الكنيسة توقف كاهنا عن العمل بسبب تصريحاته لبرنامج وائل الإبراشي
الكنيسة توقف كاهنا عن العمل بسبب تصريحاته لبرنامج وائل الإبراشي
أصدر البابا تواضروس الثانى قرارًا بابويًا، أمس الخميس، يقضى بإيقاف القس شنودة منصور عن جميع الأعمال الكهنوتية لحين انتهاء التحقيقات معه، بمعرفة المجلس الإكليريكى للكهنة، فيما نُسِب إليه من تصريحات عن ملابس الفتيات.
يذكر أن القس شنودة قد شارك فى برنامج العاشرة مساءً الذى وائل الإبراشى، وأدلى بتصريحات تناولت الفتيات والسيدات القبطيات، خاصة فيما يتعلق بأزياء الفتيات أثناء حفلات الزفاف فى الكنيسة، مما أثار الرأى العام القبطى، ودفع المتحدث الرسمى باسم الكنيسة القبطية إلى إصدار تصريحات صحفية أمس استنكر فيها ما جاء فى البرنامج من إساءات لبنات الكنيسة.
كيف يُقرأ الكتاب المقدّس ويُفسَّر؟ كيف يتأكّد القارئ أنّه يستوعب المعنى الصحيح مع اعتبار الوجهين الإلهيّ والبشريّ والطرائق المختلفة التي بها تمّ تلقّي الكتاب واستعماله؟
عندما يتكلّم واعظ ما او معلّم او كاهن على نصّ او موضوع كتابيّ، كيف لنا أن نعرف أنّ التعليم أو العظة يستندان إلى تفسير مقبول؟ ما هو الدور الذي لعلماء الكتاب أن يقوموا به في استعمال الكتاب المقدّس كنسيّاً؟ كيف تتمّ مواجهة تعدّدية آرائهم؟ ألا يستطيع المسيحيّ العاديّ أن يقرأ الإنجيل ببساطة ويطبقّه في حياته كما يفعل الكثير من المسيحيّين؟ أليس ممكناً إضافةً إلى هذا يكون للإنجيل أكثر من معنى عند أشخاص مختلفين؟
عندما تُطرَح أسئلة مثل هذه، يدخل المرء في حقل التأويل Hermeneutics وهو فرع له مستلزماته من العوامل المعقّدة. مهمّة التأويل هي بالتفسير الكتابيّ وضرورته وطريقته. هذه المهمة ممكن أن تصبح بسرعة مجرّدة كونها تتضمّن أبعاداً كثيرة، بما فيها النظريّات الفلسفيّة في المعرفة والألسنيّة[1]. التعبير التقنيّ مشتقّ من الكلمة اليونانيّة α’ɩεѵημρέ التي يمكن ترجمتها بالتفسير أو الشرح أو الترجمة.
من وجهة نظر إيتيمولوجيّةـ تشتقّ هذه الكلمة من اسم ςήμρΕ (هرماس) رسول الآلهة والمتحدّث باسمهم في الميثولوجيا اليونانيّة القديمة. وكما كان هرماس، هكذا α’ɩεѵημρέ هي عمليّة استيعاب المعنى ونقله. مفهوم الكاتب التفسيريّ، وعلى درجات مختلفة من الوضوح والكمال، مُدَّخَر في ما يكتبه.
بعد هذا يأتي القرّاء إلى النصّ، وأيضاً على درجات مختلفة من الوضوح والكمال، يسعون إلى استيعاب معنى النصّ وتفصيله لأنفسهم وللآخرين، وليس بالضرورة بالمعنى الذي أراده الكاتب. يستطيع المرء أن يتخيّل التعقيدات التي تنشأ من مجمل العمليّة لجهة اللغة والتاريخ وعلم النفس والفلسفة واللاهوت والروحانيّة! يتحدّث الباحثون عن “المسألة التفسيريّة” أو “المشكلة التفسيريّة” وغالباً ما يشيرون إلى الموضوع بالجمع “hermeneutics” أو بالمفرد “hermeneutic”.
ما يلي هو تقديم مبسَّط للتفسير الكتابيّ استناداً إلى المنظار الأرثوذكسيّ الآبائيّ (أنظر الفصل الرابع) ومتضمّناً الأبعاد الرئيسة للإيمان والمنطق والكنيسة[2]. كلّ موقفنا التفسيريّ يمكن وصفه بالمحافظة الديناميكيّة المرتكزة على الافتراضات المسبقة:
أ) احترم سلطة الكتاب المقدّس والكنيسة والعقيدة المسيحيّة التقليديّة احتراماً بالغاً،
ب) أهميّة الصلاة والعبادة والحياة الروحيّة في دراسة الكتاب المقدّس،
ج) السعي الصادق والمسؤول نحو الحقيقة استناداً إلى مبدأ أنّ المعنى الأساس في نصّ الكتاب هو الذي يُبَلَّغ بالتفسير النقديّ والنحويّ والتاريخيّ،
د) الهدف النهائيّ للتفسير الكتابيّ هو إنارة الحقائق اللاهوتيّة والمعاني الأخلاقيّة في الكتاب المقدّس. في البدء تساعدنا بعض التمييزات. رغم أنّ الصفات تفسيريّ (interpretive) وشرحيّ (exegetical) أو تأويليّ (hermeneutical) تُستَعمَل غالباً من غير تمييز أو بطرائق متداخلة، فإنّ نقاشاً أكثر دقّة يتطلّب تحديدات أكثر وضوحاً. الشرح Exegesis (من الفعل ωέϫηξέ في اليونانيّة الذي يعني حرفيّاً “يستخرج من” أو “يقود خارجاً”) يتعلّق أوَلاً بالمعنى الأصيل للنصّ، أي، ما يبثّه الكاتب في اللغة الأصليّة بأسلوب محدّد وبنية نحويّة محدّدة وإطار تاريخيّ محدّد.
الموضوعيّة المطلقة في التفسير exegesis وهي وهم، بينما الموضوعيّة النسبيّة ممكنة كما هو مبرهَن في عدد من مجالات الإجماع بين الباحثين على المستوى الشرحيّ الوصفيّ. تقدّم الأطرالنحويّة والتاريخيّة بعض المعطيات الموضوعيّة لفهم بعض المقاطع الكتابيّة بشكل دقيق إلى حدّ ما[3]. إنّ الروايات الوصفيّة لمجمل فكر الأسفار المقدّسة والكتّاب، رغم تضمنّه متغيّرات أكثر وتالياً أقل أماناً، هي أيضاً ممكنة.
فيما يستطيع أيّ قارئ متأنٍ أن يخرج برؤى تفسيريّة، إلا أنّ الباحثين المتدربين هم الأكثر تجهيزاً ليعطوا تفسيراً نظاميّاً على مستوى واعٍ وبأدوات مناسبة. مثاليّاً، التفسير هو مهمة وصفيّة، والتركيز فيها هو على النصّ طالما أنّ المفسّر يتعقّب المعنى الرئيس، فكلّ الطرائق الأدبيّة والتاريخيّة المستعملة مُرَحَّب بها على أنّها بالمبدأ مشجعّة للكشف وحياديّة.
تنشأ التعقيدات الأساسيّة في التفسير من : أ) دلائل غير كافيّة، ب) تخمينات اعتباطيّة للمفسّرين، ج) الإفراط في تحليل الخلفيّة و د) انحرافات غير مضبوطة للمترجمين، وفي هذه الحالة يصبح الشرح (exegesis) تجسيداً لأفكار المفسّر في النصّ (eisegesis). أفضل طريقة لمعالجة هذه الصعوبات هي أن يراجع المفسّرون أحدهم الآخر ليتأكّدوا أنّهم يقومون بتفسير وصفيّ ساعين إلى المعنى الأصليّ والكامل كما يُعبَّر عنه قرينيّاً بكلمات الكاتب.
التفسير(interpretation) هو بالمبدأ مستوى آخر من معالجة الكتاب المقدّس حيث يُنظَر إلى النصّ، عن وعي أو عن غير وعي، من حيث قيمته بالنسبة إلى القارئ. إنّه تقدير أكثر حريّة وتطبيق مدَرك في نصّ، عادةً استناداً إلى أسئلة القارئ واختياره واهتماماته وقيمه، مفسَّراً كما قد يفسّر أيّ شخص أيَّ حدث أو بيان أو عمل فنّي. التفسيرات الأكثر معنى هي تلك المرتكزة بشكل أصيل على المعنى الأصليّ الشرحيّ للنصّ.
في أيّ حال، إنً المفسّرين انتقائيّون بشكل لا يمكن تفاديه وغالباً ما يتحرّكون خارج إطار الكاتب بالإشارة إلى معانٍ أخرى ممكنة وتطبيقات مغيّبة للنصّ وقد تكون متقاربة. التفسير (interpretation) هو بالدرجة الأولى مهمّة وصفيّة ولكن تقويميّة تسعى إلى استخراج الحقيقة النافعة أو الثابية من الكتاب المقدّس. بدون أن نميّز بشكل مطلق، ما هو مستحيل، الشرح الوصفيّ (descriptive exegesis) يسعى إلى ما “عنى” الكتاب، والشرح التقويميّ (evaluation exegesis) يسعى إلى ما “يعني” الكتاب[4].
بالطبع، بالنسبة إلى الكثير من المؤمنين، ما عناه الكتاب وما يعنيه هما الشيء ذاته بالكامل، بخاصّة في ما يتعلّق بأحداث الخلاص وحقائقه.
في أيّ حال، من الغموض بمكان التأكيد حرفياً على قصة الخلق في ستّة أيام أو على أن المياه مخبّأة فوق قبّة سماويّة جامدة، لأنّ الكتاب يصف الكون بهذه الطريقة. في هذه المعرفة، طرحت العلوم فهمنا بشكل عميق. قد لا يعطي الكثير معنى إعلانيّاً للنصيحة بشرب بعض الخمر (1 تيموثاوس 23:5)، ولكن قد يفعل البعض هذا بالنسبة إلى ستر رأس المرأة (1 كورنثوس 11: 5-10)[5].
ماذا عن العبوديّة ومرتبة النساء الدنيا في عالم الكتاب؟ ماذا عن تملّك الشياطين والعجائب؟ ماذا عن التعاليم كمثال أنّ طاعة الربّ تجلب الرغد الذي لا ينضب وعدم الطاعة يجلب العذاب، ما يضحده كتاب أيوب وسيرته؟ هذه الأمور تجعل مهمّة التفسير التقويميّ ضروريّة ولا مناص منها. واضح أيضاً أنّ التفسير قد يكون مثيراً للجدل ومسبّباً للانقسامات بسبب تضارب الافتراضات المسبقة والقيم وخيارات المفسّرين.
يعالج التأويل (Hermeneutics) انعكاس الطرائق والأسس وافتراضات كلّ من الشرح (Exegesis) والتفسير(Interpretation) أي مجمل نظريّة الدراسة الكتابيّة وشرحها كلّها. ما سبق قوله عن الشرح والتفسير يشكّل الاعتبارات المتعلّقة بالتأويل. هذا العلم يضمّ كلّ العمليّة من الملاحظة النحويّة الأكثر بساطة حول نصّ ما إلى التأمّل الأكثر عمقاً في خبرة الله الموصوفة في هذا النصّ. على المستوى الشرحيّ تنحو مهمة التأويل إلى أن تكون شكليّة وحياديّة بشكل مقبول لأدوات المنهجيّة الأدبيّة والتاريخيّة وعمليّاتها[6].
على المستوى التفسيريّ الكنسيّ، مهمّة التأويل (Hermeneutical)، أي مهمة شرح الفهم التقويميّ، تصبح لاهوتيّاً أكثر تطلّباً. على مستوى تخاطب النظريّات اللغويّة والفلسفيّة، تكون مهمّة تحليل كيفيّة نقل المعنى الأساس على مستوى المفهوم أكثر روعة، وقد تكون فلسفيّاً مستحيلة[7].
المسألة الأكثر سخونة في التأويل هي العلاقة بين الإيمان والعقل في تفحّص محتويات الكتاب وفي تحديد أيّ من عناصر هذه المحتويات هي ذات معنى. تصبح مهمّة التأويل أكثر وضوحاً، مع أنّها ليست أكثر سهولة، عندما يكون الشرح والتفسير متميّزين منهجيّاً، أكثر منهما متميّزين بشكل مطلق، وعندما تكون افتراضات المفسّر الخاصة معلّنة للمناقشة والتوضيح.
رؤيّة حياتيّة:
مسألة التأويل هي أبعد من قراءة الكتاب ودراسته. في الحياة، كلّ إنسان وكلّ شيء هو بلا مناص في عمليّة تفسيريّة، عن وعي وغالباً من دون وعي. إنسان يقرأ الكتاب المقدّس أو الصحيفة اليوميّة، مؤرّخ يتفحّص بياناً قديماً أو نقشاً، عالم يبحث عن جرثومة أو عن مجرّة، عاشق يتحدّث مع محبوبته: كلّ هؤلاء متورّطون في التفسير. لكلّ من الحياة الشخصيّة، التاريخ، العلم، الأدب، الفن، إلخ…مظاهره التفسيريّة الخاصّة. كيفيّة التفكير بهذه المجالات وربطها هي جزء من المسألة التفسيريّة الأوسع وذات الحدود المشتركة مع الحياة نفسها.
وبقدرما يتضمّن هذا السعي بحثاً عن الحقيقة لتركيز قرارات الحياة عليها، فهو يستلزم فرضاً أخلاقيّاً ضمنيّاً، ألا وهو القيام به تكامليّاً. الجهد لمعالجة الدلائل، أو كلّ خداع آخر في البحث، يجعل السعي تافهاً ويضرّ بالحقيقة. بما أنّ الحياة سرّعظيم والفهم البشريّ محدود، البحث عن الحقيقة يتمّ بأفضل أشكال البحث من الانفتاح المتلقّي والتواضع الإبستيمولوجيّ على أمل أنّ جمال الحقيقة الداخليّ وقوتّها، أينما وجدت، ينتصر ويشدّ القلوب البشريّة.
تتطلّب العمليّة معرفة افتراضات الادعاءات وحدودها، كما تتطلّب رغبة في حمل هذه الادّعاءات إلى مناقشتها في النّور. هذه العناصر تقدّم أسساً لمعاملة محترمة للآخرين من أجل كرامة بشريّة عالميّة وتفادي الجدليّة.
بالنسبة إلى قراءة الكتاب المناسبة والفهم الصحيح، يجب تذكّر أنّ الكتّاب الإنجيليّين عالجوا العلاقات بين الله والشعب على مقياس الحياة نفسها. فهم لم يكتبوا للمفسّر التقنيّ، اللاهوتيّ أو الواعظ، إنّما كتبوا للجميع[8]. لقد اعتبروا أنّ كلّ قارئ أو سامع سوف يفهم جوهر رسالتهم عن الله وعمله الخلاصيّ ومتطلّباته الأخلاقيّة. رسالتهم ونظرتهم تركّزتا ليس على تفسير النصوص التقنيّ ولكن على تفسير الحياة بشكل أوسع مؤسَّس في خبراتهم عن الله وقيم الجماعة المؤمنة التي عاشوا في كنفها.
مثلاً، في التعاطي مع العهد القديم، كان كتّاب العهد الجديد أقلّ اهتماماً بالشرح وبالأكثر اهتمّوا بالتفسير على أساس ما اختبروه مع المسيح وكيف فهمت الكنيسة الأولى عمله الخلاصيّ. البحث عن الشرح القرينيّ بالمعنى الحديث بين المفسّرين الأوائل اليهود أو المسيحيّين، هو مفارقة تاريخيّة فادحة. على مستوى التفسير، وبحثاً عن قيمة الكتاب ووثاقة صلته بالجماعة المؤمنة، يستطيع الإنسان تقرير ملاءمة التفسيرات المجازيّة والرمزيّة الموجودة أصلاً في العهد الجديد نفسه (متّى 13: 18-23 ، 36-43 ؛ غلاطيّة 4: 21-31 ؛ 1 كورنثوس 10: 1-11).
آباء الكنيسة أصلاً، في طرائق وعظيّة وتعليميّة مختلفة، استغلّوا نجاح هذا النوع من “الشرح التفسيريّ interpretive exegesis” للغذاء الرعائيّ لشعب الله. لقد ظهر الشرح اللغويّ والمجازيّ الأكثر بروزاً بين آباء الكنيسة، مثلاً أثناسيوس وباسيليوس، بخاصّة في المناظرات العقائديّة حيث كانت دقّة المعالجة حاسمة[9].
يستمرّ أغلب المفسّرين المعاصرين من بروتستانت وكاثوليك وأرثوذكس، باستعمال الكتاب المقدّس على هذا المستوى الواسع من التفسير. إنّهم أقلّ اعتماداً على شرح الباحثين التقنيّ ويعتمدون أكثر على التقاليد التفسيريّة لكنائسهم، هذه التقاليد التي تُحمَل عبر العبادة والعظات والتعليم[10].
يعمل أغلبيّة الواعظين والمعلمين على هذا المستوى من التفسير. بما أنّ رسالة الكتاب الخلاصيّة موجهّة إلى الجميع، يتمتّع الجميع بحقّ المقاربة المباشرة للكتاب أي أن تتحدّاهم كلمة الله مباشرة من دون الحاجة إلى باحث أو وسيط بين القارئ والله.
إلى هذا، مع أنّ هناك درجات ومستويات من الفهم العقليّ، يستطيع الكلّ فهم إعلانات الكتاب الأساسيّة الدينيّة والأخلاقيّة. الإيمان بإله حيّ، الخبر السارّ عن محبّته ومسامحته في المسيح، وطلباته للقداسة والبرّ بالمبدأ يفهمها الجميع بطرائق مختلفة.
بالنسبة إلى الكنيسة والمؤمن، لا يمكن لحياة الإيمان أبداً أن تقوم بشكل أساس على البحث العلميّ. تفعيل رسالة الكتاب الجوهريّة أي الإيمان بما صنع الله للبشريّة والعيش في بركاته وحضوره، هو أمر شخصيّ يتخطّى المعرفة اللاهوتيّة الاحترافيّة ونظريّات التأويل المعقّدة.
بالواقع، كما ذكرنا سابقاً، قد يحدث أنّ ما يستخرجه مؤمن على بساطة في الإيمان وتقبّل صلاتيّ في قراءته غير النقديّة للإنجيل، هو روحيّاً أكثر نفعاً مّما يستطيع استخراجه مفسّر خبير أو لاهوتيّ متدرّب بكلّ معرفته ومهاراته النقديّة. أن نفتكر عكس ذلك، هو تفكير باطل لاهوتيّاً وخاطئ تاريخيّاً وجريء مهنيّاً.
على أيّ حال ما تحتاج إليه الكنيسة والبحث العلميّ، أي المؤمن والباحث، هو أن يكونا في تعاون الواحد مع الآخر وليس مواجهة. فقد وجد الباحثون والبحث العلميّ في اليهوديّة والمسيحيّة منذ القرون الأولى وعملوا داخل الإطار بطرائق زمانهم. يعمل الباحثون المعاصرون بطرائق التفسير والتأويل العصريّة[11]. مساهماتهم لا تُقدَّر في التحليل الأدبيّ والتاريخيّ واللاهوتيّ للكتب المقدّسة ومواضيعها ومفاهيمها ومؤسساتها وبالطبع تفاصيلها التفسيريّة.
الدراسة الكتابيّة، عندما تكون إيجابيّة ومتجانسة مع موضوعها، تقدّم إيضاحات أساسيّة لأمور وصعوبات مثل التبرير بالإيمان وأدوار بطرس ومريم في العهد الجديد والكلمة والسرّ وإلخ..وأمور أخرى ذات مضامين شخصيّة وكنسيّة ومسكونيّة[12]. يجب على العمل العلميّ أن يعرف جيّداً دراسة الكتاب واستعماله وتطبيقه من الكنيسة والمؤمن حتّى ولو تخطّاها.
يمكن للنتائج العلميّة أن تكون نافعة للجميع، للعلمانيّين والمعلميّن والوعّاظ واللاهوتيّين كما للكنيسة. وهكذا سوف يتعاطى كلّ من هؤلاء الدراسة الكتابيّة إلى الدرجة النافعة والملائمة لمستواه من العمل والمسؤوليّة[13]. ينتعش الإنسان العاديّ ببساطة من شربة ماء، بينما يحلّل العالم الماء بحسب ذراتها من الهيدروجين والأوكسجين.
على الشكل ذاته، يستطيع فتى أن يشرب الماء الروحيّ في قصّة كتابيّة، بينما يحلّلها الشارح إلى تفاصيل صغيرة. الأوّل يتعلق أوّلاً بالمعرفة الروحيّة أي المعرفة الاختباريّة على أساس الإيمان بالله ونعمته. الأخير يتعلق بشكل أساس بالمعرفة المفاهيميّة المكتّسبَة بالعقل والتحليل النقديّ.
القوى التي تحرّك الإيمان والعقل والكنيسة:
في النهايّة، يكمن التحديّ التفسيريّ الأكبر في تحديد العلاقة المناسبة بين الإيمان والعقل كما تطبّق على التفسير والشرح الكتابيّين، كلّ هذه بالمطلَق غير منفصلة. إذا كان الشرح مثاليّاً يسعى إلى استخراج ما في النص، يجب التحوّل إلى جوهر النصّ، أي ادّعاءاته اللاهوتيّة بشأن عمل الله الخلاصيّ الظاهر في خبرات أشخاص محّددين[14]. لا تُقدّر قيمة الشرح في توضيح الخلفيّة التاريخيّة والفوارق الدقيقة الفعليّة لهذه الادعاءات اللاهوتيّة.
في أيّ حال، لا يستطيع الشرح بذاته، بدون معونة الإيمان، أن يرتقي إلى حقيقة النصّ اللاهوتيّة. الشرح كإنجاز بشريّ أي كنشاط فكريّ مطوَّر قليل القدرة على الوصول إلى فهم قيّم فكريّاً لحقيقة النصّ اللاهوتيّة ودخول خبرة الله الخلاصيّة الفعليّة المرموز إليها بتلك الحقيقة اللاهوتيّة. إذاً، المضمون الأساس الخلاصيّ للنصّ الكتابيّ لا يمكن الوصول إليه بالشرح الصرف بمعزل عن القوى المحرَّكة بالإيمان والنعمة.
بشكل مماثل، على مستوى التفسير التقويميّ، النماذج الفكريّة المتعلّقة بالتأويل التي يقترحها المنظّرون اللامعون، من شلايرماخر إلى أحدث النقاد الأدبيّين، قد تكون فكريّاً كافية كنظريات في المعرفة أي كنماذج لشرح الظروف التي يتمّ فيها الفهم البشريّ وحمل المعنى. لكنّ هذه النماذج النظريّة لا تستطيع من ذاتها أن تجلب المعنى الأعمق للنصّ الكتابيّ في قيمته اللاهوتيّة ولا أن تطلق قدرتَه الروحيّة في الحاضر.
الصَدَع الأكبر في النظريّات التفسيريّة المعاصرة هو في الواقع تركيزها الأحاديّ الجانب على العالَم (الجزء) الساقط من الوعي البشريّ والمعرفة إلى درجة إهمال التركيز الكلاسيكيّ الآبائيّ على دور الإيمان وتطهّر القلب والروح القدس في الدراسة الكتابيّة والتفسير.
موقفنا هو أنّ معنى النصّ الكتابيّ الكامل وتفعيله يمكن أن يتمّ فقط عبر عمل الإيمان الذي يرتفع إلى ادّعاء الحقيقة في النصّ ويختبر قدرة تلك الحقيقة التي تغيِّر بعمل الروح القدس. من هذا المنظار، الطريقة الأساسيّة لقراءة ما تقدّمه شهادة الكتاب وفهمه والعيش بحسبه، ليست عبر الجدليّات المجرّدة إنّما عبر الإيمان الُمخَتَبر. ما يسميّه آباء الكنيسة الرؤيّة الروحيّة (ثاوريا α’ɩρωεϴ)[15] هو أفق الإيمان الجيّاش وهو ما يؤمّن الوصول إلى المعرفة الروحيّة، أيّ كعطيّة من الروح.
هذا يشكّل المعرفة الحقيقيّة بالمعنى الكتابيّ المميّز، المعرفة ذات العمق الشخصيّ الوجوديّ، التي تنطوي على إلفة حميمة وحساسيّات روحيّة مناسبة للحقيقة الإلهيّة الُمختَبَرَة في النصّ. يصف القدّيس كيرلّس الإسكندريّ هذه المعرفة على أنّها “تتضمّن في داخلها كلّ قوّة السرّ والمشاركة في البركة السريّة حيث نتّحد بالكلمة الحيّة والمعطية الحياة”[16]. بحسب هذا، دراسة الكتاب المقدّس من أجل الاستيلاء على قيمته الروحيّة نشاط مواهبي محدّد نوعيّاً بحياة الإنسان[17].
مثلاً، عندما يكتب القدّيس بولس أنّ في ملء الزمان أرسَل الله ابنَه ليخلّص البشريّة وأيضاً أرسَل روح ابِنه إلى قلوب المؤمنين التي بها يعرفون اختباريّاً ويؤكّدون موقفهم البَنَويّ أمام الله (غلاطيّة 4: 4-6)، فهو يعلن حقائق لاهوتيّة عن عمل الله الخلاصيّ وحضوره.
لا توجد طريقة قاطعة لفهم هذه الحقائق وعيشها غير النعمة بالإيمان. بشكل مماثل، عندما يعلن المسيح أنّه الكرمة الحقيقيّة وتلاميذه هم الأغصان، وأنّه مع تلاميذه يجب أن يحيوا في شركة حميميّة من المحبّة الُمتَبادَلَة (يوحنا 5: 1-11)، ليس هناك من طريقة لفهم هذه الحقيقة الروحيّة بعمق واختبارِها إلاً بالنعمة بالإيمان. وهكذا أيضاً دعوة الكتاب إلى القداسة، عبرعيشٍ مخلِصٍ بشكل أكثر شمولاً من المعرفة المفاهيميّة الصحيحة لهذه العبارات المحَقَّقة بعمل اختصاصيّي التفسير المدرَّبين.
بحسب القدّيس باسيليوس، تقصِّر الكلمات والمفاهيم في الشؤون الروحيّة واللاهوتيّة. يذهب تفسير الكتاب إلى أبعد من تعقيدات المنطق إلى شؤون أساسيّة في الكنيسة والحياة الدينيّة. بما أنّ العقل مظلمٌ بعالم الشهوات الداخليّ الساقط، يجب أن يكون الاتّكال على معرفة الله الصحيحة، على أعمال البرّ، أي العيش المسيحيّ الأصيل الُموَجَّه بوقائع وحقائق التقليد المسيحيّ الأَساسيّة[18].
ومع هذا، أليس للعقل دورٌ في قراءة الكتاب ودراسته؟ العقل هبة من الله ويجب استعماله إلى أبعد مدى طالَما أنّه يعرف دوره وحدوده المناسبين. بالنسبة إلى القدّيس غريغوريوس النيصصيّ، العقل هو “أعلى قُدُرات (مواهب)” الكائن البشريّ، وعلامة صورة الله[19]. يمكن للعقل أن يبحث ويُغني معرفتَنا في أمور كثيرة كالمعنى الكامل لمفهوم القدّيس بولس “ابن الله” أو “الكرمة الحقيقيّة” كصورة للمسيح عند الإنجيليّ الرابع، أو العلاقة الداخليّة بين وصايا الكتاب الروحيّةً والأخلاقيّة.
يمكن للعقل أن يسعى إلى الهذف الرئيس (ςόποκσ) لشهادة الكتاب التي هي، كما ذكرنا، إعلان عمل الله الخلاصيّ في التاريخ والحقائق الألهيّة عن الحياة والخلاص والخبرة الإلهيّة الخلاصيّة التي يشهد لها الكتاب ويدعو إليها.
يمكن للعقل أيضاً أن يسعى إلى حلّ الفروقات في الكتاب أو شرحها. هل نحن مُخلَّصون بالإيمان وليس بالأعمال بحسب بولس في روما 28:3 وغلاطيّة 16:2، أم بالأعمال وليس بالإيمان بحسب يعقوب 24:2؟ ماذا نفعل بالتفاصيل المتضاربة في ما يُروى حول تعليمات المسيح التبشيريّة (مرقس 6: 8-9، متى 10:10)؟ وتحوّل بولس (أعمال 7:9)؟
ماذا عن المسائل الأخلاقيّة كالقبول البديهيّ الحضاريّ للعبوديّة وبأن على العبيد أن يُطيعوا الخشونة كما للرؤساء الوثنيّين (1 بطرس 18:2)؟ يمكن للعقل أن يعالج هذه الأمور والمسائل، ليس على عكس الإيمان ولكن بالتعاون معه. إلى هذا، يمكن للعقل أن يمنع من الانزلاق في الحرفيّة التبسيطيّة كاقتلاع عين المرء عندما يُخطئ بواسطتها، أو فكرة أنّ الله عنده يدان فعليّتان لأنّه خلق السماوات بيديه (عبرانيين 10:1)، أو حتّى فكرة أنّ الله هو ذكر لأنّه غالباً ما يشير إليه الكتاب كأب.
يمكن للعقل أن يقودنا إلى تذوّق الأوجه البشريّة لكلمة الله وإلى قراءة الكتاب المقدّس ككتاب إيمان ودين وليس مجرّد كتاب للتاريخ او العلم.
ثم ماذا يحدث إذا، على أساس عقلانيّ، طرِحَت أسئلة حول ما إذا كان علينا قبول صحة قول القدّيس بولس عن ابن الله، أو إعلان المسيح عن نفسه، وهو لم يكتب أيّ إنجيل، بأنّه الكرمة الحقيقية؟ الجواب يمكن أن يكون فقط أنّ على المرء أن يصدّق شهادات بولس والأنجيل الرابع الذي يحمل شهادة لحياة الجماعة المؤمنة وقيَمها، وهي الجماعة الأوسع التي تلقّت هذه الشهادات على أنّها صحيحة وأَدَجَتْتها في الكتاب المقدّس.
هنا نجد الأهميّة المقرِّرة لشهادة القدّيسين والأنبياء والرسل والقدّيسين وفوق الجميع السيّد نفسه[20]. بكلمات أخرى، يربض إيمان القارئ أو المفسّر بشكل كبير على الإيمان الرسوليّ بالعهد الجديد وحقيقة الكنيسة التي تجمع هذا العهد. بالطبع، يستطيع المرء أن يبحث عن أساس أخلاقيّ وأن يقتنع بالمحتوى اللأخلاقيّ في حياة وتعاليم يسوع وبولس والكنيسة. مثلاً، الإدّعاء بخبرة الله والتعليم عن المحبّة هما أمر، وادّعاء الشيء ذاته والتعليم عن الحرب هما أمر مختلف.
في النهاية، يستطيع القارئ، أن يعتمد على الإيمان الرسوليّ والكنيسة في ما يتعلّق بالادّعاءات المتعالية عن المسيح إلى الوقت الذي، بالنعمة عبر الإيمان، يكون للقارئ ذاته خبرة حضور المسيح المخلِّص والاقتناع الشخصيّ. ومع هذا، حتّى هذه الخبرات العميقة والحاسمة لا تمنع استعمال العقل بل بالأحرى تنيره وتقوده.
إذاً، فيما يستطيع العقل أن يحلّل الكثير من وجود الإنجيل ويشرحها، لا يستطيع بنفسه أن يلج حضور ادعاءات الإيمان وقدرتها الرفيعة في الكتاب ولا يستطيع تالياً أن يتجرّأ على تقويمها. من المدهش أنّ المنظّرين التأويليّين، في جهودهم لشرح عمليّة التأويل في الاتصال بين الكتاب والقارئ المعاصر، حلّلوا عناصر لا تُحصى لغويّة وتاريخيّة وفلسفيّة لكنّهم أهملوا قيمة الإيمان والصلاة والعيش المسيحيّ المشترك كأمور أساسيّة لفهم القيمة الدينيّة الرئيسة التي لشهادة الكتاب وتقبُّلها.
من وجهة نظر أرثوذكسيّة، بحسب القدّيس سمعان اللاهوتيّ الحديث، الحقيقة الروحيّة التي لتعاليم الكتاب، وليس مجرّد أبعادها الفكريّة، هي تماماً ما يشكّل كنوز الكتابات التي تُكشَف كمعرفة روحيّة للمؤمنين بالمسيح بالروح[21].
في النهاية، بما أنّ حقائق الله وبركاته غير مفصولة عنه كنوع من “الحقيقة الأبديّة” أو الحقائق الكائنة بذاتها بالمعنى الأفلاطونيّ[22]، المفهوم الوجوديّ لكنوز الكتاب يتضمّن، بحسب القدّيس سمعان، لا شيء أقلّ من الاشتراك في الحياة الإلهيّة أي المعرفة الشخصيّة للشركة السريّة مع المسيح بالروح القدس. في هذا السياق يستحضر م. ملهولند المجاز الأرثوذكسيّ في طبيعة الكتاب الأيقونيّة.
بالنسبة إليه، الكتاب نافذة كلاميّة على حقيقة متعالية، حقيقة حضور الله المقدّس الذي يحدث التغيير والذي يتمّ اختباره في اللقاء مع النصّ الكتابيّ[23]. لوقا ت. جونسون يشرح الموضوع بهذه الطريقة:
“تقاربنا كتابات العهد الجديد كشهادات وتفسيرات لادّعاءات دينيّة خاصّة تتعلّق بخبرة الله كما يتوسّط لنا بها المسيح. كما نلاحظ، لإنّها لا تدّعي أبداً لنفسها التوسّط مع هذه الخبرة. ما يجب ذكره هو إذاً أنّ القارئ المعاصر لا يستطيع التوصّل إلى هذه الخبرة باستعمال وسائل الأنثروبولوجيا والنقد الأدبيّ. إنّما يستطيع أن يَعي، باستعماله وسائل النقد، أنّه يتوصّل إلى الاحتكاك بالشهادة والتفسير[24].
ولكن إذا أصرّ العقل بعناد على درح أسئلة راديكاليّة مشكّكة، وإذا تجرّأ العقل على اعتبار نفسه قادراً على وضع عمل الله الخلاصيّ وحضوره موضوع تفحّص عقليّ، عندئذ يكون قد تخطّى حدوده بعمل جنونيّ من العمل الفلسفيّ. فهو يصبح أداة مدمرِّة أكثر منها بنّاءة في معالجة الكتاب. عندما يستعمل البحث العلميّ العقلَ بهذه الطريقة، يخلق، علنيّاً أو ضمنيّاً، جوّاً من الشكّ في قضايا الكتاب الأساسيّة بهذا يُضعف سلطته ككلمة الله.
النتيجة الفلسفيّة هي أنّ عدم قدرة العقلانيّة على التعاطي مع الحقيقة الُمطلَقة، وفوق كلّ شيء مع سرّ الله، تظهر كضعف في الحقائق المسيحيّة. في هذه الحالة، بحسب القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ، يُساء تفسير حدود العقل كضعف في الحقيقة المسيحيّة، وهو يعبّر عن هذا بهذه الكلمات القاطعة:
“وهكذا فعندما نقدّم سلطان التحليل العقليّ ونهمل الإيمان، عندما نبطل سلطان الروح بتحرّياتنا ويكون التحليل العقليّ من دون عظمة الموضوع – وسيكون كذلك على كلّ حال لأنّه ثمرة أداة ضعيفة هي عقلنا البشريّ – فماذا يجري والحالة هذه؟ إنّ الاستدلال يبدو كالسرّ ضعيفاً. وهكذا فإنّ دقّة التحليل العقليّ تظهر، بطلان الصليب، على حدّ ما يرى بولس”[25].
مأساة الأوجه الراديكاليّة للنقد الكتابيّ هي أنّه فيما يصبو الناقد إلى توضيح الشهادة الكتابيّة، فهو أو هي ينتهي “إلى رمي الطفل مع الوعاء”. ميل المرء نحو التشكيك والإلحاد هو على درجة التزامه منطق الإعلان الفلسفيّ، أيّ ما يدّعيه الإيمان حول إظهار الله نفسه للشخصيات الكتابيّة والمؤمنين عبر الأجيال.
بدون أفق الإيمان الأساس، يأخذ التفسير والشرح الكتابيّان كما التفكير بحسب التأويل، شكل لعبة شطرنج فكريّة ضخمة، قد تستحوذ على المتورّطين فيها، ولكنّها مربكة وبلا جدوى لأولئك المهتمّين بتحدّيات الحياة الحقيقيّة.
لكن أليست هذه أمور على علاقة بتكامل البحث والمناقشة العلميّة الحرّة التي قد تطرح، عن نيّة طيبة، أسئلة معثّرة حول الكتاب؟ أليس ممكناً أن يتبنّى أصحاب المعرفة والإيمان الصادق آراء متنوعة ويختلفون بحدّة حول عدد من الأمور المهمّة المتعلّقة بالكتاب؟ أليس هناك مؤمنون غيورون قد يدّعون، عن معرفة أو عن جهل، خبرات دينيّة فيسيئون استعمال الكتاب المقدّس بطرائق مختلفة؟ هل نحن نتخلّى عن حريتنا في الصعود نحو حاكميّة سلطويّة، كنسيّة أو علميّة، لصالح تفسير نهائيّ ومفروض من الخارج؟ هذه كلّها أسئلة صحيحة وجديّة.
ما هي الطريقة التي يمكن معها طرح هذه الأسئلة من منظار التأويل؟
أوّلاً، يجب أن يكون واضحاً أنّ للبحث التاريخيّ ملء الحريّة بحسب المعايير المهنيّة استناداً إلى أفضل المنهجيّات النقديّة المتوفّرة. النقد الكتابيّ، في كلّ منهجيّاته الأدبيّة والتاريخيّة الملحقة، هو حرّ في التعاطي بحكمة مع المادة الكتابيّة. فمن جهة، ثمّة ترحيب بهذه الدرجة من الليونة في التعاطي مع القصص الكتابيّة. سبب هذا الترحيب هو ندرة الأثبات كما طبيعة الكتاب الخاصّة ككتاب إلهيّ وبشريّ.
مثلاً، ما اختبرته كنيسة القرون الأولى من تدّفق الروح في العنصرة هو أكثر أهميّة إذا كانت عطيّة العنصرة قد تمّت بحسب تفاصيل أعمال 2: 1-13 أو يوحنّا 20: 19-23. من جهة أخرى، إذا أرادت جماعة الاختصاصيّين أن تحافظ على مصداقيّتها، فهي تتحمّل مسؤوليّة تصحيح المغالاة في الحكم التاريخيّ المشكّك والتي تصل أحياناً إلى أبعاد منافيّة للعقل بسبب الحساسيّات والنزعات الشخصيّة الأخرى[26].
بشكل اعتراضيّ، غالباً ما ظهر علماء مشهورون تردّدوا في انتقاد مغالاة زملاء معروفين لهم، تالياً سمحوا بشكل غير ضروريّ بانتشار الشكّ في حقل التفسير وبفضيحة في الكنيسة. ورغم ذلك، الإيمان والحقيقة، اللذان لا يستطيعان احتمال تدقيق التفحّص التاريخيّ الجديّ، لا يستحقّان الكتاب المقدّس، الذي يعرض بصدق سقطات أبطاله العظماء، ومع هذا يدعو إلى الإيمان غير المتزعزع بحضور الله وعمله الخلاصيّين.
ثانياً، تختلف الأمور على مستوى التقويم الجوهريّ لمحتوى الإنجيل اللاهوتيّ والأخلاقيّ. على المستوى الوصفيّ التفسيريّ (exegetical)، للعلماء حريّة أن يكتشفوا بحسن نيّة ويناقشوا، على سبيل المثال، كلّ تفاصيل أفكار الرسول بولس اللاهوتيّة والأخلاقيّة. أمّا ما يتعلّق بالحقيقة الأساسيّة في خبرة بولس وتعليمه، فالقرار ليس حكماً تاريخيّاً بل هو حكم فلسفيّ، لا علاقة له ببرهان قناعات بولس أو ضحدها وهي التي كوّنها عن الله وحياة البِرّ بالاختبار.
إنً الخلط بين الأحكام التاريخيّة والفلسفيّة لمؤذٍ ومخادع. فيما لكلّ إنسان الحق بموقف فلسفيّ وفي المضيّ على طريقته في الحياة، لا يجدر بالمفسّر الكتابيّ أن يتّخذ وضعيّة فيلسوف متخفِّ، أو فيلسوف مشكّك، في تفسيره وشرحه.
ثالثاً، إذا حُفظ الخطّ بين الأحكام التاريخيّة والفلسفيّة بشكل واضح، يكون الباحث الكتابيّ حرّاً في التفسير بنيّة صالحة وحتّى في درس التعاليم الأكثر حساسيّة عقائديّاً كمفهوم بولس ليسوع كابن لله وربّ[27] مثلاً. قد يقترح باحث ما أنّ لغة بولس الخريستولوجيّة تستلزم مسحة إخضاعيّة متميّزة لأنّ مصدر العمل الإلهيّ ومركزه عند بولس، كما هو معروف جيّداً، هو الآب.
وقد يوافق باحث آخر إنّما يضيف أنّ المعجزة الكبرى في خريستولوجيا بولس ليست المسحة الإخضاعيّة جزئيّاً بل تطورها الذي يبرز بشكل مدهش في الجيل المسيحيّ الأوّل. بالنسبة إلى الأخير، قد تكون خريستولوجيا بولس مجرّد خطوة قصيرة بعيداً عن تركيبات الكنيسة العقائديّة متجانسة كليّاً مع مفهوم بولس الخريستولوجيّ.
وقد يتابع الباحثون مناقشة هذه الأسئلة وهم على علم كامل بالفرق في الأطر التاريخيّة لمناقشتهم وتضميناتها. إحدى التضمينات هي أنّ هناك تطوراً في صياغة العقيدة، وأخرى هي أنّ الصياغات الكنسيّة الثالوثيّة والخريستولوجيّة متجانسة مع شهادة العهد الجديد. أمّا تضمين آخر فهو أن لا تكون هذه الصياغات متجانسة وفي هذه الحالة يستطيع الباحث أن يثبت للكنيسة بشكل مقنع أنّه على حقّ (ما هي البدائل المطروحة لخريستولوجيا بولس أو تفسيراتها؟) أو أن يخاطر بقراءة نفسه خارج الكنيسة بحسب ما يمليه ضميره.
ولكن رابعاً، ما لا يستطيع الباحث فعله هو تحديد الإيمان المعياريّ للكنيسة. على هذا المستوى العميق من الحياة، نصل إلى أرضيّة التأويل الشركويّة، أيّ حقيقة أنّ الجماعة المؤمنة هي تنقل المعنى وتجعله شرعياً بشكل مطلق. نحن نعيش جميعاً في جماعات إيمان، سواء دينيّة أو علمانيّة. يتبادل الناس درجات من التنوّع والوحدة في الأفكار والمعتقدات ويتمتّعون بها في إطار جماعيّ. حتّى منتدى يسوع (Jesus Seminary) يرتكز على مجموعة من الباحثين، يشكلّون جماعة إيمانيّة، مع افتراضاتهم المسبقة وقيمهم وبرامجهم المعادية للمسيحيّة التقليديّة.
كلّ المسيحيّين يعيشون في إطار كنائسهم وتقليداتهم، ولكن تتشابك بينهم بعض التشابهات والاختلافات. نحن نقرأ الكتاب المقدّس ونعمل من منظار شركويّ واسع. بغضّ النظر عن جهودنا الصادقة كي نكون موضوعيّين قدر الإمكان، فهذه الجهود يجب ألاّ تتوقّف. بالمقابل، الأشخاص الذين يتجرّأون على تغيير إطار الشركة هذا أسباب لاهوتيّة هم نادرون ويستحقّون الاحترام. فيما لا يمكن تلافي أساسنا القائم على الشركة، من الُملزِم أن نتابع حواراً علنيّاً باستقامة واحترام متبادَل على أمل أن تكون الحقيقة الجوهريّة ذاتها المقياس الأوّل للإقناع والسلوك.
على هذا الأساس، هناك بعد كنسيّ حاسم التأويل. إلى جانب التأويل بالإيمان والتأويل بالعقل والبحث العلميّ، لدينا التأويل بحسب الكنيسة. مثاليّاً، هذه الأبعاد تعمل معاً، مصحّحةً باستمرار بعضها البعض. يدخل الإيمان الشخصيّ جو خبرة الله المباشرة التي يشهد لها الكتاب. تلتزم الكنيسة بالسلطة القانونيّة للكتاب، كتابها، وبالشهادة التي هي مسؤولة عنها ومطلوب منها تفسيرها في ما يخصّ التعليم اللاهوتيّ والأخلاقيّ.
ثلاثيّة التفسير بكاملها مترابطة داخليّاً وتعمل على أفضل وجه كوِحدة متكاملة حيث القدّيسون والباحثون والمسؤولون يعملون معاً ويدمجون هذه الأبعاد. الإيمان الحارّ، بدون البحث العلميّ، قد يقود المؤمنَ إلى التقوى الأنانيّة والنزعة إلى إعاقة التقدّم وحتّى التعصّب. البحث العلميّ التحليليّ، بدون الإيمان والكنيسة، يقود الباحث إلى أكاديميّات غير ملائمة ومراجعات عشوائيّة للمسيحيّة. الكنيسة كمؤسّسة، بدون الإيمان الحارّ والبحث العلميّ، قد تنحو نحو الشكليّة وإساءة استعمال السلطة.
ينطبق نموذج نظريّة التفسير المذكور أعلاه على كلّ المسيحيّين وكنائسهم. للكلّ الحقّ وعلى الكلّ مسؤوليّة تقويم موقفهم التفسيريّ من الكتاب، ليس فقط عبر العقيدة بل أيضاً عبر الحياة. إنّ الكنائس المنفصلة بحاجة إلى متابعة مناقشة اختلافتها على ضوء البحث العلميّ. الوعد الذي يحمله هذا البحث كبير، طالما أنّه يؤخّذ جدّيّاً على ضوء التقليد الرسوليّ. من المنظار الأرثوذكسيّ، لن تكون هناك وحدة كنسيّة بمعزل عن المسيحيّة التقليديّة الرسوليّة التي ترسو على الكتاب.
ليس للكنيسة الأرثوذكسيّة حاكم magisterium، لكون سلطتها العليا هي المجامع التي يجب أن يقبل قراراتها كلّ شعب الله[28]. الأساس الجوهريّ للحقيقة هي حياة الكنيسة حيث كلّ الأعضاء، من المؤمنين العاديّين إلى الأساقفة، هم شهود ويحملون مسؤوليّة. فللجميع امتيازات وهم مسؤلون عن اتّباع الأنبياء والرسل وآباء الكنيسة في مقاربتهم سر الله والكلمة الكتابيّة.
ركّز توماس ف. تورانس، في مقال مميّز، على وجهين مقرِّرين في التقليد الأرثوذكسيّ: الأمانة الحقيقيّة واحترام السرّ[29]. هذان الوجهان ممكن رؤيتهما كحالتين أو منظارَين أرثوذكسيّين متعلقيّن بنظريّة التفسير. يشير تورانس إلى أنّ صفة “أرثوذكسيّ” في الأرثوذكسيّة الكلاسيكيّة لا تعني إخضاع فكر الكنيسة لنظام موحّد تُفرَض الحقيقة عليها من الداخل، بل بالأحرى تشير إلى توجيه أوّليّ للكنيسة إلى حقيقة الكتاب المقدّس بحسب التقليد الرسوليّ[30].
“أرثوذكسيّ” تعني “مرتبط بالحقيقة بشكل صحيح” (الأمانة للحقيقة)، حقيقة إنجيل عمل الله الخلاصيّ عبر المسيح بالروح القدس، مُعاشاً ومُحتَفَلاً به في حياة الكنيسة. لكن هناك أيضاً “احترام السرّ” حيث إنّ الصياغات العقائديّة، رغم أهمّيّتها، تأتي من دون سرّ الله المتعالي[31]. يقول تورانس عن عقائد الكنيسة: “لا يمكن اعتبار أنّها تحتوي الحقيقة في نفسها لكنّها بالأحرى طرائق لتوجيهنا نحو سرّ المسيح وسرّ الثالوث”[32].
الأرثوذكسيّة بالمبدأ لا تمنع الصياغات الجديدة في إعلان الإنجيل وتعليمه كما لو أنّ حقيقة الله مختوم عليها فقط في العقائد والكتاب المقدّس. الباحثون والمعلّمون والوعّاظ أحرار في استعمال قدرتهم الإبداعيّة إلى أقصى الحدود طالما أنّ الكتاب ملئه الرسوليّ محفوظ بأمانة للحقيقة واحترام السرّ. أعمالهم وأقوالهم يجب أن تكون بشكل يعبّر عنه تورانس: “بدل أن تأتي بين المسيح وفهمنا، تسمح للمسيح في كلّ حقيقته الرائعة وسرّه بأن يكشف نفسه لنا عبر هذه الأقوال والأعمال بشكل دائم”[33].
[1] يقدم B.C. Lategan عرضاً للتأويل
“Hermeneutic”, ABD, Vol. 3, pp. 194-155; by R.E. Brown and S.M. Scneiders, “Hermeneutics”, NJBC, pp. 1146-1165; and by the Pontifical Biblical Commission’s “The Interpretation of the Bible in the Church” in Originus as noted above.
في الأدب ممكن تمييز ما لا يقلّ عن 5 مراكز تركيز:
أ) شرح منهجيّات النقد الكتابيّ الحاليّة المختلفة كما في:
Reading in the New Testament: Methods of Interpretation by C. Tuckett.
ب) تاريخ الطرائق التفسيريّة منذ القديم إلى اليوم كما في:
The Study and Use of the Bible by J. Togerson and others (Grand Rapids: Eerdmans, 1988).
ج) مناقشة لاهوتيّة للوحي والإلهام والمقارنة بين سلطة الكتاب والكنيسة كما في:
G. Bloesch, Holy Scripture: Revelation, Inspiration & Interpretation.
د) مناقشة لغويّة-فلسفيّة لنظريّات الفهم كما في:
R.E. Palmer, Hermeneutics: Interpretation Theory in Schleiermacher, Dilthey, Heidegger, and Gadamar (Evanston: Northwestern University Press, 1969). وتبلغ أوجها في أعمال Paul Ricoeur و David Tracy،
هـ) معالجة لمقاربات النقد الأدبيّ الجديد كما في:
Interpreting the Bible: A popular Introduction to Hermeneutics by T.J. Keegan, O.P. (New York: Paulist, 1985).
يجد القارئ تركيبات مختلفة من هذه المقاربات.
[2] كَتَب باحثون أرثوذكس عدداً من الكتب حول الأوجه الشكليّة والتاريخيّة واللاهوتيّة للتأويل بدءاً بـِ ف. أنطونياديس (1921) انتهاءً بـِ س. أغوريديس (1979). بالمعنى الفلسفيّ الضيّق، هناك عمل ممتاز لـ
See Also A. Ugolink, “An Orthodox Hermeneutic in the West” SVTQ 27, (2, 1983), pp. 93-118; J. Breck, “Exegesis and Interpreation: Orthodox Reflections on the “Herneutical Problem” Ibid., pp. 75-92 and his book The Power of the Word; as well as M. Ford, “Seeing, But Not Receiving: Crisis and Context in Biblical Studies” SVTQ 35 (2-3, 1991), pp. 107-125.
يعبّر يوحنّا باناغوبولوس بقوّة عن البعد الآبائيّ في أعماله بما فيها مؤخراً المدخل إلى العهد الجديد (1994). لا يمكن القول إنّ الأرثوذكس قد حدّدوا لأنفسهم بوضوح كافٍ مسألة التأويل. يجب رسم الأوجه والعوامل الكثيرة في هذا العلم بدقة ووضعها في رؤيّة شموليّة. إنّ طريقة فعّالة لهذا العمل تتضمّن: التمييز بوضوح أكثر بين التفسير (exegesis) والتفسير(interpretation) ، العلاقة بين الإيمان والعقل، دور البحث العلمي وطرائقه النقديّة، كما حياة الكنيسة العمليّة وسلطتها، ومن ثم ربط هذه الأمور ببعضها البعض.
[3] Raymond Brown, “Hermeneutics,” in NJBC, p. 1152.
[4] نجد أقوى حالة للتمييز بين “ما عنى” وما “يعني” النصّ، أي بين التفسير التقويميّ والتفسير التأويليّ في دراسة الكتاب في:
Krister Stendhal, “method in the Study of Biblical Theology,” The Bible in Modern Scholarship, ed. J. Philip Hyatt, pp. 196209, and “Biblical theology, Contemporary,” IDB, Vol. 1, ed. George A. Buttrick (New York: Abingdon, 1962), pp. 418-432.
لا يصح اعتبار هذا التمييز المنهجيّ تافهاً كنوع من وسائل تحايل التأويل، وهو ما يكرّر Stendhal رفضه. إنّه تمييز أساس مساعد على الكشف (وليس فصلاً مطلقاً) لتوضيح أن العمليّتين المترابطتين الواجب مواجهتهما بشكل متعادل تكمنان في عمليّة التفسير الكتابيّة التقويميّة أو المعياريّة. بحسب Stendhal، المقاربة الوصفيّة لا تكفل الموضوعيّة إنّما فقط تدعو إلى تفحص الموضوعيّة بشكل ثابت بمقابل الميل الثابت نحو إخضاع التحيّزات والميول الشخصيّة من أجل الفهم الأكثر وضوحاً للنصّ الأصليّ وطبقات التقاليد التفسيريّة في الكتاب والأدب الآبائيّ. بقدر ما تكون الفوارق بالمعنى دقيقة على المستوى الوصفيّ، يصبح تحديّ المهمة التقويميّة أكثر وضوحاً (وليس بالضرورة أكثر سهولة).
[5] هذه الأمثلة مأخوذة من:
Gordon D. Fee, Gospel and Spirit: Issues in New Testament Hermeneutics, pp. 2-3, 5.
[6] For example, O. Kaiser and W.G. Kϋmmel, Exegetical Method: A student’s Handbook, trans. E.V.N. Goetchius (New Yor: Seabury, 1963); J.H. Hayes, Biblical Exegesis: A beginner’s Nadbook (Atlanta: John Knox, 1983); and G.D. Fee, New Testament Exegesis: A Handbook for Students and pastors (Philadelphia: Westminster, 1983).
في أيّ حال، قد يحتوي جزئياً عرض المبادئ والطرائق افتراضات تقويميّة ثقيلة، مثلاً في ما يتعلّق بدور النقد وتطبيقه كما في:
Conzelmann and A. Lindermann, Interpreting the New Testament: An Introduction to the Principles and Methods of N.T. Exegesis, trans S.S. Schartzmann (Peobody: Hendrickson, 1988).
[7] أنظر:
R.E. Palmer, Hermeneutics: Interpertation Theory in Schleiermacher, Dilthey, Heidegger, and Gadame
لسرد أهم النظريّات التفسيريّة في العصر الحديث والتي تقدّمت وتحسّنت بأعمال:
Paul Ricoeur.و David Tracy
[8] R. Brown, “hermeneutics,” in NJBC, p. 1151.
[9] في حالة أثناسيوس ضدّ الأريوسيّين وحالة باسيليوس ضدّ الإفنوميّين، أنظر:
Stylianopoulos, The Biblical Background of the Article on the Holy Spirit in the Constinopolitan Creed’, Études theeologiques 2: le lie Concile Oeucume’nique (Chambe’sy: Centre Orthodoxe, 1982), pp. 153-173,reprinted in T. Stylianopoulos, The Good News of Christ: Essay on the Gospel, Sacraments and spirit (Brookline: Holy Cross Orthodox Press, 1991), pp. 168-195.
[10] R. Brown, “Hermeneutics,” in NJBC, p. 1163.
[11] أنظر الفصل الخامس.
[12] See “English Roman Catholic-Methodist Dialogue: Justification – A Consensus Statement, “OC 24(3, 1988), pp. 270-273 J. Reumann, ‘Righteousness’ in the New Testament: ‘Justification’ in the United States Lutheran-Roman Catholic Dialogue (Philadelphia: Fortress, 1982): R.E. Brown and others, eds., Peter in the New Testament; R.E. Brown and others, eds., Mary in the New testament; E.R. Carroll, “Mary in the Apostolic Church: Work in Progress,” OC 25(4, 1989), pp. 369-380: and G. Wainwright, “Word and Sacrament in the Church’s Responses to the Lima Tex, “OC 24(4, 1988), pp. 304-327.
[13] يلاحظ R. Brown بحكمة أنّ “الفطرة السليمة تعلّم أن تقاس كلّ تربيّة على قدرة السامعين، من دون أن يعني هذا أنّه ينبغي للتعليم الكتابيّ التمهيديّ أن يكون غير نقديّ. يعني أنّ التعليم الكتابيّ التمهيديّ يجب أن يكون نقديّاً بشكل أساس”NJBC, p. 1164. ‘Hermeneutics’
[14] يشير Schlier إلى هذه النقطة المهمّة على أنّ “هدف التفسير يجب أن يكون مناسباً لدعوة الله التي وجهّها عبر الكتاب وبه. إذ إنّ هذه الدعوة من دون شيء سواها هي حقيقة الكتاب المقدّس”. يتطابق هذا الموقف مع التركيز الآبائيّ على ςόποκσ أي الهدف الرئيس أو غاية الكتاب المقدّس، كجوهر للتفسير.
(F. Hahh, Historical Investigation and New Testament Faith: Two Essays, p. 22).
[15] حول مفهوم الثاوريا أنظر الفصل الرابع تحت عنوان “منهجيّة الشرح” عند آباء الكنيسة.
[16] اقتباس من:
Maurice F. Wiles, The Spiritual Gospel: The interpretation of the Fourth Gospel in the Early Church (Cambridge: Cambridge University Press, 1960), p. 86.
يشير Wiles في الصفحات 84-86 إلى النظرة المشتركة بين آباء الكنيسة والكتاب المقدّس حول معرفة الله الاختباريّة عبر المشاركة في الحياة الإلهيّة.
[17] يعبّر الأب جورج فلوروفسكي عن هذه النظرة الآبائيّة في “خُلُق الكنيسة الأرثوذكسيّة The Ethos of the orthodox Church”، ص. 41، كما يلي: بمعزَل عن الحياة في المسيح، لا يحمل اللاهوت أي قناعة، ومفصولاً عن حياة الإيمان، يستطيع اللاهوت أن ينحلّ إلى مجادلات فارغة…اللاهوت الآبائي كان متأصلاً في الالتزام القاطع بالإيمان…”اللاهوت” ليس غايّة بحدّ ذاته. إنّه دائماً طريق. لا يمثّل اللاهوت أكثر من إطار فكريّ للحقيقة المعلَنة، شهادة “نوسية” (نسبةً إلى النوس) لهذه الحقيقة.
لا يمتلئ هذا الإطار بالفحوى الحيّة إلاّ بممارسة الإيمان. (لفهم وافٍ عن النوس أنظر: “الفكر الكنسي الأرثوذكسي” للميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، ترجمة الأب أنطوان ملكي، تعلونيّة النورالأرثوذكسيّة للنشر والتوزيع، 2002، ص. 27. (المترجم))
[18] So ohilip Rousseau, Basil of Caeseres, pp. 106-112, 117f.
[19] كان الآباء الكبادوكيّون المدافعين عن العقلانيّة بقدر ما كانوا ضدّ الاستفاضة فيها.
So Jaroslav Pelikan, Christianity and classical Culture (New Haven: Yale University press, 1993), p. 128).
[20] بحسب فلوروفسكي في “خُلُق الكنيسة الأرثوذكسية”، ص. 40، دعوة “اتّباع الآباء القديّسين”، ليست “إشارة إلى تقليد مجرّد، إلى صياغات وعبارات. إنّها بالدرجة الأولى دعوة إلى أشخاص، إلى شهود قدّيسين”. بالنسبة إلى فلوروفسكي، هذا ينطبق أيضاً على الرسل لأن الكنيسة، كونها رسوليّة وآبائيّة، هي على الدرجة ذاتها من الالتزام بالإنجيل الرسولي كما بالعقيدة الآبائيّة.
[21] أنطر الملحق رقم 2.
[22] John Panagopoulos, Εɩ’σαϫωϫή σԏήѵ καɩѵη Δɩαθηκη (Athens: Akritas, 1994), pp. 433-434.
يشدّد باناغوبولس في هذا العمل على نقطة مهمّة مفادها أنّ الكتاب المقدّس ليس وديعة من صياغات نهائيّة لحقائق أزليّة إنّما هو شهادة لسرّ الله في عمله الخلاصيّ، وهو سرّ فائق الوصف.
[23] M. R. Mulholland, Jr. Shaped by the Word: The Power of Scripture in Spiritual Formation, p. 64.
[24] Luke T. Johnson, The Writings of the New testament: An Appreciation (Philadelphia: Fortress, 1986), 99. 7-8.
[25] الترجمة العربيّة من غريغوريوس النزينزي: الخطب 27-31 اللاهوتيّة. سلسلة النصوص اللاهوتيّة. نقلها من اليونانيّة إلى العربيّة الأب يوحنّا الفاخوري. (بيروت: منشورات المكتبة البولسيّة، 1993)، ص. 104-105.
[26] يعرض N. T. Wright تطرف أشخاص أمثال A. N. Wilson, J, Spongو B. Thiering في كتابه (Grand Rapids: Eerdmans, 1992) Who Was Jesus? فيذكر أن تطرفهم هو بلا أساس. فالبعض من هؤلاء المتطرفين هو من أعداء المسيحيّة اللدودين والبعض الآخر هو من زعماء الأصوليّين الذين يسيئون استعمال البحث العلميّ ويقدّمون استنتاجات مفاجئة تشوّش غير العالم. إنّ تعهد البحث الصحيح يشكّل الطريقة الأكثر فعاليّة في ضحدهم.
[27] هذا يتوافق مع موقف R. Brown في كتبه العديدة وفي عمله “التأويل” في NJBC، ص. 1163-1164.
[28] K. Ware “The Ecumenical Councils and the Conscience of the Church,” in Kanon: Jahrbuch der Gesellschaft fϋr das Recht der Ȍstkirchen (Wien: Herder, 1974), pp. 217-233.
يقدّم كاليستوس وير في هذا المقال وصفاً ممتازاً لطبيعة الكنيسة المجمعيّة في سعيها للحياة بسلطة الحقيقية المطلقة، حقيقة الله. لشرح عن التفسير السلطويّ للكتاب المقدّس في الكنيسة الكاثوليكيّة بما فيها سلطة البابا المطلقة، أنظر R. Brown في المرجع المذكور سابقاً.
[29] Thomas F. Torrance, The Relevance of Orthodoxy (Stirling: Drummond Press, n.d.), pp. 9-19.
اللاهوت االلاهوت المقارن والباترولوجي – دراسةلمقارن والباترولوجي – دراسة
اللاهوت المقارن والباترولوجي – دراسة
واجهت الكنيسة منذ نشأتها كثيرًا من البدع والهرطقات، لذا كانت هناك حاجة إلى علّم – اللاهوت المقارن – الذي يبحث في الفرق المتباينة، التي ظهرت في تاريخ الفكر المسيحيّ منذ نشأته، ومناقشة معتقداتها ومبادئها اللاهوتية بهدف إبراز الحقيقة المسيحية والبرهنة عليها، وبيان هدى انحراف المذاهب المعارضة وابتعادها عن الإيمان الرسولي[1].
ظهرتْ كتابات الآباء لإرساء العقيدة في أذهان أبنائها، ودحض وتفسير أفكار الهراطقة بالحجج القوية، الراسخة الموثقة بالتقليد والتسليم الكنسيّ والكتاب المقدس، فقد كان الآباء غيورين على الإيمان السليم إلى حد الاستشهاد، فانظرْ كم عانَى القديس أثناسيوس الرسوليّ ديسقورس وغيرهما..
أهمية دراسة اللاهوت المقارن عند الآباء وسماته
من خلال كتابات الآباء في هذا المجال، نتعرّف على روح الآباء وأسلوبهم في الرّد على الهرطقات كلٍ بما يناسبها، كاستخدامهم للفلسفة اليونانية في الرد على الفلاسفة، واستخدام العهد القديم في الرّد على اليهود، والتقليد والكتاب المقدس للرّد على الهراطقة.
دراسة بدعة قد لا تكون في عصرنا والرد عليها، لنتعرّف من خلالها على ما واجهته الكنيسة من اضطهادات داخلية، كذلك دراسة العقيدة من خلال اللاهوت المقارن توضح جوانب أكثر في العقيدة.
من خلال دراستنا للآباء في اللاهوت المقارن نتعرف على العقيدة السليمة، وإظهار روح الآباء ووقارهم ودقة الألفاظ الأدبيّة مهما استخدم الهراطقة أفاظًا فيها إساءة، كذلك روح الحب الذي كانوا يُظهرونه للهراطقة، آملين أن يروهم في أحضان الكنيسة الجامعة الرسوليّة، على الرغم من أنهم كانوا حازمين ومدققين في الإيمان الذي تسلّموه (2تي12:1-14)، لكنهم كانزا محببين ولطفاء… ولهذا كتب القديس كيرلس لنسطور ليُخبره أنه لن يجد أحد يحبه مثله، لكن هذا الحب لن يكون على حساب الإيمان.
والبابا ديونيسيوس الرابع عشر عندما زار إيبارشية الفيوم، ووجد أسقفها نيبوس يُعلِّم بالمُلِكْ الألفيّ الأرضيّ، كتب يوضّح محبته وتقديره لمجهود هذا الأسقف ثم يشرح العقيدة السليمة: “لأنهم يقدِّمون لنا مؤلفًا لنيبوس وهم يعتمدون عليه كلّية، كأنه أثبت إثباتًا قاطعًا أنه سيكون هناك مُلك للمسيح على الأرض، فإنني أعترف بتقديري ومحبتي لنيبوس من نواحي أخرى كثيرة، لأجل إيمانه ونشاطه واجتهاده في الأسفار الإلهيّة، ولأجل تسابيحه العظيمة التي لا يزال كثيرون من الإخوة يتلذذون بها..
ويزداد احترامي له لأنه سبقنا إلى راحته، على أن الحق يجب أن يُحب ويُكرّم قبل كل شيء، ومع أننا يجب أن نمتدح ونصادق على كل ما يُقال صوابًا دون تحيز، فإننا يجب أن نمتحن كل ما يبدو أنه لم يُكتَب صوابًا ونصححه”.[2]لفي
كما قيل عن القديس ديديموس الضرير: “اتسمت تعاليمه اللاهوتية بالهدوء والرزانة بعيدًا عن الهجوم والعنف، وكان مهذبًا في نضاله ضد الأريوسيين والوثنيين، مركِّزًا على أن يقنعهم ويردّهم إلى الحق لا أن يهزمهم”[3].
كذلك قيل عن القديس إيريناؤس أسقف ليون: “في المقاومة لا يبغي الجدل كهدف، بل كان يركّز على إبراز أركان التعليم الرسوليّ في شتّى القضايا التي أثارها الهراطقة، فكان جدله إيجابيًّا بنّاءً، كان مجاهدًا لا في مقاومة الهرطقات فحسب، وإنما بالأحرى في ردّ الهراطقة إلى حضن الكنيسة، لذا كان يتحدث بحكمة بناءّة، في أُسلوب هادشء وتسلسل مقنع بروح المحبة غير المتعصبة ولا الجارحة”.
كذلك يقول القديس أمبروسيوس: “يجب على الرعاة أن يكونوا هكذا كمرشدين للسفن حكماء، فيفردون شراعات إيمانهم حيث يسير في أكثر الأماكن أمانًا، حاسبين تكاليف (رحلة الكتب المقدسة) فلا ننطق بكلمة إلاّ للبنيان، وباختصار يليق بالراعي أن يمتنع عن المباحثات الغبية والأنساب والخصومات وكل ما هو ليس للبنيان، إذ يدعوها الرسول أنها أمور غير نافعة، من ينشغل بها يصير غبيًّا”[4].
كتابات الآباء تُعطي مفاهيم مسيحية وتفاسير قوية لعبارات الكتاب المقدس، فهي تكشف لنا مدى استنارة الآباء بالروح، فلا توجد حقيقة إلهية جديدة أو خلق جديد، ولكن الآباء المؤيدين بالروح القدس يتعمقون أكثر والروح يُعضدهم ويعطيهم وفقًا للاحتياجات، فلا يوجد شيء في الكنيسة يقبل إعادة النظر أو التطور، بل الكنيسة ثابتة على مر العصور، منذ حلول الروح القدس على التلاميذ إلى آخر الدهور.
منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم في اللاهوت المقارن [5]:ـ
يرى القديس يوحنا ذهبيّ الفم أن الوعظ والتعليم الصحيح هو أنسب طريقة للتوبة، وعدم استخدام عصا التأديب إلاَّ عندما لا تنجح الطريقة الأولى، فيقول: “من الأفضل للبشر أن يتقدَّموا لخدمة الرّب لتثقيفهم لا بسبب الخوف من العقاب والألم… ولكن إن كانت الوسيلة الأولى أفضل، فإن هذا لا يعنى تجاهل الثانية…
فإن كثيرين كعبيد أشرار لا يعودون إلى ربهم غالبًا إلاَّ بعصا الآلام المؤقتة، وذلك قبل ما يبلغون إلى درجة التقدم في التقوى”[6]، كما يقول أيضًا تعليقًا على موقف السيد المسيح من الكتبة والفريسيين بعد معجزة شفاء مريض بركة بيت حسدا “ويجب علينا استخدام اللطافة لاستئصال هذا المرض، لأن الإصلاح والتغيير باستخدام الخوف، سرعان ما يعود إلى الشر مرة أخرى”[7].
أما منهجه فيتلخص في الآتي:
عدم استخدام العنف كوسيلة للتوبة فيقول: “لا يُسمح للمسيحيين أن يعالجوا سقطات الخطاة كرهًا… فإنه يلزم إصلاح الخطاة بالاقتناع لا بالإرغام، فنحن لم نعط بالقانون سلطانًا من هذا النوع لقمع الخطاة”[8]، كما يقول أيضًا “ليتنا لا نحتد ضد هؤلاء الناس (يقصد الأنوميين) ولا نتخذ الغضب كعذر، بل نتحدّث إليهم بوداعة وعذوبة، فليس هناك وسيلة أكثر فاعلية من ذلك، لهذا أوصانا الرسول بولس أن نتمسك بهذا السلوك من كل قلبنا عندما قال:
“وضعَبْدُ الرَّبِّ لاَ يَجِبُ أنْ يُخَاصِمَ، بَلْ يَكُونُ مُتَرَفِّقًا بِالْجَمِيعِ” (2تي24:2)، أنه لم يقل “مترفقًا فقط يإخوتك” بل قال “مترفقًا بالجميع”، كما قال أيضًا “لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفًا” (في5:4)، لم يقل “معروفًا عند إخوتك” بل قال “لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفًا عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ” (في5:4)، وهو يقصد بذلك أي صلاح تفعلونه: “إن أحببتم الذين يحبونكم” (مت46:5)[9].
عدم الجدال حسب قول معلمنا القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: “المُبَاحَثَاتُ الْغَبِيَّةُ وَالْسَخِيفَةُ اجْتَنِبْهَا، عَالِمًا أنَّهَا تُوَلِّدُ خُصُومَاتٍ” (2تي23:2)، كما يقول لتلميذه تيطس: “وَأَمَّا الْمُبَاحَثَاتُ الغَبِيَّةُ وَالأَنْسَابُ وَالْخُصُومَاتُ وَالْمُنَازَعَاتُ النَّامُوسِيَّةُ فَاجْتَنِبْهَا، لأَنَّهَا غَيْرُ نَافِعَةٍ، وَبَاطِلَةٌ. الرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ اإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ أَعْرِضْ هَنْهُ، عَالِمًا أَنَّ مِثِّلَ هَذَا قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ” (تي9:3-11)، ويعلق ذهبيّ الفم على هذه الآية قائلاً:
“أما الخصومات فيعني بها المناقشات مع الهراطقة، فالرسول يود ألاَّ نتعب فيها بغير جدوى، دون أن نجني منها شيئًا، لأنها تنتهي إلى لا شيء، لأنه إن صمم إنسان على عدم تغيير رأيه مهما حدث، فلماذا تُتعب نفسك وتزرع على الصخر، مع أنه كان يليق بك أن توّجه عملك العظيم إلى شعبك متحدثًّا معهم عن الفضائل؟”[10]، كذلك يقول أيضًا “يليق يمَن يعلِّم أن يهتم على وجه الخصوص أن يحقق عمله بالوداعة، فإن النفس التي ترغب في التعلم لا تتقبل التعلِّيم النافع المقترن بالخشومة والنزاع”[11].
عدم الانفعال والغضب الذي بسببه نفقد سلامنا الداخلىّ فيقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم: “إن تغيير الإنسان لعقليّة خصومه وهداية أذهانهم أعظم من قتلهم”[12].
لكن روح الحب عند الآباء في كسب الهراطقة وانضمامهم لشركة الكنيسة، لا تعني التساهل في العقيدة…
فيقول القديس كيرلس الكبير في رسالته إلى فاليريان: “أعتقد أنه ضروريّ بلا شك، أن نهاجم الوسائل التي يعتقدون أنهم قادرون بها على محاربة شعب الرَّب، كما هو مكتوب “يَرموا في الدجى مستقيمي القلوب” (مز2:11)، أي هؤلاء الذين اختاروا أن يحيوا في بساطة الهذف والغاية، والذين أعطوا في نفوسهم تقليد الإيمان كوديعة ويحفظونه مقدسًا وبلا تغيير، وهؤلاء البارعون في الخداع، بابتداعات أفكارهم المخترعة بتعقيد، يدفعون هؤلاء الذين هم أقل منهم كفريسة بعيدًا عن الإيمان بالحق، وبمحاكمتهم بجهل لشر باقي الهراطقة..
ويقدّمون ما هو معتاد بالنسبة للهراطقة دون أن يأخذوا في الاعتبار ما هو مكتوب “ويل لمَن يسقي صاحبه سافحًا حموك ومسكرًا”[13] (حبقوق15:2).
كذلك يؤكد القديس يوحنا ذهبيّ الفم على التمسك بالأمانة وعدم التساهل مع الهراطقة، فنجده يمنع ويحرم الدخول إلى اجتماعاتهم، بل أيضًا كان يصادر كنائسهم، وفي رسالته إلى أنومياس Enomoens يُعَلِّق على قول معلِّمنا القديس بولس الرسول: “غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقٍّ يُنَادَى بِالْمَسِيحِ، وَبَهَذَا أَنَا أَفْرَحُ، بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضًا” (في18:1)، فقد حاول الهراطقة أن يُدخلوا البدع إلى قلوب المؤمنين تحت ستار الإتضاع، خالطين بينه وبين الاستهتار في التمسك بالعقيدة…
مطالبين البسطاء أن يسمعوا لهم إذ هم يتحدّثون في المسيح يوسع، فأخذ يوضح التفسير الحقيقيّ للآية: أنها لم تكن بخصوص هراطقة، بل بخصوص الإيمان السليم، فيقول: “إذ يُفسد البعض هذا القول تمامًا، دون أن يقرأوا ما يسبقه وما يليه، بل يبترونه عن بقية الجزء المرتبط به، وذلك لأجل هلاك أنفسهم… مُدَّعسن أن بولس قد سمح بهذه..” وأخذ يوضح أن الحب يدفع إلى التواضع دون استهتار[14].
كما يقول ذهبيّ الفم أيضًا “ما دام الرعاة ليسوا في مواجهة وحش كاسر، فإنهم يسترخون تحت شجرة سنديان أو أرز، يعزفون الناي تاركين قطيعهم يرعى في حرية. أما إذا دبرت الذئاب هجومًا فإنه للحال يقوم الرعاة بحيوية ويلقون عنهم المزمار أو الناي متسلحين بالمقلاع. هكذا أنا أفعل”[15]، كذلك يقول “إن كانت صداقتهم (يقصد الهراطقة) مضّرة بك وتجرّك لتشاركهم شرهم، فأعرض عنهم حتى لو كانا والديك”[16].
يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم أن مار أفرام السريانيّ كان على الهراطقة كسيف ذي حدين[17].
الأسانيد التي اعتمد عليها الآباء في مواجهة الهرطقات:
الكتاب المقدس:
يُعتَبر الكتاب المقدس هو السند الأول عند الآباء، في مواجهة الهرطقات والبدع التي جابهتهم، وفي ذلك يقول البابا أثناسيوس الرسوليّ: “ابحثوا أيضًا ما تضمنته الأناجيل وما كتبه الرسل”[18]، فمثلاً في دفاعه عن ألوهة الروح القدس يستخدم الكتاب المقدس فيقول: “انظروا كيف أشارتْ جميع الأسفار الإلهية إلى الروح القدس”[19]، ومرّة أخرى يقول: “أين وجدوا في الأسفار المقدسة أن الروح القدس أُشير إليه كملاك…
وإن كانت الأسفار المقدسة لم تتحدّث عن الروح القدس كملاك، فأيُّ عذرٍ لهم في مثل هذه الجرأة”[20]، كما يرى أنه عند دراسة أيّ موضوع من موضوعات الكتاب المقدس، يلزم فحص هذا الموضوع في جميع مواقعه بالكتاب المقدس، حتى يمكن إطلاق الحكم بصورة كاملة.
وهكذا عندما تناول موضوع الروح القدس في رسالته الأولى إلى سرابيون، فإنه لكي يُثبت أن الروح القدس ليس مخلوقًا، درس الآيات التي جاءت عن الروح القدس وانتهى إلى القول: “قولوا لنا إذن، أتوجد فقرة في الكتاب المقدس الإلهيّ أُشير فيها إلى الروح القدس بمجرد كلمة “روح” بدون إضافة كلمة أو حرف إليها، مثل: الله، أو الآب أو “ياء المتكلم”، أو “المسيح” نفسه أو “الابن”، أو “مني” أي من الله أو أداة التعريف “أل” فلا يُقال عنه روح، بل الروح أو الاصطلاح الكامل “الروح القدس” أو “روح الحق” أي “روح الابن”..
الذي يقول “أنا هو الحق” (يو6:14)، حتى إنكم بمجرد سمع كلمة “روح” افترضتم أنها تعني “الروح القدس”. وبالإيجاز نقول: إنه ما لم تضف أداة التعريف “أل” أو إحدى الإضافات السابقة، فإن كلمة “روح” لا يُمكن أن تشير إلى الروح القدس… أيمكنكم إجابة السؤال الذي قُدِّمَ إليكم عما إذا كنتم تجدون في أيّ مكان في الأسفار الإلهيّة – أن الروح القدس قد أُطلق عليه مجرد كلمة “روح” دون الإضافات السابق ذكرها، ودون الصفات السابق تدوينها، إنكم لا تستطيعون الإجابة لأنكم لن تجدوا أثرًا لهذا في الكتاب المقدس”[21].
أما الهراطقة فقد استخدموا الكتاب المقدّس، لكنهم فسرّوه خارج نطاق الكنيسة بما يخدم بدعتهم، لذا نجد القديس أثناسيوس الرسوليّ يرى أن “الهراطقة يخدعون البسطاء بتقديم مقتطفات من الكتب المقدسة، ويغفلون أجزاء أخرى منها، إنهم يتظاهرون كأبيهم أبليس (يو44:8)، بأنهم يدرسون ويقتطفون لغة الكتاب، لكي يخدعوا الآخرين بمكرهم”[22]، كما يرى القديس أثناسيوس أن أسوأ ما في الأمر، أن نخترع كلمات جديدة تضاد الكلمات المستخدمة في الكتب المقدسة[23].
يقولالقديس جيروم “إن ماركيون وفاسيليدس وهراطقة آخرين… لا يملكون إنجيل الله، لأنهم لا يملكون الروح القدس، الذي من دونه يُصبح الإنجيل المبشَّر به إنسانيًّا، فنحن لا نعتبر أن الإنجيل (أي البشارة) يتألَّف من كلام الكتاب المقدس فغايته في معناه، لا في سطحه، في لبِّه وجوهره، لا في أوراق العظات، بل في أصل معناه، في هذا الحال يُصبح الكتاب نافعًا حقًّا للسامعين عندما يُبشَّر به مع المسيح، وعندما يُقدَّم ويُعرَض مع الآباء، وعندما يُقدِّمه المبشِّرون به مع الروح…
كبير هو خطر التكلم في الكنيسة، لأن التفسير المنحرف يُحوِّل إنجيل المسيح إلى إنجيل إنسانيّ”[24].
فالهراطقة يأخذون جملة واحدة من النص ويفسرونها حسب ما تخدم بدعنهم، ولكن عندما تفهم هذه الجملة من خلال النص كله ستجد معناها مختلفًا تمامًا عما يقصدون.
التقليد:
التقليد هو امتداد حياة الإيمان عبر الأجيال الحيّة، هو اكتشاف الحق المُعلَن بالروح القدس، فالتقليد المُسلَّم من الآباء قويّ، لأنهم من ناحية عاصروا الرسل مثل القديس أكْلِمَنْضُس الرومانيّ،، وأغناطيوس وبوليكاربوس، وكذلك الاستنارة التي كانوا يعيشون بها، ويشمل التقليد الليتورجية، التي توضح إيماننا، كما هو معروف “ما نؤمن به يثعرَف من خِلال الطريقة التي نُصلِّي بها”[25]، كذلك التقليد المستمد من حياة الآباء وكتاباتهم، فأقوال الآباء وكتاباتهم صورة حية لعمل الروح القدس المستمر في الكنيسة.
لم يكتب الآباء أو يقولوا شيئًا كرأي شخصيّ، لكنهم حافظوا على ما تسلّموه من الآباء، لذا تُعتبَر أقوالهم حجة، فيقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: “بحسب الإيمان الرسوليّ المُسلَّم لنا بالتقليد مع الآباء، فأني قد سلّمتُ التقليد بدون ابتداع أي شيء خارجًا عنه، فما تعلمتهُ بذلك قد رسمتهُ مطابقًا للكتب المقدسة”[26]، فيتضح من قول القديس أثناسيوس مدى حرصه على الإيمان المُسلَّم مرة بالتقليد الذي يتفق مع الكتاب المقدس.
فكما يقول معلمنا بولس الرسول “فَاثْبُتُوا إِذًا أَيَّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ (بالتقليد) الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا” (2تس15:2)، وعبارة “تمسكوا بالتعليم”، تأتي في اليونانية بمعنى التقليد، كما تأتي في ترجمة New King James، بمعنى التقليد Tradition، إذن فمعيار الحق هو الكنيسة.
المجامع المسكونية:
المجامع المسكونية هي صوت الكنيسة المُعبِّر عن التعليم الصحيح، وهي السلطة العُليا للتعليم في الكنيسة الأرثوذكسية؛ وترجع سلطة هذه المجامع فيما يتوافق مع مشيئة الروح القدس العامل فيها، فالتعليم العقائديّ في المجامع المسكونية، يحتوي على مضمون الإيمان والأساس الراسخ للعقائد الإيمانية الأرثوذكسية، والكنيسة – إكليروسًا وشعبًا – هي الحاملة للتعليم الصحيح للإيمان..
حيث يحميه ويصونه الروح القدس من أي خطأ، فمجمع أورشليم يشهد على حلول الروح القدس في المجمع “لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ” (أع18:15)، فهذا يؤكد أن الروح القدس هو المُشرِّع في المجامع المسكونية.
لم يهدف الآباء في نقاشهم حول العقيدة في المجامع المسكونية إلى إعطاء تفسير للأسرار والعقيدة، بل كان عملهم الاستناد إلى الكتاب المقدس وإلى تعاليم الرسل، على أبعاد الالتباسات التي طرأتْ على فهم العقيدة سواء على صعيد الفكر المنطقيّ، أو على صعيد الألفاظ اللغوية، لكي يحولوا دون ضياع التعليم في الخطأ والهرطقة، واكتفوا بإحاطة السرّ بقانون إيمان عقائديّ للمحافظة عليه، ليحمي العقيدة المسيحيَّة من الهراطقة.
حتى إن السيد المسيح قال للتلاميذ “لأنَّه إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هَذَا فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِس؟” (لو31:23)، لذا هناك كتابات كثيرة للآباء في اللاهوت العقائديّ والمقارن ضد مُحدثي الانشقاقات والبدع، سواء الفلاسفة الوثنيون أو اليهود أو أصحاب الهرطقات.
يثعتبَر القرن الرابع وبداية الخامس، العصر الذهبيّ لكتابات الآباء اللاهوتية، على أنه كانت هناك كتابات في القرون الثلاثة الأولى لكنها قليلة.
تجديد حبس الراهب بولس الريانى 15 يوما علي ذمة التحقيقات .. والأنبا مكاريوس يتولى إدارة “الدير المنحوت”
بولس الرياني
قررت نيابة إبشواى العامة، أمس الأول، تجديد حبس الراهب بولس الرياني ١٥ يومًا على ذمة التحقيقات، على خلفية عدة اتهامات أبرزها التعدى على أراضى الدولة فى دير المنحوت، وحيازة وإطلاق أعيرة نارية من سلاح غير مرخص وإشعال النيران فى لودر تابع لشركة المقاولون العرب.وفى سياق متصل، علمت «البوابة» من مصادر مطلعة أن البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، كلف الأسقف العام، الأنبا مكاريوس، لإدارة الدير المنحوت والسيطرة على الرهبان وتقييم أوضاعهم الروحية والخدمية، فى خطوة من جانب الكنيسة لاحتضان الدير كنسيًا.
منذ سنتين وبعد أيام من خطبتي وعودتي من الإجازة للعمل مرة أخرى، وأحسب العاملين في المجال الصحفي على أحد التيارات المستنيرة في مصر، وبعد التهاني والأماني استأذنت زميلة لي في سؤال “هو أنا ممكن أسألك ومن غير زعل.. هو خطيبك يوم الفرح هيبات فين؟”، بكل عفوية جاوبتها “للأسف مفيش فلوس نعمل شهر عسل.. هنبات في شقتنا أو ممكن نسافر بعد كدة كام يوم أي مكان فيه بحر”، امتعض وجهها ويبدو أن إجابتي لم تقنعها وظنت أني أخاف الحسد على “شهر عسلي” المزمع قضائه في هاواي.
نظراً لعملنا معاً أكثر من سنتين، كانت المساحة بيني وبينها تسمح بأن يستمر الحديث بعد أن انتبه الزملاء لنا، “يا بنتي افهميني.. أنا بتكلم عن أول ليلة.. عريسك هيبات فين”، ضحكت رغما عني “يعني هيطفش من أول ليلة.. هيبات في البيت.. إيه الأسئلة العجيبة دي..”، فردت بسرعة “بصراحة من الآخر أنا عارفة إن القسيس هو اللى بيبات مع العروسة أول يوم عشان عذراء وكدة..”، ربما كانت هذه أكثر لحظات حياتي اندهاشا فانفجرت في حالة ضحك هيسترية، بينما ظل زملائي في حالة صمت مطبق.
“والنبي ما تزعلي يا كارول.. أنا معظم أصحابي في إسكندرية مسيحيين.. بس عمر ما جت لي الجرأة أسألهم”، جاوبتها بكل صراحة أني لم أغضب على الإطلاق ولكنها المرة الأولى التي أتعرض فيها لهذا السؤال، ومنبع دهشتي أنه صدر من صحفية تتميز برجاحة عقل أكثر من آخرين يكون الجهل سبب في تولد وتصديق مثل هذه الأفكار في أوساطهم.
كانت المفاجأة أن كل زملائي عقبوا على دهشتي بأن هذا السؤال راودهم كثيراً وليست هذه الزميلة وحدها، ومنهم من تقبل الفكرة كما هي نظراً لأنها من طقوس وممارسات العقيدة المسيحية كما أخبروني، ومنهم من قرر تغليب المنطق والعقل ولكن ظل من حولهم يصدقون ويرددون مثل هذه الأفكار.
لن يختبر القسيس عذريتي – كارولين كامل
أسئلة مشروعة
على مدار العامين تجنبت الكتابة عن هذا الموقف، ولكن ظل سؤالها يلح في بالي، كيف ينظر من يصدقون هذه الأساطير للمسيحيين، هل يعتقدون حقاً أن العروسة تقضي ليلتها الأولى مع القسيس، بينما ينام زوجها قرير العين في منزل أسرته، ويأتي في الصباح لإعداد الإفطار لهما مثلا! –
كيف حضرت زميلتي عشرات الزيجات المسيحية وفي كل مرة تعود إلى منزلها وهي تتخيل أن صديقتها العروسة ستنتهي من الحفل التي تعقب الإكليل أو حتى دون حفل، ليأخذها والدها وزوجها “ذبيحة قربان” لرجل الدين تطبيقاً لنصوص مسيحية علي حد ظنها.
أي دين شاذ ينص على هذا! أي أب مريض وزوج عديم الرجولة يسمحان بهذا! أي فتاة تقبل هذه الجريمة حتى ولو باسم الدين..!
استطلاع رأي
منذ فترة ومن المنصة ذاتها كتبت مقالاً عن حقيقة القبلات داخل الكنيسة، فتلقيت ردودا عدة وكان أبرزها “أيوة مش بتبوسوا بعض.. لكن العروسة بتنام مع القسيس”، فعاد الموضوع إلى ذهني مرة أخري، فقررت أن أرجع لوالدي وأسأله هل سمع من قبل عن مثل هذه الأفكار الغريبة، فجاوبني أنه لم يسمعها مطلقاً في شبابه أو من أبناء جيله، ولكنه سمعها لأول مرة في منتصف الثمانينات بعد حمى البترول والسفر للسعودية.
قررت أن استطلع رأي من حولي قبل الكتابة فطرحت السؤال أولاً على أكبر عدد ممكن من زملائي وأصدقائي المسلمين وكانت النتيجة صادمة حقاً، الأصغر مني بعشر سنوات وأكثر، كلهم أكدوا تداولهم لهذه الفكرة ويشعرون بفضول شديد حول حقيقة هذه الطقوس المخيفة، من كانوا في مثل عمري وأكبر قليلا منهم من لم يسمع إطلاقاً بهذا الكلام، ومن سمع به لم يكن يعرفه منذ الصغر وإنما منذ سنوات قليلة، ومن هم في عمر والدي أو أقل بقليل سمعوا بها مؤخراً أيضاً كحال والدي.
في حال أصدقائي ومعارفي المسيحيين انقسموا لقسمين فقط، إما من يعرف نظراً لأنه اشتبك في مشاجرات دامية بسبب هذا السؤال، أو من لم يسمع إطلاقاً بمثل هذا الكلام وسبب سؤالي هذا صدمة حقيقية لهم، وبناء على هذه النتيجة والحوارات التي استمعت لها شعرت أني مستعدة للكتابة لتوضيح حقيقة هذه الفكرة السقيمة التي تشوه بالتأكيد نظره المسلم للمسيحي.
جاءت ما تُعرف بـ “الأديان السماوية” بالذات بعد شوط كبير من الحضارة الإنسانية، ارتقى فيها الإنسان بذاته وقيمه وأخلاقه دون عقيدة سماوية، ومن قبل الحضارات كانت فطرة الإنسان قابلة لفرز الطيب والخبيث من الممارسات، ومنها الرجولة والنخوة أو حتى في أسوأ الظروف كان الامتلاك جزءًا من طبيعة الإنسان فلا يقبل أن يقاسمه أحد ممتلكاته، ولا يتقبل العقل تقديم الرجل لزوجته لرجل آخر ولو باسم الدين، حتى في معشر الحيوانات يذود الذكر عن وليفته ولا يقدمها هبة لذكور آخرين.
ربما شهدت بعض مما تُعرف بـ “الأديان الوضعية” كما يلقبها البعض ممارسات مشابهه في المعابد مثل تقديم العذارى للكاهن، أو ندر الفتيات لأنفسهن للخدمة في المعبد، وغيرها، إلا أن العقيدة المسيحية تنص صراحة على تحريم الزنا فقال المسيح “قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تزنِ، وأما أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه”، إنجيل متي إصحاح 4.
وفي رسالة بولس الرسول لأهل كورنثوس الإصحاح السادس يقول “لا تضلوا: لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون، ولا مضاجعو ذكور، ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله”، وتابع يؤكد “اهربوا من الزنا. كل خطية يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد، لكن الذي يزني يخطئ إلى جسده، الجسد ليس للزنا بل للرب والرب للجسد، ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح، أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية”.
إن كانت المسيحية تُحرم النظرة وتقول صراحة عن اشتهاء الرجل لامرأة زنا، وتُغلق “أبواب السماء” في وجه الزناة، أيُعقل أن تسمح به لرجل الدين..؟
المسؤولية
الأديرة وما تخفيه من أسلحة، حيث يمارس الرهبان اللواط سوياً، والراهبات يضاجعن القساوسة، وغيرها من الأساطير التي روجها كثير ممن يلقبون أنفسهم بـ “الدعاة” أبناء الوهابية وهم المسؤولون عن اعتناق الكثيرين لأفكارهم المريضة التي تشوه العلاقات بهذه التساؤلات المختلة وهي السبب الرئيسي في زيادة الاضطرابات بين المسيحيين والمسلمين في مصر بعد عصر الانفتاح وترويج شيوخ “البرميل النفطي” لهذه الخيالات المريضة.
الأكثر سخرية هي استشهاد الكثيرون ممن يصدقون هذا العبث بالفيلم الأمريكي “القلب الشجاع..The Brave Heart” للمثل ميل جيبسون والذي يروي ممارسات الجيش الانجليزي أثناء احتلاله إسكتلندا ومنها أحقية السيد وهو قائد الجند في فض بكارة العذارى في الليلة الأولي من زواجهن، وحاول جيبسون حماية زوجته من هذا المصير فماتت بعد أن ذبحها السيد.
ولا أعرف ما سر الربط بين هذا الفيلم وبين العقيدة المسيحية، ولكن يبدو أن عادة مروجي مثل هذه الأفكار الشاذة يستقون معلوماتهم عن الدين من “هوليوود” وأفلامها باعتبارها الناطق الرسمي للغرب المسيحي الكافر، ويعشقون ربط الخيال بالواقع ولم يستحي كثيرون منهم وهم يشيرون لأفلام وقصص غريبة تؤكد أفكارهم.
لست أمام محكمة، ولا أشعر بالخجل أو أني مدانة أو متهمة بشيء، وكلماتي ليست معنية بالدفاع عن الدين، وإنما دفاع عن إنسانيتي وكرامتي ونخوة كل من هم في حياتي ويهمهم أمري، إن كان عدد لا بأس به من المقربين لي كان يراودهم هذا الهاجس بخصوص ليلة زفافي وخجلوا من أن يسألوني، فأنا أدعوهم لحضور زفافي وصلاة “الإكليل” في الكنيسة ويشاطروني البهجة دون أن تكدر صفوهم أفكار مغلوطة.
أول من استعمل مصطلح (باترولوجيا Patrologia)، هو اللوثري الألماني الجنسية (جون جرهارد John Grehard)، القرن السابع عشر، حيث استخدم كلمة (Patorologia) كعنوان لكتاب نشره عام 1653م، يُقسّم فيه علم الآباء إلى عدة مراحل وإن كانت غير محددة، ألا وهي:
1- عصر الآباء الأولين:
أخذتْ أقوال الآباء فترة من الزمن تُسلّم من جيل إلى جيل شفهياً، لا لغرض دراسيّ، أو كهدف في ذاتها، بل كوديعة تحمل داخلها الإيمان الحيّ، فلم تُكتب أو تُدرَّس كفلسفة؛ ولهذا لم يُكتَب منها إلاّ القليل، وعلى مستوى فرديّ مثل كتابات يوحنا كاسيان.
ونحن بصدد الحديث عن أقوال اللآباء في العصر الأول، نلاحظ الآتي:
أ – محاولة المؤمنين حفظها قدر المستطاع لقُدسيتها، فيقول القديس أكلِمَنْضُس السكندريّ: “هؤلاء الرجال قد حفظوا التقليد الصحيح، تقليد التعليم المبارك، المُسلّم لهم مباشرةُ من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس… والذي وصل إلينا بعناية الله ابناً عن أب[1]، كما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصُص: “يليق بنا أن نحفظ التقليد الذي تسلّمناه بالتتابع من الآباء ثابتاً بغير تغير”، كما يقول القديس كيرلس الإسكندريّ: “إنني مُحب للتعليم الصحيح مقتفياً آثار آبائي الروحيّة” [2]..
ساد هذا العصر روح التلمذة، فالتلميذ يسمع من معلّمه وخاصة في الحياة الرهبانية، ويحفظ لا أقواله فقط، إنما حياته ككل؛ فهو يأكل معه ويصلي معه ويسهر معه، يأخذ روح الإيمان العمليّ من أبيه، وغالباً بعد نياحة الأب يكتب التلميذ حياة أبيه وكل التعاليم التي أخذها منه.
ب – في الكنائس كان يميل البعض إلى كتابة تعاليم الآباء الأسبوعية، كشرح للكتاب المقدس أو المواضيع العقائدية أو الروحيّة، مثل عظات القديس يوحنا ذهبيّ الفم وعظات القديس أُغسطينوس.
ج – وفود قادة كثيرين إلى مصر للتلمذة على أيدي متوحدي مصر، أو داخل الأديرة، أو بمدرسة الإسكندرية، وتدوينهم أقوال الآباء وسيرهم وأفكارهم وترجمتها بلغاتهم سوء اليونانية أو السريانية أو اللاتينية، مثل يوحنا كاسيان (حوالي 360 -435م)[3]
أحد مشاهير الكُتَّاب الروحيّين في القرن الخامس في جنوب بلاد الغال (فرنسا)، خاصة في الفكر الرهبانيّ، وقد نجح في تطوير الحياة الرهبانية في فرنسا، فكان سفيراً للتراث الآبائي النُسكي القبطي في الغرب، وأحد أعمدة التقليد الكنسيّ النسكيّ فيما يختص بالطقس الرهبانيّ الحيّ، يربط بين نواحيه الخارجية والداخلية، وبين الطقس والروحانية بطريقة حية، وقد التقى بآباء الرهبنة في مصر، وسجل لنا خبرات الآباء في كتابين غاية الأهمية ألا وهما: (المناظرات) Conferences of John of Cassian و(المؤسسات) Institutes of the Coenobia.
† كما جاء الراهب بلاديوس من القسطنطينية إلى مصر، وعاش فيها ما يقرب من خمس سنوات، في أديرة مختلفة، ودوَّن ملاحظاته وكتب سيَر وأقوال عددٍ كبيرٍ من الآباء، ثم أرسل مذكراته هذه إلى صديق له يُدعى (لوسيوس) ليتعرف على الحَياة النسكية، فصار هذا التراث الهام يُعرف بـ (التاريخ اللوزياكي) والآن يُعرف باسم بستان الرهبان (365 -425م)[4].
† كما سجّل لنا روفينوس (345 -410م)[5] أحاديث عن آباء مصر الرهبان، في كتابه تاريخ الرهبنة في مصر المعروف باسم (هستوريا موناخورم)، ويُذكر أنَّ روفينوس جاء إلى مصر حوالي سنة (373م) بمعيّة السيدة ميلانيا الشريفة الرومانية – التي كرّست حياتها بعد ترمّلها لخدمة القديسيو والعاملين في كنيسة الله – وقد قابل عدداً كبيراً من آبائها، وكان أحد تلاميذ القديس ديديموس الضرير[6].
هذا وقد جذبت مدرسة الإسكندرية الكثير من قادة الكنيسة في العالم، فجاءوا إليها ونقلوا منها تُراثها لكي يتتلمذوا عليه، وبلغ شَغف أوسابيوس أسقف قرسيل (بإيطاليا) بكتابات أوريجانوس، ووجد نفسه أنه لم يَر فلسفة حقيقية في غيرها.
د – كثير من رهبان مصر خرجوا من الأديرة إلى العالم، سواء إلى مدرسة الإسكندرية أو بغرض الكرازة حاملين معهم التراث الآبائي.
2 – عصر ظهور المؤرخين الكنسيين:
1- يوسابيوس القيصري (260 -340م)
هو أول مَن سجل تاريخ الكنيسة، وقد عَمَّد الملك قسطنطين الكبير، ورغم ميوله الأريوسية في بعض العقائد (نصف أريوسي)، إلا أنه صاحب فكرة نشر أقوال الآباء وكتاباتهم، يقول في كتابه (التاريخ الكنسي) The Church History of Eusebius (326م) عن هدف كتابات: “هذا هو هدفي أن أكتب تقريراً عن خلافات الرسل (التتابع الرسولي) القديسين، وأن أُشير إلى أولئك الذين في كل عصر نادوا بالكلمة الإلهية سواء كتابة أو شفاهاً، وأيضاً أسماء وأعداد أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم، الذين أبرزوا أنفسهم كدُعاة معرفة وعلم بالكذب”[7].
وقد كان الدافع لهذا العمل هو الهجوم الذي قام به اليهود والوثنيون، حيث اتهموا المسيحيين بأنهم جماعة سُذّجٌ بسطاء ليس لهم فكرٌ ولا علمُ ولا معرفة، فأراد يوسابيوس أن يكشف عن شخصية القيادات الكنسية، فاهتم أن يَذكُر أغلب قيادات الشرق، ويُبرز الجوانب العلمية لهم وكتاباته، وترجماتهم، وتفاسيرهم…. كما سجل لنا مُقتطفات صغيرة جداً من هذه الكتابات، وفعلاً قدّم يوسابيوس قائمة بكل الكُتاب وكتاباتهم، ويُعَدّ عمله هذا من أهم الأعمال حيث إن هناك شخصيات لم يتناول ذكرها أحد غيره.
جاء بعد يوسابيوس مؤرخون كثيرون حاولوا تكملّة عمله مثل: (سقراط Socrates)، و(سوزومين Sozomen) و(ثيؤدوريت Theodoret)… وكانت كتاباتهم مركّزة على الكنيسة الشرقية.
كما قام (روفينوس Rufinus) بترجمة تاريخ يوسابيوس من اليونانية إلى اللاتينية، وأضاف إليه بعض الأحداث حتى عصر الإمبراطور ثيؤدوسيوس سنة 392م.
2- القديس جيروم Jerome
سجل لنا (جيروم Jerome) تاريخ الأدب المسيحي اللاهوتي في كتاب (مشاهير الرجال) عام (392م) في (135) فصلاً، مستمداً معلوماته من تاريخ يوسابيوس، حتى إنه كرّر نفس أخطائه، وأضاف شخصيات، وحذف شخصيات، في (78) فصلاً منهم، وكان الدافع لهذا العمل أيضاً هو نفس الدافع لكتاب يوسابيوس وبصورة أقوى، وهو قول الوثنيين أمثال: (كيلسوس Celsus)، (بروفيريوس Prophyry)، (يوليان Julian)… بأن المسيحيين ليس لهم في الأدب أو الفكر.
وقد حدّد جيروم في مقدمة كتابه أن مجال عمله هو الآباء، الذين كتبوا عن الكتاب المقدس (رغم أنه شمل لاهوتيين)، وقد نقد القديس أغسطينوس هذا الكتاب، حيث إن جيروم لم يفصل بين الكُتّاب الأرثوذكسيين وبين الهراطقة مثل ذكره لشخصية (تاتيان Tatian)، و(بريسكيليان Priscillian) و(أونوميس الأريوسيّ)، كما ذكر فلاسفة وثنيين مثل (سينيكا Seneca)، ويهوداً مثل (فيلون) و (يوسيفوس).
ولم يذكر جيروم في كتابه أيّ شيء عن كتابات أغسطينوس التي ظهرت في ذلك الوقت، ولعل هذا هو سر الخلاف بينهما.
ومن الأخطاء المنسوبة لجيروم أنه قد أغفل ذكر شخصيات كبيرة، أو ذكر القليل عن البعض الآخر مثل القديس أثناسيوس الرسولي والقديس باسيليوس الكبير وكبريانوس الأسقف.
فتح جيروم الباب أمام الشرق والغرب في الكتابة عن آباء الكنيسة وكتاباتهم وأفكارهم…
3- جيناديوس Gennadius
حوالي عام 480م كتب (جيناديوس Gennadius) كاهن “مرسيليا” – وهو نصف بيلاجيّ ومع ذلك يُحكم عليه من كتاباته أنه واسع الاطّلاع دقيق في أحكامه) – كتاباً بنفس اسم كتاب جيروم (مشاهير الرجال)، ويعتبر إضافة لعمل جيروم، ولكنه كان عملاً هزيلاً ليس ذا قيمة بالمقارنة بعمل جيروم، شمل 99 فصلاً حتى عام 495م.
4- آخرون
† بعد جيناديوس قام كُتاب كثيرون مثل: (إيسيذوروس Isidore of Serville) (تنيح عام 636م)، الذي اهتم بالكُتّاب الاسبان.
† كذلك في أواخر القرن الحادي عشر، قام راهب بندكتي ببلجيكا يُسمّى سيجبيرت (Sigebert of Gembloux) بالكتابة عن سير الآباء البندكت.
† وفي عام (1122م) كتب (هونوريوس Honorius Ausgusodunum ) باسم الكنيسة المنيرة Luminaaribus Ecclesaia.
† وفي سنة (1494م) ألّف أبٌ لدير بندكتي في (Sponheim)، يُسمى الراهب (جوهانس تريثيموس Johannes Trithemius) كتاباً باسم “الكُتّاب الكنسيون، يحوي سيرة (963) أب مع كتاباتهم، ويستقي معلوماته من كتابات جيروم وجيناديوس، وقد حصل على شهرة فائقة، إذ جمع مكتبة من حوالي (2000) مجلداً.
† أم في الشرق فلم يظهر ما يفيد بأن هناك كُتّاباً سجلوا الكُتّاب الكنسيين، مع ذلك كتب البابا (فوتيوس Photius) بطريرك القسطنطينية (تنيح عام 891م) كتابا مماثلاً تحت عنوان (Photil Bibliotheca) يمتاز بالدقة، وذكر فيه مؤلفين وثنيين.
† وفي الكنيسة القبطية ظهر السنكسار الذي يركز على سير الآباء القديسين، كما اهتم البعض بنسخ كتابات الآباء الأولين، وظهر بعض المؤرخين مثل يوحنا النيقيوسي وغيره.
† وفي عصر النهضة الأوروبية من القرن السادس عشر إلى التاسع عشر، بدأت التجميعات العظيمة والطبعات الخاصة الممتازة لنصوص الآباء، ففي القرن الخامس عشر قام في القسطنطينية (نسيفورس كالستوس) بوضع تاريخ الكنيسة منذ نشأتها حتى عام (911م) معتمداً على كتابات يوسابيوس وأضاف إليه سير بعض الرهبان، وقد عبر عبوراً سريعاً في حديثه عن الكنيسة اللاتينية بعد القرن الخامس الميلاديّ.
† في عصر النهضة (القرن السادس عشر) بدأ الاهتمام بترجمة ونشر كتابات الآباء، إمّا بأعمال فردية للمؤلف أو كمجموعة كاملة، وقد ازدهر هذا العمل جداً في القرن السابع عشر، حيث نَشر (Marguerin de la Migne)، مجموعة كبيرة لأكثر من 200 كاتب في عمله (Bibliotheca Sanctorum Patrum) أُضيفت إليها أعمال أخرى بالتدريج، وقد صارت عام (1616) أربعة عشر مجلداً باسم Patrum (Magna Bibliotheca Veterum) أُعيد طبعها في ليون عام (1677م) في (27) مجلد باسم (Bibliotheca et antiq orum eccelsiasticorum).
† في القرن الثامن عشر قام (A. Galland) بنشر مجموعته في (14) مجلد بفينيس عام (1765 -1781) باسم (Bibliotheca Veterum Patrum).
† في القرن التاسع عشر اغتنت المكتبات بالكتب المسيحية القديمة، وظَهرت الحاجة إلى كتابتها بعد تحقيقها علمياً وتنقيتها من الدخيل عليها من النساخ، وتُعتبر أعظم مجموعة كاملة تلك التي قام بها (Migne) في القرن التاسع عشر باسم (Patrilogiae)، وهي عبارة عن إعادة طبع للنصوص السابق نشرها لتكون في متناول اللاهوتيين وهي عبارة عن مجموعتين:
1- مجموعة الآباء اللاتين (P.L.) طبعة باريس (1844 -1855) وتتكون من (221) مجلداً بها فهارس.
2- مجموعة الآباء الإغريق (P.G.) أي الكتابات اليونانية طبعة (1857 -1866م)، وتتكون من 161 مجلداً وَرد بها ترجمة كاملة باللغة اللاتينية وهي بغير فهارس، وقد تُرجم الكثير من هاتين المجموعتين إلى اللغات الحديثة من ألمانية وفرنسية وإنجليزية ولهجات عديدة أخرى.
كما توجد مجموعات أخرى تُعتبر ملحقاً لمجموعتي Migne وهي:
1- كُتاب القرون الثلاثة الأولى اليونان المسيحيين، وقد قامت بنشرها أكاديمية برلين عام 1897 مع مُقدمات وفهارس بالألمانية، وقد بلغ عددها (41) مجلداً.
2- (Coprus orum ecclesiasticorum Latinorum) وقد قامت بنشرها أكاديمية فيينا عام (1866) ونُشرت في (70) مجلداً.
3- (Bibliotheca Teubneriana, Leibzig) وتشمل كثير من كتابات الآباء.
4- (The Loeb Classical Library) وقام بنشرها (Rouse, Capps and Page) بلندن ونيويورك، وتشمل الكثير من كتابات الآباء اليونان واللاتين.
5- مجموعة (Patrologia Orientals) قام بنشرها (Nau, Graffin) بباريس عام (1907) في (28) مجلد.
6- (The ante-Nicene Fathers& Nicene and Post-Nicene Fathers) وتشمل ترجمة جميع أقوال الآباء مع غرض لسير هؤلاء الآباء ل (A Clevland Coxe)، وقام بوضعها (Wace & Scgaff) بنيويورك عام (1900) في (37) مجلداً، وهي تُعتبر الأكثر انتشاراً على الإطلاق في العالم كله لدقتها اللاهوتية والعلمية.
† أكاديمية فيينا وبرلين أول من طرقت هذا المجال، فقد طَبعت مجموعة مطبوعات لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية.
† منذ عام (1951) تُعقد مؤتمرات دولية بصفة استمرارية كل (4) سنوات للدراسات الآبائية في جامعة أُكسفورد بلندن، ويجتمع فيها جميع الدارسين لـ علم الآباء أو الآباء لتبادل الخبرات والدراسات، وينتج عن كل مؤتمر مُجلّد يُوضع فيه نتيجة أعمال المؤتمر، ويقوم مركز الدراسات الآبائية بترجمته.
في القرن العشرين كان الاهتمام أكثر بدراسة تاريخ الأفكار وتاريخ المفاهيم في الكتابات المسيحية القديمة، كما يقول البروفيسور (كواستين Quasten) أستاذ الآباء بجامعة واشنطن أن الاكتشافات الحديثة في القرن العشرين لأوراق البردي في مصر، قد مَكَّنت العلماء من استعادة الكثير من الأعمال الآبائية التي كانت مفقودة.
ومن مظاهر الاهتمام بذلك انعقاد مؤتمرات آبائية عالمية مثل مؤتمر جامعة أكسفورد بإنجلترا لدراسة الآبائيات سنة (1951م)، وينعقد مرة كل (4) سنوات، كما بدأت مؤتمرات دولية أخرى تُعقد في جامعات أوربا المختلفة، ويُخصص كل مؤتمر لدراسات أحد الآباء، مثل مؤتمر دراسة كتابات أغسطينوس، ومؤتمر دولي للتراث العربي المسيحي في جامعة سيدني بأُستراليا.
علم الآباء في مصر:
† إذ كانت الإسكندرية أكبر مركز هيلينيّ فلسفيّ (مدرسة الإسكندرية الفلسفية)، التزمت الكنيسة منذ عهد القديس مرقص الرسول بإنشاء مدرسة مسيحة قادرة على مواجهة التيار الهيلينيّ القوي، فظهرت مدرسة الإسكندرية بآبائها الذين لمعت أسماؤهم في الشرق والغرب.
† كذلك اهتم الآباء ولا سيما الرهبان بنسخ كتابات الآباء سواء باليونانية أو القبطية أو العربية، فهناك اهتمام كبير في مصر بـ علم الآباء وتاريخ الآباء، منع أنه في العصور الوسطى وبداية العصر الحديث حمل عُلماء الغرب كنوز أديرتنا إلى مكتباتهم ومتاحفهم وجامعاتهم، وصارت مادة أساسية في قيام علم الآباء…
منها المخطوطات السريانية التي لا تُقدر بثمن، والتي أُخِذت من دير السريان، النصيب الأعظم منها كان للمتحف البريطاني وجزءاً منها لمكتبة الفاتيكان وبعض متاحف أوروبا، رغم ذلك ما زالت المخطوطات والبرديات المصرية تفتح آفاقاً جديدة في علم الآباء – حسب شهادة الغرب – لا تزال حية بالروح الآبائية الأصيلةن نستطيع أن ننتفع بها في الأبحاث العلمية.
† في القرن السابع قام الأنبا يوحنا أسقف نيقيوس بالمنوفية، بكتابة تاريخ آدم حتى نهاية القرن السابع الميلاديّ، وهذا الكتاب كُتب باللغة القبطية، وتُرجم إلى الأثيوبية، وتُرجم من الأثيوبية إلى الفرنسية، وحدث أن فُقدت النسخة الأصلية القبطية وأخيراً صدرت ترجمة عربية لهذا الكتاب عن اللغة الحبشية.
† في القرن العاشر قام الأنبا ساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين بكتابة تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية، بدءاً من عصر مار مرقص حتى القرن العاشر، وكتبه باللغة العربية.
† وُجد مخطوط عربي مشهور من القرن الحادي عشر بعنوان (اعتراف الآباء) يضم تعاليم الآباء العقائدية فيما يخص الثالوث والتجسد وطبيعة المسيح، من مخطوطات البطريركية القديمة بالأزبكية، وتوجد نسخ أخرى في المتحف القبطي ودير المحرق وبعض الأديرة الأخرى.
† السنكسار يرجع إلى القرن الثاني عشر، كتبه الأنبا ميخائيل أسقف أتريب ومليج بالمنوفية، وراجعه الأنبا بطرس أسقف مليج، يُقرأ في الكنيسة بعد سفر أعمال الرسل، ويحتوي على سيراً مختصرة للقديسين والشهداء حسب أيام السنة القبطية، ولكنه لا يحتوي إلا على القليل من أقوال الآباء.
† في القرن العشرين قام الأرشدياكون حبيب جرجس، بجمع مؤلفات الآباء القديسين من أوروبا منذ العصر الرسولي حتى مجمع نيقية، وعَهد إلى بعض الخدام الأمناء بالترجمة إلى العربية ونشرها في أعداد مجلة الكرمة سنة (1923م)، وقدمها بقوله: “إن كتابات الآباء لها المقام الأسمى في عالم المؤلفات الدينية، لقُرب عهد مؤلفيها بالعصر الرسولي وأقوالهم حُججاً قوية على تعاليم الكنيسة في عصرها الأول”.
† كذلك قام القس مرقص داود بترجمة كتاب (تجسد الكلمة) للقديس أثناسيوس سنة (1946م)، ثم أكمل كتابات القديس أثناسيوس.
† في عصرنا الحالي تُوجد مؤسسة القديس أنطونيوس لترجمة ونشر كتابات الآباء حيث تأسست هذه المؤسسة سنة (1979م)، وقد كان للسيد صموئيل كامل عبد السيد أستاذ اللغة اليونانية دور بارز في تأسيس هذه المؤسسة، وتنيّح سنة (1986م).
† وفي عام (1991م) تأسس مركز دراسات الآباء، وبلغ عدد نصوص الآباء التي نشرها حتى الآن (138) عملاً، ويقوم المركز بعمل دراسات على هذه النصوص الآبائية المترجمة وتصدر في سلسلة باسم “دراسات آبائية” وصل عددها إلى 32 كتاباً، كما تُنشر مجلة دورة بدأت في يناير (1998م) وهي مجلة نصف سنوية.
اتباع أثر الآباء:
بعد أن تعرفنا على الآباء وعلى كتاباتهم التي كتبوها بإرشاد الروح القدس العامل في الكنيسة، يجب علينا اتباع أثر الآباء في حياتنا، فلا تستطيع الكنيسة أن تعيش دون أن تشرب وترتوي من تعاليم الآباء وحياتهم وكتاباتهم، وهذا ما قاله الله للكنيسة في نشيد الأنشاد “إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ، وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ” (نش 1: 8)، وهذا ما يقوله لنا معلمنا القديس بولس الرسول:
” اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب 13: 7)، فالآباء هم امتداد للرسل ونحن نفتخر أن لنا آباء، وهذا يتضح من قول القديس أثناسيوس الرسولي للأريوسيين “قد أظهرنا أن فكرنا قد سُلِّم من أب إلى أب، وأما أنتم أيها اليهود الجدد وتلاميذ قيافا (يقصد الأريوسية) فإلى أي أب من الآباء تستطيعون أن تنسبوا أقوالكم”[9]
اتباع الآباء ليس هو تعلقاً بشخصيات، إنما هو استقاء لكيفية كون هذا الأب عضواً في جسد المسيح الواحد. إنه علم الآباء.
[4] نيافة الأنبا مكاريوس – الأسقف العام: فضيلة النسك الطبعة الأولى – مارس 2006 م. ص 8، 9
[5] ولد بالقرب من مدينة أكويلا الواقعة على شاطئ البحر الأدرياتيكي بإيطاليا. درس في روما حيث التقى بالقديس جيروم، وكان روفينوس واحداً من مئات الشباب الذين استهوتهم الحياة النسكية فاندمجوا فيها بحرراة، عاش في جماعة نسكية في وطنه، ثم قصد الأراضي المقدسة حيث عاش بضع سنوات منع رهبانها. وحالما وصل رؤفينوس إلى الإسكندرية قصد لفوره إلى الصحراء حيث قابل عدداً كبيراً من آرائها. القمص تادرس يعقوب ملكي – قاموس آباء الكنيسة.
[6] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها (ح – ص) – 2001 – ص200.
[7] يوسابيوس القيصري – تاريخ الكنيسة 1: 1 – مرجع سابق – ص 9.
[8] القمص تادرس يعقوب ملطي – المدخل لـ علم الباترولوجي ص 18.
البابا تواضروس: عاتبتُ الله عندما أحرقت الكنائس وحوار مطول تحدث فيه البابا عن أمور كثيرة
– أقول لمتضرري “الأحوال الشخصية”: لن أظلمكم.. والإلحاد ليس سببًا للطلاق.
– لم أعترف بـ«دير وادى الريان» ورهبانه “منحرفون.”
– تواصلت مع وزير العدل للإفراج عن أطفال “ازدراء الأديان.”
– .. ولأول مرة يتحدث عن علاقته الخاصة بوالدته والبابا شنودة.
–القوي هو الذي يسامح.. والضعيف لا يستطيع أن يسامح، فالمسامحة ليست سلبية ولكنها “صناعة سلام”.. والكتاب المقدس يقول: “طوبى لصانعي السلام”.
–مازلت أبحث عن وسائل أخدم بها أولادي.. ولا أكسر الوصية، واجتمع مع الأساقفة لإيجاد حلول فعالة قوية تخرجنا من الأزمة، ودور الكنيسة مثل دور المسيح وهو البحث عن التائه والتعبان والحزين.
– المجلس الملي سيتم تغيير اسمه وتوسيع صلاحياته.. نستعين بالعلمانيين لكن المجمع المقدس لرجال الدين فقط
–المسيحيون في مصر غير مضطهدين لكن هناك تضييقا في بعض الأمور.
– تفريغ الشرق من المسيحيين ضد إرادة الله وحركة التاريخ.
– أسعى لتحديث النظام الإدارى في الكنيسة لتتحول للعمل المؤسسى نسعى لحل مشكلة الطلاق بما لا يخالف وصية المسيح.
– جلست بالجلابية الزرقاء سبعة أشهر تحت القبول، وبالجلابية البيضاء سنتين وبعد سنتين وسبعة أشهر أصبحت راهبًا، ولكن في وادى الريان من أول يوم تلبس الجلابية السوداء.
– الميديا أثرت على الشباب.. والحكاية بدأت بالتليفزيون.. والمحمول أصبح يتحكم في حياة الإنسان ويخترق خصوصياته في أي لحظة.. وبلا شك كل هذا شوه الطبيعة الإنسانية
اختص البابا تواضروس، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، «البوابة نيوز» بحوار صحفي تحدث فيه عن جميع القضايا الكنسية، وعرج على علاقته بالبابا الراحل شنودة، ووالدته، وغيرها من المسائل المهمة.
وبشأن أزمة الزواج الثانى للأقباط، قال: «الكنيسة ستدرس كل حالة على حدة وحسب كل حالة سيتم التعامل»، مضيفًا: “في حالة مثول أي متضرر أمام القضاء سوف يحتكم القاضى إلى شريعة العقد الذي تم به الزواج، وبذلك سيطبق الباب الخاص بكل كنيسة” نافيا أن يكون الإلحاد مدرجا في أسباب الطلاق.
وأشار إلى أنه ستتم مناقشة قانون الأحوال الشخصية في الدورة البرلمانية الثانية بعد قانون بناء الكنائس و”هذا ليس اختيار الكنيسة، لكن ما نصت عليه التوصيات الدستورية للدولة“.
وحول قيام الأنبا بيشوى، أسقف دمياط بالاتفاق مع الكنيسة اللبنانية على وقف منح شهادات تغيير الملة، أكد أنه “كان هناك انحراف في هذه الخطوة، لكن لم يعد أحد في حاجة إلى تغيير الملة، لأنه سيتم الاحتكام إلى شريعة العقد في القانون الجديد“.
وعن أزمة الأطفال المحكوم عليهم بالسجن بتهمة ازدراء الأديان، قال: “قمت بعمل العديد من الاتصالات بالجهات الحكومية، وآخرها كان مع وزارة العدل، ولكن مازلت أبحث في الأمر ولا يوجد هناك جديد“.
وتساءل: «هل يتخيل أحد أنه عندما توجد قضية مثل هذه سنظل ساكتين، أعرف مسئولياتى وواجباتى جيدا ومتفاعل مع المجتمع سواء باستقبال مسئولين لمناقشة المشاكل أو بالاتصال بهم، ونحاول أن نحلها سويا ولنا علاقات مع الرئاسة ورئاسة الوزراء والوزراء والبرلمان، وأقوم بزيارتهم».
وانتقد البابا تقرير البرلمان الأوروبي حول أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وقال: “مرفوض تماما وده ضد مصر وواضح جدا أنه به انحياز كامل“.
وشدد على أن “مصر طول عمرها بتتعرض للمؤامرات، فمصر محسودة ولكنها محفوظة فهى محسودة ولكنها محفوظة في قلب الله“.
وحول علاقته مع البابا شنودة، أوضح: “قابلت البابا شنودة ثلاث مقابلات شخصية، وكانت أفضل مرة مقابلة أمريكا، جلست مع قداسته أكثر من ساعة.. كانت جلسة شبه تعارف حيث تعرف خلالها البابا الراحل على خدمتى كأسقف في إيبارشية البحيرة من الأنبا باخوميوس». وأضاف: “أهم ما تعلمته منه، قوله الذي أعمل به حتى اليوم، وهو عندما تبدأ العمل في مكان جديد ابحث عن الإيجابيات، فالسلبيات تكسر نفس الواحد والإيجابيات تبنى وتعمر وتجعلك في الأمام“.
يسأل المتربصين له “عايزين توصلوا لإيه؟”.. ويكشف عن سر خلافه مع الأنبا مايكل.. وينفى انفصال كنائس بالغرب ويؤكد مصر محسودة ولكنها محفوظة.
■ يرى البعض أن التسامح ما هو إلا ضعف وقلة حيلة فما هو تعليق قداستك؟
– القوى هو الذي يسامح والضعيف لا يستطيع أن يسامح، فالمسامحة ليست سلبية ولكنها «صناعة سلام»، والكتاب المقدس يقول طوبى لصانعى السلام، فهناك صناعات بسيطة وصناعات كبيرة معقدة وصناعات صعبة، فصناعة السلام من الصناعات الصعبة.
■ أصبح البعض يتواكل لا يتكل على الله لاغيًا عقله.. كيف ترى هذا؟
– الله أعطانا عقولا وهى نعمة من الله لكى نستخدمها، وعدم إعمال العقل يشكل خطورة على الإنسانية.
■ هل هناك اضطهاد للكنيسة؟
– كلمة اضطهاد كلمة غير دقيقة وخارج السياق، ففى العصر الرومانى كان هناك اضطهاد بالفعل، ففى التاريخ وخاصة في الإمبراطورية الرومانية كان عصر اضطهاد حيث وقف الإمبراطور الرومانى ليقول «اضطهدوا المسيحيين» وكان يصدر فرمانا بذلك ليطبق على المسيحيين، وهذا لا يحدث اليوم.
ولكن ما نتعرض اليه اليوم هو «التضييق»، والمسيح قال «فالعالم سيكون لكم ضيقًا» وهى كلمة كبيرة، فالضيق يجعل الإنسان يلجأ إلى الله دائما ويعرف أن يد الله تستطيع أن تحل المشكلات، والضيق لا يجعل الإنسان متشبثا بالأرض وينسى السماء.
■ ماذا عن مسيحيي الشرق وتفريغ المنطقة من المسيحيين؟
– أولا «الله سيد التاريخ» وهو الذي يقوده وليس البشر، وطبعا ما يتعرض له إخوتنا المسيحيون في العراق أو غيره من البلدان أمر لا يقبله الإنسان، لكن لا شيء يحدث على الأرض إلا بسماح من الله، ودائما يحول الله الضيق لخير، كيف سيحدث هذا لا أحد يعرف.
ولكن من الناحية الإنسانية وعلى الأرض من الخطأ الكبير أن يفرغ الشرق من المسيحيين، لسبب بسيط أن الشرق هو مهد الديانات فليس من المعقول أن يفرغ الأصل من دياناته، فهؤلاء يقفون ضد الله وأمام حركة التاريخ، فالله سمح أن يكون أصل المسيحية في الشرق، فالموضوع غير موجه لبشر بقدر ما هو موجه إلى الله، وماذا سيفعل الله لا نعرف.
■ وماذا عمن أصبحوا بلا وطن؟
– أزمات إنسانية، عندما أشاهدها في التليفزيون أبكي، فقد أوجعنى مشهد أم في العراق متحيرة ما بين إرضاع صغيرها أو حمل الآخر حتى يستدفئ، فهى مأساة إنسانية بلا شك.
■ أين الله من كل هذه الأزمات؟ وكيف يراها؟
– الله موجود ويعطى البشر قلوبا رحيمة لتساعد هؤلاء، فيسمح بآخرين يتعاطفون معهم، فهناك أطباء يقدمون أدوية ومهندسون يقومون بعمل منشآت سريعة، وهناك كثيرون يحاولون خدمة هؤلاء الذين شردتهم الحروب والنزاعات.
■ ما الذي قامت به الكنيسة الأرثوذكسية تجاه اللاجئين؟
– أرسلت السكرتير الخاص للعراق، وجلس مع وفد كبير في أربيل وتم تقديم المساعدات ومازلنا نشارك في إرسال المعونات، ونقدم المساعدة لمن نصل إليهم، ونفتح أبوابنا للاجئين داخل مصر.
■ ما هو أكثر موقف أحزنك؟
– يوم الاعتداء على الكاتدرائية في إبريل ٢٠١٣ أثناء حكم جماعة الإخوان، ليس لأنها رمز مسيحى فقط، ولكنها رمز مصرى فهى الكنيسة الأم، فقد أوجعنى هذا جدًا.
■ متى شعرت أنك «زعلان من الله»؟
– مش زعلان لكن بارفع الصلاة بثقة ويقين أن الله يتدخل.
■ متى وقفت أمام الله لتعاتبه؟
– موقف حرق الكنائس في أغسطس ٢٠١٤ كان أزمة شديدة عاتبت عليها الله، فتدمير أكثر من مائة منشأة في نفس التوقيت، كان قاسيا ليس علىّ فقط بل على كل مصر، وموقفى وقتها، وبالرغم من وجعي، أن سلامة الوطن كانت أهم، فلا يمكن أن أفكر مجرد تفكير، فالكنيسة جزء من المجتمع وأنا مصرى يهمنى المجتمع كله.
■ متى شعرت أن مسئولية البطريك ثقيلة؟
– كل يوم وكل لحظة، أشعر أن مسئوليتى ثقيلة جدًا جدًا، (قالها متنهدًا)، لأنها مسئولية روحية عن كل المسيحيين، ثانيا عن خدمة المصريين، إلى جانب امتداد الكنيسة، فحتى ١٩٥٢ كان كل الأقباط داخل مصر، بعد ذلك بدأت هجرتهم لدول متفرقة حول العالم، فهم متواجدون في ٦٠ بلدا، وحتى يتم الربط بينهم لابد أن يكون هناك بناء مؤسسى فلنا دير في جنوب أفريقيا، ولنا كنيسة في بوليفيا في أمريكا اللاتينية، ونفكر في إنشاء كنيسة في الدومنيكان.
■ ما الذي يحن إليه البابا بين حين وآخر من الماضي؟
– أحن إلى أيام الدير فأيام الدير أيام لا تعوض، فأحاول أن أقضى يومين في الدير كل أسبوع، وأقضى وقتى ما بين الصلاة والعمل في لقاءات مع الأساقفة والرهبان.
■ كم مرة تقابلت مع البابا الراحل شنودة الثالث؟
– قابلت البابا شنودة ثلاث مقابلات شخصية، وكانت أفضل مرة مقابلة أمريكا، جلست مع قداسته أكثر من ساعة.
■ ما الحديث الذي دار بينكما؟
– كانت جلسة شبه تعارف حيث تعرف خلالها البابا الراحل على خدمتى كأسقف في إيبارشية البحيرة من الأنبا باخوميوس.
■ ماذا تعلمت من البابا شنودة خلال تلك الجلسة؟
– أهم ما تعلمته منه، قوله الذي أعمل به حتى اليوم، وهو «عندما تبدأ العمل في مكان جديد ابحث عن الإيجابيات فالسلبيات تكسر نفس الواحد، والإيجابيات تبنى وتعمر وتجعلك في الأمام».
وهناك موقف آخر فاجأنى، عندما سألته عن أمر يخص خدمة مساعدة مالية تقدمها الكنيسة لكل عروس مقبلة على الزواج، حيث خصص البابا الراحل منذ عشرين عاما خمسة آلاف جنيه كمساعدة تقدم لهن، فسألت قداسة البابا إن كان معى خمسة آلاف فقط وأمامى خمس بنات مقبلات على الزواج، فهل أعطى واحدة فقط خمسة، أم أعطى كل واحدة ألف جنيه. فكانت إجابته مفاجأة لى حيث قال «أعط إحداهن خمسة آلاف وأرسل الأربعة الأخريات لى وأنا سأتكفل بهن».
■ بحلول الذكرى الرابعة لرحيل والدتك ما الذي تشتاق إليه فيها؟
– تنهد البابا وقال: والدتى كانت سيدة طيبة وصبورة وجاهدت في الحياة كتير، ترملت وهى في الثلاثينيات من عمرها، وقضت حياتها من أجلنا فكانت مثالا عظيما تابعته كل أيام حياتى. وعندما علمت أنه تم ترشيح اسمى للكرس المرقسي، كانت تصلى إلى الله وتقول له «بلاش» فكان قلبها البسيط يعلم أنها مسئولية كبيرة ومتعبة، فخافت علىّ كأم، ولكن بعد أن اختارنى الله فرحت جدًا وشكرت الله.
■ هل كنت تذهب لحضن والدتك لتبكى بعد أن أصبحت بطريرك؟
– لم يكن هناك وقت لأبكى معها فهى رحلت في مارس ٢٠١٤ وأنا كنت بطريرك في ٢٠١٢ فلم نقض سوى سنة ونصف وكان معظمها والدتى بالمستشفى، فلم أذهب يوما لها لأبكى ولكن لنجتر ذكريات الماضى ونضحك معا. وآخر مرة زرتها، وكانت لا تستطيع الكلام، استقبلتنى وودعتنى بتحديق النظر في وجهى متبسمة ابتسامة جميلة. واستقبلت خبر نياحتها وأنا في لبنان أستعد للرجوع، وآلمنى الخبر، ولكن مرضها لفترة طويلة كان قد مهد لى.
■ لمن يشكو البابا همه؟
– أشكو إلى الله، أدخل إلى قلايتى (مكان تعبد الراهب وخلوته) سواء في القاهرة أو الدير فهى أفضل الأماكن بالنسبة لي، حيث السكينة والهدوء، أجلس مع الله ومع نفسي، وأشتكى لربنا، «فالانفراد مع ربنا قمة المتعة للواحد».
■ هل تسعى لتصميم نظام إدارى جديد داخل الكنيسة؟
– نعم، لابد أن تعمل الكنيسة ضمن نظام مؤسسى محكم، حتى يتم الربط بين الكنائس على مستوى العالم، وهذا كله يحتاج إلى بناء إدارى قوي، حيث لدينا ٣٠ أسقفا مسئولا عن ٣٠ إيبارشية، يتم التنسيق معهم في الأمور المهمة، فالأسقف مخول بأخذ القرارات داخل الإيبارشية، ويقوم بالتشاور معى كبطريرك حول تلك القرارات باستمرار.
■ ما الذي حققته من إنجازات بالكنيسة، وما هو حلمك للمستقبل لمؤسسة الكنسية؟
– لا أفكر في الذي تم ولكنى منشغل بما لابد أن يتم، ومن أهم الأشياء التي أسعى لترسيخها وتقويتها العمل التعليمى اللاهوتي، وتقوية التعليم في الكليات الإكليريكية حتى يكون هناك كهنة متأصلون على نظام تعليمى قوي، وكذلك تقوية الأديرة والتعليم الرهباني، والعمل الدراسى بها، وكذلك الاهتمام بخدمة الأسرة والطفل.
■ هل أصبحت الأسرة همًّا ثقيلا بعد تفاقم أزمة الأحوال الشخصية؟
– «لا تقولى هذا، الأسرة أحلى حاجة»، فمعظم الأسر قوية وناجحة وربت أجيالا ناجحة وصالحة، فنسبة المشاكل في الأسر المسيحية لا تتعدى ٢٪، كل يوم الكنيسة تزوج المئات، ولكن الشيء الشاذ صوته عال.
ولو ولد مائة طفل في قرية واحدة، وانتحر واحد في نفس القرية، فسيصبح حديث الصباح هو حادث الموت الوحيد وليس المائة حالة حياة، فحديثنا سلبى، وحتى وسائل الإعلام ستنقل خبر الموت لا الحياة، والحياه بها نماذج من أسر عظيمة.
■ ماذا سيفعل البابا مع الحالات التي تعانى من أزمة الأحوال الشخصية؟
– مازلت أبحث عن وسائل أخدم بها أولادى ولا أكسر الوصية، واجتمع مع الأساقفة لإيجاد حلول فعالة قوية تخرجنا من الأزمة، ودور الكنيسة مثل دور المسيح وهو البحث عن التائه والتعبان والحزين.
وقلت في بداية حياتى البابوية ومازالت أقولها، لن أحتمل أن يقول أحدهم إ«ن الكنيسة ظلمتنى»، فنبحث عن وسائل نخدم بها أولادنا، وفى نفس التوقيت نحافظ على الوصية، وفى سيمنار المجمع المقدس جلسنا لإيجاد الحلول.
والكنيسة بدأت في عمل مراكز المشورة لإعداد المخطوبين للزواج، فالمهندس والدكتور والمعلم يأخذون سنين من الإعداد والتعليم ليتأهلوا ويتخرجوا ليبدأوا العمل، فكيف لا يكون هناك إعداد للزواج.
وهناك دورة ضمت مائة شاب ومائة شابة مخطوبين، لتأهيلهم للزواج، وفى نهاية الدورة أخذ بعضهم قرارا بفك خطوبتهم، فبعد أن درسوا اتضح لهم أنهم غير مناسبين لبعضهم البعض، ويعد هذا مؤشرا إيجابيا، بدلا من أن يتضح ذلك بعد الزواج.
■ ما الذي أقره سيمنار المجمع المقدس في قانون الأحوال الشخصية؟
– ما أقره السيمنار هو الطلاق في حالة «الفرقة»، فلن نستخدم مصطلح هجر مرة أخرى، حيث تكون لمدة ثلاث سنوات في حالة عدم وجود أطفال، وخمس سنوات في حالة وجود أطفال.
■ هل الطلاق بسبب الفرقة متوافق مع تعاليم المسيح والوصية؟
– نعم، لأن الزواج بحسب قول المسيح مبنى على عدد من الخطوات أساسها في آيات بالكتاب المقدس وهى «يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكوّن الإثنين جسدًا واحدًا، وما جمعه الله لا يفرقه إنسان».
وشرح البابا كل خطوة على حدة فقال: الخطوة الأولى «من أجل ذلك يترك الرجل أباه وأمه» أي يترك عائلته الكبيرة، وهذا معناه أنه وصل لدرجة من النضوج كافية ليكوّن عائلة جديدة، والخطوة الثانية «يلتصق بامرأته» وهذا معناه أن يكونا معا في حياتهما، يعيشان مع بعضهما البعض، فقام الزواج على العيش معا، ولكن في حالة أن تحدث مشكلة قد تستمر يوما يومين أو شهرا أو حتى سنة وبعد هذا تنتهى فهذا طبيعي، ولكن أن يفترقا بسبب المشكلة لمدة ثلاث أو خمس سنوات فهنا يكونان قد كسرا عهد الزواج «بأن يكونا معا».
وعن الخطوة الثالثة قال: «يصير الإثنين جسدا واحدا» وهذه هي الوحدة الزوجية أي لا يفترق أي منهم عن الآخر، «وما جمعه الله لا يفرقه إنسان» تعد الخطوة الرابعة وأوضح البابا بقوله إن الآية لها ترتيب فقد يرتضى الطرفان من البداية أن يعيشا معا ويأخذان قرار زواجهما وعليه يجمعهما الله.
متسائلًا كيف يجمعهما الله؟ مجيبا أن الله تمثله الكنيسة وهى التي لها حق منح سر الزيجة، والذي يملك سلطة المنح يملك الفك، فتصلى الكنيسة صلاة الإكليل ويجمع الله بين الإثنين داخل الكنيسة، وعليه لا بد أن تحل الكنيسة هذه الزيجة في حالة تفاقم الأزمة والفرقة.
ولخص البابا ما تم الاتفاق عليه بقوله إن المتضرر يلجأ إلى الكنيسة بعد سنين من الفرقة يأتي، بعد أن يأخذ طلاقا من المحكمة والذي كان في الماضى يأخذ عددا من السنوات لأن القاضى يحكم بالطلاق في حالة الزنا فقط، ولكن بعد إقرار القانون يحكم القاضى بالطلاق بعد أن يتضح أن هناك فرقة، وبهذا تم تسهيل الأمر على المتضرر ثم على القاضى والكنيسة، ويعتبر هذا فكا مدنيا.
وبعد الحصول على الطلاق المدنى يتوجه إلى الكنيسة، فقرار زواجهما جاء منفردا ولكن تممته الكنيسة، ومن ثم لا يكون الانفصال بشق مدنى فقط بل لا بد أن تتممه الكنيسة.
■ هل ستسمح الكنيسة بالزواج الثاني؟ ولمن ستمنحه؟
– الكنيسة ستدرس كل حالة على حدة وحسب كل حالة سيتم التعامل، وعن من سنعطى تصريح زواج ثانيا هذا أمر أيضا يحتاج إلى دراسة الحالات، فالمحكمة لن تبحث عن أسباب الفرقة.
الزوج هو جمع بين طرفين، والفرقة قد تعرض الطرف الثانى إلى الخطأ وهذا حدث بالفعل، وعرضت علينا العديد من القصص، وخاصة إذا استمر الفراق لسنوات، فهنا لا بد ألا نبحث عن أسباب الفرقة، ولكن عن مفهوم البعد.
مستشهدًا بقصة «مدير عنّف موظفا عنده، والموظف عنف زوجته، والزوجة عنفت طفلتها، والطفلة قتلت قطتها، ففى النهاية الطفلة هي القاتل المباشر ولكن الحقيقة أن الجميع وراء جريمة القتل بما فيهم المدير، فهناك طرف بسبب بعده الطرف الثانى يخطئ، وكل هذا يستوجب فصل الزيجة».
■ هل سيطبق القانون على جميع الكنائس؟
– كل كنيسة سوف يكون لها باب خاص بها ولكن ٩٠٪ من القانون سوف يكون مبادئ عامة اتفق عليها الجميع، وفى حالة مثول أي متضرر أمام القضاء سوف يحتكم القاضى إلى شريعة العقد الذي تم به الزواج، وبذلك سيطبق الباب الخاص بكل كنيسة.
■ هل الإلحاد سبب من أسباب الطلاق؟
– الإلحاد غير مدرج في التعديل ولن يكون هناك طلاق بسبب الإلحاد.
■ لماذا قام الأنبا بيشوى أسقف دمياط بالاتفاق مع الكنيسة اللبنانية على وقف منح شهادات تغيير الملة؟
– كان هناك انحراف في هذه الخطوة، ولكن لم يعد أحد في حاجة إلى تغيير الملة لأنه سيكون الاحتكام بشريعة العقد في القانون الجديد.
■ متى ستتم مناقشة قانون الأحوال الشخصية في البرلمان؟
– ستتم مناقشة القانون في الدورة البرلمانية الثانية، بعد قانون «بناء الكنائس» وهذا ليس اختيار الكنيسة، ولكن ما نصت عليه التوصيات الدستورية للدولة، حيث نصت أنه في أول انعقاد للبرلمان تتم مناقشة «قانون بناء الكنائس» فهذا ما حددته الدولة، وعليه نقوم بالمطالبة بمناقشة القانون الثانى.
■ أزمة وادى الريان أزمة كاشفة لعدد من التساؤلات لماذا هذا الإقبال العالى من الرهبان للعيش في الريان؟
– الرهبنة نظام لا يقدر عليه كل إنسان ويحتاج نفوسا خاصة، ودخول الدير ليس شيئا بسيطا، فلا بد أن يمر طالب الرهبنة بعدد من الاختبارات، ومن الممكن بعد مروره باختبار أو اثنين، يثبت أنه لا يصلح ولا يستطيع أن يستكمل المسيرة، فالرهبنة أمر اختيارى ولكنه صعب وهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نحن لدينا العديد من الأديرة، ويتم الاعتراف بأديرة كل عام سواء للولاد أو للبنات، وهذا يساعد من يحب أن يدخل الرهبنة أن يلتحق بها.
وشدد أن الرهبنة لها نظام، فالبابا رئيس الأديرة والرهبان، ويعاوننى أسقف مسئول شئون الرهبان والراهبات من الناحية الصحية والعلمية والإدارية، وثالثا لجنة شئون الأديرة والرهبنة، وهى لجنة تضم الأساقفة رؤساء الأديرة، وكل شيء له نظام ومن يكسر هذا النظام لا يستحق أن يكون راهبا.
أنا جلست بالجلابية الزرقاء سبعة أشهر تحت القبول، وبالجلابية البيضاء سنتين وبعد سنتين وسبعة أشهر أصبحت راهبا، ولكن في وادى الريان من أول يوم يلبس الجلابية السوداء وهذا ضد قانون الرهبنة وهذه الطريقة فيها خطورة على الرهبنة.
أكبر وأقدم دير عندنا لا يتعدى رهبانه ١٤٠ راهبا، وهناك أديرة لا يتعدى عدد رهبانه العشرة، فكيف في خمس سنوات يصبح عدد الرهبان في دير وادى الريان ١٤٠ راهبا، هذا يعنى أن هناك شيئا خطأ.
والأصعب أن يقبل كل هذا العدد بدون الرجوع للكنيسة، فحتى اليوم الأديرة عندما تنوى رسامة راهب ترسل لى خطابا مفصلا، عن الشخص وصفاته وأنه تم اختباره لمدة معينة من الزمن والتأكد من صلاحه للرهبنة، ومن ثم أوقع على الموافقة وأرسل لهم الرد، يرفق معه شهادة رسمية لرئيس الدير المعترف به أن يرسم هذا الشخص، فالرهبنة ليست إطلاق لحية ولباس جلباب أسود، فالمكان غير معترف به ولا من فيه معترف بهم.
■ أذيع أن قداستك اعترفت بالدير وبعد اندلاع الأزمة تراجعت؟
– لم اعترف بالدير ولكن ما حدث أنه بعدما أصبحت بطريرك ب ١٣ يوما، أرسل شيخ المطارنة وأكبر مطران بالكنيسة الأرثوذكسية لى خطابا ليقدم إلىّ وزارة البيئة فقمت بالتوقيع عليه، «أقدم مطران لبطريرك عمره ١٣ يوما على الكرسى البابوى» فاحترامى له جعلنى أوقع على الورقة.
هذا المستند الذي وقعت عليه، لم يكن اعترافا بالدير، فأنا لا يمكننى أن اعترف بدير، فهذا قرار منوط بالمجمع المقدس، والمجمع لم يعترف بالدير، ولكن هذا الخطاب كان للبيئة لأن المكان محمية طبيعية.
■ كانت تصريحات قداستك أنهم ليسوا رهبان مع أنه من بينهم رهبان حقيقيون.. فما هو تعليقك؟
الدير به ١٤٠ راهبا في بداية الأزمة، وعندما بدأت المشاجرات داخله لم يتحمل الرهبان الأتقياء أن يبقوا بداخل الدير، فلجأوا لبعض الأساقفة، وبعدما تواصلت معهم قمت بتوزيع ٨٠ راهبا على أديرة مختلفة، ليستكملوا حياتهم الرهبانية في أديرة حقيقية، ومع المتابعة سوف أقوم بنفسى برسامتهم.
■ لماذا لم يتم تسجيل الزى الكهنوتي؟
– طالبت أكثر من مرة من الدولة تسجيل الزى الكنسي، ولكن للأسف رفضت، وأنا ما زالت أطالب بتسجيل الزى الكهنوتى، فقد قمت بعمل ملف به صورة لكل زى سواء للراهب أو البطريرك.
■ تقوم الرهبنة على التجريد وعدم الامتلاك فلماذا يقف رهبان الريان يدافعون عن الدير على أنه من ممتلكاتهم؟
– رهبان وادى الريان انحرفوا عن الرهبنة، هو أنا لو لبست بلطوا أبيض وسماعة هل هذا يعنى أنى دكتور، الزى الخارجى ليس له معنى، ولا يعنى شيئا.
■ العديد من الأديرة بها مشروعات ضخمة فكيف يتم صرف الأموال والتعامل معها؟
– كل دير به عدد من الرهبان، وثلث حياة الراهب لا بد أن تكون عملا وثلث قراءة صلاة، وهذا يعنى أن هناك ثلثا للعقل وهو القراءة، وثلثا للقلب وهو الصلاة، وثلثا للعمل وهى اليد، فلا بد أن يعمل الراهب، ففى الأديرة كل الأعمال من مخطوطات ومكتبات وزراعة وصناعة.
وأنا في بداية رهبنتى كنت مسئولا عن استقبال الزوار، وبعدها قمت بالعمل في المطبخ وكنت لا أعرف شيئا عن الطبخ، وكنت أجهز الطعام للرهبان والضيوف، وقال ضاحكا «أول أكلة عملتها في الدير كانت البصارة»، وقال متهكما طلعت بصارة خالص، وفى وقت آخر كنت مسئولا عن الصيدلية بحكم دراستى.
والأعمال تتطور، فمع الزراعة جاء تصنيع زراعي، فبعد أن يزرع الزيتون لماذا لا يتم تخليله وبيعه كمنتج للمجتمع، أو عمل المربي، فأصبحت الأديرة لها إنتاجات تخدم المجتمع الذي نعيش فيه، ومن ناحية أخرى تخدم الراهب فلا يمكن أن يكون الراهب عالة على المجتمع، فهذا يجعله يساهم في نمو الاقتصاد الوطني، ولكل دير وحدة مالية صغيرة وهناك راهب مسئول عن تلك الإدارة المالية، والتي يصب فيها كل إيرادات الدير من صناعته.
وهناك نظام للصرف، حيث يقوم الراهب بتقديم طلب لشراء أسمدة أو معدات أو خلافه، فيأخذ أموال عمله من الدير وهكذا، ويصنع ويقدم إنتاجا، وكل دير يوسع من مشروعاته، فهناك دير في البحر الأحمر، ولأنه قريب من المناطق السياحية يقوم بتفصيل ملابس، وهناك دير للراهبات وبحكم تخصص إحداهن في صناعة العطور، يقوم الدير بتصنيعها وبيعها فالتنوع والعمل شيء أساسى في حياة الراهب.
وجزء من ناتج كل دير يتم صرفه لمساعدة الفقراء في المنطقة المحيطة به، فهناك دير قام بإنشاء مدرسة وما زال يصرف عليها.
■ هل هناك اتجاه داخل الكنيسة لتأسيس الرهبنة العاملة «مكرس يخدم المجتمع» لا يريد أن يعيش بين أسوار الدير؟
– الرهبنة القبطية رهبنة صلاة، يعنى داخل الدير، ولكن بعضهم نرسمهم كهنة ونرسلهم للخدمة بالكنيسة بداخل مصر أو خارجها، والتي تخدم المجتمع، ولكن لا بد أن يبدأ حياته بالدير ويصلى.
والراهبات أيضا للصلاة داخل الدير، ولكن تم عمل نظام مواز ليصبح هناك مكرسات تعملن في المجتمع وهن مكرسات، وأصبح لدينا عدد كبير من المكرسات «عايزة تعيش الحياة الرهبانية ولكن تخدم المجتمع»، والمكرسون الأولاد ترسمهم الكنيسة شمامسة.
■ هناك لوم وجه لقداستك أنك لم تدافع على الأطفال المحكوم عليهم بالسجن بتهمة ازدراء الأديان؟
– ليس كل شيء أعمله لا بد أن أعلن عنه، فقد قمت بعمل العديد من الاتصالات بالجهات الحكومية، وآخرها كان مع وزارة العدل ولولا الأزمة الأخيرة التي عطلتنا كثيرا، ولكن ما زلت أبحث في الأمر ولا يوجد هناك جديد.
■ هل يتخيل أحد أنه عندما يكون هناك قضية مثل هذه أننا ساكتين، أعرف مسئولياتى وواجباتى جيدا ومتفاعل مع المجتمع سواء باستقبال مسئولين لمناقشة المشاكل أو بالاتصال بهم، ونحاول أن نحلها سويا ولنا علاقات مع الرئاسة ورئاسة الوزراء والوزراء والبرلمان، وأقوم بزيارتهم.
فالبابا داخل الكنيسة مختلف عن الوزير الذي كان يسعى لأن يصل إلى هذا المنصب، ولكن البابا لم يسع ولم يخطط لأن يكون بطريركا، هناك اختلاط بين مفاهيم العالم ومفاهيم الكنيسة فالمدير أو الوزير كان يسعى لأن يصل إلى المنصب لكن الكنيسة مفيهاش كده، البابا لم يسع لمنصب، ولم أرشح نفسى أو اختارت نفسى أو عملت دعاية.
■ هناك ظاهرة جديدة وهى تقديم الكهنة لاستقالاتهم.. فما هو تفسيركم لهذه الظاهرة؟
– حرية الاستقالة حق لكل إنسان، قاطعته «ولكن هذا عمل كهنوتى» فأجاب الكهنة والأساقفة عملهم لنهاية العمر، ولكن فرضا أن هناك كاهنا أو أسقف لظروف ما طلب أن يستريح فهذا حقه، ومثال على ذلك كان كاهنا يعيش في مصر وكان له ثلاث بنات تزوجن جميعهن بأمريكا خارج البلاد ورحلت زوجته فأصبح كاهنا وحيدا، وجاءت بناته لتقديم طلب لى بأن يستقيل أبيهن ليقضى نهاية عمره في وسطهن، هنا لا أستطيع أن أقول لا، وعليه تمت استقالته وأصبح يعيش وسط بناته فالكنيسة مرنة مع الظروف الإنسانية.
■ ما خلاف قداستك مع الأنبا مايكل؟ وانفصال بعض الكنائس؟
– لا يوجد خلاف شخصى بينى وبين الأنبا مايكل على الإطلاق، فنيافته تمت رسامته أسقفا بيد البابا الراحل شنودة الثالث، عام ٢٠٠٩ وكانت وصارت علامات استفهام عن ما هي مسئوليات الأنبا مايكل «بيعمل إيه» وحاولت بلطف حل هذه الأزمة بتشكيل عدد من اللجان، لكن لم أجد مساعدة من طرفه فأصبح الموضوع مجمدا.
ثانيا لا توجد كنائس تنفصل، ولكن يظن أن استخدام الكنيسة للغة ثانية بمثابة انفصال وهذا ليس صحيحا، وأن الكنيسة التي ليس بها لغة عربية معناها أنها انفصلت، ولكن من الطبيعى لكنيسة في أمريكا أن تتحدث اللغة الإنجليزية، وخاصة الأجيال الجديدة، فهى في النهاية هي كنيسة مصرية على أراض أمريكية، ومعظم روادها من الأجانب.
مشيرا إلى أن الخولاجى «كتاب الصلوات» به نهر قبطى ونهر عربى ونهر بلغة البلد الذي به الكنيسة منها إنجليزى وألمانى والعديد من اللغات، وفى كنيا قبطى وسواحيلى ولا يوجد عربي، وكل ما يردد عن الانفصال مجرد شائعات.
■ ما تعليقك على تقرير البرلمان الأوروبي والذي جاء صادما للمصريين؟
– مرفوض تماما، وده ضد مصر، وواضح جدا أن به انحيازا كاملا.
■ هل مصر تتعرض لمؤامرة؟
– مصر طول عمرها بتتعرض للمؤامرات، «فمصر محسودة ولكنها محفوظة في قلب الله».
■ ما موقف الكنيسة تجاه موجة الإلحاد؟
– الميديا أثرت على الشباب، والحكاية بدأت بالتليفزيون، لأن هذا الجهاز أصبح يتحكم في حياة الإنسان ويخترق خصوصياته في أي لحظة، وبلا شك كل هذا شوه الطبيعة الإنسانية، وبعد هذا بدأ يظهر الإلحاد والزواج المثلى والشذوذ وعبادة الشيطان وبيع المرأة والأطفال وتجارة الأعضاء والسلاح والمخدرات والبحث عن الموضة، وهذا كله جعل الإنسانية تنفك وتهدم.
ودور المؤسسات الدينية والإعلامية حفظ المبادئ والأخلاق، وإعادة الإنسانية لإنسانيتها، وأنصح الشباب بالتمسك بالمؤسسة الكنسية، وأن يعيش بالوصية، ويفهم الكيان الأسرى ويحفظ نفسه داخل الأسرة، فنحن تسلمنا المبادئ العظيمة من أسرنا، فالأسرة أساس المجتمع.
■ استعنتم في سينمار المجمع المقدس الأخير بعلمانيين متخصصين في مجالات مختلفة للأخذ بنصائحهم.. فلماذا لا يضم المجمع عددا من العلمانيين؟
– لا طبعا، لأن المجمع هو مجمع الأساقفة الأكليروس، وهم المسئولون عن إدارة الكنيسة، ولا يوجد لدينا هذا الفكر، ولكن كل إيبارشية لها مجلس أراخنة يتعاون معهم بهم الأسقف، وبها مجلس ملى وأمناء خدمة وكلهم من العلمانيين.
■ هل هناك مجلس ملى للكنيسة أم لا؟
– عندنا مجلس ملى منتهية دورته، ولكن بعض الأعضاء يقومون ببعض المهام، وتم عقد اجتماع مع مجلس ملى القاهرة، ونفكر في تغيير الاسم فكلمة «الملى» غير مقبولة، وسيتم تقديم الاسم الجديد للدولة لأخذ الإجراءات القانونية.
■ وهل سيتم التوسع في مهامه وخاصة أنها أصبحت غير مجدية؟
– المجلس الملى يدير بعض أملاك البطريركية وسيتم توسيع عمله، ليشرف على مدارس ومستشفيات تابعة للكنيسة، وعمل لائحة جديدة للمجلس بعد تغيير اسمه.
■ منذ أن اعتلى البابا الكرسى المرقسى حرص على إصدار عدد من اللوائح المنظمة للعمل الكنسى.. فما هي اللوائح الجديدة التي يسعى البابا لعملها؟
– أنوى عمل لائحة للشمامسة ولائحة أخرى تنظم العمل في القنوات التليفزيونية، خاصة بعد انطلاق قناة «كوجى» للأطفال.
باحث أمريكى: الكنيسة القبطية المنبع لعصر النهضة فى أوروبا
الكنيسة القبطية
أكد الباحث الامريكى جيم فيتزجيرالد أن أيرلندا هى التى حافظت على آثار الغرب مما مهد الطريق لانطلاق عصر النهضة ، والكنيسة القبطية فى مصر هى التى حفظت ونقلت الحضارة إلى أيرلندا بتحويلهم إلى باحثين ، وبالتالى فإن منبع النهضة فى أوروبا هى الكنيسة المصرية .
جاء ذلك فى محاضرته التى القاها تحت عنوان تأثير الكنيسة القبطية على الكنيسة الأيرلندية وكيف حافظت الكنيسة القبطية على الحضارة ، خلال فعاليات الملتقى الأول لشباب الباحثين المهتمين بالدراسات القبطية الذى عقد مؤخرا و نظمته مؤسسة القديس مرقص لدراسات التاريخ القبطى (سان مارك لتوثيق التراث) بالتعاون مع معهد الدراسات القبطية بالكاتدرائية المرقصية بالعباسية وذلك تحت رعاية قداسة البابا الأنبا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
وأشار الباحث إلى إنتقال الرهبنة من مصر إلى أسكتلندا وأيرلندا والجزر البريطانية فى القرن الخامس الميلادى ، موضحا أنه أكتشف كتاب أيرلندى بعنوان إرشادات رهبانية يتحدث عن مسار الرحلة المقدسة إلى وادى النطرون بمصر ، كما أن هناك سبعة رهبان مصريين دفنوا فى صحراء أوليج ، موضحا انه يستنتج من ذلك أن الرهبنة جاءت من مصر مباشرة إلى مجموعة الجزر البريطانية وأن هناك تشابها واضحاً بين العمارة الرهبانية القبطية والأسكتلندية وقوانين الرهبنة .
ومن جانبه ، قال خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان إن الباحث الأمريكى تطرق فى محاضرته إلى الفن القبطى وتأثيره حيث أصبحت فى بداية القرن الثامن الميلادى مملكة نورثوميريا خليط من التقاليد الأنجلوساكسون والرومانية والقبطية وهو العصر الذهبى لها وقد انعكس ذلك على الفن حيث انتشرت زخارف صليب العجلة الأيرلندى وهو من أصل قبطى وقد استمده الفنان القبطى من علامة عنخ المصرية القديمة ، وكذلك زخارف الأكفان الأسكتلندية والأيرلندية كانت معروفة عند الأقباط ، و رسوم الأيقونات وفى مخطوطات الأناجيل القبطية تشبه الأسكتلندية فى طريقة الجمع والتجليد فى القرن الثامن الميلادى .
واضاف ان الكنيسة الأسكتلندية تأثرت ببعض زخارف المراوح القبطية المستخدمة فى الهياكل وقد زخرفت كتب كلز الأيرلندية برسوم السيدة العذراء تحمل الطفل متأثرة بفنون التصوير القبطى على الجص.
Celebrazione della Domenica delle Palme in Piazza S.Pietro con Papa Francesco – GMG 13 Aprile 2014
شعانين: كلمة عبرانية من (هوشعنا) أوصنا.. معناها يا رب خلص (مت 21: 9) ومنها أخذت لفظة أوصنا اليونانية (مت 21: 9) التي ترتلها الكنيسة في هذا العيد… وهو يأتي قبل الفصح بأسبوع وهو الأحد الأخير من الصوم واليوم الأول من أسبوع الآلام… وفيه يبارك الكاهن أغصان الشجر من الزيتون وسعف النخيل ويجرى الطواف بالبيعة بطريقة رمزية تذكارًا لدخول السيد المسيح الاحتفالي إلى أورشليم. وذلك أن المسيح غادر بيت عنيا قبل الفصح بستة أيام وسار إلى الهيكل فكان الجمع الغفير من الشعب يفرشون ثيابهم أمامه وآخرون يقطعون أغصان الشجر ويطرحونها في طريقة احتفاء به وهم يصرخون (هوشعنا لابن داود مبارك الآتي باسم الرب هوشعنا في الأعالي (مت 21: 9).. وقد كانوا يدعون هذا اليوم قديمًا بأسماء مختلفة منها (أحد المستحقين) وهم طلاب العماد الذين عرفوا الدين المسيحي وأرادوا اعتناقه فكانوا يذهبون يوم سبت النور (سبت لعازر) طبقًا لاصطلاحات الكنيسة في أول عهدها.. كذلك كانوا يدعونه (أحد غسل الرأس) وهى عادة كانت لهم في ذلك الزمان إشارة للتطهير والستعداد لدخول الكنيسة… كذلك يدعونه (أحد الأغصان، أحد السعف، أحد أوصنا)
بالفيديو والمستندات.. نكشف أثرية دير وادي الريان.. البابا يعترف بالدير بعام 2012.. بدائل للطريق توفر 50 مليون جنية للدولة
مسئول بوزارة البيئة تعليقاً علي أزمة وادي الريان “أثار إيه؟ الحي ابقي من الميت”
يرجع تاريخ وادي الريان إلي حكم الملك الرياني الذي كان يحكم مصر أيام سيدنا يوسف
إعداد وتقديم- د. مينا ملاك عازر
تعجب الدكتور لؤي محمود سعيد، أستاذ الآثار القبطية بجامعة مدينة السادات، وعضو اللجنة المشكلة من وزارة الآثار لتسجيل موقع دير وادي الريان، من الإصرار علي إقامة طريق الواحات – الفيوم بطريق يشق دير وادي الريان، وإدخال معدات ثقيلة في منطقة أثرية تعود لأكثر من 30 مليون سنة.
وأوضح سعيد، خلال لقائه ببرنامج لسعات المذاع كل سبت علي شاشة الأقباط متحدون، أن كبار مكاتب الهندسة قدمت بدائل لطرق منعا لحدوث أزمة، توفر علي الدولة حوالي 50 مليون جنية وتعتبر أقصر مسافة من الطريق المزمع تنفيذه.
وشدد أستاذ الاثار القبطية، بأن دخول معدات ثقيلة بتلك المنطقة واستخدام متفجرات لشق الجبل وإنشاء الطريق سيؤدي إلي نتائج كارثية ودمار رهيب بالمنطقة الأثرية.
وطالب المسئولين بالدولة والكنيسة ومسئولي الدير بالحكمة وعدم اتخاذ قرارات لا تصب في مصلحة الوطن، وأن تتدخل لجنة من الحكماء حتى لا تتفاقهم الازمة، خاصة أن أغلب الرهبان في سن صغير يحتاجوا لمن يحتويها.