اللاهوت العقائدي والباترولوجي – دراسة

اللاهوت العقائدي والباترولوجي

اللاهوت العقائدي والباترولوجي – دراسة

اللاهوت العقائدي والباترولوجي – دراسة

وضع السيد المسيح لنا عقائد إيمانية، فهو جدر الزاوية، عندما سأل السيد المسيح تلاميذه” “مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أنَا ابْنُ الإنسان؟” (مت13:16)، هذه الشهادة التي قالها بطرس “فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ الله الحيّ” (مت16:16).

يُعلِّق القديس أثناسيوس الرسوليّ على قول السيد المسيح للتلاميذ “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدًسٍ” (مت19:28)، بأن الأساس في هذا النص يدلّ على عقيدة الثالوث القدوس كما يُستدعَى في المعمودية، فيقول “هذا هو إيمان الكنيسة الجامعة، لأن الرب أسسها في الثالوث

أمرهم السيّد قائلاً لتلاميذه: فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” (مت19:28)، بأن الأساس في هذا النص يدلّ بالتحديد على عقيدة الثالوث القدوس كما يُستدعَى في المعمودية، فيقول “هذا هو إيمان الكنيسة الجامعة، لأن الرب أسسها في الثالوث، أمرهم اليبّد قائلاً لتلاميذه: “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابِنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” (مت19:28)، فلو كان الروح مخلوقًا لما وضعه مع الآب الرتبة، حتى لا يكون الثالوث غير متماثل مع نفسه عندما يُوضع معه آخر غريب عنه… فذهب الرسل وعلّموا هكذا[1].

يرى القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيّات أن اللاهوت ليس منهجًا عقليًا، ولا يمكن أن يُحدّ ضمن الجسم العقليّ، ولذلك على الإنسان أن يُعيد صياغة فكره وأحاسيسه من خلال علاقته بالله، ومع ذلك فهو لا يتكلّم باللاهوت في شؤون تخصُّ جوهرَ الله، إنما فيما يدور حول الله، أي أعمال الله وقواه، الله لا يُدرك بالعقل، فما هو مُدرَك فيه هو لا محدوديته، يمكن أن يقول الإنسان عن الله أنَّه غير مُدرَك، لا بدء له، لا مولود، أي أن يظهر ما هو ليس الله..

فعمل اللاهوتيّ محدود بطبيعة بحثه وبقناعته بأن معرفته لا تُكتمل، حتى بولس الرسول أكّد على عدم الإدراك الكامل لله، يقول القديس غريغوريوس: “إيليا كما نعرف من التاريخ لم يرً طبيعة الله بل ظلالها، وبولس الرسول إذا كان يستطيع أن يعبّر عما رأى وسمع في السماء الثالثة، وبالصعود حتى ذلك المكان يمكننا أن نعرف شيئًا من غاية الاختطاف؟ ذلك لأن بولس نفسه لم يُدرِك شيئًا، بل ترك لنا أن نكرّم بصمت ما عاينه وذكره، أي أنه سمع كلمات سرية لا يُنطَق بها…

إننا كمَن يحاول أن يغرف ماء البحر بالوعاء… بكلامي حاولتُ أن أُبرهن أن العقل لا يستطيع أن يُدرِك طبيعة الملائكة فكم بالأحرى طبيعة الله التي تفوق كل شيء؟ له المجد والإكرام إلى أبد الدهور آمين”[2].

كان المعتاد في القرون الثلاثة الأولي أن يجتمع الموعوظين في الكنيسة، وتُقدَّم لهم تفاسير كتابية مع الإيمان، ويُلقَّنوا قانون الإيمان مع شرحه جملة جملة وتسمى تعليم العقيدة “Catechism”، ومثال ذلك شرح قانون الإيمان للقديس كيرلس الأورشليميّ، ثم ينالون سر المعمودية المقدسة، وبعدها يستمعون إلى شرح الأسرار.

كما أن الكنيسة في القرون الأولى في شرحها للعقيدة كانت تعتمد على الكتاب المقدس والليتورجية، فلا يوجد طقس بدون خلفية عقيدية، ولا توجد عقيدة بدون صياغة طقسية، فالعقيدة لا تُفهم إلاَّ من خلال كلمة الله والليتورجية التي هي الممارسة الحيّة لجماعة المؤمنين.

العقيدة ليست نظرية هندسية أو موضوعًا عقليًا نظريًّا فقط، لكنها حياة تحياها الكنيسة وتنال بركتها من خلال التطبيق الروحيّ لها في الليتورجية، فالليتورجية تقدم العقيدة والطقس، إلاَّ إن استخدام الكتاب المقدس فقط بعيدًا عن الليتورجية المعاشة، يُصبح غامضًا لذلك لا يمكن فصلهما عن بعضهما.

ترجع حاجة الآباء إلى صياغة الإيمان في قانون مُحدَّد أو مصطلحات محددة، وتحديدات واضحة حية لحقائق الإيمان المسيحيّ، زكذلك صياغة الليتورجية إلى ظهور الهراطقة والذي كان هدفهم تحريف الحق[3]، فصاغ الآباء معلمو العقيدة الإيمان بإلهام الروح القدس الواحد، الذي عمل في الآباء الرسل، وفي الآباء من بعدهم، لذا القاسم المُشترك في كل اعتراف الآباء هو الاستنارة المعطاه لهم من الروح القدس، يقول القديس هيلاري “نحن ملتزمون أن نتكلم بما لا يُنطَق به، عوض هيام الإيمان المجرد نلتزم أن نعهد أمور الدين إلى مخاطر التعبير البشري”[4].

هذا الإيمان المستقيم هو القاعدة والمقياس، لذا يُسمَّى قانون “creed”، ومن المعروف أن القانون هو الوسيلة لقياس واختبار الأشياء، كالقضيب المستقيم أو المسطرة التي نُقيم بها استقامة الشيء، لذا يسميه القديس إيريناؤس “قاعدة الإيمان”[5].

فالكنيسة استلمت إيمان واحد ودور الآباء الحفاظ عليه، كما يُوصينا مُعلمنا القديس يهوذا الرسول: “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ كُنْتُ أَصْنَعُ كُلَّ الْجَهْدِ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنِ الْخَلاَصِ الْمُشْتَرَكِ، اضْطُرِرْتُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيكُمْ وَاعِظًا أنْ تَجْتَهِدُوا لأجْلِ الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّة لِلْقِدِّيسِينَ” (يه3).

يقول القديس إيريناؤس (أسقف ليون – القرن الثاني): “رغم أن الكنيسة منتشرة في كل المسكونة من أقاصيها إلى أقاصيها، فقد استلمت من الرسل وتلاميذهم الإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، خالق السماء والأرض والبحار وكل ما فيها، والإيمان بالمسيح يسوع الواحد، الذي هو ابن الله، الذي تجسَّد لأجل خلاصنا، والإيمان بالروح القدس الذي أعلن التدبير بواسطة الأنبياء،[6]

أي بمجيء المسيح وميلاده العذراويّ وآلامه وقيامته من بين الأموات، وصعود ربنا المحبوب المسيح يسوع إلى السما جسديًّا[7]، وظهوره ثانيةً من السماء في مجد الآب، لكي يجمع كل الأشياء في نفسه، ولكي يُقيم أجساد كل البشر إلى الحَيَاة، لكي تجثو للمسيح يسوع ربنا وإلهنا ومخلصنا وملكنا كل ركبة، بحسب مشيئة الآب غير المنظور، ولكي يعترف كل لسان له، ولكي يُقيم أجساد كل البشر إلى الحَيَاة، لكي تجثو للمسيح يسوع ربنا وإلهنا ومخلصنا وملكنا كل ركبة، بحسب مشيئة الآب غير المنظور..

ولكي يعترف كل لسان له، ولكي يُجري دينونة عادلة للجميع، ولكي يطرد أرواح الشر والملائكة الذين تعدوا وصاروا مضادين، وكذلك الأثمة والأشرار ومخالفي الناموس والدنسين، ويطرح الجميع في النار الأبدية، ولكن في نعمته سوف يهب الحَيَاة ومكافأة عدم الفساد والمجد الأبديّ لأولئك الذين حفظوا وصاياه، وثبتوا في محبته سواء منذ بداية حياتهم أو منذ وقت توبتهم[8].

هذا الإيمان تحفظه الكنيسة باجتهاد رغم أنها مُنتشرة في كل العالم، تحفظه بكل اجتهاد كما لو كانت كلها تسكن في بيت واحد، وهي تؤمن بهذا وكأن لها عقلاً واحدًا وتكرز وتعلّم وكأن لها فمًا واحدًا، ورغم أن هناك لغات كثيرة في العالم، إلاّ أن معنى التقليد واحد، وهو هو نفسه، لأن نفس الإيمان تتمسك به وتسلّمه الكنائس المؤسسة في ألمانيا، وأسبانيا، وقبائل قوط، وفي الشرق، وفي ليبيا، وفي مصر، وفي المناطق الوسطى من العالم.

كما أن الشمس وهي مخلوقة من الله، هي واحدة، وهي هي نفسها في كل المسكونة، هكذا أيضًا نور كرازة الحق، الذي يُضيء على كل الذين يرغبون أن يحصلوا على معرفة الحق، ولن يستطيع أيُّ واحدٍ من القادة في الكنائس – مهما كان له موهبة فائقة في الفصاحة – أن يُعلّم تعاليم مختلفة عن هذه (لأنه ليس أحد أعظم من الرب والسيد)، ومن الجهة الأخرى، فإن مَنْ عنده نقص في قوة التعبير لن يسبب ضررًا للتقليد، لأن الإيمان هو نفسه على الدوام واحد لا يتغيّر بل يظلّ هو نفسه كما هو…

فلا يستطيع ذلك الشخص الذي يمكنه أن يتحدّث عن التقليد حديثًا طويلاً أن يعمل أَيَّة إضافة عليه، كما أن الشخص الذي لا يستطيع أن يتكلّم سوى القليل، لا يمكن أن يُنقض منه شيئًا[9].

فقد صاغ الآباء قانون الإيمان النيقاويّ: “نؤمن بإله واحد… نعم نؤمن بالروح القدس”، وذلك لمواجهة أريوس، وأكملوا من بعده في مجمع القسطنطينية: “نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحييّ… وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي”، لتوضيح ألوهية الروح القدس لمجابهة بدعة مقدونيوس، وفي مجمع أفسس الأول واجهه الآباء تعاليم نسطور وأقروا بأن العذراء هي “والدة الإله” وضع الآباء مقدمة قانون الإيمان: “نعظمك يا أم النور الحقيقيّ..”.

كذلك صياغة مصطلحات لاهوتية، مثل، لتوضيح العلاقة بين الآب والابن، فهذا التعبير لم يأتِ في الكتاب المقدس، بل إن النصوص المتعلقة بين الآب والابن، فهذا التعبير لم يأتِ في الكتاب المقدس، بل إن النصوص المتعلقة بهذا المصطلح لو فُهمتْ فلسفيًا فقط، لن نصل إلى هذا المصطلح، لكن الآباء المستنرين بعمل الروح القدس كتبوا هذا المصطلح.

كذلك لم يأتِ بالنص في الكتاب المقدس أن الروح القدس مساوٍ للآب في الجوهر، ومع ذلك فإن حقيقة مساواة الروح القدس للآب في الجوهر، تتفق تمامًا وتشهد بما جاء في الكتاب المقدس، فعندما تكلم القديس غريغوريوس عن ألوهية الروح القدس، بالاستنارة التي منحها له الروح القدس خلال فهمه للكتاب المقدس، دخل إلى البهاء المتواري للحقيقة الإلهيّة واستخدم اصطلاح[10].

يقول البابا كيرلس عمود الدين: “حينما نصف الذات الإلهيّة بأنها غير مادية وغير مرئية وغير محدودة ولا يمكن قياسها، هل نحن نتكلم بطريقة غير مناسبة؟ لن أخجل أبدًا من استخدام أيِّ كلمة تستطيع أن تشارك في إظهار الحق، أين أطلقت الكتب المقدسة على إله الكون لقب غير الجسديّ، غير الموصوف وغير المحدود وغير الخاضع لأحد! ورغم ذلك فهو كل هذا بالطبيعة سواء أراد هؤلاء (يقصد الهراطقة) أم لم يُريدوا؟ وإذا كنا قد وضعنا في قلوبنا أن نفكر بطريقة أرثوذكسية، فلا يحق لنا أن نرفض التعبيرات التي تساعدنا على معرفة الحقيقة”[11].

 

 

[1] The Letters of saint Athanasius concerning the Holy Spirit, C. R. B. Shapland, London 1951, p. 132.

[2]  مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتيّ، سلسلة آباء الكنيسة (8)، منشورات النور ص 108-110.

[3]  د. جورج عوض – اعتراف الإيمان في الكنيسة الأولى – المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية – 2008 ص 10.

[4] Anne Fremantle: A Treasurly of early Christianity. P. 275.

[5]  د. جوزيف موريس فلتس – سر المعمودية تاريخيًا ولا هوتيًا – أعمال المؤتمر السنويّ السابع للدراسات الآبائية 1998، ص 31.

[6]  عقيدة الثالوث الواحد في الآب والابن والروح القدس.

[7]  التجسد والفداء.

[8]  المجيء الثاني والدينونة.

[9]  القديس إيرينيوس أسقف ليون “ضد الهرطقات AH 1:10، الكرازة الرسولية – ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، د. جورج عوض أغسطس 2005 – ص 25،24.

[10]  راجع د. جوزيف موريس فلتس. الآباء والعقيدة – دورية مركز دراسات الآباء يناير 1998 ص 22.

[11]  حوار حول الثالوث للقديس كيرلس الكبير ج1 – ترجمة مركز دراسات الآباء يوليو 1999 – ص 22،21.

اللاهوت العقائدي, اللاهوت العقيدي, اللاهوت العقائدى, علم اللاهوت, خدمة التفريغ, التفريغ, اللاهوت

 

اللاهوت العقائدي والباترولوجي – دراسة

لماذا ندرس الإنجيل؟ – اللاهوت والتاريخ

لماذا ندرس الإنجيل؟ – اللاهوت والتاريخ

لماذا ندرس الإنجيل؟ – اللاهوت والتاريخ

لماذا ندرس الإنجيل؟ – اللاهوت والتاريخ

لماذا ندرس الإنجيل ؟ يتحوّل أغلب القراء إلى الكتاب المقدّس لاهتمامات دينيّة أو لاهوتيّة إذ يعتبرون أنّ الإنجيل كتاب مقدّس ومرجع يحمل شهادة لكلمة الله. يشير القدّيس بولس إلى الكتاب المقدّس على أنّه وحي الله.

فهو يوصي المسيحيّين في تسالونيكي بقبول الإنجيل، المدَّون الآن في العهد الجديد، “لا ككلمة أناس بل كما هي بالحقيقة كلمة الله” ( 1 تسالونيكي 13:2). لقد نظر المسيحيّون المؤمنون عبر الأجيال إلى الإنجيل على أنّه مصدر الحقيقة المخلِّصة والإرشاد الروحيّ، سواء في العبادة الجماعيّة او القراءة الشخصيّة. لقد اعتبروا أنّ الكتاب المقدّس، رغم تضارب التفسيرات ومشاكل سوء الاستعمال، يقدّم دعوة إلى حياة مع الله وطريقاً من المحبّة والبِرّ متمثّلاً بشكل فريد في شخص يسوع المسيح وبشارته.

يُقرأ الإنجيل أيضاً للاستمتاع الأدبيّ.

رواية الخلق وقصّة إسرائيل وحياة المسيح ألهمت عدداً لا يُحصى من الرجال والنساء. ولكتب المزامير وأيوب وإنجيل يوحنّا والرؤيا كلّها قيمة أدبيّة مميزة. اليوم، تُدرَس أوجه فقه اللغة (philological) في الإنجيل بشكل منهجيّ وطرائق تقنيّة ملائمة لتركيبه وقصصه وشعره ورؤاه[1]. فضلاً عن هذا، معروف أنّ لغة الكتاب المقدّس وأفكاره أثّرت في أدب شعوب كثيرة.

في الحضارة الغربيّة مثلاً، من الصعب تذوّق دانت وميلتون أو تولستوي بدون معرفة صور الإنجيل وتعاليمه. لطالما تشبّث الأدب بمواضيع الخير والشرّ، التضحية والجشع، الأمل واليأس. وكان الكتاب المقدّس يحرّك دائماً قلوب الكثيرين من الشعراء والمفكّرين المتأمّلين في معنى الحياة والحريّة، العدالة، العذاب والموت.

يُقرأ أيضاً الكتاب بداعي الاهتمام التاريخيّ.

أغلب المعلومات حول أصول المعتقدات اليهوديّة والمسيحيّة مأخوذة من الكتاب المقدّس. يستطيع قارئ الكتاب المقدّس، عبر القراءة الدقيقة، أن يلتقط لمحة خاطفة عن حياة الشعوب القديمة وحضارتهم كالمصريّين والآشوريّين والبابليّين والفرس واليونان والرومان. اليوم، وصلت الدراسة التاريخيّة للكتاب إلى معايير نظاميّة واختصاصيّة[2]. وأصبح مألوفاً الاعتراف بأنّ الكتاب المقدّس خرج من أطر ثقافيّة وأحداث تاريخيّة محدّدة.

إلى هذا، هناك وعي متزايد لتأثير الكتاب الكبير على تاريخ الحضارة، ليس فقط عبر تأثيره على الأعراف الاجتماعيّة والتشريعات، إنّما أيضاً على التعابير الثقافيّة في التربية والفن والموسيقى[3]. فقد استوحى خيال بعض المكتشفين الكبار الرسالة الإنجيليّة بمعنى أو بآخر. على سبيل المثال، كريستوف كولومبوس كتب عملاً موجزاً عنوانه “كتاب النبوءات”، أشار فيه إلى أنّ الرغبة في نشر الإنجيل إلى العالم وتحضير الطريق للألفيّة كانت تحرّكه قبل اكتشافه أميركا[4].

وكما يدّعي البعض، فإنّ ظهور العلم الحديث والتكنولوجيا حرّكته جزئيّاً فكرة إنجيليّة حول خليقة منظّمة وتوجيه الله للبشر كي يخضعوا الأرض ويتسلّطوا عليها (تكوين 28:1)[5].

للدراسة الكتابيّة ثلاثة أوجه شديدة الترابط: اللاهوتيّ والأدبيّ والتاريخيّ. تتعلّق كلّها بميزة الكتاب الأساسيّة كمجموعة من الوثائق التاريخيّة، التي تسجّل قناعات اليهود والمسيحيّين ورؤاهم الدينيّة المأخوذة ممّا فهموه على أنّه لقاءات عميقة مع الله في إطار الجماعة. ومع إمكانيّة التشديد على أحد الأوجه أكثر من غيره لأسباب محدّدة، فالأوجه الثلاثة تتطلّب انتباهاً مناسباً لتحقيق الفهم الشامل للكتاب المقدّس.

هذا يصحّ بشكل خاصّ في العصور الحديثة، حيث تمّ تحقيق التقدّم الثوريّ في العلوم الإنسانيّة والتطبيقيّة والذي أسّس حسّاً جديداً مثيراً للجدل من التفكير النقديّ المرتكز على الطريقة العلميّة الاختباريّة. إنّ تكاثر المعرفة الجديدة حول العالم والبشريّة، في العلم والتاريخ وعلم النفس مع افتراضات التنوير الفلسفيّة، نتج منه تراجع عامّ في الثقة بسلطات الكتاب كمصدر للحقيقة[6].

وتختلف مقاربات الكتاب المقدّس، الناتجة من تطبيق الطريقة العلميّة النقديّة في الدراسة الكتابيّة، بشكل جذريّ. هكذا، يصبح السؤال “لماذا ندرس الأنجيل؟ أكثر حدّة عبر أسئلة عديدة. مَن يدرس الكتاب المقدّس؟ في أيّ إطار يُقرأ الكتاب ويُدرَس؟ كيف يُفسّر ويُطبَّق؟ هل يحتوي الكتاب إعلاناً إلهيّاً، أم أنّه مجرد إنجاز ثقافيّ من الماضي نستخرج منه دروساً مناسبة لتقدّم قضايا جديرة بالثناء؟ بأيّ معنى يؤلّف الكتاب المقدّس كتابات الكنيسة المقدّسة وما هي نتائج هذه الحقيقة؟

أظهرت الدراسات الكتابيّة الحديثة ميولاً نحو التشتّت. المقاربتان اللاهوتيّة والتاريخيّة للكتاب المقدّس تباعدتا منذ أكثر من قرن. ما نتج من سيطرة المقاربة التاريخيّة-النقديّة المتلائمة مع الافتراضات الحديثة هي تحليلات ونظريّات منقّحة، إلى درجة أنّ البعض راح يتأمل في ما إذا كان خمر الكتاب تحوّل إلى ماء الدراسة النقديّة. بعض الباحثين من داخل القافلة انتقد بعنف المقاربة التاريخيّة-النقديّة على أنّها تؤديّ إلى “خطأ عملاق في تفسير” الكتاب وعلى أنّها “إفلاس” بسبب ضررها الظاهر بحياة الكنيسة والمجتمع[7].

سعى عدد متزايد من النقاد الكتابيّين إلى فتح اتجاهات جديدة تحت تأثير “النقد الأدبيّ الجديد” بهدف استخراج المعنى المناسب من الكتاب والذي يوافق حساسيّات القرّاء المعاصرين[8]، وذلك كردّة فعل على المقاربة التاريخيّة.

على كلٍ، مازالت هذه المقاربات الجديدة مجحفة بحقّ شهادة الكتابات الإنجيليّة اللاهوتيّة عن طريق النظر إليها كأدب دينيّ قديم أكثر منها كوثائق معياريّة للإعلان. إلى جانب المقاربتين التاريخيّة والأدبيّة، وبمنهجيّتهما، استعمل نقّاد آخرون الكتاب لأسباب إيديولوجيّة كتعزيز أفكار سياسيّة واجتماعيّة كالتحرّر والمساواة بين الجنسين[9]. هذا ولا تُظهر الدراسات الكتابيّة ايّ اتجاه نحو التماسك أو الإجماع.

ما الذي تستطيع نظرة أرثوذكسيّة إلى الكتاب المقدّس أنّ تقدّمه؟

قَبل الباحثون الأرثوذكسيّون، كما سنناقش في فصول مختلفة من الجزء الأوّل[10]، أن يطبّقوا الطريقة النقديّة بحكمة لأنّ روح الأرثوذكسيّة تشجّع حريّة البحث وطلب الحقيقة بتمييز. ولكن مع أنّ اللاهوتيّين الأرثوذكسيّن اهتمّوا بانتشار الافتراضات الحديثة في البحث العلمي، إلاّ إنّهم تحفّظوا تجاه استنتاجات النقد الكتابيّ المتطرفّة بميلهم نحو مواقف محافظة واهتمامهم بتعليم الكنيسة العقائديّ.

هذا لا ينطبق بالحقيقة فقط على دراسة الكتاب المقدّس إنّما أيضاً على كلّ الدراسات اللاهوتيّة، بما فيها التاريخ الكنسيّ والآبائيّات والليتورجيا والحقّ الكنسيّ واللاهوت النظاميّ. في حقل الكتاب المقدّس، تطوّرت الدراسات الإكاديميّة التقليديّة، بخاصّة في اليونان منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث راح عدد من علماء جامعتي أثينا وتسالونيكي ينشرون دراسات بشكل ثابت ومثير للاهتمام. أغلب مساهمتهم ستُدرج بشكل ملائم في هذا العمل، بخاصّة في الجزء الثاني الذي يعالج العهد الجديد بتفصيل أكبر.

هناك اليوم مداخل قيّمة للعهد الجديد لباحثين يونانيّين ثلاثة: سابا أغوريديس، يوحنّا كرافيذوبولوس، ويوحنّا باناغوبولوس[11]. الأوَلون، رغم تمايزها عن المواقف التقليديّة، يتبعان نمطاً ومنهجيّة في البحث العلميّ الكتابيّ مألوفين عالمياً. الثالث، أي باناغوبولوس، يتبنّى موقفاً معلناً تأويليّاً مرتكزاً على آباء الكنيسة، فيما يستعمل البحث العلميّ العالميّ، فينتج بتأنٍ مدخلاً “أرثوذكسيّاً للعهد الجديد.

كان باناغوبولوس يعمل أيضاً على وضع عمل بارع متعدّد الأجزاء حول التقليد الآبائيّ التفسيريّ وقد صدر منه العدد الأوّل[12]. كما كتب سابا أغوريرديس حول موضوع التفسير في مساهمات أخرى. سوف تُناقَش المواقف التفسيريّة التي اعتمدها هؤلاء الباحثون في الفصلين السادس والسابع من  هذا الجزء[13].

يحتلّ الموقف التفسيريّ في هذا العمل موقفاً وسطاً، إذ فيما يأخذ المفاعيل اللاهوتيّة لعمل آباء الكنيسة التفسيريّ، يشدّد بشكل مساوٍ على الدراسة النقديّة الوصفيّة للوثائق الكتابيّة على أساس أنّ الدراسة التاريخيّة تختلف قليلاً وتؤدّي إلى شهادة الكتاب الأصلية. مازالت أمامنا مهمّة تحديد “مقاربة أرثوذكسيّة” مميّزة للكتاب المقدّس.

يسعى هذا العمل إلى أنّ يساهم في هذه المهمّة. مهما كانت السمات النهائيّة للدراسة الأرثوذكسيّة للكتاب المقدّس، فهذه يجب أنّ تتضمّن تشبّثاً صادقاً بالمنهجيّات المعاصرة ومصادر المعرفة، إلى جانب الأمانة لسلطة الكتاب وآباء الكنيسة. المثال الذي يجب أنّ تسعى إليه، تمّثلاً بالآباء الإسكندريّين والأنطاكيّين والكبادوكيّين، هو تحقيق تعاون متناغم بين الإيمان الصحيح والمنطق السليم. وإنجاز آباء الكنيسة الفكريّ وجامعيّة الإيمان المسيحيّ لا يتطلّبان أقلّ من ذلك.

إذاً عبارة “أرثوذكسيّ” ليست صفة ثقافيّة ولا مذهبيّة لتحديد المسيحيّة الشرقيّة كظاهرة تاريخيّة محضة. إنّها إشارة إلى التقليد المسيحيّ العالميّ بالمعنى الكلاسيكيّ لما هو صحيح في كلّ زمان ومكان. الهدف هو تحديد رؤية مسكونيّة لمركز حَكَم هو الإنجيل ذاته، على أن تعانق هذه الرؤية التعدّديّة في الوحدة والوحدة في التعدّديّة في مجمل التقليد المسيحيّ. إنّ مقاربة أرثوذكسيّة للكتاب المقدّس لا تتورّط بهذه المنهجيّة أو تلك في الدراسات الكتابيّة. كلّ منهجيّة تقوّم بحدّ ذاتها.

في كلّ حال، الإعلان عن مساهمات جديدة في حقل مازال الدارسون الأرثوذكس يتعلّمون فيه من زملائهم الغربيّين لن يكون سوى ادعاء. بالأحرى، يجب أنّ تهتّم المقاربة الأرثوذكسيّة بإدراك شامل ومتوازن للكتاب المقدّس في طبيعته الخاصّة ومرجعيّة شهادته ككلمة الله، مع التزامها الدراسة النقديّة وحريّة البحث في الوقت ذاته. قد يُقترَح أنّ مقاربة كهذه يجب أن تتضمّن، بين جملة أمور، ثلاث مقوّمات رئيسة.

المقوّمة الأولى دراسة شموليّة تدمج الأوجه الأدبيّة والتاريخيّة واللاهوتيّة. رغم أنّ ما هو لاهوتيّ ينتمي إلى جوهر الإنجيل ككتاب مقدّس، إلاّ أنّه يجب أنّ يقوّم التاريخيّ والأدبيّ بشكل مناسب، إذ إنّهما أيضاً من ضمن الوثائق الكتابيّة. كلّ الأوجه تتطلّب دراسة تقوم على أساس أنّ البحث عن الحقيقة يتضمّن بالضرورة نظرة مميّزة وحكماً نقديّاً. إنّ مقاربة شموليّة للكتاب المقدّس تعتمد، لاهوتيّاً، على سرّ تجسد الكلمة (-LogosςγοʹΛο) وعالميّة الإنجيل، وتتطلّب انفتاحاً على كلّ الشعوب والثقافات وعلى كلّ الحقيقة.

إنّها رؤية تكامليّة تأخذ بشكل جديّ، ليس فقط لاهوت الفداء، إنّما أيضاً لاهوت الخالق. إنّها رؤية آباء الكنيسة العظماء من القدّيس يوستينوس الشهيد إلى الكبادوكيّين، وجميعهم كانوا في زمانهم باحثين من الدرجة الأولى، وقد تجنّبوا توريط الإيمان مع العقل كما تجنّبوا توريط الإنجيل مع السعي العالميّ إلى الحقيقة[14]. جورج فلوروفسكي هو، بين لاهوتيّي القرن العشرين الأرثوذكسيّين، أكثر مَن حرّك هذه الرؤية الآبائيّة للحقيقة وصكّ عبارة “التركيب الآبائيّ الجديد (Synthesis Neo Patristic) من أجل المهمّة اللاهوتيّة الثابتة في كلّ العصور.

من بين اللاهوتيّين الغربيّين، يؤيّد الباحث الكتابيّ البريطانيّ رايت N. T. Wright، في عمله “العهد الجديد وشعب الله”[15]، موقفاً مماثلاً إنّما أكثر تفصيلاً. فهو، في ما يسميّه “الواقعيّة النقديّة”، يطوّر حجّة قويّة لدراسة كتابيّة متكاملة لاهوتيّاً وتاريخيّاً وأدبيّاً، على مقدّمة منطقيّة مفادها أنّ الأوجه الثلاثة للدراسة الكتابيّة تواجه السؤال المشترك عن المعرفة والحقيقة[16].

بالنسبة إليه، في ما يتعلّق بالكتاب المقدّس، عمل الفكر النقديّ الحقيقيّ هو تذكير المسيحيّة بجذورها التاريخيّة. لا يستطيع اللاهوت أن ينسحب من المقالة الفكريّة المعاصرة، وكأنّه قادرعلى تجاهل التحدّي العصريّ والاكتفاء بالقراءة الليتورجيّة والعباديّة للكتاب المقدّس. يستحقّ الكتاب أن يُدرَس نقديّاً في ذاته ومن ذاته، من أجل انتزاع كلّ المعاني الإضافيّة لشهادته الأصلية[17].

في الوقت ذاته، يؤنّب رايت المفكّرين النقديّين الذين، كورثة للتنوير، غالباً ما سقطوا في اتهامات صارمة للمسيحيّة التقليديّة واعتبروا وجهي الكتاب المقدّس الدينيّ واللاهوتيّ جانبيّين. أيضاً، هو ينتقد المقاربة الاستثنائيّة للنقد الأدبيّ الحديث الذي يتّجه نحو الذاتانيّة[18].

إذا أُهملَت دعاوى الكتاب اللاهوتيّة المعياريّة، يتساءل رايت، لماذا يُقرأ الكتاب المقدّس، ولا يُقرأ أيّ أدب قديم أو حديث على أنّه مساوٍ له في القيمة من أجل المعنى المناسب؟[19] هدف “نظريّة المعرفة العلائقيّة” (relational epistemology)، التي تربط الحقيقة التي وراء المعلومات الحسيّة بمعرفة الموضوع، هو حقيقة كتابيّة لاهوتيّة تتعلّق قبل كلّ شيء بموضوع الله وحده[20].

مثلاً، بحسب تحليل رايت الشامل لنظرات اليهوديّة والمسيحيّة إلى العالم، الفهم الثالوثيّ لله هو تطوير في التقليد الكتابيّ أصيل ومتمايز يتعدّى موقف اليهوديّة. بحسب رايت، إدّعاء العهد الجديد المعياريّ الذي يستحقّ الاعتراف النقديّ الكامل هو أنّ “إله إسرائيل جعل نفسه الآن معروفاً في يسوع المسيح والروح الإلهيّ وعبرهما وحتّى بوصفه يسوع المسيح والروح الإلهيّ”[21]. تخدم نظرية رايت كمثال على الميزة الأولى للمقاربة الأرثوذكسيّة للدراسة الكتابيّة في الشكل النقديّ.

المعلَم الثاني يشمل البعد الشركويّ أو الكنسيّ. هذا البعد هو موضوع التأمّل اللاهوتيّ في العهد الجديد نفسه وفي الرسالة إلى أهل أفسس بشكل مميّز. يتضمّن اقتراح رايت الإشارة إلى الطبيعة الشركويّة لكلّ المعرفة، والرفض المرافق لها، لكلّ تاريخ مزعوم موضوعيّ محض أو دراسة نقدّية منفصلة[22].

بالنسبة إلى رايت، هذا ينطبق، ليس فقط على مستوى آمال القارئ المعاصر وافتراضاته المتأصّلة في الجماعة، إنّما أيضاً على كلّ مجموعة الخبرات الدينيّة والقناعات اللاهوتيّة للكتّاب الإنجيليّين أنفسهم المتأصّلين بالنسبة ذاتها في الجماعة.

تقبل النظرة الأرثوذكسيّة هذه الإشارة وتركّز عليها بقوّة كبرى. كلمة الله مرتبطة بشكل أساس بالأشخاص الذين يتلقّونها. الوحي لا يتمّ في الفراغ. الكتاب المقدّس والتسليم[23] هما جزء من حقيقة الله الديناميكيّة والعضويّة التي تتعاطى مع الناس في كلّ العصور. من هذه الاعتبارات، ينشأ تشديد هذا الجزء من العمل على الإنجيل ككتاب الكنيسة كما أنّه كتاب الله.

يثبت تشريع الكنيسة، بشكل خاصّ، دور الكنيسة الحازم وتقليدها الحيّ في حسن تمييز الحقيقة اللاهوتيّة. هذا الدور ليس فقط فاعلاً وحسيّاً إنّما خلاّق وضخم. لقد قابل القدّيس مكسيموس المعترف العلاقة المتبادلة بين الكتاب المقدّس والكنيسة مستعملاً صورة المصباح على المنصّة، فالمصباح هو الكتاب والمنصّة هي الكنيسة[24].

تعترف دراسات القانون الكتابيّ الحديثة الآن بأنّ بصيرة الكنيسة العقائديّة في شكل الاحتكام إلى “قانون الإيمان”، حدّدت بشكل دقيق الكتب القانونيّة التي اختارتها الكنيسة كجزء من عمليّة كبرى هي اندماج الأرثوذكسيّة التاريخيّة ووحدتها. ينطبق حسّ الكنيسة العقائديّ بشكل متساوٍ على التفسير النهائيّ والمعياريّ كما على المجموعة القانونيّة في الكتاب المقدّس. لم يكن القصد من هذا الحسّ تقليص انوّع المنهجيّات وغناها ونتائجها التفسيريّة. في التقليد المسيحيّ القديم، التعدّديّة التفسيريّة وتعدّد استعمالات الكتاب موجودان بشكل واسع وأكيد.

في الواقع، الاحتكام العقائديّ كان حازماً في حالات الابتعاد الخاطئ في التفسير عن التقليد الرسولي المسلَّم، كما في الغنوصيّة والأريوسيّة، وكان المقصود به تثبيت وحدة جماعيّة عبر تعليم معياريّ حول أمور أساسيّة في الإيمان المسيحيّ.

في أيّ حال، الاعتراف بالكتاب المقدّس يشهد أيضاً لسلطة الإنجيل ككلمة الله التي بها يحاسب الكنيسة المسؤولة عن هذه الكلمة. لآباء الكنيسة متّحدون في إعلان سلطة الكتاب العليا كوحي إلهيّ. الجدالات الخريستولوجيّة الثالوثيّة ركّزت تحديداً على التفسير الكتابيّ، الذي تطوّر مع أثناسيوس والكبادوكيّين إلى تفسير قرينيّ ونحويّ يشكّل الهم المركزيّ لدراسات الكتاب التاريخيّة-النقديّة الحديثة.

اليوم، سلطة الكتاب وشهادته اللاهوتيّة يمكن إدراكهما بتعابير أكثر دقّة عبر الدراسة العلميّة. إلى هذا، لا يزال البعد الشركويّ يحتفظ بتأثيره لأنّ لكلّ المسيحيّين تقاليدهم الكنسيّة ووجهات نظرهم العقائديّة، كما باستطاعتهم مقاربة الكتاب بـ “واقعيّة نقديّة” تعانق في سؤالها كامل نطاق الدراسات البشريّة القديمة والحديثة.

على كلّ القراّء أن يعرفوا، في التزامهم سلطة الكتاب ودراسته النقديّة، أنّ ما يعتبره كلّ واحد واقع الحقيقة هو أبعد من القياسات التأمليّة المنطقيّة البسيطة. يتضمّن هذا الواقع إدراكاً جماعيّاً والتزاماً جماعيّاً بما هو صحيح وحقيقيّ عن الإنجيل والحياة المسيحيّة. تشكّل رؤية كهذه دعوة إلى شهادة سلام متبادل ولقاء حواريّ صريح يقوم على تفكير علميّ جديّ ويرتكز على نعمة الروح.

يتعلق المعلَم الرئيس الثالث للمقاربة الأرثوذكسيّة بالبعد الوجوديّ الروحيّ. لقد طالعني الطلاب عبر السنين بتحديّات كثيرة، أتى أكثرها إلهاماً في هذا السؤال: “ألا تستحقّ روحانيّة العهد الجديد الدرس؟” أجل. لكنّها مسألة دقيقة، إذ من السهل جداً تجاوز الخط الفاصل بين إنعاش الرؤى الروحيّة والتفاهات التقويّة.

كيف للإنسان أنّ يحدّد العلاقة بين التحليل النقديّ والرؤيّة الروحيّة، أو باستعمال صورة إيهور سيفيشينكو، بين اليسروع والفراشة؟ هل يُعلَّم الإيمان والروحانيّة أم يُلتَقَطا، أم الطريقتان معاً؟ بعض شخصيّات الكتاب المقدّس، مثل إشعياء وبولس، يدّعي خبرات إيحائيّة ويهذّ بقوّة الروح المجدِّدة. تقاسم آباء الكنيسة هذا الأفق الكتابيّ للإيمان واحتكموا مباشرة إلى قوّة كلمة الله التي تُقرأ بروحه. وتوضّحت لهم صورة التشابه والاختلاف بين الحرف والروح.

في ثقافة اليوم الدهريّة، ينفر كثيرون من قراءة الكتاب ومن شهادته الروحيّة على اعتبار أنّهما غير موثوق بهما فكريّاً واجتماعيّاً. فيما يجد غيرهم متعة بالغة في هذه القراءة ويدعون إليها بثقة وتعصّب.

ومع هذا، يبقى التحدّي الروحيّ للكتاب المقدّس، وهو أساس للكتاب والحياة اليوميّة. العالم الكتابيّ الأميركيّ M. Robert Mulholland, Jr.، في كتابه “على شكل الكَلمة”[25] يعطي مثلاً عن رؤيةٍ مَرَحَّب بها حول البعد التحويليّ للدراسة الكتابيّة. يحذّر ملهولند من أنّ نكون ضحايا التربية المعاصرة التي تحدّدها ثقافة ناشطة تشكّل الأمور وتسعى إلى السيطرة على المعرفة والتلاعب بها.

وينتقد ملهولند المقاربة “المعلوماتيّة” الأحاديّة الجانب التي تنوي السيطرة على النصّ عبر التحليل النقديّ والتقويم البشريّ. كما أنّه يقترح مقاربة “تشكيليّة”، بها ينفتح القارئ على حضور الله المتعالي والفعل المبارك، عبر الإيمان المتفتّح والمحبّة الداخليّة لله. الكتاب المقدّس هو سجل “حضور الله وغايته وقوتّه” في الحالة البشريّة، وهو إعلان عن الكلمة الإلهيّة “كقالب أو أطار للعطب البشريّ والكمال البشريّ معاً”.

يحتكم ملهولند إلى “الطبيعة الصوريّة” للكتاب المقدّس، أي الكتاب كنافذة كلاميّة إلى نظام جديد من الكيان، فيه شارك الكتّاب الإنجيليّون وعاشوا. يتطلّب فهم قوّة الكتاب المحوِّلة واختبارها، بحسب ملهولند، اشتراكاً في الحقيقة ذاتها التي تأسّست بيسوع وتحقّقت بالروح القدس[26].

يطلق ملهولند نداءً كتابيّاً وآبائيّاً أصيلاً من الروحانيّة. التوجّه النهائيّ هو إلى كلمة الله التي تصبح حيّة في حضور الروح الفاعل من دون أنّ يقلل من قيمة المعرفة البشريّة التأمليّة ومن دون أن تحدّه هذه المعرفة. بحسب الرسول بولس، ما هيّأه الله للذين يحبونه يُكشَف بالروح التي تبحث عن كلّ شيء ( 1 كورنثوس 2: 9-10). بعد الرسول بولس بقرون، يشدّد القدّيس سمعان اللاهوتيّ الحديث، وهو وريث الروحانيّة الإنجيليّة، على أنّ مفتاح المعرفة الروحيّة يكمن في نعمة الروح المعطاة بالإيمان.

وأبعد من الدراسة الكتابيّة المألوفة، هناك “كنوز الكتاب الروحيّة المفتوحة بالمسيح القائم عبر قوّة الروح للذين يسلكون بطاعة إيمانيّة وهم يُمنَحون ولادة جديدة”[27]. لقد شهد على هذه الشهادة الرسوليّة للخليقة الجديدة في المسيح، بدرجات مختلفة، رجالٌ ونساءٌ لا عدّ لهم عبر القراءة في العبادة التقليديّة للكتاب المقدّس. لقد اختبر المسيحيّون المصلّون هذه الشهادة في العبادة، حيث قراءة الإنجيل الليتورجيّة والإعلان الموحى به للبشرى الحسنة يحقّق وجود الله المخلِّص وقوتّه لكلّ جسم الكنيسة.

الموضوع ذاته يستحقّ التأمّل التقيّ والنقديّ والشرح النظاميّ بالدراسة الكتابيّة التي تتخطّى التحليل التاريخيّ والأدبيّ إلى الحقيقة التي يحتفل بها الإنجيل نفسه ويعلنها من أجل حياة العالم.

 

 

[1] L. Ryken and T. Longman, III, eds., a complete literary Guide to the Bible (Grand Rapids: Zondervan, 1993); L. Ryken. The New Testament in literary Criticism (New York: Continuum, 1985): and J.B. Gabel, C.B. Wheeler, and A.D. York, The Bible as literature: An Introduction (New York: Oxford University Press, 1996).

[2]  ممكن التوصل إلى نظرة أوسع من:

Keller, Bible as History (New York: Bantam, 1983); John Bright, a History of Israel (Philadelphia: Westminster, 1981); Martin North, The Old Testament World, trans. V.I. Gruhn (Philadelphia: Fortress, 1966); W.F. Albright, From the stone Age to Christianity (New York: Doubleday, 1957); J.A. Thompson, The Bible and Archeology (Grand Rapids: Eerdmans, 1982); and S. Freyne, New Testament Message 2: The World of the New Testament (Wilmington: Glaizer, 1980).

[3]  بما يتعلّق بالثقافة والقانون والسياسة والتربية عند الأميركيّين، أنظر

N.O. Hatch and M.A. Nill, eds., The Bible in America: Essays in Cultural History (New York: Oxford University Press, 1982); J.T. Johnson, ed., The Bible in American law, Politics and Political (Alpharetta: Scholars Press, 1984); T.J. Neuhaus, Bible, Politics and Democracy (Grand Rapids: Eerdmans, 1987); and D. Barr and D. Piediscalzi, The Bible in American Education (Alfaretta: Scholars Press, 1982).

[4] L.I. Sweet, the Revelation of Saint John and History, “Christianity Today, May II, 1973, p. 10.

[5] Science and the Theology of Creation by the Bossey Seminar (Bossey: World Council of Churches, 1988), published in the Church and Science Documents No. 4, August 1988, and various articles in Science and Religion, ed. By Ian G. Barbour (New York: Harper & Row, 1968).

[6]  أنظر

Alan Richardson, the Bible in the Age of Science (London: SCM Press, 1961). Van A. Harcey, The Historian and the Believer (New York: Macmillan, 1963); G.H. Reventlow, The Authority of the Bible and the Rise of the Modern World, trans. J. Bowden (Philadepgia: Fortress, 1985); and Brian J. Walsh and R%ichard J. Middleton, Truth Is Stranger Than It Used to Be: Biblical Faith in a Postmodern Age (Downers Grove: Inter Varsity, 1995).

[7]  العبارة الأولى هي من:

Roy A. Harsville, “Introduction”, in Peter Stuhlmacher, Historical Criticism and theological Interpretation of Scipture, trans. Roy A. Harrisville, (Philadelphia: Fortress 1977), p. 9.

ما جعل العبارة الأخيرة شعبيّة هو:

Walter Wink, The Bible in Human transformation (Philadelphia Fortress, 1973).

كتب Peter Stuhlmacher  نفسه في الكتاب المذكور، ص. 76، أنّ الدراسات الكتابيّة من دون تفسير لاهوتيّ هي اختصاص لاهوتيّ قضى على ملاءمته بعمله النقدي.

[8] Edgar V. McKnight, Post-Modern use of the Bible (Nashville: Abingdon, 1998).

لمزيد من المراجع أنظر الحاشية 7 من الفصل الخامس.

[9]  للمراجع أنظر الهامشين 10 و11 من الفصل الخامس.

[10]  أنظر بخاصّة الفصل الثاني القسم الثالث، والقسم الرابع من الفصل السادس، والقسم الرابع من الفصل السابع.

[11]  كلّ هذه المراجع باليونانيّة الحديثة.

The introduction by S. Agouridis, Εɩʹσγωγή εɩʹς ԏήѵ Καɩѵήѵ Δɩαθήκηѵ, 1st published in 1971 and now is in its 3rd edition (Αθηѵαɩ: Eκδοʹσεɩς Γρηγοʹρη, 1991). J. Karavodopoulos, Eɩʹσαγωγή Δɩαθήκηѵ. Firdt appeared in 1983 and reprinted several years ago (Αθηѵɩ: Eκδοʹσεɩς Π. Ποѵρѵαραʹ, 1991). The most recent is by J. Panagopoulos  Eɩʹσαγωγή εɩʹς ԏήѵ Καɩѵήѵ Δɩαθήκηѵ (Αθηѵαɩ: Eκδοʹσεɩς ʹΑκρɩʹԏας, 1995).

Older New Testament introduction by Greek biblical scholars include those by Vasileios Ionnidis (1960), Vasileios Antoniadis (1937), and Nicholas Damalas (1876).

[12]  يُناقَش هذا العمل في الفصل الرابع تحت عنوان “التراث التفسيريّ الآبائيّ”.

[13]  يُعرَض موقف أغوريديس في الفصل السادس، الجزء الثالث، أما موقف باناغوبولوس فُيعرَض في الفصل السابع الجزء الرابع.

[14] See Wegner Jaeger, Early Christianity and Greek Paideia (Cambridge: Harvard University Press, 1961); Henry Chadwick, Early Christian Thought and the Classical Tradition (New York: Oxford University Press, 1966); Fredrick W. Norris, Faith Gives Fullness to Reasoning: The Five Theological Orations of Gregory of Nazianzen (Leiden: E.J. Brill, 1991); and Jaroslav Pelikan, Christianity and Culture (New Haven: Yale University Press, 1993).

[15] N.T. Wright, the new testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), especially pp. xii-xvii, 1-144, and 467-476.

هذا الكتاب هو الأوّل من مجلّدات عدّة يخطط لها الكتاب كمشروع طموح لرواية تفصيلية حول أصول المسيحية في بدئها.

[16]  المرجع ذاته، ص. 31-35.

[17]  المرجع ذاته، ص. 4، 10 و12.

[18]  الذاتانيّةsubjectivism  مذهب فلسفي يقوّم المعرفة كلّها على أساس من الخبرة الذاتيّة.

[19]  المرجع ذاته، ص. 9 و24-25.

[20]  المرجع ذاته، ص. 35-46 و467-476.

[21]  المرجع ذاته، ص. 474. بحسب Wright، الفهم المسيحي لله مختلف عن الفهم اليهودي مع أنه ناشئ منه في إطار خبرة المسيحيّين الأوائل للمسيح والروح، إلى درجة أنّه لا يمكن اعتباره ثانويّاً ولا انتقاده كتطوّر وثنيّ. بالواقع، بالنسبة إلى Wright، تشكّل مسألة الله الفرق الأهم والأكثر تمييزاً بين المسيحيّة واليهوديّة، و”كلاهما على حق في ادعاءاتهما عن الإله الحقيقيّ”. ص. 475.

[22]  المرجع ذاته، ص. 15 و31-36.

[23]  كلمة التسليم هنا هي ترجمة tradition  والترجمة الأكثر شيوعاً هي كلمة التقليد.

[24]  الاقتباس مأخوذ من:

Jaroslav Pelikan, “Council or Father or Scripture: The Concept of Authority in the Theology of Maximus the Confessor,” in the Heritage of the Early Church: Essay in Honor of Georges V. Florovsky, ed. D. Neiman and M. Schatkin, Appearing in the series Orientalia Christiana Analecta, Vol. 195 (Rome: Pontifical Institute, 1973), p. 281.

[25] M. Robert Mulholland Jr. Shaped by the Word: The power of Scripture in Spiritual Formation (Nashville: The Upper Room, 1985).

[26]  المرجع ذاته، ص. 3، 21-23، 28، 42، 47-50 و64-65.

[27]  أنظر الملحق رقم 2 والصفحات المتعلّقة بالقدّيس سمعان اللاهوتيّ الحديث في الفصل السابع تحت “المستوى التحوليّ”.

 

لماذا ندرس الإنجيل؟ – اللاهوت والتاريخ

اللاهوت كعلم علاجي – كيف يعطي اللاهوت شفاء للنفس؟

اللاهوت كعلم علاجي – كيف يعطي اللاهوت شفاء للنفس؟

اللاهوت كعلم علاجي – كيف يعطي اللاهوت شفاء للنفس؟

يتضح مما قيل أن المسيحية هي أساساً علم يعطي شفاءً أي أنها طريقة علاج نفسي. وينطبق نفس الشيء على علم اللاهوت فهو ليس فلسفة ولكنه علاج شافي بدرجة أساسية. يظهر علم اللاهوت الأرثوذكسي بوضوح أنه من جهة هو ثمرة العلاج ومن جهة أخرى يشير إلى طريق العلاج. وبمعنى آخر فإن اللاهوتيين هم فقط أولئك الذين شُفوا والذين حصلوا على شركة مع الله وهم وحدهم الذين يستطيعون أن يظهروا للمسيحيين الطريق الحقيقي للوصول ” لموضع الشفاء”. اللاهوت هو إذاً ثمرة وطريقة للعلاج في نفس الوقت.

وهنا نحتاج للتوسع فيما قيل لكي نرى هذه الحقائق بطريقة أوضح. لذلك سوف نقتبس من تعاليم الآباء القديسين الخاصة باللاهوت واللاهوتيين.

أعتقد أنه يجب علينا أن نبدأ بالقديس غريغوريوس النزينزي إذ أن الكنيسة لم تمنحه لقب اللاهوتي بالصدفة. إنه يكتب في بداية نصوصه اللاهوتية الشهيرة أنه لم يُعط َ لكل واحد أن يتكلم باللاهوت وأن يتحدث عن الله لأن هذا الموضوع ليس رخيصاً ومتدنياً لهذه الدرجة. لم يوضع هذا العمل لكل الناس ولكن “لأولئك الذين إمتـُحنوا وحسبوا أساتذة في رؤية الله والذين تنقوا في النفس والجسد من قبل أو على الأقل الذين يخضعون للتنقية”.

لا يتكلم عن الله إلا أولئك الذين عبروا من العمل للتيئوريا (رؤية الله) ومن التطهير للإستنارة. ومتى يحدث ذلك؟ ” يحدث ذلك عندما نصبح أحراراً من الدنس والإضطراب الخارجي وعندما لا تختلط القواعد الموجودة داخلنا بالغضب والصورة الخاطئة”. من أجل ذلك ينصح القديس قائلآً:” إنه من الضروري أن يكون المرء مطمئناً لكي يعرف الله” [1].

يربط نيلوس الناسك اللاهوت بالصلاة وخصوصاً الصلاة العقلية. إننا نعرف جيداً من تعليم الآباء القديسين أن من إكتسب نعمة صلاة القلب يكون قد دخل أول مرحلة في رؤية الله إذ أن هناك نوع من الصلاة هو صورة من التيئوريا. وبالتالي فإن كل الذين يصلون بالعقل يكونون في شركة مع الله وهذه الشركة هي معرفة الإنسان الروحية لله. وهكذا يقول القديس نيلوس: ” لو كنت لاهوتياً فإنك سوف تصلي بحق. ولو أنك تصلي بحق فإنك تكون لاهوتياً” [2].

يقدم القديس يوحنا الدرجي اللاهوت الحقيقي في عدة مواضع في كتابه الروحي المبهج “السلم”. ” إن الطهارة الكاملة هي أساس اللاهوت”. ” عندما تتحد حواس الإنسان بالله بصورة كاملة فإن ما قاله الله يصبح بشكل ما واضحاً بطريقة سرية. ولكن حيثما لا يوجد إتحاد من هذا النوع مع الله فإنه يكون أمراً بالغ الصعوبة أن يتحدث الإنسان عن الله”[3] . وعلى العكس من ذلك فإن الذي لا يعرف الله حقاً فإنه يتكلم عنه فقط في صورة “إحتمالات”[4].

وفي الواقع وبحسب تعليم الآباء فإنه أمر سيء جداً أن نتحدث عن الله في تخمينات لأن ذلك يقود المرء للضلال. يعرف هذا القديس كيف ينمو في داخلنا ” لاهوت الشياطين “. تعطينا الشياطين الدنسة ” دروساً في تفسير الكتاب” [5] في القلوب المحبة للمجد الباطل التي لم تتطهر من قبل بعمل الروح القدس. ولذلك لا يجب على المأسور في الهوى أن ” يلعب باللاهوت”[6].

ولقد تلقى القديسون ” الأشياء الإلهية بدون تفكير”. وبحسب الآباء فإنهم تكلموا باللاهوت لا بطريقة أرسطو من خلال التفكير ولكن ” بطريقة الرسل ” أي من خلال عمل الروح القدس. إن لم يتطهر الشخص من الأهواء مسبقاً وخصوصاً من الخيالات فإنه يكون غير قادر على التحدث مع الله أو الكلام عن الله طالما أن العقل الذي ” يكون إنطباعات يعجز عن اللاهوت”. لقد عاش القديسون لاهوتاً ” مكتوباً بالروح القدس”.

إننا نجد نفس الكلام في كتابات القديس مكسيموس المعترف. فعندما يحيا المرء في فلسفة عملية التي هي التوبة والتطهر من الأهواء ” فإنه يتقدم في الفهم الأخلاقي”. وعندما يختبر رؤية الله ” فإنه يتقدم في المعرفة الروحية”. إنه يستطيع في الحالة الأولى أن يميز بين الفضائل والرذائل وفي الحالة الثانية تقود التيئوريا (رؤية الله) “المشارك إلى الخصائص الداخلية للأشياء الغير متجسمة والمتجسمة”. ويمضي القديس مكسيموس إلى القول أن الإنسان ” يُمنح نعمة اللاهوت عندما يُحمل على أجنحة الحب” في التيئوريا ” وبمعونة الروح القدس يدرك صفات الله بالقدر الذي يستطيعه العقل البشري”[7].

ينكشف اللاهوت أي معرفة الله للشخص الذي وصل لرؤية الله. وفي الواقع يقول نفس الأب في موضع آخر أن الشخص الذي ” يركز بإستمرار على الحياة الداخلية ” لا يصبح فقط منضبطاً وطويل الأناة ولطيفاً ومتواضعاً ولكنه ” سوف يصبح قادراً على التأمل والتكلم باللاهوت والصلاة” [8]. وهنا أيضاً يرتبط اللاهوت بدرجة وثيقة بالتيئوريا والصلاة.

يجب علينا أن نؤكد على أن اللاهوت الذي لا ينتج من التطهير أي من “العمل” هو لاهوت شيطاني. وبحسب القديس مكسيموس فإن ” المعرفة بدون عمل هي لاهوت الشياطين” [9].

كتب القديس ثالاسيوس صاحب نفس المنظور قائلاً أنه عندما يبدأ عقل الإنسان بإيمان بسيط ” فإنه سوف يصل حتماً للاهوت يتجاوز العقل ويتميز بإيمان عالٍ مطرد وإلى رؤية الغير مرئي”[10]. يتجاوز اللاهوت المنطق فهو إعلان الله للإنسان ويعرفه الآباء على أنه التيئوريا. وهنا أيضاً يكون اللاهوت بدرجة رئيسية هو رؤية الله. لقد كتب نفس القديس في موضع آخر أن الحب الحقيقي يولد المعرفة الروحية   ” ويتبع ذلك شهوة كل الشهوات أي نعمة اللاهوت”[11].

ويقدم اللاهوت في تعليم القديس ديادوخوس الذي من فوتيكي على أنه العطية العظمى الممنوحة من الروح القدس للإنسان. إن كل عطايا النعمة التي يهبها الله هي ” غير خارقة” و” لكن العطية التي تلهب قلبنا وتحركه لكي يحب صلاحه أكثر من أي أحد آخر هي عطية اللاهوت”. إذ أن ” اللاهوت هو أول مولود للنعمة الإلهية يمنح النفس أعظم العطايا”[12].

وبحسب بولس الرسول فإن الروح القدس يعطي معرفة روحية للواحد وحكمة للآخر(1كو8:12). ويفسر القديس ديادوخوس ذلك قائلاً أن المعرفة الروحية توحد الإنسان بالله ولكنها لا تحركه لكي يعبر خارجياً عن الذي يعرفه. يوجد رهبان يحبون السكون ويستنيرون بنعمة الله ” ومع ذلك لا يتكلمون عن الله. إن الحكمة هي أحد المواهب العظمى والتي يعطيها الله للشخص الذي يمتلك كلاً من تعبير وذهن متسع. وهكذا تأتي معرفة الله “من خلال الصلاة والسكون العميق والإنعزال الكامل على حين تأتي الحكمة من خلال التأمل المتواضع في الكتاب المقدس وقبل كل شيء من خلال النعمة المعطاة من الله”[13].

إن عطية اللاهوت هي عمل الروح القدس ولكن في تعاون مع الإنسان حيث أن الروح القدس لا يحقق في الإنسان معرفة روحية للأسرار ” بعيداً عن تلك القدرة الموجودة داخله والتي تبحث عن هذه المعرفة بطريقة طبيعية”[14].

وبحسب تعليم القديس غريغوريوس بالاماس فإن المدعوين لاهوتيين بحق هم أولئك الذين يرون الله واللاهوت هو ليس إلا رؤية الله (التيئوريا).” لأنه توجد معرفة عن الله وعن تعاليمه وهي رؤية الله التي نسميها لاهوتاً”[15]. وهكذا فإن أياً من لا يمتلك معرفة وخبرة عن أمور الإيمان ويقدم عنها تعليماً ” بحسب حكمته الشخصية محاولاً من خلال الكلمات أن يظهر الصلاح الذي يفوق كل الكلمات فإنه يكون قد فقد كل الصواب”.

ومن خلال حماقته ” يكون قد صار عدواً لله”[16]. وبالإضافة إلى ذلك فإنه توجد حالات بدون أن يعمل أصحابها أي بدون أن يخضعوا للتطهير إلتقوا وسمعوا لرجال قديسين ولكنهم بعد ذلك ” حاولوا أن يكونوا مفاهيمهم الخاصة” وهكذا تنحوا عن الرجل القديس وإنتفخوا بالكبرياء”[17].

توضح كل هذه الأشياء أن اللاهوت هو ثمرة شفاء الإنسان وليس نظاماً منطقياً. لا يستطيع سوى الشخص الذي تطهر أو على الأقل الذي هو في مرحلة التطهير أن يقتحم الأسرار الفائقة الوصف والحقائق العظمى وأن يتلقى إعلانات وبعد ذلك ينقلها للناس. وهكذا فإنه بحسب التقليد الآبائي الأرثوذكسي فإن اللاهوت يرتبط ويتوحد بالأب الروحي والأب الروحي هو اللاهوتي بدون منازع بمعنى أن الذي يختبر أمور الله يستطيع عندئذ أن يقود أولاده الروحيين بطريقة سديدة.

يكتب الأب يوحنا رومانيدس قائلاً:” إن اللاهوتي الأرثوذكسي الحقيقي هو الذي يمتلك معرفة مباشرة عن بعض قدرات الله بواسطة الإستنارة أو يعرفها أكثر من خلال الرؤية. أو أنه يعرفها بطريقة غير مباشرة من خلال الأنبياء والرسل والقديسين أو من خلال الكتاب المقدس وكتابات الآباء وقرارات وأعمال مجامعهم المسكونية والإقليمية. اللاهوتي هو الذي من خلال هذه المعرفة الروحية المباشرة والرؤية يعرف بوضوح أن يميز بين أعمال الله وأعمال الخليقة وخصوصاً أعمال إبليس والشياطين. لا يستطيع المرء أن يمتحن الأرواح لكي يرى إن كان الأمر هو عمل الروح القدس أو عمل إبليس والشياطين بدون موهبة تمييز الأرواح.

وهكذا فإن اللاهوتي والأب الروحي هما نفس الشيء. من المؤكد أن الشخص الذي يفكر ويتكلم باحثاً عن فهم عقلاني لتعاليم الإيمان ليس أباً روحياً ولا نستطيع أن نسميه لاهوتياً بالمعنى الصحيح الذي للكلمة. ليس اللاهوت معرفة وممارسة مجردة مثل المنطق والرياضة والفلك والكيمياء ولكنه على العكس يمتلك خاصية جدلية مثل المنطق الرمزي والطب. فالأول يهتم بأمور الدفاع والهجوم من خلال التدريب العسكري والإستراتيجيات الخاصة بنشر الأسلحة والتحصينات والنظم الدفاعية والهجومية على حين أن الثاني (الطب) يقاتل الأمراض الذهنية والعضوية لصالح الصحة ووسائل إستعادة العافية.

إن اللاهوتي الغير مطلع على طرق العدو ولا على طرق الكمال في المسيح هو ليس فقط غير قادر على الكفاح ضد العدو من أجل كماله الخاص ولكنه أيضاً يكون في وضع لا يسمح له بإرشاد وعلاج الآخرين. يشبه هذا الأمر أن يُدعى المرء جنرالاً أو حتى أن يكون جنرالاً بالفعل بدون أن يكون قد تدرب أو حارب أو درس فن الحرب ولكنه إهتم فقط بالمظهر الجميل المجيد الذي للجيش العظيم وبالزي العسكري البراق في حفلات الإستقبال والعروض. كما أن ذلك يشبه الجزار الذي يتظاهر بأنه جراح أو مثل الذي يدعي أنه طبيب بدون أن يعرف أسباب الأمراض أو طرق علاجها أو حالة الصحة التي يجب أن يستعيدها المريض[18].

 

[1] . Gregory the Theologian. Or.27, 3. NPNFns, vol.7,p.285

[2] . Evagrius. Philokalia 1, p. 62,61

[3] . Ladder. Step 30. CWS p. 288

[4] . Ibid.

[5] . Ibid. p.250

[6] . Ibid. p262

[7] . Philok.2, p. 69, 26

[8] . Ibid. p. 108, 64

[9] . PG 91, 601 C. Letter 20, to Marinos the Monk

[10]. Philok.2, p. 330, 80

[11] . Ibid. p. 328f, 62

[12] . Philok. 1, p. 275, 67

[13] . Ibid. p. 254f, 9

[14] . St. Maximus the Confessor. Philok. 2, p. 239, 16

[15] . Triads. 1.3, 15

[16] . Ibid. 1, 3, 12

[17] . Ibid. 3, 1, 32. CWS p. 87

[18] . Romanides: Dogmatic and Symbolic Theology… p. 85f. In Greek.

اللاهوت كعلم علاجي – كيف يعطي اللاهوت شفاء للنفس؟

هل تفهم التجسد؟ محاضرات لفهم التجسد من وجهة نظر معاصره …ننصح بالاستماع..

المحاضرة الاولي منطقية التجسد
https://soundcloud.com/aghrooghorios/lnkbd9xwj9sv
المحاضرة الثانية منطقية التجسد
https://soundcloud.com/aghrooghorios/dbqacijyvgot
المحاضرة الثالثة منطقية التجسد
https://soundcloud.com/aghrooghorios/h9my48ou34y8

ناسوت المسيح و لاهوت المسيح – كيف نفهم هذا الأمر؟

ناسوت المسيح و لاهوت المسيح – كيف نفهم هذا الأمر؟

ناسوت المسيح و لاهوت المسيح – كيف نفهم هذا الأمر؟

 

ناسوت المسيح و لاهوت المسيح – كيف نفهم هذا الأمر؟

 

اللاهوت والناسوت

سؤال: توجد آيات في الكتاب المقدس تجعل الشخص يحتار بين لاهوت السيد والمسيح وناسوته..  مثل “أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد.. ولا الإبن”، و”لست أفعل شيئًا من نفسي”، و”أتكلم بهذا كما علمني أبي”، وأُعْطِيت كل سلطان”، و”لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني”..  ونحن نعلم أن المسيح هو الله، فكيف لا يعرف المسيح الساعة، وكيف يقول أُعطيت، وكيف لا يفعل شيئًا من نفسه، ولا يطلب مشيئته بل مشيئة الآب…؟!!!

 

الإجابة:

نعم إن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين، ولكنه هنا يتحدث بصفة الناسوت.  أي الابن الخاضع لمشيئة الآب الذي أرسله، فلقد أخلى ذاته آخِذًا صورة عبد وأطاع حتى الموت، موت الصليب.  فهنا يُظْهِر الخضوع التام في إتمام إرساليته ويتكلم أيضًا هنا بصفته نائب عن البشرية في تقديم الخلاص.

ولنا أحداث كثيرة كان المسيح يتكلم بصفته الناسوتية Humanity ولم يفترق عنه اللاهوت Divinity، ونرى ذلك عندما تعب من السفر – جلس على بئر يعقوب – جاع – بكى على لعازر..  وأيضًا كان بصفته اللاهوتية ولم يفترق عن الناسوت عندما صنع معجزاته كلها.

 

كما أن الآب مساو للابن مساوٍ للروح القدس، ولقد قال الابن عن نفسه: “أنا والآب واحد” (واحد في الجوهر، الطبيعة اللاهوتية).  وقال كذلك: “مَنْ رآني فقد رأى الآب”.   ونحن نقر في “قانون الإيمان” أنه مساوي للآب في الجوهر.  ونستطيع أن نُشَيِّه علاقة الآب والابن كعلاقة العقل والفكر؛ فالعقل هو مصدر الفكر، والفكر هو جوهر العقل.  وبما أن المسيح قال عن نفسه “لستُ أفعل شيئًا من نفسي”، والفكر يُصدَر من العقل، إذن فيمكن تفسيرها كما سبق.  ولكننا لا ننسى في نفس الوقت أن الفكر هو جوهر العقل، وإن كان المسيح هنا يتكلم بلغة الخضوع التام للآب الذي أرسله، والطاعة الكاملة لمشيئته.

أما عن آية” أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذي في السماء ولا الابن إلا الآب” (إنجيل مرقس 32:13)، فتفسيرها كالآتي: إن نفس الشخص الذي جاع هو الذي أطعم الجموع..  وذلك الذي بكى على موت لعازر هو نفسه الذي أقامه…

أولًا: يقول القديس أمبروسيوس أن السيد المسيح هو الديان وهو الذي قدم علامات يوم مجيئه لذا فهو لا يجهل اليوم. هذا وإن كان يوم مجيئه هو “السبت” الحقيقي الذي فيه يستريح الله وقديسوه فكيف يجهل هذا اليوم وهو “رب السبت” (أنجيل متى 12: 18)؟

ثانيًا: يرى القديس أغسطينوس أن السيد المسيح لا يجهل اليوم، إنما يعلن أنه لا يعرفه، إذ لا يعرفه معرفة مَنْ يبيح بالأمر. لعله يقصد بذلك ما يعلنه أحيانًا مدرس حين يُسأل عن أسئلة الامتحانات التي وضعها فيجيب أنه لا يعرف بمعنى عدم إمكانيته أن يُعلن ما قد وضعه، وأيضًا إن سُئل أب اعتراف عن اعترافات إنسان يحسب نفسه كمن لا يعرفها. يقول القديس أغسطينوس: [حقًا إن الآب لا يعرف شيئًا لا يعرفه الابن، لأن الابن هو معرفة الآب نفسه وحكمته، فهو ابنه وكلمته وحكمته. لكن ليس من صالحنا أن يخبرنا بما ليس في صالحنا أن نعرفه… إنه كمعلم يعلمنا بعض الأمور ويترك الأخرى لا يُعَرِّفنا بها. إنه يعرف أن يخبرنا بما هو لصالحنا ولا يخبرنا بالأمور التي تضرنا معرفتها].

كما يقول: [قيل هذا بمعنى أن البشر لا يعرفونها بواسطة الابن، وليس أنه هو نفسه لا يعرفها، وذلك بنفس التعبير كالقول: “لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم” (تث 13: 3)، بمعنى أنه يجعلكم تعلمون. وكالقول: “قم يا رب” (مز 3: 7)، (ستجد النص الكامل للكتاب المقدس هنا في موقع الأنبا تكلا) بمعنى “اجعلنا أن نقوم”، هكذا عندما يُقال أن الابن لا يعرف هذا اليوم فذلك ليس لأنه لا يعرفه وإنما لا يظهره لنا.]

بنفس الفكر يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بقوله “ولا ملائكة” يسد شفاهم عن طلب معرفة ما لا تعرفه الملائكة، وبقوله “ولا الابن” يمنعهم ليس فقط من معرفته وإنما حتى عن السؤال عنه.]  هذا المقال منقول من موقع كنيسة الأنبا تكلا.

هكذا أيضًا قال الأب ثيؤفلاكتيوس: [لو قال لهم أنني أعرف الساعة لكنني لا أعلنها لكم لأحزنهم إلى وقت ليس بقليل لكنه بحكمة منعهم من التساؤل في هذا الأمر.] وقال القديس هيلاري أسقف بواتييه: إن السيد المسيح فيه كنوز المعرفة، فقوله إنه لا يعرف الساعة إنما يعني إخفاءه كنوز الحكمة التي فيه.

ثالثًا: يرى القديس إيريناؤس أنه وإن كان السيد المسيح العارف بكل شيء لم يخجل من أن ينسب معرفة يوم الرب للآب وحده كمن لا يعرفه، أفلا يليق بنا بروح التواضع أن نقتدي به حين نُسأل في أمور فائقة مثل كيفية ولادة الابن من الآب أن نُعلن أنها فائقة للعقل لا نعرفها.

 

وبخصوص أنه أخفى عنهم معرفة الساعة على الرغم من قوله لهم سابقًا: “أُعطيَ لكم أن تعرفوا سر ملكوت الله، وأما الذين هم من خارج فبالأمثال يكون لهم كل شيء” (مرقس 11:4).  ألم يكن يشتاق السيد أن يدرك الكل أسرار ملكوته إذ قال: “أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء، وأعلنتها للأطفال. نعم أيها الآب، لأن هكذا صارت المسرة أمامك” (آنجيل متى 11: 25- 26)!

أ. يقول أحد الدارسين إنه يليق بنا فهم كلمات السيد المسيح بالفكر اللاهوتي الذي كان للكنيسة الأولى، فإن كلمات السيد تميز بين مجموعتين: الذين له مع الاثني عشر، والذين هم في الخارج [10-11]. فإن سرّ الملكوت لم يعلن للاثني عشر وحدهم بل للذين التفوا حول السيد في كنيسته، أما الذين في الخارج فهم اليهود رافضو الإيمان به.

فمن يتمتع بالحياة الكنسية ويكون تابعًا للسيد ينعم بقلب منفتح يدرك سرّ ملكوت الله، أما الذي يبقى في الخارج فلا يقدر أن يدرك السرّ في أعماقه، بل يحرم نفسه بنفسه من المعرفة الإيمانية الحية، فيبصر بعينيه الجسديتين ويسمع بأذنيه الماديتين، أما أعماقه فلا ترى ولا تسمع. وهكذا لا يرجع إلى المخلص ولا يتمتع بغفران خطاياه.

ب. قدم السيد تعاليمه علانية للجميع، لكن الأمر يحتاج إلى التمتع بإعلان السرّ، هذا السرّ يعطى لكل نفسٍ تأتي إلى السيد مع الاثني عشر لتنفرد به وتنعم بعمله الخفي فيها. إن كان ملكوت الله يشبه لؤلؤة كثيرة الثمن، فإن الله لا يبخل عن أن يعطيها لكل إنسانٍ يتقدم إليه في جدية يسأله إياها.

تُقدم كلمة الله مجانًا لكنها لا تعلن إلا لمن يشتاق إليها طالبًا معرفة “سرّ ملكوت الله”، الأمر الذي نلمسه بقوة في حياة معلمنا بولس الرسول، إذ يقول: “نتكلم بحكمة الله في سرّ، الحكمة المكتومة التي سبق فعينها قبل الدهور لمجدنا” (1 كو 2: 7)، ويدعو الإنجيل “سرًا” (رسالة أفسس 6: 19).

بنفس الفكر نجد السيد المسيح يقدم حياته مبذولة على الصليب علانية، لكنه لا يستطيع أحد أن يتفهم سرّ الصليب إلا الراغب في الالتقاء معه ليتعرف على قوة قيامته. فالصليب تمت أحداثه أمام العالم، أما القيامة فيختبرها الراغبون في التمتع بعملها فيهم، هؤلاء الذين يصعدون مع التلاميذ في علية صهيون يترقبون ظهوره!

ج. كان اليهود يحسبون الأمم “في الخارج”، إذ لا ينعمون بما تمتع به اليهود من آباء وأنبياء وشريعة مقدسة ومواعيد إلهية. والآن في هذا المثل يكشف لهم السيد أن الذين في الخارج هم اليهود الذين مع ما تمتعوا به من هذه الأمور رفضوا الدخول إلى سرّ الملكوت، فصاروا كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: يبصرون السيد المسيح يخرج الشياطين فيقولون به شيطان، ويبصرون القائمين من الأموات (مثل لعازر) فلا يسجدون له بل يفكرون في قتله.

وبخصوص عبارة “لست أفعل شيئًا من نفسي..  بل أتكلم كما علمني أبي” (إنجيل يوحنا 28:8)، فبهذا يعلن أن جوهره هو مثله تمامًا، وأنه لا ينطق بشيءٍ إلا بما في ذهن الآب.  إنه يقول أنا لست من نفسي. لأن الابن هو الله منالآب، ولكن الآب هو الله ليس من الابن. الابن إله من إله، الآب هو الله وليس من إله. الابن هو نور من نور، والآب هو نور لكن ليس من نور. الابن كائن، لكن يوجد من هو كائن منه، والآب كائن ولكن لا يوجد من هو كائن منه.

لم يعلمه كما لو كان قد ولده غير متعلم. لكن أن يعمله إنما تعني نفس معنى ولده مملوء معرفة… منه نال المعرفة بكونه منه نال كيانه. لا بأن منه نال أولًا كيانه وبعد ذلك المعرفة. وإنما كما بميلاده أعطاه كيانه، هكذا بميلاده أعطاه أن يعرف، وذلك كما قيل لطبيعة الحق البسيطة، فكيانه ليس بشيء آخر غير معرفته بل هو بعينه.

إن موضوع اللاهوت والناسوت يختلط عليك كثيرًا..  إنه إتحاد بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا استحالة..  إنه مثل إتحاد الحديد والنار؛ ففي حالة الحديد المُحمى بالنار، لا نقول هناك طبيعتان: حديد ونار، وإنما نقول حديد محمى بالنار، كما نقول عن طبيعة السيد المسيح أنه إله متأنس، أو اله متجسد، ولا نقول أنه اثنان إله وإنسان.

وفي حالة الحديد المحمى بالنار لا توجد استحالة؛ فلا الحديد يستحيل إلى نار، ولا النار تتحول إلى حديد.

لا تنسى آيات عديدة: “أنا والآب واحد” (يو30:10)، وذكرت بنفس المعنى كذلك في (يو11:17، 22).

  • “أنا في الآب والآب فيَّ” (يو10:14، 11).
  • “كل ما هو لي فهو لك، وكل ما هو لك فهو لي” (يو10:17).
  • “لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب” (يو22:5)
  • “أنتم تؤمنون بالله، فآمنوا بي” (يو1:14).
  • “مَنْ رآني فقد رأى الآب” (يو9:14).

 

* السيد المسيح وصفاته الإلهية:

1- قدرته على الخلق (يو3:1، 10؛ عب1:1؛ كو16:1؛ 1كو6:8؛ لو10:9-17؛ مت32:15-38؛ يو7:2، 8؛ يو32:9)..

2- المسيح معطي الحياة (يو4:1؛ مر22:5، 35-42؛ لو11:7-17؛ يو11؛ يو21:5؛ 33:6، 35-58؛ 27:10، 28؛ 10:4-14).كيف يكون المسيح خالقًا، بينما الخلق من صفات الله وحده؟  لقد كان يخلق بقوة لاهوته، باعتبار أنه الأقنوم الثاني، عقل الله. 

لم يحدث مطلقًا أن إنسانًا تحدث بهذا الأسلوب، الذي به يكون واهبًا للحياة، ومُعطيًا لها، وأنه يعطي حياة أبدية، وانه يُحيي مَنْ يشاء.  والذي يتبعه يحيا إلى الأبد، ولا يهلك، ولا يخطفه أحد من يده..  إنها كلها أعمال من سلطان الله.

3- السيد المسيح فوق الزمان (يو58:8؛ رؤ16:22؛ 5:5؛ مز3:110؛ يو5:17، 24؛ كو15:1-17؛ يو3:1، 10؛ مي2:5؛ 1كو24:1؛ عب8:13؛ متى20:28)..

4- المسيح موجود في كل مكان (متي20:18؛ أع9:1؛ لو43:23؛ في23:1؛ مت20:28؛ يو13:3؛ يو23:14؛ غل20:2؛ رؤ20:3)..

ثابت من كل ما سبق أن السيد المسيح كائن غير محدود، موجود في كل مكان؛ في السماء وفي الفردوس، وفي نفس الوقت على الأرض، في أماكن العبادة وفي اجتماعات المؤمنين، وفي قلوب محبيه..  كما أنه يقرع على أبواب قلوب الضالين والمبتعدين عن وصاياه.  ينتقل مع كل إنسان حيثما انتقل، ويكون معه وهو مستقر.  هو مع الأحياء وأيضًا مع الذين انتقلوا.  كل هذا لا ينطبق إلا على كائن واحد هو الله.

5- نزوله من السماء (يو41:6؛  33:6، 38؛ 27:16، 28؛ في7:2؛ يو3:1؛ 13:3؛ 18:1؛ مت34:5؛ أع9:1؛ يو28:16)  وله فيها سلطان (أع59:7؛ 2كو2:12، 4؛ لو43:23؛ مت19:16؛ 18:18؛ في9:2؛ عب25:7، 26)..

إذن من علاقة المسيح بالسماء، يمكن إثبات لاهوته بدلائل كثيرة.

6- هو الأول والآخر (رؤ7:1، 8، 9-13، 17؛ 12:22-16).

يقول الله في سفر أشعياء “أنا هو الأول والآخر”، وهذا ما يقوله المسيح في سفر الرؤيا!  فكيف يمكن التوفيق بين القولين إلا أنهما لكائن واحد هو الله..

7- المسيح هو الرب (مز1:109؛ مت43:22-46؛ 21:7؛ لو46:6؛ مت22:7، 23؛ 44:25، 31؛ لو25:13؛ أع59:7؛ 1كو8:6؛ يو28:20، 29؛ أع31:16؛ 2بط18:3؛ يع1:2؛ اكو8:2؛ مت8:12؛ 30:14؛ 33:14؛ لو8:5؛ يو7:21؛ 12:21؛ لو43:1؛ يو18:20، 18، 25؛ لو34:24؛ يو15:21-17؛ لو10:2، 11؛ مت5:28، 6؛ مر19:16، 20؛ لو13:7؛ لو17:10؛ 6:22؛ 8:19؛ 31:22-61؛ أع5:9، 6؛ 11:15؛ 2كو14:13؛ كو17:3؛ 10:2؛ 11؛ عب30:1؛ مر3:11؛ لو31:19؛ رؤ20:22، 21)..

 7- الإيمان به (يو1:14؛ 16:3؛ 24:8؛ 25:11، 26؛ أع31:16؛ مر16:16؛ أع43:10؛ 38:13، 39؛ 38:2؛ 39:13؛ رو1:5؛ يو38:7، 39؛ 1كو3:12؛ أع17:8؛ 1يو20:2، 27؛ رو33:9؛ 11:10؛ 1بط6:2؛ يو36:3؛ أع36:8، 37؛ يو31:20؛ 5:3؛ 12:1)..

لا يمكن لإنسان أيًّا كان أن يحصل مَنْ يؤمن به على كل هذه النتائج الروحية التي ذكرناها، والتي تتعلق بأبدية المؤمن، ومركزه مع الله كابن، ومع الكنيسة كعضو فيها بالإيمان و المعمودية.

ولكن، ما هو كنه هذا الإيمان بالمسيح؟  نؤمن بأن يسوع هو المسيح، وهو إبن الله (يو31:20).  ونؤمن بأنه إبن الله الوحيد (يو16:3، 18) بكل ما تحمل هذه العبارة من صفات لاهوتية.  ونؤمن بأنه اللوجوس، عقل الله الناطق، كلمة الله..  ونؤمن أنه في الآب والآب فيه (يو10:14، 11).  ونؤمن أن من يرى المسيح فقد رأى الآب (يو9:14).  ونؤمن أن فيه الحياة (يو4:1؛ 1يو11:5)، ونؤمن انه مخلص العالم (يو42:4؛ مت21:1) وأنه كفارة لخطايانا (1يو10:4؛ 2:2) ونؤمن أيضًا بكلامه..  وبالطريق الذي رسمه الرب للخلاص..

كل هذا يدل على لاهوت المسيح، يُضاف إليها إيمانك بصفاته اللاهوتية.

8- قبوله العبادة والسجود (يو38:9؛ مت33:14؛ لو8:5؛ مر33:5؛ 18:5؛ 25:5، 26؛ مت9:28؛ 18:28؛ مت11:2؛ في10:2، 11؛ متى22:7؛ يو13:14، 14).

9- له المجد إلى الأبد، وهي عبارة خاصة بالله وحده (أش3:6؛ 8:42).  (مت31:25؛ 32؛ 2بط18:3؛ 1بط11:4؛ يه25؛؛ مت27:16؛ لو26:9؛ رؤ17:7؛ 13:5، 6؛ 21:3؛ يو4:17، 5)..

10- المسيح هو الصالح القدوس (لو35:1؛ أع14:3؛ عب26:7؛ أع30:4، 27؛ رؤ7:3؛ عب26:7؛ يو46:8؛ 30:14؛ عب15:4؛ 2كو21:5؛ 1يو5:3؛ 1بط22:2؛ مت4:27، 24، 19؛ مر24:1).

إن كان ليس أحد صالحًا، إلا واحد فقط وهو الله (متى17:19)، وقد ثبت أن المسيح هو صالح أو هو الوحيد الصالح.  إذن هو الله.  هذا الذي انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات.  وإن كان الله وحده قدوس (رؤ4:15)، وقد ثبت أن المسيح قدوس، إذن هو الله.

 10- المسيح يغفر الخطايا (مت2:9؛ مر5:2؛ لو20:5؛ لو43:23).

مع أن الجميع يؤمنون أن الله هو وحده الذي يغفر الخطايا، قام المسيح بمغفرة الخطية للمفلوج وللمرأة الخاطئة وللص ولغيرهم.  بمجرد أمر؛ ليس بصلاة يطلب فيها الحِل من الله، كما يفعل الكهنة حاليًا، إنما بالأمر “مغفورة لك خطاياك” ولم يقل “اذهب الرب يغفر لك”.  وقال في صراحة أن له هذا السلطان أن يغفر الخطايا على الأرض.

12- المسيح هو الديان (2كو10:5؛ مت27:16؛ 31:25-46؛ مت41:13، 42؛ 2تي1:4؛ رؤ13:22؛ 14؛ 2:2، 9، 13، 19؛ 1:3، 8، 15؛ مت23:22).

فإن كان المسيح هو الديّان، فإنه يكون الله؛ لأن الله هو الديَّان.  وهو يفعل ذلك ويحكم على أفعال الناس لأنه يعرفها.

 13- المسيح هو صاحب القلوب والكُلى (رؤ23:2؛ يو7:16, 8؛ مر16:11، 17؛ مت8:16؛ مر6:2-8؛ مت3:9، 4؛ لو21:5، 22؛ مت24:12، 25؛ لو7:6-9؛ لو46:9؛ 47؛ 39:7، 40؛ مت27:17؛ يو27:20؛ 11:11؛ 47:1-50؛ 18:4).

سنترك معرفة الغيب هنا جانبًا ونتكلم عن قراءة الأفكار.  يقول الكتاب المقدس “فإن فاحص القلوب والكلى هو الله البار” (مز9:7)، ويقول السيد المسيح “فستعرف الكنائس أني أن هو الفاحص الكلي والقلوب (رؤ23:2)، أليس هذا اعترافًا صريحًا بأنه هو الله.

يقول الكتاب صراحة عن الله “أنت وحدك قد عرفت قلوب كل بني البشر (1مل39:8)، وقد ثبت أن المسيح قد قرأ الأفكار وعرف خبايا القلوب والنفوس.  فهل الكتاب يتناقض مع ذاته أن أن الله والمسيح واحد؟  وبهذا يعرف المسيح قلوب البشر.

 13- المسيح هو المخلص والفادي (مت21:1؛  يو47:12؛ 42:4؛  مت11:18؛  لو10:19؛ 1تي15:1؛  تي14:2؛  غل13:2؛  عب9:5؛ 3:2؛ أع12:4)

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

هل القمر نور؟ فعمل الله النورين العظيمين

هل القمر نور؟ فعمل الله النورين العظيمين

هل القمر نور؟ فعمل الله النورين العظيمين

يقول الكتاب المقدس في التكوين 14:1 فعمل الله النورين العظيمين. النور الاكبر لحكم النهار والنور الاصغر لحكم الليل والنجوم. نعرف جميعنا ان القمر هو جسم معتم لكنه يعكس ضوء الشمس , فكيف يقول عليه الكتاب المقدس انه نور؟

الرد:

عندما خلق الرب النور في اليوم الثاني (تك3:1) فهو خلق لمعان النور أي انه خلق النور في حد ذاته وهذا واضح في اللفظ العبري المستخدم حيث انها جائت (اور) אֹור وجائت في قاموس استرونج برقم H216 بهذا المعنى :

illumination or (concrete) luminary (in every sense, including lightning,

happiness, etc.):–bright, clear, + day, light (-ning), morning, sun.

 

فالكلمه تعني ضوء لمعان او ضوء نهار او ضوء شمس , فهي تعبر عن الضوء فقط في ذاته وليس جسم مضيئ. ولكن عندما تكلم الكتاب عن الشمس والقمر استخدم كلمة عبرية اخرى هي (ماوره) הַמְּאֹרֹת وجائت في قاموس استرونج تحت رقم H3974 بمعنى :

a luminous body or luminary, i.e. (abstractly) light (as an

element): figuratively, brightness, i.e.cheerfulness; specifically, a

chandelier:–bright, light.

فالكلمة تعني جسم يلمع , وبهذا نجد ان الكتاب المقدس يفرق بين خلق النور كمادة في حد ذاتها وخلق الاجسام المشعة واللامعة.

هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء

هل القمر نور؟ فريق اللاهوت الدفاعى

اللاهوت فى فكر القديس اكليمندس السكندرى

اللاهوت فى فكر القديس اكليمندس السكندري

اللاهوت فى فكر القديس اكليمندس السكندرى

 
( 150 – 215م )
 
القديس إكليمنضُس السكندري

وُجِدت نظرِة القديس إكليمنضُس الأسكندري بوجه خاص في الكتاب الخامِس من ” المُتفرقات أو ما يُسمَّى بالبديعيات “ ( Stromata ) ، حيث أعطى إيماناً ورجاءاً في إدراك الذهن للأمور غير المنظورة ، والتي لا تستطيع الحواس أن تُدرِكها .

تحدَّث إكليمنضُس بدقة عن الله الذي لا يمكن الحديث عنه ، فهو بلا شكل ولا اسم وكل ما لُقِبَ به من أسماء مثل الواحِد ، الصَّالِح ، العقل ، الابن ، الله الخالِق ، أو الرب … كلها أسماء فقيرة لا يمكنها أن تصِف الأبدي ، لأنَّ أي اسم ينزل إلى عالم الأمور المحدودة العادية ، وهذه الأسماء أُعطِيَت لنا من أجل قصورنا حتى نقدِر أن نُدرِك سُلطان قُدرته .
الله فوق كل لغة ، لهذا إنما نتحدَّث عنه من خلال الرموز ، ولا يمكن معرفة الله بدون

عمل نِعمِته ، فالمعرفة هِبة إلهية فوق حدود الفِكر المنطقي .. والله الغير معروف يصير معروفاً خلال اللوغوس ، فمن يرفُض نعمة الله ويتجاهل اللوغوس يبقى الله بالنسبة له غير معروف ..

فاللوغوس هو سِر المعرفة الإلهية ، هو معرِفتنا وفِردوسنا الروحي ، هو مُخلِّصنا الذي فيه نُزرع بعد أن نُقِلنا من الحياة العتيقة إلى التربة الصَّالِحة ، الرب نفسه هو معرِفتنا لنتأصَّل فيه ونتحرَّر لندخل الحياة الجديدة .

ويتحدَّث القديس إكليمنضُس السكندري عن نوعين من الثيولوچيا : ” ثيولوچيا الأوثان “ و ” اللاهوت الحقيقي أو الصحيح “ ، ويقع لاهوت الأوثان بين نقيضين ، الالحاد والخُرافة ، فالالحاد هو الجهل بالله الحقيقي ، والخُرافة هي توقير الآلهة الزائِفة بدلاً من الله الواحد (1) .

فالمُلحِد يُؤمِن بعدم وجود إله ، والشخص الذي يتبع الخُرافات السخيفة يخشى الشياطين ويعتبِر كثير من الأشياء آلهة : الخشب ، الشمس ، الحجارة ، والروح (2) .

وثيولوچيا الأوثان (3) هي في الواقِع انتقال من الحق يسحب الإنسان ليهبِط به من السماء إلى الهاوية (4) .

لذلك يُميِّز القديس إكليمنضُس الأسكندري سبعة أنواع للاهوت الصنميات :

(1) ثيولوچيا النجوم أي الشمس ( الهنود ) ، والقمر ( الفرجيون ) .

(2) ثيولوچيا ثِمار الأرض ، الأثينيون يُؤلِّهون الحِنطة ويدعونها ( ديو Deo ) ( Δηω ) ، وأهل طِيبة المصريون يُؤلِّهون الخمر ويُسمونه ( ديونيسوس Dionysos ) .

(3) ثيولوچيا أُجرِة الشر أو ثيولوچيا القَدَر والمصير ( مثل إرينيس Erinyes وإيومنيدس Eumanidesوألاستورس Alastores ) .

(4) ثيولوچيا العاطِفة البشرية ( الخوف ، الفرح ، الفشل ، الرجاء ) .
هذه اللاهوتيات تقود إلى الثيولوچيا البشرية . ( دايك Dike وكلوتو Clotho ولاخيسيس Lachesisوأثروبوس Athropos وإيمارمين Emiarmene وإكسو

(1) Auxo وثالو Thalo أو الأثينيون Atticists ) .

(2) اُسطورِة الاثنى عشر إلهاً : اُسطورِة هيسود Hesiod وهومر Homer و….. إلخ .

(3) ثيولوچيا صانِع الخير ( ديوسقوري وهيراقلس وإسكلابيوس ) ، ويُميِّز إكليمنضُس بعضاً من هذه الثيولوچيات بأنها ” ثيولوچيات الغطرسة “ (5) ( هبريس Hybris ) .

أمَّا اللاهوتيون المسئولون عن هذه اللاهوتيات فهم قُدامى الشُّعراء الإغريق ، ويذكُر إكليمنضُس العلاَّمة من بينهم :

أورفيوس Orpheus
( اُسطوري )
وبيندار
( 518 – 438 ق . م )
وهومير
( القرن الثَّامِن ق . م )
وهسيود
( الثَّامِن ق . م )
ولينوس Linos
( اُسطوري )
وموسايوس
( السَّادِس ق . م )
وفرسيدس
( تقريباً 456 ق . م )

وإن كان إكليمنضُس يعتبِر عمل هؤلاء اللاهوتيين تمهيداً للاَّهوت المسيحي إلاَّ أنه ينتقده على وجه الاجمال بل ويعتبره خُرافة لا تُوقِر الله . ويُحاجِج إكليمنضُس مُؤكِداً أنَّ اللاهوتيات الوثنية تحوي عناصِر الحق ويُدلِّل على ذلك بالإشارة إلى كِتابات كليانثس وفيثاغورث وهسيود وكِتابات أوريبوس ( 484 – 406 ق . م ) وسوفوكليس ( 496 – 406 ق . م ) وأورفيوس …

ويُشير إلى أنَّ الحق دائِماً مستور وراء الرموز والاستعارات وعلى الإنسان أن يتعمق فيما وراءها ليكتشفه ، أمَّا عن أصل هذه الحقائِق في اللاهوتيات الوثنية ، فإنَّ إكليمنضُس لا يشُك في أنه الكتاب المُقدس ! ( بمعنى أنَّ الحق

فقط في هذه اللاهوتيات هو المُستمد من الكتاب المُقدس ) وأنَّ اللاهوتيين الإغريق قد سرقوا فِعلاً الكثير من الحقائِق من اليهود .

وهذا الرأي من المُحتمل أن يكون إكليمنضُس قد استقاه من دوائِر اليهود وأعمالِهِم الدِفاعية ضد اليونانيين ، وقد كان هناك فيلسوف فيثاغورثي هو نوينيوس ( القرن الثَّاني الميلادي ) يعرِف الكثير عن هذه الدفاعيات اليهودية ، ويُؤكِد أنَّ أفلاطون ليس إلاَّ موسى يكتب باليونانية القديمة !! واعتبر أنَّ المسيح هو نهايِة كل فلسفة ونُبوة ، وقد جاء ليسترجِع الحكمة الحقيقية ، لأنَّ الإيمان يفوق المعرِفة وهو مقياسها .

ويُؤكِد القديس إكليمنضُس على مصدرين كِتابِيين للحق أو اللاهوت الحقيقي :

· لاهوت الأنبياء .

· ولاهوت موسى ، الذي هو أساسها كلها .

ويُقسِّم القديس إكليمنضُس الثيولوچيا الموسوية إلى أربعة أجزاء :

(1) التاريخية .

(2) والشرعية ( الأخلاقية ) .

(3) والليتورچية الكهنوتية .

(4) وأخيراً اللاهوتية .

والتي تُسمَّى ( Έποπτεια ) ( بحسب أفلاطون ) و( Θεολογική Φιλοσοφία ) ( أرِسطو ) ، ومن الواضِح تماماً أنَّ إكليمنضُس قد استعار هذه التصنيفة الرُباعية من ڤيلو جوداوس أحد المصادِر الأولية على ما يبدو ، ويربُط إكليمنضُس تصنيفِة ڤيلو اليهودي بتقسيمِة أفلاطون الثُّلاثية التي ذَكَرَها ديوجينيس ليرتيوس ( أي الفيزيائيات والأخلاقيات والجَدَلِيات ) في القرن الثَّالِث الميلادي ، ويربُط إكليمنضُس النوعين الأولين لثيولوچيا ڤيلو بالنوع الأوَّل لأفلاطون والنوعين الأخريين بالترتيب .

ومن الواضِح أنَّ أهمها جميعاً أو الجزء الأخير الذي يرتبِط بالرؤية الموسوية لله ، والمُشابِه للجدلية الأفلاطونية الحقيقية والميتافيزيقا الأرسطوطالية ، لكن إكليمنضُس يتعمق

أكثر من هذه التعريفات الثَّلاثة ويُعيد تعريفها بربطها كلها باستعلان السِر في المسيح .

إذن فاللاهوت الحقيقي والنهائي هو اللاهوت الذي أعطاه وكشفه لنا المُخلِّص .

أمَّا الجزء اللاهوتي للتقليد الموسوي فهو ليس مجرد التعليم النَّبوي لموسى بل الاستعلان الكامِل لهذه النُّبوة المُعطى في المسيح يسوع ، وبالنسبة للأكليمنضُس فإنَّ اللاهوت هو الذي علَّمه لنا ابن الله .

وهذا التأكيد على تمركُز اللاهوت حول شخص المسيح سِمة تُميِّز القديس إكليمنضُس ، ومن الناحية التاريخية ( أي بالمفهوم الإصطلاحي التقني ) فإنَّ إكليمنضُس السكندري هو أوِّل من أدخل هذا الفارِق المُميَز الذي يُميِّز اللاهوت المسيحي عن غيره تماماً ، فقد ربط الثيولوچيا بالكريستولوچيا ( طبيعِة المسيح ) دون أن ينبِذ تماماً اتصالات الثيولوچيا بالكوزمولوچيا والكوزموچونيا وتدبير الخليقة ، والعنصر الجديد هنا هو الطبيعة المِعطاءة الانعامية للحق اللاهوتي وارتباطه الوثيق والصميمي وتحقيقه وكماله النهائي في شخص المسيح .

ونستطيع أن نقول أنَّ الكلمة اللوغوس هو قطب الدائِرة في لاهوت القديس إكليمنضُس النظري ، فالكلمة خالِق العالم كاشِف سِر الله في العهد القديم وفي فلسفة اليونان هو ليس جِنساً ولا نوعاً ولا عدداً ولا عرضاً ، إنه أبو عموم الأشياء ، الذي لا يبحث فيه عن تركيب ، العقل الإلهي مُعلِّم العالم ومُعطي الشرائِع مُخلِّص البشر … وهذه الرؤى اللاهوتية للقديس إكليمنضُس قد أخذها وطوَّرها لاحِقه العلاَّمة أوريجانوس ، الذي يُعتبر منهجه نقطة البدء للأبعاد والركائِز الثيولوچية الواضِحة والدقيقة للآباء النيقاويين بدءاً بالبابا أثناسيوس الرسولي وانتهاءً بالآباء الكبادوك .

دعا القديس إكليمنضُس في كِتابه ” نُصح الوثنيين Protrepticus “ ، البشرية كلها لقبول السيِّد المسيح قائِلاً :

” اسمعوا أيها البعيدين ، ويا أيها القريبين ، فإنَّ اللوغوس ليس مخفياً عن أحد ، إنه النور العامالذي يُضِئ للكل ، لم يعُد في العالم ظُلمة ، لنُسرِع إلى خلاصنا ولنُسرِع إلى تجديدنا “ (6) .
ميَّز القديس إكليمنضُس بين اللوغوس الإلهي كهادي Protrepticus ، وكمُربِّي وكمُعلِّم

، فهو الهادي الذي يدعو الناس للخلاص ، وهو اللوغوس المُربِّي Paedagogus الذي يحِث المؤمنين على الحياة الأفضل ويشفيهم من آلامهم مُمارِساً عمله الروحي فيهم ، وهو اللوغوس المُعلِّم (7) الذي يُعلِّم الأُسُس العامة ويشرحها مُفسِراً الرمزية لأنه المرموز إليه مُشتهى الأجيال .

وبحسب كلمات القديس نفسه فاللوغوس ” المُرشِد السماوي “ يُدعى الهادي عندما يدعو البشرية للخلاص .. لكنه إذ يعمل كطبيب أو مُربِّي يصير اسمه المُربِّي . فإنَّ النَّفْس المريضة تحتاج إلى مُربِّي يشفي آلامها . ثم تحتاج إلى المُعلِّم الذي يُعطيها الإدراك ( إعلان اللوغوس ) . هكذا إذ يُريد اللوغوس خلاصنا خطوة فخطوة يستخدِم وسيلة مُمتازة ، إنه في البِداية يُهدي ، ثم يُصلِح ، وأخيراً يُعلِّم (8) .

وبالرغم من أنَّ البعض يرى أنَّ إكليمنضُس كان مُتأثِراً بالأفلاطونية الحديثة ( new – Platonism ) ، إلاَّ أنه وجَّه دعوة للوثنيين أن يتحوَّلوا ويهتدوا خلال انصاتهم إلى اللوغوس الذي يُدعى (Protrepticus ) السيِّد الوحيد الذي لا يدعونا فقط لنبذ الوثنية ، وإنما لنأخذ أيضاً استنارة روحية فعَّالة .

تركَّز لاهوت إكليمنضُس حول التعليم المسيحي ، فيرى في الله الكلمة ( اللوغوس ) مُعلِّماً أوَّلاً وقبل كل شئ ، مُعتبِراً أنَّ الله يعمل معنا كما نفعل نحن بأولادنا ، إنه كلمة الحق ، كلمة عدم الفساد ، طارِد الموت ، يبني هيكل الله في الناس ، فيأخذهم الله مسكناً له ، فالمريض يحتاج إلى مُخلِّص ، والضَّال إلى مُرشِد ، والأعمى يحتاج إلى من يقوده إلى النور ، والعِطَاش إلى الينبوع الحي الذي من يشرب منه لا يعطش أبداً ، والموتى إلى الحياة ، والخِراف إلى راعي ، والأبناء إلى مُعلِّم ، تحتاج البشرية كلها إلى المسيح (9) .

وعلى هذا الأساس دُعِيَ اللوغوس المُخلِّص ، ابن الله الذي بلا خطية ولا عيب .

رأى إكليمنضُس أبو الفلسفة المسيحية الإسكندرانية أنَّ اليونانيين قد استعادوا الكثير من العهد القديم ، مُشيراً إلى أنَّ أفلاطون انتحل آراء موسى والأنبياء ، لذلك علَّمنا أنَّ الغنوسية الحقيقية وحياة الكمال ليست مجرد معرفة نظرية لكنها دخول إلى كمال المسيح ، دخول من الناموس إلى السيِّد المسيح مُكمِّل الناموس .

حقاً لقد كان إكليمنضُس مُهتماً بشغف بكل الفلسفات والديانات السِّرِّية والغوامِض القديمة ، حتى وهو يُفنِّدها ، وكان يرى في المسيحية ليس أنها فلسفة ، بل حقيقة وقُوَّة سِرِية تُغيِّر وتُعلِّي كل كيان الإنسان ، وبحماس بالِغ كان إكليمنضُس يُخاطِب قارِئه البعيد عن الإيمان ، ليُصغِ السمع للأنشودة الجديدة التي ألَّفها وأنشدها ” أوفيوس الجديد “ ، أي ” الكلمة “ المُشرِق من صهيون ، إنَّ الحقي النسبي الذي تحتويه مقالات الفلاسِفة أمر معروف …

أمَّا المعرِفة الكامِلة غير المشكوك فيها فهي موجودة فقط في الأنبياء ، وفوق الكل في اللوغوس ( الكلمة ) الذي يقود إلى الحق كل الحق .

قال إكليمنضُس إنَّ اليونانيين مديونون للعبرانيين في قصة ” طيماوس “ ، وجماعِة الفلاسِفة مُدانون لأنهم ألَّهوا الكون بدلاً من البحث عن خالِق الكون ، وقد كانوا مُحتاجين إلى من يُخبِرهم أنَّ :

” المشيئة الخاصة لله كانت أن يخلِق الكون ، لأنَّ الله وحده صنعه ، فهو الإله الواجِب الوجود بذاته ، وبِفِعْل مشيئته خلق الكون ، إذ شاء فأتت الأشياء للوجود “ .

ورأى إكليمنضُس أنَّ ” الفلسفة كانت ضرورية لليونانيين لإدراك البِّر ، كإعداد لأولئِك الذينَ سوف يجدون الإيمان الحقيقي “ ، وقد فسَّر ذلك على أنه من عنايِة الله الذي هو ” كنز الصَّالِحات “ ، قائِلاً : ” إنَّ الفلسفة كانت هي المُربِّي الذي أعد الفِكْر اليوناني لقبول المسيح مثلما أعد الناموس اليهود للإيمان بالمسيح “ (10) .

حذَّر القديس إكليمنضُس من التفكير في الله بطريقة مادِّية جِسدانية ، لأنه فوق المكان والزمان ، فوق كل المفهومات الزمنية ، لذلك نجده يرسِم طريق معرِفة الله ، تلك التي يبدأها بالتطهير من الخطية والأهواء ثم الابتعاد عن حرفية التفكير في الله لتأتي مرحلِة الرؤيوية بالنعمة الإلهية وحدها فوق حدود القياسات والصِيَغ ، حيث الاتحاد مع اللوغوس المولود من الآب ، الذي هو سِر المعرفة اللاهوتية ، الذي كل من يتجاهله يبقى الله بالنسبة له غير معروف .

ونُجمِل نظام القديس إكليمنضُس اللاهوتي الذي يقوم على شخص اللوغوس ، فما يُريده اللوغوس يصير حقيقة اسمها العالم ، إنه خالِقه وأساس وجوده المُطلق ، مصدر النور والحياة بلا بِداية ولا نِهاية ، لا يخضع للزمن ، ولا يمكن البرهنة عليه ، ولا يمكن أن يكون

موضوع معرِفة ، لأنه هو الحكمة والمعرِفة والحق ، الاعلان العقلي للآب وخِتم مجده الذي يُعلِّمنا الحق ، صورِة الله وفِكره ووجهه ونوره الذي به نُعايِن النور ، شمس البِّر الذي يقود مركبته ويُشرِق على كل البشر لينتزِع الهالِك رافِعاً إياه إلى السماويات ، غارِساً المائِت في الخلود ، مُحوِّلاً الأرض إلى سماء ، الزَّارِع الإلهي الذي أعطانا ميراث الآب ..

ويعتبِر العلماء أنَّ إكليمنضُس هو أوِّل لاهوتي مسيحي يُثبِت وجود الله وقُدرته من خلال العقل ، وعن وحدانية الله يقول : ” من يُؤمِن بآلهة كثيرة وليس بالله الواحِد الحقيقي يُشبِه اللقيط الذي لا يعرِف أباه الواحِد الحقيقي “ ، ومن أبرز سِمات القديس هو حديثه عن الله كصالِح ومُحِب البشر لا عن اللاهوت النظري ، فنجده يتحدَّث عن الله كُلي الصَّلاح ، الذي في حُبُّه احتضن كل البشرية بلا تمييز ، كشافي للمرضى ومُرشِد للتائهين وقائِد للعُميان وينبوع للعِطاش ومُقيم للأموات وراعي للخراف .

ربط القديس إكليمنضُس بين الثيولوچيا والإكلسيولوچي ، عندما قال :

وكما أنه لا يوجد إلاَّ إله أب واحِد وكلمة واحِد وروح واحِد ، فإنه لا يوجد سِوَى كنيسة واحدة التي تُعرِّفنا وتُغذِّينا بلبن الكلمة الإلهي ( الثيولوچيا ) …

اعتبر القديس أنَّ الكنيسة عروس المُعلِّم وأُمُّه هي المدرسة التي يُعلِّم فيها المسيح ، وهنا تتضِح صِلةالثيولوچيا بالأكلسيولوچي ( اللاهوت بالكنيسة ) .

———————————————————————————-

مراجِع الفصل

1) Protreptikos, II, 25, 2.

2) Stromateis, VII, 1, 4, 3.

3) Protreptikos, VII, 74, 3.

4) Ibid. II, 27, 1.

5) Ibid. IV, 60, 1 – 61.

6) Protrepticus 9.

7) Obsorn, p. 5.

8) Paedagogus 1: 1.

9) Paed. 2: 9.

10) A.N.F. vol, II, P. 305.

 

اللاهوت فى فكر القديس اكليمندس السكندرى

سقوط الإنسان والجرح عديم الشفاء – فريق اللاهوت الدفاعي

أن النتيجة الأولى لسقوط الإنسان، هي العزلة والابتعاد عن مصدر الحياة والفرح العميق في الحق، وبدء الشعور العميق بعدم الأمان الذي أدى إلى القلق والاضطراب النفسي، وبالتالي الشعور بالدينونة، التي أدت بالتالي إلى الرعب من الموت، وفقدان الثقة والرجاء الحي في الله، إذ قد تصور الله بالنسبة للإنسان انه سيد قاسي يقسو عليه ووهبه الموت كعقوبة، لأنه خلقه رغم أنه يعلم بسقوطه، وبذلك يلوم الإنسان دائماً الله على هذا الموت الموجع الذي صار يعمل فيه من يوم ميلاده في هذا العالم إلى يوم خروجه من هذا الجسد المملوء من الغرائز التي تجعل الإنسان يسقط تحت إلحاح تسديد احتياجها، لأنه صار عبداً لها، وهذا هو الجسد الذي صار – من وجهة نظر الإنسان – انه مصدر الشر والأوجاع !!! (مع أن المشكلة ليست في الجسد ولا غرائزه – المشكلة في قلب الإنسان المالك عليه الموت لأنه صار بعيداً عن الله منطرحاً بكراهة نفسه)

ورغم السقوط وهذا الخوف وفقدان الرجاء وحياة الشركة الحلوة مع الله وكل ملامة الإنسان لله الحلو، فالإنسان لم يفقد مشابهته لله المغروسة فيه طبيعياً، والتي هي “جوهره العقليالروحي، لكن الجسد قد تثقل جداً بسبب هبوطه من العالم الروحي للعالم المادي في سقوط مروع، بفقدان الشركة مع الله أساس الحياة وأصل كل رجاء ونبع كل الخيرات وحياة حق لكل واحد، وبسبب أن حركات النفس وبالتالي الجسد خرجت عن طَوْع ذهنه أو عقله الطاهر أيجوهره العقلي“…
فالإنسان بعد السقوط أصبح يعاني من “
الجرح عديم الشفاء“، وطبيعة جوهره الروحي قد سقط من المجد والشركة مع الثالوث القدوس إلى الفضيحة والذل العظيم، ولكن جوهر الإنسان غير مائت لا ينحل مع الجسد، بل ويولد في النفس شوق عظيم من نحو خالقها، لذلك يظل هناك أنين خفي دائم في أعماق داخل الإنسان يحن إلى الله الحي.

ولذلك فأن أب الخليقة تبارك اسمه العظيم، تحرك متعطفاً على جرحنا الملوث والذي سبب غرغرينا فبتر حياتنا عن الحياة الذي هو بشخصه، إذ سرى سم الموت القاتل فينا بلا شفاء بسبب عضة الحية عديم الشفاء، هذا الموت الذي سرى بسلطان قوة الخطية أصبح لا يمكن شفاؤه بواسطة أي من الخلائق – سواء ملائكة أو رؤساء ملائكة أو حتى أنبياء – سوى بصلاح الله وحده فقط. فأرسل إلينا ابنه الوحيد غير المفترق عنه، والذي بسبب عبوديتنا أخذ شكل العبد وسلَّم ذاته بإرادته وحده للموت لأجل خطايانا، وهو حاملنا في ذاته مقدمنا معه لنموت عن الموت لتسري فينا حياته.

فإذ قد صرنا فقراء – بسبب سقوطنا – وفي فقرنا عُدمنا من كل فضيلة وبرّ، أخذ شكل الفقر، لكي يغنينا بكل حكمة وفهم (2 كورنثوس 8: 9). وليس هذا فحسب، بل وأخذ شكل ضعفنا لكي بضعفه يجعلنا أقوياء، وصارمطيعاً للآب من جهة الجسد (أي بجسم البشرية) في كل شيء حتى إلى الموت، موت الصليب، لكي بموته تكون لنا فيه وبه قيامة، ولكي يبيد ذاك الذي له سلطان الموت أي الشيطان (كما قال القديس الأنبا أنطونيوس الكبير في الرسالة 7)، وقد جمعنا من كل مكان بالحب في سر التوبة، لكي يهبنا روح القيامة، ويُعلمنا أننا جميعاً قد صرنا من جوهر واحد وأعضاء بعضنا لبعض في جسده الحي والمحيي، أي الكنيسة، وينبغي أن نعيش في نصرة أكيده به في سر التقوى، ونسلك كأولاد نور، في طريق النور بالقداسة، وبلا ظلمة أو شرور، ليكون لنا شركة بعضنا مع بعض ودمه يطهرنا من أي خطية…

والغاية النهائية من عمله المبارك أن يوحَّدنا بروح الشركة (الروح القدس) معه ويجمعنا جسد واحد رأسه المسيح له المجد والكرامة كل حين مع أبيه الصالح والروح القدس الثالوث القدوس الإله الواحد آمين

ما المقصود بالأمة الغبية؟ القمص عبد المسيح بسيط – فريق اللاهوت الدفاعى

جاء فى ( تثنية 32 : 21 ) هُمْ أَغَارُونِي بِمَا لَيْسَ إِلهًا، أَغَاظُونِي بِأَبَاطِيلِهِمْ. فَأَنَا أُغِيرُهُمْ بِمَا لَيْسَ شَعْبًا، بِأُمَّةٍ غَبِيَّةٍ أُغِيظُهُمْ.

وقال هؤلاء الكتاب؛ أن الأمة الغبية المُشار إليها هنا هى أمة العرب التى أُرسل منها نبى المُسلمين حيث لا يُمكن أن تكون أمة اليونان التى أرسل أليها بولس وبقية رسل المسيح لأن أمة اليونان لم تكن غبية بل كانت أهل حكمة وعلم ، كما أن اليهود وبنى إسرائيل قد أغاظوا الله بالأباطيل وعبادة آلهة صنعوها لأنفسهم ومن هنا فإن الله قد أراد أن يكسر غرورهم هذا ويغيظهم كما أغاظوه، والله يعرف كيف تكون إغاظتهم مؤلمة فلم يكن من السهل على بنى إسرائيل أن يملُك عليهم ملك أجنبى ومن هنا كان ترتيب الله لإغاظتهم، بأن يجعل أمة مُحتقرة فى نظرهم، وبنى ليس منهم يملك عليهم. ومعروف عن بنى إسرائيل أنهم كانوا يميزون اليهود عن غيرهم تمييزاً كبيراً فكانوا يحتقرون كل الامم غير اليهودية، وحيث أن أمة العرب هى من تلك الامم التى يحقروها بنى اسرائيل، إضافة الى جهل العرب واميتهم تجعلهم هم المعنيين بقوله أُمَّةٍ غَبِيَّةٍ.
فعليه تكون هيمنة هذه الأمة الغبية من خلال يبعث الله منهم هذا النبى لكى يملك عليهم ويهيمن على مملكتهم، حتى يسبب لهم ذلك الغيظ والألم، فـ محمد هو النبى وقريس هى الأمة الغبية!
وفيما يلى هى أقوال كتّابهم:

1- قال الشيخ رحمه الهندى: المُراد بالشعب الجاهل هم العرب لأنهم كانوا فى غاية الجهل والظلام ولم يكن عندهم علم من العلوم وماكانوا يعرفون إلا عبادة الأوثان. وكانوا مُحتقرين فى نظر اليهود لكونهم من أولاد هاجر فالمقصود من الآية أن بنى إسرائيل أغارونى بعبادة المعبودات الباطلة فلذلك أغيرهم باصطفائى لقوم محتقرين وجاهلين عندهم. ولقد أوفى الله بما وعد وبعث من العرب النبى (ص) فهداهم. [1]

2- ويقوم د. السقا: لا يوجد فى الاسماؤ الخمسة المنسوبة الى موسى (ع) آية إشارة الى امة غبية محددة البلاد والاوصاف يمكن ان يعرف انها المراد بهذه النبوة. ولا يمكن أن يشتبه الا فى امة بنى اسماعيل ولا يمكن ان تكون الامة الغبية امة اليونان. [2]

3- وقال مؤلف كتاب يوحنا المعمدان ص105: العرب لم يكونوا شعباً منظماً منذ الازل وحتى رسالة محمد (ص) وكانت امتهم فى غاية الجهل والظلام.

ونتعجب من هذه الاقوال التى يصف بها هؤلاء الكتاب الامة العربية بالامة الغبية والجاهلة وان العرب “كانوا غاية الجهل والظلام” و “كانت امتهم فى غاية الجهل والظلام” و “أن جهل العرب واميتهم تجعلهم هم المعنيين بقوله أمة غبية” .. فهل هذا الكلام صحيح؟

ونجيب ونقول لهم أن هذا الكلام مُبالغ فيه لدرجة غير مقبولة بالمرة:
أولاً: لأن هذه النبوة لا تشير لا الى نبى ولا الى رسول بل الى ان الله سيغير الامة اليهودية بان يدعو لعبادته جميع الامم الاجنية من يونان ورومان وغرب ومصريين وبرابرة وسكيثيين وغيرهم، وينضمون للايمان المسيحى كقول المسيح: أن كثيرين سيأتوا من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب فى ملكوت السماوات، واما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية (متى8: 11-12). وكانت تلك الامم فى اعتبار الله امماً غبية وثنية: ليس يونانى يهودى ختان وغرلة بربرى وسكيثى عبد حر بل المسيح الكل وفى الكل (كو3: 11).

ثانياً: لم تقصد النبوة هنا الغباء بمعنى الجهل بالعلوم والثقافة وإنما الجهل الدينى!
(1) تقول النبوة “هم أغارونى بما ليس إلهاً” ، أى بعبادتهم للاصنام كما جاء فى نفس الاصحاح (ع16،17)، أغاروه بالاجانب واغاظوه بالارجاس. ذبحوا لأوثان ليست الله. لآلهه لم يعرفوها أحداث قد جاءت من قريب لم يرهبها آباؤكم.
(2) “أغاظونى بأباطيلهم” أى لأعمالهم الشريرة.
(3) “فأنا أغيرهم بما ليس شعباً” ، أى ليس شعب الله. (ولكن يكون عدد بنى اسرائيل كرمل البحر الذى لا يُكال ولا يعدّ ويكون عوضاً أن يقال لهم لستم شعبى يقال لهم أبناء الله الحى) (هوشع 1: 10)
(4) “بأمة غبية أغيظهم” ولا يُقصد هنا بالجهل بالعلوم أو الآداب أو الثقافة، إنما الجهل بمعرفة الله المعرفة الحقيقية (قال الجاهل فى قلبه ليس إله) “مزمور14: 1” ، والغباء الدينى كما قال الله لهم فى نفس الفصل (ع6) “أَلرب تكافئون بهذا يا شعباً غبياً!” وقال الرب يسوع المسيح لرؤساء الكهنة “يا أغبياء أليس الذى صنع الخارج صنع الداخل ايضاً” (لوقا11: 40). فالغباوة هنا المقصود بها عدم معرفة الله ووصاياة المعرفة الحقيقية. بل وقد وصف الله شعب إسرائيل بسبب خطيته بالأكثر غباوة من الحمار والثور “اسمعى ايتها السماوات واصغى ايتها الارض لان الرب يتكلم، ربيت بنين ونشأتهم، أما هم فعصوا علىّ. الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. أما أسرائيل فلا يعرف. شعبى لا يفهم. ويل للأمة الخاطئة الشعب الثقيل الاثم نسل فاعلى الشر اولاد مفسدين. تركوا الرب واستهانوا بقدوس اسرائيل ارتدوا الى الوراء. (اشعياء 2: 1-4).
أى ان المقصود بالأمة الغبية هنا كل الشعوب البعيدة عن عبادة الله والتى تعبد الاوثان، كما يقول المرنم: شعب لم اعرفه يتعبد لى. من سماع الاذن يسمعون لى. بنو الغرباء يتذللون لى. بنو الغرباء يبلون ويزحفون من حصونهم (مز18: 43-44). يكتب هذا للدور الآخر وشعب سوف يُخلق يُسبح للرب (مز102: 18).
وقد استشهد بولس الرسول بهذه الآية دلالة على ان الله سيدعون للإيمان به الشعوب التى لم تكن به قبلاً: لكنى أقول ألعل أسرائيل لم يعلم. أولاً موسى يقول أنا اغيركم بما ليس أمة. بأمة غبية أغيظكم. ثم أشعياء يتجاسر ويقول وجدت من الذين لم يطلبونى وصرت ظاهراً للذين لم يسألوا عنى. أما من جهة إسرائيل فيقول طور النهار بسطت يدىّ الى شعب معاند ومقاوم. (رومية 10: 19-21). ويخاطب القديس بطرس المؤمنين بالمسيح قائلاً: واما انتم فجنس مختار وكهنوت ملوكى أمة مقدسة شعب اقتناء لكى تخبروا بفضائل الذى دعاكم من الظلمة الى نوره العجيب. الذين قبلاً لم تكونوا شعباً واما الان فانتم شعب الله. الذين كنتم غير مرحومين واما الان فمرحومون. (1بط 2: 9-10).
وقول القديس بولس: لذلك أذكروا أنكم أنتم الامم قبلاً فى الجسد المدعوين غرلة من المدعو ختاناً مصنوعاً باليد فى الجسم انكم كنتم فى ذلك الوقت بدون مسيح أجنبيين عن رعوية اسرائيل وغرباء عن عهود الموعد لا رجاء لكم وبلا اله فى العالم. ولكن الآن فى المسيح يسوع انتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح (افسس2: 11-13). وأيضاً : لأننا كنا نحن أيضاً قبلاً أغبياء غير طائعين ضالين مستعبدين لشهوات ولذّات مختلفة عائشين فى الخبث والحسد ممقوتين بعضنا بعضاً. ولكن حير ظهر لطف مخلصنا الله واحسانه لا باعمال فى بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلّصنا بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس الذى سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلّصنا (تى3: 3-6).

مما سبق نرى ان المقصود بالامة الغبية هى الامم و أى شعوب غير يهودي، الذين كانوا يعبدون الاوثان ودعاهم المسيح. كما انه من المعروف تاريخياً ان الله أدّب بنى اسرائيل بأمة بابل واشور ثم بأمة سوريا الهلينية، ثم امة الرومان وبعد صلب الرب يسوع المسيح وحسب نبوة الرب يسوع المسيح دمر الرومان الامة والدولة والهيكل ولم يبق فيه حجر على حجر عام 70م. ولما جددوا الثورة 133م سحقوهم ومنعوا أورشليم عليهم وغيروا حتى اسمها فصارت إيلياء وصارت بلاد اليهودية مسيحية قبل الفتح الاسلامى الذى لم يفعل باليهود شيئاً فى فلسطين لانهم كانوا مشردين.

#اعتراض: ويعترض الدكتور احمد حجازى السقا قائلاً؛ أن بشارة المسيح كانت محصورة فى اليهود فقط بدليل قول الانجيل: هؤلاء الاثنا عشر ارسلهم يسوع واوصاهم قائلاً الى طريق امم لا تمضوا والى مدينة السامريين لا تدخلوا بل اذهبوا بالحرى الى خراف بيت اسرائيل الضالة (متى10: 6). [3]

ونقول لسيادته ان دعوة الرب يسوع فى جوهرها هى للعالم اجمع والخليقة كلها، ولكن من خلال اليهود، كما قال الرب يسوع المسيح نفسه: لأن الخلاص هو من اليهود (يوحنا 4: 22). 
فلما جاء الرب يسوع المسيح أعدوا تلاميذه، من اليهود، ليكرزوا لليهود، اصحاب العهود والمواعيد، “الذين هم اسرائيليون ولهم التبنى والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد ومنهم المسيح حسب الجسد” (رو9: 5-6). أولاً ثم لبقية الامم، ولكن على اساس جوهرى هو ان يكون الروح القدس قد حل عليهم حتى يتكلموا بما يقوله الروح على السنتهم وبافواههم “وها أنا أرسل اليكم موعد ابى. فأقيموا فى مدينة أورشليم الى ان تلبسوا قوة من الاعالى. (لوقا24: 49) وقبل صعوده إلى السماء مباشرة قال لهم: لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لى شهوداً فى اورشليم وفى كل اليهودية والسامرة والى اقصى الارض. (اع1: 8). وأيضاً قال: أذهبوا الى العالم اجمع واكرزوا بالانجيل للخليقة كلها (مرقس16: 15).
أما قبل حلول الروح القدس فلم يسمح لهم الا بالبشارة بين اليهود وفى اسرائيل فقط واوصاهم قائلاً : إلى طريق امم لا تمضوا والى مدينة السامريين لا تدخلوا بل اذهبوا بالحرى الى خراف بيت اسرائيل الضالة. (متى 10: 6). لكى يكون ذلك شهادة عليهم وعلى رفضهم له، كقول الكتاب: الى خاصته جاء وخاصته لم تقبله. واما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً ان يصيروا اولاد الله اى المؤمنون بأسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله. (يوحنا 1: 11-13)

ثالثاً: لم يكن العرب عند ظهور الاسلام بمثل هذا الغباء الدينى الذى وصفهم به هؤلاء الكتاب ولم يكونوا جميعهم يعبدون الاصنام بل كان الكثيرون منهم يعبدون الله مثل النصارى واليهود والحنفاء؛ فقد كان النصارى منتشرين بغرازة فى كل اطراف الجزيرة العربية كالعربية الغربية والجنوبية والشرقية وبلاد الشام والعراق واليمن ونجران وقبائل بهراء وغسان وسليج وتنوخ وقوم من كندة وكذلك يثرب ومكة، بل وكان فى مكة جالية كبيرة كثيرة العدد من العبيد عرفوا بالاحابيش وبين هؤلاء عدد كبير من النصارى. وقال اليعقوبى فى تاريخه: واما من تنصر من احياء العرب، فقوم من قريس من بنى اسد بن عبد العزى، منهم عثمان بن الحويرث بن اسد بن عبد العزى، وورقة بن نوفل بن اسد، ومن بنى تميم: بنو امرئ القيس بن زيد مناه، ومن ربيعة: بنو تغلب، ومن اليمن: طئ ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ وغسان ولخم [4].
وكانت اليهودية ايضاً منتشرة فى الجزيرة العربية مثل يثرب (المدينة المنورة) واليمن واليمامة والعروض ومكة ووادى القرى وتيماء وخيبر والكثير من القرى ومواضع المياه والعيون.. الخ [5].
 كما كان هناك الكثير من الحنفاء او الاحناف الذين نعتوا بأنهم كانوا على دين ابراهيم ولم يكونوا يهوداً ولا نصارى، ولم يشركوا بربهم أحداً وسفهوا عبادة الاصنام، وسفهوا رأى القائلين بها، وحرموا الاضاحى التى تذبح لها وعدم أكل لحومها، وحرموا الربا، وحرموا شرب الخمر ووضعوا حداً لشاربها، وحرموا الزنا ووضعوا حد مرتكبيه، وقاموا بالاعتكاف فى غار حراء فى شعر رمضان، والاكثار من عمل البر وإطعام المساكين وكذلك قطع يد السارق، وتحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، والنهى عن وأد البنات وتحمل تكاليف تربيتهن، والصوم، والاختتان، والغسل من الجنابة، والايمان بالبعث والنشور والحساب وان من يعمل صالحاً يدخل الجنة ومن يعمل سوءاً فإلى السعير. أى أنهم آمنوا بالإله الواحد ودعوا الى عبادته وحده لا شريك له. [6].

وكانت الحنيفية هى المفضلة عند نبى المسلمين، قبل الاسلام، فقد نسب اليه قوله: لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكنى بعثت بالحنيفية السمحة [7]. بعثت بالحنيفية السمحة السهلة [8] و “أحب الاديان الى الله تعالى الحنيفية السمحة” [9]. وكما يقول د. جواد على: فقد وردت لفظة (حنيفاً) فى عشر مواضع من القرآن الكريم، ووردت لفظة (حنفاء) فى موضعين منه. [10].

وليس ذلك فقط بل لم يكن بقية العرب بعيدين ن الله فقد كانوا جميعهم يعبدون الله الواحد وان كانوا يضعون معه الاصنام كشفعاء ولكنهم آمنوا انها كانت ملك لله وتحت تصرفه، فهو وحده الخالق الذى لا شريك له، ومن ثم كانوا يقولون فى تلبيتهم: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، تملكه وما ملك” وكان تلبية كندة وحضروموت: “لبيك لا شريك لك، تملكه، أو تهلكه، انت حكيم فأتركه” وكان يحجون لله كقول الشاعر: نحج للرحمان عجباً مستتراً مضبباً محجباً [11] ويقول د. جواد على: والتلبية هى من الشعائر التى ابقاها الاسلام، غير انه غير صيغتها القديمة بما يتفق مع عقيدة التوحيد. فصارت على هذا النحو: “لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك بيك، إن الحمدلك والنعمة لك، والملك لا شريك لك” [12].
بل وكان هؤلاء العرب يعظمون البيت الحرام “الكعبة” والبلد الحرام، وكذلك الحج والعمرة، وكما يقول خليل عبد الكريم : وجاء الاسلام وورث من العرب [قبله] هذه الفريضة بذات المناسك ونفس التسميات ولكنه طهرها من مظاهر الشرك [13]. وكذلك تقديس شهر رمضان وتحريم الاشهر الحرم. وتعظيم ابراهيم واسماعيل، والاجتماع العام يوم الجمعة.. الخ.

فكيف يقولون بعد ذلك ان العرب كانوا يعيشون فى ظلام وجهل وهم الذين كانوا يعبدون الله سواء كيهود او مسيحيين او حنفاء او حتى كمشركين يقرون بالله الواحد خالق كل شئ فى السموات والارض وان كانوا قد اشركوا به اصنام اعتبروها ملك له وحده يبقيها او يهلكها فهو وحده الذى بيده أمر كل شئ!.

———————————————————-

[1] كتاب إظهار الحق “جـ2 ص208و209”

[2] نبوة محمد “ص57-59”

[3] تعليقه على هامش كتاب (كتاب هداية الحيارى) ص171

[4] تاريخ اليعقوبى جـ1: 7 .. و .. المفصل فى تاريخ العرب قبل الاسلام – دكتور جواد على جـ6 ص528-612

[5] المفصل ص511-522

[6] الجذور التريخية ص23-26

[7] مسند ابن حنبل جـ4: 116 و جـ6: 33

[8] اللسان جـ9: 56 وما بعدها

[9] مجمع البيان للطبرسى جـ1: 215 

[10] المفصل جـ6 ص450،451. أنظر على سبيل المثال: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( آل عمران 67 ) ، ” قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ “ ( آل عمران 95 )، ” إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( الانعام 79 )، ” قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( الانعام 161 )، ” وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (يونس 105)، ” حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ( الحج 31 ).

[11] اليعقوبى جـ 1: 225 وما بعدها

[12] صحيح البخارى، كتاب الحج، الحديث 31 وما بعده – المفصل جـ 6 : 379 وص 375-378

[13] الجذور التاريخية ص17

البحث عن شكسبير للكاتب سي إس لويس

البحث عن شكسبير للكاتب سي إس لويس

(مترجم بتصرف عن مقالة للكاتب باسم The Seeing Eye)

 

…في عام 1961 أطلق الاتحاد السوفيتي أول رجل إلي الفضاء

قامت مجلة بنيويورك بسؤال سي إس لويس عن وجهة نظرة في عصر الفضاء الجديد…

لقد أُخبرت بأن الروس ، قد أعلنوا أنهم لم يجدوا الله في الفضاء الخارجي. من ناحية أخري , يدعي عدد كبيرا من الناس ,في كثير من الأوقات  ومختلف البلدان, أنهم قد وَجدوا الله، أو قد تم العثور عليهم من قبل الله، هنا على الأرض.

 

الاستنتاج الذي يريدنا البعض أن نستخلصه من هذه البيانات هو, أن الله غير موجود.

و كنتيجة طبيعية فإن أولئك الذين يعتقدون أنهم قد التقوا به على الارض كانوا يعانون من الوهم.

 

ولكن استنتاجات أخرى يمكن استخلاصها:

 1- نحن لم نصل بعيدا بما فيه الكفاية حتي الآن في الفضاء. كانت هناك سفن في المحيط الأطلنطي لفترة جيدة قبل اكتشاف أمريكا.

2-الله موجود ولكنه محليا منحصر علي هذا الكوكب.

3-الروس قد وجدوا الله في الفضاء دون أن يدروا ,لأنهم افتقروا إلي الأجهزة الضرورية للكشف عنه.

4- الله موجود ولكنه ليس جسم, إما أن يقع في جزء معين من الفضاء أو أن يكون منتشر في جميع أنحاء الفضاء، كما إعتقدنا من قبل  بخصوص (غاز) “الإيثر”، 

.الاستنتاجان الأولين لا يهمانني  ,هذا النوع من الديانة التي يمكن أن يكون لها دفاع , ستشكل ديانة الهمج : الاعتقاد في الألوهية المحلية التي يمكن احتواءها في معبد خاص، جزيرة أو بستان.

  هذا، في الواقع، يبدو أنه نوعا من الديانة الذي بشأنها الروس – أو بعض الروس، وعددا كبيرا من الناس في الغرب – أصبحوا غير متدينين.

فإنه ليست هناك أي أدنى إثارة للقلق, أنه لم يوجد رواد فضاء قد اكتشفوا إله من هذا النوع.

الشيء المقلق حقا سيكون إذا أكتشفوه !!, الاستنتاجان الثالث والرابع هما المهمين من وجهة نظري.

البحث عن الله – أو السماء – بواسطة استكشاف الفضاء هو مثل قراءة أو رؤية جميع مسرحيات شكسبير على أمل أن تجد شكسبير باعتباره واحدا من الشخصيات أو ستراتفورد (اسم مدينة في شرق لندن) باعتبارها واحدة من الأماكن. شكسبير بأحدى المعاني  موجود في كل لحظة في كل مسرحية. لكنه لم يكن أبدا موجود بنفس الطريقة مثل فالستاف أو السيدة ماكبث. ولا هو منتشر من خلال المسرحية مثل الغاز.

إذا كان هناك أحمق وقد أعتقد أن المسرحيات موجودة من تلقاء نفسها، دونما مؤلف, إيماننا بشكسبير لن يتأثر بقوله كثيرا،بالرغم من حقيقة، انه قد درس جميع المسرحيات,و لم يجد أبدا شكسبير فيهم

البقية منا، بدرجات متفاوتة وفقا لفطنتـنا، “عثروا على شكسبير” في المسرحيات. ولكنه نوع مختلف تماما من “العثور” من أي شيء أخر في ذهن صديقنا المسكين حتى إنه في الواقع , كان بطريقة ما, متأثر بشكسبير، ولكن دونما أن يدري ذلك.لقد افتقر إلى الأجهزة اللازمة للـكشف عن شكسبير.

الآن, بالطبع هذه ليس سوى تشبيـه. أنا لا أقترح على الإطلاق أن وجود الله يمكن تأكيده بسهولة مثل وجود شكسبير. وجهة نظري هي أنه، إذا كان الله  موجود، فهو أكثر ارتباطا بالكون مثل ارتباط مؤلف بمسرحية ,من كونه جسم ما في الكون مرتبط بأخر.

 إذا خلق الله الكون،  فإنه قد خلق الزمان والمكان (الزمكان)، والذي بالنسبة للكون كما القافية للقصيدة أو المفتاح للموسيقى. للبحث عنه كعنصر واحد ضمن الإطار الذي اخترعه بنفسه, فهذا شيء لا معنى له.

إذا كان الله – شأنه شأن أي اله تعتقد فيه أي ديانة راشدة – موجود، مجرد حركة بسيطة في الفضاء لن تجعلك أبدا أكثر قربا اليه أو أبعد منه ,مما أنت علية في تلك اللحظة عينها .لا يمكنك الوصول إليه ولا أن تـتجنبه من خلال السفر إلى ألفا سنتوري (ثالث اكبر نجم في المجرة) أو حتى المجرات الأخرى. السمكة لا تزيد و لا تنـقص، في البحر بعدما قامت بسباحة ألف ميل, عن ما كانت عليه عندما انطلقت

 فكيف، إذن، قد يـُطرح هذا الـــــــسؤال، هل بإمكانــنا الوصول اليــــــه أو تجنــــــبه علي حد ســـــــواء؟

التجنب ,في كثير من الأوقات والأماكن، قد ثبت أنه صعب جدا ,حيث أن جزءا كبيرا جدا من البشرية فشلت في تحقيق ذلك. ولكن في زماننا و مكاننا هذا, فهو أمر سهل للغاية. عليك تجنب الصمت، تجنب العزلة، تجنب حبل الأفكار الذي يؤدي للبعد عن الصخب والزحام. قم بالتركيز على المال، الجنس، المكانة الصحة و(قبل كل شيء) على شكاويك الخاصة . أستمر في تشغيل الراديو عِش في الزحام. قم باستخدام الكثير من المهدئات. إذا كان يجب أن تقرأ كتبا. اختارها بعناية فائقة. ولكنك ستكون أكثر أمانا أن تـلتزم بالصحف. فيما يتعلق بالوصول له، فأنا بعيدا كل البعد من أن يعُـتمد عليه لإرشادكم . ذلك لأنني لم يكن لي تجربة البحث عن الله. كان الأمر بالعكس؛

لقد كان هو الصياد (أو هكذا بدى لي) وكنت أنا الغزال. لقد طاردني مثل الهنود الحمر، أتخذ هدف صائب، وأطلق النار.

وأنا ممتن جدا أن هذه هي الطريقة التي وقعت بها أول مقابلة (واعية) . فإنه يساعد المرء ضد المخاوف اللاحقة بأن الأمر برمته, لم يكن سوى تحقيق لأمنية.  أنه شيء لم يرغب فيه , المرء ,لا يمكن أن يكون كذلك. ولكن مما له دلالته أن هذا اللقاء الذي تهربت منه طويلا حدث في الوقت الذي كنت أبذل جهدا خطيرا لطاعة ضميري. لا شك أنه كان أقل خطورة مما كنت مفترضه، ولكنه كان الأخطر بين ما أقدمت علي عمله لفترة طويلة.

واحدة من النتائج الأولى لمثل هذا الجهد هو تقليل صورتك عن نفسك إلى شيء أكثر قربا من الحجم الطبيعي.

 و للتو , تبدأ في التساؤل عما إذا كنت لا تزال، بأي مفهوم كامل، إنسان على الإطلاق؛عما إذا كان يحق لك أن تدعو نفسك “أنا” (وهو اسم مقدس”أهية الذي أهيه -سفر الخروج”). بهذه الطريقة، فإن العملية تشبه تعرضك لتحليل نفساني، ولكن أرخص , أعني بالنسبة للمال؛ في بعض الطرق الأخرى قد تكون أكثر تكلفة.

تجد أن ما تطلقه علي نفسك ليس سوى طبقة رقيقة على سطح بحر غير آمن وخطير.

لكن ليس خطيرا فحسب .الأشياء المتألقة, المباهج والالهام، تأتي إلى السطح وكذلك الاستياء المزمجر والشهوات المزعجة.

إن نفس المرء العادية هي، إذن، مجرد واجهة. هناك مساحة ضخمة بعيدا عن الأنظار وراء ذلك.

ومن ثم، إذا إستمع المرء إلى علماء الفيزياء، فإن المرء يكتشف أن نفس الشيء ينطبق على كل الأشياء من حولنا.

هذه الطاولات والكراسي، هذه المجلة، والأشجار، والغيوم والجبال هي واجهات

أقتحم (علميا) داخلهم وأنت تجد بناء لا يمكن تصورها للذرة. أي على المدى الطويل، تجد معادلات رياضية.

ها أنت هناك (آيا كان المقصود ب” أنت” ) تجلس للقراءة. هناك (أيا كان المقصود ب” هناك”)

هي صفحة سوداء وعليها علامات بيضاء. وكلاهما واجهات. وراء كلاهما يكمن – حسنا، أيا كان هذا الشئ،. علماء النفس، وعلماء الدين، على الرغم من أنهم يستخدمون رموزا مختلفة، يستخدمون رموز على حد السواء عندما يحاولون فحص العمق وراء الواجهة  التي تسمى “أنت”. وهذا يعني أنه لا يمكنهم حقا أن يقولوا ” إن هذا هو”، ولكنهم يستطيعوا أن يقولوا إنه بطريقة ما يشبه هذا .

 أيضا الفيزيائيين، في محاولة لفحص وراء الواجهة أخرى، يمكنهم فقط إعطاءك علم الرياضيات . و علم الرياضيات قد يكون صحيحا عن الواقع، ولكنه لا يمكن بالكاد أن يكون الواقع نفسه،

 أي زيادة عن الخطوط الكنتورية هي جبال حقيقية.

أنا لست في أقل تقدير ألقي اللوم علي أي مجموعة من العلماء بسبب هذا الوضع. أنهم يحرزون تقدم. انهم يقومون دائما بإكتشاف أشياء. غير أن المسألة هي, أن كل اكتشاف جديد، بعيدا عن التشتيت، يعمق الغموض.

الآن , إذا كنت شخص من نوع معين، وإذا كنت شخص ممن لديه اعتقاد بأن جميع الأشياء الموجودة يجب أن تكون منسجمة(متحدة). سوف يبدو لك احتمال بشكل لا يقاوم, أن ما يكمن بشكل جوهري وراء  واجهة ما, فأنه يكمن بشكل جوهري وراء الأخرى أيضا.

 ومن ثم  – مرة أخرى إذا كنت شخص من هذا النوع  – سوف تأتي بأن تكون مقتنع بأن اتصالك مع هذا الغموض في المنطقة التي تدعوها ذاتك لهو اتفاق جيد أقرب من اتصالك من خلال ما تسميه المسألة.

 ففي حالة واحدة : أنا، العادية، أنا الواعية، أنا مستمر مع العمق الغير معروف.

وبعد ذلك، قد تأتي ( البعض يفعل ذلك) إلى الاعتقاد بأن ذلك الصوت مثل كل الباقي (بقية الاصوات)  لا بد لي من التحدث بصورة رمزية – ذلك الصوت الذي يتحدث في ضميرك وفي بعض أفراحك الشديدة 

 والذي في بعض الأحيان يكون صامتا بشكل عنيد، وأحيانا من السهل إسكاته وثم في أوقات أخرى صوت عال جدا ومؤكد، هو في الواقع , أقرب إتصال  قد حصلت علية مع الغموض؛

 وبالتالي في النهاية يمكن الوثوق به ، أن يـُطاع، يـُخشى و يكون مرغوب فيه ,أكثر من جميع الأشياء الأخرى.

ولكن مع ذلك، إذا كنت شخص من نوع مختلف ، لن تصل إلى هذا الاستنتاج. آمل أن يرى الجميع كيف يرتبط هذا بسؤال الملاحة الفضائية الذي بدأنا عنده.

الطريقة التي رسمتها قد تحدث بشكل جيد أو قد تفشل أن تحدث بنفس الدرجة

   ، أينما كنت موجودا. في الحقيقة إن السفر عبر الفضاء ليس له علاقة في هذه المسألة. بالنسبة للبعض، الله يمكن اكتشافه في كل مكان؛ بالنسبة للآخرين،  فهو ليس في أي مكان.

 أولئك الذين لم يجدونه على الارض , من غير المرجح أن يجدونه في الفضاء.

 لكن قم بإرسال قديس لأعلى ,في سفينة الفضاء فسوف يجد الله في الفضاء كما وجد الله على الأرض. أنه أمر يعتمد كثير على العين المبصرة.

وهذا أمر علي نحو الخصوص تأكد من قبل ديانتي ، والتي هي المسيحية.

 عندما قلت منذ  قليل أنه لا معنى للبحث عن الله كعنصر واحد ضمن عمله الخاص، أى الكون، ربما أراد بعض القراء الاحتجاج. يريدون أن يقولوا، “لكن من المؤكد، وفقا للديانة المسيحية، أن هذا هو ما حدث مرة واحدة فقط؟

 بالتأكيد العقيدة المركزية , هي أن الله صار إنسانا وقام بالسير وسط رجال آخرين في فلسطين؟ إذا كان هذا لا يظهر كعنصر في عمله الخاص، فما هو؟ “الاعتراض هو في الغالب علي هذه النقطة. للتصدي لذلك، فلابد لي من  تعديل تشبيهي القديم للمسرحية .يمكن للمرء أن يتخيل مسرحية و التي فيها  قدم الكاتب المسرحي نفسه على أنه شخصية في مسرحيته الخاصة

وقد قُذف خارج خشبة المسرح مثل محتال وقح بواسطة الشخصيات الأخرى.

 قد تكون بالأحرى مسرحية جيدة. إذا كان لدي أي موهبة للمسرح كنت سأحاول كتابة هذه المسرحية. ولكن حيث (بقدر معرفتي) أن هذه المسرحية غير موجودة،

يكون أفضل لنا أن نتحول إلى العمل الروائي .كقصة يضع المؤلف نفسه فيها باعتباره واحدا من الشخصيات.

لدينا مثال حقيقي لهذا, (الشاعر الإيطالي) دانتي في(الملحمة الشعرية) الكوميديا ​​الإلهية.

 دانتي هو (1) الملهم خارج القصيدة , هو الذي يخترع كل شيء،

 و (2) هو شخصية داخل القصيدة، الذي تلتقي به الشخصيات الأخرى ومعه يتحادثون.

 هنا يختل التشبيه حيث أن كل شيء تحتويـه القصيدة هو مجرد شيء تخيلي فقط، وعليه فإن الشخصيات لا تملك إرادة حرة.

 يمكنهم (الشخصيات) أن يقولوا لدانتي ,فقط ما قرر دانتي (الشاعر) أن يضع في أفواههم.

 أنا لا أعتقد ,أننا نحن البشر مرتبطين بالله بهذه الطريقة. وأعتقد أن الله يمكنه  أن يجعل الأشياء التي ليست  – مثل شخصيات الشاعر أو الروائي –  تبدو لديها حياة مستقلة جزئيا فقط ، بل بالحقيقة تكون لديها. لكن هذا التشبيه يقدم نموذج فظ حول التجسد في ناحيتين: (1) دانتي الشاعر و دانتي الشخصية هم  بمعنى من المعاني شيء واحد، ولكن بمعنى آخر هما أثنين. هذا هو اقتراح باهت وبعيد جدا  عن ما يعنيه اللاهوتيين  عن “اتحاد الطبيعتين” (الالهيه والبشريه) في المسيح.

 الأشخاص الآخرين في القصيدة تـقابل وترى وتسمع دانتي. ولكن ليس لديهم ولا حتى أدني شك بأنه قد صنع كل العالم الذي يتواجدون فيه، وله حياة خاصة به، خارجه مستقلـة عنه. إن هذه النقطة الثانية هي الأكثر ملاءمة. بالنسبة للقصة المسيحية فإن المسيح كان يـُنظر إليه على أنه الله من قبل قلة قليلة من الناس بالفعل. ربما، لبعض الوقت من قبل القديس بطرس فقط ، الذي من شأنه أيضا، ولنفس السبب ، أنه قد وجد الله في الفضاء.

 لأن المسيح قد قال لبطرس: “اللحم والدم لم تعلن لك هذا.” أساليب العلم لا تكتشف عن حقائق من هذا النوع.

 

 

[gview file=”http://www.difa3iat.com/wp-content/uploads/2014/09/عام-1961-أطلق-الاتحاد-السوفيتي-أول-رجل-إلي-الفضاء1.pdf”]

Exit mobile version