الأعياد في العهد القديم و العهد الجديد

الأعياد في العهد القديم و العهد الجديد

الأعياد في العهد القديم و العهد الجديد

مقدمة

عرفت كل الحضارات البشرية الأعياد التي حولها تدور الحياة. والأعياد هي تعبير عن حدث، عن تاريخ، عن ذكرى نريد أن ننقلها للأجيال. وتعكس الأعياد مجموعة من الاقتناعات والآمال ومحاولات امتلاك المستقبل. يحاول الإنسان أن يسيطر على الماضي، الذي يهرب منه وعلى المستقبل، الذي لا يمتلكه. تساعد الأعياد على الخروج من رتابة الحياة اليومية، وهي رتابة مؤلمة، في غالب الأحيان، وتسمح بالدخول، ولو للحظات قصيرة، في عالم آخر. بذلك تكون الأعياد تعبيراً عن الحنين الجماعيّ أو الفرديّ إلى ما هو غير مألوف ومعتاد.

للعيد بُعد رأسي: إنه يخلق حدثاً، ويحتفل بدخول البشرية إلى الزمن، وهي بذلك، تقدسه. ليس الزمن تيّار يدفع الإنسان إلى نهايته المحتومة: إنه يدفع الإنسان إلى التطلع إلى أعلى، إلى مكان آخر، لا نهاية له. ويتم التعبير عن هذا البُعد المتسامي على المستوى الأفقي: ينشأ العيد الوحدة، ويخلقها، ويقوي الهويّة، ويزيد الوعي والإحساس بالجماعة. لقد أدركت النُظم القوية هذا الأمر، وكثيراً ما أُستُغِلّت الأعياد بهدف دعائي. يثبت التاريخ أن كل النُظم، حتّى غير الدينية منها، تكثر من الأعياد والاحتفالات الشعبية لكي تعوض، بطريقة ما، نقص التسامي في الحياة اليوميّة.

إن الكتاب المقدّس شاهد على خبرة روحية، إنه يروي قصة حب صاخبة بين الله وبعض البشر (الآباء)، ثم بين الله وشعب إسرائيل، وأخيراً بين الله وأمم عديدة. تشكل هذا التاريخ أحداث متعددة وهامّة، لقد تم تسجيل هذه الأحداث، وأصبحت موضوع تأمل وصلاة، تناقلتها الأجيال وأصبحت تراثاً دينياً للبشريّة كلها.

لقد تمّ حفظ هذه الأحداث في ذاكرة البشرية، وقادت إلى احتفالات دينيّة خاصّة، نذكر منها، على سبيل المثال، الاحتفال بالخروج من مصر، في عيد الفصح.

وكثيراً ما استخدمت الطقوس عناصر سابقة للأحداث التي يتم الاحتفال بها، وتضرب بجذورها في تقاليد الأجداد الزراعية: مثل ذبح حمل في الربيع، بمناسبة عيد الفصح، تقديم البواكير في عيد العنصرة، والاحتفال بنهاية زمن الحصاد في عيد المظال. ودخلت عناصر جديدة، مع الزمن، ذات علاقة بالحدث الذي يحتفل به: كالفطير، والكؤوس، وبناء الأكواخ.

إن العيد في الكتاب المقدّس، لم يقتصر إطلاقاً على تذكر حدث مضى، بل يعبّر دائماً عن إحياء الهبات والنعم الإلهيّة، التي تمت في الماضي. فالعيد هو وسيلة لتحقق مرة أخرى، وبطريقة جديدة، نعمة أساسيّة وحيوية. فعندما يحتفل المؤمن بعيد الفصح، فإنه واثق أنه يعيش، هنا والآن، نعمة الخلاص الذي حققه الله في التاريخ المقدّس.

فمن ناحية ترجع الإعياد المسيحيّة إلى أصول كتابية، ومن ناحية أخرى تعيش الجماعات المسيحية هذه الأعياد كينابيع مقدَّسة ومقدِّسة، تتجدد منها النعمة الأولى.

إن أصل كلمة عيد، في اللغة العبرية، هي حَج وتعني في الأصل، تكوين دائرة. أن هدف العيد، في الكتاب المقدّس، هو لقاء جماعيّ. إن الجماعة، سواء كانت الأسرة أو الشعب بكامله، هي مكان للاحتفال بالعيد. يعبر المؤمن عن العيد بالاحتفال وباللقاء. هذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تنظيم حج مقدّس إلى أورشليم في أعياد الفصح والعنصرة والمظال.

لقد احتفظ بنو إسرائيل، ومن بعدهم الكنيسة، عن طريق هذه الأعياد، بغنى أصلهم وهوايتهم، فكانوا يرجعون باستمرار إلى جذور الوحي وإلى منبع حياتهم ذاته.

إنه لا غنى عن التعرض للإعياد الكتابية لفهَم الكتاب المقدّس. تمثّل الأعياد عنصراً أساسياً من عناصر السياق، الذي فيه يتطوّر أبطال الكتاب المقدّس. كما أنها العمود الفقري للحياة الليتورجيّة والروحيّة لمن سبقونا في الإيمان.

نتناول الأعياد التي كان يتم الاحتفال بها قديماً. سنترك جانباً تلك الأعياد، التي يرجع أصلها أساساً إلى الكتاب المقدّس، التي نشأت في زمن متأخر. نتناول، إذاً هذه الأعياد، حسب قدم الاحتفال بها.

الأعياد في العهد القديم و العهد الجديد

موت المسيح وقيامته شهادة من الاثار تثبت يهودية الإعتقاد بـ موت المسيح وقيامته المعجزية بعد 3 ايام!

شهادة من الاثار -ترجع الى ما قبل المسيحية- تثبت يهودية الإعتقاد بـ موت المسيح وقيامته المعجزية بعد 3 ايام!

شهادة من الاثار تثبت يهودية الإعتقاد موت المسيح وقيامته المعجزية بعد 3 ايام!

شهادة من الاثار -ترجع الى ما قبل المسيحية- تثبت يهودية الإعتقاد بـ موت المسيح وقيامته المعجزية بعد 3 ايام !

تم اكتشاف حجر “رؤية جبرائيل-חזון גבריאל” يبلغ طوله متر (3 أقدام) ، ومكتوب فيه 87 سطر ، ويرجع تاريخه الى أواخر القرن الأول قبل الميلاد.
ترجم العالم الإسرائيلي (اسرائيل قنوهل-ישראל קנוהל) -وهو بروفيسور في الدراسات الكتابية بالجامعة العبرية بأورشليم- محتوى هذا الحجر والذي فيه تشكيلة من النبوات وتحكي عن مسيا قُتِل بواسطة الرومان آنذاك والمرجح انه سمعان من بيرية (شمعون) وهو ادعى كونه المسيح وتمرد على الرومان وقُتِل في هذا الوقت (4 قبل الميلاد) ، ورد في ذلك النقش عبارة مثيرة.

في السطر 80
לשלושת ימין חאיה אני גבריאל גו(זר) עליך
في ثلاثة أيام تحيا ، انا جبرائيل أأمرك

علق البرفيسور اسرائيل على هذا النقش وقال أن هذا يُثبت ان فكرة المُخلِص المُتألم والذي سيموت وسيحيا في اليوم الثالث هي اعتقاد يهودي أصيل وتسبق عصر المسيحية.

شهادة من الاثار -ترجع الى ما قبل المسيحية- تثبت يهودية الإعتقاد بموت المسيح وقيامته المعجزية بعد 3 ايام !تم اكتشاف حجر…

 

التفسير اليهودي لسفر نشيد الانشاد – الراباي شموئيل بن مئير

التفسير اليهودي لسفر نشيد الانشاد – الراباي شموئيل بن مئير

التفسير اليهودي لسفر نشيد الانشاد – الراباي شموئيل بن مئير
 

تفسير هرشبم الراباي شموئيل بن مئير ولد عام 1080 م وتوفى عام 1160
الترجمة بتصرف
ترجمة بواسطة الاخ الحبيب:-

Dr Luca

Angelus Dominus

 

التفسير اليهودي لسفر نشيد الانشاد – الراباي شموئيل بن مئير

المسيح هو محور وهدف النبوات – أما إسرائيل فلا يعرف – القمص روفائيل البرموسي

المسيح هو محور وهدف النبوات – أما إسرائيل فلا يعرف – القمص روفائيل البرموسي

المسيح هو محور وهدف النبوات – أما إسرائيل فلا يعرف – القمص روفائيل البرموسي

 

المسيح هو محور وهدف النبوات – كتاب: أما إسرائيل فلا يعرف – القمص روفائيل البرموسي

المسيح محور وهدف النبوات

عندما نقرأ أسفار العهد القديم، ولا نتطلّع إلى تاريخ الخلاص الذي يقوده الله عبر كل الأسفار حتى يوصلّه إلى المسيح… أو نتطلّع إلى مواعيد الله التي تبدأ بشكل مواعيد مادية من نسل كبير وأرض خصبة جميلة إلى شكل مواعيد بالمسيح -المسيا- الآتي. نكون كمن يقرأ كتاب ألغاز!! وحاشا أن يكون كلام الله ألغازاً…. فكل كلمة نطق بها الأنبياء تشير إلى المسيح.

فمحور وهدف النبوات، هو شخص المسيح نفسه، نطق بها الأنبياء بوحي من الروح القدس “لأنه لم تأتِ نبوّة قط بمشيئة أنسان بل تكلم أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (بطرس الثانية 1: 21). والله قال لنا كل شيء في المسيح ” الله بعد ما كلّم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق شتى. كلّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه” (عبرانيين 1: 1-2). ولذا، فالنبوة تُشبه سراجاً يُضئ جوانب البيت إلى أن يُطل النهار، أي يسوع المسيح… فهي توجّه أنظارنا إلى شخصه المبارك.

عن هذا الموضوع نجد أنفسنا أمام أربع نقاط هامة، وهي:

  1. النبوة في الكتاب المقدس.
  2. شعوب أخرى تنتظر.
  3. طريقة سرد النبوات في العهدين.
  4. انحراف الفكر اليهودي في فهم النبوات.

أولاً: النبوة في الكتاب المقدس

النبوة، هي وحي من الله، يكشف أموراً مستقبلية ستحدث في الزمن المعيّن لها. وفي اللغة العربية، فعل “أنبأ” أي “أخبر” أو “أعلم”. إذن، النبي هو – من جهة- المُخبر عن الغيب أو المستقبل بإلهام من الله. ومن جهة ثانية، هو المُخبر عن الله. هو إنسان يتكلم باسم الله، أو صوت صارح يهيئ له الطريق. يرى ما لا يراه الناس، لأنه ينظر إلى الأمور بعين مفتوحة. فالله هو الذي يختار نبيّه ويدعوه ويُرسله.

ورسالة النبي لها وجهان: وجه يتعلّق بالحاضر، ووجه يتعلق بالمستقبل. فالنبي صوت صارخ أمام شعب الله، يُنذر ويوبّخ، ويُشدد على الأمانة لعهد الرب ويدعو الشعب إلى التوبة الحقيقية، وينظر إلى المستقبل نظرة كلها رجاء، رغم كل الشرور التي تلّم بالشعب. أيضاً كل أنبياء العهد القديم تطلعوا إلى الخلاص الآتي من عند الرب، فحثوا الشعب أن يتطلّع إلى المسيح -المسيا- المنتظر، الذي حقق مواعيد الله في شعبه.

فمنذ فجر التاريخ والمسيح مُشار إليه ومُبشَّر به، هو الوحيد الذي كان محور انتظار ورجاء قرون عديدة. إن هذا المسيا، لم يتنبأ به نبي واحد، بل سلسلة طويلة من الأنبياء…. ووصل الرجاء إلى ذروته عند نبوات إشعياء النبي. فالرحلة تبدأ من سفر التكوين، حيث الوعد الأول بالمخلّص المُعطى إلى أبوينا الأولين… وبعد ذلك إلى شعب الله، الذي كلما نسى الوعد نظراً لطول الزمن أو ليأسه من تحقيقه، كان الله يُشدّده مُذكراً إياه بالوعد ومُطمئناً إياه بمزيد من التفاصيل عن المخلّص الموعود به.

من هذا المنطلق يمكننا القول: إنه بالمسيح صار فهم العهد القديم ميسوراً، بل وممتعاً. فالمسيح هو المفتاح، الذي لولاه لبقينا حائرين أمام كثير من نصوص العهد القديم. يقول الحاخام Auginew Rosilly، الذي آمن بالسيد المسيح [لقد بدا لي العهد القديم كبرقيّة مشفرّة، مرسلة إلى البشر. أما الآن فصاعداً فإن هذه الشفرة هي المسيح الذي على ضوئه تأخذ النصوص المسيانية التي يغصّ بها العهد القديم معناها]. فمع المسيح انقشع الغمام ووضعت النقاط على الحروف. هوذا السيد المسيح يقول “لأنكم لو كنتم تُصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني” (يوحنا 5: 46).

والعجيب، أن اليهود أنفسهم توصلوا من نبوات العهد القديم، إلى تحديد تاريخ بداية العصر المسياني. فبالنسبة لهم، كان من المؤكد أنه في “ذلك الزمان” أي زمن السيد المسيح، سيولد في اليهودية “سيّد العالم”. يقول المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس Flavius Josephus في كتابه الحروب اليهودية Jewish War [إنّ الذي دفع باليهود إلى الحرب التي انتهت بخراب أورشليم (سنة 68-70م)، هو عبارة عن نبوة وردت في الكتب المقدسة، مفادها: أنه في “ذلك الزمان” سيأتي المسيا من بلادهم (أي اليهودية) ليُصبح سيّد العالم].

كانت النبوات واضحة تمام الوضوح، لأنها هي التي كانت الدافع الأكبر (في نظر يوسيفوس)، إلى تحدي روما التي مجرد ذكر اسمها يُلقى الذعر في نفوس الناس. فعلى هذا الرجاء -أي مجيء المخلص- فضّل اليهود الموت على عروض السلام المتكررة من قِبْل الرومان (في القرن الأول الميلادي).

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو لماذا كان شعب إسرائيل ينتظر مسيحه في هذا الوقت بالذات؟ ولماذا كان هذا الانتظار خلال القرن الأول، لا خلال قرن آخر سابق أو لاحق؟ لقد اعتمد اليهود في ذلك على مقطعين في الكتاب من إشعياء ودانيال (سنتكلم عنهما بالتفصيل فيما بعد). وهكذا فقد مرّ هذا القرن حاملاً معه كل الفرح والثقة إلى التلاميذ والبعض من اليهود، الذين رأوا في الرب يسوع، المسيا المنتظر. في حين رأي رؤساء الكهنة والكتبة وغيرهم من الفريسيين، بأنه ليس هو.

وهكذا تحوّل أكبر المتحمسين للنبوات إلى ألدّ أعدائها… فالمسيح، وبحسب الصورة التي رسمها له قادة اليهود، لم يأت بعد!!! وسقطت التواريخ وراحوا يبحثون عن سبب لتفسير إخفاقهم. ووفقاً لرأي أحد الاختصاصيين اليهود المعاصرين -هو دانتي لاتيس- فقد تحوّل المسيح الذي تصوره اليهود في الأزمنة الغبرة إلى شعب، أي شعب إسرائيل.

فإسرائيل من وجهة نظر هذا المفكّر، هو “عبد يهوه المتألم” لخلاص وتغيير العالم (الذي ورد ذكره في سفر إشعياء). وهكذا، بحسب زعمهم، فسّروا نبوة إشعياء عن “عبد يهوه” على شعب إسرائيل بدلاً من شخص المسيح. على إن تناقضاً شديداً واضحاً في ذلك: لأننا غالباً ما نرى شخص المسيح في النص الكتابي، متميزاً عن شعب إسرائيل، بل ومناقضاً له.

فالذي يُطالع إشعياء 49: 6، إشعياء 53: 4-6، يرى هذا الشخص -المسيا- مُكلفاً بقيادة شعبه، ويدفع ثمن خطايا شعبه، إلى أن يصل في الأصحاح 53: 8 حيث يقول، بأنه سيموت كفارة عن خطايا شعبه، فكيف سيموت الشعب عن نفسه!!… علاوة على ذلك، تقول النبوة أنه سيُقطع من أرض الأحياء، وأنه سيدفن في قبر غني. وهكذا، يبدو أن هذه النبوات يصعب تطبيقها على شعب – كما يقول اليهود المعاصرون- بعد إخفاق امتدّ قروناً عديدة.

ثانياً: شعوب أخرى تنتظر

لم يكن اليهود وحدهم، يعيشوا انتظار المسيا، بل إن شعوباً كثيرة أخرى كانت تعيش هذا المجيء الموعود به. ولدينا شهادات لا جدل فيها ودقيقة جداً حول انتظار الجميع “أحداً ما” يجب أن يأتي من اليهودية. وتأتي هذه الشهادات من اثنين من أكبر المؤرخين الرومان، هما: تاقيتس وسويطونيوس. فقد كتب تاقيتس في كتابه “The History” هذه السطور [إن أكثر الشعوب كانت مقتنعة بأنه مكتوب في كتب الكهنة القديمة، أنه في تلك الفترة سيعظم الشرق بالقوة، وأنه من اليهودية سيأتي الذي يسود العالم].

أما سويطونيوس، في كتابه “The Life of Wespaspanis” [كانت في الشرق فكرة قديمة وثابتة تسيطر على الأذهان، مفادها أنه سيأتي من اليهودية – في تلك الأيام- ذاك الذي يسود العالم].

وهناك مزيد من الشهادات يقدمها لنا علم الآثار. فنحن نعلم اليوم، بأن أكبر المدارس الفلكية القديمة، كانت مدرسة بابل، وأن هذه المدرسة لم تكن تعيش فقط في انتظار مجيء المسيا، الذي يجب أن يظهر في فلسطين، بل إنها حددت مسبقاً زمن هذا المجيء بدقة أكبر مما فعله الأسنيون في قُمران. فقد كان علماء الفلك البابليون، ينتظرون ولادة “سيد العالم”، انطلاقاً من العام الرابع قبل الميلاد. وهذا التاريخ يعتبره الاختصاصيون أكثر التواريخ دقة لولادة السيد المسيح.

ففي هذا العالم وبحسب الجداول الفلكية في سيبار (مدينة على الفرات)، وهي مركز هام لإحدى المدارس الفلكية البابلية. تحتوي هذه الجداول معطيات دقيقة عن حركة الأجرام السماوية في العام الرابع قبل ميلاد المسيح. طبعاً، قد يسأل البعض لماذا هذا العام بالذات؟ السبب يعود إلى أن علماء الفلك البابليين، كانوا يعتقدون بأن في العام الرابع قبل الميلاد، سوف يتم لقاء المشتري وزحل في منطقة برج الحوت. والذي يجب أن يظهر ثلاث مرات على الأقل وذلك في 29 مايو، 1 أكتوبر، 5 ديسمبر.

وهذا اللقاء لا يمكن ملاحظته قبل 794 سنة ولمرة واحدة. أما في العام الرابع قبل الميلاد، فقد ظهر بوضوح ثلاث مرات. وقد أثبت علماء الفلك المعاصرون صحة ما قاله علماء الفلك في سيبار ودقته.

وفي هذا العام نفسه، وبحسب اللوح الفلكي المحفوظ في برلين، وهو عبارة عن بردية مصرية يظهر فيها أيضاً لقاء زحل مع المشتري، الذي كان واضحاً في منطقة الشرق الأوسط. مما حدا بعض الشراح بأن يفسروا النجم الذي سطع فوق بيت لحم في زمن ميلاد السيد المسيح، ظاهرة نجمية تتعلق بما سبق وشرحناه. ولما حلّ علماء الآثار المعاصرون رموز علماء الفلك البابليين، علمنا بأن المشتري كان يُعتبر كوكب “حكام الأرض”، وزحل كوكب “حماة إسرائيل”.

أما برج الحوت فكان يُعتبر علامة “نهاية الأزمنة”، وبمفهوم علماء الدين اليهود يُعتبر “بداية العصر المسياني”. وهكذا نجد أن ما ورد في إنجيل القديس متى، فيما يتعلق بوصول مجوس من المشرق يسألون عن المولود ملك اليهود (متى 2: 1-2)، هو حقيقة يثبتها التاريخ والفلك. وقد بات واضحاً منذ ذلك الحين، أن الناس بين دجلة والفرات لم يكونوا فقط ينتظرون مسيحاً آتياً من إسرائيل، بل حددوا أيضاً وبدقة مدهشة زمن ولادته.

فاهتمام العالم، الذي يبدو صعباً على الفهم ظاهرياً، كان مركزاً في القرن الأول على مكان واحد، هي تلك المقاطعة الرومانية -اليهودية- البعيدة، حيث كانت النبوات والتفاسير قد دفعت الشعب إلى الثورة والتمرد على روما.

انتهت إذن الأزمنة بالنسبة إلى إسرائيل، فلقد تحددت الكتب المقدسة، وظهر المسيح الذي بشّر به الأنبياء، ودُمر الهيكل في أورشليم وتوقف الكهنوت وتوقت الذبائح نهائياً، واتخذ الشتات شكلاً جماعياً. ولم تعد اليهودية هي المدافعة الأولى عن الإيمان في العالم، بل أصبحت شاهداً بين الشعوب على الإيمان الذي كان لها منذ القديم. فبعد مجيء السيد المسيح، انطوت اليهودية على نفسها تحت ضربات التاريخ، وبدأت مرحلة جديدة هي مرحلة المسيحية، أي مرحلة العهد الجديد بكل عظمتها.

لم يقدر أحد أن يقول أو يثبت أن النبوات عن المسيح، قد لفقها دعاة المسيح ومؤمنوه. فالعهد القديم له في قدمه برهان على شرعيته، فهو كتاب مُلهم، أي أن الله هو مؤلفه الرئيسي والأول. والصدق هو من صفات الله، فكلامه منزّه عن الكذب والخطأ. وهدفه هو أن يعلمنا الحقيقة التي أراد الله أن تُدرج فيه لخلاصنا بقوة وأمانة.

إنه لحدث فريد حقاً، أن نرى إيماناً -الإيمان المسيحي- كل كنوزه موضوعة في نصوص حافظ عليها إيمان آخر – الإيمان اليهودي- ومن دون عبث. وهذا ما قد نبهّت إليه في مقدمة البحث، أنها لا يحق لنا أن نذم اليهود، لأنهم حافظوا على العهد القديم بدقة متناهية. وبذلك يكون كل كنوز العهد الجديد كانت مخبأة في العهد القديم، إذ كان مخبأ فيه سرّ المسيح.

وبالتالي نقول، أن السيد المسيح هو المفتاح لحلّ كل نبوات العهد القديم، لأنه هو محورها وهدفها… ولا أحد يشك في أن اليهود كانوا ينتظرونه أيضاً لكي يحقق عملاً يشمل العالم كله، ولكن هذا الانتظار، كان يرافقه قناعة أخرى، وهي أن المسيا الآتي سيكون ملكاً بكل معنى الكلمة، وسيجعل إسرائيل سيدّ هذا العالم.

وكنتيجة لهذا التصور الخاطئ، فقد خرج كثير من المسحاء الكذبة من صفوف الشعب اليهودي، وحاول كل منهم أن يتزعّم حركة دينية سياسية، ولكن في كل مرة كان الأمر ينتهي بمأساة. وهذا يُفسّر مدى الإخفاق الذي شعر به اليهود، عندما رأوا السيد المسيح شديد التسامح والتواضع، يُطالب بمحبة الأعداء…. إنه ملك فقير متواضع بلا خطية… إنه ملك القلوب والعقول.

ثالثاً: طريقة سرد النبوات في العهدين

قبل شرح هذه النقطة، لا بأس من أن نذكر وبإيجاز شديد، الشروط الواجب توافرها في النبوة… فهي يجب أن تكون: نبوة أصيلة، لا جدال في صحتها وسابقة للأحداث بفترة طويلة -نبوة واضحة، يمكن التعرف عليها بسهولة من خلال الأحداث – نبوة أكيدة، أي قد تمّت كما قيلت بالضبط – نبوة تشير إلى أحداث لا يمكن معرفتها بشكل طبيعي ويرتبط تحقيقها بأمور لا يمكن توقعها. أما عن طريقة سرد النبوات، فيمكن تقسيمها إلى قسمين هما:

 1- طريقة العهد القديم:

في العهد القديم، كان النبي ينطق بكل ما يضعه الله على فمه، كما قال لإرميا النبي “ها قد جعلت كلامي في فمك” (إرميا 1: 9). وقد فهم شعب إسرائيل ذلك جيداً، لذا جاءت النبوات مطابقة تماماً لما سوف يكون، هذا من جهة… من جهة أخرى، عند تجميع هذه النبوات، تتكّون لنا صورة بديعة بالألوان لشخصية المسيا القادم وبأدق التفاصيل (سنستمتع سوياً بهذه الصورة الجميلة على صفحات هذا البحث).

فمن سفر التكوين حتى سفر ملاخي، نتقابل مع نبوات رائعة واضحة عن هذا المسيا… إذا تتبعها الشخص خطوة خطوة سيجد نفسه فجأة أما أحداث العهد الجديد، وبلا أي عناء.

يبدأ سفر التكوين بإعطاء الوعد، بنسل المرأة الذي يسحق رأس الحية ثم يبدأ النسل من إبراهيم ثم إسحق ثم يعقوب ثم يهوذا.. إلى أن نصل إلى داود النبي. ومنذ زمن داود النبي وما بعده، اتضح سِرّ المسيا أكثر منه في أي وقت آخر. فداود رآه من بعيد وتغنى به في مزاميره بروعة لا مثيل لها: لقد رآه جالساً عن يمين العظمة يرقب من أعلى السماء أعداءه تحت قدميه، ولقد دهش داود النبي لهذا المشهد الرهيب فنطق بروح النبوة ودعاه ربّه، قائلاً “قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك” (مزمور 110: 1).

وفي حين أن مُلك هذا المسيا قد تم التنبؤ به في أسفار أخرى، إلا أنه بدا الصليب لداود النبي، كعرش حقيقي لهذا الملك الجديد… فقد رأى يديه ورجليه المثقوبتين، ورأى عظامه المعدودة غير مكسورة، رأى ثيابه وهم يقترعون عليها، رأى لسانه يذوق مرارة المرّ. ولكنه رأى في الوقت نفسه، المجد الذي تلا هذه الآلام والإهانات…. لأن شعوب الأرض كلها ستذكر الله الذي نسيته منذ قرون، وسيأتون ليعبدوه… ويؤسس كنيسته المكونة من يهود وأمم.

لم تكن رؤية بقية الأنبياء للمسيح، أقل وضوحاً من رؤية داود النبي: ففي حين يرى الواحد بيت لحم أصغر مدن يهوذا، وقد تمجدت بميلاده فيها، يرى الآخر العذراء البتول والدة الإله…. ويرى عمانوئيل، ابناً عجيباً وإلهاً قديراً… فهذا يراه داخلاً هيكله، وذاك يراه ممجداً في قبره حيث غلب الموت. ومقابل إعلان الأنبياء هذه الأمور الرائعة عن الرب يسوع، فإنهم لا يغفلون عن المواقف المهينة التي سيتكبدها: فلقد رأوه مباعاً وعرفوا ثمنه وفيما أُستخدم هذا الثمن…. ففي الوقت الذي رأوه فيه ممجداً، رأوه مرذولاً ومحتقراً من الناس…

رأوه متواضعاً، مهاناً كأرذل الناس، حاملاً خطايا البشر ومُذلاً، وفاعل خير… شوهت الجراح جماله. أما الذي اشترك فيه أغلب الأنبياء، فهو تقديم المسيا، كابن الله الذي سيصير أيضاً ابناً للبشر (ابن داود)… هذا الابن موعود بمُلك لا نهاية له.

2- طريقة العهد الجديد:

يعلن العهد الجديد بوضوح، أن في بداية كرازة السيد المسيح، كان من الصعب على التلاميذ إدراك حديثه عن موته، إدراكاً كاملاً. فكل مرة يحدثهم السيد المسيح عن صلبه وموته، يصيبهم الارتباك والدهشة. والسبب الحقيقي هو أنهم – أي التلاميذ – كانوا يفتقرون في ذلك الوقت إلى المعرفة الكاملة التي تتعلق بالخطة الشاملة للمسيا، ويتوقعون كغيرهم من اليهود – أن المسيا يهزم أعداءهم ويؤسس مملكته على الأرض. كان إدراكهم في ذلك الوقت لحقيقة أن المسيا ينبغي أن يأتي مرتين: أولاً ليتألم – ثم يأتي في مجده، وأن هدف مجيئه الأول يختلف عن هدف مجيئه الثاني، ضعيفاً … ماذا فعل السيد المسيح ليُصحح أفكارهم.

لم يطلب منهم مجرد الإيمان به، بل أحالهم إلى ما كُتب عنه في الأسفار المقدسة التي لديهم (العهد القديم)، فعلى سبيل المثال: “إن ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب عنه” (متى 26: 24) – “وأما هذا كله فقد كان لكي تُكّمل كتب الأنبياء” (متى 26: 56) – “لأنه كان يُعلّم تلاميذه ويقول لهم إن ابن الإنسان يُسلّم إلى أيدي الناس فيقتلونه. وبعد أن يُقتل يقوم في اليوم الثالث. وأما هم فلم يفهموا القول” (مرقس 9: 31)- “وأخذ الإثني عشر وقال لهم ها نحن صاعدون إلى أورشليم وسيتم كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن ابن الإنسان.

لأنه يُسلّم إلى الأمم ويُستهزأ به ويُشتم ويُتفل عليه ويجلدونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم. وأما هم فلم يفهموا من ذلك شيئاً وكان هذا الأمر مُخفى عنهم ولم يعلموا ما قيل” (لوقا 18: 31-34).

أما بعد القيامة، فالطريقة اختلفت، ويظهر ذلك بوضوح في الأمثلة التالية:

أ – ظهور السيد المسيح لتلميذي عمواس “… فأجاب أحدهما الذي اسمه كليوباس وقال له: هل أنت متغرب وحدك في أورشليم ولم تعلم الأمور التي حدثت فيها في هذه الأيام. فقال لهما وما هي. فقالا المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب. كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه. ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل… فقال لهما أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء.

أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده. ثم ابتدأ من موسى وجميع الأنبياء يُفسّر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب” (لوقا 24: 13-27). هنا نرى السيد المسيح يوبخ عدم معرفتهما ما قاله الأنبياء وما تحتويه بنبوات تخص آلامه وموته. لم يكن لديهم أية صعوبة ليؤمنوا بالنبوات التي تُقدم المسيا كملك يُعيد إسرائيل إلى مجده الأول، كانت الصعوبة لقبول النبوات التي تُقدم المسيا كمتألم مهان. لذا، من الآيات السابقة كان واضحاً ذهولهما من موقف المسيح الحاسم لصد هذا المفهوم الإيماني الخاطئ.

لقد بدأ الرب يسوع يشرح لهما كل ما يختص به، من ناموس موسى ثم الأنبياء والمزامير… أي توقف عند كل سفر من أسفار العهد القديم، ليشرح لهما ما يخص المسيا، خاصة آلامه وموته وقيامته. وبذلك يكون موت المسيح وقيامته مطابقاً تماماً لما هو بحسب الكتب المقدسة.

ب – تعلّم رسل المسيح هذا الدرس جيداً. فبعد صعود السيد المسيح، نرى تلاميذه يعيدون اثبات أن المسيح الذي يكرزون به، هو المسيا… وهو لليهود كما للأمم. متبعين نفس الطريقة التي استعملها السيد المسيح مع تلميذي عمواس. ففي سفر أعمال الرسل، نقرأ الآتي عن الخصي الحبشي “ثم إن ملاك الرب كلم فيلبس قائلاً قم واذهب نحو الجنوب على الطريق المنحدرة من أورشليم إلى غزّة التي هي برية. فقام وذهب. وإذا رجل حبشي خصيّ وزير لكنداكة ملكة الحبشة كان على جميع خزائنها. فهذا كان قد جاء إلى أورشليم ليسجد.

وكان راجعاً وجالساً على مركبته وهو يقرأ النبي إشعياء. فقال الروح لفيلبس تقدّم ورافق هذه المركبة. فبادر إليه فيلبس وسمعه يقرأ النبي إشعياء. فقال ألعلك تفهم ما أنت تقرأ. فقال كيف يمكنني إن لم يرشدني أحد. وطلب إلى فيلبس أن يصعد ويجلس معه. وأما فصل الكتاب الذي كان يقرأه فكان هذا. مثل شاة سيق إلى الذبح ومثل خروفٍ صامتٍ أمام الذي يجزّه هكذا لم يفتح فاه. في تواضعه اُنتزع قضاؤه وجيله من يُخبر به لأن حياته تنتزع عم الأرض. فأجاب الخصي فيلبس وقال أطلب إليك. عن مَنْ يقول النبي هذا. عن نفسه أم عن واحدٍ آخر.

ففتح فيليس فاه وابتدأ من هذا الكتاب فبشره بيسوع” (أعمال الرسل 8: 26-35). هذا الخصي الحبشي كان يقرأ في نبوة إشعياء 53. ونقرأ أن فيلبس ابتدأ من هذا الكتاب، أي ابتدأ من سفر إشعياء، ليُبشره بالرب يسوع، ليثبت له أن الرب يسوع الذي جاء وتألم وقام هو المسيا الذي يتحدث عنه إشعياء النبي. بالطبع، تأثر الخصي الحبشي بالطريقة التي يتألم ويموت بها المسيح، التي جاءت مطابقة تماماً لما جاء مع وصف إشعياء… فآمن في الحال.

ج – أيضاً بولس الرسول استعمل نفس الطريقة في محاوراته مع اليهود، يخبرنا سفر أعمال الرسل عن هذا قائلاً ” فاجتازا في أمفيبوليس وأبولونية، وأتيا إلى تسالونيكي، حيث كان مجمع اليهود. فدخل بولس إليهم حسب عادته، وكان يحاجهم ثلاثة سبوت من الكتب، موضحا ومبينا أنه كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات، وأن: هذا هو المسيح يسوع الذي أنا أنادي لكم به.” (أعمال الرسل 17: 1-3).

هنا نرى بولس الرسول يستخدم كتبهم المقدسة التي حفظوها عن ظهر قلب لتدعيم كرازته… فهو يسرد لهم النبوات التي تحدث بصراحة ووضوح عن شخصية المسيا بكافة تفاصيلها. وأن هذه المواصفات تنطبق تماماً على السيد المسيح.

د – أيضاً في محاورات بولس الرسول مع اليهود في روما، نقرأ في سفر أعمال الرسل، الآتي: “فعينوا له يوماً فجاء إليه كثيرون إلى المنزل فطفق يشرح لهم شاهداً بملكوت الله ومقنعاً إياهم من ناموس موسى والأنبياء بأمر يسوع من الصباح إلى المساء” (أعمال الرسل 28: 23). في هذه المّرة يستشهد بولس الرسول بناموس موسى والأنبياء، وقد أغفل الكتب الأخرى.

وقد اندهشت في بادئ الأمر من ذلك، لكن بعد البحث في كتب تعاليم الرابيين الكبار، وجدت أن بعض الفئات اليهودية – ومنهم يهود روما- يؤمنون أن كل الأسفار المقدسة موحى بها من الله ولكن ثلاثة مستويات للوحي: الناموس، وقد أُعطي السلطان الأعظم ككلمات الله المباشرة المحددة التي أُمليت على موسى مباشرة – كتب الأنبياء ولها سلطان أقل، كونها رسائل من الله تكلّم بها فم البشر – الكتب الأخرى، وتعتبر أقلهم سلطاناً، نظراً لأنها تعتبر كلمات من فكر الإنسان بإرشاد أو بوحي من الله…

أي أن بعض الفئات تعطى أهمية عليا للناموس والأنبياء، ولكن لا تعطي نفس الأهمية للكتب الأخرى، رغم أنها وحي من الله. من أجل هذا اضطر بولس الرسول أن يحصر نفسه في الاستشهاد بالناموس والأنبياء فقط، كي لا يكون لهم حُجة.

رابعاً: انحراف الفكر اليهودي في فهم النبوات

بعد أن سقطت البشرية في قبضة ابليس، بخطية العصيان، تسلّط الموت على الإنسان “كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع” (رومية 5: 12)، أعلن الله أن نسل المرأة – المسيا- يسحق رأس الحية. الوعد الذي أصبح فيما بعد وعلى مرّ العصور الطويلة، موضوع الرجاء والأمل…

كان هو المشعل المنير الذي يُضيء أمام الآباء ورجال الأيمان. والرب في أمانته غير المتناهية، كان يذكر شعبه بهذا الوعد مراراً كثيرة وفي ظروف مختلفة… ظل هذا الفكر بخصوص مسيا يخلص شعبه من خطاياهم ويحررهم من عبودية إبليس والموت، هو الفكر الوحيد والسائد بين شعب إسرائيل وقادته الدينيين.

لكن الظروف التي اجتاز فيها الشعب قديماً منذ السبي وحتى خراب أورشليم، وما بعدها، بدأت تدخل أفكاراً جديدة على الشعب وقيادته بخصوص هذا المسيا. وشجعت كثيراً على تفسير النبوات الخاصة بالمسيا، بطريقة خاطئة وإلباسها ثوباً سياسياً وطنياً. فقد كان شعب الله يعيش في وسط معادٍ له، وكم من المرات تعرّض لهجمات عنيفة وحروب شعواء.

في هذه الظروف العصيبة المؤلمة، لم يترك الله شعبه ليد الأعداء، بل كان يُرسل لهم قائداً ل ي يذكرهم أولاً وقبل كل شيء بالعهد الذي قطعه معهم الله “وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض” (تكوين 12: 3)- ثانياً، القائد المُرسل يكون أداة في يد الله لخلاص شعبه من أعدائهم. من هنا نشأ الاصطلاح “مُخلّص” أو “مسيح”.

فكلمة “مسيّا” تتُنطق بالعبرية “ها مشياح Ha- Mashiah המשיח”، أما في الأرامية فتنطق “مشيحا Meshiha משיחא”, تعني “الممسوح”. ويُستخدم الاسم بدون أداة التعريف، كإسم عَلَم “مشيا”، وذلك في التلمود البابلي وفي الأدب الميدراشي. وقد ورد الاسم باللغة اليونانية “مسياس” في العهد الجديد، مُستقى من الشكل الآرامي، لأن الآرامية كانت هي لغة التخاطب في فلسطين في زمن الرب يسوع. وكثيراً ما جاء الاسم “مسيا” مرتبطاً ب “يهوه” أي مسيح الله.

وفي العصور التالية للسبي، عندما شغل الكاهن الأعظم المكانة التي كان يحتلها الملك سابقاً، صار يُشار إليه ب “هاكوهين – هامسيحا” أي ” الكاهن الممسوح من الله. ومسح الملك والكاهن أبرزه كمختار الله لكي يمثل حكم الله على إسرائيل، ولكي يشهد لمجد الله أمام الأمم. وبذلك، صار مقدساً إلى أبعد حد، ولا تنتهك قداسته وحرمته.

في فترة السبي وبسببه أيضاً، بدأ بعض الأنبياء بالتحدث من جديد عن المسيا المخلّص… الذي يختلف عن كل المخلصين السابقين الذين عرفهم شعب إسرائيل. وهناك في السبي بدأ الشعب يحلم بمخلص وبملك يخلصهم من سبيهم، ويحررهم من عبوديتهم ويخرجهم من بابل. ثبت في فكر اليهود من فهمهم لبعض النبوات، أن الله سيفتقد شعبه بإرسال مخلّص لهم….

البعض من المسبيين شطوا بعيداً عن روح النبوات المقدسة، وظنوه مخلصاً سياسياً لكي يخلصهم من السبي والاستعباد، في حين أن الأنبياء الذين تكلموا عن هذا المخلص وصفوه بأنه سيكون رئيساً يختلف اختلافاً كلياً وجزئياً عن كل الرؤساء والملوك الذين سبقوه، وفي عهد هذا الملك الآتي سيكون السلام سائداً بطريقة لم يسبق لها نظير…

سيجلس على كرسي داود أبيه إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية. قليلاً قليلاً، أصبح الفكر السائد بين القادة الروحيين وشعب إسرائيل، أن المسيا الملك، لابد أن يكون من نسل داود وفي فترة ملكه يكون إسرائيل سيداً للعالم.

أما السبب الثاني لانحراف الفكر اليهودي في فهم النبوات، يمكننا تلخيصه في الآتي: استخدم الله لاستعلان ذاته لشعب إسرائيل كأمة -الكاهن، الله يختاره ويمسحه، ليشعر الشعب به من خلال تشريعات وطقوس دينية – النبي، الله يعطيه نبوات تختص بمستقبل الشعب من جهة علاقته الدائمة بالله. وهنا تبدو الخطة الإلهية واضحة في شكلها من خلال نظام ملوكية ونظام كهنوت، ونظام نبوة… ولكنها في جوهرها عضوية حيّة.

فالملك والكاهن والنبي ليسوا ممثلين لثلاثة أنظمة، بل هم في الواقع ثلاثة أعضاء في جسم حيّ واحد، يحركه الله ويدبره نحو قصد معين وغاية هامة بالنسبة للعالم كله، وهو استعلان الله نفسه من خلال شخص المسيا، الذي يجمع في ذاته: الملك والكاهن والنبي.

كان شعب إسرائيل يعتبره الله بمثابة ابنه البكر، بصفته أول شعب من بين شعوب الأرض أقام معه عهداً وأحبه… لكن ليس في شخص ملوكه أو كهنته أو أنبيائه أو شعبه بحد ذاتهم، بل في شخص المسيا، الذي سيحقق مفهوم الملوكية في معنى الحكم بالحق الإلهي – وسيحقق الكهنوت في معناه الفدائي الخلاصي – وسيحقق النبوة في معنى استعلان الله علانية وليس بالرمز… فأصبحت هناك صلة سرية بين إسرائيل كشعب وبين المسيا، بحيث أمكن أن يُنسب ما لإسرائيل، للمسيا.

هذا التداخل الشديد بين شخصية المسيا وشخصية شعب إسرائيل، كانت تعتمد في أعماقها على شخصية المسيا وتتجه في تكميلها نحوه كغاية نهائية، بصفته الملك الأبدي ورئيس الكهنة الأعظم والنبي الناطق بفم نفسه. فللأسف الشديد، قد انتحى العلماء والرابيون المتأخرون قبل أيام المسيح مباشرة إلى تفسيرات عقيمة وخلطوا بين ما قيل عن شخصية إسرائيل كشعب وشخصية المسيا كمخلّص.

وهكذا تشوهت النبوات الخاصة بالمسيح في أذهان القادة الدينيين، فأتلفت حكمهم على الحقيقة وأعمت بصائرهم عن رؤية النور عندما أشرق، هذا بالإضافة إلى اضمحلال الحساسية الروحانية لدى الرؤساء بسبب انشغالهم وراء شكليات الناموس. وتراءى لهم أن المسيح لا يحمل الصفات الواجبة للمسيا، بحسب ما رسموها له في أنفسهم لتناسب ميولهم وأهدافهم المنحرفة.

ومما هو جدير بالذكر …. أن بعضاً من الرابيين وعلماء اليهود، أعادوا دراستهم لنبوات الأنبياء عن المسيا، ومدى تطابقها على شخص الرب يسوع المسيح.. فخرجوا بنتيجة لا تقبل الشك، بأن يسوع الذي وُلد في بيت لحم وصُلب على الصليب ومات وقام، هو هو المسيا. فآمنوا به وقبلوه في حياتهم. وهناك عشرات بل مئات من الكتب تركوها لنا، تُعتبر من أعظم كنوز الأرض.

المسيح هو محور وهدف النبوات – أما إسرائيل فلا يعرف – القمص روفائيل البرموسي

نبوات المسيح في سفر المزامير – القمص روفائيل البرموسي

نبوات المسيح في سفر المزامير – القمص روفائيل البرموسي

نبوات المسيح في سفر المزامير – القمص روفائيل البرموسي

المزامير تأخذ مكانها لدى اليهود، نظراً للأهمية الخاصة التي تتعلّق بمجيء المسيا لديهم، وإمكانية استكشاف شخصية هذا المسيا من خلالها. هذا ولقد استشهد السيد المسيح وتلاميذه بالمزامير كثيراً في عملهم التبشيري، فعلى سبيل المثال، يقول السيد المسيح لتلاميذه بعد القيامة “وَقَالَ لَهُمْ: «هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ».” لوقا 24: 44. ولو دققنا البحث في أسفار العهد الجديد، وتتبعنا الإقتباسات المأخوذة من سفر المزامير لاندهشنا.

فنجد أن العهد الجديد يقتبس 224 مقطع من بين 103 مزمور، هذه المقاطع تحتوي على 280 آية من مختلف المزامير. ومن هذه الآيات حوالي 50 آية تختص بآلام وموت وقيامة الرب يسوع، والبشارة بالإنجيل للأمم. أما بقية الاقتباسات فيه تعليمية وللعزاء الداخلي وتقوية الإيمان.

التقليد ينسب 73 مزمور من جملة الـ150 مزمور إلى الملك داود. وفي كتابات الرابيين، المسيا يُشار إليه ك “ابن داود” لهذا السبب، فإنه في أن موضع من سفر المزامير فيه وصف للبركات التي ستأتي على بيت داود، يعتبرها الرابيون نبوة عن المسيا. لدرجة أن المعاني الجميلة في المزمور 45، التي يصف فيها داود النبي علاقة العريس بعروسه – روحياً – وافتتانه الشديد بها، يعتبرها الرابيون صورة سرّية لعلاقة المسيا بشعب إسرائيل، واعتبروا المزمور كله مزمور مسياني.

وعندما رأت الكنيسة حب المسيح لكنيسته، اعتبرت علاقة المسيح بالكنيسة كعلاقة العريس بعروسه، وعلى ذلك يكون مزمور 45 كله يتحدث عن حب المسيح العريس للكنيسة عروسه (راجع يو 3: 29/ متى 22/ متى 25/ 2كو 11: 2/ رؤ 19: 7).

أيضاً وجد اليهود في مزامير خاصة سموها مزامير النواح، والتي فيها رجل الله البار والتقي، يتألم من بُغض الشعب له، إشارة إلى المسيا ابن يوسف.. حتى آلام المخاض التي وردت في بعض المزامير، قالوا أنها آلام من أجل مملكة المسيا. وفي مدراش على سفر المزامير، يرى راشي רש”י RaSHI، أن مزمور 21، يتحدث عن المسيا الملك، خاصة الآية 1-4-7، أما الترجوم فيضيف إليهم الآية الثامنة “يَا رَبُّ، بِقُوَّتِكَ يَفْرَحُ الْمَلِكُ، وَبِخَلاَصِكَ كَيْفَ لاَ يَبْتَهِجُ جِدًّا! … وَضَعْتَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا مِنْ إِبْرِيزٍ. حَيَاةً سَأَلَكَ فَأَعْطَيْتَهُ. طُولَ الأَيَّامِ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ. عَظِيمٌ مَجْدُهُ بِخَلاَصِكَ، جَلاَلاً وَبَهَاءً تَضَعُ عَلَيْهِ…..تُصِيبُ يَدُكَ جَمِيعَ أَعْدَائِكَ. يَمِينُكَ تُصِيبُ كُلَّ مُبْغِضِيكَ.” مزمور 21.

يقول المدراش معلقاً على هذا المزمور [… هذا هو المسيا، ابن داود، الذين سيظهر في آخر الأيام. رابي تنحوما רבי תנחומא Rabbi Tanhuma يقول: المسيا الملك سيأتي ويُعطي العالم ست وصايا فقط، مثل الوصية الخاصة بعيد المظال واستعمال سعف النخيل والتمائم، ….. لكن كل إسرائيل سيتعلّم التوارة… لماذا؟ لأن كل الأمم ستطلبه]. بعد ذلك مباشرة يسأل هذا المدراش قائلاً [… من هو هذا الملك؟… الله لا يُتوج ملكاً من لحمٍ ودمٍ، ولكن القدوس – مبارك هو – سيُعطي تاجه للمسيا الملك، لأن قيل عنه “وَضَعْتَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا مِنْ إِبْرِيزٍ.” … كذلك الله لا يُلبس ملكاً أرضياً ثوبه الذي من برفير، ولكن القدوس – مبارك هو – يُلبسه للمسيا الملك، لأنه قيل “جَلاَلاً وَبَهَاءً تَضَعُ عَلَيْهِ” . وسيدعو المسيا باسمه، لأنه قيل عنه “وهذا هو اسمه الرب برنا” ] Midrash Tehilim מדרש תהלים.

وفي مدراش على سفر الخروج، يقول [… لم يأخذ موسى من الله سوى عصا “فأخذ موسى عصا الله في يده” خروج 17: 9.. أما المسيا الملك… فالقدوس – مبارك هو – سيضع تاجه على رأس المسيا الملك، في حين أن الله لا يُتوّج ملكاً أرضياً بتاجه] Midrash Shemoth 8 מדרש שמות ח. أما الترجوم فيُعلق في الهامش على المزمور قائلاً [المسيا الملك سيتكل على الرب من أجل هذا سوف لا يتزعزع. وتاجه الذي وضع على رأسه، وثوب البهاء والجلال الذي وضع عليه…. يبقى ولا يزول].

وفي مدراش آخر على سفر المزامير، يقول في تعليقه على المزمور 16[هؤلاء الذين يؤمنون بالمسيا الآتي، يوماً ما سيُمجدون بهاء حضور الله ولا يتألمون، من أجل قداسته، كما هو مكتوب “أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى الأَبَدِ.” آية 11.سيسأل شعب إسرائيل: متى ستُخلّصنا؟ سيُحيب: عندما تعانون من هول الظلم والاضطهاد، عندئذ سأخلصكم، كما هو مكتوب “وَيُجْمَعُ بَنُو يَهُوذَا وَبَنُو إِسْرَائِيلَ مَعًا وَيَجْعَلُونَ لأَنْفُسِهِمْ رَأْسًا وَاحِدًا” هوشع 1: 11… وقال “لأَنَّ أَنْفُسَنَا مُنْحَنِيَةٌ إِلَى التُّرَابِ. لَصِقَتْ فِي الأَرْضِ بُطُونُنَا. قُمْ عَوْنًا لَنَا وَافْدِنَا مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ.” مزمور 44: 25-26. وكما تتفتح الزهرة ونكشف قلبها إلى أعلى، هكذا معكم يا شعب إسرائيل، عندما تتوبون أمامي وترجع قلوبكم إلى أعلى كالزهرة، في هذه اللحظة سأُرسل المسيا إليكم، لأنه قال “أَكُونُ لإِسْرَائِيلَ كَالنَّدَى. يُزْهِرُ كَالسَّوْسَنِ” هوشع 14: 5].

وفي مدراش يُعلّق على مزمور 44 […. “لأَنَّ أَنْفُسَنَا مُنْحَنِيَةٌ إِلَى التُّرَابِ. لَصِقَتْ فِي الأَرْضِ بُطُونُنَا” مزمور 44: 25… هذه نبوة عن شخص ما سيأتي، ربما يكون المسيا. رابي حنينا רבי חנינא Rabbi Hanniah أيضاً قال: أن الرب يُحدِر إلى الموت ثم يُعيد إلى الحياة…. يُحدر إلى القبر ويُقيم…. هل هوالمسيا ابن يوسف. وبنفس هذه الطريقة سيُحدرنا الرب إلى أسفل تحت أقدام الأمم حتى إلى القبر، لكن في الحال سيُقيمنا، كما هو مكتوب” يُحدر إلى القبر ويقيم”] Sanhedrin 97a – בבלי, סנהדרין צ”ז א. وتُوجد صورة مشابهة في التلمود ولتفسير بعض المزامير التي تتحدث عن خلاص إسرائيل في آخر الأزمنة، من عمق آلامهم. هذا وقد اعتبر العديد من الرابيين أن هذه المزامير تُعد تاريخاً هاماً يُسجل أحداثاُ مستقبلية تخص شعب إسرائيل عندما يأتي المسيا.

وفي مدراش على مزمور 72 يقول […. “اَلَّلهُمَّ، أَعْطِ أَحْكَامَكَ لِلْمَلِكِ، وَبِرَّكَ لابْنِ الْمَلِكِ…..يَكُونُ اسْمُهُ إِلَى الدَّهْرِ. قُدَّامَ الشَّمْسِ يَمْتَدُّ اسْمُهُ” مزمور 72: 1، 17… مبارك ومُمجد هو المسيا الملك، ويكون اسمه ينّون ינון Yinnon الذي معناه ليته يخرج، لأن كُتِب عنه “وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ” إشعياء 11: 1. هذا الذي من قبل أن يُخلق العالم…] Mikraoth Gedoloth מקראות גדולות.

ويُشير راشي רש”י RASHI، إلى نفس هذا المزمور في تفسيره لنبة ميخا 5: 5، حيث يقول [إن المتسلّط على إسرائيل، والذي سيُولد في بيت لحم، أصوله منذ القديم منذ أيام الأزل، هو المسيا ابن داود، وكما يقول مزمور 118 “هو الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ”. ومخارجه منذ الدهر، لأنه قبل أن تكون الشمس، اسمه ينّون Yinnon] מקראות גדולות Mikraoth Gedoloth. ويقول رابي دافيد كمحي רד”ק Rabbi David Qimhi في تعليقه على مزمور 78 [بدون المسيا لا يوجد تفسير صحيح للأسفار المقدسة.

فعندما يقول داود الملك “أفتح بمثل فمي” فهو يُشير إلى المسيا، من أجل هذا سُمّي داود. وسيكون هو معلّم الشعوب، كما قيل عنه في إشعياء “هَلُمَّ نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ، إِلَى بَيْتِ إِلهِ يَعْقُوبَ، فَيُعَلِّمَنَا مِنْ طُرُقِهِ وَنَسْلُكَ فِي سُبُلِهِ». لأَنَّهُ مِنْ صِهْيَوْنَ تَخْرُجُ الشَّرِيعَةُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ كَلِمَةُ الرَّبِّ. فَيَقْضِي بَيْنَ الأُمَمِ ” إشعياء 2: 3-4].

أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ

“لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ، وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ فِي الْبَاطِلِ؟ قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ،….إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ….قَبِّلُوا الابْنَ لِئَلاَّ يَغْضَبَ فَتَبِيدُوا مِنَ الطَّرِيقِ.” المزمور الثاني

المزمور الثاني كله ، يتكلّم عن المجيء الأول للمسيا، وما يُصاحبه من أحداث، يحصرها في الآيات من 7 حتى 12. إنها تعلن بصراحة وقل كل شيء أن هذه الآيات تخص فقط المسيا ولا تخص داود النبي. فبينما داود كان ملكاً عظيماً، لكن لم يعطه الله السلطان على كل شعوب الأرض ” اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ…” ولا يُملك داود إلى أقاصي الأرض “وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ”. ويعتبر الرابيون أن المزمور الثاني كله مزموراً مسيانياً، فعلى سبيل المثال:

1 – تلمود بابل:Babulonian Talmud, Sukka 52a، يقول [معلمونا الكبار Rabbis، قالوا: القدوس – مبارك هو – سيقول للمسيا ابن داود (ليت يُظهر نفسه قريباً، في أيامنا هذه) اسألني أي شيء وأنا أُعطيه لك، كما قيل إني “ِإنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ” مزمور 2: 7-8… إنه المسيا الملك] Soncino Talmud Edition

2 – مدراش رباه على سفر التكوين: Midrash Genesis Rabbah 44: 8 يقول [رابي يوناثان Rabbi Yonathan قال: ثلاثة أشخاص طُلب منهم أن يسألوا، هم: سليمان – آحاز – المسيا الملك. سليمان “فِي جِبْعُونَ تَرَاءَى الرَّبُّ لِسُلَيْمَانَ فِي حُلْمٍ لَيْلاً، وَقَالَ اللهُ: «اسْأَلْ مَاذَا أُعْطِيكَ».” ملوك الأول 3: 5 – آحاز “ثُمَّ عَادَ الرَّبُّ فَكَلَّمَ آحَازَ قَائِلاً: «اُطْلُبْ لِنَفْسِكَ آيَةً مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ. عَمِّقْ طَلَبَكَ أَوْ رَفِّعْهُ إِلَى فَوْق».” إشعياء 7: 11 – المسيا الملك “اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ” مزمور 2: 8 Soncino Midrash Rabbah – Vol.1, P.365- 366

3 – رابي إليعازر Rabbi Eliezer (من القرن التاسع)، يقول [كل الأمم والشعوب سيجمعون معاً ويقاومون المسيا الملك – ابن داود – كما قيل “قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ” مزمور 2: 2 Prike de – Rav Eliezer, Section 28, Vol.2, P.123

 4 – راشي RaSHI (القرن الحادي عشر)، يقول […. فسّر الرابيون الكبار Rabbis أمور هذا المزمور كونها إشارة إلى المسيا الملك، ولكن أنا بحسب رأي أرى أن المعنى العام يمكن أن ينطبق على داود الملك نفسه] A Manual of Christian – Evidences for Jewish People (London: Vol.2. P.122 – 123) – Cited in Lukym Willians. يتبين لنا من هذا القول – بصورة غير مباشرة – أ، راشي يعترف بأن رأيه مخالفاً لرأي أغلب العلماء من الرابيين.

5 – مدراش على المزامير (من القرن الحادي عشر)، يقول […. “أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” مزمور 2: 7، رابي حُنا Rabbi Huna يقول: الآلام قُسّمت إلى ثلاثة أجزاء: جزء أخذه البطاركة ابراهيم وإسحق ويعقوب، وأجيال البشرية من بعدهم. جزء آخر، أخذه الجيل الذي عاش في أيام إضطهاد هادريان. والجزء الأخير سيأخذه المسيا الرب. عندما يحين الوقت، القدوس – مبارك هو – سيقول: سأخلق المسيا، خليقة جديدة. كما تقول الأسفار عنه “أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ”.

هذا معناه، أنه في يوم الخلاص العظيم، الله سيخلق المسيا… أما عن قوله “اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ.”…. فالله سيقول للمسيا: لو سألتني أن تخضع كل أمم الأرض لك، فسأعطيهم ميراثاً لك. وإن طلبت أن يمتد سلطانك على الأرض كلها، دفعتها ليدك] Midrash on Psalms, Translator: Willians G. Brande (Yale University Press, 1987, vol.1 – P.41 -44).

6 – رابي موشي بن ميمون (الشهير ب Maimonides – القرن الحادي عشر)، يقول [الأنبياء والأبراء تاقوا مدة طويلة إلى أيام المسيا، وتمنوا أن يكون مجيئه على الأبواب، كي يجمعهم معه، وينعموا بالبر الملوكي والعدل، وتسود الحكمة الحسنة. لأن الله قال له “أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” ] Manimonkeds Introduction to SangedrinK Vol.2 – Chapter 10, P.122(London:1919)

7 – رابي دافيد كمحي Rabbi David Kimchi (القرن الثالث عشر)، يقول [هناك من يفسّر هذا الجزء “قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ” عن جوج وماجوج، أما “مسيحه” فهو المسيا الملك. أما عن قوله “قبلوا الابن” فلكي يخضعوا للمسيا. هذا هو تفسير معلمينا الكبار Rabbis، مبارك هو ذكرهم] Midrash on Psalms – Rich Robinson , Vol2, P.121 – (London).

8 – كتاب Yalkut (القرن الثالث عشر)، تعليقه على هذا المزمور يُشابه إلى حد كبير مدراش على سفر المزامير، حيث ورد في الكتاب الآتي […”إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: «أَنْتَ ابْنِي”. رابي حُنا Rabbi Huna قال بالنيابة عن رابي عيدي Rabbi Idi، قُسّمت الآلام إلى ثلاثة أقسام، واحدة منها من نصيب المسيا الملك، عندما تأتي ساعته، فالقدوس – مبارك هو – سيقول: ها أنا أصنع عهداً جديداً معه، ولهذا قال له “أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ”. أما قوله “تُحَطِّمُهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ” الآية 9 فهذا هو المسيا ابن يوسف] “Yalkut”, Section 621 A.Lukym Willians – Vol2, P.122 (London).

” أَنْتَ ابْنِي….قَبِّلُوا الابْنَ “

من بين الاسماء التي أُعطيت للمسيا لقب (ابن الله). وهذا اللقب طُبق على المسيا في هذا المزمور مرتين:

  • “قَالَ لِي: أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” الآية 7
  • “قَبِّلُوا الابْنَ لِئَلاَّ يَغْضَبَ” الآية 12

هذا المسيا، الذي يجلس ملكاً على أورشليم، وملكه يمتد إلى أقاصي المسكونة، هو فريد من نوعه، إنه ابن الله، وهذا اللقب يختلف كل الاختلاف عن التعبير (أبناء الله) التي تُعبر إما عن الملائكة أو أبناء الله من البشر بالمعنى الروحي… الفرق هو: أن التعبير (ابن الله) في صيغة المُفرد، تُستعمل دائماً – وفقط – للتعبير عن المسيا. أما التعبير أبناء الله فهي دائماً تأتي في صيغة الجمع لتعبّر عن الملائكة أو أبناء الله من البشر، وهي لا تأتي أبداً في صيغة المفرد.

ومن جهة أخرى، فالمتكلم هنا هو الابن (المسيا)، حيث يقول “قَالَ (الله) لِي: أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” … إن الجزء الأول من هذه الآية يُشير إلى بنوة المسيح الأزلية، بنوته في اللاهوت أزلياً قبل الزمان “أَنْتَ ابْنِي”، بينما الجزء الثاني “أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” فهو يُشير إلى ولادته من العذراء مريم في ملء الزمان (غلاطية 4: 4)… وإلا لجاء الترتيب عكسياً وقال “أنا اليوم ولدتك. فأنت ابني”.

وكلمة الابن التي وردت في هذا المزمور مرتين، فقد استخدم الوحي الإلهي كلمتين مختلفتين، وكليهما بمعنى الابن:

  1. في الآية 7 “أَنْتَ ابْنِي” أُستعملت الكلمة العبرية “בן ب ن” مثل: يشوع بن نون – داود بن يسّى… إلخ
  2. في الآية 12 “قَبِّلُوا الابْنَ ” أُستعملت الكلمة الآرمية “בר ب ر” مثل يوسف بار سابا (أي يوسف ابن سابا) أعمال 1: 12 – يهوذا بار سابا (أي يهوذا ابن سابا) أعمال 15: 21- بارنابا (أي ابن الوعظ) أع 11 :22 – بار يشوع (أي ابن يشوع) أعمال 13: 6-8

والشيء الجميل أن التعبير الأول “أَنْتَ ابْنِي” وردت بالعبرية، لأن المسيح في مجيئه الأول وُلد تحت الناموس وجاء أساساً ليفتدي الذين هم تحت الناموس أي اليهود. أما في المرة الثانية “قَبِّلُوا الابْنَ” يرد اللفظ الآرامي الشائع بين الأمم، لأن المطلوب الآن من كل الشر – يهوداً وأمماً – أن يقبّلوا الابن، أي يتصالحوا مع الله الابن يسوع المسيح. ويُمكن القول أيضاً إن المرنم استخدم اللغة العبرية، لغة الوحي في الحديث عن البنوة في اللاهوت، بينما استخدم المرنم اللغة الآرامية، لغة الأمم للتعبير عن البنوة. كما سيراها العالم عندما يظهر المسيح بالجسد.

ونُلاحظ أن هذه الآية “أَنْتَ ابْنِي”، لا تُعلّم بأن الله جعل المسيا ابنه، ولا تقول إنه صار ابناً عندما تجسد… حاشا! فهو الابن الأزلي. ولقد اقتبس بولس الرسول هذه الآية ثلاث مرات، للتعبير عن شخص الرب يسوع:

  • “وَنَحْنُ نُبَشِّرُكُمْ بِالْمَوْعِدِ الَّذِي صَارَ لآبَائِنَا، إِنَّ اللهَ قَدْ أَكْمَلَ هذَا لَنَا نَحْنُ أَوْلاَدَهُمْ، إِذْ أَقَامَ يَسُوعَ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَيْضًا فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ.” أعمال الرسل 13: 33.
  • “كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الَّذِي قَالَ لَهُ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ».” عبرانيين 5: 5.
  • “لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ:«أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»؟” عبرانيين 1: 5.

وهنا يبين بولس الرسول، بكل وضوح، سمو السيد المسيح وتفوقه عن الملائكة. نعم أي ملاك قيل له بصيغة المفرد “أنت ابني”!! وهذا من أقوى الأدلة على مساواة الابن للآب.

كذلك قول المزمور “أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي.” الآية 6 بمعنى أقمت أو عيّنت…. لاحظ الفرق بين القولين: لكن لا يقول – قط – إنه قد عيّن ابنه أو أقام ابنه، ذلك لأنه هو الابن الأزلي… إن التعبير (الملك) يوضح لنا ما هو المسيح، بينما التعبير (الابن) يُوضح لنا من هو المسيح في ذاته. الأولى تحدثنا عن مجده الوظيفي كملك، اما الثانية فتحدثنا عن مجده الشخصي كابن.

ونلاحظ أن المسيح دُعي ليكون رئيس كهنة (عبرانيين 5: 4)، والله جعله “رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ” أفسس 1: 22، هذه كلها وغيرها أمجاد وظيفية للمسيح، لكننا لا نجد ولا مرة أن الله دعاه ليكون ابنه، أو أنه جعله ابناً له. فما أريد أن أُوصله إلى القارئ العزيز، أن البنوة ليست وظيفة. من كل ما سبق نخلُص إلى أنه كما أن الآب هو أزلي، فهكذا الابن الوحيد هو الابن من الأزل.

تفسير الرابيين لكلمة “ابن”

“قَبِّلُوا الابْنَ”، بعض الرابيين، اعترضوا على الكلمة الآرمية ” בר بَ ر”، والتي تُترجم إلى العربية ابن، وقالوا أنها لا تعني ابن. وحجتهم في ذلك تعتمد على نقطتين:

1 – يقولون لماذا كل المزمور كُتب باللغة العبرية، ما عدا هذه الكلمة كُتبت بالآرامية.

2 – كلمة “בר” تعني نقاوة أو طهارة أكثر مما تعني ابن، حيث يُمكن أن تكون الكلمة عبرية وليست آرامية.

وللرد على هذين الادعائين، نقول:

1 – الترجمة السبعينية: Septuagint

تمت هذه الترجمة في عهد بطليموس فيلادلفوس ( 285- 246 ق.م.)، فقد تُرجمت الأسفار المقدسة للعهد القديم من اللغة الأصلية العبرية إلى اللغة اليونانية… أي كانت قبل ظهور السيد المسيح بحوالي 300 سنة. وقد ترجم علماء اليهود بالاجماع هذا المزمور “قَبِّلُوا الابْنَ” واعتمدت الترجمة باليونانية هكذا، ومنها تمت الترجمة بكل اللغات: ففي العربي: قَبِّلُوا الابْنَ – وفي الإنجليزية “Kiss the son” – وفي الألمانية “KuBt dem Sohn  “. فليس لهؤلاء الرابيين أية حجة في أن يتهموا بأن هذه الترجمة هي من عندياتهم… أين كانوا هؤلاء الرافضون طوال هذه القرون.

2 – رابي ابن عزرا: Rabbi Ibn Ezra ראב”ע (القرن الثاني عشر):

 يقول [… أنا أرفض قبول إمكانية أن تكون كلمة בר تعني نقاوة أو طهارة، ولكن أميل إلى الترجمة التي اعتمدها مُعلمونا الكبار Rabbis، على كونها تعني الابن.. وهذا يتفق مع سياق الحديث، حيث أنها تعود على الشخص الممسوح المذكور في الآية الثانية، والابن المذكور في الآية السابقة أنت ابني] J. SarachekK “The Doctrine of the Messiah in Mediebal

Jewish Literature” (New York: Harmon Perss, 1968).

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

3 – رابي دافيد كمحي: Rabbi David Kimchi (القرن الثالث عشر):

 يقول [الكلمة בר هي شائعة الاستعمال بين الشعب اليهودي، رغم أنها آرامية، إلا أنها على قدم المساواة مع الكلمة (בן ب ن) وكليهما بمعنى ابن. وذلك كما ورد في سفر الأمثال “مَاذَا يَا ابْنِي؟ ثُمَّ مَاذَا يَا ابْنَ رَحِمِي؟ ثُمَّ مَاذَا يَا ابْنَ نُذُورِي؟” أمثال 31: 2. وعلى ذلك فالقراءة قبّلوا الابن يكون معناها مقبولاً، إذ يُقصد بها: قبّلوا الابن الذي دعاه الله ابن في قوله (أنت ابني)، أما الفعل قبّلوا فينبغي أن يُشرح على خلفية العادة الشائعة، في تقبيل العبيد ليد سادتهم أو التلميذ ليد مُعلمه.

لكن إذا أخذنا القراءة بمعنى نقاوة فهذا يعني: ماذا ينبغي أن أفعل معك؟ لأني نقي ، وليس فيّ جور أو ظلم حتى تأتي وتقاومني، ولكن هذا نصيبك أن تُقبلني وتعترف بأني الملك بقضاء إلهي. ولكن المعنى الأول أوقع]: “The Book of Psalms” A New Translation with Introductions (Grand Rapids: Zondervan, 1975) P.119 -120

4 – ترجمة Isaac Lesser: (القرن التاسع عشر):

ترجم Isaac Lesser 24 سفراً من أسفار العهد القديم، مع هوامش…. تُعتبر ترجمته من أدق الترجمات التي اعتمدها كبار علماء اليهود في هذا القرن. وفي هوامشه استعان بالمفسرين المعتبرين أعمدة تفسير العهد القديم لعلماء يهود. وكانت تعتبر معيار يُقاس عليها أي ترجمة أخرى منذ 1845 ميلادية، حتى ظهرت ترجمة أخرى سنة 1917 ميلادية. وفي مقدمة الترجمة التي وضعها Isaac Lesser  كتبت دار النشر التي تولت إعادة طباعة الترجمة: (Now York Hebrew Publishing Company): Leeser’s Translation Was The standard American Jish translation from 1845 until the Jewish Publication Society translation of 1917. 

هذا ولقد ترجم Leeser، الآية 12 من المزمور الثاني قبلّوا الابن Kiss the son

5 – بروفيسور Willen A. Van Gemeren، أستاذ العهد القديم:

(Professor of old Testament and Chairman, Dept. of O.T. studies Reformed Theological Seminary)

 يقول [أنا أنحاز للترجمة التقليدية (الابن)… فمن سياق الحدث في المزمور (الخضوع للرب وللشخص الممسوح)، فإن الرأي بأن الترجمة “قَبِّلُوا الابْنَ لِئَلاَّ ….” هي أكثر واقعية في إنسجام المعنى، مما لو تُرجمت (نقي). ويبدو ا، المرنم قد استخدم الكلمة الآرامية בר بَ ر عمداً كونها موجهة مباشرة إلى الأمم الأجنبية الأخرى. هذا بالإضافة إلى أن استعمال المرنم בר (وتنطق bar penK، أي كلمة الابن بالآرامية + كلمة خشية أو لئلا) ليتفادى عدم انسجام النغم الشعري، لو قال בן (وتنطق ben pen أي كلمة الابن بالعبرية + كلمة خشية أو لئلا)]،   “In the Expositor’s Bible Commentary” Frank E. Gaebelein, Vol.5 (Grand Rapids: Zondervan, 1991),p.72.   

6 – كتاب “Zohar“:

يقول […. إنه الابن، الذي كُتب عنه “قَبِّلُوا الابْنَ”، “أنت ابني” و”الراعي الصالح”. وقد قال من أجله “قَبِّلُوا الابْنَ” لأنك أنت هو حاكم المسكونة، رأس إسرائيل، سيد الملائكة المُرسلة، ابن العلي، ابن القدوس والمبارك والمجد العظيم Shechinah].

 Shechinah”Zohar” Part3, folio 307, Amsterdan edition

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

اسم ابن الله

“مَنْ صَعِدَ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ؟ مَنْ جَمَعَ الرِّيحَ في حَفْنَتَيْهِ؟ مَنْ صَرَّ الْمِيَاهَ في ثَوْبٍ؟ مَنْ ثَبَّتَ جَمِيعَ أَطْرَافِ الأَرْضِ؟ مَا اسْمُهُ؟ وَمَا اسْمُ ابْنِهِ إِنْ عَرَفْتَ؟ ” أمثال 30: 4

هذه النبوة تحتوي على ستة أسئلة، هي:

  1. من صعد إلى السموات ونزل؟
  2. من جمع الريح في حفنتيه؟
  3. من صرّ المياه في ثوبٍ؟
  4. من ثبّت جميع أطراف الأرض؟
  5. ما اسمه؟
  6. ما اسم ابنه؟

الأسئلة الأربعة الأُول، هي أسئلة تُطرح لمجرد جذب الانتباه والتأثير في النفوس، لا ابتغاء الحصول على إجابة.  وإجابة هذه الأسئلة واضحة، حيث أن الله وحده هو القادر لإنجاز هذه الأشياء. السؤال الخامس، سهل أيضاً، حيث أن اسم الله قد كُشف للناس في أسفار موسى، وقبل أن يُكتب سفر الأمثال بفترة طويلة. اسم الله هو “يهوه יהוה ي ه و ه” ومعناه “أنا هو الكائن والذي كان – أنا هو”.

حيث جاء في سفر الخروج “فَقَالَ مُوسَى للهِ: «هَا أَنَا آتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إِلهُ آبَائِكُمْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. فَإِذَا قَالُوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟» فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ». وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِمُوسَى: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ. ” خروج 3: 13-15. (راجع رؤيا 1: 4-8/ 4: 8/ 11: 17/ 16: 5). وفي الترجمات الحديثة سواء العربية أو الإنجليزية تُرجمت “يهوه” ب “الرب”، “Lord”.

أما السؤال السادس، والذي هو في الحقيقة عسير على اليهود في هذا العصر أن يعرفوا الإجابة عليه “ما اسم ابنه؟”. هذا ولقد أخبرتنا الأسفار المقدسة في العهد القديم مسبقاً أن لله ابناً. وقد ورد ذلك صراحة مرتين، في المزمور الثاني، وفي هذه النبوة من سفر الأمثال. وقد تعرّفنا على أسماء عديدة للمسيا، كنا قد درسناها من قبل في العديد من النبوات مثل : عمانوئيل – الرب برّنا – الغصن – … إلخ.

هذا وقد كشف لنا العهد الجديد صراحة عن اسم ابن الله، وهو يسوع “وتدعو اسمه يسوع. لأنه يُخلص شعبه من خطاياهم” متى 1: 21. وقد جاهر بطرس الرسول باسمه قائلاً: “يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِذَاكَ وَقَفَ هذَا أَمَامَكُمْ صَحِيحًا. هذَا هُوَ: الْحَجَرُ الَّذِي احْتَقَرْتُمُوهُ أَيُّهَا الْبَنَّاؤُونَ، الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ”. أعمال 4: 10-12.

نبوات المسيح في سفر المزامير – القمص روفائيل البرموسي

المسيح في أسفار الناموس جـ1- القمص روفائيل البرموسي

المسيح في أسفار الناموس جـ1- القمص روفائيل البرموسي

المسيح في أسفار الناموس جـ1- القمص روفائيل البرموسي

المسيح في أسفار الناموس جـ2- القمص روفائيل البرموسي

أوّلا: نسل المرأة

1- تكوين 15:3

“واضع عداوة بينك وبين المراة وبين نسلك ونسلها. هو يسحق راسك وانت تسحقين عقبه. “

ليست مفاجأة أن أولى النبوءات المسيانيّة، تظهر ضمن سياق الحديث عن السقوط، فلو لم تدخل الخطيّة الى العالم، فلا حاجة إذاً الى مسيّا مُخلّص. فبعد السقوط لعن الله الحيّة التي احتالت على الجنس البشري، وكشف عن العداوة بين الحيّة والمرأة، وأنّ هذه العداوة امتدّت بين نسل المرأة ونسل الحيّة … نسل المرأة، يُشير الى المسيح – المسيّا – وأمّا نسل الحيّة فيُشير الى الشيطان ضد المسيح ومن يستخدمهم لمقاومة المسيح.

في هذه النّبوّة الأولى، نفهم أنّ أصل المسيّا ونسبه، يُنسب الى المرأة وليس الى الرّجُل … رغم أنّ هذا يتعارض مع ما هو مُتّبع في العهد القديم. ففي أسعار العهد القديم، توجد سلسلة أنساب عديدة: تبدأ من سفر التكوين الإصحاح الخامس والإصحاح العاشر، ثم الإصحاحات التسعة الأولى من سفر اخبار الأيام الأولى، علاوة عن باقي الأسفار المطوّلة سواء من كُتُب موسى او الأنبياء، نجد العديد من سجلاّت الأنساب … يُدرج فيها أسماء الرّجال فقط دون النساء. فالعادة المتّبعة أنّ النسب الشرعي والقومي وتماثل السبط، يُؤخذ عن طريق الأب وليس عن طريق الأم (الاستثناء الوحيد لذلك، هو ما ورد في عزرا 61:2، ونحميا 63:7).

فمن النادر جدّاً إدراج إسماء نساء في سلسلة الأنساب ما لم تكن ذات شأنٍ خاص وبارز في التاريخ اليهودي … وحتّى في هذه الحالة يُشار اليها بطريقة عابرة.

وحقيقة الأمر أنّ موسى النبي – في سفر التكوين – يعزو نسب المسيّا الى “نسل المرأة، ليُخبرنا بأنّ شيئاً ما يحدث بخصوص المسيّا … شيئاً يُحتّم أن يُنسب المسيّا من خلال أمّه وليس من خلال أبيه. وهنا لا يُعطينا موسى النبيّ سبباً واضحاً لذلك، ولا أحد طوال قرونٍ عديدةٍ فسّر ذلك، حتّى جاء إشعياء النّبيّ، وتنبّأ في الإصحاح السابع، عن ميلاد المسيّا من عذراء بلا أبٍ جسدي.

وفي هذه النبوءة أيضاً، نرى المسيّا يسحق رأس الحيّة “الشيطان”، الذي بدأ بموت المسيح وقيامته، والذي يُشير اليه معلّمنا بولس الرسول قائلا “فاذ قد تشارك الاولاد في اللحم والدم اشترك هو ايضا كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت اي ابليس” (عب 14:2). ويوحنا الحبيب يؤكد على ذلك بقوله “طرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو ابليس والشيطان الذي يضل العالم كله طرح الى الارض وطرحت معه ملائكته.” (رؤ 9:12)، “فقبض على التنين الحية القديمة الذي هو ابليس والشيطان وقيده ألف سنة” (رؤ 2:20).

أمّا التلميح بالميلاد العذراوي، بقوله “نسل المرأة”، فهذا إشارة الى طبيعة المسيح الناسوتيّة. وفي هذا تمهيد للجنس البشري، بأن المسيّا سيكون في صورة إنسان.

الترجوم المنسوب ليوناثان TPsJ، يسترعي الانتباه في تفسيره لهذه النبوءة: فهو يربط بين الكلمة “عقب Aqev עקב” والكلمة “نهاية Iqvah עיקבא”، لذا يقول في تفسيره الآية “سينعم إسرائيل بالسلام في النهاية، في نهاية الأيام، في أيام المسيّا الملك” Bereshith Rabbah 23 – בראשית רבה כ”ג.

أما ترجوم يوناثان، فيربط بين الكلمة الآراميّة “يصنع سلاماً Shefiyuta שפיותא” والكلمة العبريّة “يسحق Yeshufach ישופך”، لأنّ جذر كل من الكلمتين واحد، ولذا يترجمون هذه الآية هكذا “في النهاية، في أيام المسيّا الملك، سيُجرح في قدمه، كي ينعم شعب إسرائيل بالسلام والرّاحة، كما كُتب عنه في مزمور 16:22 “لأنه قد احاطت بي كلاب. جماعة من الاشرار اكتنفتني. ثقبوا يدي ورجلي”.

وأغلب العُلماء من الرابيين شرحوا هذه الآية، بنفس أسلوب ترجوم يوناثان وقالوا: إن شعب إسرائيل في نهاية الأيام، في أيام الملك الممسوح، سيشفون من عضّة الحيّة وينعمون بالسلام والرّاحة. أما رابي دافيد كمحي רד”ק Rabbi David Qimhi فيقول في تفسيره لهذه الآية (إنّ المسيّا في نهاية الأيّام سيأتي ليسحق رأس الحيّة. وبدون المسيّا لا يوجد تفسير صحيح للأسفار المُقدّسة).

 

2- تكوين 1:4

“وعرف ادم حواء امراته فحبلت وولدت قايين. وقالت اقتنيت رجلا من عند الرب.”

نقرأ في الترجمة العربيّة الموجودة لدينا المقطع (رجلاً من عند الرّب)، أمّا الأصل العبري، يُترجم حرفيّاً، … اقتنيت رجل: يهوه، وتُكتب بالعبرية: איש את-יהוה. قليلون من مُترجمي الأسفار المُقدّسة، فهموا حقيقة ما قالته حوّاء في هذه الآية، وللأسف، الترجمة العربيّة لا تُعبّر بدقّة عن النّص في العبريّة. لقد فَهمَت حوّاء جيّداً وبوضوح من كلمات الله في تكوين 15:3، إن الحيّة ستُسحق بواسطة “الله-الإنسان”.

على نحوٍ بيَّن اعتقدت حوّاء أنّ قايين هو “يهوه”، وبحسب مفهومها “الله – الإنسان”. اعتقادها من ناحية المبدأ اللاهوتي، صحيح – اذ أنّ المسيّا سيكون الهاً وإنساناً معاً – لكن خطأها الذي وقعت فيه، هو من جهة التطبيق فقط. لقد افترضت أنّ قايين، مولودها الأول، هو الموعود به “الله – الإنسان”، ولقد أدركت بسرعة خطأها، وهذا يتّضح عند ولادة أخٍ لقايين ودعت اسمه هابيل، الذي معناه بخّار أو نسمة.

ولقد قام العديد من الباحثين، في مختلف الأزمنة بوضع ترجمة لتكون أقرب ما يكون للنصّ العبري، فمثلا “اقتنيت رجلاً من عند الرّب” – “اقتنيت رجلاً بمعونة الرّب” …. حيث أُضيفت الكلمات: “من عند – من قبل – بمعونة”، لتفادي القراءة غير المقبولة لهم او القراءة المبهمة لديهم (نفس هذا الشيء في الترجمات الإنجليزية والألمانيّة). غالبيّة الترجمات الموجودة لدينا من عربيّة انجليزية – المانية …. الخ، لم تعتمد على النص الأصلي العبري، بل على الترجمة السبعينيّة اليونانيّة، التي ترجمت الآية “من عند”. ونفس الشيء إتُّبِعَ في الترجمة اللاتينّية (الفولجاتا Vulgate)، والتي تقول “من قِبل”.

الترجوم المنسوب ليوناثان TPsJ، وهو ترجمة آراميّة للنصّ العبري، يقول “اقتنيت رجلا: ملاك يهوه”. وهنا الرابيون يعطون ترجمة هي أقرب ما يكون للنّص العبري. أمّا ترجوم يوناثان “Targum Pseudo – Janathan”، يترجمها “اقتنيت الرجل ملاك الربّ”. في ترجمة آراميّة أخرى هو ترجوم أونكيلوس Targum Onqelos يقول “اقتنيت رجلاً من أمام يهوه” هذه الترجمات الآراميّة والصّيغ تُظهر أنّ الأصل العبري يتضمّن مفهوماً يفوق العقل البشري، تعجز الترجمة عن نقله حرفيّاً، هذا من جهة … من جهة أخرى كل المترجمين الذين أخذوا من النصّ العبريّ، لم يتخيلوا أنّ حوّاء ستقتني الربّ نفسه.

على أنّ “ملاك الربّ” أو “ملاك يهوه”، حسب اللاهوت المسيحي هو الأقنوم الثاني في الثالوث القدّوس … لكن بالطبع، ليست هذه هي نظرة مُترجمي التراجيم اليهوديّة. (سنناقش هذا الموضوع فيما بعد).

وفي تعليق مدراش رباه Midrash Rabbah מדרש רבה، على تكوين 1:4 “من عند الرب”. يقول (رابي يشماعيل רבי ישמעאל Rabbi Ismael سأل رابي عكيڤا רבי עקיבא Rabbi Akiba، قائلا: حيث أنّك خدمت رابي ناحوم الجمزو Nahum of Gimzo لمُدّة 22 سنة. وما هو سبب وضع أداة النصب، “את – ات” في هذه الآية “את-יהוה”.

فأجاب لو قال “اقتنيت رجل: الله، سيكون هذا صعب الفهم او التفسير، لهذا تطلب الحاجة الى استعمال את وهي أداة نصب تتقدّم المفعول به إذا كان الاسم معروفاً إذا كان الاسم معروفاً. فتكون الترجمة لأي لغة أخرى هي “من قِبل” او “من عند” وبالتالي تكون الآية “اقتنيت رجلاً من قبل يهوه”. وفي الهامش المُدوّن صفحة 181 من هذا المدراش، يقول: ⌡الى حدّ بعيد تدل الآية على أنّها (حوّاء) ستقتني الرّب نفسه⌠. والرابيون فهموا مضمون معنى الآية، ولهذا عملوا بقدر طاقتهم أن تكون ترجماتهم دقيقة.

3- تكوين 21:5-31

“وعاش اخنوخ خمسا وستين سنة وولد متوشالح. وسار اخنوخ مع الله بعدما ولد متوشالح ثلث مئة سنة وولد بنين وبنات. فكانت كل ايام اخنوخ ثلث مئة وخمسا وستين سنة. وسار اخنوخ مع الله ولم يوجد لان الله اخذه وعاش متوشالح مئة وسبعا وثمانين سنة وولد لامك. وعاش متوشالح بعدما ولد لامك سبع مئة واثنتين وثمانين سنة وولد بنين وبنات. فكانت كل ايام متوشالح تسع مئة وتسعا وستين سنة ومات وعاش لامك مئة واثنتين وثمانين سنة وولد ابنا.

ودعا اسمه نوحا. قائلا هذا يعزينا عن عملنا وتعب ايدينا من قبل الارض التي لعنها الرب. وعاش لامك بعدما ولد نوحا خمس مئة وخمسا وتسعين سنة وولد بنين وبنات. فكانت كل ايام لامك سبع مئة وسبعا وسبعين سنة ومات”

في هذا المقطع نقرأ عن أخنوخ البار، الذي قيل عنه (ولم يوجد لأن الله أخذه). وفي رسالة يهوذا نقرأ عن أخنوخ. أيضا أنه كان مُبشِراً بالبِرّ ونبيّاً “وتنبأ عن هؤلاء ايضا اخنوخ السابع من ادم قائلا هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه ليصنع دينونة على الجميع ويعاقب جميع فجارهم على جميع اعمال فجورهم التي فجروا بها وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاه فجار.” (يه 14-15). والاسم الذي أعطاه أخنوخ لابنه متوشالح، يُضيف إشارة نبويّة قويّة.

فالاسم (متوشالح) اسم عبري معناه حرفيّاً (عندما يموت سيأتي). فهذه النبوءة تُشير الى مجيء الطوفان. ولقد فهم لامك أن اسم أبيه متوشالح يحمل نبوءة، ولكنّه أخطأ حين ظنّ في أنّ الاسم يُشير الى زمن ولادة ابنه نوح. حقّاً إنّ نوح سيكون رجلاً ذو أهمّيّة قصوى في التاريخ البشري، لكن ليس بالطريقة التي فكّر بها لامك.

واضح أنّ لامك كان يأمل أنّ نوحاً، والذي معناه [الرّاحة] او [المُعزّي]، سيكون الى حدٍّ بعيد هو المسيّا. ويتّضح من الأعمار والسنين المدوّنة في تكوين 5، أنّ لامك كان عمره 56 سنة حين مات آدم. بناء على ذلك، فإنّه من المؤكد أنّ لامك عرف وتسلّم بدقة ما حدث في جنّة عدن، وكل الكلمات التي نطق بها الله، لذا، فمن المشوق جدا أن نرى في الآية (تك 29:5)، كيف عبّر لامك عن رجائه المسياني بأن سمّى ابنه (نوحاً).

قائلاً (هذا يُعزّينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل الأرض التي لعنها الرب). فقد رأى لامك، المسيّا كمخلّص ينزع ويمحو لعنة سقوط آدم وحوّاء، وكلّ نتائجها …. تماماً، كما ظنّت حواء في قايين، أنّه المسيّا هكذا لامك من ناحية المبدأ اللاهوتي كان صائباً، لكن أخطأ التطبيق. كان في ذهن لامك، أنه في يوم ما، تتحقق فيه الوعود التي وردت في تكوين 15:3، يسحق رأس الحية، لكن لم يكن نوحاً هذا الإنسان.

أما عن الاسم (متوشالح) وما فيه من نبوة، فهي تخص مجيء الطوفان فالاسم معناه (عندما يموت سيأتي) أي عندما يموت متوشالح سيجيئ الطوفان. فبطريقة حسابية بسيطة، بحسب التواريخ الواردة في سفر التكوين 3:5-32 / 6:7-11 / 28:9-29، نرى أن الطوفان جاء سنة 1656 لخلقة الإنسان، وهي نفس السنة التي مات فيها متوشالح، أنظر الجدول التالي:

سلسلة أنساب نوح كان عمره حين ولد ثم عاش العمر بالكامل سنة خلقه الإنسان حين مات
1) آدم 130 800 930 930
2) شيث 105 807 912 1042
3) آنوش 90 815 905 1140
4) قيدان 70      
5) مهلليئل 65      
6) يارد 162      
7) أخنوخ 65      
8) متوشالح 178      
9) لامك 182      
10) نوح 500 عندما كان نوح في عمر 500 سنة ولد مما وجاما وثافث.

 

الطوفان

+

100

عندما كان نوح ابن 600 سنة صار الطوفان

=

1656 خلق الإنسان

4- تكوين 1:6-4

“وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الارض وولد لهم بنات ان ابناء الله راوا بنات الناس انهن حسنات. فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا فقال الرب لا يدين روحي في الانسان الى الابد. لزيغانه هو بشر وتكون ايامه مئة وعشرين سنة كان في الارض طغاة في تلك الايام. وبعد ذلك ايضا اذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم اولادا. هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم”

ليست الخليقة البشريّة وحدها، هي التي فهمت معنى ومعزى كلمات الله في سفر التكوين 15:3. أيضا، الشيطان الذي وجّه له الرب هذه الكلمات “واضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها. هو يسحق راسك وانت تسحقين عقبه.”…… وقد فهمها جيّداً. ولذا، ففي تكوين 1:6-4، نرى بوضوح المحاولة الأولى للشيطان في مقاومة خطّة الله بخصوص المسيّا. وبما أنّ المسيّا سيكون من نسل المرأة، إذاً يكون هدف الشيطان: كيف يُفسد هذا الخط من النسل.

طبقاً لمُحاولة إفساد نسل المرأة، قاد الشيكان وملائكته الأشرار الساقطين، أولاد الله كي يتزوجوا من بنات الناس …. كانت نتيجة هذا التزاوج أن نشأ الجبابرة 1 Nephilim ….. هذا النسل الوحشي الشرير كان سبباً في جلب [1] دينونة الله بالطوفان، إذ محا الله كلّ الجبابرة، وأبقى له بقيّة والتي سيأتي منها المسيّا. هذه البقيّة تمثلت في نوح البار. أبو البشريّة الجديدة بعد الطوفان.

 

ثانيا: نسل إبراهيم

تكوين 18:22

“ويتبارك في نسلك جميع امم الارض. من اجل أنك سمعت لقولي.”

يحوي الإصحاح 22 من سفر التكوين على العديد من الآيات التي تخبرنا عن العهد مع إبراهيم، وهو أحد العهود الثمانية المذكورة في أسفار العهد القديم والمصطلح العبري لكلمة (نسل) يستعمل عادة للدلالة على المفرد… على أنه يستعمل بطريقتين مختلفتين: يمكن أن يستخدم بالمفرد على الإطلاق بمعنى شخص واحد متميّز – أو يستعمل بالمفرد الدال على الجمع، بمعنى جماعة واحدة.

ففي سياق الحديث عن العهد مع إبراهيم، استُعمِلت كلمة (نسل) في صيغة المفرد الدال على الجمع، ليعبِّر عن جماعة بني إسرائيل ” ثم اخرجه الى خارج وقال انظر الى السماء وعد النجوم ان استطعت ان تعدها. وقال له هكذا يكون نسلك.” (تكوين 5:15) “اباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيرا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر. ويرث نسلك باب اعدائه” (تكوين 17:22).

أمّا حين تُستعمل كلمة (نسل) كمُفرد على الإطلاق، كما في النبوّة التي ندرسها الآن، فهي تُشير الى شخص واحد محدّد هو المسيّا “ويتبارك في نسلك جميع امم الارض. من اجل أنك سمعت لقولي” (تكوين 18:22).

في مدراش رباه Bereshith Rabbah 23 בראשית רבה כ”ג، في تعليقه على هذه النبوة يقول <“النسل” هو المسيّا الملك، الذي سيأتي من المرأة. وقد جاءت في صيغة المفرد، حيث أنّ المقصود هو وحده. تماماً كما جاء عنه في تكوين 15:3 “واضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها. هو הוא يسحق راسك وانت تسحقين عقبه.” فالضمير الشخصي هنا مفرد hû הוא، ولذلك استعمل معه ايضاً الصيغة بالمفرد في قوله “نسل” المرأة، لتُشير الى المسيّا (الملك).

هذا ولقد كشف معلّمنا يولس الرسول عن هذه الحقيقة، في تعليقه على الآية ” واما المواعيد فقيلت في ابراهيم وفي نسله. لا يقول: «وفي الانسال» كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد: «وفي نسلك» الذي هو المسيح.” (غلاطية 16:3). وعليه، ففي تكوين 15:3، عرفنا أن المسيّا سيكون من نسل المرأة، أي سيأخذ طبيعة بشريّة كاملة. ومن خلال العهد مع إبراهيم في تكوين 18:22، قد حصر المسيّا بأنّه سيكون من نسل واحد خاص، ألا وهو نسل إبراهيم.

أمّا النقطة الأخرى في هذه النبوة، فهي تخص الأمم أي الشعوب الوثنيّة. فهذه الأمم الوثنيّة ستتبارك من خلال نسل إبراهيم، أي أنّه سيكون لها نصيباً في هذا المسيّا. وبالتالي، فإنّ المسيح قد جاء من أجل اليهود والأمم على حدٍّ سواء “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الابدية. ” (يوحنا 16:3). وهذا يتفق مع “ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض”.

 

ثالثا: نسل يهوذا

1- تكوين 27:38-29

” وفي وقت ولادتها إذا في بطنها توأمان، وكان في ولادتها أن أحدهما أخرج يدا فأخذت القابلة وربطت على يده قرمزا، قائلة: هذا خرج أولا، ولكن حين رد يده، إذا أخوه قد خرج. فقالت: لماذا اقتحمت؟ عليك اقتحام. فدعي اسمه فارص”

مرّة أخرى نعود الى نسل المرأة.. فالمرأة هنا هي (ثامار)، أمّا النسل الذي يأتي منها فهو (فارص)، الذي يأتي من يهوذا. ومن الأسماء عُرف بها المسيّا في التراجيم والتلمود هو “المسيّا بن فارص”.

ونُلخّص شرح هذه النبوة في ثلاث نقاط:

أوّلاً: في مدراش راعوث Midrash Rauth מדרש רות، يربط بين مفهوم (النسل)، (المسيّا) حين يتحدّث عن الولي. ففي اللغة العبريّة كلمة (وليّ) تُعطي نفس معنى (فادي او مُخلّص). فيقول هذا الميدراش في تعليقه على راعوث 12:4-14 “وليكن بيتك كبيت (يقصد بوعز) فارص الذي ولدته ثامار ليهوذا من النسل الذي يعطيك الرب من هذه الفتاة (راغوث) 13 فاخذ بوعز راعوث امرأة ودخل عليها فأعطاها الرب حبلا فولدت ابنا. 

14 فقالت النساء لنعمي مبارك الرب الذي لم يعدمك وليا اليوم لكي يدعى اسمه في اسرائيل. “هذا هو فارص نسل المسيّا الملك. هذا هو فارص الذي قيل عنه: الله اعدّ نسلاً آخر، من مكان آخر، يأتي منه المسيّا بن فارص Rauth Rabbah 8 רות רבה ח.

ماذا يقصد المدراش السابق بقوله (الله أعدّ نسلاً آخر، من مكان آخر).

هذا القول جاء في مدراش قديم على سفر التكوين لشرح الآية التي تقول “وعرف ادم امراته ايضا. فولدت ابنا ودعت اسمه شيثا. قائلة لان الله قد وضع لي نسلا اخر عوضا عن هابيل.لان قايين كان قد قتله.” (تكوين 25:4). ويسأل هذا المدراش قائلاً: (إنّه يتكلّم عن نسل آخر، من مكانٍ آخر. من يكون هو؟؟؟ هو المسيّا الملك) Bereshith Rabbah 23 בראשית רבה כ”ג.

ثانيا: فارص هذا هو الذي ورد اسمه في سلسلة أنساب السيد المسيح، بحسب إنجيل متى “ويهوذا ولد فارص وزارح من ثامار. وفارص ولد حصرون. وحصرون ولد ارام.” (متى 3:1). ليُنبّه ذهن القارئ أنّ الربّ يسوع، هو المسيّا الذي جاء من نسل فارص بن يهوذا، وهذا هو نسل المرأة، حيث يذكر الإنجيل متعمّداً القول “……… من ثامار”.

وبدقّة متناهية، يرصد مدراش فارص Midrash Perez، عمل المسيّا بن فارص، بقوله (إنّ المسيّا بن فارص سيعالج آثار الدمار الناتج عن السقوط). ومدراش رباه Midrash Rabbah מדרש רבה، يصف السابق بأسلوب جديد، بدأه بفارص، قائلاً (هذا هو تاريخ فارص، الذي له مغزى عميق…. فعندما خلق القدوس عالمه، لم يكن الى ذلك الحين، يوجد ملاك الموت بعد. لكن بعدما سقطا آدم وحوّاء في العصيان، كل الأجيال فسدت.

وعندما ظهر فارص، بدأ التاريخ أن يتحقق من خلاله، لأن منه سيظهر المسيّا. وفي أيّامه سينزع القُدّوس لعنه الموت، كما هو مكتوب “يبلع الموت الى الابد ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه وينزع عار شعبه عن كل الارض لان الرب قد تكلم” (إشعياء 8:25) Shemoth Rabbah שמות רבה (مدراش رباه لسفر الخروج).

من الصعب الحصول على مصدر يهودي، يلتقي نصّه مع ما قدّمه بولس الرسول في رسالة روميّة، عن المسيح الغالب الموت، مثل النص السابق. يقول بولس الرسول “من اجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية الى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت الى جميع الناس، اذ أخطأ الجميع. ” (روميّة 12:5) أيضاً في كورنثوس الأولى، يقول “لأنه كما في ادم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع. ” كورنثوس الأولى 22:15.

إذاً، جذور سرّ تاريخ الخلاص هذا، يرجع الى بداية سقوط الجنس البشري. ولقد كتب البروفيسور Gottleib Klein في بداية القرن العشرين، معلقاً على ذلك بقوله (بمفهوم النظام الذي يُعرف بـ }التوقيع بالأحرف الأولى{، وهو مظهر يتعلّق باحترام كلّ حرف موجود في الكلمة. إذ كل حرف في الكلمة يُشير الى حرف أوّل لكلمة أخرى. فالحروف العبريّة الثلاثة لكلمة آدم هي אדם، التوقيع هو:

א ◄ אדם ד ◄ דוד ם ◄ משיח
ا ◄ ادم د ◄ دود (دڤيد – داود) م ◄ م ش ي ح (مسيح)

بهذه الكيفيّة سيُعالج المسيّا – المسيح – نسل داود، سقوط آدم. ومما هو جدير بالذّكر أنّ Dr. Gottleib Klein، يعتبر من أكبر علماء الكتاب المقدّس في العصر الحديث، آمين بالسيد المسيح، وكان قبلاً يهوديّاً.

كذلك أشهر الأعمال التي يقوم بها المسيّا – حسب الترجوم – إنّه سيصنع سلاماً حيث كانت العداوة. ويُشير بولس الرسول الى ذلك قائلاً “لانه هو سلامنا، الذي جعل الاثنين واحدا، ونقض حائط السياج المتوسط 15 اي العداوة. مبطلا بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه انسانا واحدا جديدا، صانعا سلاما،” (أفسس 14:2-16).

ثالثا: المسيّا ينقض حاجز الناموس: نقرأ في سفر التكوين عن فارص بن يهوذا وثامار “ولكن حين رد يده، اذ اخوه قد خرج. فقالت: لماذا اقتحمت؟ عليك اقتحام. فدعي اسمه فارص.” (تكوين 29:38). كُنّا قد تكلّمنا سابقاً عن اسم فارص وعلاقته بالمسيّا كغالب الموت. أمّا عن علاقة فارص بالمسيّا فيما يتعلق بإرجاع العلاقة مع الله، فنقرأ في المشناه (يُدعى المسيّا بن فارص، الذي يُرجع ما فقدته البشريّة بسقطة آدم) Megillath ha – Shabath 113.

وفي ميدراش آخر، يتحدث رابي تنحوما Rabbi Tanhuma bar Abba רבי תנחומא בר אבא مرّات عديدة عن المسيّا وارتباطه بفارص، فيقول (هناك خطأة يتكبّدون بسبب سقوطهم خسارة عظيمة، وهناك من يستفيدون من أخطائهم. هكذا، استفدنا نحن من يهوذا، حيث جاء منه فارص، ومنه ينحدر داود والمسيّا الملك الذي سينقذ إسرائيل.

أنظروا كم هي عظيمة المتاعب التي يتكبدها القدّوس، حتّى يظهر المسيّا الملك من يهوذا، والذي كُتب عنه “روح السيد الرب علي لان الرب مسحني لأبشر المساكين ارسلني لأعصب منكسري القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق. لأنادي بسنة مقبولة للرب وبيوم انتقام لإلهنا لأعزي كل النائحين لأجعل لنائحي صهيون لأعطيهم جمالا عوضا عن الرماد ودهن فرح عوضا عن النوح ورداء تسبيح عوضا عن الروح اليائسة فيدعون اشجار البر غرس الرب للتمجيد ” (إشعياء 1:61-3) Midrash Tanhuma, Bereshith מדרש תנחומא, בראשית.

أمّا مدراش رباه Midrash Rabbah מדרש רבה, فيناقش هذه النبوّة، فيقول (المخلّص الأخير هو المسيّا الملك ابن داود الذي من نسل فارص بن يهوذا ….. هذا هو المسيّا الملك الذي كُتب عنه “يرسل الرب قضيب عزك من صهيون. تسلط في وسط اعدائك” (مزمور 2:110).

وتضيف شروحات الرابيين، الآتي – هذا هو المسيّا الذي ظهوره أصبح قريباً، لأنّه قد كُتب عنه “قد صعد الفاتك امامهم. يقتحمون ويعبرون من الباب ويخرجون منه ويجتاز ملكهم امامهم والرب في راسهم” (ميخا 13:2) -.

رمبان Nahmanides רמב”ן (رمبان: هو اختصار لرابي موشي بن نحمان)، عاش في نهاية القرن الثالث عشر، يصف ميلاد فارص كالتالي (…. فارص أحاط به سياج وحوصر داخله، لكن اقتحم هذا السياج قبل أخيه فخرج اوّلاً وصار بِكراً. لهذا قيل عنه – لماذا اقتحمت -، أي كيف نقضت الحاجز وخرجت منه … فارص هو الابن البكر بقوّة العليّ، كما هو مكتوب – سأعطيه إبناً يكون هو الابن البكر-. الحكماء فقط هم سيفهمون) Mikraoth Gedoloth מקראות גדולות (Corresponding Section). ما هو الذي سيفهمه الحكماء؟؟!! وماذا يقصد بـ (كيف نقضت الحاجز وخرجت منه)؟؟!!. نُجيب على هذه الأسئلة، نقول:

(أ) <كيف نقضت الحاجز وخرجت منه>، تاريخيّاً هذا وصف لما حدث بالفعل حين حطّمت المسيحية القالب اليهودي والسياج الحديدي لحرفيّة الناموس وطقوسه، وخرجت منه …. كما يخرج الجنين الحيّ من بين فلقتيّ الحبوب البقوليّة، محطماً القشرة الخارجيّة الصلبة، او كما يطلع نور الفجر ويشق سياج الظلمة القاتم. هذا من جهة …. من جهة اخرى: أمّا فيما يتعلق بتمزيق هذا الحاجز، فنقول، يوجد حسب تعاليم الرابيين، رسميّاً 613 أمر ونهي …. هذه الأوامر والنواهي بدأت مبكراً، ففي سفر إشعياء (كتب حوالي سنة 700 ق.م)، يقول “لأنه امر على امر.

امر على امر. فرض على فرض. فرض على فرض. هنا قليل هناك قليل” (إشعياء 10:28). ويبدو أنّ هذه الأوامر والنواهي، تنامت مع مرور الوقت حتى أصبحت 613 أمر ونهي. قد حوّلها قادة اليهود الدينيين من كلمة <عزاء وراحة> الى ديانة تُطالب وتحاكم، وخوف الله لم يعد إلاّ قوانين تعلم للناس، من ينفذ هذه القوانين يعتبر نفسه بارّاً ومن يهملها يصير مجرما ويعاقب. من أجل هذا، يلومهم الرب، بعد قوله السابق مباشرة، قائلاً “فقال السيد لان هذا الشعب قد اقترب الي بفمه وأكرمني بشفتيه واما قلبه فابعده عني وصارت مخافتهم مني وصية الناس معلمة ” (إشعياء 13:29).

فترجوم يوناثان Targum Jonathan תרגום יונתן, يقول {خلق الله للإنسان 248 عظمة، 365 وتراً – على عدد أيّام السنة -، فيكون جملة عدد النواهي والأوامر هي 613 أمراً ونهياً: وهي عبارة عن 248 أمراً + 365 نهياً}. من هذا نتبيّن أنّهم أي الرابيين أضافوا من عندهم وصايا وأوامر ونواهي، إلى وصايا الرب، أي أقاموا سياجاً حول الناموس، وبداخل هذا السياج، يعيش اليهودي الورع.

ولذا، فالرب يسوع نفسه، في تعاليمه وبّخهم بشدة على هذا الفهم السيئ للناموس، مُستشهداً بكلمات إشعياء النبي، قائلاً “فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم (هذه الترجمة خاطئة، ولكن الأصح) بسبب تعاليمكم، كما هي في اليونانيّة”، “فقد ابطلتم وصية الله بسبب تقليدكم! يا مراؤون! حسنا تنبا عنكم إشعياء قائلا: يقترب الي هذا الشعب بفمه ويكرمني بشفتيه واما قلبه فمبتعد عني بعيدا. وباطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس.” (متى 6:15-9).

هنا – بالفعل – الرب يسوع ينقض ويُزيل السياج الذي وضعه علماء الدين اليهود، حول الناموس. وموسى نفسه عندما استلم الوصايا والشريعة من الله، حذّر الشعب قائلاً “فالان يا اسرائيل اسمع الفرائض والاحكام التي انا اعلمكم لتعملوها لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الارض التي الرب إله ابائكم يعطيكم. 2 لا تزيدوا على الكلام الذي انا اوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب الهكم التي انا اوصيكم بها.” (تثنية 1:4-2).

ومما هو جدير بالذكر، أنّ هذا السياج من القوانين والأحكام التي وضعها علماء اليهود من الرابيين، ولم يرد ذكرها مباشرة في الأسفار المقدّسة، جُمعت في كتاب يسمّى هلخا Halakha הלכה, وهو جزء من التلمود. هذه القوانين تُمثّل مُشكلة شديدة الصعوبة لغالبيّة اليهود في عدم قدرتهم في الإيفاء بتنفيذ هذه القوانين، بالإضافة الى انّها جعلتهم ينصرفون عن روحانيّة الناموس، والغاية منه، بسبب انشغالهم بحرفيّته. فالمتأمّل في هذه القوانين التي حوتها كتبهم يُصاب باليأس والإحباط.

أمّا الاقتحام الأخير الذي قام به السيد المسيح، لهذا السياج الحديدي حول الناموس، فتمّ على الصليب “وإذا حجاب الهيكل قد انشق الى اثنين من فوق الى أسفل. والارض تزلزلت والصخور تشققت” (متى 51:27). وفي تعبير جميل ورائع لبولس الرسول، يُشير الى نقض وإزالة هذا السياج، يقول “لأنه هو سلامنا، الذي جعل الاثنين واحدا، ونقض حائط السياج المتوسط 15 اي العداوة.

مبطلا بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه انسانا واحدا جديدا، صانعا سلاما، 16 ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلا العداوة به.” (أفسس 14:2-16). هذا هو فارص الجديد، المسيح الذي اقتحم اقتحاماً، وأزال لعنة الناموس في فرائض. “ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبني. ” (غلاطية 5:4)

– “فاثبتوا إذا في الحرية التي قد حررنا المسيح بها، ولا ترتبكوا ايضا بنير عبودية. ها انا بولس اقول لكم: انه ان اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئا! 3 لكن اشهد ايضا لكل انسان مختتن انه ملتزم ان يعمل بكل الناموس. قد تبطلتم عن المسيح ايها الذين تتبررون بالناموس. سقطتم من النعمة. 5 فإننا بالروح من الايمان نتوقع رجاء بر. لأنه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئا ولا الغرلة، بل الايمان العامل بالمحبة. كنتم تسعون حسنا.

فمن صدكم حتى لا تطاوعوا للحق؟ هذه المطاوعة ليست من الذي دعاكم. «خميرة صغيرة تخمر العجين كله». ولكنني اثق بكم في الرب انكم لا تفتكرون شيئا اخر. ولكن الذي يزعجكم سيحمل الدينونة اي من كان. واما انا ايها الاخوة فان كنت بعد اكرز بالختان، فلماذا اضطهد بعد؟ إذا عثرة الصليب قد بطلت. يا ليت الذين يقلقونكم يقطعون ايضا! فأنكم انما دعيتم للحرية ايها الاخوة.

غير انه لا تصيروا الحرية فرصة للجسد، بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضا. لان كل الناموس في كلمة واحدة يكمل: «تحب قريبك كنفسك». فاذا كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعضا، فانظروا لئلا تفنوا بعضكم بعضا. 

وانما اقول: اسلكوا بالروح فلا تكملوا شهوة الجسد. لان الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الاخر، حتى تفعلون ما لا تريدون. ولكن إذا انقدتم بالروح فلستم تحت الناموس. ” (غلاطية 1:5-18). هنا فقط نستطيع أن نقول: الحكماء سيفهمون!! كما طالب الرامبان.

(ب) عندما اقتحم فارص السياج، وخرج قبل أخيه زارح، حُسب فارص هو الابن البكر ليهوذا. تماماً قد حدث هذا بالفعل، فعندما عجز إسرائيل وفشل في ان يكون الابن البكر لله “فتقول لفرعون هكذا يقول الرب. اسرائيل ابني البكر.” (خروج 22:4) فالمسيح اقتحم وصار هو الابن البكر بين إخوة كثيرين، بالصليب والقيامة “ولكن الان قد قام المسيح من الاموات وصار باكورة الراقدين. فانه اذ الموت بإنسان بإنسان ايضا قيامة الاموات.

لأنه كما في ادم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع. ولكن كل واحد في رتبته. المسيح باكورة ثم الذين للمسيح في مجيئه. ” (كورنثوس الأولى 20:15-23) – “لان الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه، ليكون هو بكرا بين اخوة كثيرين.” (رومية 29:8) – ” وهو راس الجسد: الكنيسة. الذي هو البداءة، بكر من الاموات، لكي يكون هو متقدما في كل شيء.” (كولوسي 18:1)

– “وايضا متى ادخل البكر الى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله.” (عبرانيين 6:1) – “ومن يسوع المسيح الشاهد الامين البكر من الاموات ورئيس ملوك الارض. الذي احبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه” (رؤيا 5:1). ولوقا الرسول، لا يغفل المسيح كونه بكراً فيقول عن ميلاده “وبينما هما هناك تمت ايامها لتلد. فولدت ابنها البكر وقمطته واضجعته في المذود اذ لم يكن لهما موضع في المنزل.” (لوقا 6:2-7).

والشيء العجيب، أن الرمبان רמב”ן، كما ذكرنا سابقاً، قال {…. هذا هو فارص، قد صالا الإبن البكر بقوّة العليّ ……} لأنّه قد خرج، قبل أخيه زارح الذي ربطت القابلة خيطاً قرمزياً في يده، ودون أن تمسك به القابلة، وهو ما يقصده رامبان من قوله (بقوة العليّ). هذا يُذكرنا ببشارة الملاك جبرائيل “فاجاب الملاك: «الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك ايضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله.” (لوقا 35:1).

وفي مدراش رباه Midrash Rabbah מדרש רבה، يربط بين المسيّا بن فارص، ونبوّة (ميخا 13:2) فيقول فالمسيّا بن فارص هو الملك، الذي جاء ليقتحم، كما قيل عنه “قد صعد الفاتك امامهم. يقتحمون ويعبرون من الباب ويخرجون منه ويجتاز ملكهم امامهم والرب في راسهم”. فالكلمات يقتحمون – يجتاز أمامهم، كلها تُشير الى <المسيّا بن فارص>. فكما قيل عن فارص ” ولكن حين رد يده اذ اخوه قد خرج. فقالت: لماذا اقتحمت؟ .عليك اقتحام. فدعي اسمه فارص. ” (تكوين 29:38)، هكذا المسيّا قبل عنه “اجتاز أمامهم”. فعندما أرادوا أن يقتحموا، اقتحم هو. أمّا قوله “إنّ روح الله يقودهم” Mikraoth Gedoloth 24:13 מקראות גדולות.

أمّا راشي Rashi רש”י (وهو اختصار لـRabbi Sholomo Yitshak)، الذي عاش من سنة 1040 حتى 1105 ميلادية، يُقلّق لي نفس نبوءة (ميخا 13:2) ” قد صعد الفاتك امامهم. يقتحمون ويعبرون من الباب ويخرجون منه ويجتاز ملكهم امامهم والرب في راسهم “. أمّا رابي دافيد كمحي Rabbi David Qimhi רד”ק، يقول <إنّ الشخص الذي سيفتح الطريق هو إيليا، أمّا الملك الذي سيجتاز أمامهم هو المسيّا الملك، ابن داود. وفي نبوة ميخا هذه، نرى أن الكلمة العبريّة Porets פֹּרֵץ ومعناها الفاتك، لها نفس جذور الاسم العبري Parets פָּֽרֶץ أي فارص ومعناها المقتحم>. بناء على ذلك نقول، حتى مجرد الاسم فارص يساعدنا على فهم النبوة.

2- تكوين 49: 10

” لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب.”

هذه النبوّة نطق بها أبينا يعقوب، فيما يتعلق بابنه يهوذا. والمعنى الرئيسي لهذه النبوّة، يتمثّل في أنّ سِبط يهوذا لا يزول وسوف يلعب دوراً هاماً في الحكم، دون بقيّة الأسباط، حتى يأتي شخص ما.

تنوّعت شروحات هذه النبوّة، تِبعاً لتنوّع الترجمات التي قُدِّمت … لكن للأسف، أغلب الترجمات قدّمت صورة باهتة للمعنى الحقيقي، خاصّة فيما يتعلّق بالكلمة العِبريّة “شيلوه שילה” ش ي ل ه / او שִׁיל֔וֹ وكاسم خاص للمسيّا. وفي الحقيقة، هذه الكلمة – حسب تفسير كبار علماء اليهود – تُستعمل للدلالة على ضمير المُلكيّة، لذا، فأفضل ترجمة لها هي “حتّى يأتي الذي له”.

وتوجد ترجمة أخرى – حرفية – لهذه الآية وردت في كتابات الرابيين هي “لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتّى يأتي الذي هو بحق يكون له. ويخضع جميع الشعوب له”. بمعنى: هويّة سبط يهوذا، ودوره الهامّ في الحكم، سوف لا يزول حتّى يأتي صاحب الحق الكامل في هذا السبط او كامل الحق للحكم (جاء هذا في حاشية الترجمة السبعيّة والترجمة الآراميّة). هذه القراءة للآية يُعزّزها ما يُضاهيه في (سفر حزقيال 25:21-27) ” وَأَنْتَ أَيُّهَا النَّجِسُ الشِّرِّيرُ، رَئِيسُ إِسْرَائِيلَ، الَّذِي قَدْ جَاءَ يَوْمُهُ فِي زَمَانِ إِثْمِ النِّهَايَةِ، هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: انْزِعِ الْعَمَامَةَ. ارْفَعِ التَّاجَ. هذِهِ لاَ تِلْكَ. ارْفَعِ الْوَضِيعَ، وَضَعِ الرَّفِيعَ. مُنْقَلِبًا، مُنْقَلِبًا، مُنْقَلِبًا أَجْعَلُهُ! هذَا أَيْضًا لاَ يَكُونُ حَتَّى يَأْتِيَ الَّذِي لَهُ الْحُكْمُ فَأُعْطِيَهُ إِيَّاهُ. ”

ففي آيات سفر حزقيال السابقة، نرى أنّه يتكلم عن: مجيء المسيّا – وفي الآية 25 يُشير الى الرئيس الشرير الذي يحكم على إسرائيل أي الأمّة الوثنيّة التي تحكُم إسرائيل في ذلك الزمان – في الآية 26 يتحدّث عن العمامة والتاج: فالعمامة هي عمامة الكاهن (راجع خروج 4:28-39 / 6:29 / 28:39-31 / لاويين 9:8 / 4:16)، أمّا التاج فهو تاج الملوكيّة والحكم. وإذا رجعنا مرّة أخرى الى تكوين 10:49 (آية النبوّة)، نجد استعمال لفظ (قضيب الملك او الصولجان) ليُعبّر عن نفس الشيء.

إذاً، استعمال نفس التعبير “حتّى يأتي الذي له” فكلٍّ من الكهنوت والملوكيّة سيسقطان عندما يأتي الذي هو بحق له، أي يُقيم ملوكيّة أخرى وكهنوت آخر. ونُلاحظ في الآيات التي أوردها حزقيال، إنّه يتكلّم عن عمامة الكهنوت، ليُدلّل على أنّ المسيّا سيكون كاهناً، وإكليل أو تاج الملوكيّة، ليدلّل على أنّ المسيّا سيكون ملكاً.

نفس هذا الشيء – الكهنوت والملوكيّة – تحدّث عنهما داود النبي في مزمور واحد، وجمعهما في شخص واحد ” يرسل الرب قضيب عزك من صهيون. تسلط في وسط اعدائك. شعبك منتدب في يوم قوتك في زينة مقدسة من رحم الفجر لك طل حداثتك، اقسم الرب ولن يندم. انت كاهن الى الابد على رتبة ملكي صادق. ” (مزمور 2:110-4) فالكهنوت والملوكيّة سيزولان من إسرائيل، حينما يأتي المسيّا، ومن ثم فالكهنوت والملوكيّة سيعطيان له. فهو الملك الحقيقي – ملك الملوك – وهو رئيس الكهنة الى الأبد.

من هذه النبوّة نخلص بنتيجة مفادها: أنّ المسيّا سيكون من نسل يهوذا – سيكون ملكاً – المسيّا سيأتي قبل أن يزول سبط يهوذا مباشرة. وبهذا، يمكننا بسهولة تعيين زمن مجيء المسيّا، بحسب ما جاء بالنبوّة. فكلّ السجلات الخاصة بهويّة كل سبط كانت تُحفظ بعناية شديدة في سجلات وتُوضع في الهيكل. فكما نعرف من التاريخ أن اليهود اتسموا بتمسكهم في تسجيل الأجيال المتعاقبة بعناية ودقّة، ويبدو هذا واضحاً في أخبار الأيام الأول 9:1 سفر عزرا 2، سفر نحميا5:7-67، فعلى سبيل المثال “فالهمني إلهي ان اجمع العظماء والولاة والشعب لأجل الانتساب.

فوجدت سفر انتساب الذين صعدوا اولا ووجدت مكتوبا فيه ” (نحميا 5:7) وكان على كل يهودي أن يعرف نسبه ” وانتسب كل اسرائيل وها هم مكتوبون في سفر ملوك اسرائيل. وسبي يهوذا الى بابل لأجل خيانتهم. ” (أخبار الأيام الأول 1:9). وكانت تُحفظ هذه القوائم في الهيكل اليهودي كمُلكيّة عامّة. وكان سجلّ كل إسرائيلي يشتمل على اسمه وسبطه وعنوان منزله ومزرعته. وظلت هذه السجلات القوميّة محفوظة في الهيكل حتى دمار مدينة أورشليم والهيكل وذبح اليهود في عام 70 ميلاديّة، وحُرقت كل سجلات النسب مع الهيكل.

وبعد سنة 70 ميلادية، لم يستطع أحد أن يُثبت الى أي سبط ينتمي لعدم وجود سجلات، وفي خلال عقود قليلة، كل أسباط إسرائيل فقدوا هويتهم. وقد حاول بعض القادة اليهود من الرابيين الحفاظ على هويّة سبط لاوي الكهنوتي او سبط يهوذا الملوكي، لكن باءت كل محاولاتهم بالفشل. وحيث إن سبط يهوذا فقد امتيازه وهويّته في سنة 70 ميلاديّة، يكون من الضروري حسب النبّوة أن يأتي المسيّا قبل سنة 70 ميلاديّة مباشرة …. ولا يمكن باي حال من الأحوال أن يأتي بعد سنة 70 ميلادية، فحسب النبوّة “لا يزول قضيب من يهوذا …. حتى يأتي الذي له”.

من جهة أخرى، أثناء الرب يسوع على الأرض لم يحتج أحد على أنّه، ابن داود الملك، من نسل يهوذا، لوجود سجلات في ذلك الوقت تثبت ذلك. وبالتأكيد بعد الشهرة الواسعة للرب يسوع في أورشليم وكل المدن المجاورة، قد رجع القادة اليهود الى سجلات الأنساب.

وقد اعترفوا هم أنفسهم بذلك:

  • “وفيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع: «ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟» قالوا له: «ابن داود».” متى (41:22-42) –
  • ” كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن ابراهيم ” (متى 1:1)
  • ” عن ابنه. الذي صار من نسل داود من جهة الجسد، ” (رومية 3:1)
  • ” فانه واضح ان ربنا قد طلع من سبط يهوذا الذي لم يتكلم عنه موسى شيئا من جهة الكهنوت. ” (عبرانيين 14:7)
  • ” فقال لي واحد من الشيوخ لا تبك. هوذا قد غلب الاسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ليفتح السفر ويفك ختومه السبعة ” (رؤيا 5:5)
  • وكان الناس ينادونه، يا ابن داود ” وفيما يسوع مجتاز من هناك تبعه اعميان يصرخان ويقولان: «ارحمنا يا ابن داود». ” (متى 27:9).

إذاً، من المحتم أن يكون مجيء المسيّا في الفترة ما قبل سنة 30 ميلادية وحتى سنة 70 ميلادية (حيث أن الرب يسوع ظهر للجموع في سنة 30 ميلادية، حينما بدأ خدمته الجهارية).

ماذا قال الرابيون عن هذه النبوة؟:

هذه النبوة اخذت اهتمام كبير من الرابيين، كونها نبوة مسيانية. فعلى سبيل المثال:

+ ترجوم اونكيلوس Targum Onqelos، الذي هو عبارة عن ترجمة آراميّة للأسفار المقدّسة (وهي ترجمة تفسيريّة الى حدّ ما)، قد ترجمها كالآتي <انتقال الملوكيّة والسيادة لا ينقطع من بيت يهوذا، ولا يُخدش من جيل الى جيل والى الأبد، حتى يأتي المسيّا، الذي ستكون له المملكة، وكل الشعوب ستخضع له>.

+ فسّر الرابيّون هذه الآية، على أنّ كلمة Shiloh שילו، هي أحد أسماء المسيّا، فقالوا <إنّ المسيّا سيُدعى Shiloh שילו، دلالة على أنه سيُولد من إمرأة، ولهذا فهو لا يحمل صفة لاهوتيّة. فالكيسي الأمينوسي الذي يتشكّل بداخله الجنين يُسمّى بالعبريُة שִׁלְיָה Shilyah، وهي تُماثل Sheloh שילו، المقاربة للكلمة العبريّة שילו Shiloh>. هذه واحدة من الحجج التي يُقدّمها الرابيون، لنفي عن المسيّا أيّة صفة لاهوتيّة. فبحسب اعتقادهم، كون أنّ المسيّا سيُدعى Shiloh שילו، فهذا دليل واضح أنّه سيولد من رحم إمرأة Shilyah שִׁלְיָה، فهو مجرّد إنسان.

+ أمّا راشي רש”י RaSHi، فيقول <الى أن يأتي الملك المسيّا، الذي سيُعطى له كل المُلكْ، فإنّ كل الشعوب ستترجى قدومه>.

+ مدراش رباه Midrash Rabbah 97 מדרש רבה צ”ז، في تعليقه على هذه النبوّة يقول <المسيّا الملك سيأتي من سبط يهوذا كما هو مكتوب في أشعياء (10:11) “ويكون في ذلك اليوم ان أصل يسى القائم راية للشعوب اياه تطلب الامم ويكون محله مجدا”. وكما جاء سليمان من سبط يهوذا، الذي بنى الهيكل الأوّل، وزربابل الذي بنى الهيكل الثاني، هكذا سيجيئ المسيّا الملك من سبط يهوذا ليُعيد بناء الهيكل، هذا المسيّا كُتب عنه في (المزمور 34:89-37) “لا انقض عهدي ولا اغير ما خرج من شفتي. 35 مرة حلفت بقدسي اني لا اكذب لداود. 36 نسله الى الدهر يكون وكرسيه كالشمس امامي. 37 مثل القمر يثبت الى الدهر. والشاهد في السماء امين. سلاه”.

+ رابي حوما بن رابي حنينا רבי חמא בר רבי חנינא Rabbi Humah ben R. Hanina، يقول {هذه تلميحات عن المسيّا بن داود، الذي ينحدر من سبطين: أبوه من سبط يهوذا وأمه من سبط دان ….. والذي يربط بينهما الأسد. كما هو مكتوب عن سبط يهوذا “هوذا جرو اسد. من فريسة صعدت يا ابني. جثا وربض كاسد وكلبوة. من ينهضه.” (تكوين 9:49)، وعن دان يقول “ولدان قال. دان شبل اسد يثب من باشان.” (تثنية 22:33).

امّا عن قضيب الملك، فهذه إشارات بأنّ المسيّا بن داود، هو الذي سيؤدب الأمم بقضيب سلطانه، ليتم قول المزمور عنه “تحطمهم بقضيب من حديد. مثل اناء خزاف تكسرهم” (مزمور 9:2). أمّا عن قوله {حتّى يأتي شيلوه Shiloh} فهذه دلالة على أنّ كل الشعوب والأمم سيقدّمون هدايا للمسيّا الملك ابن داود، كما قيل عنه في (إشعياء 7:18) “في ذلك اليوم تقدم هدية لرب الجنود من شعب طويل واجرد ومن شعب مخوف منذ كان فصاعدا من امة ذات قوة وشدة ودوس قد خرقت الانهار ارضها الى موضع اسم رب الجنود جبل صهيون”.

+ في تعليق على هذه النبوّة نقرأ في Mikraoth Gedoloth מקראות גדולות، {هو المسيّا الملك، وإسمه شيلوه Shiloh، كونه سيحكم على جميع الشعوب. كما أنّ الكلمة مُكوّنة من مقطعين (Shai) وتعني (شيء)، (loh) تعني (له)، أي تُقدّم له هدية كما هو مكتوب في (المزمور 12:76) “يقطف روح الرؤساء. هو مهوب لملوك الارض”}.

+ ميدراش راباه Midrash Rabbah 98 מדרש רבה צ”ח، يقول الآتي {التلميح بالمسيّا الملك، في قوله “وستخضع الشعوب له”. فالمسيّا سيأتي ويجلس ليُحاكم شعوب العالم}.

+ ميدراش رباه Midrash Rabbah 99 מדרש רבה צ”ט، يقول {الذي له الملك أي المسيّا الملك، ويستخدم ضمير المُلكيّة “Shil-loh”، التي تعود الى المسيّا}.

1 الجبابرة Nephilim: يقول عنهم مار أفرام السرياني (أبناء الله هم أبناء شيث، وبنات الناس هنّ بنات قايين …. وكان أبناء شيث رجالاً أشدّاء فاشتهوا جمال بنات قايين … فلمّا اجتمعت القوّة بالرذيلة تكوّن شعب الجبابرة، وامتلأت الأرض فساداً أ.هـ

المسيح في أسفار الناموس جـ1- القمص روفائيل البرموسي

المسيح في أسفار الناموس جـ2- القمص روفائيل البرموسي

المسيح في أسفار الناموس جـ2- القمص روفائيل البرموسي

المسيح في أسفار الناموس جـ2- القمص روفائيل البرموسي

المسيح في أسفار الناموس جـ1- القمص روفائيل البرموسي

أولاّ: نبوّة بلعام

“اراه ولكن ليس الان. أبصره ولكن ليس قريبا. يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من اسرائيل فيحطم طرفي مؤاب ويهلك كل بني الوغى. ” (سفر العدد 17:24)

الإصحاحات 22، 23 و 24 من سفر العدد، تقدّم لنا قصة بلعام، والنبوّة التي نطق بها. يقول التقليد القديم عن بلعام: إنّه عرّاف وثني، من وادي الفرات (آرام)، ويعبد إلهاً خاصاً به، ولكنّه يعرف يهوه إله شعب إسرائيل. وكان بلعام – رغم أنه وثنيّاً – يرى أن يهوه له دورٌ بارز في حياة بقيّة من الشعوب الأخرى وفي حياته هو شخصيّاً (يبدو أنّ بلغام كان يعبد آلهة وثنيّة بجانب عبادته لله).

كان ينظر اليه باحترام كبير وبتبجيل، وهذا ما نفهمه من قول بالاق – ملك مؤاب – “فالان تعال والعن لي هذا الشعب. لانه اعظم مني. لعله يمكننا ان نكسره فاطرده من الارض. لأني عرفت ان الذي تباركه مبارك والذي تلعنه ملعون. ” (العدد 6:22).

بعد خروج شعب إسرائيل من مصر، وصلوا الى حدود مؤاب، في طريق دخولهم الى أرض الميعاد. وخاف بالاق، ملك مؤآب، من بني إسرائيل لئلا يأخذوا الأرض منه، إذ علم أنّ إله إسرائيل، يقودهم في كل انتصاراتهم. ولذا، فقد أرسل بالاق هدايا مع شيوخ بني مديان، الى بلعام، ليأتي ويلعن شعب إسرائيل فيطردهم من أمامه. حاول بلعام أكثر من مرّة، بارك ولم يلعن ….. فهو يُلقي قولاً أَمرَه الله أن يقوله، ويُعلِن نبوّة عن مملكة داود وعن المسيّا.

يصوِّر التاريخ اليهودي المتأخّر بلعام على أنّه: رجل شرير، وهو الذي أشار الى النسيار المديانيّات بإغواء بني إسرائيل الى الشر والرذيلة، ولهذا استحق الموت مع كل أعداء شعب الله. ولقد قَبِل بلعام دعوة بالاق طعماً وإستكباراً، وأراد أن يلعن الشعب إرضاء لرغبة في قلبه. أعمته شهواته فلم يفهم ما نهاه الله عنه ….. ولم تستطع مُعجزة الأتان التي نطقت ولا رؤية الملاك أن تفتح له عقله وقلبه، وبارك الشعب مرغماً. هو عدو بني إسرائيل الأكبر، وهو الشر بكل معنى الكلمة.

ما يهمنا نحن في هذا البحث، هو أنّ الأقوال النبوة التي نطق بها بلعام، والتي وضعها الله على فمه، لها دلالة واضحة على مجيء المسيّا وتأسيس مملكته. يقول العلاّمة أوريجانوس في ضوء هذه النبّوة {إذا كانت نبوّة بلعام قد دخلت في الكتب المقدّسة، فكم بالأحرى حفظها سكان بلاد الرافدين. وقد كان بلعام مشهوراً عندهم، وقد علّمهم فن العرافة. لذا، يُعتبر بلعام أباً للعرّافين في أرض المشرق، وبالتأكيد كان لديهم نصّ كل أقواله ومنها: سيخرج كوكب من يعقوب، سيطلع رجل من إسرائيل.

أجل، لقد كان هذا النصّ معرُوفاً عند المجوس أيضاً. ويُقال أنّ المجوس كانوا علماء أيضا في الفلك، فلما شاهدوا النجم، عرفوا أن النبوّة قد تمت، وفاقوا فهماً على بني إسرائيل، الذين أهملوا سماع كلمات أنبيائهم القدّيسين. أمّا المجوس فعرفوا، إنطلاقاً من الكتابات التي ورثوها عن بلعام. إنّ الزمان قد حلّ، فأسرعوا وبحثوا عنه ليسجدوا له، ودلّوا على عظمة إيمانهم عندما كرّموا طفلاً صغيراً مُعتبرينه ملكاً} أ.هـ

شرح النبوّة

إنّه لشيء عجيب أن تكون هذه النبوّة التي نطق بها عرّاف وثني، مُطابقة الى حدّ كبير لما جاء في نبوّة (سفر التكوين 10:49) “لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى ياتي شيلون وله يكون خضوع شعوب. “ألعلّ الله يريد أن يقول لشعب إسرائيل، ما دمت لا تُصدّق الأنبياء باللامبالاة من الشعب. وقد كشف لهم السيّد المسيح ذلك، بقوله “فكانوا يعثرون به. واما يسوع فقال لهم: «ليس نبي بلا كرامة الا في وطنه وفي بيته.” (متى 57:13).

قد فسّر الكثير من الرابيين هذه الآية كونها نبوّة مسيانيّة. فالكوكب الذي يبرز من يعقوب إسرائيل، ويُقرن هذا بـ {قضيب}، الذي يُشير الى الملك، وله السلطان أن يحكم، معناه أن المسيّا، سوف يجمع في عمله ثلاث وظائف: الملك – الكاهن – النبي.

ويبدأ بلعام نبوّته بالتشدّد على شعب واحد محدد، هو شعب إسرائيل. وبالتالي، يُنبه ذهن البشريّة إنّ المسيّا الذي سيملك على العالم سيخرج من الشعب اليهودي. ,إذا تتبعنا أقوال بلعام في إصحاحين قبل ورود هذه النبوّة نفهم، بأنّ شعب إسرائيل سوف يتشتت اولاً، ثمّ يأتي ملك واحد قويّ، يجمعهم ويحكم لهم.

ويُنهي بلعام نبوّته، بأنّ هذا الملك سيكون له سلطان مهيب، وعلامة قدوم هذا الملك هو ظهور الكوكب. أمّا اللفظة العبريّة {درك} بمعنى برز في قوله “يبرز كوكب من ……”، فهذا الفعل يعني أيضا {سار فوق}. فنحن هنا أمام صورة المنتصر الذي يدوس أعداءه (راجع: هوشع 13:10 / إرميا 13:3).

ثانيا: نبيّ مثلك

تثنية 18:18-19 ” اقيم لهم نبيا من وسط اخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما اوصيه به، ويكون ان الانسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي انا اطالبه. “

بالطبع، أول سؤال يقفز الى ذهن القارئ لهذه النبوّة، هو: من هو هذا النبيّ الذي مثل موسى، والذي وعد الرب أن يُقيمه من إسرائيل؟؟؟ بعض الشراح اليهود، قالوا: إنّه يشوع ….. لكن بالتأكيد لم يكن هو يشوع، لسبب أنّ يشوع لم ينصّب ليشغل وظيفة موسى، خلفاُ له.

وهذا ما يؤكده سفر التثنية بقوله “ويشوع بن نون كان قد امتلأ روح حكمة اذ وضع موسى عليه يديه فسمع له بنو اسرائيل وعملوا كما اوصى الرب موسى ولم يقم بعد نبي في اسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه ” (تثنية 9:34-10).

يتضح من الآيات السابقة، بالرغم من أنّ موسى وضع يديه على يشوع، الاّ انّه بعد أن مات موسى، يقول الكتاب “ولم يقم بعد نبيّ في إسرائيل مثل موسى”. فموسى عيّن يشوع بن نون ليقود الشعب الى أرض كنعان …. لكن، ما زال النبيّ الذي مثل موسى لم يأت بعد … من إذن هذا النبي؟؟؟

اقترح ابرافانيل Isaac Abravanel יצחק אברבנאל، إن ارميا النبيّ، هو ذلك النبيّ، هو ذلك النبيّ المقصود، وقد قدّم 14 نقطة لمطابقة ارميا على مثيل موسى …. ورغم هذا، فهي ليست متميّزة على الإطلاق. يقول على سبيل المثال: كان موسى دائماً يوبّخ شعب إسرائيل عل خطاياهم، وهكذا فعل ارميا النبيّ. نعم، وقد فعل نفس الشي كل من إشعياء وحزقيال، وأنبياء آخرين.

أيضا يقول: موسى أخبر شعب إسرائيل، بخصوص عبوديتهم وتحريرهم منها، وهكذا فعل ارميا. ولكن، اليس أيضاً إشعياء وحزقيال وعاموس وأغلب الأنبياء، فعلوا نفس الشيء؟؟!! في الحقيقة، لم يكن اختيار ابرافانيل Abravanel، مناسباً، لمطابقة نصّ النبوّة على ارميا النبي …. أيضاً، كان موسى: مُخلصاً لشعب بني إسرائيل من العبوديّة – كان أول من بدأ في جعل إسرائيل، شعباً مستقلاًّ – صاحب نشيد وترنيمة النصرة – وحكم الشعب بسلطان إلهي.

أمّا ارميا: كان منهمكاً في نكبات وبؤس الشعب في السبي – شاهداً على دمار الأُمّة اليهوديّة – صاحب المراثي – كان هو أيضاً مثلهم ضحيّة اضطهاد وظلم. ولذلك، لا يمكن أن يكون ارميا هو النبيّ المقصود في النبوّة.

رابي إبن عزرا Rabbi Ibn Ezra ראב”ע، قال” أنّ النبيّ المقصود في النبوّة، هو يشوع، لكن لم يكن يشوع موسى. حيث إنّه لم يكن وسيطاً بين الله وشعبه مثل موسى – لم يكن مثل موسى في تقبّل الإعلانات والرؤى من الله. أمّا راشي רש”י Rashi، ورابي كمحي רד”ק Rabbi Qimhi، يقولان: إنّ النبيّ الشبيه بموسى، لا يُقصد به شخصاً واحداً، بل يدل على تعاقب الأنبياء، واحدٍ تلو الآخر. وهم بذلك يُقرّون بأنّهم لا يجدون أي صفة متميّزة من نوعها، يُمكن أن تُنسب للشخص الشبيه لموسى. لكن هناك حقائق تثبت عكس ذلك، هي:

  1. كلمة نبيّ جاءت في العبريّة ” נביא ن ب ي اً” في صيغة المفرد …. الله لم يقل “أنبياء بل “نبيّاً”
  2. هذه الكلمة “נביא” لا تدل على جماعة، ولا الأنبياء في أي مكان تكلموا إجماليّاً عن جماعة أنبياء.
  3. التاريخ الديني، لا يُشير أبداً الى توارث الأنبياء.
  4. هذا التفسير، هو عكس ما ورد في الأسفار المقدسة تماما، ففي (سفر العدد 6:12-8) يقول “فقال اسمعا كلامي.

ان كان منكم نبي للرب فبالرؤيا استعلن له في الحلم أكلمه. واما عبدي موسى فليس هكذا بل هو امين في كل بيتي. فما الى فم وعيانا اتكلم معه لا بالألغاز. وشبه الرب يعاين. فلماذا لا تخشيان ان تتكلما على عبدي موسى”. فحتّى مع عظماء الأنبياء، مثل إيليّا – إليشع – حزقيال – إرميا …. الخ، كان الله لا يكشف نفسه لهم مباشرة، ولكنّه استخدم الأحلام – الرؤى – وطرق أخرى. الوحيد الذي كان يتلقى كلمات الله من فم الله مباشرة، هو موسى النبي.

ولذا فإنّ موسى له وضع خاص عند اليهود. موسى يتفرّد بميزة كبرى عن بقيّة الأنبياء هي (سفر التثنية 10:34-12)، يقول “ولم يقم بعد نبي في اسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه 11 في جميع الآيات والعجائب التي ارسله الرب ليعملها في ارض مصر بفرعون وبجميع عبيده وكل ارضه 12 وفي كل اليد الشديدة وكل المخاوف العظيمة التي صنعها موسى امام اعين جميع اسرائيل”. أعتقد أنّ هذه الآيات، هي أبلغ ردّ على حجج رابي أبن عزرا.

أما الحقيقة فهي: منذ حوالي 2000 سنة ظهر في اليهوديّة شخص عجيب، كانت شهادة الجموع الذين إلتفّوا حوله ورأوا معجزاته الخارقة التي صنعها، هي “فلما رأى الناس الآية {معجزة الخمس خبزات وسمكتين} التي صنعها يسوع قالوا: «ان هذا هو بالحقيقة النبي الاتي الى العالم!» ” (يوحنا 14:6). لم تشهد الجموع أبدا لأيّ شخص بمثل هذه الشهادة، الاّ للرب يسوع المسيح. بل أيضاً، الأسفار المقدسة كلها شهدت له.

والآن، ليس هدفي أن ادخل في أدقّ تفاصيل حياة موسى، لنرى أنّ كل منها تتقابل مع تاريخ الرب يسوع، ولكن باختصار سوف أحاول أن اوضّح الخطوط العريضة لأهمّ الصفات المتميزة التي تجمع بين موسى والسيد المسيح، وهي:

أولاً: كان موسى نبيّاً له وضع خاص

وكان لموسى مقاماً رفيعاً، يفوق كافة الأنبياء، الذين أتوا بعده، سواء في اليهوديّة او في إسرائيل. وهذا يظهر في أسلوب تبليغ الوحي الإلهي له، وامانته هو في تبليغ وحي الله للبشر، حتّى أن السيد المسيح نفسه شهد بذلك “فاني الحق اقول لكم: الى ان تزول السماء والارض لا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل.” متى 18:5).

أيضاً، الله نفسه يتدخل بقوّة ليدافع عنهن عندما تكلّم هرون ومريم على أخيهما موسى، بسبب زواجه من المرأة الكوشيّة (سفر العدد 1:12-12). والنبيّ، هو الشخص الممتلئ بروح الله، ويُكلّف برسالة خاصة يقوم بها، من قبل الله، ويمثّل وكيلاً لله بين الشعب المرسل اليه. توحد ثلاث مهام رئيسية يقوم بها النبيّ:

  1. مهمة التعليم: ففي سفر التثنية 1:4، يقول موسى النبيّ للشعب “فالان يا اسرائيل اسمع الفرائض والاحكام التي انا اعلمكم لتعملوها لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الارض التي الرب إله ابائكم يعطيكم.” – فكتب موسى هذا النشيد ذلك اليوم وعلم بني إسرائيل إياه (تثنية 23:31). ليس فقط يبلغ الشعب مشيئة وارادة الله، بل يعلمهم كيف يحيون في توافق مع إرادة الله.
  2. يُخبر بأحداث مستقبليّة، ويكون النبيّ في حالة خاصة من الإلهام والوحي، خاضعاً لتأثير روح الله، ففي (سفر التثنية 18:18) “اقيم لهم نبيا من وسط اخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما اوصيه به”.
  3. يقضي ويحكم بالعدل: “وحدث في الغد ان موسى جلس ليقضي للشعب. فوقف الشعب عند موسى من الصباح الى المساء.” (خروج 13:18) – “ودبورة امرأة نبية زوجة لفيدوت هي قاضية اسرائيل في ذلك الوقت. وهي جالسة تحت نخلة دبورة بين الرامة وبيت ايل في جبل افرايم. وكان بنو اسرائيل يصعدون اليها للقضاء.” (قضاة 4:4-5).

والأن، بحسب أسفار للعهد القديم، المسيّا أيضاً، هو مُعلّم … الذي من نمط فريد من نوعه، مملوء من روح الحكمة والفهم والمشورة والقوّة …. قال عنه إشعياء “الشعب السالك في الظلمة أبصر نورا عظيما. الجالسون في ارض ظلال الموت أشرق عليهم نور.” (إشعياء 2:9) – “وتسير شعوب كثيرة ويقولون هلم نصعد الى جبل الرب الى بيت إله يعقوب فيعلمنا من طرقه ونسلك في سبله لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن اورشليم كلمة الرب.”

(إشعياء 3:2) – “لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الارض وتنتظر الجزائر شريعته ” (إشعياء 4:42) ويخبرنا القديس متى في إنجيله عن عمل السيد المسيح في مجال التعليم بقوله “هذا كله كلم به يسوع الجموع بأمثال وبدون مثل لم يكن يكلمهم لكي يتم ما قيل بالنبي: “سأفتح بأمثال فمي وانطق بمكتومات منذ تأسيس العالم” (متى 34:13-35).

– “فأرسلوا اليه تلاميذهم مع الهيرودسيين قائلين: «يا معلم نعلم أنك صادق وتعلم طريق الله بالحق ولا تبالي بأحد لأنك لا تنظر الى وجوه الناس.” (متى 16:22)

أمّا بالنسبة للمهمة الثانية للنبي، وهي أن يتنبأ بأمور مستقبليّة، فيوجد تشابه كبير بين الأمور التي تنبأ عنها موسى، والأمور التي تنبأ عنها الرب يسوع: موسى تنبأ عن تشتت شعب إسرائيل – وانحلاله الروحي والنكبات التي ستأتي على الشعب أثناء اختلاطه بالشعوب الوثنيّة (راجع تثنية إصحاح 28 و 29). حتى النشيد الذي كتبه موسى وعلّمه للشعب يشمل هذه النبوات (تثنية 19:31)

أمّا ما تنبأ به السيد المسيح، فهو: تشتت شعب إسرائيل – اضطهاد الأمم لهم – خراب الهيكل وأورشليم “«يا اورشليم يا اورشليم يا قاتلة الانبياء وراجمة المرسلين اليها كم مرة اردت ان اجمع اولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. 38 هوذا بيتكم يترك لكم خرابا! 39 لأني اقول لكم: انكم لا ترونني من الان حتى تقولوا: مبارك الاتي باسم الرب!” (متى 23: 37-39)

– “فقال لهم يسوع: «اما تنظرون جميع هذه؟ الحق اقول لكم انه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض!».” (متى 2:24)

– “فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين؟» 41 قالوا له: «اولئك الاردياء يهلكهم هلاكا رديا ويسلم الكرم الى كرامين اخرين يعطونه الاثمار في اوقاتها». قال لهم يسوع: «اما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار راس الزاوية. من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في اعيننا؟ لذلك اقول لكم: ان ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لامة تعمل اثماره.” (متى 40:21-43)

– “6 وسوف تسمعون بحروب واخبار حروب. انظروا لا ترتاعوا. لأنه لا بد ان تكون هذه كلها. ولكن ليس المنتهى بعد. 7 لأنه تقوم امة على امة ومملكة على مملكة وتكون مجاعات واوبئة وزلازل في اماكن. ولكن هذه كلها مبتدأ الاوجاع. 9 حينئذ يسلمونكم الى ضيق ويقتلونكم وتكونون مبغضين من جميع الامم لأجل اسمي.

10 وحينئذ يعثر كثيرون ويسلمون بعضهم بعضا ويبغضون بعضهم بعضا. 11 ويقوم انبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين. 12 ولكثرة الاثم تبرد محبة الكثيرين. 13 ولكن الذي يصبر الى المنتهى فهذا يخلص. 14 ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الامم. ثم يأتي المنتهى.

15 «فمتى نظرتم «رجسة الخراب» التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس – ليفهم القارئ – 16 فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية الى الجبال 17 والذي على السطح فلا ينزل ليأخذ من بيته شيئا 18 والذي في الحقل فلا يرجع الى ورائه ليأخذ ثيابه.19 وويل للحبالى والمرضعات في تلك الايام! 20 وصلوا لكي لا يكون هربكم في شتاء ولا في سبت 21 لأنه يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم الى الان ولن يكون. 22 ولو لم تقصر تلك الايام لم يخلص جسد. ولكن لأجل المختارين تقصر تلك الايام. 23 حينئذ ان قال لكم احد: هوذا المسيح هنا او هناك فلا تصدقوا.

24 لأنه سيقوم مسحاء كذبة وانبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو امكن المختارين ايضا. 25 ها انا قد سبقت واخبرتكم. 26 فان قالوا لكم: ها هو في البرية فلا تخرجوا! ها هو في المخادع فلا تصدقوا! 27 لأنه كما ان البرق يخرج من المشارق ويظهر الى المغارب هكذا يكون ايضا مجيء ابن الانسان. 28 لأنه حيثما تكن الجثة فهناك تجتمع النسور.

29 «وللوقت بعد ضيق تلك الايام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوئه والنجوم تسقط من السماء وقوات السماوات تتزعزع. 30 وحينئذ تظهر علامة ابن الانسان في السماء. وحينئذ تنوح جميع قبائل الارض ويبصرون ابن الانسان اتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. 31 فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الاربع الرياح من اقصاء السماوات الى اقصائها.

32 فمن شجرة التين تعلموا المثل: متى صار غصنها رخصا واخرجت اوراقها تعلمون ان الصيف قريب. 33 هكذا انتم ايضا متى رأيتم هذا كله فاعلموا انه قريب على الابواب. 34 الحق اقول لكم: لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله. 35 السماء والارض تزولان ولكن كلامي لا يزول. 36 واما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما احد ولا ملائكة السماوات الا ابي وحده. 37 وكما كانت ايام نوح كذلك يكون ايضا مجيء ابن الانسان.

38 لأنه كما كانوا في الايام التي قبل الطوفان يأكلون ويشربون ويتزوجون ويزوجون الى اليوم الذي دخل فيه نوح الفلك39 ولم يعلموا حتى جاء الطوفان واخذ الجميع كذلك يكون ايضا مجيء ابن الانسان. 40حينئذ يكون اثنان في الحقل يؤخذ الواحد ويترك الاخر. 41 اثنتان تطحنان على الرحى تؤخذ الواحدة وتترك الاخرى.” (متى 6:24-41).

وهنالك العديد من النبوات. يقول الشخص اليهودي: أعطني برهاناً واحداً، من كتب موسى الخمسة، عن مسيانيّة يسوع المسيح، وأنا أومن به؟؟!! هذه واحدة من البراهين! بحسب موسى، أي شخص يعلن عن نفسه إنّه نبيّاً، يُختبر بهذا المحك: ” فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه” (تثنية 22:18).

ولقد أثبت لنا التاريخ بأنّ كل ما نطق به الرب يسوع تحقق وصار، وبمنتهى الدقة. أين هو الهيكل طوال 2000 سنة؟؟ كتب التاريخ تشهد على دمار أورشليم وحريق الهيكل عن اخرى …. كم مرة حاول اليهود إعادة بناء الهيكل وفشلوا، كشهادة صادقة لنبوّة الرب يسوع. أما عن نبوات الرب يسوع والتي أخبر بها تلاميذه عن آلامه وموته وقيامته في اليوم الثالث، فلا حصر لها، وقد تمت بالكامل.

أما عن المهمة الثالثة للنبي، هوي أن يقضي بالعدل، فقد قال الرب يسوع نفسه “لان الاب لا يدين احدا، بل قد اعطى كل الدينونة للابن،” (يوحنا 22:5) – ” لأنه لا بد اننا جميعا نظهر امام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرا كان ام شرا” (كورنثوس الثانية 10:5) – “«ومتى جاء ابن الانسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع امامه جميع الشعوب فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار.

ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي ابي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم. لأني جعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبا فأويتموني. عريانا فكسوتموني. مريضا فزرتموني. محبوسا فأتيتم إليَّ. فيجيبه الابرار حينئذ: يارب متى رأيناك جائعا فأطعمناك او عطشانا فسقيناك؟ ومتى رأيناك غريبا فأويناك او عريانا فكسوناك؟ ومتى رأيناك مريضا او محبوسا فأتينا اليك؟ فيجيب الملك: الحق اقول لكم: بما انكم فعلتموه بأحد اخوتي هؤلاء الاصاغر فبي فعلتم. «ثم يقول ايضا للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين الى النار الابدية المعدة لابليس وملائكته، لأني جعت فلم تطعموني.

عطشت فلم تسقوني. كنت غريبا فلم تأووني. عريانا فلم تكسوني. مريضا ومحبوسا فلم تزوروني. حينئذ يجيبونه هم ايضا: يارب متى رأيناك جائعا او عطشانا او غريبا او عريانا او مريضا او محبوسا ولم نخدمك؟ فيجيبهم: الحق اقول لكم: بما انكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الاصاغر فبي لم تفعلوا. فيمضي هؤلاء الى عذاب أبدى والابرار الى حياة ابدية.” (متى 31:25-46).

ثانيا: كان موسى مخلّصاً

الله في حكمته غير المحدودة، سمح بأن يستعبد شعب إسرائيل لفرعون وللمصريين ….. ويصف سفر الخروج حالة الشعب، في قوله “استعبد المصريون بني اسرائيل بعنف. ومرروا حياتهم بعبودية قاسية في الطين واللبن وفي كل عمل في الحقل. كل عملهم الذي عملوه بواسطتهم عنفا ” (خروج 13:1-14). لكن الله في حبّه غير المحدود، نظر الى مذلتهم، وشاء ان ينقذهم من هذه العبوديّة “فقال الرب أنى قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر وسمعت صراخهم من اجل مسخريهم.

أنى علمت اوجاعهم. فنزلت لأنقذهم من ايدي المصريين واصعدهم من تلك الارض الى ارض جيدة وواسعة الى ارض تفيض لبنا وعسلا. الى مكان الكنعانيين والحثيين والاموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين. ” (خروج 7:3-8). فدعا الله موسى، وقال له “فالان هلم فأرسلك الى فرعون وتخرج شعبي بني اسرائيل من مصر” (خروج 10:3). 

وفي سفر أعمال الرسل، نجد القديس استفانوس، يتكلّم بوضوح عن وظيفة موسى كمخلص وفادي، ويربط ذلك بالنبي الذي وعد الله بإرساله، بقوله “هذا موسى الذي أنكروه قائلين: من اقامك رئيسا وقاضيا؟ هذا ارسله الله رئيسا وفاديا بيد الملاك الذي ظهر له في العليقة. هذا اخرجهم صانعا عجائب وآيات في ارض مصر، وفي البحر الاحمر، وفي البرية اربعين سنة. «هذا هو موسى الذي قال لبني اسرائيل: نبيا مثلي سيقيم لكم الرب الهكم من اخوتكم. له تسمعون. ” (أعمال الرسل 35:7-37).

لكن توجد عبودية من نوع آخر، هي أقسى من عبوديّة فرعون والمصريين ….. عبوديّة الخطيئة “الشتم تعلمون ان الذي تقدمون ذواتكم له عبيدا للطاعة، أنتم عبيد للذي تطيعونه: اما للخطية للموت او للطاعة للبر؟” (رومية 16:6) – “اجابهم يسوع: الحق الحق اقول لكم: ان كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية.” (يوحنا 34:8).

وهذا النبي الذي مثل موسى، والذي سيخلص البشرية من عبودية الخطيئة، تقول البنوة عنه “يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من اخوتك مثلي. له تسمعون” (تثنية 15:18). معنى هذا، إن هذا النبي يأتي من وسط جماعة بني إسرائيل، لأنّ الله وعد لإبراهيم، كان في إسحق “ويتبارك في نسلك جميع امم الارض. من اجل أنك سمعت لقولي.” (تكوين 18:22) – “فقال الله بل سارة امراتك تلد لك ابنا وتدعو اسمه اسحق. واقيم عهدي معه عهدا ابديا لنسله من بعده. ” (تكوين 19:17).

إذاً، العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم ينحصر فقط في إسحق وليس في أخيه. ثم بعد ذلك، يؤكد الله بأن الوعد هو لإسحق “فقال الله لإبراهيم لا يقبح في عينيك من اجل الغلام ومن اجل جاريتك. في كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها. لأنه بإسحق يدعى لك نسل.” (تكوين 12:21). ولا يفوت على معلمنا بولس أن يشدد على هذه النقطة فيقول “بالإيمان قدم ابراهيم اسحق وهو مجرب. قدم الذي قبل المواعيد وحيده” (عبرانيين 17:11).

من هذا النسل، جاء السيد المسيح مخلّص العالم، الذي يقول عنه بولس الرسول “فاذ قد تشارك الاولاد في اللحم والدم اشترك هو ايضا كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت اي ابليس ويعتق اولئك الذين خوفا من الموت كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية. لأنه حقا ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل ابراهيم من ثم كان ينبغي ان يشبه اخوته في كل شيء لكي يكون رحيما ورئيس كهنة امينا في ما لله حتى يكفر خطايا الشعب. ” (عبرانيين 14:2-17)

وهذا ما أراد الله أن يقوله على فم إشعياء النبي “فقال قليل ان تكون لي عبدا لإقامة اسباط يعقوب ورد محفوظي اسرائيل. فقد جعلتك نورا للأمم لتكون خلاصي الى اقصى الارض هكذا قال الرب فادي اسرائيل قدوسه للمهان النفس لمكروه الامة لعبد المتسلطين. ينظر ملوك فيقومون. رؤساء فيسجدون. لأجل الرب الذي هو امين وقدوس اسرائيل الذي قد اختارك” (إشعياء 6:49-7).

ثالثا: كان موسى وسيطاً بين الله والشعب

نحن لا نقدر، ولا نجرؤ على الدنو من الله، كما نحن. لأنّ الله هو كليّ القداسة ونحن خطاه …. وهو النور الذي لا يُدنى منه، ونحن ظلمة بسبب حاجز الإثم الذي حجب نور الله عن قلوبنا … والظلمة تختفي دائماً أمام النور. بالطبع، أولئك الذين يختفون من الله لا يُدركون طبيعة عمل الوسيط، الذي كان موسى واحداً منهم. “فقال يشوع للشعب لا تقدرون ان تعبدوا الرب لأنه إله قدوس واله غيور هو.

لا يغفر ذنوبكم وخطاياكم. 20 واذا تركتم الرب وعبدتم الهة غريبة يرجع فيسيء اليكم ويفنيكم بعد ان احسن اليكم. ” (يشوع 19:24-20) – “هل يسير اثنان معا ان لم يتواعدا.” (عاموس 3:3) – “ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا.” (أيوب 33:9)- “وطلبت من بينهم رجلا يبني جدارا ويقف في الثغر امامي عن الارض لكي لا اخربها فلم اجد.” (حزقيال 30:22).

بهذا المفهوم، كان موسي وسيطاً بين الله والشعب، فاذا اقتربنا من جبل سيناء يتكشف لنا هذا بوضوح “فانحدر موسى من الجبل الى الشعب وقدس الشعب وغسلوا ثيابهم. وقال للشعب كونوا مستعدين لليوم الثالث. لا تقربوا امرأة. وحدث في اليوم الثالث لما كان الصباح انه صارت رعود وبروق وسحاب ثقيل على الجبل وصوت بوق شديد جدا. فارتعد كل الشعب الذي في المحلة. واخرج موسى الشعب من المحلة لملاقاة الله. فوقفوا في أسفل الجبل. وكان جبل سيناء كله يدخن من اجل ان الرب نزل عليه بالنار. وصعد دخانه كدخان الاتون وارتجف كل الجبل جدا.

فكان صوت البوق يزداد اشتدادا جدا وموسى يتكلم والله يجيبه بصوت ونزل الرب على جبل سيناء الى راس الجبل. ودعا الله موسى الى راس الجبل. فصعد موسى. فقال الرب لموسى انحدر حذر الشعب لئلا يقتحموا الى الرب لينظروا فيسقط منهم كثيرون.” (خروج 14:19-21) – “وكان جميع الشعب يرون الرعود والبروق وصوت البوق والجبل يدخن. ولما رأى الشعب ارتعدوا ووقفوا من بعيد. وقالوا لموسى تكلم انت معنا فنسمع. ولا يتكلم معنا الله لئلا نموت.” (خروج 18:20-19) – “تقدم انت واسمع كل ما يقول لك الرب الهنا وكلمنا بكل ما يكلمك به الرب الهنا فنسمع ونعمل.” (تثنية 27:5).

هكذا أيضا الرب يسوع المسيح، كان وما زال وسيطاً بين الله والناس، هو النبي الوسيط مثل موسى …. ولكن وسيطاً لعهد جديد “ولكنه الان قد حصل على خدمة أفضل بمقدار ما هو وسيط ايضا لعهد أعظم قد تثبت على مواعيد أفضل” (عبرانيين 6:8) – “ولأجل هذا هو وسيط عهد جديد لكي يكون المدعوون اذ صار موت لفداء التعديات التي في العهد الاول ينالون وعد الميراث الابدي.” (عبرانيين 15:9)

– “والى وسيط العهد الجديد يسوع والى دم رش يتكلم افضل من هابيل” (عبرانيين 24:12) – “لأنه يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس: الانسان يسوع المسيح،” (تيموثاوس الأولى 5:2). ولهذا قال الرب يسوع بفمه الطاهر “قال له يسوع: «انا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي الى الاب الا بي.” (يوحنا 6:14).

رابعا: كان موسى شفيعاً

لقد تشفع موسى للشعب عند الله، عندما عبدوا العجل الذهبي، وطلب من الله أن يغفر لهم “فتضرع موسى امام الرب إلهه. وقال لماذا يا رب يحمى غضبك على شعبك الذي اخرجته من ارض مصر بقوة عظيمة ويد شديدة. لماذا يتكلم المصريون قائلين اخرجهم بخبث ليقتلهم في الجبال ويفنيهم عن وجه الارض. ارجع عن حمو غضبك واندم على الشر بشعبك. اذكر ابراهيم واسحق واسرائيل عبيدك الذين حلفت لهم بنفسك وقلت لهم أكثر نسلكم كنجوم السماء واعطي نسلكم كل هذه الارض الذي تكلمت عنها فيملكونها الى الابد. فندم الرب على الشر الذي قال انه يفعله بشعبه. ” (خروج 11:32-14)

– “فقال موسى للرب لماذا اسئت الى عبدك ولماذا لم أجد نعمة في عينيك حتى أنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب علي. العلي حبلت بجميع هذا الشعب او لعلي ولدته حتى تقول لي احمله في حضنك كما يحمل المربي الرضيع الى الارض التي حلفت لآبائه.” (عدد 11:11-12)، وعمل القائد أن يسير بالخراف الى المراعي “كراع يرعى قطيعه. بذراعه يجمع الحملان وفي حضنه يحملها ويقود المرضعات” (إشعياء 11:40).

الآن، المسيح أيضاً، يقودنا ي موكب نصرته، هو الراعي الصالح “انا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يوحنا 11:10) – “وانت يا بيت لحم ارض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا لان منك يخرج مدبر يرعى شعبي اسرائيل».” (متى 6:2)

– “ولي خراف اخر ليست من هذه الحظيرة، ينبغي ان اتي بتلك ايضا فتسمع صوتي، وتكون رعية واحدة وراع واحد. ” (يوحنا 16:10) – “واله السلام الذي اقام من الاموات راعي الخراف العظيم ربنا يسوع بدم العهد الابدي 21 ليكملكم في كل عمل صالح لتصنعوا مشيئته عاملا فيكم ما يرضي امامه بيسوع المسيح الذي له المجد الى ابد الابدين. امين” (عبرانيين 20:13-21) – “لأنكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الان الى راعي نفوسكم وأسقفها” (بطرس الأولى 25:2).

والجدير بالذكر إن الكلمة العبريّة، “רעה ر ع هـ” لها معنيان هما” “راعي” و “قائد”. وفي الحقيقة تُستعمل الكلمة كمرادف للمعنيين. ففي الشرق، الراعي لا يقود الخراف من الخلف – كما في البلاد الغربيّة – بل يسير في الأمام، والخراف تتبعه: ” ومتى اخرج خرافه الخاصة يذهب امامها، والخراف تتبعه، لأنها تعرف صوته.” (يوحنا 4:10).

 

في ختام شرح هذه النبوة، أريد أن أورد نقاط سريعة (دون شرح)، لعمل مقابلة بين حياة موسى وحياة السيد المسيح:

1) موسى وُلد من أبوين فقيرين، تحت حكم فرعون، وهو حاكم أممي، هكذا السيد المسيح وُلد فقيراً، تحت حكم الرومان (وهم من الأمم).

2) موسى اضطُهدَ وحُكم عليه بالموت في طفولته (قتل ذكور العبرانيين)، هكذا السيد المسيح (في هروبه من هيرودس).

3) موسى حفظ في طفولته من الموت، في حين قُتل الأطفال الآخرين، هكذا نجا السيد المسيح من الموت، في حين قُتل أطفال بيت لحم.

4) موسى أعلن لشعب إسرائيل بالمعجزات والآيات الخارقة، هكذا السيد المسيح على نفس النمط، ولكن برهن على سلطان لاهوته.

5) صام موسى في بريّة سيناء أربعين يوماً وأربعين ليلة، هكذا ايضاً السيد المسيح صام أربعين يوما وأربعين ليلة في برّية اليهوديّة.

6) موسى أبى أن يُدعى ابناً لابنة فرعون مُفضّلاً أن يُذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية، هكذا السيد المسيح هرب عندما أرادوا أن يمسكوه ويجعلوه ملكاً أرضيّاً عليهم.

7) موسى كان خادماً أميناً لله، هكذا الرب يسوع، كان طعامه وشرابه أن يفعل مشيئة أبيه الذي في السماوات.

8) موسى حرّر شعب إسرائيل من عبوديّة فرعون ومصر، هكذا السيد المسيح حرّر البشريّة كلّها من عبوديّة الخطية والفساد.

9) البحر أطاع موسى وانشقّ بأمرٍ منه، هكذا السيد المسيح أسكت العاصفة وهياج البحر بكلمة واحدة منه “أسكت”.

10) سُمح لموسى أن يُكلّم الله فماً لفم، ووجهاً لوجه، هكذا السيد المسيح كان له علاقة – شخصيّة ومباشرة في شركة مع الآب – وهذا ما لم يتوفّر لأيّ نبيٍّ على الإطلاق.

11) كان وجه موسى ليمع جدّاً كنتيجة للشركة مع الله، هكذا السيد المسيح على جبل التجلّي كان وجهه يُضيء كالشمس وثيابه بيضاء كالنور.

12) موسى تنبّأ عن أحداث مستقبليّة تمت كلها، هكذا السيد المسيح تنبّأ بأحداث القبض عليه – آلامه – موته – قيامته – خراب ودمار الهيكل ومدينة أورشليم.

13) موسى أطعم الشعب الذي كان يقوده في البرّية، من المنِّ والسلوى، هكذا السيد المسيح أطعم الجموع أكثر من مرّة، وما زال يُطعمنا جسده المقدّس ودمه الكريم.

14) موسى أعطى لإسرائيل ماءً من الصخر ليشربوا، هكذا المسيح صخر الدهور يعطي ماء الحياة لكلِّ العِطاش (الصخرة كانت المسيح).

15) موسى كان وسيطاً بين الله والشعب، للعهد القديم، هكذا السيد المسيح هو سيط لعهد جديد.

16) تذمّر الشعب كثيراً على موسى، هكذا السيد المسيخ تذمّر عليه الكتبة والفرنسيين وكثير من الجموع.

17) موسى علّم الشعب شريعة العهد القديم، والسيد المسيح علّمنا شريعة العهد الجديد.

المسيح في أسفار الناموس جـ2- القمص روفائيل البرموسي

الثالوث القدوس في العهد القديم – كم أقنوم في الله؟ – القمص روفائيل البرموسي

الثالوث القدوس في العهد القديم – كم أقنوم في الله؟ – القمص روفائيل البرموسي

الثالوث القدوس في العهد القديم – كم أقنوم في الله؟ – القمص روفائيل البرموسي

الثالوث القدوس – دراسة دائرة المعارف الكتابية

الثالوث القدوس في العهد القديم – كم أقنوم في الله؟ – القمص رفائيل البرموسي

إقرأ أيضا: الثالوث في العهد القديم – أين نجد الثالوث في العهد القديم؟

في دراستنا السابقة رأينا الاستعمالات المتعددة للكلمات الجمع: سواء أسماء أو أفعال أو صفات، في الحديث عن الله، كلها تُشير إلى أن هنالك أقانيم في الجوهر الواحد لله وبالتالي تشير إلى الثالوث القدوس . ودارسنا العديد من الآيات التي فيها أسماء الله، تنطبق على شخصين أو أقنومين، متميزين، لكن متساويين في الألوهية أو الجوهر.

والسؤال الذي يبرز الآن: كم أقنوم في الجوهر الواحد الله؟ عندما نقرأ بإمعان في أسفار العهد القديم باللغة العبرية، نرى أن هنالك ثلاثة أقانيم – ثلاثة فقط في الجوهر الواحد لله، وهم الله الآب – الله الأبن – الله الروح القدس، وهم إله واحد. في النص العبري للعهد القديم نجد: الرب يهوه – ملاك يهوه – روح الله، وسندرس الكل تباعاً:

1 الرب يهوه: יהוה

توجد العديد من الآيات في الأسفار المقدسة للعهد القديم، التي تُشير إلى الأقنوم الأول من الثالوث القدوس في الإله الواحد. واستعمال “الرب يهوه” مألوف جداً ومتكرر. وأننا لا نحتاج إلى تخصيص مساحة أخرى لسرد الآيات التي تُشير لذلك، فلقد درسنا في الفصول السابقة العديد من النبوات

تصلح كنموذج لها. وأقنوم “الرب يهوه” هو ما نُعبر عنه نحن كمسيحيين بـ “أقنوم الله الآب”.

2 ملاك يهوه Malach YHVH

الأقنوم الثاني في الجوهر الإلهي، هو ما يُعبر عنه العهد القديم بـ “ملاك يهوه”. أما في العهد الجديد، فيلقب بـ “أقنوم الله الابن”. “ملاك يهوه” هو اسم شخصي متميز خاص، ولم يرد مرة واحد في كل أسفار العهد القديم في صيغة الجمع، بل دائماً في صيغة المفرد. وهذا الاسم مُتميزاً عن الملائكة الأخرى، فلا نجد على مدى العهد القديم كله من التكوين حتى ملاخي، التعبيرات الآتية: “الملائكة يهوه” أو “الملائكة الله” (فيها أداة التعريف “أل” + ملائكة في الجمع)، بل نجد ثلاثة تعبيرات –فقط لا غير – وهي:

أ – ملاك يهوه Malach YHVH، دائماً مفرد.

ب – ملاك الله Malach Ha-Elohim، دائماً مفرد مع أداة التعريف “أل”.

جـ – ملائكة الله Malachei Elohim، دائماً جمع ولا يُستعمل معها أبداً أداة التعريف “أل”.

            إذا أمعناً النظر في كل آيات العهد القديم، على ضوء التعبيرات الثلاثة السابقة، نجد الآتي: التعبير الثالث (جـ)، يُستعمل بوجه عام للحديث عن الملائكة الاعتيادية (فهي دائماً جمع ولا يستعمل معها أبداً أداة التعريف “أل” فنقول الملائكة الله … هذا لا نجده على الإطلاق في العهد القديم كله). أما التعبير الأول (أ) والتعبير الثاني (ب)، كلاهما يُستخدمان للتعبير عن شخص متميز وفريد … هو اسم شخصي. فعلي سبيل المثال:

  • قضاة 20:6-21 “فَقَالَ لَهُ مَلاَكُ اللهِ: «خُذِ اللَّحْمَ وَالْفَطِيرَ وَضَعْهُمَا عَلَى تِلْكَ الصَّخْرَةِ وَاسْكُبِ الْمَرَقَ». فَفَعَلَ كَذلِكَ. فَمَدَّ مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه) طَرَفَ الْعُكَّازِ الَّذِي بِيَدِهِ وَمَسَّ اللَّحْمَ وَالْفَطِيرَ، فَصَعِدَتْ نَارٌ مِنَ الصَّخْرَةِ وَأَكَلَتِ اللَّحْمَ وَالْفَطِيرَ. وَذَهَبَ مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه) عَنْ عَيْنَيْهِ”. ففي الآية 20 دعاه “ملاك الله” وفي الآية 21 دعاه “ملاك يهوه”. وإذا راجعنا قليلاً بعض الآيات في نفس الأصحاح، نجد أن الشخص الذي دُعى “ملاك الله” و”ملاك يهوه” هو الله (يهوه) نفسه: ففي الأعداد 12، 14، 16-18 نقرأ الآتي: “فَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه) وَقَالَ لَهُ: «الرَّبُّ مَعَكَ يَا جَبَّارَ الْبَأْسِ». … فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الرَّبُّ وَقَالَ: «اذْهَبْ بِقُوَّتِكَ هذِهِ وَخَلِّصْ إِسْرَائِيلَ مِنْ كَفِّ مِدْيَانَ. أَمَا أَرْسَلْتُكَ؟» … فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ، وَسَتَضْرِبُ الْمِدْيَانِيِّينَ كَرَجُل وَاحِدٍ».”
  • قضاة 3:13، 9، 17 ” فَتَرَاءَى مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه) لِلْمَرْأَةِ …. فَسَمِعَ اللهُ لِصَوْتِ مَنُوحَ، فَجَاءَ مَلاَكُ اللهِ أَيْضًا إِلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ جَالِسَةٌ فِي الْحَقْلِ،…. فَقَالَ مَنُوحُ لِمَلاَكِ الرَّبِّ: «مَا اسْمُكَ حَتَّى إِذَا جَاءَ كَلاَمُكَ نُكْرِمُكَ؟»  فَقَالَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه): «لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي وَهُوَ عَجِيبٌ؟». “. فبينما دعاه في الآية 3 “ملاك يهوه” دعاه أيضاً في الآية 9 “ملاك الله“. من جهة أخرى، لقد سأل منوح “ملاك يهوهما هو أسمك؟ … فأجابه: لماذا تسأل عن اسمي وهو عجيب. فمن هذه الإجابة يمكننا أن نفهم أن “ملاك يهوه” شخص متميز، وفريد. وقد أثبتنا في دراستنا لنبوات إشعياء أن أحد أسماء المسيا، (عجيب). وبذلك يكون “ملاك يهوه” هو الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس.

ملاك الرب أو ملاك يهوه أو ملاك الله هو الرب نفسه “يهوه”

هناك عشرات الآيات في العهد القديم، تثبت بلا جدال، أن “ملاك يهوه” هو الله نفسه “يهوه“. ففي الواقع، في كل موضع يظهر فيه حديث عن “ملاك يهوه“، نجده يُشير إلى كل من: ملاك يهوه، ويهوه نفسه. فعلى سبيل المثال:

  • تكوين 7:16-14 ” فَوَجَدَهَا مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه) عَلَى عَيْنِ الْمَاءِ فِي الْبَرِّيَّةِ، عَلَى الْعَيْنِ الَّتِي فِي طَرِيقِ شُورَ. وَقَالَ: «يَا هَاجَرُ جَارِيَةَ سَارَايَ، مِنْ أَيْنَ أَتَيْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبِينَ؟». فَقَالَتْ: «أَنَا هَارِبَةٌ مِنْ وَجْهِ مَوْلاَتِي سَارَايَ». فَقَالَ لَهَا مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه): «ارْجِعِي إِلَى مَوْلاَتِكِ وَاخْضَعِي تَحْتَ يَدَيْهَا» …. فَدَعَتِ اسْمَ الرَّبِّ (اسم يهوه) الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهَا: «أَنْتَ إِيلُ رُئِي». لأَنَّهَا قَالَتْ: «أَههُنَا أَيْضًا رَأَيْتُ بَعْدَ رُؤْيَةٍ؟» “. توجد هنا أربع إشارات لـ “ملاك يهوه” في الأعداد 7 ، 9 ، 10 ، 11، ولكن في الآية 13 نجده هو الرب نفسه “يهوه” – ولذا دعت المكان ” أَنْتَ إِيلُ رُئِي – أنت الله الذي يُرى“.
  • تكوين 9:22-16 ” فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ. فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه) مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا» فَقَالَ: «لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي» …. وَقَالَ: «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ (يهوه) ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ… مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي». “. في الآية 11 ، 15 يدعوه “ملاك يهوه” …ولتلاحظ بعض التعابير لا يقولها إلا الله وحده مثل: لم تمسك ابنك وحيدك عني – بذاتي أقسمت يقول “يهوه” – أباركك مباركة وأكثر نسلك. كل هذه التعابير المختصة بالله وحده، نطق بها “ملاك يهوه” نفسه. إذاً، لا جدال أن “ملاك يهوه” أو “ملاك الرب” هو الله “يهوه” نفسه.
  • تكوين 11:31-13 ” وَقَالَ لِي مَلاَكُ اللهِ فِي الْحُلْمِ: يَا يَعْقُوبُ. فَقُلْتُ: هأَنَذَا.فَقَالَ: ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ. جَمِيعُ الْفُحُولِ الصَّاعِدَةِ عَلَى الْغَنَمِ مُخَطَّطَةٌ وَرَقْطَاءُ وَمُنَمَّرَةٌ، لأَنِّي قَدْ رَأَيْتُ كُلَّ مَا يَصْنَعُ بِكَ لاَبَانُ. أَنَا إِلهُ بَيْتِ إِيلَ حَيْثُ مَسَحْتَ عَمُودًا، حَيْثُ نَذَرْتَ لِي نَذْرًا. “. الآية (11) كما هو واضح أن الذي ظهر ليعقوب في الحلم هو “ملاك الله“. وعندما يتكلم مع يعقوب في الحلم، في الآية 13 يقول عن نفسه “أنا إله بيت إيل“، ويقول أيضاً “نذرت لي نذراً“. إذا وضعنا هذه الآيات بجوار ما جاء في الإصحاح 28 من التكوين بخصوص سلم يعقوب ” وَرَأَى حُلْمًا، وَإِذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَهُوَذَا مَلاَئِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا. وَهُوَذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «أَنَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ. الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ مُضْطَجِعٌ عَلَيْهَا أُعْطِيهَا لَكَ وَلِنَسْلِكَ…. وَهَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ … فَاسْتَيْقَظَ يَعْقُوبُ مِنْ نَوْمِهِ وَقَالَ: «حَقًّا إِنَّ الرَّبَّ فِي هذَا الْمَكَانِ وَأَنَا لَمْ أَعْلَمْ!». وَخَافَ وَقَالَ: «مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ» … وَدَعَا اسْمَ ذلِكَ الْمَكَانِ «بَيْتَ إِيلَ» ” تكوين 12:28 – 19. وبوضع تكوين 11:31 – 13 بجوار تكوين 13:28 – 19، نجد الآتي:

أ – لاحظ التمييز بين القول “هوذا ملائكة الله” تك 12:28 فهي جمع وبدون أداة التعريف “أل” للتعبير عن الملائكة الاعتيادية… وبين القول “ملاك الله” الواردة في تكوين 11:31 فهي تخص الأقنوم الثاني في الثالوث “أقنوم الابن” حيث أنها مفردة بالإضافة إلى أداة التعريف “أل”. Malach Ha – Elohim

ب – في تكوين 11:31 يقول “أَنَا إِلهُ بَيْتِ إِيلَ” من هو ” إِلهُ بَيْتِ إِيلَ“، الإجابة نجدها في تكوين 16:28 – 18 ” حَقًّا إِنَّ الرَّبَّ فِي هذَا الْمَكَانِ… مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ… وَدَعَا اسْمَ ذلِكَ الْمَكَانِ «بَيْتَ إِيلَ» (أي بيت الله). إذاً، إله هو الله “يهوه” والذي قال عنه في تكوين 31 إنه “ملاك يهوه“. “فملاك يهوه” هو “يهوه” نفسه.

جـ -تكوين 24:31 – 30 ” فَبَقِيَ يَعْقُوبُ وَحْدَهُ، وَصَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ.. وَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِهِ، فَانْخَلَعَ حُقُّ فَخْذِ يَعْقُوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ. وَقَالَ: «أَطْلِقْنِي، لأَنَّهُ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ». فَقَالَ: «لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي». فَقَالَ لَهُ: «مَا اسْمُكَ؟» فَقَالَ: «يَعْقُوبُ». فَقَالَ: «لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ». وَسَأَلَ يَعْقُوبُ وَقَالَ: «أَخْبِرْنِي بِاسْمِكَ». فَقَالَ: «لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي؟» وَبَارَكَهُ هُنَاكَ. فَدَعَا يَعْقُوبُ اسْمَ الْمَكَانِ «فَنِيئِيلَ» قَائِلاً: «لأَنِّي نَظَرْتُ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَنُجِّيَتْ نَفْسِي».”. فالملاك[1] الذي صارع معه يعقوب هو الله نفسه.

د – خروج 2:3 – 6 “وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ. فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ، وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ. فَقَالَ مُوسَى: «أَمِيلُ الآنَ لأَنْظُرَ هذَا الْمَنْظَرَ الْعَظِيمَ. لِمَاذَا لاَ تَحْتَرِقُ الْعُلَّيْقَةُ؟». فَلَمَّا رَأَى الرَّبُّ أَنَّهُ مَالَ لِيَنْظُرَ، نَادَاهُ اللهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ وَقَالَ: «مُوسَى، مُوسَى!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». فَقَالَ: «لاَ تَقْتَرِبْ إِلَى ههُنَا. اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ». ثُمَّ قَالَ: «أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ». فَغَطَّى مُوسَى وَجْهَهُ لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اللهِ.”. في الآية 2 يقول عنه إنه “ملاك يهوه” الذي ظهر لموسى بلهيب نار من وسط العليقة، ولكن في الآية 4 يقول “ناداه الله من وسط العليقة“. ثم هو نفسه يقول “أنا إله أبيك…”. إذاً، “ملاك الرب ” أو “ملاك يهوه” هو الله نفسه.

هـ -قضاة 1:2 “وَصَعِدَ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ الْجِلْجَالِ إِلَى بُوكِيمَ وَقَالَ: «قَدْ أَصْعَدْتُكُمْ مِنْ مِصْرَ وَأَتَيْتُ بِكُمْ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمْتُ لآبَائِكُمْ، وَقُلْتُ: لاَ أَنْكُثُ عَهْدِي مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ. “. في هذه الآية “ملاك يهوه” ينسب إلى نفسه أنه أخرج شعب إسرائيل من مصر، وأنه قطع عهداً مع هذا الشعب. بالمقارنة مع ما جاء في خروج 3:19 – 5 “وَأَمَّا مُوسَى فَصَعِدَ إِلَى اللهِ. فَنَادَاهُ الرَّبُّ مِنَ الْجَبَلِ قَائِلاً: «هكَذَا تَقُولُ لِبَيْتِ يَعْقُوبَ، وَتُخْبِرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. أَنْتُمْ رَأَيْتُمْ مَا صَنَعْتُ بِالْمِصْرِيِّينَ. وَأَنَا حَمَلْتُكُمْ عَلَى أَجْنِحَةِ النُّسُورِ وَجِئْتُ بِكُمْ إِلَيَّ. فَالآنَ إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي، وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ.”. واضح أن الذي أخرج شعب إسرائيل من مصر هو الله، وهو الذي قطع العهد معهم. بجمع الآيتين معاً، يكون أن ملاك الرب هو الله.

و – قضاة 11:6 -24 ” وَأَتَى مَلاَكُ الرَّبِّ وَجَلَسَ تَحْتَ الْبُطْمَةِ الَّتِي فِي عَفْرَةَ الَّتِي لِيُوآشَ الأَبِيعَزَرِيِّ. وَابْنُهُ جِدْعُونُ كَانَ يَخْبِطُ حِنْطَةً فِي الْمِعْصَرَةِ لِكَيْ يُهَرِّبَهَا مِنَ الْمِدْيَانِيِّينَ. فَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَالَ لَهُ: «الرَّبُّ مَعَكَ يَا جَبَّارَ الْبَأْسِ» فَقَالَ لَهُ جِدْعُونُ: «أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي، إِذَا كَانَ الرَّبُّ مَعَنَا فَلِمَاذَا أَصَابَتْنَا كُلُّ هذِهِ؟ وَأَيْنَ كُلُّ عَجَائِبِهِ الَّتِي أَخْبَرَنَا بِهَا آبَاؤُنَا قَائِلِينَ: أَلَمْ يُصْعِدْنَا الرَّبُّ مِنْ مِصْرَ؟ وَالآنَ قَدْ رَفَضَنَا الرَّبُّ وَجَعَلَنَا فِي كَفِّ مِدْيَانَ». فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الرَّبُّ وَقَالَ: «اذْهَبْ بِقُوَّتِكَ هذِهِ وَخَلِّصْ إِسْرَائِيلَ مِنْ كَفِّ مِدْيَانَ. أَمَا أَرْسَلْتُكَ؟» فَقَالَ لَهُ: «أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي، بِمَاذَا أُخَلِّصُ إِسْرَائِيلَ؟ هَا عَشِيرَتِي هِيَ الذُّلَّى فِي مَنَسَّى، وَأَنَا الأَصْغَرُ فِي بَيْتِ أَبِي». فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ، وَسَتَضْرِبُ الْمِدْيَانِيِّينَ كَرَجُل وَاحِدٍ». فَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَاصْنَعْ لِي عَلاَمَةً أَنَّكَ أَنْتَ تُكَلِّمُنِي. لاَ تَبْرَحْ مِنْ ههُنَا حَتَّى آتِيَ إِلَيْكَ وَأُخْرِجَ تَقْدِمَتِي وَأَضَعَهَا أَمَامَكَ». فَقَالَ: «إِنِّي أَبْقَى حَتَّى تَرْجعَ». فَدَخَلَ جِدْعُونُ وَعَمِلَ جَدْيَ مِعْزًى وَإِيفَةَ دَقِيق فَطِيرًا. أَمَّا اللَّحْمُ فَوَضَعَهُ فِي سَلّ، وَأَمَّا الْمَرَقُ فَوَضَعَهُ فِي قِدْرٍ، وَخَرَجَ بِهَا إِلَيْهِ إِلَى تَحْتِ الْبُطْمَةِ وَقَدَّمَهَا. فَقَالَ لَهُ مَلاَكُ اللهِ: «خُذِ اللَّحْمَ وَالْفَطِيرَ وَضَعْهُمَا عَلَى تِلْكَ الصَّخْرَةِ وَاسْكُبِ الْمَرَقَ». فَفَعَلَ كَذلِكَ. فَمَدَّ مَلاَكُ الرَّبِّ طَرَفَ الْعُكَّازِ الَّذِي بِيَدِهِ وَمَسَّ اللَّحْمَ وَالْفَطِيرَ، فَصَعِدَتْ نَارٌ مِنَ الصَّخْرَةِ وَأَكَلَتِ اللَّحْمَ وَالْفَطِيرَ. وَذَهَبَ مَلاَكُ الرَّبِّ عَنْ عَيْنَيْهِ. فَرَأَى جِدْعُونُ أَنَّهُ مَلاَكُ الرَّبِّ، فَقَالَ جِدْعُونُ: «آهِ يَا سَيِّدِي الرَّبَّ! لأَنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَلاَكَ الرَّبِّ وَجْهًا لِوَجْهٍ.» فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «السَّلاَمُ لَكَ. لاَ تَخَفْ. لاَ تَمُوتُ». فَبَنَى جِدْعُونُ هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَدَعَاهُ «يَهْوَهَ شَلُومَ». “. أربع مرات في هذا المقطع من الأصحاح، يتكلم عن كونه “ملاك الرب” (الآية 11، 12، 20، 21)، وأربع مرات في نفس المقطع يقول عنه أنه الرب “يهوه” (الآية 13، 14، 16، 22) … ثم أخيراً يقول إنه بنى مذبحاً للرب ودعاه يهوه شلوم أي “يهوه سلام“.

قضاة 3:13 – 24 النص كاملاً:

1 ثُمَّ عَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَعْمَلُونَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، فَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ لِيَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.

2 وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ صُرْعَةَ مِنْ عَشِيرَةِ الدَّانِيِّينَ اسْمُهُ مَنُوحُ، وَامْرَأَتُهُ عَاقِرٌ لَمْ تَلِدْ.

3 فَتَرَاءَى مَلاَكُ الرَّبِّ لِلْمَرْأَةِ وَقَالَ لَهَا: «هَا أَنْتِ عَاقِرٌ لَمْ تَلِدِي، وَلكِنَّكِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا.

4 وَالآنَ فَاحْذَرِي وَلاَ تَشْرَبِي خَمْرًا وَلاَ مُسْكِرًا، وَلاَ تَأْكُلِي شَيْئًا نَجِسًا.

5 فَهَا إِنَّكِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا، وَلاَ يَعْلُ مُوسَى رَأْسَهُ، لأَنَّ الصَّبِيَّ يَكُونُ نَذِيرًا للهِ مِنَ الْبَطْنِ، وَهُوَ يَبْدَأُ يُخَلِّصُ إِسْرَائِيلَ مِنْ يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ».

6 فَدَخَلَتِ الْمَرْأَةُ وَكَلَّمَتْ رَجُلَهَا قَائِلَةً: «جَاءَ إِلَيَّ رَجُلُ اللهِ، وَمَنْظَرُهُ كَمَنْظَرِ مَلاَكِ اللهِ، مُرْهِبٌ جِدًّا. وَلَمْ أَسْأَلْهُ: مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَلاَ هُوَ أَخْبَرَنِي عَنِ اسْمِهِ.

7 وَقَالَ لِي: هَا أَنْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا. وَالآنَ فَلاَ تَشْرَبِي خَمْرًا وَلاَ مُسْكِرًا، وَلاَ تَأْكُلِي شَيْئًا نَجِسًا، لأَنَّ الصَّبِيَّ يَكُونُ نَذِيرًا للهِ مِنَ الْبَطْنِ إِلَى يَوْمِ مَوْتِهِ».

8 فَصَلَّى مَنُوحُ إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: «أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي أَنْ يَأْتِيَ أَيْضًا إِلَيْنَا رَجُلُ اللهِ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ، وَيُعَلِّمَنَا: مَاذَا نَعْمَلُ لِلصَّبِيِّ الَّذِي يُولَدُ؟».

9 فَسَمِعَ اللهُ لِصَوْتِ مَنُوحَ، فَجَاءَ مَلاَكُ اللهِ أَيْضًا إِلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ جَالِسَةٌ فِي الْحَقْلِ، وَمَنُوحُ رَجُلُهَا لَيْسَ مَعَهَا.

10 فَأَسْرَعَتِ الْمَرْأَةُ وَرَكَضَتْ وَأَخْبَرَتْ رَجُلَهَا وَقَالَتْ لَهُ: «هُوَذَا قَدْ تَرَاءَى لِيَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ إِلَيَّ ذلِكَ الْيَوْمَ».

11 فَقَامَ مَنُوحُ وَسَارَ وَرَاءَ امْرَأَتِهِ وَجَاءَ إِلَى الرَّجُلِ، وَقَالَ لَهُ: «أَأَنْتَ الرَّجُلُ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَ الْمَرْأَةِ؟» فَقَالَ: «أَنَا هُوَ».

12 فَقَالَ مَنُوحُ: «عِنْدَ مَجِيءِ كَلاَمِكَ، مَاذَا يَكُونُ حُكْمُ الصَّبِيِّ وَمُعَامَلَتُهُ؟»

13 فَقَالَ مَلاَكُ الرَّبِّ لِمَنُوحَ: «مِنْ كُلِّ مَا قُلْتُ لِلْمَرْأَةِ فَلْتَحْتَفِظْ.

14 مِنْ كُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ جَفْنَةِ الْخَمْرِ لاَ تَأْكُلْ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ تَشْرَبْ، وَكُلَّ نَجِسٍ لاَ تَأْكُلْ. لِتَحْذَرْ مِنْ كُلِّ مَا أَوْصَيْتُهَا».

15 فَقَالَ مَنُوحُ لِمَلاَكِ الرَّبِّ: «دَعْنَا نُعَوِّقْكَ وَنَعْمَلْ لَكَ جَدْيَ مِعْزًى».

16 فَقَالَ مَلاَكُ الرَّبِّ لِمَنُوحَ: «وَلَوْ عَوَّقْتَنِي لاَ آكُلُ مِنْ خُبْزِكَ، وَإِنْ عَمِلْتَ مُحْرَقَةً فَلِلرَّبِّ أَصْعِدْهَا». لأَنَّ مَنُوحَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَلاَكُ الرَّبِّ.

17 فَقَالَ مَنُوحُ لِمَلاَكِ الرَّبِّ: «مَا اسْمُكَ حَتَّى إِذَا جَاءَ كَلاَمُكَ نُكْرِمُكَ؟»

18 فَقَالَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ: «لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي وَهُوَ عَجِيبٌ؟».

19 فَأَخَذَ مَنُوحُ جَدْيَ الْمِعْزَى وَالتَّقْدِمَةَ وَأَصْعَدَهُمَا عَلَى الصَّخْرَةِ لِلرَّبِّ. فَعَمِلَ عَمَلاً عَجِيبًا وَمَنُوحُ وَامْرَأَتُهُ يَنْظُرَانِ.

20 فَكَانَ عِنْدَ صُعُودِ اللَّهِِيبِ عَنِ الْمَذْبَحِ نَحْوَ السَّمَاءِ، أَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ صَعِدَ فِي لَهِيبِ الْمَذْبَحِ، وَمَنُوحُ وَامْرَأَتُهُ يَنْظُرَانِ. فَسَقَطَا عَلَى وَجْهَيْهِمَا إِلَى الأَرْضِ.

21 وَلَمْ يَعُدْ مَلاَكُ الرَّبِّ يَتَرَاءَى لِمَنُوحَ وَامْرَأَتِهِ. حِينَئِذٍ عَرَفَ مَنُوحُ أَنَّهُ مَلاَكُ الرَّبِّ.

22 فَقَالَ مَنُوحُ لامْرَأَتِهِ: «نَمُوتُ مَوْتًا لأَنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا اللهَ»

” فَتَرَاءَى مَلاَكُ الرَّبِّ لِلْمَرْأَةِ وَقَالَ لَهَا… فَسَمِعَ اللهُ لِصَوْتِ مَنُوحَ، فَجَاءَ مَلاَكُ اللهِ أَيْضًا إِلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ جَالِسَةٌ فِي الْحَقْلِ… فَقَالَ مَلاَكُ الرَّبِّ لِمَنُوحَ :… فَقَالَ مَنُوحُ لِمَلاَكِ الرَّبِّ… فَقَالَ مَلاَكُ الرَّبِّ لِمَنُوحَ… فَقَالَ مَنُوحُ لامْرَأَتِهِ: «نَمُوتُ مَوْتًا لأَنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا اللهَ» “. تسع مرات في هذا المقطع يشير إلى “ملاك الرب” في الآيات 3، 9، 13، 15، 16، 17، 18، 20، 21 ولكن بعد ذلك، في الآية 22 يقول عنه منوح “رأينا الله“…. ثم أن “ملاك الرب” أسمه “عجيب“،פלא ف ل أ، (تكلمنا عن ذلك من قبل).

(ملحوظة: مناقشة موضوع “ملاك الرب” في سفر القضاة، يختفي تماماً في التاريخ اليهودي القديم، وكتب التراث).

وحدانية جوهر الله

يقول الرب على لسان إشعياء النبي ” أَنَا الرَّبُّ (يهوه) هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ، وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ. ” إشعياء 8:42. عندما نقابل هذه الحقيقة الثابتة مع ما جاء في خروج 20:23 – 23 ” هَا أَنَا مُرْسِلٌ مَلاَكًا أَمَامَ وَجْهِكَ لِيَحْفَظَكَ فِي الطَّرِيقِ، وَلِيَجِيءَ بِكَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَعْدَدْتُهُ.اِحْتَرِزْ مِنْهُ وَاسْمَعْ لِصَوْتِهِ وَلاَ تَتَمَرَّدْ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ لاَ يَصْفَحُ عَنْ ذُنُوبِكُمْ، لأَنَّ اسْمِي فِيهِ. وَلكِنْ إِنْ سَمِعْتَ لِصَوْتِهِ وَفَعَلْتَ كُلَّ مَا أَتَكَلَّمُ بِهِ، أُعَادِي أَعْدَاءَكَ، وَأُضَايِقُ مُضَايِقِيكَ.”. يمكننا أن نفهم بسهولة الطبيعة المتميزة لـ “ملاك يهوه“، في خروج 20:23 -23 الله نفسه هو الذي يتكلم. بذلك يكون “ملاك يهوه” هو نفسه “الله“، حيث أن الله نفسه يقول ” وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ “. والقديس أثناسيوس الرسولي يعلق على هذه الآية بقوله (تشترك الأقانيم الثلاثة بالجوهر الإلهي، ومن ثم إرادة واحدة وذات واحدة وطبيعة واحدة. أي أن لكل من الآب والابن والروح القدس ما للآخر من الألقاب والصفات الإلهية، وذلك لأن الطبيعة واحدة، خلواً من تفصيل وتقسيم)

نعود مرة أخرى إلى خروج 20:23 – 23 “هَا أَنَا مُرْسِلٌ مَلاَكًا أَمَامَ وَجْهِكَ…” في الآية 20 يقول الله أن هذا الملاك سيقود شعب إسرائيل طوال فترة الخروج من مصر حتى يأتوا إلى الأرض التي وعد بها، وهذا يتوافق مع ما جاء في قضاة 1:2 (شرحنا من قبل). في الآية 21 أعطى الله العديد من الأوامر لموسى: احترز منهاسمع لصوتهلا تتمرد عليه. هذا الملاك ينبغي أن يُطاع طاعة مطلقة. لماذا؟ يقول الله “لأن اسمي فيه“. هذا الملاك من نوع خاص جداً ليس ملاكاً اعتيادياً، وذلك لأسباب عديدة.

1 – “لا يصفح عن ذنوبكم” الآية 21 أي عنده القوة والسلطان لغفران الخطايا، وهذا حق من اختصاص الله وحده.

2 – “اسمي فيه” الآية 21 إن الاسم هو “يهوه”. هذا الاسم دُعى به الله وحده. وبما أن هذا الملاك أُعطى هذا الاسم، فهو إذاً الله نفسه. وفي النص العبري يتضح جداً الفرق بين “اسمي فيه” و “اسمي عليه” فجاءت في النص العبري “اسمي فيه” للدلالة القوية أنه هو نفسه الله.

3 – هناك بركات لطاعته: “إن سمعت لصوته وفعلت كل ما أتكلم به أعادي أعداءك، وأضايق مضايقيك“. في النص العبري يتضح بقوة المعنى الحقيقي للآية، أكثر من اللغة العربية: فالضمير في كلمته “صوته” يعود على الملاك، ثم الضمير في كلمة “ما أتكلم به” يعود على الله… إذاً صوت هذا الملاك هو صوت الله نفسه.

4 – هذا الملاك، هو ملاك الخروج 31:32 – 35 عن الاستخفاف بالتحذيرات، وما حدث لهم ” فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى الرَّبِّ، وَقَالَ: «آهِ، قَدْ أَخْطَأَ هذَا الشَّعْبُ خَطِيَّةً عَظِيمَةً وَصَنَعُوا لأَنْفُسِهِمْ آلِهَةً مِنْ ذَهَبٍ.32 وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيَّتَهُمْ، وَإِلاَّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ». “.

ثم يعود الكتاب ويتكلم مرة أخرى عن “ملاك يهوه” الذي صارع معه يعقوب حتى طلوع الفجر (تكوين 24:32 – 30)، في سفر هوشع 3:12 – 5 فيقول ” فِي الْبَطْنِ قَبَضَ بِعَقِبِ أَخِيهِ، وَبِقُوَّتِهِ جَاهَدَ مَعَ اللهِ. جَاهَدَ مَعَ الْمَلاَكِ وَغَلَبَ. بَكَى وَاسْتَرْحَمَهُ. وَجَدَهُ فِي بَيْتِ إِيلَ وَهُنَاكَ تَكَلَّمَ مَعَنَا. وَالرَّبُّ إِلهُ الْجُنُودِ يَهْوَهُ اسْمُهُ.”. هنا نلاحظ:

  1. قال أولاً “جاهد مع الله” ثم يقول بعدها “جاهد مع الملاك“.
  2. الملاك الذي صارع معه يعقوب في تكوين 24:32 – 30، يقول عنه يعقوب “لأني نظرت الله وجهاً لوجه“. وبذلك يكون الملاك الذي صارع معه يعقوب هو “الله نفسه“.
  3. في تكوين 32:24 – 30، سأل يعقوب الملاك عن اسمه، ولما عرف إنه الرب، دعا المكان الذي ظهر له فيه “فنيئيل” ومعناه “رأيت الله“. هنا في هوشع 3:12 – 5 أسم الله هو “يهوه” أي الاسم الخاص بالله. بمعني أن له الحروف الأربعة المقدسة “יהוה” التي لله نفسه. وهذا يؤكد أن “ملاك الرب” هو الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس.

روح الله القدوس

لا نستطيع أن نرود كل الآيات التي وردت في العهد القديم التي تتحدث عن روح الله القدوس للتعبير عن الله نفسه، لأنها كثيرة جداً… وإلا سنحتاج إلى كتاب خاص. ولكن اكتفي بذكر بعضها… وأقنوم الروح القدوس، واضح جداً في أسفار العهد القديم، وهو الأقنوم الثالث في الثالوث القدوس، وينطق بالعبرية “Kodesh Ruach Ha” أو يطلق عليه مباشرة “روح الله”.

  1. تكوين 2:1 ” وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.”.
  2. تكوين 3:6 ” فَقَالَ الرَّبُّ: «لاَ يَدِينُ رُوحِي فِي الإِنْسَانِ إِلَى الأَبَدِ، لِزَيَغَانِهِ، هُوَ بَشَرٌ. وَتَكُونُ أَيَّامُهُ مِئَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً»”.
  3. أيوب 4:33 ” رُوحُ اللهِ صَنَعَنِي وَنَسَمَةُ الْقَدِيرِ أَحْيَتْنِي. “.

– مزمور 11:51 “لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي. “.

– إشعياء 2:11 “وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ.”.

– إشعياء 10:63 “وَلكِنَّهُمْ تَمَرَّدُوا وَأَحْزَنُوا رُوحَ قُدْسِهِ، فَتَحَوَّلَ لَهُمْ عَدُوًّا، وَهُوَ حَارَبَهُمْ.”.

– إشعياء 13:63 – 14 ” الَّذِي سَيَّرَهُمْ فِي اللُّجَجِ، كَفَرَسٍ فِي الْبَرِّيَّةِ فَلَمْ يَعْثُرُوا؟ كَبَهَائِمَ تَنْزِلُ إِلَى وَطَاءٍ، رُوحُ الرَّبِّ أَرَاحَهُمْ». “.

من الآيات السابقة، نرى أن الروح القدس له صفات شخصية تُشير إلى الألوهية مثل: الإرادة – المشيئة – الخلق – الغفران …. إلخ. ولذا فالروح القدس هو الله.

آيات من العهد القديم تورد الأقانيم الثلاثة معاً

في أسفار العهد القديم نتقابل مع آيات عديدة، يأتي فيها ذِكر الثلاثة أقانيم معاً. وتُظهر بوضوح أن هذه الأقانيم متساوية في الجوهر، أو قل هي جوهر واحد للإله الواحد الحقيقين فعلى سبيل المثال:

  • إشعياء 1:42 ” «هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ. “. هنا نلاحظ، أن المتكلم هو الله الآب، ويظهر في القول “عبدي” أي عبدي أنا، “مختاري” أي مختاري أنا، “سرت به نفسي” أي أنا سررت به. أما الأقنوم الثاني، فهو: العبد – المختار – الذي يخرج الحق للأمم. أما الأقنوم الثالث، فهو الروح القدس، ويظهر في القول “وضعت روحي عليه“. إذاً، هنا نتقابل مع الثالوث القدوس في آية واحدة.
  • إشعياء 12:48 – 16 ” «اِسْمَعْ لِي يَا يَعْقُوبُ، وَإِسْرَائِيلُ الَّذِي دَعَوْتُهُ: أَنَا هُوَ. أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ،13 وَيَدِي أَسَّسَتِ الأَرْضَ، وَيَمِينِي نَشَرَتِ السَّمَاوَاتِ. أَنَا أَدْعُوهُنَّ فَيَقِفْنَ مَعًا. اِجْتَمِعُوا كُلُّكُمْ وَاسْمَعُوا. مَنْ مِنْهُمْ أَخْبَرَ بِهذِهِ؟ قَدْ أَحَبَّهُ الرَّبُّ. يَصْنَعُ مَسَرَّتَهُ بِبَابِلَ، وَيَكُونُ ذِرَاعُهُ عَلَى الْكَلْدَانِيِّينَ. أَنَا أَنَا تَكَلَّمْتُ وَدَعَوْتُهُ. أَتَيْتُ بِهِ فَيَنْجَحُ طَرِيقُهُ. تَقَدَّمُوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا هذَا: لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنَ الْبَدْءِ فِي الْخَفَاءِ. مُنْذُ وُجُودِهِ أَنَا هُنَاكَ» وَالآنَ السَّيِّدُ الرَّبُّ أَرْسَلَنـِــي وَرُوحُهُ. “. في الآية 12، المتحدث هو الله، الذي خلق السماوات والأرض، ومازال هو الله “أنا هو” أي أقنوم الآب الأقنوم الأول. في الآية 16، نجد شخص آخر يقول إنه مرسل من قِبل الرب “يهوه“، فالشخص المرسل هو الأقنوم الثاني. وفي نفس الآية 16، نجد أن الأقنوم الثاني مرسل من قِبل الرب “وروحه القدوس“، هنا يظهر الأقنوم الثالث. أما الآية 16 بمفردها ففيها يظهر الثالوث القدوس معاً بشكل واضح “أنا هناك (الأبن) والآن السيد الرب (الاب) أرسلني وروحه (الروح القدس)“…. في آية واحدة.
  • إشعياء 1:61 ” رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِــي…”. هنا يظهر – أيضاً – الثالوث القدوس معاً في آية واحدة. فالمتكلم هو المسيا “الأقنوم الثانيالأبن” أي الممسوح. أما الذي مسحه، فهو أقنوم الآب الأقنوم الأول ، في قوله “الرب مسحني”. وروح السيد عليه وهو الأقنوم الثالث
  • إشعياء 7:63 – 14 ” إِحْسَانَاتِ الرَّبِّ أَذْكُرُ، تَسَابِيحَ الرَّبِّ، حَسَبَ كُلِّ مَا كَافَأَنَا بِهِ الرَّبُّ... في فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ، وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ…. وَلكِنَّهُمْ تَمَرَّدُوا وَأَحْزَنُوا رُوحَ قُدْسِهِ “. في هذه الآيات يذكر إشعياء النبي إحسانات الله التي صنعها مع شعب إسرائيل في الخروج وفي البرية…إلخ. وهنا يذكر إشعياء ثلاثة أشخاص (ثلاثة أقانيم) متميزين، لكنهم جميعاً هم الله نفسه:

أ – في الآية 7: يذكر “الرب يهوه” الذي صنع إحسانات كثيرة مع الشعب (أقنوم الآب).

ب – في الآية 9: يذكر “ملاك حضرته” الذي خلصهم (راجع خروج 20:23 – 23)، وهو (أقنوم الأبن).

ج – الآية 10: يذكر “روح قدسه” الذي أحزنه شعب إسرائيل، وهو الأقنوم الثالث

فبالرغم من أن الله في كل أسفار العهد القديم يُعلن عن نفسه أنه هو الذي أخرج شعب إسرائيل من أرض العبودية… نجد في إشعياء 7:63 – 14 أن الثلاثة أشخاص ينسب إليهم ذلك. هنا – رغم ذلك – هذا لا يتعارض أبداً مع وحدانية الله، حيث أن الثلاثة الأقانيم، هم جوهر واحد للإله الوحد. هذه هي عقيدة الثالوث القدوس، التي يُهاجمها اليهود بشدة، رغم أننا أثبتناها من العهد القديم – وهم يعتبرون أن ملكيته هو من حقهم هم وحدهم – علاوة على عشرات الآيات التي تبرهن على ذلك التي لم نستطع ذكرها تخفيفاً على القارئ العزيز (بنعمة المسيح، قيد الإعداد: بحث موسع عن الثالوث القدوس في العهد القديم).

الثالوث القدوس هو: الله الآبالله الأبن (المسيا) – الله الروح القدس…، وبما أننا قد أوردنا نبوات عديدة تشير إلى ألوهية المسيا. إذاً، على ضوء الثالوث القدس، نخرج بنتيجة مفادها، أن المسيا هو أحد أقانيم هذا الثالوث… أقنوم الكلمة (الابن) الذي تجسد في ملء الزمان من أجل خلاص العالم كله.

سفر هوشع 3:12 – 5 ” فِي الْبَطْنِ قَبَضَ بِعَقِبِ أَخِيهِ، وَبِقُوَّتِهِ جَاهَدَ مَعَ اللهِ. جَاهَدَ مَعَ الْمَلاَكِ وَغَلَبَ. بَكَى وَاسْتَرْحَمَهُ. وَجَدَهُ فِي بَيْتِ إِيلَ وَهُنَاكَ تَكَلَّمَ مَعَنَا. وَالرَّبُّ إِلهُ الْجُنُودِ يَهْوَهُ اسْمُهُ.

الثالوث القدوس في العهد القديم – كم أقنوم في الله؟ – القمص روفائيل البرموسي

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

مصطلحات عبرية تلمّح بلاهوت المسيا – القمص روفائيل البرموسي

مصطلحات عبرية تلمّح بلاهوت المسيا

مصطلحات عبرية تلمّح بلاهوت المسيا – القمص روفائيل البرموسي

مصطلحات عبرية تلمّح بلاهوت المسيا – القمص روفائيل البرموسي 

كنا قد درسنا بعض النبوات التي فيها إشارات صريحة للاهوت المسيا، الذي تمت فيه وبدقة ما نطق به الأنبياء بالروح القدس. يرافق التفسير المسيحي لهذه النبوات، تعاليم ثابتة ومؤكدة، والتي تنظر إليها اليهودية برفض شديد، كونها ضد الأسفار المقدسة. من هذه التعاليم: أن المسيا هو الله – الله واحد في الثالوث.

هاتان الحقيقتان مترابطتان بإحكام شديد. والإمكانية الوحيدة للإيمان بأن المسيح هو الله، لو اعتبرنا إنه واحد من الثالوث القدوس. ومن الثابت طوال قرون عديدة أن هذا الاعتقاد مرفوض تماماً لدى اليهود، ويعتبرنه من البدع التي اخترعتها الكنيسة المسيحية وسجلتها في العهد الجديد. وهؤلاء اليهود يتجاهلون تماماً ويتعامون عن حقيقة هامة إلا وهي، أن الذين دونوا العهد الجديد كلهم كانوا رجالًا يهودًا. واحد من هؤلاء الكتاب العظام للعهد الجديد، هو الرابي شاول، والذي عُرف بعد ذلك ببولس الرسول، والذي تعلّم على يدي الرابي غمالائيل، وهو يقول عن نفسه “أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وُلِدْتُ فِي طَرْسُوسَ كِيلِيكِيَّةَ، وَلكِنْ رَبَيْتُ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ مُؤَدَّبًا عِنْدَ رِجْلَيْ غَمَالاَئِيلَ عَلَى تَحْقِيقِ النَّامُوسِ الأَبَوِيِّ. وَكُنْتُ غَيُورًا للهِ كَمَا أَنْتُمْ جَمِيعُكُمُ الْيَوْمَ.” أعمال الرسل 2:22 –

مِنْ جِهَةِ الْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ. مِنْ جِهَةِ الْغَيْرَةِ مُضْطَهِدُ الْكَنِيسَةِ. ” فيلبي 5:3-6.

يقول اليهود، أن أي فكرة عن الأقانيم الثلاثة في الإله الواحد، هو شيء مُنفر. ومع ذلك وجدنا ضمن كتب الأدب اليهودي القديم، كتاب شهيد يُسمى، “Zohar” يتجه نحو حقيقة الثالوث في شرحه للحروف الأربعة للاسم الشخصي لله. فكتب الآتي (تعال وأنظر السر العظيم لكلمة “يهوه יְהֹוָה“: توجد ثلاث درجات كل واحدة قائمة بذاتها، ومع ذلك هم واحد، ومتحدين لدرجة لا يمكن فصل الواحدة عن الأخرى. القدوس قديم الأيام، يظهر وكأن له ثلاث رؤوس، ومتحدة في واحد، والرأس الواحدة لها نفس مجد الثلاث. قديم الأيام يُوصف وكأنه ثلاث، لأن النور المنبثق منه يشمل الثلاثة. ولكن كيف أن الثلاثة واحد!! لا يُمكن أن يُعرف هذا إلا بإعلان الروح القدس) من كتاب Zohar vol. III, 288/ vol. II, 43.

في هذا الفصل، سوف ندرس بعض التلميحات التي تُشير إلى أُلوهية المسيا، وإثبات صحة الاعتقاد في الله كثالوث. سنرى أن التعليم بعقيدة الثالوث لها جذورها الثابتة في أسفار العهد القديم، وفي نفس الوقت أن كل أسفار العهد القديم تُشدد على وحدانية الله “يهوه”….و اليهودي أسهل عليه أن يموت من أن يُفرط في حرف واحد من أسفار العهد القديم.

ـــــــــــــــــــــــــــ

Zohar: كُتب في القرن الثالث عشر، وهو يبحث في الأسرار اليهودية Jewish Mysticism، ومقتطفات من العهد القديم، بأسلوب أدبي.

أولاً: الاسم الجمع “إلوهيم Elohim” אלוהים إ ل وه ي م

للتعبير عن الله في العهد القديم، عادةً يُستعمل الاسم العبري “إلوهيم Elohim”. وما هو معروف في اللغة العبرية، أن “إلوهيم” اسم جمع، له نهاية الجمع المذكر، أي אלוהים יםيم “. وهذا الاسم يُستعمل في العهد القديم للتعبير عن الإله الحقيقي، كما في: تكوين 1:1، ويُستعمل أيضاً للآلهة الكاذبة، كما في سفر الخروج 3:20، سفر التثنية 2:13

-“في البدء خلق الله (إلوهيم) السماوات والأرض” تكوين 1:1

-“لا يكن لك آلهة (إلوهيم) أخرى أمامي” خروج 3: 20

-“ولو حدثت الآية او الأعجوبة التي كلمك عنها قائلاً لنذهب وراء آلهة (إلوهيم) أخرى لم تعرفها ونعبدها فلا تسمع…” تثنية 2:13

بينما استخدم اسم الجمع “إلوهيم” ليُثبت عقيدة الثالوث القدوس، إلا أنه بلا شك يفتح باب التعليم بعقيدة الأقانيم الثلاثة في الإله الواحد، حيث أن نفس الكلمة تُستعمل لكل من: الإله الواحد الحقيقي، والآلهة الكاذبة العديدة. وهذه الكلمة سببت بعض المشاكل للرابيين. ففي كتاب “Siddur”، وهو كتاب يُستعمل لصلوات يوم السبت، والذي جمعه الرابي هيرتز Rabbi Herz يقول في تعليقه على تكوين 1:1 الآتي ] الجمع هنا يدل على كمال القدرة الإلهية، فالله يُدرك ويُوحد اللامحدودية واللانهائية، فهو أبدي وأزلي[. أحياناً يقولون – للتبرير – أن هذا الاسم “إلوهيم” يستعمل للدلالة عن كلا المعنين (الإله الواحد الحقيقي، والآلهة الكاذبة)، حيث لا تُوجد كلمة أخرى بديلة في اللغة العبرية. وهذا في الواقع غير صحيح على الإطلاق، لأن مفرد كلمة “إلوهيم” هو “إلوه Eloah” وتكتب بالعبرية “אלוה إ ل و ه”. وقد استعملت أكثر من مرة في العهد القديم، مثل:

-” «فَسَمِنَ يَشُورُونَ وَرَفَسَ. سَمِنْتَ وَغَلُظْتَ وَاكْتَسَيْتَ شَحْمًا! فَرَفَضَ الإِلهَ (إلوه) الَّذِي عَمِلَهُ، وَغَبِيَ عَنْ صَخْرَةِ خَلاَصِهِ. أَغَارُوهُ بِالأَجَانِبِ، وَأَغَاظُوهُ بِالأَرْجَاسِ. ذَبَحُوا لأَوْثَانٍ لَيْسَتِ اللهَ (إلوه).” تثنية 15:32-17.

-” اَللهُ (إلوه) جَاءَ مِنْ تِيمَانَ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ. ” حبقوق 3:3

صيغة المفرد “إلوه Eloah” اُستعملت كثيراً، ولكن ليس بنفس القدر لصيغة الجمع “Elohim”. فمثلاً، نجد أن صيغة المفرد اُستعملت 250 مرة مقابل 2,500 مرة بصيغة الجمع. والميل لاستخدام صيغة الجمع بكثرة، يأتي كبرهان واضح لصالح مبدأ الأقانيم الثلاثة في الإله الواحد، أكثر من عكس ذلك.

ثانياً: أفعال الجمع المستعملة مع الاسم إلوهيم

يقول الرابيون أيضاً، بالرغم من أن “إلوهيم” اسم جمع، إلا ان الأفعال المستخدمة معه دائمًا مفرد، في حالة تعبير عن الإله الواحد الحقيقي، دائماً جمع في حالة التعبير عن الآلهة الكاذبة. ونحن نرد عليم بقول، إنه بحسب قواعد اللغة العبرية، يتحتم أن الأفعال تتدفق مع الأسماء المرافقة لها، في كل من الجنس والعدد… جرت العادة في الأسفار المقدسة للعهد القديم، عندما يُستعمل الاسم “إلوهيم” للدلالة على الآلهة الوثنية، في هذه الحالة يتبعها دائماً الفعل في صيغة الجمع…ولكن يُستعمل الاسم “إلوهيم” للدلالة على الإله الواحد الحقيقي، في هذه الحالة نجد أن الفعل الذي يتبعه دائماً في صيغة المفرد… وهذا كسر للقاعدة المروضة للنحو في اللغة العبرية، إذ أن “إلوهيم” اسم جمع… كسر القاعدة النحوية لا يُمكن تفسيره إلا بتعدد الأقانيم في الإله الواحد.

وبالرغم من أن هذا الوضع – حقيقي –  في أحوال كثيرة، ولكن ليس دائماً هكذا. فقد نجد في مواضيع عديدة في العهد القديم، الاسم “إلوهيم” الذي يُقصد به الإله الواحد – إله إسرائيل – يتبعه أحياناً فعل في صيغة الجمع، فمثلاً:

  • تكوين 12:20 “وَحَدَثَ لَمَّا أَتَاهَنِي اللهُ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَنِّي قُلْتُ لَهَا: هذَا مَعْرُوفُكِ الَّذِي تَصْنَعِينَ إِلَيَّ: فِي كُلِّ مَكَانٍ نَأْتِي إِلَيْهِ قُولِي عَنِّي: هُوَ أَخِي”. هذه هي كلمات إبراهيم، الذي يعبد الإله الواحد الحقيقي، حرفياً يقول “وحدث لما أتاهوني إلوهيم”.
  • تكوين 7:35 “وبنى هناك مذبحاً ودعا المكان إيل بيت إيل. لأنه هناك ظهر له الله حين هرب من وجه أخيه”. هذه هي كلمات يعقوب، وهو أيضاً يعبد الإله الواحد الحقيقي، حرفياً يقول “…لأنه هناك ظهروا له إلوهيم…”.
  • صموئيل الثاني 23:7 “وأية أُمّة على الأرض مثل شعبك إسرائيل الذي سار الله ليفتديه لنفسه شعباً ويجعل له اسماً ويعمل لكم العظائم والتخاويف…” هذه كلمات داود النبي، الذي يعبد الإله الواحد الحقيقي – إله إسرائيل – حرفياً يقول “…شعب إسرائيل الذي ساروا إلوهيم ليفتديه لأنفسهم…”. هو نفسه داود يقول قبل هذه الآية “، لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُكَ وَلَيْسَ إِلهٌ غَيْرَكَ ” صموئيل الثاني 22:7.
  • ” يَقُولُ الإِنْسَانُ: «إِنَّ لِلصِّدِّيقِ ثَمَرًا. إِنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ قَاضٍ فِي الأَرْضِ» “. مزمور 11:58 يقول داود النبي حرفياً” … يُوجد إلوهيم يقضوا…”.

هذه الآيات السابقة، مجرد أمثلة، يٌستعمل فيها الفعل في صيغة الجمع للدلالة على الإله الواحد الحقيقي… لتدعيم مبدأ الأقانيم في الإله الواحد.

ثالثاً: الاسم إلوهيم أطبق على المسيا

كما أن الدليل بوجود أقانيم في الإله الواحد، قوي، في آيات عديدة من أسفار العهد القديم…هكذا أيضاً، نجد أن الاسم “إلوهيم” يُستعمل للإشارة إلى المسيا، وفي نفس الوقت للدلالة على الإله الواحد الحقيقي، وفي نفس الآية.

فعلى سبيل المثال:

  • مزمور 6:45-7 ” كُرْسِيُّكَ يَا اَللهُ (إلوهيم) إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ (إلوهيم) إِلهُكَ (إلوهيم) بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ. “. نلاحظ هنا، ان “إلوهيم” الأولى هو المخاطب (داود يخاطب المسيا بالإسم إلوهيم) … مسحك الله (تعود إلى أقنوم الآب، واستعمل أيضاً له الاسم إلوهيم) إلهك (أي “إلوهيم” الثانية هو “إلوهيم” للأول). فيكون معني الآية حرفياً: أن إلوهيم الجالس على كُرسيه إلى دهر الدهور، قد مسحه إلوهيم إلهه بزيت الفرح.
  • هوشع 7،2:1 “أَوَّلَ مَا كَلَّمَ الرَّبُّ هُوشَعَ، قَالَ الرَّبُّ لِهُوشَعَ: «اذْهَبْ خُذْ لِنَفْسِكَ امْرَأَةَ زِنًى وَأَوْلاَدَ زِنًى، لأَنَّ الأَرْضَ قَدْ زَنَتْ زِنًى تَارِكَةً الرَّبَّ … وَأَمَّا بَيْتُ يَهُوذَا فَأَرْحَمُهُمْ وَأُخَلِّصُهُمْ بِالرَّبِّ إِلهِهِمْ ( إلوهيم) “. المتكلم هو “إلوهيم” الذي يقول إنه سيرحم بيت يهوذا بواسطة يهوه “إلوهيم”. أي أن إلوهيم رقم 1 وعد أن يُخلص شعب إسرائيل بواسطة إلوهيم رقم 2. هنا نرى مرة أخرى أن الاسم “إلوهيم” استعمل للإشارة إلى المسيا والإله الواحد الحقيقي، في نفس الوقت.

رابعاً: الاسم “يهوه” يستعمل للدلالة على الأقانيم في الإله الواحد

יהוה يـ  هـ  ـو ه “

ليس فقط الاسم “إلوهيم” يُستعمل للدلالة على وجود أقانيم في الإله الواحد، بل أبضًا، الاسم المستعمل كثيرًا في العهد القديم لله “يهوه”. فعلى سبيل المثال:

  • تكوين 24:19-27 ” فَأَمْطَرَ الرَّبُّ (يهوه) عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتًا وَنَارًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ (يهوه) مِنَ السَّمَاءِ … وَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ فِي الْغَدِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ أَمَامَ الرَّبِّ (يهوه) وَتَطَلَّعَ نَحْوَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ … “. “يهوه” رقم 1 كان على الأرض، وقال إنه سيمطر كبريتاً وناراً من عند “يهوه” رقم 2 الذي هو في السماء. إذا هناك شخصان متميزان دُعيا باسم “يهوه” وفي نفس الآية.
  • زكريا 8:2-9 ” لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ (يهوه صاباؤوت): بَعْدَ الْمَجْدِ أَرْسَلَنِي إِلَى الأُمَمِ الَّذِينَ سَلَبُوكُمْ، لأَنَّهُ مَنْ يَمَسُّكُمْ يَمَسُّ حَدَقَةَ عَيْنِهِ. لأَنِّي هأَنَذَا أُحَرِّكُ يَدِي عَلَيْهِمْ فَيَكُونُونَ سَلَبًا لِعَبِيدِهِمْ. فَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّ الْجُنُودِ (يهوه صاباؤوت) قَدْ أَرْسَلَنِي. “. مرة أخرى، نقرأ أن “يهوه” رقم 1 المتكلم في هذه الآيات، أرسل “يهوه” آخر ليُنجز عملاً محدداً.

خامساً: استعمال الضمير الشخصي الجمع لله الواحد

فالله يستخدم الضمير الشخصي الجمع “نحن” حينما يتكلم عن نفسه. فعادة في الأسفار المقدسة، الله يستخدم الضمير الشخصي المفرد “أنا”، ولكن – أيضاً – في أماكن عديدة يستخدم الله الضمير الشخصي الجمع “نحن”، عند التحدث عن نفسه. مع العلم أن في اللغة العبرية، لا يُستعمل الضمير الشخصي الجمع – أبداً – للدلالة على التعظيم أو التفخيم. وهذه نقطة هامة جدًا ينبغي أن نُلفت إليها ذهن القارئ العزيز… أما في بعض اللغات الأخرى كالعربية مثلاً، يمكن أن يستخدم الشخص الواحد (المفرد)، الضمير الشخصي “نحن” للدلالة على التعظيم والتفخيم.

  • تكوين 26:1 ” وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا …”. واضح جداً في هذه الآية تعدد الأقانيم في الإله الواحد. ويحاول الرابيون إيجاد مبرر في هذه الآية بالذات، بالقول: أن هذه التعبيرات “لنعمل … صورتنا… كشبهنا…” تُشير إلى حديث بين الله والملائكة، لكن للأسف، هذا التفسير بعيد كل البعد عن الحقيقة فالله وحده هو الذي خلق، ولا ذِكر للملائكة في هذا النص على الإطلاق. كما أنه من غير المعقول أن يستشير الله الملائكة في عملية الخلق – كما قال البعض – لأن النص لا يقول بذلك. كما أن التعبير ” على صورتنا كشبهنا” لا يمكن أن تُشير إلى الملائكة، حيث أن الإنسان خُلق على صورة الله وليس صورة الملائكة، والدليل على ذلك، أن النص يعود فيقول “فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه”. فيكرر الأمر مرتين.
  • رابي راشي RaSHi، يأتي بتفسير خاطئ لم يقل به أحد من قبله ]الإنسان خُلق على صورة الملائكة. ومع أن الملائكة لم تساعد الله الخلق، إلا أنه قال “نعمل …. كصورتنا كشبهنا”. وليعلمنا السلوك الحسن والتواضع.. كيف أن الشخص العظيم – هو أيضاً – يستأذن من الشخص الصغير[. هذه الفقرة توضح الإنكار الشنيع، إلى حد أن الرابي راشي يحاول أن يتفادى مبدأ الأقانيم، فيأتي بمبرر ضعيف وضد الكتاب المقدس نفسه.
  • ميدراش رباه على سفر التكوين: (8:8) Midrash Rabbah

]رابي صموئيل بن حانمان Rabbi Samuel bar Hanman بالنيابة عن رابي يوناثان Rabbi Jonathan يقول: في الوقت الذي كتب فيه موسى التوراه، كتب كل يوم جزء. وعندما وصل إلى الآية التي تقول “وقال إلوهيم نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، قال موسى لله: يا سيد الخليقة كلها، لماذا تُعطي العذر لهؤلاء المتعصبين هكذا (يقصد الذين يؤمنون بالله الواحد في ثلاثة أقانيم)، فأجاب الله موسى: اكتب، وكل من يريد أن يخطئ أتركه يخطئ[  من كتاب rash Rabbah on Genesis 1:25 – New York : NOP Press)

ويقصد بالمتعصبين او “الهراطقة” هم اليهود الذين آمنوا بالمسيح ويعتقدون بالثالوث القدوس. واضح أن ميدراش رباه، يحاول جاهداً أن يدور حول المشكلة، ويعجز عن شرح لماذا أشار الله إلى نفسه بصيغة الجمع.

  • ميدراش رباه على سفر التثنية: (9:8) Middrash Rabbah

[سأل الهراطقة رابي سيملاى Rabbi Simlai كم إله اشتركوا في خلق العالم؟. أجاب: لقد كُتب في التوراة “فأسال عن الأيام الأولى التي كانت قبلك من اليوم الذي خلق (ברא ب ر أ) الله (إلوهيم) فيه الإنسان” تثنية 32:4. فالفعل هنا في صيغة المفرد، ولم يقل “خلقوا Baru” في صيغة الجمع. فسألوه مرة ثانية: لماذا كُتب “في البدء خلق (bara) في صيغة المفرد، وهذا عكس قواعد اللغة العبرية. فأجاب: إنه لم يقل “خلقوا baru” بل “خلق bara”]

 واضح أن الحديث بين مسيحيين – من أصل يهودي – وأحد الرابيين.

أمثلة أخرى على استعمال الضمير الشخصي الجمع:

  • تكوين 22:3 ” وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.”.
  • تكوين 6:11 ” وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَهذَا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَالآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ.”.
  • إشعياء 8:6 ” ثُمَّ سَمِعْتُ صَوْتَ السَّيِّدِ قَائِلاً: «مَنْ أُرْسِلُ؟ وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟» فَقُلْتُ: «هأَنَذَا أَرْسِلْنِي». “.

الآية الأخيرة بالذات، نلاحظ أن الله يتكلم بصيغة المفرد في قوله ” من أُرسل” ثم يعود ويتكلم بصيغة الجمع في قوله “من أجلنا”. هذا يبين بكل يقين عقيدة الأقانيم في الإله الواحد: إله واحد (صيغة المفرد) في ثلاثة أقانيم (صيغة الجمع).

سادساً: الصفات في صيغة الجمع

نقطة هامة أخرى، تؤكد مبدأ الأقانيم في الإله الواحد، وهي: في أحوال كثيرة، الأسماء والصفات، المستعملة للحديث عن الله، تأتي في صيغة الجمع. عادة، عند التكلم عن الإله الواحد، تكون الصفات في صيغة المفرد…. لكن – رغم ذلك – قد نجدها في صيغة الجمع، فعلى سبيل المثال.

  • يشوع 19:24 ” فَقَالَ يَشُوعُ لِلشَّعْبِ: «لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْبُدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ إِلهٌ قُدُّوسٌ وَإِلهٌ غَيُورٌ هُوَ. لاَ يَغْفِرُ ذُنُوبَكُمْ وَخَطَايَاكُمْ. “. في النص العبري، الكلمة “قدوس – קְדֹשִׁ֖ים” صفة جمع وليس مفرد كما في الترجمة العربية. حرفيا بالعبري تترجم “قدوسة”، كما أن كلمة “إله” في النص العبري “إلوهيم” وهو اسم جمع كما قلنا سابقاً.
  • مزمور 2:149 ” لِيَفْرَحْ إِسْرَائِيلُ بِخَالِقِهِ. لِيَبْتَهِجْ بَنُو صِهْيَوْنَ بِمَلِكِهِمْ.”. في النص العبري، الكلمة “خالقه – בְּעֹשָׂ֑יו ” صفة جمع، وحرفياً تترجم “خالقيه”. من جهة أخرى، في اللغة العربية، الكلمة “خالق” هي أسم، أما في اللغة العبرية فهي صفة.
  • جامعة 2:12 “فأذكر خالقك في أيام شبابك…”. في هذه الآية، كلمة “خالقك – בּ֣וֹרְאֶ֔יךָ ” صفة جمع، وحرفياً تترجم “فأذكر خالقيك…”.
  • إشعياء 5:54 “لأن بعلك هو صانعك رب الجنود اسمه ووليك قدوس إسرائيل إلى كل الأرض”. في هذه الآية: كل من “بعلك בֹעֲלַ֙יִךְ֙ ” ” صانعك עֹשַׂ֔יִךְ ” صفة (وليس اسم) في صيغة الجمع.

سابعا: وحدانية الله

كل الحقائق التي ناقشناها سابقاً، تستند بثبات على آيات العهد القديم، وعلى اللغة العبرية التي دونت بها أسفاره، مع العلم بأن العهد القديم كله يشدد على وحدانية الله. هذا أمر لا جدال فيه. ويُقر أيضاً الرابيون بوحدانية الله، بينما في نفس الوقت يتجهون نحو مبدأ الوحدة المركبة، مقرين بصيغة الجمع للاسم الذي للإله الواحد.

كما قلنا سابقاً، أن فكرة تعدد الأقانيم في الإله الواحد، مرفوضة تماماً في اليهودية، بل ويزدرون بها. وعندما يناقشهم المسيحيون في ذلك الأمر، يقدمون لهم ما جاء في سفر التثنية 4:6، كبرهان مضاد لفكرة الأقانيم. في حين اننا نحن كمسيحيين نؤمن أيضاً بإله واحد، وبما جاء في سفر التثنية.

“الشــــيمــــع Shema”

الآية الواردة في سفر التثنية 4:6، تسمى عند اليهود “شيمع Shema” وهي بمثابة قانون الإيمان لدى اليهود (في مقابل قانون الإيمان المسيحي لدينا). “Shema” أي “اسمع”. – تثنية 4:6 “اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا. رب واحد”. وتكتب بالعبرية هكذا:”Shema Yisroel Adonai Elohenu Adonai Echad”

هذه الآية يستعملها اليهود أكثر من غيرها لإثبات وحدانية الله – الذي لا جدال فيه – ولأنكار مسألة وجود مبدأ تعدد الأقانيم في الإله الواحد. في حين أن هذه الآية – أيضاً – تثبت مبدأ تعدد الأقانيم في الإله الواحد، وعلى قدم المساواة مع إثبات مبدأ وحدانية الله.

ينبغي أن نُشير وقبل كل شيء، أن الكلمة الخطيرة “إلهنا” هي في الحقيقة في صيغة الجمع، كما في النص العبري للتوراة. وحرفياً تترجم “آلهتنا”. وكما قلنا سابقاً أن الاسم “أدوناي” وهو أحد أسماء الله، يأتي فقط في صيغة الجمع ولا يأتي أبدأ في صيغة المفرد، وهذا ما نراه – أيضاً – في هذه الآية. أما عن البرهان الرئيسي لإثبات وحدانية الله – رغم ذلك – فهو يكمن في الكلمة العبرية الوارد في الآية، وهي “واحد Echad” وهي تكتب بالعبرية “אֶחָד أ خ د ” وبإلقاء نظرة على إيات عديدة في العهد القديم بالعبرية، تستخدم الكلمة “واحد Echad”، سنرى أن هذه الكلمة تُستخدم للتعبير عن “واحد مطلق”، وأيضاً “واحد مركب”. وهذا أيضاً واضح في اللغة اليونانية: حيث أن كل من “Mono”، “’ Mai” تعني “واحد”، لكن هنالك فرق، فإن كلمة “Mono” تعني “واحد مطلق” أما كلمة “Mai” تعني “واحد مركب”. للأسف هذه التعابير غير واضحة في اللغة العربية. ولكي أسهل على القارئ العزيز فهم تلك الحقيقة، أُورد هذه الأمثلة:

  • في تكوين 5:1 ” وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا. (Echad) “.
  • في تكوين 24:2 ” لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. (Echad) “
  • في حزقيال 15:37-17 ” وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: «وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، خُذْ لِنَفْسِكَ عَصًا وَاحِدَةً وَاكْتُبْ عَلَيْهَا: لِيَهُوذَا وَلِبَنِي إِسْرَائِيلَ رُفَقَائِهِ. وَخُذْ عَصًا أُخْرَى وَاكْتُبْ عَلَيْهَا: لِيُوسُفَ، عَصَا أَفْرَايِمَ. وَكُلِّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ رُفَقَائِهِ. وَاقْرِنْهُمَا الْوَاحِدَةَ بِالأُخْرَى كَعَصًا وَاحِدَةٍ، فَتَصِيرَا وَاحِدَةً Echad فِي يَدِكَ.

(تنبيه: هذه الآيات السابقة مجرد أمثلة لتسهيل الفهم، لكن من حيث طبيعة الله، فهو: إله واحد مثلث الأقانيم – جوهر واحد في ثلاثة أقانيم – ثلاثة أقانيم في جوهر واحد. وحاشا أن تكون طبيعة الله مُركبة).

وبالتالي، استعمال الكلمة العبرية “Echad” بمعني “واحد” في الأسفار المقدسة، يُمكن أن تعبر أيضاً عن “واحد مركب” وليس فقط “واحد على وجه الإطلاق”. أما الكلمة العبرية التي تعني “واحد فقط على وجه الإطلاق” فهي كلمة “Yachid”. وهذه الكلمة استعملت كثيراً في العهد القديم، للتأكيد على معني “فقط واحد مطلق”. لو كان موسى يريد أن يعلم بأن الله “واحد مطلق” لاستعمال الكلمة العبرية “Yachid”، وليس كلمة “Echad” التي تعني “واحد مركب”.

مصطلحات عبرية تلمّح بلاهوت المسيا

المسيح في سفر دانيال (9: 1-2) ، (9: 20-27) – القمص روفائيل البراموسي 

المسيح في سفر دانيال (9: 1-2) ، (9: 20-27) – القمص روفائيل البراموسي

المسيح في سفر دانيال (9: 1-2) ، (9: 20-27) – القمص روفائيل البراموسي

المسيح في  سفر دانيال (9: 1-2)،(9: 20-27) – القمص روفائيل البرموسي

“فِي السَّنَةِ الأُولَى لِدَارِيُوسَ بْنِ أَحْشَوِيرُوشَ مِنْ نَسْلِ الْمَادِيِّينَ الَّذِي مُلِّكَ عَلَى مَمْلَكَةِ الْكَلْدَانِيِّينَ، فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنْ مُلْكِهِ، أَنَا دَانِيآلَ فَهِمْتُ مِنَ الْكُتُبِ عَدَدَ السِّنِينَ الَّتِي كَانَتْ عَنْهَا كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَى إِرْمِيَا النَّبِيِّ، لِكَمَالَةِ سَبْعِينَ سَنَةً عَلَى خَرَابِ أُورُشَلِيمَ.” دانيال 9: 1-2

“وَأَنَا جِئْتُ (الملاك جبرائيل) لأُخْبِرَكَ لأَنَّكَ أَنْتَ مَحْبُوبٌ. فَتَأَمَّلِ الْكَلاَمَ وَافْهَمِ الرُّؤْيَا. سَبْعُونَ أُسْبُوعًا قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الْخَطَايَا، وَلِكَفَّارَةِ الإِثْمِ، وَلِيُؤْتَى بِالْبِرِّ الأَبَدِيِّ، وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُوَّةِ، وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ الْقُدُّوسِينَ. فَاعْلَمْ وَافْهَمْ أَنَّهُ مِنْ خُرُوجِ الأَمْرِ لِتَجْدِيدِ أُورُشَلِيمَ وَبِنَائِهَا إِلَى الْمَسِيحِ الرَّئِيسِ سَبْعَةُ أَسَابِيعَ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ أُسْبُوعًا، يَعُودُ وَيُبْنَى سُوقٌ وَخَلِيجٌ فِي ضِيقِ الأَزْمِنَةِ. 6وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ، وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ، وَانْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا. وَيُثَبِّتُ عَهْدًا مَعَ كَثِيرِينَ فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ، وَفِي وَسَطِ الأُسْبُوعِ يُبَطِّلُ الذَّبِيحَةَ وَالتَّقْدِمَةَ، وَعَلَى جَنَاحِ الأَرْجَاسِ مُخَرَّبٌ حَتَّى يَتِمَّ وَيُصَبَّ الْمَقْضِيُّ عَلَى الْمُخَرِّبِ».دانيال 9: 20-27.

تعتبر نبوة دانيال من أكثر النبوات التي تعطينا علامات دقيقة وواضحة لميعاد المجيء الأول للمسيا. ويعتبر دانيال النبي من الأنبياء الذين قدموا نبوات هامة لقيام مملكة مادي وفارس والمملكة اليونانية والمملكة الرومانية، في وقت كانت المملكة البابلية – التي سبقتهم جميعاً – في قمة قوتها. أيضاً تنبأ عن بعض الحروب والمعارك ومؤآمرات المملكة المصرية، والسورية لشق المملكة اليونانية، ثم انتزاعها بواسطة الرومان.

تنبأ أيضاً عن دور المكابيين أثناء هذا العصر. دقة دانيال الشديدة في تفاصيل نبواته، جعلت البعض يوجهون النقد لسفره فيما يختص بميعاد كتابة السفر، ويحاولون وضع تاريخ متأخر لكتابة السفر، لصالح أغراضهم الشخصية. لكن الحقيقة التي قدمها الكثير من العلماء، قدّروا على وجه الدقة أن سفر دانيال لم يُكتب بعد سنة 530 ق.م.

تاريخ نبوة دانيال هو “فِي السَّنَةِ الأُولَى لِدَارِيُوسَ بْنِ أَحْشَوِيرُوشَ مِنْ نَسْلِ الْمَادِيِّينَ الَّذِي مُلِّكَ عَلَى مَمْلَكَةِ” دانيال 9: 1- 2. هذا يعني أن الرؤيا التي رآها، حدثت في سنة 539 ق.م. أي بعد حوالي 66 أو 67سنة من ترحيل الدفعة الأولى من اليهود إلى بابل. في هذه الفترة قام دانيال بدراسة الأسفار المقدسة – كما ذكر – ومنها استطاع أن يفهم ماذا يقصد الرب بقوله ” عَدَدَ السِّنِينَ الَّتِي كَانَتْ عَنْهَا كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَى إِرْمِيَا النَّبِيِّ، لِكَمَالَةِ سَبْعِينَ سَنَةً عَلَى خَرَابِ أُورُشَلِيمَ.” دانيال 9: 2.

واضح أن دانيال، من ضمن الأسفار التي درسها، سفر إرميا، ففي موضعين من سفر إرميا (إرميا 25: 10-14/ 29: 10-14)، تنبأ إرميا، أن السبي وخراب أورشليم سينتهي عند تمام سبعين سنة. أما الأسفار الأخرى التي درسها دانيال، فلا نستطيع أن نعرفها بالتحديد، لأنه لم يذكرها صراحة. ولكن تُوجد دلائل قوية تُشير إلى أنه درس أيضاً سفر إشعياء، حيث أن إشعياء ذكر اسم “كورش” على أنه الشخص الذي سمح لليهود بالعودة (إشعياء 44: 28/ 45: 1).

وربما يكون قد درس أيضاً أسفار الأنبياء والكتب، في محاولة منه لمعرفة سرّ “السبعين سنة”، وكلها تُقرر أن شعب إسرائيل سيُقدم توبة ويعترف بخطاياه، ومن ثم يقبل الله صراخهم وتوبتهم وصومهم، ويعود الهيكل مرة أُخرى وتُبنى أورشليم قبل مجيء المسيا.

أسس هامة يتوقف عليها صحة طريقة الحساب

1 – كان ترحيل اليهود إلى بابل على ثلاثة دفعات: الدفعة الأولى، سنة 605 ق.م – الدفعة الثانية سنة 597 ق.م – الدفعة الثالثة سنة 586 ق.م

2 – الدمار الكامل والشامل للهيكل ولمدينة أورشليم كان سنة 586 ق.م والذي فيه تم ترحيل الدفعة الثالثة من اليهود إلى بابل: ففي سنة 588 ق.م وصل جيش من بابل مرة أخر، ووضع أورشليم تحت الحصار وأسقطوا القلاع الحصينة واحدة تلو الأخرى. بسبب ثورة قام بها اليهود الباقين بقيادة صدقيا ملك اليهودية. ومع أن أورشليم قد صمدت صمود الجبابرة في ذلك الوقت، لكن كان مصيرها محتوماً. وفي سنة 586 ق.م، بعد أن فرغ تموين الشعب فاقتحم البابليون الأسوار وهدموها إلى الأرض واندفعوا داخل المدينة وأحرقوا الهيكل عن آخره.

وقبضوا على خدام الهيكل ورجال الدين ورؤساء الشعب واستقدموهم أمام نبوخذنصّر وقتلوهم أمامه. وبقية الشعب رُحّل إلى بابل. ولم يبق في أورشليم سوى بعض الفلاحين والمساكين الذين لا حول لهم ولا قوة. وانتهت مملكة اليهودية وإلى الأبد.

3 – يجب عدم الخلط بين بياء الهيكل وبناء أورشليم (موضوع النبوة):

  • فبناء الهيكل تم بأمر كورش الملك سنة 536 ق.م. وهذه المهمة قام بها زربابل ورئيس الكهنة يشوع، وكل من النبيين حجي وزكريا، وذلك في سنة 516 ق.م.
  • بناء مدينة أورشليم، فقد تم بعد ذلك بعشرات السنين. وذلك بصدور أمر الملك الفارسي أرتحشستا في سنة 457 ق.م. والذي قام بهذه المهمة عزرا الكاهن، ونحميا النبي، والنبي ملاخي.

أولاً: طريقة حساب دانيال للسبعين سنة

حسب دانيال السبعين سنة ابتداء من سنة 605 ق.م، والتي فيها تم ترحيل الدفعة الأولى من اليهود إلى بابل. فتكون نهاية السبعين سنة، في سنة 536 ق.م. فاعتقد دانيال أن السبي سوف ينتهي بعد ثلاث سنوات (لأن النبوة أُعطيت لدانيال سنة 539 ق.م). ولكن الهيكل ومدينة أورشليم لم يُهدما حتى سنة 586 ق.م. (كما قلنا سابقاً).

ولو بدأت السبعين سنة، في سنة 597 ق.م، أي في السنة التي تم فيها ترحيل الدفعة الثانية من اليهود إلى بابل، فهذا يعني أن السبعين سنة، لم تكتمل عند سنة 515 ق.م (كما قلنا سابقاً أن الهيكل بنى سنة 515 ق.م).

لكن دانيال النبي بدأ حسابه بسنة 605 ق.م (أي سنة الترحيل الأول)، وليس سنة 597 ق.م (أي سنة الترحيل الثاني)، ولا سنة 586 ق.م (أي سنة الدمار الكامل والترحيل الثالث). لم يتوقع دانيال – فقط – أن السبي سينتهي بعد سبعين سنة، بل أيضاً توقع نتيجة نهائية لإمكانية حدوث دمار آتٍ لأورشليم…

دانيال يحسب، كما لو كان تأسيس مملكة المسيا على وشلك الحدوث.

الملاك جبرائيل يُصحح لدانيال طريقة الحساب

“وَبَيْنَمَا أَنَا أَتَكَلَّمُ وَأُصَلِّي وَأَعْتَرِفُ بِخَطِيَّتِي وَخَطِيَّةِ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ، وَأَطْرَحُ تَضَرُّعِي أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِي عَنْ جَبَلِ قُدْسِ إِلهِي، وَأَنَا مُتَكَلِّمٌ بَعْدُ بِالصَّلاَةِ، إِذَا بِالرَّجُلِ جِبْرَائِيلَ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الرُّؤْيَا فِي الابْتِدَاءِ مُطَارًا وَاغِفًا لَمَسَنِي عِنْدَ وَقْتِ تَقْدِمَةِ الْمَسَاءِ. وَفَهَّمَنِي وَتَكَلَّمَ مَعِي وَقَالَ: «يَا دَانِيآلُ، إِنِّي خَرَجْتُ الآنَ لأُعَلِّمَكَ الْفَهْمَ….” دانيال 9: 20-22.

لقد تضرّع دانيال إلى الرب وطلب رحمته، وكانت ثقة دانيال في أن الرب يسمع له، لا من أجل برّ شعب إسرائيل بل من أجل أن الرب نفسه هو بار. طلب الرحمة لشعب إسرائيل معتمداً على مراحم الله الواسعة، رغم أن إسرائيل لا يستحق الرحمة. علاوة على ذلك، أن برّ الله  يفرض تحقيق وعوده، ولهذا ينبغي أن يعمل كي تنتهي السبعين سنة.

من أجل هذا، جاءت خاتمة صلاة دانيال مثيرة جداً “يَا سَيِّدُ اسْمَعْ. يَا سَيِّدُ اغْفِرْ. يَا سَيِّدُ أَصْغِ وَاصْنَعْ. لاَ تُؤَخِّرْ مِنْ أَجْلِ نَفْسِكَ يَا إِلهِي، لأَنَّ اسْمَكَ دُعِيَ عَلَى مَدِينَتِكَ وَعَلَى شَعْبِكَ” دانيال 9: 19. عندما سأل دانيال الرب أن “لاَ تُؤَخِّرْ”، فهذا يجعلنا نفكر مباشرة أن دانيال يسأل الرب من أجل أن يكون حساب السبعين سنة يبدأ من سنة 605 ق.م وليس من سنة 597 ق.م أو من سنة 586 ق.م .

لكن بينما هو يصلي ظهر له الملاك جبرائيل “عِنْدَ وَقْتِ تَقْدِمَةِ الْمَسَاءِ”، هذا يشير إلى الذبائح اليومية المنتظمة في المساء والصباح، التي كانت تُقدم أثناء وجود الهيكل. رغم أن دانيال لم يُشاهد هذه الذبائح لمدة طويلة جداً…، لأنه هو نفسه – في ذلك الوقت – كان أيضاً في السبي. كان لدى دانيال تشوّق للعودة من السبي وإعادة بناء الهيكل، بتذكّره الذبائح.

أخبر الملاك جبرائيل، دانيال النبي أن مجيئه له، ليُصحح له مفهومه فيما يتعلق بإعادة بناء الهيكل ومدينة أورشليم. وليُقدم له رؤية إلهية تحتوي على جدول زمني، كنبوة لتحديد ميعاد المجيء الأول للمسيا.

النبوة تبدأ بقول الملاك جبرائيل “سَبْعُونَ أُسْبُوعًا قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ”. لقد افترض دانيال أن السبي سينتهي بعد نهاية ال 70 سنة، أيضاً المسيا سيؤسس مملكته بعد هذه ال 70 سنة. ولكن هنا الملاك جبرائيل يستعمل ألفاظاً قد تظهر للوهلة الأولى أنها ألغاز، فالملاك يُلفت نظر دانيال أنها ليست 70 سنة كما هو فهم، ولكن 70 أسبوعاً سنين… فالإجمالي هو 70 سنة x 7 = 490 سنة (حيث أن الأسابيع هو أسابيع نبوية أي أسابيع سنين).

هذه المدة “490 سنة”… “قُضِيَتْ” على الشعب اليهودي وعلى المدينة المقدسة أورشليم. فالكلمة العبرية حرفياً تعني “يُميت” أو “يقضي على” أو “يتخذ قرار بإنهاء”. في الأصحاح 2، 7، 8 الله يُعلن لدانيال بعض الأمور التي ستحدث في تاريخ العالم، ومنها أن الأمم الوثنية ستسيطر على شعب إسرائيل وتحكمه. هذه الفترة الطويلة، بدأت بالمملكة البابلية وستستمر حتى يأتي المسيا في مجيئه الأول. فمن الهام جداً أن نتذكر أن برنامج ال 70 أسبوعاً، أمر حساباته كلها تتعلق بالشعب اليهودي ومدينته أورشليم. أيضاً، هذا البرنامج، بالنسبة للكنيسة، أمر حساباته كلها تتعلق بالمجيء الأول للمسيا.

أحداث ال 70 أسبوعاً

الملاك جبرائيل أخبر دانيال النبي، إنه ستقع ستة أحداث في فترة ال 70 أسبوعاً، وهي:

1 – “لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ”:

الكلمة العبرية المُترجمة “تكميل” حرفياُ تعني “يُقيد بقوة” أو “يُقيد نهائياً”، وفيها دلالة على التصميم. أما الكلمة العبرية المُترجمة “معصية”، هي كلمة عبرية قوية جداُ للتعبير عن الخطية بإصرار، وتعني حرفياً “التمرّد وإعلان الثورة” أو “الخطية بالعمد”. وفي الأصل العبري، يستخدم اداة التعريف “أل” لتقوية المعنى وتحديد. وهو بذلك يُشير إلى أفعال محددة عن العصيان تؤدي إلى التقييد الكامل وتجلب نهاية.

أفعال العصيان هذه ستوضع تحت سيطرة كاملة، لدرجة أنها لا تزدهر بعد. عدم إيمان إسرائيل الآن هو وقوعهم تحت العصيان الكامل، وسيظل على علاقة مع نبوة إشعياء “وَيَأْتِي الْفَادِي إِلَى صِهْيَوْنَ وَإِلَى التَّائِبِينَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فِي يَعْقُوبَ، يَقُولُ الرَّبُّ.” إشعياء 59: 20. تحديداً، هذا هو رفضهم للمسيا عندما يأتي.

2 –تَتْمِيمِ الْخَطَايَا”:

الكلمة العبرية المُترجمة “تتميم” تعني حرفياً “يغلق عليه في السجن” أو “يمنع التسرب”. وهذه الكلمة تُستعمل عادة للتعبير عن وقوع الشيء تحت الملاحظة أو للإعتقال وعدم السماح له بالتجوال كيفما يشاء. أما الكلمة العبرية المُترجمة “الخطايا”، حرفياً تعني “يُخطئ إصابة الهدف”، وهي تُشير إلى خطايا الحياة اليومية، أكثر من أي خطية محددة. حتى هذه الخطايا سيُوضع لها نهاية وتُزال. أي يضع حداً للخطية أو يضع نهاية للخطية. وهذا سيتم عندما يموت المسيا من أجل ذنب شعبه. وعدم إيمان إسرائيل الآن.

هو بمثابة اعتقال حياتهم في سجن الخطية، وسيظل هذا على علاقة مع ما أعلنه إرميا النبي قائلاً: “هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا. لَيْسَ كَالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، حِينَ نَقَضُوا عَهْدِي فَرَفَضْتُهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. بَلْ هذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَقْطَعُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا. وَلاَ يُعَلِّمُونَ بَعْدُ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ، قَائِلِينَ: اعْرِفُوا الرَّبَّ، لأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ.” إرميا 31: 31-34.

3 – “لِكَفَّارَةِ الإِثْمِ”:

الكلمة العبرية المُترجمة “كفّارة” هي ” ك ف ر” ولها نفس جذور المعنى لكلمة “كيبور” المستعملة في “يوم الكفارة” أو “يوم كيبور”. إذا، الحدث الثالث، هو عمل كفارة بطريقة ما لمحو الإثم أو للتكفير عن الإثم.

والكلمة العبرية المُترجمة “إثم” تُشير إلى الخطايا الباطنية التي تشمل العقل والروح، وأحياناُ للتعبير عن الميول الشريرة. والمسيا هو وحده الذي سيقدم نفسه كفارة عن جميع أنواع الخطايا.

4 – لِيُؤْتَى بِالْبِرِّ الأَبَدِيِّ”:

الترجمة العبرية، حرفياً تعني “يجعنا نحيا في عصر البر” حيث أن كلمة “Olam” العبرية تعني “زمن” أو “عصر”. هذا العصر الذي يُسمّى عصر البر، هو ملكوت المسيا الذي تكلّم عنه إشعياء في 1: 26/ إرميا 23: 5-6/ إرميا 33: 15-18. وهذه إشارة عن مجيء المسيح الأول، وتأسيس كنيسة العهد الجديد.

5 – “لِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُوَّةِ”:

الكلمة العبرية المستخدمة هنا “ختم” تُفيد “تتحقق بالكامل” أو “تتم بكل دقة”. أي أن هذه النبوة ستتحقق بكاملها، بكل دقة. “الرؤيا”، بالمعنى العبري تُشير إلى النبوة الشفوية، أما “النبوة” فتُشير إلى النبوة المكتوبة.

فكل النبوات الشفوية والمكتوبة، ستتوقف بالتميم النهائي لكل الإعلانات.

6 – “لِمَسْحِ قُدُّوسِ الْقُدُّوسِينَ”:

إشارة إلى عملية الدهن بالمسحة المقدسة التي كانت تُستعمل في مسح الملوك والكهنة. ومنها جاءت كلمة “مشيح” أو “مسيح” أو “مسيا”.

وهذه تحققت في الرب يسوع عند عماده وحلول الروح القدس عليه. أما الكلمة “قدوس” فهي لا تُطلق إلا على الله وحده. وبذلك يُعلن الملاك، ألوهية المسيا.

تحديد ميعاد مجيء المسيا بالضبط

لقد قسّم الملاك جبرائيل ال 70 أسبوعاً إلى أربع فترات هي:

  • الفترة الأولى: من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها، سبعة أسابيع.
  • الفترة الثانية: من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى مسح قدوس القديسين، سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً.
  • الفترة الثالثة: بعد إنتهاء ال62 أسبوعاً، يقطع المسيح.
  • الفترة الرابعة: الأسبوع الباقي من ال 70 أسبوعاً، خراب أورشليم وإبطال الذبيحة والتقدمة. (ملحوظة: ال70 أسبوعاً هي أسابيع نبوية أي أسابيع سنين فال 70 أسبوعاُ هي “سبعون سبعات” من السنين”.

الفترة الأولى: سبعة أسابيع: تجديد وبناء الهيكل

بعد الرجوع إلى سفر نحميا (2: 1-8)، وسفر عزرا (7: 11-26/ 9: 9)، يتبين لنا أن الذي أصدر القرار ببناء وتجديد أورشليم هو الملك الفارسي، “أرتحشستا” وكان ذلك في سنة 457 ق.م. وبحسب نبوة دانيال: إنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها، فترة مدتها سبعة أسابيع سنين أي بعد 49 سنة (7 7).

إذاً، يكون تجديد وبناء أورشليم بحسب النبوة، هو مجموع (سنة 457 ق.م + 49 سنة)، أي في سنة 408 ق.م. وهذا ما تم بالفعل، إذ نقرأ في سفر نحميا وسفر عزرا، أن في هذه السنة تمت خلالها الإصلاحات بيد عزرا الكاهن، كما تم بناء السور بيد نحميا، الذي ذهب إلى أورشليم بإذن نفس الملك، في السنة العشرين لمُلكه (نحميا 2: 1). وقد تم أيضاً بناء ساحة كبيرة عامة في المدينة، ومجرى مائي حول السور. وبهذا تكون الفترة الأولى من النبوة قد تمت بصورة مذهلة للعقل وبدقة متناهية.

الفترة الثانية: مسح قدوس القديسين، (سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً)

هذه الفترة الثانية تلي الفترة الأولى مباشرة، ولذا جمعها معاً. فبحسب نبوة دانيال، عدد السنين من ابتداء صدور الأمر ببناء وتجديد مدينة أورشليم إلى مسح قدوس القديسين، هو:

سبعة أسابيع (سنين) + 62 أسبوعاً (سنين) = 69 أسبوعاً (سنين)

(7 * 7) + (62 * 7) = (69 * 7) = 483

 بناء على ذلك، تكون السنة التي فيها مُسح قدوس القديسين، هي:

457 ق.م (سنة صدور القرار) + 483 سنة = سنة 26 أو 27 ميلادية.

بالضبط، هذه هي السنة التي اعتمد فيها السيد المسيح في نهر الأردن (مسح قدوس القديسين)، حيث نقرأ في إنجيل مرقس “وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يَسُوعُ مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ وَاعْتَمَدَ مِنْ يُوحَنَّا فِي الأُرْدُنِّ. وَلِلْوَقْتِ وَهُوَ صَاعِدٌ مِنَ الْمَاءِ رَأَى السَّمَاوَاتِ قَدِ انْشَقَّتْ، وَالرُّوحَ مِثْلَ حَمَامَةٍ نَازِلاً عَلَيْهِ. وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ:«أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ».” مرقس 1: 9-11. وهو أيضاً تاريخ بدء خدمة السيد المسيح الجهارية (حيث كان عمر السيد المسيح وقتئذ 30 سنة), ولذا يعود فيقول ” مِنْ خُرُوجِ الأَمْرِ…… إِلَى الْمَسِيحِ الرَّئِيسِ سَبْعَةُ أَسَابِيعَ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ أُسْبُوعًا” دانيال 9: 25.

بناء على هذا التاريخ (26 أو 27 ميلادية) أي تاريخ مسح قدوس القديسين، يُمكن تحديد تاريخ ميلاد السيد المسيح، كالآتي:

من خلال الأناجيل المقدسة، يتضح لنا أن هيرودس الكبير ملك اليهودية، مات بعد ميلاد السيد المسيح مباشرة. ومن الثابت تاريخياً أن هيرودس الملك مات سنة 749 من تاريخ إنشاء روما، والتي إذا حسبت بالتاريخ الميلادي، تكون سنة 4 أو 5 ق.م. بالتالي، أن السيد المسيح وُلد سنة 4-5 ق.م…

من خلال النبوة عرفنا أن سنة مسح قدوس القديسين، كانت 25- 26  ميلادية، ونحن نعلم أن السيد المسيح إعتمد في سن الثلاثين، فيكون ميلاد السيد المسيح هو 30- 26 أو 27 = 4 أو 5 قبل الميلاد.

وبذلك يكون مطابقاً للتاريخ السابق.

وهذا ما يقرره إنجيل لوقا “23وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ (خدمته) كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً” لوقا 3: 23.

ويُمكن إثبات صحة نبوة دانيال، عن مسح قدوس القديسين في سنة 26-27 ميلادية، بطريقة أخرى: فقد ذكر القديس لوقا في إنجيله “وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ سَلْطَنَةِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ، إِذْ كَانَ بِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ وَالِيًا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَهِيرُودُسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الْجَلِيلِ، وَفِيلُبُّسُ أَخُوهُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى إِيطُورِيَّةَ وَكُورَةِ تَرَاخُونِيتِسَ، وَلِيسَانِيُوسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى…..اعْتَمَدَ يَسُوعُ أَيْضًا. وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي انْفَتَحَتِ السَّمَاءُ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ (مسح قدوس القديسين)… لوقا 3: 1-22. ومن الثابت تاريخياُ أن طيباريوس قيصر اعتلى العرش سنة 12 ميلادية، وبحسب الآيات السابقة، أن السيد المسيح اعتمد في السنة الخامسة عشرة من اعتلائه العرش:

إذاً، تكون السنة التي اعتمد فيها الرب يسوع (مسح قدوس القديسين) هي: 12 + 15 = سنة 26 أو 27 ميلادية.

والنتيجة الواضحة هي، لو لم يكن السيد المسيح قد جاء إلينا على الأرض واعتمد بعد حوالي 483 سنة من صدور القرار بتجديد وبناء مدينة أورشليم، لكان دانيال نبياً كاذباً، حاشا، لقد صدق دانيال في كل كلمة قالها، وها هي النبوة تتحقق بكل دقة….. هذا سؤال نوجهه للرابيين والشعب اليهودي الذي ما زال ينتظر المسيا.

الفترة الثالثة: بعد انتهاء ال 62 أسبوعاً، قطع المسيح

                “وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ”

هذه الفترة الزمنية الثالثة، لا تلي مباشرة الفترة الزمنية الثانية في أحداثها.

الفترة الأولى، كانت عبارة عن سبعة أسابيع، يليها مباشرة الفترة الثانية، وهي عبارة عن 62 أسبوعاً (أو 69 أسبوعاً من صدور القرار)، والدليل على وقوع أحداثها مباشرة بعد الفترة الأولى، أن جمع الفترتين معاً، كما لو كانا فترة واحدة، حيث قال “أَنَّهُ مِنْ خُرُوجِ الأَمْرِ لِتَجْدِيدِ أُورُشَلِيمَ وَبِنَائِهَا إِلَى الْمَسِيحِ الرَّئِيسِ (مسح قدوس القديسين)، سَبْعَةُ أَسَابِيعَ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ أُسْبُوعًا” دانيال 9: 25 أي (7 + 62 = 69 أسبوعاً).

أما قوله عن هذه الفترة “وبعد وأ ح ر ي”، في الآية “وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ” دانيال 9: 26. هذا يعني أن قطع المسيح لا يلي مباشرة مسح قدوس القدوسين، بل لكن هناك فترة قصيرة… أي بعد إكتمال ال 62 أسبوعاً، بفترة قصيرة، يُقطع قدوس القدوسين. ونحن نعرف أن السيد المسيح صُلب بعد ثلاث سنوات ونصف من بدء كرازته (عماده ومسحه). وبما أن القياس الزمني في النبوة أسابيع سنين، وفترة الثلاث سنوات ونصف، فترة قصيرة نسبياً – لا تُذكر – لذا اكتفى بالقول “بعد” أي “بعد إكتمال”.

وفي موضوع قطع المسيح، أريد أن أشرح نقطة هامة جداً: للأسف الكثير من الشراح قد اختلط عليهم الأمر في ربط قطع المسيح بإبطال الذبيحة والتقدمة. هنا نُلفت الانتباه بين إبطال الذبيحة والتقدمة من جهة الله والمؤمنين، وإبطال الذبيحة والتقدمة فعلياً من جهة اليهود الرافضين للمسيا… فبموت السيد المسيح على الصليب، وضع حداً للفرائض الطقسية بالناموس، وأبطل الذبيحة والتقدمة،، لا عن طريق منعها، وإنما بتقديمه ذاته ذبيحة حقيقية عن كل البشر على الصليب.

وبذلك، أصبحت ذبائح وتقدمات العهد القديم – من جهة الله والمؤمنين بعمل المسيح – في حكم الإبطال (أي مرفوضة ولا قيمة لها)… والمؤمنون بالمسيح في ذلك الوقت امتنعوا عن تقديم ذبائح وتقدمات للهيكل. وهذا واضح جداً من سفر أعمال الرسل ورسائل معلمنا بولس الرسول كلها…. فعلى سبيل المثال، قول بولس الرسول “وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُول، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا” عبرانيين 9: 12… لم نسمع أبداً أن المسيحيين قدموا ذبائح بعد موت وقيامة السيد المسيح، هذا من جهة…. من جهة أخرى، ما قلناه سابقاً لا ينطبق على ما جاء في نبوة دانيال، بخصوص إبطال الذبيحة والتقدمة، لأن اليهود الرافضين للمسيح، ظلّوا مع ذلك يقدمون ذبائح وتقدمات في الهيكل حتى دماره في سنة 70 ميلادية….

أيضاً، بخصوص “قطع المسيح”، فالكلمة العبرية المُترجمة إلى العربية “يُقطع”، هي كلمة عبرية شائعة، أستعملت في ناموس موسى، وهي تعني “يُقتل”. والمفهوم الشامل للكلمة حسب معناها العبري “يُقتل تنفيذاً لحُكم قضائي صادر عليه”. أما التعبير العربي “وليس له”، فهو تعبير غامض، غير واضح، بعكس التعبير المستعمل في النص العبري…. فالنص العبري يُترجم حرفياً “ولكن ليس من أجل نفسه”. وبهذا يكون معنى الآية: أنه سيُقتل بحكم قضائي صادر عليه، ولكن ليس من أجل نفسه… أي أن موته سيكون بديلياً. وهذا يتوافق بشكل عجيب مع ما جاء في نبوة إشعياء القائلة ” قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟” إشعياء 53: 8.

وبالتالي، تكون الأهداف الثلاثة لقطع المسيح (التي كنا ذكرناها قبلاً) قد تمت وتحققت، وهي: تكميل المعصية – تتميم الخطايا – كفارة الإثم…. أي وضع نهاية للمعصية والخطايا والإثم… كلها تمت بعمل الكفارة الذي قام به المسيح من أجل العالم بموته وسفك دمه على الصليب… فقد قال بولس الرسول مستشهداً بالعهد القديم “وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!” عبرانيين 9: 22. هذا يبيّن أن موت المسيح كان ليس من أجل نفسه بل من أجل آخرين.

أخيراً، نُلخّص هذه الفترة بالقول: بين الفترة الثانية (نهاية ال 69 أسبوعاً)، وقبل أن يبدأ الأسبوع الباقي من ال 70 أسبوعاً، سيُقطع المسيح. وبذلك تكون الفترة الرابعة هو الأسبوع الباقي من ال 70 أسبوعاً.

الفترة الرابعة: الأسبوع الباقي من ال 70 أسبوعاً، خراب الهيكل وإبطال الذبيحة والتقدمة فعلياً

لقد وصلنا الآن إلى الأسبوع الباقي من ال70 أسبوعاً، التي شرحها الملاك جبرائيل لدانيال. النقطة التي أُريد أن أنوه إليها، أن هذا الأسبوع (7 سنوات)، منفصل تماماً عن الفترات السابقة، وهذا واضح جداً، إذا ربطنا الآية 24 من النبوة، بالمقطع الأخير (الآية 26، 27)…. ” وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ، وَانْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا. وَيُثَبِّتُ عَهْدًا مَعَ كَثِيرِينَ فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ، وَفِي وَسَطِ الأُسْبُوعِ يُبَطِّلُ الذَّبِيحَةَ وَالتَّقْدِمَةَ، وَعَلَى جَنَاحِ الأَرْجَاسِ مُخَرَّبٌ حَتَّى يَتِمَّ وَيُصَبَّ الْمَقْضِيُّ عَلَى الْمُخَرِّبِ».دانيال 9: 26-27.

أولاً: متى بدأ هذا الأسبوع: “وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ” ففي شتاء سنة 66 ميلادية، أرسل نيرون الإمبراطور الروماني، فسبسيان القائد العسكري الكبير، ليُقمع حركة تمرّد اليهود ضد الرومان ورفضهم دفع الجزية لهم. وقد حاول الفريسيون جهدهم تهدئة الموقف، ولكن تغلّب عليهم الغيورون الذين ملكوا زمام الموقف مُعتمدين أن بثورتهم واعتدائهم على الرومان سينالون تأييد من الله وأن هدفهم لطرد الرومان هو جوهر الإيمان نفسه، فبالضرورة يكون وفق إرادة الله، وبالتالي توطئة لمجيء المسيا، وإقامة مملكة المسيا، مملكة إسرائيل.

وبمرور الوقت زاد حماس الشعب، والتهبت ثورتهم فقامةا بأعمال تخريبية وانتقامية ضد الرومان. وقد أدرك اليهود أنه من العبث ملاقاة جيش الرومان، فتحصنوا وكمنوا في كافة المواقع واستعدوا للإنقضاض في حرب العصابات معتمدين على القوة الإلهية. ولكن لم يستطيعوا أن يصمدوا أمام هجمات الرومان بقيادة فسبسيان، وقد انضمّ إليه ابنه تيطس على رأس جيشه من قيصرية “رئيس شعب آتٍ” (سنة 66 ميلادية).

ثم عُيّن فسبسيان أمبراطواراً على روما، وترك ابنه تيطس مع جيشه، الذي تقدم نحو أورشليم للحصار الأخير. وفي سنة 70 ميلادية (“وفي وسط الأسبوع” الآية 26)، اقترب تيطس من أسوار أورشليم ثم اقتحم الجيش الأسوار وهدموها ودخلوا المدينة وتقدموا إلى الهيكل الذي ظلّت الذبائح اليومية تُقدم فيه وكافة الصوات والتضرعات، إلى أن كُفّت بسبب المجاعة المريعة من جراء الحصار وعدم وجود ما يُقدم ذبيحة، فضلاً عن عدم وجود من يُقدمها.

واستمرت المعركة على أشدها حتى أشعل الرومان النار في الهيكل، فانهارت كل مبانيه وأبوابه وغرفه، حتى مذبحه. كذلك أشعلوا النيران في كل المدينة وقتلوا كل من صادفهم. ولم يبق في أورشليم كلها وأسوارها إلى جزء صغير جداً من السور الغربي، جعله اليهود مبكى لهم. وهنا تم القول الإلهي في النبوة، وبكل دقة “وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ، وَانْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا…. وَفِي وَسَطِ الأُسْبُوعِ يُبَطِّلُ الذَّبِيحَةَ وَالتَّقْدِمَةَ، وَعَلَى جَنَاحِ الأَرْجَاسِ مُخَرَّبٌ….” دانيال 9: 26- 27.

هذا وقد أنبأ السيد المسيح تلاميذه وأتباعه، بكل ذلك قبل أن يحدث، قائلاً “وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ، فَحِينَئِذٍ اعْلَمُوا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ خَرَابُهَا. حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ (عاصمتها أورشليم مركز الخراب) إِلَى الْجِبَالِ، وَالَّذِينَ فِي وَسْطِهَا (أي في وسط مدينة أورشليم) فَلْيَفِرُّوا خَارِجًا، وَالَّذِينَ فِي الْكُوَرِ (في البلاد المجاورة) فَلاَ يَدْخُلُوهَا، لأَنَّ هذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ، لِيَتِمَّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ.” لوقا 21: 20-22. وقد سجل القديس متى في إنجيله، ما ورد على لسان السيد المسيح، قائلاً “«فَمَتَى نَظَرْتُمْ «رِجْسَةَ الْخَرَابِ» الَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ النَّبِيُّ قَائِمَةً فِي الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ ­لِيَفْهَمِ الْقَارِئُ­ فَحِينَئِذٍ لِيَهْرُب الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ” متى 24: 15-16.

وبذلك يكون السيد المسيح قد قصد برجسة الخراب، تجمع الجيوش الرومانية حول الأسوار في مواجهة الهيكل للبدء في محاصرة كل المدينة… ويكون قد سبق ونبّه التلاميذ وأتباعه بالهروب قبل أن يبدأ الحصار، إذ أن الخراب والقتل سيبدآن، بعد ذلك بحوالي ثلاث سنوات ونصف (أي سنة 70 م). وعندما حدث ذلك، هرب المسيحيون جميعاً من المدينة إلى الجبال قبل إستحكام الحصار حول المدينة. وبذلك نجوا جميعاً، ولم يمسهم أذى، بينما هلك غالبية اليهود الذين بقوا في المدينة.

ثانياُ: متى انتهى الأسبوع: بعد كل هذا الخراب والدمار الذي حدث بيد تيطس سنة 70 م، ظلّ يداعب عقول المتعصبين من اليهود الذين بقوا على قيد الحياة أمل، أنه ربما يصنع يهوه شيئاً في أحلك الساعات (نسوا القول الإلهي: وأنا رفضتهم يقول الرب). فاستمروا في المقاومة بشدة حتى سنة 72 ميلادية، حيث انتهت المقاومة نهائياً بذبح أغلبهم. وبذلك يكون الأسبوع الباقي من ال70 أسبوعاً، قد انتهى سنة 72 ميلادية.

يُمكننا تلخيص الأسبوع الباقي من ال 70 أسبوعاً في الآتي: الأسبوع بدأ في سنة 66 م، وانتهى في سنة 72 ميلادية، فيكون وسط الأسبوع الذي فيه يحدث الخراب والدمار وإبطال الذبيحة والتقدمة، هو سنة 70 ميلادية.

ملخّص نبوة دانيال

  • المسيا سيأتي ويموت قبل سنة 70 ميلادية.

2 – ظهور المسيح الرئيس أو مسح قدوس القديسين، في سنة 26-27 ميلادية، وكان السيد المسيح عمره وقتئذ 30 سنة(عمره وقت العماد وظهوره). إذاً، لابد أن يولد المسيا في سنة 4-5 ق.م. إذ لا يمكن أن يكون الميلاد قيل سنة 5 ق.م، وإلا يكون عمر المسيح وقت عماده أكثر من ثلاثين سنة. ولا يُمكن – أيضاً – أن يكون بعد سنة 4 ق.م، لأن هيرودس مات في هذه السنة، ومعروف أن ميلاد الرب يسوع كان قبل موت هيرودس مباشرة.

3 – إبطال الذبيحة والتقدمة – فعلياً – تم سنة 70 ميلادية. حيث أن سنة 70 م هي وسط الأسبوع الباقي من ال 70 أسبوعاً، والذي بدأ سنة 66 ميلادية، وانتهى سنة 72 ميلادية.

4 – السؤال الذي نوجهه للرابيين وشعب إسرائيل، أين هو هيكلهم طوال 2000 سنة! أين هي الذبائح والتقدمات طوال هذه القرون! من كان الرب يسوع الذي صلب ومات قبل سنة 70 ميلادية… أليس هو المسيا الذي رفضوه.

المسيح في سفر دانيال (9: 1-2) ، (9: 20-27) – القمص روفائيل البراموسي 

Exit mobile version