى مع المعيار الذي اعتمدته الوضعية المنطقية لقياس المعنى.
أو خذ مثالاً أبسط للهجمة الشرسة التي غالبًا ما نواجهها في جامعات أمريكا الشمالية: “لا يمكن أن تتأكد من أي شيء”. وهذه النظرة تهدف إلى الإطاحة برؤية “الصورة الكبرى” للواقع، كتلك التي يقدمها الإيمان المسيحي لأنها تعني أننا لابد أن نتشكك حتى في كل العبارات المؤكدة المختصة بالحياة.
ولكن من الواضح أن هذا التصريح ذاتي المرجعية يعتمد في صدقه أو كذبه على ذاته self-referential، ويمكن تقويضه والقضاء عليه بطرح سؤال بسيط ردًا عليه: “هل أنت متأكد من ذلك؟” وهكذا فإن المنطق الذي يقوم عليه الادعاء هو نفسه الذي يُسقطه.
إلا أن هذا لا يعنى أن مهمتنا هي مجرد الفوز بالمجادلات أو تقديم المؤهلات العقلانية للإيمان. فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.
أولها، أنه ليس مؤسسًا على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في العهد القديم، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تَثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهومًا علاقاتيًا.
والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[12]
لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.
وأخيرًا اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى.”[13] وجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.
أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأسًا على عقب. فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعًا في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة.
وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصًا عظيمة للدفاعيات الكتابية نظرًا لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.
ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافًا؟[14] وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها.
ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحيانًا أن نُظهر أنها حقيقية.
المدخل الثالث: القصص:
إن تركيز تيار ما بعد الحداثة على القصص يمثل أهمية خاصة في الدفاعيات. فقد كانت الحداثة تنظر بعين الريبة للقصة في التعامل مع الواقع. ومن ثم، سعت لإجهاضها أو التخلص منها بالاستناد إلى التحليل أو الحجة العقلانية، بحيث تتحرر تمامًا من قيود عشوائية التاريخ الأليمة. وقد انعكس ذلك بكل وضوح في تفسير الكتاب المقدس. وكما أشار “هانس فري” Hans Frei (1922- 1988) أستاذ اللاهوت في “جامعة ييل” Yale University، مختزلاً ما به من روايات تاريخية وأشكال قصصية (كأمثال المسيح) إلى أفكار مجردة من الزمن.[15] وكان يُنظر إلى القصة كأنها قشرة مزعجة غير مستحبة تغطي على الجوهر الفكري والأخلاقي للكتاب المقدس.
إلا أن تيار ما بعد الحداثة شهد استعادة للاهتمام بالقصة الكتابية بما فيها الأشكال القصصية الخاصة كالأمثال التي رواها يسوع ليُعَلم الجموع عن ملكوت الله. ولم يعد إثبات الحق يتوقف على الحجة، ولكن بدأ يُنظر للقصص على أنها قادرة على تكوين هوية مميزة من الناحية الأخلاقية والمفاهيمية.
فالمسيحية تعلن عن عالم يتشكل بالقصص وهي تسكن في هذا العالم، والأساس الذي يشكل أفكار هذا العالم وقيمه هو قصة تعاملات الله مع شعبه التي تبلغ ذروتها في قصة يسوع الناصري. وهكذا فالمسيحية في أساسها ليست مجرد مجموعة أفكار.
منذ حوالي سبعينات القرن العشرين، تزايد الاهتمام بدراسة دور القصة في كلٍّ من اللاهوت والفلسفة، وعلى صعيد الفلسفة الإنجليزية والأمريكية، ظهر بعض الكُتاب البارزين أمثال “بول ريكور” Paul Ricoeur وكذلك “ألاسدير ماكينتاير” وأيضًا “تشارلز تيلور” الذين تصدوا لتقديم معالجات جادة لما ينطوي عليه القَصَص من موضوعات أساسية. فقد درس “ريكور” القصة بوصفها أساسًا لكل صور فهمنا للعالم وبوصفها إطارًا يعيش فيه البشر. ويقول “ماكينتاير” بأن قرارات حياتنا تتشكل وتترتب بناءً على فهمنا لها باعتبارها تشكل جزءًا في “قصة” (أو تقليد) أكبر.
وهو يقول “لا يمكنني أن أجيب عن سؤال “ماذا يجب أن أفعل؟” إلا بعد أن أجيب عن سؤال أسبق، وهو “ما هي القصة التي أشكل جزءًا منها؟”[16] وكما سنرى، يمكن أن تمثل هذه المنهجيات قيمة عظمى للدفاعيات المسيحية.
والكثيرون اليوم يؤيدون الرأي الذي يقول بأن القصص هي المنظار الأساسي الذي يرى البشر الواقع من خلاله. فنحن نرى العالم باعتباره قصة تجيب عن الأسئلة المحورية المختصة بالوجود، والهوية، والمستقبل.
وهذه القصص يمكن أن تجيب عما يسميه الفيلسوف “كارل بوبَر” Karl Popper “الأسئلة العليا” “ultimate questions” وهو بذلك يريدنا أن نفهم المسائل الكبرى التي تتناول “معنى الحياة”، ومنها تلك التي يطرحها “روي بوميستر” Roy [17]Baumeister، وهي التي تتعلق بالهوية، والغرض، والتكليف، والقيمة وتتخذ شكل أسئلة مثل: “من أنا؟” “ما هدف الحياة؟” ” ماذا أفعل لأُحدث فرقًا؟”
وقد أدرك البشر من قديم الزمان الأهمية الثقافية والفكرية لوجود قصة تفسيرية شاملة. وغالبًا ما يستخدم مصطلح “الأسطورة” في المجال الأكاديمي للإشارة إلى هذه القصص التفسيرية التي تشرح الواقع والهوية الشخصية والاجتماعية. (عادةً ما يساء فهم مصطلح “الأسطورة” على أنه “قصة غير حقيقية”، إلا أن هذا المعنى ليس هو المقصود هنا). ولكن كما أشار “لويس” وآخرون، كلمة “أسطورة” تشير أساسًا إلى قصة عن العالم تُمكن الأفراد من فهمه والعيش فيه.
وهذه “الأساطير” تمثل العدسات التي ينظر بها أي مجتمع للعالم، فهي تقدم إطارًا يسهم في حل التناقض بين الخبرات العديدة ويعمل على خلق رابطة بينها.
والقصة المسيحية عند “لويس” التي يعتبرها المنحة الإلهية التي تكمل وتتوج المحاولات البشرية الأخرى في صنع الأسطورة، تمثل أعلى وأسمى قمة نرى منها الحقيقة ونفهمها. فالقصة المسيحية عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تعطي معنى لكل القصص الأخرى التي نرويها عن هويتنا وغاياتنا الحقيقية. إنها القصة الأم، الرواية العليا التي تضع سائر الروايات المختصة بأصل الإنسان ومصيره في مكانها الصحيح.
ويؤكد هذه النقطة أستاذ العهد الجديد والمدافع البريطاني ” ن. ت. رايت” N.T. Wright الذي يقول إننا عندما نروي قصة الكتاب المقدس كاملةً فنحن بذلك نعلن النظرة المسيحية للواقع وفي الوقت نفسه نتحدى البدائل العلمانية الأخرى. فبروايتنا لقصة الكتاب المقدس
مؤكد أننا نتحدى جوانب عديدة في نظرة العالم للأمور (أي نظرته للسلطة والقوة). ونقوض نظرته لماهية العالم ولغرضه بالكامل، ونقدم نظرة جديدة للعالم بأفضل طريقة ممكنة.[18]
والكتاب المقدس عند “رايت” يتحدى طرق التفكير الأخرى ويبرز جمال طريقته ويجسدها بوضوح. وهو يروي قصة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:
من نحن؟ الكتاب المقدس يخبرنا أننا بشر مصنوعون على صورة خالقنا، ولا نكتسب هويتنا الجوهرية من العنصر الذي ننتمي إليه، ولا النوع، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الموقع الجغرافي.
أين نحن؟ نتعلم من الكتاب المقدس أننا نحيا في عالم حسن وجميل، ولكنه مؤقت. وقد خلقه الله الذي نحمل صورته.
ما المشكلة؟ نفهم من الكتاب المقدس أن البشرية تمردت على خالقها، وبالتالي انحرف العالم عن القصد المخلوق له.
ما الحل؟ يطمئننا الكتاب المقدس أن الله عمل، ويعمل، وسوف يعمل في الخليقة من خلال المسيح يسوع والروح القدس ليتعامل مع الشر الذي نتج عن تمرد البشرية، وليصل بعالمه إلى الغاية التي صنعه من أجلها، ألا وهي أن يكون في توافق تام مع حضوره ومجده.[19]
وتطالعنا أعمال الروائي “ج. ر. ر. تولكين” بنظرة مشابهة. وقد عُرف “تولكين” بدفاعه المستميت عن الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في خلق معنى للواقع وبمحاولته أن يطبق هذا الفكر في ثلاثيته الملحمية “ملك الخواتم” The Lord of the Rings.[20] ووفقًا لهذا النهج، تظهر قدرة القصة المسيحية الكبرى على تفسير الأمور في تَمَكُّنها من وضع غيرها من القصص الكبرى في موقعها الصحيح، وتفسيرها، وشرحها. والقصة المسيحية، مثل سائر القصص، لا يمكن “البرهنة عليها” بالوسائل الموضوعية منطقية كانت أم علمية.
بل يجب تقييمها بناءً على قدرتها أن تخلق للأشياء معنى أعمق من منافساتها الحالية أو التي قد تظهر فيما بعد، وذلك ببساطتها، وأناقتها، وسهولة فهمها، وقدرتها على خلق معنى يتجاوز حدودها.
فكيف نستفيد من عودة الاهتمام بالقصة في محاولتنا لفهم كيفية تقديم الإيمان المسيحي لثقافتنا؟ سأطرحُ هنا بعض الأفكار الشخصية. عندما كنت أصغر سنًا كنت أعتقد أن أفضل طريقة لمساعدة الآخرين على اكتشاف حق المسيحية المدهش هو مناقشتهم بالحجة. أي إقناعهم بأن المسيحية صحيحة وحق. وباختصار، كونت ما يطلق عليه الكثيرون اليوم منهجًا “حداثيًا”. ولكني اليوم أوصل حق الإنجيل بطريقة مختلفة. فأنا أحكي قصة قبولي للإيمان.
لماذا؟ لأن القصة أكثر تشويقًا من أي حجة، ولكن السبب الأهم أن قصتي تبين أن المسيحية حقيقية، أي أنها قادرة على تغيير حياة البشر، وإعطائهم أسباب جديدة للحياة ورجاء أكيد للمستقبل. فالقصة تدور حول فلسفة حياتية أصبحت تمثل نظرة شخصية في حياة صاحبها، وهي قادرة على التجديد والتغيير والاستثارة. وروايتي لهذه القصة الشخصية تؤكد أن الإنجيل حقيقي في حياتي.
إننا نعيش في عالم تشكله القصص. بالإضافة إلى أن “القصص الكبرى” قادرة على إضفاء معنى على العالم وعلى خلق علاقة مفيدة بين من يلاحظ الأحداث والأحداث نفسها. وهذه القصص عبارة عن شباك من المعاني نحكيها لنجمع فيها خبراتنا الشخصية ونحتفظ بها، ولنختزن فيها المعنى الذي نرى أنها تنقله أو تنطوي عليه.
والمسيحية تروي واحدة من هذه القصص، والإلحاد الجديد يروي قصة أخرى، وهناك قصص لا تحصى يرويها أولئك ممن لديهم أغراض يريدون تنفيذها، ورؤى ينشرونها، ومصالح أو أغراض شخصية يروجونها. إن القصص تحدد أماكن الحقائق بوضعها في إطار قصصي.
والآن بعد أن وضعنا أساسًا نظريًا لتأكيد أهمية القصص في الدفاعيات، سنتناول كيفية استخدامها. وسنبدأ بعد قليل بقصتين تُستخدمان في تدعيم الدعاوى التي يقيمها بعض الكُتاب ضد المسيحية، وسنرى كيف يمكن نقدهما.
على الدفاعيات المسيحية أن تنقد وتُقَيم غيرها من القصص الكبرى، مثل القصص العلمانية التي تعمل على تقويض المسيحية أو تهميشها. ولكنها لابد أن تُقدر في الوقت نفسه ما تتضمنه المسيحية من قصص خاصة بها. فالقصة المسيحية الكبرى عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تساعدنا أن نفهم معنى العالم، كما أشار “لويس” وغيره. ولكن هذه كلها “قصص كبرى” فماذا عن القصص العادية؟ وكيف يمكن استخدامها في الدفاعيات المسيحية؟
أَوضَحُ نموذج يمكننا البدء به هو أمثال المسيح. فاستخدام الرب يسوع للقصص حتى يتفاعل مع مستمعيه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكن هذه القصص كان لها غالبًا أساس في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية والزراعية التي سادت فلسطين في القرن الأول. وقد كانت قصصًا غاية في السهولة تجذب انتباه المستمعين وتثير خيالهم. وكلُّ من هذه الأمثال يحمل داخله قدرة دفاعية هائلة يجب اكتشافها وفهمها، بل استخدامها. وإذا استُخدمَت هذه الأمثال بحكمة فإنها تتمتع اليوم بذات التأثير الذي كانت تتمتع بها عندما قيلت لأول مرة.
والمدافع الحكيم هو من يدرس الأمثال الرئيسية ويسأل هذه الأسئلة المحورية: كيف تساعدني هذه القصة في توصيل الإنجيل؟ كيف تساعدني على التواصل مع هذه الفئة؟ فالقضية هنا ليست دراسة ما في المثل من صور ومفردات في ضوء الديانة اليهودية إبان القرن الأول، بل اكتشاف وسائل لاستخدامه دفاعيًا اليوم.
ولنأخذ مثالاُ لوضيح هذه النقطة، وليكن تلك القصة المعروفة التي عادةً ما يشار إليها باسم “مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن.”
بالرغم من صياغة القصة بأقل عدد ممكن من الكلمات (خمس وعشرون كلمة فقط في الأصل اليوناني)، فالخيال البشري يمكنه بسهولة معالجتها وتذوق تأثيرها. والخبرة البشرية تؤكد صحتها. بالإضافة إلى أنه من السهل البناء عليها وتطبيقها. فكيف نستخدمها في الدفاعيات؟ سأعرض لك كيف أستخدمها، وأترك لك الحرية في تطويرها:
إننا جميعًا نبحث عن شيء له قيمة في الحياة. إلا أننا غالبًا ما نكتشف أن الأشياء التي كنا نظن أنها ستسعدنا وتفرحنا لا تفعل ذلك، فنشعر أنه ما من شيء يمكنه أن يمنحنا الفرح والسلام. ولكن يسوع روى قصة عن هذا الموضوع. فقد قال إن تاجرًا وجد لؤلؤة ثمينة كانت معروضة للبيع، فقرر أن يبيع كل شيء ليحصل عليها. لماذا؟ عندما رأي التاجر تلك اللؤلؤة المميزة أدرك أن كل ممتلكاته باهتة وتافهة مقارنةً بها. وكما يغطي لمعان الشمس على لمعان النجوم، فلا يُرى إلا ليلاً، هكذا أتاحت هذه اللؤلؤة الثمينة للتاجر أن يرى ممتلكاته من منظور مختلف.
فما كان يظن أنه سيشبعه ثبت أنه يكشف عدم شبعه، ويثير اشتياقه لشيء لم يكن في متناوله. ولكنه رأى تلك اللؤلؤة المتميزة، فأصر أن يحصل عليها، لأنها شيء عظيم القيمة، شيء يستحق الامتلاك، حتى إن كل مقتنياته الأخرى تبدو قليلة القيمة مقارنةً بها. هذا هو الإنجيل عندما تكتشفه لأول مرة. إنه شيء في غاية الروعة حتى إنه يتفوق على كل ما عداه.
وهنا نرى مثالاً لاستخدام قصة كتابية لتوضيح نقطة دفاعية مهمة. إلا أن القصص الكتابية يمكن أن تُستخدم أيضاً لتكوين أطر تقدم معاني أو تفسيرات يمكن استخدامها لإضفاء معنى على الحياة. وعندما نستخدم القصص ندعو المستمع للدخول في القصة ونسأله عما إذا كانت تعطي معنى لخبراته وملاحظاته.
ولكن ليست كل القصص الكتابية تلقي الضوء على نقاط محددة بهذا الشكل. فبعض القصص تتيح لنا أن نرى خبراتنا الحياتية وملاحظاتنا من منظور مختلف. ولتوضيح هذه الفكرة سنأخذ قصة من أعظم قصص العهد القديم، وهي قصة السبي البابلي وَرَدّ مسبيي أورشليم إلى أرضهم بعد سقوط الإمبرطورية البابلية.
وتُعتبر قصة السبي البابلي سنة 586 ق. م من أهم قصص العهد القديم. ففي سنة 605 ق.م هزم الإمبرطور البابلي نبوخذ نصر الجيوش المصرية التي تجمعت في كركميش، وهكذا أسس بابل باعتبارها أعلى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. إلا أن يهوياقيم ملك يهوذا تمرد على الحكم البابلي، فقامت القوات البابلية بغزو يهوذا، وهو ما فسره الكُتاب آنذاك بكل وضوح باعتباره تنفيذًا للقضاء الذي أخبر به الرب على شعبه الخائن وملكهم.
وفي مطلع سنة 597 ق.م استسلم كلٌّ من الملك، والعائلة المالكة، ومستشارو البلاط الملكي لقوات الحصار. وتم ترحيلهم إلى بابل مع عدة آلاف من المسبيين غيرهم. ثم حدثت موجة أخرى من الترحيلات سنة 586 ق.م ولم يحصل اليهود على حريتهم في العودة إلى أرضهم إلا بعد سقوط بابل أمام الفرس سنة 539 ق.م.
وغالبًا ما تستخدم هذه القصة التاريخية المؤثرة لخلق معنى للوضع البشري. فمن منظور مسيحي، يرمز وضع اليهود أثناء سبيهم في بابل لحالة البشر. وذلك لأن اليهود لم يكونوا ينتمون لبابل، ولكنهم كانوا مسبيين يتوقون للعودة إلى أرضهم. ومزمور 137 يرسم صورة تنبض باشتياقهم للعودة وتعبر عن ذكرياتهم المرتبطة بأرضهم: “عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ.” (ع1).
إن هذا الإطار يعطي الحياة الإنسانية معنى. فليس المفترض أن نكون هنا، وهذه الأرض ليست وطننا، ولكننا ننتمي لوطن آخر. ومازلنا نحمل في أعماقنا ذكرى هذا الوطن التي لا تستطيع قوة في الوجود أن تمحوها. إننا نتحرق شوقًا للعودة إلى وطننا، ونحيا على رجاء أننا يومًا ما سنكون في الوطن الذي ننتمي إليه بالفعل. إن هذا الإطار يشير إلى مصدرنا الحقيقي ومآلنا، ويعطي معنى للشوق والتوق العميق الذي تتناوله “الحجة المبنية على الرغبة.”
ولكن ماذا عن القصص التي تتحدى المسيحية؟ سنستعرض قصتين تهدفان لهدم المصداقية التاريخية لأهمية يسوع الناصري كما يصورها التقليد المسيحي. أولهما “شفرة دافينشي” The Da Vinci Code (2003) لكاتبها “دان براون” Dan Brown، والثانية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (2010) لمؤلفها “فيليب بولمان” Philip Pullman. ما المنهجيات التي يتبعها كلٌّ منهما؟ وكيف نرد عليهما؟
إن القصص تدعونا لنتخيل عوالم بديلة ونقارنها بعالمنا: أيهما أكثر معقولية؟ وأكثر جاذبية؟ وتجدر الإشارة إلى أن إعادة قراءة التاريخ بشكل مختلف عادةً ما يكون وراءها دوافع هجومية أو أخلاقية، ومنها على سبيل المثال تصوير شخصية تاريخية خبيثة بشكل أفضل، أو شخصية محبوبة بشكل أسوأ. فرواية “أنا كلوديوس” I, Claudius (1934) مثلاً لكاتبها “روبرت جرفز” Robert Graves تتعاطف مع الإمبرطور الروماني كلوديوس (10ق.م – 54 م) وترسم له صورة إيجابية، وهو شخص كان يُنظر إليه في التاريخ على أنه رجل أحمق لا يضر ولا ينفع.
إلا أن “جرفز” يبرز كلوديوس على أنه يروج هذه الصورة عمدًا حتى يخدع الآخرين فيضمن بقاءه في زمن ملئ بالمخاطر السياسية.
وقد تَمكَّن كتاب “دان براون” الذي صدر سنة 2003 من تحقيق نجاح باهر واستحوذ على انتباه قرائه بفضل حبكته المتقنة التي تروي بداية تاريخ المسيحية بدرجة عالية من المعقولية حتى إن القارئ لا يلحظ التحريفات الجذرية المدسوسة في الكتاب ببراعة. (والطبعات الأولى من الكتاب كانت بحمل على غلافها كلمة “رواية” تحت العنوان. ولكنها حُذفَت فيما بعد). والقصة المحورية في هذا الكتاب تتلخص في أن الكنيسة اخترعت صورة خاصة بها ليسوع وجعلت منه إلهًا وفرضت هذه الصورة بالمؤامرة السياسية والتهديد بالعنف. ويصور “براون” الإمبراطور قسطنطين على أنه شخص مكيافلي انتهازي يغير طبيعة المسيحية لتخدم أغراضه السياسية.
ويروي “براون” قصة خداع وقمع تنتهي بكشف “الحق” وتحرير الناس. ويركز جزء كبير من القصة على بداية تاريخ المسيحية، فيروي أن الإمبراطور قسطنطين أراد للمسيحية أن تكون الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكنه أدرك أنها تحتاج لنوع من إعادة الصياغة حتى تفي بهذا الغرض. ومن ثم، كان لابد من رفع رتبة يسوع الناصري بحيث لا يظل ذلك المعلم الريفي الفلاح، فأعلن فسطنطين أن يسوع هو الله. وقد استلزم ذلك الحصول على عدد مناسب من الأصوات والتلاعب في النصوص.
ويتم إطلاع القارئ على هذه الأسرار في شخصية السير “لي تيبينج” Sir Leigh Teabing الذي يعلم بهذه الخفايا التاريخية، فيصرح بأنه لم يكن أحد يعتقد أن يسوع هو الله حتى مجمع نيقية سنة 325 عندما طُرحَت المسألة للتصويت، وحصلت على غالبية الأصوت بفارق ضئيل. وتُصدم “صوفي نفو” Sophie Neveu المتخصصة في فك الشفرات عندما تسمع هذا الكلام وتقول في حالة من الذهول: ” لست أفهم ما تقول. هل تتحدث عن ألوهيته؟”
صرح لها “تيبينج”: “عزيزتي، حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبيًا فانيًا مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.
[قالت “صوفي”]: “ليس ابن الله؟”
أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسميًا للتصويت في مجمع نيقية.”
ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته.[22]
ويتم تعريف القارئ بالحقائق المحظورة الخطيرة التي تتعلق بتاريخ الكنيسة ويركز الكاتب بشكل خاص على جماعة يلفها الغموض تعرف باسم “جمعية سيون” Priory of Sion ويقدمها باعتبارها حارسة لأحد الأسرار الخطيرة. ويخبر “براون” قراءه بأن هذه “الجمعية” هي جماعة سرية تكونت سنة 1099 ومازالت موجودة حتى اليوم ويؤكد لهم أن هذه حقائق ثابتة.
والحقيقة أن هذا كلام خاطئ بكل المقاييس، لأن “جمعية سيون” عبارة عن منظمة اخترعها “بيير بلانتار” Pierre Plsntard (1920- 2000) سنة 1956، وقد كان “بلانتار ” بارعًا في تأليف القصص الخيالية، فنسج قصصًا غاية في الإتقان عن هذه الجماعة التي اخترعها وربط بينها وبين أحداث من العصور الوسطى والأرض المقدسة.[23] أي أن الموضوع لا يمت بصلة لأي نوع من الحقائق.
ولست أعرف أي سند تاريخي ذا قيمة يؤيد أيًا من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها “شفرة دافينشي” التي يمكن تفنيدها جميعًا بمنتهى السهولة. ولكن مربط الفرس أن “براون” يروي قصة يتمنى الكثيرون أن تكون صحيحة ويدعوهم أن يصدقوها. وقصة “براون” تقوض الفكر المسيحي التقليدي في أذهان عموم القراء بتصويره لهذا الفكر على أنه نشأ من إساءة ممارسة السلطة والرغبة في قمع العناصر الأنثوية للإيمان.
والقصة “تُعرفنا” بأن الحقيقة هي أن يسوع تزوج مريم المجدلية وأن ابنتهما أنجبت نسلاً ملكيًا في فرنسا. وقد قال “براون” ردًا على الانتقادات الكثيرة التي تناولت الأخطاء التاريخية الفادحة في روايته إن كل ما فعله أنه وضع الكلمات في أفواه شخصيات الرواية وترك القارئ يفهم منها ما يفهمه.
وتكمن جاذبية منهج “براون” في المقام الأول في قدرته على الهدم. فالقصة مكتوبة بأسلوب ركيك يبدو أن معظم القراء يتقبلونه خاصةً مع سرعة توالي الأحداث. وهي من حيث الأسلوب على النقيض تمامًا من “يسوع الصالح والمسيح الشرير” لكاتبها “فيليب بولمان” التي صدرت سنة 2010.[24] فأسلوب “بولمان” يتبع نوعًا ما أسلوب ترجمة الملك جيمز King James للكتاب المقدس، وهو يتميز بفصاحة لا نجد لها أثرًا في أسلوب “براون” الممل الركيك.
وكتاب “بولمان” يعيد سرد قصة الإنجيل في قالب تخيلي يحتفظ بالأسلوب الأصلي للأناجيل ولكنه يغير المحتوى تغييرًا جذريًا. وتنطوي إعادة صياغة القصة بهذا الشكل على تقديم فرضية محورية يبني عليها “بولمان” أطروحته. فهو يصور مريم على أنها فتاة تعاني من ضعف قدراتها العقلية وصعوبات في التعلم، يخدعها أحد الرجال لتنام معه مؤكدًا لها أنه ملاك، فتلد توأمين، يسوع والمسيح، ولكن العلاقة بينهما تسوء منذ سن مبكرة.
كان يسوع رجلاً تقيًا، وواعظًا متجولاً يكرز بملكوت الله وينتظر من أتباعه أن يتغيروا أخلاقيًا. ويخبرنا “بولمان” أن يسوع، كأي كارز بروتستانتي ليبرالي من القرن التاسع عشر، لم يصنع معجزات بالمعنى المفهوم. ولكنه كان يجعل الأمور تحدث بشكل طبيعي. فما الذي حدث في إشباع الخمسة الآلاف؟ كل ما في الأمر أنهم تقاسموا ما كان معهم من طعام.
وهكذا يتضح أن يسوع شخص صالح ينتمي إلى عالم مثالي غير عالمنا ولا يحتك بواقع السلطة السياسية. إلا أن المسيح مختلف. فهو يلتقي بشخصية غامضة اسمها “الغريب” The Stranger تزرع في عقله فكرةَ أن يعيد كتابة قصة يسوع وتعاليمه على نحو يجعلها أكثر جاذبية وأطول عمرًا.
والنتيجة إنجيل أسطوري كُتِب أصلاً لأسباب تافهة بقلم توأم يسوع المزعوم. وما يريد “بولمان” أن يشير إليه من طرف خفي أن إنجيل المسيح “المحسَّن” والمزوَّر هو السبب الأساسي في ظهور كتابات بولس في العهد الجديد.
وهكذا تصبح الكنيسة مؤسسة على إنجيل المسيح الوهمي، وليس على حقيقة يسوع التاريخية المفقودة. فالمسيح يدرك بدهائه ضرورة خلق قصة كبرى، فلسفة حياتية مغرية لتضمن استمرار الكنيسة على مر التاريخ.
ونظرًا لفشل يسوع في تقديم هذه القصة، يقوم المسيح بتعويض هذا العجز بنفسه بتأليف قصة قادرة على إنشاء مؤسسة قوية والحفاظ عليها. والقوة المؤسسية تعتمد على الأمر الإلهي الذي يُفرض دون هوادة ويصبح أيديولوجية راسخة تضمن استمراريته. ويظهر بكل وضوح من هذه الرواية ومن ثلاثية “مواده السوداء” His Dark Materials أن “بولمان” يستهدف مؤسسة الكنيسة.
وأخيرًا يحرض “الغريب” المسيح على خيانة أخيه، خيانة تؤدي إلى موت الشقيق (نعم، يتضح في النهاية أن المسيح هو يهوذا الإسخريوطي). ثم تصبح القيامة مسرحية يحاول فيها المسيح الحي أن يُظهر نفسه على أنه يسوع الميت، وهو ما يعني طبعًا أن القيامة تمثيلية اخترعها المسيح ليعوض عن موت يسوع ميتة مؤسفة عادية. والموضوع مألوف لدى قراء الأعمال العقلانية التي أعادت تأليف حياة يسوع في القرن الثامن عشر، ولكن “بولمان” أدخل عليها تعديلات تاريخية جديدة ولكنها مستحيلة الحدوث.
وهذه هي المشكلة، فهذه القصة الهجومية غير معقولة على الإطلاق لدرجة أنها لا تطابق أدنى المعايير المستخدمة لتحديد صحة الأحداث من الناحية التاريخية. والقصة معقدة ومتداخلة حتى إنها لا يمكن أن بؤخذ على محمل الجد من الناحية التاريخية. ورغم أن الكاتب قَصَّاص من الطراز الأول عندما يؤلف قصصًا خاصة به، فعندما يعيد إنتاجَ قصص غيره، وخاصةً إذا كانت قصة مألوفة كقصة يسوع الناصري يتعثر كثيرًا. فالحبكة مفتعلة بشكل مفرط حتى إن براعة “بولمان” الأسلوبية تعجز عن التعامل مع هذا الخط القصصي المعقد اللازم لتحقيق أغراضه في مهاجمة التقليد.
وقد أقحم “بولمان” نفسه في القصة الكتابية على نحو سافر، فلم يكن دوره فيها سلبيًا ولا صامتًا. وأكثر المواقف التي يظهر فيها هذا الإقحام بشكل صريح هو صلاة يسوع في جثسيماني التي يفاجئنا بأن يسوع يختمها قائلاً أنه لا يوجد إله. ويأتي صوت المؤلف مملاً رتيبًا في مواقف كهذه، ولا سيما عندما يعظ يأخذ مكان يسوع ويعظ قراءه بنبرة حادة مزعجة.
وهو ما يختلف عن أسلوبه في ثلاثية “مواده السوداء”. وهو في رواية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” يفتعل حالة من التقوى المفرطة بشكل يثير الاشمئزاز. علاوة على أنه يَسهل على القارئ التنبؤ بما سيحدث قبل قراءته.
ومن الواضح أن القصة مستحيلة الحدوث التي نطالعها في هذه الرواية تهدف إلى هدم مؤسسة السلطة الدينية. ويتضح هذا الهدف بجلاء في سؤال طرحه أثناء لقاء أجري معه عقب نشر كتابه بفترة وجيزة: “إن استطعت أن ترجع بالزمن وتنقذ ذلك الرجل من الصَلب وأنت تعلم أن هذا يعني عدم ظهور الكنيسة لحيز الوجود، هل ستنقذه أم لا؟” وترتكز هذه الحجة على افتراض مسبق مفاده أن القارئ يشارك “بولمان” في كراهيته الشديدة للمؤسسة الكنسية، وهو ما يظهر بكل وضوح في أعماله الأسبق.
ولكن هل الأمور حقًا بهذه البساطة؟ وهل الحق التاريخي يتوقف على ما نحب؟ وهل الإنجيل يتمحور فعلاً حول الكنيسة باعتبارها مؤسسة؟
معروف أن “بولمان” يريد أن يزعزع أساس الإيمان المسيحي. ولكن كيف يدعم هذا الكتاب حجته؟ إن ما حصل عليه هذا الكتاب من ردود أفعال فاترة على المواقع الإلكترونية الإلحادية يؤكد مدى غموضه. وقد سألني أحد زملائي من الأساتذة الملحدين مؤخرًا: “ولكن ما الفائدة منه؟ ومن سيلتفت لهذا الهراء؟” وقد راودتني هذه الأسئلة الوجيهة الواضحة وأنا أقرأ هذا الكتاب. ورغم استمتاعي بأسلوبه، لم أتمكن من تصديق حبكته الركيكة. ولابد أن أعترف أني لم أجد إجابة مقنعة حتى الآن.
المدخل الرابع: الصور:
تُعتبر الصور، لا الكلمات، أعلى أشكال التواصل عند كُتاب ما بعد الحداثة. وشركات الدعاية والإعلان تنفق أموالاً طائلة لتحصل على أفضل صورة للشركة المعلِنة، وتصمم إعلانات تليفزيونية تعرض صورًا تجعلنا نريد أن نشتري منتجات معينة دون غيرها. إلا أن الكثير من المسيحيين، مثلي، يفضلون استخدام الكلمة (ولا سيما الكلمة المكتوبة، في حالتي) لتوصيل الإيمان وإبراز جماله. ولكن علينا أن نعي أن الصور يُنظر إليها في إطار ما بعد الحداثة على أنها تتمتع بمصداقية وقوة من نوع خاص وتتجاوز الحدود المفروضة على الكلمات.
والعقل البشري يعمل عن طريق توليد صور تساعدنا على “تصوير” العالم المحيط بنا وفهم معناه. ويمكن تشبيه الصور بالخرائط الذهنية التي تساعدنا على رسم أرض الواقع وتحديد مكاننا في الإقليم المحيط بنا. وهذه الصور مفيدة جدًا للمدافع، لأن الصور التي تُعبر عن الفكر المسيحي يمكن تقديمها بأشكال تجذب الخيال البشري. وعمومًا نحن نتعلم أن نسكن في صورة نستخدمها ونكتشف مدى ملاءمتها لواقع عالمنا.
وسنفحص في هذا الجزء عددًا من هذه الصور ونبحث كيفية استخدامها لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله. وبعضها مأخوذ من الكتاب المقدس، والبعض الآخر من الثقافة العلمانية. وأولى هذه الصور مأخوذ من أحد كلاسيكيات الفلسفة اليونانية القديمة، ألا وهو كتاب “الجمهورية” Republic لأفلاطون. (إن كنت قد قرأت رواية “الكرسي الفضي” The Silver Chair، وهي إحدى روايات سلسلة “نارنيا” لكاتبها “لويس”، ستكون الصورة مألوفة لك، حتى وإن لم تكن تعرف أصلها التاريخي[25]).
يدعونا أفلاطون لأن نتخيل كهفًا مظلمًا عاشت فيه مجموعة من الناس منذ مولدهم. وقد ظلوا محبوسين في هذا الكهف طيلة حياتهم حتى إنهم لم يعرفوا عالمًا آخر سواه. وفي أحد أطراف الكهف تشتعل نيران متوهجة بالدفء والضوء. اللهُّب المتصاعدة تلقي ظلالاً على جدران الكهف، فيشاهد الناس هذه الظلال التي تسقط أمامهم على الحائط، ويفكرون فيما تعنيه، فهذه الظلال المرتعشة هي كل ما يعرفه سكان الكهف عن العالم. وإدراكهم للواقع منحصر فيما يرونه ويختبرونه في هذا السجن المظلم.
فإن كان هناك عالم خارج الكهف، فإنه شيء لا يعرفونه ولا يمكنهم أن يتخيلوه، وكل آفاقهم محدودة ومحددة بالظلال وبما ينالونه من ضوء خافت. ولكنهم لا يعرفون أن الكهف سجن ولا أنهم محبوسون فيه، وليس لهم أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف إلا إذا عرفوا بوجود عالم آخر.
ويزين أفلاطون هذه الصورة بالعديد من التفاصيل، منها أن سكان الكهف مقيدون بأغلال تمنعهم من الحركة في أنحاء الكهف. ولا يمكنهم أن يروا إلا الجدار المقابل لهم. ويمتد خلفهم ممر يعبر فيه أشخاص يحملون أشياء متنوعة على رؤوسهم، والنار تلقي هذه الظلال المتحركة على جدران الكهف.
والناس الذين يعبرون الممر يتحدثون بعضهم مع بعض فتُرَجِّع أصواتهم صداها في جنبات الكهف، ولكنها تأتي مشوهة بفعل الجدران. وهكذا يرى السجناء ظلالاً متحركة ويسمعون أصداء أصوات. فهم لا يرون ولا يسمعون أي شيء بشكل مباشر، ولكن خبرتهم بكل شيء تأتي على نحو غير مباشر وغير واضح المعالم.[26]
ولا يعنينا هنا البناء الفلسفي لهذا التشبيه كما وضعه أفلاطون، ولكن ما يعنينا هو إمكانية استخدامه في الدفاعيات. فكيف نستخدم هذه الصورة لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله في عالم اليوم؟ تخيل نفسك الآن تسكن في هذه الصورة بضع دقائق، ولاحظ أنك لابد أن تنسى كل شيء عن العالم الذي نعرفه جميعًا حيث الشمس الساطعة، والهواء العليل، والورود، والبحيرات، والأشجار. وتَذَكر أن العالم الوحيد الذي تعرفه هو ذلك الكهف المظلم الذي يمثل لك الواقع كله.
وأنت لا ترى إلا ظلالاً ولا تسمع إلا أصداء. وما يظهر من هذه الأشياء يصبح واقعًا لك.
احترس من مقارنة عالم الكهف بأي واقع آخر، ففكرة التشبيه كلها تقوم على أساس أنك لا تعرف أي شيء غير هذا الكهف الذي يمثل لك تعريف الواقع. وعندما تشعر بأنك اعتدت على الصورة، سنبدأ في فحصها ودراسة كيفية تطبيقها في الدفاعيات.
اسأل نفسك هذا السؤال: كيف يتأتى لسكان الكهف أن يدركوا أن هناك عالمًا أفضل خارج جدران الكهف المظلمة المدخنة؟ فكر قليلاً في السؤال ثم واصل القراءة بعد أن تصل إلى بعض الإجابات.
ثلاث وسائل تُمكن سكان الكهف من اكتشاف وضعهم الحقيقي:
يدخل شخص من العالم الحقيقي الخارجي إلى داخل الكهف ويخبر سكانه بالعالم الحقيقي. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة فكرة الإعلان الإلهي.
بنية الكهف نفسه تحتوي على دلائل تشير إلى وجود عالم خارج جدرانه. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بناءً على المؤشرات التي نراها في بنية العالم.
عند هؤلاء المساجين معرفة حدسية تقول لهم إن هناك عالمًا أفضل من الكهف المظلم المدخن. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بالاستناد على المشاعر الإنسانية، ومنها الحجة المبنية على الرغبة.
وسوف نبحث فيما يلي ما تتضمنه كل وسيلة من إمكانية دفاعية مع الاحتفاظ بصورة الكهف.
أولاً، قد يقتحم الكهف شخص من عالم آخر، ويخبرنا عن ذلك العالم الآخر مستخدمًا تشبيهات مستمدة من الكهف. بل إنه قد يفعل ما هو أفضل من هذا فيعرض علينا أن يرشدنا لطريق الخروج. وقد يفعل ما هو أفضل من هذا وذاك، فيعرض علينا أن يُخرجنا بنفسه.
وهذا الأسلوب هو الذي ينعكس في عقيدة التجسد المسيحية التي ترى يسوع المسيح باعتباره الشخص الذي يدخل إلى عالم التاريخ والخبرة البشرية، ليُظهر لنا الأمور على حقيقتها وليعطينا القدرة أن نتحرر من ربط العالم وقيوده. وبالرغم من أن هذا الموضوع يملأ صفحات العهد الجديد، فهو يَبرز بشكل خاص في إنجيل يوحنا، كما يتضح من الآيتين التاليتين:
والوسيلة الثانية تقول بأن عالم الكهف نفسه مرصع بمؤشرات ومفاتيح تشير إلى أنه ليس العالم الوحيد. فقد يكون على جدران الكهف علامات تشير إلى أصله أو إلى مصيره الحقيقي، مثل العلامات التي لاحظها أريستبوس على شاطئ جزيرة رودس (ص 122). فربما الكهف يكشف عن أدلة تشير إلى وجود تصميم أو بنية معقدة تثير أسئلة جوهرية عن نشأته. وقد تكون جدرانه مزينة بالرسوم أو غيرها من الدلائل التي تشير إلى أصله وتاريخه.
أما الحل الثالث هو أن من يلاحظون الكهف أنفسهم يملكون في أعماقهم حسًا فطريًا أصيلاً بوجود عالم آخر. وقد يتخذ هذا الحس شكل قناعة عميقة أن الحياة أكثر من مجرد ظلمة هذا الكهف المدخن، أو معرفة حدسية قوية بأن مصيرهم يجب أن يكون في مكان آخر، أو رغبة في شيء يشعر صاحبها أنها لن تُشبع أبدًا، وهو شعور يشير إلى أن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن إشباعنا الحقيقي لن يتحقق فيه.
فنار الشوق التي تشتعل داخلنا ولا تطفئها خبراتنا في هذا العالم تمثل مفتاحًا جوهريًا يشير إلى وضعنا الحقيقي ويدعونا لاكتشاف الواقع الأعظم الذي تشير إليه.
هكذا قمنا ببحث الأساليب الثلاثة وشرحها بسهولة مستخدمين صورة كهف أفلاطون. وكل وسيلة منها تتيح للدافع أن يبحث أحد جوانب الإيمان المسيحي ويكتشف تلامسه مع خبرتنا بالعالم المحيط ومع معرفتنا الحدسية وأشواقنا العميقة وقدرته على خلق معنى لكل هذه الأمور.
ويمكن إدماج هذه الصورة المعبرة بسهولة في الأحاديث، والعظات، والمحاضرات، ويمكن تطويرها بالعديد من الطرق المبتكرة. ويسهل كذلك إضافة طرق أخرى للثلاثة المذكورة أعلاه.
فما الصور الأخرى التي يمكن استخدامها في الدفاعيات؟ يستخدم بولس مجموعة من الصور القوية في رسائله ليساعدنا على فهم ما فعله المسح لأجلنا بصلبه وقيامته. ومن هذه الصور صورة التبني. وفيها يؤكد لنا بولس أننا أصبحنا أبناء الله بالتبني في المسيح (رو 8: 23، غل 4: 5). ويرى بولس أن هذه الصورة المستمدة من قانون الأسرة الروماني تلقي الضوء على امتيازات المؤمن ومكانته في علاقته بالله.[27] وهي صورة تتطلب منا أن ندركها في عقولنا ونقدرها في قلوبنا.
وصورة التبني سهلة الفهم نسبيًا، فهي تُعبر عن أسرة تقرر أن تمنح طفلاً لم يولد في أحضانها الامتيازات القانونية نفسها التي يحصل عليها الطفل المولود في الأسرة. وهو ما يستتبع أن الطفل المتبنى يتمتع بحقوق الميراث التي يتمتع بها الطفل الطبيعي.
وهكذا يمكن أن يرى المؤمن نفسه باعتبار أنه أُدخِل في عائلة الله ومُنح ذات الامتيازات القانونية التي يتمتع بها أي ابن طبيعي. ومن هو الابن الطبيعي لله؟ إنه المسيح نفسه. وبذلك، يشرح بولس هذه الفكرة القوية، ألا وهي أن كل ما منحه الله للمسيح باعتباره ابنه سيؤول إلينا في النهاية باعتبارنا أولاد الله:
ولذلك فالسمات الأسرية التي تميز أولاد الله هي الألم في هذه الحياة والوعد بالمجد في الحياة الآتية. وهو ما يعني أن المجد يكمن وراء الألم، ولابد أن نتعلم أن نرى الألم باعتباره امتيازًا نحتمله مسرورين بوصفه نتيجة لمركزنا الجديد بصفتنا ورثة الله.
ولكن صورة التبني لا تخاطب العقل فحسب، بل تستحوذ على الخيال والقلب أيضًا. وهي بذلك تدعونا أن نترجمها بشكل تخيلي، ولا نكتفي بفهمها. فالتبني معناه أن الطفل مرغوب فيه، وهو يتضمن أيضًا معنى الانتماء. وهذه قضايا وجدانية عميقة تتلامس مع اهتمامات الكثيرين ومخاوفهم في مجتمعات تزداد انكسارًا يومًا بعد يوم.
فالتبني يعني دعوة الشخص ليدخل في بيئة مُحبة حانية. وهي تعني الترحيب بالشخص والرغبة في وجوده وتقديره . والتبني يقدر امتياز الدعوة التي يتم بمقتضاها الترحيب بشخص من خارج الأسرة وإدخاله في كنف الإيمان والحب.
والصورة التي يرسمها بولس للتبني تتوافق بشدة مع اشتياق الإنسان العميق للانتماء إلى مكان ما. فنحن نحتاج أن نشعر أننا مقبولون ومرغوبون. وتؤكد “سيمون فيّ” كثيرًا في كتاباتها أهمية هذه النقطة.
فهي تشير في كتابها “البحث عن الجذور” The Need for Roots إلى أهمية المجتمعات في تكوين الهوية الشخصية وحمايتها: “قد تمثل الحاجة للجذور أهم احتياجات النفس البشرية ولكنها الأقل حظًا من حيث إدراكها والاعتراف بها.”[28] ويتناول “ولتر بروجمَن” Walter Brueggemann أستاذ العهد القديم المعروف هذه الفكرة بمزيد من العمق عندما يشير إلى أن
الشعور بالضياع والتشرد وفقدان المأوى يسود ثقافتنا المعاصرة. وتوق الإنسان لأن ينتمي لمكان، ويكون له بيت، يحتمي في موضع آمن هو سعي عميق يثير في النفس لهيبًا من المشاعر المتأججة.[29]
ونجاح المسلسل التليفزيوني الأميريكي “في صحتك” Cheers يعكس هذه النقطة على أكمل وجه. وقد بدأ عرض المسلسل الذي تجري أحداثه في حانة في بوسطن سنة 1982 واستمر على مدى 271 حلقة حتى سنة 1993. ويرجع نجاحه الباهر إلى ما خلقه من شعور قوي بالانتماء لجماعة.[30]
فقد كانت الحانة مكانًا للأحاديث الخفيفة والأحاديث الجادة، وكانت ملجأ يرحب بكل من يأتيه، والجميع هناك يعرفك. أما خارج الحانة هناك جموع مجهولة من بشر لا يعرفهم أحد ولا يعرفون بعضهم البعض. ولكن داخل الحانة، أنت شخص مميز، ومهم عند الآخرين، أنت تنتمي لمكان. وقد عبَّرت أغنية المسلسل عن هذا المعنى أوضح تعبير: أنت تريد أن تكون في مكان “كل من فيه يعرف اسمك.”
ويمكن للمدافع أن يستخدم صورة التبني التي يرسمها بولس مشيرًا إلى ما تحمله من معانٍ على مستويات مختلفة. فهي لا تلقي الضوء على ما يعود علينا من موت المسيح وقيامته فحسب، ولكنها تخاطب اشتياق القلب البشري العميق للانتماء.
وهناك صور كتابية أخرى يسهل الاستفادة منها في الدفاعيات، مثل صورة الله الراعي، أو المسيح خبز الحياة. فالدفاعيات تتمتع بصندوق زاخر بالكنوز التي يمكننا الاستفادة منها، وهي تستخدم الخيال باعتباره مدخلاً للنفس البشرية. وينبغي على المدافع الناجح أن يجدد هذا الصندوق باستمرار مضيفًا إليه قصصًا وصورًا جديدة.
خطوة للأمام:
المداخل الأربعة التي تناولناها في هذا الفصل كلها مهمة ويمكن تطبيقها بسهولة في الدفاعيات. إلا أنها مجرد أمثلة توضيحية لا تشمل كل المداخل التي يمكن الاستفادة منها، بل يمكن إضافة مداخل أخرى لها. ومنها على سبيل المثال تجسيد المؤمن لإيمانه في حياته العملية، وهو مدخل يؤدي وظيفة دفاعية مهمة.
فالكثيرون يسألون عن الإيمان عندما يرون أن أصدقائهم يتميزون بشيء غير متوفر لهم، كالشعور بالسلام أو بوجود غرض للحياة، أو الشعور العميق بالحنان والحب للبشر، وهو ما يثير لديهم السؤال: “من أين لهم هذا؟” ويتمنون في أعماقهم أن يتمتعوا بما يتمتع به هؤلاء. ومحبة الله تتجسد وتعلَن عندما يخدم المسيحي الحقيقي العالم المحيط به.
والطريقة التي يتعامل بها المؤمن مع الموت تقدم شهادة مهمة لرجاء القيامة المغير الذي يمثل ركيزة أساسية في الإنجيل. فممارسة الحق في حياتنا العملية هي “دفاعيات متجسدة” تمثل في حد ذاتها شهاد قوية لذلك الحق. أي أننا نحتاج لما هو أكثر من الحجج، نحتاج أن نظهر أن الإيمان المسيحي يغير الحياة ويمنحها قوة، كما أشار المدافع “فيليب د. كنِسون” Philip D. Kenneson في ملاحظة حكيمة قائلاً:
إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس الاستمرار في تقديم مزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الآخرين سبباً للالتفات لهذا الحق.[31]
علاوة على ذلك، تقدم الحياة المسيحية شهادة مهمة لقدرة الإنجيل على تغيير حياة البشر، فعندما نشهد عن قصتنا الشخصية، نقدم شهادة غير مباشرة على أن الإنجيل حقيقي، وليس صحيحًا فحسب.
ومن السهل إضافة المزيد من الأساليب أو تطويرها حسب القضايا التي يواجهها المدافع أو الاتجاهات الثقافية التي يشعر أنه يجب التعامل معها. ومن الأمثلة الواضحة التي يمكن استخدامها في الدفاعيات من بعض المجالات الفنية والأدبية الأخرى:
الأفلام: ربما يعتبر الفيلم، لما يميزه من المزج بين القصة والصورة، أفضل وسيلة للتواصل مع جيل يطَلِّع على الواقع بطريقة بصرية أكثر منها نَصية. والكثير من الأفلام الحديثة تثير قضايا لاهوتية ودفاعية كبرى، مما يتيح الفرصة لفتح مناقشات دفاعية.
الشعِر: تُعبر الكثير من القصائد عن شعور بالقلق الشديد تجاه الوضع الحالي للعالم، وعن تطلع نحو الهدف الأسمى للبشرية. وليس من الصعب على المدافع أن يحدد بعض القصائد، وكلمات بعض الأغاني المشهورة، التي تتيح الفرصة لإثارة أسئلة أو فتح مداخل للدفاعيات.
اللوحات الفنية: الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، ناهيك عن الصور المشهورة، يمكن أن تمثل مداخل دفاعية. فإذا أجريت بحثًا سريعًا على الإنترنت مثلاً ستجد لوحة مشهورة للفنان “إدفارد مونك” Edvard Munch اسمها “الصرخة” The Scream(1893) يظهر فيها شخص في حالة من اليأس الوجودي المريع لعجزه عن التعامل مع العالم. فكيف نستفيد من هذه اللوحة؟ إنها مدخل ممتاز للدفاعيات، ويمكنك أن تجد الكثير غيرها بسهولة.
الآن وقد اطلعنا على أساليب تساعدنا في إبراز جمال الإيمان المسيحي وربطه بحياة الناس العاديين، لابد أن ننتقل للعثرات والشكوك التي يواجهها الناس في الإيمان وكيفية التعامل معها .
لمزيد من الاطلاع:
Garson, D.A.The God Who Is There: Finding Your Place in God’s Story. Grand Rapids: Baker, 2010.
Johnston, Robert K.Reel Spirituality: Theology and Film in Dialogue، 2nd ed. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.
Keller, Timothy J. The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism. New York: Dutton, 2008.
Marsh, Clive. Theology Goes to the Movies: An Introduction to Critical Christian Thinking. New York: Routledge, 2007.
McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville: Westminster john Knox, 2011.
Nash, Ronald H. Faith and Reason: Searching for a Rational Faith. Grand Rapids: Academie Books, 1988.
Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.
Piper, John. Think: The Life of the Mind and the Love of God. Wheaton: Grossway, 2010.
Sire, James W. Naming the Elephant: Worldview as a Concpt. Downers Grove, IL: Inter Varsity, 2004.
Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: HarperSanFrancisco, 2006.
[1] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).
[3] James Robert Brown, Philosophy of Mathematics: An Introduction to the World of Proofs and Pictures (London: Routledge, 1999, 71-78); George Bools, “Gödel’s Second Incompleteness Theorem Explained in Words of One Syllable,”, Mind 103 (1994): 1-3.
[4] For a highly influential discussion, see John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.
[5] For two good assessments of Schaeffer’s approach, see Thomas V. Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics: A Critique (Grand Rapids: Baker, 1987); Bryan A. Follis, Truth with Love: Apologetics of Francis Schaeffer (Wheaton: Crossway, 2006).
[6] Francis Schaeffer, The God Who Is There, Complete Works of Francis Schaeffer, vol. 1 (Westchester, IL: Crossway, 1982), 130.
* metaphysical وتترجم أحياناً إلى “ما وراء الطبيعة” والمقصود كل ما يختص بالبحث الفسلفي في المبادئ أو العلل الأولى للكينونة والمعرفة. (المترجمة)
[12] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.
[13] C. S. Lewis, Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.
[14] See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.
[15] Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Biblical Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1977).
[16] Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1985), 216.
[18] N. T. Wright, “How Can the Bible Be Authoritative?” Vox Evangelica 21 (1991): 7-32.
[19] N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), 132.
[20] See Verlyn Flieger, Splintered Light: Logos and Language in Tolkien’s World (Kent, OH: Kent State University, 2002); Jeffrey L. Morrow, “J. R. R. Tolkien as a Christian for Our Times,” Evangelical Review of Theology 29 (2005), 164-77.
[21] Dan Brown, The Da Vinci Code: A Novel (New York: Doubleday, 2003), 233.
[22] Brown is totally wrong on all these points. See, for example, Bart D. Ehrman, Truth and Fiction in The Da Vinci Code: A Historian Reveals What We Really Know About Jesus, Mary Magdalene, and Constantine (Oxford: Oxford University Press, 2004), 23-24.
[23] The best account of the fabrication of this myth is Massimo Introvigne, Gli Illuminatie il Priorate di Sion (Milan: Piemme, 2005). An English summary of this work is available at http://www.cesnur.org/2005/pa_introvigne.htm.
[24] Philip Pullman, The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (Edinburgh: Canongate, 2010).
[25] You might enjoy reading the interesting study of William G. Johnson and Marcia K. Houtman, “Platonic Shadows in C. S. Lewis’ Narnia Chronicles,” Modern Fiction Studies 32 (1986), 75-87.
[26] For a detailed discussion, see Gail Fine, Plato on Knowledge and Forms: Selected Essays (Oxford: Oxford University Press, 2003).
[27] James C. Walters, “Paul, Adoption, and Inheritance,” Paul in the Greco-Roman World, ed. J. Paul Sampley (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2003), 42-76.
[28] Simone Weil, The Need for Roots (London: Routledge, 2002), 43.
[29] Walter Brueggemann, The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith, 2nd ed. (Philadelphia: Fortress Press, 2002), 1.
[30] Bill Carter, “Why ‘Cheers’ Proved So Intoxicating,” New York Times, Sunday, May 9, 1993.
[31] Philip D. Kenneson, “There’s No Such Thing as Objective Truth, and It’s a Good Thing, Too.” Christian Apologetics in the Postmodern World, ed. Timothy R. Phillips and Dennis L. Okholm (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1995), 155-70.
المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
تُعنى الدفاعيات بإقناع الناس بأن المسيحية تخلق للحياة معنى، حتى إن “سي.إس.لويس” الذي قد يُعتبر أعظم مدافع مسيحي في القرن العشرين يصف قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للأشياء بفصاحة بليغة وبإيجاز قاطع قائلاً: “إني أؤمن بالمسيحية كما أؤمن بأن الشمس قد أشرقت، لا لأني أراها فحسب، ولكن لأني أرى كل الأشياء الأخرى بواستطها.”[1] وما يقوله “لويس” أساسي في الدفاعيات المسيحية: فالمسيحية لها معنى في حد ذاتها وهي قادرة على إضفاء المعنى على سائر الأشياء أيضًا.
ويعرض “لويس” في كل أعماله، حتى الخالي منها، نظرة المسيحية للأمور باعتبارها نظرة منطقية، ومقنعة، ومتصلة بحياة البشر. فما أن ننظر للعالم من منظار مسيحي حتى يتضح قصور وجهات النظر الأخرى. وقد أشار أحد زملاء “لويس” في جامعة أكسفورد، وهو اللاهوتي وأستاذ العهد الجديد “أوستين فارِر” Austin Farrer إلي أن تفوق “لويس” في الدفاعيات يرجع إلى قدرته على إظهار الإيمان بالله منطقي وطبيعي.
لم تكمن قوة “لويس” الحقيقية في البرهان، بل في التصوير. فقد سكن في كتاباته عالَمٌ مسيحي يمكن للقارئ أن يفكر فيه ويشعر به. وكان يشعر في هذا العالم بارتياح تام، وقد تمكن من نقل الشعور ذاته لقرائه. كان يقدم القضايا الأخلاقية بمنتهى الوضوح ويبين ارتباطها بالإرادة الإلهية، وعندما يتمكن المرء من رؤيتها على هذا النحو، لا يمكنه أن يراها غير ذلك أبدًا.[2]
يُعتبر الاتساع الفكري الذي يتميز به الإيمان المسيحي من أعظم نقاط قوته، ويمكن استخدامه بكل قوة في الدفاعيات كما سنرى في هذا الفصل. وعندما اقول إن المسيحية قادرة على خلق معنى أعمق للواقع أكثر من غيرها لا أقصد أن وجهات النظر الأخرى غير منطقية.
فمعظم أشكال الإلحاد مثلاً لها منطقها الذي يفترض بعض الملحدين مثل “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins وكذلك “كرستوفر هيتشنز” Christopher Hitchens أنه الشكل الوحيد للعقلانية، وهو افتراض طفولي ساذج. إلا أن المسيحية تتفوق على غيرها من حيث قدرتها على إضفاء معنى أكثر عمقًا ومنطقية على الأمور، كما يرى معظم المدافعين.
والروائي الإنجليزي “إفيلين وُه” Evelyn Waugh (1903-1966) الذي اشتهر بروايته ” العودة إلى برايدزهد” Brideshead Revisited (1945) يشير إلى نقطة مشابهة. فبعد أن آمن بالمسيحية سنة 1930 كتب لأحد أصدقائه يشرح له كيف مَكًنه إيمانه الجديد من رؤية الأشياء بوضوح لأول مرة.
الاهتداء إلى الإيمان يشبه الخروج من عالم “أليس في بلاد العجائب”، حيث يبدو كل شيء كاريكاتيريًا وعبثيًا، والدخول إلى العالم الحقيقي الذي صنعه الله، ثم تبدأ بعد ذلك رحلةٌ بهيجة لا نهائية لاستكشاف هذا العالم.[3]
فقبل الإيمان لم يرَ “وُه” إلا عالمًا مشوهًا وهميًا، ولكنه بعد إيمانه رأى الأمور على حقيقتها. وبدأ رحلة اكتشاف هذا العالم الجديد تملؤه مشاعر الحماس والدهشة والإثارة كما يتضح من كتاباته بعد الإيمان.
بإظهار القاعدة القوية من الحجج والأدلة المؤيِّدة للعقائد الجوهرية في المسيحية: يتضمن هذا المنهج بناء حجج عقلانية تثبت وجود الله، أو حجج تاريخية تثبت قيامة يسوع الناصري. في هذا المنهج يتم الدفاع بشكل مباشر عن مصداقية العناصر الأساسية للأمان المسيحي.
بإظهار أنه إذا كان الإيمان المسيحي صحيحًا، فهو يخلق للواقع معنى أعمق وأكثر منطقية من البدائل الأخرى: تتفوق المسيحية على البدائل الاخرى من حيث توافقها مع ملاحظاتنا وخبرتنا على نحو أكثر منطقية. وهي بذلك تشبه اختبار النظريات العلمية للتأكد من اتساقها مع الملاحظات أو قدرتها على تفسير هذه الملاحظات.
هذان المنهجان لا يلغي أحدهما الآخر، بل يمكن استخدامها معًا في الدفاعيات. سنتناول الآن بعض الأفكار والخطوط المنهجية التي تمثل قيمة محورية في الدفاعيات بوصفها أداة تُظهر لثقافتنا ما يتميز به الإيمان المسيحي من عقلانية ومنطقية.
وسنبدأ دراستنا بالنظر إلى طبيعة الإيمان. طبيعة الإيمان:
أدى صعود تيار”الإلحاد الجديد” سنة 2006 إلى خلق اهتمام جديد بطبيعة الإيمان، وأصبح السؤال المطروح: لماذا نؤمن بالله إن كنا لا نستطيع إثبات هذا الإيمان بيقين مطلق؟ ومن أشد انتقادات الإلحاد الجديد وأكثرها شيوعًا هو القول بأن “الإمان بالله غير منطقي”، حتى إن “ريتشارد دوكينز”، ذلك الملحد الذي يعتمد أسلوب المواجهات في دعم قضاياه ، يرى أن الإيمان هروب من الأدلة بدفن الرؤوس في الرمال، ورفض التفكير.
وبالرغم من أن الكثير من المراقبين الإعلاميين أظهروا نوعًا من القبول لهذه الانتقادات في بادئ الأمر، فقد أظهر الفحص الدقيق مدى ضحالتها، لأن هذا الإلحاد الجديد نفسه له معتقداته وتعاليمه غير المثبَتة، وغير القابلة للإثبات، مثل غيره من الأفكار.
يقول نقاد حركة التنوير من الفلاسفة، مثل “ألاسدير ماكينتاير” Alasdair Maclntyre أو “جون جري” John Gray إن محاولة حركة التنوير أن تضع أساسًا ومعيارًا واحدًا وشاملاً للمعرفة قد ضعُف حتى انهار تمامًا تحت وطأة كمية ضخمة من الأدلة المضادة.[4] فالنظرة القائلة بوجود عقل وحيد شامل لا يمكن الدفاع عنها ولا يمكن تحقيقها. وذلك، لأننا باعتبارنا بشرًا محدودين ليس أمامنا خيار سوى أن ندرك أننا لابد أن نعيش في غياب بعض الحقائق العقلانية الصرفة، الواضحة، المطلقة التي لا تتحمل أي لبس.
فمؤكد طبعًا أنه علينا أن نضع معايير تثبت صحة معتقداتنا، وعلينا أن ندافع عن هذه المعايير، ولكننا في الوقت نفسه لابد أن ندرك أن تلك المعتقدات قد تستعصي على الإثبات. إلا أنها، على حد التعبير الذي أطلقه “وليم جيمز” William James أحد علماء النفس بجامعة “هارفارد” Harvard ، وتُفهم على أنها “فرضيات مقبولة” ” Working hypotheses”.[5]
وسوف أضرب مثالاً لتوضيح هذه النقطة. بعض العبارات الأخلاقية مثل “الاغتصاب فعل خاطئ” لا يمكن إثباتها لا بالمنطق ولا بالعِلم، وهو ما ينطبق على بعض العبارات السياسية أيضًا، مثل “الديمقراطية أفضل من الفاشية.” ولكن هذا لا يمنعنا من الإيمان بهذه المعتقدات السياسية والأخلاقية والتصرف وفقًا لها. ولا يقتصر ذلك على الأخلاقيات الشخصية والآراء السياسية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المعتقدات الاجتماعية، وأهمها العدالة. فما من أمة أو مجتمع يمكنه أن يبقى على قيد الحياة دون أن يكون عنده مفهوم للعدالة. ومع ذلك، لا يمكننا أن نثبت بالمنطق البشري المحض صحة مفهوم بعينه من مفاهيم العدالة.
ومؤخرًا أكد “مايكل ساندل” Michael Sandel أستاذ الحكومة في جامعة “هارفارد” أن أي فكرة للعدالة تقوم على مفهوم ما للحياة الطيبة بما يتضمنه من شبكة معتقدات عن الطبيعة البشرية وقيمها وغرضها.[6] وقد أشار إلى أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، وهو محق في ذلك. صحيح أن بعض مفكري عصر التنوير، تلك الفترة العظيمة في الثقافة الغربية التي قالت بالمرجعية العليا للعقل البشري، آمنوا بأن العقل قادر على تقديم إجابات قاطعة لهذه الأسئلة.
فلا يمكن العثور على إجابات ذات معنى للأسئلة المتعلقة بالعدالة دون الاعتماد على معتقدات لا يمكن إثباتها بشكل نهائي. وقد تلاشى حلم التنوير بتأسيس العدالة على المنطق البحت، لأن فكرة “المنطق الخالص” هي فكرة خيالية، لأن مفاهيم العقلانية تتشكل وفقًا للبيئة الثقافية، كما أشار “ستيفن تولمين” Stephen Toulmin في ملاحظة صائبة قائلاً:
إن ممارسة الحكم العقلاني في حد ذاتها تتم في إطار معين وتعتمد عليه في الأساس، والحجج التي نواجهها توجد في زمان معين وفي طروف معينة، وعندما نُقَيٍّمها لابد أن نحكم عليها في ظل هذه الخلفية.[7]
يبدو أن الكثير من مفكري التنوير نجوا من هذه الحقيقة التي تقوض بناءهم الفكري، وذلك بفضل محدودياتهم الأكاديمية التي كانت شديدة الارتباط آنذاك بالتقليد الغربي الكلاسيكي، ولكن هذا الوهم قد تلاشى، حتى إن “ألاسدير ماكينتاير” يختم تحليله العبقري للتناول العقلاني لكلٍّ من المعرفة والأخلاق بأن التنوع الكبير في طريق التناول “العقلاني” للعدالة والأخلاق لابد أن يؤادي للاستنتاج بأن “الإرث الذي خَلَّفته حركة التنوير هو نموذج مثالي للتفسير العقلاني الذي ثبتت استحالة تحقيقه.”[8]
فالعقل يعد بالكثير ولكنه يعجز عن الوفاء بكل ما يعد به.
ويمكننا في هذا الصدد أن نسوق الكثير من الأمثلة التي تصل جميعها إلى الاستنتاج ذاته الذي أشار إليه منذ عدة سنوات فيلسوف أكسفورد العظيم والمؤرخ الفذ السير “أيزيا برلين”” Sir Isaiah Berlin (1909 – 1997 ) عندما قال بأن القناعات البشرية يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات:
قناعات يمكن إثباتها بالملاحظة التجريبية.
قناعات يمكن إثباتها بالاستنباط المنطقي.
قناعات لا يمكن إثباتها بأي من الطريقتين السابقتين.[9]
تتمثل الفئتان الأولى والثانية فيما يمكن التحقق منه بالعلوم الطبيعية، وما يمكن إثباته بالمنطق والرياضيات. وبذالك، ينحصر”البرهان” في نوعية محدودة من العبارات التقريرية، مثل: 2+2= 4 الكل أكبر من الجزء. التركيبة الكيميائية للماء هي H₂O.
العبارة الأولى والعبارة الثانية يمكن إثباتهما منطقيًا، والأخيرة يمكن إثباتهما علميًا. أما الفئة الثالثة فهي التي تضم القيم والأفكار التي تشكل الثقافة البشرية وتُعَرِّف الوجود الإنساني، أي أنها المعتقدات التي تعطي للحياة الإنسانية سببًا، واتجاهًا، وغرضًا، ولا يمكن إثباتها بالمنطق أو العلم.
ما الذي يندرج تحت هذه الفئة؟ سنة 1948 أكدت الأمم المتحدة “إيمانـ]ها[ بحقوق الإنسان الأساسية.” ورغم أهمية هذا المعتقد، فبنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يمكن إثباتها منطقيًا ولا علميًا، كما لا يمكن إثبات الاعتقاد بأن الظلم شر أو أن الاغتصاب خطأ. فهذه أمور مستحيلة الإثبات. ومع ذلك يتخذ الناس منها عملاً لهم طيلة حياتهم انطلاقًا من اعتقادهم بأنها، أولاً صحيحة، وثانيًا مهمة.
وقد أشار الناقد الأدبي البريطاني “تِري إيجلتون” Terry Eagleton في نقد قوي لكتاب “وهم الإله” the God Delusion لمؤلفه “ريتشارد دوكينز” قائلاً: “إننا نؤمن بالكثير من المعتقدات التي ليس لها مبرر عقلاني يفوق مستوى الشبهات، ومع ذلك هذه المعتقدات منطقية إلى الدرجة التي تجبرنا على أخذها بعين الاعتبار.”[10] والإيمان بالله واحد من هذه المعتقدات.
وقد أكد الفيلسوف “ألفين بلانتيجا” Alvin Plabtinga هذه النقطة منذ سنوات بالإشارة إلى مشكلة دائمة وهي مشكلة “العقول الأخرى”[11] التي تقول بأنه لا يمكنك أن تبرهن برهانًا مطلقًا على أن اللآخرين عندهم عقول. ومع ذلك لم يشغل أحد نفسه بهذا الأمر، لأنه افتراض مقبول ويتفق مع طبيعة الأمور. ثم يقول “بلانتينجا” بوجود توازٍ بين إثبات وجود “عقول أخرى” وإثبات وجود الله.
ويستطرد قائلاً إنه لا يمكن إثبات أي منهما، ويمكن تقديم حججٍ قوية ضد كلٍّ منهما، ولكن مؤيدي هاتين النظرتين يرون أنهما منطقيتان جدًا.
إن “ريتشارد رورتي” Richard Rorty (1931- 2007 ) الذي قد يُعتبر أعظم فيلسوف أمريكي في القرن العشرين عرض نقطة مشابهة في خطابه الرئاسي أمام “الجمعية الفلسفية الأمريكية” American Philosophical Society منذ عدة سنوات أشار إلى أنه
إذا كان أي شخص يؤمن بالفعل أن قيمة أي نظرية تتوقف على أساسها الفلسفي، عندئذٍ لابد أن يشك في أشياء مثل الفيزياء والديمقراطية إلى أن نتغلب على نسبية النظريات الفلسفية، ونجعل منها نظريات مطلقة. ولكن من حسن الحظ أنه ما من أحد يؤمن بشيء كهذا.[12]
ماذا يقصد “رورتي” بهذا الكلام؟ يقصد أننا يمكن أن نؤمن بالمفاهيم الجوهرية في عصرنا دون أن يتوفر لدينا إثبات مطلق.
إن الكل يؤمن منطقيًا بصحة معتقدات معينة رغم إدراكه أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، بالمعنى الضيق لكلمة إثبات. ألا أن نقاد العقائد الدينية غالبًا ما يرجحون أن “الإيمان” نوع من المرض العقلي لا يصيب إلا المتدينين. ولكن هذا خطأ لأن الإيمان جزء من إنسانيتنا.
وقد عبَّرت الفيلسوفة “جوليا كريستفا” Julia Kristeva عن ذلك مؤخرًا بالقول: “سواءً أكنت أنتمي إلى دين، أو كنت لاأدرية، أو ملحدة، فعندما أقول “أنا أؤمن” فهذا يعني أني أقول “أنا أعتبر ]ما أؤمن به [ صحيحًا.”[13] فالإيمان بالله، وبالعدالة، وبحقوق الإنسان تعاني جميعًا من هذه المشكلة المزعومة، وهذه ليست إلا ثلاثة أمثلة، ولكن القائمة تطول.
وعادةً ما يعجز الكُتاب الملحدون عن أن يأخذوا في الاعتبار محدودية العقل البشري، ويرون أن قناعتهم تتميز بالصلابة والمصداقية والقدرة على التحدي. وهم يقولون إنهم لا يؤمنون بأي شئ، ويقتصرون على ما هو صواب، حتى إن المدافع الملحد “كريستوفر هيتشنز” أعلن بكل جرأة أن الملحدين الجدد من أمثاله لا يأخذون العقائد في حسبانهم قائلاً إن “عقيدتنا هي اللاعقيدة.”[14]
هذا خطأ، وأخشى أن “هيتشنز” يضلل نفسه، لأنه يتضح أن تحليله للدين يقوم على معتقدات جوهرية معينة لا يمكن إثباتها، حيث إن نقده العنيف للدين يقوم على قيم أخلاقية معينة (كما في القول بأن “الدين شر” أو ” الله غير صالح” لا يمكن إثباتها، وهو ما يمثل في النهاية نوعًا من التسليم القائم على مجرد شعور بالثقة في في صحة هذه الأفكار. ومادام تقييم “هيتشنز” للدين أخلاقيًا في المقام الأول، فهو مجبر على افتراض قيم أخلاقية معينة لا يمكنه إثباتها. وكل القيم الأخلاقية تقوم في النهاية على معتقدات.
ونقد”هيتشنز” للمسيحية يقوم في نهاية الأمر على معتقداته ويُعبر عنها، أي أنه يقوم على ما يعتقد أنه صواب ويفترض أن أناسًا أخرين يعتقدون أنه صواب، ولكنه لا يستطيع إثباته فعليًا لا بالمنطق ولا بالعلم.
إلا أن مفهوم الإيمان في المسيحية أعمق بكثير من مجرد الاعتقاد بصحة بعض الأفكار. لأن الإيمان عند المسيحيين ليس معرفيًا (“أنا أعتقد أنا هذا صواب”) فحسب، ولكنه في الوقت نفسه يحمل بعدًا علاقتيًا ووجوديًا (“أنا اثق في هذا الشخص”). فالأمر لا يتوقف عند الاعتقاد بوجود الله، بل يمتد إلى أكتشاف حكمة هذا الإله ومحبته وصلاحه، مما ينتج عنه قرار إرادي بتسليم الحياة لهذا الإله. وهو ما عبَّر عنه “سي.إس.لويس” عندما قال إنك لا تواجه “حجة تطالبك بأن توافق عليها، بل شخصًا يطالبك بأن تثق فيه.”[15]
ولذا، فالإيمان يعني الثقة في شخص، وليس مجرد الاعتقاد في وجوده. وقد أشار الكاتب الدنماركي “سورن كيركجارد” Soren Kierkegaard (1813 – 1855) إلى هذه الفكرة عندما أكد أن الايمان الحقيقي بالله هو “قفزة نوعية” من وجود إلى وجود مختلف. فالايمان المسيحي ليس مجرد إضافة بند الايمان بالله لما نختزنه من أفكار عن العالم. ولكنه يعني إدراك واعتناق “النظام الوجودي” mode of existence” ” الجديد الذي تتيحه هذه الثقة.
وتجدر الإشارة إلى أن الفيلسوف النمساوي “لودفيج فيتجنشتاين” Ludwig Wittgenstein الذي يُعتبر عند الأغلبية من عباقرة القرن العشرين العظماء، كان يعاني من شكوك مضنية في فكرة “إثبات” وجود الله. وقد صرح بأنه لم يلتقِ بشخص واحد آمن بالله نتيجةً للحجة العقلية!
وقد تنبأ “جوناثان إدواردز” Jonathan Edwards (1703- 1785 ) عالمِ اللاهوت البيوريتاني الأمريكي العظيم بهذا الموضوع في كتاباته حيث رأى أن الحجة العقلية لها قيمتها وأهميتها في الدفاعيات المسيحية، ولكنها قد تؤدي إلى مجرد الايمان بوجود الله دون أي تأثير يغير الحياة. وكما يشير ” إدوردز”، البعض “يخضع لحق الديانة المسيحية بناءً على البراهين أو الحجج العقلية التي تثبت صحته.”[16] إلا أن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الحياة أو “الإيمان الحقيقي.”
وما يقصده “إدواردز” أن الشخص قد يؤمن بوجود إله دون أن يؤمن بهذا الإله. وهو موقف معروف من العهد الجديد. “أَنتَ تُؤمِنُ أَنَّ الله وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤمِنُونَ وَيَقشَعِرُّونَ!” (يع19:2). فالفرق شاسع بين القبول العقلاني والتغير الشخصي. ويصرح “إدواردز” بأن ما يغير الناس ليس الحجة بل “إدراك” مجد الله، أي التقدير الواعي لهذا المجد، أو لقاء مباشر أو اختبار شخصي مع الله.
قد تلعب [الحجج] دورًا فعالاً في تنبيه غير المؤمنين وحثهم على التفكير بجدية، وفي تثبيت إيمان القديسين الحقيقيين. ولكنها لا تتمتع بالأهمية ذاتها في خلق الإيمان الخلاصي لدي الأشخاص. فالاقتناع الروحي لا ينتج عن الحكم العقلاني، بل من إدراك مجد الأمور الإلهية وجمالها الروحي.[17]
ولكن قيادة الناس للتحول إلى الإيمان هي في النهاية مهمة الكرازة. فالدفاعيات تمهد الطريق لهذا التحول بإظهار أن الإيمان بالله منطقي. إنها تزيل الأحجار والركام من طريق الكرازة. وقد لا يمكننا أن نثبت وجود الله بالمعنى الجامد والمطلق لكلمة إثبات. ولكن مؤكد أنه يمكننا أن نبين أن الإيمان بوجود هذا الإله منطقي تمامًا من حيث أنه يعطي معنى أعمق للحياة وللتاريخ وللخبرة الإنسانية على نحو يتفوق على غيره من البدائل، وبعدها يمكننا أن ندعو الشخص ليتجاوب مع هذا الإله المحب ويثق في مواعيده.
ما أهمية منطقية الإيمان المسيحي؟
لماذا تمثل هذه النقطة أهمية كبرى؟ لماذا يجب علينا أن نظهر أن العقيدة المسيحية منطقية؟ لماذا لا نكتفي بإعلان هذه الفكرة وحسب؟ من النقاط الدفاعية التي يجب تأكيدها هنا أنه من الصعب أن ندافع عن الأفكار التي تسير في اتجاه مضاد لطريق التفكير السائدة في الثقافة.
وقد أشار “أوستين فارر” إلى أن نجاح “سي. إس. لويس” المبهر في عمله بالدفاعيات يرجع في جانب منه لقدرته على “عرض قوة الأفكار المسيحية على المستوى الأخلاقي، والخيالي، والعقلاني عرضًا إيجابيًا.”[18] ويرى “فارر” أن منهج “لويس” في الدفاعيات أظهر أن المسيحية تعطي معنى لأعمق انطباعات العقل البشري والقلب والخيال.
إلا أن “فارر” كان معنيًا بوجه خاص بتأكيد أهمية إظهار منطقية الإيمان. ولكنه لم يقصد بذلك أن المنطق يخلق الإيمان، أو أن الناس يؤمنون بالله بفضل الحجج العقلانية. إلا أنه أراد أن يؤكد مدى صعوبة الدفاع عن الايمان المسيحي علنًا إن كان المجتمع يراه غير منطقي. ولذلك، فإن أعظم إنجاازات “لويس”، من وجهة نظر “فارر”، أنه أظهر منطقية الإيمان بشكل يَسَّر قبوله على المستوى الثقافي.
رغم أن الحجة لا تخلق قناعة، غيابها يضرب الإيمان في مقتل. فما يُثبَت، قد لا يُعتنق، ولكن ما لا يستطيع أحد أن يدافع عنه سرعان ما يتخلى الناس عنه. وإن كانت الحجة العقلانية لا تخلق الإيمان، فهي تحفظ على مناخ ملائم يسمح له بالنمو.[19]
وإظهار منطقية الإيمان لا يعني إثبات كل عنصر فيه، بل يعني القدرة على إظهار أن الاعتقاد في مصداقية هذه العناصر وصحتها يقف على أسس سليمة. ومثال ذلك تبيان أن الإيمان المسيحي يعطي معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ومن ثم، يمكن تشبيهه بعدسة تضع كل شئ في البؤرة، أو بضوء يسمح لنا بالرؤية على مسافات أبعد وبشكل أوضح مما تتيحه لنا قدرتنا العادية.
وقد أكدت هذه الفكرة الفيلسوفية والناشطة الاجتماعية الفرنسية “سيمون فيّ” Simone Weil ، وهي مفكرة يهودية آمنت بالمسيحية في شبابها. فقد استخلصت بعد إمعان النظر فيها يتضمنه إيمانها الجديد من معانٍ أن الإيمان بالله ينير الواقع على نحو أفضل من البدائل العلمانية الأخرى بكثير. وإن كانت طريقة تفكير بعينها قادرة على وضع الأشياء في البؤرة أو إنارة ما هو مظلم وملتبس، فهذا يعد دليلاً على مصداقيتها.
إن أنرتُ كشافًا كهربائيًا في شارع مظلم، لن أحكم على قوته بالنظر إلى المصباح الموجود بداخله، بل بعدد الأشياء التي يسلطه على الأجسام المظلمة. وقيمة أي منهج ديني، أو روحي، بوجه عام، تقَيَّم بكمية النور الذي يُسلِّطه على ما في هذا العالم من أمور.[20]
إن قدرة النظرية على إنارة الواقع ووضعه في بؤرة التركيز تُعتبر في حد ذاتها مقياسًا مهمًا لمصداقيتها. وهنا ترى موضوعًا جوهريًا في الدفاعيات المسيحية، ألا وهو أن الإيمان بصحة المسيحية له أسباب وجيهة، ومنها مدى قدرته على خلق معنى منطقي لما نراه حولنا وبداخلنا. وقد علًّق “برايان لفتو” Brian Leftow الفيلسوف بجامعة أكسفورد على اختباره المسيحي الذي مكنه من رؤية الأشياء على حقيقتها قائلاً: “إن كنت ترى الأشياء على حقيقتها من الموقع الذي تقف فيه، فأنت في المكان الصحيح.”[21]
فماذا عن العلوم؟ إن “جون بولكينجهورن” John Polkinghorne (المولود سنة 1930 ) الفيزيائي الذي ترك المجال العلمي وتخصص في اللاهوت يثير نقطة وثيقة الصلة بموضوع هذا الفصل:
إن البحث عن الحق مهما كان شكله لا يمكنه الوصول إلى استنتاجات يقينية مطلقة. ولكن الشخص الواقعي في تطلعاته هو من يطمح إلى الوصول لأفضل شرح ممكن للظواهر المعقدة، وهو هدف يمكن تحقيقه بالبحث عن فهم شامل مدفوع بدوافع طيبة ليوفر أساسًا للقبول العقلاني. فلا العلم ولا الدين يمكنه أن يأمل في بناء برهان قاطع تجبر منطقيتُه علي قبوله حتى إنه لا ينكره إلا الحمقى.[22]
إن كلاً من العلم والعقيدة المسيحية ملتزمان بإيجاد أفضل تفسير مدعوم بالدليل لما نلاحظه ونواجهه فعليًا في هذا العالم. ومن وجهة نظر المسيحي، تمثل الدفاعيات في جزء منها تأكيدًا للتوافق المفاهيمي بين الإطار النظري للمسيحية والأنظمة العميقة للعالم كما تكشفها العلوم الطبيعية.
فهل الإيمان بالله منطقي؟ أم أنه مجرد وهم، ونموذج أليم للتفكير الرغبوي عند بشر يعانون مشاعر الوحدة والتعطش؟ لقد قال “لويس” نفسه معلِّقًا على معتقداته الإلحادية قبل الإيمان” “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[23] لقد اكتسبَت هذه القضية أهمية في الآونة الأخيرة نتيجةً للمناقشات السائدة حاليًا في ثقافتنا.
وبالرغم من أن الإلحاد الجديد الذي انفجر سنة 2006 فقدَ الكثير من الجاذبية التي تكسو أي شيء جديد، فالأسئلة التي يطرحها مازالت موضع مناقشة، ومنها هل الإيمان بالله يُعبر عن حالة من التجاوب العقلاني مع الواقع، أم أنه ضلالة قديمة الطراز تتفشى بين الجماهير بفعل فيروسات عقلية تعيش على منطق هش ساذج وتفرضها مؤسسات وأفراد سلطويون؟
وهنالك طبعًا نظرة أكثر تشددًا تقول: إن المحاولات البشرية لتكوين معنى أو تأسيس قيم تتساوى في أنها جمعيًا ضلالات سواءً أكانت تؤمن بوجود الله أم كانت إلحادية. وهي نظرة للواقع شديد التشاؤم وتنعكس بكثرة في كتابات “ريتشارد دوكينز” كما في تصريحه الشهير بأن “خواص هذا الكون الذي نراه هي ذات الخواص التي يمكن أن نتوقعها في كون هو أساسًا بلا تصميم ولا غرض ولا شر ولا خير، ولا أي شيء سوى حالة من الحياد القاسي الأعمى حيث يكون كل شيء عاديًا، لا هو بالجيد ولا بالرديء.”[24]
وترى هذه النظرية أننا نفرض معنى وقيمة على عالم بلا معنى، فيصبح المعنى مخترعًا، وليس شيئًا أصيلاً يكتشفه الإنسان. وهذه الفكرة على قدرة اتساقها، إلا أنها شديدة القسوة على نحو يجعل الكثيرين يرونها لا تطاق.
ونحن في هذا الفصل نبحث قدرة الإيمان المسيحي على إضفاء معنى على الأشياء. وتركيزي على مسألة منطقيته لا يعني اختزال المسيحية إلى تفسير عقلاني للأمور، ولا يعني أنه القيمة العليا في اللاهوت المسيحي. ولكن الغرض من ذلك توضيح أن المحيط الثقافي الحالي تَشَكَّل بصعود تيارات عدائية يؤكد أن الإيمان في الأساس غير عقلاني، ومن ثم وجب الرد على هذه الادعاءات بشكل واعٍ ومحسوب.
وقد شهد القرن العشرين طاقة فكرية جديدة تم حقنها في الدراسات الفلسفية للأدلة العقلية والتجريبية التي تتعلق بالله، وكان ظهور تفاسير علمية جديدة لنشأة الكون من العوامل التي حفزت هذه الطاقة الجديدة. وقد أكد فلاسفة الأديان مثل “ألفين بلانتينجا” وكذلك “ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne مجددًا على منطقية الإيمان وأحيوا الحجج القديمة التي تشرح اساب الإيمان بالله، وهنالك تزيد في الاتفاق على أن الإيمان بالله عقلاني تمامًا، إلا إذا عرَّفت “العقلانية” على نحو يتعمد إقصاء هذا الإيمان.[25]
والأمر الذي يزداد وضوحًا أن العقلانية يمكنها فعليًا أن تسجن البشرية في نظرة جامدة متحجرة تحصر الواقع فيما يمكن إثباته عقلانيًا وحسب. وكما أشار “أيزيا برلين” أنه من اللافت للانتباه أن التيار السائد في الثقافة الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر وما بعده يتمثل في “رفض العقل والنظام باعتبارهما سجنًا للروح.”[26] فحصر الإنسان لنفسه فيما يمكن إثباته بالعقل والعِلم هو عبارة عن الأخذ بالقشرة السطحية للواقع والعجز عن اكتشاف ما يمكن تحتها من أعماق.
أما الكتُاب المسيحيون يرون أن الإيمان الديني ليس تمردًا على العقل بل ثورة على سَجن البشرية بين جدران الجمود العقلاني الباردة. فالمنطق والحقائق لا يمكنهما إلا أن “يصلا بنا إلى نقطة معينة في الرحلة، بعدها يجب علينا أن نكمل المسيرة حتى نصل للإيمان.”[27]
فقد يكون المنطق البشري كافيًا على المستوى العقلاني ولكنه قاصر على المستوى الوجودي. والإيمان يعلن عما هو أعمق من العقل، ولا يتعارض معه، بل يفوقه. فالإيمان يستخلص الموافقة العقلانية، ويدعو إليها، ولكنه لا يفرضها، وهو يصل إلى حيث يصل العقل ولكنه لا يحد نفسه عند نقطة تَوقُّف العقل بل يتجاوزها.
فلسفة العلوم باعتبارها أحد الموارد التي تعتمد عليها الدفاعيات:
يوضح “سي.إس.لويس” في روايته لقصة إيمانه بالمسيحية في كتاب “مندهش من الفرح” أن إيمانه بالله لم يأتِ نتيجةً لحجة استدلالية، بل نتيجةً لإمعان التأمل في خبرته، وهو ما يبين أنه يمكننا الاستفادة من منهجيات العلوم الطبيعية في الدفاعيات.
إن العلم يعتمد على الاستدلال inference لا على استنباط براهين رياضية deduction of mathematical proof ، ويتم ذلك بتراكم سلسلة من الملاحظات التي تطرح السؤال الأعمق: كيف نقدم تفسيرًا حقيقيًا صحيحًا لما نلاحظه؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع ما نلاحظه فعليًا في خبرتنا الواقعية؟ وقد استخدم العالم والفيلسوف الأمريكي “تشارلز إس.بيرس” Charles S. Peirce مصطلح “الاستدلال الاحتمالي” “abduction“ للإشارة إلى الطريقة التي يتبعها العلماء لتوليد النظريات التي من شأنها تقديم أفضل تفسير للأشياء.
إلا أن هذه الطريقة أصبح يشار إليها الآن باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” “inference to the best explanation”. وهنالك اتفاق عام الآن على أن هذا الأسلوب هو الفلسفة المميِّزة للعلوم الطبيعية في تقصيها للعالم. فكيف تتم؟
يُعبر “بيرس” عن عملية التفكير التي تؤدي إلى تكوين نظريات علمية جديدة أو طرق تفكير في الواقع كما يلي:
لاحظنا واقعة مفاجئة سنرمز لها بالرمز (ج).
ولكن إذا كانت الواقعة (أ) حقيقية يمكن أن تكون الواقعة (ج) متوقعة.
إذَن هناك سبب يدعو إلى الشك في أن الواقعة (أ) حقيقية.[28]
فالاستدلال الاحتمالي هو عملية ملاحظة أشياء معينة ومحاولة اكتشاف الإطار الفكري الذي يمكن أن يفسرها. وقد كان “شرلوك هولمز” Sherlock Holmes ، المخبر الشهر بطل الروايات البوليسية، يستخدم هذه الطريقة رغم أنه كان يطلق عليها خطأ مصطلح “الاستنباط.” ويرجح “بيرس” أن الاستدلال الاحتمالي أحيانًا ما “يعبر بعقولنا كومضة خاطفة سريعة كأنه “فعل استبصار”.”[29] ولكنه أحيانًا ما يحدث عن طريق عملية بطيئة من التفكير المنهجي العميق أثنا محاولتنا لتوليد كل الاحتمالات التي من شأنها تفسير ما نلاحظه.
وقد فحص “بيرس” بدقة كيفية تكوين العلماء لأفكارهم، وهو يعتبر أن هذه العملية هي التي تكمن وراء المنهج العلمي. فالعلم يبدأ بجمع سلسلة من الملاحظات ثم يبحث عن إطار تفسيري يقدم أفضل شرح لهذه الملاحظات. وقد يكون هذا الإطار نظرية موروثة من عصر سابق، وقد يكون أسلوب تفكير جديد تمامًا.
والسؤال الذي يتطلب إجابه هنا هو: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟ وغالبًا ما يُستخدم مصطلح “الاتساق التجريبي” “empirical fit” للإشارة إلى هذا التوافق بين ما يُرى في العالم وما تقدمه النظرية.
خذ مثلاً حركة الكواكب التي خضعت للملاحظة على مدى آلاف السنين. ما أفضل تفسير لها؟ في العصور الوسطى كان يُعتقد أن أفضل تفسير لهذه الملاحظات هو النظام “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تام مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا أن العالم في حاجة لأسلوب جيد.
وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus ويوهانس كِبلر Johannes Kepler إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في السماء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علاقة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.
ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة. ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ماهي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.
وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة، والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينتطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟
للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation ، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيراتexplanation unificatory. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلٍّ منها في الدفاعيات.
التفسير بتحديد المسببات:
أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي شيوعًا. ويقول بأن (أ) تفسر (ب) إن تمكنَّا من إثبات أن (أ) تسبب (ب).[30] فهل هذا يعني أن المسيحيين يؤمنون أن الله يجول في الطبيعة ويخبط التفاح برفق ليسقط من الشجر فيجذبه إلى الأرض؟ لا. ولكن الله يفوض فاعلاً مسببًا في هذا النظام المخلوق.
وقد قال توما الأكويني Thomas Aquinas بفكرة “السببية الثانوية” “secondary causality” باعتبارها امتدادًا للسببية الأولية primary causality أي الله نفسه وليست بديلاً لها. أي أن ما يتم من أحداث في النظام المخلوق يتم عن طريق علاقات سببية معقدة دون أي إخلال باعتمادها النهائي على الله باعتباره العلة النهائية.[31]
والنقطة الجوهرية التي يجب إدراكها أن النظام المخلوق إذَن يعكس علاقات سببية يمكن للعلوم الطبيعية أن تبحث فيها. وتلك العلاقات السببية يمكن تقصيها وربطها معًا على هيئة “قوانين الطبيعية” مثلاً دون أن يعني ذلك مطلقًا أو يستلزم تبني نظرة إلحادية. ولتبسيط هذه الفكرة قدر المستطاع نقول: إن الله خلق العالم بأنظمة وعمليات خاصة تُسيره.
ولكن ماذا عن نشأة الكون؟ ظهر ميل بين العلماء في أواخر القرن التاسع عشر نحو الاعتقاد بأن الكون موجود أزلاً. إلا أنه في القرن العشرين بات واضحًا أن الكون دخل حيز الوجود بفعل انفجار ضخم يُعرف عادةً باسم “الانفجار الكبير” “the big bang”.[32] ومنذ أدرك العلماء أن الكون له بداية سعت فلسفة العلوم لإيجاد تفسير لكيفية وجود شيء من العدم. فكيف نقول إن العدم سبَّب شيئًا؟ ولكن انتشار فكرة أن الكون نشأ في الزمن وأنه ليس ازليًا أحدث تحولاً كبيرًا لصالح الاعتقاد في وجود “علة أولى” “first cause” وصانع عاقل intelligent designer.
فما الذي تسبب في ظهور الكون؟ محتمل أنه خلق نفسه، أو أنه وُجد بالصدفة، أو أنه خُلق بفعل فاعل، وليكن الله مثلاً. وإن كان هذا طبعًا لا يُثبت شيئًا بالمعنى المنطقي الجامد للكلمة، إلا أنه يعطي مصداقية جديدة لحجة من أشهر الحجج التقليدية المختصة بوجود الله التي يمكن التعبير عنها كما يلي:
كل ما يظهر إلى الوجود له سبب.
العالم ظهر إلى الوجود.
إذَن العالم له سبب.
البحث عن أفضل تفسير:
منذ حوالي سنة 1970 تكوَّن شبه اتفاق على أن الفلسفة الأساسية للعلوم الطبيعية تتمثل في النهج المعروف عمومًا باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات.”[33] “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تامٍ مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا ان العالم في حاجة لأسلوب جديد.
وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus ويوهانس كِبلرJohannes Kepler إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في المساء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علامة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.
ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة. ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ما هي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.
وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة، والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟
للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيرات unificatory explanation. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلًّ منها في الدفاعيات.
التفسير بتحديد المسببات:
أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي ويتلخص أساسًا في طرح السؤال: أي النظريات تقدم أفضل تفسير لما نلاحظه فعليًا في الطبيعة؟ وتطرح الكتابات الفلسفية الكثير من الآراء المهمة حول كيفية تحديد أفضل تفسير: هل هو الأبسط؟ أم الأفخم؟ أم الأكثر قدرة على توليد أفكار جديدة؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع الأدلة؟ والطريقة التي اعتمدها “تشارلز داروين” Charles Darwinفي وضع نظرية “الانتخاب الطبيعي” “natural selection” تُعتبر حاليًا نموذجًا لهذا المنهج.
وتبرز هنا نقطتان في غاية الأهمية. الأولى، أن هذا المنهج يدرك أنه لا يمكن أن نثبت أي تفسير يُعتبر الأفضل، فهي مسألة تتوقف على حالة من الثقة والارتياح، أو القدرة على التمييز لدى أفراد المجتمع العلمي. وهذا ما نراه فيما يدور حاليًا من جدل حول “الأكوان المتعددة” “multiverse” حيث نجد تفسيرين مختلفين اختلافًا جذريًا للملاحظات نفسها، ومع ذلك نجح كلٌ منهما في حشد التأييد اللازم من المجتمع العلمي. ولكن لا أحد يعرف على وجه الدقة أيهما صحيح.
لذلك، فأنت تختار ما يعتقد في صحته على أساس الأدلة المتاحة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأدلة ليست قاطعة بما يكفي لإثبات تفسير دون الأخر. (وقد يكون هذا المنهج غير مريح ولكنه على الأقل يضمن لك أن تعامل خصومك بالحسنى بدلاً من أن تتهمهم بأنهم مضلَّلون).
والنقطة الثانية أن “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” يدرك احتمالية وجود تفاسير عديدة للأشياء، ويحاول أن يتوصل لإطار يؤدي إلى حل النزاع بين الآراء المتصارعة، ونادرًا ما يمكن إثبات صحة نظرية، ولكن هذا ليس ضروريًا، لأن المهم أن نتأكد أن نظريةً ما أفضل من منافساتها، بمعنى أن الكثير من النظريات العلمية لها ما يدعمها أو يبررها (أي أنها تستند على أدلة قوية) دون أن يعني ذلك أنها مثبَتة.
ومسألة الله تتلاءم تمامًا مع هذا المنهج، حتى إن “ريتشارد سوينبرن” فيلسوف الأديان بجامعة أكسفورد يقول إن الإيمان بالله يقدم أفضل تفسير لمجموعة ضخمة من الأشياء التي نلاحظها في العالم.[34] ويشير الفيزيائي “جون بولكينجهورن” في ذات الصدد إلى أن الإيمان بالله يقدم تفسيرًا لأسئلة “ما وراء النظرية” “metatheoretical” التي تبحث في أساس النظرية، وهي المعتقدات التي ينبغي على العلم أن يعتمد عليها رغم أنه لا يستطيع أن يثبت صحتها.
التفسير بتجميع عناصر رؤيتنا للواقع:
منذ حوالي عام 1990 ازداد الاهتمام في مجال فلسفة العلوم بفكرة “التجميع التفسيري” “explanatory unification” وقد نشأ هذا الأسلوب في التفسير العلمي إبان السبعينات من القرن العشرين، وهو يحاول تكوين إطار مشترك يجمع الأحداث التي كان يُنظر إليها باعتبارها لا تمت بصلة بعضها لبعض.[35] ومنذ ذلك الحين تطور هذا الأسلوب تطورًا كبيرًا واستُخدم لتفسير بعض السمات الجوهرية في تكوين المنهج العلمي الحديث.[36] وموضوعه الأساسي بسيط يتلخص في ضرورة إيجاد إطار يتسع لأكبر عدد ممكن من العناصر.
ويقوم هذا الأسلوب في فهم التفسير العلمي على فكرة أن أَوجُه الواقع التي كان يُعتقد أنها تتطلب تفسيرات مختلفة يمكن أن تدخل ضمن إطار تفسيري واحد. ويُعَد التفسير الشهير الذي قدمه “جيمز كلرك ماكسويل” James Clerk Maxwell للترابط بين الكهرباء والمغناطيسية مثالا واضحًا على هذا المنهج الذي كان له الفضل في اعتبار الكهرباء والمغناطيسية وجهين لعملة واحدة بعد أن كان يُظن أنهما متمايزتان تمامًا.
وهكذا يعني تفسير الشيء، وفقًا لهذا المنهج، أن يوضع في إطار أكبر يسمح بفهم علاقاته المتداخلة مع أوجه الواقع الأخرى. ويصبح السؤال هو: أي شبكة من الأفكار توفر أقصى درجة ممكنة من الترابط بين مختلف المجالات والنظريات العلمية؟
ولا يصعب علينا أن نرى التوافق الكبير بين هذا الفكر وأحد الموضوعات الجوهرية في الإيمان المسيحي. فقد رأى القديس أغسطينوس أن الله مثل شمس فكرية تنير أرض الواقع وتتيح لنا رؤية أعمق أنظمته واكتشاف مكاننا فيها. وكتابات “سي. إس. لويس” تشير إلى معانٍ مشابهة.
معنى الأشياء: دراسة حالة:
لمزيد من التعمق في هذا الأمر سنتناول مدى فاعلية النظرة المسيحية للأشياء في إضفاء معنى على ما نلاحظه. وسنحاول أن نجيب على سؤال: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟
كيف يمكننا إذَن أن نفهم معنى التاريخ والخصائص المميِّزة للثقافة البشرية؟ قد تم طرح عدد من القصص التفسيرية لشرح هذه الأمر. تقول إحداها، وهي المفضلة لدى الإلحاد الجديد، بحدوث تطور تقدمي للوضع البشري نتيجةً لتآكل خرافة الدين، وتحرر البشرية من كل المحرَّمات والقيود الاعتباطية.
إلا أنه أصبح من الصعب الاستمرار في اعتناق هذه القصة في الغرب نظرًا لما مُنيت به اللبرالية الغربية من إخفاقات واضحة. ومن اللافت للانتباه أن هذه القصة التفسيرية الكبرى تمثل واحدًا من الموضوعات الرئيسية التي يستهدفها “إيجلتون” بتحليله الذي أجراه مؤخرًا للإلحاد الجديد الذي يواجه فيه انتقادات عنيفة لهذا الفكر.
فهو يصف “حلم التقدم البشري الذي لا يقف أمامه عائق” بأنه “خرافة متجسدة”، قصة خيالية من قصص الجنيات تفتقرِ لأي نوع من الأدلة. “إن وُجِدَت أسطورة دينية وخرافة ساذجة، فإنها ذلك الاعتقاد الليبرالي العقلاني بأننا نسير قدمًا على الطريق إلى عالم أفضل، باستثناء بعض الانتكاسات القلية.”[37] ومن اللافت للنظر أن “كريستوفر هيتشنز” ينهي هجومه على الدين بدعوة للرجوع إلى فكر التنوير ولاسيما للشكل الذي اتخذه في القرن الثامن عشر.
وهكذا يبدو أن أسطورة العصر الذهبي المفقود لا تزال قائمة في هذا الفكر بعيد المنال. ولكن لا شك أننا مدعوون لفحص الخيالات المتعلقة بكلٍّ من الفرد والمجتمع حتى لو كانت هذه الخيالات متأصلة في العقل الغربي العلماني.
وتتحدث القصة الشاملة (أو القصة الكبرى) للإلحاد الجديد عما عانته البشرية من عبودية للخرافات البدائية. ولكن تطبيق المنطق والعلم تطبيقًا ذكيًا في القرون الأخيرة مَكنَّها أن تتحرر من هذا القهر الطويل وتدخل عالمًا جديدًا مشرقًا بالحرية والاستنارة. عالم جديد مشرق يواجه حاليًا خطر عودة ما يشار إليه باسم “الخرافة” وباسم “اللاعقلانية.” فالدين عاد لمكانته وكانت عودته متوقعة ولكن غير مرغوب فيها. لذلك لابد من إنقاذ الموقف قبل فوات الأوان!
وكأي قصة جديدة، تتميز هذه القصة بالبساطة، ولكنها سرعان ما تفقد قيمتها عندما يثبت عجزها عن شمول التاريخ ككل، وليس فقط مجرد بضعة مقتطفات منتقاة بعناية. ووفقًا لهذه القصة يُفرض أن يكون الدين قد مات في الغرب منذ سنوات، ففي الستينات من القرن العشرين تنبأ علماء الاجتماع الأوربيون بقرب حلول نظام عالمي علماني وكانوا واثقين من ذلك كثافة الجيل السابق من المُنَظِّرين السياسيين السوفييت عندما أعلنوا أن سيادة الماركسية – اللينينية حتمية تاريخية.
وقد أجمع “أكبر علماء الاجتماع والأنثروبولوجي وعلم النفس” أن “أبناءهم، وإن لم يكن فأحفادهم، سيشهدون بزوغ عصر جديد تنضج فيه البشرية فتتخلى عن أوهام الدين الطفولية على حد تعبير “فرويد”.”[38]
إلا أن الدين لم يختفِ، بل إن الكثيرين الآن يقولون إنه أصبح أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى، بالرغم مما يُفرض من ضوابط اجتماعية للحج من تأثيره الاجتماعي في الكثير من بلدان أوروبا الغربية. فالاتحاد السوفيتي انهار، وعلمانيته التي كانت تُفرض بالقوة حلَّت مكانها حالة من النشاط والحماس الدينيين اللذين اجتاحا الأمم التي كانت تحت سيطرته. وهذا ما يخيف الملحدين الجدد لأن قصتهم الكبرى تواجه تحديًا خطيرًا، مما يبين أنها غير صالحة للاستخدام.
والقصة الكبرى لعصر التنوير تعجز عن تفسير أي شئ ذي قيمة. وكما أشار “ريتشارد شودَر” Richard Shweder مؤخرًا أن “قدرتها التنبؤية تكاد تساوي صِفرًا.”[39] وهو يقول في ملاحظة فكاهية إن الدين قد يتضح في نهاية الأمر أنه ضلالة، ولكنه ضلالة لها مستقبل. “إن شعبية الهجوم على الدين حاليًا تخفي وراءها حالة من القلق الشديد الذي عاد مجددًا للمجتمع العلماني لا لأن قصة الدين وهمية بل لأن قصة التنوير هي الوهمية.”[40]
والقصة التي يتبناها التنوير ويعتمد عليها الإلحاد الجديد اعتمادًا كبيرًا لا تحمل ذرة واحدة من الواقع، وهي تشبه في ذلك تأكيد الماركسية على الحتمية التاريخية لسيادة الاشتراكية. فالصحوة الدينية في الكثير من مناطق العالم التي تم قمع الدين فيها على يد الحكومات الإلحادية مؤشر واضح على ضعف هذه القصة وهشاشتها. وفي كل الأحوال تُعَد فكرة “الحتمية التاريخية” حكمًا يصدره علم الاجتماع. ومن ثم، فهو لا يتصل كثيرًا بالصواب والخطأ من الناحية الفكرية أو الأخلاقية.[41]
فسواءً أكان أحد التطورات الاجتماعية “حتميًا” أم لا ، فهذا لا يعني صحته أوخطأه. وأحد التطورات الثقافية أو التاريخية قد يكون حتميًا بوصفه مرحلة تاريخية عابرة وليس تطورًا مستديمًا.
غالبًا ما يتهم الإلحاد الجديد من يؤمنون بالله بأنهم يتمسكون “بعقائد بلا دليل” عكس حقائق الملحدين “المستنيرين” التي لها إثباتات قوية. ولكن هل ينطبق هذا الكلام على اعتقاد الإلحاد الجديد بالتقدم البشري؟ يرى “إيجلتون” أن هذه الأسطورة ليست جديرة بأي اهتمام لأنها كالعمل الفني المزيَّف وأنها مثال صارخ على “الإيمان الأعمى.”[42]
فهل من شخص عاقل يقبل أسطورة علمانية كهذه تتعامل مع الكوارث التي صنعها البشر مثل هيروشيما، وأوشفتز Auschwitz أكبر معسكرات الاعتقال النازية، والتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا باعتبارها “بضع انتكاسات محلية بسيطة” لا تنفي التقدم المستمر للتاريخ ولا تعطله على الإطلاق؟ إن الفرق بين المسيحية والإلحاد الجديد يكمن في اختيارهما لما يطلق عليه المعتقدات التي لا تقوم على دليل والأساطير الكبرى الشاملة، ورغم أن كليهما غير قابل للإثبات، فهذا لا يمنعنا من تمييز أيهما أكثر مصداقية وجاذبية.
فماذا عن القراءة المسيحية للثقافة والتاريخ؟ يحكم هذه القضية موضوعان أساسيان أولهما أن الإنسان مخلوق على “صورة الله”، وثانيهما أنه خاطئ. وبالرغم من اختلاف اللاهوتيين والمدارس الفكرية الدينية فيما يولونه من أهمية لهذين العنصرين في الفهم المسيحي للطبيعة البشرية، فهما القطبان التوأمان اللذان يُكونان أي محاولة مسيحية لفهم لغز السلوك البشري على مستوى الأفراد والمجتمعات وحل طلاسمه.
ووفقًا لهذه النظرية فإننا نمتلئ حماسًا وإلهامًا بفضل رؤيتنا لله التي تجذبنا لأعلى، ولكننا في الوقت نفسه ننجذب لأسفل بسبب ضعف الطبيعة البشرية وسقوطها. وهو مأزق مألوف عَبَّر عنه بولس في إحدى فقرات الكتاب المقدس الشهيرة قائلاً: “لَستُ أَفعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَستُ أُرِيدُهُ فَإِيَاهُ أَفعَلُ.” (رو 19:7).
ومن هنا يتضح أننا من وجهة النظر المسيحية ندرك أن البشرية تتمتع بتطلعات وقدرات تفوق بكثير ما تسمح به معظم الأنظمة السياسية أو الفلسفية، وندرك في الوقت نفسه أنها تملكُ قدرة متساوية على العجز عن تحقيق هذه التطلعات.
وتساعدنا هذه النظرة على وضع إطار للصورة المعقدة للثقافة والتاريخ التي تتسم بالتطلع نحو العظمة والصلاح من ناحية، والظلم والعنف من ناحية أخرى. وقد علق الكثيرون على الغموض الرهيب الذي يكتنف التاريخ وتفنيده للنظريات الساذجة التي تقول بصلاح البشرية. وقد أشار الكثيرون أمثال “تِري إيجلتون” مؤخرًا إلى الجانب المظلم في الثقافة والتاريخ المعاصرين.
إن البشر باعتبارهم من المخلوقات يتمتعون بقدرة على فعل الصلاح، ولكن هذه القدرة تعادلها قدرة أخرى على فعل الشر. وإدراك هذا الغموض الشديد هو ما يساعدنا على التخلص من احلام المدينة الفاضلة المثالية في المجالات السياسية والاجتماعية التي تقوم على أحكام قيمية أيدولوجية ساذجة لم تخضع للتجربة. فالنظرة الساذجة للبشرية تُوَلد يوتوبيا سياسية حيث يفضي “التقدم” إلى كارثة، “ج.ر.ر. تولكين” J.R.R Tolkien في نظرة ثاقبة للمستقبل سنة 1931 ليلة صعود النازية:
درسنا في هذا الفصل أهمية إظهار “منطقية” الإيمان في العمل بالدفاعيات. فما من أحد يحب أن يعتنق إيمانًا غير منطقي. إلا أن بعض المسيحيين يرجحون أنه مادام بولس يتحدث عن الإنجيل باعتباره نوعًا من “الجهالة” التي تخزي معرفة العالَم وحكمته (كما في 1كو 18:1 مثلاً) فلا داعي لاستخدام الوسائل العقلانية للدفاع عن الإنجيل. إلا أنه من الواضح أن هذه النظرة تعكس خطأً في قراءة ما يشغل بولس في كنيسة كورنثوس من ناحية، وفهمهِ لدور “العقل” في الحياة المسيحية من ناحية أخرى.
لقد كانت المسائل التي تشغل بولس في كنيسة كورنثوس معقدة.[44] فالكنيسة كانت عرضة للتأثر بأشكال سابقة من الغنوصية التي كانت تقول بأن الأفراد يخلصون عن طريق معرفة سرية باطنية لا تتاح إلا للقلة. وكان البعض في كورنثوس يمجدون التحزلق الفكري ولم يكونوا مستعدين لقبول أي شئ يخلو منه أو أي نوع آخر من المعرفة الثقافية.
وبولس يرفض هذه الأفكار تمامًا ويصر أن الإنجيل لابد أن يؤخذ كما هو حتى لو كان يتعارض مع الفكر الثقافي السائد والمقبول في كورنثوس. فهو هنا يتحدى النظرية العلمانية للحكمة ولكنه لا يدعو للتخلي عن المنطق البشري.
وبولس يؤكد أننا نحن المسيحيين “لَنَا فِكرُ المَسِيحِ” “have the mind of Christ” (1كو 16:2) مميزًا بينه وبين غيره من منهجيات الحكمة التي سادت كورنثوس قبل دخول المسيحية. ويُعتبر “العقل المسيحي” “Christian mind” تركيبة عقلية متميزة من حيث إنه طريقة تفكير تتشكل وتزدهر بالإيمان المسيحي. فهو ليس سعيًا نحو الوصول إلى معرفة غريبة أو باطنية، ولا حالة من الغرور الإكاديمي، ولا انتكاسًا إلى عقلانية حركة التنوير التي سادت القرن الثامن عشر وفقدت مصداقيتها.
ولكنه السماح لنور المسيح أن يشرق على عقولنا حتى تتمكن قوة الله المغَيرة أن تجدد أذهاننا كما تجدد أرواحنا. إنه النتيجة التي يستحثها الله ويبغيها ونحن نسعى لخدمته في هذا العالم.
فكيف يعطي الإنجيل معنى للأشياء؟ كيف نفهم خطابه العميق الموجَّه لعقولنا ومشاعرنا وخيالنا وبحثنا عن المعنى وكيف نطبقه؟ سنستعرض في الفصل القادم ثمانية اتجاهات رئيسية في الدفاعيات يسهم كلٌّ منها بدور خاص في إفساح مجال للإنجيل في الثقافة المعاصرة.
لمزيد من الاطلاع:
Evans, C .Stephen. Natural Signs and Knowledge of God: A New Look at Theistic Arguments. New York: Oxford University Press, 2010
McGrathm, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville, Westminster John Knox, 2011
Morris, Thomas V., ed. God and the Philosophers: The Reconciliation of Faith and Reason. Oxford University Press, 1994.
Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: Harper San Francisco, 2006.
[1] C. S. Lewis, “Is Theology Poetry?” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper-Collins, 2000), 21.
[2] Austin Farrer, “In His Image,” Remembering C. S. Lewis, ed. James T. Como (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 344-45.
[3] Letter of 1949 to Edward Sackville-West, cited in Michael de-la-Noy, Eddy: The Life of Edward Sackville-West (London: Bodley Head, 1988), 237.
[4] See, for example, Alasdair MacIntyre, Whose Justice? Which Rationality? (London: Duckworth, 1988); Stephan Toulmin, Cosmopolis: The Hidden Agenda of Modernity New York: Free Press, 1990); John Gray, Enlightenment’s Wake: Politics and Culture at the Close of the Modern Age (London: Routledge, 1995).
[5] William James, “The Sentiment of Rationality,” The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy (New York: Longmans, Green, and Co., 1897), 63-110.
[6] See Michael J. Sandel, Justice: What’s the Right Thing to Do? New York: Farrer, Straus and Giroux, 2010).
[7] Stephan Toulmin, The Uses of Argument (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), 183.
[9] Isaiah Berlin, Concepts and Categories: Philosophical Essays New York: Viking Press, 1979), 2-5, 161-62.
[10] Terry Eagleton, “Lunging Flailing, Mispunching: A Review of Richard Dawkins’s The God Delusion,” London Review of Books, October 19, 2006.
[11] Alvin Plantinga, God and Other Minds: A Study of the Rational Justification of Belief in God (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1990).
[12] Richard Rorty, “Pragmatism, Relativism, and Irrationalism,” Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association 53 (1980): 719-38, quote at 730.
[13] Julia Kristeva, The Incredible Need to Believe (New York: Columbia University Press, 2009), 3.
[14] Christopher Hitchens, God Is Not Great: How Religion Poisons Everything (New York: Twelve, 2007), 5. For criticism of this approach, see Aloster McGrath, Why God Won’t Go Away: Is the New Atheism Running on Empty? Nashville: Thomas Nelson, 2011).
[15] C. S. Lewis, “On Obstinancy in Belief,” C. S. Essay Collection (London: Harper-
[16] Collins, 2000), 213-14. Jonathan Edwards, The Works of Jonathan Edwards, vol. (Edinburgh: Banner of Truth Trust, 1974), 290.
[20] Simone Weil, First and Last Notebooks London: Oxford University Press, 1970), 147.
[21] Brian Leftow, “From Jerusalem to Athens,” God and the Philosophers, ed. Thomas V. Morris (Oxford: Oxford University Press, 1994), 191.
[22] John Polkinghorne, Theology in the Context of Science (London: SPCK, 2008), 85-86.
[23] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 197.
[24] Richard Dawkins, River out Eden: A Darwinian View of Life London: Phoenix, 1995), 133.
[25] See, for example, Alvin Plantinga, “Reason and Belief in God,” Faith and Philosophy: Reason and Belief in God, ed. Alvin Plantinga and Nicholas Wolterstorff (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1983), 16-93.
[26] Isaiah Berlin, The Cooked Timber of Humanity: Chapters in the History of Ideas (London: Pimkico, 2003), 208-13. The curious title of this important collection of essays reflect a famous dictum of Immanuel Kant: “Nothing straight was ever made out of the crooked timber of humanity.”
[27] See M. Neil Browne and Stuart M. Keeley, Asking the Right Questions: A Guide to Critical Thinking, 8th ed. (Upper Saddle River, NJ: Pearson Prentice Hall, 2007), 196.
[28] Charles S. Peirce, Collected Papers, vol. 5, ed. Charles Hartshome and Paul Weiss (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960), 189. I reflect further on the importance of this approach in Alister E. McGrath, Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things (Louisville: Westminster John Knox), 2011.
[30] The best studies are Paul Humphreys, The Chances of Explanation: Casual Explanation in the Social, Medical, and Physical Sciences (Princeton: Princeton University Press, 1989); and James Woodward, Making Things Happen: A Theory of Casual Explanation (Oxford: Oxford University Press, 2003).
[31] For a good discussion of Aquinas of this point, see William E. Carroll, “Divine Agency, Contemporary Physics, and the Autonomy of Nature,” Heythrop Journal 49 (2008): 582-602.
[32] Helge S. Kragh, Conceptions of Cosmos: From Myths to the Accelerating Universe: A History of Cosmology (Oxford: Oxford University Press, 2006).
[33] See especially Peter Lipton, Inference to the Best Explanation, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).
[34] Routledge, 2004). Richard Swinburne, The Existence of God, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).
[35] Michael Friedman, “Explanation and Scientific Understanding,” Journal of Philosophy 71 (1974): 5-19; Paul Kitcher, “Explanatory Unification and the Causal Structure of the World,” Scientific Explanation, ed. P. Kitcher and W. Salmon (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989), 410-505.
[36] For example, Margaret Morrison, Unifying Scientific Theories: Physical Concepts and Mathematical Structures (Cambridge: Cambridge University Press, 2000).
[37] Terry Eagleton, Reason, Faith, and Revolution: Reflections on the God Debate (New Haven: Yale University Press, 2009), 28.
[38] William S. Bainbridge and Rodney Stark, The Future of Religion: Secularization, Revival, and Cult Formation (Berkeley: University of California Press, 1985), 1.
[39] Richard Shweder, “Atheists Agonistes,” New York Times. November 27, 2006.
[41] A point famously emphasized by Karl R. Popper, The Poverty of Historicism (London: Routledge & Kegan Paul, 1957).
[42] Eagleton, Reason, Faith, and Revolution, 87-98.
[43] J. R. R. Tolkien, “Mythopoeia,” Tree and Leaf (London: HarperCollins, 1992), 85-90; quote at p. 89.
[44] See especially Walter Schmithals, The Theology of the First Christians (Louisville: Westminster John Knox, 1997), 122-23, 146-51. See further Raymond Pickett, The Cross in Corinth: The Social Significance of the Death of Jesus (Sheffield, England: Sheffield Academic Press, 1997), 213-16; and Edward Adams and David G. Horrell, esd., Christianity at Corinth: The Quest for the Pauline Church (Louisville: Westminster John Knox, 2004).
أدلة شهود العيان، هل تصمد سيرة حياة يسوع أمام التمحيص؟ لي ستروبل محاورا بلومبرج
أدلة شهود العيان، هل تصمد سيرة حياة يسوع أمام التمحيص؟ لي ستروبل محاورا بلومبرج
لقد كانت كلمات مايكل مكولوغ ذو الستة عشرة سنة خافتة جداً حتى إن المحلفين لم يستطيعوا سماعها مع صوت اللهاث الخفيض لجهاز التنفّس الصناعي الذي يبقيه على قيد الحياة. لذا يكون لزاما أن ينحني قارئ شفاه على سرير مايكل، ليميز ما كان يقوله، ثم يكرر شهادته لقاعة المحكمة المؤقتة.
ولما كان ميشيل مشلولاً بسبب رصاصه اصابة في أسفل الرقبة مما تسببت في قع حبله الشوكي، لقد كان مايكل ضعيفاً جداً حتى أنه كان لا يمكن نقله إلى المحكمة حيث يُحاكم الشابين المتهمين بمهاجمته. وبدلاً من ذلك، إحتشد في غرفته بالمستشفى، القاضي، وهيئة المحلفون، والمتهمون، والمحامون، والمراسلون، والمشاهدون، والتي تم الإعلان عنها كفرع مؤقت تحت اسم محكمة كوك كانتي للمقاطعة.
وتحت الإستجواب من قبل المدّعين، تذكّر ميشيل كيف ترك شقته في مشروع إسكان شيكاغو وفي جيبه دولارين. قال بأن المتهمين قد تحرّشا به على السلم، وإنهما أصاباه عمداً في وجهه كما حاولا سرقة ماله. وقد دُعمت قصته من قبل شابين آخرين قد راقبا وهما مرعوبين كيف حدث الاعتداء. لم ينكر المتهمين إطلاق النار؛ وبدلا من ذلك إدّعوا بأن الرصاص قد أطلق عرضياً فيما كانا يلوحان به إليه. بالطبع يعرف محامي الدفاع بأن الطريقة الوحيدة للحصول على أحكام مخففة لزبائنهم هي أن ينجحوا في تقويض شهادة إطلاق الناس كعمل من أعمال العنف مع سبق الإصرار والترصد.
لقد بذلوا ما بوسعهم لإثارة الشكوك حول روايات شاها العيان فشككوا في قدرة الشاهدان في رؤية ما حدث، بيد أن كل محاولاتهم بانت بالفشل. كما حاولوا إستغلال التضارب في الروايات، بيد أن الأعتبارات توافقت مع النقاط المركزية. وطالبوا ببراهين أكثر، لكن لم يكن هذا، وبشكل واضح، سوي مجدر إحتجاج.
كما حاولوا أثارة الشبهات حول الأشخاص، لكن الضحية والشاهدان كانوا شبّاناً مطيعون للقانون وليس لهم سجل إجرامي. تمنوا أن يظهروا أي تحيّز ضد المتهمين، لكنهم لم يستطيعوا أن يجدوا شيئاً. كما شككوا في أحد الشهود، عمره تسع سنوات اسمه كيث، إلا أن سنه كان كافياً لفهم المقصود من قول الحقيقة تحت القسم، لكن كان من الواضح للجميع أنه فهم.
ونظراً لأن مُحامي الدفاع عجزوا عن زعزعة مصداقية الضحية وشهود الإثبات، فقد تم إدانة المتهمين بمحاولة اغتيال، وحُكم عليهما بالسجن المؤبّد خمسون سنة. ومات مايكل بعد ثمانية عشر يوماً.
محامو الدفاع ليديهم مهمة صعبة: لإثارة الأسئلة، وتوليد الشكوك، وتقصي النقاط الضعيفة والقابلة للنقد لرواية الشاهد. إنهم يفعلون هذا بإخضاع الشهادة إلى مجموعة متنوعة من الاختبارات. والفكرة هنا هي أن الشهادة الصادقة والدقيقة ستحتمل التمحيص، فيما ستنكشف الشهادة المضللة أو المُبالغة أو الباطلة.
لقد إنتصرت العدالة في قضية مايكل لأن المحلفين تمكنوا من معرفة أن الشهود والضحية كانوا بصدق يحكون وبدقة ما واجهوه.
دعونا الآن نعود إلى تحقيقنا عن الدليل التاريخي المُتعلُّق بيسوع.
لقد حان الوقت لإخضاع شهادة الدكتور بلومبيرج للإختبارات التي إما أن تكشف عن نقاط ضعفها أو تؤكد قوتها. العديد من هذه الاختبارات ستكون نفس الاختبارات التي استخدمها مُحامي الدفاع في قضية مايكل منذ عدّة سنوات.
قلت لبلومبيرج فيما كنا نجلس بعدما إسترحنا خمسة عشر دقيقة “هناك ثمانية اختبارات مختلفة أودُّ سؤالك حولها”.
التقط بلومبيرج كوبا ساخنا من القهوة السوداء وهو يتكئ للخلف. لم أكن متأكداً، إلا أنه كان بدا متطلعاً للتحدي.
1 . اختبار القصد
يسعي هذا الاختبار لتحديد إذا ما كان القصد المُعلن او المكنون للكُتّاب هو الحفاظ على التاريخ بشكل دقيق. سألته قائلاً “هل كان كُتّاب القرن الأول هؤلاء مهتمين حقاً بتسجيل ما حدث بالفعل؟”
أومأ بلومبيرج برأسه وقال “نعم، بالتأكيد، ويمكنك أن تري ذلك في بداية إنجيل لوقا، الذي يُقرأ بشكل مشابه جداً لمقدمات الأعمال التاريخية والمتعلقة بالسيرة المؤتمنة عموماً في العصر القديم”.
إسترسل بلومبيرج في الحديث قائلا “كما ترى، فأن لوقا يقول بشكل واضح بأنه عندما نوى الكتابة عن هذه الأمور تحرى الدقة للتحقيق منها ووجد أنه من اللازم دعمها بشكل جيد بشهادة الشهود”.
سألت قائلاً “وماذا عن بقية الأناجيل؟ والتي لم تُستهل بتصريحات مشابهة؛ هل يعني ذلك أن كُتابها لم يكن لديهم نفس المقاصد؟”
فجاءت إجابة بلومبيرج “صحيح أن مرقس ومتي ليس لديهما هذا النوع من البيان الواضح، إلا أنهما قريبين جدا من لوقا من ناحية النوع، ويبدو من المعقول أن قصد لوقا التاريخي يعكس قصديهما بطريقة محكمة”.
سألت “وماذا عن يوحنا؟”
“بيان القصد الآخر الوحيد في الأنجيل يأتي في يوحنا 31:20 “وَأَمَّا هَذَهَ فَقَدْ كُتَبَتْ لَتُؤْمَنُوا أَنَّ بَسُوعَ هُوَ الْمَسَيحُ ابْنُ اللَّهَ وَلَكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إَذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بَاسْمَهَ”.
إعترضتُ قائلاً “ذلك يبدو كتصريح لاهوتي أكثر مما هو تاريخي”
أجاب بلومبيرج “سأوافقك في ذلك، لكن إذا ما كنت ستقتنع بدرجة كافية لأن تؤمن، فإن اللاهوت ينبغي أن يتدفق من التاريخ الدقيق، هذا بالإضافة إلى أنه يوجد دليل ضمني هام لا يمكن إغفاله. فكّر في الطريقة التي تُكتب بها الأناجيل –بأسلوب واقعي ومسؤول-بعرض تفاصيل دقيقة، وبحرص شديد ودقة. فلن تجد الأمور الغريبة وأساطير سمجة كتلك التي تراها في الكثير من الكتابات القديمة الآخري.
سأل قائلاً: “إلى ماذا يضيف كل هذا؟” ثم أجاب على سؤاله قائلاً: “يبدو واضحاً جداً أن هدف كُتَّاب الوحي الإلهي بأنهم حاولوا تسجيل كل ما حدث بالفعل”.
الإجابة على الاعتراضات:
ومع ذلك، هل هذا هو ما حدث فعلاً؟ هناك سيناريو مُعارض ومناقض ورّجحه بعض النقّاد.
قالوا بأن المسيحيين الأولىن إقتنعوا بأن يسوع سيعود أثناء فترة حياتهم ليتمم التاريخ، لذا فإنهم لم يروا ضرورة لحفظ أي سجلات تاريخية عن حياته أو تعاليمه. وباختصار، لماذا القلق طالما أنه سيأتي وينهي العالم في أي لحظة؟
فقلت “لذا، بعد سنوات وعندما أصبح من الواضح أن يسوع لم يكن راجعاً سريعاً، وجدوا أن ليس لديهم أي مادة تاريخية دقيقة فانجذبوا إلى كتابة الأناجيل. ل ميُنتزع شيئاً للأغراض التاريخية. أليس ذلك ما يحدث حقاً؟”
أجاب بلومبيرج “هناك بالتأكيد طوائف وجماعات، بما في ذلك الدينية عبر التاريخ، والتي يعمل لأجلها هذا الجدال، لكن ليس مع المسيحية المبكّرة”
فقلت له متحدياً “ولما لا؟ ما الذي كان مختلفاً في المسيحية؟”
فأجاب” أولاً، أعتقد أن المقدمة مُبالغ فيها قليلاً. الحقيقة هي أن أغلبية تعاليم يسوع تفترض مسبقاً امتداداً كبيراً للوقت قبل نهاية العالم، لكن ثانياً، حتى إذا ما اعتقد بعض من أتباع يسوع بأنه ربما سيعود سريعاً إلى حد ما، فتذكّر أن المسيحية ولدت من اليهودية.
“لثمانية قرون عاش اليهود مع التوتر بين الإعلانات المتكررة للأنبياء بأن يوم الرب كان قريباً، والتاريخ المستر لإسارئيل. وكان لا يزال أتباع هؤلاء الانبياء يسجلون، ويقيّمون، ويحفظون لكمات الانبياء. وطالما أن أتباع يسوع نظروا إليه كأعظم من نبي، فيبدوا من المعقول جدا أنهم كانوا سيفعلون نفس الشيء”.
فيما بد ذلك معقولاً، إلا أن يعض الباحثين أثاروا أيضاً اعتراضا آخر وهو ما أردت عرضة على بلومبيرج. “يقولون بإن المسيحيين الأوائل أمنوا تكراراً أن يسوع الميت جسدياً كان يتحدث من خلالهم برسائل، أو “نبوءات”، لكنائسهم. وطالما إنٍ هذه النبوءات كانت تعتبر موثوقة ككلمات يسوع حين كان حياً على الأرض، فإن المسيحيين الأوائل لم يميزوا بين هذه الأقوال الجديدة والكلمات الأصلية ليسوع التاريخي. وكنتيجة لذلك، تمزج الاناجيل هذين النموذجين من المواد، لذا فإننا لا نعرف حقا ما الذي يعود ليسوع التاريخي والذي لا. ذلك اتهام مزعج لكثير من الناس. كيف تردُّ على ذلك؟”
قال وهو يبتسم “هذا الجدال له دعم تاريخي أقل مما سبقه. في الحقيقة، يتضمّن العهد الجديد نفسه دليل يدحض هذه الفرضية.
“يوجد مناسبات بُشار فيها إلى النبوة المسيحية المبكرة، لكنها مميزة دائماً عما قاله الرب. على سبيل المثال، في 1كورنثوس 7 يُميَز بولس بشكل واضح بين كلامه هو وبين ما اقتبسه من كلام الرب، يسوع التاريخي. وفي سفر الرؤيا يمكن للفرد أن يميز بوضوح مقدار الوقت القصير الذي يتحدث فيه يسوع مباشرة إلى هذا النبي -يُفترض تقليديا أنه يوحنا الرسول – وعندما يسرد يوحنا رؤياه الخاصة المُوحاة له.
“وفي 1كورنثوس 14، عندما يناقش بولس المعايير للنبوة الحقيقية، يتحدث عن مسئولية الكنيسة المحلية لامتحان الأنبياء، وبالدنو من خلفيته اليهودية، نعرف بأن المعايير للنبوة الحقيقية كانت ستضمن إذا ما كانت النبوة تتحقق أو إذا ما كانت هذه التصريحات الجديدة تتوافق مع كلمات الرب المُعلنة.
“لكن الجدال الأقوي هو ما لا نجده أبداً في الأناجيل: فبعد صعود يسوع كان هناك عجج من الخلافات التي هددت الكنيسة المبكرة، إذا ما كان يجب أن يُختتن المؤمنين، وكيف يجب أن يُنظم التكلم بألسنة، وكيف يمكن الحفاظ على اليهودي والأممي متحدين، وما هي الأدوار الملائمة للنساء في الخدمة، وإذا ما كان يمكن للمؤمنين أن يُطلقوا من الأزواج والزوجات غير المسيحيين.
“كان يمكن أن تُحل هذه القضايا بطريقة ملائمة إذا ما كان المسيحيون الأوائل رجعوا إلى ما أخبرهم به يسوع من العلام البعيد في الأناجيل، لكن هذا لم يحدث مطلقاً. فاستمرار هذه الخلافات يُظهر أن المسيحيين كانوا مهتمين بالتمييز بين ما حدث أثناء حياة يسوع على الأرض وما تم مناقشته فيما بعد في الكنائس”.
2- اختبار القدرة
حتى إذا ما كان يميل الكُتَّاب إلى تسجيل التاريخ بشكل موثوق، فهل كانوا قادرين على عمل هذا؟ كيف يمكننا التأكد من أن المادة الخاصة بتعاليم وحياة يسوع تم حفظها بشكل جيد لمدة ثلاثين عاما قبل أن تكون قد كُتبت كاملة في الأناجيل؟
سألت بلومبيرج “ألا تعترف لأن الذكريات التي تحتوي عيوباً، والتفكير الآمل، ونشوء الأسطورة كانت ستشوه التقليد عن يسوع بشكل يتعذر إصلاحه قبل كتابة الأناجيل؟”
بدأ إجابته بتوطيد السياق قائلاً “لا بد أن نتذكر أننا في أرض غريبة، في زمان ومكان بعيدين، وفي ثقافة لم تخترع بعد الكمبيوتر أو حتى آلة الطباعة. فالكتب -أو بالحقيقة لفائف ورف البردي- كانت نادرة نسبياً، ومن ثم فالتربية، والتعليم، والعبادة، والتعلم في الجماعات الدينية كانت جميعها تتم بالسماع.
“لقد إشتهر الحاخامات بحفظهم غيباً لكامل العهد القديم، ومن ثمَّ فمن الجيد، وفي إطار قدرة أتباع يسوع على الاستظهار، أنهم قد اعتمدوا بنسبة أكبر على الذاكرة، ومما يظهر في كل الأناجيل الأربعة أن هذا قد تمّ تسليمه وتسلّمه بشكل دقيق”.
قاطعته قائلاً “انتظر لحظة. بصراحة، يبدو ذلك النوع من الإستظهار غير معقول. كيف يمكن أن يكون ذلك ممكناً؟”
إعترف قائلاً “نعم، من الصعب علينا تصوَر ذلك اليوم، لكنها كانت ثقافة شفهية، حيث كانت هناك اعتماد كبير على الاستظهار. ويجب أن تلاحظ أنه ما بين ثمانين إلى تسعون بالمائة من أقوال يسوع كانت أصلاً بصيغة شعرية. وهذا لايعني أنها كانت محشوّة بالقافية الشعرية، لكنها كانت موزونة، وسطروها متوازنة، ومتوازية، وهلم جرا، وهذا سيُشكّل مساعدة كبيرة على التذكر.
“الشيء الآخر الذي من الضروري قوله هو أن التعريف عن طريق الإستظهار كان أكثر مرونة من ذلك الحين. ففي دراسات الثقافات بالتقاليد الشفهية، كان هناك حرية لتباين المقدار الذي يتم إخباره من القصة في أي مناسبة؛ ما خُتم به، وام تم تركه، وما تم تفسيره، وما تم توضيحه، وهلم جرا.
“اقترحت إحدي الدراسات أنه في الشرق الأوسط القديم، فإنه في أي مكان من عشر إلى أربعون في المائة لأي إعادة رواية معطاة بتقليد مقدس يمكن أن تتباين من مناسبة لأخري. وبرغم ذلك، إلا أنه كان هناك دائما نقاط ثابتة لا يمكن تعديلها، وكان للجماعة الحق في التدخل والتصحيح للراوي إذا ما أخطأ في إحدي هذه السمات الهامة للقصة.
توقف باحثاً في ذهنه هن الكلمة الصحيحة وقال “إنه شيء ممتع. مصادفة أن النسبة من عشرة لأربعون في المائة متناسقة إلى حد ما مع مقدار التباين بين الاناجيل الأزانية في أي فقرة مُعطاة”.
لقد كان بلومبيرج يُلمّح إلى شيء ما؛ رغبت أن يوضحه أكثر فقلت” وضح هذا لي. ما الذي تقوله بالضبط؟”
“أقول إنه من المرجح أن الكثير من التشابهات والاختلافات بين الأناجيل الازانية يمكن توضيحها بافتراض أن التلاميذ والمسيحيين الأوائل الآخرين إستظهروا الكثير مما قاله وفعله يسوع، لكنهم شعروا بحرية في إعادة سرد هذه المعلومات في صيغ مختلفة، محافظين دائماً على مغزى تعاليم وأعمال يسوع الأساسية.
مازال لدي بعض الأسئلة حول قدرة هؤلاء المسيحيين الأوائل على حفظ هذا التقليد الشفهي بدقة. كان لدي أيضا ذكريات كثيرة عن ألعاب طفولية التي من خلالها كنا نُغربل الكلمات ثم نعيد ترتيبها في غضون دقائق.
لعبة التليفون
من المحتمل أنك لعبت لعبة التلفون بنفسك: يهمس أحد الأطفال بشيء ما في طفل آخر، على سبيل المثال” أنت أفضل أصدقائي”، ويُهمس بهذا لآخر، وهكذا في دائرة كبيرة إلى أن تصير في النهاية مُشوهة بشكل مُفرط، وربما تكون قد تحرّفت إلى “أنت أفحل أصدقائي”.
قلت لبلومبيرج “لنكن صرحاء، أليس هذا تشبيهاً جيداً لما قد حدث للتقليد الشفهي عن يسوع؟”
لم يكن بلومبيرج يقبل ه1ا التفسير فقال” لا، ليس حقاً، وإليك السبب: عندما تستظهر شيئاً بعناية وحرص فإنك تحرض على تمريره وفي نفس الوقت تتاكد من أنك حصلت عليه بطريقة صحيحة، فبذا أنت تفعل شيئ مختلف جداً عن لعب لعبة التلفون.
“جزء من اللعبة التلفون، هو المرح بأن الشخص قد لا يُصيب الحقيقة أو يسمع بشكل جيد في المرة الأولى، ولا يمكنه أن يطلب من الشخص أن تكرار ما ذكره. ثم عليك فوراً نقلها إلى الشخص المجاور لك، أيضاً في النغمات المهموسة التي تجعل على الأرجح إمكانية الخطأ للشخص التالي بدرجة كبيرة. لذلك نعم، ففي الوقت إمكانية الخطأ للشخص التالي بدرجة كبيرة. لذلك نعم، ففي الوقت الذي تكون فيه المعلومة ثد درات في غرفة بها ثلاثون شخص، فإن النتائج ستكون مرحة”.
ثم سألت” لماذا إذاً يُشابه ذلك عملية تمرير وتسليم التقليد الشفهي القديم؟”
رشف بلومبيرج من قهوته قبل الإجابة” إذا أردت حقاً تطوير هذا التشبيه في ضوء رقابة جماعة القرن الأول، فيجب أن تقول إن كل شخص ثالث، وهو يسمع بصوت واضح جداً، ويجب أن يسال الشخص الاول “هل ما زلت أقولها بشكل صحيح؟” ويغيرها إذا لم يكن ما يقوله صحيح.
فقال” فالجماعة الأولى ستراقب باستمرار ما قيل وتتدخل لإجراء التصحيحات على طوال الطريق. وهو ما يحفظ نزاهة الرسالة. والنتيجة ستكون مختلفة جداً عن نتيجة لعبة التلفون الطفولية”.
3- اختبار الشخصية
ينظر هذا الاختبار فيما إن كان في شخصية هؤلاء الكُتَّاب بكونها صادقة. وإن كان هناك أي دليل على عدم الأمانة أو عدم الأخلاقية الذي قد يفسد قدرتهم أو رغبتهم في نقل التاريخ بدقة؟
هز بلومبيرج رأسه وقال “إننا ببساطة لا نملك أي دليل معقول لإقتراح أنهم كانوا أي شيء عدا أنهم أُناس ذوي نزاهة عظيمة”.
“إننا نراهم يُبلغون كلمات وأفعال إنسان دعاهم إلى مستوي من النزاهة والإستقامة تفوق ما دعت إليه أي ديانة أخري. وهم كانوا راغبين للعيش وفق إعتقاداتهم لدرجة أن عشرة من بيت الأحد عشر تلميذا الباقين تعرضوا لميتات مروعة، وهو ما يُظهر عظمة شخصياتهم:
“من جهة الإستقامة، من جهة الصدق، من جهة الفضيلة الأخلاقية، فلدي هؤلاء الأشخاص سجل حافل بالنجاحات يُحسدون عليه”.
4- اختبار الاتساق
هذا اختبار يتهم فيه المتشككين غالباً الأناجيل بالفشل. باختصار، هل هم متناقضين بلا أمل مع بعضها البعض؟ ألا يوجد تعارضات لا تقبل المصالحات بين أوصاف الإنجيل المختلفة؟ وإذا كان يوجد فكيف يمكن لأي شخص أن يثق في أي شيء يقولونه؟
أقرَّ بلومبيرج بأن هناك نقاط عديدة التي تبدو فيها الأناجيل متعارضة فقال “يمتد هذه طوال الطريق من التباينات الصغيرة جداً في الكلام إلى التناقضات الظاهرة الأكثر شهرة”.
“اقتناعي، هو أنك عندما تسمح للعناصر التي تحدثت عنها من قبل -من أعادة صياغة، والاختصار، والإضافات التوضيحية، والاختبار، الحذف- فإنك ستجد أن الأناجيل متسقة جداً مع بعضها البعض بالمعايير القديمة، التي تمثل المعايير الوحيدة التي من الإنصاف الحكم بها “.
أشرت قائلاً “على نحو ساخر، لو كانت الأناجيل مطابقة لبعضها البعض، كلمة بكلمة، فإن ذلك كان سيرفع الاتهامات التي تقول بأن الكُتَّاب تآمروا فيما بينهم لتنسيق قصصهم مسبقاً، والتي كانت ستثير الشك حولهم”.
وافق بلومبيرج وقال” هذا صحيح. إذا ما كانت الأناجيل متطابقة تماماً، فإن ذلك في حد ذاته كان سيبطلهم كشهود مستقلين. ومن ثم كان الناس سيقولون إننا حقاً لدينا شهادة واحدة لذلك فإن كل شخص آخر يردد الكلام كالببغاء”.
أومض ذهني بكلمات سيمون جرينفيلف من كلية حقوق هارفارد، أحد الشخصيات القانونية البارزة ومؤلف دراسة مؤثرة عن الأدلة. بعد دراسة الإتساق بين كُتَّاب الأناجيل الأربعة، قدَّم تقييمه هذا: “يوجد ما يكفي من تناقض ليرينا أنه لا يمكن أنه كان هناك اجتماع سابق بينهم؛ وفي نفس الوقت فإن مثل هذه الموافقة الجوهرية كما لو أنها تظهر أنهم جميعاً كانوا رواة مستقلين لنفس التعامل العظيم”.
ومن منظور مؤرخ كلاسيكي، اتفق العالم الألماني هانز ستير على أن الموافقة على المعلومات الرئيسية وتباين التفاصيل يقترحان مصداقية؛ لأن الروايات المُلفقة تميل إلى أن تكون متطابقة ومتوافقة تماماً. لقد كتب “كل مؤرخ متشكك على نحو خاص في تلك اللحظة التي يتم فيها تقرير حدث غير عادي في روايات خالية تماماً من التناقضات”.
في حين أن ذلك صحيح، إلا أنني لم أرد إهمال الصعوبات التي تثيرها التناقضات المزعومة بين الأناجيل. فقررت تقصي القضية أكثر بمهاجمة بلومبيرج ببعض التناقضات الواضحة الظاهرة التي ينتهزها الشكاكون تكرارا كأمثلة على السبب بأن الأناجيل لا يمكن الاعتماد عليها.
التعامل مع التناقضات
بدأت بقصة معروفة لمعجزة شفاء. أشرت إلى أنه “في متي يقول إن قائد المئة نفسه جاء ليطلب من يسوع أن يشفي خادمه رغم أن لوقا يقول إن قائد المئة أرسل الشيوخ ليفعلوا هذا. ألس ذلك بتناقض واضخ، أليس كذلك؟”
أجاب بلومبيرج “لا، لا أعتقد ذلك. فكر في الأمر بهذه الطريقة: في عالمنا اليوم نسمع تقريرا إخباريا يقول “أعلن اليوم الرئيس أن … ” بينما في الحقيقة بأن الخطاب قد تم كتابته من قبل كاتب أحاديث وسلّم من قبل السكرتير الصحفي- وربما بمقدار ضئيل من الحظ ألقي الرئيس نظرة عليه فيما بين هذه وذاك. ومع ذلك لم يتهم أحد المذيع بأنه مخطئ.
“وبطريقة مشابهة كان من المفهوم والمقبول جيدا في العالم القديم أن الأفعال كانت تُنسب غالباً إلى أشخاص فيما تكون في الحقيقة قد حدثت من خلال أتباعهم أو مبعوثهم، في هذه الحالة من خلال شيوخ الشعب اليهودي.
“إذاً فأنت تقول إن متي ولوقا يمكن أن يكونا كليهما على صواب في نفس الوقت؟”
أجاب “هذا بالضبط ما أقوله”.
بقد بدا ذلك معقولاً، من ثمَّ إلى مثال آخر. “ماذا عن مرقس ولوقا بقولهما بإن يسوع قد أرسل الشياطين إلى الخنازير في الجرجسيين، بينما يقول متي بأن ذلك قد حدث الجدريين.
ينظر الناس إلى ذلك ويقولون هذه تناقض واضح لا يمكن توفيقه- إنهما مكانين مختلفين تماماً. أقفلت القضية”.
ضحك بلومبيرج بينه وبين نفسه وقال “حسنا، لم تُقفل القضية حتى الآن. هناك حل واحد ممكن: الأولى كانت مدينة، أما الثانية فكانت مقاطعة”.”
بدا لي ذلك سطحياً جداً. بدا وكأنه يتخطي الصعوبات الحقيقية التي تثيرها هذه القضية.
قلت “إن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك. فالجرجاسيين، المدينة، لم تكن قريبة من بحر الجليل في أي مكان، ومع ذلك هو المكان الذي من المفترض أن الشياطين- بعد دخولها إلى الخنازير- أخذت القطيع فوق المنحدر الصخري ليلقوا حتفهم”.
فقال “حسنا، تلك نقطة جيدة، لكن كان هناك حطام مدينة تم الكشف عنها عند الجانب الأيمن بالضبط على الشاطئ الشرقي لبحيرة طبرية. غالبا ما تُنطق الصياغة الإنجليزية لاسم المدينة خيرسا ،Khersa، لكنها ككلمة عبرية فإنها ترجمت أو تُرجمت صوتياً في اليونانية، يمكن أن تنتج صوتً شبيهاً جداً بكلمة ،الجرجاسيين Gerasa،. لذلك ربما كان هذا في خيرسا على الأرجح- والتي هجائها في اليونانية تم ترجمته كجرجاسيين- في مقاطعة الجدريين”.
سلمت بذلك بابتسامة وقلت “حسنا، سأسلم بذلك التفسير، ولكن يوجد هنا مشكلة ليست سهلة: ماذا عن التناقضات بين سلسلة نسب يسوع في متي ولوقا؟ غالبا ما يشير إليهما المتشككون كمتعارضتين بشكل بلا حل”.
فقال “هذه قضية أخري ذات خيارات متعددة. مثل ماذا؟ البديلان الأكثر شيوعا هما أن متي يقدّم سلسلة نسل يوسف، لأن أغلب الأصحاح الأول يُخبر من منظور يوسف، ويوسف، كالأب المتبني، كان يمكن أن يكون السلف القانوني الذي من خلاله كان سيتتبع نسب يسوع الملكي. فهذه موضوعات هامة بالنسبة لمتي.
“فيما تتبّع لوقا سلسلة النسب من خلال نسب مريم. ونظرا لأن كليهما من نسل داود، فإنك عندما تحصل على ذلك فإن الأنسال تلتقي عند نقطة واحدة.
“الخيار الثاني هو أن كلا السلسلتين يعكسان نسب يوسف كي يشكلان الشرعيات الضرورية، لكن واحد يمثل سلسلة نسب يوسف البشرية -إنجيل لوقا- والآخر يمثل سلسلة نسب يوسف الشرعية، والاثنين يتشعبان عند النقاط التي لم يكن لشخص ما في السلسلة نسلا مباشراً. كان لزاما أن ينشئا ورثة شرعيين من خلال ممارسات متنوعة للعهد القديم.
“تتضخم المشكلة أكثر لأن بعض الأسماء محذوفة، الأمر الذي كان مقبولا تماما بمقاييس العالم القديم. وهناك المغايرات النصية —– أسماء، المترجمة من لغة لأخري، غالبا ما يكون لها تهجئات مختلفة ومن ثم تشوش بسهولة لاسم شخص مختلف”.
أثار بلومبيرج نقطته الرئيسية: هناك على الأقل بعض التفسيرات المعقولة. حتى إذا لم يكن خالية من نقاط الضعف، إلا أنها على الأقل تزودنا بتوافق معقول للروايات الإنجيلية.
نظرا لأنني لم أرد أن تتفسّخ محادثتنا إلى نقطة جدال فقد قررت أن أنتقل، وفي نفس الوقت وافق بلومبيرج وأنا على أن أفضل منهاج شامل هو دراسة كل موضوع بشكل منفرد لرؤية ما إذا كان يوجد طريق عقلاني لحل التعارض الظاهري بين الأناجيل. بالتأكيد ليس هناك عجز في الكتب الجديرة بالاعتماد عليها والتي تفحص بشكل كامل، أحيانا بالتفصيل المفرط، كيف يمكن التناغم بين هذه الاختلافات.
قال بلومبيرج “هناك مناسبات قد نحتاج فيها لتأجيل الحكم ونقول ببساطة إنه نظراً لأننا قد قمنا بوعي من الأغلبية الشاسعة من النصوص وقررنا أنها جديرة بالثقة، فإننا نستطيع ثم إفتراض أنها تقول الحقيقة متي كنا غير متأكدون من بعض التفاصيل الأخري”.
5- اختبار الانحياز
يحلل هذا الاختبار ما إذا كان لدي كُتَّاب الأناجيل أي تحيزات والتي كانت ستصبغ عملهم. هل كان لديهم أي مصلحة شخصية في تحريف المادة التي كانوا يخبرون عنها؟
أشرت قائلاً “لا يمكننا أن نقلل من تقدير حقيقة أن هؤلاء الأشخاص أحبوا يسوع. إلا أنهم لم يكونوا مراقبين محايدين؛ لقد كانوا أتباعه المكرسين. ألا يدفعهم ذلك لتغيير بعض الأشياء لجعلها تبدو في صورة جيدة؟”
أجاب بلومبيرج “حسنا، سأسلم بهذا إلى حد كبير؛ فإنه يخلق إمكانية حدوث هذا، لكن من الناحية الآخري، يمكن للناس أن يكونوا مكرمين جداً ويحترمون شخص ما حتى يدفعهم ذلك إلى تسجيل حياته بأمانه عظيمة. وتلك هي الطريقة التي كانوا سيظهرون بها محبتهم له، وأنا أعتقد أن ذلك هو ما حدث هنا.
“هذا بالإضافة إلى، أن هؤلاء التلاميذ لم يكن لديهم شيء ليكتسبوه سوى النقد، والنبذ، والاستشهاد. لم يكن بالتأكيد هناك شيء يكسبونه مادياً. وإذا ما كان هناك أي شيء فإن هذا كان سيزود الضغط على السكوت، وإنكار يسوع، والتقليل من شأنه، بل وأيضاً نسيان أنهم قابلوه على الإطلاق، ومع ذلك فبسبب أمانتهم أعلنوا ما رأوه، حتى عندما كان هذا يعني المعاناة والموت”.
6- اختبار التغطية
عندما يشهد الناس على أحداث رأوها، فإنهم سيحاولون غالباً حماية أنفسهم أو آخرين بالتغافل، بطريقة ملائمة، عن ذكر التفاصيل المُحرجة أو الصعبة التفسير. وكنتيجة لهذا، يثير ذلك شكاً حول مصداقية شهادتهم كلها.
لذا سألت بلومبيرج “هل تضمن عمل كُتَّاب الاناجيل أي مادة قد تكون مُحرجة؟ أو عملوا على تغطيتها لجعل مظهرهم لائقاً؟ هل ذكروا أي شيء يمثل إزعاجاً أو صعوبة لهم للتوضيح؟”
فقال “في هذه الخط هناك جزء صغير للغاية واقعي؛ فهناك مجموعة كبيرة من تعاليم يسوع تُدعي الأقوال الصعبة ليسوع. وبعضها يطالب بمطالب أخلاقية مشددة. إذا ما كنت أبتدع ديانة لتناسب مع أهوائي، فعلى الأرجح أنني ما كنت أطالب نفسي بأن أكون كاملاً كأبي السماوي الكامل، أو أعُرّف الزنا ليتضمّن شهوة القلب”.
اعترضت قائلاً” هناك عبارات صعبة التحقيق في الديانات الأخري أيضاً”.
“نعم، ذلك صحيح، لهذا السبب فأن النوع الأكثر إقناعاً للأقوال العسرة هو تلك التي يمكن أن تتصف بالإرباك عندما أرادت الكنيسة تعليمه عن يسوع”.
بدت تلك الإجابة مُبهمة فقلت “أعطني بعض الأمثلة”.
فكر بلومبيرج للحظة ثم قال “على سبيل المثال، يقول مرقس 5:6 بإن يسوع قام بمعجزات قليلة في الناصرة لأن إيمان الناس هناك كان قليلاً، وهو ما يبدو كتحديد لقدرة يسوع. وهناك مثال آخر، في مرقس 32:13 قال يسوع إنه لا يعرف اليوم أو ساعة رجوعه، وهو ما يبدو أنه كتحديد لكلية علمه.
“الآن، في النهاية لم يجد علم اللاهوت مشكلة في هذه التصريحات، لأن بولس نفسه، في فيلبي 2: 5-8، يتحدث عن أن الله في المسيح قد تخلي طوعاً وعمداً عن صفاته الإلهة.
“لكن إذا ما شعرت بحرية في التصرف بشكل غير مسؤول بالتاريخ الإنجيلي، فسيكون أمراً أكثر ملائمة إذا ما حذفت تلك الأقوال عامة، ومن ثم فلست مضطراً للإنزعاج بأمر تفسيرها.
“مثال آخر، معمودية يسوع. مع أنه يمكن تفسير لماذا اعتمد يسوع، الذي بلا خطية، لكن ألا كان من الأسهل تغافل هذا الحدث عامة؟ وكذا الأمر مع صراخ يسوع وهو على الصليب “إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟” كان يمكن أن يكون حذفها لمصلحة الكُتَّاب الشخصية، إذ أنها تُثير الكثير من الأسئلة”.
أضفت قائلاً” بالتأكيد، هناك عدد وفير من المواد المُربكة بشأن التلاميذ”.
قال بلومبيرج “بلا ريب؛ فوجهة نظر مرقس لبطرس غير مفضلة على نحو متناغم إلى حد ما، وهو زعيم الجماعة! تكراراً ما يخطئ التلاميذ فهم يسوع. فيعقوب ويوحنا يريدان أن يكونا عن يمين ويسار يسوع، وكان لزاما أن يعلمهم دروسا قاسية عن القيادة الخادمية بدلا من ذلك. إلا أنه يُظهرهم كفنة نفعية أنانية، السعي الذاتي، وكأناس متبلدين الذكاء في أحيان كثيرة.
“الآن، نحن نعرف بان كُتّاب الإنجيل كانوا إنتقائيون؛ حيث ينتهي إنجيل يوحنا بالقول، على نحو متسم بالغلو إلى حد ما، إن العالم بأكمله لا يستطيع أن يسع لكل المعلومات التي يمكن أن تُكتب عن يسوع. لذلك تركوا بعضه، والذي في حد ذاته ما كان بالضرورة سيتم رؤيته كتزييف للقصة.
“لكن هنا النقطة: فإذا لم يشعروا بحرية في ترك المواد التي من المناسب والمساعد في ذات الوقت، لكان من المعقول جداً الإعتقاد بأنهم أضافوا وإختلقوا كلياً مادة بدون أساس تاريخي؟”
ترك بلومبيرج السؤال معلقاً للحظة قبل أن يختم بثقة “أقول لا”.
7- اختبار التأييد
قدمت هذا الاختبار التالي بسؤال بلومبيرج “عندما تُشير الأناجيل إلى أشخاص، وأماكن، وأحداث، فهل تحققوا من صحتها في الحالات التي يمكن فيها أن يُثبت صحتها بشكل مستقل؟” غالبا ما يكون هذا التأييد ثمين في التقييم إذا كان لدي الكاتب لديه إلتزام بالدقة.
أجاب بلومبيرج “نعم، تحققوا، وكلما اكتشف الناس هذا لمدة أطول، كلما تم تأكيد التفاصيل أكثر. ففي غضون المائة سنة الأخيرة كشف علم الآثار مراراً وتكراراً عن اكتشافات أكدت إشارات محدد في الأناجيل، وبخاصة إنجيل يوحنا، الإنجيل الذي من المفترض انه موضع اشتبها جداً، فيا لها من سخرية للقدر!
“إلا أنه، نعم، ما زالت هناك بعض القضايا عالقة، وكانت هناك مشكلات جديدة قد أوجدها علم الآثار، لكن تلك المشاكل أقلية بالغة مقارنة بعدد أمثلة التأييد.
“بالإضافة إلى أننا يمكن أن نعلم من خلال المصادر غير المسيحية الكثير من الحقائق حول يسوع والتي تؤيد التعاليم الأحداث الرئيسية لحياته. وعندما تتوقف لتفكر في أن المؤرخين القدماء تعاملوا في الغالب مع حكام سياسيين، وأباطرة، وملوك، ومعارك عسكرية، وأُناس دينيين رسميين، وحركات فلسفة هامة، فستلاحظ المقدار الكبير الذي يمكن أن نتعلمه عن يسوع وأتباعه برغم أنهم لا يتناسبون مع أي من تلك الفئات في الوقت الذي كان يكتب فيه هؤلاء المؤرخين”.
كانت تلك إجابة دقيقة ومساعدة. رغم ذلك، ففي حين أنه لم يكن لدي سبب لشك في تقييم بلومبيرج، قررت أنه سيكون من الجدير أن أقوم ببحث أكثر على امتداد هذه الخطوط. التقطت قلمي ودونت سريعاً رسالة تذكير لنفسي على هوامش مذكراتي: احصل على آراء الخبراء من عالم آثار ومؤرخ.
8- اختبار الشاهد المضادّ
يطرح هذه الاختبار سؤال، هل يُقدّم الآخرين ما يناقض أو يُصحح الأناجيل إذا ما كانت مشوهة أو زائفة؟ وبمعني آخر، هل نري أمثلة لمعاصري يسوع يشكون بأن روايات الأناجيل خاطئة تماماً؟
قال بلومبيرج “كان لدي العديد من الناس أسباب متنوعة لتشويه هذه الحركة وكانوا سيفعلون ذلك إذا ما كانوا يستطيعون ببساطة أن يخبروا التاريخ بشكل أفضل”.
“ومع ذلك انظر لما قاله معارضيه. في الكتابات اليهودية فيما يعد يسوع تدّعي بأنه الساحر الذي قاد إسرائيل إلى الضلال، وهي تعترف بأنه حقاً صنع عجائب مذهلة، ولو أن الكتاب يُعارضون مصدر قوته.
“لقد كانت تلك فرصة مثالية لقول شيء مثل “سيخبرونك المسيحيين بأنه صنع معجزات، لكننا هنا لنخبرك بأنه لم يصنع“ ومع ذلك هذا هو الشيء الوحيد الذي لا نري معارضيه يقولونه. لكن بدلاً من ذلك يعترفون بشكل واضح بأن ما كتبته الأناجيل، وأن يسوع صنع معجزات، صحيح”.
سألت قائلاً ” هل كان يمكن لهذه الحركة المسيحية أن تتأصل هناك في أورشليم -في المنطقة التي قام يسوع فيها بمعظم خدمته، وصُلب، ودُفن، وقام- إذا ما كان الذين عرفوه على وعي بأن التلاميذ كانوا يبالغون أو يشوهون الأشياء التي صنعها؟”
فأجاب بلومبيرج ” أنا لا أعتقد ذلك. فلدينا صورة لما كانت عليه حقاً فقد كانت حركة ضعيفة وهشة جداً وكانت عرضة للاضطهاد. وإذا ما كان بإمكان المعارضون أن يهاجموها على أساس أنها مليئة بالأمور الزائفة أو التشويشات فإنهم كانوا سيفعلون ذلك.
إيمان مُدعم بالحقائق
أعترف بأنني كنت مُعجاً بلومبيرج؛ المقنع والعلمي المطلّع واللبق، فقد بني قضية قوية لموثوقية الأناجيل. برهانه على كتابها التقليدية، وتحليله للتاريخ المبكر جدا للاعتقادات الأساسية حول يسوع هو ابن الله الفريد. في الحقيقة، بعد الحديث مع بلومبيرج، أصبحت مهمتي التالية واضحة: تقرير ما إذا كانت هذه الأناجيل- التي رأينا مع بلومبيرج أنها جديرة جداً بالثقة- تمَ تسليمها لنا عبر القرون بشكل موثوق. كيف يمكن لنا أن نتأكد من أن النصوص التي نقرأها اليوم تحمل أي تشابه لما كان مكتوباً في الأساس في القرن الأول؟ والأكثر من ذلك، كيف نعرف أن الأناجيل تخبرنا بكامل قصة يسوع؟
نظرت إلى ساعتي. فإذا ما كانت الشوارع غير مزدحمة، فهذا يعني وصولي للمطار مبكراً في رحلة العودة إلى شيكاغو. وفيما كنت أجمع مذكراتي، وأغلق جهاز التسجيل، طار نظري مُحدقاً مرة أخري إلى رسومات الأطفال على حائط بلومبيرج -وفجأة فكرت فيه للحظة ليس كعالم، ولا كمؤلف، ولا كأستاذ جامعي، بل كأب يجلس على حافة أسرّة بناته في المساء ويتحدث بهدوء معهم عما هو هام حقا في الحياة.
تساءلت عما يخبرهم به عن الكتاب المقدس، وعن الله، وعن يسوع هذا الذي يدعي هذه الادعاءات الخيالية حول نفسه؟
لم أستطع أن أقاوم الخيط الأخير من الأسئلة فسألت “ماذا عن إيمانك؟ كيف أثر كل بحثك على معتقداتك؟”
بالكاد أخرجت الكلمات من فمي قبل أن يجيب “لقد رسخها، بلا شك. أعرف من بحثي أنه يوجد دليل قوي جداً لجدارة روايات الإنجيل.”
ظل صامتا للحظة، ثم استرسل قائلاً” أنت تعرف، إنه شيء ساخر: الكتاب المقدس يعتبر أنه من الجدير بالمدح أن يكون لديك إيمان لا يتطلب برهانا. تذكر كيف أجاب يسوع على شك توما: “أنت تؤمن لأنك تري؛ طويس لمن أمن ولم يري“ وأنا أعرف أن البرهان لا يمكن أبداً أن يجبر أو يكره على الإيمان. فنحن لا يمكننا أن نأخذ مكان ودور الروح القدس، الذي يمثل غالبا اهتماما للمسيحيين عندما يسمعون مناقشات من هذا القبيل.
“لكنني سأخبرك بهذا: هناك الكثير من قصص باحثين في مجال العهد الجديد الذين لم يكونوا مسيحيين، ومع ذلك فمن خلال دراستهم لهذه القضايا أمنوا بالمسيح. وهناك باحثين أكثر بلا عدد، مؤمنين بالفعل، تقوي إيمانهم، وترسخ، زاد تأسيسا، بسبب البرهان، وتلك هي الفئة التي أقع فيها.“
أما بالنسبة لي، فقد كنت في الأساس من الفئة الأولى، لا، ليس باحثاً بل شكاكاً، محطماً للمعتقدات التقليدية، مراسلاً متصلب المشاعر على تحقيق يبحث عن الحقيقة عن يسوع الذي قال إنه الطريق والحق والحياة
أغلقت حقيبتي ووقفت كي أشكر بلومبيرج. لأعود بالطائرة إلى شيكاغو مرضياً لأن، بحثي الروحي اتسم ببداية جيدة.
مشاورات
أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة
* بشكل عام، كيف أثرت ردود بلومبيرج على الاختبارات الثمانية الواضحة على ثقتك بموثوقية الأناجيل.. ولماذا؟
* أي من هذه الإختبارات الثمانية دُرست بشكل أكثر إقناعاً، ولماذا؟
* عندما تعتمد على أشخاص تدلي بتفاصيل مختلفة قليلاً عن نفس الحدث، تشك في مصداقيتهم تلقائياً، أم تُري تحاول إيجاد طريق معقول للتوفيق بين رواياتهم؟ كيف وجدت تحليل لومبيرج المقنع حول للتناقضات الظاهرية بين الأناجيل؟
لمزيد من الأدلة، مصادر أخري حول هذا الموضوع
Archer, Gleason L. The Encyclopedia of Bible Difficulties. Grand
Rapids: Zondervan, 1982. Blomberg Craig. “The Historical Reliability of the New Testament.” In Reasonable Faith, by William Lane Craig 193-231. Westchester
111: Crossway 1994 ______ “Where Do We Start Studying Jesus? »In Jesus under Fire, edited by Mi-chael J. Wilkins and J. P. Moreland, 17-50. Grand Rapids: Zondervan 1995.
Dunn James. The Living ord. Philadelphia: For-tress 1988. Marshall, I. Howard. I Believe in the Historical Jesus. Grand Rapids: Eerdmans 1977.
Handling an Objection: “I love the moral teachings of Jesus but I don’t think He is divine.”
This past week I was doing some outreach on a major college campus. When it came time to talk about the identity of Jesus, I heard two similar responses. Granted, I have heard this objection many, many, times. It goes like this:
“I really like the moral teachings of Jesus, but I don’t think he is divine.”
I could respond to this by using the C.S. Lewis argument that Jesus is either Lord, Lunatic, or Liar. I tend to not use that one a lot. While it still has some value it generally begs the question of the reliability of the New Testament. After all, some skeptics assume the deity of Jesus is a later invention of the Church. As I have noted elsewhere, this is incorrect. The Christology is Jesus was at the very start of the formation of the early Jesus movement.
Jesus is the Message
Anyway, how do I respond to this? First, since the person already admires the teachings of Jesus, I point to the blind spot in their thinking. First, it is not the moral teachings of Jesus that is the message. Rather, Jesus is the message!
Probably the most pertinent examples of how Jesus in the message is in the Gospel of John where we see the “I AM” (Gk. ego eimi,) statements. I am well aware that all these passages need to be studied in context. But we see clearly that Jesus is emphasizing He is the message. For example:
Then Jesus declared, “I am the bread of life. He who comes to me will never go hungry, and he who believes in me will never be thirsty. (John 6:35)
When Jesus spoke again to the people, he said, “I am the light of the world. Whoever follows me will never walk in darkness, but will have the light of life.” (John 8:12)
I am the gate; whoever enters through me will be saved. He will come in and go out, and find pasture. (John 10:9)
“I am the good shepherd. The good shepherd lays down his life for the sheep.” (John 10:11)
Jesus said to her, “I am the resurrection and the life. He who believes in me will live, even though he dies; and whoever lives and believes in me will never die.” (John 11:25-26)
Jesus answered, “I am the way and the truth and the life. No one comes to the Father except through me.” (John 14:6)
“I am the vine; you are the branches. If a man remains in me and I in him, he will bear much fruit; apart from me you can do nothing.” (John 15:5)
From a tactical perspective, when people say they only like the teachings of Jesus, it can allow you the opportunity to share these passages from John and ask them if they might rethink their position.
Why Was Jesus Crucified?
Second, I ask the person is why was Jesus crucified? One issue that can tend to be overlooked is that we can minimize the issue of blasphemy in a Jewish setting. by the way, none of the above figures were accused of blasphemy. According to Jewish law, the claim to be the Messiah was not a criminal, nor capital offense. Therefore, the claim to be the Messiah was not even a blasphemous claim. (1)
If this is true, why was Jesus accused of blasphemy? According to Mark 14:62, Jesus affirmed the chief priests question that He is the Messiah, the Son of God, and the Coming Son of Man who would judge the world. This was considered a claim for deity since the eschatological authority of judgment was for God alone. Jesus provoked the indignation of his opponents because of His application of Daniel 7:13 and Psalm 110:1 to himself.
Also, many parables, which are universally acknowledged by critical scholars to be authentic to the historical Jesus, show that Jesus believed himself to be able to forgive sins against God (Matt. 9:2; Mark 2: 1-12). Forgiving sins was something that was designated for God alone (Exod. 34: 6-7; Neh.9:17; Dan. 9:9) and it was something that was done only in the Temple along with the proper sacrifice. So it can be seen that Jesus acts as if He is the Temple in person. In Mark 14:58, it says, “We heard him say, ‘I will destroy this man-made temple and in three days will build another, not made by man.’ The Jewish leadership knew that God was the one who was responsible for building the temple (Ex. 15:17; 1 En. 90:28-29).(2)
Also, God is the only one that is permitted to announce and threaten the destruction of the temple (Jer. 7:12-13; 26:4-6, 9;1 En.90:28-29). (3) It is also evident that one reasons Jesus was accused of blasphemy was because He usurped God’s authority by making himself to actually be God (Jn. 10:33, 36). Not only was this considered by the Jews to be blasphemous, it was worthy of the death penalty (Matt. 26:63-66; Mk. 14:61-65; Lk. 22:66-71; Jn. 10:31-39; 19:7)
As the late Martin Hengal said:
“Jesus’ claim to authority goes far beyond anything that can be adduced as prophetic prototypes or parallels from the field of the Old Testament and from the New Testament period. [Jesus] remains in the last resort incommensurable, and so basically confounds every attempt to fit him into categories suggested by the phenomenology of sociology of religion.” (4)
Remember that there was a Jewish leader named Bar Kohba who made an open proclamation to be the real Messiah who would take over Rome and enable the Jewish people to regain their self-rule (A.D. 132-135). Even a prominent rabbi called Rabbi Akiba affirmed him as the Messiah. Unfortunately, the revolt led by Bar Kohba failed and as a result and both he and Rabbi Akiba were slain. And remember, Bar Kohba was not accused of blasphemy. He never claimed to have the authority to forgive sins or claim to be the Son of Man (as referring to Daniel 7).
Conclusion
In the end, I think the reason some people like the moral teachings of Jesus and avoid the divinity issue is an issue of autonomy. A non- divine Jesus is really not very threatening and doesn’t ask much of us.
Sources:
1. See Darrell L. Bock. Blasphemy and Exaltation in Judaism: The Charge Against Jesus in Mark 14:53-65. Grand Rapids, MI: Baker Books, 1998. 2. William Lane Craig. Reasonable Faith: Third Edition. Wheaton, Illinois: Crossway Books, 2008, 307. 3. Martin Hengel, The Charismatic Leader and His Followers. New York: Crossroad, 1981. 68-69; Cited in Edwards, 96. 4. Jacob Immanuel Schochet. Mashiach: The Principle of Mashiach and the Messianic Era in Jewish Law and Tradition. New York: S.I.E. 1992, 93-101. 5. Ibid.
Braude, William G. The Midrash on Psalms. Two Volumes. New Haven: Yale University Press, 1959.
Braude, William G. and Israel J. Kapstein. Pəsiqtâ də-Raḇ Kahănâ. 2nd ed., Philadelphia: Jewish Publication Society of America, 1978.
Danby, Herbert, D.D. The Mishnah. Oxford: Oxford University Press, 1933; reprint, Thetford, Norfolk: Lowe and Brydone Printers Limited, 1980.
Epstein, Rabbi Dr. I., ed. The Babylonian Talmud. 4th ed., London: The Soncino Press, 1978.
Freedman, Rabbi Dr. H., B.A., Ph.D. Midrash Rabbah. trans. by Rabbi Dr. H. Freedman B.A., Ph.D. and Maurice Simon, M.A., 3rd ed., New York: The Soncino Press, 1983.
Hammer, Reuven. Sifre A Tannaitic Commentary on the Book of Deuteronomy. New Haven: Yale University Press, 1986.
Klausner, Joseph, Ph.D. The Messianic Idea in Israel. trans. by W. F. Stinespring, Ph.D., New York: The Macmillan Company, 1955.
Landman, Leo. Messianism in the Talmudic Era. New York: KTAV Publishing House, Inc., 1979.
Levertoff, Rev. Paul P. Midrash Sifre on Numbers. London: The Macmillan Co., 1926.
Levey, Samson H. The Messiah: An Aramaic Interpretation The Messianic Exegesis of the Targum. Cincinnati: Hebrew Union College Press, 1974.
Neusner, Jacob Messiah in Context. Philadelphia: Fortress Press, 1984.
Visotzky, Burton L. The Midrash on Proverbs. New Haven: Yale University Press, 1992.
Introduction
Rabbinic Messiah is a collection of traditional Jewish Messianic belief quotes, as proclamated by the Rabbis down through the centuries. The quotes are taken from the most commonly used Jewish literature resources. These Messianic belief statements are arranged in canonical order, i.e. according to the traditional Canon of the Christian Bible. Since this is simply a collection of the quotes themselves with very little commentary by the author (only where he felt it was needed), this work then can be a helpful reference tool that can be useful to both Jewish and Christian scholars alike.
The author intends to add additional references in the future. He also hopes to compile a summarized portrait of the Jewish Messiah and the Messianic Era by gathering these texts into a unified picture.
I trust that you will find this tool a help in your Bible and Messianic studies.
مناظرة وليم لان كريج مع سام هاريس: اللاهوت الأخلاقي للإيمان
مناظرة وليم لان كريج مع سام هاريس: اللاهوت الأخلاقي للإيمان
أولاً: تقدم الايمانية (الايمان بالله) أساساً متيناً للأخلاق والقيم الموضوعية , حيث تتصل القيم الاخلاقية بما هو [صواب] وبما هو [خطأ] , فبالنسبة لوجهة النظر عند المؤمنين فإن الاخلاقيات أرضيتها وأساسها هو الله . كما يرى القديس انسلم (Anselm) أن الله بحسب التعريف هو أعظم كائن يمكن تخيّله وبالتالي هو الخير الأعظم وفي الواقع هو ليس مجرد كامل أخلاقياً بل هو النقطة الرئيسة والنموذج (المثالي) للقيم الأخلاقية . فطبيعة الله كاملة القداسة والمحبة تعطينا معياراً مطلقاً بحيث أنّ كل الأفعال تُقاس عليه . فهو بحسب طبيعته مُحب, مُعطي ,أمين ,حنون …الخ ,فإذاً إذا كان الله موجوداً , فإن الاخلاق والقيم الموضوعية موجودة , وبشكل مستقل عن الانسان البشري
ثانياً: توفر الايمانية (الايمان بالله) [أرضية وأساس] ثابت لهذه الاخلاق الموضوعية , فمن وجهة نظر المؤمن فإن هذه الاخلاق الموضوعية قد أعطاها الله لنا من خلال شريعته ووصاياه . فطبيعة الله الاخلاقية يُعبًّر عن علاقتها بنا من خلال شريعة الله والتي تحكم وتُشكل ضوابطنا وأخلاقياتنا , بل إنّ هذه الاوامر الالهية يجب أن تكون متناسقة مع طبيعته القدوسة والمُحبة, فإذن أخلاقنا تُشكل من خلال شريعة الله والتي بدورها تعكس شخصيته الجوهريّة , إنّ الله في اليهودية والمسيحية , يلخص شريعته في نقطتين أساسيتين وهما [تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك هذه هي الوصية الأولى والعظمى والثانية مثلها: تحب قريبك كنفسك] (متى 22:37-39) وعلى هذا الاساس يمكننا أن نقرر ~صواب~ [المحبة ] [والسخاء] [والتضحية] وعلى قدم المساواة فإننا نشجب [الأنانية] [والكراهية] , [والإساءة] ,[والتمييز] [والإضطهاد ]على أنها موضوعياً ~خاطئة~
لنضع أولاً في عين الإعتبار السؤال في موضوعية الأخلاق , إذا لم يكنْ اللهُ موجوداً , فأي أساس يبقى لوجود الأخلاق والقيم الموضوعية ؟ وبالتحديد ,لماذا نعتقد أنّ الإنسان يتمتع بموروث أخلاقي موضوعي؟ فعلى الجانب الإلحادي البشرية هي مجرد نتاج عرضي غير مقصود من الطبيعة تطورت نسبياً في بقعة كالغبار متناهية الصغر , ومحكوم عليها بالهلاك أفراداً وجماعات في وقت قصير نسبياً , وبحسب الإلحاد فإنه يصعب رؤية أيّ سبب بأنّ الإنسان هو جيد وخيّر موضوعياً ,فلن يختلف كثيراً عن حشرة أو جرذ أو حيوان متوحش ! هذا ما يسميه الدكتور هاريس[ملحد] بمشكلة القيم !
والهدف من كتابه (الدكتور هاريس) هو تفسير [أساس] الاخلاق الموضوعية على الجانب الإلحادي ,فهو يرفض بصراحة الرؤية للأخلاق كأفلاطون على أنها أشياء توجد مستقلة عن العالم, لذا فإن ملاذه الوحيد هو محاولة وضع أرضية متينة للقيم الأخلاقية ويفسرها بالطبيعة (natural world)
ولكن كيف نستطيع فعل ذلك , والطبيعة في حد ذاتها محايدة أخلاقيا ً؟
ومن وجهة النظر الطبيعيّة (naturalistic) هي مجرد تصرفات ثانوية تنتج من التطور البيولوجي . يقول فيلسوف العلوم مايكل روس:” موقف التطوريين الحديثين هو أنّ الإنسان لديه وعي وحس أخلاقي …لأن مثل هذا الوعي له فائدة بيولوجية ,الإخلاق هو مجرد تكيف بيولوجي ,لا يختلف كثيراً عن أيدينا أو أقدامنا…الأخلاق هي وسيلة للتكاثر والصراع من أجل البقاء وأي معنى عميق هو مجرد وهم “
إذا لم يكن هناك إله , بالتالي إن أي سبب بالنسبة لموضوع الأخلاقيات التي تطورت من خلال الإنسان العاقل على هذا الكوكب كأخلاقيات يحكم بصوابها موضوعيا لا يجدي نفعاً أخرج الله من الصورة , وكل ما سيتبقى لديك كائن شبيه بالقردة على بقعة صغيرة من الغبار (الارض) مع أوهام عظمة الأخلاق ! تقدير ريتشارد داوكنز للقيم الانسانية قد يكون محبطاً بعض الشيء , ولكن على الجانب الالحادي هل هو مخطئ ؟,حيث يقول‘‘ففي نهاية الامر , لايوجد تصميم , ولا هدف ,لاخير ,ولا شر ,لاشيء , فقط لامبالاة من دون أي هدف ….نحن مجرد الآلات لتناقل المادة الوراثية ….. انه السبب الوحيد لوجود كل كائن حي ‘‘ سؤال اخر: هل الإلحادية توفر أساساً منطقيا جيدا للأخلاق ؟ المسؤوليات المرتبطة بالمفروض علينا والممنوع عنا أخلاقياً, ما الذي يجب أو لا يجب علينا فعله وهنا لم يرحم النقاد كتاب الدكتور هاريس في قصف محاولته لتوفير بنية تحتية على أساس طبيعي (naturalistic) للأخلاق الموضوعية , حيث تظهر مشكلتان : أولاً: أنّ العلوم الطبيعية تخبرنا بما هو (موجود) وليس ما يجب أن يكون , فالقضية كما وصفها الفيلسوف جيري فودور ‘‘العلوم تدور حول الحقائق, لا المبادئ, فهي تخبرنا كيف نكون , وليس ماهو الصحيح وماهو الخاطئ بكيفية كوننا ‘‘, وبالتحديد هي لا تستطيع إخبارنا بالمسؤوليات الأخلاقية لنقوم بالأفعال التي تقودنا إلى ازدهار البشرية فإذا إذا لم يكن هناك إله, فأي أساس يبقى لهذه الأخلاقيات الموضوعية ؟, فعلى الجانب الطبيعي , الإنسان هو مجرد حيوان , والحيوانات لا تمتلك أي مسؤولية أخلاقية ,فمثلاً عندما يقوم أسد بقتل الحمار الوحشي , فإنه يقتله , ولكنه يقوم [بجريمة] قتل ,وأيضا عندما يقوم قرش ابيض عملاق بوحشية بالتزاوج مع الأنثى , فإنه يقوم بالتزاوج ولا يقوم باغتصابها ,فلا يوجد أبعاد أخلاقية لهذه الأفعال فإذا إذا لم يوجد إله , لماذا نعتقد أننا نمتلك هذه الواجبات الأخلاقية لفعل أي شيء؟ من أو ما هو الشيء الذي يفرض علينا هذه الأخلاقيات؟ من أين تأتي ؟ فإنه من الصعب رؤية لماذا لا تكون مجرد انطباعات شخصية متأصلة من خلال الأوضاع والظروف في المجتمع والأهل المشكلة الثانية:”ما يجب” تعني “تستطيع”,فأي شخص ليس مسئولا بشكل أخلاقي عن أي فعل هو لا يستطيع أن يتجنبه .فعلى سبيل المثال: إذا قام أحد بدفعك على شخص آخر, فأنت لست مسئولا عن اهتزازه ,لم تملك الخيار , ولكن سام هاريس يؤمن بأن كل أفعالنا مسببة بشكل مسبق (causally determined) وانه لا يوجد لدينا أي حرية إرادة , فهو لا يرفض فقط حرية الإرادة الكاملة(libertarian) بل وأيضا حرية الإرادة المتناسقة ولكن إذا لم يكن هناك حرية إرادة ,فإذا لا يوجد هناك أي مسؤولية أخلاقية لأي شيء !, ففي النهاية ,الدكتور هاريس يعترف بهذا بالرغم من أنها موجودة في الملاحظات في اخر كتابه, المسؤولية الأخلاقية كما يقول هاريس هي ‘‘بناء اجتماعي‘‘ وليس حقيقة موضوعية واقتبس من كلامه‘‘ في علم الاعصاب ,لايوجد شخص أكثر أو أٌقل مسؤولية من الآخر, للأفعال التي يقوم بها ‘‘ فالحتمية (determinism) التي ينادي بها لا تبقي أي أمل أو أي إمكانية للأخلاق الموضوعية ,وذلك بسبب أنه من وجهة نظره , لا يوجد لدينا أي إرادة للتحكم في أفعالنا
[يتبع….]
________ William lane craig ,Debate with sam harris,[ is the foundation of Morality natural or supernatural?]