فضيحة قيلَ أنّها هزّت الكنيسة الكاثوليكية وأظهرت حقيقتها “المظلمة” وأنّها كانَت من الأسباب الرئيسيّة لاستقالة البابا بنديكتوس

فضيحة قيلَ أنّها هزّت الكنيسة الكاثوليكية وأظهرت حقيقتها “المظلمة” وأنّها كانَت من الأسباب الرئيسيّة لاستقالة البابا بنديكتوس

يرتفع (لا يتعدّى) عدد الضحايا المفترضين في حوادث اعتداء كهنة على قصّر إلى حوالى 1500 ضحيّة، وعدد الكهنة المُعتدين إلى حوالى 260 كاهنًا. فضيحة قيلَ أنّ هزّت الكنيسة الكاثوليكيّة وأظهرت حقيقتها “المظلمة”، كما قيل أنّها كانَت من الأسباب الرئيسيّة لاستقالة البابا بنديكتوس السادس عشر من مهامه الإداريّة والرعويّة في الفاتيكان.

ممّا لا شكّ فيه أن فضيحة كهذه لن تسبّب الفرح لجسم الكنيسة ولا لرعاتِها، كونَ أفعالِ الاعتداء الجنسيّ على القصّر هي إثمٌ كبير وفي الوقت عينه جريمة عُظمى.

من البديهيّ أن يدينَ كلَّ عاقلٍ هذه الأعمال وأن يطالبَ بإجراءات تجعلُ المُعتدين يتحمّلون تبعاتِ اعتداءاتهم، إجراءات تعوّض على الضحايا وتعالج نتائج الاعتداءات جسديًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا.

ولذك، قبل أن نشرع في عرض رأينا حول الحملة الإعلاميّة المشهّرة بالكنيسة، نُعلنُ بوضوح كامِل ومن دون أدنى تحفّظ أن لا نيّة لدينا، لا باطنًا ولا ظاهرًا، في التخفيف من فداحة الأمر، ولا في الدفاعِ عن المُعتدين ولا تبريرهم، تاركينَ للقضاء النزيه، إذا وُجد، أن يقوم بواجبه ويتّخذ التدابير المناسبة على المستويين المدنيّ والكنسيّ على السواء.

نيّتُنا تُختصر في رغبتنا في إظهار المحاباة في الوجوه الّتي تمارسها الحكومات ووسائل الاعلام، والتشهير المبرمج والممنهج والمقصود بحقّ الكنيسة عن سابق تصوّر وتصميم، واعتماد القياسين والمكيالين في الحكم على الأحداث.

إحصائيّات ونسب:

عندَما نقرأ وسائل الإعلام اللادينيّة أو العلمانيّة أو الحكوميّة، أو نشاهدَ التحقيقات، ونستمع إلى الأحكام الّتي تُطلقُ بحقّ الكنيسة، نكادُ نصدّق أنّ الكنيسةَ فاسدة ومهترئة وأنَّ لا مكانَ، بعدُ، فيها للخير والصلاح.

وعندما نسمعُ بفضيحة ما تطالُ كاهِنًا ما، نميلُ، بالطَبعِ، إلى تعميمها على جميعِ المكَرّسين، وعلى الكنيسة الكاثوليكية بأسرها، حتّى إنّ البعضَ طالبَ بتحميل قداسة البابا شخصيًّا مسؤوليّة كلّ ارتكابٍ جرميّ قامَ به كاهنٌ كاثوليكيّ في أيّ بقعةٍ من العالم.

ومن الطبيعيّ، أن ينجرَّ المسيحيُّ المحرومُ من أيّ ثقافةٍ كنسيّة صلبة إلى تبنّي هذه الأحكامَ الشائعة والمنتشرة في كلّ وسائل الإعلام، وإضمار الكُرهِ لكنيسته صانعة القدّيسين… ومن البديهيّ أن يقودَ هذا الكرهُ إلى نوعٍ من البرودة في الإيمانِ وإلى رفضيّة تطالُ كلّ شيءٍ يصدُرُ من جانبِ الكنيسة.

ألحمدُ للهِ، أنَّهُ أعطى بقيّة متبقّيةَ نعمةَ البصيرة لكي تبقى ثابتة في إيمانِها، مُحبّة لكنيستها ومخلصةً لها، من دونِ أدنى مساومة على الشرّ، ولو كانَ صادرًا عن أبناء الكنيسة ذاتِها.

من خلال بعض الإحصائيّات وبعضِ الأرقامِ المتاحةِ للجميع، سنحاوِلُ أن نظهِرَ، بالرغمِ من بعضِ البقع السوداء، بهاءَ الكنيسة وقداستَها، في عالمٍ يتربّص بها وينتظرُ أدنى مناسبة لافتراسِها!

ذكرنا أعلاهُ أن عدد الضحايا المفترضين عالميًّا هو 1500 ونحنُ سنضاعفُه (3000) مفترضينَ أنّ بعض الضحايا لم يجرؤوا على البوح باختباراتهم الأليمة.

وقلنا أنّ عدد الكهنة المعتدين المفترضين هو 260 تقريبًا، فلنقل (500) للسبب نفسه.

قد تبدو الأرقامُ كبيرة. ولكن لا بدّ أن نعلم أنّ هذه الأرقام ليست إحصائيّات سنةٍ واحدة ولا دولةٍ واحدة، بل هي حصيلة كلّ الاعتداءات الّتي حصلت خلال حقبة تمتدُّ لأكثر من 60 عامًا على اتّساع الوجود الكاثوليكيّ في العالم. فلو كانَ الكاثوليك منتشرين في 120 دولة لكانت نسبة الضحايا السنويّة في الدولة الواحدة هي0،41 أي أقلّ من ضحيّة واحدة كلّ سنتين.

وإذا افترضنا أن مجموع عدد المكرّسين الكاثوليك الّذين مارسوا مهامّهم خلال فترة الستّينَ عامًا هو مليون مكرّس، لكانت نسبة الكهنة المعتدين على العدد الإجماليّ1 من 2000 أي 0،005 بالمئة!

وإذا افترضنا أنّ نسبة القصّر بين الكاثوليك هي 25 في المئة، أي ربع مجمعل عدد الكاثوليك، أي حوالى 400 مليونًا لكانت نسبة الضحايا على يد الكهنة هي 0،00375 بالمئة. علمًا أنّ عدد القصّر خلال فترة الستّين سنة يوازي عدد الكاثوليك الحاليّين أي مليار وخمسمئة مليون ما يجعل النسبة تنخفض إلى0،001 بالمئة أي واحد من مليون.

إنَّ فداحة الاعتداءات لا تُقاسُ بالأعداد، وهذا لا يغيّر شيئًا في حُكمِ الكنيسة الكاثوليكية على المُعتدين. ولكنّ غايتنا هنا ليست الدفاعَ عن الكنيسة، بل إظهار خبثُ وسائل الإعلام وتواطئها ومرائيّتها المفرطة.

الحكم بمقياسين:

هلْ سبقَ أن سَمعتُم بضحايا الاعتداءات الجنسيّة في فرنسا؟

سنقدّم النموذج الفرنسي عل سبيل المثال لا الحرص لنُضيءَ على مرائيّة وسائل الإعلام الّتي تضخّم كلّ هفوة تصدر عن كاثوليكيّ وتغضّ الطرف عن آلاف الجرائم الّتي تحصل تحت نظر الحكومات وأعين المسؤولين المدنيّين والإعلاميّين!

الإحصاتُ الّتي تخصّ الاعتداءات الجنسيّة عند الكهنة الكاثوليك تشمل فترة تمتدّ إلى ستيّن سنة تقريبًا،

أمّا ما سنكشفُه من إحصائيّات تخصّ الاعتداءات الجنسيّة في فرنسا فهو يشمل فقط تلك الّتي حصلت خلال عام واحد هو العام 2014.

ماذا تقول هذه الإحصائيّات؟

عدد حالات الإجهاض السنويّة في فرنسا  200000 أي هو 548 يوميًّا، أي حالة إجهاض واحدة كلّ ثلاث دقائق.

عدد حالات الاغتصاب الجنسيّ المعلنة للعام 2014 هو 12768 حالة، أي 35 حالة يوميًّا أي حالة واحدة كلّ 40 دقيقة

عدد حالات الإعتداءات الجنسيّة عامّة المعلنة للعام 2014 هو 26783 حالة، أي 73 حالة يوميًّا، أي حالة واحدة كلّ عشرين دقيقة.

عدد الإعتداءات الجنسيّة في فرنسا على قُصّر للعام 2014 هو 5922 حالة، أي 16 حالة يوميًّا، أي حالة واحدة كلّ 90 دقيقة.

أكرّر السؤال، هل سمعَ أحدُكم بفضائح البيدوفيليا في فرنسا؟

هل لا حظتُم حملةً إعلاميّة مسعورة تشهّرُ بالدولة الفرنسيّة وتطالب بتحميل رئيس الجمهوريّة مسؤوليّة الاعتداءات؟ هل سمعتُم أحدًا يتضامَنُ مع هؤلاء الضحايا؟

هل قارنتم الأعداد؟

إنّ عدد الاعتداءات الجنسيّة على قُصّر في فرنسا خلال سنة واحدة يوازي ثلاثة أضعافُ عددها في إطار الكنيسة الكاثوليكية وسع العالم على مدى ستّين سنة.

هل قارنتم النسب؟

إذا افترضنا عدد الاعتداءات السنويّ على قصّر في فرنسا 4000 فقط، وأسقطناهُ على فترة الستّين عامًا لحصلنا على 240000 حالة اعتداء تمّت في المجتمع الفرنسيّ العلمانيّ،

أي 80 ضعفًا للاعتداءات الّتي تمّت في الكنيسة الكاثوليكية.

نعم إنّ عدد الاعتداءات البيدوفيليّة في فرنسا وحدها خلال ستّين عامًا، رغم تضخيمنا لعددها في الكنيسة وتلطيفنا لعددها في فرنسا، يوازي 80 مرّة عددها في كلّ الكنيسة الكاثوليكية.

ومع ذلكَ نسمعُ أصواتَ الفرنسيّين الشتّامينَ، يُطالبونَ بمحاسبة الكهنة والأساقفة والبابا متجاهلين حجم الجرائم الّتي تحصل في بلدهم، بل مُتعامينَ عنها.

وهنا نتساءَل أينَ اختفى حسّ التضامنِ مع الضحايا وأين اختفت الغيرة على تحقيق العدالة وإنزال العقابِ بالمُعتدين؟

من الواضح أنّ ضحايا البيدوفيليا في الكنيسة هو “شحمة على فطيرة” لأعداء الكنيسة الكاثوليكية ومبغضيها، وما التضامنُ معهم سوى مانشيت إعلاميّة فارغة، لا غايةَ لها إلّا التشهير بالكنيسة.

ولو كانَت الغايَة من الحملات الإعلاميّة، التضامنَ مع الضحايا، وإحقاق الحقّ وردع المعتدين، لماذا لا نرى إذًا حملاتٍ إعلاميّة تكشفُ فسادَ المجتمع الفرنسيّ وتُشهِّرُ بِهِ، لماذا لا يُطالبُ أحدٌ بمحاكمة الجمهوريّة، وهي المسؤولة الأولى عن كلّ ما يجري على الأراضي الفرنسيّة؟

ليسَ هناكَ أدنى شكّ: إنّ ضخامة الحملةِ الإعلاميّة غير مرتبطة بحجم الاعتداءات بل بحجم بُغض العالم للكنيسة. يعطونَ الكنيسةَ دروسًا في كيفيّة ممارستها للغفران، وهم يتربّصون بها شرًّا ويشتمونها ويدينونها ويحاربونَها كلّ يومٍ وعلى كلّ صعيد.

ثمّة وسائل إعلام تتحدّث عن عشرات آلاف الضحايا على يد كهنة كاثوليك، ولكن ما هو العدد المُثبت؟ من هم هؤلاء الضحايا؟

هل كلُّ من ربّت الكاهنُ على كتفه صار ضحيّة بيدوفيليا؟ هل كلّ طفلٌ لمسهُ كاهنٌ لمباركتهِ صار ضحيّة بيدوفيليا؟
قد يقول البعض إنّ أعداد الكهنة المعتدين هو أكثر بكثير، كذلك عدد الضحايا.

فإيّاهم نُجيب: مهما حاولتم تضخيم حجم الفساد في الكنيسة فهو لا يذكر نسبة إلى فساد المجتمع المدنيّ المُلحد، هذا الّذي يُشرّع إبادة خمسين مليون طفل سنويًّا، والّذي يغضّ النظر عن ملايين حالات الإغتصاب سنويًّا والّذي يسفك بالحديد والنار دماء مئات الآلاف سنويًّا والّذي يصرف 1500 مليار دولار سنويًّا على السلاح بينما يتضوّر ثلث سكّان الأرض جوعًا.

إنَّ مجتَمعًا يشرّع البورنوغرافيا في مختلف وسائل الإعلام، ويشجّع على المثليّة ويقدّسها، ويبيح إزهاق حياة الأجنّة، ويساعد النساء على التخلّص من ثمرات أحشائهم، ويغضّ النظر عن الممارسات الشيطانيّة، ويبرّر فضائح مسؤوليه الجنسيّة، لا يحقُّ لهُ أن يُشيرَ بالإصبع إلى كنيسة أعطت ثمار قداسة على مرّ العصور، مهما كثرت فيه الأخطاء.

هذا المجتمع يحاول شيطنة الكنيسة ليبرّر فساده، يدّعي نزعة القشّة من عين الكنيسة الكاثوليكية وهو يتعامى عمّا في عينيه.
هل من داعٍ للتذكير أن عدد ضحايا العنف سنويًّا في العالم هو 40 مليونًا، حوالى سبعة ملايين منهم تعرّضوا لاعتداء جنسيّ. لماذا تغيبُ هذه الأرقامُ عن الإعلام ولا نسمعُ إلّا بأعداد ينقّب عَنها في الكنيسة؟

السبب، كما قلنا أعلاه، ليسَ حبَّ الأطفال، ولا محبّة العدل، ولا الروح الإنسانيّة العارمة، ولا تأمين حقوق الطفل، بل العداءُ  والكره والبغض للكنيسة، الّتي رغم كلّ العيوب الإنسانيّة، تبقى أشرف مؤسّسة خيريّة وإنسانيّة وحضاريّة عرفها التاريخ.

وإذا شئنا المقارنة هاتوا، أعطوني رجلًا من طراز فرنسيس الأسيزي من خارج الكنيسة، هاتوا رجالًا ونساءً من عيار منصور دي بول والأخت أيمنويال والأبّي بيار وتريزيا دي كالكوتا من خارج الكنيسة، أعطوني أسماء أطفال من عيار دومينيك سافيو وماريًّا غوريتّي، أعطوني رجالَ صمتٍ وسلام نظير شربل وبادري بيو ورهبان مار مبارك. أعطوني ممرّضات يندفعن في خدمتهنّ كالراهبات أو المكرّسات…

هذا المجتمع المريض الذّي يُصنّع المخدّرات ويحاربها لرفع سعرها لجني الثروات، هذا المجتمع المريض الذّي يتحكّم بأسعار النفط صعودًا وهبوطًا وفق مصالحه لتركيع الشعوب واستعبادها، هذا المجتمع الّذي يفبرك آلات القتل والدمار ويختلقُ النزاعات لتأمين أسواقٍ لها، هذا المجتمعُ الّذي يتعرّض لكرامة الإنسان بمحوه من الوجود منذ حشا أمّه، ويستعمله للاختبارات، ويُجري عليه التعديلات، هذا المجتمع الّذي يقلب الخير شرًّا والشرَّ خيرًا، لا يحقُّ لهُ أن يدّعي محاكمة الكنيسة الكاثوليكية عندما يتمادى في تشريع جرائمه وقبائحه!

لهذه المجتمع الحاقد نقول: إنزع برج إيفل من عينك، وبرج خليفة ومن عينك الثانية، لكي تتمكّن من رؤية القشّة في عين الكنيسة الكاثوليكية وانتزاعها. إنزع كل ناطحات سحاب العالم وأبراجه وجسوره من عينيك قبل أن تبحث عن قشّة في عين الكنيسة.

إنّ جرائم البيدوفيليا هي بالنسبة إلينا، خطيئة عظيمة وجريمة كبرى، والكنيسة الكاثوليكية تتألّم لأجلِ هذا، ولكنّها تتألمُ أكثر من أضعاف أضعاف الجرائم الّتي تحصل في المجتمع العلمانيّ المُعادي للكنيسة.

لأبناء الكنيسة الكاثوليكية نقول، إذا كانَ ثمّة من يخونُ المسيح في الكنيسة الكاثوليكية اليوم، فهذا ليس بجديد، فأحد الاثني عشر خانَ معلّمه وقد كانَ مؤتمنًا على الصندوق. واحد من إثني عشر يوازي 8،5 بالمئة وهي نسبة تفوق بكثير نسبة الكهنة المتّهمين بالبيدوفيليا!

لن نخافَ من طغيان هذا العالم، لن تقف الخطيئة حاجزًا أمام سعينا في سبيل الله.

يجب أن نتحلّى بالشجاعة على الاعتراف بخطايانا ونقائصنا، وبالعزمِ على محاربتها والتوبة عنها.

ولكن علينا أيضًا أن نمتلك الجرأة والصلابة، لأن نقول لا، لا، في وجه طغيان العالم، وأن نواجهَ أكاذيبه بالحقيقة، منقادين لروح الله.

المصدر: موقع لينغا

قام الكهنة والراهبات بمساعدتهم، فبادلوهم بأن دمروا الكنيسة وسرقوا كل شيء!!! لماذا يا رب؟ لما يحدث هذا؟

قام الكهنة والراهبات بمساعدتهم، فبادلوهم بأن دمروا الكنيسة وسرقوا كل شيء!!! لماذا يا رب؟ لما يحدث هذا؟

الكنيسة

أعرب أسقف في إثيوبيا عن قلقه و خوفه بعد الحرق و النهب الذي طال مجمع كنيسة في 18 شباط 2016، من قبل الناس ذاتهم الذين ساعدهم الكهنة و الراهبات في السابق.
وصف الأسقف إبراهيم ديستا في رسالة بعث بها إلى عون الكنيسة المتألمة كيف هوجمت أبرشية جيغيسا و هي “واحدة من أقدم و أكبر الأبرشيات” – من قبل “الناس الذين عملنا معهم و لأجلهم و كنا قريبين منهم”.
و قال الأسقف ديستا، النائب الرسولي في مكي كيف قام القرويون “بما في ذلك الصغار و كبار السن، و النساء و الأطفال .. برمي الحجارة و تدمير ممتلكات الكنيسة”، بما في ذلك المركز الرعوي الأبرشي، و دير أورسولين الصغير و العيادة المتخصصة في رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة.
تم نقل أكثر من 55 شخصا كانوا يحضرون مؤتمر حول التعليم في الحضانة في المركز الرعوي إلى بر الأمان، لكن الأخوات بقين هناك رافضات ترك المرضى في عياداتهم، إلى أن فروا من مكان الحادث في النهاية. و بعد أن أضرموا النار في بيت القسيس أتلف المهاجمون مؤونة الغذاء التي تكفي لمدة سنة، إضافة إلى الماشية.
و أضاف الأسقف ديستا:”لقد تُرِكت أخوات أورسولا اللاتي يُدِرن العيادة مع المرضى لأنهن لم يكنّ على استعداد لترك المرضى وحدهم. لكن الناس لم يستثنوهن”. و بعد المطالبة بتسليم معدات العيادة بدأت العصابة “بتدمير و سلب كل شيء بما في ذلك الملابس الشخصية أمام الأخوات”.
و تابع الأسقف:”من المحزن أن نقول أن لا أحد ذهب لمساعدة الأخوات، لكنهن استطعن الوصول شاشاماني بفضل الله، إلى جانب المرضى و قضاء الليلة في تلك الرعية. و يتم الآن رعاية المرضى في شاشاماني”. و أضاف:”لقد فقدوا كل شيء باستثناء هبة الحياة الثمينة التي أعطاهم إياها الله بالمجان”.
أعرب الأسقف عن صدمته من أن “كل هذا أتى من السكان المحليين الذين كانت الأخوات تقمن بخدمتهم و يعرفوهم جيداً – إن لم يكن الكل، فلنقل عدداً لا بأس به منهم”.
نهب مركز المؤتمرات، و قال الأسقف أن المهاجمين “أخذوا كل ما هو ملك للمركز بما في ذلك أكثر من 250 سريرا، و فرش، و نحو 700 بطانية، و شراشف و أغطية فراش، و غسالات و تلفزيونات و مولدات و آلات ناسخة و أجهزة كمبيوتر، حتى أبواب و نوافذ المبنى” الذي تدمر تماماً و أُفرِغ.
كما استولى المهاجمون على 26.455 رطلا من المواد الغذائية، بما في ذلك القمح و الأرز و المعكرونة – و هي مؤونة المركز لمدة عام كامل. كما أخذوا الأبقار و الدجاج التي كانت تربى على قطعة صغيرة من الأرض التابعة للرعية. لكن المبنى الوحيد الذي لم يطله الهجوم هو المدرسة.
و اختتم الأسقف ديستا بالقول:”هناك سؤال يدور في عقولنا و قلوبنا اليوم. لماذا يا رب؟ لما يحدث هذا؟ آمل أن يعطينا الرب الجواب في الوقت المناسب”.

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

إقرأ أيضًا:

ما معنى 666 عدد سمة الوحش في سفر الرؤيا؟

هل كان المسيح يجهل يوم وساعة نهاية العالم؟

علامات يوم القيامة – ما هو التعليم الكتابي حول اليوم الأخير (يوم القيامة)؟

يسوع لم يحدّد متى تكون نهاية العالم عندما طرح عليه تلاميذه السؤال على الشكل التالي: “متى يكون هذا وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر” (مت 24: 3). “متى يكون هذا” أي متى يكون خراب هيكل أورشليم. بالنسبة لنهاية العالم أورد علامات. بالنسبة لهذه العلامات هناك ظواهر عامة لا تسمح بتحديد وقت معيّن.

مثلاً “في تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوّات السموات تتزعزع”. “حينئذ تظهر علامة ابن الإنسان”. على أنّ هناك ما يُسمَّى في العهد الجديد: “علامات الأزمنة” (مت 16: 3). هل تتضمّن هذه علامات نهاية العالم؟ لا نعرف تماماً.

ولكنْ كلام يسوع يدل على إمكان معرفة علامات الأزمنة هذه. إلاّ أنّ السيّد، في ردّه على سؤال التلاميذ له في شأن متى يردّ الملك إلى إسرائيل، قال لهم: “ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه” (أع 1: 7). كما قال لهم أن يسهروا لأنّهم لا يعلمون في أية ساعة يأتي ربّهم (مت 24: 42).

وفي إنجيل مرقس، في معرض الكلام على زوال آواخر الدهور هذا القول: “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلاّ الآب” (مر 13: 32)

إذا عبثاً نحاول أن نستطلع تاريخ نهاية الدهور، أو متى تكون نهاية العالم. الاهتمام ينبغي أن ينصبّ لا على معرفة متى يحدث ذلك بل على الاستعداد، في كل حين، لمجيء السيّد. “طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيّدهم يجدهم ساهرين” (لو 12: 37). (الأب توما بيطار)

“قال شيخٌ: صوت واحد يجب أن يطنّ على الدوام في أذني الإنسان: اليوم قد تم استدعائي”

“ها هو ذا الختن يأتي في نصف الليل، فطوبى للعبد الذي يجده مستيقظاً، أما الذي يجده غافلاً فهو غير مستحق” (صلاة الختن، الأسبوع العظيم)

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

“لقد إستغلت المسيحية عبر التاريخ (من قِبَّل بعض الأشخاص) كمبرر لأكثر الأهوال الحمقاء القاسية الوحشية المعروفة للإنسان. والأمثلة التاريخية لا تصعب على التذكر: الحملات الصليبية، محاكم التفتيش، إحراق السحرة، الهولوكوست…. لم أر في المسيحية الكثير حتى أعتبر أنها تستحق أن أدين بها.”

كين شى – ملحد [1]

“لقد كانت المسيحية عطية للبشرية…. وكان لها تأثيرّ مفيد على الجنس البشرى… فمعظم الذين يعيشون اليوم في بيئة مسيحية ظاهرية بأخلاقيات مسيحية لا يُدركون كم ندين ليسوع الناصري… فكم من الخير والرحمة الموجودة في هذا العالم قد تدَّفقت بمقدار عظيم منه هو.”

جيمس كينيدى -مسيحي[2]

كان وين أولسون على الدوام هو الأكثر مرحاً في مجموعته. كقاض مهيب محترم له عينان زرقاوان شاحبتان، وهالة من الشعر الأبيض، كان أولسون يُمتع كل واحد بقصص مضحكة للغاية من خبراته الغريبة أحياناً من محكمة جنايات كوك كاونتي. كان يتمتع بذكاء حاد وبقدرة مذهلة على المرح، وبأكبر قدر من المودة المُشجعة التي يمكن أن يتصف بها مسئول في شيكاغو.

كان أولسون غير مشهور، لكنه كان قاضياً حى الضمير فيما يبدو. لقد أحب بشكل خاص أن يرى إسمه في الصحافة، لذلك كان عادةَّ ما يُقدِّم لى القصص عندما كنتُ مراسل الشيكاغو تريبيون في مبنى المحاكم الجنائية على الجانب الغربي من شيكاغو.

فى نهاية اليوم، أحياناً ما كنا نسترخي في مكتبه ونتبادل النكات. وعادةَّ ما كنا نُطلق بعض الضحكات بعد تناول المشروبات في مقهى Jeans، وهو مقهى مشهور، حيث كان يستضيف كل من لديه قصص عن كيف تمكن من دفع نفقات كلية الحقوق من خلال العمل طبالاً في فرقة بولكا Polka. ولأنه كان شخصاً إنبساطياً بشكل كبير، فلم يحتمل أن يكون وحيداً.

ذات مرة إتصل بطاقم الصحافة، ودعاني لحفل زفاف. ذهبتُ إلى مكتبه، ووجدتُ أولسون المرح يُشرف على زواج مفاجئ لقاطع طريق مقيد اليدين – كان قد حُكم عليه تواً بثلاث سنوات في السجن – وصديقته الحامل. وعلى الفور إختارني أولسون كشاهد العريس.

وقال مبتسماً بعدما قاد المساعدون العريس خارجاً بعد إحتفال لمدة دقيقتين: “عذراً، لا يوجد شهر عسل”.

كقاضي مخدرات يسمع قضايا إجرامية روتينية، لم يكن أولسون في وضع يمهد أية طرق قضائية جديدة. فعلى الأقل، لم يكن الأمر عمداً. ومع ذلك، ففى إجازة عيد الشكر لعام 1980، أصبح أولسون دون علمه متورطاً في حادث غير مسبوق في القضاء الأمريكي.

بعدما غادر أولسون مقر المحكمة، متوقعاً إجازة راحة لمدة أربعة أيام، إقتحم فريق من عملاء وكالة الإستخبارات الأمريكية FBI في سرية مكتبه المُظلم، ووضعوا جهاز تنصت مُصرّح به قانونياً. وقد أشار ذلك للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة أن الإستخبارات الفيدرالية قد تتصنت على قاض مقيم، وهو شرفِّ لو كان أولسون قد عرفه لكان قد تخلى عنه لأي إنسان آخر.

تيرانس هيك – المُدَّعى المعين للعمل في محكمة أولسون – كان في الواقع عميل سرى، وجزء من تحرى حكومى سرى يُدعى “عملية جرى لورد” Operation Greylord”. بعدما عاد أولسون من الأجازة، عندما كان أي إنسان تحت المراقبة يدخل مكتبه، كان هيك يستخدم جهاز إرسال مختفي لإرسال رسالة مُشفرّة لأحد عملاء الـ FBI المتمركز في سيارة تركن بالخارج. وكان العميل بعد ذلك يرسل لمُتحر آخر كَى يقوم بتفعيل جهاز التنصت حتى يتمكن العملاء من الإصغاء لما كان يدور خلف الأبواب المغلقة. [3]

على العموم، تم تسجيل أكثر من 250 ساعة من المحادثات – وقد أكدت الشكوك الحكومية أن القاضي كان يحيا حياة مزدوجة. فلقد إتضح أن أولسون المحبوب، المنبسط، وصاحب الشعبية الجارفة في المحكمة، مبتزاً فاسداً بشكلٍ رهيب، فقد كان يبيع العدالة لمن يدفع أكثر.

مُسجلّ على الشرائط إلى الأبد، كان أولسون يقبل الرشاوى من المساعدين ومُحّرفى العدالة في كل مرة. وفى أحد المواقف سُمع وهو يقول: “أحبُ الناس الذين يأخذون الرشاوي لأنك تعرف تماماً أين تقف.” [4] في الواقع، في غضون أيام بعد وضع جهاز التنصت، إستمع العملاء في إندهاش أولسون وقد سوَّى بوقاحةٍ قضية مخدرات مع محامٍ غير شريف.

أولسون: أنا جامع نقود.

المحامي: هل 200 دولاراً كافية أيها القاضي؟ لقد خصصتُ 765 دولاراً. لو لم تكن كافية فأخبرني. مهما كانت الصفقة….

أولسون: حسناً، لقد قمتُ بصفقةٍ مع شخص، لكنى سأعطيها لك، فأنت يمكنك القيام بعمل أفضل.

المحامي: لقد أعطيتك اثنتين ] 200 دولاراً [. لو لم تكن كافية فأخبرني. مهما كانت الصفقة….

أولسون: أحبُ من يدفع لى نصف… ما يحصل عليه… ففى بعض الأيام لا أحصل على شئ. ومن المُخجل أن يأتى شخص إلى هنا ولا يكون معه شيئاً. [5]

تركتُ شيكاغو تريبيون لتحرير صحيفة أخرى عندما إنتشرت الأخبار المذهلة، أولسون يُتهم بـ 55 فقرة إتهامية من الرشوة والإبتزاز. هززتُ رأسى. لقد خدعني، وخدع رفاقه، وخدع العامة لسنواتٍ طويلة جداً. شعرتُ بالخيانة والغضب إثر إستخفافه المتكبر بنفس القوانين التى أقسم على التمسك بها. لقد إنقلب عليه الحظ تماماً، فالقاضي الذي كان يتحكم ذات مرة في مصير الآخرين كأنه ملك وجد نفسه الآن محكوماً عليه بـأثنتى عشرة سنة في سجن فيدرالي.

ولم يذهب إلى السجن وحده. فعشرات القضاة والمحامين المنحرفين وجدوا أنفسهم أيضاً مجروفين في شبكة عملية جرى لورد – أكثر تحقيق سريٍ ناجح في تاريخ نظام محاكم كوك كاونتى – وهو تحري أثار أسئلة، بالتشابه، لها علاقة أيضاً بالمسيحية.

فاسد حتى النخاع؟

كان أحد الموضوعات التى طرأت على السطح خلال عملية جرى لورد هو: عندما يُكتب تاريخ شيكاغو، فهل سيُنظر إلى جرائم أولسون ومسئولي المحكمة الفاسدين الآخرين على أنها تشابهات في نظام شريف آخر للعدالة؟ وبأسلوب آخر، هل جهاز العدالة الإجرامي بلا شوائب أساساً ونزيه فيما عدا تلك اللطخات النادرة التى حدثت عندما حاول قاضي محتال أن يرتشي لنفسه؟

أم أن أولسون ورفاقه عُرضة للفساد المنظم المنتشر حتى إنهم أفسدوا DNA العدالة في كوك كاونتى؟ هل نظام المحكمة مُعرَّض حتى النخاع للإبتزاز والمحاباة، حتى إن قضية أولسون كانت حقاً نافذة لـ “العمل المعتاد” داخل القضاء المحلي؟

نفس هذه الأسئلة يمكن طرحها بخصوص المسيحية بشكل أساسي. فالمسيحيون يميلون لرؤية حالات سوء إستغلال الكنيسة والعنف خلال القرون كتشابهات في أية مؤسسة إيجابية أخرى.

ومع ذلك، فالنقاد أكثر استعداداً لإعتبار الصور الزائفة كالحروب الصليبية، ومحاكم التفتيش، ومحاكمات ساحرات سالم كتفسير لمشكلة أعمق: أن المسيحية نفسها مُلَّطخة حتى النخاع برغبةٍ متعطشة للسلطة لفرض إرادتها على الآخرين – حتى ولو كان من خلال العنف والأستغلال إن كان هذا ضرورياً. قال أحد أشهر ملحدى التاريخ الحديث – برتراند رسل – إن هذا يصعب تجنبه:

بمجرد أن يُفترض أن الحق المطلق سوف تتضمنه أقوال رجل معين، فسوف تكون هناك مجموعة من الخبراء لتفسير أقواله، وهؤلاء الخبراء يستوعبون القوة بشكل معصوم، وذلك لأنهم يمسكون مفتاح الحق. ومثل أية طائفة متميزة أخرى، يستخدمون قوتهم لمصلحتهم الشخصية… إنهم يصيرون خصوماً بالضرورة لكل تقدمٍ أخلاقي ومعرفي. [6]

وبالطبع فإن الأهوال التى اُرتكبت تحت أسم يسوع كانت بمثابة موانع صواعق بالنسبة لخصوم الإيمان. قال الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل ستيفن وينبرج: “بالدين أو بدونه، يمكن أن يكون لديك أخيار يفعلون خيرات وأشرار يفعلون شروراً. ولكن بالنسبة للأخيار الذين يفعلون شروراً، فهذا يتطلب الدين”. [7]

لقد كانت سوء الإستغلالات التي قامت بها الكنيسة أحد العوامل التي دفعت كين شى لإتخاذ خطوة جمع لفظتين متناقضتين لتأسيس مؤسسة إسمها “ملحدون ليسوع Atheists for Jesus” التي تعترف بما تدعوه أن يسوع هو”رسالة المحبة والوداعة”دون قبوله كالله، ودون قبول الكنيسة كبيته.

كان نفور تشارلز تمبلتون من كثير مما حدث من قِبَل الكنائس واضحاً في حوارنا كما هو في كتاباته. فبينما قرر أن الدين المُنظم قد قدم “خيراً لا يُقاس”، إلا إنه إتهم أنه “نادراً ما كان على أفضل أحواله. فكثيراً جداً ما كان تأثيراً سلبياً… وعبر القرون وفى كل قارة، كان المسيحيون – تابعي رئيس السلام – هم سبب الصراع والمتورطين فيه”. [8] فعلى سبيل المثال شبه الكنيسة خلال العصور الوسطى كونها “منظمة إرهابية”. [9]

هل هذا التخمين مؤكد بالبيانات التاريخية؟ هل من الممكن أن يدافع المسيحيون عن أنفسهم ضد المجازر الدموية الوحشية للحروب الصليبية والتعذيب الوحشي لمحاكم التفتيش؟ هل أمثلة العنف والإستغلال هذه تقدم طرازاً متواصلاً للسلوك يجب أن تحفز بشكل مبرر الباحثين الروحيين لتجنب الدين المنظم؟

هذه أسئلة مُربكة، ولكن لحسن الحظ لم آضطر للسفر بعيداً جداً للحصول على الإجابات. فقد كان واحدٌاً من أشهر مؤرخى المسيحية يسكن على بعد أقل من نصف الساعة من بيتى حينما كنتُ أسكن في ضاحية شيكاغو.

اللقاء السابع: جون د. وودبردج – دكتوراه في الفلسفة:

بعد الحصول على شهادة الماجستير في التاريخ من جامعة ميتشجن الحكومية، حصل وودبريدج الذي يجيد التكلم بلغتين على شهادة الدكتوراه من جامعة تولوز في فرنسا. وحصل على عضوية ومنحة فولبرايت من المنحة الحكومية للدراسات الإنسانية National Endowment for the Humanities American Council of Learned Societies. وقام بالتدريس في عدد من الجامعات المدنية، بما فيهم قسم الدين، Hautes Etudes، السوربون، باريس. والآن يعمل أستاذاً باحثاً في تاريخ الكنيسة في مدرسة اللاهوت الإنجيلية في دير فيلد، إلينوى.

تتضمن كتب وودبريدج العديدة المتعلقة بالتاريخ أعمال تقنية مثل “التمرد في فرنسا فيما قبل الثورة: مؤامرة أمير كونتى ضد لويس الخامس عشر 1755 – 1757″، الذي نشرته مطبعة جامعة جون هوبكنز، والمزيد من الجهود مثل القادة العظماء للكنيسة المسيحية Great Leaders of the Christian Church؛ أعظم من منتصرين More Than Conquerors؛ سفراء للمسيح Ambassadors for Christ. وكتب أيضاً كتباً عن اللاهوت والدراسات الكتابية مثل التفاسير، والسلطان، والقانون Hermeneutics, Authority and Canon؛ والكتاب والحق Scripture and Truth، وكلاهما إشترك في تأليفهما مع كارسون؛ والسلطان الكتابي Biblical Authority. بالإضافة إلى ذلك، عمل كمحرر أعلى لـ المسيحية اليوم لمدة عامين.

وودبريدج عضو كثير من الجمعيات التاريخية الرئيسية في الولايات المتحدة وفرنسا، بما فيها الجمعية التاريخية الكاثوليكية الأمريكية American Catholic Historical Association؛ الجمعية الأمريكية لتاريخ الكنيسة American Society of Church History؛ والجمعية الأمريكية لدراسات القرن الثامن عشر American Society of Eighteenth Studies؛ والجمعية الفرنسية Societe francaise du XVII siecle؛ وجمعية التاريخ الحديث والمعاصر Societe d’histoire moderne et contemporaine.

عندما قابلتُ وودبريدج في بيته الهولندي المزخرف بصورة تقليدية، أختبرتُ قليلاً من الشعور بتكرار الموقف. وبعد ذلك أدركتُ أنه يحمل تشابهاً غريباً للممثل بيتر بويل. كان الرجل الأصلع – أب ثلاثة أطفال، والبالغ من عمره 55 عاماً – يرتدى سويتر أبيض فوق قميص أزرق ذات أزرار. جلسنا أمام أحدنا الآخر على مائدة غرفة طعامه، وكانت عليها أوراق لكتاب كان يستكمله بينما كان في إجازة.

لم تكن هناك طريقة لبدء مناقشتنا. ليس في هذا الموضوع. فرغم أن لقاءنا كان قبل شهور قليلة من قيام البابا يوحنا بولس الثانى بتقديم إعترافه التاريخي العام، وطلب غفران الله عن الخطايا التي ارتكبتها أو تغاضت عنها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية خلال الألفيتين الأخيرتين[10]، سحبتُ قصاصة من جريدة عن إعتراف أقدم تاريخاً من البابا، وأشرتُ إليه بينما طرحتُ التحدي الأول.

الإعتراف بخطايا الكنيسة:

بدأتُ قائلاً: “فى العام 1994 دعا البابا يوحنا بولس الثاني الكنيسة للإعتراف بـ “الجانب المظلم من تاريخها”، وقال: “كيف يمكن أن يبقى المرء صامتاً عن أشكال كثيرة للعنف المُرتكبة تحت إسم الإيمان – حروب الدين، محاكم التفتيش، والأشكال الأخرى من إنتهاكات حقوق البشر؟” [11].

أليس صحيحاً أن الكنيسة عبر القرون قد أغفلت بشكلٍ مقصود هذه المساوئ؟

بينما كان وودبريدج يستمع، جلس ومرفقيه على المائدة، ويديه مربعتين وقام بتحليل سؤالي قبل لحظاتٍ من الرد.

أجابني قائلاً: “أعتقد أن تصريح البابا كان شجاعاً؛ لأنه يعترف أن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية قد تغافلت عن بعض الأشياء التي أُرتكبت تحت إسم المسيح، وهي عُرضة بوضوح لنقد المسيحية بوجهٍ عام.

“ورغم ذلك، اُضيفُ سريعاً أننا يجب أن نحرص على إستخدام تعبير “الكنيسة”، لأن هذا يعطى إنطباع أنه كانت هناك مؤسسة واحدة تمثل المسيحية. سوف أضعُ حداً فاصلاً من التمييز بين الناس الذين هم جزء من “الكنيسة” – الناس الذين هم الخراف الذين يسمعون صوت الراعي وهم مسيحيون حقيقيون – و”الكنائس المؤسسية”، قالها وهو يؤكد على جمع الكلمة قبل الأخيرة.

أضاف: “والآن بوضوح هناك الكثير والكثير من المسيحيين الحقيقيين الذين هم في الكنائس المرئية، ولكن بسبب أن شخصاً ما هو جزء من كنيسة ليس معناه بالضروري أنه تابعاً ليسوع. بعض الناس مسيحيين ثقافيين وليسوا مسيحيين أصليين.”

فنظرتُ متشككاً وتساءلتُ: “أليس هذا جزء من تعديلية القرن الحادي والعشرين؟ فهذا يجعل من الأسهل للنظر إلى الماضي، والقول بأن كل الأهوال التى أُرتكبت تحت إسم المسيحية قد إرتكبت حقاً من قِبَل أولئك الذين قالوا إنهم كانوا مسحيون، لكنهم لم يكونوا هكذا في الحقيقة. هذا يبدو مجال مناسب للمراوغة.”

فأصر قائلاً: “لا” فهذا التمييز ليس جديداً. ففي الحقيقة يعود الأمر إلى يسوع نفسه. مدَّ يداه لكتابه المقدس الذي كان مختبئاً بين بعض الأوراق المتناثرة، وقرأ كلمات يسوع من إنجيل متى:

“لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لَي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتَ. بَل الَّذي يَفْعَل إرَادَةَ أبَي الَّذي فَي السَّمَوَاتَ. كَثَيرونَ سَيَقُولُونَ ليِ فَي ذَلكَ الْيَوْمَ: يَا رَبُّ يَا رَبُّ ألَيْسَ باسْمَك تَنَبَّأنَا وَبَاسْمَكَ أخْرَجْنَا شَيَاطينَ وَبَاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحينَئَذٍ أُصرَّحُ لَهُمْ: أنِّي لَمْ أعْرَفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعَلَي الإثْم![12]

وبعدها قال وودبريدج: “وهكذا تكلم يسوع عن هذا التمييز منذ ألفي عام. وبالطبع خلال القرون أرتكب الكثير تحت إسم المسيحية لا يعكس تعاليمه.

“على سبيل المثال، حاول أدولف هتلر أن يصبغ حركته كحركة مسيحية، لكنه لم يقدم بوضوح ما أشار إليه يسوع. وعندما طُلب من اللاهوتي كارل بارث أن يبدأ محاضرة في ألمانيا بالقول “مرحي هتلر Heil Hitler”، أجاب: من الصعب أن أقول: “مرحى هتلر” قبل تفسير الموعظة على الجبل! “فهذان الشيئان لا يتوافقان معاً. ولذلك إن قبلنا هذا التمييز، يمكننا أن نحلل بوضوح أكثر بعض الأشياء المنسوبة للإيمان المسيحي.”

بُقيتُ ملتبساً فتساءلتُ: “هل تقصد إذاً أنه كان شئ شرير قد اُرتكب في التاريخ، فلا يمكن أن يكون قد إرتكبه مسيحيون أصليون؟”

فأجابني: “لا، لا، لا أقولُ ذلك. فالكتاب المقدس يوضح أنه بسبب طبيعتنا الخاطئة، فإننا نستمر في عمل الأشياء كمسيحيين لا يجب أن نعملها. نحن غير كاملين في هذا العالم. ولسوء الحظ، فإن بعض الأفعال الشريرة التي اُرتكبت عبر التاريخ ربما تكون في الحقيقية قد إرتكبها مسيحيون. وعندما حدث ذلك، يكونوا قد تصرفوا على خلاف تعاليم يسوع.

“وفي نفس الوقت، يجب أن نميز أنه كان هناك غالباً صوت أقلية إعترف بمساوئ ما مارسته بعض الكنائس المؤسسية. على سبيل المثال، كنتُ أقرأ للتو هذا الصباح أنه خلال إحتلال إسبانيا لأمريكا اللاتينية، كان هناك كاثوليك رومان يُرَّوعون لكون السكان الأصليين كانوا يُستغلون لأغراضٍ إقتصادية تحت إسم المسيح. وقالوا: “لا، لا يمكنكم عمل ذلك!” كان هؤلاء المسيحيون مستعدون لإعلان مساوئ ممثلي الدولة أو الكنيسة.”

“نعم، من المناسب تماماً الإعتراف بأن بعض الأشياء التي إرتكبها مسيحيون هي في حقيقتها خطايا. فالكتاب المقدس يخبرنا أن نعترف عن خطايانا. والإعتراف يجب أن يكون واحداً من الصفات المميزة للمسيحيين – فهو إستعداد للتصريح بالخطأ، وطلب الغفران، والسعي لتغيير طرقنا في المستقبل. في الواقع، ليس البابا وحده الذي يقوم بذلك. ففي الإتفاقية المعمدانية الغربية كانت هناك مبادرة حديثة للإعتراف بأن المعمدانيين الغرب الأوائل قد أخطأوا بشكلٍ رديء بخصوص موضوع العبودية. ومنذ عدة سنوات إعتذرت مجموعة لوثرية كندية لليهود لمناهضة السامية في كتابات مارتن لوثر.”

“كمؤرخ، هل يمكنك توضيح لماذا يتخذ المتشككون المساوئ من تاريخ الكنيسة بإعتبارها حُججاً ضد المسيحية، أو كطريقة للهجوم على الإيمان؟”

فأجابنى: “يمكنني أن أفهم ذلك. لسوء الحظ، فإن بعض الأحداث المعينة في التاريخ قد نشأ عنها السخرية في بعض الناس تجاه المسيحية. وفي نفس الوقت، هناك عدد من الآراء المضللة حول ما فعله المسيحيون وما لم يفعلوه. فبعض النقاد هاجموا المسيحية الثقافية، وقد فشلوا في فهم أنها مسيحية حقيقية.

“لقد كانت هذه واحدة من مشكلاتنا لقرون. كان فولتير ناقداً رئيسياً للمسيحية، ومع ذلك عندما ذهب إلى إنجلترا، إلتقى ببعض المسيحيين من الكويكرز Quakers والمطهريين Presbyterian، وتأثر بإيمانهم للغاية. لذلك من الممكن أن يكون هناك شكل مؤسسي للمسيحية أحياناً ما يصد الناس، بينما من الممكن أن تكون التعبيرات الحقيقية عن الإيمان جذابة للغاية عندما يقابلها الغير مسيحيين.”

بهذه الخلفية قررتُ الرجوع إلى فجر المسيحية ثم الإنتقال للأمام عبر التاريخ بإثارة بعض أكثر الأحداث إزعاجاً التى نُسبت إلى الإيمان.

لماذا إنتشرت المسيحية؟

لقد تعجب المؤرخون ووضعوا النظريات حول السرعة المدهشة التى إنتشرت بها المسيحية في الإمبراطورية الرومانية رغم الإضطهاد الوحشي. طلبتُ من وودبريدج أن يخمن التعليقات التي قالها الملحد الذي صار مسيحياً باتريك جلين:

جزء من سبب الإنتشار السريع للمسيحية، كما أشار المؤرخون، كان ببساطة أن المسيحيين الأوائل أناساً ودعاء. فوداعة المسيحيين وخدمتهم للفقراء والمسحوقين جذبت تابعين جدد. قال مؤرخ: “المسيحيون أدهشوا القدماء بإحسانهم.”

أومأ وودبريدج مستجيباً، وقال: “نعم، أعتقد أن إشارة جلين للإنتشار السريع للمسيحية دقيق. فترتليان Tertullian يكتب في نهاية القرن الثاني: “نحن مجرد أبناء الأمس، ومع ذلك نملأ مدنكم، وجزيرتكم، وقصركم، ومجلسكم، وساحتكم، وقد تركنا لكم فقط معابدكم.” ولذلك ففي غضون 150 عاماً إنتشرت المسيحية بسرعة كبيرة جداً جداً.

“وتفسير واحد لإنتشارها السريع – كما أشار جلين – هو أن مسيحيين كثيرين لم يكونوا يعتنون فقط بخاصتهم، بل كانوا يعتنون بالجيران، والفقراء، والأرامل، والمجروحين، وكانوا محبين جداً بصورة أساسية. لقد أظهروا العطف تجاه الأطفال، الذين كانوا يُعاملون غالباً بقسوة من قِبَل الرومان واليونانيين عند ميلادهم، ولا سيما الأطفال من البنات. كان أسلوب حياة المسيحيين يناسب تعاليمهم، ولذلك كان الكثير من المسيحيين الأوائل لا يخافوا أن يقولوا: “تمثلوا بنا كما نتمثل نحن بالمسيح.”

وبقول هذا، أضاف وودبريدج شيئاً بقليلٍ من الخجل: “لسوء الحظ، في الكرازة المعاصرة يقول البعض: “لا تنظروا إلينا، أُنظروا إلى المسيح”، لأننا نخشى ما سيجده الناس إن تعرَّضت حياتنا للفحص. لم يكن هذا مناسب للكثير من هؤلاء المسيحيين الأوائل – فقد كان هناك تناغم بين معتقداتهم وسلوكهم.”

سحب وودبريدج ورقة وقال: “يمكننا أيضاً الحصول على بعض الأفكار حول سبب نمو المسيحية بسرعةٍ مذهلة من بعض غير المسيحيين الأوائل.” ثم قرأ بصوتٍ عالٍ ملاحظات لوسيان Lucian، وهو هجائي يوناني من القرن الثاني، وناقد للمسيحية:

هذه المخلوقات المُضللة تبدأ بالإقتناع العام أنها خالدة إلى الأبد؛ وهذا يفسر إحتقار الموت وتكريس النفس طوعاً، الأمر الشائع جداً عندهم، وأنه قد أوصى لهم – من قِبَل مُشرعهم الأصلى – أنهم جميعاً أخوة منذ لحظة تحولهم. وهم ينكرون آلهة اليونان ويعبدون الحكيم المصلوب، ويتبعون نواميسه. كل هذا يلزمونه بالإيمان، وتكون النتيجة أنهم يحتقرون كل المسرات العالمية على حدٍ سواء، معتبرين إياها مجرد ملكية عامة. [13]

“إنه يؤكد حقيقة أن المسيحيين عاملوا الواحد الآخر كأخوة، وشاركوا ممتلكاتهم بحرية مع بعضهم البعض. أضف إلى ذلك عاملاً مهماً آخر يشير إليه: فالمسيحيون آمنوا أن الموت هو أن تكون مع المسيح. ويقول يوستينوس الشهيد Justin Martyr في الدفاع الأول the First Apology: “يمكنكم أن تقتلونا، ولكن لا يمكنكم أن تجرحونا.” [14] معظمنا يعتقد أن القتل هو جُرح طويل المدى، ولكن من وجهة نظرهم، فإن القتل لا يهم كثيراً جداً. وهذا ما قاله بولس: “لَيَ الْحَيَاةَ هَيَ الْمَسيحُ وَالمَوْتُ هُوَ ربْحٌ.” [15]

“ولذلك عندما تأخذ في الإعتبار تكريس المسيحيين الأوائل الشجاع للإيمان، وإستعدادهم للشهادة من خلال إستشهادهم لحق المسيح، وأسلوب حياتهم الوديع المتعاطف، وإهتمامهم بالواحد الآخر وبالمعوزين والمجروحين والمحرومين في المجتمع، وتكريسهم للصلاة، وقوتهم بالروح القدس، يمكنك أن تبدأ في فهم لماذا إنتشر الإيمان بسرعة مدهشة.”

فتساءلتُ: “أساساً، هل كان تبّنى المسيحية كديانة الدولة الرومانية أمراً جيداً أم رديئاً؟”

“من ناحيهً، كان من الرائع جداً أن تتوقف الإضطهادات – ومن هنا كان ذلك أمر جيد.” قالها وودبريدج مبتسماً. “ولكن فيما أصبحت الكنيسة مرتبطة بالدولة عن قرب، فقد بدأت الكنيسة إستخدام الدولة كوكالة إضطهادية، وقد صار ذلك أمر رديء للغاية. وبالإضافة إلى ذلك، فقد تسربت روح العالم إلى الكنيسة.”

“كيف ذلك؟”

“لقد إنتشرت شائعة أن قسطنطين قد وعد أنه لو صرتَ مسيحياً، لحصلت على رداءٍ جميل وقطع من الذهب. حسناً، فهذه ليست أمور صعبة كي تصير مسيحياً. ومن هنا كان الباب مفتوحاً على مصراعيه لمن قد يكونون إعترفوا بالمسيحية، لكنهم لم يقبلوا يسوع حقاً.”

“وبأسلوبٍ آخر مسيحيون ثقافيون أكثر مما يكونوا تابعين حقيقيين ليسوع؟”

“تماماً.”

بترسيخ الأساس المتعلق بالمسيحية المبكرة، قلبتُ الصفحة في قائمة أسئلتى، وبدأتُ التركيز على الوصمات الرئيسية الخمسٍ في التاريخ المسيحي التي أزعجتني بالأكثر عندما كنتُ متشككاً – الحروب الصليبية، محاكم التفتيش، محاكمات ساحرات سالم، إستغلال الإرساليات، ومناهضة السامية.

الخطية الأولى: الحروب الصليبية:

قلتُ لوودبريدج: “لنتقدم إلى الأمام. لقد حاولتْ الحملات الصليبية المسيحية لمدة قرنين أن تطرد المسلمين من الأراضي المقدسة.” فتحتُ كتاباً تاريخياً وقلَّبت صفحاته حتى وجدتُ المكان الصحيح، وقلت: “لقد وصف تقريرٌ مرعب دخول الحملات الصليبية أورشليم في الحملة الصليبية الأولى هكذا…” وقرأتُ لوودبريدج الوصف التالي من شاهد عيان:

بعض رجالنا… قطعوا رؤوس أعدائهم، والبعض الآخر أطلقوا عليهم السهام حتى يسقطوا من الأبراج، والبعض عذبوهم لفترة أطول بطرحهم في اللهيب… كان من الضروري أن يسلك المرء طريقه فوق جثث الرجال والخيول. لكن هذه كانت أمور طفيفة مقارنةً بما حدث في هيكل سليمان (حيث)… كان الرجال يركبون خيولهم وسط دماء ترتفع إلى ركابهم وسيور اللجام. في الحقيقة كانت هذه دينونة عادلة ساعية من الله أن يمتلئ هذا المكان بدماء غير المؤمنين لأنه عانى مراراً من تجديفاتهم [16].

أغلقتُ الكتاب بقوةٍ وبنفورٍ، ونظرتُ بحدةٍ إلى وودبريدج، وسألته بصوتٍ مشحون بالهجاء: “هل تتفق أن الحملات الصليبية كانت عادلة وسامية؟”

فقال بصرامة: “هذا النوع من سفك الدماء كريه ومنفر. هل حدث؟ نعم حدث. هل التفكير فيه يسبب حسرة الفؤاد؟ نعم. لستُ أحاول تبريره أو تفسيره. ومع ذلك فإن سؤالك: “هل كانت الحملات الصليبية عادلة أم لا؟” يتطلَّب إجابة إما – أو، وأعتقد أنه سيكون من المفيد بصورة أفضل أن نقدم سياقاً أكثر تفصيلاً.”

جلستُ في مؤخرة مقعدي، وقلتُ: “هيا”.

بدأ وودبريدج: “أطلق البابا أوربان الثّاني Pope Urban II الحملة الصليبية الأولى في العام 1095 عندما ألقى عظة مشهورة جداً، فإستجابت الحشود بالهتاف: “الله يشاء هذا!” وإستمرت الحملات الصليبية حتى خسارة آخر حامية مسيحية في الأراضي المقدسة في العام 1291 عندما أخذ المسلمون مدينة إسمها عكا مرة أخرى. وعادت أورشليم ليد المسلمين قبل العام 1187.

“إستدعى البابا البارونات وآخرين للذهاب إلى الأرض المقدسة وإستعادتها من المسلمين الذين كانوا يحتلونها، والذين إعتبروا أعداء المسيح. ولذلك إن وضعنا أنفسنا مكان محاربي الحروب الصليبية الأوائل، يمكننا أن نفهم أنهم كانوا يعتقدون أنهم يقومون بشئ سام للمسيح. ولكن عندما تدرس تفاصيل ما حدث بالفعل، فسوَّف ترتبك كثيراً. في الحقيقة، في حملة صليبية واحدة، وهي الحملة الرابعة، لم يصل المشاركون حتى إلى الأرض المقدسة. لقد وصلوا إلى القسطنطينية، فإستولوا عليها، وأسسوا هناك مملكتهم الخاصة. وكانت النتيجة سفك الدماء بشكلٍ رهيب. فـ “المسيحيون” الغربيون قتلوا المسيحيين الشرقيين.

“بالإضافة إلى العنف، كانت هناك مشكلةّ رئيسية أخرى هي الدافع وراء بعض من ذهبوا. كانت هناك مشكلةٌ رئيسية أخرى هي الدافع وراء بعض من ذهبوا. ففي العام 1215 علَّم البابا إننوسينس الثّالث Pope Innocence III الناس بالفعل أنه لو إنطلقوا في الحروب الصليبية، فهذا سيضمن لهم خلاصهم. لقد كانت تلك المشورة تشويه وآضح للمسيحية الحقيقية. فهي تسخر من تعاليم الكتاب المقدس، ولا يمكنها بحالٍ من الأحوال أن تتوافق مع المعتقدات المسيحية التاريخية.

“لقد صار من الأصعب تخمين دوافع الحروب الصليبية بعد أن إسترد المسلمون أورشليم. وبعض الحملات الصليبية اللاحقة ورطت المسيحيين للذهاب إلى الأراضي المقدسة في محاولةٍ لحماية المسيحيين الآخرين الذين كانوا في ضيقات شديدة. ورغم ذلك من العدل أن نقول إنه رغم نوايا أي إنسان، فإن الجشع والقتل العام الذي إرتبط بالحملات الصليبية قد تركَّ وصمة قبيحة على سمعة الإيمان المسيحي.

“وهذا ليس مجرد منظور متحرر للقرن الحادي والعشرين. ففي القسم الأول من القرن الثالث عشر كان بعض المسيحيين يقولون نفس الشئ. فقد كان أحد أسباب إنحلال نموذج الحملات الصليبية هو التقاليد الزائفة العديدة المرتبطة بالحملات الصليبية. لقد حاول البابوات في القرون اللاحقة إطلاق حملات صليبية أخرى، لكنهم لم ينالوا الدعم الشعبي والسياسي. فالتعارض الأصلي بين المسيحية الحقيقية وتقرير ماكانت عليه الحملات الصليبية أسهم لضياع الاهتمام أو الحماسة لخوض حروب صليبية جديدة.

“وهذا يعود بنا إلى التفرقة بين الأشياء التى تُؤدى تحت إسم المسيح وتلك الأشياء التى تمثل حقاً تعاليم يسوع. فعندما تحاول التوفيق بين تعاليم يسوع مع مجازر الحروب الصليبية، فلن يكون هناك طريق للتوفيق بينهما.”

فتساءلتُ: “ماذا تقول لغير المسيحي الذين يقول إن الحروب الصليبية توضح فقط أن المسيحيين يريدون أن يظلموا الآخرين، وأنهم عنفاء كالآخرين”؟

تأمل وودبريدج في السؤال للحظات قبل الجواب، وبدأ قائلاً: “سأقولُ إن هذه العبارة فيها بعض الحق فيما يخص الحروب الصليبية. فقد كان هناك أناسٌ إرتكبوا ما لم يجب أن يرتكبوه تحت إسم المسيح. ومن هنا فسوف أوَّضح أنه ليس كل شئ يُرتكب تحت اسم المسيح يجب أن يُنسب في الحقيقة إلى المسيحية.

“ولكني لن أحاول أن أراوغ فكرة أن هناك أهوالاً قد حدثت أثناء الحروب الصليبية. فهي بحاجة للإعتراف بأنها تتعارض تماماً مع تعاليم ذاك الذي كان محاربو الحروب الصليبية يتبعونه إفتراضاً. من المهم أن تعاليم يسوع ليست هي المغلوطة ليست هي المغلوطة ههنا، بل أفعال أولئك الذين قد ضلّوا لأي سببٍ عما علّمه هو بوضوح: علينا أن نحب أعداءنا. فنظرية “الحرب العادلة” لا بدَّ أن تتفاعل مع هذا المفهوم.

“ليس هناك من ندد بالرياء أو بالوحشية أكثر من يسوع. ومن هنا، إن كان النقاد يؤمنون أن ملامح الحروب الصليبية يجب إستنكارها بإعتبارها ريائية وعنيفة – فحسناً، يجب أن يتحدوا مع المسيح. يجب أن يوافقوه.”

الخطية الثانية: محاكم التفتيش

بدأت محاكم التفتيش في العام 1163م عندما أمر البابا ألكساندر الثّالث Pope Alexander III الأساقفة إكتشاف برهان الهرطقة والتصرف ضد الهراطقة. وما تبع ذلك كان حملة من الرعب، بإجراءات سرية، وسلطة أعلى مخصصة للمفتش وإفتقاد كامل للقضاء المستحق، حيث كان المتهمون لا يعرفون أسماء متهميهم، ولم تكن هناك هيئة دفاع، وكان التعذيب يستخدم لإستخراج الإعترافات. وأولئك الذين رفضوا أن يتوبوا أحيلوا إلى الحكومة لمواجهة الحرق على الأوتاد.

تساءلتُ: “ما الذي دفع إلى محاكم التفتيش؟ والأهم، كيف أمكن لمسيحيين حقيقيين أن يشتركوا في مثل هذه الأهوال؟”

فشرح وودبريدج: “يمكن أن تعود جذور محاكم التفتيش إلى إهتمام البابوية العميق بمشكلة الهرطقة، خاصةً في فرنسا الجنوبية بين الـ Albigeneses. في الواقع، لا جدال أن الـ Albigeneses كانوا مؤيدو التعاليم والممارسات الهرطقية. ولم تفلح معهم الوسائل التقليدية للإقناع كإيفاد الإرساليات لهم. وكانت محاكم التفتيش مدخل أو إستراتيجية بديلة لمحاولة منع هذه الهرطقة من الإنتشار. وقد كانت هناك عوامل سياسية فعالة أيضاً، فسكان فرنسا الشمالية كانوا يبحثون عن أي مبرر للتدخل في المقاطعات الجنوبية.

“وقد كانت هذه هي المرحلة الأولى لمحاكم التفتيش؟”

“نعم. كانت هناك أساساً ثلاث موجات من محاكم التفتيش. الأولى تلك التي ذكرتها. والثانية بدأت في العام 1472 م عندما ساعدت إيزابيللا Isabella وفرديناند Ferdinand في تأسيس محكمة التفتيش الإسبانية، التي كان سلطان البابا أيضاً من ورائها[17]. والموجة الثالثة بدأت في العام 1542 م عندما قرر البابا بولس الثالث Pope Paul III تصيد البروتوستانت، ولا سيما الكالفنيين.”

“لديكم هكذا كاثوليك يدعون أنفسهم مسيحيين يضطهدون بروتوستانت يدعون أنفسهم مسيحيين.”

“نعم، وهذا يُوَّضح من جديد أنه لا يمكن حقاً أن تتكلم عن “الكنيسة الواحدة”. فالأمور تتعقد بشكل أكبر بسبب أن المعاصرين قد عرَّفوا الهرطقة عادةً بفتنة سياسية. فلو أن شخصاً قد أُعتبر هرطوقياً، فقد كان يُعتبر أيضاً مثيراً للفتنة سياسياً. ومثال ذلك، في محاكمة مايكل سيرفيتوس Michael Servetus، قدمته الحكومة أخيراً إلى الموت. كان أحد الإتهامات هو أنه هرطوقياً، ولكن ماذا كان خوف الدولة أيضاً مثيراً للفتنة سياسياً. لقد كان الدين والسياسة مرتبطان معاً.”

“هل من الممكن أن بعض المسيحيين الحقيقيين كانوا حقاً ضحايا محاكم التفتيش؟ إننا نعتقد – على نحو نموذجي – أن المسيحيين يرتكبون الأهوال ويتساءلون كيف يمَّكن لمسيحيين حقيقيين أن يعذبوا أي إنسان، ولكن هل من الممكن حقاً أن يكون المسيحيون الحقيقيون قد كانَّوا هم المقتولين؟

“نعم، هذا محتملٌ جداً. فنحن لا نعرف هويات كل من ماتوا، ولكن على الأرجح كان كثيرون منهم ممن يحملون الإيمان الحقيقي. بالطبع هناك برهان أن الكنيسة الكاثوليكية قد فقدت صوابها في إطلاق محاكم التفتيش هذه. وأحياناً ما إستخدم البروتستانت إستراتيجيات غير مناسبة لإخماد الهرطقة أيضاً.”

“هل كانت محاكم التفتيش تشابه أم جزء من نمط أوسع من المساوئ والظلم من قِبَل الكنائس عبر التاريخ؟”

“أعتقد أن محاكم التفتيش تراجيدياً لا يمكن للمسيحيين الفرار منها. لكنى لا أعتقد أنها تمثل تاريخ الكنائس المسيحية. فمن الإفراط الشديد أن نقول إن هذا النوع من النشاط الكاره هو جزء من نموذج.

لمعظم سنوات وجودها، كانت هناك كنائس مسيحية كثيرة في موقف أقلية، ومن ثم ليست حتى في موقف يدعوها لإضطهاد أي إنسان في الواقع، والكلام عن الإضطهاد، وقع ملايين المسيحيين بأنفسهم ضحايا الإضطهاد الوحشي عبر العصور، مستمرين في بعض الأماكن إلى هذا اليوم. في الحقيقة، كان هناك بوضوح شهداء مسيحيون في القرن العشرين أكثر من أي قرنٍ آخر. وإلى يومنا هذا عينه، فإن المسيحيين يُقتلون بسبب إيمانهم حول العالم. لهذا أقولُ لا، فمحاكم التفتيش حتى الآن مجرد إستثناء في تاريخ الكنيسة، وليست هي القاعدة.”

ذكّرتنى ملاحظات وودبريدج بعمود مجلة عن المسيحيين وهم في فترة الإضطهاد. فبينما يفكر معظم الناس في نموذج الإنسان المسيحي العادي اليوم، وهو أحد مواطني الولايات المتحدة، ويعيش بعيداً عن أي خطر من جهة إيمانه، أوضح الصحفي ديفيد نيف David Neff الأمر.

قال: “المسيحي النموذجي يعيش في دولة نامية، ويتحدث لغة غير أوروبية، ويوجد تحت تهديد متواصل من الاضطهاد – القتل، والحبس، والتعذيب، والإغتصاب.” [18]

الخطية الثالثة: محاكمات ساحرات سالم:

محاكمات ساحرات سالم في نهاية القرن السابع عشر عادةً ما تُذكر كنوع من الهستيريا المسيحية. ففي الإجمال شُنق 19 فرداً، ودُفع واحدً للموت لرفضه الشهادة. [19]

تساءلتُ: “أليس هذا نوعاً آخر من كيف أن المعتقدات المسيحية يمكنها أن تُعرقل حقوق اخرين؟”

“نعم، هذا مثال، إن كانت المسيحية الحقيقية في الواقع هي المتورطة هنا. فعندما تُفرَّغ الأحداث المؤدية للمحاكمات، فسوف ترى أن هناك عوامل كثيرة قد عجلَّت بحدوثها. فهناك موضوعات متصلة بأشخاص يتآمرون للحصول على أراضي من أشخاص آخرين. وهناك موضوعات مرتبطة بالهستيريا، وهناك موضوعات مرتبطة بالإيمان بالظهورات النجمية؛ حيث يشهد الناس أن أحداً قد فعل شيئاً بينما كانوا هم في مكانٍ آخر. عندما تدرس السياق القانوني للمحاكمات، فهناك متغيرات ستأخذك إلى موضوعاتٍ لا علاقة لها بالمسيحية.”

“هل تقصد أن الكنائس كانت بريئة؟”

“ربما لن يكون هذا تبريئاً كاملاً لتأثير المسيحية على المحاكمات، لكن المؤرخين الذين يعملون مع أمور من هذا القبيل يعرفون أنهيجب إلا تكون أحادي السببية في تَّصنيف مثل تلك الأحداث. فالحياة أكثر تعقيداً من مجرد أن تقول “المسيحية” كانت مسئولة. فرغم أنه كانت هناك محاكمات سحرة في أوروبا، إلا أن ذلك كان انحرافاً، وليس جزءاً من نموذج أكبر في المستعمرات. عليك أن تتحرى التوازن النفسي لبعض الناس المتورطين في محاكمات السحرة، وتفكر في تقريرهم الزائف حول الأمور.

“مرةً أخرى علينا أن نؤكد أن محاكمات ساحرات سالم شكّلت حدثاً مروعاً. لستُ أحاول أن أقلِّل من خطورتها. لكن المؤرخون يدركون أن الحبكة أكثر تعقيداً من مجرد إلقاء اللوم على الكنائس؟

فأشرتُ قائلاً: “كان أحد الإفتراضات المُسبقة في ذلك الوقت هو أن الساحرات موجودات. فماذا عنك؟ هل تؤمن بوجود ساحرات؟”

فاجابنى: “نعم، أؤمن بوجودهن. في الواقع، منذ عدة سنوات كنتث أشاهد التليفزيون الفرنسي عندما كان روبرت ماندرو – وهو مؤرخ لامع جداً – يقترح أنه حالماً يستنير الناس، لا يعودوا يؤمنون بالساحرات فيما بعد. ثم قالت إمراة: “سيد ماندرو، أنا متأثرة جداً بكل ما قلته، لكنى أريد أن أقول لك إنى ساحرة.” وبالطبع فالسحر يمارس في فرنسا، والولايات المتحدة، وفي كل مكان.

“لذلك جزء من مشكلة التعامل مع محاكمات ساحرات سالم إفتراض أن ذلك كله كان هراء، وأنه لا وجود لمثل ذلك من ساحرات وسحر. فالحقيقة الجوهرية هي وجودهما، وحتى الكثير من غير المسيحيين يدركون ذلك.

“هل هذا يبرر ما حدث في سالم؟ لا بالطبع. ولكن عندما تُخترق التعقيدات، فعن هذا الموقف لا يمكنه أن يُكتب بلا تروٍ كمثال أن المسيحية قد إندفعت للقتل. فالحياة والتاريخ ليسا بمثل هذه البساطة.”

“ماذا أنهى المحاكمات؟”

“هذا ليس معروفاً بصورةٍ عامة، لكن إنسانٌ مسيحي هو الذي لعب الدور الرئيسي. فقد ندَّد قائدٌ مطهري يُدعى إنكريس مازير Mather Increase بقوة ضد ما كان يجري، وكان ذلك بداية النهاية. والمفارقة هي أن صوتاً مسيحياً هو الذي أخرس الجنون؟

الخطية الرابعة: إستغلال الإرساليات

الإرساليات تصل دون دعوة. فرغم النوايا النبيلة، تكون جاهلة بالمكان الذي تستقر فيه، وغير مبالية بقلوب وبقيم الناس الذين جاءت إليهم. تتدخل في أمور لا تعنيها شيئاً. تفترض أن الروحانية التقليدية للسكان الأصليين ناقصة، بل وحتى شيطانية. تُرشي أو تُجبر الناس لترك طرقهم التقليدية حتى إنه في مسيرة محاولة “خلاص” الناس تختم الأمر بالقضاء عليهم. [20]

قرأت هذا الإتهام لوودبريدج، تابعاً إياه بهذه الأسئلة: “ألم تسهم الإرساليات عبر التاريخ في زوال الثقافات الأصلية؟ ألم تختم الأمر بإستغلال نفس الناس الذين إدَّعت أنها أرادت مساعدتهم؟ وبالقياس، ألم تسبب الإرساليات الأذى أكثر من الخير؟”

كان هذا الموضع قريب إلى قلب وودبريدج؛ فقد كانت عائلته تتمتع بتقليدٍ طويل من الخدمة في الحقل المُرسلي. لكنه لم يبدو أنه إتخذ هذا التحدي شخصياً، بل إستجاب بإتزانه وصراحته المميزة.

قال: “دعني أبدأ بالإحتلال الإسبانى لأمريكا اللاتينية كمثال، لأنه يشرح كيف يمكن أن يصبح هذا الموضوع معقداً.”

عندما أومأتُ بثبول ذلك، إستطرد: “هل كان هناك إستغلال للسكان الأصليين هناك؟ لسوء الحظ، نعم. ولكن هل كان ذلك نتيجة الإرساليات؟ حسناً، التاريخ يخبرنا أن الحركة الإرسالية كانت غالباً مرتبطة بسياسة إقتصادية للقوى الإستعمارية معروفة بإسم الروح المذهبية التجارية Mercantilism”.

“هل تُعرَّف ذلك”.

“كانت الروح المذهبية التجارية هى الإعتقاد بأن الدولة صاحبة الذهب الأكثر هي الأقوى. وكان يُعتقد أن الميزان السياسي للقوة في أوروبا تُحدده جزئياً أية دولة تستكشف بنجاح أمريكا اللاتينية وغيرها. ونتيجة ذلك، أصبحت دوافع الروح المذهبية التجارية، لسوء الحظ، مختلطة بالمشروعات الإرسالية. وفي الحقيقة إرتكب الأسبان الفظائع في أمريكا اللاتينية، لكن كثير منها كانت تُحرّضها المجازفات وأنواع الروح المذهبية التجارية بينما قامت إرساليات كثيرة بعمل أشياء تستحق الثناء.”

فتح وودبريدج كتاباً كان بالقرب منه، وقال: “في الواقع يتحدث المؤرخ أنتوني جرافتون من جامعة برنستون عن الأشياء القيمة التي قامت بها الإرساليات. وقرأ لي من كتاب عوالم جديدة، النص القديم New World, Ancient Text:

أصرَّت الكنيسة الرومانية علىَ إنسانية الهِنود، وقد وصلت أعداد كبيرة من الإرساليات – خاصةً الأخوة المتسولين المثاليين الذين أصروا على الإتيان بما رأوه بالناس البسطاء الأنقياء من العالم الجديد إلى المسيح. لقد بنوا الكنائس والمجتمعات الدينية[21].

وآصل وودبريدج: “إن جرافتون ليس مبشراً، لكنه درس بعناية الحركة الإرسالية ويعترف بالقدر الكبير من الخير الذي قامت به الإرساليات. لسوء الحظ، فإن الإرساليات كجماعة تُناقَش كعملاء للروح المذهبية التجارية؛ ومن ثم تنال اللوم على بعض الفظائع التي قام بها الإسبان في أمريكا اللاتينية.”

“وكما لاحظتُ مبكراً، فقد كانت هناك في القرن السادس عشر مناقشان في إسبانيا حول ما إذا كان ما يدور في أمريكا اللاتينية أمراً مسيحياً أم لا. وكان هناك مدافعون كبار عن الهنود الذين صمموا أنه يجب عدم إستغلالهم. فإندفع أحد الشخصيات البارزة – بارتولومي دى لا كاس Bartolome de Las Cases – لإتجاهه الإصلاحي بعد قراءة فقرة من سفر يشوع بن سيراخ في الكتاب المقدس الكاثوليكي الروماني تقول: “خبز المحتاج حياته. مَنْ يسلبه رجل دماء[22]، وبقراءة هذا، عارض مع كاثوليك رومان آخرين الأمور الحاقدة التي كانت تدور في أمريكا اللاتينية.”

أثارت تعليقاته ذاكرتي لرؤية تمثال خارج مبنى الأمم المتحدة في مدينة نيويورك منذ عدة سنوات. الآن فهمتُ الخلفية: فرانسيسكو دي فيتوريا Francesco de Vitoria – مؤسس القانون الدولي – كان واحد من اللاهوتيين الذين دافعوا عن الكرامة الكاملة لهنود العالم الجديد، وعارضوا بشجاعة إستغلالهم في المحكمة الإسبانية.”

“ولذلك بينما يكون من الحقيقي أن “الحضارة المسيحية” قد أسهمت أحياناً ببعض الأشياء التي أشرتَ إليها مبكراً؛ فقد كانت هناك أيضاً الآلاف من أعمال الخير التي كانت تمجد الله. فالكنيسة الكاثوليكية لها سجل مؤثر للإعتناء بالفقراء خلال العصور الوسطى. ففي كاليفورنيا، كانت خدماتها على طول الساحل تهتم بالناس. وعندما تقرأ مذكرات عدداً من الإرساليات البروتستانتية التي ذهبت إلى أراضٍ أخرى، فمن الصعوبة جداً بمكان أن تستنتج أنهم كانوا يصممون بوعيٍ على ظلم أو تدمير كل ملامح الثقافات الأصلية.”

بينما كانت إجابة وودبريدج تُقدّم بعض السياق، أردتُ أن أضغط عليه لإجابةٍ أكثر شخصية. فقلتُ: ” لقد تضمنت عائلتك مرسلين، فماذا كانت إختباراتهم؟”

“حسناً، لقد قرأتُ مذكرات جدي الذي كان واحد من أوائل المرسلين البروتوستانت إلى الصين. وبالطبع لم أفهم أنه كان يفعل ما قلته أنت مبكراً. ولكن بدلاً من ذلك، كانت لديه رغبة ملتهبة أن يعرف الشعب الصيني المسيح. وقد كان مهتمَّ جداً بفقر الشعب الصيني وببعض ممارستهم التي كانت ضارة للغاية بإنسانية الأفراد. لقد أحترم ملامح ثقافتهم، وأرتدى ضفيرة الشعر الطويلة عند الضرورة حتى يكون مقبولاً عندهم.

“لا بدَّ من الإشارة إلى أن نقاد الإرساليات أحياناً ما تكون لديهم مثالية جان جاك روسو أن الشعوب الأصلية كانوا سعداء دائماً ويعيشون حياة كاملة، وأنه لم يكن هناك أي من تحضير الأرواح السلبية أو الشيطانية في ثقافتهم. ولكن عندما تقرأ تقارير الناس الذين يذهبون لمناطق معينة، فإنك ترى أن بعض هؤلاء الناس الأصليين كانوا في ظروف روحية وجسدية رهيبة، وأن المرسلين قد ساعدوهم بشكل عظيم.

“قرأت أيضاً خطابات كتبتها أمي التي عملت كمرسلة في أفريقيا قبل زواجها. كانت تركب دراجة بخارية في أعماق الغابات، وتنتقل من قرية إلى أخرى. عملت في مستعمرة جذام تهتم فيها بالمرضى. وتمنتْ أن تُظهر لهم محبة المسيح، وتراهم قد نالوا الشفاء. وخدمتْ لدرجة المخاطرة الشخصية الكبيرة بسبب الملاريا، الأخطار الأخرى المرتبطة بالحياة في غابة.

“ولذلك أقولُ نعم، أحياناً ما يكون هناك تحول لثقافةٍ ما، لكن غالباً ما يكون هذا التحول قد آتى ببعض الخير. فعندما صار السكان الأصليون مسيحيين، إختبروا محبة وفرح المسيح. وهذا شئ رائع. عندما تزحف الدوافع الأخرى لأذهان الذين يسعون لتغيير ثقافة ما، كالسعي للربح الاقتصادي أو لمعنى مقلوب للتفوق العنصري، فإن أموراً سيئة جداً ستنتج عن ذلك.”

فعلّقتُ قائلاً: “ربما يكون بعض نقاد الإرساليات لا يرون قيمة في البشارة المسيحية؛ ومن ثم لا يرون فائدة للناس الذين يصيرون تابعين ليسوع.”

فصرَّح: “هذا صحيح! غالباً ما يكون هذا هو الإفتراض المسبق المختبئ. ولكن إن إفترض واحد أن الإنجيل هو قوة الله للخلاص، فإن ربح ثقافات العالم المختلفة التي تسمع الإنجيل سوف لا يُحصى.”

“لي زميل دراسة يعتبر لاهوتي إفريقي بارز. إضطر لمحاربة الإعلام القائل بأن المسيحية هي أيدولوجية إمبريالية غربية هدفها تدمير الديانات الإفريقية. إن منظوره مختلف تماماً. فهو يفهم الإسهامات الرائعة التي أسهمت بها المسيحية للمجتمعات الإفريقية. وقد جلب هذا الرجاء، والفداء، وهناك أفارقة ليس لهم حصر ممتنون جداً للإنجيل. وفي نفس الوقت، لا ينكر أن حاملي البشارة المسيحية كانوا أحياناً لا يعيشون حسب تعاليم المسيح في تعاملاتهم مع الأفارقة.”

الخطية الخامسة: مناهضة السامية:

كانت مناهضة السامية واحدة من أقبح الآفات في تاريخ المسيحية؛ فهي حالة ساخرة لأن يسوع كان يهودياً وصرَّح بأنه مسيا إسرائيل ومسيا العالم المنتظر. كان تلاميذه يهوداً، واليهود أيضاً كتبوا العهد الجديد بأكمله ما عدا سفر الأعمال وإنجيل لوقا اللذان كتبهما الطبيب لوقا.

فى العام 1998 م إعتذرت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية عن “أخطاء وإخفاقات” بعض الكاثوليك لعدم مساعدة اليهود أثناء المذبحة النازية، بينما عبَّر الكاردينال جون أوكنر من نيويورك عن “الأسف العميق” لمناهضة السامية في الكنائس طوال السنين قائلاً: “نريدُ بكل إخلاصٍ أن نبدأ مرحلة جديدة.” [23] .

وقد سلم وودبريدج بأسف أن مناهضة السامية قد شوَّهت التاريخ المسيحي. وكان السؤال الرئيسي هو لماذا حدثت في المقام الأول.

فقال: “كان أحد العوامل هو أن معظم اليهود لم يعتقدوا أن يسوع كان هو المسيا. وقد أدى رفض اليهود لقبوله، وذلك لإعتبار اليهود في أذهان بعض المسيحيين أعداء المسيح. أضف إلى هذا أن اليهود قد تم إعتبارهم مسئولين عن صلب يسوع، فيكون لديك مكونان قويان لـ “مناهضة السامية المسيحية.”

لم يكن هذا كافياً بالنسبة لي، فصّمتُ: “لا بدَّ أن يكون هناك أكثر من ذلك.”

فأجابني: “نعم، أؤمن بذلك. لقد حاول هايكو أوبيرمان المؤرخ اللامع في جامعة أريزونا تعيين عدداً من العوامل الأخرى. فعلى سبيل المثال، عندما تصل إلى العصور الوسطى وعصر الإصلاح، كانت هناك شائعات زائفة كثيرة عن اليهود التي أضافت حتى وقوداً لنيران مناهضة السامية.”

“أية شائعات؟”

“أن اليهود كانوا متورطين في تسميم الآبار في زمن الموت الأسود Black Death في العام 1348: وقد دنسوا المقادس المسيحية بقدر استطاعتهم كما كانت لديهم ذبائح سرية Sacrificial Deaths؛ وقد تلاعبوا بالأسفار المقدسة المسيحية؛ إلخ. والآن تذكر أن هذه الإتهامات لم تكن صحيحة. ومع ذلك فقد أثارت مشاعر الغضب والإستياء.”

ولكن لم يبدو أن هذا يرضي وودبريدج. فتأمل في الجانب الآخر كما لو كان يبحث عن تفسيرٍ آخر، وأخيراً نظر إليَّ في إحباطٍ واضح.

وقال: “يبدو لي أن هذا لا يوفي الموضوع حقه. فقد كان المرء يعتقد – أو بالأحرى يرجو – أن المسيحيين منذ العصور الوسطى وصولاً إلى مارتن لوثر قد أدركوا أن تعاليم يسوع كانت تمنعهم تماماً من عمل أو قول بعض الأشياء التي قيلت واُرتكبتُ تحت اسمه.”

فقلتُ: “لقد ذكرتَ لوثر. ومناهضته للسامية مُوثقة بشكلٍ جيد. كيف نشأ ذلك؟

“بوضوحٍ، عرف لوثر بعض الشائعات عن اليهود. ومع ذلك، باكراً في حياته، كان محباً للسامية – محباً لليهود بشكلٍ ظاهر – وبسبب هذا الحب تمنى أن يكون هناك تحول كبير يقبلون فيه يسوع كالمسيا بالنسبة لهم. وعندما رفضوا ذلك، صار لوثر أكثر عصبية في سنواته اللاحقه، وتفوه ببعض الكلمات القبيحة جداً عنهم.”

لقد أربكتني إجابته، فقلتُ: “لقد كنتُ أعتقد أن مناهضته للسامية كانت ألماً مدى الحياة.”

“يؤكد بعض الدارسين أن هناك استمراراً لآرائه عن الشعب اليهودي طوال حياته، لكني سأؤكد أن تصريحات لوثر العدائية الخبيثة قد جاءت في نهاية حياته. فربما كان يُطلقها عن إحباطٍ عميق شديد لأنهم لم يأتوا إلى المسيح.

ورغم كل ما قّيل، فإن بعض تصريحاته مرعبة تماماً لدرجة أنه من المناسب تماماً للوثريين أن يرفضوا الإعتراف بها، وعلى كل المسيحيين أن يرفضوها تماماً. فالمسيحيون ببساطة لا يمكنهم أن يكونوا مناهضين للسامية. فيجب أن يكون هذا أمر غير وارد بالنسبة لأي تابع ليسوع.

“والآن، من الناحية الآخرى، في العصور المعاصرة، غالباً ما كان المسيحيون المبشرون بعض أعظم أصدقاء إسرائيل. والإتجاه العام الذي أراه في كنائس كثيرة تجاه الشعب اليهودي هو إتجاه الإحترام.”

“ماذا تقول لإنسان يهودي يقول لك إنه لم يفكر أبداً في المسيحية بسبب تاريخها المُناهض للسامية؟”

فأومأ وودبريدج بخفةٍ، وقال بحزنٍ في صوته: “لقد صُدمتُ بذلك من قبل. فقد كنتُ أقوم بالتدريس في جامعة مدنية، فقالت لي طالبة يهودية شابة: أريدُ عمل بحثاً عن لوثر؛ فجدي قال لي إن لوثر كان يكره اليهود. هل هذا حقيقي؟” فقلتُ لها: “على الأرجح ذلك، ولكن انطلقي وحضّري البحث”، فعادت إلىَّ ببحثٍ جعلني أبكي. لقد وجدتُ أشياءً لم أعرفُ حتى أن لوثر قد قالها، إنها أشياء سيئة للغاية.”

“ماذا تقول لمثل هذه الشابة؟”

“إنني آسف جداً جداً على ما قاله لوثر، فهذه الأشياء تتعارض حتماً مع تعاليم المسيح، وهذه واحدة من المشكلات التي نواجهها كمسيحيين – فنحن لا نعيش دائماً وفقاً لمثاليات يسوع.

ويمكنني أن أقول: “أدركُ مدى صعوبة ذلك، لكني أرجو أن تفكر فيما قاله وفعله يسوع، وأفحص المسيحية على أساس ما تُعلّمه حقاً.”

حاول وودبريدج أن يسهب كلامه، لكنه لم يستطع تذكر شيئاً آخر مساعداً كي يضيفه. فقال: “أخشى ألا يكون هذا عرضاً ممتازاً، لكن هذا ما أقوله من قلبي.”

بدأت قائلاً: “بعض اليهود يؤمنون أن هتلر كان مسيحياً…، فوثب من مكانه وقاطعني.

قال: “آه، نعم، هذا صحيحٌ تماماً. مرةً اخرى علينا أن نميز بين المسيحية الثقافية والمسيحية الحقيقية. فخلال صعود الإشتراكيين القوميين National Socialists، حاول هتلر أن يلتف حول المسيحية وحول مارتن لوثر. وقد كانت حيلة أيدلوجية ماكرة. لكن النقاد المسيحيون، مثل كارل بارث وآخرين، لم يقبلوا للحظة أن هتلر كان يمثل المسيحية المستقيمة.

“دعني أقدم لك تفسيراً تاريخياً آخر. آمن كثير من اليهود في عامي 1665 م و1666 م أن إنساناً معيناً كان هو المسيا، لكنه آنذاك تحول إلى الإسلام، وهذا ما خيب طموحات كثير من اليهود. والآن إن قيل لمؤرخ يهودي اليوم: “هل تريد تعيين ذاك الرجل بإعتباره المسيا؟؟ سيقول لك: “بالطبع لا، لقد كان محتالاً.”

“حسناً، بنفس الإطار، سنقول نحن المسيحيون إن هتلر لم يكن أى نوع من المسيا المسيحي. فالناس غالباً ما يدَّعون أشياء زائفة. لقد كان إنسان محتال شرير، ولم يكن مسيحياً حقيقياً، ولا ممثلاً عن التعاليم المسيحية الحقيقية.”

بورتريه للمسيحية:

كان يمكننا الإستمرار لمناقشة لطخات تاريخية أخرى عن المسيحية، بما فيها ظلم النساء الذي حدث رغم إتجاه يسوع المغاير للثقافة تجاههن، والطريقة التي إقتبس بها كثير من الناس في الجنوب الكتاب المقدس في محاولة ملفوفة لتبرير العنصرية والعبودية. لكنني كنتُ قد قضيتُ وقتاً طويلاً أستجوب فيه وودبريدج. وبدون محاولة الدفاع عن الأمور التي لا يُدافع عنها، سعى لتقديم بعض السياقات والتفسيرات. ولتقرير أية أحداث من هذه كانت الإستثناءات أو القاعدة بالنسبة للمسيحية، فقد آن آوان إستكشاف الجانب الآخر من التاريخ المسيحي.

قلتُ: “بقبول كل ما تكلمنا عنه، ما هي النتيجة الأخيرة؟ هل العالم أسوأ أم أفضل حالاً بسبب وجود المسيحية؟”

فأنتصب وودبريدج في مقعده وأصرَّ قائلاً: “أفضل حالاً. ولا جدال في ذلك. فهذه حالات تاريخية قابلة للأعتذار لا يجب أن تُخفى عن العيون. يجب أن نعتذر عنها، ويجب أن تُبذل الجهود لتأكيد عدم تكرارها. ومع ذلك، في نفس الوقت، كان الإنتشار الواسع للتاريخ المسيحي نافع جداً للعالم.”

فعلُّقت قائلاً: “أفترض أنه من السهل في التحدث عن خطايا المسيحية نسيان دور الإلحاد في سحق الحقوق الإنسانية. أخذتُ كتاباً وقرأتُ لوودبريدج بعض الملحوظات التي كتبها المسيحي المعروف لويس بالاو.

إن الصدمة المدوية للإلحاد الشامل أرسلتْ موجات جذرية عبر أوروبا وفيما ورائها، وهي تُقرِّر بشكل مباشر لفناء وقتل أكثر من مائة مليون إنسان في القرن الماضي وحده. لقد دفعت الإنسانية ثمناً باهظاً فادحاً للإختبارات المرعبة للمقاومة الممتعمدة للإيمان، مُنفذة على يد لينين، هتلر، ستالين، ماوتسي تونج، وآخرين – حيث كان كل منهم متأثر بشكلٍ عميق بكتابات قادة الإلحاد… وبعد رؤية نمو الإلحاد… فمن الأوضح أكثر مما مضى.. أنه بدون الله نحن ضائعون.[24]

فأجاب وودبريدج: ” أتفقُ أنه بدون الله نحن ضائعون. وهذا ليس مجالاً للقول بأن الملحد لا يمكنه الحكم جيداً؛ لأنه من وجهة النظر المسيحية، فإن الملحد يستفيد من نعمة الله العامة. ولكن بقبول إفتقاد البنية في الإلحاد لعمل قرارات أخلاقية، فمن السهل أن نفهم لماذا أختبر العالم أهوال هذه الأنظمة. حينما لا يكون هناك مقياس أخلاقي مطلق، فإن القوة الغاشمة غالباً ماتكسب.”

“فى رأيك ما هي الطرق الإيجابية التي أسهمت فيها المسيحية للحضارة؟”

ضبط وودبريدج جلسته في مقعده. وتأمل في سؤالي للحظات ثم أجاب بصوتٍ نقل إخلاصه وإعجابه وحماسة مشاعره الحُبية العميقة للكنيسة.

قال: “إنى أرى تأثير المسيحية كصورة زيتية جدارية متألقة لها مناظر كثيرة، كل منها مرسوم بألوان جميلة لامعة واضحة. فبدون المسيحية، سيكون هناك قدر مرعب من البهتان، ومجرد خطوط قليلة متناثرة متفرقة هنا وهناك ليس لها أي معنى. لكن المسيحية تضيف الكثير جداً من المعنى، والرجاء، والجمال، والثراء للصورة.”

مأسوراً بالمجاز تساءلتُ: “ماذا تُبين الصورة؟”

“المنظر المركزي بعينه سوف يُصور قصة يسوع وفدائه عن خطايانا. فأخيراً – مرةً واحدة إلى الأبد – تعامل مع موضوعات ذنبنا، ووحدتنا، وإغترابنا عن الله. وبموته الكفاري وقيامته فتح السماء لكل من يتبعه. هذا هو أعظم إسهام قامت به المسيحية على الإطلاق. وهو مُلخص في يوحنا 16:3 “لأنَّهُ هَكَذَا أَحّبَّ الله العَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْبَهُ الْوَحِيدّ لّكّيْ لَا يَهْلَكَ كُلُّ مَنْ يُؤمَنُ به بَلْ تكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأبَدَيَّةُ.”

“أيضاً تُقدَّم لنا المسيحية إعلاناً عن معنى الحياة ووجود الأخلاقية الكونية. فبدون هذا الإعلان، يكون من الصعب جداً وجود أية قيمة للمعنى. وينتهي بك الحال مثل ألبرت كامو الذي قال في الفقرة الإفتتاحية من أسطورة سيزيف: “لماذا لا أنتحر أنا أو أيِّ إنسان آخر؟” حسناً، المسيحية تفسر لماذا لا. إنها تعطينا إطاراً من الإرشاد للحياة، وإتباع طريقاً أخلاقياً، والرجوع إلى الله، وأمور أخرى بأسلوب ذات معنى عميق وقوي.

“لمسات الفرشاة في الصورة سوف ترسم المناظر التي تكشف عن الدوافع الإنسانية الشاملة التي ألهمتها حياة المسيح وتعليمه. فالكاثوليك الرومان، والأرثوذكس، والبروتوستانت إشتركوا جميعاً في مساعدة الفقراء، والمحرومين، والمعوزين. وكانوا مستعدون للعمل ضد مصالحهم الشخصية لخدمة الآخرين. وبفقد كل هذا – كل العمل الإرسالي، وكل المستشفيات، وكل مؤسسات الإعانة، وكل الأعمال الخيرية لإطعام الجوعي، وكساء الفقراء، وتشجيع المرضى – ستكون ضربة قاضية للعالم.

“بالإضافة إلى ذلك، فإن تأثير الفكر المسيحي يضيف مناظر أخرى، ويُضفي الظل والعمق للصورة. فالمسيحيون سلّموا عقولهم لله. ولو حذفتّ إسهاماتهم الأدبية، والموسيقية، والمعمارية، والعلمية، والفنية، سيصير العالم أكثر بلادة وضحالة بشكل كبير. فكر في المؤسسات التعليمية العظيمة التي بناها المسيحيون – بما فيها هارفارد، وييل، وبرنستون – التي تم التفكير فيها أصلاً وبنائها من أجل تقدم الإنجيل.

“وأخيراً هناك قوة الروح القدس التى تُلّون كل شئ صالح. هل يمكنك أن تتخيل كيف سيكون العالم لو أنسحب الروح القدس؟ من الردئ بشكلٍ كاف الطريقة التي عليها الأمور الآن، ولكن إن لم تكن هناك قوة الروح القدس الحافظة؛ فما بالك أن الجانب المرعب من الحياة سينطلق كي يكون أكثر نشاطاً مما هو عليه الآن.

فتساءلتُ: “فيما تنظر إلى صورة التاريخ هذه، هل ترى إيجابيات المسيحية تغلب الحالات السلبية التي ناقشناها؟”

فقال بلا تردد: “نعم. فأنا منفطر الفؤاد على الأوقات التي لم نحياها نحن المسيحيون وفقاً لتعاليم يسوع، ومن ثم فقد خلقنا حواجز للإيمان. لكني ممتّن للغاية للرجال وللنساء المجهولين الذين دعّموا الإيمان عبر القرون بتواضع وبشجاعة، والذين خدموا في الخفاء، وكرسوا حياتهم لمساعدة الآخرين، وتركوا العالم مكاناً أفضل حالاً، وصارعوا لعمل الحق رغم الضغط الرهيب لعمل العكس.

وأستنتج قائلاً: “عندما أُفكرُ في التاريخ المسيحي، فهؤلاء هم أول من يخطروا على ذهنى. إنهم الأبطال الذين عادةً ما يتم نسيانهم كثيراً جداً.

توقف، ثم بابتسامةٍ تواقة – منحهم أعظم تقدير: “إنهم ما كان يره يسوع.”

عطايا المسيحية:

كانت كلمات وودبريدج الملتهبة لا تزال ترن في ذهني عندما عدتُ إلى البيت، مرهقاً من يوم طويل. إسترخيتُ في مقعدي المفضل وإلتقطتُ مجلة لأتصفحَّها. وهناك – من قبيل الصدفة تماماً – وجدتُ مقالاً فيه كثير من الدارسين يكتبون في الأيام الأخيرة من القرن العشرين، ويتأملون شكل الحضارة بدون المسيحية. وقد أكملتْ ملحوظاتهم ما توَّقف عنده وودبريدج؟[25]

مايكل نوفاك أطرى عطية المسيحية للكرامة. وكتب: “كل من أرسطو وأفلاطون إعتقداً أن معظم البشر بالطبيعة عبيد ومناسبين فقط للعبودية. ومعظمهم ليست لهم طبيعة تستحق الحرية. اليونانيون إستخدموا “الكرامة” لمجرد القلة، لا لكل البشر. وعلى النقيض أصرَّت المسيحية أن كل إنسان محبوب من قَبل الخالق، ومخلوق على صورة الخالق، ومُحدَّد له الصداقة الأبدية والأشتراك معه.”

أشار إلى الأفكار الحضارية للحرية، والضمير، والحق التى يمكن إسنادها إلى المسيحية. وأكدَّ قائلاً: “بدون الأساسيات المسيحية الموضوعة لنا في العصور الوسطى والقرن السادس عشر، لصارت حياتنا الإقتصادية والسياسية معاً لا أكثر فقراً فحسب، بل أيضاً أكثر وحشية.”

ركز ديفيد. ن. ليفنجستون – أستاذ في كلية علوم الأرض في جامعة الملكة في بلفاست، آيرلندا الشمالية، على عطية المسيحية للعلم. وكتب: “إن فكرة أن المسيحية والعلم كانا على الدوام في تصادم هو تشويه جسيم للسجل التاريخي. ففي الحقيقة آمن روبرت بويل – دارس الكيمياء الإنجليزى العظيم – أن العلماء أكثر من غيرهم قد مجدّوا الله في البحث عن مهامهم لأنه قد وُهبَ لهم أن يستجوبوا خليقة الله.”

وأشار إلى أن أولئك الذين في عصر الإصلاح “آمنوا أن الله قد أعلن ذاته للبشرية بطريقتين؛ في الكتاب المقدس وفي الطبيعة. وقد مكنهم ذلك من الإشتراك في التحري العلمي للعالم الطبيعي.” وكانت النتائج إسهامات متدفقة من قبّل العلماء الذين أثارهم الإيمان المسيحي.

ووصف ديفيد لايل جيفري – أستاذ الأدب الإنجليزى في جامعة أوتاوا – عطية المسيحية للتعليم. وقال: “قد يكون من الصعب أن نقول إن الثقافة التعليمية في أوروبا ومعظم إفريقيا والأمريكتين غير منفصلة عن القوة التحولية ثقافياً للمسيحية. ففي معظم أوروبا، كما في إفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وأماكن أخرى كثيرة من العالم، كان ميلاد التعليم والأدب أساساً – وليس مصادفة – يتوافق مع وصول الإرساليات المسيحية.”

ومع ذلك، ربما يكون الأكثر إثارة هو أن إستكشاف المؤرخ مارك نول لعطية المسيحية للتواضع، وهو إسهام قليل الملاحظة، كان له علاقة خاصة في ضوء مناقشتي مع وودبريدج عن الجانب القبيح للتاريخ المسيحي. كتب نول:

طوال المسيرة الطويلة للتاريخ المسيحي، كان الأمر الأكثر إحزاناً – بسبب تكراره المستمر – هو كم نخيب نحن المسيحيون العاديون كثيراً جداً عن الوصول للمثاليات المسيحية بشكلٍ مأساوي للغاية. وطوال المسيرة الطويلة للتاريخ المسيحي، كان الأمر الأكثر تمييزاً – بسبب أنه أحد معجزات النعمة – هو كيف عاش مؤمنون كثيرون ضد تعظم المعيشة لتمجيد المسيح. ومن بين كل “علامات التناقض” هذه، فإن أكثر الأمور الخليقة بالمسيح تماماً كانت تلك الحالات التي كان ينطلق فيها المؤمنون الأقوياء – بسبب الثروة، والتعليم، والقوة السياسية، والثقافة الرفيعة، أو الوضع المفضل – إلى المُحتقرين، والمتروكين، والمهملين، والضائعين، والغير معروفين، أو الواهنين. [26]

قال إن القوة تُغذي عبادة الذات. فهى تُفسد ونادراً ما تعتذر. وإستفاض مارك نول لسرد أحداثاً عديدة عبر التاريخ فيها الرجال الأقوياء، كلياً أو جزئياً بسبب إيمانهم المسيحي، قد وضعوا أنفسهم طوعاً في توبة عامة لسوء إستخدامهم القوة – وهذه شهادة دائمة مقابلة للثقافة لقوة الإنجيل.

أثارت إهتمامي قصة واحدة بشكلٍ خاص لأنها كانت تتعلق بحدثٍ غامض لكنه متألق في ختام حلقة ناقشها وودبريدج وأنا معاً: محاكمات ساحرات سالم.

واحد من القضاة – تطهرى لامع إسمه صامويل سيوول من بوسطن أصبح منزعجاً للغاية من الدور الذي لعبه في تلك الكارثة. فقد تحرك ضميره المسيحي أخيراً للعمل عندما سمع إبنه يقرأ فقرة كتابية مشهورة: “فّلّوْ عَلِّمتُمْ مَا هُوَ: إنِّي أُرّيدُ رَحْمَةَّ لَا ذَبيحَةَّ لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى الأبْريَاءَ!”[27]. لقد فطرت الكلمات قلب سيوول.

وفي خدمة الكنيسة في 14 يناير من العام 1697م، أعطى القس تصريحاً ليقرأه بينما وقف سيوول النادم بخجل أمام الجمع. كان التصريح يعترف بذنب سيوول على أكثر ممَّا حدث، قائلاً إنه “يتمنى أن يُلقى عليه لوم وخزي ذلك، طالباً عفو الناس، ولا سيما متمنيّاً الصلوات حتى أن الله الذي له سلطان غير محدود يغفر تلك الخطية وكل الخطايا الأخرى.” لقد دفع تصرفه المتواضع من الآسى والتوبة الكثير من القضاة الآخرين للإعتراف بإخفاقاتهم أيضاً.

أغلقتُ المجلة ووضعتها على مائدة القهوة. وفكرتُ في نفسي أن ذلك ربما يكون أحد أكثر تراثات المسيحية روعةً – إستعداد القادر لإحناء ركبة التوبة عندما تُرتكب الأخطاء. ومع ذلك فقد كان تذكار آخر لقوة الإيمان في تغيير الحياة والتاريخ لصالح الخير.

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  • قبل قراءة هذا الفصل، ما الحدث الذي أزعجكَ بالأكثر في التاريخ المسيحي؟ لو كان وودبريدج قد ناقشه، فكيف أحسن التعامل معه؟ هل موقفك من هذا الموضوع هو نفس الموقف أم مختلف؟
  • هل تعتقد أن الخطايا التاريخية التي ناقشها وودبريدج هي تماثلات في تاريخ الكنيسة أم انعكاسات شئ مخطئ تماماً في DNA الإيمان؟ ما الحقائق التي ساعدتك في تكوين رأيك؟
  • هل أصبح العالم أفضل بفضل المسيحية؟ لماذا؟ لماذا لا؟ على نفس القياس، هل كانت إسهامات الإلحاد إيجابية أم سلبية بالنسبة للبشرية؟

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع:

  • Mark A. Noll. A History of Christianity in the United States and Canada. Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1992.
  • Bruce L. Shelley. Church History in Plain Language. Dallas: Word, 1982, 1995, updated 2nd
  • Rodney Stark. The Rise of Christianity. Princeton, N. J.: Princeton University Press, 1996.
  • James Kennedy and Jerry Newcomb. What If Jesus Had Never Been Born? Nashville: Nelson, 1994.

 

 

1-ken Schei, Available: www.atheists-for-jesus.com/about.htm

2-D. James Kennedy, Why I Believe (Dallas: Word,1980), 118,121.

3-Maurice possely, The Chicago Tribune, April26, 1985

4-Maurice possely, The Chicago Tribune, April 27, 1985

5-Maurice possely, The Chicago Tribune, February 21, 1985

6-Bertrand Russell, Why I am Not a Christian (New York: Simon and Schuster, 1957), 25-26

7- International Herald Tribune, April26, 1999

8-Charles Templeton, Farewell to God, 127,129

9-Ibid., 154

10-See: Richard Boudreaux, The los Angeles Times, March 13, 2000

11-Peggy Polk, the Chicago Tribune, June 5, 1995

12-Matthew 7:21-23

13-patrick Glynn, God: The Evidence, 157

14- See: Lucian, the Death of Peregrine, 11-13, in the Works of Lucian of Samosata, trans. By H. W. Fowler and F. G. Fowler, 4 vols. (Oxford: The Clarendon Press, 1949), vol.4.

15-See: Justin Martyr, First Apology: Ante-Nicene Fa-thers, ed. By Alexan-der Roberts and James Donaldson (Grand Rapids, Mich Eerdmans, 1973)

16-philippians 1:21

17-Bruce L. shhelley, Church History in plain language (Dallas, Tex: Word, 1982, 1995, updated2d edition) 189

18-As the Third millennium approached, Spanish priests and nuns pub-licly asked forgiveness for see: The Chicago Tribune, November 14, 1999

19-David neff, christianity Today, April 29, m1996, 14

20- Mark A.Noll, A History of christianty in the United States and Canada (Grand Rapids: Eerdmans, 1992), 51

21- Dale and sandy Larsen, saven myths About Chris-tianty (Downers Grove, 111: InterVarsity press, 1998), 110.

22-Anthony Grafton, with April Shleford and Nancy Siraisi, New Worlds, Ancient Text (Cambridge, Mass: Belknap press, 1992), 132.

23-Ibid., 136.Ecclesiasticus, or Sirach, is not considered to be divinetly inspired scripture by protesants, although to is part of the Roman Catholic and Orthodox canons it is also known as after its author, a scholar who apparently wrote the bok between 195 and 171B.C.

24- The Chicago Tribune, Septem-ber 21, 1999.

25-Luis palau, God is Relevant (New York: Dobleday, 1997), 23, 82

26- See: Michael Novak, David N Livingstone, Da-vid lyle Jeffery, et al., Christianty Today, December 6, 1999, 50-59

27- Ibid, 56

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

نماذج من النساء الخادمات في الكنيسة الأولى، بذلن كل غالي ونفيس وأعمارهن في خدمة الرب

نماذج من النساء الخادمات في الكنيسة الأولى، بذلن كل غالي ونفيس وأعمارهن في خدمة الرب

نماذج من النساء الخادمات في الكنيسة الأولى، بذلن كل غالي ونفيس وأعمارهن في خدمة الرب

لم يكن رسل المسيح وحدهم هم الذين اضطلعوا بتأسيس ملكوت الله على الارض، بل لقد أسهم معهم كثيرون في هذا العمل … هناك جنود مجهولون كثيرون لا نعرف مجرد أسماءهم، وهناك من نعرف أسماءهم لكن لا نعرف عن أتعابهم شيئاً … ومن أمثلة ذلك، الخادمات الثلاث اللائي سنعرض لهن الآن …

– القديسة فيبي

تكاد تكون فيبي أشهر انثي ورد اسمها في رسائل الرسل … لا نعرف عنها شيئاً غير ما دونه القديس بولس  في اول الإصحاح الأخير من رسالته الي كنيسة رومية … والعجيب أيضاً ان تاريخ الكنيسة لا يسجل عنها اي شئ … يكاد الإصحاح الاخير من الرسالة الي رومية يقتصر علي اسماء بعض الاشخاص الذين يبعث بولس تحياته إليهم … ويذكر علي رأس هذه القائمة الطويلة كلها — قبل الرجال — «فيبي خادمة الكنيسة التي في كنخريا  » يقول معلمنا بولس « أوصي إليكم بأختنا فيبي التي هي خادمة الكنيسة التي في كنخريا ، كي تقبلوها في الرب كما يحق للقديسين ، وتقوموا لها في أي شيء احتجته منكم ، لأنها صارت مساعدة للكثيرين ولي انا أيضاً » ( رو 2،1:16 ).

ويبدو أن فيبي كانت متبتلة وكانت تقوم بخدمة فعالة في الكنيسة في منطقة كورنثوس فهي بحسب تعبير بولس «صارت مساعدة للكثيرين ولي أنا أيضاً» … ويبدو أنها كانت تخدم كشماسة في كنيسة كنخريا إحدى مواني كورنثوس في بلاد اليونان. فالرسول بولس يذكرها على أنها Diakanos هذه الكلمة التي تطلق على من يقوم بخدمة الشماسية سواء كان ذكراً أم أنثي (٨٦) … وقد أشرنا سابقاً الي الخدمات التي كانت تضطلع بها الشماسة في الكنيسة الأولي … ولابد وأن فيبي كانت تمارس عمل الشماسية النسوية … وفضلاً عن ذلك، فقد كانت هي كاتبة الرسالة الي رومية، بناء علي إملاء الرسول بولس … وليس هذا فحسب، بل لقد حملت هي نفسها هذه الرسالة الي رومية.

وإذا نفكر في وضع المرأة الاجتماعي في ذلك العصر المبكر، وكيف كانت تحيا في عزلة عن المجتمع، لا يسعنا الا الاعتقاد أن فيبي لم تكن شخصية نسائية عادية … فقد جمعت في شخصها، الي جانب الثقافة، الشخصية والثراء اللذين مكناها من السفر عبر البحار الي روما، من أجل الإيمان بيسوع المسيح.

وليس من السهل أن نسلم بأن مهمة فيبي كانت مجرد توصيل الرسالة التي كتبها القديس بولس الي كنيسة رومية، بل لابد أن يكون الرسول قد كلفها بمهمة خاصة، وجد ان من الحكمة عدم الإفصاح عنها … وكل ما فعله انه أوصي الكنيسة بتسهيل مهمتها … لا شك ان تلك المهمة كانت شيء يتعلق لخدمة الكرازة …

– القديسة بريسكلا

إن كانت فيبي مثال للمرأة المتبتلة الخادمة في الكنيسة الأولي، فإن بريسكلا هي المرأة المتزوجة الخادمة الكرازة، حتى ان القديس يوحنا ذهبي الفم يقول:

[سيبقي اكيلا وبريسكلا المثل الأعلى للكمال في الزواج المسيحي] …

تدعي بريسكلا أو بريسكا وهو اسم لاتين ، وكان زوجها اكيلا يهودياً … ولا نعرف عنهما شيئاً سوي الاشارات العابرة التي يشير بها القديس بولس إليهما في بعض رسائله ، فضلاً عن ذكر اسمهما في سفر اعمال الرسل … كانت تقيم مع زوجها اولاً في روما ، لكنهما تركاها مع كل اليهود الذين طردهم كلوديوس قيصر (٨٧) ، واتيا الي مدينة كورنثوس ، حيث التقي بهما معلمنا بولس في رحلته التبشيرية الثانية حينما وفد  الي هذه المدينة ( اع 2:18 ) … امضي بولس في هذه المدينة سنة ونصف كان خلالها ضيفاً علي هذين الزوجين … وقد وطد من أواصر الصلة إنهما كانا – نظير بولس – يعملان في صناعة الخيام … ولا نستطيع ان نؤكد ما اذا كانت هذه وسيلة كسب عيشهما في روما ايضاً، أم إنهما اضطرا اليها  — نظير بولس أيضاً — إزاء الظروف التي المت بهما بعد طردهما من روما … وقد اشتركا مع القديس بولس في خدمة كلمة الله.

ولما غادر بولس كورنثوس عائداً الي أنطاكية ماراً بأفسس وأورشليم، رافقاه حتى مدينة أفسس … اقاما في مدينة أفسس، واخذا يبشران بكلمة الله، وكان بيتهما هو مكان اجتماع المؤمنين … والرسول بولس في رحلته التبشيرية الثالثة حينما أتي الي مدينة افسس ومكث بها ثلاث سنوات، ومنها كتب رسالته الاولي الي كورنثوس، كانا ما يزالان بها، فنجد القديس بولس يكتب للكورنثيين «تسلم عليكم كنائس آسيا، يسلم عليكم في الرب كثيراً اكيلا وبريسكلا مع الكنيسة التي في بيتهما» (1 كو 19:16).

وبعد ان تغيرت الأوضاع وسمح لليهود بالعودة الي روما، عادت بريسكلا مع زوجها إليها. وهناك أخذا يمارسان نشاطهما الكرازي … فحينما أنقذا بولس رسالته الي كنيسة رومية، بعث بتحياته إليهما في تقدير كبير …  «سلموا على بريسكلا واكيلا العاملين معي في المسيح يسوع، اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتي -اللذين لست انا وحدي اشكرهما بل أيضاً جميع كنائس الأمم، وعلى الكنيسة التي في بيتهما» (رو 3:16-5) … ولا يوجد كلام تقدير أكثر من هذه الكلمات: فهما عملا معه، ووضعا عنقيهما من أجل حياته، ولهما جهود في خدمة الأمم. ويبدو من هذا الكلام ايهما خاطرا بحياتهما في سبيل إنقاذ بولس من المؤامرات التي كثيراً ما تعرض لها من اليهود والأمم على السواء …

ومرة اخري يترك الزوجان روما ويعودا الي آسيا، والي افسس بالذات كبري مدنها، ليتابعا اعمالهما فيها لأجل الرب … فالرسول بولس في آخر رسالة له من سجنه في روما — قبيل استشهاده مباشرة بينما كان يُسكب سكيباً، لا ينسي تعب محبتهما فيكتب الي تيموثاوس تلميذه وأسقف مدينة افسس يقول:

«سلم على بريسكا واكيلا» (2 تي 19:4) … ويلاحظ العلماء -ومنهم يوحنا الذهبي فمه -إن اسمها في العهد الجديد يلازم اسم زوجها، بل ان اسمها في أكثر الحالات يذكر متقدماً على اسم رجلها، مما يدل على شخصيتها الفذة واقتدارها في عمل الرب … ويبدو إنها كانت ايضاً مقتدرة في الكتب المقدسة «حتى إنها صارت شريكة لرجلها في شرح الايمان الحقيقي السليم لأبولس الإسكندري الذي كان خييراً في طريق الرب، عارفاً معمودية يوحنا فقط» (اع 24:18-26).

هذا كل ما نعلمه عن هذه السيدة البارة المضحية، مثال الزوجة المسيحية الخادمة … وللأسف لا يمدنا تاريخ الكنيسة بأية معلومات اخري عنها او عن زوجها.

– القديسة تكلا الشهيدة Thecla (٨٨):

هي تلميذة بولس الرسول، ومثال البتولية والطهارة بين العذارى، ونموذج الجهاد، واحتمال الشدائد … وعلى الرغم من انها لم تسفك دمها لأجل المسيح فقد خلعت الكنيسة عليها لقب [[اولى الشهيدات]] تقديراً لأتعابها بها، والميتات التي قبلتها وأنقذها منها الرب.

كانت تكلا من أيقونة (٨٩)، ومن اشراف تلك المدينة، بارعة الجمال، كريمة الخلق … كانت مخطوبة لأحد اشراف المدينة، عندما وصل القديس بولس الي مدينة ايقونية (اع 51:13) في رحلته التبشيرية الأولي … استمعت الي كرازة بولس وآمنت على يديه … وما لبثت ان اعتمدت ونذرت بتوليتها الرب … وكان ذلك سبباً في هجرها لخطيبها. وحالما كشفت تكلا نواياها لأمها، طار عقلها، وحاولت — ما وسعتها الحيلة — ان تثنيها عن عزمها فلم تتمكن، فشكتها الي حاكم المدينة انها مسيحية …

منذ ذلك الوقت اجتازت تكلا سلسلة من المحاكمات والعذابات والاماتات. أضرم حاكم ايقونية ناراً والقاها فيها، لكن الله أرسل امطاراً غزيرة أطفأت النار وشتتت المجتمعين حولها …

أما هي فتركت مدينتها هاربة إلى حيث القديس بولس، الذي صحبها الي أنطاكية، وهناك تركها لتخدم بين النساء الوثنيات…

وفي أنطاكية فُتن بجمالها أحد وجهائها الطائشين … وإذ رآها مُعرِضة عنه، أراد ان يوقع بها فوشي بها الي الوالي، الذي حكم بإلقائها للوحوش … فألقيت عارية للوحوش ثلاث مرات على ثلاثة أيام متوالية. لكن الوحوش لم تقربها … ألقاها في جب ملئ بالأفاعي فلم تمسسها … وإذ حار الوالي في امرها أطلق سراحها.

إتصلت بالقديس بولس. وبعد أن شجعها وتعزت بإيمانه، ذهبت الي ايقونية مسقط رأسها تبشر مواطنيها بالإيمان الحي. ومن ايقونية انطلقت عائدة الي سوريا وأخذت تبشر في بعض جهاتها … وفي اواخر حياتها عكفت علي حياة الخلوة والنسك والتأمل، ووهبها الرب موهبة الشفاء، فكان الكثيرون يتقاطرون اليها طالبين البرء من امراضهم … وكم من مرة حاول بعض الأشرار الإساءة الي طهارتها، فأنقذها الرب من أيديهم بمعجزة … وأخيراً رقدت في الرب وهي في سن التسعين، ودُفنت في سلوقية.

وقد أفاض آباء الكنيسة الأوائل في مديح هذه القديسة، ومنهم باسيليوس الكبير، وغريغوريوس الثاؤلوغوس، يوحنا الذهبي فمه، وامبروسيوس، وايرونيموس، وايسيذوروس الفرمي، وساويرس الأنطاكي.

 

(86) Wuest , Romans in the Greek N.T., p. 257.

(87) لم يكن الزوجان يهوديين وقت طرد اليهود من روما، لكن المسيحيين طردوا مع اليهود، لأن الرومان كانوا ينظرون إلى المسيحية حتى ذلك الوقت على أنها شيعة يهودية

(88) Smith, Dictionary of Christian Biography, Vol. 4, pp. 882-895; Wace, Piercy, Dictionary of Christian Biography , pp. 953-956.

(89) مدينة بإقليم غلاطية بآسيا الصغرى (أنظر: أعمال 14: 1).

نماذج من النساء الخادمات في الكنيسة الأولى، بذلن كل غالي ونفيس وأعمارهن في خدمة الرب

خدمة النساء في الكنيسة الأولى، المرأة في الكنيسة الأولى (العصر الرسولي نموذجًا)

خدمة النساء في الكنيسة الأولى، المرأة في الكنيسة الأولى (العصر الرسولي نموذجًا)

خدمة النساء في الكنيسة الأولى، المرأة في الكنيسة الأولى (العصر الرسولي نموذجًا)

سبق أن عرضنا لأثر المسيحية على المرأة، ووضع المرأة في الكنيسة المسيحية.

لذا، فليس غريباً أن نلمس خدمة النساء واضحة في كنيسة الرسل، ونقرأ عن نشاطهن. على أن ذلك لم يكن شيئاً مألوفاً في مجتمع ذلك العصر… لقد وجدت كاهنات في بعض الديانات الوثنية، ووجدت عذارى للآلهة فستا “Vesta”، لكن دور المرأة اليهودية – في الخدمة الدينية – كان ضئيلاً ومحدداً. والمرأة اليهودية لم تكن في حال أفضل من هذه الزاوية، إذ لم يكن يُسمح لها بالمشاركة في الخدمة الدينية. وبإستثناء أمثلة نادرة ومتفرقة (١٠٠)، فإن المرأة في اليهودية، كانت بمعزل عن مجال الخدمة الدينية. وليس أدل على ذلك من الغرابة التي تملكت تلاميذ السيد المسيح حينما رأوه -في قصة السامرية – يُكلم إمرأة (يو 27:4)… فلقد نظر معلمو اليهود في ذلك العصر الي المرأة نظرة احتقار. لكن المسيحية رفعت من قدر المرأة.

لقد أشرنا قبلاً إلى النساء اللاتي كُنَّ يخدمن الرب يسوع من أموالهن … هؤلاء لم تتوقف خدمتهن له بإنتهاء حياته الجسدية على الأرض. لكنهن قدمنها له شخص كنيسته المقدسة التي هي جسده. وحتى قبل مولد الكنيسة في يوم الخمسين، نرى مشاركة المرأة في حياة الكنيسة وخدمتها. لقد قدمت مريم أم يوحنا الملقب مرقس (مار مرقس) بيتها في أورشليم ليكون أول كنيسة مسيحية في العالم (اع 12:12). وهناك كانت النساء المؤمنات والعذراء الطاهرة مريم يواظبن على الصلاة مع الرسل، منتظرين موعد الآب (اع 14:1).

وخارج أورشليم، نقرأ عن طابيثا في يافا، تلك التي كانت ممتلئة أعمالاً صالحة وإحسانات للفقراء والأرامل (اع 36:9)، وبنات فيلبس المبشر الأربع اللائي كن يتنبأن في قيصرية (اع 9،8:21)… ويحدثنا مار بولس في رسالته الي أهل فيلبي عن افودية وسنتيخي اللتين جاهدتا معه في الانجيل (في 3،2:4)… ويشير مار بولس في رسالته إلى أهل رومية عن خدمة النساء في عاصمة الإمبراطورية… فيذكر مريم التي تعبت كثيراً، وتريفينا وتريفوسا التاعبتين في الرب… كما يذكر برسيس المحبوبة (رو 12،6:16).

وفي كنيسة كورنثوس وجدت إثنتان من أنشط نساء العصر الرسولي خدمة هما بريسكلا وفيبي… وقد خدمت الأولى مع زوجها اكيلا في أفسس وروما وكورنثوس. وقد أقام بولس في بيتها في كورنثوس مدة إقامته الطويلة هناك. ويتحدث عنهما بتقدير كبير فيقول: «اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتي» (رومية 4:16).

أما فيبي فهي أيضا من كنيسة كورنثوس، ويذكرها القديس بولس في الرسالة الي أهل رومية، وهي نفسها كاتبة هذه الرسالة… «أوصي اليكم بأختنا فيبي التي هي خادمة الكنيسة التي في كنخريا (١٠١)، لكي تقبلوها في الرب كما يحق للقديسين… لأنها صارت مساعدة لكثيرين، ولي أنا أيضاً» (رو 2،1:16).

– الشمَّاسات (١٠٢):

تكلمنا عن النساء في كنيسة الرسل، وذكرنا بعض الأسماء. هؤلاء اللائي ذكرنا أسماءهن، كن يعملن بغيرة قلبية، لكننا لا نعتقد انهن كن مكلفات من قبل الكنيسة… وأول إشارة تقابلنا في العهد الجديد عن دياكونية المرأة، هي المرتبطة بفيبي… يقول مار بولس في (رو 1:16) «أوصي اليكم بأختنا فيبي، التي هي خادمة الكنيسة التي في كنخريا ». والكلمة اليونانية التي ترجمت خادمة هي Diakonos وهي نفس الكلمة التي استخدمت عن السبعة شمامسة (اع 6).

والقديس بولس في رسالته الي تلميذه الأسقف تيموثاوس، فيما يتحدث عن صفات الشمامسة، يشير الي النساء «كذلك يجب أن تكون ذوات وقار غير ثالبات صاحيات أمينات في كل شيء» (1تي 11:3). ويكاد يجمع جميع المفسرين القدامى والمحدثين، على أن الرسول يتكلم هنا عن الشماسات، وليس عن زوجات الشمامسة. يقول القديس يوحنا الذهبي فمه في تفسيره لهذه الآية: [لقد ظن البعض أن هذا الكلام قد قيل عن النساء عامة. لكن الامر ليس كذلك… إنه يتكلم عن الشماسات] (١٠٣) … ويؤكد الاستاذ وست Wuest أن النص اليوناني يؤكد وجهة النظر بأن الامر يختص بالشماسات (١٠٤).

أما الخدمة التي كانت الشمَّاسة منوطة بها، فهي خدمة بنات جنسها بصفة عامة، مما نصت على ذلك قوانين الرسل. كانت تقوم على المداخل المؤدية الي القسم المخصص للنساء في مكان العبادة (١٠٥). وكان من اعمالها الهامة، مساعدة الكاهن في عماد النساء في الأمور واللحظات التي يجب أن يتنحى، حتى لا يبصر جسد امرأة عارياً (١٠٦) … وكان الأسقف يرسلها لافتقاد النساء، خاصة في بيوت غير المؤمنين، حيث يستحسن ألا يذهب الشماس الرجل للافتقاد منعاً للعثرات (١٠٧).

وقد أجملت قوانين الرسل خدمة الشماسة في النص التالي [والشماسة فلتكن صاحية في العناية بالنساء، ويكون كلاهما (الشماس والشماسة) على استعداد لحمل رسائل، للسفر، وللخدمة] (١٠٨) … وفي تقليد قديم أن فيبي شماسة كنيسة كنخريا هي التي حملت رسالة القديس بولس الي اهل رومية، بعد أن كتبها في كورنثوس.

وقد إشترطت قوانين الرسل أن تكون الشماسة، عذراء طاهرة، أو على الأقل أرملة سبق لها الارتباط بزيجة واحدة (١٠٩). ونلاحظ أن رتبة الشماسة في الكنيسة ليست درجة كهنوتية، فلا كهنوت للنساء. ولا توضع عليها الأيدي كما في حالة الرسامات الكهنوتية. لكنها تقام من الأسقف، ويتلو عليها صلاة، وردت في قوانين الرسل (١١٠)، وجاء فيها: «يا الله الأبدي، أبا ربنا يسوع المسيح، خالق الرجل والمرأة، الذي ملأ بروحه مريم ودبورة وحنة وخلدة، ولم تستنكف أن يولد إبنك الوحيد من امرأة… إلخ».

هكذا كانت الكنيسة الأولى حية لكل احتياجاتها، واستغلت كل طاقات أعضائها، من أجل تحقيق الرعاية الكاملة لكل فرد فيها… وعلى الرغم من الجمود الذي كان يتصف به المجتمع وقتذاك من جهة احتجاب المرأة ووضعها، فقد عرفت الكنيسة كيف تتغلب على هذه الصعوبات الاجتماعية، التي كان لا سبيل لإصلاحها بكلمة واحدة، أو في زمن يسير…

لقد دخلت الكنيسة الي حيث النساء والفتيات في شخص الشماسات والقديسات. ونحن لا نشك في أن شطراً كبيراً من تعليم النساء والأطفال كان موكولاً إليها. وكانت هي همزة الوصل بين الكنيسة والقطاع النسوي فيها (١١١).

– الأرامل (١١٢):

أول ما نقرأ عن الأرامل في الكنيسة المسيحية في (اع 1:6)، فيما يتصل بموضوع إقامة السبعة شمامسة. ثم نقرأ عنهن في قصة طابيثا (اع 41،39:9)…

ويبدو أن رعاية الكنيسة لهن في الفترة المبكرة من تاريخها كان ينحصر في تقديم وجبات طعام يومياً (اع 1:6). لكن سرعان ما تزايد عدد الأرامل، حتى أن الرسول بولس يعطي إهتماماً خاصاً لهن في رسائله الرعوية. وإزاء تزايد الأعباء المادية على الكنيسة بسبب مساعدتها للأرامل، كتب القديس بولس هكذا: «إن كان لمؤمن أو مؤمنة أرامل فليساعدهن، ولا يثقل على الكنيسة لكي تساعد هي اللواتي هن بالحقيقة أرامل» (1 تي 16:5).

على أن ما يهمنا في موضوع الأرامل، ليس هو رعاية الكنيسة لهن مادياً، فهذا أمر مفروغ منه، ويتكلم عنه يعقوب الرسول على أنه الديانة الطاهرة (يع 27:1) …

لكن الكنيسة الناشئة عرفت كيف تقوم بواجبها إزاء هذه الفئة البائسة، وفي نفس الوقت رفعت من معنوياتهن، وإستفادت منهن بعد أن كن يشكلن عبئاً عليها… لقد عرفت الكنيسة كيف تحول هذه الفئة الي طاقة فعالة ضمن طاقاتها.

لقد شكلت الأرامل طغمة خاصة داخل الكنيسة، لهن عمل ورسالة… وهكذا إنقلتهن الكنيسة من وضع المنتفعين الذين يتقاضون مساعدات مادية، الي وضع الخادمات… ليس معني هذا ان الكنيسة تخلت عن إعالتهن والعناية بهن، لكن كانت عليهن أعمال يؤدونها، مقابل إعالتهن.

يقول القديس بولس لتلميذه الأسقف تيموثاوس: «لتكتتب أرملة أن لم يكن عمرها أقل من ستين سنة، إمرأة رجل واحد. مشهود لها في أعمال صالحة. ان تكن قد ربت الأولاد، أضافت الغرباء، غسلت أرجل القديسين، ساعدت المتضايقين، إتبعت كل عمل صالح. أما الأرامل الحدثات فأرفضهن لأنهن متي بطرن على المسيح يردن أن يتزوجن» (1تي 9:5-11) … هذا الكلام يوضح أنه كانت هناك شروط لعضوية طغمة الأرامل في الكنيسة.

ليس معني هذا ان الكنيسة كانت تساعد فريقاً من الأرامل دون فريق، بل هي كانت تساعد الجميع، لكنها اشترطت مؤهلات معينة لعضوية طغمة الأرامل، اللائي سيوكل إليهن خدمات معينة (١١٣).

هكذا نرى إن مؤهلات الارملة كانت مؤهلات عالية، حتى أن القديس يوحنا الذهبي فمه، في تعليقه على قول الرسول «إتبعت كل عمل صالح».

(1تي 10:5) يقول: [عجباً! أي نوع من التدقيق هذا الذي يطلبه الرسول من الأرامل. إنه يكاد يكون نفس ما يطالب به الأسقف…] (١١٤).

وليس هذا فحسب، بل إن قوانين الرسل أمرت بأن تبقي الأرملة فترة تحت الاختبار، إن لم يكن موثوقاً بها، وذلك قبل أن تُدرج في قوائم طغمة الأرامل (١١٥). ولا شك أن هذا يوضح لنا مدي اهتمام الكنيسة الأولي بهذه الفئة، التي غدت عبر الأجيال كماً مهملاً في كنيسة المسيح!!

هكذا نري أن الأرامل قد شكلت طغمة خاصة داخل الكنيسة، لهن كيان خاص متميز عن العلمانيين العاديين (١١٦). ولكن يبدو أن الأرامل في عملهن وخدمتهن كن على نوعين: نوع منقطع للصلاة وملازمة الكنيسة تشبهاً بحنة بنت فنوئيل (١١٧) التي وهي «أرملة نحو أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل، عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً»

(لو 37:2)، ونوع كان يخدم بين المرضي، ويحث الشابات على حياة الطهارة، ويبشر بين غير المؤمنات (١١٨) وهذا يتماشى مع وصية القديس بولس لتلميذه الأسقف تيطس عن العجائز «معلمات الصلاح (١١٩) لكي ينصحن (يدربن) الحادثات» (تي 4،3:2).

وقد اشار الآباء الرسوليون الي الأرامل وخدمتهن، واوصوا بهن… أشار إليهن هرماس في كتابه الراعي (١٢٠). والقديس اغناطيوس الشهيد، عير الهراطقة لأنهم أهملوا الأرامل (١٢١)، ويحث القديس بوليكاربوس، ألا يهمل الأرامل، بل يجعلهم موضع عنايته الخاصة (١٢٢) …

وبوليكاربوس نفسه يحث قسوس فيلبي ألا يهملوا الأرامل، ويدعوهم [مذبح الله] (١٢٣) … وقوانين الرسل تشبه الأرامل والأيتام بمذبح المحرقة الذي كان في هيكل العهد القديم، الذي كانت التقدمات تقدم عليه لله (١٢٤) … ويوستينوس الشهيد، يضع الأرامل والأيتام على رأس قائمة من توزع الكنيسة عليهم مساعدتها(١٢٥).

الهوامش

(100) مثل دبورة وخلدة النبيتين – أنظر: قض 4: 4؛ 2مل 22: 14.

(101) ميناء كورنثوس.

(102) Ency. of Religion and Ethics, Vol. 8, pp. 668, 669; Dictionary of Christian Antiquities Vol. 1, pp. 532; The Ministry of Deaconesses, pp. 64-79.

(103) Commentary in 1 Timothy, Homily 11 (N.P.N.F., p. 441).

(104) Wuest, the Pastoral Epistles, p. 61.

(105) Apostolical Constitutions, 2. 57. (A.N.F., p. 42).

(106) Ibid, 3. 16. (A.N.F., p. 431).

(107) Ibid, 3. 2. (A.N.F., p. 431).

(108) Ibid, 3. 19. (A.N.F., p. 432).

(109) Ibid, 6. 17. (A.N.F., p. 457).

(110) Ibid, 8. 20. (A.N.F., p. 492).

(111) يقول المؤرخ شاف ان وظيفة الشماسة في الكنائس الشرقية استمرت حتي نهاية القرن الحادي عشر. أنظر: Schaff , Vol. 1 pp. 500, 510

(112) اهتم الاباء بوضع الأرامل في الكنيسة ووضعوا لهن القوانين – أنظر : قوانين باسيليوس الكبير ص 366-370، S. Augustin , Good widowhood.

)113) Wuest; The Pastoral Epistles, p. 78.

)114) Commentary on First Timothy, Homily 14 (N.P.N.F., p. 454).

(115) Apostolical Constitutins, 8. 25 (A.N.F., p. 493).

(116) Ibid, 3. 1. 2; 8. 25.

(117) Ibid, 3. 1 (A.N.F., p. 426).

(118) Dictionary of Christian Antiquities, Vol. 2, p. 2034; Hasti, Dictionary of the Bible, p. 972.

(119) لفظ معلمات الصلاح في اليونانة هو Lalodidaskaios وتعني معنى التعليم الشفوي والتدريب. أنظر: Wuest; The Pastoral Epistles, p. 191

(120) Hermas; The Pastor, 3. 26.

(121) Epistle to the Smyrnaeans, ch. 6.

(122) Epistle to Polycarp, ch. 4.

(123) Epistle to the Philipians, ch. 4.

(124) Apostolical Constitutions, 2. 26.

(125) Justin Martyr, 1 Apol. 67.

خدمة النساء في الكنيسة الأولى، المرأة في الكنيسة الأولى (العصر الرسولي نموذجًا)

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

 

الكنيسة القبطية ترد على بيان الأزهر بإغلاق قناة الحياة المسيحية الفضائية

الكنيسة القبطية ترد على بيان الأزهر بإغلاق قناة الحياة المسيحية الفضائية

الكنيسة القبطية ترد على بيان الأزهر بإغلاق قناة الحياة المسيحية الفضائية

أكد القس بولس حليم، المتحدث الرسمى باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، أن قناة الحياة القبطية التى اتهمها مرصد الأزهر بالتشكيك فى الإسلام غير تابعة لها، ومن ثم فإن الكنيسة غير مسئولة عنها وعن ما تبثه.

وقال المتحدث الرسمى باسم الكنيسة، فى تصريحات لـ”اليوم السابع”، إن القنوات التابعة للكنيسة المصرية هى قنوات “سى تى فى “و”أغابى” و”مى سات” و”كوجى”، و”لوجوس”، و”سى واى سى”، فقط، أما باقى القنوات فلا علاقة لنا بها.

وأعرب القس بولس حليم عن رفض الكنيسة وسائل الإعلام التى تنشر العنف والتعصب، وتحرض ضد الآخر، مؤكدًا أن الكنيسة تسعى دائما لنشر ثقافة الحب والسلام.

وكان مرصد الافتاء قد أصدر بيانًا، منذ قليل، دعا المخلصين من أبناء الوطن، لاسيما قادة الكنيسة المصرية، للعمل على توجيه وتصحيح مسار هذه القنوات التى من شأنها إثارة الأحقاد والضغائن وتهديد أمن المجتمع المصرى وزعزعة استقراره والتفرقة بين أبنائه، حفاظا على مصلحة الوطن العليا.

وأصدر مرصد الأزهر الشريف، بيانا، ذكر فيه انه تابع باهتمام بالغ القنوات الفضائية التى تبث أفكارًا متطرفة، سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية، والتى تبغى إثارة الفتن والقلاقل بين أبناء الوطن في هذه الأوقات العصيبة، وقد لاحظ المرصد بقلق بالغ أخيرا أن هناك قنوات فضائية مسيحية تبث على النايل سات وبخاصة قناة الحياة Al-Hayat TV والتي تبث برامج حوارية تتعرض لعقائد المسلمين ونصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة وتلصق كل نقيصة بالإسلام وتشكك في عقائده وأحكامه بطريق سافرة لا تقوم على دليل ولا تمت للمنهج العلمي بصلة، خاصة أنها تستضيف من تقدمهم على أنهم مسلمون مرتدون عن الإسلام ومعتنقون للمسيحية وتظهرهم في برامج حوارية أخرى وهذه القناة تقدم نفسها على أنها مسيحية، الأمر الذي يستفز مشاعر المسلمين ويخلق حالة من الكراهية تجاه إخوانهم المسيحيين والذين طالما عاشوا معا يتبادلون مشاعر الاحترام والتقدير.

من قلب الكنيسة .. “الشيخ نهيان” للمسيحيين : “مرحبا بكم في الإمارات .. تعلمنا منكم الكثير”

من قلب الكنيسة .. “الشيخ نهيان” للمسيحيين : “مرحبا بكم في الإمارات .. تعلمنا منكم الكثير”

من قلب الكنيسة .. “الشيخ نهيان” للمسيحيين : “مرحبا بكم في الإمارات .. تعلمنا منكم الكثير”

من قلب الكنيسة .. “الشيخ نهيان” للمسيحيين : “مرحبا بكم في الإمارات .. تعلمنا منكم الكثير”

 
 

أكد الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، حرص دولة الإمارات العربية المتحدة على ترسيخ قيم التسامح والاعتدال واحترام الأديان، وذلك خلال حضوره الصلاة التي أقيمت في كنيسة القديس أندراوس للأنغليكان في أبوظبي بمناسبة انجاز صيانة مبنى الكنيسة.

وقال أمام المصلين “إن قيادة دولة الإمارات تؤمن إيماناً راسخاً بقيم التسامح والاعتدال والتعايش الثقافي والحضاري ونبذ عوامل الفرقة والتعصب بين الشعوب، مما جعل من مجتمعها نموذجاً رائداً للسماحة والتعايش الإنساني واحترام قيم وعقائد الآخرين وثقافاتهم”. وأضاف “كما نؤمن إيماناً راسخاً بأن المجتمع الأكثر نجاحاً هو المجتمع الذي يكون فيه لدى جميع الناس فرصاً متساوية لتحقيق إمكاناتهم الكاملة كبشر”.

وأشار إلى أن موقف ولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تجاه ثقافات العالم “يشكل عنصراً أساسياً في رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة التي حققت من خلالها نمواً اقتصادياً لم يسبق له مثيل في ظل الاستقرار الاجتماعي والسياسي وتوسع الفرص للمواطنين والمقيمين”، مشيداً “بتلك الرؤية التي تجلت بشكل واضح في تدشين المبنى الجديد لكنيسة القديس أندراوس، الذي حظي بدعم ولي عهد أبوظبي لجعله واقعاً ومكاناً مميزاً للعبادة”.

وتابع “إن احتضان دولة الإمارات لجنسيات مختلفة، يعيشون معاً بانسجام ويمارسون شعائرهم بحرية، في المساجد والكنائس وغيرها من دور العبادة، يشكل مصدر قوة للبلاد”، مشيراً إلى أن “استضافة خليط من الجنسيات والأعراق والأديان واللغات والثقافات المختلفة في الإمارات لا يهدد ثقافتنا العربية التقليدية بل يكسبنا قوة وفرصة”.

وتابع: “نرحب بتنوع السكان، من الرجال والنساء، الذين يساعدون في الحفاظ على الإثراء الثقافي”. وخاطب الحضور بالقول “لقد رحبنا بكم في بلدنا وتعلمنا منكم الكثير”.

من كتب الاناجيل – شهادة اباء الكنيسة الأوائل

من كتب الاناجيل – شهادة اباء الكنيسة الأوائل

من كتب الاناجيل – شهادة اباء الكنيسة الأوائل. ترجمة ميرفت القمص

من خلال تعاملاتي مع المشككين لاحظت نمط متكرر. فهم يفتخرون بأنهم متشككين وفي نفس الوقت عقلانيين. ويشعرون ان الصفتين متلازمتين؛ اي ان الانسان الذي لا يطرح أسئلة يقع فريسة لأي فكرة. وهذا صحيح الى حد ما، ولكن هناك مستويات من الشك تعتبر غير منطقية وفي احيان كثيرة اجد نفسي أتجادل مع نفس الأشخاص الذين يقولون انهم عقلانيين لأنهم يطالبون بأدلة غير معقولة.

فمثلا، لننظر الى كُتاب البشائر الأربعة. نعرف ان البشائر لم تُوقع من متى،مرقس، لوقا او يوحنا. وهذا ليس بغريب لأنه توجد سير حياة مشهورة ايضا لم توقع. ولكن هناك أسباب جيدة تجعلنا نعتقد ان هؤلاء الرجال الأربعة هم من كتبوها. وسأبدأ بالتقليد التاريخي الذي يربط الاناجيل ببعضها. شهادة ق. كليمنضس. في حين انه لم يوقع متى، مرقس ،لوقا او يوحنا اناجيلهم، لكن الكنيسة عرفتهم ككتاب الاناجيل منذ بداياتها.

اوسابيوس، وهو يكتب في نهاية القرن الثالث يحدد بوضوح ان هؤلاء الرجال هم كتاب الاناجيل. بالطبع، فإن شهادة مثل هذه بعد مرور ٢٠٠ سنة من كتابتها يدعو الناس في التفكير في مدى مصداقيتها. ولكن اوسابيوس لم يصل للنتيجة بنفسه ولكنه اقتبس من اعمال سابقة مثل ق. كليمنضس. السكندري. ق. كليمنضس السكندري عاش ١٠٠ سنة قبل اوسابيوس وأكد ان ق. مرقس هو من كتب إنجيله، عن تعاليم ق. بطرس الرسول. وايضا ان هذا هو مرقس المذكور في ١بط ١٥:٥ مرجع اوسابيوس التاريخ الكنسي ٢. ١٥. ١-٢. (1)

وايضا ان كتابة ق. مرقس لانجيله تمت اثناء حياة ق. بطرس(2) شهادة بابياس: في حين ان شهادة كليمنضس تأتي بِنَا إلى حوالي قرن من كتابة الإنجيل، فإن اوسابيوس يستشهد حتى بمن هو قبل منه، الكاتب بابياس. ريتشارد بكهام يلاحظ ان في حين ان كتابات بابياس مكتوبة حوالي ١١٠ م ولكنها في الحقيقة جُمعت من أبحاث مبكرة من حوارات مع تلاميذ الرسل مباشرة او الرسل أنفسهم. ويقول بكهام ان الزمن يكون حوالي ٨٠ م. (3)

ويقول بابياس عن ق. مرقس انه خدم كمترجم له وكتب بدقة كل ما تذكره، ربما ليس بالتسلسل التاريخي، عن ما قاله الرب يسوع وفعله. (4) وبالمثل، فلدينا شهادات كُتاب اخرون ايضا. كريج بلومبرج يقول ان ق. متى كتب إنجيله وسرد أمثلة السيد المسيح “باللهجة العبرية” (5) ايريناوس، عاش بعد بابياس مباشرة يؤكد ان ق. متى كتب إنجيله مبكرا :” متى كتب انجيل للعبرانيين عندما كان بطرس وبولس يبشران في روما ويضعا أساس الكنيسة هناك” ( ضد الهراطقة ٣ .١ .١)

كليمنضس السكندري، في نفس فقرة اوسابيوس يؤكد ان لوقا ويوحنا هما واضعا اناجيلهم. والمرة القادمة سأناقش لماذا نؤكد على ان هؤلاء الرجال الأربع هم من كتبوا اناجيلهم. ولكن الان نكتفي بهذا التسلسل الذي يربطهم بكتابتهم.

المراجع:

1. See this passage in the Christian Classics Ethereal Library digital version of the Nicene and Post-Nicene Fathers at http://www.ccel.org/ccel/schaff/npnf201.iii.vii.xvi.html.

2. Christian Classics Ethereal Library,http://www.ccel.org/ccel/schaff/npnf201.iii.xi.xiv.html.

3. Bauckham, Richard. Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony. Grand Rapids, MI: William B. Eerdmans Pub., 2006. Print. 14.

4. Blomberg, Craig. The Historical Reliability of the Gospels. Second ed. Leicester, England: Inter-Varsity, 2007. Print. 25.

5. Blomberg, 26.

من كتب الاناجيل – شهادة اباء الكنيسة الأوائل

مواليد يعقوب ومراحل الكنيسة

مواليد يعقوب ومراحل الكنيسة

مواليد يعقوب ومراحل الكنيسة

 

صفحة : المسيح في التراث اليهودي

ولا تتوقف عجائب الكتاب، إن كان يعقوب هو أب الأسباط وبالتالي هو أب الكنيسة، فسنرى مراحل الكنيسة من خلال مواليده.

تزوج يعقوب ليئة وراحيل وجاريتهما وأنجب اثنى عشر إبناً، وهم رؤوس أسباط بني إسرائيل. سنتناول منهم فقط أبناء ليئة (قبل أن تنقطع عن الولادة للمرة الأولى) وأبناء راحيل بحسب أعمارهم.

الإبن الأول: رأوبين (רְאוּבֵן) :

هو ابن ليئة وهو البِكر وكلمة رأوبين تتكون من مقطعين (ראו+בן) (الاولى تصريف من الفعل “رأى” والثانية إسم بمعنى “إبن”) وعلى هذا تكون الترجمة الحرفية للإسم هي رأيت إبن.

رأوبين يمثل المرحلة الأولى للبشرية حيث كان الإنسان يُعاين الله ويمثلها آدم. كان الإنسان يعاين الله (الإبن او الكلمة) ويراه، فبالرغم من ان آدم لم يرد عنه سوى بضعة آيات في الكتاب، إلا اننا نستطيع ان نفهم منها ان آدم كان معاينا لله، ليس بمعنى الرؤية الشاملة الكلية لأن هذا نفاه الله نفسه لموسى (خر 33: 20) واعلن عن هذا ايضا يوحنا الحبيب (يو 1: 18). لكن الرؤية التي اتكلم عنها هي الرؤية للظهورات الإلهية كما رأى ابراهيم الله على هيئة انسان وموسى رآه على هيئة نار واسرائيل رآه على هيئة عمودي نار وسحاب وهكذا، إلا انه في حالة آدم كان الظهور مستمرا.

فعندما اخطأ آدم يقول الوحي ان آدم خاف من وجه الله فأختبأ، وتلك الآية لا تُفهم إلا في ضوء ما شرحناه من ان آدم كان يتمتع برؤية ظهور إلهي مستمر ولعل هذا الظهور كان ظهور على هيئة انسان وربما هذا ما عنته الآيات من ان الرب الإله كان ماشيا في الجنة (تك 3: 8)، وعن تلك الآية ورد في الترجوم الفلسطيني ان كلمة الرب (מימרא דייי) هو من كان يمشي في الجنة.

 

الإبن الثاني: شمعون (שִׁמְעֹון) :

هو ابن ليئة وكلمة شمعون هي من الفعل (شَمَع-שָׁמַע) بمعنى سمع وعلى هذا تكون الترجمة الحرفية للإسم هي سماع.

شمعون يمثل المرحلة الثانية للبشرية حيث اصبح الانسان سامعاً لله ويمثلها الآباء من نوح مرورا بإبراهيم ونهايةً بيعقوب. زاد انفصال الإنسان عن الله فلم يعد يراه بإستمرار وانما فقط يستمع لصوته. فبالرغم من ان الآباء قد عاينوا ظهورات للكلمة او الابن إلا ان تلك الظهورات كانت مؤقتة وقليلة، ولعل ابرز حادثة على هذا هي عندما ظهر الإبن او الكلمة ليعقوب على هيئة إنسان فصارعه يعقوب وفي نهاية هذا الصراع قال يعقوب:

(تك 32: 30) “َنَظَرْتُ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَنُجِّيَتْ نَفْسِي”، فما اعلنه يعقوب هو انه في مرحلة لم يعد الإنسان يستطيع او يطيق رؤية ظهورات الله كأمر عادي، فظهورات الله في ذلك العصر كانت قليلة واستثنائية، بينما كانت وسيلة التواصل المستمرة هي السماع.

 

الإبن الثالث: لاوي او ليڤي (לֵוִי) :

هو ابن ليئة وكلمة لاوي او ليفي هي من الفعل (لفاه- לָוָה) بمعنى اتحد او اقترن وعلى هذا تكون الترجمة الحرفية للإسم هي اقتران.

لاوي يمثل المرحلة الثالثة للبشرية حيث اصبح الانسان فقط يتواصل مع الله من بعيد عن طريق الكهنوت والطقوس والناموس، ويمثلها الشعب الإسرائيلي بدايةً من الأسباط والى نهاية العهد القديم. زاد انفصال الإنسان عن الله فلم يعد حتى يطيق او يحتمل ان يسمعه، فأصبحت العلاقة بين الإنسان والله هي علاقة اقتران عن طريق وسائط هي الكهنوت والطقوس بما فيها من ذبائح وتقدمات.

من اعظم الحوادث التي تمثل هذا العصر هي الحادثة عندما وقف اسرائيل عند جبل سيناء، ولم يطيقوا ان يستمعوا لكلمات الله قائلين لموسى (خر 20: 19) “تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ. وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ”، الإنسان بإنفصاله عن الله ازداد ظلامه ولم يعد حتى قادرا على ان يسمع صوت الله. ومن وقت الأسباط وحتى نهاية اسرائيل كانت وسيلة الإرتباط بالله هي الكهنوت والطقوس والناموس.

ملحوظة : أفرز الله رتبة الكهنوت وتقديم الذبائح من هذا السبط فقط (خر 28: 1).

 

الإبن الرابع: يهوذا او يهوده (יְהוּדָה) :

هو ابن ليئة وكلمة يهوذا او يهوده هي من الفعل (يَدَه- יָדָה) بمعنى حَمِد وعلى هذا تكون الترجمة الحرفية للإسم هي حمد.

يهوذا يمثل المرحلة الرابعة للبشرية هي مرحلة النعمة التي نحياها الآن، حيث استعدنا فيها تواصلنا مع الله، هي مرحلة العهد الجديد والتي بدأت من وقت المسيح ومازالت مستمرة. استرد الإن سان علاقته بالله مرة اخرى بقوة عن طريق الإبن (المسيح). فالإبن قد ظهر للجميع وسُمِعت كلماته فيه امام الجميع، هو جاء ليردنا الى العصور الأولى حيث كان في الاستطاعة رؤية ظهورات الله وسماع كلماته. هذا اعلنه الحبيب قائلاً (1يوحنا 1: 1) “اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا”.

ملحوظة : أعلن يعقوب النبي بروح النبوة أن من هذا السبط سيجئ المسيح (تك 49: 10).

 

الإبن الخامس: يوسف (יֹוסֵף) :

هو ابن راحيل وكلمة يهوذا او يهوده هي من الفعل (يَسَف- יָסַף) بمعنى يُضيف او يُزيد وعلى هذا تكون الترجمة الحرفية للإسم هي إضافة أو زيادة.

يوسف يمثل المرحلة الخامسة للبشرية هي مرحلة المجئ الثاني الذي ننتظره جميعنا. سيأتي المسيح مرة أُخرى نراه ونسمعه وتلمسه ايدينا، في تلك المرحلة سينهي المسيح الشر للأبد وسنعيش مع الله حياة أبدية.

 

الإبن السادس:

بن أوني (בֶּן־אֹונִי) الذي هو بنيامين (בִנְיָמִֽן) :
هو ابن راحيل وقد أسمته امه “بن أوني” ثم ماتت، ودعاه الأب بعد ذلك بإسم مُختلف هو “بنيامين”. كلمة “بن-أوني” تتكون من مقطعين (בן+אוני) ومعناها حرفياً “إبن حزني”، اما كلمة بنيامين تتكون من مقطعين (בן+ ימן) ومعناها حرفيا “إبن اليمين”.

بن-أوني او بنيامين يمثل المرحلة السادسة والأخيرة للبشرية. فيها سيبكي المؤمنين حزناً من هول شر العالم وما رأوه فيه وحينها سيمسح الله كل دمعة من عيوننا (رؤ 21: 7) ويقول لنا أنتم أبناء اليمين تعالوا رثوا الملكوت المُعد لكم منذ تأسيس العالم (مت 25: 34). الأب قد يحب الجميع ويظهر حبه للكل، ولكن ما يميز الإبن عن الأخرين هو إنه فقط وحده له الميراث.

المسيح هو الإبن الحقيقي الجالس عن يمين الآب السماوي وله كل الميراث (مز 2: 7-8، مز 110: 1)، ونحن في المسيح نلنا بنوة حقيقية لله، وفي تلك المرحلة سننال الميراث الذي لنا، ونصبح بحق أبناء اليمين. أما عن العالم الحالي كما نعرفه فسيزول (2بط 3: 10)، أما لنا فسيكون هناك سماءاً جديدة وأرضاً جديدة (رؤ 21: 1).

ملحوظة : راحيل تمثل العالم الحالي، فموت راحيل أثناء ولادة بنيامين إنما هو رمزاً عن فناء العالم الحالي في حين ننال نحن الحياة الأبدية.

آمين تعالى يا رب يسوع.

مواليد يعقوب ومراحل الكنيسة

Exit mobile version