منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

تُعنى الدفاعيات بإقناع الناس بأن المسيحية تخلق للحياة معنى، حتى إن “سي.إس.لويس” الذي قد يُعتبر أعظم مدافع مسيحي في القرن العشرين يصف قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للأشياء بفصاحة بليغة وبإيجاز قاطع قائلاً: “إني أؤمن بالمسيحية كما أؤمن بأن الشمس قد أشرقت، لا لأني أراها فحسب، ولكن لأني أرى كل الأشياء الأخرى بواستطها.”[1] وما يقوله “لويس” أساسي في الدفاعيات المسيحية: فالمسيحية لها معنى في حد ذاتها وهي قادرة على إضفاء المعنى على سائر الأشياء أيضًا.

ويعرض “لويس” في كل أعماله، حتى الخالي منها، نظرة المسيحية للأمور باعتبارها نظرة منطقية، ومقنعة، ومتصلة بحياة البشر. فما أن ننظر للعالم من منظار مسيحي حتى يتضح قصور وجهات النظر الأخرى. وقد أشار أحد زملاء “لويس” في جامعة أكسفورد، وهو اللاهوتي وأستاذ العهد الجديد “أوستين فارِر” Austin Farrer   إلي أن تفوق “لويس” في الدفاعيات يرجع إلى قدرته على إظهار الإيمان بالله منطقي وطبيعي.

لم تكمن قوة “لويس” الحقيقية في البرهان، بل في التصوير. فقد سكن في كتاباته عالَمٌ مسيحي يمكن للقارئ أن يفكر فيه ويشعر به. وكان يشعر في هذا العالم بارتياح تام، وقد تمكن من نقل الشعور ذاته لقرائه. كان يقدم القضايا الأخلاقية بمنتهى الوضوح ويبين ارتباطها بالإرادة الإلهية، وعندما يتمكن المرء من رؤيتها على هذا النحو، لا يمكنه أن يراها غير ذلك أبدًا.[2]

يُعتبر الاتساع الفكري الذي يتميز به الإيمان المسيحي من أعظم نقاط قوته، ويمكن استخدامه بكل قوة في الدفاعيات كما سنرى في هذا الفصل. وعندما اقول إن المسيحية قادرة على خلق معنى أعمق للواقع أكثر من غيرها لا أقصد أن وجهات النظر الأخرى غير منطقية.

فمعظم أشكال الإلحاد مثلاً لها منطقها الذي يفترض بعض الملحدين مثل “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins  وكذلك “كرستوفر هيتشنز” Christopher Hitchens  أنه الشكل الوحيد للعقلانية، وهو افتراض طفولي ساذج. إلا أن المسيحية تتفوق على غيرها من حيث قدرتها على إضفاء معنى أكثر عمقًا ومنطقية على الأمور، كما يرى معظم المدافعين.

والروائي الإنجليزي “إفيلين وُه” Evelyn Waugh  (1903-1966) الذي اشتهر بروايته ” العودة إلى برايدزهد” Brideshead Revisited  (1945) يشير إلى نقطة مشابهة. فبعد أن آمن بالمسيحية سنة 1930 كتب لأحد أصدقائه يشرح له كيف مَكًنه إيمانه الجديد من رؤية الأشياء بوضوح لأول مرة.

الاهتداء إلى الإيمان  يشبه الخروج من عالم “أليس في بلاد العجائب”، حيث يبدو كل شيء كاريكاتيريًا وعبثيًا، والدخول إلى العالم الحقيقي الذي صنعه الله، ثم تبدأ بعد ذلك رحلةٌ بهيجة لا نهائية لاستكشاف هذا العالم.[3]

فقبل الإيمان لم يرَ “وُه” إلا عالمًا مشوهًا وهميًا، ولكنه بعد إيمانه رأى الأمور على حقيقتها. وبدأ رحلة اكتشاف هذا العالم الجديد تملؤه مشاعر الحماس والدهشة والإثارة كما يتضح من كتاباته بعد الإيمان.

فكيف نفهم منطقية الإيمان؟ يمكن توضح منطقية الإيمان المسيحي بطريقتين مختلفتين، ولكنهما تكملان بعضهما البعض:

  1. بإظهار القاعدة القوية من الحجج والأدلة المؤيِّدة للعقائد الجوهرية في المسيحية: يتضمن هذا المنهج بناء حجج عقلانية تثبت وجود الله، أو حجج تاريخية تثبت قيامة يسوع الناصري. في هذا المنهج يتم الدفاع بشكل مباشر عن مصداقية العناصر الأساسية للأمان المسيحي.
  2. بإظهار أنه إذا كان الإيمان المسيحي صحيحًا، فهو يخلق للواقع معنى أعمق وأكثر منطقية من البدائل الأخرى: تتفوق المسيحية على البدائل الاخرى من حيث توافقها مع ملاحظاتنا وخبرتنا على نحو أكثر منطقية. وهي بذلك تشبه اختبار النظريات العلمية للتأكد من اتساقها مع الملاحظات أو قدرتها على تفسير هذه الملاحظات.

هذان المنهجان لا يلغي أحدهما الآخر، بل يمكن استخدامها معًا في الدفاعيات. سنتناول الآن بعض الأفكار والخطوط المنهجية التي تمثل قيمة محورية في الدفاعيات بوصفها أداة تُظهر لثقافتنا ما يتميز به الإيمان المسيحي من عقلانية ومنطقية.

وسنبدأ دراستنا بالنظر إلى طبيعة الإيمان.
طبيعة الإيمان:

أدى صعود تيار”الإلحاد الجديد” سنة 2006 إلى خلق اهتمام جديد بطبيعة الإيمان، وأصبح السؤال المطروح: لماذا نؤمن بالله إن كنا لا نستطيع إثبات هذا الإيمان بيقين مطلق؟ ومن أشد انتقادات الإلحاد الجديد وأكثرها شيوعًا هو القول بأن “الإمان بالله غير منطقي”، حتى إن “ريتشارد دوكينز”، ذلك الملحد الذي يعتمد أسلوب المواجهات في دعم قضاياه ، يرى أن الإيمان هروب من الأدلة بدفن الرؤوس في الرمال، ورفض التفكير.

وبالرغم من أن الكثير من المراقبين الإعلاميين أظهروا نوعًا من القبول لهذه الانتقادات في بادئ الأمر، فقد أظهر الفحص الدقيق مدى ضحالتها، لأن هذا الإلحاد الجديد نفسه له معتقداته وتعاليمه غير المثبَتة، وغير القابلة للإثبات، مثل غيره من الأفكار.

يقول نقاد حركة التنوير من الفلاسفة، مثل “ألاسدير ماكينتاير” Alasdair Maclntyre  أو “جون جري” John Gray  إن محاولة حركة التنوير أن تضع أساسًا ومعيارًا واحدًا وشاملاً للمعرفة قد ضعُف حتى انهار تمامًا تحت وطأة كمية ضخمة من الأدلة المضادة.[4] فالنظرة القائلة بوجود عقل وحيد شامل لا يمكن الدفاع عنها ولا يمكن تحقيقها. وذلك، لأننا باعتبارنا بشرًا محدودين ليس أمامنا خيار سوى أن ندرك أننا لابد أن نعيش في غياب بعض الحقائق العقلانية الصرفة، الواضحة، المطلقة التي لا تتحمل أي لبس.

فمؤكد طبعًا أنه علينا أن نضع معايير تثبت صحة معتقداتنا، وعلينا أن ندافع عن هذه المعايير، ولكننا في الوقت نفسه لابد أن ندرك أن تلك المعتقدات قد تستعصي على الإثبات. إلا أنها، على حد التعبير الذي أطلقه “وليم جيمز” William James  أحد علماء النفس بجامعة “هارفارد” Harvard ، وتُفهم على أنها “فرضيات مقبولة” ” Working hypotheses”.[5]

وسوف أضرب مثالاً لتوضيح هذه النقطة. بعض العبارات الأخلاقية مثل “الاغتصاب فعل خاطئ” لا يمكن إثباتها لا بالمنطق ولا بالعِلم، وهو ما ينطبق على بعض العبارات السياسية أيضًا، مثل “الديمقراطية أفضل من الفاشية.” ولكن هذا لا يمنعنا من الإيمان بهذه المعتقدات السياسية والأخلاقية والتصرف وفقًا لها. ولا يقتصر ذلك على الأخلاقيات الشخصية والآراء السياسية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المعتقدات الاجتماعية، وأهمها العدالة. فما من أمة أو مجتمع يمكنه أن يبقى على قيد الحياة دون أن يكون عنده مفهوم للعدالة. ومع ذلك، لا يمكننا أن نثبت بالمنطق البشري المحض صحة مفهوم بعينه من مفاهيم العدالة.

ومؤخرًا أكد “مايكل ساندل” Michael Sandel  أستاذ الحكومة في جامعة “هارفارد” أن أي فكرة للعدالة تقوم على مفهوم ما للحياة الطيبة بما يتضمنه من شبكة معتقدات عن الطبيعة البشرية وقيمها وغرضها.[6] وقد أشار إلى أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، وهو محق في ذلك. صحيح أن بعض مفكري عصر التنوير، تلك الفترة العظيمة في الثقافة الغربية التي قالت بالمرجعية العليا للعقل البشري، آمنوا بأن العقل قادر على تقديم إجابات قاطعة لهذه الأسئلة.

فلا يمكن العثور على إجابات ذات معنى للأسئلة المتعلقة بالعدالة دون الاعتماد على معتقدات لا يمكن إثباتها بشكل نهائي. وقد تلاشى حلم التنوير بتأسيس العدالة على المنطق البحت، لأن فكرة “المنطق الخالص” هي فكرة خيالية، لأن مفاهيم العقلانية تتشكل وفقًا للبيئة الثقافية، كما أشار “ستيفن تولمين” Stephen Toulmin  في ملاحظة صائبة قائلاً:

إن ممارسة الحكم العقلاني في حد ذاتها تتم في إطار معين وتعتمد عليه في الأساس، والحجج التي نواجهها توجد في زمان معين وفي طروف معينة، وعندما نُقَيٍّمها لابد أن نحكم عليها في ظل هذه الخلفية.[7]

يبدو أن الكثير من مفكري التنوير نجوا من هذه الحقيقة التي تقوض بناءهم الفكري، وذلك بفضل محدودياتهم الأكاديمية التي كانت شديدة الارتباط آنذاك بالتقليد الغربي الكلاسيكي، ولكن هذا الوهم قد تلاشى، حتى إن “ألاسدير ماكينتاير” يختم تحليله العبقري للتناول العقلاني لكلٍّ من المعرفة والأخلاق بأن التنوع الكبير في طريق التناول “العقلاني” للعدالة والأخلاق لابد أن يؤادي للاستنتاج بأن “الإرث الذي خَلَّفته حركة التنوير هو نموذج مثالي للتفسير العقلاني الذي ثبتت استحالة تحقيقه.”[8]

فالعقل يعد بالكثير ولكنه يعجز عن الوفاء بكل ما يعد به.

ويمكننا في هذا الصدد أن نسوق الكثير من الأمثلة التي تصل جميعها إلى الاستنتاج ذاته الذي أشار إليه منذ عدة سنوات فيلسوف أكسفورد العظيم والمؤرخ الفذ السير “أيزيا برلين”” Sir Isaiah Berlin  (1909 – 1997 ) عندما قال بأن القناعات البشرية يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات:

  1. قناعات يمكن إثباتها بالملاحظة التجريبية.
  2. قناعات يمكن إثباتها بالاستنباط المنطقي.
  3. قناعات لا يمكن إثباتها بأي من الطريقتين السابقتين.[9]

تتمثل الفئتان الأولى والثانية فيما يمكن التحقق منه بالعلوم الطبيعية، وما يمكن إثباته بالمنطق والرياضيات. وبذالك، ينحصر”البرهان” في نوعية محدودة من العبارات التقريرية، مثل:
2+2= 4
الكل أكبر من الجزء.
التركيبة الكيميائية للماء هي H₂O.

العبارة الأولى والعبارة الثانية يمكن إثباتهما منطقيًا، والأخيرة يمكن إثباتهما علميًا. أما الفئة الثالثة فهي التي تضم القيم والأفكار التي تشكل الثقافة البشرية وتُعَرِّف الوجود الإنساني، أي أنها المعتقدات التي تعطي للحياة الإنسانية سببًا، واتجاهًا، وغرضًا، ولا يمكن إثباتها بالمنطق أو العلم.

ما الذي يندرج تحت هذه الفئة؟ سنة 1948 أكدت الأمم المتحدة “إيمانـ]ها[ بحقوق الإنسان الأساسية.” ورغم أهمية هذا المعتقد، فبنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يمكن إثباتها منطقيًا ولا علميًا، كما لا يمكن إثبات الاعتقاد بأن الظلم شر أو أن الاغتصاب خطأ. فهذه أمور مستحيلة الإثبات. ومع ذلك يتخذ الناس منها عملاً لهم طيلة حياتهم انطلاقًا من اعتقادهم بأنها، أولاً صحيحة، وثانيًا مهمة.

وقد أشار الناقد الأدبي البريطاني “تِري إيجلتون” Terry Eagleton  في نقد قوي لكتاب “وهم الإله” the God Delusion  لمؤلفه “ريتشارد دوكينز” قائلاً: “إننا نؤمن بالكثير من المعتقدات التي ليس لها مبرر عقلاني يفوق مستوى الشبهات، ومع ذلك هذه المعتقدات منطقية إلى الدرجة التي تجبرنا على أخذها بعين الاعتبار.”[10] والإيمان بالله واحد من هذه المعتقدات.

وقد أكد الفيلسوف “ألفين بلانتيجا” Alvin Plabtinga  هذه النقطة منذ سنوات بالإشارة إلى مشكلة دائمة وهي مشكلة “العقول الأخرى”[11] التي تقول بأنه لا يمكنك أن تبرهن برهانًا مطلقًا على أن اللآخرين عندهم عقول. ومع ذلك لم يشغل أحد نفسه بهذا الأمر، لأنه افتراض مقبول ويتفق مع طبيعة الأمور. ثم يقول “بلانتينجا” بوجود توازٍ بين إثبات وجود “عقول أخرى” وإثبات وجود الله.

ويستطرد قائلاً إنه لا يمكن إثبات أي منهما، ويمكن تقديم حججٍ قوية ضد كلٍّ منهما، ولكن مؤيدي هاتين النظرتين يرون أنهما منطقيتان جدًا.

إن “ريتشارد رورتي” Richard Rorty  (1931- 2007 ) الذي قد يُعتبر أعظم فيلسوف أمريكي في القرن العشرين عرض نقطة مشابهة في خطابه الرئاسي أمام “الجمعية الفلسفية الأمريكية” American Philosophical Society  منذ عدة سنوات أشار إلى أنه

إذا كان أي شخص يؤمن بالفعل أن قيمة أي نظرية تتوقف على أساسها الفلسفي، عندئذٍ لابد أن يشك في أشياء مثل الفيزياء والديمقراطية إلى أن نتغلب على نسبية النظريات الفلسفية، ونجعل منها نظريات مطلقة. ولكن من حسن الحظ أنه ما من أحد يؤمن بشيء كهذا.[12]

ماذا يقصد “رورتي” بهذا الكلام؟ يقصد أننا يمكن أن نؤمن بالمفاهيم الجوهرية في عصرنا دون أن يتوفر لدينا إثبات مطلق.

إن الكل يؤمن منطقيًا بصحة معتقدات معينة رغم إدراكه أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، بالمعنى الضيق لكلمة إثبات. ألا أن نقاد العقائد الدينية غالبًا ما يرجحون أن “الإيمان” نوع من المرض العقلي لا يصيب إلا المتدينين. ولكن هذا خطأ لأن الإيمان جزء من إنسانيتنا.

وقد عبَّرت الفيلسوفة “جوليا كريستفا”  Julia Kristeva عن ذلك مؤخرًا بالقول: “سواءً أكنت أنتمي إلى دين، أو كنت لاأدرية، أو ملحدة، فعندما أقول “أنا أؤمن” فهذا يعني أني أقول “أنا أعتبر ]ما أؤمن به [ صحيحًا.”[13] فالإيمان بالله، وبالعدالة، وبحقوق الإنسان تعاني جميعًا من هذه المشكلة المزعومة، وهذه ليست إلا ثلاثة أمثلة، ولكن القائمة تطول.

وعادةً ما يعجز الكُتاب الملحدون عن أن يأخذوا في الاعتبار محدودية العقل البشري، ويرون أن قناعتهم تتميز بالصلابة والمصداقية والقدرة على التحدي. وهم يقولون إنهم لا يؤمنون بأي شئ، ويقتصرون على ما هو صواب، حتى إن المدافع الملحد “كريستوفر هيتشنز” أعلن بكل جرأة أن الملحدين الجدد من أمثاله لا يأخذون العقائد في حسبانهم قائلاً إن “عقيدتنا هي اللاعقيدة.”[14]

هذا خطأ، وأخشى أن “هيتشنز” يضلل نفسه، لأنه يتضح أن تحليله للدين يقوم على معتقدات جوهرية معينة لا يمكن إثباتها، حيث إن نقده العنيف للدين يقوم على قيم أخلاقية معينة (كما في القول بأن “الدين شر” أو ” الله غير صالح” لا يمكن إثباتها، وهو ما يمثل في النهاية نوعًا من التسليم القائم على مجرد  شعور بالثقة في في صحة هذه الأفكار. ومادام تقييم “هيتشنز” للدين أخلاقيًا في المقام الأول، فهو مجبر على افتراض قيم أخلاقية معينة لا يمكنه إثباتها. وكل القيم الأخلاقية تقوم في النهاية على معتقدات.

ونقد”هيتشنز” للمسيحية يقوم في نهاية الأمر على معتقداته ويُعبر عنها، أي أنه يقوم على ما يعتقد أنه صواب ويفترض أن أناسًا أخرين يعتقدون أنه صواب، ولكنه لا يستطيع إثباته فعليًا لا بالمنطق ولا بالعلم.

إلا أن مفهوم الإيمان في المسيحية أعمق بكثير من مجرد الاعتقاد بصحة بعض الأفكار. لأن الإيمان عند المسيحيين ليس معرفيًا (“أنا أعتقد أنا هذا صواب”) فحسب، ولكنه في الوقت نفسه يحمل بعدًا علاقتيًا ووجوديًا (“أنا اثق في هذا الشخص”). فالأمر لا يتوقف عند الاعتقاد بوجود الله، بل يمتد إلى أكتشاف حكمة هذا الإله ومحبته وصلاحه، مما ينتج عنه قرار إرادي بتسليم الحياة لهذا الإله. وهو ما عبَّر عنه “سي.إس.لويس” عندما قال إنك لا تواجه “حجة تطالبك بأن توافق عليها، بل شخصًا يطالبك بأن تثق فيه.”[15]

ولذا، فالإيمان يعني الثقة في شخص، وليس مجرد الاعتقاد في وجوده. وقد أشار الكاتب الدنماركي “سورن كيركجارد” Soren Kierkegaard  (1813 – 1855) إلى هذه الفكرة عندما أكد أن الايمان الحقيقي بالله هو “قفزة نوعية” من وجود إلى وجود مختلف. فالايمان المسيحي ليس مجرد إضافة بند الايمان بالله لما نختزنه من أفكار عن العالم. ولكنه يعني إدراك واعتناق “النظام الوجودي” mode of existence” ” الجديد الذي تتيحه هذه الثقة.

وتجدر الإشارة إلى أن الفيلسوف النمساوي “لودفيج فيتجنشتاين” Ludwig Wittgenstein  الذي يُعتبر عند الأغلبية من عباقرة القرن العشرين العظماء، كان يعاني من شكوك مضنية في فكرة “إثبات” وجود الله. وقد صرح بأنه لم يلتقِ بشخص واحد آمن بالله نتيجةً للحجة العقلية!

وقد تنبأ “جوناثان إدواردز” Jonathan Edwards  (1703- 1785 ) عالمِ اللاهوت البيوريتاني الأمريكي العظيم بهذا الموضوع في كتاباته حيث رأى أن الحجة العقلية لها قيمتها وأهميتها في الدفاعيات المسيحية، ولكنها قد تؤدي إلى مجرد الايمان بوجود الله دون أي تأثير يغير الحياة. وكما يشير ” إدوردز”، البعض “يخضع لحق الديانة المسيحية بناءً على البراهين أو الحجج العقلية التي تثبت صحته.”[16] إلا أن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الحياة أو “الإيمان الحقيقي.”

وما يقصده “إدواردز” أن الشخص قد يؤمن بوجود إله دون أن يؤمن بهذا الإله. وهو موقف معروف من العهد الجديد. “أَنتَ تُؤمِنُ أَنَّ الله وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤمِنُونَ وَيَقشَعِرُّونَ!” (يع19:2). فالفرق شاسع بين القبول العقلاني والتغير الشخصي. ويصرح “إدواردز” بأن ما يغير الناس ليس الحجة بل “إدراك” مجد الله، أي التقدير الواعي لهذا المجد، أو لقاء مباشر أو اختبار شخصي مع الله.

قد تلعب [الحجج] دورًا فعالاً في تنبيه غير المؤمنين وحثهم على التفكير بجدية، وفي تثبيت إيمان القديسين الحقيقيين. ولكنها لا تتمتع بالأهمية ذاتها في خلق الإيمان الخلاصي لدي الأشخاص. فالاقتناع الروحي لا ينتج عن الحكم العقلاني، بل من إدراك مجد الأمور الإلهية وجمالها الروحي.[17]

ولكن قيادة الناس للتحول إلى الإيمان هي في النهاية مهمة الكرازة. فالدفاعيات تمهد الطريق لهذا التحول بإظهار أن الإيمان بالله منطقي. إنها تزيل الأحجار والركام من طريق الكرازة. وقد لا يمكننا أن نثبت وجود الله بالمعنى الجامد والمطلق لكلمة إثبات. ولكن مؤكد أنه يمكننا أن نبين أن الإيمان بوجود هذا الإله منطقي تمامًا من حيث أنه يعطي معنى أعمق للحياة وللتاريخ وللخبرة الإنسانية على نحو يتفوق على غيره من البدائل، وبعدها يمكننا أن ندعو الشخص ليتجاوب مع هذا الإله المحب ويثق في مواعيده.

 ما أهمية منطقية الإيمان المسيحي؟

لماذا تمثل هذه النقطة أهمية كبرى؟ لماذا يجب علينا أن نظهر أن العقيدة المسيحية منطقية؟ لماذا لا نكتفي بإعلان هذه الفكرة وحسب؟ من النقاط الدفاعية التي يجب تأكيدها هنا أنه من الصعب أن ندافع عن الأفكار التي تسير في اتجاه مضاد لطريق التفكير السائدة في الثقافة.

وقد أشار “أوستين فارر” إلى أن نجاح “سي. إس. لويس” المبهر في عمله بالدفاعيات يرجع في جانب منه لقدرته على “عرض قوة الأفكار المسيحية على المستوى الأخلاقي، والخيالي، والعقلاني عرضًا إيجابيًا.”[18] ويرى “فارر” أن منهج “لويس” في الدفاعيات أظهر أن المسيحية تعطي معنى لأعمق انطباعات العقل البشري والقلب والخيال.

إلا أن “فارر” كان معنيًا بوجه خاص بتأكيد أهمية إظهار منطقية الإيمان. ولكنه لم يقصد بذلك أن المنطق يخلق الإيمان، أو أن الناس يؤمنون بالله بفضل الحجج العقلانية. إلا أنه أراد أن يؤكد مدى صعوبة الدفاع عن الايمان المسيحي علنًا إن كان المجتمع يراه غير منطقي. ولذلك، فإن أعظم إنجاازات “لويس”، من وجهة نظر “فارر”، أنه أظهر منطقية الإيمان بشكل يَسَّر قبوله  على المستوى الثقافي.

رغم أن الحجة لا تخلق قناعة، غيابها يضرب الإيمان في مقتل. فما يُثبَت، قد لا يُعتنق، ولكن ما لا يستطيع أحد أن يدافع عنه سرعان ما يتخلى الناس عنه. وإن كانت الحجة العقلانية لا تخلق الإيمان، فهي تحفظ على مناخ ملائم يسمح له بالنمو.[19]

وإظهار منطقية الإيمان لا يعني إثبات كل عنصر فيه، بل يعني القدرة على إظهار أن الاعتقاد في مصداقية هذه العناصر وصحتها يقف على أسس سليمة. ومثال ذلك تبيان أن الإيمان المسيحي يعطي معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ومن ثم، يمكن تشبيهه بعدسة تضع كل شئ في البؤرة، أو بضوء يسمح لنا بالرؤية على مسافات أبعد وبشكل أوضح مما تتيحه لنا قدرتنا العادية.

وقد أكدت هذه الفكرة الفيلسوفية والناشطة الاجتماعية الفرنسية “سيمون فيّ”  Simone Weil ، وهي مفكرة يهودية آمنت بالمسيحية في شبابها. فقد استخلصت بعد إمعان النظر فيها يتضمنه إيمانها الجديد من معانٍ أن الإيمان بالله ينير الواقع على نحو أفضل من البدائل العلمانية الأخرى بكثير. وإن كانت طريقة تفكير بعينها قادرة على وضع الأشياء في البؤرة أو إنارة ما هو مظلم وملتبس، فهذا يعد دليلاً على مصداقيتها.

إن أنرتُ كشافًا كهربائيًا في شارع مظلم، لن أحكم على قوته بالنظر إلى المصباح الموجود بداخله، بل بعدد الأشياء التي يسلطه على الأجسام المظلمة. وقيمة أي منهج ديني، أو روحي، بوجه عام، تقَيَّم بكمية النور الذي يُسلِّطه على ما في هذا العالم من أمور.[20]

إن قدرة النظرية على إنارة الواقع ووضعه في بؤرة التركيز تُعتبر في حد ذاتها مقياسًا مهمًا لمصداقيتها. وهنا ترى موضوعًا جوهريًا في الدفاعيات المسيحية، ألا وهو أن الإيمان بصحة المسيحية له أسباب وجيهة، ومنها مدى قدرته على خلق معنى منطقي لما نراه حولنا وبداخلنا. وقد علًّق “برايان لفتو” Brian Leftow  الفيلسوف بجامعة أكسفورد على اختباره المسيحي الذي مكنه من رؤية الأشياء على حقيقتها قائلاً: “إن كنت ترى الأشياء على حقيقتها من الموقع الذي تقف فيه، فأنت في المكان الصحيح.”[21]

فماذا عن العلوم؟ إن “جون بولكينجهورن” John Polkinghorne  (المولود سنة 1930 ) الفيزيائي الذي ترك المجال العلمي وتخصص في اللاهوت يثير نقطة وثيقة الصلة بموضوع هذا الفصل:

إن البحث عن الحق مهما كان شكله لا يمكنه الوصول إلى استنتاجات يقينية مطلقة. ولكن الشخص الواقعي في تطلعاته هو من يطمح إلى الوصول لأفضل شرح ممكن للظواهر المعقدة، وهو هدف يمكن تحقيقه بالبحث عن فهم شامل مدفوع بدوافع طيبة ليوفر أساسًا للقبول العقلاني. فلا العلم ولا الدين يمكنه أن يأمل في بناء برهان قاطع تجبر منطقيتُه علي قبوله حتى إنه لا ينكره إلا الحمقى.[22]

إن كلاً من العلم والعقيدة المسيحية ملتزمان بإيجاد أفضل تفسير مدعوم بالدليل لما نلاحظه ونواجهه فعليًا في هذا العالم. ومن وجهة نظر المسيحي، تمثل الدفاعيات في جزء منها تأكيدًا للتوافق المفاهيمي بين الإطار النظري للمسيحية والأنظمة العميقة للعالم كما تكشفها العلوم الطبيعية.

فهل الإيمان بالله منطقي؟ أم أنه مجرد وهم، ونموذج أليم للتفكير الرغبوي عند بشر يعانون مشاعر الوحدة والتعطش؟ لقد قال “لويس” نفسه معلِّقًا على معتقداته الإلحادية قبل الإيمان” “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[23] لقد اكتسبَت هذه القضية أهمية في الآونة الأخيرة نتيجةً للمناقشات السائدة حاليًا في ثقافتنا.

وبالرغم من أن الإلحاد الجديد الذي انفجر سنة 2006 فقدَ الكثير من الجاذبية التي تكسو أي شيء جديد، فالأسئلة التي يطرحها مازالت موضع مناقشة، ومنها هل الإيمان بالله يُعبر عن حالة من التجاوب العقلاني مع الواقع، أم أنه ضلالة قديمة الطراز تتفشى بين الجماهير بفعل فيروسات عقلية تعيش على منطق هش ساذج وتفرضها مؤسسات وأفراد سلطويون؟

وهنالك طبعًا نظرة أكثر تشددًا تقول: إن المحاولات البشرية لتكوين معنى أو تأسيس قيم تتساوى في أنها جمعيًا ضلالات سواءً أكانت تؤمن بوجود الله أم كانت إلحادية. وهي نظرة للواقع شديد التشاؤم وتنعكس بكثرة في كتابات “ريتشارد دوكينز” كما في تصريحه الشهير بأن “خواص هذا الكون الذي نراه هي ذات الخواص التي يمكن أن نتوقعها في كون هو أساسًا بلا تصميم ولا غرض ولا شر ولا خير، ولا أي شيء سوى حالة من الحياد القاسي الأعمى حيث يكون كل شيء عاديًا، لا هو بالجيد ولا بالرديء.”[24]

وترى هذه النظرية أننا نفرض معنى وقيمة على عالم بلا معنى، فيصبح المعنى مخترعًا، وليس شيئًا أصيلاً يكتشفه الإنسان. وهذه الفكرة على قدرة اتساقها، إلا أنها شديدة القسوة على نحو يجعل الكثيرين يرونها لا تطاق.

ونحن في هذا الفصل نبحث قدرة الإيمان المسيحي على إضفاء معنى على الأشياء.
وتركيزي على مسألة منطقيته لا يعني اختزال المسيحية إلى تفسير عقلاني للأمور، ولا يعني أنه القيمة العليا في اللاهوت المسيحي. ولكن الغرض من ذلك توضيح أن المحيط الثقافي الحالي تَشَكَّل بصعود تيارات عدائية يؤكد أن الإيمان في الأساس غير عقلاني، ومن ثم وجب الرد على هذه الادعاءات بشكل واعٍ ومحسوب.

وقد شهد القرن العشرين طاقة فكرية جديدة تم حقنها في الدراسات الفلسفية للأدلة العقلية والتجريبية التي تتعلق بالله، وكان ظهور تفاسير علمية جديدة لنشأة الكون من العوامل التي حفزت هذه الطاقة الجديدة. وقد أكد فلاسفة الأديان مثل “ألفين بلانتينجا” وكذلك “ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne  مجددًا على منطقية الإيمان وأحيوا الحجج القديمة التي تشرح اساب الإيمان بالله، وهنالك تزيد في الاتفاق على أن الإيمان بالله عقلاني تمامًا، إلا إذا عرَّفت “العقلانية” على نحو يتعمد إقصاء هذا الإيمان.[25]

والأمر الذي يزداد وضوحًا أن العقلانية يمكنها فعليًا أن تسجن البشرية في نظرة جامدة متحجرة تحصر الواقع فيما يمكن إثباته عقلانيًا وحسب. وكما أشار “أيزيا برلين” أنه من اللافت للانتباه أن التيار السائد في الثقافة الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر وما بعده يتمثل في “رفض العقل والنظام باعتبارهما سجنًا للروح.”[26] فحصر الإنسان لنفسه فيما يمكن إثباته بالعقل والعِلم هو عبارة عن الأخذ بالقشرة السطحية للواقع والعجز عن اكتشاف ما يمكن تحتها من أعماق.

أما الكتُاب المسيحيون يرون أن الإيمان الديني ليس تمردًا على العقل بل ثورة على سَجن البشرية بين جدران الجمود العقلاني الباردة. فالمنطق والحقائق لا يمكنهما إلا أن “يصلا بنا إلى نقطة معينة في الرحلة، بعدها يجب علينا أن نكمل المسيرة حتى نصل للإيمان.”[27]

فقد يكون المنطق البشري كافيًا على المستوى العقلاني ولكنه قاصر على المستوى الوجودي. والإيمان يعلن عما هو أعمق من العقل، ولا يتعارض معه، بل يفوقه. فالإيمان يستخلص الموافقة العقلانية، ويدعو إليها، ولكنه لا يفرضها، وهو يصل إلى حيث يصل العقل ولكنه لا يحد نفسه عند نقطة تَوقُّف العقل بل يتجاوزها.

فلسفة العلوم باعتبارها أحد الموارد التي تعتمد عليها الدفاعيات:

يوضح “سي.إس.لويس” في روايته لقصة إيمانه بالمسيحية في كتاب “مندهش من الفرح” أن إيمانه بالله لم يأتِ نتيجةً لحجة استدلالية، بل نتيجةً لإمعان التأمل في خبرته، وهو ما يبين أنه يمكننا الاستفادة من منهجيات العلوم الطبيعية في الدفاعيات.

إن العلم يعتمد على الاستدلال inference  لا على استنباط براهين رياضية deduction of mathematical proof ، ويتم ذلك بتراكم سلسلة من الملاحظات التي تطرح السؤال الأعمق: كيف نقدم تفسيرًا حقيقيًا صحيحًا لما نلاحظه؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع ما نلاحظه فعليًا في خبرتنا الواقعية؟ وقد استخدم العالم والفيلسوف الأمريكي “تشارلز إس.بيرس” Charles S. Peirce مصطلح “الاستدلال الاحتمالي” “abduction“ للإشارة إلى الطريقة التي يتبعها العلماء لتوليد النظريات التي من شأنها تقديم أفضل تفسير للأشياء.

إلا أن هذه الطريقة أصبح يشار إليها الآن باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” “inference to the best explanation”. وهنالك اتفاق عام الآن على أن هذا الأسلوب هو الفلسفة المميِّزة للعلوم الطبيعية في تقصيها للعالم. فكيف تتم؟

يُعبر “بيرس” عن عملية التفكير التي تؤدي إلى تكوين نظريات علمية جديدة أو طرق تفكير في الواقع كما يلي:

  1. لاحظنا واقعة مفاجئة سنرمز لها بالرمز (ج).
  2. ولكن إذا كانت الواقعة (أ) حقيقية يمكن أن تكون الواقعة (ج) متوقعة.
  3. إذَن هناك سبب يدعو إلى الشك في أن الواقعة (أ) حقيقية.[28]

فالاستدلال الاحتمالي هو عملية ملاحظة أشياء معينة ومحاولة اكتشاف الإطار الفكري الذي يمكن أن يفسرها. وقد كان “شرلوك هولمز” Sherlock Holmes ، المخبر الشهر بطل الروايات البوليسية، يستخدم هذه الطريقة رغم أنه كان يطلق عليها خطأ مصطلح “الاستنباط.” ويرجح “بيرس” أن الاستدلال الاحتمالي أحيانًا ما “يعبر بعقولنا كومضة خاطفة سريعة كأنه “فعل استبصار”.”[29] ولكنه أحيانًا ما يحدث عن طريق عملية بطيئة من التفكير المنهجي العميق أثنا محاولتنا لتوليد كل الاحتمالات التي من شأنها تفسير ما نلاحظه.

وقد فحص “بيرس” بدقة كيفية تكوين العلماء لأفكارهم، وهو يعتبر أن هذه العملية هي التي تكمن وراء المنهج العلمي. فالعلم يبدأ بجمع سلسلة من الملاحظات ثم يبحث عن إطار تفسيري يقدم أفضل شرح لهذه الملاحظات. وقد يكون هذا الإطار نظرية موروثة من عصر سابق، وقد يكون أسلوب تفكير جديد تمامًا.

والسؤال الذي يتطلب إجابه هنا هو: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟ وغالبًا ما يُستخدم مصطلح “الاتساق التجريبي” “empirical fit” للإشارة إلى هذا التوافق بين ما يُرى في العالم وما تقدمه النظرية.

خذ مثلاً حركة الكواكب التي خضعت للملاحظة على مدى آلاف السنين. ما أفضل تفسير لها؟ في العصور الوسطى كان يُعتقد أن أفضل تفسير لهذه الملاحظات هو النظام “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تام مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا أن العالم في حاجة لأسلوب جيد.

وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus  ويوهانس كِبلر Johannes Kepler  إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في السماء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علاقة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.

ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة.  ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ماهي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.

وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة، والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينتطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟

للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation ، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيراتexplanation  unificatory. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلٍّ منها في الدفاعيات.

  • التفسير بتحديد المسببات:

أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي شيوعًا. ويقول بأن (أ) تفسر (ب) إن تمكنَّا من إثبات أن (أ) تسبب (ب).[30] فهل هذا يعني أن المسيحيين يؤمنون أن الله يجول في الطبيعة ويخبط التفاح برفق ليسقط من الشجر فيجذبه إلى الأرض؟ لا. ولكن الله يفوض فاعلاً مسببًا في هذا النظام المخلوق.

وقد قال توما الأكويني Thomas Aquinas  بفكرة “السببية الثانوية” “secondary causality” باعتبارها امتدادًا للسببية الأولية primary causality  أي الله نفسه وليست بديلاً لها. أي أن ما يتم من أحداث في النظام المخلوق يتم عن طريق علاقات سببية معقدة دون أي إخلال باعتمادها النهائي على الله باعتباره العلة النهائية.[31]

والنقطة الجوهرية التي يجب إدراكها أن النظام المخلوق إذَن يعكس علاقات سببية يمكن للعلوم الطبيعية أن تبحث فيها. وتلك العلاقات السببية يمكن تقصيها وربطها معًا على هيئة “قوانين الطبيعية” مثلاً دون أن يعني ذلك مطلقًا أو يستلزم تبني نظرة إلحادية. ولتبسيط هذه الفكرة قدر المستطاع نقول: إن الله خلق العالم بأنظمة وعمليات خاصة تُسيره.

ولكن ماذا عن نشأة الكون؟ ظهر ميل بين العلماء في أواخر القرن التاسع عشر نحو الاعتقاد بأن الكون موجود أزلاً. إلا أنه في القرن العشرين بات واضحًا أن الكون دخل حيز الوجود بفعل انفجار ضخم يُعرف عادةً باسم “الانفجار الكبير” “the big bang”.[32] ومنذ أدرك العلماء أن الكون له بداية سعت فلسفة العلوم لإيجاد تفسير لكيفية وجود شيء من العدم. فكيف نقول إن العدم سبَّب شيئًا؟ ولكن انتشار فكرة أن الكون نشأ في الزمن وأنه ليس ازليًا أحدث تحولاً كبيرًا لصالح الاعتقاد في وجود “علة أولى” “first cause” وصانع عاقل intelligent designer.

فما الذي تسبب في ظهور الكون؟ محتمل أنه خلق نفسه، أو أنه وُجد بالصدفة، أو أنه خُلق بفعل فاعل، وليكن الله مثلاً. وإن كان هذا طبعًا لا يُثبت شيئًا بالمعنى المنطقي الجامد للكلمة، إلا أنه يعطي مصداقية جديدة لحجة من أشهر الحجج التقليدية المختصة بوجود الله التي يمكن التعبير عنها كما يلي:

  • كل ما يظهر إلى الوجود له سبب.
  • العالم ظهر إلى الوجود.
  • إذَن العالم له سبب.

 

  • البحث عن أفضل تفسير:

منذ حوالي سنة 1970 تكوَّن شبه اتفاق على أن الفلسفة الأساسية للعلوم الطبيعية تتمثل في النهج المعروف عمومًا باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات.”[33] “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تامٍ مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا ان العالم في حاجة لأسلوب جديد.

وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus  ويوهانس كِبلرJohannes Kepler  إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في المساء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علامة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.

ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة. ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ما هي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.

وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة،
والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟

للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيرات unificatory explanation. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلًّ منها في الدفاعيات.

  • التفسير بتحديد المسببات:

أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي ويتلخص أساسًا في طرح السؤال: أي النظريات تقدم أفضل تفسير لما نلاحظه فعليًا في الطبيعة؟ وتطرح الكتابات الفلسفية الكثير من الآراء المهمة حول كيفية تحديد أفضل تفسير: هل هو الأبسط؟ أم الأفخم؟ أم الأكثر قدرة على توليد أفكار جديدة؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع الأدلة؟ والطريقة التي اعتمدها “تشارلز داروين”  Charles Darwinفي  وضع نظرية “الانتخاب الطبيعي” “natural selection” تُعتبر حاليًا نموذجًا لهذا المنهج.

وتبرز هنا نقطتان في غاية الأهمية. الأولى، أن هذا المنهج يدرك أنه لا يمكن أن نثبت أي تفسير يُعتبر الأفضل، فهي مسألة تتوقف على حالة من الثقة والارتياح، أو القدرة على التمييز لدى أفراد المجتمع العلمي. وهذا ما نراه فيما يدور حاليًا من جدل حول “الأكوان المتعددة” “multiverse” حيث نجد تفسيرين مختلفين اختلافًا جذريًا للملاحظات نفسها، ومع ذلك نجح كلٌ منهما في حشد التأييد اللازم من المجتمع العلمي. ولكن لا أحد يعرف على وجه الدقة أيهما صحيح.

لذلك، فأنت تختار ما يعتقد في صحته على أساس الأدلة المتاحة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأدلة ليست قاطعة بما يكفي لإثبات تفسير دون الأخر. (وقد يكون هذا المنهج غير مريح ولكنه على الأقل يضمن لك أن تعامل خصومك بالحسنى بدلاً من أن تتهمهم بأنهم مضلَّلون).

والنقطة الثانية أن “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” يدرك احتمالية وجود تفاسير عديدة للأشياء، ويحاول أن يتوصل لإطار يؤدي إلى حل النزاع بين الآراء المتصارعة، ونادرًا ما يمكن إثبات صحة نظرية، ولكن هذا ليس ضروريًا، لأن المهم أن نتأكد أن نظريةً ما أفضل من منافساتها، بمعنى أن الكثير من النظريات العلمية لها ما يدعمها أو يبررها (أي أنها تستند على أدلة قوية) دون أن يعني ذلك أنها مثبَتة.

ومسألة الله تتلاءم تمامًا مع هذا المنهج، حتى إن “ريتشارد سوينبرن” فيلسوف الأديان بجامعة أكسفورد يقول إن الإيمان بالله يقدم أفضل تفسير لمجموعة ضخمة من الأشياء التي نلاحظها في العالم.[34] ويشير الفيزيائي “جون بولكينجهورن” في ذات الصدد إلى أن الإيمان بالله يقدم تفسيرًا لأسئلة “ما وراء النظرية” “metatheoretical” التي تبحث في أساس النظرية، وهي المعتقدات التي ينبغي على العلم أن يعتمد عليها رغم أنه لا يستطيع أن يثبت صحتها.

  • التفسير بتجميع عناصر رؤيتنا للواقع:

منذ حوالي عام 1990 ازداد الاهتمام في مجال فلسفة العلوم بفكرة “التجميع التفسيري”  “explanatory unification” وقد نشأ هذا الأسلوب في التفسير العلمي إبان السبعينات من القرن العشرين، وهو يحاول تكوين إطار مشترك يجمع الأحداث التي كان يُنظر إليها باعتبارها لا تمت بصلة بعضها لبعض.[35] ومنذ ذلك الحين تطور هذا الأسلوب تطورًا كبيرًا واستُخدم لتفسير بعض السمات الجوهرية في تكوين المنهج العلمي الحديث.[36] وموضوعه الأساسي بسيط يتلخص في ضرورة إيجاد إطار يتسع لأكبر عدد ممكن من العناصر.

ويقوم هذا الأسلوب في فهم التفسير العلمي على فكرة أن أَوجُه الواقع التي كان يُعتقد أنها تتطلب تفسيرات مختلفة يمكن أن تدخل ضمن إطار تفسيري واحد. ويُعَد التفسير الشهير الذي قدمه “جيمز كلرك ماكسويل” James Clerk Maxwell للترابط بين الكهرباء والمغناطيسية  مثالا واضحًا على هذا المنهج الذي كان له الفضل في اعتبار الكهرباء والمغناطيسية وجهين لعملة واحدة بعد أن كان  يُظن أنهما متمايزتان تمامًا.

وهكذا يعني تفسير الشيء، وفقًا لهذا المنهج، أن يوضع في إطار أكبر يسمح بفهم علاقاته المتداخلة مع أوجه الواقع الأخرى. ويصبح السؤال هو: أي شبكة من الأفكار توفر أقصى درجة ممكنة من الترابط بين مختلف المجالات والنظريات العلمية؟

ولا يصعب علينا أن نرى التوافق الكبير بين هذا الفكر وأحد الموضوعات الجوهرية في الإيمان المسيحي. فقد رأى القديس أغسطينوس أن الله مثل شمس فكرية تنير أرض الواقع وتتيح لنا رؤية أعمق أنظمته واكتشاف مكاننا فيها. وكتابات “سي. إس. لويس” تشير إلى معانٍ مشابهة.

معنى الأشياء: دراسة حالة:

لمزيد من التعمق في هذا الأمر سنتناول مدى فاعلية النظرة المسيحية للأشياء في إضفاء معنى على ما نلاحظه. وسنحاول أن نجيب على سؤال: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟

كيف يمكننا إذَن أن نفهم معنى التاريخ والخصائص المميِّزة للثقافة البشرية؟ قد تم طرح عدد من القصص التفسيرية لشرح هذه الأمر. تقول إحداها، وهي المفضلة لدى الإلحاد الجديد، بحدوث تطور تقدمي للوضع البشري نتيجةً لتآكل خرافة الدين، وتحرر البشرية من كل المحرَّمات والقيود الاعتباطية.

إلا أنه أصبح من الصعب الاستمرار في اعتناق هذه القصة في الغرب نظرًا لما مُنيت به اللبرالية الغربية من إخفاقات واضحة. ومن اللافت للانتباه أن هذه القصة التفسيرية الكبرى تمثل واحدًا من الموضوعات الرئيسية التي يستهدفها “إيجلتون” بتحليله الذي أجراه مؤخرًا للإلحاد الجديد الذي يواجه فيه انتقادات عنيفة لهذا الفكر.

فهو يصف “حلم التقدم البشري الذي لا يقف أمامه عائق” بأنه “خرافة متجسدة”، قصة خيالية من قصص الجنيات تفتقرِ لأي نوع من الأدلة. “إن وُجِدَت أسطورة دينية وخرافة ساذجة، فإنها ذلك الاعتقاد الليبرالي العقلاني بأننا نسير قدمًا على الطريق إلى عالم أفضل، باستثناء بعض الانتكاسات القلية.”[37] ومن اللافت للنظر أن “كريستوفر هيتشنز” ينهي هجومه على الدين بدعوة للرجوع إلى فكر التنوير ولاسيما للشكل الذي اتخذه في القرن الثامن عشر.

وهكذا يبدو أن أسطورة العصر الذهبي المفقود لا تزال قائمة في هذا الفكر بعيد المنال. ولكن لا شك أننا مدعوون لفحص الخيالات المتعلقة بكلٍّ من الفرد والمجتمع حتى لو كانت هذه الخيالات متأصلة في العقل الغربي العلماني.

وتتحدث القصة الشاملة (أو القصة الكبرى) للإلحاد الجديد عما عانته البشرية من عبودية للخرافات البدائية. ولكن تطبيق المنطق والعلم تطبيقًا ذكيًا في القرون الأخيرة مَكنَّها أن تتحرر من هذا القهر الطويل وتدخل عالمًا جديدًا مشرقًا بالحرية والاستنارة. عالم جديد مشرق يواجه حاليًا خطر عودة ما يشار إليه باسم “الخرافة” وباسم “اللاعقلانية.” فالدين عاد لمكانته وكانت عودته متوقعة ولكن غير مرغوب فيها. لذلك لابد من إنقاذ الموقف قبل فوات الأوان!

وكأي قصة جديدة، تتميز هذه القصة بالبساطة، ولكنها سرعان ما تفقد قيمتها عندما يثبت عجزها عن شمول التاريخ ككل، وليس فقط مجرد بضعة مقتطفات منتقاة بعناية. ووفقًا لهذه القصة يُفرض أن يكون الدين قد مات في الغرب منذ سنوات، ففي الستينات من القرن العشرين تنبأ علماء الاجتماع الأوربيون بقرب حلول نظام عالمي علماني وكانوا واثقين من ذلك كثافة الجيل السابق من المُنَظِّرين السياسيين السوفييت عندما أعلنوا أن سيادة الماركسية – اللينينية حتمية تاريخية.

وقد أجمع “أكبر علماء الاجتماع والأنثروبولوجي وعلم النفس” أن “أبناءهم، وإن لم يكن فأحفادهم، سيشهدون بزوغ عصر جديد تنضج فيه البشرية فتتخلى عن أوهام الدين الطفولية على حد تعبير “فرويد”.”[38]

إلا أن الدين لم يختفِ، بل إن الكثيرين الآن يقولون إنه أصبح أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى، بالرغم مما يُفرض من ضوابط اجتماعية للحج من تأثيره الاجتماعي في الكثير من بلدان أوروبا الغربية. فالاتحاد السوفيتي انهار، وعلمانيته التي كانت تُفرض بالقوة حلَّت مكانها حالة من النشاط والحماس الدينيين اللذين اجتاحا الأمم التي كانت تحت سيطرته. وهذا ما يخيف الملحدين الجدد لأن قصتهم الكبرى تواجه تحديًا خطيرًا، مما يبين أنها غير صالحة للاستخدام.

والقصة الكبرى لعصر التنوير تعجز عن تفسير أي شئ ذي قيمة. وكما أشار “ريتشارد شودَر” Richard Shweder  مؤخرًا أن “قدرتها التنبؤية تكاد تساوي صِفرًا.”[39] وهو يقول في ملاحظة فكاهية إن الدين قد يتضح في نهاية الأمر أنه ضلالة، ولكنه ضلالة لها مستقبل. “إن شعبية الهجوم على الدين حاليًا تخفي وراءها حالة من القلق الشديد الذي عاد مجددًا للمجتمع العلماني لا لأن قصة الدين وهمية بل لأن قصة التنوير هي الوهمية.”[40]

والقصة التي يتبناها التنوير ويعتمد عليها الإلحاد الجديد اعتمادًا كبيرًا لا تحمل ذرة واحدة من الواقع، وهي تشبه في ذلك تأكيد الماركسية على الحتمية التاريخية لسيادة الاشتراكية. فالصحوة الدينية في الكثير من مناطق العالم التي تم قمع الدين فيها على يد الحكومات الإلحادية مؤشر واضح على ضعف هذه القصة وهشاشتها. وفي كل الأحوال تُعَد فكرة “الحتمية التاريخية” حكمًا يصدره علم الاجتماع. ومن ثم، فهو لا يتصل كثيرًا بالصواب والخطأ من الناحية الفكرية أو الأخلاقية.[41]

فسواءً أكان أحد التطورات الاجتماعية “حتميًا” أم لا ، فهذا لا يعني صحته أوخطأه. وأحد التطورات الثقافية أو التاريخية قد يكون حتميًا بوصفه مرحلة تاريخية عابرة وليس تطورًا مستديمًا.

غالبًا ما يتهم الإلحاد الجديد من يؤمنون بالله بأنهم يتمسكون “بعقائد بلا دليل” عكس حقائق الملحدين “المستنيرين” التي لها إثباتات قوية. ولكن هل ينطبق هذا الكلام على اعتقاد الإلحاد الجديد بالتقدم البشري؟ يرى “إيجلتون” أن هذه الأسطورة ليست جديرة بأي اهتمام لأنها كالعمل الفني المزيَّف وأنها مثال صارخ على “الإيمان الأعمى.”[42]

فهل من شخص عاقل يقبل أسطورة علمانية كهذه تتعامل مع الكوارث التي صنعها البشر مثل هيروشيما، وأوشفتز Auschwitz  أكبر معسكرات الاعتقال النازية، والتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا باعتبارها “بضع انتكاسات محلية بسيطة” لا تنفي التقدم المستمر للتاريخ ولا تعطله على الإطلاق؟ إن الفرق بين المسيحية والإلحاد الجديد يكمن في اختيارهما لما يطلق عليه المعتقدات التي لا تقوم على دليل والأساطير الكبرى الشاملة، ورغم أن كليهما غير قابل للإثبات، فهذا لا يمنعنا من تمييز أيهما أكثر مصداقية وجاذبية.

فماذا عن القراءة المسيحية للثقافة والتاريخ؟ يحكم هذه القضية موضوعان أساسيان أولهما أن الإنسان مخلوق على “صورة الله”، وثانيهما أنه خاطئ. وبالرغم من اختلاف اللاهوتيين والمدارس الفكرية الدينية فيما يولونه من أهمية لهذين العنصرين في الفهم المسيحي للطبيعة البشرية، فهما القطبان التوأمان اللذان يُكونان أي محاولة مسيحية لفهم لغز السلوك البشري على مستوى الأفراد والمجتمعات وحل طلاسمه.

ووفقًا لهذه النظرية فإننا نمتلئ حماسًا وإلهامًا بفضل رؤيتنا لله التي تجذبنا لأعلى، ولكننا في الوقت نفسه ننجذب لأسفل بسبب ضعف الطبيعة البشرية وسقوطها. وهو مأزق مألوف عَبَّر عنه بولس في إحدى فقرات الكتاب المقدس الشهيرة قائلاً: “لَستُ أَفعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَستُ أُرِيدُهُ فَإِيَاهُ أَفعَلُ.” (رو 19:7).

ومن هنا يتضح أننا من وجهة النظر المسيحية ندرك أن البشرية تتمتع بتطلعات وقدرات تفوق بكثير ما تسمح به معظم الأنظمة السياسية أو الفلسفية، وندرك في الوقت نفسه أنها تملكُ قدرة متساوية على العجز عن تحقيق هذه التطلعات.

وتساعدنا هذه النظرة على وضع إطار للصورة المعقدة للثقافة والتاريخ التي تتسم بالتطلع نحو العظمة والصلاح من ناحية، والظلم والعنف من ناحية أخرى. وقد علق الكثيرون على الغموض الرهيب الذي يكتنف التاريخ وتفنيده للنظريات الساذجة التي تقول بصلاح البشرية. وقد أشار الكثيرون أمثال “تِري إيجلتون” مؤخرًا إلى الجانب المظلم في الثقافة والتاريخ المعاصرين.

إن البشر باعتبارهم من المخلوقات يتمتعون بقدرة على فعل الصلاح، ولكن هذه القدرة تعادلها قدرة أخرى على فعل الشر. وإدراك هذا الغموض الشديد هو ما يساعدنا على التخلص من احلام المدينة الفاضلة المثالية في المجالات السياسية والاجتماعية التي تقوم على أحكام قيمية أيدولوجية ساذجة لم تخضع للتجربة. فالنظرة الساذجة للبشرية تُوَلد يوتوبيا سياسية حيث يفضي “التقدم” إلى كارثة، “ج.ر.ر. تولكين” J.R.R Tolkien  في نظرة ثاقبة للمستقبل سنة 1931 ليلة صعود النازية:

لن أسير مع عصوركم التقدمية

مع المغرورين والحكماء الذين يقودهم تقدمهم

إلى هوة مظلمة سحيقة تفتح فمها لاستقبالهم.[43]

خطوة للأمام:

درسنا في هذا الفصل أهمية إظهار “منطقية” الإيمان في العمل بالدفاعيات. فما من أحد يحب أن يعتنق إيمانًا غير منطقي. إلا أن بعض المسيحيين يرجحون أنه مادام بولس يتحدث عن الإنجيل باعتباره نوعًا من “الجهالة” التي تخزي معرفة العالَم وحكمته (كما في 1كو 18:1 مثلاً) فلا داعي لاستخدام الوسائل العقلانية للدفاع عن الإنجيل. إلا أنه من الواضح أن هذه النظرة تعكس خطأً في قراءة ما يشغل بولس في كنيسة كورنثوس من ناحية، وفهمهِ لدور “العقل” في الحياة المسيحية من ناحية أخرى.

لقد كانت المسائل التي تشغل بولس في كنيسة كورنثوس معقدة.[44] فالكنيسة كانت عرضة للتأثر بأشكال سابقة من الغنوصية التي كانت تقول بأن الأفراد يخلصون عن طريق معرفة سرية باطنية لا تتاح إلا للقلة. وكان البعض في كورنثوس يمجدون التحزلق الفكري ولم يكونوا مستعدين لقبول أي شئ يخلو منه أو أي نوع آخر من المعرفة الثقافية.

وبولس يرفض هذه الأفكار تمامًا ويصر أن الإنجيل لابد أن يؤخذ كما هو حتى لو كان يتعارض مع الفكر الثقافي السائد والمقبول في كورنثوس. فهو هنا يتحدى النظرية العلمانية للحكمة ولكنه لا يدعو للتخلي عن المنطق البشري.

وبولس يؤكد أننا نحن المسيحيين “لَنَا فِكرُ المَسِيحِ” “have the mind of Christ” (1كو 16:2) مميزًا بينه وبين غيره من منهجيات الحكمة التي سادت كورنثوس قبل دخول المسيحية. ويُعتبر “العقل المسيحي” “Christian mind” تركيبة عقلية متميزة من حيث إنه طريقة تفكير تتشكل وتزدهر بالإيمان المسيحي. فهو ليس سعيًا نحو الوصول إلى معرفة غريبة أو باطنية، ولا حالة من الغرور الإكاديمي، ولا انتكاسًا إلى عقلانية حركة التنوير التي سادت القرن الثامن عشر وفقدت مصداقيتها.

ولكنه السماح لنور المسيح أن يشرق على عقولنا حتى تتمكن قوة الله المغَيرة أن تجدد أذهاننا كما تجدد أرواحنا. إنه النتيجة التي يستحثها الله ويبغيها ونحن نسعى لخدمته في هذا العالم.

فكيف يعطي الإنجيل معنى للأشياء؟ كيف نفهم خطابه العميق الموجَّه لعقولنا ومشاعرنا وخيالنا وبحثنا عن المعنى وكيف نطبقه؟ سنستعرض في الفصل القادم ثمانية اتجاهات رئيسية في الدفاعيات يسهم كلٌّ منها بدور خاص في إفساح مجال للإنجيل في الثقافة المعاصرة.

لمزيد من الاطلاع:

Evans, C .Stephen. Natural Signs and Knowledge of God: A New Look at Theistic Arguments. New York: Oxford University Press, 2010

McGrathm, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville, Westminster John Knox, 2011

Morris, Thomas V., ed. God and the Philosophers: The Reconciliation of Faith and Reason. Oxford University Press, 1994.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: Harper San Francisco, 2006.

[1] C. S. Lewis, “Is Theology Poetry?” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper-Collins, 2000), 21.

[2] Austin Farrer, “In His Image,” Remembering C. S. Lewis, ed. James T. Como (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 344-45.

[3] Letter of 1949 to Edward Sackville-West, cited in Michael de-la-Noy, Eddy: The Life of Edward Sackville-West (London: Bodley Head, 1988), 237.

[4] See, for example, Alasdair MacIntyre, Whose Justice? Which Rationality? (London: Duckworth, 1988); Stephan Toulmin, Cosmopolis: The Hidden Agenda of Modernity New York: Free Press, 1990); John Gray, Enlightenment’s Wake: Politics and Culture at the Close of the Modern Age (London: Routledge, 1995).

[5] William James, “The Sentiment of Rationality,” The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy (New York: Longmans, Green, and Co., 1897), 63-110.

[6] See Michael J. Sandel, Justice: What’s the Right Thing to Do? New York: Farrer, Straus and Giroux, 2010).

[7] Stephan Toulmin, The Uses of Argument (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), 183.

[8] MacIntyre, Whose Justice?, 6.

[9] Isaiah Berlin, Concepts and Categories: Philosophical Essays New York: Viking Press, 1979), 2-5, 161-62.

[10] Terry Eagleton, “Lunging Flailing, Mispunching: A Review of Richard Dawkins’s The God Delusion,” London Review of Books, October 19, 2006.

[11] Alvin Plantinga, God and Other Minds: A Study of the Rational Justification of Belief in God (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1990).

[12] Richard Rorty, “Pragmatism, Relativism, and Irrationalism,” Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association 53 (1980): 719-38, quote at 730.

[13] Julia Kristeva, The Incredible Need to Believe (New York: Columbia University Press, 2009), 3.

[14] Christopher Hitchens, God Is Not Great: How Religion Poisons Everything (New York: Twelve, 2007), 5. For criticism of this approach, see Aloster McGrath, Why God Won’t Go Away: Is the New Atheism Running on Empty? Nashville: Thomas Nelson, 2011).

[15] C. S. Lewis, “On Obstinancy in Belief,” C. S. Essay Collection (London: Harper-

[16] Collins, 2000), 213-14. Jonathan Edwards, The Works of Jonathan Edwards, vol. (Edinburgh: Banner of Truth Trust, 1974), 290.

[17] Ibid.

[18] Austin Farrer, “The Christian Apologist,” Light on C. S. Lewis, ed. Jocelyn Gibb (London: Geoffrey Bles, 1965), 26.

[19] Ibid.

[20] Simone Weil, First and Last Notebooks London: Oxford University Press, 1970), 147.

[21] Brian Leftow, “From Jerusalem to Athens,” God and the Philosophers, ed. Thomas V. Morris (Oxford: Oxford University Press, 1994), 191.

[22] John Polkinghorne, Theology in the Context of Science (London: SPCK, 2008), 85-86.

[23] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 197.

[24] Richard Dawkins, River out Eden: A Darwinian View of Life London: Phoenix, 1995), 133.

[25] See, for example, Alvin Plantinga, “Reason and Belief in God,” Faith and Philosophy: Reason and Belief in God, ed. Alvin Plantinga and Nicholas Wolterstorff (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1983), 16-93.

[26] Isaiah Berlin, The Cooked Timber of Humanity: Chapters in the History of Ideas (London: Pimkico, 2003), 208-13. The curious title of this important collection of essays reflect a famous dictum of Immanuel Kant: “Nothing straight was ever made out of the crooked timber of humanity.”

[27] See M. Neil Browne and Stuart M. Keeley, Asking the Right Questions: A Guide to Critical Thinking, 8th ed. (Upper Saddle River, NJ: Pearson Prentice Hall, 2007), 196.

[28] Charles S. Peirce, Collected Papers, vol. 5, ed. Charles Hartshome and Paul Weiss (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960), 189. I reflect further on the importance of this approach in Alister E. McGrath, Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things (Louisville: Westminster John Knox), 2011.

[29] Ibid.

[30] The best studies are Paul Humphreys, The Chances of Explanation: Casual Explanation in the Social, Medical, and Physical Sciences (Princeton: Princeton University Press, 1989); and James Woodward, Making Things Happen: A Theory of Casual Explanation (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[31] For a good discussion of Aquinas of this point, see William E. Carroll, “Divine Agency, Contemporary Physics, and the Autonomy of Nature,” Heythrop Journal 49 (2008): 582-602.

[32] Helge S. Kragh, Conceptions of Cosmos: From Myths to the Accelerating Universe: A History of Cosmology (Oxford: Oxford University Press, 2006).

[33] See especially Peter Lipton, Inference to the Best Explanation, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[34] Routledge, 2004). Richard Swinburne, The Existence of God, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[35] Michael Friedman, “Explanation and Scientific Understanding,” Journal of Philosophy 71 (1974): 5-19; Paul Kitcher, “Explanatory Unification and the Causal Structure of the World,” Scientific Explanation, ed. P. Kitcher and W. Salmon (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989), 410-505.

[36] For example, Margaret Morrison, Unifying Scientific Theories: Physical Concepts and Mathematical Structures (Cambridge: Cambridge University Press, 2000).

[37] Terry Eagleton, Reason, Faith, and Revolution: Reflections on the God Debate (New Haven: Yale University Press, 2009), 28.

[38] William S. Bainbridge and Rodney Stark, The Future of Religion: Secularization, Revival, and Cult Formation (Berkeley: University of California Press, 1985), 1.

[39] Richard Shweder, “Atheists Agonistes,” New York Times. November 27, 2006.

[40] Ibid.

[41] A point famously emphasized by Karl R. Popper, The Poverty of Historicism (London: Routledge & Kegan Paul, 1957).

[42] Eagleton, Reason, Faith, and Revolution, 87-98.

[43] J. R. R. Tolkien, “Mythopoeia,” Tree and Leaf (London: HarperCollins, 1992), 85-90; quote at p. 89.

[44] See especially Walter Schmithals, The Theology of the First Christians (Louisville: Westminster John Knox, 1997), 122-23, 146-51. See further Raymond Pickett, The Cross in Corinth: The Social Significance of the Death of Jesus (Sheffield, England: Sheffield Academic Press, 1997), 213-16; and Edward Adams and David G. Horrell, esd., Christianity at Corinth: The Quest for the Pauline Church (Louisville: Westminster John Knox, 2004).

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الكون والتطور والله والخلق، هل يتعارض العلم حقاً مع الإيمان بوجود خالق؟

الكون والتطور والله والخلق، هل يتعارض العلم حقاً مع الإيمان بوجود خالق؟

الكون والتطور والله والخلق، هل يتعارض العلم حقاً مع الإيمان بوجود خالق؟

الكون والتطور والله والخلق، هل يتعارض العلم حقاً مع الإيمان بوجود خالق؟

للتحميل

الفصل الاول، مقدمة:

من الشائع في عصرنا إستخدام نظرية تطور الكون كحجة ضد الايمان بالله والخلق. هذا هو موقف الإلحاد الماركسي مثلاً، فقد صرح ماركس بأن فكرة الخلق طلقت ضربة قاضية من إكتشاف التطور. ولكن إذا تبصرنا في الأمر نرى بالعكس ان نظرية التطور، فضلاً عن كونها لا تبطل الخلق، تستدعي وتدعم الإيمان بالله وبعمله في الكون. هذا ما سنحاول بيانه فيما يلي، مستعرضين أولاً مراحل التطور ثم متسائلين عن ماهية مقتضيات هذا الخط التطوري.

الفصل الثاني، مراحل التطور:

لقد أثبت العلم الحديث أن التطور لم يشمل الكائنات الحية فحسب إنما شمل الكون كله. فالكون الذي ننتمي إليه كون متطور وقد بدأ تطوره على مستوى الطبيعة الجامدة وأدى إلى ظهور الحياة التي تطورت بدورها حتى أبرزت ذلك الحيوان المفكر، الإنسان.

ففي البدء (لان النظريات العلمية الحديثة في علم الفلك والفيزياء تميل بالعلماء إلى الاعتقاد بأن للكون بدءاً، على الاقل لكوننا الحالي)، منذ ما يقارب العشر مليارات أو الخمسة عشر ملياراً من السنين، كان الكون على الأرجح مكوناً من ذرات خفيفة من الهيدروجين والهيليوم. ثم برزت ذرات أثقل من الأولى. ثم تجمعت الذرات لتكون الجزيئات.

 وكان هذا السير من الذرات إلى الجزيئات سيراً نحو تركيباً أكثر كثافة وتعقيداً، فالذرة عالم صغير شبية إلى حد ما بنظام شمسي تدور فيه الإلكترونات حول النواة المركزية، ولكن الجزئية تجمع تلك العوالم الصغيرة لتشملها في بنية جديدة. ومنذ ثلاث مليارات من السنين على وجه التقريب، بدأت تظهر بُنْيَات تفوق الجزيئات كثافة، وقد دعيت بالجزيئات الكبرى macromolculesè. من هذه الجزيئات فلنأخذ على سبيل المثال البروتيد Protides.

فاذا قابلنا جزئية من بياض البيض (وهي جزئية كبري من فصيلة البروتيد) مع جزئية ماء (وهي جزئية عادية) وجدنا أن وزن الاولى يساوي 1916 مرة وزن الثانية (34500 لقاء ١٨). وهناك جزيئات كبرى يفوق وزنها المليون[1]. ولكن هذا النمو الكمي يرافقه تركيب بديع في بنية الجزئية الكبرى: فجزيئات البروتيد مؤلفة كل منها من مئات أو آلاف او عشرات آلاف من جزئيات[2] أبسط من حموض تدعي الحموض الأمينية ACIDS AMINÈS، وهذه الجزئيات بدورها ليست مصفوفة كيفما جرى ضمن جزئية البروتيد، إنما هي مرتبطة ارتباطاً محدداً يختلف بإختلاف أنواع البروتيد.

ولكن ظهور الجزيئات الكبرى لم يكن سوى تمهيد للقفزة الكبرى التي تمت منذ ملياري عام على وجه التقريب فغيرت وجه الكون، ألا وهي بروز الخلايا الحية الاولى. الخلية الحية رغم حجمها الميكروسكوبي عالم أكثر تعقيداً بما لا يقاس من الشمس وأضخم الكواكب، المؤلفة من مجرد تجمعات من الذرات الخفيفة. ذلك لان الخلية الحية تجمع في تركيب متناسق، فضلاً عن العديد من جزيئات البروتيد الضخمة، جزيئات ضخمة عديدة أخرى من الشحميات والسكريات والفيتامينات وغيرها، كل ذلك في وحدة متماسكة، مركزة.

لكن الامر الجديد بالكلية هو ان حركة التكثيف والتركيز التي رأيناها تدفع بالمادة قدماً من الذرة الي الجزئية الضخمة، بلغت هنا درجة تمكنت المادة معها من اتمام قفزة هائلة جعلت من الخلية الحية كياناً يتمتع بميزات مختلفة بالكلية عن ميزات الجوامد وباستقلال ذاتي تجاه البيئة.

تلك الميزات الجديدة بالكلية هي ان الخلية تحوّل الي ذاتها المواد التي تستمدها من الخارج، وتنمو من الداخل، وتجدد باستمرار المواد التي تتألف منها مع محافظة على بنيتها، وتصلح ذاتها إذا جُرحت وتحوّل ذاتها للتكيف مع البيئة، وتنتج كياناً جديداً شبيهاً بها يحيا حياة مستقلة بعد انفصاله عنها.لقد شُبهت الخلية الحية بمختبر كيماوي، ولكنها مختبر كيماوي يجدد ويصلح ذاته بدون انقطاع، مختبر يصنع ذاته باستمرار ويوجد مختبرات على شاكلته. تلك هي قفزة الحياة الكبرى.

من ذلك العالم الصغير في حجمه، الهائل في تعقيده وتركيزه، عالم الخلية، انطلقت الحياة لنرقي سلماً طويلة كان الانسان قمتها. وقد كان هذا الارتقاء شبيهاً من حيث خطة بذاك الذي رأيناه في المادة الجامدة، اي انه كان سيراً نحو تكثيف وتركيز متزايدين. فبعد الكائنات الحية الاولي ذات الخلية الواحدة ظهرت كائنات أخرى متعددة الخلايا، وكما كانت الخلية الواحدة تجمع عناصرها المختلفة، العديدة، في بنية منظمة، مركزة، هكذا جمعت الكائنات المتعددة الخلايا خلاياها في وحدة منسجمة تعمل فيها العناصر كلها لصالح الكل.

وقد ازداد التعقيد ايضاً عندما اخذت الخلايا في الكائن الواحد تتخصص فئات في وظيفة معينة، فتكونت الاجهزة (كالجهاز الدموي والهضمي والتنفسي…) التي بقيت، رغم اختلافها وتميزها المتزايدين، مرتبطة ارتباطاً متيناً أحدها بالآخر، عاملة معاً بانسجام لصالح المجموعة.وكان لابد، لربط تلك الوظائف ببعضها من جهة وبالعالم الخارجي من جهة أخرى، من بروز جهاز خاص هو جهاز التركيز والوحدة، فكان الجهاز العصبي الشبيه بآلة الكترونية بديعة الاتقان.

وقد سار هذا الجهاز هو ايضاً في طريق التكثيف والتركيز المتكاثرين، مما ادي إلى نمو الدماغ. مركز الجهاز العصبي. والي تزايد الارتباط بين خلايا من جهة وبينها وبين اعضاء الجسم كله من جهة أخرى. نتج من هذا النمو العصبي استقلال متزايد عند الكائن الحي تجاه العالم الخارجي، فقد أصبح هذا الكائن يعي أكثر فأكثر البيئة المحيطة به وازدادت سيطرته عليها تدريجياً.

فظهرت أولاً الغرائز التي تمكن الحيوان من تحويل بيئته واستغلالها بشكل بديع في إتقانه، ولكن هذه الغرائز عمياء روتينية الي حد بعيد. أما عن الحيوانات الاكثر تطوراً فقد ظهر، بالإضافة اليها، الذكاء الذي يقوّم الغريزة ويكمل نقصها ويعطي الحيوان امكانية أكبر للسيطرة على بيئته. وقد ازداد هذا الذكاء حدة مع نمو الجهاز العصبي حتى بلغ اوجه في اعلي مراتب القردة، كالشمبانزي مثلاً.

عملية نمو الدماغ، التي أصبحت المحور الاساسي للتطور، بلغت أوجها في الانسان الذي يتألف دماغه من اربعة عشر ملياراً من الخلايا (اربعة اضعاف عدد خلايا الشمبانزي تقريباً)[3]، مرتبطة بعضها ببعض على صورة شبكه الكترونية هائلة التعقيد.

هنا بلغت عملية التكثيف والتركيز، تلك العملية التي دعاها تيار دي شاردان Complexification، والتي رأيناها فاعلة منذ بدء التطور، لقد بلغت تلك العملية هنا أشدها، فأمّنت الشروط اللازمة لقفزة لا تقل أهمية عن القفزة التي أوجدت الحياة، الا وهي قفزة الانسان، وجود كائن هو مركز بكل معني الكلمة ويحوّله بعمل خلاّق، كائن يدرك ذلك التطور الذي آل اليه ويتعهده ويتابعه بعقله وإرادته وحريته وحبه.

الفصل الثالث، مقتضيات التطور:

تلك هي اللوحة الرائعة لتطور الكون كما يمكننا ان نتصورها على ضوء معطيات العلم الحديث. فلننتقل الآن من الصعيد الوصفي الي صعيد التساؤل حول مقتضيات التطور.

عندما يدّعي ماركس ان اكتشاف التطور يلغي فكرة الخلق، فأنه يرتكب مغالطة لان واقع التطور شيء، واعتبار التطور امراً مكتفياً بذاته لا يحتاج الي تعليل خارج عنه شيء اخر. ان ماركس ينزلق من تأكيد واقع التطور، وهو تأكيد علمي، الي تأكيد اكتفاءيه التطور، وهو تأكيد من نوع آخر، ما ورائي، والمؤسف انه يقدّم هذا التأكيد الثاني على أنه تأكيد علمي، مع انه يخرج بالكلية عن نطاق العلم.[4]

عندما يقول العلم بالتطور، فأنه يصف خطاً تصاعدياً ويظهر كيف ان مادة الكون سلكت هذا الخط، ولكنه لا يبدي، وليس من شأنه كعلم ان يبدي، لماذا كان هناك خط تصاعدي. العلم يكتشف ويصف حلقات ارتقاء الكون ولكنه لا يبدي لماذا انتظمت هذه الحلقات في خط ارتقاء. هكذا فعندما يقرر العلم التطور، فأنه يترك الباب مفتوحاً انام التساؤل الصميمي الا وهو: لماذا اتخذ ارتباط حلقات هذا التطور شكلاً تصاعدياً؟

الجواب الاول الذي يمكن ان يعطي لهذا النمط من التفسير عريق في القدم، لأنه يعود الي فلاسفة اغريقيين قدامي كديموقريطس كانوا يفسرون حوادث الكون كلها بلقاءات تنشئها الصدفة بين الذرات التي يتألف منها الكون. ولكن هؤلاء الفلاسفة لم يكونوا يعرفون مدي تعقيد خلية واحدة لا بل جزئية واحدة من الجزئيات الضخمة. اما اليوم فقد أصبح هذا التعقيد معلوماً لدي العلماء، فكان ذلك ضربة قاضية لنظرية الصدفة.

لقد قام الفيزيائي السويسري شارل اوجين غي حوالي سنة ” 1920 ” بحسابات رياضية دقيقة حول ترجيح نشوء إحدى الجزئيات التي تتألف منها جزئية البروتيد، الا وهي الحمض المدعو الحمض الاميني، بداعي الصدفة وحدها، فوجد ان هذا الترجيح معدوم علمياً، هذا علماً بأن جزئية واحدة من البروتيد تتألف من العديد من الجزئيات المذكورة اعلاه، فيكون حظها بالنشوء بداعي الصدفة اقل بكثير، وكم بالحري ايضاً حظ خلية حية تتألف ليس فقط من جزئيات بروتيد بل من جزئيات ضخمة أخرى كلها متناسقة فيما بينها.

لذا نري العالم السوفياتي المعاصر الكبير اوبارين يصرح بأن ” التقدم الهائل الذي حققته العلوم الطبيعية مكن ننسى الاقتناع بان ظهور الحياة على الارض لم تكن (صدفة موفقة) كما كانوا يعتقدون سابقاً[5] …”، ويدحض محاولة تفسير ظهور ولو كائن حي واحد بفعل الصدفة، بقوله: ” ان هذا الافتراض شبيه بموقف امرئ يخلط أحرف طباعة تمثل ثمانية وعشرين حرفاً ابجدياً ويحركها، راجياً ان تجتمع بالصدفة لتؤلف هذه أو تلك من القصائد التي نعرفها”.

فاذا كان ظهور خلية واحدة بداعي الصدفة امراً مستحيلاً، فكيف نفسر ظهور ليس فقط خلية واحدة بل مليارات من الخلايا في البدء؟[6] وكيف نفسر بالأحرى، بمجرد فعل الصدفة، تدرج الحياة المتواصل نحو اشكال ارقي فأرقي. إذا اعتبر هذا التدرج تتابع صدف موفقة، فمن اين الصدفة هذا الاستمرار والترتيب في فعلها؟

فكأننا نقول -بالعودة الي الصورة التي اعتمدها اوبارين -ان الصدفة أوجدت اولاً حروفاً، ثم بمجرد الصدفة اصطفت تلك الاحرف فكونت مقاطع، ثم تجمعت تلك المقاطع صدفة لتوجد صفحات، ثم ارتبطت تلك الصفحات صدفة لتوجد فصولاً، واخيراً اجتمعت تلك الفصول بفعل الصدفة وحدها لتؤلف بحثاً علمياً أو فلسفياً او تحفة أدبية. اننا نفترض هكذا ان الصدفة تسير بموجب خطة منسقة تتنافي مع طبيعتها.

فالصدفة هي تحديداً عمياء، غير مرتبة، تهدم ما قد تكون بنته اتفاقاً كما تفصل هبّة ريح ورقتين اتفق ان جمعتهما على الارض هبّة ريح سابقة. لذا نري ان نظرية الصدفة قد نخلي عنها معظم علماء اليوم، حتى الماديين منهم.[7] لقد ذكرنا اعلاه موقف البيولوجي السوفياتي الكبير اوبارين ويمكننا ان نذكر على سبيل المثال ايضاً موقف بيولوجي كبير اخر لاأدري، وهو جان روستان، الذي بعد ان تبني تفسير التطور بالصدفة، نبذه.[8]

فاذا كانت نظرية الصدفة لم تثبت أمام المعطيات الذي كشفها العلم الحديث، بماذا يمكن الاستعاضة عنها؟ ان بعض العلماء الماركسيين كأوبارين الروسي وكاهان الفرنسي.[9] يقولون بأن ما يفسر التطور هو “الناموس الطبيعي”، اي بعبارة أخرى ان طبيعة المادة كانت تحتّم عليها ان تسلك الطريق التصاعدية التي سلكتها. هذا الرأي يستلهم صراحة النظرية الماركسية الاساسية، الا وهي ان المادة “ديالكتيكية”، اي انها بطبيعتها تتجاوز ذاتها باستمرار.

هذا الرأي مُغرٍ لأول وهلة لأنه يبدو علمياً بحتاً ولكن الحقيقة ليس ذلك تماماً.نعم ان التطور قد تم بفعل نواميس الطبيعة وبفعلها وحدها. الماركسيون محقون في ذلك، ومحقون عندما يقولون اننا سوف نكتشف ما لم نكتشفه بعد من تلك النواميس، وعند ذاك ستسد ثغرات معرفتنا للتطور ويصبح التطور مفهوماً بالكلية.

ولكن المسألة التي نحن بصددها ليست هنا، انما تطرح على صعيد آخر. السؤال الصميمي هو هذا: التطور يتم بفعل النواميس الطبيعية، ولكن كيف يفسر كون تلك النواميس مرتبة بشكل انها تعطي ذلك النمط التصاعدي الذي نراه في التطور؟ ما هو سر ترتيبها على هذا الخط؟

يبدو جلياً ان سؤالاً كهذا يتعدى صعيد العلم، سؤال ما ورائي اي انه متعلق بجذور الاشياء، بأصولها العميقة وليس فقط بمظاهرها التي هي من خصائص العلم. بعبارة أخرى، السؤال هو الآتي: ما الذي يفسّر كون المادة تسلك في فعل نواميسها ذلك الخط التصاعدي الذي نراه في التطور؟ ما الذي يفسّر عقلانية مسيرتها نحو اشكال أرقى فأرقى؟ تلك العقلانية تفترض فكراً.

فما هو هذا الفكر؟ هل هو فكر المادة؟ هل نظمت المادة ذاتها لتسير عبر مليارات من السنين في خط تطوري تصاعدي؟ ولكن ان تُنَظيَّم المادة ذاتها يعني انها ذات، ولكن المادة «ليست شخصاً حتى يمكن ان تنظم ذاتها. المادة كثرة. فكيف تنظم ذاتها بذاتها؟».[10] لكي تنظم المادة تلك الكثرة من الذرات، من حبات الطاقة التي تتألف منها، يجب ان يكون فيها ما يعلو على تلك الكثرة، يجب ان تكون المادة ذاتاً، شخصاً، وهذا في وارد.[11]

ثم لو افترضنا ان المادة نظمت ذاتها بهذا الشكل المذهل نكون قد نسبنا لها فكراً يعلو على الفكر البشري لأننا حتى الآن، رغم تقدم علمنا، لم نستطع بعد ان ندرك تماماً النظم التي تم بموجبها التطور.[12] بعبارة أخرى نكون قد نسبنا للمادة فكراً الهياً. ولكن مادة مؤهلة كهذه لم تعد المادة التي يعرفها العلم ويسخرها لخدمة الانسان، تلك المجموعة من الذرات والطاقات التي لا فكر لها. تأليه المادة هذا نكوص الي فكر الأقدمين الذين كانوا كلهم، خارج الخط اليهودي المسيحي، يؤلهون الكون.

فأرسطو مثلاً كان يعتبر الافلاك كائنات إلهية، وقد نُفي أحد فلاسفة الاغريق اناكساغوراس قديماً لأنه تجاسر على ان يعتبر القمر مجرد حجر.[13] لقد بدد الاعلان اليهودي المسيحي تلك الاوهام، وبذلك مهد السبيل للعلم إذ فتح امامه مجال الدراسة الموضوعية للكائنات المادية والسيطرة عليها بعد ان جُرّدت من صفاتها الالهية. [14] اما ان ننسب للمادة قدرة إلهية على تنظيم ذاتها، فهذا تقهقر يضرب عرض الحائط بمكاسب العلم[15] ومكاسب الإعلان المسيحي بآن.

هذا عودة الب الوثنية التي وصفها ارميا النبي بقوله: «يقولون للخشب انت ابي وللحجر انت ولدتني» (ارميا 27:2).[16]  هذا فضلاً عن ان الدفاع عن الوهة الكون كان أسهل في القديم مما هو الآن، لأننا نعرف اليوم ان الكون ابتدأ من لا شيء تقريباً. فاذا تذكرنا ان المادة بدأت بغيوم من الهيدروجين والهيليوم، وجب ان ننسب فكراً منظماً خلاقاً لتلك السحب التي منها خرج كل شيء. تلك هي الاصنام الجديدة كما كتب كلود تريمونتان: «هذا هو، يا اسرائيل، إلهك الذي اخرجك من مصر والذي خلقك: ليس هو عجلاً صهر بذهب الاساور والعقود.

كلا، انه سحابة مؤلفة خاصة من الهيدروجين والهيليوم. فلنبنِ له هيكلاً ولنتعبد لذلك الاله الجديد الذي كشفته لنا فيزياء الفلك».[17]

أما المؤمن، فانه لا يتعبد للمادة ولكنه ينسب الفكر النظم الخلاق العامل فيها لكائن متعال عن المادة، لكائن شخصي يمكنه وحده ان يرسم لتلك الكثرة الغاشمة التي هي المادة ذلك الخط التصاعدي الذي تسير بموجبه.أن ذلك الموقف الإيماني، وان كان تحديداً يفوق معطيات العقل والعلم، الا انه منسجم كلياً، كما اتضح مما سبق، مع متطلبات المنطق ومع المفهوم العلمي للمادة.

ولكن فعل الله هذا في المادة يجب ان يفهم على حقيقته. ليس هو، كما يتصوره العديد من المؤمنين وغير المؤمنين، فعلاً يضاف الي فعل النواميس الطبيعية فيسد الثغرات التي تبدو لنا في سياق التطور. هذا المفهوم مهين للعلم ولتعالي الله في بآن. انه مهين للعلم ان يحدّ من مجاله، كأن هناك ثغرات في سير التطور لابد للعلم ان يستقيل أمامها لأنها مجال حرام، مجال الله. ولكنه مهين ايضاً للتعالي الالهي لأنه يحدر الله الي مستوي العوامل الطبيعية.

اما الرأي الصحيح فهو ان الله لا يضاف الي نواميس الطبيعة لأنه يعمل على مستوي آخر، مختلف بالكلية عن المستوي الذي تعمل فيه تلك النواميس. الله لا يضاف الي نواميس الطبيعة ولكنه ذلك الكائن الذي تستمد منه بلا انقطاع تلك النواميس وجودها وعقلانيتها. هذا يفترض فهماً صحيحاً. لعقيدة الخلق[18]، فالخلق ليست عملية تمت مرة واحدة في بدء الزمن ثم ترك الله الكون يسير بموجب نواميسه وأخذ يتدخل من وقت الي آخر، من الخارج، لكي يوجه تلك النواميس ويعد نقصها ويتمم عجزها.

كلا فالخلق عملية مستمرة لان الله لم يزل عاملاً في الكون في ومن خلال تلك النواميس التي تستمد منه باستمرار كيانها وتخطيطها. هذا الخلق المستمر الذي اشار اليه الرب يسوع عندما قال: “ابي يعمل الي الآن وانا أعمل” (يوحنا 17:5).[19] لذا فالعلم يستطيع ان يفتش الي ما لا نهاية في الطبيعة، والطبيعة وحذها، عن كل حلقات التطور، أنه لن يصطدم بالله ولن يتعدى على حقوقه لان الله الذي يقول عنه الرب يسوع انه «في الخفاء» (متى 6:6) قد ارتضي ان يحتجب وراء عناصر الكون التي به وبه وحده توجد.

شيمة الله في معطائيته ان يحتجب أمام الكائنات التي يدعوها إلى الوجود. ولكن كلما اتضح لنا، بفعل الاكتشافات العلمية، تسلسل العوامل الطبيعة في ذلك الخط التصاعدي الذي سلكه الكون وكلما بدت لنا حلقات التطور منسقة، محكمة، احتجنا لنبرر ذلك كله تبربراً صميماً، ان نتجه نحو ذلك الذي سماه اوليفيه كليمان «شاعر الكون»، ذاك الذي يغمر مجده وبهاؤه الكائنات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن كتاب: السبل إلي الله، لدكتور/ كوستي بندلي

[1] Remy COLLIN: L’Evolution, hypothèses et problèmes, Fayard 1961 p. 27.

[2] Tavlitzki : Le code génétique, Paris 1964, cité par Claude Tresmontant : Comment se pose aujourd’hui le probléme de l’existence de Dieu, Seuil 1966, p. 209.

[3] DR. PAUL CHAUCHARD: LE CERVEAU ET LA CONSCIENCE, SEUIL 1960, P. 38.

[4] Claude Tresmontant: Comment se pose aujourd’hui le probléme de l’existence de Dieu, Seuil 1966, p. 97-98.

[5] A.I. OPARIN: L’ORIGINE DE LA VIE SUR LA TERRE, TRAD. FR., PARIS 1965, P.XV, CITÉ PAR CLAUDE TRESMONTANT: OP. CIT. P. 209.

[6] CF LECOMTE DU NOÜY: L’HOMME DEVANT LA SCIENCE, PARIS, 1946, P.142, CITÉ PAR CLAUDE TRESMONTANT: OP. CIT. P. 211.

[7] CF CLAUDE TRESMONTANT: OP. CIT. P. 197, 209, 216, 217, ETC…

[8] CF JEAN ROSTAND : CE QUE JE CORIS, ED. B. GRASSET P. 46, CITÉ PAR I. LEPP : PSYCHANALYSE DE L’ATHÉISME MODERNE P. 168.

[9] CF CLAUDE TRESMONTANT: OP. CIT. P. 217 À 223.

[10] Claude TRESMONTANT: op. cit. p. 228.

[11]  op. cit. p. 228-229.

[12] op. cit. p. 221.

[13] cf Etienne BORNE: Dieu n’est pas mort, Fayard 1963, p. 112.

[14] cf Pierre DUHEM: Le Système du Monde. II, p. 453, cité par Cl. TRESMONTANT: op. cit. p. 420.

Etienne BORNE: Dieu n’est pas mort, Fayard 1963, p. 79-80.

Pierre ANTOINE: L’église est-elle un lieu SACRÉ? in « Etudes », mars 1967, p. 435-436.

[15] cf Etienne BORNE: op. cit. p. 79-80.

[16] cf TRESMONTANT: op. cit. p. 318.

[17] op. cit. p. 126.

[18] راجع «مدخل الي العقيدة المسيحية» للمؤلف، منشورات النور، 1974.

[19] cf Clande Tresmontant : op. cit. p. 273-280 et p’ Schoonenberg : Le Monde de Dieu en devenir, p. 44, 45, 48-49, 51, 65, 70, 88, 207, 208, 215. Ed. du Centurion 1967.

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

صلب المسيح – إزاي بعد 600 سنة المسلمين يقولوا “شبه لهم”؟ – الجزء الأول

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

Why does the Bible commend the Magi for following the star, when it condemns astrology? MATTHEW 2:2

MATTHEW 2:2—Why does the Bible commend the Magi for following the star, when it condemns astrology?

PROBLEM: The Bible condemns the use of astrology (see Lev. 19:26; Deut. 18:10; Isa. 8:19), yet God blessed the wise men (Magi) for using a star to indicate the birth of Christ.

SOLUTION: First, we need to ask what astrology is. Astrology is a belief that the study of the arrangement and movement of the stars can enable one to foretell events—whether they will be good or bad.

Second, the star used in the biblical account was to announce the birth of Christ, not to foretell this event. God gave the star to the Magi to proclaim to them that the child had already been born. We know the child was already born, because in Matthew 2:16, Herod gives a command to kill all the boys in Bethlehem and vicinity that are two years old or younger in accordance with “the time which he had ascertained from the Magi” (nasb).

Third, there are other cases in the Bible in which the stars and planets are used by God to reveal His desires. Psalm 19:1–6 affirms that the heavens declare God’s glory, and Romans 1:18–20 teaches that creation reveals God’s existence. Christ refers to what will happen to the sun, moon, and stars in connection with His second coming (Matt 24:29–30), as did the prophet Joel (2:31–32). The star guiding the Magi was not used to predict, but to proclaim the birth of Christ.

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (326). Wheaton, Ill.: Victor Books.

How Can One God Be Three?

How Can One God Be Three?

Speaking through the prophet Isaiah, God said, “My thoughts are not your thoughts, / Nor are your ways My ways … / For as the heavens are higher than the earth, / So are My ways higher than your ways, / And My thoughts than your thoughts” (Isa. 55:8–9). God is infinite, man is finite, so there are mysteries about God that man cannot fully understand. One of these mysteries is the Trinity, the tri-personality of God. According to Christian orthodoxy, God is one God in essence, power, and authority, and also eternally exists as three distinct co-equal persons. These three persons are the Father, the Son (Jesus), and the Holy Spirit. This does not mean that Christians believe in three gods (polytheism). Rather, the doctrine of the Trinity is that there is only one God who exists in three distinct persons, and all three share the exact same divine nature or essence.

Understanding this fully is beyond human comprehension and has no human parallels, although various analogies have been offered. One of these analogies is the three physical states of water. Water is not only a liquid but also a solid (ice) and a gas (vapor), yet its chemical composition (substance) never changes in all three forms (two parts hydrogen and one part oxygen—H2O). Although such analogies help us visualize the concept of the Trinity, they all fall short in some way. In the case of the water analogy, although the molecule H2O can be liquid, solid, or gas, it is never all three at one time. The Trinity, on the other hand, is all three persons as one God.

The word Trinity is not used in Scripture, but it has been adopted by theologians to summarize the biblical concept of God. Difficult as it is to understand, the Bible explicitly teaches the doctrine of the Trinity, and it deserves to be explained as clearly as possible, especially to non-Christians who find the concept a stumbling-block to belief. So let’s dig into this topic by addressing four key questions.

IS THE DOCTRINE OF THE TRINITY IRRATIONAL?

The doctrine of the Trinity is certainly a mystery but that doesn’t mean it’s irrational. The concept cannot be known by human reason apart from divine revelation, and, as we’ll soon see, the Bible definitely supports the idea of the Trinity. But for now, I want to demonstrate that the doctrine of the Trinity, although beyond human comprehension, is nevertheless rational. Our acceptance of it is congruous with how we respond to other data about the known world.

There are many things about the universe we don’t understand today and yet accept at face value simply because of the preponderance of evidence supporting their existence. The scientific method demands that empirical evidence be accepted whether or not science understands why it exists or how it operates. The scientific method does not require that all data be explained before it is accepted.

Contemporary physics, for instance, has discovered an apparent paradox in the nature of light. Depending on what kind of test one applies (both of them “equally sound”), light appears as either undulatory (wave-like) or corpuscular (particle-like). This is a problem. Light particles have mass, while light waves do not. How can light have mass and not have it, apparently at the same time? Scientists can’t yet explain this phenomenon, but neither do they reject one form of light in favor of the other, nor do they reject that light exists at all. Instead, they accept what they’ve found based on the evidence and press on.

Like physicists, we are no more able to explain the mechanics of the Trinity than they can explain the apparent paradox in the nature of light. In both cases, the evidence is clear that each exists and harbors mystery. So we must simply accept the facts and move on. Just because we cannot explain the Trinity, how it can exist, or how it operates does not mean that the doctrine must be rejected, so long as sufficient evidence exists for its reality. So let’s now explore this evidence.

HOW DOES THE BIBLE PRESENT THE DOCTRINE OF THE TRINITY?

THE OLD TESTAMENT

Although the doctrine of the Trinity is fully revealed in the New Testament, its roots can be found in the Old Testament.

In several places, God refers to Himself in plural terms. For example, “Then God said, ‘Let Us make man in Our image’” (Gen. 1:26; see 3:22; 11:7; Isa. 6:8).

The Messiah was prophesied in the Old Testament as being divine. Isaiah 9:6 states that the Messiah will be called “Mighty God,” a term applied in the Old Testament specifically to Yahweh (see Mic. 5:2).

Isaiah 48:16 refers to all three members of the Godhead: “Come near to Me, listen to this: From the first I have not spoken in secret, from the time it took place, I was there. And now the Lord God [Father] has sent Me [Jesus], and His Spirit [the Holy Spirit]” (nasv).

The Old Testament also makes numerous references to the Holy Spirit in contexts conveying His deity (Gen. 1:2; Neh. 9:20; Ps. 139:7; Isa. 63:10–14).

THE NEW TESTAMENT

The New Testament provides the most extensive and clear material on the Trinity. Here are just a few of the texts that mention all three members of the Godhead and imply their co-equal status.

•     Matthew 28:19, the baptismal formula: “Go therefore and make disciples of all the nations, baptizing them in the name [not ‘names’] of the Father and of the Son and of the Holy Spirit.”

•     Matthew 3:16, at the baptism of Christ in the Jordan: “And after being baptized, Jesus went up immediately from the water; and behold, the heavens were opened, and He saw the Spirit [Holy Spirit] of God [Father] descending as a dove, and coming upon Him [Jesus]” (nasv).

•     Luke 1:35, the prophetic announcement to Mary of Jesus’ birth: “And the angel answered and said to her, ‘The Holy Spirit will come upon you, and the power of the Highest [Father] will overshadow you; therefore, also, that Holy One who is to be born will be called the Son of God [Jesus].’”

•     The trinitarian formula is also found in 1 Peter 1:2, 2 Corinthians 13:14, and 1 Corinthians 12:4–6.

DIGGING DEEPER

To explain the doctrine of the Trinity, I will take an inductive (scientific) approach. By this I mean I will accumulate general facts in Scripture that lead to a specific conclusion—that the nature of God is triune. The argument will go like this:

1. The Bible teaches that God is one (monotheism) and that He possesses certain attributes that only God can have.

2. Yet when we study the attributes of the Father, the Son, and the Holy Spirit, we discover that all three possess the identical attributes of deity.

3. Thus we can conclude that there is one God eternally existing as three distinct persons.

God Is One (Monotheism)

The Hebrew Shema of the Old Testament is “Hear, O Israel: The Lord our God, the Lord is one!” (Deut. 6:4; see Isa. 43:10; 44:6; 46:9). Some people have argued that this passage actually refutes the concept of the triune nature of God because it states that God is one. But the Hebrew word for “one” in this text is echod, which carries the meaning of unity in plurality. It is the same word used to describe Adam and Eve becoming “one flesh” (Gen. 2:24). Scripture is not affirming that Adam and Eve literally become one person upon marriage. Rather, they are distinct persons who unite in a permanent relationship.

The New Testament confirms the teaching of the Old: “You believe that God is one. You do well; the demons also believe, and shudder” (James 2:19, nasv; see 1 Tim. 2:5; 1 Cor. 8:4; Eph. 4:4–6).

God Has a Certain Nature

Both the Old and New Testaments list the attributes of God. We won’t consider all of them here, but what follows are some of the clearest expressions of what constitutes deity.

•     God is omnipresent (present everywhere at once): Psalm 139:7–10; Jeremiah 23:23–24.

•     God is omniscient (possesses infinite knowledge): Psalms 139:1–4; 147:4–5; Hebrews 4:13; 1 John 3:20.

•     God is omnipotent (all-powerful): Psalm 139:13–18; Jeremiah 32:17; Matthew 19:26.

The Father Is God

To the Jews, who do not accept the Trinity, God is Yahweh. In the Old Testament, Yahweh is to the Hebrews what Father is in the New Testament and to Christians. The attributes of God (Yahweh) listed above are the same for Yahweh and Father because both names apply to the one God. Although the concept of God as Father is not as explicit in the Old Testament as it is in the New, nevertheless, it has its roots in the Old (see Pss. 89:26; 68:5; 103:13; Prov. 3:12).

In the New Testament, the concept of the Father as a distinct person in the Godhead becomes clear (Mark 14:36; 1 Cor. 8:6; Gal. 1:1; Phil. 2:11; 1 Pet. 1:2; 2 Pet. 1:17). God is viewed as Father over creation (Acts 17:24–29), the nation of Israel (Rom. 9:4; see Exod. 4:22), the Lord Jesus Christ (Matt. 3:17), and all who believe in Jesus as Lord and Savior (Gal. 3:26).

The Son Is God

Like the Father, Jesus possesses the attributes of God. He is omnipresent (Matt. 18:20; 28:20). He is also omniscient: He knows people’s thoughts (Matt. 12:25), their secrets (John 4:29), the future (Matt. 24:24–25), indeed all things (John 16:30; 21:17). His omnipotence is also taught. He has all power over creation (John 1:3; Col. 1:16), death (John 5:25–29; 6:39), nature (Mark 4:41; Matt. 21:19), demons (Mark 5:11–15), and diseases (Luke 4:38–41).

In addition to these characteristics, Jesus exhibits other attributes that the Bible acknowledges as belonging only to God. For example, He preexisted with the Father from all eternity (John 1:1–2), accepted worship (Matt. 14:33), forgave sins (Matt. 9:2), and was sinless (John 8:46).

The Holy Spirit Is God

The Holy Spirit is also omnipresent (Ps. 139:7–10), omniscient (1 Cor. 2:10), and omnipotent (Luke 1:35; Job 33:4).

Like Jesus, the Holy Spirit exhibits other divine attributes that the Bible ascribes to God. For instance, He was involved in creation (Gen. 1:2; Ps. 104:30), inspired the authorship of the Bible (2 Pet. 1:21), raised people from the dead (Rom. 8:11), and is called God (Acts 5:3–4).

The upshot of all this is that God is triune. In a formal argument, we can put it this way:

Major Premise:

Only God is omnipresent, omniscient, and omnipotent.

Minor Premise:

The Father, the Son, and the Holy Spirit are omnipresent, omniscient, and omnipotent.

Conclusion:

Therefore, God is triune as Father, Son, and Holy Spirit.

THE TRINITY

HOW DOES JESUS TEACH THE DOCTRINE OF THE TRINITY?

In the Bible, Jesus claims to be God and then demonstrates this claim by displaying the attributes of God and by raising Himself from the dead. So what Jesus has to say about God must be true. And Jesus clearly teaches that God is triune.

Jesus Is Equal with the Father and Holy Spirit

In Matthew 28:19, Jesus tells His followers to “make disciples of all the nations, baptizing them in the name of the Father and of the Son and of the Holy Spirit.” He uses the singular word name but associates it with three persons. The implication is that the one God is eternally three co-equal persons—Father, Son, and Holy Spirit.

Jesus Is One with the Father

In John 14:7 and 9, Jesus identifies Himself with the Father by saying to His disciples, “If you had known Me, you would have known My Father also; and from now on you know Him and have seen Him … He who has seen Me has seen the Father” (see John 5:18). Jesus is not claiming to be the Father; rather, He is saying that He is one with the Father in essence.

Jesus Is One with the Holy Spirit

Continuing in John 14, Jesus tells His disciples that, after He is gone, He will send them “another Helper” who will be with them forever and will indwell them (vv. 16–17). The “Helper” is the Holy Spirit. The trinitarian implication lies with the word another. The apostle John, as he wrote this passage, could have chosen one of two Greek words for another. Heteros denotes “another of a different kind,” while allos denotes “another of the same kind as myself.” The word chosen by John was allos, clearly linking Jesus in substance with the Holy Spirit, just as He is linked in substance with the Father in verses 7 and 9. In other words, the coming Holy Spirit will be a different person than Jesus, but He will be the same with Him in divine essence just as Jesus and the Father are different persons but one in their essential nature. Thus, in this passage, Jesus teaches the doctrine of the Trinity.

So far we have seen that the authors of Scripture and Jesus Christ teach the triune nature of God. Therefore, the only way the doctrine of the Trinity can be rejected is if one refuses to accept the biblical evidence. Some groups, such as the Jehovah’s Witnesses, do this by reinterpreting and altering Scripture. Others, such as the Unitarians (who claim that Jesus is just a man), arbitrarily and without any evidence deny anything supernatural or miraculous in the Bible. Both the Jehovah’s Witnesses and the Unitarians are guilty of the very same thing of which they accuse Christians—irrationality. They refuse to accept the evidence for the Trinity regardless of how legitimate it is. This is unscientific and irrational. If one approaches Scripture without bias, he will clearly discover what the church has maintained for centuries: God is triune—one God in essence but eternally existing in three persons as Father, Son, and Holy Spirit.

A COMMON OBJECTION

Perhaps you’ve wondered or heard someone say, “If Jesus is one in essence with the Father, an equal member of the triune Godhead, why does He say, ‘the Father is greater than I’” (John 14:28)? This question actually moves away from the doctrine of the Trinity and launches us into the doctrine of the incarnation, the process whereby Jesus, as the eternal Son of God, came to earth as man. Nevertheless, because this question is frequently raised as an objection, it needs to be answered.

Numerous passages in Scripture teach that Jesus, although fully God, is also fully man (John 1:14; Rom. 8:3; Col. 2:9; 1 Tim. 3:16). However, Philippians 2:5–8 states that, in the process of taking on humanity, Jesus did not give up any of His divine attributes. Rather, He gave up His divine glory (see John 17:5) and voluntarily chose to withhold or restrain the full use of His divine attributes. There are numerous instances in Scripture where Jesus, although in human form, exhibits the attributes of deity. If Jesus had surrendered any of His divine attributes when He came to earth, He would not have been fully God and thus could not have revealed the Father as He claimed to do (John 14:7, 9).

The key to understanding passages such as John 14:28 is that Jesus, like the Father and the Holy Spirit, has a particular position in the triune Godhead. Jesus is called the Son of God, not as an expression of physical birth, but as an expression of His position in relationship to the Father and Holy Spirit. This in no way distracts from His equality with the Father and the Holy Spirit or with His membership in the Godhead. As man, Jesus submits to the Father and acts in accordance to the Father’s will (see John 5:19, 30; 6:38; 8:28). So when we read passages such as Mark 14:36 where Jesus submits to the Father’s will, His submission has nothing to do with His divine essence, power, or authority, only with His position as the Incarnate Son.

Perhaps an illustration will help to explain this. Three people decide to pool their money equally and start a corporation. Each are equal owners of the corporation, but one owner becomes president, another vice-president, and the third secretary/treasurer. Each are completely equal so far as ownership, yet each has his own particular function to perform within the corporation. The president is the corporate head, and the vice-president and secretary/treasurer are submissive to his authority and carry out his bidding.

So when Jesus the God-man submits to the Father’s will or states that the Father is greater than He or that certain facts are known only by the Father (e.g., Matt. 24:36), it does not mean that He is less than the other members of the Godhead but that in His incarnate state He did and knew only that which was according to the Father’s will. The Father did not will that Jesus have certain knowledge while in human form. Because Jesus voluntarily restrained the full use of His divine attributes, He was submissive to the Father’s will.

Why did Jesus choose to hold back from fully using His divine powers? For our sake. God willed that Jesus feel the full weight of man’s sin and its consequences. Because Jesus was fully man, He could fulfill the requirements of an acceptable sacrifice for our sins. Only a man could die for the sins of mankind. Only a sinless man could be an acceptable sacrifice to God. And it is only because Jesus is an equal member of the triune Godhead, and thus fully God, that He was able to raise Himself from the dead after dying on the cross and thereby guarantee our eternal life.

When all the evidence is accounted for and the verdict read, the Bible clearly teaches that the Father, the Son, and the Holy Spirit are three distinct, co-equal, co-eternal members of the Godhead, yet one in essence, power, and authority. All three are one God. Were this not the case, if the Trinity were not a reality, there would be no Christianity.

[1]

 

 

[1]Story, D. (1997). Defending your faith. Originally published: Nashville : T. Nelson, c1992. (99). Grand Rapids, MI: Kregel Publications.

Using Inference to the Best Explantion: What Caused the Birth of Christology?

Using Inference to the Best Explantion: What Caused the Birth of Christology?

Using Inference to the Best Explantion: What Caused the Birth of Christology?
 
Anyone who studies historical method is familiar with what is called historical causation. Historians seek out the causes of a certain events. As historian Paul Barnett says, “The birth of Christianity and the birth of Christology are inseparable both as to time and essence.” (1) One thing for sure: the birth of Christology was very early and not something that was invented much later in Church history.

We must not forget that within Judaism there is a term called “avodah zara” which is defined as the formal recognition or worship as God of an entity that is in fact not God i.e., idolatry. In other words, the acceptance of a non-divine entity as your deity is a form of avodah zara. (2) As of today, traditional or Orthodox Judaism still upholds the position that Jewish people are forbidden to pray and worship anyone other than the God of Israel (Ex. 20:1–5; Deut. 5:6–9).

Paul’s Letters are the earliest records we have for the life of Jesus. We know that from about AD 48 until his death (60 to 65 AD) Paul wrote at least 13 of the New Testament’s books. They are also the earliest letters we have for the Christology of Jesus. To read any objections to Paul’s Letters, see here.

As pointed out by Richard Bauckham in his work on this topic, Paul believed that Jesus was God by attributing attributes to him that were distinctly reserved for God. And he did so in a distinctly Jewish manner while also preserving monotheism. There were three attributes that first century Jews uniquely assigned to God:

1. God is the Sole Ruler of all things

2. God is the Sole Creator of all things

3. God is the only being deserving of worship

So let’s look at how Paul matches up the data here:

1. Jesus participates in God’s sole rule over all things

Phil: 3:20-21: “For our citizenship is in heaven, from which also we eagerly wait for a Savior, the Lord Jesus Christ; who will transform the body of our humble state into conformity with the body of His glory, by the exertion of the power that He has even to subject all things to Himself.”

Eph. 1:21-22: Paul speaks of Jesus being ”far above all rule and authority and power and dominion, and every name that is named, not only in this age but also in the one to come. And He put all things in subjection under His feet…”

Here, Jesus is clearly given the authority to rule above every one of God’s created beings.

2. Jesus as the Creator of all things

Jesus is clearly thought by Paul to have been the creator of the universe. This attribute is reserved only to God in Second Temple Judaism. Paul makes it clear that Jesus created all things.

Col. 1:15-16: “He is the image of the invisible God, the firstborn over all creation. For by him all things were created: things in heaven and on earth, visible and invisible, whether thrones or powers or rulers or authorities; all things were created by him and for him.”

3. Jesus as worthy of worship

As discussed above, only God was worthy of worship in Second Temple Judaism. Nevertheless, Paul discusses the worship of Jesus. Since God is the sole Creator and Ruler of all things He alone should be worshiped. Even within the Roman Empire, Jews worshiped God alone. No other entity was worthy of worship. Here is one of the earliest Christological texts:

Philippians 2:6-11: “Who, being in very nature God, did not consider equality with God something to be grasped, but made himself nothing, taking the very nature of a servant, being made in human likeness. And being found in appearance as a man, he humbled himself and became obedient to death even death on a cross! Therefore God exalted him to the highest place and gave him the name that is above every name, that at the name of Jesus every knee should bow, in heaven and on earth and under the earth, and every tongue confess that Jesus Christ is Lord, to the glory of God the Father.”

In their book The Jesus Legend, The: A Case for the Historical Reliability of the Synoptic Jesus Tradition, Gregory Boyd and Paul Eddy say,

“During the reign of Pilate and Herod, when Caiaphas was high priest, we find a Jewish movement arising that worships a recent contemporary alongside and in a similar manner as Yahweh-God. To call this development “novel” is a significant understatement. In truth, it constitutes nothing less than a massive paradigm shift in the first century Palestinian Jewish religious worldview.” (3)

Explanations try to show how something happened. That is, what is the cause for something that has happened. So let’s weight the options on the table and see if we can come up with an explanation that explains the data at hand:

#1: Religious Syncretism

While there were various Jewish sects during the time of Jesus, religious syncretism is a form of idolatry. First, the Jewish Scriptures forbids worshiping anyone other than the God of Israel (Ex. 20:1–5; Deut. 5:6–9). Following the exile and subsequent intertestamental struggles, it can asked whether Jews still fell prey to physical idolatry. Some skeptics assert that since Israel always had problems with idolatry in their early formation, it would not be a challenge to assert they could fall into idolatry again by worshiping one of their own countrymen as God. But this is problematic; To assert that Israel’s previous problems with idolatry which would lead to further into idolatry in the Second Temple period leads me to cry “anachronism.” Remember, idolatry is rarely mentioned in the Gospels. But there are warnings about idolatry in other portions of the New Testament( 1 Cor. 6:9-10 ; Gal 5:20 ; Eph. 5:5 ; Col 3:5 ; 1 Peter 4:3 ; Rev 21:8). Paul instructs believers not to associate with idolaters ( 1 Cor .5:11 ; 10:14 ) and even commends the Thessalonian for their turning from the service of idols “to serve the living and true God” ( 1 Thess1:9) (see Walter A. Elwell’s Baker’s Evangelical Dictionary of Biblical Theology, pgs 364-365). So I guess my question is the following: Why would Paul or the early disciples commit an idolatrous act (by saying Jesus is divine) and but then later speak against idolatry? It seems rather inconsistent.

#2 Hellenism or Polytheism?

The syncretism objection is related to the Hellenism/Polytheism possibility. The first followers of Jesus were exclusively Jews. The book of Acts gives a reference to the early followers of Jesus as “the sect of Nazarenes” (Acts 24:5). However, it is asserted that as the Christian faith spread, it became a predominately Gentile based religion. By the time of Jesus, Jews had encountered the impact of Hellenistic culture for three hundred years. The word “Hellenistic” was given to describe the period of history that started with the death of Alexander the Great in 323 B.C. and ended when Rome conquered Alexander’s empire in 30 B.C .It is also safe to say that several forms of Jewish culture during the Roman period were somewhat Hellenized. This is why it is often argued that the incarnation grew out of Hellenistic presuppositions. But as Paul Eddy points out in his articleWas Christianity Corrupted by Hellenism? from the middle of the third century BC, while Jewish Palestine had already experienced the effects of Hellenism we need to remember that Hellenism did not tend to infiltrate and ‘corrupt’ the local religious traditions of the ancient world. Rather, people maintained their religious traditions in spite of Hellenistic influence in other areas of their lives. Also, there are also references to the negative views of gentile polytheism (Acts 17: 22-23; 1 Cor 8:5). Gentiles were regarded as both sinful (Gal 2:5) and idolatrous (Rom 1:23).

#3: The Deity of Jesus is Legend?

As I already said, the earliest documents for the Christology of Jesus are Paul’s Letters. In them, we have one of the earliest confessions of the deity of Jesus in 1 Corinthians 8: 5-6:

“For though there are things that are called gods, whether in the heavens or on earth; as there are many gods and many lords; yet to us there is one God, the Father, of whom are all things, and we for him; and one Lord, Jesus Christ, through whom are all things, and we live through him.”

Here is a distinct echo of the Shema, a creed that every Jew would have memorized from a very early age. When we read Deuteronomy 6:4-9, which says, “Hear O Israel! The Lord our God is our God, the Lord is one,” Paul ends up doing something extremely significant in the history of Judaism.

A glance at the entire context of the passage in 1 Corinthians 8:5-6 shows that according to Paul’s inspired understanding, Jesus receives the “name above all names,” the name God revealed as his own, the name of the Lord. In giving a reformulation of the Shema, Paul still affirms the existence of the one God, but what is unique is that somehow this one God now includes the one Lord, Jesus the Messiah. Therefore, Paul’s understanding of this passage begets no indication of abandoning Jewish monotheism in place of paganism.

For a Jewish person, when the title “Lord” (Heb. Adonai) was used in place of the divine name YHWH, this was the highest designation a Jewish person could use for deity. Furthermore, it would have been no problem to confess Jesus as prophet, priest, or king since these offices already existed in the Hebrew Bible. After all, these titles were used for a human being. There was nothing divine about them.

#4: The Christology of Jesus can be explained by the disciples experience with Jesus before the resurrection and the post-resurrection appearances

I have already pointed out that the resurrection of Jesus is the best explanation for many historical issues within the New Testament.. So at this point, I would have to assume that skeptics can only say that the birth of Christology is simply false because of their metaphysical starting points (e.g., Jesus can’t be divine because the natural world is all there is, etc).

For those that are still hung up on the reliability of the New Testament, see our resource page.

Sources:
1. 1. Paul Barnett, The Birth of Christianity: The First Twenty Years (Grand Rapids: Wm. B. Eerdmans Publishing Co. 2005), 8.

2. David Berger, The Rebbe, The Messiah And The Scandal Of Orthodox Difference, 160-174.

3. Gregory A. Boyd and Paul R. Eddy, The Jesus Legend: A Case For The Historical Reliability of the Synoptic Tradition (Grand Rapids: MI: Baker Books, 2007), 132.

Exit mobile version