لوقيان (لوسيان) السميساطي – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

لوقيان (لوسيان) السميساطي – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

لوقيان (لوسيان) السميساطي – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

الجزء الخامس – لوقيان (لوسيان) السميساطي

لوقيان (لوسيان) السميساطي، السفسطائيّ المصلوب

كان لوقيان (لوسيان) السميساطي “حوالي 115-200” هجاءً يونانياً معروفاً، ومُحاضراً متنقلاً، وهنالك أكثر من ثمانين كتاباً تحمل اسمه، معظمها واقعيّ تتعرض لعيوب زمانه ونقاط ضعفه. يصف “لوقيان (لوسيان) السميساطي” في كتابه حياة وموت “بيريغرينوس” المشهور في القرن الثاني، فلم يكن “بيريغرينوس” شخصيّةً ثانويّةً قام لوقيان (لوسيان) السميساطي بانتشاله من الغموض ليصبح هدفاً للسخرية، بل كان كلبياً، لم يكن أيّ رجلٍ مثقّف ليكفّ عن التفكير في آرائه الفلسفية والسياسية والدينيّة

فبعد أن نفي من مدينته لقتله والده، تحوّل “بيريغرينوس” إلى المسيحيّة، وأحرز تقدّماً فيها، ومن ثمّ تحوّل عنها إلى المذهب الكلبيّ والثورة السياسية، وأخيراً أنهى حياته على محرقةٍ قرب الألعاب الأولمبية عام 165. يهدف “لوقيان (لوسيان) السميساطي” إلى تحذير قرّائه من نمط الحياة التي يقودها “بيريغرينوس” ومن انفعالته وتكلّفه المناقضين للتوجه العقلانيّ الذي يؤيده “لوقيان”.

إن الجزء المتعلّق بالمسيحيين من كتاب “بيريغرينوس” يهزأ من أتباع تلك العقيدة، بسبب جهلهم وسذاجتهم، على الرغم من أنه يمنح المسيحيين مستوى معيّناً من الفضيلة. وفي سياق وصفه لمدى سهولة أن يخدعهم مشعوذً مثل “بيريغرينوس” يعقّب “لوقيان (لوسيان) السميساطي” على مؤسس المسيحية وتعاليمه:

خلال هذه الفترة ربط “بيريغرينوس” نفسه بكهنة وكتبة المسيحيين في فلسطين، وتعلّم حكمتهم المذهلة. بالتأكيد، جعلهم يبدون بوقتٍ قصير مثل الأطفال، كان نبيّهم وقائدهم ورئيس كنيسهم، وكلّ شيء بالنسبة لهم. قام بشرح بعض من كتاباتهم المقدّسة والتعليق عليها، وحتّى أنه كتب البعض منها بنفسه. تطلعوا إليه كأنه إله، وجعلوه مشرّعهم واختاروه الراعي الرسميّ لمجموعتهم، أو على الأقل نائبه. لقد كان الثاني فقط بعد ذلك الذي مازالوا يعبدونه اليوم، ذلك الرجل الفلسطيني الذي صُلب لأنه أحضر هذه الصيغة الجديدة من الشعائر إلى العالم (§11).

سُجن “بيريغرينوس” وذهب المسيحيون لمساعدته، محضرين له وجبات الطعام والنقود. ومن ثمّ يشرح “لوقيان (لوسيان) السميساطي” لما قاموا بذلك: احتقر هؤلاء الفقراء البائسون الموتَ، وقدّموا أنفسهم طواعيةً، حيث أنهم أقنعوا أنفسهم أنهم خالدون وسيحيون للأبد. علاوةً على ذلك، أقنعهم ذلك المشرّع الأوّل أنهم جميعاً يصبحون إخوةٍ في اللحظة التي ينكرون فيها الآلهة اليونانية، ويبدؤون عبادة ذلك السفسطائي المصلوب، ويعيشون بناءً على قوانينه.

فهم يحتقرون كلّ الملكيات دونما تمييز ويعتبرونها ملكيات شائعة، ويتقًبلون كلً هذه الأشياء على أساس العقيدة فقط دون أي دليل. وبالتالي إذا جاءهم شخصٌ محتال ومخادع يعلم كيف يستغلّ الوضع، سيستطيع أن يجعل من نفسه غنياً في وقتٍ قصير، بينما هو يضحك على هؤلاء الناس الحمقى (§13).

بعد ذلك حُرر “بيريغرينوس” من السجن من قبل حاكم سوريا الروماني، الذي لم يُرد تحقيق رغية “بيريغرينوس” بأن يُصبح شهيداً. عاد “بيريغرينوس” إلى منزله ليجد تُهماً بالقتل مازالت تحاصره. وتتابع القصّة بدون أي إشارة إلى المسيح ومع إشارةٍ ضمنيةٍ واحدة إلى المسيحيين، حيث يوقفون دعمهم الماليّ لـ”بيريغرينوس” لأنهم أمسكوا به يأكل بعضاً من الفاكهة المحرّمة (§16).

إنّ النصّ الذي يحمل إشارات إلى يسوع نصّ متوازن، وبذلك يمكننا الانتقال مباشرةً إلى التفسير. يتحدّث “لوقيان (لوسيان) السميساطي” عن المسيح في سياق هجومه على المسيحيّة، ويقدّم عدّة أمور بدقّة عن مسيحيّة القرن الثاني. فهو يعلم أن المسيحيين يعبدون إلهاً كان رجلاً من قبل، صُلب في فلسطين. ويؤمنون بقوّة بالحياة بعد الموت بشكلٍ يؤثّر على حياتهم الحاليّة.

“يعيش المسيحيون تبعاً لقوانينه، أي قوانين المسيح”،خاصّةً الحبّ الأخويّ (قارن: مثال على ذلك متّى- 23:8، حيث يقول: كلّكم إخوة). لدى المسيحيين نصوصهم المقّدسة يقرؤونها بانتظام ويفسّرونها. يزورون ويساعدون رفاقهم المؤمنين المسجونين (قارن: متّى- 25:35). ويتواصلون مع بعضهم بشكلٍ كبير. يقبل المسيحيون تعاليمهم الأساسيّة على أساس العقيدة وليس الاستدلال الفلسفيّ.

على الرغم من أنً معرفته هذه مؤثرة، إلاّ أنّ أموراً أخرى يذكرها “لوقيان (لوسيان) السميساطي” تجعلنا نشكك بدقّته: فهو يقول إنّ المسيحيين في فلسطين لديهم “كهنة- priests”. ولم يُثبت هذا التعبيرعن قادة المسيحيين حتّى القرن الثاني (مخطوطة الديداخي- 13:3، كليمنتس الأول-40، تيرتولين، المعمودية-17). فقد كان هنالك تعبير أكثر شيوعاً للدلالة على “الكهنة – presbyters”. أمّا تعبير “الكتبة” فقد يحمل دعماً ضمنياً في العهد الجديد كتسمية القادة في متّى (13:51-53 و23:34).

على أية حال، فإن ارتباطها السلبيّ الأعم في العرف الإنجيلي مع اليهوديّة جعلها غير محبّذة كلقب للقادة المسيحيين. ولم يُثبت بشكلٍ واضح في أي مكان على أنه لقب رسميّ للقادة الدينين المسيحيين. والمرجّح أنّ “لوقيان (لوسيان) السميساطي” استعار هذه التعابير من اليهودية وطبّقها على الفلسطينيين المسيحيين بغير تناسبٍ تاريخيّ، معتقداً أنها ستتوافق معها.

كما أن وصف المسيحيّة بـ”صيغة جديدة من الشعائر الغامضة” هو وصفّ غير مناسب. من غير المحتمل ان يكون “بيريغرينوس” قد أصبح نبياً او قائداً في كنيسة القرن الثاني أو حتّى “الراعي والحامي”. أخيراً، يقول “لوقيان (لوسيان) السميساطي” أنّ “بيريغرينوس” أصبح رئيس الكنيس اليهوديّ، وهذا ليس نوع القائد لمجموعة كبيرة كما تصوّرها “لوقيان”.

تُظهر هذه الأخطاء أنّ “لوقيان (لوسيان) السميساطي” كغيره من الكتّاب الكلاسيكيين، خلط بين اليهودية والمسيحية في بعض الجوانب، كما أنه فهم المسيحيّة على أنها دينٌ غامضٌ سواء كان ذلك مناسباُ أم لم يكن. فيهاجم “لوقيان (لوسيان) السميساطي” المسيح بغرض مهاجمة المسيحيين، فهو يعتبر المسيحيّة مجرّد طائفةٍ خرافيّةٍ في زمنٍ تغلبه السذاجة.

ويشير “لوقيان (لوسيان) السميساطي” إلى المسيحيين في عملٍ آخر له: ألكسندر، أو النبيّ الزائف (§25 و§38)، لكنّه لا يذكر المسيح هناك أو في أي عمل خلاف “بيريغرينوس”. وتتناسب المعلومات التي يقدّمها “لوقيان (لوسيان) السميساطي” مع موضوع هذا العمل. يتطلّع “بيريغرينوس”، كما المسيحيين وموجدهم، إلى أن يُصبح شهيداً. وعندما يدعو المسيحيون “بيريغرينوس” المسجون بـ”سقراط الجديد” (§12)، لا يشير ذلك إلى مكانته بينهم بوصفه معلماً وقائداً، لكنّه يلمّح إلى موته انتحاراً. وسابقاً في- §5، يقوم أحد الذين يثنون على “بيريغرينوس” في خطبةٍ قبل تضحيته بنفسه بمقارنته… حتّى بسقراط نفسه.

ماذا يقول “لوقيان (لوسيان) السميساطي” عن موجد هذه الطائفة؟ تمتلئ كلَ إشارة يقوم بها “لوقيان (لوسيان) السميساطي” إليه بالبغض، أولاً، نلاحظ أنه لا يعطي اسماً لموجد الطائفة، بل يستخدم تعبير الازدراء “ذلك” يقول: “ذلك الذي مازالوا يعبدونه اليوم (§11)، “وذلك المشرّع الأوّل (§13)، و”ذلك السفسطائي المصلوب (§13). فمن الواضح أنّ “لوقيان” يقصد يسوع بهذا الأمر، وذلك اعتماداً على الأمور الأخرى التي قيلت عنه في هذه الأقسام.

يدعوه “لوقيان” بشكلٍ ضمنيّ “الراعي” أو “المحامي” و “المشرّع” و”ذلك السفسطائيّ المصلوب”. إنّ تسمية يسوع بـ”الراعي”، الحامي” هي طريقةٌ أخرى للقول إنه قائد المجموعة. ويرى “لوقيان” أنّ هذه القيادة هي مسألة اتّباع قوانينه. عندما يشير “لوقيان (لوسيان) السميساطي” مرتّين إلى يسوع بأنه “مشرّع” فإنّه يشير إلى “قوانين” طريقة الحياة التي وضعها يسوع لأتباعه. ويرى أنّ طريقة حياة المسيحية صادرة من المسيح نفسه.

كما أنّ كلمة “المشرّع” لا توجد مشيرةً إلى يسوع في الأدب المسيحيّ الأول، على الرغم من أن تعاليم يسوع يمكن أن تُسمى قوانين (غلاطية 6:2، ورومية- 3:27، ويعقوب- 2:8 ،12). وفي بعض الأحيان تُدعى المسيحيّة بـ”القانون الجديد” مثال: (برنابا- 2:6، إغناطيوس-2). لقد كان موسى، موجد اليهوديّة، يُدعى المشرّع، كما يوجد مثال ذلك لدى الرومان اليونانيين. وبذلك ليس من الصعب أن نرى كيف تمّ إظهار يسوع على إنه “مشرّع”.

كما أن “لوقيان (لوسيان) السميساطي” يدعو يسوع بـ”السفسطائي”، لا تعتمد هذه التسمية على العهد الجديد او أي من الكتابات المسيحيّة القديمة، بل على التعابير الجدلية المعاصرة في الفلسفة اليونانية. في القرن الثاني، كان اللقب الساخر “سفسطائي” موجهاً إلى الشخص الذي يُعلّم من أجل النقود فقط، والذي يمكن ان يُدعى أحياناً، كما “بيريغرينوس”، “المخادع”. قدّم “لوقيان” المسيحيّة بشكلٍ تهكميّ على إنها “حكمة” وأنّ مؤسسها كان سفسطائياً. وقام المشرّع الثاني بالاحتيال عليهم تماماً كما فعل الأول. إن هذا المفهوم مُتضمّن لكنّه لا يُفصّل عند استعمال تعبير “السفسطائيّ”.

ويخصصّ “لوقيان (لوسيان) السميساطي” بشكلٍ أكبر بدعوة المسيح “ذلك السفسطائيّ المصلوب- §13″، حيث كان قد بيّن مُسبقاً أن المؤسس الأصلي كان الرجل من فلسطين الذي صُلب لأنه أحضر هذه الصيغة الجديدية من الشعائر إلى العالم (§11). إنّ الفعل الذي يستخدمه للدلالة على الصلب في الحالتين فعلٌ قليل الاستخدام، وغالباً ما استُخدم من قبل الكتّاب القدماء ويُستخدم دائماً في العهد الجديد وكتابات مسيحيّة أخرى قديمة.

المعنى الأصلي لهذا الفعل “يقيد شخصاً إلى عمود”، لكن من دون شكّ فإنه يُشير إلى الصلب. ويستخدم هذا الفعل بشكلٍ حصريّ للدلالة على الصلب. كما أنه يظهر في (بروميثوس- 10،7،2، وفي إديسيوم فوكاليوم-12). وسبب هذه الصلب: “أنه أحضر هذه الصيغة من الشعائر إلى العالم”. يبدو القصد الأساسيّ لـ”لوقيان (لوسيان) السميساطي” أن المسيحيّة كانت من البدء حركةً مذمومة. ويؤكّد تكراره لكلمة “المصلوب” وهو الشيء الوحيد الذي يكرره عن المسيح، الأصل المشين للمسيحيّة وذلك أنها أُوجدت من قبل مجرم أعدم.

في القسم 13، يلخّص “لوقيان (لوسيان) السميساطي” تعاليم يسوع. فيفسّر تعاليمه على أنها: “قوانين”، ويسوع هو “المشرّع الأول” للمسيحيين. كما رأينا، يتماشى هذا التفسير مع بعض الآراء المسيحيّة القديمة. ومن ثمّ يبيّن “لوقيان” أنّ يسوع علّم أتباعه: أن “ينكروا الآلهة اليونانيين”، ويربط ذلك بانتهاك القانون الرومانيّ على الأرحج. والاعتماد على دلائل العهد الجديد، فإن يسوع لم يُعلّم ذلك أبداً، باستثناء تأكيده على صلاة الشماع التي تنكر الآلهة الآخرين بشكلٍ ضمنيّ، وإن لم تنكر وجود الآلهة لكنّها تنكر الولاَء لهم.

وفي السياق اليهوديّ الداخليّ المرجّح لدعوته لم يكن هنالك سبب لعرض مثل هذه التعاليم. فقد كان على المسيحيين الذين نشروا الأناجيل بين غير اليهود أن يتعاملوا مع معتقد وجود آلهة آخرين، مثال: (تسالونكي الأولى- 1:9، وكورنثوس الأولى- 8:4-6)، لكنّ الأناجيل الكنسيّة لا تنسب هذا الموضوع إلى تعاليم يسوع. علاوةً على ذلك، لم يُثبت ربط يسوع للأخوّة بين المسيحيين بإنكارهم الآلهة اليونانية في العرف الأنجيليّ، الكنسيّ أو غير الكنسيّ.

هلّ علّم يسوع أتباعه أن يعبدوه كما يدّعي “لوقيان (لوسيان) السميساطي”؟ هنا أيضاً، يُسقط “لوقيان” “في هذه النقطة” معلوماته الدقيقة عن المسيحيين على حياة يسوع. ومع أنّ يسوع ربّما تلقّى شعائر عبادة خلال دعوته، إلاّ أنه لا يوجد في أيّ مكانٍ من العهد الجديد أنه علّم ذلك. أخيراً، يبيّن “لوقيان (لوسيان) السميساطي” أنّ المشاركة المتطرفة للممتلكات بين أتباعه كانت مما علمه يسوع بنفسه.

مرّةً أخرى، بالتأكيد علّم يسوع أتباعه سلوكاً متطرفاً تجاه الملكيات والحاجة للمشاركة، وهو موقف كان يُمكن أن يُعكس في إشارة “لوقيان” إلى أنّ المسيحيين “يبغضون كلّ أنواع الملكيات دونما تمييز”، إلاّ أنّ معاملة الممتلكات على أنها ممتلكات شائعة لم يُثبت في دعوة يسوع أو تعاليمة، بل في الجزء الأول من الأعمال (الفصول 4-5). ومن وجهة نظر “لوقيان” فإن هذا الموقف تجاه الملكيات مصحوباً بالسذاجة المزعومة والطيبة غير المناسبة للمسيحيين يجعل منهم فريسةً سهلةً لمحتالٍ مثل “بيريغرينوس”.

 ما هو مصدر معلومات “لوقيان (لوسيان) السميساطي” عن يسوع؟ يعلم “لوقيان (لوسيان) السميساطي” أنّ المسيحيين يمتلكون كتباً مقدّسة، وهذا يزيد من احتمالية أنه استقى معلوماته منها. لكن بالحكم على ما يقوله هنا فمن غير المحتمل أن يكون قد قرأها. ومعظم المعلومات الصحيحة التي يسردها عن المسيحية كانت معلومات شائعة في زمنه. علاوةً على ذلك، كانت قراءته للأناجيل لتصحح بعضاً من مفاهيمه الخاطئة، خاصّةً مفاهيمه أنّ يسوع علّم أتباعه بنفسه أن ينكروا آلهة اليونانيين، وأنّ القادة المسيحيين الأوائل كانوا يُدعون “كهنة”.

كما أن استخدمه لكلمات لا تنتمي للعهد الجديد مثل “الراعي” و “المشرّع” وبالأخصّ كلمته المميزة لـ”المصلوب” يدحض بشكلٍ قويّ أن يكون العهد الجديد مصدراً للمعلومات. وبذلك، ليس هنالك أيّ رابط كتابيّ أو شفهيّ بين “لوقيان (لوسيان) السميساطي” والعهد الجديد والكتابات المسيحيّة الأولى فيما يخصّ شخصيّة يسوع.

بالمجمل، فإن جوهر كتاب “لوقيان” “موت بيريغرينوس”، بما فيه ربط “بيريغرينوس” مع المسيحيين، صحيح على الأرجح، لكنّ “لوقيان (لوسيان) السميساطي” يغيّر فيه الكثير من أجل التأثير التهكميّ. إذاً من المحتمل أن بعض المعلومات عن يسوع ترافقت مع قصّة “بيريغرينوس” ولكنّها غُيّرت من قبل “لوقيان (لوسيان) السميساطي” لأغراضه الخاصّة، إلاّ أنّ هذا غير قابل للإثبات.

لقراءة بقية السلسلة:

لوقيان (لوسيان) السميساطي – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

مارابارسيرابيون – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

مارابارسيرابيون – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

مارابارسيرابيون – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

الجزء الخامس – مارابارسيرابيون

مارابار سيرابيون: الملك اليهوديّ الحكيم

في وقتٍ ما بعد 73 للميلاد، كتب رجلٌ يُدعى “مارابارسيرابيون” رسالةً بليغةً باللغة السريانية إلى ابنه الذي كان يُدعى “سيرابيون”. يعود النصّ الوحيد الباقي، والموجود الأن في المتحف البريطانيّ، إلى القرن السابع عشر. لا نعرف شيئاً آخر عن “مارا” أو “سيرابيون” ماعدا هذه الرسالة. لم يصف الكاتب مدرسته صراحةً، لكن تدلنا رسالته على أنه كان رواقياً[1].

ونستنتج أنه لم يكن مسيحياً بسبب فشله بذكر اسم يسوع أو المسيح صراحةً، وبسبب إعلانه أن خلود يسوع يعود إلى قوانينه الجديدة وليس إلى قيامته. وفي كتابته لـ”سيرابيون” يتحدّث “مارابارسيرابيون” عن يسوع على أنه “ملك اليهود الحكيم”، الذي انتقم الله لموته بعدل، حيث تستمر “قوانينه الجديدة”.

دُمّرت مدينة “مارابارسيرابيون” في حربٍ مع روما، وسيق مارابارسيرابيون وآخرون أسرى لدى الرومان. ويشير في نهاية رسالته أنّ الرومان الذين يحتلّون أرضه كطغيانٍ إمبراطوريّ سيلقّون الخزي والعار على أفعالهم. ويضيف: إذا سمح الرومان لنا بالعودة إلى أمّتنا بعدلٍ وإنصاف…، سيعتبرون جيدين وصالحين، وستكون الأمّة التي يعيشون فيها آمنةً أيضاً. ومعظم الرسالة يحمل النصح للبحث عن الحكمة من أجل التعامل مع المصاعب المحتومة في الحياة.

فالحكمة تساعد الناس على التعامل مع خسارتهم للأماكن والممتلكات والأشخاص، وبذلك يتمكنون من أن يكونوا صالحين وآمنين على الرغم من مصاعبهم. كما تجلب الحكمة خلوداً معيناً. يقول: يا بنيّ، إنّ حياة الناس لن تطول في هذه الدنيا، لكن بالنسبة للحكماء فإنّ فضائلهم وشهرتهم تبقى إلى الأبد.

ولتوضيح هذه الفكرة يقول “مارابارسيرابيون” مع الإشارة في البداية إلى مشاكله الخاصّة، أنّه عندما يتم قمع الحكماء فلا تنتصر حكمتهم في النهاية فحسب، بل أنّ الله يعاقب مضطهديهم:

ماذا يمكننا أن نقول أيضاً عندما يُبعد الحكماء بالقوة من قبل المستبدين، وتُحاط حكمتهم بالإهانات، ويضطهدون بدون القدرة على الدفاع، ما الفائدة التي حظي بها الأثينيون من قتل سقراط[2]، الأمر الذي عوقبوا عليه بالمجاعة والوباء؟ أو ما الفائدة التي حظى بها الساموسيون من حرق فيثاغورث[3]، حيث غطّيت بلدهم بالرمل في ساعةٍ واحدة؟ أو اليهود من قتل ملكهم الحكيم، حيث أُخذت مملكتهم في ذات الوقت؟

لقد عوّض الله لهؤلاء الحكماء الثلاثة بشكلٍ عادل فقد مات الأثينيون من المجاعة، وغمرت مدينة الساموسيين بالرمال بشكلٍ كامل، أمّا اليهود الذين أخرجوا من مملكتهم فقد تشتتوا في كلّ الدول. لم يمت سقراط بسبب أفلاطون، وكذلك فيثاغورث، لم يمت بسبب تمثال جونو، ولم يمت الملك الحكيم بسبب القوانين الجديدة التي وضعها.

على الرغم من عدم تسميته، وعلى الرغم من أنّ “الملك الحكيم” ليس لقباً مسيحياً شائعاً على الإطلاق، فإن يسوع من دون أيّ شك هو المقصود بعبارة “الملك الحكيم”.

أولاً، يتحدث “مارابارسيرابيون” عن هذا اليهوديّ الحكيم بوصفه ملكاً، ولقب “ملك” يرتبط بشكلٍ جليّ فيما نُقش على صليب يسوع حول محاكمته وموته على وجه الخصوص – (مرقص 15:26).

ثانياً، يتماثل ربط “مارابارسيرابيون” بين تدمير أمّة اليهود وموت “الملك الحكيم” مع العرف المسيحيّ، حيث يُعتبر تدمير القدس عقاباً لرفض اليهود ليسوع. تشير الأناجيل السينوبتية إلى هذا الربط بشكلٍ ضمنيّ، مثال : متّى (23:37، 24:2، 27:25). ومرقص (13:12)، ولوقا (19:42-44، 21:5-6، 20-24، 23:28). لكنّ “يوستونيوس” هو أوّل من يصرّح بذلك (الاعتذار الأول 4: 6-32، 47-49، 53:2-3. والحوار 25:5، 108:3). أمّا لدى كتّاب الكنيسة اللاحقين فقد أصبح هذا موضوعاً شائعاً.

ثالثاً، إنّ عبارة: “القوانين الجديدة التي وضعها”، هي على الأرجح إشارةٌ إلى الدين المسيحيّ، وخاصّةً تشريعها الأخلاقيّ، فلا نعرف أيّ شخصٍ آخر غير يسوع في التاريخ القديم كان يماثل هذا الوصف.

على أية حال، إذا كان “مارابارسيرابيون” يقصد يسوع فلماذا لم يستخدم اسمه؟ إنّ عدم استخدام “مارا” لكلمة “يسوع” أو “مسيح” أمرً لافتً، لأنه يدعو إلى شهرة تعاليم الملك الحكيم بشكلٍ ضمنيّ. إن هذا الملك وتعاليمه بمستوى واحد مع سقراط وفيثاغورث اللذين كانا اسمين مشهورين في العالم القديم.

ويقترح “جوزيف بلنز”، وبدون أي حجج داعمة، أنّ: الكاتب لم يكن على معرفةٍ باسم يسوع أو مسيح. وبينما يبدو هذا الاقتراح ممكناً، فمن غير المحتمل أنّ “مارابارسيرابيون” يدعو إلى شهرة حركةٍ جديدة، ومع ذلك ليس على علمٍ باسم مؤسسها. والمرجّح أنّه يكتم اسم يسوع للسبب نفسه الذي لا يصرّح من أجله بأن يسوع قد قُتل.

وقبل قرنٍ مضى، اقترح “دبليو. كرتن” أنّ اضطهاد الرومان للمسيحيين في الوقت الذي كُتبت فيه هذه الرسالة هو ما دفع “مارابارسيرابيون” إلى كتم اسم يسوع، بينما يقوم بإشاراتٍ ضمنيّةٍ إليه لا يمكن إغفالها. وهذا أيضاً أمرٌ محتمل. فعلى الرغم من أن التاريخ غير المؤكّد لهذه الرسالة، والطبيعة المحليّة والمتفرّقة لمعظم ملاحقات المسيحيين، كلها تجعل من الصعب معرفة هذا بشكلٍ يقينيّ.

الاحتمالٌ الثالث يعتمد على الأسلوب الأدبيّ، فسابقاً في الرسالة، يشير “مارابارسيرابيون” إلى سقراط وفيثاغورث، لكنه لا يشير إلى يسوع ضمن قائمةٍ تضمّ أسماء مشاهيرٍ من القدماء، ويعقّب : أنّ فضائلهم وشهرتهم تبقى إلى الأبد. في نصنا هذه يأتي على ذكر هؤلاء الاثنين مرّة أخرى دون ذكر يسوع، ليبقى مطابقاً لعباراته السابقة. إن هذه الاحتمال غير مُرضٍ، كما أنه لا يشرح كيف أنّ شخصاً مشهوراً لتعاليمه يكون مجهول الاسم.

ربما لا يكمن السبب في وضع المسيحيّة، بل في وضع “مارابارسيرابيون”، حيث أنه لا يذكر اسم يسوع لأن الرومانيين هم من دمّر وشتت اليهود، وهو لا يريد أن يُزعج محتليه. كما أنه قد لا يرغب أن يُشير، في ظّل احتلال بلده، إلى أن الرومان كانوا أداة الله في إعادة سيطرتهم على يهودا.

إنّ أولئك الذين درسوا رسالة “مارابارسيرابيون” يعطونها عدداً من التواريخ المتنوّعة، لكنّ الغالبية يعودون بها إلى القرن الأول، بعد فترة قصيرة من الغزو الروماني لمملكة ” كوماجين” [4] عام 73، وهو فيما يبدو العام الذي يشير إليه الكاتب. يبيّن “بروس” أنّ الرسالة تعود إلى وقت غير محدد بعد عام 73 للميلاد، لكن يبدو أنه يُفضّل تاريخاً غير بعيد عن ذلك العام. “بلينز” و”إيفانز” أيضاً يعيدان الرسالة إلى القرن الأول.

“مورو” ينسب الرسالة إلى الفترة الممتدة بين عامي 73 و399، قائلاً إنّه من المستحيل إعطاء دقّة أكثر من ذلك. يرى “فرانس” أنّها يجب أن تكون بعد تدمير القدس عام 70، ويمكن أن تكون كتبت في القرن الثاني، ويتبع تحليل “براون” التقدير ذاته. أماّ “ليون دوفور” فيؤرخها أبعد من الباقين، حوالي عام 260.

لكن القرن الثاني هو التاريخ المرجّح، فهو يناسب وضع الكاتب بقدر القرن الأول تماماً، ويناسب وضع الشعب اليهوديّ أكثر. وكما يبيّن “كرتين” في مناقشته لتاريخ منتصف القرن الثاني، يقول “إنّ المشاكل التي يشير الكاتب إلي وقوعها عليه وعلى مدينته تنطبق على أولئك الذين عانوا على يد الرومان في البلاد التى تقع حول نهري الفرات ودجلة. هذه البلاد كانت متحمّسة للثورة ضدّ الرومان تحت قيادة “لوسيوس فروس” 162-165 للميلاد…حيث نُهبت مدينة سلوقية وأُحرقت من قبل الرومان”.

والأكثر إقناعاً حيث تشير الطريقة التي يتكلّم بها الكاتب عمّا حدث لأمّة اليهود إلى تاريخ زمانه بعد الثورة اليهودية الثانية – (132-132). يقول “مارابارسيرابيون”: أنً مملكتهم قد سُلبت، وأنهم دمّروا. وهذه اللغة تتناسب مع الفترة التي أعقبت أماّ الثورة الأولى أو الثانية. لكن إشارته إلى أنّ ” اليهود اخرجوا من مملكتهم، وشُتتوا في كلَ الدول” تنطبق بالأخض على ما بعد الثورة الثانية، فعندها فقط، وبقرارٍ من الإمبراطور “هادريان”[5]، تّم طرد كافّة اليهود من مدينة القدس وضواحيها.

جاعلاً منها مستعمرةً رومانيّة لا يُسمح لآيّ يهوديّ بدخولها. لا شكّ في أن هنالك بعض المبالغة في لغة “مارابارسيرابيون” لكن الأمر أكثر من المبالغة في الكلام. وبذلك يمكننا أن نستنتج ببعض الثقة أنّ تاريخاً في النصف الثاني من القرن الثاني هو المرجّح.

من اين حصل “مارابارسيرابيون” على معلوماته عن يسوع؟ لم يذكر “مارابارسيرابيون” مصادره، كما العديد من الكتّاب القدماء، وبذلك ينبغي التوصل إليها بإنفسنا. ويُفضّل هنا مصدرٌ غير مسيحيّ لأن “مارا” لا يصرّح أن موت يسوع كان فداءً للبشرية، ولا أنّه يعيش من خلال إعادة بعثه، وهي عناصر أساسيّة في معظم الطوائف المسيحيّة. استطاع بعض الاعتذاريين[6] المسيحيين أن يُقارنوا يسوع بسقراط وفلاسفةٍ آخرين، لكن برؤية أنّ يسوع كان أرفع مقاماً، وليس مساوياً لهم، كما يشير مارابارسيرابيون.

ويُرجّح مصدرٌ غير مسيحيّ أيضاً لأنّ “ملك” ليست لقباً مسيحياً تقليدياً في الأدب المسيحيّ المبكّر، كما أن “الملك الحكيم” لم تُثبت أبداً. ومع ذلك، فإن موازنة الدليل ترجّح مصدراً مسيحياً.

أولاً، يبيّن “مارا” أن اليهود قتلوا يسوع ظلماً، قتلوه تماماً كما قتل الأثينيون سقراط ظُلماُ، وكما قتل الساموسيون فيثاغورث. وبينما يقرّ العرف اليهوديّ أنّ السلطات اليهوديّة أعدمت يسوع، ومن الجائز أن يكون “مارا” قد علم عن موت يسوع من مصادر يهوديّة، فإن هذا العرف كان على الأرجح نقطة خلاف بين الكنيسة المسيحيّة والكنيس اليهوديّ، لكنّه لم يجد طريقاً ليصبح جدلاً أكبر يمكن لـ”مارا” أن يعلم به. علاوةً على ذلك، يبدو أنّ العرف الذي وصل “مارا” يحتوي حكماً سلبياً فيما يخصّ موت يسوع لم يكن موجوداً في العرف اليهوديّ الذي يبرّر موت يسوع بأنه كان قانونياً.

ثانياً، كما رأينا فإن “مارا” يربط موت يسوع بدمار الأمّة اليهوديّة، كما فعل العرف المسيحي فقط. ومع أنّ مصدراً مسيحياً للمعلومات مرجّحٌ إلاّ أنه لا يمكننا إنكار أنّه كان لـ”مارا” مصدرٌ غير مسيحيّ للمعلومات أيضاً، خاصّةً إن كانت “القوانين الجديدة” لـ”الملك الحكيم” معروفةً أيضاً كما يشير.

 

إن نتائج دراسة يسوع التاريخي ضئيلة جداً. ورسالة “مارا” ليست شاهداً مستقلاً على وجود يسوع، وذلك لسببين.

أولاً، أنّها تربط حياة “الملك الحكيم” بحركتها وتعاليمها، بما يجعل من المحتمل أنّ “مارا” عَلِمَ عن الملك الحكيم من مسيحيين.

ثانياً، إن تأكيد الرسالة على أنّ اليهود قتلوا يسوع هو أمرٌ مريب. فبناءً على توجهه، سيكون تضمين “مارا” في هذا الأمر مناقضاً لرؤيته الأساسيّة وهي أنً أولئك الذين يضطهدون رجالهم الحكماء يقومون بذلك على مسؤوليتهم الشخصيّة.

بالمجمل، تتحدث رسالة “مارا” عن المسيحيّة أكثر مما تتحدث عن المسيح. والمثير في الأمر أنّ هذا الكاتب الرواقي الذي يعود إلى منطقةٍ خارج الإمبراطورية الرومانية، يرى المسيحيّة بمنظورٍ إيجابيّ، ويقارن مؤسسها بسقراط وفيثاغورث. تظهر رسالة “مارا” وهي أقدم إشارةٍ فلسفيّة غير مسيحيّة إلى المسيحيّة، الجاذبية التي كانت للمسيحيّة لدى بعض المثقّفين. ولا يحب تفسير إشارة “مارا” إلى المسيح والمسيحيّة على أنها تأييد لها أكثر من اعتبار ذكره لسقراط وفيثاغورث تأييداً لمدارسهم الفلسفية. لكنّه يستخدم مثال يسوع وتعاليمه ليحثّ مواطنيه على التحملّ والرومانيين على الرأفة.

لقراءة بقية السلسلة:

[1] تعتمد المدرسة الرواقية التي ظهرت بعد فلسفة أرسطو على إرساء فن الفضيلة ومحاولة اصطناعها في الحياة العملية، ولم تعد الفلسفة تبحث عن الحقيقة في ذاتها، بل أصبحت معياراً خارجياً تتجه إلى ربط الفلسفة بالمقوم الأخلاقي. وتعد الفلسفة عند الرواقيين مدخلاً أساسياً للدخول إلى المنطق والأخلاق والطبيعة. ارتبطت هذه المدرسة بالفيلسوف زينون (336-264ق.م) الفينيقي الأصل. وازدهرت منذ 4 ق.م وحتّى ق 4 م.

[2] سقراط: سقراط (469-399 ق.م). فيلسوف ومعلم يوناني جعلت منه حياته وآراؤه وطريقة موته الشجاعة، أحد أشهر الشخصيات التي نالت الإعجاب في التاريخ. فنتيجة لتهكمه على الديمقراطية في أثينا تمت إدانته وحكم عليه بالإعدام.

[3] فيثاغورث: فيلسوف ورياضي إغريقي عاش في القرن السادس قبل الميلاد، ولد في جزيرة ساموس على الساحل اليوناني. في شبابه قام برحلة إلى بلاد ما بين النهرين وأقام في منف بمصر. وبعد تعلم كل ما هو معروف في الرياضيات من مختلف الحضارات المعروفة آنذاك عاد إلى ساموس لكنه اضطر إلى الفرار لمعارضته للدكتاتور بوليكراتس حول الإصلاحات الاجتماعية. واستقر في جنوب إيطاليا فذاع صيته واشتهر.

[4] كوجامين: مملكة نشأت بعد انقسام إمبراطورية الإسكندر الأكبر، في منطقة شمال سورية من الجزيرة وحتى منابع الفرات، كانت عاصمتها هيرابوليس أو منبج اليوم.

[5] هارديان: 76-138م، إمبراطور روماني وفيلسوف رواقي وأبيقوري. في أعقاب ثورة يهودية شيد هارديان مدينة جديدة على أنقاض القدس أطلق عليها اسم: كولونيا إيليا كابوتالينا، وحرم على اليهود دخولها.

[6] المدافعين: أو التبريريين، ظهرت الاعتذاريات المسيحية في مجال اللاهوت بهدف تقديم أساس من بولس الطرسوسي ومروراً بأوريجانوس وأوغسطينوس، وحتى المسيحية الحديثة من خلال جهود عدة كتاب. واستدل الاعتذاريون المسيحيون بالأدلة التاريخية، والحجج الفلسفسية، والتجريبات العلمية، والإقناع الخطابي وغيرها.

مارابارسيرابيون – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

سوتونيوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

سوتونيوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

سوتونيوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

الجزء الثالث – سوتونيوس

سوتونيوس: كريستوس المحرِّض

زاول الكاتب الروماني غايوس سوتونيوس ترانكيلوس Gaius Suetonius Tranquillus، الذي عاش حوالي 70-140م، مهنة المحاماة في روما، وكان صديقاً لـ”بليني الأصغر” (بليني، الرسائل 1.18). وحوالي عام 120م كان سكرتيراً للإمبراطور “هارديان” لفترة وجيزة ثم صَرَفه، ربّما بسبب سوء معاملته لزوجة الإمبراطور “سبارتيانوس” (حياة هارديان 11.3). وفيما عدا ذلك، لا نعرف إلا القليل على وجه اليقين عن الأحداث الأساسيّة في حياته.

لقد كان “سوتونيوس” كاتباً وفير الإنتاج، يكتب في عدّة أنواع مختلفة من الأدب، لكنّ كتابه “حياة القياصرة” كان الوحيد مما بقى من أعماله سليماً بشكلٍ رئيسيّ. يغطّي هذا الكتاب الذي نُشر عام 120م، حياة وسيرة أول أثني عشر إمبراطوراً، من “يوليوس قيصر”[1] إلى “دوميتيان”[2]، ويتناول كتاب “حياة القياصرة” التاريخ بصيغة سيرٍ شخصيّة، وذلك كما يشير عنوانه.

كما يتناول الجزء الأول من كلّ فصل لمحةً عن خلفية عائلة الإمبراطور وحياته، أمّا الجزء الأخير فيتناول مظهره الخارجيّ وحياته الخاصّة، وينظُمُ “سوتونيوس Suetonius” هذين الجزأين وفق الترتيب الزمني للأحداث، لكنَه يرتّب القسم الذي يتناول الحياة المهنية لكّل إمبراطور وفق المواضيع.

وفي هذا القسم المبني على أساس المواضيع من “كلاوديوس المعظّم”[3]، وهو الجزء الخامس من كتاب “حياة القياصرة”، يعدّد “سوتونيوس” باختصار الأفعال التي إتخذها الإمبراطور “كلاوديوس” الذي حكم ما بين 41-54م، تجاه مختلف الشعوب التابعة خلال فترة حكمه. عملياً، فإن كلّ جملة في “كلاوديوس المعظّم -25.3،5) تبيّن عملاً مختلفاً من أعمال “كلاوديوس” دون شرحٍ أو تفسيرٍ أو سياقٍ توضيحيّ. وبعد أن يسرد كيف تعامل “كلاوديوس” مع اليونان ومقدونيا ومع شعوب ليشيا ورودوس وطروادة[4] يكتب “سوتونيوس” بشكلٍ مختصر:

“طرد كلاوديوس اليهود من روما، حيث غالباً ما كانوا يثيرون القلاقل بسبب كريستوس المحرّض- 25.4”[5].

من الأرحج، وليس مؤكداً كما سنرى لاحقاً، أنّ كاتباً مسيحياً كان ليكتب حروف هذا الاسم بشكلٍ صحيح، كما أنه لم يكن ليضع المسيح في روما عام 49م، أو يدعوه بمسبب المشاكل. بالتأكيد فإن هذه الحجج مبنية على مطابقة كلمة كريستوس “Chrestus” بكلمة المسيح “Christus”[6]. ونستنتج كما الغالبية العظمى من الباحثين أن هذه الجملة غير ملفّقة.

غالباً ما تُترجم هذه الجملة بطريقةٍ مماثلةٍ لنسخة لوب[7] المؤثّرة: “بما أن اليهود كانوا يثيرون القلاقل بشكل مستمرّ بتحريضٍ من “كريستوس” طردهم “كلاوديوس” من روما”. ومع ذلك فإن الأصل اللاتيني “impulsor” لا تعني “تحريض” بل تعني “مُحَرّض”.

فبالنظر إلى النصّ اللاتيني، فإن كلمتي “Chresto impulsor” المتتابعتين تتوافقان بالجنس والعدد والتصريف، بما يجعل من كلمة “Chresto” تابعاً لـ”impulsor”، وبذلك يُفضّل ترجمتها “كريستوس المحرّض”، إن ترجمتها: بتحريض من كريستوس يوصل المعنى الأساسيّ، لكنّه يخفي الحكم الذي يُصدره “سوتونيوس” بأن “كريستوس” لم يكن قائداً للشغب فحسب بل كان هو نفسه مثيراً للمشاكل.

وبالترجمة التي قدّمناها “بسبب كريستوس المحرّض”، نحافظ على هذه النقطة بالتحديد. كما أنها تركّز على “كريستوس” بشكل أكبر مما تفعله الترجمات التقليديّة. وقد أدت هذه الجملة إلى ظهور مكتبة صغيرة من الأدب. فهي تفيض إلى حدّ ما بالمشاكل المرتبطة ببعضها البعض، فهل كان طرد “كلاوديوس” لليهود طرداً كاملاً أم جزئياً؟ أم أنه قام بإخماد ثورتهم فحسب؟ ما هو تاريخ هذا الحدث؟ وما علاقته بالأعمال – 18:2؟ وسوف نتطرق إلى هذه القضايا في مجرى تركيزنا على الموضوع الأساسيّ: من هو “كريستوس”؟

إن شبه الإجماع على مطابقته بالمسيح قد جعلت من الإجابة على هذا السؤال محسومةً إلى حدّ ما. على سبيل المثال، كتب “إي. إن .ويلسون” مؤخراً أن: “الباحثين الأكثر حمقاً هم فقط الذين شكّوا بكون “كريستوس” هو المسيح نفسه”.ومع ذلك، فلا يوجد في هذه الجملة أو سياقها ما يثبت بشكل صريح أن “سوتونيوس” يكتب هنا عن المسيح أو المسيحيّة.

كما أنّ أياً من نُسّاخ المخطوطات الباقية من كتاب “حياة القياصرة”، والذي يعود إلى القرن التاسع وحتى القرن الخامس عشر، أقدم على تغيير “كريستوس-Chresto” إلى”المسيح-Christo”، وهذا يشير إلى أنّ كريستوس كانت تعطي معناً كما هي. إن أبسط تفسير لهذه الجملة هي بكون “كريستوس” مثيراً للقلاقل آخر غير معروف الهوية، متواجداً في روما. وبذلك فإن النقاش حول “كريستوس” هو خلاف لا ينطوي على سوء نية، وليس لحماقة الباحثين أي علاقة بالأمر.

وقد رأى بعض المؤرّخين مؤخراً أن “كريستوس” هو بالفعل مثير للقلاقل مختلف غير معروف الهوية في روما، ولا يمكن مطابقته بيسوع. وعلى الرغم من أن أكثر الآراء شمولاً وأحدثها حول هذه المسألة كان رأي”هـ. ديسكون سلينغيرلاند”، إلاّ انّ أكثر الآراء إقناعاً كان ما قدّمه الباحث الكلاسيكيّ “ستيفن بينكو”. فهو يرى أن “سوتونيوس” لم يكن ليسيء فهم كلمة “مسيح-Christus” إلى “كريستوس-Chrestus” لأن “كريستوس” كان اسماً شائعاً جداً في روما.

علاوةً على ذلك، فإن “سوتونيوس” في كتابه “نيرون-16.2” يقوم بتهجئة كلمة “المسيحيّة-Christiani” بشكلٍ صحيح، فلا بُدّ أنه عِلمَ أن موجدها كان “المسيح-Christus” وليس “كريستوس-Chrestus”. ويخلص “بينكو” إلى أنً “كريستوس” هذا كان يهودياً متطرفاً، عضواً في مجموعة مماثلة للزيلوت[8]، الذين أرادوا أن يحثّوا حلول مملكة الله بالقوّة. عندما قام “كريستوس” بتحريض يهود روما للثورة على محاولة إفناء مملكة الله من الهيروديين من قبل “كلاوديوس” عام 44م، تصرف “كلاوديوس” ليحافظ على النظام في عاصمته عبر طرد اليهود عام 49م، وهو الحدث الذي يسرده “سوتونيوس” هنا.

بالدراسة المتأنية لآراء “بينكو” تظهر أنها ضعيفة، فأولاً، كان اسم “كريستوس”، بمقابلة اليوناني-“خريستو” اسماً شائعاً بالفعل بين الرومان واليونانيين. وكانت هذه الكلمة، والتي تعني “الجيّد، الممتاز، الطيّب، المفيد”، صفةً تُطلق على المواطنين العاديين أو الذين ينحدرون من نسبٍ رفيع، أمّا كاسم فكان شائعاً بين العبيد والأحرار على حدً سواء. أمّا بين اليهود، وهو ما يركّز عليه “سوتونيوس” هنا، حسب ما يعتقد جميع المحللين ومن بينهم “بينكو” فلم يكن هذا الاسم موثقاً على الإطلاق.

وبشكلٍ ملحوظ، لا يظهر اسم “كريستوس” بين مئات أسماء اليهود المعروفة لنا من خلال نقوش سرداب الموتى الروماني ومصادر أخرى. وهذه بدون شك حجة قائمة على: “الخلو من الذكر”، لكن خلو شواهد القبور هنا يحمل كناية واضحة. وبما أن “كريستوس” لم يكن اسماً يهودياً شائعاً بل كان اسماً شائعاً لدى غير اليهود، فإن ذلك يزيد من احتمال أنّ “سوتونيوس” أو مصدَرَه، قد خلط بين كلمتي “مسيح” و”كريستوس”.

يؤكّد “بينكو” أن عبارة “سوتونيوس” عن المسيحيين في كتاب “نيرون-16.2” تظهر معرفته بالتهجئة الصحيحة لكلمة “مسيح”، وبذلك كان سيكتب “مسيح” لو كان يعنيها. حيث يكتب “سوتونيوس” في قائمة يذكر فيها أعمال “نيرون” أنه: “تّم معاقبة المسيحيين، وهم طبقة من الناس يحملون معتقدات خرافية جديدة وآثمة”. وليس في هذا إشارة إلى حركة المسيحيين أو أيّ ذكرٍ لليهوديّة. وفي المقابل، فإن “كلاوديوس-25.4” لا يشير إلى المسيحيين، بل اليهود.

وتشير عبارات “سوتونيوس” إلى أنه لم يربط اليهودية بالمسيحيّة، أو حتّى أنه لم يعرف أنهما كانتا حركتين دينيتين مترابطتين في عام 49م. فهو يقول إن المسيحيين حملوا معتقدات خرافية “جديدة” ويشير إلى أنهم “طبقة” أي نوع مختلف، بينما كان يعلم أن اليهود يمارسون ديناً قديماً. كما تشير عباراته أيضاً إلى أنه لم يربط “كريستوس” اليهوديّ بـ”المسيحيّة”. ويتمّ إثبات سوء الفهم الروماني المنتشر في “الحوليات-15.22” حيث يوضّح “تاسيتوس” لقرّائه أن “المسيحيين” مشتقّة من “المسيح”.

وبالتالي، وبما أن “سوتونيوس” يستطيع تهجئة كلمة “مسيحيين” بشكلٍ صحيح في كتاب “نيرون”، فهذا لا يعني بالضرورة أنه سيتنبّه إلى أن “كريستوس” كُتبت خطأ في “كلاوديوس”.

ولا بدّ لنا من إيلاء موضوع التهجئة دراسةً موسّعةً هنا، لأنه سيظهر أيضاً في جزء “تاسيتوس” لاحقاً. غالباً ما كان غير المسيحيين، وأحياناً المسيحيون حتّى، يخلطون بين كلمتي “مسيح” و”كريستوس”. وقد نتج هذا الخلط من سببين، المعنى والصوت. فقد ألمح كلً من المقابل اليوناني والمقابل اللاتيني لكلمة “المسيح” إلى معنى غريب بالنسبة لمعظم القدماء، وخاصّة غير أولئك الذين ليسوا على معرفةٍ بالخلفية اليهودية للاسم.

حيث أنّ معناها اليونانيّ الأساسيّ في الحياة اليوميّة يشير إلى المصطلح الطبيّ، أي: “الذي يعالج بدهن الزيت”، أو المعنى البنائيّ للكلمة: “الذي يضع جبيرة الجبس”. ولن يكون لهذين المعنيين المضمون الدينيّ الذي يمكن أن تحمله كلمة “المسيح” لأيّ شخصٍ مسيحيّ. وقد تكون هذه المعاني غير المعتادة هي التي استحثّت هذا التغيير إلى اسم ذي معنى مألوفٍ أكثر وهو: “كريستوس”، الذي يعني: الجيّد، الممتاز، الطيّب، المفيد.

وقد كانت المقابلات اليونانية لكلمتي “مسيح” و”كريستوس” متقاربتين باللفظ أكثر مما تبدوان عليه اليوم، وذلك بسبب ميزةٍ صوتيّة عامّة في اللغة اليونانيّة، حيث تظهر اللغة الإغريقية القديمة تداخلاً في الأصوات “iotaɩ”وeta “η” وepsilon-iota “الصوت المدغم ɛɩ”. فقد كانت هذه الأصوات تُلفظ بشكلٍ متشابهٍ جداً إلى درجة أنه غالباً ما كان يخلط بينهما، في الكلام أو الكتابة، غير المثقفين والمثقفون على السواء.

قام “فرنسيس ت. جيغناك” بتوثيق هذه الظاهرة بشكلٍ كامل وخَلُصَ إلى أن “هذا التداخل بين أصوات ɩ وη وɛɩ يعكس التطور الفنولوجي للهجة اليونانية الأساسيّة، حيث يُمثّل الصوت أساساً بـη مدمج مع/i/  في القرن الثاني الميلادي”. وقد أثّر دمج الأصوات هذا، على الأقل في اسم المسيح، على اللغة اللاتينية أيضاً، كما شهد كتّاب الكنيسة اللاتينيّة قرب هذا الوقت لاحقاً. وعند اقتران هذا التشابه في الأصوات مع انتقال إلى تعبيرٍ ذي دلالةٍ أكبر، يصبح أمراً منطقياً أن نخلُص إلى أن “سوتونيوس” يعنى “مسيح” من وراء “كريستوس”.

ويمكن طرح الاعتراضٍ التالي هنا: وهو أنّ مصدراً مسيحياً، في حال كان هذا الاسم قد وصل إلى سوتونيوس عن طريق مصدر مسيحيّ، أو أن مؤرخاً رومانياً دقيقاً كان على علمٍ بالمسيحيّة، لم يكونا ليرتكبا مثل هذا الخطأ مع اسمٍ بهذه الأهميّة. يبدو هذا وكأنه جزء من وجهة نظر “بينكو”. وقد رأى “فريدرك بلاس” قبل أكثر من عام مضى أن الصيغ اليونانية: “οτοςιρΧ- مسيح” و”οτιανοςɩΧρ- مسيحيّة” كانت صيغاً مفضًلة بشكلٍ كبير من قبل الكتبة المسيحين منذ العهد الجديد، بينما استخدم غير المسيحيين وبشكٍل نمطيّ صيغتي “οτοςηρΧ- كريستوس” و”οτιανοςηΧρ- كريستونية”.

على أية حال، وبالاعتماد على دلائل النقوش والمخطوطات الباقية، فإن هذا الخلط بين صوتي “ι” iota وeta “η” كان ظاهراً لدرجة ملحوظة بين المسيحيين أيضاً. حيث يُظهر النصّ الأصلي للمخطوطة السينائية “كوديكس سينايتيكوس” من القرن الرابع، أن كلمة “مسيحيين” هُجّئت بـeta “η” في المرات الثلاث التي ذُكرت فيها في العهد الجديد – (الأعمال 11:26،26:8، بطرس الأولى 4:16).

كما أن مخطوطة البردية رقم “72”[9]، من القرن الثالث والرابع م، استخدمت οτοςηΧρ للدلالة على Χριοτος في “بطرس الأولى-2:3) في فريجية[10]، حيث نجد عدداً من النقوش الجنائزيّة من الفترة 420-310م تحمل كلمة “مسيحيين” وغالباً ما هجّئت هذه الكلمة οτιανοιηΧρ. ويظهر هذا اللبس بين الكتابتين على أحد شواهد القبور التي حملت كلا الكتابتين “مسيحيين” “وكريستونيين”.

كان هذا الخلط اللاتيني واليوناني بين الأصوات في اسم العقيدة مرتبطاً بالافتراض القائل أن موجدها “كريستوس”. وقد استطاع “يوستونيوس الشهيد” الذي كتب باليونانية، حوالي عام 150م أن يستخدم تورية لفظية على أساس التشابه بين هاتين الكلمتين: وإلى الدرجة التي يمكن فيها الحكم من خلال الاسم الذي نُتّهم به: “مسيحيين- Chistianoi” فإننا أفضل الناس “كريستونيين- Chrestianoi”. إننا متّهمون بكوننا مسيحيين، ومن الخطأ أن نكره ما هو ممتاز- (الاعتذار 4.1).

في 197م خاطب “تيرتولين” غير المسيحيين مدافعاً عن المسيحيين من الاضطهاد، فقال: إن كلمة “مسيحيّ”… مشتقّة من “المعالجة بدهن الزيت”. وحتى في حال أنكم لفظتموها بطريقة خاطئة لتصبح “كريستوني” فإنها تأتي من “العذوبة والطيبة”. فأنتم لا تعرفون الاسم الذي تكرهون!- (الاعتذار3.5). في عام 309 انتقد “لاكتانيوس” بشكلٍ مماثل خطأ الجهلة، الذين يدعونه “كريستوس” بتغيير حرف واحد فقط (المؤسسات الدينيّة 4.7.5)، وهو لم يُحدد من هم هؤلاء “الجهلة بالتحديد”.

وبينما يعرف معظم الكتبة المسيحيين الأوائل الفرق بين هاتين الكلمتين ويستخدمونها بحذرٍ وحتّي بذكاء، فإن العديد من المسيحيين العاديين يتشاطرون سوء الفهم هذا مع غير المسيحيين. وبالفعل، قد يكون التصحيح الذي يقدّمه هؤلاء الكتاب الثلاثة موجّهاً لمعظم قرّائهم المسيحيين. إن ما يستنتجه “إلسا غيبسون” عن استخدام هذه الكلمة في النقوش الفريجية هو صحيح في الغالب، وهو: ” إن استخدام صيغة eta “η” يبدو أمراً مقصوداً، فقد كان يُعتقد بشكلٍ خاطئ أن كلمة “مسيحيّ” مشتقَة من كلمة “كريستوس”.

فبإقل تغيير، إضافةً للأصوات المتقاربة، يقوم بعض المسيحيين والعديد من غير المسيحيين بتغيير الاسم الغريب “مسيح- Christos/Christus” إلى اسم أكثر شيوعاً وفهماً “كريستوس- “Chrestos/Chrestus”. وبالتالي، كان من الممكن أن يُخطئ “سوتونيوس” بكتابة هذا الاسم، أو أن يستخدم الاسم الخاطئ بناءَ على مصدره، دون أن يُدرك ذلك.

ننتقل الآن إلى النقطة الثانية لدى “بينكو” وهي: أن “كريستوس” ربما كان يهودياً متطرفاً يحاول فرض إحلال مملكة الله بالقوة، وأدّت نشاطاته إلى شغب بين يهود روما. ويعتقد “إريك كوستيرمان” أيضاً أنّ “الكريستونية” كانت تنتمي إلى حركة يهوديّة ثوريّة قادها شخص يدعى “كريستوس”. على أية حال، لا يوجد دليلٌ آخر يدعم هذه الثورة السياسية اليهودية المفترضة في روما والتي يقوم كلّ من “بينكو” و”كوستيرمان” بنسب كريستوس إليها.

إن التفسير المرجَح لهذه المشكلة والتي قادت إلى طرد اليهود، الحادثة التي تستند على تاريخ اليهودية الرومانية، يعود إلى نشاط التبشيريات اليهودية. وكما رأى “لويس فيلدمان” فإن التفسير المرجّح للحوادث الثلاث لطرد اليهود من مدينة روما يعود إلى المشاكل المتعلّقة بنشاط التبشيريات اليهودية ضمن الرومان من غير اليهود. في عام 139 ق.م، اُتهم اليهود باتباعهم نُهجاً تبشيريًة عدائية، وطردوا من المدينة بشكلٍ مؤقّت.

عام 19م طردهم الإمبراطور “تيبيريوس” من روما أيضاً بسبب: “أنهم كانوا يحوّلون العديد من السكان المحليين إلى منهجهم”. وفي منتصف القرن نفسه، أدت المشاكل حول التبشير بيسوع على أنه المسيح إلى طرد اليهود أيضاً، وبذلك فمن الواضح أن السلطات الرومانية رأت في انتشار اليهودية بين السكَان المحليين انتهاكاً يستحقّ الطرد.

وربما كان “سوتونيوس” يعلّق على حالةٍ من الاضطراب الأهليّ بين الرومان غير اليهود والرومان اليهود، والتي سببها إعلان أن يسوع هو المسيح. ويفترض العديد من مفسّري هذا النصّ أن هذه الاضطرابات كانت بين اليهود فقط، لكنّ “سوتونيوس” لا يقول ذلك، كما أن تفسير “فيلدمان” لأسباب هذا الاضطراب هو المرجّح. ولا يجب علينا افتراض ثورة دينية سياسية كمقابل للنشاط التبشيريّ. وبالخلاصة، فإن آراء “بينكو” رغم جدّيتها ما تزال غير مقنعة، وتبقى كلمة “كريستوس” في هذا النصّ على الأرجح خطأً عن كلمة “مسيح”.

إن مصدر معلومات “سوتونيوس” غير معروف، كما هي العادة. حيث أنّ مصدراً مسيحياً، مكتوباً أو شفهياً، كان ليعطي معلوماتٍ صحيحية عن يسوع أكثر منها خاطئة. فالأرجح أنه كان سيتهجى اسم المسيح بشكلٍ صحيح، وبالتأكيد لم يكن ليصفه بالمحرّض الذي يعيش في روما عام 49م. إذاً، من غير المحتمل أن “سوتونيوس” قد استقى معلوماته من مصدرٍ مسيحيّ. ولا يمكن أن يكون مصدر المعلومات يهودياُ أيضاُ، لأن تطرق النصّ لطرد اليهود لم يكن مدحاً لهم.

ويُرجّح الاحتمال القائل أنّ “سوتونيوس” يستخدم مصدراً رومانياً، ربّما من الأرشيف الإمبراطوريّ، فبوصفه سكرتير الإمبراطور، فقد كان بإمكانه الوصول إلى الأرشيف. لكنّه لا يقتبس أياً من المراسلات الإمبراطورية بعد الفصل المتعلّق بـ”أوغستوس” فربما كان قد صُرف من خدمة الإمبراطور في تلك المرحلة من بحثه وكتاباته. ويقترح “ب. مورو” و”ف. بروس” أن يكون مصدر “سوتونيوس” هو تقرير شرطة.

فمثل هذا التقرير لن يكون دقيقاً حيال اسم مثير للمشاكل، ولن يشير إلى السبب وراء هذه المشاكل، بل سيولي الإمبراطور وما قام به الأهمية الأكبر. قد يكون “سوتونيوس” نسخ الخطأ من مصدره، حيث كُتب المصدر في فترة قريبة من الأحداث عندما كان اسم “المسيح” غير معروفٍ بشكلٍ كبير في روما. ويُعتبر تكرار الخطأ الموجود في المصدر سمةً لدى “سوتونيوس” حيث أنه لم يكن يتناول مصادره بإسلوب نقديّ ويستخدمها كيفما اتفق.

إن النتائج الإيجابية من دراستنا لكلاوديوس ضئيلة جداً وخاصًة في ضوء الإشكليات التي تقدّمها هذه الجملة الشهيرة. كما أن تركيز هذه الجملة واضحٌ وهو أن كلاوديوس اتخذ تدابير ضدّ بعض اليهود علي الأقل في روما بعد اضطرابات مستمرّة. وتركّزت إشكالية هذه الجملة بتحديد هويّة “كريستوس”. وقد رأينا، أولاً، ان التفسير الأمثل لهذه الإشكالية هو أن “كريستوس” كتبت خطأً عن “مسيح”. وقد بيّنا أنّ هذا احتمال جائز لكن لا يمكننا ادّعاء اليقين على أساس هذا الدليل المبهم.

ثانياً، تشير عبارة “سوتونيوس” إلى مدى غموض وعدم صحّة معرفة أصول المسيحيّة، في القرن الأوّل وبداية القرن الثاني. فقد قادته الأصوات والتهجئة المتشابهة، كما قادت غيره، إلى الخطأ في قراءة “مسيح” إلى “كريستوس”. وقد دفعت البلبلة الشعبيّة المستمرّة حول هذا المسيح بـ”كلاوديوس” إلى اتخاذ الإجراء المعتمد من قبل القادة الرومان الآخرين في مثل هذه الحالات وهو طرد مسببي المشاكل.

ومن سوء الفهم الأولي هذا جاءت فكرة أن “كريستوس” هذا قد وُجد بالفعل في روما محرّضاً لأحداث العقد الرابع. وعلى الرغم من أن “سوتونيوس” رأى المسيح بوصفه شخصيّةً تاريخيّة قادرة على إثارة المشاكل، إلاّ أنّ أخطاءه الواضحة يجب أن تحذّرنا من إعطاء أهمية كبيرة لدليله على يسوع، وأهميّته للمسيحيّة الأولى.

لقراءة بقية السلسلة:

 

[1]  يوليوس قيصر: جيوس يوليوس قيصر (100ق.م-41ق.م) كان قائداً سياسياً وعسكرياً بارعاً، ويعد واحداً من أكثر الرجال نفوذاً في تاريخ العالم. وهو الذي قام بتحويل الجمهورية الرومانية إلى إمبراطورية وكان أول أباطرتها.

[2]  دوميتيان: تيتوس فيلافيوس دوميتيانوس ولد عام 51م – 18 سبتمبر 96) كان آخر إمبراطور من سلالة فلافيان، أمضى الكثير من شبابه في ظل شقيقه  تيتوس، والذي اكتسب شهرة أثناء الحملات العسكرية في جيرمانيا. وكذلك مع فسبسيان، الذي أصبح الإمبراطور. كان قاسياً وطاغية ولا يعرف الرحمة ولكنه كان متسلطاً كفوءاً.

[3]  كلاوديوس المعظّم: ماركوس كلاوديوس مارسيلوس ولد عام 268 ق.م تولى مناصب قيادية في الجيش، واحتل مكانة مرموقة فانتخب خمس مرات قنصلاً، شارك في الحرب ضد القبائل الغالية، كما شارك في الحرب البونيقية الثانية. وقتل في إحدى معاركها عام 208 ق.م.

[4]  – مقدونيا: كانت مملكة إغريقية، ظهر فيها الإسكندر الأكبر الذي وحد اليونان وغزا الشرق. ثم تبعت الإمبراطورية الرومانية.

– رودوس: جزيرة يونانية، تقع بالقرب من الساحل الجنوبي لتركيا، كان يعتقد بإنها مقر الإله أبولو، وكان تمثاله فيها واحداً من عجائب الدنيا السبع.

– طروادة: مدينة تاريخية قديمة تقع في غرب الأناضول، ازدهرت في الألف الثالث قبل الميلاد. وقد اشتهرت قصة حصان طروادة الخشبي الذي اختبأ داخله الجنود الإسبرطيون وتسللوا ليلاً لفتح أبواب المدينة أمام جيوش الملك مينلاوس ملك إسبرطة بقيادة أخيه أجاممنون، الذي حاصر المدينة المنيعة ردهاً من الزمن يقارب العشر سنوات، وما كان من الممكن إسقاطها إلا بالخدعة.

– ليشيا: منطقة في آسية الصغرى تقع على الساحل الجنوبي للأناضول، حول مدينة أنطاكيا الحالية. كانت ضمن اتحاد مدن للمنطقة ما بين القرن الرابع عشر والخامس عشر ق.م، وفيما بعد أصبحت إقليماً يتبع للإمبراطورية الرومانية.

[5]  النص هو: “Judaeos impulsore Chresto assidue tumultuantis Roma expulit”.

[6]  كلمة “مسيح” هي بالإنكليزية: كريست – Christ، وباللاتينية: كريستو-Christus،وباليونانية: خريستو Christos.

[7]  لوب: (Loeb classical library) مكتبة متخصصة في مخطوطات ودراسات الآداب والتاريخ للعصور الكلاسكية، أي اليونانية والرومانية.

[8]  الزيلوت: طائفة يهودية قديمة نشأت في القرن الأول الميلادي، عرفت بتعصبها الشديد ومقاومتها للرومان. ودعا الزيلوت إلى الثورة المسلحة والتحرر نهائياً من الحكم الروماني، ومن بين الزيلوت ظهر مجموعة تقوم بعمليات الاغتيال المنظمة كانوا يعرفون باسم السيكاري، أي حملة الخناجر، فقد كانوا يطعنون الرومان بخناجرهم.

[9]  بردية 72: تتضمن رسالة يهوذا، ورسالتي بطرس الأولى والثانية، وهي واحدة من أقدم المخطوطات اليونانية، وهي أجزاء غير كاملة للعهد الجديد مكتوبة على ورق البردي، ويرجع تاريخها إلى الفترة من منتصف القرن الثاني حتى القرن الرابع الميلاديين، ورغم أن هذه المخطوطات ترجع إلى زمن مبكر إلا أنها فقدت الكثير من أهميتها لأنها مكتوبة بخط كتبة غير مؤهلين، ويبدو فيها عدم الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة.

[10]  فريجية: إقليم روماني كان يقع في الوسط الغربي للأناضول، وقديماً كان يسكنه الفريجيون الذين حكموا آسيا الصغرى بعد انهيار الإمبراطورية الحثية في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

سوتونيوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

بليني الاصغر – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

بليني الاصغر – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

بليني الاصغر – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

الجزء الثاني – بليني الاصغر

بليني الأصغر: مسيحُ الديانة المسيحيّة

عاش غايوس بلينيوس كاسيليوس سيكوندوس ما بين 61-113 م، وهو ابن أخ الكاتب “بليني الأكبر” وابنه بالتبني. شغل بليني الاصغر عدّة مناصب إدارية هامَة، سيناتوراً ومحامياً بارزاً في روما، وربما كان أشهر إداريّ مدنيّ في عهد الإمبراطورية. وقد حفظت كتابات بليني الاصغر شهرته الواسعة، فقد نشر تسعة كتب رسائل بين عامي 100 و109 م.

وقد عُزي إلى “بليني الاصغر” إيجاد الرسائل كضربٍ أدبيَ، وذلك بسبب النجاح الذي لقيته كتبه ضمن أدب عهده وما تلاه. وتتدّرج رسائله من ملاحظاتٍ شخصيّةٍ إلى مقالاتٍ منقّحةٍ عن مواضيع متنوعة. ويصيغ “بليني الاصغر” بمهارة كلماته وعباراته ضمن الجملٍ والمقاطع، وتمتاز مفرداته بغنى وتنوَع كبير، وقد كان يُنقّح كلّ رسالة ويزيّدها لتصبح جاهزة للنشر.

أمّا الكتاب الأخير من رسائله “الكتاب 10″، والذي نُشر بعد مماته وكُتب بطريقةٍ أبسط وبأسلوب أكثر مباشرةً من أسلوب الكتب السابقة، فيحفظُ مراسلات “بليني” مع الأمبراطور “تراجان”[1] عندما كان الأوَل في منصب حاكم بيثينيا في آسيا الصغرى ما بين 111-113م.

وتبيّن رسائله أنه كان شخصاً وجدانياً وإنسانياً، لكن البعض يرون أن “بليني الاصغر” لم يكن واثقاً في ردود أفعاله، وكان يُسارع لاستشارة الإمبراطور. وبينما يعدّ ذلك صحيحاً إلى حدً ما فإن التاريخ يثبت ذلك، لأن رسائل الكتاب 10 تقدّم أكبر مراسلات إداريّة باقية من العهد الرومانيّ.

الرسالة 96 من الكتاب 10، وهي أكثر رسالة دُرست من رسائل “بليني الاصغر” تتناول المسيحيّين كما تأتي على ذكر المسيح. وبما أن رسائل هذا الكتاب مرتّبة وفق تسلسلٍ زمنيّ فيما يبدو، فإن الرسالة 96 قد تعود إلى عام 112 للميلاد. حيث يستهلّ “بليني” هذه الرسالة بالتماس رفق الإمبراطور، يقول: “يا سيدي: إن من عادتي إحالة كافة المسائل التي يخامرني الشكّ حولها إلى جلالتك، حيث أنه لا أحد أفضل قدرة منك ليخلّصني من شكّي أو يوجهّني في جهلي”.

قد يكون هذا التزلّف طريقة “بليني الاصغر” في تقديم القضايا القانونيّة الصعبة، حيث أن الرسائل 30 و56 من الكتاب 10 يستفتحان بإسلوبٍ مشابهٍ لهذه الرسالة، وتعرض كلّ منها قضايا قانونية صعبة. دلالةً أخرى على صعوبة موضوع الرسالة 96 هو طول الرسالة، حيث أنها ثاني أطول رسالة في الكتاب 10 بعد الرسالة 58. ويبدأ عرض الرسالة 96 بشرح “بليني” لشكوكه حول محاكمات المسيحيين.

وحيث أنه لم يحضر مثل هذه المحاكمات قبل تنصيبه حاكم بيثينيا، كما سنستنتج مما سيلي، فقد كان لديه عددً من الأسئلة: ما هي الطريقة لمعاقبة المسيحيين؟ ما هي أُسس التحقيق؟ولأيّ درجةٍ يجب استعجال التحقيق؟ هل يشكّل العمر أو التبرّؤ من المسيحيّة أيّ فارق؟ هل يجب معاقبة المسيحيين لمجرّد كونهم مسيحيين؟ أي لمجرّد الاسم فقط، حتّى ولو لم يكونوا مذنبين بجرائم متعلّقةٍ بهذا الاسم.

وبعد هذا يُقدّم “بليني الاصغر” إلى “تراجان” سرداً لكيفيّة إدارته للمحاكمات، فهو يسأل المتّهم ثلاث مرّات عند الضرورة مع التحذير من العقاب، إذا كانوا مسيحيّين. فإذا أجابوا دائماً بالإيجاب: “فإنني آمر بأخذهم للإعدام، مهما كان ما اقترفوه، لأنني اعتقد أن عنادهم وصلابتهم لا بُدّ وأن تُعاقب”[2]. أمّا المواطنون الرومان الذين كانوا يتمسّكون بإعلان إيمانهم المسيحيّ فكان “بليني الاصغر” يُرسلهم إلى روما من أجل المحاكمة. لكنّ الآن فإن “بليني الاصغر” لديه شكوكٌ تتعلّق بالمسألة كلّها. وفي هذا السياق فإنه يذكر المسيح ثلاث مرّات:

منذ أن بدأت التعامل مع هذه المشكلة، أصبحت التهم أكثر شمولاً وتنوعاً، كما هو الحال غالباً. تمّ نشر قائمة اتهاميّة تحمل أسماء العديد من الناس. وقد قررت أن أُطلق سراح كلّ من يُنكر كونه أو أنه كان في يومٍ من الأيام مسيحياً، وذلك بالتكرار من بعدي صيغةً تُمجّد الآلهة، وتقديم قرابين الخمر والبخور لصورتك، التي أمرت بإحضارها إلى قاعة المحكمة مع أيقونات الآلهة لهذا السبب، وعندما يقوم المتّهم بلعن المسيح، فقد علمت أنه لا يمكن لأيّ مسيحيّ حقيقيّ أن يقوم بهذه الأشياء.

أمّا أولئك الذين أُعطيت أسماؤهم لي عن طريق بعض المخبرين فكانوا بدايةً يقولون إنهم مسيحيون ومن ثمّ ينكرون ذلك، وقالوا إنهم لم يعودوا مسيحيين منذ سنتين أو أكثر، والبعض منهم منذ عشرين عاماً. وقاموا كلّهم بتبجيل صورتك وصور الآلهة كما فعل الآخرون، كما قاموا بلعن المسيح أيضاً.

كما أكّدوا أن مجمل ذنبهم أو خطئهم لم يكن أكثر مما يلي: فقد كانوا يجتمعون على نحو منتظم قُبيل الفجر في يومٍ محدّد، ويغنّون ترنيمةً للمسيح كما لو كان إلهاً. كما أنهم أقسموا على عدم ارتكاب أيّ جريمة، وبالابتعاد عن السرقة والنهب والزنا، وألاّ يخلفوا عهداً أو يحجبوا أمانةً حان موعد تسليمها.

وهنا تنتهي الإشارة إلى المسيح. ويروي “بليني الاصغر” أن تطبيقه لقوانين “تراجان” على الناس “الرسالة 10.34” قد أثمر نتائجه المرجوَة في قمعهم إلى درجةٍ معيّنة. وقد استجوب مؤخّراً امرأتين تعملان في الكنيسة كانتا عبدتين فيما سبق، فلم يجد إلاّ خرافاتٍ فاسدةٍ غير مضبوطة.

وكما يُشير “ي.ن.شيروين وايت” فإن “بليني الاصغر” خَلُصَ عند هذه النقطة إلى أنّ المسيحيين كانوا متعصّبين حمقى خلت حياتهم أخلاقياً من أي شعورٍ بالذنب. هذه النتيجة جعلت “بليني” يتوقّف لفترة، وأعلم “تراجان” أنه قام بتأجيل كافّة محاكمات المسيحيين حتى يستشيره بهذا الخصوص.

ويبرر “بليني” إحالته هذه المشكلة إلى الإمبراطور بالقول: إن العديد من الناس في مقاطعته، ومن كافّة الطبقات والأعمار والديانات، قد أصيبوا بهذه الخرافات المعدية. ومع ذلك مازال ممكناً التحقق من هذا المعتقد الخرافيّ الجديد وشفاؤه في حال أُعطي الناس فرصةً للتوبة من المسيحيّة.

ويجيب “تراجان” وبشكلٍ مختصر كما هي عاداته في مراسلاته مع ولاته، بإقرار توجه “بليني الاصغر” (الرسالة 97). ويقرّ أنه لا يستطيع إعطاء “بليني الاصغر” توجهاً محدداً ليتّبعه، وهذا يفسّر عدم إجابته على كافّة أسئلة “بليني الاصغر”.

فلا يتوجّب على “بليني الاصغر” أن يبحث عن المسيحيين، لكن في حال تمّ إحضارهم إليه واتّهامهم في محاكمة بكونهم مسيحيّين، فلاُبدّ من معاقبتهم إذا لم يرتدوّا، وذلك عن طريق تقديم الصلوات إلى آلهتنا. لكن في حال ارتدوّا فيجب إطلاقهم مهما كان سلوكهم السابق مثيراً للريبة، وهذا يشير إلى أن “تراجان” وافق على ملاحقتهم لمجرّد الاسم فقط. علماً بأن ردّ “تراجان” لا يذكر أي شيء عن المسيح، بل يتناول المسيحيين فقط.

إنّ نصّ هاتين الرسالتين مُثبت ومؤكّد، ولا يُشكك بمصداقيتها جدياً، ويتطابق أسلوبها مع أسلوب الرسائل الأخرى في الكتاب 10، وقد كانت الرسالتان معروفتين بشكلٍ جيّد في زمن “تيرتولين” الذي اشتهر بين 212-196م[3]. ويرفض “شيروين وايت” الآراء القليلة القائلة بأن الرسائل عبارة عن أكاذيب ملفّقة أو أنها تحتوي أجزاء محرّفة. وقد قدّم “موراي ج. هاريس” أسباباً وجيهة تفيد أن الرسالة 96 لم تُحرّف من قبل كتبة مسيحيين.

فلن يثبت الكتبة المسيحيون الارتداد المسيحيّ أو يتوقعوا أن معظم المسيحيين سيرتدّون إلى الآلهة الرومانية اليونانية في حال هيّئت لهم الفرصة. كما أنهم لن يتحدّثوا بمثل هذه الازدراء عن المسيحيّة واصفين إياها: بالجنون، الخرافات الفاسدة، المرض المعدي. علاوةً على ذلك، يغلب على الرسائل 96 و97 طابعٌ سلبيّ تجاه المسيحيين، وهذا ما لن ينقله أيّ مسيحيّ.

وتثير هذه الرسالة وردّ “تراجان” عليها مجموعةً كبيرةً من القضايا التاريخيّة، والتي انكبّ على دراستها عدد كبير من الباحثين. وفضلاً عن الموضوع الأساسيّ لمعاقبة المسيحيين، وخاصّةً أُسسها القانونيّة في القانون الرومانيّ وتاريخها، تحتوي الرسالة 96 أول وصف غير مسيحيّ للعبادات المسيحيّة الأولى. لا يمكن لنا أن نتناول هذه المواضيع بذاتها، لكننا سنتطرق إليها بينما نبقي تركيزنا على روايات “بليني الاصغر” عن يسوع.

ماذا يقول “بليني الاصغر” عن المسيح بالتحديد؟ يأتي “بليني الاصغر” على ذكر هذا الاسم ثلاث مرات في الرسالة 96، مرتين عندما يتكلّم عن المسيحيين المشبوهين، وهم “يلعنون المسيح” كجزءٍ من ارتدادهم وتوبتهم – (96.5،6)، ومرّةً عندما يروي لـ”تراجان” أن المسيحيين عادةً يغنّون ترنيمةً للمسيح كما لو كان إلهاً – (96.7). ويبدو المسيح هنا القائد الدينيّ لهذا الدين الذي يعبده المسيحيون، وبذلك يكون لعنُه معادلاً لرفض الدين المسيحيّ بكامله.

ويبدو أن “بليني الاصغر” لا يتناول “يسوع التاريخي” بشكلٍ صريح، وفي حال أنه علم أيّ شيء عن يسوع من خلال تحقيقاته وتحرّياته، فإنه لا يرويها للإمبراطور. أنّ وصف “بليني الاصغر” المسيحيّة بالخرافة قد يقف ضدّ أي معاينة دقيقة لأصولها، حيث أن أصول الخرافات لم يكن مهمَاً.

ونجد العبارة الوحيدة التي يمكن أن يكون “بليني” قد قصد فيها بشكلٍ ضمنيّ يسوع التاريخيّ في كلماته: وهي: ” يغنّون ترنيمةً للمسيح كما لو كان إلهاً”[4]. ويرى “هاريس” وهو بهذا على خطا “غوغل” أنّ “بليني” باستخدامه لكلمة ” كما لو كان – quasi” فهو يقصد القول أن يسوع الإلهيّ الذي يعبده المسيحيّون كان بشراً فيما مضى. ويشير “شيروين وايت” إلى أن كلمة “كما لو كان” قد استُخدمت هنا بشكل عام دون مفهوم الافتراض، لتعني بذلك “كما يدعون”.

على أية حال، يمكن أن يكون “بليني” قد استخدم كلمة “quasi” بمعناها الافتراضي التقليديّ “كما لو كان، أو وكأنه”. وبينما قد تشير “كما لو كان” أن المسيح الذي يعبده المسيحيون كان في ما مضى إنساناً، فلا يجب أن نعوّل كثيراً على هذا الأمر. وإذا كان “هاريس” و”غوغل” محقّين، فإن “بليني” يزوّدنا بأبسط شاهد على يسوع التاريخيّ، إلاّ أنّ ذلك لم يكن قصده على الأطلاق.

وهذا يقودنا في النهاية إلى مسألة مصادر “بليني”، فقد يكون “تاسيتوس”، صديق “بليني” هو مصدر المعلومات العامّة عن المسيحيّة والمسيح، إذ “تتحدث الرسالة 1.7 الموجّهة إلى “تاسيتوس” عن صداقتهما الطويلة، وأنهما غالباً ما تبادلا الرسائل، كما تبيّن بداية الرسالة 96 أن “بليني” لم يكم حاضراً على محاكمات أخرى للمسيحيين”، وهذا ما يشير إلى أنه كان على علمٍ بمحاكمات المسيحيين. وربما يكون “بليني” قد عَلِمَ عن المسيحيّة من الشائعات والتقارير المنتشرة في زمنه، على أية حال، فإنه لا يروي هذه الإشاعات الشائنة، ولا ينسبها إلى المسيح.

ومن الواضح أن كافّة المعلومات المحدّدة عن المسيحيّة، والمعلومات القليلة عن المسيح المذكورة في الرسالة 96، تأتي من تجربة “بليني” الشخصيّة في بيثينيا. وقد حصل على هذه المعلومات من مسيحيين سابقين، وأثبتها بمعلومات حصل عليها من المرأتين التين تعملان في الكنيسة. وبالمثل، فإن هذه المعلومات ليست شاهداً علي يسوع مستقلاً عن المسيحيّة.

وما ذُكر عن المسيح يُثبت نقطتين في العهد الجديد: أولاً، أن المسحيين يبجّلون المسيح في أغانيهم – (فيلبي 5: 2-11، كولوسي 1:15، رؤيا يوحنا 5:11،13). ثانياً، لا يمكن لأي مسيحيّ أن يلعن أو يشتم المسيح – (كورنثوس الأولى). على أية حال، لا يُظهر “بليني” أي معرفةٍ بكتاباتٍ مسيحيّة في هذه الرسالة.

 

لقراءة بقية السلسلة:

[1] تراجان: 53-117 م، ثاني الأباطرة الأنطونيين. كان والده حاكم سورية، فانتسب تراجان للجيش الروماني وارتقى فيه حتى تم تعيينه قنصلاً، فاصطحب المهندس أبوللودور الدمشقي معه إلى روما، فقام بتصميم أكثر المباني شهرة في روما وفي إقليم الراين. شارك تراجان الإمبراطور دوميتيان في حروبه ولما مات خلفه نيرفا، الذي كان غير مرغوب فيه من الجيش فقاما بتسمية تراجان ابناً بالتبني، وعندما توفى نيرفا تولى تراجان حكم الإمبراطورية فاوصلها أوج اتساعها.

[2] أن هذه العبارة من قبل حاكمٍ روماني: “بأن هؤلاء المتهمين العنيدين وغير المتعاونين يستحقون الموت”، والتي يوافق عليها “تراجان” ضمنيّاً في رده، قد توضّح توجّهات “بيلاطس” وأفعاله في محاكمة يسوع. إذا كان حاكم إنساني إلى حدّ ما مثل “بليني” يفكّر بهذه الطريقة، فكيف بحاكم مثل “بيلاطس” الذي كان معروفاً بافتقاره للإنسانية؟.

[3] تيرتولين: فيلسوف معاصر لأوغستين، كان معروفاً بعدائه للمرأة.

[4]  العبارة هي: “carmenque Christo quasi deo dicere secum invicem”.

بليني الاصغر – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

يسوع خارج العهد الجديد – هل وجد يسوع فعلاً؟

يسوع خارج العهد الجديد – هل وجد يسوع فعلاً؟

يسوع خارج العهد الجديد – هل وجد يسوع فعلاً؟

حتى مؤخرً، لم يكن للتيار السائد في أبحاث العهد الجديد تأثير كبير على البحث في شخصية يسوع ضمن مصادر خارج العهد الجديد. على أية حال، فقد كان هنالك تيّار جانبي طويل المدى حمل مثل هذا التأثير. إنه السؤال الجدليّ، هل وجد يسوع فعلاً؟

قد يدهش بعض القرّاء ويصدمون بوجود العديد من الكتب والمقالات التي رفضت وبشدّة حقيقة وجود يسوع، مع أنها أكثر من مائة كتاب ومقالة في المائتي عام المنصرمة حسب احصائياتي. وبشكل نمطي، فقد رأى الباحثون المعاصرون في العهد الجديد حججهم تلك ضعيفة وغريبة حيث أنهم قاموا بإرجائها إلى حواشي الكتب وغالباً ما تجاهلوها بشكل كامل[1].

وتبعاً لذلك، فإن دارسيّ العهد الجديد ليسوا على ألفة بها. وفي هذا القسم، الذي يعدّ تابعاً لمخططنا عن تاريخ البحث، سوف نعاين بشكل موجز تاريخ ودلالات النظرية القائلة بعدم وجود يسوع.

وكما سنرى، فقد كان لقضية وجود يسوع التأثير الكبير على البحث في شخصية يسوع في المصادر غير المسيحية، وما زال تأثيرها اليوم ظاهراً في بعض المفاهيم الشائعة للعهد الجديد. على سبيل المثال “جون ميير”، أحد قادة البحث الثالث، قال: في حواراتي مع الصحفيين والمحررين الذين كانوا يسألونني في مختلف الأوقات أن أكتب عن يسوع التاريخي، كان السؤال الأول دائماً: لكن هل تستطيع إثبات وجوده؟[2]

ويزدحم الإنترنت بنقاشات تتناول هذا الموضوع. وبالبحث عن هذا الموضوع “هل وجد يسوع” عبر محرك البحث “ألتا فيستا” في 1 حزيران 1999، تمّ الوصول إلى 62 صفحة على الشبكة الرئيسية، و2580 مشاركة على “يوزنت” القناة الأساسية للنقاش.

تشكّل قضيّة عدم تاريخّية يسوع التيارَ الجانبيّ في دراسة العهد الجديد، وبالرغم من ذلك، فإن أولئك الذين يؤيدونها غالباً ما يشيرون إلى عمل الباحثين في التيار السائد، وبذلك يكون من الأفضل أن نميّز دراسة التيار السائد على أساس مصداقية الأناجيل ووجود يسوع. ومنذ ظهور النقد الإنجيليّ، اختلف الباحثون حول مستوى تاريخيّة الروايات التي تناولت يسوع في الأدب المسيحيّ القديم، وذلك حول كلّ من أحداث حياة يسوع وكلمات تعاليمه ومعانيها.

ففي أحد طرفي الطيف البحثي، خلُص البعض إلى أن الأناجيل الكنسية القانونية هي روايات تاريخيّة عن يسوع يعوّل عليها بشكل كامل، وبذلك يمكننا أن نعرف الكثير عنه. ونادراً ما يشير أولئك الذين ينكرون تاريخيّة يسوع إلى أعمال التقليديين إلاّ من أجل وصفها بالسذاجة.

وفي منتصف هذا الطيف يوجد الباحثون الذين يرون الأناجيل: على أنها مزيج من المواد التاريخيّة ذات المصداقية، والتأويلات اللاهوتية عن يسوع، مع تطورها بين زمنه وزمن المبشرين[3].

يعمل هؤلاء الدارسون، وهم الغالبية العظمى من الباحثين، على فهم التفاعل بين هذه العناصر، ويدركون “يسوع التاريخيّ” مع القليل من الثقة. يبدون أولئك الذين ينكرون وجود يسوع، وخاصّة شكّاكي القرن العشرين، على أنهم يهملون هذا الموقع المتوسط. فهم يفضّلون التعامل مع التطرف في هذا المجال.

وفي الطرف الآخر من هذا الطيف، يرى البعض أن الأناجيل الكنسيّة والأدب المسيحيّ الأول يحتوي الكثير من التأملات اللاهوتيّة والابتكارات حيث لا يمكننا معرفة إلاّ القليل عن حياة يسوع وتعالميه. وعلى الرغم من التقليل من شأن شخصيّة يسوع، فلم يجادل أيّ من أفراد هذه المجموعة الأخيرة بكون يسوع مجرّد ابتكار من قبل الكنيسة. وغالباً ما استخدم أولئك الذين ينكرون وجود يسوع التاريخيّ حججهم تلك.

وعلى أية حال، فإن أولئك الذين ينكرونه قد توصّلوا إلى نتيجة مفادها أن يسوع لم يوجد أصلاً، أمّا المجموعة الأخيرة من الطيف فلم تفعل ذلك[4].

وبالتحوّل إلى تاريخ هذا الموضوع، فإن الجدل حول وجود يسوع يعود إلى بداية الدراسة النقدية للعهد الجديد، ففي نهاية القرن الثامن عشر بدأة بعض التابعين للمتأله المتطّرف اللورد البريطاني “بولينغبروك” بنشر فكرة أن يسوع لم يوحد أبداً. وقد رفض “فولتير” هذه الفكرة بشدّة، مع أنه لم يكن مؤيداً للمسيحية التقليديّة، وعلّق أن أولئك الذين ينكرون وجود يسوع يظهرون أنفسهم “أكثر حذقاً من كونهم متعلمين”[5].

على الرغم من ذلك، في فترة 1790، كتب بعض مفكري عصر التنوير الفرنسيين الراديكاليين أنّ المسيحيّة ومسيحها كانت مجرّد أساطير، وقد نشر كلّ من “قسطنطين فرانسوا فولني” و”شارلز فرانسوا ديبوا”، كتباً تروج لهذه الأفكار، قائلين: إن المسيحيّة كانت مزيجاً غير محدّث من الأساطير الفارسية القديمة والبابليّة، وأنّ يسوع هو شخصيّة أسطورية بشكلٍ ممتاز.

بقيت هذه الفرضية لا تثير ضجة حتى جاء “برونو بور” (1809-1882)، كان “بور” أكثر كتّاب القرن التاسع عشر حدّةً في مواجهة تاريخيّة يسوع، ففي سلسلة من الكتب من عام 1840 إلى عام 1855، هاجم “بور” القيمة التاريخيّة لإنجيل يوحنا والأناجيل السينوبتيّة، محتجاً بكونها مجرد اختراعات من القرن الثاني. ولكنها بالمقابل تعطي رؤية جيّدة لحياة الكنيسة الأولى لكن بدون أن تقدم شيئاً عن حياة يسوع.

لقد حاول بور أن يُظهر في كتاباته الأولى أن النقد التاريخيّ يمكن أن يستعيد الحقيقة الأساسيّة للإنجيل من الكمّ الكبير لإشكالاته التاريخية، حيث يبيّن أن الوعي الذاتي الإنساني هو أمرٌ إلهيٌ، وأنّ الروح الإلهية يمكن أن تندمج مع الروح البشريّة لتصبح روحاً واحدة.

كان “بور” أوّل من ناقش فكرة عدم وجود يسوع بشكلٍ منهجيّ، ورأي أن الأناجيل الكنسيّة لم تكن فقط عديمة القيمة التاريخيّة، بل أن كافّة الرسائل التي كتبت تحت اسم “بولس” والتي كانت لها أن تكون دليلاً على وجود يسوع، كانت من محض الخيال، كما كانت الشواهد الرومانية واليهودية لوجود يسوع ثانويّة أو ملفّقة. وبإقصاء هذه الشواهد، يتلاشى الدليل على وجود يسوع، ويتلاشى معه يسوع. الذي أصبح نتيجة المسيحية وليس مُنتجها.

ويقول “بور”: إن المسيحية ومسيحها ولدا في روما والإسكندرية عندما اجتمع مناصرو الرواقيّة الرومانيّة، والأفلاطونية المحدثة اليونانيّة واليهوديّة، لتشكيل دين جديد احتاج مُوجداً له.

ووضع “بور” أسس الجدل التقليديّ ثلاثي الشعب، الذي يتبعه كافّة الرافضين لوجود يسوع، حتى لو لم يعتمدوه بشكل مباشر.

أولاً: استنكر “بور” قيمة العهد الجديد، وخاصّة الأناجيل الكنسيّة القانونيّة ورسائل بولس الرسول، في اثبات وجود يسوع.

ثانياً: يرى “بور” أن الافتقار لذكر يسوع في الكتابات غير المسيحيّة من القرن الأول يُظهر أن يسوع لم يوجد أصلاً. كما أنّ الذكر القليل ليسوع في الكتابات الرومانيّة في بداية القرن الثاني لا تثبت وجوده. ثالثاً: قام بدعم فكرة أن المسيحية في بدايتها كانت تعتمد على التوفيق بين المعتقدات القديمة والأساطير.

تمّ مهاجمة أفكار “بور” حول أصول المسيحية، بما فيها آرائه حول عدم وجود يسوع، من قبل السلطات الكنسيّة والأكاديميّة، كما تمّ دحضها بشكل فعّال من عقول الغالبية. فلم يكن لهذه الأفكار تأثير طويل الأمد على الدراسات اللاحقة، وخاصة في التيّار السائد. وقد يرتبط أكثر إرث “بور” أهميّة بشكل غير مباشر ببحثه الإنجيليّ، فعندما أقصته حكومة بروسيا عن منصبه في جامعة برلين 1839 بسبب أفكاره، أدى ذلك بأحد تلامذته “كارل ماركس” إلى راديكاليّة أكبر.

حيث سيقوم “ماركس” بضم أفكار “بور” حول الأصول الأسطورية ليسوع إلى أيديولوجيته، وإلى الأدب السوفيتي والدعاية الشيوعيّة التي نشرت معتقداته فيما بعد[6].

قام البعض بنقل استنكار وجود يسوع لكل من جمهور العامّة والباحثين، فعلى سبيل المثال، عام 1841 تمّ نشر عدد من الكتيّبات، مجهولة الكاتب، في إنكلترا، ثم جمعت في كتاب واحد يدحض وجود المسيح بدلائل دامغة، وذلك عبر سلسلة من الرسائل موجّهة من يهودي ألماني إلى المسيحييّن من كافة الطوائف، حيث يرفض الكاتب روايات العهد الجديد، والروايات اليهوديّة والرومانيّة التي تتناول يسوع، ويرى أنّ: الدين المسيحيّ قد استُمِدّ من الأديان القديمة، وأنه كان في الأصل مجردّ رواية من أساطير عبادة الشمس.

وفي سبعينات وثمانينيات القرن التاسع عشر، قام عدّة أعضاء من “المدرسة الهولندية الراديكالية”[7]بإعلان إنكارهم لوجود يسوع، وكان لهذه المجموعة، التي تمركزت في جامعة أمستردام، شكوك كبرى حول القيمة التاريخيّة للإنجيل، وبكل بساطة أنكر زعيم هذه المجموعة “آلارد بيرسون” وجود يسوع، وتبعه في ذلك: ي. لومان و”دبليو. سي. فان مانن” ببساطة. وقد تمّت مهاجمة وجهة نظرهم هذه بحدّة في هولندا، وبالأخص من قبل الباحثين الآخرين، لكنها أُهملت تماماً في الخارج.

وقد كانت كتابتهم حصرياُ باللغة الهولندية غير الشائعة، بصفتهم مدرسة تهتم بالعهد القديم، ولقيت نقاشاتهم النافية لوجود يسوع قلّة من الأتباع الملحوظين في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين، لكنّها تلاشت بعد ذلك تدريجياً[8].

ومع تلاشي آراء المدرسة الهولندية الراديكاليّة، أخذ انبعاث فرضية أخرى يلقى اهتماماً أوسع، وهي فرضية “عدم تاريخية يسوع”. وقد بدأت مع “جون. م. روبيرتسون” البريطانيّ المؤيد لحريّة الاعتقاد والمذهب العقلانيّ، والذي نشر كتاب “المسيحيّة والأسطورة” عام 1900، وكان الكتاب الأول لـ “روبيرتسون” في مهاجمة المسيحيّة من خلال مهاجمة تاريخية موجدها. وحسب آراء “روبيرتسون” العقلانيّة فإن الأديان تتطوّر من خلال إيجاد آلهة جديدة تناسب أزماناً جديدة.

كما يرى “روبيرتسون” أن طائفة يشوع اليهودية القديمة، التي رمز إيمانها: الحَمَل، قد عبدت الإله يشوع بوصفه الوريث المسيحي للدين التوحيديّ اليهودي. ويكاد يكون ذلك من ناحية أسطورية بالكامل مرتبطاً بعبادات تمّوز وأدونيس، وقد ثابرت هذه الطائفة حتى أوجدت إلهاً “مسيحياُ” جديداً، هو يسوع المسيح.

إن الأثر الوحيد الذي يمكن تقفّيه في الديانة المسيحيّة لـ “يسوع التاريخيّ” قد يكون بإعادة تشكيل مبهمة للشخصية التلموديّة “يسوع بن بانديرا”[9]، الذي أُعدم بأمر “ألكسندر جانيوس”[10](106-79 قبل الميلاد)، لكن يسوع العهد الجديد ليم يوجد أبداً.

إن روايات الأناجيل الكنسية القانونية هي عبارة عن مجموعة من الأساطير الوثنية القديمة والحديثة. على سبيل المثال: حكاية الإنجيل عن العشاء الأخير، العذاب، الخيانة، الصلب، الانبعاث، فهي ليست رواية أصيلة، بل دراما غامضة… ويمكن الاستنتاج أنها تطوّر لتقاليد فلسطينية عن التضحية بالبشر، كان الضحيّة السنويّة فيها هو “يسوع، ابن الآب”. فرسائل بولس الرسول تذكر موت “يسوع بن بانديرا” وليس يسوع الناصرة.

كانت آراء “روبيرتسون” حول الدين ومواضيع أخرى، آراء جدليّة في زمنه، وقد عبّر الباحث البريطاني في العهد الجديد “ف. سي. كونيبير” عن أكبر ردّ فعل تجاه آراء “روبيرتسون” عبر كتابه “المسيح التاريخيّ”[11]. وهناك ردّ فعل آخر أكثر شيوعاً تجسدّ بكتاب “إتش. ج. وود” بعنوان: “هل عاش المسيح فعلاً؟”، وكغيرهم ممن عارضوا “روبيرتسون”، فقد رأى كلّ من الكاتبين أنّ محاولة تشويه المسيحية من خلال إظهار أن مخلّص المسيحيين كان مجرّد أسطورة، يعني تجاهل “روبيرتسون” الطرق التاريخيّة السليمة.

وقد أشاروا إلى الكُتاب غير المسيحيين القدماء، رومانيين ويهود، لإثبات تاريخيّة يسوع.

على الساحة الأمريكية، أكثر المناصرين لعدم تاريخية يسوع كان أستاذ الرياضيات في جامعة تولين “وليم بينجامين سميث” (1850-1934)[12]. وقد شرح اعتقاده بوجود يسوع على أنه خليط من طائفة يسوعيّة سابقة للمسيحيين، وهي إحدى طوائف عبادة الشمس، مع ارتباط بين يسوع بوصفه حَمَل الله “آغنوس” وإله النار الهندي “آغني”. كما ناقش مبيناً عدم قيمة الشواهد اليهودية والرومانية على وجود يسوع، وخاصة كتابات “يوسيفوس” و”تاسيتوس”.

في ألمانيا، جرى الترحيب بآراء “سميث” وتمّ تعزيزها من قبل “آرثر دروز” (1865-1935)، أستاذ الفلسفة في “جامعة كارلسرو للتكنولوجيا”. فقد قاد “دروز” حملة شعبية تضمنت خطابات وكتابات ضدّ تاريخيّة يسوع، وهو ما رآه آخر عائق للوصول إلى نظرة وحدوية حول الحياة والإيمان.

وقام هو مناصروه، وخاصة “آلبرت كالثوف” و”بيتر جينسين”، بنشر كرّاسات وكتيّبات وكتب شعبية وتوزيعها على نطاق كبير. وقاموا برعاية مناظرات مع أبرز معارضيهم في مدن الجامعات عبر ألمانيا. وغالباً ما جمعت هذه المناظرات حشوداً كبيرة، ونُشرت خطوطها العريضة في الصحف.

كان هجوم “دروز” على تاريخيّة يسوع يفتقر للترابط الذي وجد فيما سبقه من هجمات، وخاصة هجوم “باور”. وكما هو حال هجوم “سميث”، كان هجوم “دروز” مزيجاً من نقاشات سابقة. لكن من بين كل المؤيدين لعدم تاريخيّة يسوع فقد كان “دروز” أكثر مهاجمي المسيحيّة صخباً. من أقواله: يسوع الذي ابتدعته المسيحية امتلك “أخلاقيات ذاتيّة زائفة”، و”وطنية ذات توجّه محدودة”، و”باطنية مبهمة”

رغم ضعف حجج “دروز” إلاّ أنّ شعبيته الكبيرة هو وحلفائه جعلت منهم أول من أثار دحضاً مستمراً من جانب الباحثين ومنهم بعض البارزين. وقد تناول بعض هذا الدحض الأدلة المستقاة من خارج العهد الجديد على وجود يسوع. وتمثل الفترة التي قام بها “دروز” بكتاباته، وهي العقود الأولى من القرن العشرين، ذروة موضوع اللاتاريخيّة.

أكثر النقّاد المعاصرين لتاريخية يسوع إصراراً وأغزرهم كتابةً كان “جورج أي ويليمز” (1926-) البروفسور المخضرم في اللغة الألمانية في جامعة “بيركبيك” بلندن[13]. اعتمد “ويلز” في هجومه على معلومات من آخر دراسات للأناجيل الكنسية، والتي خلصت إلى أن الأناجيل الكنسية القانونية كانت قد كُتبت بعد أكثر من أربعين عاماً من يسوع، من قبل كتاب غير معروفين لم يكونوا شهود عيان ليسوع. ويرى “ويلز” أن الأناجيل الكنسية تحتوي الكثير مما يُعتبر أسطورياً، كما أنها موجهة بأهداف لاهوتية وليس تاريخيّة.

فالأجزاء الأولى من العهد الجديد، وبشكل ملحوظ رسائل بولس الرسول، تفترض مقدماً وجود يسوع، لكنها لا تؤمّن أدلة تفصيلية يمكن أن تثبت وجوده. وبناء على ذلك، يرى “ويلز” أننا نحتاج تعاوناً مستقلاً من مصادر موضوعية أخرى لتؤكّد وجوده. وقام “ويلز” بدراسة دقيقة لهذه المصادر المقترحة، من كتابات “تاسيتوس” إلى التلمود، فوجد أنها لا تحتوي أي معارف مستقلة عن يسوع، وبالتالي، فهي ليست مصادر جديرة بالقبول، بل إنها تزيد من احتمال عدم وجود يسوع أصلاً.

يفسّر “ويلز” شخصيّة يسوع على أنها شخصية خيالية ظهرت من صوفيّة بولس الرسول، وكان على بعض المسيحيين من القرن الأول أن يفبركوا لها قصّة حياتها. ولذلك كان “ر. جوزيف هوفمان” محقاً بدعوته “ويلز” بـ “أكثر المدافعين المعاصرين عن قضية اللاتاريخيّة بلاغة”. فـ “ويلز” كان يكتب بنبرة ثقافية هادئة، بعكس آخرين سبقوه في هذا المضمار.

على أية حال، فإن ما علق به “ريتشارد فرانس” على طريقة “ويلز” هو صحيح أيضاً، حيث قال: “دائماً يختار “ويلز” تلك المواقف المتطرفة من مختلف دراسات العهد الجديد، والتي تناسب موضوع بشكل أفضل، ومن ثمّ يحبكها مع بعضها ليشكّل رواية جديدة لا يتفق معها أيّ من أولئك الذين اقتبس منهم”.

إن ما خلُص إليه “فرانس” يلقى موافقة كبيرة، حيث أن معظم دارسيّ العهد الجديد لا يتناولون حجج “ويلز” على الإطلاق، أما أولئك الذين يتناولونها فلا يدخلون بعمقها. وعلى الرغم من أن “ويلز” كان على الأرجح أكثر مؤيديّ نظرية اللاتاريخيّة قدرة. إلاّ أنه لم يكن أكثرهم إقناعاً، كما أنه الآن الصوت الوحيد تقريباً لهذه النظرية[14].

فنظرية عدم وجود يسوع هي الآن قضيّة ميّتة بحقّ[15].

لكن على أية أسس رفض باحثو العهد الجديد وغيرهم من المؤرخين فرضية عدم وجود يسوع؟ هنا سنلخّص الحجج الرئيسيّة المستخدمة ضدّ نظرية “ويلز” من هذه الفرضية، حيث أنه معاصر ومشابه لمن سبقه.

أولاً، يخطئ “ويلز” بتفسير عدم ذكر بولس الرسول لبعض تفاصيل حياة يسوع، مثل: التاريخ الدقيق لحياته، المكان الدقيق لدعوته، حقيقة أن بيلاطس البنطي[16] قد أدانه، وغيرها من الأمور.

وكما يعرف كلّ دارس جيّد للتاريخ، فمن الخطأ الافتراض بأن كل ما لم يُذكر أو ما لم يُفصل لم يوجد، وهكذا فالاعتماد على خلو التاريخ القديم من إشارات إنجيليّة وغير إنجيليّة عن يسوع كحجّة هو أمر فيه مخاطرة. علاوة على ذلك، يجب علينا ألا نتوقع إيجاد إشارات تاريخيّة في الأدب المسيحيّ الأول، فهي لم تكن مكتوبة لمقاصد تاريخيّة. ويفترض معظم قراء بولس الرسول، على أساس الدليل المقنع، أنه يعتبر يسوع شخصية تاريخيّة وليس شخصيّة خرافيّة أو غامضة.

ثانياً، يرى “ويلز” أن المسيحيين قد أبدعوا شخصية يسوع عندما كتبوا الأناجيل خارج فلسطين حوالي عام 100م، هذا التاريخ ليس فقط ببعيد عن إنجيل مرقص، الذي كُتب حوالي العام 70م، وإنجيليّ متى ولوقا، اللذين يعودان إلى فترة الثمانينات، بل لا يستطيع أيضاً أن يفسّر كون الأناجيل الكنسية تشير إلى تفاصيل عن فلسطين أغلبها دقيق.

ثالثاً، يدّعي “ويلز” أن الإشكاليات التاريخيّة في تطوّر الأحداث المذكورة في الأناجيل الكنسية تُظهر أن يسوع لم يوجد أصلاً. على الرغم من ذلك، ليس بالضرورة أن يعني التطوير إبداعاً كاملاً ولا تثبت الإشكاليات عدم وجوده. وقد يأخذ بعض قرّاء “ويلز” انطباعاً أنه في حال لم يكن هنالك تباين بين الأناجيل، فسيجد “ويلز” ذلك دليلاً على زيفها!

رابعاً، لم يستطيع “ويلز” أن يشرح السبب الذي منع أي وثنيّ أو يهوديّ، ممن عارضوا المسيحية، أن ينكر الوجود التاريخيّ ليسوع، أو أن يتساءل عنه في حال كان المسيحيون قد أبدعوا يسوع التاريخيّ قرابة العام 100[17].

خامساً، كان “ويلز” وأسلافه شكاكين جداً فيما يخصّ الشواهد غير المسيحيّة ليسوع، وخاصة كتابات “تاسيتوس” و”يوسيفوس”. فقد أشاروا إلى مشاكل تتعلق بالنص ومشاكل تتعلق بالمصدر في هذه الشواهد، وجادلوا أن هذه المشاكل تلغي قيمة هذه النصوص بكاملها، متجاهلين الإجماع الكبير على أن معظم هذه النصوص جديرة بالثقة.

سادساً، يبدو أن “ويلز” وآخرين قد طوّروا فرضيّة اللاتاريخية لأهداف غير موضوعيّة، بل من أجل مقاصد متحيّزة غير دينية. لقد كانت سلاحاً لأولئك الذين عادوا الإيمان المسيحيّ بكلّ أشكاله تقريباً، من الربوبيين الراديكاليين[18]، إلى مناصري حريّة الاعتقاد، وصولاً إلى العلمانيين الراديكاليين والملحدين الفاعلين، مثل: “مادلين موراي أوهير”. فلقد افترضوا بشكل صحيح أن إثبات هذه الفرضيّة سيقرع ناقوس الموت للدين المسيحي كما نعرفه، لكن النظريّة تبقى غير مثبتة.

أخيراً، فشل “ويلز” وأسلافه بتقديم فرضيات أخرى للتصديق لتفسّر ميلاد المسيحيّة، وتشكيل مسيحها التاريخي. إن الفرضيات التي قدّموها، المبنية على فهم خاص لعلم الأساطير، كانت تحمل القليل من الدلائل المؤيدة كي توصي بها إلى الآخرين. لطالما كان موضوع اللاتاريخيّة مثيراً للجدل، ولطالما فشل في إقناع الباحثين في عدّة مجالات ومن عقائد دينيّة مختلفة. زيادة على ذلك، لقد فشل دائماً بإقناع العديدين ممن ظُنّ أنهم قد يأخذونها بعين الاعتبار لأسباب من الشك الديني، من “فولتير” إلى “بيرتراند رسل”[19].

والآن يعتبر الباحثون الإنجيليون والمؤرخون الكلاسيكيون إنها قد فشلت بحق. ومع ذلك، فقد لفتت الانتباه بشكل مستمر إلى سؤال هامّ بحدّ ذاته: ما هو المعنى والقيمة التاريخيّة للدلائل القديمة خارج العهد الجديد؟

[1] يجسد النقص في دراسة هذه القضية اثنان من أكثر التواريخ تأثيراً في تفسير العهد الجديد، هما:

  1. رون رجي كميل، في كتاب “العهد الجديد، تاريخ التحقيق في مشاكله”، ولكنه يذكر هذه المشكلة ضمن الحواشي السفلية فقط، ويعلل ذلك بقوله: “إن الإنكار لوجود يسوع… اعتباطي ومبني على أسس خاطئة”. (367-447).
  2. نيل واريت، في كتاب “التفسير”، وهما لا يذكران هذه المشكلة على الإطلاق. وتبعاً لـ “بورنكام”: “أن تشكّ بالوجود التاريخي ليسوع بالمطلق… كان أمراً متروكاً لنقد مقصود من الوقت المعاصر، وهو أمر لا يستحق الذكر هنا”. (يسوع، 28)

[2] ميير، اليهودي الهامشي، 1: 68، انظر أيضاً: النعي الساخر ليسوع في أهم المجلات البريطانية، ذا إيكونميست، 3 نيسان 1999، 77. وعلى الرغم من معاملة حياة وموت يسوع على أنها تاريخية بالكامل، لكن يبدو أنه كان مجبراً على القول: إن الدلائل من مصادر قديمة غير مسيحية يؤمن تأويلات غير متحيزة، وشبه عصرية تقول: إن يسوع قد وجد بالفعل.

[3] المبشرون: هم أصحاب الأناجيل الأربعة: متى، مرقص، لوقا، يوحنا.

[4] على سبيل المثال: خلص رادولف بالتمان، الذي شكك بالعديد من أعراف الأناجيل الكنسية، إلى أنّ: “الشك بوجود يسوع لا أساس له، ولا يستحق الدحض. حيث لا يستطيع إنسان عافل أن يشك بأن يسوع هو مؤسس حركة تاريخية تتمثل مرحلته الأولى بالمجتمع الفلسطيني، (يسوع والكلمة، 13)

[5] ف. م. فولتير، يسو: من الله والإنسان، في الأعمال الكاملة لفولتيير. 279.

[6] يتحدث وود في كتابه: “هل عاش المسيح فعلاً؟” ص 7، عن رؤيته عام 1931 ملصقات مضادة للدين في نادي شيكاغو للعمال الروس، يساوون فيها بين يسوع وإله الشمس الفارسي ميثرا وإله الأرض المصرى إيزيس. (للمزيد عن بور وماركس، انظر زفاي روزن، “برونو بور وكارل ماركس”. (هيغ، 1977).

[7] أعطى الألمان هذا الاسم للمجموعة التي جعلت من مدرسة توبينغن تبدو معتدلة.

[8] دي فريز، الكتاب المقدس وعلم اللاهوت في هولندا، 54، يشير إلى أن “فولتير” و”إتش. يو. ميبوم” و”ج. ي. فان دي بيرغ”. على أنهم امتداد القرن العشرين لهذه المدرسة.

[9] ورد في التلمود البابلي: أن فيفوس بن يهوذا كان يقفل الباب على زوجته مريم ويخرج كي لا يراها الناس، فكرهته وخانته مع جندي روماني اسمه يوسف بانديرا، وبانديرا تعني نمر باللاتينية، وتلفظ أحياناً “بانثيرا”. فعوقبت مريم بتهمة الزنا، وطلقت من زوجها، مما أجبرها على تربية ابنها لوحدها، ومن ثم هاجر ابنها يشوع بن بانديرا إلى مصر وهناك تعلم المعجزات وعاد.

[10] ألكسندر جانيوس: ملك من السلالة المكابية، وسع مملكته في فلسطين، وبعد وفاته اختلف أبناؤه، فتدخل العرب الأنباط لمساعدة ابنه هيركانوس.

[11] كونيير، المسيح التاريخي (لندن 1914). كان كونيير، مثل روبيرتسون، عضواً قيادياً في الجمعية الصحفية العقلانية. لكنه كان يعرض آراء روبيرتسون للنقد اللاذع.

[12] سميث، الدين عند الآلهة (جينا 1906)

[13] ويلز، يسوع المسيحية الأولى (لندن 1971). مرجع سابق. هل وجد يسوع؟ (لندن 1975). مرجع سابق، الدليل التاريخي لوجود يسوع (بوفالو: 1982)، مرجع سابق، أسطورة يسوع (شيكاغو: 1996).

[14] دافع الفيلسوف “مايكل مارتن” من جامعة بوسكن عن “ويلز” في جدله بأن يسوع لم يوجد. وتبعه بمعظم ما قال في الفصل الأول من كتابه الدليل ضد المسيحيّة (فيلاديلفيا: 1991). ومن النقاد الذين يرفضون فرضيات ويلز: مايكل غرانت في كتابه: “يسوع: مراجعة تاريخية للأناجيل الكنسية”.

(نيويورك: 1977) وإيان ويلسن في كتابه: “يسوع: الدليل” (سان فرانسيسكو: 1984)، وغراي هاييرماس في كتابه: الدليل القديم لحياة المسيح (ناشفيل: 1984)، الذي يقول في ص 67: إن ما يعيب حجج “مارتن” هو اعتماده على “ويلز” في معلوماته حول أبحاث العهد الجديد، مع ذلك فإن “مارتن” يعتبر حجج “ويلز” موثوقة، ويضيف: “إلا أنن لن أعتمد عليها في بقية الكتاب حيث أنها جدلية وليست مقبولة بشكل كبير”.

[15] انظر: موراي هاريس، ثلاثة أسئلة جوهرية عن يسوع (غراند رابيز: 1994)، حيث أن السؤال هو: “هل وجد يسوع؟” فإن هذا الأمر جوهري من أجل الإيمان بيسوع، لكنه لم يعد جوهرياً من أجل دراسته.

[16] بيلاطس البنطي: كان الحاكم الروماني لمنطقة “اليهودية” بين عامي 26 إلى 36م. وحسب ما هو وارد في الأناجيل المعتمدة، فإنه هو الذي تولى محاكمة المسيح، وأصدر الحكم بصلبه، وذلك في عهد الإمبراطور الروماني طيباريوس قيصر، وقد أصدر بيلاطس الحكم بصلب المسيح خوفاً من اليهود الذين هددوا برفع الأمر إلى الإمبراطور واتهامه بالخيانة إذا قام بتبرئة المسيح الذي صرّح بأنه ملك، وهي تهمة سياسية خطيرة بالنسبة للرومان.

[17] المحاولة الوحيدة المعروفة في هذا الجدل تتمثل بكتاب “يوستنيوس الشهيد، حوار مع ترايفو”، المكتوب منتصف القرن الثاني الميلادي.

[18] الربويين: فلسفة تؤمن بوجود خالق عظيم خلق الكون، وبأن هذه الحقيقة يمكن الوصول إليها باستخدام العقل، ومراقبة العالم الطبيعي وحده دون الحاجة إلى أي دين، فيختلفون بذلك عن الملحدين.

[19] علماً بأن رسل، في كتابه: “لماذا لست مسيحياً” (نيويورك 1957) يقبل بشكل ضمني تاريخية يسوع.

يسوع خارج العهد الجديد – هل وجد يسوع فعلاً؟

يسوع خارج العهد الجديد – لمحة عن البحث

يسوع خارج العهد الجديد – لمحة عن البحث

يسوع خارج العهد الجديد – لمحة عن البحث

 

لقد أدى الاهتمام الدائم بيسوع، سواء كان ذلك الاهتمام مدفوعاً بالعواطف أو المنطقية، إلى بحث مطول ومكّثف في المصادر القديمة التي تناولته. ولطالما شكل العهد الجديد المصدّر الأساسيّ، وغالباً الوحيد، لفهمنا حياة يسوع وتعاليمه. وحتى نحو مئة عام خلت لم يخرج الباحثون عن مفاهيم العهد الجديد في أبحاثهم حول يسوع، وإن حدث ذلك فقد كان قليلاً جداُ.  تجتمع ثلاثة عوامل في تفسير هذا النقص في البحث:

الأول: أن العهد الجديد حظي بموقع كنسيً قانونيّ حصريّ في الكنيسة والمجتمع الأكاديميّ، وكان أي شيء يُقال عن يسوع في الأدب القديم يُعطى قيمةً ثانويّة. وحتى لو تمتعت المواد الخارجة عن نطاق العهد الجديد بمصداقيّة، فلم يكن لها إلاّ أن تؤكّد صحة ما ترويه الأناجيل الكنسيّة القانونية.

ثانياً: غالباً ما قوّضت الأبحاث من قيمة الشواهد الصغيرة عن يسوع، والتي وجدت خارج العهد الجديد، إن في الكتابات الرومانيّة الكلاسيكيّة أو الكتابات اليهوديّة والمسيحيّة. وغالباً ما كان يُنظر إلى الأدب المسيحيّ الخارج عن نطاق الكنيسة على أنه أقلّ درجةً من العهد الجديد. ويُعتمد عليه بشكلٍ أدبيّ وغير مهمّ من أجل فهم يسوع.

ثالثاً: حتى النصف الثاني من القرن العشرين كان هنالك كتابات حول يسوع في العهد الجديد أكثر مما وجد خارجه. ولم يوجد إلا مجموعة صغيرة من الكتابات المسيحيّة الغنوصية[1]، والأناجيل المنتحلة[2]. كما أن معظم معرفتنا بالغنوصيّة جاءت من آباء الكنيسة[3] المناهضين لها في القرن الثاني، وقد تغيّرت هذه الحالة بشكلٍ كاملٍ في عصرنا الحاضر.

وفيما لا يزال العهد الجديد قانونياً بالنسبة للكنيسة، إلا أنه لم يعد يتمتع بتلك المكانة الخاصة في معظم الأبحاث، حيث أن معظم الباحثين في العهد الجديد، وآخرون من المؤرّخين للعصور القديمة، يتطلعون إلى الكتابات المسيحيّة الخارجة عن نطاق الكنيسة باهتمام كبير، ويولي بعض الباحثين قيمةً أعلى لهذه الكتابات على الكتابات الكنسيّة القانونية. إنّ تحسّن العلاقات بين اليهود والمسيحيين، بالإضافة لتقدم الأبحاث حول الرابط بين اليهودية والمسيحيّة الباكرة، أدّى إلى دراسة أكثر جدوى وموضوعيّة للنصوص اليهوديّة التي تتناول يسوع.

إن اثنين من الاكتشافات الأدبيّة في منتصف القرن العشرين قد أدّت إلى إيلاء اهتمام أكبر بالأدب الخارج عن نطاق الكنيسة، فمخطوطات البحر الميّت ألقت بضوء جديد على الوضع الديني اليهودي في زمن يسوع. كما أن مخطوطات نجع حمادي المكتشفة في رمال مصر قد أعطتنا مدخلاً مباشراً للرؤى المسيحيّة الغنوصيّة خلال العهود المسيحيّة الأولى. ومع اكتشاف مخطوطات نجع حمادي أصبح لدينا الآن مواد إنجيليّة خارج نطاق الكنيسة أكثر من المواد الكنسيّة القانونية. في الوقت ذاته، زاد البحث عن مصادر أدبيّة للأناجيل الكنيسيّة القانونية.

ويُعرف المصدر الافتراضيّ لأقوال يسوع الموجودة في كلّ من إنجيليّ متى ولوقا بوثيقة “Q”[4]، والتي تُعتبر الآن من قبل العديدين وثيقةَ أوليّة مستقلّةً، تعطي تصوّراً أكثر دقة للمسيح من الأناجيل الكنسيّة القانونية، كما يرى البعض. ويعمل الكثير من الباحثين بجدٍ كبير لإعادة تشكيل الكلمات المحتملة لوثيقة “Q” بُغية تأمين قاعدة أكثر دقّة لفهم خلفيتها التاريخيّة ومعناها الدينيّ.

إن تاريخ البحث في حياة وتعاليم يسوع عادةً ما يُقتفى عبر ثلاثة أبحاث عن “يسوع التاريخيّ”: في البحث الأول الذي جرى في القرن التاسع عشر، تمّ كتابة عدّة “شخصيات ليسوع” مختلفة عن بعضها، وذلك باستخدام أدوات تاريخيّة من عصر التنوير. وقد هاجم الباحثون الإنجيليون التقليديون وسلطات الكنيسة هذه الشخصيّات بحدّة. إلاّ أنّ أكثر النقد تأثيراً ونفاذاً لم يكن من أحد التقليدييّن بل من أكثر الباحثين ليبراليّة وهو “ألبيرت شويتزر”.

وقد بيّن “شويتزز” أن الشخصيّات الأولى ليسوع أعادت تشكيل يسوع يشابه مؤلفيّ هذه الشخصيات أكثر من يسوع نفسه، والذي كان شخصيّة غيبيّة[5]. وأدّى كتاب “شويتزر” إلى وضع نهاية للبحث الأول. ومع أنّ البحث في مصادر خارج العهد الجديد بدأت في نهاية القرن التاسع عشر إلاّ أنّ العديد ممن شاركوا في البحث الأول لم يولوا انتباهاً كبيراً لهذه المصادر، وبشكل عامّ فقد استخدموا الأناجيل الكنسيّة القانونية فقط لإعادة تشكيل حياة يسوع والكشف عن خفاياها.

أما البحث الثاني والذين جرى في القرن العشرين، من حوالي سنة 1930 إلى 1960، فقد دُعي بدايةً بـ “البحث الجديد”، وركّز أيضاً على الأناجيل الكنسيّة القانونية، وخاصّة الأناجيل السينوبتية[6]، مع الالتفات قليلاً إلى المصادر الأدبيّة الخارجة عن نطاق الكنيسة. ويتناول “غنثر بورنكام” الدلائل الرومانية واليهوديّة عن يسوع في صفحتين من كتابه الذي يبيّن النتائج التي خلُص إليها البحث الثاني الذي عالج الموضوع معالجةً كاملة، فظهرت مفاهيم جديدة عن يسوع.

وقد اتفق العديد من الباحثين على أن الجدل الحالي حول يسوع والذي ابتدأ حوالي سنة 1970 يشكّل البحث الثالث، وأنّ إجماعاً بدأ يتشكّل حول هذا الموضوع. ويربط البعض البحث الثالث بـ “ندوة عيسى” ومعارضيها، إلاّ أنه قد بدأ قبل ظهور “ندوة عيسى” ومن المحتمل أن يدوم أكثر منها. ويدرس البحث الثالث مصادر الأناجيل – وخاصّة وثيقة “Q”، و”إنجيل الآيات”[7] الذي هو مصدر إنجيل يوحنا – بكونها وثائق متميّزة.

فالمحتويات الفريدة لإنجيل متى: “م” وإنجيل لوقا: “ل”، تتمتع بمكانة هنا أيضاً، حيث يرى فيها بعض المؤولين وثائق سابقة للسلطة الكنسيّة.

ويبدي المشاركون في البحث الثالث اهتماماً ملحوظاً بالأدب المسيحيّ الخارج عن نطاق الكنيسة أكثر مما فعل كتّاب البحث الأول والثاني. ويلعب إنجيل توما وأدب نجع حمادي دوراً بارزاً في الدراسة الحالية ليسوع، وكذلك لم تكن أناجيل منتحلة أخرى مثل إنجيل بطرس بعيدةً عنت هذا الأمر، كما تكتسب المصادر اليهودية عن حياة يسوع اهتماماً أكبر.

وتبقى المصادر الكلاسيكيّة التي تتناول يسوع مُستثناة من هذا التوجه، حيث أن البحث الثالث لم يتناولها بشكل معمّق، والقليل فقط من الدراسات الكبيرة قد تتناول الدلائل الموجودة في المصادر الكلاسيكيّة[8].

خلاصة الأمر، شهدت العشرون سنة الأخيرة اهتماماً أكبر وجدلاً أوسع حول يسوع التاريخيّ خارج العهد الجديد أكثر من أي فترة أخرى في القرنين الماضيين. فعلى الرغم من أن دراسة العهد الجديد تحمل أهميّة مباشرة لفهم دراسة يسوع، إلاّ أنه يوجد خارج نطاق العهد الجديد وخارج “الأبحاث عن يسوع التاريخي” دراسة أكثر أهميّة ترتبط بموضوعنا هذا، فغالباً ما ينقّب مؤرخو الحضارات الرومانية واليونانية القديمة في المسيحية الأولى ويبحثون حول مؤسسها في بعض الأحيان.

فالإشارات إلى المسيحيّة الأولى من قبل كتّاب كلاسيكيين هي أكثر النصوص التي تُدرس، وتثير الجدل، في الأدب الكلاسيكيّ. ونتيجةً لذلك وجِدَ أدب ثانوي غنيّ في البحث الكلاسيكي يناسب دراسة موضوعنا. بدأت الدراسات اليهوديّة حول المسيحيّة الأولى بالظهور في العصر الحديث وهي اليوم في مكتمل نموّها مشكّلة مصدراً ثانويّ الأهمية للبحث في موضوعنا[9]. ويعد المؤرّخ اليهودي “غيزا فيرمز” أحد أهم الباحثين في دراسة يسوع التاريخي، وهو صاحب الكتاب المهمّ في تشكيل إجماع حول فهم يسوع بصفته يهودياً في بيئة يهودية.

أخيراً، يدرس مؤرخو الكنيسة تقاليد يسوع في فترة ما بعد العهد الجديد بكونها طريقة لفهم المسيحيّة القديمة.

ونعتقد بأننا محظوظون لوجود هذه التوجهات البحثيّة المختلفة حول تقاليد يسوع القديمة، فهي تُغني موضوعنا، وبالتأكيد فإن أيّاً من هذه التوجهات لا تخلو من الذاتيّة المحتومة والتي تؤثّر على المعرفة البشريّة. وبالرغم من ذلك، فخلال هذا العمل سيتأكد لنا قيمة الأخذ بتوجهات باحثين آخرين تكون بعيدة عن المناقشات الملتهبة في أبحاث العهد الجديد حول شخصية يسوع وما قام به.

[1] الغنوصية: اشتقت من كلمة يونانية تعني المعرفة، وهي معتقدات دينية فلسفية ظهرت في القرن الأول الميلادي. ويبدو أنه كان لها جذور وثنية قديمة. تطورت الغنوصية في القرن الرابع الميلادي وصار لها عدة مذاهب، وقد أضفى الغنوصيون على الفكر اللاهوتي طابعاً علمياً باستخدام المنطق. ومع أنها لم تعارض الديانة المسيحية لكن الكنيسة حربتها بشدة.

[2] الأناجيل المنتحلة: الي لم يتم اعتمادها في المجامع الكنسية، حيث اعتمدت أناجيل محددة وجمعتها في كتاب واحد دعي الكتاب المقدس.

[3] آباء الكنيسة: عدد من رجال الدين المسيحي الذين أثروا في بناء العقيدة المسيحية.

[4] الوثيقة “Q”: يقصد بها مصدر أناجيل: مرقص ومتى ولوقا، فهذه الأناجيل نقلت عن بعضها وعما يُعرف باسم “الإنجيل الأصل” الذي يشار إليه بكلمة ألمانية هي: “Quelle” بمعنى الأصل، وتختصر إلى أول حروفها Q.

[5] غيبيّة: تقوم على الماورائيات والغيبيات، وما يتعلق بالحياة الآخرة وما بعد الموت، والحساب والجنّة والنار.

[6] الأناجيل السينوبتية: تعني كلمة سينوبتي في اليونانية ذا رؤية مشتركة، وبسبب الاشتراكات الكثيرة بين أناجيل متى ومرقص ولوقا، سميت هذه الأناجيل “السينوبتية”. ويقابلها إنجيل يوحنا المستقل.

[7] إنجيل الآيات: وهو نص مفترض كان متداولاً في العصر المسيحي الأول، واتخذه يوحنا مصدراً لإنجيله، وقد وضع فرضية هذا الإنجيل “رودلف بولتمان” عام 1941، واقترح أن يوحنا اعتمد على رواياته التي تصف معجزات المسيح، وهي مستقلة عن الأناجيل السينوبتية. واستنتج “بولتمان” أن يوحنا فسر تقاليد هيلينية عن عيسى كصانع معجزات، أي أنه ساحر حسب نظرة العالم الهيليني ولذلك رفعت دعوى تجديف ضد بولتمان.

[8] الأكثر تميّزاً كان “جون ميير” في كتابه: “إعادة التفكير بيسوع التاريخي” مجلدين، نيويورك: 1991. وأيضاً “جيرد ثيزن” وأنيت ميرز، في كتابه: “يسوع التاريخي: الدليل الشامل”، مينابوليس: 1998.

[9] يقول الباحث في العهد الجديد “سامويل ساندميل”: أعتقد أنه ليس من المبالغة القول أنه منذ عام 1800 تمت كتابة العديد من المقالات اليهودية، التاريخية واللاهوتية، عن يسوع أكثر مما كتب عن موسى (علم المسيحية، بيركي وإدواردز، نيويورك: 1982). وللاطلاع على مناهج البحث اليهودي حول يسوع، انظر: دونالد هاغنز، التصحيح اليهودي ليسوع، غراند رابيدز: 1984، وانظر أيضاً: روي فولر، “الرؤى اليهودية المعاصرة ليسوع”، أطروحة، معهد اللاهوت المعمداني الجنوبي، 1992.

يسوع خارج العهد الجديد – لمحة عن البحث

يسوع وشخصيات العهد الجديد في المصادر الخارجية Joseph M. Holden

يسوع وشخصيات العهد الجديد في المصادر الخارجية Joseph M. Holden

يسوع وشخصيات العهد الجديد في المصادر الخارجية Joseph M. Holden

شخصيات العهد الجديد التي تم الاستشهاد بهم في المصادر غير المسيحية

 
الشخص المرجع الكتابي المصادر غير المسيحية
هيرودس اغريباس الاول والثاني

 اعمال الرسل 12، اعمال الرسل 23: 35

 واعمال الرسل 25: 13 -26 واعمال الرسل 26

Philo, Josephus

Coin inscriptions

Nabatean Inscription

Beirut Museum Inscription

حنانيا رئيس الكهنة

اعمال الرسل 23: 2،

اعمال الرسل 24: 1

Josephus

حنان رئيس الكهنة

لوقا 3: 2

أعمال الرسل 4: 6

يوحنا 18: 13

 ويوحنا 24

Josephus

هيرودس انتيباس

متي 14: 16

مرقس 6: 14 – 22

لوقا 3: 1

اعمال الرسل 4: 27

واعمال الرسل 13: 1

Josephus

Coin inscriptions that read “Herod the Tetrarch”

هيرودس ارخيلاوس متي 2: 22

Josephus

الملك ارتياس الدمشقي الرابع كورنثوس الثانية 11: 32

Josephus

Madaba Map Inscription

Coins with Aretas bust

اوغسطس قيصر “اوكتافيوس” لوقا 2: 1

Priene Inscription announcing birthday

Coin Inscriptions

Funerary Inscription (Res Gestae Divi Augusti)

       


يسوع وشخصيات العهد الجديد في المصادر الخارجية

الشخص المرجع الكتابي المصادر غير المسيحية
برينكي اعمال الرسل 25: 13 – 15

Josephus

Suetonius

Beirut Museum Inscription

رئيس الكهنة قيافا

اعمال الرسل 4: 5 , 6

 

Josephus

Ossuary inscription

كلوديوس قيصر

اعمال الرسل 11: 28

اعمال الرسل 18: 2

Josephus

Suetonius

Tacitus

Coin inscriptions

دروسلا اعمال الرسل 24: 24

Josephus

Suetonius

ارستوس

رومية 16: 13 -23

تيموثاوس الثانية 4: 20

Erastus Inscription at Corinth

ماركوس انتونيوس فيلكس

اعمال الرسل 23: 24 – 26

وعمال الرسل 24

واعمال الرسل 25: 14

Josephus

Suetonius

Tacitus

بوركيوس فستوس

اعمال الرسل 24: 27

اعمال الرسل 5

اعمال الرسل 26: 24

اعمال الرسل 32

Josephus

غاليون اعمال الرسل 18: 12 -17

Gallio Inscription at Delphi

Pliny the Younger                    

Suetonius

يسوع وشخصيات العهد الجديد في المصادر الخارجية

الشخص المرجع الكتابي المصادر غير المسيحية
غمالائيل

اعمال الرسل 5: 34

اعمال الرسل 22: 3

Josephus

Jewish Mishnah

Talmud

هيرودس الملك

متي 2: 1 -22

لوقا 1: 5

Josephus

Tacitus

Coin inscriptions

Herod’s tomb at the Herodium

Latin wine jug inscription

Herodian architecture

(for example, Temple Mount, Masada, Machaerus,

the Herodium, and so on)

هيروديا

متي 14: 3

مرقس 6: 17

Josephus

يعقوب ابن مريم

اعمال الرسل 12: 17

اعمال الرسل 21: 18

James Ossuary

يعقوب ابن زبدي

متي 4:21

متي 10: 2

مرقس 5: 7

Josephus

يسوع الناصري محور الاناجيل

Josephus

Tacitus

Suetonius

Pliny the Younger

Lucian

Babylonian Talmud

Mara Bar-Serapion

Toledoth Jesu

James Ossuary Inscription

Megiddo Mosaic Floor Inscription

Alexamenos Graffito (picture)

يوحنا المعمدان  متي 1: 20

James Ossuary

يهوذا الجليلي اعمال الرسل 5: 37

Josephus

يسوع وشخصيات العهد الجديد في المصادر الخارجية

الشخص المرجع الكتابي المصادر غير المسيحية
ليسانيوس لوقا 3: 1

Josephus

Stone Inscription at Abila (northern Morocco)

هيرودس الثاني علي الجليل

متي 14: 3

مرقس 6: 17

لوقا 3: 19

Josephus

Coin inscriptions

بيلاطس البنطي

لوقا 23: 7

لوقا 22

يوحنا 18: 31

Josephus

Tacitus

Philo

Coins minted during his reign

Pilate Dedication Stone Inscription

كيرينيوس ( بابليوس سلبيسيوس) لوقا 2: 2

Josephus

Tacitus

Res Gestae Inscription at Antioch Pisidia

سالوم ابنة هيرودس متي 14: 6

Josephus

سرجيوس بولس اعمال الرسل 13: 7

Two stone inscriptions (Cyprus and Rome)

L. Sergius Paulus Inscription (Pisidian Antioch,

Turkey)

ثوداس اعمال الرسل 5: 36

Josephus

طيباريوس قيصر لوقا 3: 1

Josephus

Tacitus

Suetonius

Marcus Velleius Paterculus

Coin inscriptions

Mentioned on Pilate dedication stone (Caesarea)

© Joseph M. Holden, 2013.

المرجع:

The Popular Handbook of Archaeology and the Bible:Discoveries That Confirm the Reliability of the Scriptures page 303

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

يسوع وشخصيات العهد الجديد في المصادر الخارجية Joseph M. Holden

يسوع الحقيقي – الشخصية التاريخية ليسوع

يسوع الحقيقي – الشخصية التاريخية ليسوع

يسوع الحقيقي – الشخصية التاريخية ليسوع

 

في السبعينات من القرن الماضي، جذبت شركة فورد للسيارات انتباه المعاينين التجاريين بعبارة: “كلما نظرت عن قرب أكثر، كلما بدونا لك أفضل”. لا يمكننا أن نعلّق على صحة مثل هذا التصريح الخاص بالسيارات، ولكننا وصلنا إلى حالة مماثلة بهذا الكتاب: وهو أنه كلما أنعمت النظر أكثر، كلما بدا لك يسوع الحقيقي أفضل.

فإننا إذ ألقينا نظرة أكثر قرباً على الشخصية التاريخية ليسوع الحقيقي، فقد رأينا الآتي:

  • إن الأناجيل الأربعة هي شهادات يعتمد عليها وجديرة بالثقة، لشخص وكلمات وأفعال المسيح يسوع الحقيقي . وأن ما كتبه البشيرون كان مبنياً على تعليم شفهي قوي كانت له استمراريته بشهادة شهود العيان الأوائل. ففي جوهره، لم يغير الإنجيل من إعلانه الشفهي الأول وحتى آخر إنتاج مكتوب له.
  • إن الوثائق الأصلية للعهد الجديد قد فقدت، ولكن محتواها تم حفظه بأمانة في آلاف من النسخ. وإننا اليوم واثقون من حوالي 99% من الصياغة الأصلية. كما أن ألوهية المسيح أو قيامته الجسدية لم يتم الشك فيهما في أي مكان من العهد الجديد بسبب الاختلافات النصية. وعلى الرغم من أن الكثير من صياغة النصوص قد تعرض للتغيرات على مر القرون، إلا أن جوهر الحقائق التي تدّعيها المسيحية قد ظلت سليمة.
  • مارست الكنيسة القديمة الفحص والحكم الدقيق والمتمعّن في تحديدها لأي الكتب التي تنتمي للعهد الجديد. وقد أظهرت اهتمامها العميق بالأصالة – أصالة التأليف، والأصالة التاريخية واللاهوتية. ورغم أن الكنيسة قد صارعت مع بعض من الأسفار على مدى قرون، إلا أن جوهر أساسي من الأسفار قم قبوله في البداية. لا يوجد دليل على أن الكنيسة الأولى كان عليها أن تفحص مختلف الأناجيل لكي تجد الأناجيل التي تتفق مع الجماعة المسيحية على نطاق واسع.
  • بل على العكس، فإن الأناجيل الأولى انتشرت بالتحديد لأنها كانت مكتوبة مبكراً، ولأنها كانت مكتوبة بواسطة شهود عيان و/ أو مؤرخين موثوق بهم، ولأنها لم تكن منساقة للشطحات الخيالية.
  • إن الرأي القائل بأن ألوهية المسيح تم اختراعها في القرن الرابع هو رأي ساذج تاريخياً. فمنذ الوقت الذي تم فيه تدوين العهد الجديد وعبر القرون التي تلته، هناك دلائل طاغية على أن أتباع يسوع الحقيقي كانوا ينظرون إليه باستمرار على أنه أكثر من مجرد إنسان. بل وحتى أعداء المسيحية كانوا يدركون أن المسيحين الأوائل يعبدون يسوع المسيح كإله.
  • إن الرسالة المسيحية لم تنتحل كتابات الديانات الوثنية. فلا يوجد ارتباط جوهري بين الاعتقاد بالميلاد العذراوي والاعتقاد بقيامة المسيح، وبين عبادات أوزوريس أو ديونيسوس أو ميثرا. فالتشابهات المزعومة بين الديانات الأقدم وبين المسيحية لا يمكن أن تثبت، أو تجد ما يساندها، عندما يتم فحص الدلائل بصورة عادلة.

باختصار، تشير جميع الدلائل إلى يسوع الكتاب المقدس على أنه هو يسوع الحقيقي.

يسوع الحقيقي – الشخصية التاريخية ليسوع

وفي نفس الوقت، لا تفترض أي من هذه البراهين أننا قد أثبتنا الأصالة التاريخية للإيمان المسيحي. فعلى أية حال، لا يمكن أن يتم فحص أحداث التاريخ بصورة متكررة في بيئة قابلة للتحكم بها كبيئة المعمل التجريبي والوصول باستمرار إلى نتائج متماثلة تماماً. لكن عندما يكون هناك برهان قوي ومتغلغل يمكن تقديمه، فإنه يمكن الحكم بطريقة معقولة بإمكانية وقوع الأحداث الماضية. فإن أوقية (كمية قليلة) من البراهين خير من رطل (كمية كثيرة) من الافتراضات. ولكننا في هذه الحالة، لدينا أكثر كثيراً من أوقية من البراهين! فالحقيقة هي أن الإحتمالية أو الترجيح يميل إلى جانب الرسالة المسيحية تماماً.

إننا نتجنب نقيضين خطرين عندما نؤسس فهمنا ليسوع الحقيقي على الاحتمالية أو الترجيح. فمن ناحية، نحن نتجنّب الدعوة غير الواقعية للتأكيد التاريخي. فإننا لو استطعنا تفسير البرهان على تاريخية المسيحية بنسبة مائة بالمائة، فلن تكون هناك حاجة للإيمان. فاحذر لئلا تخطئ، لأن الإيمان بمسيح الكتاب المقدس يتطلب خطوة إيمان. ولكن  تلك الخطوة لا تصل إلى درجة القفزة.

ومن ناحية أخرى، فإننا نتجنب الفكرة الحمقاء القائلة بأن جميع التفسيرات لشخصية يسوع هي متساوية. فإننا نفعل حسناً إن تذكّرنا أن تقريباً كل رأي خاطئ عن يسوع هو مبني على إحدى طرق الفهم الممكنة للبيانات القديمة، ولكن مثل هذه الآراء لم يظهر أبداً أنها محتملة أو ممكنة. فعلى الرغم من أن التخمينات مبنية بدون أساس، واتهامات التآمر لا تصلح بالتصديق وكتّاب الروايات الخيالية قد يتنفسون نفس الهواء، لكنهم لا يشتركون في نفس الاحترام للدلائل والبراهين التاريخية.

في عالم القرن الحادي والعشرين يزعم الكثيرون من أتباع مدرسة ما بعد الحداثة أنهم منصفون وغير متحيزين  وذوي أذهان منفتحة، فهم يشمئزون من المعتقدات الجازمة. لكن ما يدعو للسخرية هو أنهم غالباً ما يصبحون متعصبين بشأن شكوكهم، وبشأن رؤيتهم لجميع الاحتمالات على أنها متساوية. إن شك ما بعد الحداثة هو العقيدة الجديدة، وهو ليس الشك الذي يضع اعتباراً كبيراً للاحتمالات التاريخية.

فلماذا إذاً كل هذه الضجة واللغط الحالي بشأن يسوع التاريخي؟ والأكثر تحديداً، لماذا يوجد كثيرون من الناس المفتتنين بإعادة تفسير حياته؟ فهناك انتباه ضئيل لصورة الكتاب المقدس عن المسيح. ومع ذلك، فعندما تتكشف رؤية جديدة عنه – رؤية لا تتفق بالتأكيد مع الكتاب المقدس – فإنها تجذب الجماهير.

ولماذا لا يهتم المجتمع باختراع شخصيات جديدة لشخصيات دينية شهيرة أخرى؟ لماذا لا يهتم مثلاً باختراع شخصيات جديدة لبوذا أو لموسى أو لكونفوشيوس أو لغيرهم؟ لماذا يسوع؟ الإجابة في كلمة واحدة هي: الأهمية. فالناس في العالم المتحضر، الغربي، عادة ما يعرفون شيئاً ما عن يسوع وعن رسالة الإنجيل، واهتمامهم به يزداد كلما أتت أمامهم نظرية جديدة يمكنها أن تريح ضمائرهم.

إن الناس ينجذبون نحو يسوع وديع مستأنس – يسوع يمكنهم أن يتحكموا فيه، يسوع لا يُشكّل تهديداً لهم، يسوع يقدّر ما يقدّرونه، ولا يطالبهم بأي شيء على الإطلاق. بكلمات أخرى، يسوع ليس هو الرب والمخلص. صراحة، إنه من الصعب الهروب من الشعور بأن ثقافتنا قد أخذت سؤال يسوع: “من تظنون أني أنا هو؟” وغيرته ليكون: “من تريدونني أن أكون؟”. ولكن يسوع الحقيقي لا يطرح مثل هذا السؤال؛ فيسوع الحقيقي ليس بمثل هذا الاستئناس.

في كتاب سي إس لويس “تاريخ أخبار نارنيا”، الشخصية الرئيسية في كل المجلدات السبعة هي شخصية تسمى أسلان – وهو أسد، وهو يرمز عن حق ليسوع المسيح. جاء أطفال بشريون من عالم آخر من بعد آخر نوعاً ما إلى أرض نارنيا وعلموا بشأن أسلان من بعض الحيوانات المتكلمة. إن تقديمهم لأسلان يمثّل قوة وجلال يسوع المسيح. واحدة من الأطفال عند معرفتها ان أسلان هو أسد، أرادت أن تعرف المزيد، فتقول:

“هل هو مسالم تماماً؟ فإن أشعر بنوع من التوتر للقائي مع أسد.”

“إن كنت متوترة، فهذا أمر لا مفر منه يا عزيزتي”، قالت السيدة بيغر، “فإنه لو ظهر أي إنسان أمام أسلان بدون أن ترتجف ركبتاه فإنه إما أن يكون أكثر شجاعة من الكثيرين أو أن يكون مجرد غبي”.

“إذاً، فهو ليس مسالم؟” قالت لوسي.

“مسالم؟”. قال السيد بيفر، “ألم تسمعي ما قالته لك السيدة بيفر؟ من قال شيئاً عن أنه مسالم؟ إنه بالطبع غير مسالم، ولكنه صالح”.

إن يسوع الحقيقي هو أبعد ما يكون عن المسالمة أو الاستئناس، ويبدو أننا نعرف ذلك بالفطرة. ولهذا السبب فإننا نبقى على مسافة بيننا وبينه. ولكن هناك شيئاً غريباً يحدث عندما نقترب إليه بخوف واتضاع في كلمات الكتاب المقدس. إذ أننا نسمع رنين الأصالة في صوته، ونشهد السلطان الحقيقي في أفعاله. ولهذا فإننا نلقي نظرة أقرب وأعمق. فنعرف أنه صالح.

يسوع الحقيقي – الشخصية التاريخية ليسوع

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

لماذا أؤمن أن المسيح قد قام من الاموات؟ | ترجمة: ميرفت القمص

لماذا أؤمن أن المسيح قد قام من الاموات؟ | ترجمة: ميرفت القمص

جون بيبر

عميد كلية بيت لحم للاهوت لمدة 33 عاماً وله اكثر من خمسين مؤلف.

 

١- يسوع نفسه شهد لقيامته من الأموات

تكلم يسوع علانية معلناً ما سوف يحدث : عن صلبه ثم قيامته من بين الاموات. وهذا ما ورد في مرقس 8 : 31 فنجد اعلان واضح عن موته وايضاً قيامته من خلال الفم الطاهر. “وابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيرا، ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويقتل، وبعد ثلاثة أيام يقوم.” راجع ايضا (متى ٢٢:١٧، لوقا ٢٢:٩ )

الرافضين للقيامة سيقولون ان كلام يسوع مضلٓل او ان الكنيسة الاولى وضعت الكلمات على لسانه لجعله يعلم بالضلاله لكن بالحقيقية هم من ابتدعو الضلال. فمن يقرأ الكتاب المقدس ويصل لقناعة بأن الذي يتكلم بسلطان مثل هذا يصعب ان لا يتم قبول كلامه و شهادة عن قيامته بفمه.

وخصوصاً الكلمات التي تنبأت عن القيامة لم تكن فقط تلك الواضحة الصريحة السابق ذكرها ولكن إيضا بطرق رمزية وأمثلة لم تكن تصلح كتأليف او اختراع من مخادع. مثلا، شهادتين مختلفتين بطريقتين مختلفتين تكلم المسيح عن نقض هيكل ( جسده) وانه سيقيمه مرة اخرى وهذا ما جاء ب ( يوحنا ١٩:٢ ، مرقس ٥٨:١٤، متى ٦١:٢٦) وتكلم ايضا عن أية يونان النبي- وعن وجوده ثلاث ايام في قلب الارض(متى ٣٩:١٢، ٤:١٦)

و تلميحه في متى ٤٢:٢١ عن ان الحجر الذي رفضه البناؤون هذا قد صار رأسا للزاوية. وبالإضافة لشهادته .فقد شهد عنه مقاوميه ايضاً ان هذا كان جزء من ما قاله الرب يسوع: متى٦٣:٢٧. إذن اول إثبات لدينا هو ان الرب يسوع نفسه شهد عن قيامته. عمق واتساع كلماته تجعل احتمالية اختراع هذا الكلام على يد الكنيسة غير وارد. وشخصية يسوع نفسه في هذه الشهادات لم تقول انه كان مختل او مضلل.

 

٢- القبر كان فارغا يوم القيامة

أوائل النصوص تقول انهم ذهبوا الى القبر ولم يجدوا جسد الرب. ( لوقا ٣:٢٤) واعداء يسوع أكدوا على ذلك بترويجهم إشاعة ان التلاميذ سرقوا الجسد (متى١٣:٢٨)

لم يوجد جسد يسوع. وهناك أربعة تفاسير لذلك.

 

٢أ: اعدائه سرقوا الجسد. ولو تم هذا علي الرغم من انه لا ذكر له علي الاطلاق.لكانوا اظهروا الجسد لمنع انتشار المسيحية في نفس المدينة التي صُلب فيها. ولكنهم لم يقدروا على إظهاره.

٢ب: التلاميذ سرقوا الجسد. وهذه كانت إشاعة منذ البداية. (متى ٢٨: ١١-١٥). هل هذا ممكن؟ هل أمكنهم مقاومة الجنود الحراس على باب القبر؟ وأكثر أهمية، هل كانوا بداوا على الفور بالكرازة يهذه القوة بقيامة يسوع، عالمين انه لم يقم؟ هل خاطروا بحياتهم “التلاميذ” وتحملوا الاضطهاد وهم يعلمون انها اكذوبة؟

٢ج: الرب يسوع لم يمت، ولكن فقط فاقد الوعي عندما وضعوه في المقبره. فاستيقظ ورفع باب القبر وانتصر على الحراس واختفى من التاريخ للأبد بعد ان ظهر بضعة مرات لتلاميذه وأقنعهم انه قام من الأموات. حتى أعداء الرب يسوع لم يقدموا هذه الاطروحة. فقد كان من المؤكد انه مات. الرومان عرفوا ذلك. وايضاً الحجر لا يمكن رفعه من قبل رجل واحد طعن في جنيه بالحربة ومكث معلقا على الصليب ستة ساعات ومن الداخل القبر.

٢د: الله أقام يسوع من الأموات. “اي اللاهوت اقام الناسوت ” هذا ما قال انه سيحدث. انه ما قال التلاميذ انه حدث. ولكن لو وجد اي طيف من تفسير بطريقة منطقية سيقول لك البعض لا نقفز لتفسير معجزي. هل هذا منطقي؟ لا أظن. بالطبع لا اريد ان أكون ساذجا ولكن لن نرفض الحق فقط لانه غريب.

لابد ان ندرك ان التزامنا في هذه المرحلة متأثر بميولنا- سواء بحقيقة القيامة او عدم تصديق القيامة. لو ان رسالة الرب يسوع قد فتحت قلبك واحتياجاتك للغفران، مثلا، إذن ستفقد فكرة ضد المعجزة سلطانها على ذهنك. هل يمكن ان يكون هذا الانفتاح ليس تحيزا للقيامة وإنما حرية من التحيّز ضدها؟

 

٣- التلاميذ انتقلوا حالا من رجال بلا أمل وخائفين (لوقا٢١:٢٤، يوحنا ١٩:٢٠) لرجال واثقين وشهود اقوياء للقيامة. ( اعمال ٢٤:٢، ١٥:٣، ٢:٤)

وتفسيرهم لهذا التغيير انهم رأوا الرب يسوع قائما من الأموات وأنهم قد اخذوا قوة ليكونوا شهودا له ( اعمال ٣٢:٢). اما التفسير المعاكس لهذا فهو ان ثقتهم هذه نابعة من هلوسة. وهذا التفسير له مشاكل عديدة. التلاميذ لم يكونوا سذج، ولكن شكاكين متزني العقل قبل وبعد القيامة. ( مرقس ٣٢:٩، لوقا ١١:٢٤، يوحنا ٢٠: ٨-٩ ،٢٥) وبالأكثر هل التعاليم السامية والنبيلة التي كرز بها شهود قيامة المسيح منسوجة من هلاوس؟ ماذا عن رسالة بولس الرسول الى أهل رومية؟! شخصيا اجد من الصعوبة ان اصدق ان احدا بهذه العقلية الفذة والروح الشفافة العميقة يمكن ان يكون مُضٓلل او مُضلِل بشأن قيامة المسيح.

 

٤- بولس الرسول قال انه ليس هو فقط من رأى المسيح القائم بل اكثر من ٥٠٠ اخ أكثرهم حي حين قال هذا.

(١كورنثوس٦:١٥) وما يجعل هذا ذو أهمية ان هذه الكلمات مكتوبة لليونانيين الذين يتشككون من هذه الادعائات في حين ان اكثر الشهود احياء. فهذه مخاطرة ان كان يمكن تفنيدها بمجرد بحث بسيط.

 

٥- مجرد وجود كنيسة حية نامية منتصرة على الامبراطورية،

يساند حقيقة القيامة. فالكنيسة نمت بقوة الشهادة بيسوع الذي اقامه الله وجعله ربا ومسيحا ( اعمال ٣٦:٢) فروبوبية المسيح على كل الامم مبنية على انتصاره على الموت. وهذه هي الرسالة التي انتشرت في العالم اجمع وقوتها في عبور الثقافات وخلق شعب جديد لله هي اكبر شهادة على صدقها.

 

٦- إيمان بولس الرسول يؤيد حقيقة القيامة.

فهو يحاجج أناس من غلاطية ١: ١١-١٧ ان إنجيله وكرازته هي من يسوع المسيح، وليس من الناس. وحجته ان قبل رحلته لدمشق قبل ان يرى الرب يسوع كان مضطهدا للكنيسة والإيمان المسيحي. (اعمال ١:٩) ولكن الان والدهشة الجميع، فهو يخاطر بحياته للكرازة بالإنجيل. ( اعمال ٩: ٢٤-٢٥) وتفسيره : ان الرب يسوع القائم من الأموات ظهر له واعطاه مهمة الكرازة للأمم. (اعمال ٢٦: ١٥-١٨). فهل نصدق مثل هذه الشهادة؟ وهذا يأتي بِنَا للنقطةالتالية.

 

7- شهود العهد الجديد ليس لديهم سمة المدلسين.

كيف تقيم شاهد؟ كيف تقرر اذا ما كنت ستصدق شهادة احدهم؟ قرار ان تصدق شهادة احد ليس مثل حل مسألة حسابية. التاكيد له طابع مختلف، ولكن في مثل ذات القوة. عندما يموت شاهد، نبني مصداقيته على ما كتبه ومن شهادات الآخرين عنه. إذن كيف تبدو الأمور بالنسبة لبطرس ويوحنا ومتى وبولس الرسل؟

في تقديري ( وعند هذه النقطة سنعتمد على رؤيتنا- لوقا ٥٧:١٢) ، فإن كتابات هؤلاء الرجال لا تبدو ككتابات أناس سذج، يسهل التغرير بهم او مضللين. ان بصيرتهم للطبيعة لإنسانية عميقة. التزامهم عاقل ومكتوب بدقة. تعاليمهم واضحة وليست من اختراع بشر. المستوى الاخلاقي والروحي عالي جداً. وحياة هؤلاء الرجال مكرسة تماما للحق ولمجد الله.

 

٨- يوجد مجد داخلي في بشارة انجيل موت المسيح وقيامته كما وصفها البشيريون.

يعلم العهد الحديد ان الله أرسل الرب القدس ليمجد المسيح كإبن الله. قال الرب يسوع: متى جاء روح الحق، فهو يرشدكم للحق… ويمجدني. (يوحنا ١٣:١٦) والروح القدس لا يخبرنا بهذا كمعلومة ان يسوع قام. ولكن يفتح اعيننا لنرى مجد المسيح في قصة الصلب والقيامة.

فهو يمكننا من رؤية يسوع كما هو، كمال الجمال والحق. وقد كتب الإنجيليون عن مشكلة العمى الروحي وحلها. (كورنثوس الثانية٤: ٦،٤). ان المعرفة المؤدية الى الخلاص بالمسيح مصلوبا وقَائِما ليست معلومات تاريخية. ولكنها نتيجة استنارة روحية لؤية الأمور على حقيقتها: استعلان مجد وحق الله في وجه المسيح- الذي هو هو أمس واليوم والى الأبد.

 

المرجع:

 

Eight Reasons Why I Believe That Jesus Rose from the Dead “John Piper”

John Piper (@JohnPiper) is founder and teacher of desiringGod.org and chancellor of Bethlehem College & Seminary. For 33 years, he served as pastor of Bethlehem Baptist Church, Minneapolis, Minnesota. He is author of more than 50 books.

لماذا أؤمن أن المسيح قد قام من الاموات؟ | ترجمة: ميرفت القمص

الاكتشافات الاثرية وأثرها على دراسات العهد القديم ج1 | حجر رشيد

الاكتشافات الاثرية وأثرها على دراسات العهد القديم ج1 | حجر رشيد

الاكتشافات الاثرية وأثرها على دراسات العهد القديم ج1 | حجر رشيد

الاكتشافات الاثرية وأثرها على دراسات العهد القديم ج1 | حجر رشيد

في القرنين الأخيرين حدثت ثورة وقفزة كبيرة في عالم الاكتشافات الاثرية الكتابية، مما سلط الضوء على الكثير من الاشياء التي كنا نجهلها لفترة طويلة، ومن خلال فحص هذه الاثار الكتابية تمكنا ان نفهم العهد القديم بشكل أفضل، فقبل الاكتشافات الاثرية كانت كل معلوماتنا عن بعض الفترات التي يذكرها الكتاب موجودة في كتابات المؤرخين اليونانيين واللاتين ولذلك كانت المعلومات التاريخية التي تتكلم عن القرن الخامس قبل الميلاد وما فوق شبه معدومة.

اما اليوم فقد تغيرت الصورة تماما فبعد اكتشافات التي حصلت في بلاد ما بين النهرين ومصر وسورية وبلاد اخرى، حصلت قفزة كبيرة في عالم الدراسات الكتابية، ولعلنا نذكر أهم اكتشاف كتابي في القرن الفائت وهو العثور على مخطوطات البحر الميت سنة 1947 التي كتب معظمها قبل القرن الاول الميلادي وتحتوي على نصوص من كل كتابات العهد القديم عدى سفر استير، وقد استمرت اكتشاف المخطوطات الثمينة في وادي القمران في الكهوف الاحدى عشر الى سنة 1952 (1)، ان الكمية المخطوطات الكبيرة المكتشفة لا تكمن اهميتها في قدمها و كثرة اعدادها فقط بل في قيمتها الكبيرة في علم النقد النصي للعهد القديم (2) خاصة انه قبل هذا الاكتشاف كانت اقدم مخطوطة كاملة للعهد القديم باللغة العبرية تعود الى القرن العاشر، فهذا الاكتشاف كان له دور عظيم في سد الهوة الزمنية الكبيرة بين اقدم مخطوطة عبرية للأسفار المقدسة و تاريخ كتابتها، كان لها دور كبير أيضاً في تسليط الضوء على فتره تاريخية كتابية مهمة جدا كانت المعلومات المتوفرة عنها قليلة جدا.

 

اكتشاف حجر رشيد

العثور على حجر الرشيد اثناء الحملة الفرنسية في مصر سنة 1798 كان له الفضل في الكشف عن سر اللغة المصرية القديمة التي ضلت مجهولة للعالم لقرون طويلة، فهذا الحجر كان يحتوي على كلمات مكتوبة في ثلاثة لغات، الاولى كانت اليونانية القديمة، واللغتان الآخرتان كانتا لغات مصرية قديمة، والأولى كانت لغة هيروغليفية قديمة والاخرى كانت لغة ديموطيقية معروفة لدى الناس، استطاع الشاب الفرنسي الصغير شامبليون فك لغز اللغة الهيروغليفية و بذلك احدث ثورة عظيمة في علم المصريات الذي اصبح قسم مهم جدا في علم الاثار و خصصت له اقسام في جامعات كثيرة حول العالم، اتاحت قراءة الاثار المصرية كشف ما كنا نجهله عن هذه الحضارة العظيمة والتي من خلاله كتاباتها استطعنا ان نفهم القصص الكتابية التي حدثت في مصر القديمة بشكل اوضح (3) مثل قصة يوسف وعبودية الاسرائيليين في مصر وجودهم في كنعان قبل نهاية الالفية الاولى قبل الميلاد، وتم ايضا قراءة المراسلات التي حدثت بين ملوك مصر وملوك امم اخرى مذكورة في العهد القديم مثل الاشوريين والحثيين الذين اعتبرهم نقاد العهد القديم شعب اسطوري غير موجود خارج الكتاب المقدس. وهذا يوضح أهمية الآثاء في إتاحة فهم أعمق وأصح للقصص الكتابي بشكل عام.

 

 

 

………………………………………

(1) William L. Reed، “The Qumran Caves Expedition of March، 1952،” in the Bulletin of the American Schools of Oriental Research 135 (Oct.، 1954)، pp. 8–13.

(2) G. Lankester Harding، Palestine Exploration Quarterly 84، 1952، pp. 104

(3) Archeology and the Old Testament، pp. 129–152

Exit mobile version