القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

مقدمة عامة

مشاكل وأزمات عصر القديس يوحنا ذهبي الفم

1 ـ عظمة القديس يوحنا ذهبي الفم وعطاؤه بمعزل عن مختلف المدرس اللاهوتية:

إن المفسر واللاهوتي الكبير يوحنا الذي برز على مر العصور وسيطرت أفكاره بين المسيحيين ولقب بلقب “ذهبي الفم”، قد نشأ وتعلم اللاهوت في أنطاكية بسوريا، وتابع تعليمه العالي في القسطنطينية، وتوفي في “كومانا” في البنط. لقد كان يوحنا رجلاً ذو إرادة قوية وثقافة واسعة جدً، وكان أيضًا خطيبًا برعًا وموهوبًا، ومتمكنًا من اللغة اليونانية بلهجتها الأتيكية التي كانت لغة الثقافة والعلوم في ذلك العصر، فأغناها بمعارفه من أجل منفعة المؤمنين. لقد كان أيضًا ناسكًا عظيم الشأن فخدم الكنيسة كراعٍ ومعلّم.

وبينما عاش في العاصمة إقليم سورية من العالم الروماني، في خضم نزاعات التفسير اللاهوتي والنزاعات العرقية والاجتماعية، إلاّ أنه استطاع أن يتجاوز كل أنواع التطرف، وأن يكون مستقيم الرأي، وأن يصبح ملعمًا “مسكونيًا” لم يستطع أحد أبدا تلطيخ اسمه وتشويه سمعته. ولم يستطع الباحثون أبدا أن يصنفوا القديس يوحنا ذهبي الفم ضمن مدارس أو تيارات معينة، كما لم يستطيعوا أيضًا أن يثبتوا عدم اهتمامه بالمشاكل اللاهوتية الكبيرة التي شغلت عصره.

لقد كان قديسًا عظيمًا ومستنيرًا بشكل أكبر بكثير من أن يخضع لمدارس أو تيارات. وكان أداة الله ذات الضمير الحيّ، تلك الأداة التي لا تسكت على المشاكل اللاهوتية. وهكذا كان يختار المدارس ولا يتبعها، بينما سلك الطريق الروحي للقديس أثناسيوس الكبير والآباء الكبادوكيين من ناحية المصطلحات التي استخدمها. فقد تبنى بشكل تام التقليد الكنسي بكامله. وهكذا بصلواته وببحثه الدائم تلقى النعمة الإلهية الغنية بالخبرات الروحية لكي يقوم بشكل صحيح بتفسير النصوص المقدسة.

وفي نصوص القديس يوحنا ذهبي الفم وروح تعاليمه يوجد لاهوت كل آباء ومعلّمي الكنيسة الأولين. وتتصف كتاباته بالانتخاب الصحيح للأفكار والشجاعة في تقديم ووضع التعابير. لقد كتب جزءًا من نصوصه اللاهوتية في نفس الفترة التي كتب فيها القديس غريغوريوس اللاهوتي (390م). والقديس غريغوريوس النيسي (حوالي 394م)، لكن نصوصه كانت أقل عمقًا من الناحية اللاهوتية ـ النظرية، وبالتالي فهى أكثر ملاءمة من الناحية الرعوية.

عن كتاباته حول جميع المواضيع اللاهوتية تدل عن فهم واسع، فهو يفسر نصوص وأسفار الكتاب المقدس بدقة متناهية ومنطق واسع الآفاق وحجج قوية. ولذلك حازت نصوصه على إقبال كبير من القراء وتم نسخها مرارًا، مما أدى إلى حفظ عدد ضخم من كتاباته المتعلقة بمختلف المواضيع.

إن ما كان يتصف به القديس يوحنا ذهبي الفم من طبع صارم من جهة، وحبه لخدمة الغير من جهة ثانية، والعلوم التي حصل عليها من المدارس والأديرة، بالإضافة إلى طبعه السوري الذي يتصف بالبساطة والروح العملية وحب التنسك وبلاغة الخطابة، قد أثرت بشكل عميق على نشاطه وعلى النصوص التي كتبها. وهكذا فقد كان يعمل بصرامة، وكان يرفع صوت الخف عاليًا، إلاّ أنه كان حساسًا وسهل المعاملة مع الآخرين.

إن شروحه وتفسيراته كانت تهدف إلى بناء روح وشخصية المؤمنين بشكل راسخ، لكنه هو شخصيًا لم يكن متزمتًا ومتمسكًا بشكل سلبي بالنواحي الأخلاقية (moraliste). لقد أصبح بالنسبة للمؤمنين اللاهوتي العملي والحياة اليومية، فمدح حياة النسك، وكان يحن دائمًا للخبرة التي عاشها كناسك لفترة ست سنوات، لكنه تيقن في نفسه أن الإرادة الإلهية قد دعته للخدمة الرعوية في الكنيسة.

كان متمكنًا من فن الخطابة، وكان يحب هذا الفن، إلاّ أنه عمل على تبسيطه وأعطى قوة لمضمونه في تعاليمه من خلال حرارة خبرته الروحية. اجتذب اهتمام معاصريه الذي كان متركزًا على بلاغة الألفاظ والشكل الأنيق في فن الخطابة، وجعلهم يهتمون بحقيقة المضمون، التي يمكن التعبير عنها أيضًا بواسطة هذا الفن.

 

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

2 ـ تعرض الأرثوذكسية للإضطهاد:

تعتبر كتابات القديس يوحنا ذهبي الفم من أهم المصادر التاريخية التي تزودنا بالمعلومات عن الأوضاع الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية التي كانت سائدة في أكبر مدينة في الإمبراطورية الرومانية بعد روما، وهى مدينة أنطاكية. فعندما بدأت أهمية مدينة الأسكندرية بالتراجع من الناحية الثقافية والسياسية، بقيت أنطاكية أهم مركز ثقافي وحضاري في الشرق، والسد المنيع للإمبراطورية الرومانية ضد هجمات الفرس. وقد وصل تعداد سكانها إلى عدة مئات من الآلاف، حيث إن عدد الرجال الأحرار فقط قد وصل إلى 200.000 رجل. وإلى هؤلاء يجب أن نضيف النساء والأطفال والعبيد.

وكان الإمبراطور كونستانتيوس (337ـ361)، والإمبراطور جوليان (361ـ363)، والإمبراطور جوفيان (363ـ364)، والإمبراطور فالين (364ـ378) قد نقلوا عدة مرات مركز حكمهم إلى أنطاكية من أجل مواجهة خطر الفرس. وإذا استثنينا الإمبراطور جوفيان الذي كان متعاطفًا مع الأرثوذكسية، والإمبراطور جوليان الذي حارب كل المسيحيين بشكل غير مباشر، فإن الإمبراطورين الآخرين اضطهدوا الأرثوذكسيين بشكل مباشر إرضاءً منهم لأتباع البدعة الآريوسية.

فقد عاش الأرثوذكسيون في أنطاكية ـ كما في الأماكن الأخرى ـ في ظل جو من الملاحقة والخوف، الذي وصل إلى ذروته في عهد الإمبراطور جوليان عندما اتخذ من أنطاكية مركزًا له. فقد قام لمرات عديدة بالتضحية للآلهة الوثنية (انظر PG 50, 556C) كما حاول ممارسة التنسك وتقليد أشكال الطقوس الكنسية (حيث تناول خلالها القربان من كأس)، وهكذا كانت أوضاع المسيحيين صعبة جدًا.

ولذلك فقد اضطر عدد كبير من المسيحيين تحت هذه الظروف الصعبة، إما بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى التخلي عن الدين المسيحي والعودة إلى الوثنية بالرغم من أن الديانة الرومانية القديمة لم تعد تحظى باهتمام حتى أهل أنطاكية الذين كانوا من أصل أممي، وهذا الأمر بالذات كان يثير حنق الإمبراطور جوليان.

وعندما كان القديس يوحنا ذهبي الفم لايزال فتى صغير السن عاش تجربة صعبة من التجارب التي مرت بها الكنيسة. ففي عام 362 أمر الإمبراطور جوليان بإبعاد جثمان القديس الشهيد “بابيلاس” وتدمير كنيسته في أنطاكية، بحجة أن تلك الكنيسة كانت تثير غضب الإله “أبولون” الذي كان معبده قريبًا منها (PG 50, 558). ولكن بعد أيام قليلة شبت النار في معبد أبولون، فاتهم الإمبراطور جوليان المسيحيين ظلمًا بأنهم السبب. ولمعاقبتهم على ذلك أصدر قرارًا بإغلاق الكنائس، لكن هذا القرار لم يُنفّذ بشكل كامل.

أما الإمبراطور كونستانتيوس فقد صادر الكنائس من الأرثوذكسيين وأعطاها لأتباع آريوس. وفي عام 362 لم يكن لدى الأرثوذكسيين ـ وعلى رأسهم آنذاك أسقف أنطاكية ملاتيوس ـ سوى كنيسة واحدة وهى كنيسة الرسل القديسين التي كانت توجد في المدينة القديمة. وفي العام ذاته وهب أسقف أنطاكية “أوزويوس” الذي كان من أتباع بدعة آريوس احدى الكنائس إلى الأسقف المنشق “باولينوس” مما يدل على السلطة الواسعة التي كان يتمتع با أتباع بدعة آريوس. وفي عهد الإمبراطور فالين (364ـ378) تعرض الأرثوذكسيون إلى اضطهاد شديد، وبشكل خاص عندما نقل الإمبراطور مركز حكمه إلى أنطاكية.

فقد أيد فالين أتباع آريوس بشكل مباشر، واليهود والوثنيين بشكل غير مباشر، لكنه لاحق الأرثوذكسيين وحرمهم حتى من أصغر الكنائس. وكانوا مضطرين لإجراء صلواتهم داخل المنازل في الريف، وفي الكهوف، وعلى ضفاف نهر العاصي. وقد كشف بعض أفراد الطبقة المقربة من الإمبراطور مكان تجمع الأرثوذكسيين لكي يقبض عليهم ويعاقبهم.

وبعد موت فالين عام 378 عاد أسقف أنطاكية ملاتيوس من منفاه لكنه لم يستطع تسلم كنائس المدينة التي كانت في يد الأسقف باولينوس إلاّ بحلول عام 380.

 

3 ـ الظروف الدينية والاجتماعية في أنطاكية:

كانت مدينة أنطاكية منذ ما قبل القرن الرابع الميلادي مركزًا حضاريًا كبيرًا تجتمع فيه مختلف الأجناس والشعوب والحضارات والأديان. في تلك المدينة ولد القديس يوحنا ذهبي الفم، ونشأ نشأته الروحية، وتعلم، وكتب قسمًا هامًا من أعماله. لقد كانت الحياة الاجتماعية والدينية في المندينة تشكل خليطًا مليئًا بالتناقضات التي ولّدت الأزمات في العديد من الأحيان.

فالمجتمع الأنطاكي كان يتألف من يونانيين، وسكان ينتمون لشعوب شرقية، وسوريين، ورومانيين، ويهود. وكان هؤلاء جميعهم يمارسون التجارة والطقوس الدينية المختلفة ويشاركون في الحياة السياسية ويدرسون في الجامعات، وكانوا بشكل عام يمارسون نشاطاتهم بدرجة كبيرة من الحرية. لقد كان التعليم متقدمًا لدرجة أن أنطاكية كانت تعتبر “أثينا الشرق”، وكانت مركز فن الخطابة في الشرق حيث كانت فيها مدرسة كبيرة للخطابة أسسها السفسطائي الشهير “ليبانيوس”.

وفي أنطاكية أصبح فن الخطابة فنًا مثاليًا وصفة قياسية مطلقة للإنسان المثقف. لقد كان المثقفون من أهل أنطاكية من المسيحيين والوثنيين يتابعون الخطباء ويتمتعون بفنهم، وكانوا يمارسون نقدًا عالي المستوى على أعمالهم الناجحة أو الفاشلة.

ولكن بالرغم من هذا المستوى الثقافي الرفيع، فقد كان معظم سكان المدينة والمناطق المحيطة بها أمييم، وكانوا يتكلمون اللغة السريانية واللهجات المحلية. وكان هناك تناقض كبير في توزيع الثروات، فقد كان هناك عدد قليل من الأغنياء بينمااا الغالبية الساحقة من الشعب كانت تعيش في ظروف الفقر. ومما يدعو للاستغراب أن المسيحيين الذين كانوا يشكلون نصف عدد السكان تقريبًا، كانوا أوفر حالاً وأغنى من الباقين، وذلك وفقًا لما ذكره القديس ذهبي الفففم في أعماله.

لكن المسيحيين كانوا يتأثرون بالجو المحيط بهم بشكل كبير، حتى أن العديد منهم كانوا يشاركون في الأعياد والمناسبات الدينية لليهود. بينما كانوا يتابعون أيضًا الأعياد والمناسبات الدينية للوثنيين. إذًا فقد كانوا يفتقرون لذلك الحس الذي يعطى للكنيسة صفة الححقيقة الوحيدة والمطلقة. لم يكن لديهم الإدراك أن أخلاق الكنيسة تختلف عن الأخلاق اليهودية من جهة، وتختلف أيضًا عن المنظومة الاجتماعية والدينية للوثنيين التي كانت تتسامح مع الإباحية الأخلاقية.

إن هذه الأوضاع التي كانت تتصف بها حياة المسيحيين في أنطاكية قد أثارت قلقًا شديدًا لدى القديس يوحنا ذهبي الفم، ودفعته لمحاربة الوثنيين واليهود من أجل مساعدة المسيحيين ليتفهموا أن الحقيقة موجودة في الدين المسيحي فقط، وأن هناك حاجة للمسيحيين في أن يعيدوا النظر في أخلاقهم وأن يونوا أسسًا أخلاقية جديدة في مدينتهم، التي كانت لانزال تتميز بميزات المدينة الوثنية، بمسارحها وحلبات السباق فيها وحماماتها العامة، وأنواع اللهو التي كان من الصعب على المسيحيين من سكانها التخلي عنها. لقد كان هذا الجو العام يشكل ضغطًا كبيرًا على المسيحيين، وصفة القديس يوحنا ذهبي الفم بأن مقاومته تضاهي الاستشهاد (PG 62, 412).

4 ـ تطور النظام الرهباني:

في الوقت ذاته، انتشرت الأديرة ومراكز التنسك في سوريا تحت تأثير الأفكار الشرقية (rigorismus)، وبشكل خاص تأثير الجماعات الدينية الذين يدعون “أبناء وبنات العهد”، ونساك منطقة ما بين النهرين. وكان يعيش في الكهوف على مقربة من مدينة أنطاكية وعلى ضفاف نهر العاصي، عدد كبير من النساك منفردين بشكل جماعات في أديرة.

ولقد ظهرت الحياة في الأديرة خلال العقد الرابع من القرن الرابع، وذلك في أديرة صغيرة بدائية في قمة “جبل بركات” ومنطقة جندريس وتل عادة. ولم يتبع أفراد تلك الأديرة قوانين ونظمًا محددة مثلما كان يتبع القديس “باخوم” (346) في مصر، أو القديس باسيليوس الكبير (37779) في كبادوكية والبنط وأرمينيا الصغرى. لقد كانت حياة الرهبنة في أنطاكية تتمتع بدرجة كبيرة من الحرية، ولكن كان دائمًا بين الرهبان واحد يتزعم الباقين ويقوم بتوجيههم.

وكان هؤلاء النساك يتمتعون بخصائل ونعم إلهية عظيمة تدهش المسيحيين من سكان المدن وتسترعى اهتمامهم واحترامهم. كما كان الرهبان يتلقون زيارات من الغرباء ليساعدوهم على تقوية إيمانهم بالمخلّص وكلما كان بعض هؤلاء النساك مثل “مقدونيوس” و “يوليانوس سابا” الملقب “بالأميّ” (377) يزورون أنطاكية، كان سكانها يستقبلونهم بحفاوة وتكريم يزيدان التكريم والحفاوة بالملوك (PG 62, 153).

لكن هذا التكريم البالغ الذي كان يلقاه النساك كانت له ردود فعل من قبل المسيحيين الأغنياء لأن أبناءهم كانوا في معظم الأحيان يتأثرون بهؤلاء النساك فيتركون حياة البذخ والرفاهية والمجون في أنطاكية ويذهبون معهم ليعيشوا حياة الرهبنة والتعبد بهدف الوصول إلى الكمال الروحي.

لكن عدم وجود قوانين ونظم صارمة في مجتمعات الرهبنة تلك، أدى في العديد من الأحيان إلى انحراف بعض النساك عن التعاليم المسيحية الأصيلة، فنذكر مثلاً “الميساليانيين” الذين تم اعتبارهم منشقين. ولكن على أية حال فإن الرهبنة والتنسك قد أصبحت ظاهرة منتشرة وفرضت نفسها بشكل أصبح فيه الرهبان في الأديرة أو في الصوامع المنفردة يستقبلون الشباب ويعلمونهم تعاليم الكنيسة، والحياة الروحية الأصيلة أيضًا.

هذا وقد اشتهر “ذيوذوروس الطرسوسي” (392) لتعاليمه ولمدرسته. فقد كان ناسكًا صارمًا ومعلّمًا حكيمًا فأطلق بحق على مدرسته الواقعة خارج أنطاكية اسم “الصومعة”. وفي تلك المدرسة تعلم القديس يوحنا ذهبي الفم و “ثيوذوروس الموبسوئستي” وغيرهما الكثيرون، علوم اللاهوت والتفسير وقواعد التنسك. ومن الواضح أن القليلين من النساك والرهبان كانوا يقومون بالتعليم بسبب جهل معظمهم للغة اليونانية، والدليل على ذلك أن الصلوات كانت تجرى في بعض الأديرة باللغتين اليونانية والسريانية.

هذا وقد ازدادت محبة المسيحيين وكل سكان أنطاكية بشكل عام، وعظم احترامهم للرهبان والنساك بعد تحطيم النصب والتماثيل الملكية من قبل الجموع الثائرة في المدينة عام 387، حيث أُقيمت المحاكم وتم إعدام الثوار من قبل مرسلي الإمبراطور ثيوذوسيوس. ففي تلك الأثناء ترك العديد من الرهبان أديرتهم وصوامعهم التي عاشوا فيها لعشرات السنين وذهبوا إلى أنطاكية ليترجوا القضاة والحكام بالرأفة والعطف على الثوار الأنطاكيين. وكان الكثيرون منهم في العديد من الأحيان يقدمون أنفسهم للإعدام بدلاً من أرباب الأسر المحكومين.

وقد أعلن القديس يوحنا ذهبي الفم بنفسه مرة ومعه عدد كبير من الرهبان، وبكل شجاعة، إلى ممثلي السلطة، أن من يريد الإساءة إلى أحد من سكان أنطاكية سيمر أولاً فوق جثته. إن كل هذه الأحداث قد رفعت الرهبنة في عيون السكان الذين رأوا في الوقت ذاته أن الفلاسفة والخطباء وكهنة المعابد الوثنية واليهود قد تركوا المدينة لينجوا بأنفسهم (PG 49, 173-174).

5 ـ الأوضاع الكنسية واللاهوتية:

لقد كانت الأسكندرية في القرن الرابع أهم مركز للأ{ثوذكسية حتى عام 373 بفضل وجود القديس أثناسيوس الكبير، إلاّ أن أنطاكية أصبحت أكبر مركز في الشرق للتفاعلات الكنسية واللاهوتية. لقد كان للتقليد الأنطاكي القديم قطبان مختلفان الأول هو القطب الأرثوذكسي الأصيل الذي أنشأه ويمثله القديس “أغناطيوس ثيوفوروس” (توفى عام 107 أو 117)، والقطب الثاني وهو قطب منشق عن الأرثوذكسية مثله “ثيوفيلوس الأنطاكي” في القرن الثاني (188) ومثله خلال القرن الثالث “بولس الساموساتي” (272).

وفي أوائل القرن الرابع أصبح “لوقيانوس” بشكل أو بآخر أحد أكبر مؤيدي البدعة الآريوسيية. وفي عام 324 أيد أوستاثيوس الأنطاكي” اللاهوتع الأرثوذكسي ونظم في أسقفيته مجمعًا تم خلاله الإعداد للمجمع المسكوني الأول في نيقية (325).

لكن الأحداث التي تلت ذلك دمرت كل العمل الذي قام به أوستاثيوس الذي كان يؤيد خط أثناسيوس الكبير. فقد سيطر أتباع آريوس واحتلوا الكنائس ونفوا أوستاثيوس (328) وعقدوا مجمامع عديدة بهدف تشويه الإيمان الأرثوذكسي الذي ثبته مجمع نيقية (341ـ344). ولكن في عام 360 اعتلى عرش الأسقفية الأنطاكية من جديد أسقف أرثوذكسي وهو الأسقف “ملاتيوس”، لكنه بعد فترة قليلة من تنصيبه نفى وقضى نصف فترة خدمته في الأسقفية في المنفى، وتوفى عام 381.

ولكن في تلك الأثناء نشأت حركة انشقاق في أنطاكية عرفت باسم “انشقاق أنطاكية”، وذلك بسبب كون القس باولينوس كان يدّعي أنه يمثل بأصالة التقليد الذي تركه أوستاثيوس. لكن أتباع أوستاثيوس كانوا أرثوذكسيين أما باولينوس فقد كان حتى وفاته (388) يؤيد أن الجوهر والأقنوم متطابقان. وكان يعجز عن فهم المعنى اللاهوتي للمصطلح: “جوهر واحد وثلاثة أقانيم” وفقًا لتعاليم الآباء الكبادوك، وكما قبلته الكنيسة عام 380.

وهكذا بعد عام 362، عندما رُسم باولينوس أسقفًا بشكل غير قانوني، كان يوجد في إنطالية التي يسيطر عليها أتباع آريوس كنيستان أرثوذكسيتان فقط، الأولى التي كان يشرف عليها ملاتيوس المنفي وكان يمثله “فلابيانوس” وتبعه يوحنا ذهبي الفم، والثانية كان يشرف عليها باولينوس الذي كانت لديه رعية قليلة تتبعه. لكن أتباع آريوس كانوا مسيطرين على المدينة وكانوا منشقين في ثلاث طوائف “الغير متشابهين”، و “المتشابهين”، و “المتشابهين في الجوهر”. كما نشط أتباع “أبوليناريوس” الذين كان يتزعمهم “فيتاليوس” الذي أنشأ مدرسة في أنطاكية. هذا وكانت تعاليم أبوليناريوس منذ عام 375 قد انتشرت انتشارًا واسعًا في أنطاكية.

لقد ولّدت هذه الإنشقاقات والخلافات والبدع حزنًا كبيرًا لدى القديس يوحنا ذهبي الفم، ذلك لأن الكثير من المؤمنين لم يكن بمقدورهم إدراك الاختلاف وكان كل واحد من أتباع احدى الطوائف يصلي في كنيسة تابعة للطائفة الأخرى. وقد وصلت تلك البدع والهرطقات إلى ذروتها في فترة شباب القديس يوحنا ذهبي الفم.

لقد مارس أتباع آريوس ضغطًا هائلاً على المجتممع الأنطاكي، ولكن كان من السهل تمييزهم عن الأرثوذكسيين. وعلى العكس من ذلك فإن أتباع أبوليناريوس كانوا يدعون بشكل مغالط للحقيقة أنهم يؤمنون بقرارات المجمع المسكوني الأول، فسببوا بلبلة وارتباكًا لدى المؤمنين. والأسوأ من ذلك أن بعض الأرثوذكسيين حاولوا الرد على ادعاءات أتباع أبوليناريوس فأعطوا أهمية عظمى للطبيعة البشرية ليسوع المسيح فتكلموا خطأ على ابنين اثنين في شخص المسيح، مما يجعل من المستحيل أن تتحد الطبيعتان في شخصه.

وتلك الآراء نصادفها في نصوص “ذيوذوروس الطرسوسي” الذي كان ممثلاً لملاتيوس ومعلّمًا ليوحنا ذهبي الفم وغيرهم من لاهوتي أنطاكية المعروفين، وصاحب مدرسة التفسير الأنطاكي. إن هذه الآراء قد تطورت فيما بعد وقادت لنشوء بدعة “نسطورويوس” الذي لم يكن يستطيع إدراك مفهوم الاتحاد بين الطبيعتين البشرية والإلهية في شخص المسيح، الذي هو اتحاد لا انصهار فيه ولا انقسام ولا تحول. إن هذا الخروج عن المفاهيم النظرية اللاهوتية قد حدث في البيئة الروحية التي نشأ وعاش فيها القديس يوحنا ذهبي الفم.

وفي هذه البيئة قام ذيوذوروس بتشكيل أسس التفسير الأنطاكي بشكل تام وهو التفسير المعروف باسم المنهج “التاريخي ـ الكتابي”، وهو منهج يتصف بالمواقف الأخلاقية المتطرفة، فمهّد الطريق لنشوء البدعة النسطورية، ورفض المنهج الرمزي allegoric لمدرسة الأسكندرية.

ولكي نكون صورة متكاملة عن المسيحية في أنطاكية يجب أن نذكر أنه في عام 379 وبعد مرور ثمانية أشهر على عودة ملاتيوس من المنفى، عقد فيها مجمع للأساقفة الأرثوذكسيين في الشرق. وتم في هذا المجمع التأكيد على لاهوت الآباء الكبادوك والتحضير للمجمع المسكوني الثاني الذي عقد في القسطنطينية عام 381.

وكما حدث في المجمع الأنطاكي عام 324 حيث فتح الباب أما قبول مصطلح “المساوي في الجوهر” ورفض تعاليم آريوس، كذلك فإنه في مجمع عام 379 الذي عقد أيضًا في أنطاكية فتح الباب أما قبول التعاليم اللاهوتية للقديس أثناسيوس الكبير ورفض تعاليم أونوميوس وأبوليناريوس وماركيلوس. وفي خضم هذه الزوبعة الكبيرة كان على القديسس يوحنا ذهبي الفم أن يحافظ على إيمانه ثابتًا، وأن ينتج عمله العظيم مستخدمًا العناصر الإيجابية فقط من المحيط الذي عاش فيه، أى لاهوت القديس أثناسيوس الكبير، وأفكار الآباء الكبادوك، بالإضافة طبعًا إلى خبراته الشخصية.

 

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

حياة وأعمال القديس يوحنا ذهبي الفم

أ ـ في أنطاكية

1 ـ مصادر المعلومات الرئيسية عن حياة القديس يوحنا ذهبي الفم:

إن أهم المصادر التي تزودنا بالمعلومات القيمة عن حياة القديس يوحنا ذهبي الفم هى أعماله التي تركها لنا، بالإضافة إلى النصوص القديمة التالية:

+ بالاديوس هيلينوبوليس: حوار تاريخي حول حياة وسيرة يوحنا ذهبي الفم (PG 47, 5-82).

+ سقراط: التاريخ الكنسي، 2:6ـ22 و 25:7 و 35 (PG 67, 661-729, 793, 536).

Sosomenus Kirchengeschichte: J. Bidez, Berlin 1960, p. 349-388.

Theodoret Kirchengeschichte: L. Parmentier, Leipzig 1911, p. 328-339.

Zosime, Histoire Nouvelle: F. Paschoud, Paris 1971.

+ بسوذومارتيريوس الأنطاكي YEUDO – MARTURIOU ANTIOCEIAS) : ممديح ليوحنا ذهبي الفم (pg 47, XLIII-LII).

+ ثيوذوروس التريميثوندي: حول حياة وسيرة يوحنا ذهبي الفم (PG 47, LI-XXXVIII)

Savillius Chrysostomi Opera Omnia, VIII, p. 157-265.

Halkin Douze récits byzantins sur S. Jean Chrysostome, Bruxelles 1977.

Van Ommeslaeghe, ” Que vaut Le témoignage de Pallade sur Le process de S. Jean Chrysostome”?: AB 95 (1977) 389-313.

وفيما بعد ظهر عدد كبير من النصوص (60 نص تقريبًا) على شكل مديح وسير لحياته وصف لعجائبه ولصعوبات المنفى ووصف لعملية نقل رفاة القديس وقصائد مديح له (BHG II Vo. 870-881 z)

 

2 ـ السنوات الأولى من حياته، وتعلمه للعلوم الكلاسيكية:

إذا قبلنا بصحة المعلومات التي نقلها لنا أول كاتب لسيرة حياة القديس يوحنا ذهبي الفم، وهو بالاديوس هيلينوبوليس، فإن القديس قد ولد في أنطاكية عام 354. ولكن أبحاثًا أخرى أظهرت خلال السنوات الأخيرة أن القديس قد ولد عام 349 أو 350، وهذا ما نؤيده نحن أيضًا.

لقد كان والده “سيكوندوس” قائدًا للجيش الروماني في سوريا، وكان مركزه في أنطاكية. والاسم Secundus يدل على أصله اللاتيني ولكنه بالتأكيد أصل بعيد لأن عائلته في أنطاكية كانت عائلة غنية تنتمي إلى طبقة النبلاء في المدينة وبالتالي فإن تلك العائلة كانت متوطنة في أنطاكية لفترة زمنية طويلة.

لقد توفى سيكوندوس عندما كان ابنه يوحنا طفلاً صغيرًا، وكانت أمه “أنثوسا” في سن العشرين من عمرها. وعلى أغلب الاحتمالات كان ليوحنا أخت تكبره ماتت هى أيضًا في سن الطفولة. وكانت أمه امرأة مسيحية مؤمنة، فنذرت نفسها لتربية ابنها الصغير يوحنا، فلم تبخل على صرف قسم كبير من ثروتها لتعليم ابنها.

ربما تعلّم القديس يوحنا ذهبي الفم أول العلوم التي تعلمها من أمه، بينما تابع تحصيله العلمي العالي متتلمذًا على يد المعلّم الكبير “ليبانيوس” (393) حتى سن الثامنة عشر، وكذلك على يد الفيلسوف “أنذراغاثيوس” (سوزمينوس: تاريخ الكنيسة 2:8، 5).

لقد درس القديس ذهبي الفم خلال تلك الفترة العلوم والثقافة الهلنستية واليونانية الكلاسيكية وتمكن منها بحيث اعتُبر أحسن خطيب في عصره، لكنه استخدم علمه ومواهبه في مجال آخر. فقد كانت العلوم التي تعلمها تهدف لإعداده ليكون محاميًا ومعلّمًا لفن الخطابة، ويظهر أنه عمل في هاتين المهنتين لفترة قصيرة. ويذكر الكاتب “سقراط” الذي كتب سيرة القديس ذهبي الفم أن القديس كان يستعد للخدمة في مجال القضاء (سقراط: تاريخ الكنيسة 3:6).

 

3 ـ اهتمامه بالكتب المقدسة:

عندما بلغ القديس يوحنا ذهبي الفم الثامنة عشرة من عمره تأكد له عدم فائدة الحياة المادية ووجه اهتمامه إلى الكتب المقدسة التي كانت تعلمه إياها أمه أنثوسا. ولسنا نعرف الكثير عن الظروف التي بدأ فيها دراسته في “الصومعة” الشهيرة التي أسسها العالم الكبير “ذيوذوروس” الذي أصبح فيما بعد أسقفًا في مدينة “طرسوس”، ومعاونه “كارتيريوس”. لقد كانت تلك الصومعة مدرسة للرهبان تدرس تفسير الكتاب المقدس بشكل خاص، والإيمان الكنسي واللاهوت بشكل عام (سوزومينوس: تاريخ الكنيسة 2:8، 5ـ6).

وفي تلك المدرسة درس يوحنا الشاب إلى جانب عدد من ملائه أمثال “ثيوذوروس” الذي أصبح فيما بعد أسقفًا لمدينة “موبسوئيستيا” (توفى 428)، وكذلك “ماكسيموس” الذي أصبح أسقف مدينة “سلوقيا” بمنطقة “إيساورية”، وغيرهمما. لقد كان تلميذًا متفوقًا وبدأ في تلك الفترة بكتابة أول كتبه. ويظهر أن القديس يوحنا ذهبي الفم لم يكن مقتنعًا بتفسير ذيوذوروس الذي كان زعيمًا للمدرسة الأنطاكية للمنهج التفسيري.

نال القديس يوحنا ذهبي الفم سر المعمودية عام 368، وكانت العلوم التي تعلمها على يد ذيوذوروس قد ساعدته في الابتعاد عن البدع التي كانت سائدة في ذلك العصر، كما ساهمت في ذلك أيضًا التربية المسيحية القويمة التي تربى بها على يد والدته. فبقى ملتزمًا بالتعاليم الكنسية الأرثوذكسية لكنيسة أنطاكية التي كان أسقفها ملاتيوس منفيًا لفترة طويلة (361ـ362، 364ـ367، 369ـ378) بسبب إيمانه الأرثوذكسي.

رُسم القديس ذهبي الفم عام 371 “قارئًا” للكتب المقدسة، وخدم كمعلم وراعٍ في الكنيسة. وكان “القارئ” في ذلك العصر يمارس الخدمة ولم يكن مجرد مرتل وقارئ بل كان يقوم بتفسير نصوص الكتاب المقدس. وكذلك فإن مصطلح “قراءة الكتاب المقدس” كان يعني تفسيره ودراسته (ذهبي الفم: “إلى العبرانيين”، خطاب 4″8 PG 63, 75).

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

4 ـ تركه لأنطاكية ليصبح راهبًا:

لم يواصل القديس يوحنا ذهبي الفم عمله كمعلّم لأنه ترك أنطاكية عام 372 بعد وفاة والدته أنثوسا، وتوجه إلى منطقة “سيلبيوس” الجبلية القريبة من المدينة ليصبح ناسكًا، وتتلمذ على يد واحد من النساك السوريين. وكان قبل ذلك بكثير قد عبر عن رغبته ليصبح راهبًا. وربما كان ذلك مرتبطًا بعدم اقتناعه بتعاليم ذيوذوروس وبمنهجه التفسيري.

لكنه لم يحقق رغبته تلك في ذلك الوقت إرضاءً منه لأمه التي رجته بأن لا يتركها قبل وفاتها. وكان من المعلوم في أنطاكية أن أنثوسا قد ضحت بحياتها وشبابها من أجل ابنها يوحنا، وعاشت حياة مسيحية فاضلة إلى درجة أن ليبانيوس المشهور كان قد ذكر عنها بإعجاب كبير قائلاً: ” هذه هى المرأة التي تمثل النساء المسيحيات” (PG 48, 601).

لقد تعلم الخطيب البارع يوحنا على يد الناسك السوري الشيخ لمدرة أربع سنوات (بلاديوس هيلينوبوليس: حوار حول سيرة ذهبي الفم 5 PG 47, 18).

ولم يكن الدير الذي تعلم فيه القديس ذهبي الفم ديرًا منظمًا، وإنما كان عبارة عن مكان كان يعيش فيه ثلاثة أو أربعة من النساك. وخلال فترة السنوات الأربع التي مارس فيها يوحنا حياة الرهبنة القاسية تجاوز كل الرهبان وطالب بتطبيق نظام أكثر قسوة وصرامة على نفسه.

وهكذا لجأ إلى مغارة صغيرة في ذلك الجبل تدعى “مغارة حبيب النجار” وعاش حياة رهبانية شديدة القسوة، وكان يدرس الكتاب المقدس ويصلي طوال الساعات الأربع والعشرين من كل يوم، ماعدا فترة قصيرة لم يكن ينام فيها بل كان يستند إلى صخرة ليستريح. وبقى في تلك المغارة لمدة سنتين، إلى حد أن قسوة حياته والبرد الشديد قد أدى به إلى الإصابة بمرض خطير في كليتيه، مما اضطره للعودة إلى أنطاكية في أواخخر عام 378 أو أوائل 379 (PG 47, 18)

 

5 ـ مرضه وعودته إلى أنطاكية ورسمه كاهنًا:

في تلك الفترة، وبعد موت الإمبراطور فالين (أغسطس ـ آب 378) عاد الأسقف ملاتيوس من المنفى. وكان هذا الأسقف يعرف القديس يوحنا ذهبي الفم ويقدره. وبعد شفاء الأخير من مرضه سلمه مهمة التعليم في الكنيسة، ثم رسمه شماسًا عام 380 أو 381. وفي عام 385 أو 386 رسمه خلف ملاتيوس الأسقف فلابيانوس أسقفًا. وطوال تلك الفترة عمل يوحنا على التعليم والوعظ.

لقد بدأ القديس يوحنا ذهبي الفم كتابة أعماله منذ انتهائه من دراسته لعلوم الفلسفة وفن الخطابة وبشكل خاص في فترة تتلمذه على يد ذيوذوروس. وواصل كتابته بشكل مكثف عندما عاد من مغارة “حبيب النجار” وكتب بغزارة أكبر منذ عام 381، بالرغم من أنه أصدر أغلب كتاباته في وقت متأخر عن ذلك التاريخ.

ولسنا نعرف الكثير عن الفترة حتى عام 386 حيث أصبح كاهنًا إذ كانت قد عهدت إليه مهام أخرى في الكنيسة، ولكن التفاصيل الكثيرة المذكورة في أعماله عن العمل الرعوي والإنساني لكنيسة أنطاكية تدلنا على أنه كان يشارك في هذا العمل.

6 ـ كاهن ومفسر وراع:

وقد نشط ككاهن في الكتابة والفكر اللاهوتي، حيث كتب بشكل خاص “خطاباته” الشهيرة ونصوص أخرى تتضمن عناصر “رواقية”. وهكذا لم يطور منهجه التفسيري ويثقف المؤمنين بالعلوم اللاهوتية فقط، إنما حارب أتباع “آريوس”، وأتباع “أونوميوس”، والوثنيين (في شخص الإمبراطور جوليان)، واليهود، الذين كانوا يضايقون المسيحيين ويضغطون عليهم للمشاركة في طقوسهم، والأغنياء الذين كانوا يستغلون الفقراء. وأهل أنطاكية الذين كانوا مسئولين عن الظلم الاجتماعي، والحياة الإباحية المليئة بالعروض والعادات اوثنية.

وكراع محب ومخلص لرعيته كان يهتم بكل المشاكل التي يواجهها المسيحيون في أنطاكية، وكان ينصحهم ويقف دائمًا إلى جانبهم. وقد اكتسب شهرة الراعي والخطيب والحامي لأهل أنطاكية، فوصلت شهرته هذه إلى ذروتها عام 387 عندما اندلعت ثورة في المدينة ضد الإمبراطور (وأفراد عائلته) حيث قام أهل أنطاكية بتحطيم التماثيل والأصنام وأضرموا النار في المباني الرسمية والقصر الملكي.

في ذلك الحين لعب القديس يوحنا ذهبي الفم دورًا أساسيًا في حماية السكان من غضب رجال الإمبراطور الذين كانت لديهم الأوامر بقتل عدد كبير من السكان وتدمير قسم من المدينة. وهكذا قتل بالفعل عدد كبير من الشخصيات الكبيرة بالمدينة وصودرت أملاكهم، وأصاب السكان الخوف والهلع لدرجة أن عددًا كبيرًا من الأغنياء تركوا أملاكهم وقصورهم في المدينة وسكنوا في الكهوف المنتشرة في الجبال المحيطة بالمدينة. أما الغالبية الباقية من السكان الذين لم يستطيعوا الفرار بأنفسهم فقد سيقوا إلى السجون وعُذبوا وأُعدموا.

وفي هذه الأوقات العصيبة ترك الرهبان والنساك أديرتهم وصوامعهم وحضروا إلى أنطاكية ورجوا القضاة والحكام للرأفة بسكان المدينة، ووقفوا بين القضاة والمحوم عليهم وصرحوا قائلين إنه إذا كان الإمبراطور يريد حقًا قتل هؤلاء فإنهم يقدمون أنفسهم للإعدام من أجل إطلاق سراح المسجونين من أرباب العائلات. وكان القديس يوحنا ذهبي الفم بين هؤلاء النساك والرهبان، وكان بشجاعة يطالب القضاة والحام بالرأفة والرحمة وقدم نفسه من أجل خلاص أهل أنطاكية (PG 49, 172-175).

وفي الوقت ذاته كان يعزى الأنطاكيين ويقوي أنفسهم وينفخ الشجاعة في صدورهم، ولكنه وبخهم على أعمال الشغب والعنف عديمة الفائدة التي قاموا بها. وبسبب تلك الأحداث خطب ونشر 21 خطابًا من خطاباته الشهيرة المعروفة باسم “خطابات عن التماثيل”، وقد كتب ونشر حتى العام 397 عددًا كبيرًا من كتاباته.

 

ب ـ في القسطنطينية

1 ـ نشاطه الواسع النطاق في الكنيسة واعتلائه للعرش البطريركي في القسطنطينية:

في بداية عام 390 لمع نجم الكاهن الأنطاكي “يوحنا” فأطلق عليه الناس صفة “ذهبي الفم” ولكن دون أن تصبح هذه الصفة لقبًا له. وفي تلك الفترة توفى القديس باسيليوس الكبير (379) والقديس غريغوريوس اللاهوتي (390) اللذان كانا من أهم الشخصيات وألمع العقول اللاهوتية والكنسية. وبقى القديس غريغوريوس النيس وحده لكن نشاطه الكنسي واللاهوتي توقف وتوفى عام (394). وهكذا بقى نجم لامع واحد فقط وهو الكاهن يوحنا في أنطاكية، وإليه لجأ المسئولون السياسيون والكنسيون عندما توفى بطريرك القسطنطينية “نكتاريوس” في 27 سبتمبر 397.

وبعد وقت قصير من ذلك تسلم المسئول عن المساكن الملكية “أوتروبيوس” منصب القنصل عام 399 وأقنع الإمبراطور الشاب “أركاديوس” (395ـ408) بالاهتمام بيوحنا الأنطاكي، أى أن يعمل على نقله من المدينة دون أن يسبب ذلك ردود فعل لدى مؤيديه. ويخبرنا الكاتب “سوزومينوس” أن الشعب والاكليروس في القسطنطينية قد صوتوا لصالح يوحنا ذهبي الفم لكي يعتلي العرش البطريركي فيا. وهكذا أعطى الإمبراطور التعليمات اللازمة لإحضاره إلى المدينة (تاريخ الكنيسة 2:8، 13).

وهكذا تم إحضار يوحنا بلاحيلة إلى القسطنطينية، حيث قام حاكم الإقليم الشرقي “أستيريوس” بأمر من الإمبراطور بإخراج يوحنا من أنطاكية إلى منطقة “رومانيسيا”. وهناك أخذه رسل الإمبراطور وجنود الحرس الإمبراطوري وقادوه إلى القسطنطينية. وقاموا بعد ذلك بإعلامه بسبب إحضاره بهذه الطريقة ثم تم رسمه أسقفًا على القسطنطينية من قبل أسقف الأسكندرية “ثيوفيلوي” في 15 ديسمبر 397، وذلك بالرغم من ردود الفعل العنيفة من البعض الذين كانوا يطمعون بعرش الأسقفية في القسطنطينية (PG 47, 19 & PG 67, 1517)

وقد نشأت صعوبات عديدة، إذ أن عرش القسطنطينية (روما الجديدة) قبل ذلك الحين بست عشرة سنة قد أصبح بقرار من المجمع المسكوني الثاني (381) في المرتبة الأولى بعد روما القديمة. وكان أسقف الأسكندرية الذي كانت أسقفيته تسبق القسطنطينية بالمرتبة حتى ذلك قد قبل على مضض بأولوية القسطنطينية هذه طالما أن ذلك قد حدث بقرار من المجمع المسكوني، لكنه على الأقل كان يريد تعيين أسقف فيها من اختياره الشخصي، وكان قد اختار بالتحديد كاهنًا يدعى “إزيدوروس”، لكنه لم ينجح في رسمه أسقفًا، وتراجع أمام الأمر الواقع. وقد كتب المؤرخ سقراط أن حفل التنصيب قد جرى في 27 فبراير من عام 398 (PG 67, 664B).

 

2 ـ النشاط الروحي ليوحنا ذهبي الفم، ودوره كضانع للسلام في القسطنطينية:

إن أول ما سعى إليه يوحنا ذهبي الفم كأسقف للعاصمة الكبرى للدولة الرومانية الشرقية كان التنمية الروحية للمؤمنين وإحلال السلام بين الكنائس. فبدأ بتنظيم المواعظ، وحاول أن يكون هو بحياته الرهبانية مثالاً لحياة التقشف، وحارب كل المظاهر التي لا تليق بالكهنة والرهبان. وهكذا فإن المواعظ التي خفت كثيرًا في عهد نكتاريوس عادت لتسمع بقوة من جديد، وبدأ المؤمنون يستمعون ويتعظون وكبر اهتمامهم وإعجابهم برئيس الأساقفة الجديد، وزاد إقبالهم على الكنائس وعظم اهتمامهم بالفقراء وكثرت المؤسسات الخيرية وعظم نشاطها.

ولما كان رئيس الأساقفة يعيش حياة متقشفة، فقد قام بإبعاد كل المفروشات النفيسة من الأسقفية وبيعها لدعم المؤسسات الخيرية القديمة والجديدة، كما أوقف كل الاحتفالات المكلفة وكل مظاهر البذخ التي تجري عادة في الأسقفية. كل ذلك كان سببًا للبعض للإعجاب به وتعظيم شأنه، لكنه كان سببًا للبعض الآخر للاستياء منه والابتعاد عنه. وقد استاء البعض منه لأنهم كانوا يظنون أن المظهر الخارججي هو الذي يعطي الجلال لرئيس الأساقفة أما البعض الآخر فقد استاء بسبب الملاحظات التي كان يوجهها إليهم بسبب طريقة حياتهم المترفة.

لقد جاءت ردود الفعل الأولى من الكهنة الذين طلب منهم يوحنا ذهبي الفم، ليس فقط أن يتجنبوا الفضائح وأن يعيشوا حياة صارمة وفاضلة، بل أنه قام بحرمان البعض منهم من الكهنوت، وفرض النظام على الرهبان الذين كان البعض منهم يستغلون بساطة المؤمنين فيعيشون متطفلين على الأغنياء منهم.

بالإضافة إلى نشاطه الروحي، قام يوحنا ذهبي الفم بصنع السلام، وذلك بأول رسالتين كتبهما في القسطنطينية ولكن تلك الرسالتين لم تحفظا للأسقف. الرسالة الأولى كانت موجهة إلى أسقف الأسكندرية “ثيوفيلوس”، والرسالة الثانية موجهة إلى أسقف روما “إينوسينتوس” (سوزومينوس: تاريخ الكنيسة 3:8).

ولم يكن الهدف من هاتين الرسالتين أن يعلن لهما رسميًا عن رسمه أسقفًا على القسطنطينية، ولكن لكي يتم إيجاد حل للإنشقاق الحادث في أنطاكية وذلك عن طريق اعتراف أسقف روما بأسقف أنطاكية “فلابيانوس”. ومن أجل ذلك طلب ذهبي الفم من ثيوفيلوس التوسط لدى أسقف روما إينوسينتوس.

 

3 ـ نشوء وازدياد موجة الاستياء ضد ذهبي الفم:

إزدادت المشاكل التي واجهها القديس ذهبي الفم ونشأ جو معارض له بسبب مهاجمته للأغنياء وأصحاب النفوذ في مواعظه، واتهامهم بالطمع والطغيان. وهكذا فقد كرر سياسته التي اتبعها في أنطاكية حيث عارض عروض التسلية التي تقود إلى الابتعاد عن الفضيلة، كالمسرح الذي يقدم العروض والعادات الوثنية، والرهان على سباق الخيل، كما هاجم الأغنياء لأنهم يبالغون في عرض غناهم وثرواتهم، والنساءء المتقدمات في السن للواتي يبالغن في التجمل والتزين، والمسئولين الكبار للغرور الذي أصابهم.

وكان نتيجة ذلك أن رجال ونساء البلاط الملكي وخاصة الإمبراطورة “أوذوكسيا”، وكذلك القنصل “أوتروبيوس” قد اعتبروا أن القديس يوحنا ذهبي الفم كان يقصدهم في مواعظه. ولكن القديس بالطبع كان يتكلم في مواعظه بشكل عام ولم يكن يقصد أشخاصًا معينين. إلاّ أن أصحاب الشر استغلوا ذلك وفسروا أقواله بأنها تخص هؤلاء من أجل الإضرار به.

وبالرغم من أن القديس ذهبي الفم كان يعتبر أنطاكية أكثر تقدمًا وتطورًا من القسطنطينية، إلاّ أنه أحب رعيته الجديدة محبة كبيرة، وتقرب كثيرًا من المؤمنين من أهل القسطنطينية (PG 48, 795).

لكن مشاعر المحبة لدى رئيس الأساقفة تجاه رعيته من جهة، وإعجاب المؤمنين به وتقديرهم له كقديس، لم يخفف من وطأة الكراهية التي كان يشعر بها الأقوياء وأصحاب النفوذ تجاه ذهبي الفم الذي كان ينتقدهم باستمرار. فحاول هؤلاء إحداث جو سلبي تجاهه، وهكذا فإن أى سبب سيكون بمثابة الشرارة التي تشعل النار ضده. وبالطبع فقد كان هناك الكثيرون ممن كانوا يطمعون بكرسي أسقفية القسطنطينية.

وكان أوتروبيوس كما ذكرنا قد عمل من أجل رسم الأنطاكي المشهور يوحنا ذهبي الفم أسقفًا للقسطنطينية. وكان الأخير رغيبًا عن المدينة ولم يكن يعرف الظروف التي كانت تسود عاصمة الدولة الرومانية الشرقية. وقد سعى البعض إلى الإضرار بيوحنا ففسروا تدخله في شئون الأسقفيات الأخرى بأنها خروج عن النظام الكنسي ومحبة منه للسلطة، دون أن يذكروا حقيقة أسباب تدخله هذا.

وهكذا خسر القديس يوحنا ذهبي الفم خلال فترة قصيرة أكثر مؤيديه بسبب هؤلاء الذين يحاربونه. والأسوأ من ذلك أن أشد المؤيدين له تولوا إلى ألد أعدائه. ولقد تأثر المؤرخ سقراط الذي كتب عن أحداث الفترة 306 ـ 439، والمؤرخ سوزومينوس الذي كتب عن أحداث الفترة 324 ـ 439، بجو العداء الذي انتشر في القسطنطينية ضد يوحنا ذهبي الفم، فكان وصفهما للوقائع متحيزًَا ضده فوصفا صرامته بأنها قسوة، وتقشفه أسلوبًا مظلمًا وسواديًا في الحياة، وجديته حدة وتوترًا.

أما بالاديوس هيلينوبوليس الذي كتب “الحوار” المشهور، كان من المعجبين بالقديس يوحنا ذهبي الفم، لكنه لم يكن يعرف جيدًا الأحداث التي كانت دائرة في القسطنطينية، ولم يكن وصفه للأحداث تفصيليًا بالقدر الكافي.

لقد كان هناك كاتب مجهول كتب سيرة حياة القديس ذهبي الفم، وهو على علم واسع بتفاصيل تلك الأحداث، وكتب كتابه هذا بعد وفاة القديس، ووقع عليه بالاسم المستعار “مارتيريوس الأنطاكي”. وقد أثبتت الأبحاث أن ذلك النص صحيح وعلى قدر كبير من الأمانة (F. van Ommeslaeghe). وقد كتب هذا النص على أغلب الاحتمالات بهدف إحياء ذكرى ذهبي الفم كقديس وشهيد.

 

4 ـ أهم المعارضين لذهبي الفم:

كان “أوتروبيوس” هو الذي أحضر القديس يوحنا ذهبي الفم إلى القسطنطينية وفرضه عليها. وقد نجح في عام 398 بقرار إمبراطوري بإغلاق كل المعابد الوثنية في غزة (ماعدا معبد “زيوس مارنا”). إلاّ أن أوتروبيوس اتخذ فيما بعد موقفًصا معاديًا لذهبي الفم، وألغى القانون المتعلق بحرمة الكنائس المسيحية بالرغم من معارضة القديس لذلك. لكن عمله هذا انقلب ضده، فقد حدث أنه عندما أصبح قنصلاً (399)، قام زعيم الغوط “غايناس” بمحاربته.

وكان غايناس قد طالب الإمبراطور “أركاديوس” بإبعاد أوتروبيوس عن منصبه مقابل وقف هجمات الغوط على الإمبراطورية، فقبل الإمبراطور بهذا لاتفاق. وعند ذلك دخل أوتروبيوس إلى كنيسة القديس “صوفيا” في القسطنطينية هربا من غايناس وعانق المائدة المقدسة طالبًا اللجوء في حرم الكنيسة واحتمائه فيها، لكنه نسى أنه كان قبل سنة من ذلك قد ألغى حرمة الكنائس.

وقد حاول أعداؤه وجمع غفير من الشعب الغاضب إخراجه وقتله، إلاّ أن القديس يوحنا ذهبي الفم بشهامته المعروفة تدخل ووقف بينه وبين الجموع الغاضبة وحماه منها، وألقى في هذه المناسبة طابه المشهور “إلى أوتروبيوس”. وبعد ذلك نُفى أوتروبيوس، وأُعدم فيما بعد في “خالكيذون”.

لقد كان الوضع السياسي والعسكري في الإمبراطورية الرومانية الشرقية وفي العاصمة بذاتها عام 400 مأساويًا. فقد كان يسيطر عليها الغوط بزعامة غايناس الذي اضطر الإمبراطور أركاديوس إلى تعيينه قائدًا للجيش.

وكان يتمركز في المدينة 35000 جنديًا غوطيًا مع عائلاتهم. وطالب هؤلاء بأن يتم إعطاؤهم احدى كنائس يوحنا ذهبي الفم ذلك بشكل قاطع بحضور الإمبراطور والقائد غايناس، عارضًا قانون الإمبراطور ثيوذوسيوس الكبير الذي كان يسمح لأصحاب البدع بأن تكون لهم كنائس أينما يريدون ولكن خارج أسوار المدينة (سوزومينوس: تاريخ الكنيسة 4:8، 6ـ9).

لقد أعطى القديس يوحنا ذهبي الفم كنيسة للغوط الأرثوذكسيين لإجراء الصلاة بلغتهم. وقد عمل على إعادة الغوط الآخرين إلى بوتقة الأرثوذكسية، فأحضر لهم كهنة أرثوذكسيين يجيدون لغتهم ليعلموهم أصول الإيمان الأرثوذكسي الصحيح. وعندما أراد غايناس ذهبي الفم إلى مركز قيادة جيش غايناس خارج القسطنطينية، وأقنعه بإعادة النظر في قراره وأن ينفيهم بدلاً من قتلهم.

وقد استغل أعداؤه هذا الحدث ليتهموه بأنه يتعاون بشكل سري مع الغوط ضد مصالح الكنيسة والإمبراطورية. هذا وقد اضطر غايناس في ناية الأمر تحت ضغط الشعب والجيش الإمبراطوري للإنسحاب من القسطنطينية في ليلة 11ـ12 يوليو من عام 400 حيث لقى الكثير من الغوط حتفهم أثناء ذلك الانسحاب. وفي أواخر العام نفسه قتل غايناس على يد ملك الهون “أولذيس” بالقرب من نهر الدانوب.

لقد ازدادت المعارضة ضد القديس يوحنا ذهبي الفم لأنه لم يتوقف عن الوعظ وعن نشاطه لتنظيم الكنيسة، وعن تدخله لتحسين الأوضاع في أسقفيات الشرق. وكما ذكرنا فقد كان في القسطنطينية عدد كبير من الأساقفة الذين كانوا يجيدون فن الكلام مثل “سيبيريانوس” و “أكاكيوس” وهما أسقفان من سوريا، و “انطيوخوس” وهو أسقف من فينيقية. لقد كان الأول مقربًا من الإمبراطورة “أوذوكسيا”، أما الثاني فقد غضب لأن القديس ذهبي الفم لم يقم باستضافته وإكرامه بالدرجة التي تليق به كما ادعى.

والثالث الذي كان يطلق عليه البعض أيضًا لقب “ذهبي الفم” كان يصعب عليه وجود “ذهبي الفم الحقيقي” على عرش أسقفية القسطنطينية. لقد كان هناك أيضًا راهب سوري يدعى “اسحق” كان قد جمع حوله الكهنة المستائين من ذهبي الفم أو المعاقبين منه. لكن الوضع بشكل عام كان تحت السيطرة حتى فترة عيد الفصح من عام 401، إذ أن المعارضين لذهبي الفم كانوا ينشطون فقط من وراء الكواليس.

 

5 ـ التدخل في مشاكل الأسقفيات في أسيا الصغرى وبشكل خاص في أسقفية أفسس:

لقد زادت حدة الأوضاع بسبب الاضطرابات التي حدثت في أفسس، وبسبب غياب ذهبي الفم عن القسطنطينية لمدة ثلاثة أشهر. لقد أثار “أوسيبيوس” أسقف “فالنتينوبوليس” مسألة أفسس في القسطنطينية في ربيع عام 400 واتهم في كتاب خطي أسقف أفسس “انطونينوس” بلارشوة والاستغلال المادي للنعمة الإلهية. وقد اضطر ذهبي الفم تحت ضغط أوسيبيوس إلى النظر في تلك القضية.

وقد حاول ذهبي الفم إقناع هيئة الاتهام بإعادة النظؤ في الاتهام. لكن أوسيبيوس أظهر نص الاتهام الموقع ليس فقط من قبل الأساقفة بل من جمع غفير من المؤمنين. وعند ذلك فقط تراجع ذهبي الفم عن موقفه وبموافقة عشرين أسقفًا من “طراقيا” وأسيا الصغرى ومصر وسكيثيا. لقد كان من المفروض أن ينظر ذهبي الفم في قضية الأسقف الذي لم يكن تابعًا لسلطة كنيسة القسطنطينية، وخاصةً أن حدود سلطة الكنائس لم تكن محددة بشكل واضح.

لقد كان القديس يوحنا ذهبي الفم يعمل بشعور عالٍ من المسئولية في المناطق التي خضعت في النهاية إلى سلطة كنيسة القسطنطينية، فأرسل الإرساليات وأنفق الأموال وكان لذلك نتائج حسنة. لقد كان ذهبي الفم مترددًا حول هذا الموضوع العالق ولكن حضور بقية الأساقفة وإخضاع مختلف أسقفيات أسيا الصغرى لسلطة كنيسة القسطنطينية، والتخوف من تعاظم المشاكل أدى إلى عقد مجمع كنسي لحل تلك المشكلة.

وقد عقد المجمع في الفترة مايو ـ يونيو من عام 400 وتقرر النظر في المسألة فورًا من قبل ثلاثة أساقفة (PG 47, 48-49). وصدر القرار بحرمان أنطونينوس من سر القربان المقدس وإباعده عن الكنيسة. هذا وقد توفى أنطونينوس في خريف العام نفسه.

لكن المشاكل لم تنته. فقد دعى ذهبي الفم من قبل بعض أساقفة المنطقة للسفر إلى أفسس. فذهب إليها في يناير من عام 401. ودعا هناك لعقد مجمع محلي ورسم شماسًا تابعًا له اسمه “هيراكليذيس” أسقفًا، وقام بتنظيم شئون الكنيسة هناك، وحرم ستة أساقفة من الخدمة في لكنيسة بموافقة 79 أسقفًا من المشاركين في المجمع.

وعندما عاد إلى القسطنطينية بعد فترة وجيزة من عيد الفصح (14 ابريل) اضطر إلى حرمان عدد آخر من الأساقفة من الكهنوت. وقد وصف أعداؤه وعدد كبير من الباحثين أعماله تلك بأنها تدخل في شئون كنيسة أخرى وهى أعمال تعارض القوانين الكنسية، وقد أدى ذلك إلى زيادة الاستياء العام ضده.

 

6 ـ كرم الأرملة، وإيزابل، وملجأ البرص:

لقد حدث خلال الفترة 401 ـ 402 حدثان أديا إلى زيادة حدة التوتر في علاقة القديس يوحنا ذهبي الفم مع أصحاب النفوذ. الحدث الأول يتعلق بالإمبراطورة أوذوكسيا التي استولت على كرم تتملكه امرأة أرملة استنادًا إلى قانون عرفي قديم. وكانت الأرملة تكسب رزقها من هذا الكرم ولكن الإمبراطورة رفضت إعادته إليها. فطلبت الأرملة مساعدة القديس يوحنا ذهبي الفم الذي تدخل لدى الإمبراطورة مرات عديدة لأجل هذا الموضوع مما أثار غضبها.

وقد ساعد في زيادة غضبها ما كان يدسه لها الأسقف سيبيريانوس من أقوال ضد ذهب يالفم، بالرغم من أن الأخير كان يثق به، وقد عينه مديرًا لشئون كنيسة القسطنطينية خلال فترة غيابه في أسيا الصغرى. ولكن ذهبي الفم اكتشف ما كان يدور من وراء ظهره وقرر إبعاد سيبيريانوس ونصحه للعودة إلى بلده في سورية (Grumel, No. 24).

والحدث الثاني الذي سبب ردود فعل من قبل أصحاب الأراضي الأغنياء هو أن ذهبي الفم قد بدأ بإنشاء ملجأ للبرص خارج المدينة لمن أصيب بهذا المرض الذي كان يسمى في ذلك العهد “المرض المقدس”. لقد كان هذا الملجأ مشروعًا مقدسًا، ولكنه بالضرورة قد أثر على قيمة الأراضي التي كانت تجاوره. وكانت تلك الأراضي ملكًا لأصحاب املاك أغنياء رأوا مصالحهم قد تأثرت بشكل سلبي من هذا المشروع فأصبحوا هم أيضًا من عداد أعداء يوحنا ذهبي الفم.

وهكذا فقد أعد أعداء ذهبي الفم فخًا له، فادعوا أنه وصف الإمبراطورة بأنها “إيزابل” بسبب موضوع كرم الأرملة. ومن المعروف أن النبي إيليا قد وبخ إيزابل لأنها أقنعت زوجها بقتل أحد مالكي الكروم ليأخذ كرمه (2مل20). والنتيجة هى أن إيزابل قد وقعت فريسة للكلاب كما تنبأ لها النبي إيليا (الملوك الرابع 30:9ـ37).

لقد كان وصف الإمبراطورة أوذوكسيا بأنها إيزابل يشكل جريمة بحقها. فواجه القديس يوحنا ذهبي الفم المحكمة التي حكمت عليه بتهمة الخيانة العظمى. وهذا ما ذكره المؤرخ بالاديوس دون أن يؤكد هذا الحدث (PG 47, 30).

ومن الممكن أن يكون القديس يوحنا ذهبي الفم قد أشار مرة في احدى خطبه إلى إيزابل، ولكنه ليس هناك ما يؤكد أنه قد ربط إياها بموضوع الإمبراطورة أوذكسيا. كما أنه لم يأتِ على ذكر إيزابل في أى نص من النصوص التي كتبها. ونذكر هنا أن بالاديوس قد أشار إلى أن ذهبي الفم قد اتهم بأنه دعا الإمبراطورة إيزابل لكنه لم يذكر السبب واعتبر أن هذا الاتهام مغرض.

 

7 ـ خطاب مزيف: ” هيروديا تغضب ثانية ”:

لقد زادت شهية أعداء ذهبي الفم على تزوير أقواله في حادثة أوذوكسيا حتى أنه ظهرت العديد من النصوص والخطابات التي نسبت إليه دون أن تكون له أية علاقة بها. وفي إشارة المؤرخ سقراط (تاريخ الكنيسة 18:6) إلى حادث إقامة تمثال فضي للإمبراطورة أوذوكسيا بالقرب من كنيسة القديسة “صوفيا” عام 400 وإجراء احتفالات تكريمًا لها، ومدى رد الفعل الذي بدر عن ذهبي الفم تجاه ذلك، وقد نسب المؤرخ إلى القدديس قوله للعبارات التالية في احدى خطاباته: “هيروديا تغضب ثانية، غنها تقلق مرة أخرى، وتطالب برأس يوحنا مرة أخرى” (PG 59, 485-490).

ويذكر سوومينوس هذه العبارت أيضًا بتغيير طفيف (تاريخ الكنيسة 20:8، 3) ويربطها برد فعل القديس على الاحتفالات المقامة تكريمًا لأوذوكسيا، ويقول إن هذه الاحتفالات قد تحولت إلى “إهانة للكنيسة”. وهكذا لم يكن من الصعب على الجميع أن يقتنعوا أن هذه الأقوال كانت موجهة إلى الإمبراطورة، التي كان ذهبي الفم بالتالي قد شبهها بهيروديا، وهذا الأمر بالنسبة لذلك العصر كان يشكل إهانة كبيرة للإمبراطورة وخيانة عظمى.

ونلاحظ أن أول المؤرخين الذين كتبوا عن أحداث القديس ذهبي الفم (407 ـ 408) وهما بالاديوس، وبسودومارتيريوس الأنطاكي، لم يشيرا البتة إلى هذا الحدث ولم يكونا على علم بذلك الخطاب. لقد ذكر بالاديوس أن التهمة التي وجهت إلى القديس كانت تهمة الخيانة العظمى، لكنه لم يذكر شيئًا يتعلق بهيروديا. وقد نقل الحدث في النصوص الكنسية التي كتبت في فترة بعد سقراط وسوزومينوس الذين كتبوا أعمالهم قبل عام 450 بفترة قصيرة.

هذا ولم يبق لدينا الآن أى خطاب لذهبي الفم يبدأ بالعبارات التي ذكرناها. ولكن هناك خطاب آخر يبدأ فعلاً كذلك ويذكر أيضًا إيزابل التي لم تكن لها أية علاقة بهيروديا (PG 59, 458-490). وهذا الخطاب يجمع الباحثون على كونه خطابًا مزيفًا (CPG II 4570). إذًا من الواضح أن الخطاب الذي يبدأ بالعبارة “هيروديا تغضب ثانية .. ” هو خطاب ملفق من أجل إسناد تهممة الخيانة العظمى ولإثارة غضب أوذوكسيا.

 

8 ـ ”الاخوة الطوال”:

خلال النصف الثاني من عام 401 غضب أسقف الأسكندرية ثيوفيلوس من رهبان منطقة “نترية” وبشكل خاص رهبان الصوامع الذين يلقبون باسم “الاخوة الطوال”، وذلك بسبب لجوء الكاهن الشيخ “إيزيدوروس” الذي كان يلاحقه ثيوفيلوس إلى صوامعهم. وكان سبب ملاحقته إياه أن إيزيدوروس قد أنفق مبالغ طائلة من الهبات المقدمة إلى الكنيسة من أجل مساعدة الفقراء تلبية لإرادة أصحاب تلك الهبات، ولم يترك شيئًا للإنفاق على مشاريع بناء الكنائس (بالاديوس: حوار 6 PG 47, 22-23).

وقد حاكم الرهبان في محاكمة غير قانونية ولاحقهم وطردهم من صوامعهم وقتل الكثيرين منهم مستخدمًا لذلك رجالاً مأجورين من أتباعه. وقد لجأ هؤلاء أولاً إلى أورشليم، وفيما بعد أى حوالي عام 402 لجأوا إلى القسطنطينية طالبين الحماية من القديس يوحنا ذهبي الفم. وهذا الأخير عندما رأى خمسين راهبًا من الشيوخ والنساك ساجدين أمامه تأثر كثيرًا وذرف الدموع (PG 47, 23-24).

ولما كان ذهبي الفم يعرف النظم الكنسية جيدًا ويعلم طبع ثيوفيلوس القاسي، أعطى للرهبان ملجأ واستضافهم، لكنه لم يسمح لهم بإجراء القداس الكنسي طالما أنهم قد حُكم عليهم من قبل سلطة كنسية أخرى. وكذلك قام بالاستفسار عنهم من المغتربين من الأسكندرية، فكانت كل المعلومات التي حصل عليها حسنة وإيجابية. وهكذا نصح الرهبان بأن يلوذوا الصمت، وكتب على الفور رسالة إلى ثيوفيلوس مليئة بمشاعر المحبة والتواضع، وترجاه فيها أن يعطف على الرهبان (بلاديوس: حوار 7 PG 47, 35).

ولم يأبه ثيوفيلوس برجاء ذهبي الفم، وأرسل رهبانًا من أتباعه يعرفون القوانين الكنسية جسدًا، ليدافعوا عن وجهة نظره، ولكي يقوموا بإظهار الرهبان “الطوال” بمظهر ذوي الذنب العظيم أمام المسئولين في بلاط الإمبراطور.

لكن ذهبي الفم كتب إلى ثيوفيلوس مرة أخرى ليطلعه على كل التفاصيل وطلب منه رأيه خطيًا، لأن الرهبان الطوال قد شعروا بالخيبة بعد التطورات الأخيرة فكتبوا منشورًا لأن الرهبان الطوال قد شعروا بلخيبة بعد التطورات الأخيرة فكتبوا منشورًا شرحوا فيه وضعهم بلهجة قاسية ووزعوه في كل مكان وأعطوه نسخة منه، بالرغم من أنه نصحهم بأن لا يفعلوا أفعالاً كهذه.

وقد أدى العطف الكبير الذي أظهره ذهبي الفم تجاه “الاخوان الطوال” إلى زيادة غضب ثيوفيلوس الذي اعتبر أن أسقف القسطنطينية يطالبه في الرسالة الثانية بأن يعترف بذنبه، ولذلك أجابه بلهجة غاضبة قائلاً: ” أعتقد أنك لا تجهل ما أمرت به قوانين مجمع نيقية … ولكنك إن كنت تجهل ذلك بالفعل، فاعلم كيف هى الأمور واترك الذّم الموجه ضدي، لأنه إذا وجب أن يُحكم عليّ، فليُحكم عليّ من قبل المصريين وليس من قبلك انت الذي تبعد عني مسيرة خمسة وسبعين يومًا”.

وهكذا اشتد توتر الأزمة بين أسقفي الأسكندرية والقسطنطينية، ولم يكن الخلاف بينهما مجرد خلاف في وجهات النظر فقط، بل كان سببه أيضًا الشعور بالاستياء لدى ثيوفيلوس، بسبب فقدان كنيسة الأسكندرية للمرتبة الأولى بين الكنائس، واحتلال كنيسة القسطنطينية لتلك المرتبة إثر قرار المجمع المسكوني الثاني (381).

وأدى هذا الجواب القاسي من قبل ثيوفيلوس، إلى توسيع شق لخلاف بين الاخوة الطوال ومبعوثي ثيوفيلوس في حضرة ذهبي الفم الذي لم يستطع التوفيق بين الطرفين. كما أدى أيضًا إلى توقف ذهبي الفم عن حمايته للاخوة الطوال، لكنه لم يطردهم من القسطنطينية. وعند ذلك عرض الاخوة الطوال أمرهم على الإمبراطورة أوذوكسيا في كتاب خطي مطول طالبوا فيه بأن ينظر حاكم مدينة القسطنطينية في أمرهم، كما طلبوا أن ينظر أسقف المدينة يوحنا ذهبي الفم في أمر ثيوفيلوس (PG 47, 26).

وقبلت الإمبراطورة مطلبهم هذا، وكان على ثيوفيلوس أن يمثل أمام ذهبي الفم في القسطنطينية شاء أم أبى ذلك.

 

9 ـ ثيوفيلوس يلجأ إلى إبيفانيوس لتغيير الجو العام لمصلحته:

حاول ثيوفيلوس في تلك الأثناء بكل الوسائل أن يغير الجو العام الذي تشكل ضده، فنشر إشاعة أن ذهبي الفم كانت لديه اتصالات كنسية مع الاخوة الطوال الذين كانوا من أصحاب النزعة “الأوريجينية”. ولكي ينجح في تحقيق هدفه قام بإقناع أسقف مدينة “سالامينا” بقبرص “إبيفانيوس” المعروف بمعاداته للأوريجينية، بأنه شخصيًا قد تخلى عن نزعته الأوريجينية السابقة ويجب عليهما معًا الآن أن يجاهدا ضد الاخوة الطوال وذهبي الفم (سوزومينوس: تاريخ الكنيسة 14:8، 1ـ4).

وهكذا استعد إبيفانيوس للرحيل إلى القسطنطينية لمواجهة أتباع “أوريجينيس” وليدافع عن ثيوفيلوس، ولكن تمت محاكمة الرهبان الذين أوفدهم ثيوفيلوس من قبل محكمة مدنية، ووضعوا في السجن مؤقتًا إلى حين وصول ثيوفيلوس (402ـ403). لكن هؤلاء الرهبان في محاولة منهم للتخلص من الاتهامات الموجهة ضدهم، ألقوا كل المسئولية على ثيوفيلوس فيما يتعلق بالتهم الموجهة إلى الاخوة الطوال، وصرحوا أنهم كانوا ينفذون أوامر ثيوفيلوس. وهكذا حكم عليهم بتهمة نشر الإشاعات الكاذبة ضد الاخوة الطوال.

في تلك الأثناء وصل إبيفانيوس إلى القسطنطينية في مارس من عام 403، ورفض قبول تكريم واستشافة ذهبي الفم له ورفض مقابلته ومشاركته سر القربان المقدس. وكان فعله هذا يشكل إهانة لأسقف القسطنطينية وخروجًا على القوانين الكنسية. وكان عذره في ذلك أنه اقتنع بصحة كل الاتهامات الموجهة ضد ذهبي الفم، إلى درجة أنه اعتبره من أتباع البدع.

عند ذلك اضطر ذهبي الفم أن يتخذ موقفًا صارمًا تجاه إبيفانيوس. لكن إبيفانيوس بعد أن اطلع على التفسيرات التي قدمها له الاخوة الطوال، تبيّن له أنهم لم يكونوا أبدًا من أتباع أوريجينيس، وأدرك أنه وقع في مصيدة ثيوفيلوس وكان يخدم مخططاته دون علمه. وهكذا غادر أثناء الرحلة وقبل وصوله إلى الجزيرة.

 

10 ـ ثيوفيلوس يصل إلى القسطنطينية:

تجاهل ثيوفيلوس ذهبي الفم وعمل على تغيير الجو العام وتوجيهه ضده. وفي تلك الأثناء كان أعداء ذهبي الفم يتابعون تلك الأحداث، فكانوا يتشجعون بذلك وتزيد أعمالهم العدوانية ضده. ووصلوا إلى درجة قولهم أن ذهبي الفم كانيستخدم ترياقًا سحريًا ليجتذب إعجاب المؤمنين. ولما تصاعدت الشائعات ضد ذهبي الفم، اقتنع الإمبراطور أركاديوس للدعوة لعقد مجمع كنسي على مستوى عالٍ عام 403 حيث سيقوم ثيوفيلوس بغياب ذهبي الفم بشرح موقفه تجاه الاخوة الطوال.

وصل ثيوفيلوس إلى خالكيذون في شهر أغسطس من عام 403 وبرفقته 36 أسقفًا من أعوانه بكنيسة الأسكندرية. وقد سافر برًا بهدف إٌناع الأساقفة الذين زارهم في طريقه بوجهة نظره. وكذلك أرسل أعوانه إلى أنطاكية ليبحثوا عن ماضي ذهبي الفم والخطايا التي ربما كان قد ارتكبها، لكن بحثهم هذا لم يكن مثمرًا.

ولم يكن الكثير من المؤمنين مقتنعين أبدًا بالإتهامات الموجهة إلى القديس يوحنا ذهبي الفم. ولذلك فعندما وصل ثيوفيلوس إلى ميناء القسطنطينية قادمًا من خالكيذون، لم يذهب أحد من السكان لاستقباله، بل كان في استقباله فقط نخبة من بحارة سفن الأسكندرية الذين أحضروا لهذا الغرض. وقد نزل ثيوفيلوس ضيفًا على امرأة مسنة من أغنياء المدينة اسمها “أوغرافيا” كانت مستاءة من انتقاد ذهبي الفم للنساء العجائز اللواتي يقمن بتجميل أنفسهن.

وبقى ثيوفيلوس لدى تلك المرأة ثلاثة أسابيع دون أن يقبل بلقاء ذهبي الفم. لكنه التقى بالأسقف سيبيريانوس وبقية الأساقفة الذين حرمهم ذهبي الفم من الكهنوت وبقية أعداء القديس. وقد ساعد هؤلاء ثيوفيلوس بإقناع الإمبراطور بلقائه لوحده ودون أن يدلي بأقواله فيما يتعلق بالاتهامات الموجهة له من قبل الاخوة الطوال والشيخ إيزيدوروس. ومن المحتمل أن يكون ثيوفيلوس قد التقى بالإمبراطورة أوذوكسيا واتفق معها على خلع ذهبي الفم عن كرسي كنيسة القسطنطينية (PG 47, 8-9).

وسكن ثيوفيلوس فيما بعد في الشاطئ الأسيوي من القسطنطينية في منطقة دريس بالقرب من خالكيذون. وكان القنصل “روفينوس” فيما مضى قد بنى هناك قصرًا كانت توجد في حديقته كنيسة للقديسين بطرس وبولس ودير صغير. هناك تم التحضير لإيجاد الشهود وترتيب الاتهامات الموجهة إلى ذهبي الفم، حيث إن شماسين اثنين كان قد عزلهما ذهبي الفم، الأول لتهمة القتل والثاني لتهمة الزنى، قد أعدا الاتهامات (PG 47, 27).

 

ج ـ ذهبي الفم يواجه الحكم عليه الذي أعد من قبل

1 ـ مجمع دريس:

في سبتمبر 403 كان كل شئ معدًا لعقد مجمع دريس حيث اجتمع هناك 36 أسقفًا من المقربين من ثيوفيلوس. وأقنع هؤلاء الإمبراطور أركاديوس بإرسال رسول إلى ذهبي الفم لاستدعائه للمثول أمام المجمع المذكور. ولك يكن ذهبي الفم يعلم مضمون الاتهامات الموجهة إليه من قبل ثيوفيلوس، وأصر على مبعوثيه بأن يقوموا بإعلامه سبب محاربته إياه (PG 47,9).

وعندما علم ذهبي الفم أن ثيوفيلوس يعد لعقد مجمع لأساقفة من أقاليم أخرى أغلبهم من مصر، بالإضافة إلى بعض الأساقفة المعزولين، عند ذلك دعا أساقفة من أصدقائه بلغ عددهم حوالي الأربعين أسقفًا إلى مركز أسقفيته (PG 47,27).

ولم يكن ذهبي الفم يعترف بشرعية مجمع دريس لأنه وفقًَا لقوانين الكنيسة لم يكن باستطاعة ثيوفيلوس محاكمة أسقف ينتمي إلى كنيسة أخرى. وكذلك فإن ثيوفيلوس لم يكن باستطاعته أن يحكم في القضية لأنه لم يكن قد صدر بعد الحكم في القضية التي اتهمه فيها الاخوة الطوال. كما أن حكمه ما كان من الممكن أن يكون نزيهًا لأنه كان معروفًا لعدائه تجاه ذهبي الفم، وبالتالي وجب أن يتم استثناؤه من بين القضاة.

وهذا ما ادعى به ذهبي الفم عندما تم استدعاؤه للمثول أمام المجمع أربع مرات متتالية، وصرح أنه مستعد للمثول للمحاكمة من قبل ألف ومئة أسقف، ويكفي أن يتم استثناء أعدائه أمثال ثيوفيلوس وسيبيريانوس، وأن يعلم مضمون محضر الاتهام (PG47,9).

لقد استطاع ثيوفيلوس بحنكته أن يقنع رئيس الشماسين لدى ذهبي الفم بالوقوف إلى جانبه. وقد أرسله إلى الكنائس والمجامع فاستطاع بشتى الوسائل تحريض الكهنة ورجال الدين ضد ذهبي الفم. وهكذا ظهر أن المجمع الذي دعا إلى عقده ثيوفيلوس في دريس كان أعضاؤه أكثر عددًا من المجمع الذي عقده ذهبي الفم.

وفي دريس تم تحضير 46 اتهامًا ضد ذهبي الفم، وكانت هذه الاتهامات تتعلق بشخصية ذهبي الفم سريعة الغضب حسب ما ادعى، وبتدخله غير المشروع في شئون كنائس أسيا الصغرى وبمدافعته عن الاخوة الطوال. وقد انتشرت الاشاعة أنه قد تقرر في مجمع دريس قطع رأس يوحنا ذهبي الفم.

 

2 ـ استعداد ذهبي الفم للاستشهاد يؤثر في الأساقفة:

لقد كان الأساقفة المحيطون بذهبي الفم في الأسقفية يعرفون تفاصيل الأوضاع ولذلك لم يكونوا يعلمون ماذا سيفعلون. إذ أن ثيوفيلوس الذي كانت تثقله الاتهامات استطاع أن يجعل الأقوياء يقفون إلى جانبه وضد ذهبي الفم. وبالتالي فهو يستطيع أن يفعل المزيد ضد جميع باقي الأساقفة. وعند ذلك خطب فيهم ذهبي الفم وعبر بهدوء عن مشاعره. وأعلن عما يجب أن يفعله هو شخصيًا، والأساقفة الذين وقفوا إلى جانبه. وطلب من الجميع أن يصلوا إلى الله، وأن لا يتخلى أحد عن أسقفيته بسبب ذهبي الفم.

لقد كان ذههبي الفم مستعدًا لجميع الاحتمالات، وشعر أنه يسير في درب التضحية، وأنه يقترب من نهاية حياته التي كانت مليئة بالأحزان. لقد كان يعلم أن الشيطان يحضر له المكائد وطلب من الجميع أن يتذكروه في صلواتهم.

لقد تأثر الأساقفة لدى سماعهم كلمة ذهبي الفم هذه، وذرفوا الدموع. لكنه شجعهم قائلاً إن الكثير من الأنبياء العظام قد قتلوا، وتم قطع رؤوس العديد من الرسل، كما تعذب الكثيرون الآخرون من أجل إيمانهم. وعند ذلك قال له أسقف أفاميا “أوليسيوس”: ” لكي نحتفظ بأسقفياتنا سوف نضطر أن نشارك في القداس الإلهي مع أساقفة ثيوفيلوس وأن نوقع على القرارات التي سيتخذونها “. وعند ذلك أجاب ذهبي الفم قائلاً: ” شاركوهم في القداس الإلهي لكي تتجنبوا وقوع انشقاق في الكنيسة، ولكن لا توقعوا على قراراتهم. ذلك لأني لم أفعل شيئًا يستحق عزلي (PG 47, 27-28).

 

3 ـ دعوة ذهبي الفم لمحاكمته في دريس وجوابه:

في الوقت الذي جرت فيه تلك الأحداث وصل إلى القسطنطينية أسقفان قادمين من دريس، وقد أرسلهما ثيوفيلوس الذي تصالح مع الاخوة الطوال وشملهم في مجمعه. وقد استقبل ذهبي الفم هذين الأسقفين الذين سلماه الدعوة للحضور للمحاكمة أمام ثيوفيلوس والأساقفة الذين معه في دريس (PG 47, 9-10, 27-29).

فصرح ذهبي الفم أنه في حال حضور الأساقفة ثيوفيلوس وأكاكيوس وسيبيريانوس وأنطيوخوس في دريس بصفتهم حكامًا فإنه في تلك الحالة لن يحضر إلى دريس. أما إذا كانوا من هيئة الاتهام فقط فإنه مستعد أن يرد على اتهاماتهم. ولذلك طالب بأن تتم محاكمته من قبل مجمع كبير حتى ولو كان مجمعًا مسكونيًا.

 

4 ـ أعداء ذهبي الفم يتسرعون، وأحكامهم مقررة مسبقًا:

لم تكن في نية ثيوفيلوس وأعوانه أن يناقشوا الأمر أو أن ينتظروا كثيرًا، فقد ذكر بالاديوس أن النظر في الاتهامات وكل الاجراءات التي استلزمها المجمع قد استغرقت يومًا واحدًا فقط. فقد كان قرار حرمان ذهبي الفم من الكهنوت قرارًا تم اتخاذه مسبقًا، ودون انتظار سماع أقواله. لقد كان الجميع متأكدين أنه على الأغلب لن يحضر للإدلاء بأقواله.

وبالفعل فإن ردود الفعل الأولى من قبل ذهبي الفم قد دلت على أنه ما كان ليقبل المثول أمام مجمع غير قانوني لأساقفة أثقلتهم الاتهامات الموجهة ضدهم لأعمال يعاقب عليها القانون. وقد ظهر استعجال أعدائه للحكم عليه من المعاملة التي لاقاها ثلاثة من مبعوثيه من الأساقفة إليهم، حيث ضربوا الأول منهم، ومزقوا ثياب الآخر، ووضعوا رقبة الثالث في طوق حديدي. لقد كان ثيوفيلوس وأعوانه يفضلون أن لا يمثل ذهبي الفم أمام المجمع، لكي يصدروا عليه حكمهم بسهولة.

 

5 ـ إصدار الحكم بالخيانة العظمى:

في أواخر شهر سبتمبر حكم على ذهبي الفم بالرحمان من الكهنوت. وقد وقّع 45 أسقفًا على الحكم الصادر وطلبوا نفيه. وكان سبب هذا الحكم أنه رفض المثول أمام مجمع دريس. لكن ذلك كله لم يرض ثيوفيلوس وأكاكيوس وسيبيريانوس وأنطيوخوس، فاتهموا ذهبي الفم بجريمة الخيانة العظمى، وعرضوا إشارته إلى إيزابل كإهانة للإمبراطورة، وكانت تلك جريمة يعاقب عليها بالموت. ولكن وجب أن يقرر الإمبراطور بنفسه إصدار هذا الحكم، ولذلك تمت إحالة ذهبي الفم للمثول أمام الإمبراطور. لكن الإمبراطور اكتفى بنفي ذهبي الفم.

 

6 ـ سجل الاتهام:

لقد تم اعداد سجل الاتهام خلال انعقاد مجمع دريس، ويتألأف من أربعة مجموعات من النصوص، وكان المؤرخ الوحيد الذي أشار إليها هو فوتيوس (PG 103, 105-113). وهذه الاتهامات هى:

أ ـ اتهامات عامة بلغ عددها 13 اتهامًا.

ب ـ 29 اتهامًا أعدها الشماس الأول لذهبي الفم.

ج ـ ثلاثة اتهامات أعدها راهب يدعى “يوحنا”.

د ـ 17 اتهام أعدها “إيساكيوس”. ويضضيف فوتيوس أيضًا ثلاثة نصوص تتعلق أيضًا بالاتهامات وهى لكل من “جيرونديوس” و “فافستينوس” و “يوحنا”، إذ أن هؤلاء الثلاثة قد صرحوا أن ذهبي الفم قد حرمهم من الكهنوت ظلمًا.

إن الاستعجال في المجمع لكي تم اتخاذ قرار بإدانة ذهبي الفم يدل على عدم وجود شهود ذوي مصداقية، والتخوف من حدوث تغيير في الرأي العام لصالح ذهبي الفم، وقناعة داخلية لدى المجتمعين بأنهم يخالفون القانون. وقد ذكر فوتيوس أن أعداء ذهبي الفم الذين حضروا ذلك المجمع كانوا يشكلون في الوقت ذاته هيئة المدعين وشهود الاتهام.

 

لقد بلغ عدد الاتهامات 62 اتهامًا وهى باختصار:

  • + أنه ظلم وشتم وضرب ووشه سمعة الكهنة لأسباب تافهة أو حتى بدون سبب.
  • + باع لمصلحته الشخصية مرمًا وتحفًا موهومبة إلى كنيسة القديسة “أناستاسيا”.
  • + قام برسم عبيد ومحكومين أساقفة دون أخذ رأي الاكليروس، وقد رسمهم خارج مذبح الكنيسة.
  • + تدخل في شئون الكنائس الأخرى.
  • + لقد كان يدخل إلى الكنيسة ويخرج منها دون أن يصلي.
  • + لقد كان يستقبل النساء على انفراد ودون حضور شخص ثالث.
  • + لقد كان يأكل وحده وبشكل مخالف للتعاليم المسيحية.
  • + لم يكن يجري كشفًا على دخل الكنيسة.
  • + كان يجعل من نفسه متهمًا للآخرين وقاضيًا عليهم وشاهدًا ضدهم.
  • + لم يكن يحب استضافة أحد.
  • + كان يسمح للناس أن يخطئوا مرارًا وتكرارًا ويعدهم بمغفرة خطاياهم.
  • + حرض الشعب على الثورة ضد المجمع.
  • + كان يلّم أن المسيح لم يستجب لصلواته لأنه لم يكن يصلي بشكل صحيح.
  • + كان يحترم بشكل خاص اليونانيين والوثنيين.
  • + استقبل أتباع أوريجينيس، واتبع هو شخصيًا تعاليم أوريجينيس.

وقد ذكر المؤرخ فوتيوس أن الاتهامات الوحيدة التي تم النظر بها خلال المجمع هى عقابه لبعض الكهنة وموضع بيع المرمر والتحف وأن المسيح لم يستجب لصلواته، ومسألة تدخله في شئون الكنائس الأخرى. وبعد ذلك صدر قرار المجمع بحرمانه من الكهنوت، وتم اعلام الإمبراطور خطيًا بأنه يجب أن يقرر في مسألة تهمة الخيانة العظمى الموجهة لذهبي الفم.

وبعد ذلك اهتم ثيوفيلوس شخصيًا في إعادة الكهنة الذين عاقبهم ذهبي الفم وحرمهم من الكهنوت إلى مناصبهم ودرجاتهم الكهنوتية السابقة.

 

7 ـ نفى ذهبي الفم لأول مرة واستدعاؤه إلى القسطنطينية:

لقد ثار الشعب فور سماعه لقرار المجمع وعلت صيحات الاحتجاج ضد ثيوفيلوس وسيبيريانوس وكذلك ضد الإمبراطور. لقد ذكر المؤرخ سوزومينوس أن “ذهبي الفم خاف من أن يُتهم أيضًا بأنه يعادي الإمبراطور، ولكي لا يتسبب في المزيد من المشاكل في صفوف الشعب، انتظر إلى أن يتفرق الشعب، وفي اليوم الثالث خرج سرًا من الكنيسة”.

وهذا يدل على أنه بقى في كل هذه الفترة في الكنيسة مع الشعب. ولكن ذهبي الفم قد ذكر في رسالته التي وجهها إلى إينوسينتوس (PG 47, 9) أنه قد تم جلبه في المساء بالقوة من قبل ممثل الإمبراطور إلى السفينة التي ستقوده إلى “برينيتوس” في “بيثينيا” وأن الشعب قد سار وراءه وهو يحتج ويعبر عن أسفه.

إن الوصف الذي يصفه لنا ذهبي الفم للأحداث كما وقعت هو وصف دقيق بلطبع، ولكنه لا يتعارض بالضرورة مع وصف سوزومينوس. فعندما تفرق الشعب ظهرًا خرج يوحنا من الكنيسة سرًا وذهب إلى مكان ما، وعند المساء عندما كان متوجهًا إلى السفينة التي كانت ستنقله إلى منفاه برفقة رجال الإمبراطور، سمع الشعب بذلك فخرج وتبعه إلى السفينة.

أبحرت السفينة بذهبي الفم ليلاً ووصلت إلى برينيتوس. لكنه لم يبق هناك لمدة طويلة. فقد كانت الإمبراطورة امرأة كثيرة التشاؤم ويظهر أنها خافت من حدث ما كهزة أرضية خفيفة أو حلم مزعج أو غير ذلك، لذلك أقنعت زوجها الإمبراطور بإعادة ذهبي الفم إلى القسطنطينية. ولكن السبب الأساسي لتغيير رأيها كان الضغط الذي مارسه الشعب لإعادة ذهبي الفم من المنفى.

8 ـ بقاء ذهبي الفم خارج القسطنطينية وإحضاره إلى العرش:

عندما عاد ذهبي الفم من المنفى سكن في احدى الضواحي خارج القسطنطينية منتظرًا تنفيذ أحد الشروط التي كان قد وضعها لعودته، وهو عقد مجمع لإعادة النظر في الموضوع من أساسه، وأن يتم إلغاء قرار المجمع الذي حكم بحرمانه من الكهنوت.

وخلال فترة بقائه خارج القسطنطينية حدثت أحداث دامية فيها حيث أن أعداءه الذين يقودهم “إيساكيوس” عندما رأوا أن الجو العام قد انقلب ضدهم ولصالح ذهبي الفم، احتلوا الكنائس ومنعوا المؤمنين من الدخول إليا. عند ذلك قام مؤيدو ذهبي الفم بالاشتباك معهم وكانت تلك الاشتباكات دامية مما أدى إلى تدخل الجيش لإعادة الأمن إلى المدينة. وقد اضطر ذهبي الفم بسبب الأحداث الدامية إلى الدخول إلى القسطنطينية لتهدئة الأوضاع قادمًا برفقة 30 أسقف. لكنه استمر في ممارسة الضغط من أجل عقد مجمع لإعادة النظر في قضيته.

لقد استقبل الشعب ذهبي الفم استقبالاً حارًا، وخطب القديس في اليوم التالي أمام الشعب من منبر كنيسة القديسة صوفيا (PG 51, 443-446).

 

9 ـ ثيوفيلوس والأساقفة المقربون إليه يتركون القسطنطينية:

بعد التطورات الأخيرة وجد الأساقفة الذين أدانوا ذهبي الفم أنفسهم في موقف صعب للغايةز لقد ندد الشعب بهم بشدة مما اضطرهم لترك القسطنطينية. وقد لازم ثيوفيلوس منزله خوفًا من الشعب ثم غادر المدينة سرًا على متن سفينة في جنح الظلام، برفقة كل الأساقفة الذين جبلهم معه من مصر.

من جهة أخرى وافق الإمبراطور أخيرًا على مطلب ذهبي الفم وأرسل رسائل إلى الأساقفة يدعوهم فيها لعقد مجمع جديد يعيد النظر في القضية من أساسها. وهكذا فإن الأساقفة الذين بقوا في القسطنطينية كانوا الأساقفة الذين أيدوا ذهبي الفم منذ البداية، أما الأساقفة الذين اتخذوا موقفًا معاديًا له غادروا المدينة وعادوا إلى مواطنهم.

 

10 ـ تحديد سلطات ذهبي الفم في الأسقفية:

لقد هدأت الأمور في القسطنطينية بعد كل ما حدث، ولكن هذا الهدوء لم يكن إلاّ هدوءًا مؤقتًا. فقد عاد الأغنياء والأقوياء من سكان المدينة من جديد للوقوف بمواقف معادية للقديس يوحنا ذهبي الفم بسبب نشاطه الخيري ومواعظه التي ينتقدهم فيها، وبشكل خاص بسبب موضوع ملجأ البررص. وهكذا في الفترة الوجيزة التي سبقت عيد الفصح لعام 404 أصدر الإمبراطور قرارًا بتحريض من أعداء ذهبي الفم يتعلق بالحد من سلطات القديس في الأسقفية ومنعه من إقامة الصلوات والشعائر الدينية.

ويذكر المؤرخ سوزومينوس أنه قبل صدور ذلك القرار قد حدثت أحداث أخرى بسبب التمثال الفضي للإمبراطورة أوذوكسيا. لقد كان هذا التمثال منصوبًا مقابل كنيسة القديسة صوفيا، وكانت تجرى احتفالات صاخبة بالقرب من موقع التمثال مما كان يعرقل إقامة الصلوات في الكنيسة. ومن المحتمل أن ذهبي الفم قد ذكر شيئًا يتعلق بذلك، وقام أعداؤه باستغلال أقواله وتحويرها لإثارة غضب الإمبراطورة عليه. والجدير بالذكر أن سوزومينوس قد أشار إلى أن الإمبراطور لم يحضر القداس الإلهي الذي أقامه ذهبي الفم في عيد الميلاد بسبب إهانته للإمبراطورة حسب الادعاءات التي سبق وذكرناها.

لقد كان ذهبي الفم مصممًا على الادلاء بأقواله أمام الإمبراطور ليشرح موقفه إلاّ أن أعداؤه تخوفوا من نتيجة ذلك وعملوا على تهدئة الأوضاع ونسيان القضية. لكنهم كانوا مصممين على إبعاده فعرضوا اتهامًا آخر وهو أنه عاد ليمارس مهامه في الكنيسة بالرغم من حرمانه من صفته الكهنوتية وبدون إعادة رد الاعتبار إليه من قبل مجمع كنسي جديد. وقد تبنى هؤلاء رأي ثيوفيلوس الذي طالب من مكان وجوده في الأسكندرية بأن تتم إدانة ذهب يالفم اعتمادًا على البند 4 من قرارات مجمع أنطاكية الذي عقد عام 341.

وهذا البند يحكم بالنفي النهائي لأى كاهن تم حرمانه من الصفة الكهنوتية إذا عاد لممارسة الواجبات الكهنوتية بدون قرار من مجمع كنسي يسمح له بذلك من جديد. لكن مؤيدي ذهبي الفم دافعوا عنه لدى الإمبراطور قائلين ان هذا البند تم وضعه من قبل أصحاب البدع بهدف القضاء على القديس أثناسيوس الكبير، وأنه أُلغى لاحقًا في مجمع “سرديك” عام 343 وقد تدخل أسقف اللاذقية “إلبيذيوس” لتهدئة الأمور بين الفئتين إلى حين البت في هذا الخلاف.

لكن أعداء ذهبي الفم ومن بينهم “سيبيريانوس” و “أكاكيوس” و “أنطيوخوس” عملوا باستمرار ومن وراء الستار من أججل نفيه، واستطاعوا فيما بعد أن يقنعوا الإمبراطور بأن يحد من نشاط ذهبي الفم، فطلب الإمبراطور منه بأن يترك الكنيسة. لكن ذهبي الفم أجابه: ” أنا بتدبير من المخلّص دخلت هذه الكنيسة بهدف العناية من أجل خلاص هذا الشعب، ولا أستطيع أن أتركها. ولكن إذا كنت أنت تريد ذلك فأخرجني منها بالقوة، لكي يكون سلطانك حجة لي”.

عند ذلك تدخل الأساقفة الأربعون من أصدقاء ذهبي الفم وترجوا الإمبراطور أركاديوس والإمبراطورة أوذوكسيا وهم يذرفون الدموع من أجل تدارك الأمور وتجنب حدوث الأسوأ. ولكن محاولتهم هذه باءت بالفشل.

 

11 ـ الاشتباكات الدامية في فصح عام 404:

لقد تخوف القديس ذهبي الفم من ردود فعل الشعب خلال هذه المواجهة التي احتدمت بينه وبين الإمبراطور، ولذلك لازم مقر الأسقفية ولم يبرحه. هذا ولم يعبر مؤيدوه من الكهنة والشعب عن احتجاجهم، وإنما كان هناك اتفاق بينهم، فتجمعوا في كنائس معينة مساء يوم السبت العظيم قبل عيد الفصح من أجل إجراء قداس عيد القيامة والمعمودية الجماعية كما كانت العادة تجري في ذلك الزمان.

فعلم أعداؤه بذلك وأقنعوا السلطات بإرسال الجنود لتريق المصلين. فهجم الجنود بأسلحتهم على الشعب داخل الكنائس وضربوا وجرحوا الكهنة وجموع الناس العزل من شيوخ ونساء وأطفال وحطموا الأواني المقدسة وسفوا دماء الأبرياء. وتبع ذلك عمليات القبض على الكهنة وتم إلقاؤهم في السجن وتمت ملاحقة العديد من أفراد الشعب من مؤيدي ذهبي الفم.

 

12 ـ محاولتان لاغتيال ذهبي الفم:

تعرض القديس ذهبي الفم لمحاولتي اغتيال حدثتا بعد فترة قصيرة من عيد الفصح، الأولى أشار إليها المؤرخ سوزومينوس حيث قام شخص بالهجوم على القديس، لكن بعض الناس من الجمع قد انتبهوا إليه وأمسكوا به وسلموه إلى السلطات. لكن ذهبي الفم تدخل لدى السلطات وعمل على إطلاق سراحه. وفي المحاولة الأخرى كان ذهبي الفم موجودًا في مقر الأسقفية، فدخل إليه شخص حاملاً سيفًا، وكان هذا القاتل المأجور عبدًا للكاهن “إلبيذيوس” وهو واحد من أعداء ذهبي الفم المعروفين.

وقد حاول الكثيرون إيقافه لكنه قتل كل من وقف في طريقه. ولما وجد نفسه في موقف صعب حاول الهروب، إلاّ أن شخصًا من الجموع المحتشدة حاول الإمساك به فقتله. وتم القبض عليه في نهاية الأمر وقيد إلى الإمبراطور، لكن عقوبته كانت عقوبة رمزية فقط. وبعد تلك المحاولتين الفاشلتين لاغتيال ذهبي الفم شكل المؤمنون جماعات لحمايته وحراسته بشكل متواصل.

 

13 ـ ذهبي الفم يطلب من أساقفة إيطاليا عقد مجمع كبير للبحث في الأحداث الأخيرة:

لقد أثرت أحداث عيد الفصح بذهبي الفم وجعلته يقتنع أنه لا فائدة من انتظار الإمبراطور لعقد مجمع كنسي. ولذلك قرر أن يكتب رسالة إلى أساقفة إيطاليا، ويعرض عليهم كل الأحداث منذ وصول ثيوفيلوس إلى القسطنطينية وحتى الأحداث الدامية التي جرت خلال عيد الفصح، ويطلب منهم المساعدة من أجل عقد مجمع كنسي.

وقد وجه الرسلة إلى أسقف روما “إينوسينتوس” وأسقف ميلانو “فينيريوس” وأسقف أسيليا “خروماتيوس”. وقد أيد إينوسينتوس ذهبي الفم وأجرى محاولات لدعوة إلى عقد مجمع في ثيسالونيكي لكن دون نتيجة.

 

د ـ المنفى والنهاية

1 ـ القرار بنفي ذهبي الفم:

لقد أدت هذه الأحداث كلها بذهبي الفم إلى البقاء داخل مسكنه لا يغادره ولا يظهر أمام الناس طوال شهرين. لكن أعداءه أصروا على نفيه وأضافوا إلى حججهم احتمال حدوث أحداث شغب جديدة فأقنعموا الإمبراطور أن الهدوء سيحل في صفوف الشعب فقط إذا تم نفي ذهبي الفم. وهكذا أرسل الإمبراطور أركاديوس رسولاً له إلى ذهبي الفم في مساء يوم 20 يونيو ليأمره بمغادرة القسطنطينية وترك الكنيسة، وفي حال معارضته سيتم تنفيذ هذه الأوامر بالقوة.

ودع ذهبي الفم مؤيديه والمقربين إليه والدموع قد ملأت عينيه ونصحهم بإطاعة الأسقف الذي سيحل محله لكي يتم تجنب حدوث انشقاق في الكنيسة. لكن الشعب تجمع غاضبًا أمام مقر الأسقفية وكان كل شئ يحذر بحدوث قلاقل، لذلك خرج ذهبي الفم خفية وسلم نفسه إلى رجال الحرس الإمبراطوري.

 

2 ـ أحداث الشغب والحريق الذي تلا خروج ذهبي الفم إلى المنفى:

لم يبق موضوع خروج ذهب يالفم من القسطنطينية سرًا على الشعب الذي بدأ يبحث عنه فلا يجده. وتجمع حشد من المؤمنين حول وداخل الكنيسة التي كان من المفترض أن يكون القديس موجودًا فيها. هذا ولم يكن بين الجموع أصدقاء ذهبي الفم ومؤيديه فقط بل اندس أعداؤه أيضًا بين الجموع. وتدخلت قوات الحرس الإمبراطوري لتدارك الأمور فأغلقت أبواب الكنيسة، فحدثت اشتباكات واندلعت النار في الكنيسة وأحرقتهها بالكامل وانتقلت إلى المباني المجاورة. وقد اتهم أعداء ذهبي الفم مؤيديه بأنهم أشعلوا النار في الكنيسة انتقامًا منهم لملاحقة السلطات له.

أما مؤيدو ذهبي الفم فقد اتهموا أعداءه بأنهم هم الذين أشعلوا النار ليلقوا التهمة عليهم ويدجوا حجة لملاحقتهم وملاحقة ذهبي الفم. ومن الصعب هنا أن نعرف أى جهة كانت على حق ولكن على الأغلب فإن النار قد اندلعت بالصدفة خلال الاشتباكات التي حدثت في الكنيسة.

 

3 ـ ملاحقة مؤيدي ذهبي الفم في القسطنطينية:

وصل ذهبي الفم على متن مركب صغير إلى “نيقيا” في “بيثينيا” وانتظر فيها أمر الإمبراطور الذي سيحدد فيه مكان منفاه. وقد قرر الإمبراطور نفيه إلى مدينة “كوكوسوس” بأرمينيا في أسيا الصغرى، وه مدينة تقع بالقرب من مدينة أضنة. وفي تلك الأثناء واجه مؤيدو ذهبي الفم من الكهنة والشعب ملاحقة السلطات وعمليات الاعتقال والسجن. وقد خلف الأسقف “أ{ساكيوس” ذهبي الفم على عرش أسقفية القسطنطينية. إلاّ أن فترة بقاء أرساكيوس على عرش الأسقفية لم تطل وخلفه في عام 406 الأسقف “أتيكوس” الذي كان عدوًا لدودًا لذهبي الفم.

 

4 ـ رحلة شاقة إلى المنفى:

لقد تلقينا المعلومات عن رحلة ذهبي الفم من نيقيا إلى كوكوسوس مما ورد في الرسائل التي أرسلها القديس إلى شمامسة في القسطنطينية تدعى “أوليمبياذا” (PG 52, 549-623) وذلك في الفترة 404ـ407.

في نيقيا أمضى ذهبي الفم وقته مركزًا اهتمامه ببعثات التبشير في فينيقيا وبلاد العرب وقبرص وبلاد فارس. وهذا النشاط يفترض أن القديس كان يتمتع بشئ من الحرية.

ولما توجه القديس إلى منفاه اتبع الطريق الرومانية التي تبدأ من نيقيا شرقًا لتعبر أسيا الصغرى وتمر في أنقرة وتستمر إلى قيصرية وتصل فيما بعد إلى كوكوسوس.

لقد عاش القديس وهو يسير على دربه هذا لحظات مليئة بالسعادة وأخرى مليئة بالآلام. ففي العديد من المناطق خرج الكهنة والشعب لاستقباله استقبال الأبطال والشهداء والقديسين. ولكنه كلما ابتعد عن ساحل البحر كلما صارت رحلته أشد صعوبة بسبب التعب من السير على الأقدام والأحوال الجوية القاسية ما بين برد قارس وحر شديد.

ولما وصل إلى أنقرة قابله أسقفها “ليونديوس” بعداوة، وكذلك في قيصرية حيث لم يأت أسقفها “فاريتريوس” لمقابلته. لكن لحسن الحظ أتى العديد من الكهنة وأبناء الشعب ولاقوه بحفاوة ومحبة. لكن حالته الصحية كانت سيئة جدًا من عذاب الرحلة والأمراض التي أصيب بها والحمى الشديدة. لكن الأطباء اعتنوا به واكتسبببب قواه من جديد.

وبالرغم من ذلك بقيت حالة ذهبي الفم الصحية رديئة، ولما كان موجودًا في تلك الحالة تعرض أيضًا لهجمات اللصوص وكان الخطر الذي يتهدد به عظيمًا، وكذلك فقد تعرض أيضًا لتهديدات مجموعة من الرهبان الذين أنذروه بأنه إذا لم يغادر المنطقة سيواجه خطر الموت. وعند ذلك غادر قيصرية محمولاً على فراش بسبب مرضه الشديد، لكنه لم يتحمل السفر وبقى في منطقة تبعد خمسة أميال عن قيصرية.

هذا ولم يكتف فاريتريوس بهذا فأرسل أعوانه الذين دخلوا ليلاً إلى مضجع ذهبي الفم وأجبروه على الرحيل في تلك الاسعة متذرعين بخطر قدوم جماعة من اللصوص الذين أرادوا قتله. وهكذا قرر ذهبي الفم الرحيل بالرغم من حالته الصحية الرديئة، بعد أن فهم ألاعيب فاريتريوس.

 

5 ـ الوصول إلى كوكوسوس:

كان الدرب الذي سار عليه ذهبي الفم نحو مدينة كوكوسوس شاقًا وعسيرًا في منطقة جبال طوروس الوعرة، ووصل إلى المدينة في 20 سبتمبر. وقد ذكر القديس في الرسالة 234 أن تلك الرحلة قد استغرقت 70 يومًا.

لقد اعتنى أهل كوكوسوس بذهبي الفم عناية فائقة، وقدم له أحد ملاك الأراضي ـ ويدعى “ذيوسكوروس” ـ منزلاً ليقيم فيه. وقد شعر القديس هنا براحة تامة حتى أنه ذكر في احدى رسائله أنه يفضل ألف منفى كهذا على الرحلة التي قام بها، وذلك لأنه كانت تجري محاولات في القسطنطينية لتغيير مكان منفاه (Pg 52, 611-612). وفي ذلك الوقت وصلت إلى كوكوسوس الشماسة “سابينياني” التي كانت واحدة من أقربائه، فساعدته كثيرًا.

لقد ترتبت على ذهبي الفم هنا واجبات عديدة، حيث كان يزوره العديد من الكهنة وأبناء الشعب من مختلف الأماكن وحتى من أنطاكية. لقد كان يتابع نشاطات التبشير ويساعد كل من كان ملاحقًا ويعطي النصائح لمعاونيه. وقد كان أصدقاؤه يرسلون له المال الذي يحتاج إليه في عمله هذا، ومن بين هؤلاء الشماسة أوليمبياذا.

ولكن عندما حل الشتاء ثانية اشتدت به الأمراض من جديد. وفي أوائل عام 406 اضطر إلى الانتقال إلى مدينة “آرابيسوس” التي تبعد 4 كيلومترات عن كوكوسوس هربًا من هجوم اللصوص. وهناك كان يفتقد لوجود الأدوية الضرورية. لكنه لم يتوقف عن الكتابة إلى أسقف روما إينوسينتوس وبقية أساقفة المدن الغربية من أجل عقد مجمع كنسي.

وتجدر الإشارة إلى أنه خلال فترة نفيه أى منذ وصوله إلى نيقيا وحتى صيف عام 407، قد كتب 240 رسالة من أجل إعطاء النصائح والإرشادات لمختلف الأشخاص ولكي يخفف من آلام العديدين الآخرين. وكان في مساعدته للآخرين يجد قوة كبيرة وتعزيات ليست بقليلة وكتب أيضًا في كوكوسوس كتابين حول مصائب وعذاب البشر، وذكر أن البشر يجب ألا يفقدوا ثقتهم وإيمانهم بالرب محب البشر وإنما أن يواجهوا كل الشدائد كتجارب يسمح بها الله يكون الهدف منها الربح المعنوي والروحي (PG 52, 460-528).

 

6 ـ منفاه الجديد في ”بتيوندا” بالقفقاس:

لم يهدأ أعداء ذهبي الفم وخاصةً هؤلاء الموجودين في القسطنطينية. فقد كان الاحترام والتكريم الذي يلقاه من الشعب والكهنة من الشرق والغرب عظيمًا، وبشكل خاص من أنطاكية. وكانت شهرته تزداد يومًا بعد يوم، وكان لايزال مصرًا على عقد مجمع كنسي للنظر في قضيته.

وكان الكثيرون من أصدقائه يرفضون تناول القربان المقدس من خلفائه أرساكيوس وأتيكوس بالرغم من الأمر الذي أمرهم ذهبي الفم به قبل مغادرته إلى المنفى، وبالرغم من الاضطهاد الذي كانوا يتعرضون إليه بسبب موقفهم هذاز ولهذا السبب أصدر الإمبراطور أركاديوس أمرًا في العام 404 يجبر الجميع على تناول القربان المقدس من خليفة ذهبي الفم، وكذلك من ثيوفيلوس ومن أساقفة أنطاكية “بورفيريوس”.

وفي روما أيضًا استمر الأسقف إينوسينتوس في إصراره على عقد مجمع جديد لإعادة النظر في قرارات مجمع دريس. لكن أعداء ذهبي الفم والإمبراطور أركاديوس ـ بالرغم من وفاة الإمبراطورة أوذوكسيا التي كانت تضغط عليه باستمرار ـ كانوا يخافون من نتائج مجمع كهذا. لذلك قرر الإمبراطور بعد سماعه لنصائح أعداء ذهبيالفم بأن يغير مكان منفاه، وأن يرسله إلى مكان نائي يصعب الوصول إليه.

وهكذا تم إرساله إلى بتيوندا وهى بلد سكانها من البربر تقع على سفح جبل اقفقاس على الاسحل الشرقي من البحر الأسود (سوزومينوس: “تاريخ الكنيسة” 28:8، 6). هناك كان من العسير على أصدقائه أن يحضروا إليه، وكذلك فإن أعداءه كانوا يتمنون وفاته متأثرًا إما بصعوبات الرحلة التي تبلغ مسافتها 1500 كيلومتر تقريبًا، أو بظروف الحياة القاسية والبدائية في منفاه الجديد.

لقد وصلت الأوامر إلى كوكوسوس في صيف عام 407 وبدأت الرحلة في 25 أغسطس، حيث رافق القديس جنديان حارسان له. وكان أحد الحراس يعامل ذهبي الفم معاملة قاسية جدًا حيث إنه في حال وفاته أثناء الرحلة فإن أجره سيكون أكبر بكثير. وليست هناك معلومات متوفرة لدينا عن تفاصيل الرحلة لأن القديس لم يكن قادرًا على كتابة رسالة أثناء سيره إلى المنفى الجديد، وحتى لو أنه قد كتب رسالة ما فإنها قد ضاعت على الأغلب. ولذلك فإن المصادر الوحيدة التي تتكلم عن فترة الأيام العشرين الأخيرة من حياته هى ما كتبه المؤرخون وبشكل خاص بالاديوس (PG 47, 38-39).

 

7 ـ وفاة القديس العظيم:

وجب أن يتبع ذهبي الفم الطريق الروماني المعروف، لكن يظهر أنه لم يتوجه إلى قيصرية وإنما سار على الدرب الأقصر عبر مدينة “سيفاستيا” و “كومانا” و “أماسيا”، فوصل إلى “شمشوندا” على البحر الأسود، ومن هناك كان سيركب السفينة متوجهًا إلى بتيوندا.

لم يواجه القديس فقط مصاعب الطريق وحالته الصحية المتردية، بل تقلبات الطقس أيضًا وكان يتوجب عليه السير على الأقدام لمسافة عشرين كيلومترًا يوميًا، في ظروف الحر الشديد أو المطر الغزير. لقد أدى ذلك إلى إصابته بالحمى ورفض الجنود السماح له بالتوقف ليستريح ويتعافى في أى مكان. وفي نهاية المطاف وصل إلى “دازمونة” وتجاوز الجنود مدينة كومانا لاختصار الطريق ولكي لا يتركوا له المجال للاستراحة.

وأخيرًا توجهوا به باتجاه الشرق وباتوا في كنيسة القديس “باسيليسكوس”. وكان هذا القديس أسقفًا على تلك المنطقة واستشهد عام 311 في عهد الإمبراطور “مكسيميانوس” وقد كرمه أهالي المنطقة وبنوا تلك الكنيسة وسموها باسمه.

لقد كانت الحالة الصحية لذهبي الفم متردية جدًا، فحاول أن ينام لكن القديس باسيليسكوس ظهر له وخاطبه قائلاً: ” تشجع أيها الأخ يوحنا لأنك ستكون موجودًا معي غدًا “(PG 47, 38) .

وفي صباح اليوم التالي لم تكن لدى القديس القوة للنهوض والسير على أقدامه، فرجا الحارسين بعدم الانطلاق، أو أن ينتظراه حتى الساعة الخامسة، ولكنهما لم يأبها برجائه. فجراه بالقوة خارج الكنيسة وأجبراه على السير. وبعد مسافة خمسة كيلومترات تقريبًا من الكنيسة اقتنع الجنديان أن القديس لم يكن قادرًا على المشي وأنه قد اقترب من نهايته. فعادا به إلى كنيسة القديس باسيليسكوس وهو مرتكز عليهما.

طلب القديس من كاهن الكنيسة رداءً جديدًا ليلبسه ووزع القليل مما يملكه على الحاضرين وتناول القربان المقدس وصلى أمام الجميع للمرة الأخيرة بصلاته المعتادة، فقال “المجد لله من أجل كل شئ”، وأضاف قائلاً: ” آمين” ومد رجليه يوم 14 سبتمبر 407. ولقد هز نبأ وفاة القديسس أرجاء العالم كله ما عدا أعدائه الذين سروا لوفاته. وقد تجمع كثير من المؤمنين والرهبان ودفنوه في كنيسة القديس باسيليسكوس.

 

8 ـ رد الاعتبار التدريجي للقديس ذهبي الفم:

لقد استطاع أعداء القديس ذهبي الفم منذ عام 403 أن يجتذبوا إليهم العديد من الأساقفة. وتجدر الإشارة إلى أن كلا من بطريركية القسطنطينية وأنطاكية والأسكندرية كان يتزعمها أساقفة معادون لذهبي الفم. وقد تأثر العديد من أساقفة الغرب أيضًا بالجو المعادي لذهبي الفم بالرغم من أنه كان يحظى على قدر كبير من الاحترام والتقدير في أوساط الكنيسة الغربية.

ونذكر من هؤلاء اللاهوتي المشهور في الغرب “أوغسطين إيبونا” الذي كان قد سبق له واعترف بتقديره واحترامه لذهبي الفم، لكنه لم يكن يذكره في القداس الإلهي.

لكن الأسقف إينوسينتوس الذي كان يقف دائمًا موقفًا مؤيدًَا لذهبي الفم، رفض الاتصال والمشاركة في الأسرار المقدسة مع كل أسقف ممن لم يكونوا يذكرون ذهبي الفم في القداس الإلهي. وقد أدى ذلك إلى انقسام حقيقي في صفوف الكنيسة كانت له أبعاد أثرت على الشعب أيضًا. فقد كانت ردود الفعل الشعبية كبيرة ومارس أهالي القسطنطينية وعدد كبير من كهنتها ضغوطًا كبيرة على السلطة الكنسية لإدراج اسم ذهبي الفم في قائمة الأساقفة الذين يذكر اسمهم في القداس الإلهي.

وفي عام 418 وجه أسقف القسطنطينية “أتيكوس” الذي كان معروفًا لعداوته تجاه ذهبي الفم، رسالة إلى أسقف الأسكندرية “كيرلس” تكشف عن مدى تعقيد الأوضاع آنذاك. لقد طلب أتيكوس من كيرلس أن يدرج اسم ذهبي الفم في قائمة الأساقفة الذين يذكر اسمهم في القداس الإلهي، وذلك ليس لتطبيق قوانين الكنيسة وإنما كتدبير من أجل أن يحل السلام في الكنائس.

واترف أنه اضطر إلى إدراج اسم ذهبي الفم في القوائم المقدسة لتجنب الانقسام الذي بدأ يحدث في صفوف شعب القسطنطينية، إذ أن مؤيدي ذهبي الفم كانوا يقيمون الصلوات خارج أسوار المدينة (PG 77, 348-349).

وتجدر الاشارة إلى أن أتيكوس قد اقتنع بإدراج اسم ذهبي الفم في القوائم المقدسة عندما حدث في فترة قبل عام 418 بقليل أن زار أسقف أنطاكية “ألكساندروس” القسطنطينية وأخبر الشعب من منبر الكنيسة أنه قد أدرج اسم يوحنا ذهبي الفم في القوائم الممقدسة مما أدى إلى توتر كبير في صفوف الشعب. ولذلك اضطر أتيكوس أن يقوم هو أيضًا بإدراج اسم ذهبي الفم في القوائم المقدسة لكنيسة القسطنطينية.

وفي عام 418 ارتقى الأسقف “ثيوذوتوس” على عرش الكنيسة الأنطاكية واضطر هو أيضًا تحت ضغط شعبي كبير للاعتراف بذهبي الفم، وكذلك فإن أسقف الأسكندرية كيرلس الذي كان قريبًا لثيوفيلوس وخلفا له فقد اضطر هو أيضًا إلى الاعتراف بذهبي الفم. وهكذا نلاحظ أن أسقف أنطاكية ألكساندروس هو الوحيد الذي اعترف بذهبي الفم عن اقتناع شخصي، وأما بقية الأساقفة فقد اضطروا للاعتراف به تحت ضغط شعبي.

وفي عام 428 حدد ” نسطوريوس” تاريخ 27 سبتمبر من كل سنة لتكريم ذكرى القديس ذهبي الفم. لكن أسقف القسطنطينية “بروكلوس” هو الذي رد الاعتبار لذهبي الفم بشكل كامل، فقد طلب من الإمبراطور ثيوذوسيوس الثاني أن يتم نقل رفاة القديس ذهبي الفم من كنيسة القديس باسيليسكوس إلى القسطنطينية. وقد تم جلب الرفاة في 27 يناير 438 إلى كنيسة الرسل القديسين في القسطنطينية ضمن احتفال مهيب شارك فيه الآلاف من الشعب والكهنة (سقراط: “تاريخ الكنيسة” 7ـ25).

ومنذ ذلك الحين تكرم الكنيسة ذكر القديس يوحنا ذهبي الفم في 13 نوفمبر وفي 27 يناير من كل سنة.

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) – د. عصام سامي زكي

الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي

الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي

 

إعداد

د. عصام سامي زكي

دكتوراه في اللاهوت

 

إهداء إلى روح المتنيح الزميل والصديق والأخ والأب: أبونا صموئيل وهبة، الذي لي ثقة أنه يصلي عني في السماء

 

ابنك عصام سامي

 

مقدمة:

الكنيسة الأرثوذكسية كنيسة غنية بآبائها ومعلّميها والذين بذلوا حياتهم في التعليم والوعظ والكتابة ومقاومة المبتدعين والهراطقة، ومن أشهر هؤلاء هم القديسون الثلاثة باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي ويوحنا ذهبي الفم والذين كانوا يلقبوا بأقمار الكنيسة الثلاثة، فنجد هذا الكتاب يحكي عن حياتهم وتعليمهم وتاريخ الكنيسة من خلالهم في صورة مبسطة ودقيقة فالمعد لهذا الكتاب كان دقيقًا منظمًا يذكر الحقيقة بصورة جميلة جمع بين التاريخ لأهم آباء الكنيسة وبين الروحيات العميقة واللاهوت كما قدمه اللاهوتيين الكبار بالكنيسة كما عضد الكاتب كل أجزاء الكتاب بالمراجع، الأمر الذي جعل من هذا الكتاب مرجعًا مهمًا.

وأخيرًا أقدّم الشكر لمعد هذا الكتاب لما بذله من تعب في إعداده والحصول على معلومة مفيدة ودقيقة وتقديمها لكل مسيحي يريد أن يتعمق في تاريخ الآباء الأول والذين لهم أهمية عظمى في الكنيسة إذ لا يخلو تعليم أو عظة في الكنيسة أو كتاب لأي كاتب أرثوذكسي من أحد أقوال هؤلاء الآباء.

الرب يعوض تعبه خيرًا ويجعل هذا العمل سبب بركة لكل إنسان

 

غبريال

أسقف بني سويف

 

مدخل للآبائيات

لقد عاشت الكنيسة وتعيش وسوف تعيش بقوة الروح الذي عمل في الآباء الذين أعطوا حياتهم لها وسوف يعطوا. فالكنيسة خالدة ولن تتوقف عن إنجاب آباء وقديسين. وقبل أن نسرد موجزًا صغيرًا عن بعض الآباء سنتعرف أولاً عن:

 

معنى وأهمية دراسة آباء الكنيسة:

الكنيسة عاشت وتعيش بآبائها ومعلّميها الذين ولدوا في أحضانها متعلمين من الروح القدس. ولهذا يلزم:

أ ـ تعريف عام بآباء ومعلّمي الكنيسة وكتاباتهم.

ب ـ تقديم بعض ما كتبه آباء ومعلّمي الكنيسة بطريقة مبسطة يسهل على القارئ فهم ما كتبوه.

ومن المهم جدًا أن نشرح أولاً مَن هو الأب ومَن هو المعلّم في الكنيسة؟ وبعد ذلك نحدد بالتدقيق معنى علم الآباء، حدوده، محتوياته، طريقة بحثه ومكانة الآباء في اللاهوت.

ومن الجدير بالذكر أن نشير إلى أن الكنيسة ليست غنية فقط بأبنائها ولكن أيضًا بمعلّميها.

 

الأب والمعلّم:

الكنيسة تميّز بين الأب والمعلّم:

الأب أو الراعي هو الذي يلد المؤمنين روحيًا ويوجههم ويربطهم بالمخلّص يسوع المسيح عن طريق الروح القدس في الإنجيل والعامل في أسرار الكنيسة.

المعلّم وهو الذي له موهبة خاصة في التعليم حيث يقوم بمسئولية التعليم والتفسير للمؤمنين عن حقيقة الله، ويواجه أيضًا المشاكل الكبيرة والأزمات الشديدة اللاهوتية التي تعترض الكنيسة ويقوم بإيجاد حل لها.

ومن الأهمية أن نوضح أن كثيرًا من آباء الكنيسة كانوا آباء ومعلّمين في نفس الوقت وقد لقبتهم الكنيسة باسم الأب فقط دون أن تذكرهم باسم أب ومعلّم.

فغريغوريوس اللاهوتي على سبيل المثال يذكر في الكنيسة كمعلّم عظيم لكنيسة المسيح بينما كيرلس الأسكندري يُذكر كراعي ومعلّم حكيم في الكنيسة[1].

ومن المعروف أن الكنيسة عندما تعطي أحد أعضائها لقب الأب والمعلّم ليس من فراغ أو بالصدفة وإنما تقوم بالبحث الدقيق جدًا في كتاباته وعظاته وكيف قدم وأعطى للكنيسة.

 

الأعمال والكتب الكنسية وكيف قدّمها كتّابها ومعلّميها:

بصفة عامة قدّم اللاهوتيين لاهوتهم من منابع عديدة منها:

1 ـ الوعظ:

حيث كان من الضرورى إرشاد المؤمنين وتفسير الكلمة لهم حيث عكفوا على معايشة الكلمة وبمساعدة الروح القدس وعظوا المؤمنين عن الحقيقة التي تكلم عنها الكتاب المقدس.

 

2 ـ إظهار الحقيقة ومواجهة الهراطقة:

هنا تظهر محاولة اللاهوتيين في مواجهة الآراء والتعاليم الخاطئة التي قام بإثارتها أفراد أو أعضاء من الكنيسة أو خارجها حيث إن هذه التعاليم الغير صحيحة صارت وتصير عقبة في تقدم المؤمنين وتمثل خطورة في تعطيل خلاصهم لأن هذه التعاليم لا تعبّر عن الحقيقة، ولكنها خيال كاذب بعيد كل البُعد عن الحق الذي يؤدي إلى الخلاص وحيث أن جزءًا من عمل اللاهوتيين هو توضيح خطورة تلك الهرطقات محاولين إبعادها عن المؤمنين طالبين في ذلك أولاً الخبرة العملية للحقيقة التي عاشها آباء ومعلّمي الكنيسة محاولين في إظهار أخطاء هؤلاء الذين أصروا على أن عندهم الحقيقة وهو ليس صحيحًا، بل بأفكارهم السيئة وتعاليمهم الكاذبة زيفوا الحقيقة التي تكلم وكتب عنها الآباء والمعلّمين للكنيسة والتي تظهر أيضًا في المجاممع سواء المسكونية أو المحلية حيث إن الروح القدس كان مشاركًا وحاضرًا في بعض هذه المجامع وأضاء بوضوح، حيث قامت بإيضاح الكتب والتعاليم الفاسدة التي ضد التقليد وتعاليم الكنيسة.

ونستطيع أن نقول إن الآباء في إظهارهم للحقيقة الإلهية كانوا مفسرين للتدبير الإلهي لخلاص الإنسان أى عمل الثالوث لأجل البشرية.

وهنا يجب الإشارة إلى أن جزءًا من الكتابات المسيحية هذه كانت ردًا على أصحاب مذهب الغنوسية (مذهب الخلاص بالمعرفة) وأيضًا للعالم بصفة عامة سواء كان مؤمنًا أو غير مؤمن.

 

3 ـ صياغة الخبرة الإلهية:

أعضاء الكنيسة الذين لهم مع الروح القدس خبرة خاصة نتيجة الحياة التي عاشوها مع الحقيقة كاملة وعميقة قد اعتبروا أنه من الجيد صياغة هذه الخبرة العملية بصفة خاصة وكل تعاليمهم التي تعلّموها وعاشوها مع الروح القدس لاقتناء هذه الخبرة بصفة عامة.

الكنيسة منذ البدء كانت لها الرؤية الواضحة والتي بها ميزت بين الآباء الحقيقيين الذين أعطوا حياتهم للمسيح ولأولاده بلا حساب وبين مَن دعوا من الآخرين آباء. وهذا واضحًا ليس من التقدير والاحترام الذي أعطته لهم الكنيسة ولكن أيضًا بالطريقة المثلى في عطائهم للمؤمنين الذين في الحقيقة كانوا نورًا في العالم بطريقة حياتهم، في عطائهم، في سخائهم، بالإضافة إلى أنهم تركوا ثروتهم القلبية والعقلية في كتبهم التي هى كنز معطي باستمرار.

 

4 ـ العبادة والطقوس:

كان الاهتمام والعناية الأولى في تكوين الكنيسة هو ترتيب الأسرار والطقوس كسر المعمودية وسر التناول .. الخ، وغيرها من الأسرار على مضي الوقت، وهكذا تكونت النصوص الليتورجية خطو خطوة وكانت نتيجة ذلك أن المؤمنين عاشوا في المسيح متمتعين بالحياة الليتورجية مثمرين بذلك الألحان والأناشيد والتسابيح الكنسية.

نستطيع أن نفهم من العناصر السابقة أن الكتابات الآبائية التي ساعدت في خلق اللاهوت الكنسي الأصيل تساعدنا نحن أيضًا في تمييز الكتابات الصحيحة من غير الصحيحة.

 

اللاهوتي الحديث والتمييز بين الأب والمعلّم:

بعض اللاهوتيين المحدثين لم يعطوا الأهمية اللازمة لهذا التمييز بين الأب والمعلّم في الكنيسة، وذلك هروبًا من مشقة البحث، لأن هذا التمييز يستلزم من الباحث أن يفتش بالتدقيق في حياة وكتابات هؤلاء الآباء والمعلّمين ليرى الصورة بوضوح ويكشف الدور الذي قام به كل منهم وما قدمه للكنيسة في مسيرتها اللاهوتية الشاقة.

 

الآباء النساك:

وإلى جوار هذا التمييز السابق بين الأب والمعلّم هناك قديسون عظماء في الكنيسة الذين قدموا بحياتهم وسيرتهم وجهادهم في الجسد، قدوة للمؤمنين وصاروا نموذجًا يحتذى به، أمثال: القديسون الأنبا أنطونيوس، والقديس الأنبا بولا السائح، والثلاث مقارات القديسين، والقديسة مريم المصرية، وغيرهم كثيرون من الناسكون والناسكات، ومنهم من وصل إلى حالة التطهير الكامل، إذ كانت لهم شركة عميقة مع الإله الحق تبارك اسمه وكانوا مملوءين من روح المسيح القدوس. وكثير من هؤلاء القديسين لم يتركوا لنا كتابات في التعليم اللاهوتي والعقائد الكنسية ولكنهم تركوا لنا حياة معاشة تشرح اللاهوت والعقيدة عمليًا. دور هؤلاء القديسين في الكنيسة لا يقل في الأهمية عن دور الأب أو المعلّم.

 

الآباء كتبوا لاهوتهم مستضيئين بنور الروح القدس:

كتابات آباء وملعّمي الكنيسة كانت ثمرة شركة حقيقية مع الروح القدس. كما يقول القديس غريغوريوس النيسي [ الأنبياء والرسل وكذلك الرعاة (الآباء) والمعلّمون تغنوا بالروح القدس]. ولهذا فالكنيسة تعتبر كتاباتهم هذه ـ والتي تسميها الكنيسة بالتقليد ـ أنها تلي الكتاب المقدس مباشرةً في الأهمية كما أنها تعتبر العامل الأول في فهم الكتاب المقدس نفسه فهمًا مستقيمًا.

كتابات الآباء تعتبر أن الدخول إلى معرفة الحق والوصول إليه لا يمكن أن يتم إلاّ بواسطة إنارة الروح القدس المعطى مجانًا لأولئك الذين أعطوا حياتهم لله كليةً وبدون تحفظ. ونحن نتكلم هنا عن الحق الإلهي الذي يحرك الفكر وينقي المعنى الذي يظهر في الكلمة المكتوبة أو المقروءة. ومن المهم جدًا أن نذكر هنا أنه بدون قبول إشعاع الروح القدس لا نستطيع أن ندخل إلى معرفة الحق المكتوب في الكتاب المقدس.

ومن المعروف أنه في الأوقات الحرجة التي مرت بها الكنيسة استطاع الآباء والمعلّمون ـ بإنارة الروح القدس وإرشاده ـ أن يعبروا عن التعليم اللاهوتي الأصيل بقوة تفوق التفكير البشري[2]، وذلك برهان واضح على إيمان الكنيسة العظيم الذي حفظ بقوة بواسطة هؤلاء الآباء العظماء، حيث إن تعاليمهم ليست آراء شخصية بل هى تعاليم جامعة تابعة لتعاليم الرسل مكملة لها.

 

الحقيقة وكيف قدّمها الآباء في كتاباتهم:

الحق الذي يتطابق مع الوحي الإلهي يعطي للإنسان بطريقة إعلانية. الحقيقة هى الإله الحق أى الثالوث القدوس وعمله لأجل خلاص الإنسان، أعلن للإنسان بطريقة تدريجية: مرحلة الناموس ثم مرحلة الأنبياء ثم مرحلة الإنجيل (أى الاعلان الذي تم في تجسد الإلله) … ثم مرحلة يوم الخمسين. وهذه المرحلة هى مرحلة القيادة بالروح القدس في الكنيسة[3].

وفي هذا الصدد يذكر أبونا ومعلّمنا القديس كيرلس الأسكندري بكل وضوح [ أن الابن الوحيد الجنس يعلن عن نفسه بصفة مستمرة ][4]. ويذكر أن نور الروح القدس يعلن الرب نفسه. وهذا الخط في التعليم يتبعه معظم الآباء الذين جاءوا بعد كيرلس.

ومن الجدير بالذكر أن الآباء اعتمادًا على قول المسيح مخلّصنا له المجد أن هناك حقائق أخرى غير التي قالها المسيح لتلاميذه، سوف يعلّمهم إياها الروح القدس كاملة: ” إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون الآن أن تحتملوا. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق ” (يو12:6ـ13). وكلمات المسيح هذه تقودنا إلى الطريقة التي تكشف لنا الحق الإلهي (أى عن نفسه).

وطالما أن المسيح لم يخبرنا عن الحقيقة كلها وأن الحقيقة الكاملة موجودة في شخصه، فهذا معناه أن الحقيقة الكاملة في عمقها واتساعها لا يمكن أن تعلن بسهولة. ورغم أن التجسد الإلهي هو الحقيقة ـ إذ أن الكلمة ظهر في الجسد ـ ولكن هذا الاعلان لا يعني أن الكلمة المتجسد أظهر الحقيقة وأعلنها كاملة بكل أعماقها وأبعادها. وحينما نتكلم عن الاعلان الإلهي أو اعلان الحق فنحن نعني أن الله يظهر الحقيقة للإنسان في شكلها العام. والإنسان الذي يجاهد ويطلب الاستمرار في الصلاة بالروح ينال الاعلان الإلهي ويشترك في الحقيقة ويعرف الحق والحق يحرره.

إن معرفة الحق ضرورية للإنسان الذي يبحث عن خلاصه فمعرفة الحق إتحاد بالله الذي هو حياة جديدة للإنسان. وحيث إن الكنيسة تعلم أن خلاص الإنسان هى حياته وبدون الخلاص فهناك الموت، لذلك أصبحت معرفة الحق أى الشركة في الحق هى مسألة حياة أو موت. وأصبحت هناك ضرورة أن يتعلم أعضاء الكنيسة الشركة مع الحق والتمييز بين الحق الأصيل وبين التعاليم المزيفة التي هى ليست حقًا بل كذبًا.

 

ملء الاعلان الإلهي:

اعلان الله للبشرية قبل المسيح كان ناقصًا. لذلك أعلن الله عن نفسه في الكلمة المتجسد حيث كانت الحقيقة، وبالتالي فإن اعلان الحقيقة في شخص المسيح كان كاملاً وفي ملء أصالته والتي يعلنها كاملة الروح القدس.

 

وهنا يُطرح التساؤل: هل المسيح الذي هو الحقيقة صار تاريخًا ماضيًا اندثر؟

بالطبع لا نستطيع أن نقول ذلك لأن مسيح التاريخ مسيح حيّ حاضر بدوره في الكنيسة الواحدة المقدسة وتدبيره في الجسد هو لأجل خلاصنا وخلاص كل البشرية في كل الأزمان ” الذي نجانا من موت مثل هذا وهو ينجي الذي لنا رجاء فيه أنه سينجي أيضًا فيما بعد ” (2كو10:1).

ونحن عندما نبحث ونفتش عن الحقيقة لا يقلل ذلك من الاعلان بل يكمله ويتممه وينقيه من أى تعاليم فاسدة أو دخيلة.

عندنا في ذلك أعظم مثل آباء الكنيسة حيث استطاعوا أن يتعمقوا بأبعاد مختلفة في فهم الحقيقة بمساعدة الروح القدس وواجهوا هؤلاء الذين بجهلهم رفضوا الإله الحقيقي وتبعوا الإله المزيف الذي صنعوه بفكرهم الخالي من الحقيقة. نجد في ذلك أمثلة كثيرة ففي مطلع القرن الرابع تقريبًا ظهر آريوس بتعاليمه الفاسدة والتي تشوه كل الحقيقة ولكن كما ذكرنا أن آباء الكنيسة كانوا قديسين وعظماء حيث كانوا عمالقة في البحث والتنقيب عن الحقائق الإلهية، فيظهر العظيم أثناسيوس في نفس العصر ليؤكد لآريوس أن تعاليمه فاسدة وليست حسب المكتوب وليست حسب تعاليم التقليد الكنسي بأدلة لاهوتية وفلسفية قوية.

لابد من أن تقتنع أنه بالرغم من أننا في شركة مع المسيح (الكلمة) لا نعرف الكثير عنه ونحتاج إلى الجهد والكفاح الدائم المستمر لنعرف هذه الحقيقة التي تعلن عن طريق الروح القدس الحيّ الحاضر بيننا. التاريخ يؤكد أن الحقيقة لم تعطَ وسوف لا تُعطى لأناس مظلمي الفكر، ولا لأناس يتكلمون عن الله نظريًا بدون حياة وشركة معه ولا لمن أغلقوا الأبواب في طريق الفكر المفتوح، بل لهؤلاء الآباء العظماء الذين فتحوا نوافذ عقولهم وقلوبهم لكل فكر ممتحنين كل شئ بالتدقيق فاحصين كل شئ بالروح.

هنا يتضح كيف يقود الروح القدس هؤلاء الأمناء المخلصين إلى اكتشاف وفهم الحقيقة، حيث إنه لا يوجد لاهوت بدون اعلان عن الحقيقة “كل الحقيقة”[5]. وعلى هذا الضوء فإن مشكلة طبيعة المسيح، على سبيل المثال، في القرون الأولى كانت مشكلة لم يشار إليها[6] من قبل لا في نصوص الكتاب المقدس ولا في التقليد مع أن المسيح تكلم عن نفسه وجاء الرسل وتلاميذه متكلمين عنه إلاّ أن هذا الموضوع أعلن عن طريق الروح القدس بواسطة آباء الكنيسة أمثال كيرلس الأسكندري وغيره.

سنتكلم في هذا الموضوع بإيجاز فيما بعد.

نحن نؤكد أنه في حقل اللاهوت الآبائي توجد طريقة حية قوية يتم عن طريقها النجاح والتقدم في فهم ومعرفة الحقيقة التي كانت بداياتها وأساسها وجوهرها الكتاب المقدس والتي أيضًا ستظل غير معلنة بالكامل. إن التقدم في معرفة هذه الحقيقة يتحقق عن طريق الروح القدس مستخدمًا بعض أعضاء الكنيسة والذين صاروا آباء ومعلّمين فيها.

غريغوريوس اللاهوتي ويوحنا ذهبي الفم في توضيحهما وتفسيرها لكيفية إعلان الله عن النفس البشرية ويذكرون أن مسيرة الإعلان كانت في تطور، فيقولون إنه كان مستحيلاً وغير منطقي إطلاقًا أن يبدأ المسيح رسالته بالإعلان عن نفسه أنه مساو للآب، كيف يكون ذلك وهم لا يستطيعون أن يدركوا أو يفهموا [ مَن هو الآب ومَن هو الابن ][7].

في حديث غريغوريوس اللاهوتي عن الاعلان يقول[8]: إنه من الخطأ أن نظن أن الله سوف يعلن عن نفسه للإنسان ما لم يطلب الإنسان ذلك بصبر طويل باحثًا ومفتشًا عن ذلك وبالتالي على الإنسان أن يطلب فهم الاعلان في سعي مستمر وبدون ملل وذلك واضح تمامًا في أعمال الآباء وكيف كان لجهادهم المستمر مع الحقيقة أن عرفوا بعضها وستعلن لكل مَن يطلبها كما طلبها هؤلاء.

 

الحقيقة عند الآباء:

الحقيقة التي تكلم عنها الآباء كإجلاء وتوضيح للإعلان الإلهي:

بعد كل ما ذكرناه هذا نطرح السؤال التالي:

ما هو اللاهوت الذي قدمه الآباء؟ أو ما هى الحقيقة التي عبر عنها الآباء وقدموها كنتيجة للفهم الأصيل للحقيقة التي جاء بها الإنجيل والتقليد؟

في البداية نريد أن نوضح أنه طالما هو فهم للحقيقة فما قدمه الآباء ليس هو حقيقة جديدة. فالقديس إيريناؤس يذكر مؤكدًا أن الأب اللاهوتي لم يأت بمسيح جديد ولا بإله آخر ولكنه يدخل بعمق إلى هذه الحقائق الإلهية الموجودة، والعمق هنا بكل أبعاده سواء النظري في البحث والتعمق أو بحياته فيعيش العمق. فكل مَن عاش العمق بدموع وأنين ومعاناة مرة صنع طرقًا جديدة لم تكن جديدة لم تكن مسلوكة من قبل وهذا بالفعل ما حققه الآباء في تعمقهم. معطين إجابات وحلولاً للمشاكل التي كانت، وهذه الإجابات هى توضيح وتفسير للحقائق الموجودة، كما قلنا.

والحقيقة التي نحن بصددها الآن لا يتم الاعلان عنها ومعرفتها بمحاولات الإنسان الفردية فقط بل بمساعدة التدخل الإلهي. فالحقيقة التي نحن بصددها الآن يتم الاعلان عنها في كثير من الأحيان عن طريق مساعدة الروح القدس العامل في الآباء والمعلّمين والمشترك معهم في الاعلان عن هذه الحقيقة.

وعندما لا يتدخل الروح القدس في الاعلان عن الحقيقة الغير واضحة يكون التوضيح غير مقنع، والتفسير يكون خطرًا.

بل بالعكس بدلاً من أن يكون تفسيرًا وتوضيحًا لشئ غير واضح فإنه يزيده تعقيدًا ويؤدي إلى هرطقات حيث يكون منبعها الخيال عند هؤلاء الذين ظنوا ويظنون إلى يومنا هذا أنهم آباء ومعلّمين أن الروح القدس يقودهم في أمور ومواضيع ومشاكل الإنسان العصري، فيضعون رؤيتهم ويجدون حلولاً ليست لها علاقة إطلاقًا بالحق وبدلاً من أن يقودوا الإنسان إلى معرفة الحق، يضللوه بضلالهم البعيد كل البعد عن روح الله، هذا ينطبق سواء على مشاكل الإنسان أو تعاليم الكنيسة العقائدية.

فعلى سبيل المثال نجد موضوع العلاقة بين الآب والابن والذي كان مشكلة خطيرة وضخمة في القرن الرابع وتعبت منه الكنيسة تقريبًا قرنين من الزمان وهى تبحث في ذلك الموضوع الذي لم يكن واضحًا تمامًا لا في الكتاب المقدس ولا في التقليد ولكن بعمل الروح القدس مع آباء الكنيسة ومعلّميها وجدت الكنيسة حلاً لتلك المشكلة التي أضرتها كثيرًا وأرهقتها.

وبواسطة التعبير الآبائي اليوناني “أوموسيوس” الذي يعني “الواحد في الجوهر” أو المساوي في الجوهر” خرجت الكنيسة من هذه المشكلة.

إن ما قدمه الآباء للمؤمنين وللبشرية شئ عظيم له لمعانه ونوره كنتيجة للشركة مع نور الروح القدس[9].

وحسب تعبير القديس أثناسيوس الكبير[10] أن الله أعلن عن نفسه لبعض المؤمنين اللاهوتيين الذين عندهم، أو أعطيت لهم موهبة فهم الاعلان، حيث إنهم أمناء من كل جهة.

 

العطاء الذي قدمه الأب والمعلّم هو تفسير وتوضيح وليس تعديل أو معرفة عقلية إجتهادية:

في كل مسيرة الكنيسة فإن الأب والمعلّم دائمًا ـ بواسطة استنارة الروح القدس ـ يقدم شئ أكثر مما هو موجود لتوضيح الحقيقة، حيث إن أساسهم في ذلك ومرجعهم هو الكتاب المقدس وبالتالي مع الوقت تكونت النواة اللاهوتية الآبائية والتي كان التاريخ والفلسفة أيضًا من مراجعها.

هذه النواة اللاهوتية التي كونها الآباء والمعلّمون والتي توضح الحقيقة في اتساعها. هل تعني يا ترى تعديلاً للإعلان الإلهي؟ أم هى شئ آخر؟

وبتوضيح أكثر: هل الآباء قاموا بتعديل ما أخذوه من المسيح رب المجد ومن الآباء الرسل؟ بالطبع لا!

كل ما هو موجود في الكنيسة كحقيقة هو أصيل وحقيقي ولا يقبل تعديلا أو تصحيحًا لآنه صحيح في أصالته. إن كل تعليم معلن هو عمل الله لأجل خلاص الإنسان، والذي هو أصيل في كل العصور من القرن الأول الميلادي حينما أعلن، وحتى يومنا هذا. لأنه إذا كانت التقدمة اللاهوتية التي قدمها الآباء هي تعديل لمسيرة الإعلان الإلهي، لكان هذا دليًلا واضحًا على أن عمل الآباء هو رفض وإنكار للكنيسة وليس مكمًلا لها. إن تعاليم الآباء في الكنيسة هي إضافة خبرتهم الإلهية للحقيقة التي هي حصيلة استنارتهم بالروح القدس[11]، إلى الحقيقة.

إن الروح القدس هو الذي يعطي الكلمة التي تكلم بها الآباء وهو الروح القدس نفسه الذي انسكب على تلاميذ يوم تكوين الكنيسة “يوم الخمسين” والذي كان وسيكون،وينسكب ويعلن لكل إنسان ينسكب بإيمان وإخلاص وبروح التواضع والانتباه لعمل الروح القدس الذي لا يحجز نفسه عن الأمناء.

إن الكنيسة بواسطة آبائها ومعلّميها الموهوبين من الروح القدس لمعرفة[12]وتمييز الحقيقة التي يعيشونها كخبرة حية، تنمو وتتقدم، وهذا في حد ذاته ربح عظيم للكنيسة. إن الحقيقة ليست هى في زيادة ولا نقصان ولكن هى متطابقة مع الحقيقة الإلهية[13] أى أن الإنسان تتسع خبرته في فهمها.

في كثير من الأحيان يحدث ليس في موضوع الحقيقة وكيف قدمها الآباء في كتاباتهم، وهل هى حقائق أخرى بخلاف الحقيقة الإلهية أم هى نفسها؟ وإن كانت هى نفسها فماذا قدم الآباء؟

كل هذه التساؤلات تعطى للقارئ فرصة للبحث ونحن قد أجبنا على بعضها. ويأتي القديس باسيليوس الكبير يقول[14].

” لا تضع في الكنيسة قوانين تؤهلنا إلى مزيد من الحقائق ولا عقائد جديدة، وإنما هو مزيد من التمثل بالآباء الرسل الذين شرحوا الحقيقة.

 

الآباء والكتاب المقدس:

إن التعاليم التي قدمها آباء الكنيسة ومعلّميها الذين كانت لهم خبرة ومعرفة بالحقيقة لم يكن لها طابع الإنفصالية أو الآراء البعيدة عن الواقع، بل كانت حياة معاشة وتعاليم وفقًا لتعاليم الكتاب المقدس ولهذا فإن كل ما قدمه هؤلاء للمؤمنين، والذي صار فيما بعد تقليدًا لها، له نفس الخط والتعاليم الواردة في الكتاب المقدس. إن فكر الآباء وتعاليمهم نابع ومؤسس على تعاليم الكتاب المقدس وذلك لأن عندهم الاقتناع التام بأن الكتاب هو موحى به من الله ويعبر عن الحقيقة ” الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهبًا لكل عمل صالح ” (2تيمو16:3).

لقد وجدوا في الكتاب المقدس أنه يعبر عن الحق وليس هو الحق لأن الحق الإلهي لا يستطيع كتاب أو كتب أن تحتويه لأن الحق هو الله.

إن الآباء أدركوا بوعي هذه الحقيقة وهى أن نصوص الكتاب هى نور من الرموز المستخدمة للتعبير عن الحقيقة الإلهية. أو بمعنى آخر: فقد رأى الآباء أن العناية الإلهية قد استخدمت كلمات وتعبيرات كرموز بواسطة الإنسان لتعبّر عن الخلاص الذي أعده الله للبشرية. إن آباء الكنيسة ومعلّميها أكدوا في كتاباتهم العديدة أن كلمات الكتاب المقدس سواء في ذاتها أو في معناها تخفي ورائها معاني كثيرة جدًا تحتاج إلى الكثير في فهمها.

الآباء في كتاباتهم عن الحقيقة قد قاموا بتوضيح الكثير من كلمات وتعبيرات الكتاب والتي كانت صعبة في فهمها، فالحقائق التي كتبوا عنها وتكلموا وعاشوها هى مرتبطة تمامًا بالكتاب، هذا إذًا لم تقل إنها هى نفسها وأن الجديد الذي جاءوا به هو تفسير ما هو مخفي وراء الكلمات والتعبيرات ورموز الكتاب المقدس.

والآباء في مجموعهم قد وضعوا معيارًا للكلمات التي تكلموا بها ومدى أصالة ما كتبوه وما سيكتب فيما بعد ومطابقته لما كتب في الكتاب المقدس وأن المعيار الذي وضعوه هو الفاصل بين الردئ والأصيل فيما كتب، وهل كل جديد يكتب هو أصيل مستضيئ بالنور الإلهي؟!

وعلى العكس من ذلك كان الهراطقة الذين لهم خطهم البعيد عن الحقيقة الأصلية. فقد استخدموا خيالهم في تفسير وتوضيح المكتوب بعيدًا كل البعد عن نور الروح القدس[15]. بنوا وصنعوا آراءهم بأفكار مظلمة بعيدة عن الحقيقة.

وعندما يتكلم الآباء ع عمل الروح القدس في توضيح ما هو صعب أو إضافة ما هو جديد بالطبع هذا لا يلغي إطلاقًا الفكر الإنساني أو بتعبير أدق لا يلغي العمل الإنساني في الشرح والتفسير فالروح[16] فقط يرشد ويقود. فمن أعمال الروح القدس أن يوضح ويساعد الإنسان أن يقبل الحقائق التي لم يكن يعرف عنها شئ أو يعرف عنها القليل جدًا.

إن كل تعاليم سواء عقائدية أو غيرها لا تقدم للإنسان شئ يجعله يتقدم في طريق المعرفة الأصيلة للحقيقة، تعد تعاليم فاسدة ضد الكنيسة ومن الضرورى أن نوضح أنه على الرغم من أن تعاليم الآباء والقديسين والمعلّمين في الكنيسة الأولى والتي لها مكانتها التي لا تقل إطلاقًا في قيمتها عن قيمة الكتاب المقدس، وفي نفس الوقت ليست هى تكملة له، وإنما هى مواضيع قد تكون مؤقتة أو مستمرة، لبعض احتياجات المؤمنين والتي لم تكن واضحة في الكتاب المقدس وأيضًا بعض المشكلات التي أُثيرت سواء من المؤمنين أو من الهراطقة الذين أرادوا أن يضروا الكنيسة بأفكارهم المضللة وإصرارهم عليها. ومن بين هذه المواضيع:

  • بتولية مريم والدة الإله.
  • طبيعة المسيح.
  • ألوهية الابن.
  • ألوهية الروح القدس.
  • انبثاق الروح القدس.
  • احترام وتكريم القديسين.
  • تكريم الأيقونات المقدسة.

ومن خلال هذه المواضيع والمشكلات وغيرها استطاع آباء الكنيسة ومعلّميها مع عمل الروح القدس فيهم أن يقوموا بالشرح والتوضيح لها حيث عاشوا هذه الحقائق في أصالة تامة فكان التعبير والشرح أصيل خالي من السلبيات.

 

الكنيسة الأرثوذكسية وأصالة أبنائها:

الكنيسة قبلت حضور الآباء في أحضانها وعاشت بهم حيث كان لهم الطريق الأرثوذكسي الأصيل. كان في وعى الكنيسة أن آبائها ومعلّميها كانوا استمرارًا وامتدادًا للرسل.

إن الروح القدس الذي أنار[17] الرسل وأرشدهم في طريق خلاص المؤمنين. أرشد[18] أيضًا الآباء في طريقهم.

طالما أن الآباء هم امتداد واستمرار الرسل فبالتالي فإن أعمالهم أصيلة لها كل الاحترام والتقدير من الكنيسة لأنهم في الحقيقة حجارة أساسية ملتصقين وملتحمين بحجر الزاوية المسيح.

إن الثقة الكاملة من الكنيسة في الآباء أدى إلى التقدير والاحترام للاهوتهم المعبر عن أصالة الكنيسة.

إن الدعامتين الأساسيتين اللتين اعتمد عليهما الآباءء في كل أعمالهم التي يعتمد عليها اليوم كل لاهوتي أصيل يطلب خلاص المؤمنين ويشرح لهم اللاهوت سواء النظري أو العملي هما الكتاب المقدس[19] والتقليد[20] لأن في الحقيقة بدون هذين لا تستطيع الكنيسة أن تحيا.

هل كل ما يكتبه الأب أو المعلّم سواء في شرحه لبعض المواضيع اللاهوتية أو الآراء التي يقمها للكنيسة تعد صحيحة خالية من الأخطاء والعيوب والانحرافات؟ هل يا ترى كل ما يكتبه الأب أيًا كان يدخل تحت التقليد الكنسي؟ هل يا ترى الآباء لم يخطئوا؟

والمشكلة تزداد تعقيدًا حينما يطرح سؤال آخر، نحن نعرف أن الآباء أكملوا ما بدأ به المسيح والرسل فهل أكملوا بأخطاء أم هم أيضًا كانت لهم العصمة من الخطأ؟

 

هل الآباء كانت لهم العصمة من الخطأ أم أخطأوا؟

نحن نذكر أو نصيغ هنا عنصرين من خلالهم تدور الإجابة أو بعض الإجابة:

1 ـ أن الآباء صاغوا لاهوتهم بواسطة استنارة الروح القدس.

2 ـ أن الآباء نعم أخطأوا وكانت لهم أخطاؤهم الخاصةوليست العقيدية.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف نطابق العنصرين معًا؟

إن حقيقة استنارة الروح القدس للآباء هو شئ لا يقبل النقاش، فبالحقيقة تكلم الآباء بالروح القدس وكان من نتيجة ذلك أن الكنيسة أخذت تعاليمهم الصحيحة وأدخلتها على التقليد كمكمل له لأن هذه التعاليم كانت متفقة تمامًا مع الكتاب المقدس والتقليد حيث كانت المجامع المسكونية التي أفرزته ونقحته وتأكدت من أنه خال من كل انحراف أو خطأ.

وكان حرص الكنيسة على فحص أعمال الآباء لأنها كانت تعلم تمامًا أنه توجد بعض الأخطاء التي سقط فيها بعض منهم. والكنيسة تدرك أن هذه الأخطاء ترجع إلى ضعف الطبيعة الإنسانية في شرح وتفسير الحقائق الإلهية.

الآباء في أخطائهم التي وقعوا فيها لم تكن في مواضيع كانت الكنيسة في حاجة ملحة إليها ولا في موضوعات خاصة بخلاص الإنسان، لأن هذه المواضيع لم يعد للرأي الشخصي مجالاً للحوار فيها بل قاد[21]. فالكنيسة دائمًا يقظة في كل خطواتها ونظرتها الشاملة للأمور فلا تقلل من قيمة الأب الذي في طريقه (يخطئ) ولا تزيد قداسة الأب الذي (لا يخطئ) وإنما هى تعلم تمامًا ما هو الإنسان، والذي يهم الكنيسة في هذا المجال هو ألا يستمر الأب في خطاه أو بمعنى آخر ألا يستمر في توسيع الخطأ. نحن ننظر إلى نهاية سيرتهم ونتمثل بهم، ولاسيما في حالة القداسة التي وصلوا لها بفعل عمل النعمة الإلهية وجهادهم المستمر.

 

الدقة والتدقيق والتنوع والتميز التي كانت عند الآباء:

وهنا أيضًا نشير إلى آباء الكنيسة التالين لا يأخذون ما كتبه الآباء السابقين على ما هو عليه بدون نقاش وبحث بل فاحصين كل شئ بالتدقيق. إن كل أب من آباء الكنيسة يمثل ينبوع يعطي في كل اتجاه. فهم قد شربوا وتغذوا من أمهم الكنيسة وعاشوا الإنجيل وتعلموا وعرفوا التقليد فكانت خلاصتهم الروحية واحدة وجوهر الحياة الروحية واحد عندهم، ولكن سنجد أن كل أب منهم له مميزات محددة ورأي قد لا نراه عند غيره وهناك أمورًا كثيرة لعبت دورًا في ذلك.

وليس مجالنا هنا أن نحصرها، مركزين فقط على أن العصر الذي عاش فيه كل أب يختلف عن الآخر والمشاكل التي واجهت الكنيسة وقتها تختلف عن غيرها. فنرى أنه كل واحد منهم قد انفرد بشئ مختلف، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أثناسيوس وموضوع “مساواة الابن للآب في الجوهر” (أوموسيوس) وكيرلس وموضوع طبيعة المسيح، غريغوريوس وموضوع انبثاق الروح القدس من الآب.

حيث إن انفراد الأب وتخصصه وتركيزه على هذا الموضوع بالذات جاء نتيجة أزمة ومشكلة كبيرة كانت في عصره ولم يوجد وقتها حل، ولم يأت الحل سريعًا لهؤلاء بل كان صراعهم المستمر مع الحقيققة وانسكابهم بدموع حقيقية أمام الله أعطيت لهم الحقيقة التي استطاعوا بها أن يخلصوا الكنيسة من الأزمات التي مرت بها وتقديم الطريق السليم للخلاص للمؤمنين.

وقد كانت الكنيسة مضطربة وقت إثارة هذه المشاكل والتي لم يكن أمامها حلاً واضحًا. واهتمامها كان كامنًا في ألا يضيع خلاص بعض المؤمنين وبالطبع كان هذا يتوقف على مدى حدة المشكلة. فنجد أن موضوع الأزمة الذي ظهر في القرن الرابع بعد المسح تقريبًا والخاص بالثالوث كان موضوعًا خطيرًا فقد أراد المؤمنين أن يتأكدوا من ألوهية الروح القدس لأنه إن لم تكن هناك ألوهية للكلمة فلا خلاص للإنسان مع المسيح وبالتالي فلا خلاص للبشرية وهنا يصير واضحًا كم كانت الحاجة ضرورية في كل مرة تنشأ مشكلة في الكنيسة أن يجد آباءها ومعلميها لها حًلا[22].

 

الآباء والخبرة:

1ـ المرحلة الأولى:

مما لا شك فيه أن الآباء في بحثهم عن الحقيقة الإلهية بكل أبعادها وأعماقها كان الهدف هو أن يعيشوا هذه الحقيقة لأنفسهم أو بمعنى آخر أنهم أرادوا أن يكونوا على يقين تام أنهم يتبعون الحقيقة وليست خرافات[23]، فهم لم يأخذوا الأمور على ما هي علية بل فتشوا عن الحقيقة التي هي حقيقة أصلية ووجدوا في النهاية أنهم بالفعل لم يعبدوا خيالات أو خرافات وإنما يعبدون الإله الحقيقي.

 

2ـ المرحلة الثانية:

وهي أن هذه الخبرة الإلهية التي عاشوها مع الحقيقة تصير رصيدًا للكنيسة وللمؤمنين فبالرغم من أن الخبرة كانت شخصية إلا أن الآباء عرفوا حقيقة أهمية ما عرفوه حتى ولو كان على المستوى الشخصي فبعضهم (بعض الآباء والمعلمين) صاغوا خبرتهم الشخصية في كتابتهم وهم يعلمون أنها ستكون ينبوعًا ورصيدًا سوف تستخدمها الكنيسة على مر العصور.

 

3ـ المرحلة الثالثة:

وهي قيام الآباء والمعلمين بصياغة هذه الخبرة بطريقة يستطيع عن طريقها القارئ أن يستوعب هذه الخبرة. وهنا تظهر خطوط الآباء في التعليم ومكانة كل منهم في اللاهوت وعلى الرغم من أنهم يلتقون ويتفقون في المواضيع الكبيرة إلا أننا نجد أن لكل منهم خطه الواضح والمتميز عن الآخر وذلك نتيجة للاختلاف في خبراتهم وثقافتهم واستيعابهم لبعض هذه الحقائق.

 

الآباء والتعبيرات اللاهوتية الجديدة:

تظهر نقطة أخرى وهى أهمية إدخال الآباء الإصطلاحات الجديدة التي لم تكن معروفة من قبل. فخبرتهم أعطتهم قوة التعبير التي ولدت لنا كلمات لاهوتية لم تكن موجودة من قبل في القاموس أو في عالم اللغة، وعلى الرغم من أنهم استخدموا كل اللغات سواء الفلسفية، السياسية، المدنية، الفنية، الاقتصادية إلاّ أنهم أنتجوا تعبيرات لاهوتية جديدة، هذا بالطبع لأنهم لم يتركوا مجالاً لم يعرفوه فقد عرفوا كل لغات عصرهم وكل التيارات المحيطة بهم وكان ذلك نتيجة وعيهم بأن المسيحي الحقيقي يجب أن يعلم بكل ما يحيط به في كل اتجاه وعرفوا أنه من الخطورة أن يعلم بدون أن يعرف ما يجري بجانبه لئلا تصير تعاليمه غير نافعة لأنها ستكون بعيدة عن عصره ومشاكله.

ونحن نعلم أن بعض الآباء وصلوا في ثقافاتهم إلى حد بعيد جدًا فقد درس بعضهم كل أنواع الفلسفة التي كانت موجودة في عصرهم وتأثروا بها تأثيرًا إيجابيًا ولم ينحرفوا إطلاقًا في فكرهم بل سعدهم ذلك بالإضافة إلى دراسة الأدب والقانون والشعر والتاريخ ساعدهم على الارتفاع بمستوى الإنسان الذي أرادوا أن يقدموا له يسوعًا مكتملاً وليس ناقصًا، المسيح الكلمة الإله المتجسد فقد اهتم الآباء بكل شئ ولم يحتقروا شئ على الإطلاق بل قدسوا كل شئ أو بالأحرى وجدوا أن كل شئ مقدسًا بعيدًا عن أى انحراف نحن نظنه.

بالتالي فقد وجدنا في الآباء من هو أديب ومن هو شاعر ومن هو فنان ومن هو كاتب ومن هو فيلسوف[24].

وهنا نطرح السؤال:

نحن نعلم تمامًا أن معظم[25] الآباء درسوا باستفاضة الأدباء والفلاسفة اليونانيين وتأثروا بهم إما بقليل أو بكثير، فما الفرق إذًا بين أعمال الأدباء وأعمال هؤلاء الفلاسفة ..؟ فإذا قلنا وهذا صحيح تمامًا أن هؤلاء الفلاسفة وفلسفتهم قد خدمت الإنسان قديمًا وتخدمه وستخدمه غدًا لأن الفلسفة كما تعلم هى أيضًا غذاء نافع للإنسان.

 

الفرق بين عمل الآباء وعمل الفلاسفة:

ويمكن هنا في كلمات بسيطة على سبيل المثال وليس الحصر أن نذكر بعض الفروق بينهم تاركين للقارئ فرصة البحث والدراسة مع التفكير في بقية الاختلافات بين عمل الآباء وعمل الفلاسفة.

 

+ إن الآباء يقومون بتفسير وتوضيح التقليد:

هذا بناء على أسس وقواعد محددة ومعينة بواسطة الاعلان المعلن عنه في الكتاب المقدس، حيث إن عندهم “الحقيقة” ـ كلمة الله ـ المعلن عنها والتي تشكل عندهم مادة موجودة. أما الفلاسفة فليس عندهم حقيقة معلن عنها بل هم بنفسهم يبحثون عن الحقيقة وقد يدونها وقد لا يجدونها.

ومما لا شك فيه أن الآباء حاملين ومعبرين عن الحقيقة الواردة في الكتاب المقدس كما في التقليد. ولم يكن هذا عمملاً سهلاً بل أن اكتشاف الاعلان الإلهي هذا كلف الآباء والمعلّمين دموع وجهاد كما صارع يعقوب مع الله حتى طلوع الفجر.

وهذا يظهر عمل الآباء في هذا المجال على النحو التالي:

 

التعبير عن الحقيقة الإلهية وكشفها للإنسان المعاصر:

الذي يعاني من بعض المشاكل التي في كثير من الأحيان تكون مدمرة وخطيرة مؤكدين لإنسان العصر أن يسوع المسيح هو المنتصر على كل روح مدمر وهو المحتضن لخائفيه ومنجيهم مسيجًا حولهم بسياج حبه وإذا قمنا بدراسة موضوع محدد عند بعض الآباء تجدهم قد أعطوا اعتبارًا لكل ظروف عصرهم مؤكدين على ما يجب أن يعمله ويتبعه الإنسان ليخوض بسلام معركته مع الزمن.

الدخول نحو عمق الحقيقة:

والدخول نحو العمق ليس من السهل بل يحتاج إلى إنسان عرف كيف يضع كل شئ جانبًا مُضحيًا (بكل شئ) لأجل معرفة الله والشركة العميقة معه، إذ نجد أن معظم آباء الكنيسة ومعلّميها عاشوا ودخلوا الأعماق فكانت حياتهم وكتاباتهم معبرة عن ذلك.

وإذ نجد أيضًا أن الفلاسفة يطلبون الحقيقة بكل أعماقها وأبعادها مفتشين عنها في كل مكان ولكن الطريقة في البحث وما يقدم للإنسان هو من نوع آخر يختلف كثيرًا مع ما يقدمه الآباء والمعلّمين حتى ولو التقوا في بعض الأحيان في بعض الموضوعات.

فالفلاسفة يقدمون الحقيقة ويوضحونها بناء على مقاييس عقلية بحتة فكل ما لا يخضع للعقل فليس من الحقيقة مؤكدين على أن العقل هو الأساس والحاكم في كل شئ وهنا تختلف الطريقة والمعيار وبالتالي تختلف النتيجة.

الفلسفة لا تحتاج أن يعيش صاحبها الحقيقة ليخرجها وإنما عليه فقط أن يدركها بعقله، مختلفين مع الآباء والمعلّمين الذين عاشوا الحقيقة في أعماقهم وفي قلوبهم وعقولهم وأرواحهم فخرجت الحقيقة لأناس مكتملين ناضجين من كل النواحي عقليًا، نفسيًا وروحيًا.

الفيلسوف ليس عنده تقليد ولا ماضي فهو لا يعتمد على أحد قبله في الاكتشاف والبحث وراء الحقيقة بل يقوم بنفسه بإظهارها وقد يكون مختلف تمامًا من سبقوه وبأدلة وبراهين أخرى.

أما الأب والمعلّم فهو يعتمد اعتمادًا كليًا على الكتاب المقدس والتقليد، اللذان بدونهما لا يمكن أن يقدم لاهوت وقد يختلف أحد الآباء مع الآخر في بعض النقاط ولكن الانطلاقة واحدة والأساس وحجر الزاوية واحد.

 

+ الآباء والمجامع الكنسية:

هل يا ترى آباء الكنيسة ومعلميها لعبوا دورًا مهمًا في المجامع المقدسة وساهموا فيها بقوة؟ مما لا شك فيه أن عمل الآباء والمعلّمين وجد سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في المجامع سواء مسكونية أو محلية، ولكن غير واضح تمامًا فقد يكون أحد الآباء عضوا في المجمع أو قد لا يكون عضوًا. فنجد أنه في المجمع المسكوني الأول قد لعب القديس أثناسيوس الكبير دورًا أساسيًا ومهمًا بل كان له أهمية قصوى وذلك دون أن يكون عضوًا في المجلس المكون للمجمع. كما نجد في المجمع المسكوني الثاني أن أثناسيوس الكبير كان أن انتقل في حين قد تغيب القديس غريغوريوس اللاهوتي ورغم ذلك نجد أن قرارات المجمع[26] وتوصياته كانت معتمدة أساسًا بل كليًا على تعاليم هذين الرجلين.

كما أنه في المجمع المسكوني الثالث نجد القديس العظيم كيرلس الأسكندري كان عضوًا ورئيسًا له وهو معروف بدوره اللاهوتي البارز فيه.

إذًا فتعليم المجامع لا يمككن أن يعتبر بأى حال من الأحوال أنه تعليم منفصل عن تعاليم الآباء وسوف لا نبالغ إذا قلنا إنه هو نفسه تعاليم الآباء ومعلّمي الكنيسة.

 

+ كيفية فهم وتفسير كتابات الآباء:

عند الدخول إلى ينابيع كتابات آبائنا نجد أننا بصدد أمور صعبة في تذوقها من ناحية وصعبة في التعبير عنها والاقتراب منها من ناحية أخرى وهذا يرجع في البداية إلى أننا بصدد أمور إلهية وخبرات شخصية عاشت الحقيقة. ولكن بالنسبة للإنسان الذي له خبرة مع الروح القدس وحياة أمينة جادة في جهاده لمعرفة الحقيقة فإن تعاليم الآباء لا تكون صعبة عليه.

وعلى الرغم من أن الآباء عاشوا في العالم وتعاملوا بكل ما فيه واستخدموه على أكمل وجه إلاّ أن تعاليمهم وكتاباتهم كانت شئ مختلف عن مما في العالم أو له طابعه الخاص يصعب التعبير عنه لأنه يعبر عن الحقيقة الإلهية التي شاركوها وتعاملوا معها وعاشوها وعاشوا لها.

ومما لا شك فيه أن المؤمنين الذين لهم شركة وذاقوا الحقيقة يعرفون ويشعرون بمدى ما يتمتع به الآباء من جاذبية وملء وكيف أن بعضهم قد وصل إلى القداسة الكاملة والعشرة الحية مع الله حتى ولو أنهم في بعض اللحظات في حياتهم رأوا الله الكلمة في داخلهم وتكلموا معه.

ولكي يستطيع الإنسان أن يفهم ويفسر ما كتبه الآباء ليس من واجبه فقط أن يعرف كل ما دار وكان في عصرهم من فلسفة واجتماع وتاريخ وحضارة وغيرها لأننا إذا توقفنا عند هذا الحد لكانت شخصية الأب والمعلّم شخصية لا تختلف عن مجرد شاعر أو مؤرخ أو فيلسوف أو رجل اجتماع فقط وإنما لكي يستطيع الدارس أو المهتم بالأمر (الباحث) أن يعرف ما كتبه الآباء ويفهمه ويفسره فعليه بالإضافة لكل ما سبق والذي يمثل فقط جانب المعرفة النظرية لابد وأن تكون له شركة حقيقية مع الأب والمعلّم والتي هى بالضرورة شركة حقيقية مع الروح القدس.

وبالتالي فعلى الباحث أن يحيا شركة حقيقية مع الأب والمعلّم وبالتالي يستطيع أن يفهم ويفسر كل ما كتبه وبدون هذه الشركة فلا فهم حقيقي وتفسير للآباء.

 

+ الهدف من دراسة الآباء:

وهنا يطرح السؤال نفسه:

ما هى القيمة الحقيقية لدراسة الآباء (آبائنا ومعلّمينا)؟

ـ وتأتي في المقدمة أهمية معرفة كيف كان فكر وروح الآباء الذي هو فكرنا وروحنا أو ماذا يجب أن نكون عليه.

ـ معرفة كيف استطاعوا أن يحموا الكنيسة من كل تعليم خارج التعاليم الصحيحة.

ـ معرفة كيف عاش الآباء الحقيقة بكل أبعادها، عاشوها في عصرهم ولم ينسوا أو يتناسوا شيئًا فيها.

ـ وبالرغم من أهمية كل ذلك لكن يأتي الأهم والهدف الأساسي من دراسة الآباء وهو ليس فقط أن نتعلم ونعرف ما عمله الآباء والمعلّمون وعرفوه ولكن لندخل بهم ومعهم إلى الأعماق بالروح القدس الذي دخلوه من الباب الضيق بالصلاة، الذي أدخلهم إلى حظيرة أولاد الله القديسين بالحقيقة، لنعرف بهم ومعهم كيف كانت الحقيقة صعبة ليعرفوها بكل أبعادها. فقد عرفوها وعاشوها بآلام كثيرة وجهاد مرير وكيف كانت قلوبهم تدق بقوة كأجراس الكنائس في البرية عندما كانوا يتقدمون ويتكلمون عن الرب يسوع في كنيسته المقدسة.

ـ ونتعرف عليهم لنعيش معهم في جهادهم وآلامهم وأحزانهم وأفراحهم وكيف كان إيمانهم المطلق في الروح القدس الذي عرفوه عاملاً بقوة فيهم.

ـ لنعرف معنى اللاهوت الحقيقي ونستمد منهم قوة العمل والسر والبحث المستمر في كل ما يقدم إلينا من تعاليم حتى ولو كانت من كبار اللاهوتيين بكل أشكالهم لئلا تكون تعاليم ليس لها أساس من الحقيقة بل غريبة[27].

فنطلب من كل آبائنا القديسين والآباء الذين غادروا الجسد، نطلب منهم أن يساعدونا بصلواتهم وتشفعاتهم أن نكمل خلاصنا نحن أيضًا ونلتقي معهم عند الآب.

القديس باسيليوس الكبير – حياته، رهبنته، قوانينه – د. عصام سامي زكي

القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) – حياته وأعماله وعصره

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

 

 

الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي

 

 

 

[1] الكنيسة أخذت هذه التسميات أو الألقاب لبعض الأشخاص من المعلّم بولس الرسول حيث اقتدت به لأنه كان أبًا روحيًا أنجب لها أولادًا في المسيح وكمعلّم هذبهم فيه (1كو14:4ـ16).

[2] القديس يوحنا ذهبي الفم في مجموعة مني Migne للآباء باليونانية مجلد 50 صفحة 154.

[3] القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات مجموعة ميني مجلد 36.

[4] القديس كيرلس الأسكندري مجموعة ميني مجلد 74 صفحة 176.

[5] “كل الحقيقة” هنا معناها أنه في كل عصر نحتاج إلى طريقة تفكير مقتادة بالروح القدس لنجد حلول لمشاكل الإنسان المتطورة وكيفية قيادته إلى الخلاص المعلن عنه في الإنجيل. وأيضًا “كل الحقيقة” المقصود بها التفتيش والتنقيب مع عمل الروح القدس عن بعض الصعوبات والتي لم يكن لها حل لولا تدخل الروح المعزي الذي قال عنه المسيح لتلاميذه أنه سيخبركم بكل شئ.

[6] توجد عقائد هامة في الكنيسة بالرغم من أنه لم يشار إليها بنص صريح واضح في نصوص كتب العهد الجديد مثل “طبيعة المسيح” أو “أوموسيوس” = المساواة في الجوهر أو “الوحدة في الجوهر” وغيرها إلاّ أنها تفهم من المحتووى اللاهوتي من معنى نصوص الكتاب المقدس ومن تفسير الآباء الذين قادهم الروح لحل مثل هذه الصعوبات.

[7] انظر ذهبي الفم في تفسيره عن أعمال الرسل الاصحاح الأول: 2.

[8] انظر القديس غريغوريوس، المقال 31 الباترولوجيا 36ـ161.

[9] انظر القديس غريغوريوس اللاهوتي، باترولوجيا 36؟

[10] انظر “القديس أثناسيوس الكبير والمجامع” تحت بند 40.

[11] يذكر غريغوريوس النزينزي في كتابه ، عن الروح الذي ينير الآباء والمعلمين في خبرتهم الإلهية في البحث عن الحقيقة فيقول في إحدى مقالاته “فليأت الروح القدس إليّ لأستطيع أن أعطي كلمة”. أو ترجمة أخرى “إن لم يعمل الروح القدس فيّ لا أستطيع أن أعطي كلمة”.

[12] يقول أستاذ العقيدة والدفاع بابا بترو Papa Petro بجامعة أثينا: إن ” فهم آباء الكنيسة للإله كان نتاج شركة حية مع عمل الله في تاريخ الاعلان الإلهي، وأن تفسيرهم لبعض المواضيع هو بالضبط شرح لهذه الشركة ” اعلان الله ومعرفته، ص41.

[13] هذا ليس معناه أن الحقيقة الإلهية معلنة وسهلة الفهم بدون مشاكل لاهوتية ولكن على مر العصور في القرون الأولى وجدت مشاكل كانت صعبة الحل وضاع للأسف ضحيتها الكثيرون، واحتاجت إلى الفهم الجيد للاعلان لاكتشاف معنى الحقيقة لبعض الأمور التي لم تكن واضحة. ولكن لأن آباء الكنيسة كانت لهم خبرة معها أى حياة القداسة التي عاشوها مع الحق، سمحت لهم في توسيع خبرتهم لفهم الحقيقة فاستطاعوا أن يجدوا حلولاً لهذه الصعوببات.

[14] انظر القديس باسيليوس الكبير في رسالته 223ـ225 إلى أستايوس.

[15] في هذا الصدد يقول ق. غريغوريوس الثيؤلوغوس” إن كل ما يكتب بواسطة الروح القدس محتوى وشامل الحقيقة وأن ما يكتب بدون الروح القدس فلا حقيقة فيه لأنه خالي من الأداة السليمة في التعبير، أى الروح القدس. (الباترولوجيا الجزء رقم 21 )

[16] يؤكد مكسيموس المعترف في بعض مقالاته أن مركز الإنسان هو قلبه الذي يعلن له فيه الروح القدس عن الحقيقة.

[17] انظر القديس أثناسيوس الكبير باترولوجيا الفصل الرابع تحت رقم 18.

[18] انظر الأستاذ: كرميريس أستاذ العقيدة في كتابه اعترافات رقم 12 صفحة 75. فيقول ” .. في سنوات الرسل كان المعلّم والقائد هو الروح القدس فجاء بعدهم الآباء الذي تعامل معهم الروح القدس بنفس القوة .. الخ “.

[19] الكتاب المقدس: هو كلمات الوحي الإلأهي والتي تكون العمود الفقري وحجر الزاوية والذي بدونه لا يمكن أن نتكلم عن أرثوذكسية ولا عن مسيحية.

[20] التقليد: نعني به كتابات الآباء، والذي لم يبدأ بها الآباء وإنما بدأه السيد المسيح والرسل ومن الجدير بالذكر هنا أن الكنيسة لم تخلق من عدم وإنما وجدت في مناخ يؤكد وجود التقليد الذي عاشه بالأخص الرسل مستوحينه من المسيح ثم حدث أن الآباء فسروه ووضحوه.

[21] إن اللاهوتي الأصيل لا يتكلم عن اللاهوتيات من نفسه ولأجل نفسه وإنما يتكلم من النعمة التي أعطيت له من الكنيسة ولأجل الكنيسة، يتكلم ويكتب اللاهوتيات طالما أن الكنيسة تعيش في شركة مع الإله المعلن عن نفسه. وبالتالي فإن التقدمة التي يقدمها الأب أو المعلم أو اللاهوتي الأصيل سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة هى تفسير وتوضيح للكتاب المقدس الموحى به من الله. (انظر الأستاذ/ بابا بترو في كتاب الاعلان الإلهي ـ طبعة أثينا 1969 ص10).

[22] والمقصود بالحل هنا الحقيقة الأصلية في كل أبعادها ، والتي تحتاج إلى خبرة حية مع الروح القدس.

[23] لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرفنا كم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته” (2بط16:1).

[24] يجب على كل معلّم في الكنيسة اليوم أن يحرص على معرفة كل ما يدور في العلوم الأخرى مثل الأدب والفن والقانون والتاريخ والسياسة وإلاّ أعددنا إنسانًا ناقصًا.

[25] هناك بعض الآباء رفضوا تمامًا كل نوع من أنواع العلوم الأخرى والتي لها علاقة بالفكر مثل علوم الفلسفة وذلك خوفًا من الفلسفة وغيرها التي تضر المؤمن والتي تخفي ورائها الكثير من الأمور التي لها علاقة بالروح والنفس الإنسانية ولذلك اعتبروا أن أى إشارة إلى مثل هذه العلوم مما لا شك فيه سيؤثر على خلاص المؤمن، وفي الحقيقة أن هؤلاء الآباء والمعلّمون الذين رفضوا العلوم الأخرى هم قليلون، وهذا ليس معناه أن هؤلاء الآباء لم يقوموا بدراسة هذه الأنواع من العلوم بل درسوها وعرفوها ولكنهم رفضوها تمامًا وكان خوفهم الأكبر أن تشد هذه الفلسفات المؤمنين واضعين أمامهم أمثال من قرءوا بعض الفلسفات بطريقة خاطئة حيث قادتهم إلى القيام بالهرطقات التي حرمتهم من الخلاص.

[26] وهذا معناه أن الحلول والإجابات على المشاكل التي طرحت في بعض المجامع لم تكن مقتادة بالروح القدس في نفس لحظة انعقاد المجمع وفي نفس المكان كما يقول بعض الباحثين بل هى إجابات وحلول كان بعضها موجود من قبل في كتابات وتعاليم الآباء وكان عمل الروح القدس وقتها (في المجمع) هو اختيار التعاليم الصحيحة والتي تخص المشكلة المحددة ليعتمدها المجمع ويصدق عليها لتصير عقيدة الكنيسة كلها.

[27] من الصعب جدًا ومن المحزن على الإنسان أن يقبل ما يقدم إليه بدون أن يعرف جذوره، فبدراسة آبائنا ومعلمينا وبجانبهم ستعرف كنيستنا الواحدة الجامعة الرسولية الأرثوذكسية.

 

الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

تحميل الكتاب PDF

مقدمة

هذه العظة تحمل عنوان ” يوم ميلاد المخلص ” وقد أُلقيت كما هو واضح يوم عيد الميلاد، وفيها يعلّم القديس يوحنا ذهبى الفم عن ميلاد المسيح من العذراء، أى لماذا أخذ شكل إنسانى، وبأى طريقة أخذه، ولماذا اختار هذه الطريقة.

وقد قدم فى هذه العظة تفسيرًا قيمًا مدعمًا هذا التفسير باقتباسات من العهدين القديم والجديد.

غير معروف على وجه التحديد زمن إلقاء هذه العظة، لكنه واضح أن ذهبى الفم كان يقاوم الهرطقة الآريوسية دون أن يشير إليها صراحةً، والتى شغلت المجمع المسكونى الأول والمجمع المسكونى الثانى (325، 381م) ويبدو للمرء أنه فى جزء من العظة صار تحليل لجزء من قانون الإيمان الذى يتحدث عن ألوهية المسيح، وهذا يدعونا إلى الاعتقاد أن تاريخ هذه العظة ليس بعيدًا عن سنة 381م. ويرجح أنه ألقاها بعد سيامته كاهنًا فى إنطاكية سنة 386م، وربما فى سنة 387م بإنطاكية.

تُرجمت هذه العظة من باترولوجيا Migne الجزء 56 من ص 385 ـ 394. ولإلهنا المحب الآب والابن والروح القدس الثالوث المساوى كل مجد وسجود وتسبيح الآن وإلى دهر الدهور . آمين .

أرى سرًا عجيبًا ومدهشًا، أسمع أصوات رعاة يصلوّن بتسبيح سماوي. ملائكة يرتلون، رؤساء ملائكة يمجدون، الشاروبيم يسبحون، والساروفيم يمجدون، الجميع يحتفلون برؤية الله على الأرض والإنسان في السماوات. وهذا الكائن أصلاً في السماء، يرونه بسبب تنازله ـ كائنًا على الأرض، وهذا الذي هو أصلاً على الأرض (أي الإنسان)، يرونه ـ بسبب محبة الله للبشر ـ موجودًا في السماء.

اليوم تشبهت بيت لحم بالسماء وبدلاً من النجوم استقبلت الملائكة الذين يمجدون، وبدلاً من الشمس، قبلت شمس البر بأسلوب لا يوصف. ولا نطلب أن نعرف كيف حدث هذا. لأنه عندما يريد الله فإن القوانين الطبيعية تنهزم. لذلك فهو قد تمم ما أراده، نزل إلى الأرض, وخلّص الإنسان.

اليوم وُلِدَ هذا الكائن منذ الدهور، والموجود منذ الأزل صار إنسانًا، دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. لأنه لم يصر إنسانًا متخليًا عن ألوهيته، ولا أيضًا صار إلهًا نتيجة تقدم أخلاقي، لكن بينما هو كلمةالله صار إنساناُ دون أن يعاني أي تغيير في طبيعته (الإلهية).

عندما وُلِدَ رفض اليهود ميلاده العجيب، والفريسيين أساءوا تفسير الكتب الإلهية، والكتبة تكلموا وقالوا عكس الناموس. هيرودس طلب أن يجد الطفل الذي وُلد لا لكي يُكرمه بل لكي يقتله (متى13:2). اليوم رأوا أمورًا مختلفة. لأنه كما يقول المزمور” لا تخفي عن بنيهم إلى الجيل الآخر مخبرين بتسابيح الرب وقوته وعجائبه التي صنع ” (مز4:78).

والملوك أتوا وهم مملوئين بالدهشة من الملك السماوي، كيف أتى إلى الأرض بدون ملائكة،بدون عروش، بدون قوات، بدون سلطات، لكن سار في طريق عجيب، لم يعبر فيه أحد ودون أن يترك ملائكته محرومين من حمايته ولا أخذ جسدًا إنسانيًا وهو تارك لألوهيته.

الملوك إذن سجدوا للملك السماوي، أتت الأجناد السماوية لكي تخدم رئيس القوات، أتت النساء لكي يسجدن للذي وُلِدَ من امرأة، لكي يحول فيما بعد حزن المرأة إلى فرح، وأتت العذارى لكي يسجدن لطفل العذراء، مندهشين كيف أن هذا الذي خلق الثدي واللبن وجعل الثدي يخرج لبن من نفسه، أخذ شكل طفل من أم عذراء. أتى الأطفال لكي يسجدوا لذاك الذي صار طفلاً، لكي يُنشد تسبيح المجد من أفواه الأطفال والرضعان.

أتى الرجال لكي يسجدوا لذاك الذي صار إنسانًا وخلص العبيد من الشرور التي أصابتهم. أتى الرعاة لكي يسجدوا للراعي الصالح الذي قدم حياته من أجل الخراف. أتى الكهنة لكي يسجدوا لذاك الذي أخذ شكل العبد لكي يمنح الحرية للمستعبدين. أتى الصيادون لكي يسجدوا لذاك الذي حّول الصيادين إلى صيادين للناس. أتى العشارون لكي يروا ويسجدوا لذاك الذي حولهم من عشارين إلى مبشرين. أتت الزانيات لكي يسجدن لذاك الذي ترك قدميه لدموع زانية.

كل الخطاة أتوا لكي يروا حمل الله الذي يحمل على كتفية خطية العالم، المجوس وضعوه نصب أعينهم، الرعاة باركوه، العشارون بشروا به، الزانيات قدمن طيبًا، السامرية عطشت لمصدر الحياة، الكنعانية أظهرت إيمانًا ثابتًا.

إذن فطالما أن الجميع ارتكضوا من الفرح، أريد أنا أيضًا أن ارتكض، أريد أن أحتفل، وأرقص لا عازفًا على قيثارة ولا محركًا لأوتار، ولا لاعبًا على مزمار ولا ماسكًا لشموع مضيئة ولكن ماسكًا أقماط المسيح بدلاً من الآلات الموسيقية. لأن هذه الأقماط هي رجائي، هي حياتي، هي خلاصي، هي قيثارتي. ولهذا أنا آتي ممسكًا بهذه الأقماط لكي آخذ منها قوة أن أتكلم وأقول مع الملائكة ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة ” (لو14:2).

ذاك الذي وُلِدَ من الآب بأسلوب لا يوصف، وُلِدَ اليوم من العذراء بأسلوب لا يُعبر عنه. فهو وُلِدَ من الآب قبل كل الدهور حسب قوانين الطبيعة الإلهية، تلك القوانين المعروفة من ذاك الذي وَلَدَه، بينما اليوم وُلِدَ أيضًا لا بحسب القوانين الطبيعية ولكن بنعمة الروح القدس.

وهنا الميلاد السماوي هو حقيقي والميلاد الأرضي أيضًا هو حقيقي ـ غير كاذب ـ بالحقيقة وُلِدَ إله من إله، وبالحقيقة هو نفسه وُلِدَ إنسانًا من العذراء. هو وحدة في السماء الابن الوحيد الجنس الذى وُلِدَ من الآب، بينما على الأرض هو وحده بذاته الابن الوحيد الجنس الذي وُلِدَ من العذراء. وبالضبط كما أنه في حالة ميلاده السماوي، يعتبر كفراُ أن نسأل عن وجود أم له، هكذا فإنه يعتبر تجديف أن نقول إن له أب في ميلاده الأرضي.

الآب وَلَدَ الابن بأسلوب يفوق الإدراك، بينما العذراء ولدته محتفظة بنقاوتها بغير فساد. الله ولده بدون زرع، لأنه ولده بأسلوب إلهي وليس كالبشر، والعذراء لم يصبها فساد لأنها ولدته بالروح القدس. وعليه فلا ميلاده السماوي يمكن أن يُشرح، ولا ظهوره في ملء الزمان كإنسان يقبل البحث لمزيد من الفهم.

إذن فمن حيث إن العذراء ولدته اليوم، فهذا أعرفه، ومن حيث إن الله ولده قبل الدهور، فهذا أؤمن به، لكن تعلمت أن أكرم بصمت أسلوب ميلاده، وألا أشرع في فهم كل هذا واضعًا إياه تحت الفحص. لأنه في حالة ولادة الابن من الآب، لا يجب أن يفكر المرء في كيفية هذه الولادة، ولكن فقط أن يؤمن بقوة ذاك الذي وُلد.

لأنه ناموس طبيعي أن تلد امرأة متزوجه من رجل، ولكن عندما ولدت العذراء والتي لم تعرف رجلاً وبقيت أيضًا عذراء، فإن هذا الحدث يظل فوق النواميس الطبيعية. هذا الذي يحدث وفقًا للقوانين الطبيعية يمكن أن نفحصه، بينما ما يحدث وفقًا لأسلوب يفوق الطبيعة فلنحترمه بصمت، لا كشيء يجب أن نتجنبه، ولكن كشيء لا يمكن شرحه، ولهذا يجب أن نحترمه بصمت.

ولكن سامحوني من فضلكم، لأنني أريد أن أوقف حديثي والذي لا يزال في بدايته. لأنني أشعر بخوف أمام بحث الأمور الإلهية، ولا أعرف كيف أو أين أُغير دفة الحديث.

لأنه ماذا أقول، أو عن أى شيء أتكلم ؟ أرى تلك التي ولدت وأرى ذاك الذي وُلد، لكن لا أستطيع أن أفهم أسلوب أو طريقه الميلاد. لأنه عندما يريد الله فإن الطبيعة تنهزم، ويُهزم ناموس النظام الطبيعي. إن هذا الحدث حقًا لم يصر وفقًا للنواميس الطبيعية، لكن هذه المعجزة هي أمر فوق الطبيعة، لأن الطبيعة لم تعمل، ولكن الإرادة الإلهية هي التي عملت. أقول أنها نعمه كبيرة غير موصوفة.

وحيد الجنس الذي هو قبل الدهور، الغير مقترب منه، المتفرد والغير جسدي، أتى إلى جسدي الفاسد والمرئي. لماذا ؟

لكي يعلمنا عندما ننظر إليه، وعندما يعلمنا يقودنا إلى ذاك الذي لا يُرى. لأن الناس يؤمنون أكثر مما ينظرون، أكثر مما يسمعونه. ويتشككون في تلك الأمور التي لا يرونها. ولهذا قَبِلَ أن يأخذ جسدًا إنسانيًا، وأن يعطي لعيوننا إمكانية أن نراه لكي يزيل هذا الشك.

وُلِدَ إذن من عذراء، ذاك (السر) الذي كان غير معروف لديها، فهى لم تصنع هذه المعجزة، لكنها كانت فقط أداة لهذه القوة غير الموصوفة. واضعة في اعتبارها فقط هذا الذي سمعته من جبرائيل الملاك بعد السؤال الذي سألته ” كيف يكون لي هذا وأنا لم أعرف رجلاً ” ـ فأجاب الملاك وقال ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظلك ” (لو34:1).

كيف وُجد داخل العذراء وبعد قليل كيف خرج منها ؟ تمامًا مثل فنان، وجد مادة مفيدة جدًا ويصنع منها إناءً جميلاً جدًا، هكذا فإن المسيح عندما وجد الجسد المقدس ونفس العذراء، صنع لنفسه هيكلاً عاقلاً داخل العذراء بالطريقة التي أرادها هو. واليوم يُستعلن للعالم، دون أن يشعر بخجل من ضعف الطبيعة الإنسانية التي لبسها. فإن لبس هيئة خليقته لا يُعتبر أهانه له.

لكن ماذا أقول وعن ماذا أتكلم ؟ لأن المعجزة تملأني بالدهشة. قديم الأيام صار طفلاً، ذاك الذي يجلس على العرش العالي بعظمة وجلال يوضع في مزود. الذي لا يُقترب منه، غير الجسدي، قُمط بأيدي إنسانية. ذاك الذي يفك رُبط الخطية، لُف في لفائف، لأن هذه هي إرادته. لأنه أراد للهوان أن يتحول إلى كرامة، وللعار أن يكتسي بالمجد، ولحالة الهوان أن تتحول إلى حالة الفضيلة. ولهذا أخذ جسدي لكي أسع الكلمة في داخلي. وما دام قد أخذ جسدي فقد أعطاني روحه حتى يقدم لي كنز الحياة الأبدية. يأخذ جسدي لكي يقدسني ويعطيني روحه لكي يخلصني.

ماذا أقول وعن ماذا أتكلم ؟ ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا ” (أش14:7). هذا لم يُكتب كشيء سيحدث، لكن أعجب له كشيء حدث. إنه تحقق لليهود الذى أُفرز من وسطهم ، لكن نحن آمنا به، رغم أنه لم يصر من عندنا كلام عنه(أى أن الأمم لم يتنبأوا عنه).

ها العذراء تحبل ” هذه النبوءة هي للمجمع، أما تحقيق النبوءة فقد صار ميراثًا للكنيسة. المجمع وجد المخطوط القديم، الذي فيه كان مكتوبًا، بينما الكنيسة اكتشفت اللؤلؤة الكثيرة الثمن التي كانت مختبئة فيه. المجمع لبس الصوف المطلي، بينما الكنيسة ارتدت الرداء الملوكي.

لأن اليهودية ولدت المسيح، بينما المسكونة قبلته. المجمع غذاه بالنبوات، والكنيسة أخذته وأثمرت فائدة منه. في المجمع نبت فرع الكرم، بينما نحن تمتعنا بالكرمة الحقيقية. المجمع قطف العنب، والأمم شربوا الشراب السري. المجمع بذر بذرة القمح في اليهودية، والأمم حصدوا السنابل بمنجل الأيمان. الأمم بالأيمان قطفوا الرمّان، أما اليهود فبقى لهم شوك عدم الإيمان، العصفور طار، بينما الأغبياء يجلسون ويحرسون العش. اليهود يمسكون بالحرف والأمم يحصدون ثمار الروح.

ها العذراء تحبل “. أخبرني أيها اليهودي وقل لي من وَلَدتْ ؟

أظهر شجاعة مثل شجاعتك التي أظهرتها أمام هيرودس. لكن ليست لديك شجاعة. وأنا أعرف لماذا. بسبب مكيدتك ودسيستك. لأنك تكلمت إلى هيرودس لكي تقتله (الطفل). لكنك لا تتكلم لي أنا وذلك لكي لا تسجد له.

إذن من وَلَدتْ ؟ من ؟ سيد الطبيعة. لأنه حتى لو صمْتَ أنت، فالطبيعة تصرخ. ولدته إذن كما أراد هو أن يُولد. ففي الطبيعة، لا توجد مثل هذه الإمكانية للميلاد (العجيب)، ولكن كسيد الطبيعة أبتكر أسلوب ميلاد عجيب، لكي يظهر أن ذاك الذي وُلد لم يولد كما يولد الإنسان، بل وُلِدَ كما يليق بالله. اليوم وُلِدَ من عذراء، والتي هزمت الطبيعة وتجاوزت قانون الزواج.

لأنه كان يجب أن يأتي ملك البر بطريقة ميلاد طاهرة ومقدسة. لأنه هو الذي من البدء خلق آدم من أرض عذراء ومن آدم أيضًا خلق امرأة دون أن تكون هناك امرأة. تمامًا مثلما حصل آدم على زوجة دون أن تكون هناك زوجة، هكذا اليوم العذراء ولدت رجلاً بدون رجل. ولأن الجنس النسائي مدين بوجوده للرجال، فالمرأة خُلقت من آدم دون أن تتوسط امرأة، هكذا اليوم ولدت العذراء دون أن يتوسط رجل مسددة للرجال دين حواء.

ولكي لا يفتخر آدم الذي بدون امرأة صارت له امرأة، هكذا فإن العذراء ولدت رجلاً بدون رجل، حتى أنه بالمعجزة المشتركة تصير المساواة في الطبيعة. لأنه كما أخرج الله المرأة من جنب آدم دون أن يُقلل أبدًا من آدم، هكذا صنع الهيكل الحي داخل العذراء دون أن يفسد عذراويتها.

لقد بقى آدم صحيحًا بعد أن أخذ ضلعًا من جنبه، وبقيت العذراء طاهرة بعد أن ولدت الطفل. ولهذا لم يخلق لنفسه هيكلاً من مكان آخر ولا خلق جسدًا آخر ولبسه، حتى لا يبدوا أنه يحتقر الطينة التي صنع منها آدم. لأن الإنسان عندما أنخدع صار أداة للشيطان، وأهان هذا الهيكل الحي الذي دُمِرَ، والله لأجل علاقته الحميمة مع الإنسان الذي خلقه أراد أن يبعده عن معاشرة الشيطان.

والذي وُلد (من العذراء) لم يُولد مثل أي إنسان، لكن وُلد كإله. لأنه لو وُلد كما يولد الجميع، مثلما أُولد أنا بالضبط، سيعتبر من الكثيرين أكذوبة، ولهذا وُلد من العذراء. وبعد الميلاد بقيت الأم عذراء ونقية. حتى تصير طريقة الحمل العجيب سبب إيمان كبير. فلو سألني اليوناني أو اليهودي: هل المسيح الذي بحسب طبيعته إله يصير إنسانًا، بطريقة تفوق الطبيعة ؟. سأجيبه نعم، وأستدعي كشاهد على قولي هذا، الختم غير الدنس للعذراوية.

لأنه هكذا هزم الله نواميس النظام الطبيعي. هكذا خلق بطن المرأة وخلق العذراوية، وابتكر طريقة غير دنسه لميلاده، وبنى لنفسه هيكلاً بطريقة لا يُعبّر عنها كما أراد هو.

أخبرني أيها اليهودي إذن هل العذراء ولدت أم لا؟ لأنه إن كانت قد ولدت، اعترف بطريقة الميلاد العجيب، ولو أنها لم تلد، فلماذا تخدع هيرودس ؟ لأنة عندما أراد أن يعرف أين يولد المسيح، قلت له في بيت لحم اليهودية (متى4:2).

فهل أنا الذي عرفت المدينة أو الطريقة؟ وهل أنا علمت بقيمة ذاك الذي وُلد؟ ألم يتكلم إشعياء عنه أنه هو الله؟ لأنه يقول “وتلد ابنًا وتدعوا اسمه عمانوئيل” (أش14:7). هل تستطيعوا أيها الكتبة والفريسيين أن تعرفوا وأنتم حراس الناموس كل ما يتعلق به في الناموس ؟ وهل نحن نعرف لغة العبرانيين؟

ألم تفسروا أنتم الكتب؟ ألستم أنتم الذين ـ عندما ولدت العذراء وسألكم هيرودس ـ قدمتم شاهدًا من النبي ميخا لكي تؤكدوا كلامكم ؟ لأنه يقول ” أما أنت يا بيت لحم أفراته وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطًا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (ميخا2:5).

حسن جدًا قال النبي ” فمنك يخرج ..” فكما أنه أتى منكم، وقُدم فيما بعد للأمم، هكذا فإن الله موجود وهو قبل الوجود وهو موجود على الدوام كإله ضابط الكل، ولكنه أتى منكم كإنسان يحكم الشعب، وكإله يخلص المسكونة.

هؤلاء هم الذين أظهروا أن الذي وُلِدَ هو الله، هم الذين أظهروا ذاك الذي أختبئ في المزود كسيد،هم الذين دون أن يقصدوا أعلنوا عن ذاك الذي وُجد في المغارة، ودون أن يقصدوا صنعوا به خيرًا، من حيث أنهم أظهروه، بينما هم أرادوا ألا يعلنوا عنه. أرأيت أيها المعلم الجاهل. أولئك الذين يعلّمون لم يعرفوا، وبينما هم جوعي يقدمون غذاء للآخرين، وبينما هم عطشي يسقون الآخرين، وبينما هم فقراء يغنون الآخرين.

إذن تعالوا بنا نحتفل ونفرح. بالحقيقة هو أمر عجيب أسلوب هذا العيد لأنه عجيب سبب الميلاد هذا، لأن اليوم حُلت رُبط الأزمنة البعيدة، إبليس خجل، الشياطين هربت، الموت بطل، الفردوس فُتح، واللعنة اختفت، الخطية طُردت بعيدًا، الخداع ابتعد، والحقيقة عادت مرة أخرى، وكلمة التقوى انتشرت في كل مكان، أسلوب الحياة السماوي نبت في الأرض، الملائكة يلتقون بالناس، والناس بلا خوف يتحدثون مع الملائكة. لماذا ؟

لأن الله أتى إلى الأرض والإنسان صعد إلى السماء، والله بكليته يوجد على الأرض. وإذ هو الإله صار إنسانًا دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. إذ هو الكلمة غير المتحول، أخذ جسدًا، نعم أخذ جسدًا إنسانيًا لكي يسكن فينا. وبالتأكيد هو لم يصر إلهًا لأنه كان إلهًا ثم أخذ جسدًا إنسانيًا. حتى أن ذاك الذي لا تسعة السموات، يستقبله المزود. حتى أن ذاك الذي يعول الكون، يأخذ طعام الأطفال من الأم العذراء.

ولهذا فأب الدهور الأبدية قبل أن يُحِملَ في الأحضان العذراوية كطفل يرضع، لكي يستطيع المجوس الاقتراب منه. اليوم أتى المجوس إلى المسيح، وضعوا بداية لرفضهم للطاغية (هيرودس)، وتباهت السماء لأن نجمها أظهر سيدها، والسيد يأتى فى الجسد، كما فوق سحابة رقيقة تسير نحو مصر.

وواضح طبعًا أنه ذهب إلى هناك لكي يتجنب تسلط هيرودس، لكن في الحقيقة أكمل هذا الذي قيل من أشعياء ” في ذلك اليوم يكون إسرائيل ثلثًا لمصر ولأشور بركة في الأرض، بها يبارك رب الجنود قائلاُ مبارك شعبي مصر وعمل يدي أشور وميراثي إسرائيل ” (أش24:19).

ماذا تقول أيها اليهودي ؟ أنت الذي كنت أولاً صرت ثالثًا. المصريون والأشوريون وُضعوا في الأمام وإسرائيل البكر حُسِبَ بعد هؤلاء. نعم حقًا إن الأشوريين سيصيرون أولاً لأنهم سجدوا أولاً مع المجوس للمسيح، بينما المصريين سيوضعون بعد الأشوريين، لأنهم استقبلوه عندما لجأ إلى مصر هاربًا من طغيان هيرودس. وفي النهاية يوضع الشعب الإسرائيلي، لأنهم عرفوه بواسطة الرسل بعد عودته من الأردن.

أتى إلى مصر وأربك أوثان مصر لا مصادفة، ولكن لأنه أغلق أبواب مصر بفقدان الأبكار. ولهذا فهو اليوم أتى كبكر، لكي يمحو حزن ذلك الحدث القديم الشنيع. أما أن المسيح دُعي بكرًا، فهذا يؤكده اليوم لوقا الإنجيلي قائلاً “ فولدت أبنها البكر وقمطته وأضجعته في المزود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل ” (لو7:2). لجأ إذن إلى مصر لكي ينهي حزن ذلك الحدث القديم الشنيع، مانحًا بدلاً من الضربات، فرح، وبدلاً من الليل والظلام، نور الخلاص.

كانت مياه النهر ملوثة وقتها بسبب ذبح الرضعان. أتى لمصر إذن ذاك الذي جعل ماء النهر في العصر السابق أحمر بالدم، وحول مياه النهر وسيلة الخلاص، منقيًا بقوة الروح هذه المياه الملوثة غير النقية. تعذب المصريون وساد عليهم الهوس ورفضوا أن يؤمنوا بالله. أتى إذن إلى مصر وملأ النفوس المتقية لله من معرفة الله. وبمياه هذا النهر صار هناك شهود للربكسنابل القمح.

ولأن الوقت ضيق أريد أن أتوقف هنا عن الكلام، وأقول كيف وهو الكلمة غير المتألم، أخذ جسدًا، وبقيت طبيعته غير متغيرة. ماذا أقول أو كيف أتكلم ؟ أرى خالق، ومزود، وطفل، وأقمطة، وعذراء نفساء، دون أن يكون لديها ولا حتى الأمور الأكثر احتياجًا، كل شيء مليء بالعوز.

هل رأيت غنى وسط الاحتياج الشديد ؟ كيف وهو الغني، افتقر لأجلنا؟ كيف وُضع في مزود خشن ولا يوجد به سرير ولا فراش. أقول هو الفقر الذى هو ينبوع للغنى، وأقول الغنى الذى لا يحد، الذي يحمل غطاء الفقر. داخل المزود يرقد ويحرك الكون. داخل اللفائف قُمِطَ وهو الذي فك رُبط الخطية قبل أن ينطق بكلمة، علّم المجوس وحّركهم أن يعودوا إلى الله.

ماذا أقول وعن أي شيء أتحدث ؟ ها هو طفل ملفوف داخل أقمطة، موضوع في مزود، بالقرب منه توجد مريم التي هي عذراء وأم. وأيضًا بالقرب منه يوجد يوسف الذي يُدعى أبوه. يوسف يسمى رجل وهي تسمى امرأة، أسماء قانونية ولكن بدون رباط الزواج. فليذهب فكرك فقط حتى حدود الكلمات ولكن ليس إلى الحدث نفسه. قد خطبها فقط والروح القدس قد ظلّلها، ولهذا فإن يوسف مملوء بالدهشة ولم يعرف كيف يسمي الطفل.

لم يستطع أن يقول كلمة تجديف ضد العذراء، ولم يقبل أن يجعله ابنه، لأنه لم يعرف كيف ومن أين وُلِدَ الطفل، ولذلك وهو في هذه الحيرة من نحو هذا الحدث تلقى إجابة من السماء برسالة من الملاك الذي قال ” يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حبل فيها هو من الروح القدس ” (متى20:1) لأن الروح القدس ظلل العذراء.

لكن لماذا وُلِدَ من عذراء وترك عذراويتها بغير فساد ؟ لأن الشيطان قديمًا خدع حواء بينما كانت عذراء، ولهذا فإن جبرائيل حمل إلى مريم البشرى المفرحة بينما كانت عذراء.

حواء حينما خُدِعت خرجت منها كلمة صارت سببًا للموت، بينما العذراء مريم بعدما قبلت البشارة المفرحة، ولد منها كلمة الله بجسد إنساني، وهو الذي صار لنا سبب حياة أبدية.

الكلمة الذي أتي من العذراء أظهر الصليب، الذي به قاد اللص إلى الفردوس لخلاص أدم والبشرية. ولأن اليونانيون واليهود والهراطقة التابعين لهم لم يؤمنوا أن الله وَلَدَ ابنه بطريقة لا يُعبّر عنها وبدون أي تحول, لهذا وُلِدَ اليوم من جسد مُعرض للألم وحفظ الجسد الذي يعاني بلا تأثر لكي يظهر كيف وُلِدَ من عذراء ولم يفسد عذراويتها ، وهكذا بقى جوهر الله غير متغير و مقدس، وكإله ولد بطريقة إلهية.

ولأن البشر هجروا الله وصنعوا لأنفسهم أوثانا وعبدوها، محتقرين هكذا الخالق، لهذا فإن اليوم كلمة الله ـ بينما هو إله ـ ظهر على هيئة إنسان حتى يبطل الضلال ويعيد الإنسان إلى العبادة الحقيقية. فلنعطِ إذن المجد للمسيح الذي فتح الطريق الذي لم يكن أحد يستطيع العبور فيه من قبل. الذي له المجد مع أبيه الصالح، و الروح القدس الآن و كل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبي الفم

الظهور الإلهي عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الظهور الإلهي عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الظهور الإلهي عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الظهور الإلهي عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم إن كثيرين يحتفلون ويعرفون أسماء الأعياد، ولكنهم يجهلون الأسباب التي من أجلها صارت هذه الأعياد.

إن احتفال اليوم كما يقول، يسمى “أبيفانيا” أي ظهور، وهو معروف للجميع، ولكن هذه الأبيفانيا، هل هي واحدة أم أثنين. هذا ما لا يعرفونه. فبينما يحتفلون بهذا العيد كل عام، إلاّ أنهم يجهلون أمره.

هكذا أراد القديس يوحنا ذهبي الفم أن يوضح بعض الحقائق الغائبة عن الشعب فيما يختص بعيد الظهور الإلهي. فالأمر بحسب رؤيته لا يتعلق بظهور واحد، بل بظهورين، واحد هو الذي حدث في مثل هذا اليوم، والثاني سيحدث بطريقة مجيدة في المستقبل، في المجيء الثاني. ويستند في هذا إلى ما قاله الرسول بولس، عن كل ظهور من الاثنين. فيما يختص بالظهور الأول، يقول: ” لأنه قد ظهرت نعمة الله المُخلِّصة لجميع الناس معلِّمة إيانا أن ننكر الفجور والشهوات العالمية ونعيش بالتعقل والبر والتقوى في العالم الحاضر” وعن الظهور الثاني في المجيء الثاني يكتب “منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح” (تي11:2ـ13).

ويقول يوئيل النبي وعن هذا الظهور الثاني ” تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم المخوف” (يوئيل2ـ31).

ثم يتساءل ق. يوحنا ذهبي الفم لأي سبب سُمى ”أبيفانيا“؟ يقول بسبب أن المسيح صار معروفاً للجميع، عندما تعمد، لأنه حتى ذلك اليوم، لم يكن معروفاً من الكثيرين. هذا ما يتضح من قول يوحنا المعمدان ” وأنا لم أكن أعرفه لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي. الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس” (يو1ـ33). ثم يطرح القديس يوحنا ذهبي الفم تساءل أخر، وهو لأي سبب آتى المسيح ليعتمد، وما هو نوع معموديته؟ ويجيب على ذلك بالآتي:

كانت توجد المعمودية اليهودية، وهذه المعمودية كانت معنية بنظافة الجسد فقط، وليس بخطايا الضمير، مثل مس عظام الأموات، تناول الأطعمة المحرمة، الاقتراب من الأموات، مثل هذا كان عليه أن يغتسل، ويبقي دنساً حتى المساء، بعد ذلك يتطهر، هكذا جاء بسفر اللاويين ” من مس فراشه (الذي له السيل) يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء” (لا15ـ5). وبعد ذلك يتطهر. وقد أعدهم الله بهذه الممارسات لتلك اللحظة، لكي يكونوا أكثر استعداداً، وفي صورة أفضل لفهم الأمور الأكثر سمواً.

إذاً فالمعمودية اليهودية لم تكن تخلِّص من الخطايا، ولكنها فقط كانت معنية بالتطهير من النجاسة الجسدية. ثم كانت هناك معمودية يوحنا والتي هي بالتأكيد أفضل من المعمودية اليهودية، لكنها أقل من معموديتنا.

فهي بمعنى ما تمثل جسراً بين المعموديتين. لأن يوحنا لم يقد الشعب نحو حفظ التطهيرات الجسدية، لكنه نصحهم ووعظهم أن يبتعدوا عن هذه الأمور (الخاصة بالجسد فقط) وعن الخطية، ويعودوا إلى الفضيلة، وأن يعتمدوا، ويترجون خلاصهم بالأعمال الحسنة وليس بنظافة الجسد بالماء. فهو لم ينصح بغسل الملابس وغسل الجسد، لكي يصيروا في حالة نظيفة، بل قال: ” أصنعوا ثماراً تليق بالتوبة” (مت8:3).  

أما من جهة أن معمودية يوحنا هي أفضل من المعمودية اليهودية، وأقل من معموديتنا نحن، فهذا راجع إلى أن معمودية يوحنا لا تمنح الروح القدس، ولا تهب غفران الخطايا، الذي يعطى بالنعمة الإلهية، لأن يوحنا كان يكرز بالتوبة فقط، ولا يملك سلطان غفران الخطايا. ومن أجل هذا قال: ” أنا أعمدكم بماء للتوبة ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني هو سيعمدكم بالروح القدس ونار” (مت11:3).

وهنا تحديداً يطرح سؤال آخر، حول معنى عبارة ” بالروح القدس ونار“؟ في الحقيقة هذا الأمر مرتبط بحادثة حلول الروح القدس يوم الخمسين، حيث ظهرت ألسنة من نار أمام الرسل وحلّتْ على كل واحد منهم.

أما من جهة أن معمودية يوحنا لم تكن تملك منح الروح القدس، ولا غفران الخطايا، فهذا واضح من اللقاء الذي تم بين الرسول بولس وبعض التلاميذ، فعندما سألهم: ” هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم. قالوا ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس. فقال لهم فبماذا اعتمدتم. فقالوا بمعمودية يوحنا. فقال بولس إن يوحنا عمد بمعمودية التوبة” (أع2:19ـ4).   

هكذا يظهر من هذا الحوار القصير، أن معمودية يوحنا، كانت للتوبة فقط، ولم تكن معمودية غفران.

السؤال الآخر المطروح، لأي هدف كان يوحنا يعمد؟ كان يوحنا يعمد تمهيداً لمجيء المسيح الذي كان يعمد بالروح بحسب شهادته هو شخصيًا ” الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع والذي من الأرض فهو أرضي ومن الأرض يتكلم” (يو31:3). ثم يكمل ” الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية. والذي لا يؤمن بالابن لن يري حياة بل يمكث عليه غضب الله” (يو36:3).

ولذلك يخبرنا سفر الأعمال، في الحوار الذي أشرنا إليه، والذي دار بين ق. بولس والتلاميذ، أن التلاميذ ” لما سمعوا من بولس اعتمدوا باسم الرب يسوع ولما وضع يديه عليهم حل الروح القدس عليهم” (أع4:19ـ6). وهكذا كما هو واضح أن معمودية يوحنا كانت ناقصة، وإلاّ لما كان ق. بولس قد عمّدهم ووضع عليهم يديه.

الظهور الإلهي عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

كتاب في ان الله لا يمكن ادراكه – يوحنا ذهبي الفم – سلسلة اقدم النصوص المسيحية

في ان الله لا يمكن ادراكه – يوحنا ذهبي الفم – سلسلة اقدم النصوص المسيحية

في ان الله لا يمكن ادراكه – يوحنا ذهبي الفم – سلسلة اقدم النصوص المسيحية

في ان الله لا يمكن ادراكه – يوحنا ذهبي الفم – سلسلة اقدم النصوص المسيحية

في ان الله لا يمكن ادراكه – يوحنا ذهبي الفم – سلسلة اقدم النصوص المسيحية

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

 

القديس يوحنا ذهبي الفم هو بولس الثاني، أفصح خطباء الكنيسة المسيحية وواعظيها على مر العصور، بل ربما كان أخطب رجل في التاريخ، وهو أشهر شارح للكتاب المقدس، وهو رجل كنسي قدير، لمعت خصائصه وحنكته أيام الملمات والأزمات.

ولد يوحنا ذهبي الفم (347-407) من أب وثني وأم مؤمنه هي أنثوسا التي ترملت في العشرين من عمرها ونذرت نفسها لتربية ابنها، وكانت زينة الأمهات المسيحيات الأنطاكيات، وقد قال عنها ليبانيوس، المعلم الوثني المشهور آنئذ: «آه، أية نسوة رائعات بين المسيحيات».

تتلمذ يوحنا في الخطابة والفصاحة العلوم الوثنية على يد الفيلسوف الوثني ليبانيوس الذي اشتهى أن يخلفه يوحنا بعد مماته. وتتلمذ مسيحياً على يد الأسقف المشهور القديس ملاتيوس الأنطاكي لمدة ثلاث سنوات، فعمده.

لم يستطع يوحنا أن يترهبن في دير قبل رقاد أمه، إلا أنه عاش النذور الرهبانية في بيته الذي حوله إلى قلاية. بعد رقادها انعزل ست سنوات في أديرة قرب أنطاكية يدرس اللاهوت والصلاة والهذيذ تحت توجيه رئيس الدير ديودوروس (أسقف طرسوس لاحقاً).

صار يوحنا قارئاً ثم شماساً ثم كاهناً في أنطاكية. وفي العام 398 صار رئيس أساقفة القسطنطينية. كان خلاص النفوس همه الأول والأخير. تجنب الجدالات العقائدية واللاهوتية رغم أنه كان لاهوتياً عظيماً. كانت عظاته النارية تشع محبة مقدسة ونوراً إلهياً لمستمعيه.

لقب “ذهبي الفم”، لأنه كان أعظم واعظ وخطيب في تاريخ الكنيسة المسيحية حتى يومنا الحالي، بشهادة أحبائه وخصومه معاً. كان محنكاً بارعاً، اتخذ بولس الرسول مثالاً له.

إخلاصه للمسيحية وقيمها ومثلها جعله موضع حسد وغيرة الكثيرين، وعلى رأسهم الإمبراطورة أفدوكسيا وثيئوفيلوس رئيس أساقفة الإسكندرية آنذاك، الذين حاكوا ضده المؤامرات تلو المؤمرات التي انتهت بنفيه. رقد في يوم عيد الصليب المقدس 14 أيلول العام 407 في المنفى بعد أن تناول جسد الرب ودمه قائلاً جملته المشهورة:

«المجد لله على كل شيء». أعلنت قداسته بعد رقاده ونقل رفاته إلى القسطنطينية العام 438 في احتفال مهيب على يد تلميذه القديس بروكلوس رئيس الأساقفة.

ويعتبر أنه رقد شهيداً. تعيد الكنيسة المقدسة له في 13 تشرين الثاني، ولعيد نقل رفاته إلى القسطنطينية يوم 27 كانون الثاني.

اشتهر الذهب الفم بعظاته وخطاباته وفصاحة لسانه. أيضاً اشتهر بشروحاته للكتاب المقدس الذي حفظه عن ظهر قلب بسهولة. كانت لغته نارية، قوية، ومسيطرة، ويشرح الأسفار بحرية إلى درجة تشعر معها أنه الكاتب الأصلي لها. مع ذلك، لم يحاول يوحنا ذهبي الفم أبداً أن يسحر مستمعيه بفصاحته وبراعته اللغوية والكتابية. همه الوحيد كان وصول الكلمة الإلهية حية وقوة إلى قلوبهم.

كان يشجع على قراءة الكتاب المقدس يومياً في المنازل، وعلى زيارات الأديرة والرهبنات، وعلى التصدق للفقراء بكل وسيلة ممكنة. ينسب إليه القداس الإلهي الحالي الذي ساهم على الأرجح بتنسيقه وتعديله وصياغته وإخراجه.

عبقرية يوحنا ذهبي الفم لم تسمح بتحجيمه ضمن إطار المدرسة الأنطاكية وطريقتها التاريخية – الحرفية في التفسير. لقد تجاوزها إلى درجة أعتقد معها، شخصياً، أنه صار مدرسة متكاملة أفضل من المدرسة الأنطاكية والإسكندرية على حد سواء[1]. (د. عدنان طرابلسي).

 

نشأته وتتلمذه:

ولد القدّيس يوحنّا الذهبي الفم في مدينة أنطاكية العظمى في تاريخ لا نعرفه بالتحديد، يتراوح بين العامين 344 و354 للميلاد ولعله 347. كان أبواه من عليّة القوم. والده سكوندوس كان قائداً للجيش الشرقي في الإمبراطورية وكان وثنياً، وقد رقد بعد ولادة يوحنا بقليل. والدته أنتوزا هي التي حضنته وربّته للمسيح. كانت، في تقدير المؤرخين، زينة الأمهات المسيحيات الأنطاكيات، وفي مصاف الكبيرات كنونا أم القدّيس غريغوريوس اللاهوتي ومونيكا أم أوغسطينوس المغبوط.

حتى الفيلسوف الوثني ليبانيوس اعترف بقدرها وعظمة الأمهات المسيحيات مثيلاتها. ترملت وهي في سن العشرين، وأبت أن تتزوج من جديد مؤثرة الانصراف إلى حياة الفضيلة ومكتفية بتربية ابنها. وإلى جانب يوحنا يبدو أنه كانت لأنتوزا ابنة تكبر الصبي ببضع سنوات.

تتلمذ يوحنا في أنطاكية، وهو في الرابعة عشرة من عمره، للفيلسوف الأفلاطوني الجديد ليبانيوس، إلى سن الثامنة عشرة. أخذ عنه فنون الخطابة والآداب الإغريقية. ويبدو أن معلمه كان معجباً به لدرجة أنه قبل وفاته بقليل، سئل بمن يوصي معلماً بعد موته فأجاب: “بيوحنا لو لم يكن المسيحيون قد سرقوه مني!”.

 

معموديته ورهبنته:

اقتبل يوحنا المعمودية في سن متقدمة قد تكون الثامنة عشرة أو الثالثة والعشرين. ولم يكن سبب ذلك والدته ولا لأنه كان غير مؤمن بل لأن النظرة إلى المعمودية اختلفت يومها عما هي عندنا. والحق أن ممارسة المعمودية في سن الرشد كانت أكثر شيوعاً من معمودية الأطفال. السبب كان التوقير الشديد الذي أحاط به المؤمنون السر من حيث هو سر إعادة الولادة. وثمّ اعتقاد شعبي شاع يومها أن المعمودية المبكرة يمكن أن تكون سبباً في خسران صاحبها النعمة في الكبر.

وهذا ما يفسّر أن كثيرين كانوا يرجئون معموديتهم إلى وقت متأخر من حياتهم، وبعضهم، كقسطنطين الكبير، لم يعتمد إلا على فراش الموت. على أن يوحنا نفسه انتقد، فيما بعد، عادة المعمودية المتأخرة هذه وحث على معمودية الأطفال. ويفيد بالاديوس، صديق الذهبي الفم، عن يوحنا أنه بعد معموديته “لم يعرف القسم ولا افترى على أحد ولا تكلم زوراً ولا لعن ولا حتى سمح لنفسه بالمزاح”.

معمّده كان ملاتيوس الأنطاكي القدّيس، أسقف أنطاكية العظمى، الذي رأى فيه نجماً ساطعاً للكنيسة فاتخذه قندلفتاً ثم قارئاً بضع سنوات. أما يوحنا فكانت رغبة قلبه أن يترهّب، لاسيما بعدما التقى ديودوروس الراهب وتأثّر به. ولكن، حالت أنتوزا من ناحيتها والقدّيس ملاتيوس من ناحيته دون تحقيق يوحنا رغبة قلبه، ولو مؤقتاً، فأقام راهباً في بيته إلى أن توفيت والدته.

أما العلم الدنيوي الذي كان قد تعاطاه بلهفة ونهم كما لو كان أرقى ما تتشوّف إليه النفس فقد تخلّى عنه وتحوّل ضده متبعاً قول الرسول بولس القائل: “ما كان لي من ربح اعتبرته خسارة من أجل المسيح.. وأني أعتبر كل شيء نفاية لكي أربح المسيح ويكون لي فيه مقام” (فيليبي 8:3-9). نظرة القدّيس يوحنا إلى الإقبال بشغف على مثل هذا العلم أضحت أنه كالإقبال على الفجور حتى أنه تحدث عما أسماه “فجور التعلم”.

وحوّل يوحنا بيته إلى دير. انقطع عن العالم والعالميات وصار ناسكاً صارماً، لا يأكل إلا قليلاً. يستغرق في الأسهار والصلوات وحفظ الصمت. كان حريصاً على قمع شهوة البطن والغضب. ويبدو أنه اقتنى الصلاة النقيّة وهدوء الذهن ووداعة لا تتزعزع. معارفه اعتبروه انطوائياً كئيباً. فقط اثنان من التلامذة أقرانه شاركاه نزعته النسكية: مكسيموس، أسقف سلفكيا العتيد وثيودوروس مصيصة، بالإضافة إلى باسيليوس الذي صار، فيما بعد أسقف رفانية القريبة من أنطاكية. وهذا كان صنو نفسه.

 

أربع سنوات راهباً:

وبعدما توفيت أنتوزا، والدة يوحنا، انصرف إلى الجبال، جنوبي أنطاكية، حيث أمضى ست سنوات، راهباً ثم ناسكاً، في عهدة شيخ اسمه هزيخيوس. وقد وصف هو طريقة عيش الرهبان هناك، فقال أنهم يسكنون في قلالي أو أكواخ ويسلكون بحسب قانون مشترك، ولهم شيخهم، وأن ثيابهم خشنة من شعر الإبل أو الماعز يلبسونها فوق أقمصتهم الكتانية، وأنهم ينهضون صباحاً قبل الفجر.

ويبدأون يومهم بالتسابيح والصلوات المشتركة، ثم يتفرقون كل إلى عمله، بعضهم ليقرأ وبعضهم ليكتب وبعضهم ليعمل عملاً يدوياً يساعد به الفقراء أربع ساعات في اليوم كانت للصلاة والترتيل.

كان طعامهم الخبز والماء إلا في حالات المرض وكانوا ينامون على بسط من القش. كل شيء كان بينهم مشتركاً، وعبارات كهذه: “هذه لي وهذا لك” لم يكن لها موضع في حياتهم ومتى رقد أحدهم في الرب فلا نحيب عليه بل شكر لله. كان الأخوة يحملونه إلى القبر وهم يرتلون ويسبحون لأنه لم يمت بل كمّل طريقه وأهّل لمعاينة وجه السيد. كيف لا والحياة بالنسبة إليهم هي المسيح والموت ربح؟!

ومرت أربع سنوات على يوحنا في الحياة الرهبانية المشتركة توحّد بعدها في احدى المغاور. هناك تسنّى له أن يخوض غمار حرب ضروس لروحنة جسده. الشهادات التاريخية تفيد انه لم يكن يستلقي أبداَ. وكان متى شاء أن يرياح قليلاَ يعلّق نفسه من الكتفين بحبل ثبّته في سقف المغارة. وقته كان يقضيه في الصلاة و التأمل في الكتاب المقدس.

وقد كان مفرطاَ في نسكه لدرجة أنه بثأثير البرد والأصوام والأسهار أصيب في كليتيه ومعدته واضطر إلى مغادرة مغارته و النزول إلى انطاكية للعلاج, على أمل العودة إلى نسكه بعد حين.لكنه بتدبير من الله بقي في المدينة, لأن العطل في صحته كان دائماَ.

 

شماساً فكاهناً واعظاً:

سامه البطريرك ملاتيوس شماساً في العام 380 أو 381 للميلاد. فتسنى له على امتداد خمس سنوات قضاها في الشموسية أن يطلع بصورة عملية تفصيلية على حاجات الناس، كما خاض في خدمة الفقراء والمرضى.

وفي العام 386 م وضع فلافيانوس، أسقف أنطاكية الجديد، يده على يوحنا وجعله كاهناً. يومها ألقى الذهبي الفم أولى مواعظه في حضور الأسقف. وكان هذا حدثاً فريداً لأنه لم يكن شائعاً في الكنيسة أن يتعاطى الكهنة الوعظ، فالواعظ كان الأسقف.

وتجلى يوحنا، تجلّى كواعظ، كأهم وأبلغ وأخصب واعظ عرفته الكنيسة الجامعة المقدّسة على مدى الأيام. وفي أنطاكية، بصورة خاصة، أغنى القدّيس يوحنا المسكونة بمواعظه على امتداد اثني عشر عاماً. ولكن، أي مدينة كانت أنطاكية؟ كلمة عنها تنفعنا.

 

أنطاكية؟

أنطاكية هي إحدى المدن الأربع العظمى في الإمبراطورية الرومانية غير روما والقسطنطينية والإسكندرية. فيها التحم الفن بالطبيعة فجعلاها مقاماً ولا أبدع رغم كونها عرضة للفيضانات والزلازل. سخي عليها نهر العاصي بمياه نقيّة دفاقة ومنّت عليها الطبيعة ببحيرة واسعة. أحاطت بها التلال من كل صوب وامتدت سهولها غنيّة خصبة. كانت لها تجارة البحر، وقامت فيها أبنية جلل، هذه آسيوية الطراز وتلك إغريقية ورومانية.

والحدائق غنّاء والحمامات فخمة تنتشر في كل مكان. الشوارع تزدان بالأعمدة. ومن الشرق إلى الغرب شارع طوله أربعة أميال أعمدته ضخمة من هنا ومن هنا، من الصوّان الأحمر. ثم التماثيل والقناديل كانت من الكثرة بحيث جعلت ليل المدينة نهاراً. هنا أيضاً في ضاحية أنطاكية على نهر العاصي كانت غيضة دفني، وكانت غابة الغار والأس والسرو والشجيرات العطرة.

وكثرت في أنطاكية المدارس الجيدة والكنائس. الكنيسة التي اعتاد الذهبي الفم أن يعظ فيها كانت أعظمهن. أما السكان فكانوا من السوريين والإغريق واليهود والرومانيين. العنصر الآسيوي غلب، والسكان ناهزوا المئتي الألف عدداً، نصفهم من المسيحيين. الوثنية كانت بعد قوية ورموزها تملأ المكان وتطغى على النفوس.

وفي عظات الذهبي الفم صورة عن أحوال أهل أنطاكية وخصالهم وواقع الكنيسة فيهم. أبرز العيوب والرذائل كانت البخل والترف والفجور والتعلق الشديد بالمسرح والمباريات. كان القدّيس يشكو من أن الفساد بلغ في أيامه حداً أنه “لو أراد إنسان غريب أن يقارن بين أحكام الإنجيل وما يمارسه المجتمع لانتهى إلى أن الناس ليسوا هنا تلامذة المسيح بل أعداؤه”. كيف لا وإتباع الموضة كان القاعدة، والمتعة ما يسعى الناس إليه.

يكرمون فنون الترف فيما الفضائل والرصانة موضع استهزاء، وكذا خفر النسوة والوقار. قسم كبير من دخل المدينة كان يذهب لتمويل المباريات العامة والمسارح. هذه كانت شهوة أنطاكية ومجدها. بلى، كانت المدينة فردوساً مزدهراً، ولكن، فردوساً للخطيئة والفساد والانحلال أولاً.

وكانت الكنيسة في أنطاكية، يومها، قد خرجت حديثاً من صراعات وانقسامات دامت أكثر من ستين سنة. الهرطقات، ولاسيما الآريوسية، كانت ما تزال بعد تلوث الأجواء وإن همد أكثرها.

 

الواعظ:

هذه هي المدينة التي ألقى فيها الذهبي الفم أهم عظاته مصلحاً ومؤدباً، مشدداً ومعزياً. ميزته الأولى أنه ركّز على كيفية السلوك بحسب الإنجيل في الحياة اليومية: كيف نترجم الإنجيل إلى واقع شخصي واجتماعي في مدينة صاخبة مضروبة بالشهوات والفساد وتعاني من التفاوت بين طبقات الناس كأنطاكية. وهو إلى جانب كونه سيداً في الفصاحة والبلاغة وله معرفة بالكتاب المقدس لا تدانى، كان سيداً في نقل الإنجيل إلى الناس بلغة يفهمونها.

كلماته كانت تتدفق كمياه النهر تدفقاً، تلج القلوب عميقاً وترفع النفوس عالياً وتحرك في الأفئدة حب الفضيلة. كان يسبر غور الأسرار الإلهية ويفسّر الإيمان ويربط الكل بحياة الفضيلة، إحساناً وبراً واتضاعاً وتوبة ونخس قلب وثقة بالله ورحمته التي لا تحد. تسمية “الذهبي الفم” أطلقها عليه المتأخرون في القرن السادس للميلاد.

كان يجتذب المدينة بأسرها إلى عظاته. وكان الحماس يدب في النفوس إلى درجة أنهم كثيراً ما كانوا، عن وعي أو عن غير وعي، يستسلمون لعواصف من التصفيق. حتى عندما كان يأبى عليهم ذلك يصفقون. كان يعظ كل يوم أحد وفي الصوم الكبير وخلال الأسبوع مرتين أو أكثر، وأحياناً خمس مرات متتالية. وما كان ليأسر القلوب بمواهبه الخطابية وحسب بل، أولاً، بسيرة لا عيب فيها وقلب كبير وجرأة لا تخبو وعزم لا يلين.

ولكن، غريباً كان أمر أهل أنطاكية يومها! كان يعزّ عليهم أن يفوّتوا واحدة من عظاته ويتهللون. يقرّعهم ويقسو بشأن تعلقهم بالمسارح والمباريات وسباق العربات فيسكرون بكلماته ويصفقون. وما أن تنتهي العظة حتى يهرول الكثيرون منهم إلى المسارح والمدارج كأنما الكلام لا يعنيهم.

 

ملامحه وخصاله:

ولعل المرء يظن أن الذهبي الفم كان عملاقاً في القامة، جهوري الصوت، ذا مظهر مهيب، وما كان كذلك. كان قصير القامة، أصلع الرأس، نحيلاً، غائر الخدّين والعينين، عريض الجبين، أجعده، رمادي اللحية. صوته كان عذباً لكنه ضئيل.

لذلك كثيراً ما كان يدعو الناس إلى أخذ الأماكن الأمامية القريبة من المنبر. حركاته كانت تنقصها الرشاقة وكان يقول عن نفسه أنه “عنكبوتي”. كما كانت له هزالة الناسك وخفة مشيته. كان يكره الضجيج وخشخشة السلاح وتجميل الوجوه عند النساء والابتسامات المتكلفة عند الكهنة. أما صوته، ذاك الصوت الرفيع، فكان ينفجر رعداً أحياناً. 
الوعظ أيضا وأيضاً:

الوعظ بالنسبة للقديس يوحنا كان حاجة لذلك كان يتحدث عن “الجوع إلى الوعظ”، وأنه لا طاقة له على ترك المؤمنين يوماً واحداً دون تعزية من كنوز الكتاب المقدس، وأن للوعظ عليه أثراً علاجياً. “الوعظ شفاء لي. حالما أفتح فمي يزول تعبي”.

لم يكن يسجل مواعظه سلفاً. الكتّاب كانوا يلتقطونها. ويبدو أنه كان يراجعها أحياناً قبل نشرها. كانت تطول أحياناً مدة ساعتين. تناول كافة موضوعات الوعظ: الوعظ التفسيري (تفسير أسفار الكتاب المقدس) والوعظ العقائدي والوعظ الجدلي والتعليم المسيحي لمن يستعدون للمعمودية والعظات الرعائية والأخلاقية والعظات الليتورجية والعظات الرثائية وعظات المناسبات.

أبرز مواعظه الأحدى والعشرون الموعظة بشأن التماثيل وهي التي ألقاها في أنطاكية خلال الصوم الكبير من العام 387 للميلاد على أثر المحنة التي عصفت بالمدينة يومها. تلك حقبة خطيرة في تاريخ عاصمة المشرق. وقد لعب القدّيس يوحنا دوراً في تخطيها.

 

ماذا جرى يومها؟

محنة أنطاكية:
صدر عن الإرادة الإمبراطورية مرسوم يقضي بفرض ضريبة جديدة لصالح الجيش وكان الشعب مثقلاً بالضرائب والنفوس مهيأة للتظاهر والاحتجاج. فدخل بين الناس بعض مثيري الشغب وهيّجوهم فاندفعوا يحطمون كل ما يجدونه في طريقهم، إلى أن حطموا، في قاعة اللقاءات الكبرى، تماثيل كل من الإمبراطور ثيودوسيوس وزوجته فلاسيلا ووالده وولديه أركاديوس وهونوريوس، وجرّوها عبر الشوارع الموحلة. وكانت هذه جريمة يعاقب عليها القياصرة بالموت.

وتسارعت الأحداث. ففي غضون ساعات انتشر العسكر وتفرّق المتظاهرون وساد في المدينة صمت جنائزي. ألقى الجنود القبض على عدد من المشتبه بهم وبدأت الاستجوابات والمحاكمات، وأودع الكثيرون السجون. وبعث الحاكم برسول إلى القسطنطينية، على جناح السرعة، لتقديم تقرير عن الجريمة والعودة بقرار إمبراطوري في حق المدينة. ولحسن التدبير أن الثلوج أخّرت وصول الرسول بعضاً من الوقت.

في هذه الأثناء قام فلافيانوس، أسقف المدينة، وكان قد شاخ وبلغ الثمانين، إلى القسطنطينية مسترحماً.

وتمكن من الوصول إليها في الوقت المناسب، فيما نفّذ في أنطاكية حكم الإعدام بعدد ممن اعتبروا محرّضين على الفتنة واعتقل آخرون. وسيق عدد من وجهاء المدينة إلى غرف التعذيب بعدما صودرت ممتلكاتهم وشردت عائلاتهم وبات الناس في خوف ورعدة على أنفسهم وعلى أولادهم وممتلكاتهم، لا يعرفون من يشي بهم ولا متى تداهم منازلهم، فيما لجأ بعضهم إلى التلال المجاورة التي كثرت فيها قلالي الرهبان والمغاور، ونزل الرهبان بصورة عفوية إلى المدينة للدفاع عنها وعن الأبرياء فيها استعطافاً.

وجثمت خيمة الموت ثقيلة فوق أنطاكية أسابيع طويلة وكان الوقت وقت الصوم الكبير. الكل بانتظار خبر من القسطنطينية والقلوب بين مهابة ورجاء. قلة ظنّوا أن شفاعة أسقف المدينة ستثمر، فالرجل مسنّ والمسافة إلى القسطنطينية ثمانمئة كيلومتر، كيف يقطعها؟!.

ولزم يوحنا الصمت سبعة أيام فيما استمرت المداهمات والاعتقالات والاعدامات، ثم خرج إلى الناس بعظاته الإحدى والعشرين حول التماثيل. آخرها كان يوم الفصح بعدما وصل فلافيانوس إلى المدينة وقد نجح في مهمته.

لم يكن موضوع هذه العظات التماثيل بل رحمة الله وكيف أن هناك أموراً أصعب من الموت أو العبودية. شدّد يوحنا المؤمنين وثبتهم ونفخ فيهم روح القوة وعلّمهم كيف يقتبلون الموت، إذا كان لا بد منه، كما يقتبلون الحياة، وبالجرأة عينها. قال لهم أن الخوف علامة الخطيئة وأنهم لو لم يطلقوا العنان لرذائلهم لما حلّت بهم المصيبة. لو لم يتكالبوا على الغنى والترف ويتهالكوا على الشهوات ويستسلموا لكل عادة أثيمة لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه ولما استبد بهم الخوف من الإمبراطور. أوليس الإمبراطور إنساناً فلماذا نرتعد منه؟

ونزل النسّاك، كما ذكرنا، إلى شوارع المدينة وتدفقوا على الحاكمية يسالون الرأفة بالمدينة. وثمّ قصة عن ناسك مسن اسمه مقدونيوس لقب بآكل الشعير لأنه كان يكتفي من الطعام ببعض حبات الشعير كل يوم. هذا كان يسير في الشارع حافي القدمين، لا تغطي بدنه غير أثمال. فلما صادف المبعوثين الإمبراطوريين استوقفهما وقال لهما:” يا صديقيّ اذهبا إلى الإمبراطور وقولا له: “أنت قيصر لكنك إنسان أيضاً وتسود على كائنات من ذات طبيعتك!

الإنسان خلقه الله على صورته ومثاله فلا تأمر أنت بلا شفقة بتحطيم صورة الله لئلا تجلب غضب الله على نفسك. قولا له إنه سهل عليه أن يصنع تماثيل، لكنه كيف يصنع شعرة واحدة من إنسان حكم عليه بالموت؟!”.

وكان عبء هذه الأيام ثقيل جداً على يوحنا حتى بدا يومها وكأنه في الستين فيما لم يكن قد تجاوز الإحدى والأربعين. وما أن انتهت الأزمة حتى مرض مرضاً شديداً ولازم الفراش طويلاً. وبقي الذهبي الفم في أنطاكية بعد ذلك عشر سنوات مبشراً إلى أن انتقل أو نقلوه سراً إلى القسطنطينية.

 

إلى القسطنطينية:

ففي أواخر العام 397 للميلاد توفي القدّيس نكتاريوس (11 تشرين الأول) رئيس أساقفة القسطنطينية مخلفاً وراءه كرسياً يشتهي الكثيرون ملأه. أول هؤلاء كان رئيس أساقفة الاسكندرية، ثيوفيلوس، الذي طالما كان في صراع خفي وأسقف المدينة المتملكة.

هذا سارع إلى التحرك في كل اتجاه علّه ينجح في تنصيب أحد أعوانه، ايسيدوروس، فيتمكن من خلاله من وضع اليد على الكرسي القسطنطيني. ولكن حسابات اوتروبيوس الخصي، رئيس الوزراء القوي، كانت غير ذلك فأقنع الإمبراطور أركاديوس بإصدار مرسوم يقضي بتعيين يوحنا، كاهن أنطاكية، رئيس أساقفة على القسطنطينية.

طبعاً، صيت يوحنا قبل ذلك كان قد انتشر في كل أرجاء الإمبراطورية. ولكن، كانت هناك مشكلة صعبة: كيف يؤتى بيوحنا من أنطاكية؟ الأنطاكيون لن يرضوا بأن ينتزع منهم واعظهم الأول، وهو نفسه، يوحنا، راهب راهب، لا يحب السلطة فكيف يقنعونه بقبول المنصب الأول في الكنيسة في الشرق؟

لا بد من الحيلة! فبعث أوتربيوس برسالة إلى أستاريوس، حاكم سورية، أمره فيها باستدراج يوحنا سراً إلى خارج المدينة ثم نقله بمواكبة مشدّدة إلى القسطنطينية. وهكذا كان.

 

وارتسم سؤال: من يسم يوحنا؟

وأجاب أوتربيوس: ثيوفيلوس! فأحضر إليه فامتنع. فأخذ رئيس الوزراء ورقة وخط عليها بضعة أسطر ودفعها إلى أسقف الإسكندرية قائلاً: أما أن تسم يوحنا أو توجّه إليك الاتهامات المذكورة في هذه الورقة وتحال إلى المحاكمة. فشحب وجه ثيوفيلوس وسلّم بالأمر الواقع. وفي السادس والعشرين من شهر شباط من العام 398 للميلاد جلس يوحنا على عرش الكنيسة في القسطنطينية.

ذاك الذي كان يكره أن يكون في موقع السلطة بات الآن في سدة السلطة الأولى. ذاك الذي كان يكره الترف وجد نفسه محاطاً بمظاهر الفخامة وسكن في قصر بالقرب من القصر الملكي. ذاك الذي كان نصير الفقراء وراعيهم وجد نفسه محاطاً بالأغنياء وعلية القوم. فماذا كان يمكن أن تكون النتيجة؟ صراع مرير وسيرة استشهاد.

هذا ما كابده القدّيس يوحنا الذهبي الفم خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته كرئيس لأساقفة القسطنطينية.

 

بعض من أسقفيته:

طبعاً، الكل في المدينة كان، حال وصول الأسقف الجديد، في ترقّب، لاسيما المتنفذون من رجال الدولة والموظفين والأغنياء: أي نوع من الأساقفة يكون؟ أما هو فحالما تسلّم عصا الرعاية انطلق في مواعظه النارية فاستقطب جموعاً غفيرة أخذت تتقاطر عليه لتسمعه بغيرة وحماس.

ولم يطل به المقام حتى أخذ نهجه يتكّشف وبدأ الناس يتبيّنون أنه راهب جاء يلقي بظله الرهباني على القصر الأسقفي والمؤمنين أجمعين. المتنفذون والأغنياء، لاسيما جماعة القصر الملكي، كان عادياً في التعاطي معهم ولم يبد أية علامة من علامات التذلل والإكرام الزائد لهم.

ثم أنه ما لبث أن حمل على حياة البذخ والترف وتقوى الأغنياء المصطنعة المرائية. من جهته هو، التزم خط الفقر الإنجيلي وأخذ يزيل معالم الترف من المقر الأسقفي. يقال في هذا الشأن أنه أفرغ داره من الأثاث الثمين والأواني الفضية وباع الأعمدة المرمرية التي كان سلفه، نكتاريوس، قد اشتراها ليزيّن بها إحدى الكنائس المهمة في المدينة وحوّل الأموال المجتمعة لبناء المستشفيات ومضافات الغرباء والتوزيع على الفقراء.

شخصياً، لم يكن عنده شيء. أزال عادة إقامة المآدب الرسمية في مقره ولم يعد يقبل أية دعوة بهذا المعنى، كائناً من كان الداعي، للأجواء الموبوءة التي كانت تسود مثل هذه الموائد لجهة المسايرات واللياقات والأحاديث الدنيوية ومظاهر البذخ مما لم تكن مقاييسه للأمور لتسمح له به.

كان يتناول وجباته منفرداً ويكتفي من الطعام والشراب بالقليل يسند به جسده الضعيف المريض. في مقابل ذلك كان كريماً جوّاداً حيال الفقراء والمحتاجين، يهتم بالمرضى والمساجين ويعزّي قلوب المضنوكين والمسحوقين. ولكي يحوّل أنظار الشعب عن الألعاب والمباريات والمسارح وما إليها من تسليات مفسدة للنفس، اعتاد أن ينظم من وقت إلى آخر مسيرات صلوات وترتيل تجوب المدينة من الصباح إلى المساء، ويقيم السهرانات ويدعو الناس إلى حلاوات الصلاة في هدأة الليل.

إلى ذلك بدأ حملة لإصلاح ما اعوّج من أوضاع الكهنة. ويشير التاريخ بصورة خاصة، في هذا الشأن، إلى عادة يبدو أنها كانت مستشرية في أيام الذهبي الفم وكانت عثرة للكثيرين: مساكنة الكهنة العازيين للأرامل والعذارى المكرسات.

هذه الممارسة أزالها القديس يوحنا تماماً. كما أشار على الأغنياء أن يكّفوا عن الإغداق على الكهنة لأنه رأى البذخ الذي كانوا يعيشون فيه. ولم يوفر الأساقفة، خوفاً منهم، بل ألزمهم بتقديم تقارير مالية بنفقاتهم.

وكان طبيعياً أن تؤدي عظاته وإجراءاته إلى تباين المواقف بشأنه. والحق أن الناس انقسموا فريقين: واحداً تحمّس له وآخر تحمّس ضده. المتضرّرون من التدابير الجديدة والذين لم ترق لهم مواعظه المتشدّدة كانوا كثيرين: أساقفة وكهنة وكثيراً من أبناء المجتمع المخملي، والمتنفذين وسيدات القصر المتأنقات المتحذلقات.

كل هؤلاء أخذوا يلفقون ويشيعون أخباراً ضده، أنه غير سوي وشاذ ومتكبر وأن انكفاءه وعزلته، يوماً بعد يوم، إن هي سوى للعربدة والمجون وإشباع النهم إلى المآكل الفاخرة المميّزة.

 

القصر: علاقة صعبة

ويبدو أن علاقة قديسنا بالقصر الملكي، لاسيما بالإمبراطورة أفدوكسيا، كانت حسنة في أول الأمر، كما كان له بعض التأثير على الإمبراطور أركاديوس نفسه. ولكن، ما لبثت العلاقة أن فترت وساءت لأن أفدوكسيا كانت إنسان طموحات وشهوات، وقد تبيّن بعد حين أنها ترمي إلى أبعد من الحكم، إلى نوع من التأليه على طريقة الأباطرة الرومان، وطلب العبادة. وقد عبّر الذهبي الفم عن عدم ثبات علاقتها به بقوله: “تارة تعتبرني ثالث عشر الرسل وتارة تنعتني بيهوذا”.

ويبدو كذلك أنها كانت تخشى من تأثيره على زوجها وكانت حانقة عليه لتشدده في الكلام على الترف والفسق والرذيلة. كل ذلك ما لبث أن جعلها في صف أعداء يوحنا، وجعل المتضرّرين من تدابيره يسعون إلى إيغار صدرها عليه. ولكن، لم تكن الفرصة قد حانت للإيقاع به والتخلص منه.

 

حسّاد وأعداء:

وكان يتربص بيوحنا عدو لدود آخر هو أسقف الإسكندرية، ثيوفيلوس. هذا كان رجلاً من أبناء هذا الدهر، ذكياً لبقاً متآمراً خبيراً في شؤون التعاطي مع الكبار والمتنفذين.

ومع ذلك استمر يوحنا قوياً واستمر صوت الكلمة يرتفع عالياً وتدابيره الإصلاحية طالما لم يرتكب زلة يأخذها أعداؤه عليه. غير أن أموراً حدثت بين العامين 401 403 للميلاد رفعت درجة التوتر ضدّه. فخلال شهر كانون الثاني من العام 401 للميلاد وبعد دعوات متكّررة وجهها إليه اكليروس مدينة أفسس وأساقفة الجوار، خرج الذهبي الفم من كرسيه في جولة دامت ثلاثة أشهر إلى آسيا الصغرى. وقد كلّف صديقاً له، سويريانوس، أسقف جبلة السورية، بتصريف الأعمال في غيابه.

فأما جولته فتمخضت عن مجمع عقده في آسيا الصغرى اتخذ قراراً بعزل ستة أساقفة اتهموا بالسيمونية، أي بالوصول إلى سدّة الأسقفية بالرشوة. وثمة من يلقي بظلال الشك على حق يوحنا في عقد مجمع كهذا خارج حدود أبرشيته. هذه كانت ذريعة جعلت أعداءه يتحركون ضدّه بقوة أكبر. من جهة أخرى تبيّن أن سويريانوس، الأسقف وكيل يوحنا، استغل الفرصة وانقلب على صاحبه واتصل بأعدائه.

ولما عاد الذهبي الفم إلى كرسيّه كانت الأجواء مشحونة ضده.

 

الحملة ضده:

ثم إن قديسنا، في العام نفسه، 401 للميلاد، واجه مشكلة جديدة هي مشكلة “الأخوة الأربعة الطوال” الذين كانوا رهباناً مصريين على مذهب أوريجنوس طردهم ثيوفيلوس الإسكندري مع ثلاثمئة من أتباعهم. هؤلاء لجأوا إلى القسطنطينية واستجاروا بأسقفها.

وقد أحسّ القديس يوحنا بأن المسألة ظلماً فبعث برسالة إلى أسقف الإسكندرية يلتمس منه فيها، وبلهجة تكاد تقرب من التوسل، أن يحلًّ القضية بالحسنى قبل أن تصل إلى القصر. فاعتبر ثيوفيلوس أن هذا تدخل سافر من قبل يوحنا في شؤون لا تعنيه وأنه يأخذ جانب الهراطقة.

وحضر ثيوفيلوس إلى القسطنطينية خلال شهر آب من العام 403 للميلاد وتحرك بسرعة لدى الملكة أفدوكسيا والجماعات الموتورة من أعداء يوحنا. وقد تمكن من عقد مجمع في ضاحية من ضواحي مدينة خلقيدونيا، في قصر السنديانة، هو وستة وثلاثون أسقفاً، تسعة وعشرون منهم حملهم معه من مصر.

وقرار المجمع كان عزل يوحنا عن منصبه، كأسقف على القسطنطينية، بناء للائحة اتهامية تضمنت تسعة وعشرين تهمة، تراوحت بين التعرض للملكة بالقدح والذم والتدخل في شؤون أبرشيات أخرى والعادات الصحية المشبوهة التي كانت له كالأكل على انفراد واستعمال الملبّس المحشو بالعسل مباشرة بعد تناول القدسات الإلهية!

موقف يوحنا حيال هذا المجمع كان هادئاً. رفض قراراته وطالب بمجمع عام. ولكن لما رأى أن أركاديوس وقّع عليه وأمر بنفي يوحنا لزم الصمت وسلّم بالأمر الواقع.


يوم لك ويوم عليك:

ولكن، حدث ما لم يكن في الحسبان فإن زلزالاً هزّ المدينة في اليوم التالي جعل الإمبراطورة أفدوكسيا تشعر بأن الله غاضب عليها فأقنعت زوجها الإمبراطور، للحال، باستعادة يوحنا والتمست منه المغفرة.

وعاد يوحنا إلى كرسيه ولكن لفترة شهرين وحسب لأن الإمبراطورة أقامت لنفسها تمثالاً فضياً على عمود الرخام السمّاقي في مقابل كنيسة الحكمة المقدسة (آجيا صوفيا). وقد أثار الحدث حفيظة يوحنا لاسيما للاحتفالات والصخب الذي رافقه.

ففي عيد استشهاد القديس يوحنا المعمدان، رفع صوته وقال:”ها هي هيروديا ترقص من جديد وتسخط من جديد، ومن جديد تطلب رأس يوحنا”. وطبعاً حمل جواسيس أقواله إلى الملكة فساءها الأمر جداً وعزمت على التخلص منه نهائياً.

ومن جديد، صدر مرسوم ملكي يقضي بتجريد الذهبي الفم من سلطاته، فرفض الانصياع. قال: “تلقيت سلطتي في الكنيسة من الله ولا أتركها…”. وفي يوم الفصح، السادس عشر من نيسان عام 404 للميلاد، هاجم أربعمئة من النشّابة جموع المؤمنين الملتفين حول القديس يوحنا فلّوثوا الكنائس ونهبوها وضربوا الكهنة وطردوا الموعوظين الذين كانوا ينتظرون دورهم في المعمودية، وفرّقوهم نصف عراة في الشوارع، رجالاً ونساء.

في تلك الفترة تعرّض الذهبي الفم لمحاولتي اغتيال نجا منهما بأعجوبة. ولما لم يرد قديسنا أن يعرّض الشعب المؤمن للمهانة وخطر الموت أكثر من ذلك قرّر تسليم نفسه. فودّع خاصته وخرج من الباب الشرقي للكاتدرائية فيما كانت الجموع تنتظره عند الباب الغربي وأسلم نفسه للعسكر. هذه المرة ودّعهم بلا رجعة. ودّعهم وارتحل إلى الشهادة فالموت.

وقد عبّر الذهبي الفم، فيما بعد، في رسالة وجهها إلى أسقف اسمه كيرياكوس، عن موقفه الداخلي العميق حيال نفيه الأول والثاني فقال: “عندما أخرجوني من المدينة لم أكن قلقاً بل قلت لنفسي: إذا كانت الإمبراطورة ترغب في نفيي فلتفعل، للرب الأرض بكمالها. إذا كنت ترغب في تقطيعي إرباً فحسبي أشعياء مثلاً. إذا كانت ترغب في رميي في المحيط فلي يونان. إذا ألقيت في النار فالفتية الثلاثة لاقوا المصير عينه.

ولو ألقيت للوحوش ذكرت دانيال في جب الأسد. إذا كانت ترغب في رجمي بالحجارة فاستفانوس، اول الشهداء ماثل أمام عيني. عرياناً خرجت من بطن أمي وعرياناً أترك هذا العالم. وبولس الرسول يذكرني: لو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبداً للمسيح”.

وخرج إلى المنفى:

بهذا الشعور خرج القديس يوحنا إلى المنفى. جرّوه جلادوه حتى الموت ثلاث سنوات وثلاثة أشهر باتجاه الحدود بين كيليكيا وأرمينيا، على قرية منعزلة اسمها كوكوزا ومن ثم نحو كومانا في بلاد البنطس. عانى من الحر وعانى من البرد. عانى من المرض وعانى من الإرهاق.

في خوف من اللصوص وخوف من الأعداء. كم من مرة بلغ حدّ القبر ثم عاد. مرات ومرات استبدت به آلام الرأس وكابد الحمى. وهذا كله حمله في جسد ضعيف معطوب. وما كان أطيب على قلوب الجنود، مواكبيه، من أن يسقط صريعاً على الطريق هنا أو هناك. هذا كان عجّل في إتمامهم المهمة الموكولة إليهم وحصولهم على المكافآت والترقيات.

ومع ذلك، ومن وسط المعاناة، ازداد قديسنا ثباتاً وتسليماً ورقة وإحساسا. أكثر الرسائل المئتين والاثنتين والأربعين المنسوبة إليه كتبها في تلك الفترة من حياته. وهذه وجهها إلى أساقفة في الشرق والغرب وإلى كهنة وشمامسة وشماسات ورهبان ومرسلين.

وقد ضمنها وصفاً لأتعابه، ونصحاً لأصحابها في موضوعات شتى، كما شدّد وعزّى خراف الحظيرة وأوعز بضرورة دكّ المعابد الوثنية في فينيقيا واستئصال الهرطقة من قبرص، وحث على إيفاد المبشرين إلى بلاد الفرس وسكيثيا. رسالتان وجههما إلى أسقف رومية، وسبع عشرة إلى أوليمبيا الشماسة التي كان يكنّ لها محبة وتقديراً كبيرين.

المجد لله على كل شيء:

وقد بدا لبعض الوقت أنه كان للذهبي الفم في المنفي دور وتأثير في أمور الكنيسة أكبر مما كان له وهو في كرسيه في القسطنطينية. فتنبّه المسؤلون في العاصمة المتملكة إلى خطورة الأمر، والحال هذه، فبعثوا بتوجيهاتهم إلى الجنود المرافقين ليوحنا أن يمنعوا عنه الرسائل ويزيدوا تضييقهم عليه. تلك كانت المرحلة الأخيرة من رحلة استشهاده. فقد أرهقه معذّبوه إلى درجة لم يعد بإمكانه تحملها.

وفي موضع قريب من كومانا في بلاد البنطس ظهر له في الحلم قديس شهيد اسمه باسيليكوس كان موارى هناك وقال له: “تشدّد يا أخي فغداً نلتقي!”. وفي صباح اليوم التالي طلب ثياباً بيضاء واشترك في سر الشكر ثم أسلم الروح. كلماته الأخيرة كانت: ” المجد لله على كل شيء!”. كان ذلك في الرابع عشر من شهر أيلول من العام 407 للميلاد، وكان قد أتم الستين من عمره والعاشرة من أسقفيته.

إكرام المؤمنين للذهبي الفم كقديس بدأ حتى في حياته. وقد جرى نقل رفاته إلى القسطنطينية بعد إحدى وثلاثين سنة من رقاده، في السابع والعشرين من شهر كانون الثاني من العام 438 للميلاد.

 

جمجمة القديس يوحنا الذهبي الفم ويده اليمنى

توجد في الجبل المقدس آثوس رفات من جسد القديس يوحنا الذهبي الفم، جمجمته التي تُحفظ في دير الفاتوبيذي Βατοπαίδι، ويده اليمنى في دير فيلوثيو Φιλοθέου، وهي تُحفظ وتُكرَّم ككنزٍ مفيضٍ نعماً وبركات.

في جمجمة القديس، لا تزال أذنه باقية غير منحلّة رغم مرور القرون الستة عشر على رقاده. يروى أنها الأذن التي بها سمع القديس الكلمات الإلهية، كما شهد تلميذه بروكلوس الذي رأى بولس الرسول يلقنه فيها تفسير تعاليمه ورسائله.

يد القديس اليمنى حُفظت بنعمة الله غير منحلّة، هذه اليد التي طالما بارك بها القديس رعيته وأغنامه الناطقة، ولكن أيضاً مضطهديه في طريقه إلى المنفى: “أيها الآب القدوس اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون”

في حياته كان القديس يعي قدسيّة يد الكاهن التي تتمم الأسرار الإلهية فيقول في مقالته “الكاهن والكهنوت“: “الآب والابن والروح القدس يتممّون تجميع الأسرار في الكنيسة، أما الكاهن فيعير يده الله لاتمام هذه الأسرار”.

 القديس بولس الرسول والقديس يوحنا الذهبي الفم

كان القديس يوحنا الذهبي الفهم معروفًا بقدرته على تفسير الكتاب المقدس. وكان مُعجبًا كلّ الإعجاب ببولس الرسول، ففسّر رسائله. ولكي يتأكّد من صحّة تفسير الرسائل سأل الربّ أن يعطيه علامة. في ذلك الزمن، تمرّد على الأمبراطور أركاديوس رجل من النبلاء. فاستولى الإمبراطور على ممتلكات الرجل، وهدّده بالإعدام. فشعر الرجل النبيل باليأس، وقرّر أن يستنجد بالقدّيس يوحنا.

فلمّا وصل إلى الصرح البطريكيّ، لم يستطع القدّيس بوحنا أن يقابله حالاً، وطلب منه أن يعود إليه في المساء. وقال القديس يوحنا لأحد الكهنة المعاونين، واسمه بروكلوس، وقد خلف القديس يوحنا لاحقًا كبطريرك القسطنطينيّة، أن يدلّ الرجل على مكان غرفته عند وصوله. فعاد الرجل النبيل وذهب بروكلوس إلى البطريرك ليعلن له قدوم الزائر. 

كان باب الغرفة مغلقًا، وسمع بروكلوس أصوات نقاش، فنظر من ثقب الباب. كان القديس يوحنا جالسًا يكتب، ورجلٌ أصلع محدودب قليلاً، واقف خلف كتفه ينظر ويكلّم القديس. فعاد بروكلوس إلى الرجل النبيل وقال له إنّ البطريرك في اجتماع. وتكرّر ذلك مراراً، فكان بروكلوس يعود في كلّ مرّة إلى غرفة البطريرك في تلك الليلة، وما زال الرجل يكلّم القديس يوحنا. فانتظر الرجل الشريف الليل بطوله من دون جدوى.

وفي الصباح، عاد الرجل النبيل إلى دار البطريركيّة، نظرًا لأهمّيّة الموضوع، ضرورة مقابلة البطريرك. فذهب بروكلوس لإعلام البطريرك وشاهد الرجل ذاته في الغرفة. بدا يوحنّا مأخوذًا بكلام الرجل. واستغرب بروكلوس كيف دخل ذلك الرجل من غير أن يعبر به. 

وعاد الرجل النبيل للمرّة الرابعة، فأكّد له بروكلوس أنّ البطريرك ليس عنده أحد، وأنّه لم يدع أحدًا يدخل عليه من دون علمه. فلما وصل إلى غرفة البطريرك، انصدم لرؤية الزائر الغريب. فعاد إلى الرجل النبيل وقال له أن يعود أدراجه لاستحالة مقابلة البطريرك.

في ذلك اليوم ، تذكر القديس يوحنا الرجل النبيل واستفسر عنه. فأخبره بروكلوس أن الرجل قد جاء ثلاث مرات، ولكن في كلّ مرة كان البطريرك مشغولا بالتحدث إلى الرجل نفسه. سأل القديس يوحنا بروكلوس عمّن رأى في الغرفة. أجاب بروكلوس أنه يشبه الرسول بولس، الذي إيقونته على مكتب القديس.  حينئذ أدرك القديس يوحنا بفرح أنّ هذه هي العلامة التي طلبها إلى الله فيما يتعلق بتفسيراته لرسائل بولس.

وبعد مقابلته الرجل النبيل، وافق البطيرك على التوسّط بينه وبين الإمبراطور، فتصالح الرجلان في وقت قصير، واستعاد الرجل أملاكه. إنّ جمجمة القدّيس يوحنا الذهبي الفم المباركة فيها أذُن غير بالية، بقيت كما هي، فيما انحلّت الأذن الأخرى تمامًا حسب الطبيعة.

 

[1] راجع قصة حياة القديس ذهبي الفم في الدراسة الكتابية الثانية (د. عدنان طرابلسي) في شرح إنجيل متى للذهبي الفم، الجزء الثاني، وفي كتاب السنسكار (الجزء الأول) لقدس الأب توما (ص 379)، وكتاب فيرجيل جورجيو (منشورات السائح)، وكتاب القديس يوحنا ذهبي للأب الياس كويتر.

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

عيد حلول الروح القدس ع2 – ذهبي الفم

عيد حلول الروح القدس ع2 – ذهبي الفم

عيد حلول الروح القدس ع2 – ذهبي الفم

العظة الثانية عن عيد حلول الروح القدس – ذهبي الفم

مواهب الروح القدس:

          يا أحبائى كم هى عظيمة مواهب الروح التى أغدقها علينا الله محب البشر، تلك المواهب التى تفوق العقل الإنسانى. لذلك، لنفرح جميعًا معًا ونبتهج مسبحين الرب. لأنه بالنسبة لنا، فإن هذا اليوم هو يوم عيد واحتفال عظيم. وكما تتتابع الفصول الواحد بعد الآخر، هكذا تأتى الاحتفالات فى الكنيسة الواحد تلو الآخر، فنذهب من الواحد إلى الآخر.

          منذ أيام قليلة احتفلنا بآلام المسيح وصليبه وقيامته، ثم بعد ذلك احتفلنا بصعود ربنا يسوع المسيح إلى السموات. اليوم وصلنا إلى قمة الخيرات، إلى تاج الأعياد، اليوم نتمتع بوعد الرب فى الإنجيل: ” لكنى أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ولكن إن ذهبت أرسله إليكم” (يو7:16).

          أرأيتم كم هو عظيم هذا الاعتناء الأبوى؟

          أرأيتم كم هى محبته التى لا توصف؟

          قبل أيام قليلة صعد المسيح إلى السموات وجلس على العرش الملوكى، عن يمين الآب، واليوم يرسل لنا مواهب الروح القدس. وبهذه الطريقة يهبنا الخيرات السماوية التى لا تُحصى. اخبرنى، هل يوجد أى خير من الخيرات التى تساهم فى خلاصنا لم تُعطَ لنا بواسطة الروح القدس؟ إننا بنعمته نتخلص من عبودية الشيطان وندخل إلى حرية المسيح، وننقاد إلى نعمة التبنى الإلهى، ونُولد ولادة ثانية، ونلقى عن كاهلنا ثقل خطايانا ونيرها الذى لا يُطاق.

بنعمة الروح القدس صار كثيرون كهنة وآخرون معلمون فى الكنيسة. كل التعاليم الغنية ومواهب الشفاء تنبع من هذا المصدر. نعم، كل النِعم الأخرى التى تزين كنيسة الله، تأتى من الروح القدس. لذا ينادى الرسول بولس قائلاً: ” ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء” (1كو11:12).

          يقول “كما يشاء”، أى لا يأخذ أمرًا من غيره بأن “يقسم” أو “لا يقسم”، الروح له سلطان ولا يتسلط عليه أحد. لأن بولس الرسول يقول كيف إن الروح القدس له نفس السلطان الذى للآب: ” ولكن الله واحد الذى يعمل الكل فى الكل“، هكذا أيضًا يقول عن الروح القدس: ” ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء“،

          أرأيت السلطة الكاملة التى للروح القدس؟ إذ أن الأقانيم الثلاثة التى لها نفس الطبيعة والجوهر هى أيضًا لها نفس السلطة والمكانة والقدرة الواحدة.

          إن قوة الروح القدس تخلصنا من الخطايا، بهذه القوة تغتسل نفوسنا من أى دنس. وبينما نحن بشر، صرنا بعطية الروح القدس ملائكة دون أن تتغير طبيعتنا. وهذا ما يستحق كل إعجاب، إن نعمة الروح القدس تعطينا أن نسلك سلوك الملائكة. بينما طبيعتنا البشرية لا يعتريها أى تغيير. كم هى عظيمة قوة الروح القدس!.

          وكما أن الفخّار الليّن عندما يتعرض للنار يصير قرميدًا صلبًا، هكذا بالضبط نار الروح القدس عندما تحل على النفس العاقلة تجعلها أقوى من الحديد حتى ولو كانت لينة وضعيفة، وأيضًا تصير أكثر نقاوة من الشمس. وقد أراد بولس الرسول أن يعلمنا هذه الحقيقة قائلاً: ” لا تضلوا. لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعوا ذكور ولا سارقون ولا طامعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” (1كو9:6ـ10).

          وحيث إنه أحصى كل أنواع الشرور وعلّمنا أن كل الذين يفعلونها يبتعدون تمامًا عن ملكوت السموات، أضاف مباشرةً قائلاً: ” وهكذا كان أُناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو11:6).

          هل رأيت، يا عزيزى، قوة الروح القدس؟.

          هل رأيت أن الروح القدس يُزيل كل هذه الشرور، وأن أولئك الذين كانوا سابقًا مستعبدين لخطاياهم رفعهم إلى مكانة وكرامة سامية جدًا؟

 

ضد محاربى الروح:

          مَنْ يستطيع أن يبكى ويحزن حزنًا يتناسب مع هول الكارثة، على هؤلاء الذين شرعوا فى إهانة الروح القدس، هؤلاء الذين سقط عليهم هوس رهيب وأُصيبوا بعدم التبصر فبدلاً من تَذَكُّر إحسانات وخيرات الروح القدس تجرأوا على فعل كل ما يدمر هذه الخيرات محاولين بقدر استطاعتهم رفض الروح القدس، منكرين مكانته وسلطته منزلين إياه إلى مستوى مخلوقات الله؟

          وأنا أريد أن أسألهم: لأى سبب أنتم تحاربون الروح القدس بهذا الهوس؟ أو بالأحرى: لماذا تحاربون خلاصكم ولا تريدون فهم أقوال الرب التى قالها للتلاميذ ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت19:28).

          أرأيت الكرامة الواحدة التى لأقانيم الثالوث القدوس؟!

          أرأيت مدى التوافق الكامل فيما بينهم؟

          ربما رأيت اختلافًا ما أو شيئًا غائبًا فيما بينهم ؟!! لماذا تتجرأ على تزييف أقوال الرب ؟

          هل تجهل أنه فى المسائل البشرية إذا شَرِع شخص وتجرأ على إضافة شيئًا أو حذف شيئًا من أوامر ملك ما ـ الذى هو أيضًا مثلنا ـ يعاقبونه بأسوا عقاب ولا أحد يستطيع أن يخلصه من هذا العقاب؟ إذن طالما هناك أخطار كثيرة بالنسبة للمسائل البشرية، كيف يكون من الممكن أن يُغفر لأولئك الذين يظهرون البلادة محاولين أن يُحرِّفوا أقوال مخلصنا ولا يريدون أن يسمعوا حتى لبولس الذى كان يتحدث إليه المسيح بصوت واضح نقى فى داخله: ” ما لم تره عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه” (1كو8:2ـ9).

          إن كانت العين البشرية لا تستطيع أن ترى، ولا الأذن أن تسمع ولا الخاطر البشرى أن يتخيل كل الذى يعده الله لأولئك الذين يحبونه، كيف يكون فى استطاعتنا (يا بولس الطوباوى) أن نعرفها؟ لكن أقول: انتظر قليلاً وسوف تسمع الرسول بولس يعلن لك قائلاً: ” أعلنه الله لنا نحن بروحه” (1كو10:2) ولم يتوقف عند ذلك بل أظهر قوة الروح القدس وأنه مساوٍ للآب فى الجوهر قائلاً: ” لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله” (1كو10:2).

          ثم أراد الرسول بولس أن يجعلنا نفهم فهمًا صحيحًا فاستخدم أمثلة من الحياة البشرية وقال: ” لأن مَنْ مِن الناس يعرف أمور الإنسان إلاّ روح الإنسان الذى فيه، هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلاّ روح الله” (1كو11:2).

          ألا ترى أن ما قاله بولس هو تعليم كامل؟

          حقًا هذا هو البرهان الأعظم والأكثر قوة عن الروح القدس لأنه قدم لنا مثالاً يوضح لنا تمامًا أنه من المستحيل أن لا يعرف الإنسان ما يجول فى فكره. إذن طالما أن هذا لا يمكن أن يكون إلاّ هكذا، كذلك أيضًا فإن الروح القدس يعرف أعماق الله. لكننى لا أعرف لماذا لم يضع كلمات الرسول بولس هذه أولئك الذين بإرادتهم يؤذون أنفسهم صانعين حربًا ضد خلاصهم وضد الروح القدس، إذ يبعدونه بقدر ما يستطيعون من مكانته وسلطانه وينزلونه إلى مكانة أدنى مع مخلوقات الله.

لكن رغم أن هؤلاء يتصرفون بعداوة ويقاومون أقوال الكتاب المقدس، إلاّ أننا نحن الذين قَبِلنا الإيمان المُعلن إلينا من السماء نقدم إلى الرب المجد اللائق به ونبرهن على دقة التعليم الإلهى بالإيمان والحق المستقيم، وبالرغم من أن كل ما قلناه هو كافى للرد على أولئك الذين تجرأوا على المناداة بتعاليم مضادة لتلك التى قالها الروح القدس. إلاّ أننى أرى من الضرورى أن أقدم لكم أيها الأحباء، الإجابة على سؤالٍ: لماذا لم يرسل الرب الروح القدس بعد صعوده إلى السموات مباشرة؟

          هذا الأمر لم يحدث عبثًا وبدون سببٍ. إذ أن الرب يعرف أن الجنس البشرى لا يُقدِّر ـ كما ينبغى ـ الخيرات التى يملكها، ويعلّمنا دائمًا الأمور المفرحة اللائقة بوجود المتضادات وأستطيع أن أشرح هذه الحقيقة بطريقة أفضل.

          فذاك الذى هو مُعافى وقوى جسديًا لا يشعر بهذه العافية والقوة إن لم يختبر المرض والضعف الجسدى. وذاك الذى يرى النهار لا يُقدِّر النور كما يليق إن لم يعقب هذا النور ظلام الليل. حقًا، إن خبرة الأمور المتضادة هى دائمًا خبرة تربوية تعليمية نكتسبها بفرح. هكذا على نفس القياس استمتع التلاميذ بخيرات كثيرة عندما كان المسيح معهم وكانوا فرحين بالحياة معه. أيضًا شهد لهم سُكان فلسطين بأنهم أقاموا موتى وطهروا بُرص وطردوا شياطين وشفوا مرضى وتمموا معجزات كثيرة أخرى.

لذلك كان من الضرورى أن يتركهم فترة زمنية صغيرة بدون القوة التى كانت تعينهم حتى يدركوا بأنفسهم مدى أهمية عطية حضور الرب عندما كان بينهم، حينئذٍ يفهمون قيمة الخيرات السابقة ويقبلون بكل شوق واستعداد عطية المعزى.

          إذن عزّاهم الله فى ضيقتهم وأنارهم بنوره بينما كانوا عابسين ومكتئبين لانفصالهم عن معلمهم وبينما هم شبه موتى أقامهم وأزال سحابة الحزن، حينما سمعوا قول الرب: ” فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (مت19:28). وكانوا من قبل فى حيرة ولم يعرفوا أين ينبغى أن يذهب كل واحد منهم، وفى أى منطقة من الأرض يجب أن يكرز بكلمة الله، حتى جاء الروح القدس على شكل ألسنة نار وقسم لكل واحد المنطقة التى كان يجب أن يعلّم فيها وصار معروفًا باللغة التى أعطاها لكل واحد، لذلك حلّ الروح على شكل ألسنة نار، وبهذا أيضًا يذكرنا بقصة قديمة.

فعندما انحرف الناس ذهنيًا فى القديم وأرادوا أن يبنوا برجًا يصل إلى السماء، أحدث الله بلبلة فى ألسنتهم وهكذا أبطل تخطيطاتهم الغبية. لأجل هذا السبب يحلّق فوق رؤوسهم الروح القدس على شكل ألسنة نارية، لكى يوّحد ـ بهذه الطريقة ـ المسكونة التى كانت منقسمة. وهكذا حدث شئ غريب وغير معتاد، لأنه قديمًا كانت الألسنة تُفرِّق المسكونة، وأما الآن فالألسنة النارية توّحدها وتقود إلى الوفاق بين الأمور التى كانت متضادة ومنفصلة فيما بينها.

إذن، فقد حلّ الروح القدس على شكل الألسنة وحسنًا أخذ شكل ألسنة نارية وذلك لكى تُحرق أشواك الخطية التى نبتت داخل نفوسنا. لأنه كما أن الأرض التى هى غنية وخصبة ولا تُفلّح تمتلئ من الأشواك الكثيرة، هكذا يكون لنا نحن البشر نفس الأمر.

نحن الذين خلقنا الله صالحين وقادرين على أعمال الفضيلة ولكن بسبب أننا لم نقبل فلاحة التقوى ولا بذرة الإيمان بالله امتلأت نفوسنا من أشواك عدم الإيمان ونباتات أخرى غير مفيدة، وكما أنه فى مرات كثيرة يتغطى سطح الأرض ويختفى من جراء الأشواك الكثيفة والنباتات البرية، هكذا لا يظهر نقاء نفوسنا وتأدبها إذ قد غطتها أشواك الخطية، حتى أتى الكلمة خالق الجنس البشرى الذى وضع نار الروح القدس ليطهرنا من الأشواك ويجعلنا مناسبين لقبول بذرة السماء.

 

المحبة هى الثمرة الأولى للروح القدس:

          لقد اكتسبنا فى هذا العيد خيرات كثيرة، لذلك أرجوكم أن نحتفل كما يليق بهذه الخيرات الصالحة التى حصلنا عليها ليس بتزيين المدينة بالأكاليل، لكن بتجميل نفوسنا بالفضيلة. أقول ليس بتزيين الأسواق بستائر ملونة لكن بأن نجعل نفوسنا تتلون وتلمع بالفضيلة حتى نستطيع هكذا قبول نعمة الروح القدس ونجنى ثماره التى سوف يقدمها لنا.

          لكن ما هى ثمار الروح القدس؟

          ليتنا ننصت إلى ما قاله بولس: ” أما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام…” (غل22:5).

          لاحظ بدقة إنه يقدم لنا هذا التعليم ويضع فى البداية المحبة وبعد ذلك يذكر فضائل أخرى. فهو زرع الشجرة وبعد ذلك أظهر لنا الثمرة. وضع الأساسات ثم بنى المبنى. بدأ من المنبع ثم جاء إلى الأنهار. لأنه ليس من الممكن أن يشعر المرء بالفرح إن لم يعتبر أولاً أن فرحه هو سعادة الآخرين، وإن لم يرى أن الصالحات والخيرات الخاصة قريبه كأنها خاصة به. فلكى نستمتع بكل الثمار يجب أن تتملك المحبة على نفوسنا.

          المحبة هى جذر  ومنبع وأم الصالحات،

          لأنها كجذر تُنبت آلاف الفروع من الفضائل،

          وكمنبع  يتدفق منها ماء كثير ونقى،

          وكأم تحتضن كل أولئك الذين يلجأون إليها.

          هذا بالتأكيد يعرفه جيدًا بولس الطوباوى، لذلك دعا المحبة ثمرة الروح القدس. واعتبرها أسمى جدًا، حتى دعاها تكميل الناموس ” المحبة هى تكميل الناموس” (رو10:13). لذلك اعتبر رب الجميع أن المحبة هى الملمح الصادق الذى يتصف به تلاميذه: ” بهذا يعرف الناس أنكم تلاميذى إن كان لكم حب بعضكم نحو بعض” (يو35:13).

          لذلك من فضلكم، دعونا جميعًا نسرع إلى المحبة ونحتضنها ونمسك بها بشدة ونُعيّد هذا العيد. لأنه حيث توجد المحبة تموت شهوات النفس. حيث توجد المحبة تتوقف حركات الشهوات الجامحة للنفس. فالمحبة كما يقول بولس الرسول: ” تتأنى وترفق. المحبة لا تحسد. المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتد ولا تظن السوء” (1كو4:13ـ5).

          المحبة لا تفعل شيئًا شرًا للآخر.

          حيث توجد المحبة لا يوجد أى قايين آخر يقتل أخاه.

          اخرج الحسد من قلبك فتكون قد أخرجت نهر الشرور.

          اقطع جذر شجرة الخطية وسوف تختفى ثمارها مباشرة.

          وأقول ذلك، بسبب أننى حزين جدًا على أولئك الذين يحسدون إذ يؤذون ذواتهم ويدمروها بينما من يقع عليهم فعل الحسد ينالون مكافأة من الله. لذا نمدح هابيل ونذكر دائمًا أنه بسبب الحسد اكتسب مجدًا. إذ أن قايين قتله وظلّ عائشًا هائمًا مرتعبًا من الفزع. لكن هابيل الذى قُتِلَ تحدث بأكثر شجاعة بعد موته ” وإن مات يتكلم بعد” (عب4:11). وكما جعلت الخطية قايين يحيا وهو أكثر عارًا من الأموات، هكذا جعلت الفضيلة هابيل ممجدًا بعد موته.

 

تحذيرات وتوصيات:

          إذن، لكى نكتسب ثقة أعظم فى هذه الحياة وفى الحياة الأخرى، ولكى نستمتع جدًا بالفرح الذى يقدمه لنا هذا العيد ليتنا نخلع عنا ملابس نفوسنا القذرة خاصة لباس الحسد. لأنه إن كنا نفعل أعمالاً صالحةً لا تحصى سوف نفقد كل شئ إن كان يوجد فى داخلنا هذا الخطأ المر والممقوت (الحسد)، والذى علينا أن نتجنبه كلنا، خاصة أولئك الذين خلعوا بالمعمودية اليوم لُباس الخطايا العتيق ويلمعون الآن باللباس الجديد مثل أشعة الشمس.

          إذن من فضلكم، يا من صرتم اليوم أبناء الله، أنتم الذين لبستم هذا الثوب البهى، احفظوا الفرح الذى نلتموه الآن، طالما أعقتم الشيطان وعلّيتم الجدار حتى لا يأتى إلى نفوسكم من الباب. وطالما أنتم تستمعون بغنى الروح القدس فإنكم ترون الثمار الروحية ثلاثون وستون ومائة، وبذلك تستحقون الحضور بدالة أمام الملك السماوى عندما يأتى ويُقسم الخيرات التى لا تُحصى على أولئك الذين عاشوا بتقوى وفضيلة هنا على الأرض بحسب وصايا ربنا يسوع المسيح الذى له المجد والقوة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.

 

عيد حلول الروح القدس ع2 – ذهبي الفم

العظة الأولى عن عيد حلول الروح القدس – ذهبي الفم

العظة الأولى عن عيد حلول الروح القدس – ذهبي الفم

العظة الأولى عن عيد حلول الروح القدس – ذهبي الفم

العظة الأولى عن عيد حلول الروح القدس – ذهبي الفم

1 ـ مرة أخرى نعيّد، مرة أخرى نحتفل، والكنيسة، تلك الأم المحبة جدًا ـ كثيرة الأولاد ـ تفتخر بكل هذا العدد من أولادها. ولكن ما فائدة تلك المحبة، إذا كانت لا ترى الأوجه المحببة لأولادها باستمرار، بل تراها فى الأعياد فقط، مثل من يملك ثوبًا رائعًا ولكن لا يسمحون له بارتدائه باستمرار؟ لأن ثوب الكنيسة هو هذا الجمع الذى يأتى إلى الكنيسة، كما يقول النبى بالوحى الإلهى: ” إنك تلبسين كلهم كحلى وتتنطقين بهم كعروس” (إش18:49).

 

وبالضبط كما أن المرأة العاقلة والحرة داخليًا تظهر أكثر احترامًا وأكثر احتشامًا عندما ترتدى الملابس الطويلة حتى قدميها، هكذا فالكنيسة تبدو اليوم أكثر بهجة لأنها محاطة بالعدد الغفير من أجسامنا ورداؤها طويل، ولا يمكن أن ترى اليوم جزءً منها عاريًا (خاليًا منا)[1] كما فى الأيام السابقة، حيث كان الذين حضروا اليوم فقط سببًا فى عرى الكنيسة بالأمس، هؤلاء الذين لا يهتموا بالأمر. ولكى نعرف أنه ليس بالخطر البسيط أن تُترك الأم عارية، علينا أن نتذكر قصة قديمة. لنتذكر ذلك الذى نظر والده عاريًا وعُوقب من أجل هذا فقط (تك20:9ـ27) ومع أنه لم يكن هو الذى عرى أبيه بل فقط نظره وهو عارٍ فإنه مع ذلك لم يُعف من العقاب. لكن الذين أتوا اليوم فقط ولم يأتوا فى الأيام السابقة لم ينظروا الأم عارية، لكنهم هم الذين عروها. فإن كان ذاك الذى نظر العرى فقط لم يفلت من العقاب، فكيف يُصفح عن هؤلاء الذين كانوا سببًا فى العرى.

 

وما أقوله هنا لا أريد به أن أوبخكم بل أريد أن أجنبكم العقوبة، لكى تتجنبوا لعنة “حام”، ولنتمثل بمحبة “سام” و”يافث” ونوقر نحن أيضًا أمنا دائمًا.

 

إن التقاليد اليهودية كانت تحتم علي الشعب اليهودى أن يظهروا أمام الله ثلاث مرات فى السنة. فقد قال لهم الرب ” ثلاث مرات فى السنة يظهر جميع ذكورك أمام السيد الرب” (خر7:23).

 

أما نحن فالرب يريدنا أن نظهر أمامه دائمًا. فهؤلاء كانوا يجتمعون ثلاث مرات فقط بسبب بُعد المسافات إذ أن عبادة الله حينذاك كانت محدودة فى موضع معين، ولهذا كان ظهورهم أمام الله قليلاً، لأنه كان من الضرورى أن يحجوا لأورشليم وليس لموضع آخر. ولهذا فقد أعطاهم وصية أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات فى السنة، وكان بُعد المسافات عذرًا معقولاً بالنسبة لهم. الأمر الذى لا نعانى نحن منه. فقد كانوا مشتتين فى كل أرجاء الأرض إذ يقول ” وكان يهود رجال أتقياء من كل أمة تحت السماء ساكنين أورشليم” (أع5:2).

 

أما نحن، وإن كنا لا نقطن كلنا فى مدينة واحدة، إلاّ أنه تجمعنا أسوار واحدة وفى كثير من الأحيان لا يفصلنا عن الكنيسة ولا حتى شارع ضيق، ومع ذلك فنحن نأتى إلى هذا الاجتماع المقدس مرات قليلة مثل هؤلاء الذين كانت تفصلهم بحار.

 

لهؤلاء أعطى الرب وصية أن يظهروا أمامه ثلاث مرات فى السنة، أما لنا نحن فقد أوصانا أن نعيّد دائمًا، لأن لدينا عيدًا دائمًا ولكى تعلموا أن لدينا عيدًا دائمًا سأقول لكم عن موضوع كل عيد وستعرفون أن كل يوم هو عيد عندنا.

 

عيدنا الأول هو عيد الأبيفانيا: فما هو موضوع هذا العيد؟ يقول باروخ النبى: ” وبعد ذلك تراءى على الأرض ومشى بين الناس” (باروخ38:3)، لأن ابن الله الوحيد هو معنا وإلى الأبد لأنه يقول ” انظروا هاأنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت20:28)، ولهذا فمن الممكن أن نعيّد الثيوفانيا (عيد الظهور الإلهى) كل الأيام.

ولأى سبب نحتفل بالبصخة؟ (عيد القيامة) وما الداعى لهذا العيد؟،

فى ذلك العيد نبشر الكل بموت الرب، وهذا هو معنى البصخة، إلاّ أنه ولا حتى هذا نفعله فى وقت معين.

والرسول بولس يريد أن يعفينا من التقيد بالتحديدات الزمنية، ولكى يبرهن لنا على أنه يمكننا أن نحتفل دائمًا بالبصخة فإنه يكتب قائلاً ” لأنه فى كل مرة تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس تبشرون بموت الرب” (1كو26:11).

فطالما نستطيع دائمًا أن نبشر علنًا بموت الرب، فإننا نستطيع دائمًا أن نحتفل بالبصخة (بعيد القيامة).

أتريدون أن تعلموا أنه يمكن الاحتفال كل يوم بالعيد الذى نعيّد له فى هذا اليوم؟ لنرى سبب هذا العيد ودواعى احتفالنا به: نحتفل بهذا العيد لأن الروح القدس قد أتى إلينا، لأنه كما أن ابن الله الوحيد هو مع المؤمنين، هكذا فإن الروح القدس هو أيضًا بالتمام معكم. ومن أين نعرف هذا؟ يقول السيد المسيح إن “من يحبنى“، ويكمل قائلاً “سيحفظ وصاياى وأنا سأطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد” (يو15:14ـ 17). كما قال السيد المسيح عن نفسه ” إنى سأمكث معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” ولهذا نستطيع أن نعيّد لعيد الظهور الإلهى[2]، هكذا قال عن الروح القدس إنه معكم إلى انقضاء الدهر ولهذا نستطيع أن نعيّد دائمًا عيد الخمسين.

2 ـ أرأيت أنه لم يقيدك بوقت معين، لكنه يشجعك على أن يكون لك خمير نقى؟

وأريد أن أخصص كل عظتى لهذا الأمر لأن أولئك الذين يقبضون على آخرين بعد جهد كبير لا يخلون سبيلهم بسهولة. ولأنى أمسكتكم فى شباكى بعد زمن طويل، أنتم الذين جئتم إلى هنا بعد غياب، فإنى لا أريد أن أترككم اليوم. ولكى لا تمضوا بدون أن تسمعوا شيئًا عن هذا العيد، فإنى سأخصص حديثى الآن عن سبب هذا العيد.

لقد أُعطى الجنس البشرى كله خيرات كثيرة من السماء ولمرات عديدة، أما مثل خيرات هذا العيد فلم يُعطَ أبدًا قبل هذا اليوم.

اعلموا إذن ما هى الخيرات السابقة وما هى خيرات اليوم لتعرفوا الفرق بينهما. يقول المزمور ” وأمطر عليكم منًا للأكل، وبَرُّ السماء أعطاهم” (مز24:78).

إذن فقد أكل الإنسان خبز الملائكة. إن هذا الأمر عظيم وجدير بمحبة الله للبشر. ثم بعد هذا أرسل نارًا وأعاد شعب إسرائيل إلى طريق الرب بعد أن كانوا قد ابتعدوا عنه ، ثم أصعد ذبيحتهم من على المذبح. ثم سقط المطر مرة أخرى عندما كادوا يهلكون من الجوع وجعل حصاد ذلك العام وفيرًا.

عظيمة هى هذه المعجزات، لكن أعظم منها هى معجزات اليوم. لأن اليوم لم يسقط مَنّ ولا نار ولا مطر من السماء، لكن هطلت بركات روحية غزيرة. سقط من السماء مطر لا لكى يجعل الأرض تفيض بالأثمار، بل لكى يقنع الجنس البشرى فيقدم ثمار الفضيلة لفلاّح البشرية (المسيح). وهؤلاء الذين تقبلوا قطرة من هذا المطر السماوى، أنكروا ذواتهم على الفور، وفجأة امتلأت الأرض كلها بملائكة، ملائكة ليست سماوية لكن مظهرين بأعمال أجسادهم البشرية فضائل القوات غير المتجسدة.

لأن الملائكة لم تهبط من السماء، لكن الأمر الأكثر عجبًا هو أن البشر قد صعدوا إلى مرتبة فضائل الملائكة. وأعنى أنهم لم يتجولوا كنفوس مجردة عارية، بسبب إهمالهم الاهتمام بأجسادهم، لكنهم وهم فى الجسد صاروا ملائكة فى الفضيلة.

ولكى تعلم أن العقاب الأول (لآدم) لم يكن عقابًا، أى عندما قال الله ” أنت تراب وإلى التراب تعود” (تك19:3) فقد تركك لتبقى على الأرض، لكى تظهر بالأكثر قوة الروح القدس، وذلك حينما يصل هذا الجسد الترابى إلى مثل تلك الإنجازات (الروحية). (إذًا بواسطة عمل الروح القدس فى الإنسان) أمكن للمرء أن يرى لغة تخرج (من فم) ترابى وتقدر أن تشفى المرض، وأكثر من هذا، فإنه لم تُرَ اليد فقط، لكن أشياء أكثر أعجازًا، فظلال الأجساد التى هى من طين أمكنها أن تنتصر على الموت وعلى قوات الشر غير المتجسدة، وأعنى الشياطين.

لأنه كما ينقشع الظلام بشروق الشمس وكما تختبئ الوحوش الكاسرة داخل جحورها وكما يهرب القتلة واللصوص ونباّش القبور إلى قمم الجبال، هكذا عندما بدأ بطرس الرسول كلامه، انقشع ظلام الضلالة وهرب الشيطان، وفرت قوات الشر واختفت الأمراض الجسدانية، وشُفيت النفوس المريضة، وتلاشت كل الشرور وعادت الفضيلة إلى الأرض.

 

وكما أنه إن استطاع أحد العاملين بالخزائن الملّكية التى تحوى الذهب والأحجار الكريمة أن يحصل بموافقة المختصين على إحدى هذه الجواهر أو الأحجار حتى ولو كانت صغيرة، فإنه يصير غنيًا جدًا. هكذا صار أيضًا للكلمات التى خرجت من أفواه الرسل، إذ أن أفواههم كانت خزائن ملكية حُفظ فى داخلها كنز شفى أمراضًا كثيرة. وكل كلمة خرجت كانت سببًا فى ثراء روحى كبير.

فقد كان ممكنًا حينذاك أن يرى المرء بالفعل أن كلمات الرب كانت تمثل مشتهى كثيرين أكثر من الذهب والأحجار الكريمة. إذ أن الأمر الذى استعصى تنفيذه بواسطة الذهب والأحجار الكريمة تحقق بكلام بطرس الرسول. فبالفعل كم هى عدد الدراهم التى كان يمكن أن تشفى ذلك الذى كان مقعدًا منذ ولادته؟ لكن استطاعت كلمات بطرس أن  تقيمه من عجزه الطبيعى هذا. فقد قال له “ باسم يسوع المسيح قم وامش” (أع6:3) وقوله تحقق فى الحال.

أرأيت كيف أن كلمة الرب هى مشتهاة أكثر من الذهب والأحجار الكريمة؟ أرأيت كيف أن أفواه الرسل كانت خزائن ملكية؟

بالفعل كان الرسل أطباء، وزرّاع، وربانية سفن؛

كانوا أطباء، لأنهم شفوا مرضى،

وزرّاع، لأنهم بذروا كلمة التقوى،

وربانية، لأنهم أسكتوا نوات الضلال.

 

ولهذا فقد قال لهم الرب مرة ” اذهبوا واشفوا المرضى” (مت8:15). كما لو أنه يتحدث إلى أطباء،

ومرة أخرى قال لهم ” أرسلكم الآن لتحصدوا ما لم تتعبوا فى غرسه” (يو38:4)، كما لو كان يتكلم مع زرّاع ،

وفى موضع آخر قال لهم “سأجعلكم صيادى الناس” (مت19:4)، وقال لبطرس ” لا تخف، من الآن تكون تصطاد الناس” (لو10:5) وكأنه يتحدث إلى ربانية سفن وصيادين. وهكذا فقد كان من الممكن أن يرى المرء معجزة تلى معجزة.

لقد صعدت الطبيعة البشرية قبل عشرة أيام إلى عرش الله الملوكى واليوم حلّ الروح القدس عليها. لقد أصعد الرب باكورتنا وأرسل لنا الروح القدس. والروح أيضًا هو رب، وهو واهب هذه العطايا. فهو والآب والابن يدبرون كل احتياجاتنا.

فقبل عشرة أيام صعد المسيح إلى السماء، وأرسل لنا مواهب روحية، وعطايا هذه المصالحة. ولكى لا يشك أحد إذن، أو يتساءل: ” ماذا فعل المسيح عندما صعد إلى السماء، هل صالحنا مع الآب؟ هل جعل الآب يسامحنا ؟ ولكى يُظهر لنا أنه قد صالح الجنس البشرى بالآب، فقد أرسل لنا مباشرة عطايا هذه المصالحة، لأنه عندما يتصالح الأعداء، فإنهم حالاً ما يتبادلون كلمات الأمنيات الطيبة والولائم والهدايا.

لقد قدمنا نحن إيماننا، وأخذنا عطايا سماوية، قدمنا طاعة، وأخذنا تبريرًا.

 

3 ـ ولكى تعلموا أننا أخذنا الروح القدس كعطية تصالح الله معنا. سأحاول أن أقنعكم من الكتاب المقدس. وسأبدأ أولاً بمحاولة إثبات العكس وإثبات أن الله لا يرسل نعمة الروح القدس إذا كان غاضبًا منا، لكيما إذا اقتنعت بأن غياب الروح القدس هو دليل غضب الله، تتأكد أن إرساله مرة أخرى هو دليل المصالحة ، لأنه لو لم تكن المصالحة قد تمت لَما أرسل الروح القدس . من أين لنا أن نعرف ذلك ؟

 

كان عالى (الكاهن) إنسانًا متقدمًا فى السن وكان صالحًا وتقيًا فى كل شئ، غير أنه لم يكن يعرف كيف يُصلح أخطاء أولاده، إذ كان يحبهم بطريقة مبالغ فيها، واسمعوا أنتم يا من لديكم أبناء، وليكن لديكم المعايير المناسبة فى محبتكم لأولادكم (حتى لا تفسدوهم) وليكون الاحترام قائم بينكم.

لقد أثار عالى، بفعله هذا، غضب الله جدًا إلى الحد الذى جعل الله يصرف وجهه عن كل جنس عالى الكاهن. ولكى يُظهر كاتب السفر موقف الله الغاضب قال “ وكانت كلمة الرب عزيزة فى تلك الأيام لم تكن رؤيا كثيرًا” (1صم1:3)، ومعنى أن الكلام عزيز هو ندرته، إذ بقوله هذا أوضح أن النبوات كانت نادرة.

وشخص آخر كان يبكى وينتحب لأجل غضب الله ” ليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك” (دا38:3)، والإنجيلى يقول أيضًا “ لأن الروح لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد” (يو39:7). بمعنى أنه لم يكن “قد صُلب” بعد، فإن الروح لم يكن قد أُعطى بعد للبشر وذلك لأن “قد صُلب” معناها ” قد مُجد” ورغم أن عملية الصلب بطبيعتها عملية مهينة، لكن لأنها تمت لأجل من أحبهم، فلهذا يدعوها المسيح “مجد”.

لكن ما هو السبب فى أن الروح القدس لم يُعط قبل الصلب؟ لأن البشرية كانت تعيش فى الخطية وفى العثرات، وفى البغضة والضلال، إذ أن الحمل الذى حمل خطايا العالم، لم يكن قد قُدم ذبيحة بعد. المسيح لم يكن قد صُلب، لذلك لم تكن هناك مصالحة، وبما أنه لم تكن هناك مصالحة، كان من المناسب عدم إرسال الروح القدس. وبالتالى، بما أنه أرسل الروح القدس فهذا يعنى أن المصالحة قد تمت. ولهذا قال السيد المسيح ” إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى” (يو7:16). إن لم أنطلق ـ يقول ـ لا تتم المصالحة مع الآب، ولذلك لن أرسل لكم المعزى.

أرأيتم بكم من البراهين أشرنا إلى أن غياب الروح القدس من بين البشر كان علامة على غضب الله ؟ ” كانت كلمة الرب عزيزة، ولم تكن رؤيا كثيرًا“، ” ليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك“، لماذا “لأن الروح لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد“. ” خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى“. وعندما ترى أن الروح القدس يأتى بغنى فلا تشك إطلاقًا فى أن هذه المصالحة قد تمت.

 

ويمكن أن يسأل أحد: أين هو الروح القدس الآن؟. لأنه عندما كانت تحدث المعجزات، ويقوم الأموات، ويتطهر البرّص، كان يمكن التحدث عن عمل الروح القدس، أما الآن كيف نثبت أن الروح القدس معنا؟ لا تخافوا لأنى سأبين لكم كيف أن الروح القدس معنا الآن. كيف وبأى طريقة؟ إن لم يكن الروح القدس معنا الآن بالفعل، كيف يتطهر الذين تعمدوا من خطاياهم فى تلك الليلة المقدسة لأنه لا يقدر أحد أن يتخلص من خطاياه بدون فعل الروح القدس.

 

واسمعوا الرسول بولس الذى يقول ” لأننا نحن أيضًا كنا أغبياء وغير طائعين ضالين مستعبدين لشهوات ولذّات مختلفة عائشين فى الخبث والحسد ممقوتين مبغضين بعضنا بعضًا، ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه لا بأعمال في بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس” (تيطس3:3ـ5). وفى موضع آخر يقول ” لا تضلوا لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مابونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” (1كو9:6ـ10)، أرأيت كل هذه الشرور “وهكذا كان أناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو11:6).

 

كيف تم هذا ؟ هذا ما نريد أن نعرفه. هل غُفرت الخطايا بعمل الروح القدس ؟ فلنسمع ” لكن اغتسلتم بل وتقدستم لأنكم اعتمدتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا“. أرأيت إذن أن الروح القدس يمحو كل هذه الخطايا؟

4 ـ أين هم الآن الذين يجدفون على الروح القدس؟ لأنه إن كان لا يمحو الخطية، فستكون المعمودية بلا هدف، وإن كان يمحو الخطايا، فباطل إذن تجديف الهراطقة.

 

وإن لم يكن هناك الروح القدس، فلم نكن لنستطع الاعتراف بأن يسوع هو رب “ ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12). ولو لم يكن الروح القدس موجودًا لما استطاع المؤمنون أن يتضرعوا قائلين ” أبانا الذى الذى فى السموات” (مت9:6). ومثلما لم نكن نقدر (بدون الروح القدس) أن نشهد أن المسيح رب، هكذا أيضًا لم نكن نقدر بدونه (بدون الروح) أن ندعو الله أبانا. وبماذا نثبت قولنا هذا ؟ من قول الرسول نفسه ” وبما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب” (غلا6:4)، حتى أنك عندما تدعو الله قائلاً: ” أبانا” فتتذكر أنك استحققت أن تدعو الله أباك بسبب أن الروح قد دفعك إلى هذا.

 

وإن لم يكن الروح القدس موجودًا لما كان فى الكنيسة روح الحكمة والمعرفة “ لأنه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد ” (1كو8:12). ولو لم يكن الروح موجودًا فى الكنيسة لما كان فيها رعاة ومعلمين. إذ أن هؤلاء يقيمهم الروح القدس كما يقول بولس الرسول ” … ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه” (أع28:20). وأنظر أيضًا فإنه حتى ما يحدث هنا هو من عمل الروح القدس.

فإن لم يكن الروح القدس فى أبينا ومعلمنا هذا[3] والذى صعد منذ قليل على المنبر وبارككم جميعًا قائلاً “السلام لجميعكم” لِما قلتم له جميعًا ” ولروحك أيضًا”. وأنتم لا تجاوبونه هكذا فقط عندما يصعد إلى المنبر، أو عندما يعظكم أو يصلى لكم، ولكن أيضًا عندما يقف بجانب هذه المائدة المقدسة وهو مزمع أن يقدم عليها هذه الذبيحة المهوبة، والمرتلين يعرفون ما أقوله.

فهو لا يمس القرابين الموضوعة أمامه قبل أن يدعو لكم بنعمة الرب، وأنتم تجاوبونه قائلين “ومع روحك أيضًا”. وبهذه الإجابة تذكرون أنفسكم بأن هذه الجواهر ليست من صنعه أو من صنع إنسان، بل هى هكذا بواسطة نعمة الروح القدس، الحاضر والذى يرفرف فوق الجميع، ليعد تلك الذبيحة  السرية.

لأنه حتى وإن كان الذى يقف هناك هو إنسان، غير أن الله هو العامل فيه. فلا تنشغل إذن بالإنسان الذى تراه، بل اهتم بأن تعى عمل نعمة الله غير المنظورة. فلا شئ مما يحدث فى هذا الهيكل المقدس هو بشرى، فلو لم يكن الروح القدس حاضرًا لما تأسست الكنيسة، وطالما أنه توجد الكنيسة فهذا بفضل حضور الروح القدس.

 

وربما يتساءل أحد، لماذا لا تحدث معجزات اليوم ؟ هنا أرجوكم أن تنتبهوا بشدة، لأنى أسمع عن هذا الأمر من كثيرين وفى كل مكان وباستمرار يطلبون تفسيرًا له. لماذا كان الذين تعمدوا حينذاك يتكلمون بألسنة عديدة والآن لا يحدث نفس هذا الأمر؟ فلنعرف أولاً ماذا يعنى أنهم كانوا يتكلمون بألسنة وبعد ذلك سنتحدث عن سبب ذلك. ماذا يعنى إذن أنهم كانوا يتكلمون بألسنة غريبة؟.

فالذى تعمد حينذاك كان يتكلم مباشرة بلغات الهنود والمصريين والفرس والعرب وكان الشخص الواحد منهم يتكلم عدة لغات. ولو كان الذين قد تعمدوا اليوم، قد تعمدوا حينذاك لسمعناهم يتكلمون مباشرة لغات مختلفة. لأن بولس يقول إنه تقابل مع جماعة كانوا قد تعمدوا بمعمودية يوحنا فقال لهم ” هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم ؟ فأجابوا: ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس” (أع2:19). فأشار عليهم مباشرة أن يتعمدوا “ ولما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس فطفقوا يتكلمون بألسنة” (أع6:19).

فلماذا إذن رُفعت هذه الموهبة وغابت من بين البشر؟ ليس بسبب أن الله لا يُكرّمنا ، بل على العكس لأنه يُكرّمنا جدًا، كيف؟ سأقول لكم.

لقد كانت تصرفات البشر حينذاك أكثر مجونًا إذ لم يكن قد مضى وقت طويل على تركهم لعبادة الأوثان، وكانت أذهانهم أكثر بُعدًا عن فهم الأمور الروحية بل وغير حساسة لما يحدث أمامهم فصاروا مندهشين لما يدور حوله. ولم يكن لديهم أى معرفة عن المواهب الروحية أو حتى عن ماهية النعمة الروحية التى يستطيع المرء بالإيمان فقط أن يدركها، ولهذا حدثت المعجزات. لأنه من بين العطايا، يوجد ما هو غير مرئى ويمكن إدراكه بالإيمان فقط، والبعض الآخر مصحوب بعلامات لكى يراها المؤمنين.

وكمثال لما أقصده هو الآتى: غفران الخطايا، هو أمر روحى، هو عطية غير مرئية، إذ أننا لا نرى بعيون الجسد كيف نتطهر من خطايانا. لكن لماذا؟ لأن النفس هى التى تتطهر والنفس لا ترى بعيون الجسد.

 

التطهير من الخطايا إذن، هى إحدى العطايا الروحية ولا يمكن رؤيتها بعين الجسد، وأن يتكلم شخص بألسنة غريبة هو بالطبع أيضًا عطية روحية من فعل الروح القدس، ولكنه يُعطى بعلامة حسية يدركها المؤمنين بسهولة. فاللغة لأننا نسمعها ، فهى إظهار ودليل على الطاقة غير المرئية التى تحدث داخل نفوسنا “  لكنه لكل واحد يعطى إظهار الروح للمنفعة” (1كو7:12).

فأنا إذن لست بحاجة إلى دليل أو علامة، ولماذا؟ لأنى تعلمت أن أؤمن بالرب بدون أن يُعطينى أية آية، لأن ذلك الذى لا يؤمن يحتاج إلى ضمان، أما أنا فلا أحتاج إلى ضمان لأنى أؤمن، ولا حتى إلى علامة، ولكن حتى وإن كنت لا أتكلم بلسان غريب، فأنى أعرف أنى قد تطهرت من الخطية.

فهؤلاء الذين تعمدوا حينذاك، لم يكونوا ليؤمنوا إن لم يكونوا قد حصلوا على علامة. لهذا فقد أعطاهم آية كضمان للإيمان الذى آمنوا به. وبالتالى فقد أعطاهم آية ليس لأنهم كانوا مؤمنين بل لأنهم كانوا غير مؤمنين ولكى يصيروا مؤمنين، هكذا يقول بولس الرسول ” إذًا الألسنة آية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين” (1كو22:14).

أرأيتم أن توقف الله عن عمل المعجزات هو دليل ليس على عدم تكريم الله لنا بل على تكريمه لنا؟. ولماذا فعل هذا معنا؟ لأنه يريد أن يُظهر إيماننا، إننا نؤمن به بدون ضمانات أو معجزات. إن أولئك الذين تعمدوا حينذاك، لو لم يكونوا قد حصلوا على بعض الضمانات والإثباتات أولاً، لَما كان فى استطاعتهم أن يؤمنوا بالله بواسطة أمور لا تُرى. أما أنا فبدون هذه الأمور (المرئية) فإنى أؤمن بكل قلبى. وهذا هو السبب إذن فى عدم حدوث معجزات الآن.

5 ـ أود أن أتكلم أيضًا عن سبب هذا العيد وأن أبيّن بالضبط ما هو عيد الخمسين ولماذا أُعطيت مواهب الروح القدس على هيئة ألسنة نار فى ذلك اليوم، ولماذا كان ذلك بعد صعود المسيح بعشرة أيام .غير أنى أرى إنى أطلت الحديث، ولهذا سأتوقف بعد أن أضيف شيئًا صغيرًا ” ولِمّا حضر يوم الخمسين كان الجميع معًا بنفس واحدة، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم” (أع1:2ـ3).

ليست ألسنة من نار، لكن كأنها من نار، لئلا تعتقد أن الروح القدس هو شئ محسوس، مثلما فى نهر الأردن حيث حل، ليس كحمامة، لكن فى شبه حمامة. وهكذا هنا ظهر لا نار (فعلاً) بل فى شبه نار. وأيضًا يذكر سفر الأعمال أنه ” صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة” (أع2:2)، لا يقول إنه هبوب ريح، بل يقول “ كما من هبوب ريح عاصفة “.

وما هو السبب فى أن حزقيال لم يأخذ موهبة النبوة بشكل مماثل وعلى هيئة نار لكن أخذه فى درج (حز9:2)، بينما أخذ الرسل المواهب بواسطة ألسنة كأنها من نار؟

بالنسبة لحزقيال، يقول الكتاب إن الله أعطى له درج مكتوب فيه مراثى ونحيب وعويل، وكان مكتوبًا من الداخل ومن قفاه (حز10:2). فأكل حزقيال الدرج فصار فى فمه كالعسل حلاوة (حز3:3). أما عن الرسل فلا يقول هكذا بل يقول “ وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار” . فلأى سبب إذن ظهر هناك درج وهنا ألسنة كأنها من نار ؟ لأن حزقيال كان سيذهب ليرثى خطايا اليهود وينتحب على خرابهم ، أما الرسل فإنهم كانوا سيذهبون فى شتات الأرض ليغفروا خطايا جميع الناس. ولهذا فإن حزقيال قد أخذ درجًا كتب فيه الخراب الذى كان مزمعًا أن يحدث لليهود، أما الرسل فقد أخذوا نارًا ليحرقوا خطايا البشر ويغفروها . لأنه كما أن النار تقع على الأشواك فتمحوها ، هكذا تمحو نعمة الروح القدس خطايا البشر.

لكن اليهود ، عديمى الإحساس، عندما حدث هذا ، بينما كان عليهم أن يتعجبوا وفى رهبة يسجدون لذلك الذى منح هذه المواهب ، نراهم قد أظهروا مرة أخرى عدم فهمهم متهمين الرسل الذين نالوا بغنى مواهب الروح القدس ، بأنهم سكارى إذ قالوا “ وكانوا آخرون يستهزئون قائلين إنهم قد امتلأوا سلافة ” (أع13:2). لاحظ هنا كيف ينكر البشر المعروف وكيف يقدره الملائكة ، إذ أن الملائكة عندما نظروا باكورتنا[4] وهو صاعد إلى السماء ، فرحوا وقال “ ارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد ” (مز8:24).

أما البشر فعندما رأوا نعمة الروح القدس وهى تحل علينا قالوا إن هؤلاء الذين تقبلوا هذه النعمة سكارى . بل أن هؤلاء اليهود لم يعرفوا حتى مواسم السنة الزراعية، لأنه من غير الممكن أن يتواجد فى فصل الربيع (وقت الاحتفال بعيد الخمسين حينذاك) هذا النوع من العنب حلو المذاق الذى يصلح لعمل هذا النوع من الخمر .

لكن لنترك هؤلاء ، ولنفحص نحن عطية الله محب البشر لنا . لقد أخذ المسيح طبيعتنا وأعطانا فى المقابل نعمة الروح القدس. وكما يحدث فى الحرب التى يطول مداها أنه عندما تتوقف المعارك ويحل السلام، فإن الأعداء يتبادلون الضمانات والأسرى، هكذا صار بين الله والبشر، فلقد أصعد المسيح باكورة طبيعتنا إلى السماء، إلى الله كعربون وضمان، وأرسل لنا الله الروح القدس كضامن.

وما يبين أن ما لدينا هو عهد وضمان ما يأتى. المتعهد والضامن لابد أن يكونا من جنس ملوكى . ولهذا أرسل الروح القدس إذ هو من جوهر ملوكى فائق ، وأيضًا ما قُدم من جهتنا كان من جنس ملوكى ، إذ كان من نسل داود ولهذا فنحن لا نخاف بعد ، طالما أن باكورتنا هى فى السماء . وحتى إن هددنى شخص بالعذاب الأبدى وبالنار التى لا تُطفأ أو بأى عقاب آخر ، فلن أخاف إذن . أو بالحرى سأخاف غير أنى لن أكون يائسًا من خلاصى . لأنه لو كان الله لم يَرِد خيرات عظيمة للإنسان ، لما كان قد قَبِلَ باكورتنا فى السماء .

 

فقبل ذلك ـ عندما كنا نتطلع إلى السماء ونفكر فى القوات السمائية غير المتجسدة، كنا نتأكد بالأكثرـ بالمقارنة مع هذه القوات ـ من ضعفنا. أما الآن، فعندما نريد أن نرى ما صار لنا من كرامة فإننا نتطلع عاليًا نحو السماء إلى عرش الله نفسه لأن هناك تجلس باكورتنا. وهكذا سيأتى ابن الله من السماء ليديننا. فلنستعد إذن لكى لا نخسر ذلك المجد لأن سيدنا قادم بالتأكيد ولن يتأخر . سيأتى ومعه قوات وطغمات الملائكة وأرباب ورؤساء ملائكة ، وأجيال الشهداء وجماعات الأتقياء ، وكثير من الأنبياء والرسل ووسط هذه الكوكبة سيظهر الملك بمجد لا يُوصف ولا يُعبر عنه .

 

6 ـ لنفعل إذن كل ما فى جهدنا لكى لا نخسر ذلك المجد. أتريدون أن أقول لكم عن الأشياء المخيفة أيضًا ؟ لا لكى أحزنكم بل لكى أًصلِحَكم. حينذاك سوف يجرى نهر من نار قدامه (دانيال 10:7) وسوف تُفتح الأسفار. وستكون محاكمة رهيبة . فكما فى المحكمة تُقرأ عرائض تخص أعمالنا، وهكذا يتكلم الأنبياء عن هذه الأسفار . فيقول موسى ” والآن إن غفرت خطيتهم . وإلاّ فامحنى من كتابك الذى كتبت” (خر32:32). كما أن السيد المسيح قال لتلاميذه ” لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم بل افرحوا بالحرى أن أسماءكم كُتبت فى السموات ” (لو20:10) وداود أيضًا كتب قائلاً ” رأت عيناك أعضائى وفى سفرك كلها كتبت ” (مز16:138). وأيضًا قال “ليُمحو من سفر الأحياء ومع الصديقين لا يُكتبوا” (مز29:69).

أترى أن البعض تُكتب أسمائهم والبعض تمحى أسمائهم ؟ أتريد أن تعلم أنه ليس فقط أسماء الأبرار هى التى تُكتب فى هذه الأسفار بل وأيضًا خطايانا؟

اليوم عيد واليوم نتعلم أمورًا تقدر أن تنجينا من الهلاك . الكلمات مرعبة لكنها مفيدة ونافعة ، إذ هى قادرة أن تنقذنا من التهاون فى حياتنا الروحية. ولنعلم إذن أن خطايانا تُسجل ، وأيضًا ما نقوله هنا فى الحال يُكتب هناك . لكن من أين عرفنا هذا ؟ لأنه ليس من اللائق أن نتكلم باستخفاف فى أمور هكذا . يقول ملاخى لليهود ” لقد أتعبتم الرب بكلامكم” وبأى طريقة ؟ يقول “بقولكم كل من يفعل الشر فهو صالح فى عينى الرب” (ملاخى17:2).

هذه الكلمات هى أقوال عبيد ينكرون المعروف ومع هذا فقد قبلهم الله إذ يقول الكتاب إنه قَبِل هؤلاء الذين لم يخدموه بل قالوا عنه ” عبادة الله باطلة وما المنفعة من أننا حفظنا شعائره وأننا سلكنا بالحزن قدام رب الجنود والآن نحن مطوبون المستكبرين ” (ملاخى14:3ـ15)، أى يقولون إنهم طوال النهار يعملون وآخرين يتمتعون بالخيرات . مثل هذه الأقوال يرددها العبيد دائمًا أمام سادتهم .

وأن يقولها إنسان لإنسان آخر مثله ، فهذا أمر ليس بهذه الخطورة ، أما أن يقول شخص مثل هذه الكلمات لرب الكون كله ـ الذى هو رحيم ومحب البشر ـ فهذا أمر خطير فعلاً ويفوق كل حكم ويستحق أشد العقاب. لكن لنعلم أن هذه الأقوال تُدون ، أسمع ما يقوله النبى “والرب أصغى وسمع وكتب أمامه سفر تذكرة للذين اتقوا الرب وللمفكرين في اسمه” (ملاخى16:3). وهذه الأقوال تُدون، لا لأن الله سيذكّرنا باليوم الذى قلناها فيه لكن لكى يحضر لنا السفر كشهادة علينا لإدانتنا .

 

ربما أكون قد أثرت مشاعر الخوف فى نفوسكم ، وليس فقط نفوسكم بل بالحرى فى نفسى أنا أولاً أيضًا. وهيا لأختم عظتى، بل بالحرى لأوقف الخوف، والأفضل من ذلك، أنى لا أوقف الخوف فقط، بل أتكلم بكلمات معزية لنفوسكم. لأنه حتى إن بقى الخوف، فليبق ليطهر ولينقى نفوسنا، ولنجعله أكثر احتمالاً.

فكيف سنستطيع إذن أن نحدّ من هذا الخوف؟ إن نحن بيّنا أن الخطايا لا تُدون فقط لكنها أيضًا تُمحى. ففى المحاكم هنا تدون الأقوال التى يُدان بها المتهم، فى صحائف فورًا، ولا يمكن أن تُمحى هذه الأقوال بعد ذلك. أما فى ذلك السفر حتى وإن فعلت بعض الشرور وأردت أن تمحى فإنها تُمحى .

ومن أين نعرف هذا ؟ من الكتاب المقدس إذ يقول ” استر وجهك عن خطاياى وامح كل آثامى ” (مز9:51). ولن يستطيع شخص أن يمحو شيئًا لم يُكتب وبالتالى إذا كانت هذه الآثام قد دونت، فالآن هو يصلى أن تُمحى.

وشخص آخر يعلّم كيف تُمحى هذه الآثام فيقول ” بالرحمة والحق يستر الإثم ” (أم6:16). فهى لا تُشطب فقط بل تُمحى تمامًا حتى أنه لا يتبقى لها أثر. وليست الخطايا التى عملناها بعد المعمودية فقط هى التى تُمحى ؛ بل والتى عُملت قبلها أيضًا. فكل الخطايا قد مُحيت بمياه المعمودية وبصليب المسيح. تمامًا كما يقول الرسول بولس ” إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدًا لنا وقد رفعه من الوسط مسمرًا إياه بالصليب” (كو14:2). أرأيت كيف أن ذلك الصك قد مُحى ولم يُمح فقط بل قد تمزق إذ مزقته مسامير الصليب، فأصبح بلا قيمة .

 

فتلك الخطايا قد انمحت كلها بنعمة وقوة المسيح الذى صُلب عنا لأجل محبته لنا، أما خطايانا نحن بعد المعمودية فإنها تحتاج إلى جهاد عظيم لكى نتطهر منها، وإذ لا توجد معمودية ثانية، بل يتم ذلك بدموعنا، بتوبتنا، بأعمال الرحمة، بالصلاة وبكل سبل التقوى. وهكذا فبعد المعمودية تتنقى الخطايا بكثير من الجهد وبكثير من التعب. فلنحاول إذن بكل طريقة أن نتطهر منها فى هذه الحياة (هنا) حتى نفلت من الخجل والعقاب فى الدهر الآتى (هناك).

لأنه وحتى إن كنا قد فعلنا خطايا لا تحصى، فإننا إن أردنا، نستطيع أن نلقى عنا كل حمل هذه الخطايا. فلتكن لنا هذه الإرادة إذن، لأنه من الأفضل جدًا أن نتعب قليلاً هنا وأن نعتق من العقاب الشديد بدلاً من أن نهمل أثناء فترة حياتنا القصيرة ونعبر إلى ذلك العقاب الأبدى.

 

7 ـ والآن قد حان الوقت لنلخص ما قلناه: نلوم هؤلاء الذين يأتون إلى هنا مرة واحدة فى السنة (فى العيد) لأنهم يقبلون أن يعّروا أمهم (الكنيسة). وذكّرناهم بحدث قديم، ببركة ولعنة. تحدثنا عن أعياد اليهود ولماذا أعطاهم الرب وصية أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات فقط فى العام. وقلنا أن أعياد الخمسين والقيامة والظهور الإلهى هى أعياد دائمة. وشرحنا كيف أن العيد يُحتفل به بقلب نقى وليس بتحديدات زمنية.

وبعد ذلك كان حديثنا عن العطايا التى أتت إلينا من السماء وبيّنا أنها دليل على المصالحة بين الله والإنسان. وأثبتنا أن الروح القدس هو العامل فى غفران الخطايا، فى جوابنا على قول الكاهن فى الصلاة ” السلام لجميعكم”، وفى كلام الحكمة (الإلهية)، فى معرفتنا (لله)، فى السيامات، وفى الذبيحة السرائرية. وقلنا إن المسيح كباكورة لنا هو عربون، والروح القدس هو ضمان. ثم ذكرنا الأسباب التى من أجلها لا تحدث معجزات الآن. وبعد ذلك ذكّرناكم بالدينونة وبالأسفار التى ستُفتح وأن كل خطايانا تُدون، كما بيّنا أنه لو أردنا فإن هذه الخطايا يمكن أن تُمحى أيضًا.

فلتتذكروا كل هذا إذن، وإن كان من الصعب تذكرها جميعًا، فعلى الأقل فلتتذكروا الكلام عن تلك الأسفار (التى تُدون  فيها الخطايا). وبكل ما سوف تجيبون به وكأنكم أما شخص يدون ما تقولونه، لذلك فليكن كلامكم بحذر ولتذكروا دائمًا ما قد قيل. حتى أن من كانت أسمائهم مسجلة فى سفر الأبرار يجاهدون بالأكثر، ومن كانت لديهم خطايا مدونة عليهم، يتطهرون منها هنا على الأرض بدون أن يعرف أحد، حتى يتجنبوا التشهير بهم فى يوم الدينونة. لأنه، وحسبما بيّنا أنه من الممكن حقيقة أن نمحو بالصلاة والتقوى والجهاد كل الخطايا المدونة علينا.

ولنهتم كل لحظة لكى نستطيع الحصول على الغفران الآن حتى أننا عندما نذهب إلى الحياة الأخرى، نتجنب كلنا العقاب الشديد، ولنأمل أن نكون مستحقين لملكوت السموات بنعمة ربنا يسوع المسيح ومحبته للبشر الذى له المجد والقوة مع الآب والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.

 

1 بسبب كثرة عدد المؤمنين المتواجدين بالكنيسة.

2  يقصد به عيد الميلاد .

3  ويقصد به الأسقف فلافيانوس، أسقف مدينة إنطاكية.

4 ويقصد الطبيعة البشرية فى شخص المسيح. أنظر القداس الغريغورى “أصعدت باكورتى إلى السماء ” .

 

العظة الأولى عن عيد حلول الروح القدس – ذهبي الفم

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

الكتاب المقدس هو حياة الكنيسة ودستورها يُفسَّر من خلال عظات آبائها وسيرهم، فنتعرف من خلالهم على السيد المسيح الذي هو رأس الكنيسة، فالآباء هم الذين أُعطوا أن يفسّروا لنا الكتاب المقدس بنعمة الروح القدس العامل فيهم، فآبؤنا هم الذين اقتنوا روح الرب القدّوس، الذي منحهم الاستنارة لكي يفسّروا كلمة الحق باستقامةٍ، يساعدنا على تحويل الكلام الإلهيّ إلى غذاء قابل للهضم يتغذى به كل واحد منا على قدر قامته.

فكما يقول القديس أُغسطينوس نحن لم نعرف الكتاب المقدس إلاَّ من خلال الكنيسة والآباء هم الكنيسة، فهم الذين جعلوا الكتب في متناول أيدينا، وأن الكلمة الإلهيّة لا تنفصل عن كلمة الآباء الذين يفسّرونها .. أن يقولوا: هذا حق وذلك باطل، صار بإمكانهم أن يَفصلوا، باستقامةٍ كلمة الحق.

الكتاب المقدّس هو كلمة الله، فمَن يستطيع أن يفسّره لنا غيره؟ فلما كان لا يعرف الله إلاَّ روح الله القدوس العامل في الآباء القديسين، لذا منحهم الاستنارة لتفسير الكتاب المقدس.

إن ما يُميّز الكنيسة الأرثوذكسية – سِرّ وحدتها – يرجع أن تفسيرها للكتاب المقدس مبنيُّ على أُسس آبائية، فلولا تفسيرات الآباء لكان لكل واحد تفسيره حسب رؤيته الشخصية كما يدعو البروتستانت إلى ذلك، وهذا هو سبب انقسامهم لطوائف عدة، لكن لكي نحافظ على “الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه3)، لابد أن يكون فهمنا للكتاب المقدّس مبنياً على تسليم آبائيّ فيكون لنا سقف فوق رؤوسنا لا نعلو عنه، وإطار نلتزم به حتى يكون لنا سياجاً واقياً.

فمع تعدد التأملات، هناك في الوقت نفسه وَحْدَة في الروح، وحدة في الكلمة، وحدة في عمل الله، وهذا ليس بغريب طالما الروح واحد، وهذا ما يرفضه بعض الدارسين اليوم، مما يقودهم إلى الضلال الذي إذا تمادوا فيه يؤدي بهم إلى سلسلة لا تنتهي من الهرطقات.

كتابنا لا ينفصل عن خبرات الآباء القديسين وتعاليمهم، وسيرهم لا تنفصل عن الكتاب المقدس معاشاً ومُشخَّصاً في حياتهم، إذاً نحن نقرأ ونفهم ونتعلم في إطار التعليم الآبائيّ الأصيل.

يقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: [“الذين يبعثون بالهرطقات الباطلة فيستخدمون كلمات الكتاب المقدس، لكنهم لا يتمسكون بما تسلمناه من القديسين، ناظرين إلى أن ما يتسلموه من القديسين هو من تقاليد الناس، هذا خطأ إذ هم لا يعرفون مَن هم القديسين ولا ما هي قوتهم؟! لذلك مدح معلمنا القديس بولس الرسول أهل كورنثوس، لأن أفكارهم كانت متفقة مع التقاليد التي سلمهم إياها.

وقد وبخ الرب اليهود قائلاً لهم: “وأنتم أيضاً لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم؟!” وذلك لأنهم غيَّروا الوصايا التي استلموها من الله بحسب فهمهم مفضلين اتباع تقاليد الناس.

أما القديس بولس الرسول فقد أصدر توجيهاته إلى أهل غلاطية الذين كانوا في خطر من هذا، كاتباً لهم يقول: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»[1]].

معنى كلمة تفسير

كلمة تفسير مصطلح يونانيّ αίϵѵημρϵ҅، يعني: ترجمة من لغة أجنبية إلى لغة معروفة عند القاريء، أو عَرض جوهر الأمور بطريقة سهلة وواضحة.

ويرتبط هذا المصطلح بالأمور الدينية لدى اليونانيين، فهو مرتبط باسم الأله “هرمس ςημρϵ҅ ” إله المعرفة والكلام عند اليونايين القدماء، لذا نجد أهل لسترة يدعون بولس بـــ “هرمس”، “إِذْ كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْكَلاَمِ” (أع 12:1)، وهرمس عند الغنوسيين هو الحامل للكلام الشفهيّ، والمكتوب أيضاً المساعد للبشر على المعرفة الصحيحة وفهم الأمور المعقدة، لذا كان هرمس المفسر لإرادة ومشيئة الإلهة[2].

هذا وقد كان اليونانيون في حاجة إلى التفسير الرمزيّ، لمساعدتهم في فهم الأعمال الدينية والأدبيّة للشعراء والكُتَّاب القُدامَى، أمثال هوميروس الذي كتب روايتين هامتين هما الإلياذة والأوديسيّة، وقد كان لهما تأثير على الفلسفة الهيلينية[3]، لقد كان هذا المنهج التفسيريّ لأعمال الأدباء وليد الاعتقاد بأن هناك حكمة سِريّة تختفي وراء النص اللغويّ، والكلمات ما هي إلاَّ ستار أو حجاب يُغطي الحقيقة المخفية والتي مصدرها إلهام إلهيّ[4].

في المدرسة الرواقية[5] قُسِّم المنهج التفسيريّ إلى نظامين وهما:

الرمزيّة الطبيعية: وهي التي تختص بالإلهة والعالم.

الرمزيّة الإخلاقيّة: وهي التي تختص بواجبات الإنسان.

 

انتقال أسلوب التفسير الرمزيّ من اليونانية إلى اليهودية والمسيحية

انتقل المنهج التفسيريّ من اليونانية إلى اليهودية والمسيحية، ولكننا نجد أن هناك فروقاً بينهما[6] كالآتي:-

1- الرمزيّة اليونانية ليس لها قواعد او قوانين تحدها إطلاقاً، بل للكاتب حرية مطلقة في تطبيق التفسير، بينما في اليهودية والمسيحية الرمزيّة لها إطار محدَّد تتحرك في داخله، وخليفية تاريخيّة، واتجاه محدد وهو خطة الله للخلاص.

2- التفسير في البيئة اليونانية عملية ثانوية قليلة الأهمية تُوضّحِ حقيقة فقط، بينما في اليهودية والمسيحية ليس فقط إعلان حقيقة مَعرفية، بل تمتد إلى أن تملأ الحياة والفكر من واقع الكتاب المقدس “اَلْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ روُحٌ وَحَيَاةُ” (يو 63:6).

التفسير في اليهودية

في البيئة اليهودية كان الناموسيون والكتبة هم المفسرون للكتاب المقدس، فيما يختص بالناموس وتطبيقاته والحيَاة اليومية مستعيناً بتقليد الشيوخ، وتُعُد أهم كتب التفسير والتقليد في اليهودية هي:-

  1. المدراش[7]:-

وهو يوضح التفسير والنتيجة، كما يتم تفسير الأدب المدراشيّ عن طريق قواعد تفسير محددة مثل السبعة قواعد التي صاغها الرّابي هليل (حوالي 30 ق.م)، وقد اتسعت بعد ذلك لتصل إلى 32 قاعدة تفسيرية في القرن الثاني الميلاديّ[8].

ويتناول المدراش تفسير الكتاب المقدس على النحو التالي:

1- التفسير الحرفيّ للنص أو (Peshat).

2- التفسير الرمزيّ للنص القانونيّ أو (Remez) وهو الأسلوب المتبع في الشروحات التي تتناول الشريعة أو الهَلَكا.

3- التفسير الرمزيّ للنصوص التاريخيّة والشعرية والنبوية (Darush)، وهو الأسلوب المتبع في الهَجَدة.

4- التفسير الصوفيّ للنص أو(Sod)، وقد انتشر بصورة خاصة بعد سقوط أورشليم في أيدي الرومان عام (71م)، عندما أسس الرابي “هلّيل Hillel مدرسة “الكابالا  Cabalaخارج أسوار أورشليم، وقد وصلتنا هذه التفاسير الصوفية من خلال كتابات الآباء في القرون الأربعة الأولى.

5- علم التفسير الأرقام Gematria.

6- علم تفسير الألفاظ Notarikon، وهو يُبسط معاني بعض الألفاظ التي استخدمت في المدراش لتُلخص عبارة ما أو جملة بكاملها: والعبارة إخثيس ΥΣϴΧІ مثلاً، التي اُستخدمتْ في الكنيسة الأولى تلخيصاً للجملة: يسوع المسيح ابن الله المخلِّص،ρ ́ηԏωΣ σόʼɩΥ ϵόςϴ ςόԏσɩΧρ ς ̂ѵοσηІ وهذا مثال على اقتباس الآباء الأولين أسلوب النوتاريكون (علم تفسير الألفاظ).

7- علم تفسير الألفاظ الذي يقوم على استخدام كلمة واحدة ليضع الكلمة ذاتها في لفظة جديدة، (وهذا الأسلوب اُستخدم في زمن الاضطهاد منعاً لوقوع النصوص الكتابيّة وخاصة النبوية منها – كسفر الرؤيا – في أيدي غير المؤمنين، ومن ثمَّ إساءة تفسيرها واستغلالها سياسياً)، وهذا العلم يُسمَّى “التيمورا Temoorsh، ومثال ذلك نجد سفر الرؤيا (رؤ 16:16) عدة ألفاظ، مثلاً: “فجمعهم إلى الموضع الذي يُدعَى بالعبرانية هرمجدون”، وهرمجدون= روما هجدول أي روما الكبيرة.

مثال على التفاسير اليهودية للربان هليل:

لو جاء الفصح اليهوديّ يوم سبت، فهل من تعارض بين الاحتفال بالفصح وعمل ما يستلزم لذلك، مع الاحتفاظ بوصية الراحة في السبت!!

هنا تُفسَّر على أساس تطبيق مبدأ من الأصغر إلى الأكبر، فراحة السبت وصية مقدسة، والفصح أمر مقدس أيضاً، حيث إن التقدمة الصباحية والمسائية تُقدم في الهيكل يوم السبت، ولا يمكن أن تُبطل تقدمة المساء والصباح بحجة احترام راحة يوم السبت، فكم بالأحرى يسري هذا الأمر على تقدمة حمل الفصح.

كذلك استخدم السيد المسيح القواعد التفسيرية للرابونيين، فمثلاً عندما كان يسير مع تلاميذه بين الزروع، يوم السبت، وكان التلاميذ يقطفون السنابل، قال له الفريسيون: “انْظُرْ لِمَاذَا يَفْعَلُونَ فِي السَّبْتِ مَا لاَ يَحِلُّ؟” (مر 24:2)

أجابهم السيد المسيح مطبقاً قاعدة التفسير من الأصغر للأكبر “فَقَالَ لَهُمْ أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ احْتَاجَ وَجَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ” (مر 25:2)، فقد طبق هذا القانون الذي فعله داود حين جاء إلى أخيمالك الكاهن، هو والذين معه وكانوا جياع، ولم يكن هناك أكل، فأكلوا خبز التقدمة الذي لا يحل أكله إلاَّ للكهنة (1صم21: 1-6)، على ما فعله التلاميذ يوم السبت[9].

  1. التلمود תּלּמּךּךּ[10]

التلمود هو مجموعة تفاسير الناموس والتوراة. يحتلّ التلمود مكانةً هامة داخل الديانة اليهودية، فهو يُعَدُّ من أهم الكتب الدينية عند اليهود، وهو الثمرة الأساسيّة للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشريعة المكتوبة (التوراة)، والتلمود مُصنَّف للأحكام الشرعية أي مجموعة القوانين الفقهية اليهودية، وسِجل للمناقشات التي دارت في الحلقات التلمودية الفقهية اليهودية حول المواضيع القانونية والوعظية.

وقد أصبح التلمود مرادفاً للتعليم القائم على أساس الشريعة الشفوية السماعية، وقبلت إلى جانب الشرائع المدوّنة في أسفار موسى الخمسة،[11] وقد اُستخدمت الموسيقى كطريقة فعّالة في حفظ التلمود قاموا بتلحينه[12]. توجد نسحتان من التلمود وهما: التلمود الفلسطينيّ والتلمود البابليّ، وقد كتبتا في أوقات متباعدة، واختلفتا في المضمون وأسلوب العرض واللغة[13]:-

التلمود الفلسطينيّ :-

وينسبه اليهود خطأ إلى أورشليم (القدس) فيقولون “الأورشليميّ، مع أن القدس كانت قد خلت من المدارس الدينيّة بعد هدم الهيكل الثاني، وهكذا فقد تمّ تجميعه في بلدة إريز Erez في إسرائيل وليس في أورشليم، وقد كانت لغته هي الأرامية الغربية[14]، وعمل الحاخامات على إنشاء مدارسهم في يفنه وصفورية وطبرية، كما أطلق يهود العراق على التلمود الفلسطينيّ اسم “تلمود أرض يسرائيل”، وأطلقوا عليه أحياناً اسم “تلمود أهل الغرب” نظراً لوقوع فلسطين إلى الغرب من العراق.

يرجع تاريخ التلمود الفلسطينيّ إلى منتصف القرن الرابع للميلاد، وكُتب على يد الربان يوحنان بن نبحة مؤسس أكاديمية طبرية، وهو يكتفي بالشرح أو التحاليل لنص المشنا مع سرد مناقشة غير مطوّلة بين الأحبار، ويعتبر المرجع الفصل في كلِّ نظرية فقهية ومعاملة تشريعية، وهو يتميّز بالاقتضاب.

التلمود البابليّ:-

وهو نتاج الأكاديميات اليهودية في العراق، وتبلغ حجم مادته ثلاثة أضعاف التلمود الفلسطينيّ، مما جعله يحتل منزلةً رفيعةً ويغدو مرجعاً هاماً لا غنى عنه، ومن صفاته انه يفتح باب النقاش واسعاً، فلا تنتهي إلى قول مرجّح، لذا قال عنه الرابي ‘سحق “إن التلمود البابلي هو التلمود القانوني، لأنه اُستُكمِل بعد تلمود أورشليم بمائة وخمسين سنة”[15].

أقسام التلمود[16] :-

يُقسَّم التلمود إلى قسمين رئيسيين وهما: المشنا والجمارا.

المشنا Mishnah :-

وهي مجموعة قوانين اليهود السياسية والحقوقية والمدنية والدينية (التفاسير التشريعية للناموس)، التي تتضمّن القواعد والأحكام بغير نقاش غالباً، والمشنا أشبه ما تكون بالكتاب القانونيّ أو مصَّنف الأحكام الشرعية والفقهية التي تدعى “هالاغا” أي المذهب أو المسلك أو الطريق الذي يذكّر بالأحكام والفرائض والتشريعات الواردة في أسفار “الخروج واللاويين والتثنية والاشتراع”، ويوضح الحلال والحرام والطهارة والنجاسة وغيرها ممّا ورد ذكره في التوراة وفسّره الفقهاء اليهود، ووضعوا له حدوداً وقيوداً تلائم حاجة العصر الذي كانوا يعيشون فيه.

الجمارا Gemara :-

الجمارا – أو الإضافات – مجموعة أخرى ضُمَتْ إلى المشنا واستقلتْ بهذا الاسم، وأصلها من عمل المعلّمين الذين كانوا في عصر الربانيّ يهوذا ولم يكونوا أعضاء في مجلسه، فقد عملوا من جانبهم على جمع روايات أقل شهرة، كما جمعوا الروايات التي استبعدها يهوذا من مشناه، ولكن هذه لم تكن قليلة الأهمية، ولم يمكن التخلي عنها، ومنها أقوال وروايات نَتَجَتْ عن مدرسة عقيبا وإسماعيل، ونُسِجَتْ حولها شروح وتفاسير في أقوال المعلمين Amoraim

فرأى الدارسون أن يجمعوا ذلك كله مع بعض الأحكام الشرعية Halachath، والإجابات عن المشاكل التي عرضت، كل ذلك جُمع أخيراً وكون الجمارا، وهي بمعنى الإنهاء والإنجاز، وهي، كما هو واضح، وسعت المشنا، أنها تحوي أحكاماً ومواداً ليست في المشنا، منها القديم الذي لم يأخذه يهوذا، ومنها المُستحدَث.

لم تُجمع الجمارا إلاَّ بعد 300 عام من اكتمال المشنا، وقد ثار جِدال طويل بين المفسرين حول المواد التي تكوّنت منها الجمارا، وبالرغم من كونها مُجمّعة من الروايات الشفوية والمشنا، كان يراد لها أن تكون معتمدة على نصوص التوراة، وقد كُتبت باللغة الآرامية.

من المشنا والجمارا معاً يتألف التلمود الذي هو نتيجة تفاعل الشريعة المكتوبة مع أوضاع الحيَاة المتغيرة والحاجات الطارئة، فهو يُعتبَر بمثابة سجل حافل يُبيِّن خلال المناقشات والشروحات والأمثلة والردود والروايات، كيف كان اليهود يحاولون تطبيق الوصايا والفرائض التوراتية في حياتهم اليومية، وحين يصطدم التطبيق العمليّ بالنصوص المقدسة تبدأ المشكلة بالظهور وتكثر الاجتهادات، بينما يتصاعد البحث عن الحلول والمخارج.

التفسير في المسيحية

استخدم الآباء في الكنيسة الأولى التفسير بمعنى شرح، يهتم بتوضيح نص أو صياغته بالنسبة لمشاكل عصرهم اللاهوتيّة أو السلوكيّة.

التفسير موهبة يذكرها معلمنا القديس بولس الرسول في موهبة ترجمة الألسنة “لآخر ترجمة السنة” (1كو 1″12)، “أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلّعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟ ɩσѵοѵ́ϵѵμηρϵɩδ” (1كو 30:12).

وتتضح أهمية التفسير من خلال حديث فيلبس مع الخصيّ الحبشيّ “فَبَادَرَ إِلَيْهِ فِيلُبُّسُ يَقْرَأُ النبيّ إِشَعْيَاءَ فَسَأَلَهُ: «أَلَعَلَّكَ تَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقْرَأُ؟» فَأَجَابَ: «كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْ لَمْ يُرشِدْنِي أَحَدٌ؟». وَطَلَبَ إِلَى فِيلُبُّسَ أَنْ يَصْعَدَ وَيَجْلِسَ مَعَهُ” (أع8 :30، 31)، والرب يسوع نفسه فسّر لتلاميذه بعض الأمثلة، وفسَّر لتلميذي عمواس “الأُمُورَ الْمُخْتصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو 27:24).

دور الآباء في تفسير الكتاب المقدس:-

نحن لا نعرف الكتاب المقدس إلاَّ من خلال الكنيسة، لذلك يقول القديس أغسطينوس: “لو لم يحركني سلطان الكنيسة الجامعة لما آمنت بالإنجيل”[17]، كذلك يقول القديس باسيليوس: “إن الكنيسة هي صوت الإنجيل الحيّ”، فمن خلال الكنيسة نستلم الأسفار القانونية ونميّزها عن الأصفار المنحولة.

التعليم حُفظ لطريقة حية في الكنيسة، لأن الروح أعطى ذلك للآباء، والكنيسة كانت تُعلِّم “مشافهة” وأودعت كلمة الله ووطدتها في النفوس “فصوت الإنجيل الحيّ” لم يكن مجرد تلاوة لكلمات الكتاب، بل كان إعلاناً لكلمة الله كما سُمعت وحُفظت في الكنيسة بقوة الروح الذي يفعل فيها دائماً ويحييها، فيرى القديس إيريناؤس أن الرسل هم الذين حملوا ملء الحقيقة إلى الكنيسة: “فكل ما يتصل بالحقيقة أودع في أيديهم بأكثر وفرة”[18]

فالكنيسة والكتاب لا ينفصلان ولا يتنقضان. فالكتاب، أي فهمه الصحيح موجود في الكنيسة فقط، لأن الروح يوجهها ويرشدها، ولذلك أكد العلاَّمة أوريجانوس وحدة الكنيسة والكتاب، وكانت مهمة المفسّر عنده هي الإعلان عن كلمة الروح فيقول: “يجب أن ننتبه عندما نُعلم لئلاّ نقدم تفسيرنا الخاص بدلاً من تفسير الروح القدس”[19]، هذا الأمر يبقى مستحيلاً خارج التقليد الرسوليّ المحفوظ في الكنيسة. فالعلاَّمة أوريجانوس شدّد على التفسير “الجامع” للكتاب، كما هو مقدّم في الكنيسة: “لنصغ في الكنيسة إلى كلمة الله التي تُقدَّم على نحو جامع”[20]، أما الهراطقة فيتجاهلون “قصد” الكتاب الحقيقيّ، ويقول أيضاً: “فالذين يقدمون كلام الله من دون أن يُقرنوه بقصد الكتاب وبحقيقة الإيمان ويزرعون قمحاً يحصدون شوكاً”[21].

يقول القديس كيرلس عمود الدين: “إنه من الصعب جداً أن نشرح الأسرارالإلهيّة، حيث إنها تنتمي إلى العالم الروحيّ، بينما الطبيعة البشرية الفاسدة والذهن المريض لا يسمحان بمعاينة المجد الإلهيّ معاينة كاملة”[22]، كما يؤكد على أن يكون المفسّر على وعي بالأساسيّات التي ستساعده على فهم الأسرار الإلهيّة، هذه الأساسيّات تتعلق بإيمان الكنيسة.

يرى القديس إيريناؤس أن تفسير الكتاب المقدس ينبغي أن يُشرَح على أساس الكتاب نفسه، حيث يقول في كتابه ضد الهرطقات: “تفسيرات نصوص الكتب المقدسة لا يمكن شرحها إلاَّ من الكتب المقدسة نفسها”[23]، وهذا يعني أننا لا يمكن أن نأخذ آية ونشرحها منفصلة عن الكتاب المقدس، فالكتاب المقدس بعهديه وَحْدَة واحدة لا تتجزأ.

كما يوضح القديس إيريناؤس ذلك في المثل الآتي: صورة جميلة لملك من الفسيفساء صنعها فنان ماهر ورصعها بأحجار كريمة، قام الهراطقة بتقطيع هذه الصورة الجميلة إلى قطع، ثم حاولوا إعادة تجميعها ولكن ليس إلى صورة الملك، بل إلى صورة كلب أو ثعبان، ثم زعموا أن هذه هي الصورة التي رسمها الفنان الأول، ويعللون ذلك بأن الحجارة المستخدمة، هي الحجارة عينها التي استخدمها الفنان الأول”[24]، حيث إنهم يبررون هرطقتهم بآيات كتابية، لكن ليس في المعنى السليم الذي اُستخدمت فيه بل يبترون عبارات تخدم هرطقتهم.

يقول القديس إيريناؤس أيضاً “هذه هي طريقتهم (أي الهراطقة) التي لم يتنبأ بها الأنبياء، ولا الرّب علّم بها، ولا الرسل سلّموها لنا، فهم يفتخرون بصوت عالٍ أنهم يعرفون أكثر من الآخَرين، وهم يستندون في هذا إلى مصادر خارج الكتاب المقدس”[25]، “أنهم يحاولون أن يجعلوا أمثال الرّب أو أقوال الأنبياء أو كلمات الرسل، تتوافق مع أقوالهم بطريقة تجعل الناس يصدقونهم حتى لا يبدو تلفيقهم أنه بدون مرجع، فهم يتجاهلون نظام الكتب المقدسة وترابطها مع بعضها، وبتجاهلهم لهذا الترابط الذي يكمن فيه أساس الحق، فإنهم يفككون أعضاء الحق”[26].

هذا هو عمل الهراطقة في الكتاب المقدس، يأخذون آية ويهملون باقي النصوص، أو يأخذون جملة من موضوع ما بما يخدم بدعتهم ويتفق مع رغباتهم الدنيئة، فالتقليد يهاجمونه تماماً لأنه يجمع النموذج “أي الوسيلة التي توصلنا إلى الهدف، أي الخلاص غاية إيمانكم هو خلاص نفوسكم”.

مدارس تفسير الكتاب المقدس:

هناك منهجان لتفسير الكتاب المقدس …

1- منهج مدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة:

اشتهرت مدرسة الإسكندرية – التي كانت معقل العالم المسيحيّ الأول – بالتفسير الرمزيّ Allegorical، استخدم القديس أكْلِمَنْضُس هذا النوع من التفسير؛ إذ نرى أن التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس يشبه بتولية العذراء، حتى بعد أن ولدت المسيح، كذلك الكتاب المقدس يلد لنا الحق الذي نأخذ منه التأملات ولا يزال بتولاً[27].

نَظَّمَ أوريجانوس قواعد هذا التفسير، ومن القواعد التي وضعها أوريجانوس أننا نفهم الكتاب المقدس بثلاث طرق[28]:-

التفسير الحرفيّ أو المعنى السطحي وهو يناسب البسطاء من المسيحيّين.

التفسير السلوكيّ “الأخلاقيّ” وهو للتهذيب ودرجة أعلى من التفسير الحرفيّ.

التفسير الروحيّ Typology  ويتهذّب به الكاملون.

كما يقول العلاَّمة أوريجانوس: “إن هناك علاقة بين المستويات الثلاثة وبين خلق الله للإنسان نفساً وجسداً وروحاً، فالمعنى الحرفيّ يقابل مستوى الجسد Body وهو يناسب البسطاء من المسيحيّين، والتفسير السلوكيّ أو الأخلاقيّ يقابل مستوى النفس Soul  ونستشفه من الأحداث ونعيش به، والتفسير الروحيّ يقابل مستوى الروح Spirit، وهو خاص بالكاملين الذين يكتشفون فيه المفاهيم الروحيّة العميقة ويتلاقون مع المسيح”[29].

التفسير الروحيّ يشير إلى الطبيعة الإلهيّة، بينما الحرفيّ والتاريخيّ إلى الطبيعة البشرية للكلمة المتجسد، وكل منهما يعملان بغير اختلاط ولا انفصال، وكل منهما يشير إلى الآخَر، فالتفسير الروحيّ يشير إلى اللاهوت، والتفسير الحرفيّ يشير إلى الناسوت الذي يقودنا إلى ألوهيته، ويُعطي مصداقية تاريخية لحقيقة التجسد.

كما يرى العلاَّمة أوريجانوس أن التفسير أحياناً يكون على مرحلتين فقط وليس ثلاثة، فقد يخلو النص من التفسير الحرفيّ الذي يقابل الجسم، ويكون ذلك عندما يكون الكلام مجازياً، ويعتمد في ذلك على الستة أجاجين المستخدمة في التطهير كانت تسع لمطرين أو ثلاثة: “سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةً مَوْضُوعَةً هُنَاكَ حَسَبَ تَطْهِيرِ الْيَهُودِ يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَينِ أَوْ ثلاَثَةً” (يو 6:2) فيقول “الذين يدعوهم الرسول (يقصد معلّمنا القديس بولس الرسول) يهوداً في الباطن (راجع رو 29:2) أنهم تطهّروا بكلام الأسفار، لأنهم يسعون تارة مطرين أي يتقبلون فهم النفس والروح، وأحياناً ثلاثة حينما يمكن أن يحتمل النص … فالاجاجين الستة الذين تطهروا وهم في العالم، أننا نقرأ أن العالم وكلّ ما فيه قد اكتمل في ستة أيام”[30].

التفسير الرمزي:-

يرى القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ أن الثوب الملون الذي أعطاه يعقوب أبو الآباء ليسوف الصديق إشارة إلى المعرفة المتنوعة[31]، كما يفسر قول السيد المسيح “وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتاً أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَباً أَوْ أُمَاً أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَداً أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الحَيَاة الأَبَدِيَّةَ” (مت 29:19)، بأن الأب يعني ترك الحق المدنيّ، وترك الأم يشير إلى الموطن أو القوت[32].

ويفسّر عدد عبيد إبراهيم الذين أُسروا، وكان عددهم “318 عبداً”، بأنهم إشارة إلى صليب السيد المسيح فعدد 300 يُكتب T، وال 18 تكتب IH، ال318 تُكتب [IHT] صليب يسوعَ المسيح.

كذلك العلاَّمة أوريجانوس يرى أن ابنة فرعون التي انتشلت موسى بعد أن وضعتْه أمه في سفط مطليّ بالقار، تشير إلى كنيسة الأمم التي جاءت إلى النهر لتغتسل من خطاياها، فالنهر يشير إلى المعمودية، وموسى الموضوع في سفط مطلي بالقار، يشير إلى الناموس الذي وقع أسيراً في يد الأمة اليهودية، حتى تحرّر وجاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله فيقول إن ابنة فرعون: “بحضورها إلى مياه المعمودية تأخذ الكنيسة الناموس “موسى” الذي كان مختبئاً في صفط من البرديّ ومطليّ بالحمرة والقار”[33].

كما يفسرّ قول السيد المسيح عندما سأله تلميذه يوحنا: “رَبِّي أَيْنَ تَمْكُثُ؟ فَقَالَ لَهُمَا تَعَالَيَا وَانْظُرَا. فَأَتَيَا وَنَظَرَا أَيْنَ كَانَ يَمْكُثُ وَمَكَثَا عِنْدَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ (يو1 38 ،39)، فيقول العلاَّمة أوريجانوس (تعاليا) دعوة للعمل، (انظرا) دعوة للتأمل؛ فالسيد المسيح يدعو البشريّة للحياتين معاً العملّية والتأملية[34].

كذلك فسَّر قول يوحنا المعمدان عن السيد المسيح “هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي الَّذِي صَارَ قُدَّامِي الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقِّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ” (يو 27:1)، يقول أوريجانوس: “إن هذا الحذاء هو سر التجسد؛ حيث ظهر الله في اللحم والدم بإنسانية كاملة، وأن يوحنا المعمدان حسب نفسه غير أهلٍ لإدراك هذا السر”.

في تفسير أوريجانوس لقول موسى النبيّ لفرعون “فنذهب ثلاثة أيام في البرية نذبح للرب إلهنا” (خر 3:5)، إن الطريق الذي يقطعونه في مسيرة ثلاثة أيام هو طريق الرب الذي قال عن نفسه “أنا هو الطريق والحق والحّيّاة”، فهذه الثلاثة أيام كما جاءت في رومية “لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبَّ يَسُوعَ وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ خَلَصْتَ” (رو 9:10)، لذلك يرى أن فرعون الذي قال لموسى لا تذهبوا بعيداً؛ كان كالشيطان يريد أن يعطل المؤمنين عن طريق الخلاص، وعلى نفس المنوال سار إبراهيم ثلاثة أيام لكي يقدّم ابنه إسحق[35].

كما يرى في قضيب اللوز مثال قويّ لنظريته، فالغلاف الخارجيّ المر الذي يسقط عند نضوج اللوزة، يمثل المستوى الحرفيّ الذي عاق اليهود عن بلوغ المعرفة الحقيقية، والغلاف الداخليّ السميك الذي لابد أن نكسره لكي نصل إلى الثمرة الحقيقية، يشير هذا الغلاف إلى التفسير الأخلاقيّ أو السلوكيّ، الثمرة الداخلية التي تؤكل، تشير إلى التفسير الروحيّ الذي هو غذاء الحيَاة الأبدية[36].

كما فسّر معجزة شفاء ابنة خادم الملك (يو4 : 36-53)، فخادم الملك هو إبراهيم الذي تضرّع إلى السيد المسيح، لكي يشفي ابنه إسرائيل المريض بمرض عضال.

كذلك فسّر إقامة لعازر من الأموات، بأن لعازر هو المسيحيّ الذي يريد أن يرجع إلى الحيَاة الأممية، والذي يُشار إليها في المعجزة بالقبر، بينما الأقمطة واللفائف التي رُبط بهما يشيران إلى الخطايا، وبالتوبة يمكن للإنسان أن يخرج من القبر، أما مسألة بقائه مربوطاً حتى بعد أن يخرج من القبر تشير إلى مهمة الكنيسة في أن تحل المربوطين.

التفسير الرمزي وخطورته:-

اعتمدت مدرسة التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس على آية “لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلَكِنَّ الرُّوحَ يُحْيي” (2كو 6:3)، لهذا بَاَلَغَ أوريجانوس في التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس على أساس أن حرّفية الناموس قاتلة بسبب عصيان الكلّ له، أما روح الإنجيل فهو واهب الحيّاة.

كما كان أوريجانوس مغالياً في استخدام المعنى الرمزيّ للأسماء والأعداد لدرجة أنه أهمل التفسير الحرفيّ بعد ذلك حيث قال: (أن التفسير الحرفيّ يقابل الجسد وأن الكتاب المقدس ليس له جسد)، وصل لدرجة أنه أنكر بعض الحقائق مثل وجود حروب دموية، أو فلك نوح، أو كذب إبراهيم بقوله عن ساراي أنها أخته؛ مظهراً أن هذه الحقائق لها تدابير باطنية تحمل رموزاً روحية، لم تقبل الكنيسة هذه الطريقة الرمزيّة بهذا الشكل المتطرف، ومع ذلك ينبغي الإقرار بالتأثير القويّ لــ “فيلو اليهودي” على كل المقالات في القرون الأولى.

وأيضاً التلاميذ بسبب رغبتهم في أن يعرفوا وقت حدوث ما قاله الرب، توسلوا إليه قائلين “قل لنا متى ستكون هذه الأمور، وما هي علامة مجيئك؟” (مت 3:24)، أرادوا أيضاً أن يعرفوا زمنها (مت 36:24)، وذلك لكي لا يضلوا، وأيضاً لكي يتمكنوا من تعليم الآخَرين، فإنهم بعد أن عرفوا، فقد صححوا أفكار الذين كانوا على وشك الضلال من أهل تسالونيكي[37]”.

والقديس كيراس عمود الدين من بين الذين أشادوا بهذه المدرسة، كذلك القديس ديديموس الضرير الذي له ثلاث طرق متلازمة في تفاسير الكتاب المقدس، ألا وهي التفسير الحرفيّ ويعقبه التفسير التاريخيّ ثم التفسير الرمزيّ، فكان يقرأ فقرة ثم يفسرها تفسيراً حرفياً ثم تاريخياً ثم روحياً، وفي أغلب الأحيان كان يتحاشى التفسير التاريخيّ فهو لا يرى أن يعمل عمل مؤرخ.

كذلك خارج الإسكندرية نجد أن كلّ من القديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس النزينزيّ قد اتخذا العلاَّمة أوريجانوس مُعلماً لهما[38]، وسارا على مدرسته التفسيرية، كما كان هيسيخيوس الأورشليميّ أيضاً يتبع نفس المدرسة.

2- منهج مدرسة انطاكية:

تبنّت مدرسة التفسير الحرفيّ Literalist Interpretation ، وقد قام به لوكيانوس في النصف الثاني من القرن الثالث، كرد فعل للمبالغة في التفسير الرمزيّ.

وقد كانت مدرسة أنطاكية مشابهة لمدرسة الإسكندرية، إذ كانت تقوم على الجهود الفردية للمعلمين، ولم يكن لها منهج أو تخطيط علميّ، ولكنها لم تكن مستديمة يتعاقب عليها المدرسون على التوالي كمدرسة الإسكندرية، لكنها كانت تتبنى اتجاهاً لاهوتياً، وبالأخص تتميز بنمط مُعَّين في تفسير الكتاب المقدس[39].

قاومتِ المدرسة الأنطاكية التفسير الرمزيّ لمدرسة الإسكندرية، معتمدة فقط على التفسير الحرفيّ (حقيقيّ أو مجازيّ) وهو المنهج اللغويّ أو الحرفيّ، التاريخيّ. يقوم هذا المنهج على التفسير البسيط حسبما تشرحه اللغة، لذا دعي “المنهج اللغوي أو الحرفيّ”. كما قام على تأكيد الحقائق التاريخيّة كما وردتْ في الكتاب المقدس كحقائق واقعية وليست أعمالاً مجازية رمزية، لذا سمى أيضاً بالمنهج التاريخيّ، مستبعدة تماماً المعنى الروحيّ الذي استبدلوه بالتعليم الأخلاقيّ.

ومن مشاهير المدرسة، نسطور الهرطوقيّ الذي أُدين في مجمع أفسس سنة (431م)، وديؤدور أسقف طرسوس، وثيؤدور أسقف موبسويست، وأهم عظماء هذه المدرسة مارِ أفرام السريانيّ، القديس يوحنا ذهبيّ الفم، العلاّمة ترتليانوس.. ويقول المستشرق الفرنسيّ L.Le Camus: إنَّ تيودور ويوحنا فم الذهب وتيودوريت ساروا على طريقة مار أفرام في شرح الكتاب، وهو يأخذ الحقائق الواردة في الكتاب المقدس خاصة العهد القديم كحقائق واقعية فهي ترفض الرمزيّة .Allegorism

ومع ذلك ظهر لدى آباء أنطاكية ما يُعرَف بالثيؤريا Theoria، وهو نوع من الرمزيّة والتأمل، يقوم على أساس ما يُسمى بالنمطية Tipology بشرط ألاَّ تكون الرمزيّة اجتهاداً شخصياً، ويتضح ذلك من الأمثلة الآتية:-

يفسر مارِ افرام السريانيّ ما جاء في نبوءة إشعياء “لأُنشِدَنَّ عَنْ حَبِيبِي نَشِيدَ مُحِبِّي لِكَرْمِهِ. كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ. فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَقَ وَبَنَى بُرْجاً فِي وَسَطِهِ وَنَقَرَ فِيهِ أَيْضاً مِعْصَرَةً فَانْتَظَرَ أَنْ يَصْنَعَ عِنَباً فَصَنَعَ عِنَباً رَدِيئاً. وَالآنَ يَا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي. مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضاً لِكَرْمِي” (إش5 :1-4)، حيث يشبّه إشعياء إسرائيل بكرم نصبه الله وسيَّجه وبنى في وسطه برجاً وحفر فيه معصرة، ولكن عوض أن يُعطي الكرم أعطى حصرماً، فرذله صاحب الكرم،

يقول مارِ أفرام: “كان لله حبيبي كرم في رابية خصبة، حرثه بالخيرات والآداب، وحوَّطه بسياج شريعته وغرس فيه أغصان كرمه وهم الصدّيقون والنسّاك، وبنى برجاً في وسطه أعني مملكة ومحكمة، وحفر فيه معصرة أعني كهنوتاً وذبيحةً، وانتظر أن يُثمر عنباً أعني أعمالاً صالحة، فأثمر حصرماً برياً وخرنوباً أعني أعمالاً رديئةً… ولهذا يقول الرّب إنّي أقوّض برجه فيكون معرضّاً للنهب والسلب.. وأخرق جدار شريعته فيصبح مدوساً تطأه الشهوات التي كلف بها..”.

كما يُفسِّر هذه الآية “وَأَجْعَلُهُ خَرَاباً لاَ يُقْضَبُ وَلاَ يُنْقَبُ” (إش 6:5) بهذه العبارة: “فمعناه أنّه تعالى يتخلّى عن الاهتمام به. وقوله اوصي السحاب لا يمطر عليه مطراً معناه أنَّه يمنع الأنبياء عن أن يتنّبؤا له…”[40].

في هذا النموذج نرى جليّاً طريقة مارِ أفرام في التقيّد بالنصّ الكتابيّ، وتفسيره بالمعنى الحرفيّ الذي ينسجم أكثر مع الواقع والحقيقة.

فسَّر القديس مارِ أفرام السريانيّ معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، بقوله “إن في الخمر دخول عجيب للطبيعة البشرية في رحم العذراء (دون زرع بشر)”، كما يرى أن مريض بركة بيت حسدا لم يُشفَ لعدم الكفاية الخلاصية للناموس، وأن المولود أعمى الذي اغتسل في بركة سلوام إشارة إلى المعمودية المقدسة التي نحصل منها على الخلاص[41].

يعتمد منهج الثيؤريا على أن معاني عبارات الكتاب المقدس لها معنى حرفيّ؛ وتقبل التفسير بالثيؤريا دون أن يكون لها معنى رمزيّ فقط، وجود ثاؤريا لحدث أو بعض آيات الكتاب المقدس يكون فيه شيء من التطابق وليس اجتهادياً، مثل وجود نص صريح عن الحيّة النحاسية “وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الحيّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ. هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإنسان” (يو 14:3)، ومن الأمثلة على ذلك منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم …

منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم:-

على الرغم من أن القديس يوحنا ذهبيّ الفم يتبع مدرسة أنطاكية، حيث لم يستخدم الرمزيّة خاصة في العهد القديم، وفي نفس الوقت لم يهاجم مدرسة الإسكندرية، إلاَّ أنه يرى[42]:-

1- توجد عبارات في الكتاب المقدس لا تُفسَّر إلاَّ بتفسير رمزيّ مثل سفر نشيد الأناشيد، أو عبارات مثل يد الرب، عينا الرب، يمين الرب، نزل الرب …

2- عبارات تقبل الاثنين معاً الحرفيّ والثاؤريا، فيؤكد ذهبيّ الفم على أن ذبح إسحق حقيقة تاريخية، وفي نفس الوقت فيه رمز للصليب[43]، كما أن نهر الأردن يُشير إلى المعمودية؛ ولكنه في نفس الوقت حقيقة، وعبور شعب بني إسرائيل فيه، قصة واقعية وليست رمزية فقط.

في تفسير القديس يوحنا ذهبيّ الفم للمزمور 150 “سبحوا الله بالطبل والمزمار”، يشرحها بطريقة روحية، فيشير إلى إماتة الجسد، حيث إن الطُّبول تُصنَع من جلود الحيّوانات الميّتة، والمزمار إلى التأمل في السماء، ولكنه لا يتغاضى عن التفسير الحرفيّ فيرجع ويقول: “أما أنا فأعتقد أن النص يعني تنازل الله لقبولنا بضعفنا البشريّ فيجب أن نُسبح مجده بفرح مستخدمين هاتين الآلتين”[44].

3- عبارات آخرى لا تقبل إلاَّ التفسير الحرفيّ فقط، مثل عبارة “خبزنا كفافنا أعطنا اليوم”، إذ يرى القديس يوحنا ذهبيّ الفم أنها لا تُفسَّر إلاَّ حرفياً، فالله يقدّم وصية لأُناس لهم جسد، وهذا الجسد له احتياجات[45]، وهو بذلك على العكس مِن العلاَّمة أوريجانوس الذي يرى أن الخبز هو خبز الطعام الباقي وليس الماديّ.

في تفسير ذهبيّ الفم لقول السيد المسيح في الموعظة على الجبل “طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ” (مت 5:5)، نجد أن القديس يوحنا ذهبيّ الفم يرفض أيَّ تفسير رمزيّ لها، ولا يقبل إلاَّ التفسير الحرفيّ، فيقول: “أخبروني عن إيِّ أرض يتكلّم الرّب؟

يقول البعض إنها أرض رمزية، كلا ليس الأمر كذلك، لأننا لا نجد في الكتاب المقدس كله أيَّ ذكر لأرض رمزية، فما معنى القول إذن؟ إن الرب يعد لنا مكافأة حسيّة، مثلما يقول معلّمنا القديس بولس الرسول أيضاً “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِي أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ” (أف 2:6)، ويُضيف: “لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَار عَلَى الأَرْضِ” (أف 3:6)، والرّب نفسه يقول للص اليمين “الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو 43:23)، فهو لا يعدنا بالبركات العتيدة فقط، بل وبالحاضرة أيضاً، لأجل الذين يسعون إليها من سامعيه ذوي الطبيعة الأرضية جداً”[46].

كذلك قول السيد المسيح أيضاً: “كُنْ مُرَاضِياً لِخَصْمِكَ سَرِيعاً مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيق لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ” (مت 25:5)، يفسرها القديس يوحنا ذهبيّ الفم قائلاً: “يبدو لي أنه يتحدّث عن قضاة هذا العالم، والطريق إلى محكمة العدل، وعن هذا السجن”[47].

الآباء والربط بين العهدين:

يقول السيد المسيح في حديثه في الموعظة على الجبل “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْيِيَاءَ مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأَكَمِّلَ” (مت 17:5) والكنيسة تقرأ العهد القديم بجانب العهد الجديد: “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحي بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ والتَّوْبِيخِ لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ” (2تي 16:3).

لقد شهد السيد المسيح للعهد القديم بقوله “لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ” (يو 35:10)، وقال للفريسيين “وَأَنْتُمْ أَيْضاً لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ؟” (مت 3:15)، يقصد بوصية الله الناموس، كما قال أيضاً “فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَو نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ” (مت 18:5)، لقد ربط المسيح بين ضلال اليهود وابتعادهم عن كلمة الله – العهد القديم في ذلك الوقت

حين قال “تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللَّهِ… أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ” (مت22 :29 ،31)، “فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّنونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي” (يو 39:5)، كما استشهد به السيد المسيح في التجربة على الجبل “مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإنسان بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللَّهِ” (مت 4:4)، “مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ” (مت 7:4)، مَكْتُوبٌ: لِلرَّبَّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ” (مت 10:4).

السيد المسيح طبّق الناموس في حياته على الأرض، فاُختتن في اليوم الثامن، وقدّموا عنه زوجي يمام أو فرخي حمام بعد أربعين يوماً من ميلاده تتميماً لشريعة التطهير، كذلك كان يدخل المجامع اليهودية، وقال للأبرص بعد شفائه بأن يذهب “أّرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهِادَةً لَهُمْ” (مر 44:1).

† العهد القديم يحوي رموزاً ونبوات عن المخلِّص؛ ولهذا يخلُص معلّمنا القديس بولس الرسول إلى الحقيقة العظيمة “إِذاً قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإيمان” (غل 24:3)، كذلك حديث السيد المسيح مع تلميذي عمواس “ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو 27:24)، وفي حديثه مع التلاميذ في العلية بعد القيامة “قَاَلَ لَهُمْ: هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وِأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ أُنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَاَلأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ” (لو 44:24)، “حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ” (لو24 : 44 ،45).

ويتحدّث السيد المسيح عن ألوهيته وموته وقيامته على أنها أمور مذكورة في الكتب، أي العهد القديم، وقد أشار إلى ذلك السيد المسيح مرّات عديدة، منها نبؤة معلمنا داود النبيّ في (مز 1:110) بأنه ربه، قال “كَيْفَ يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بِالروُّحِ الْقُدُسِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مِوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ فَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَدْعُوهُ رَبّاً. فَمِنْ أَيْنَ هُوَ ابْنُهُ؟” (مر12 :35-37)،

خاصة في (مز22) و(إش53) “وَأَخَذَ الاِثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ابْنِ الإنسان لأَنَّهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ وَيَجْلِدُنَهُ وَيَقْتُلُونَهُ وَفِي الثَّالِثِ يَقُومُ” (لو18: 31-33).

ولكننا في نفس الوقت نجد أن السيد المسيح صَحَّحَ مفاهيم اليهود حول الناموس:

اليهود فهموا الناموس فهماً حرفياً، مثال ذلك الختان، الذي لم يُفهَم سوى على أنه مجرّد عمليّة ظاهرية، تمس الجسد فقط دون الروح، عاشوا حرف الوصية بدون روحها “لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيّاً وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَاناً بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ وَخِتانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ” (رو 2: 28 ،29)،

فماذا ينفعك الختان في حالة عدم عملك بالناموس: “فَإِنَّ الْخِتَانَ يَنْفَعُ إِنْ عَمِلْتَ بِالنَّامُوسِ. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتَ مُتَعَدِّياً النَّامُوسَ فَقَدْ صَارَ خِتَانُكَ غُرْلَةً!” (رو 25:2)، فحين أن الأمميّ الذي يعمل بالناموس الطبيعيّ، غرلته تصبح ختاناً “إِذاً إِنْ كَانَ الأَغْرَلُ يَحْفَظُ أَحْكَامَ النَّامُوسِ أَفَمَا اُحْسَبُ غُرْلَتُهُ خِتَاناً؟” (رو 26:2).

السيد المسيح صحّح مفهوم الوصيّة، أوضح لهم أهميّة الروح لا الحرف، حيث اقتصرت معرفة اليهوديّ بالناموس على العلم والمعرفة الحرفيّة به، والافتخار بأن لهم ناموس وأنهم أولاد إبراهيم “أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لِوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمِ!” (يو39:8)،

فمثلاً السيد المسيح أوضح في كلامه عن السبت المفهوم الصحيح للوصية “ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإنسان لاَ الإنسان لأَجْلِ السَّبْتَ إِذاً ابْنُ الإنسان هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضاً” (مر2: 27 ،28)، “وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ إِذْ مَاتَ الَّذِي كُنَّا مُمْسَكِينَ فِيهِ حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ لاَ بِعِتْقِ الْحَرْفِ” (رو 6:7)، تحرّرنا ليس من الناموس، بل من الفهم الخاطيء للناموس.

السيد المسيح لم ينقض وصايا العهد القديم بل عمق الوصية، نقل حدودها، كانت الوصية في العهد القديم تُناسب حالة الشعب اليهوديّ الذي أفرّزه الرب من وسط أمم تعبد الأوثان…

“قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عِلِى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ” (مت5 :21 ،22).

“قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرِأةٍ لِيَشْتَهِيهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ” (مت5 : 27 ،28).

“وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَقِ. وَأمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنّى يَجْعَلُهَا تَزْنِي وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي” (مت5 :31 ،32)

“أَيْضاً سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَتَحْنَثُ بَلْ لأَوْفِ لِلرَّبَّ أَقْسَامَكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللَّهِ. وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ. وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ. بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ” (مت5 :33-37).

“سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌ بِسِنً. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً” (مت5 :38 ،39).

“سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْل الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُنَكُمْ” (مت5 :43 ،44).

منذ وقت مبكر استشهد الآباء بنصوص من العهد القديم ومن أمثلة ذلك:

† يُورد القدّيس أكْلِمَنْضُس الرومانيّ في رسالته إلى كورنثوس الكثير من الاستشهادات الكتابيّة من العهدين القديم والجديد[48]، كذلك في الرسالة الثانية إلى المتبتلين: (المنسوبة إليه) يقول: “… لنبحث ونختبر ذلك الناموس (العهد القديم) والعهد الجديد” (7:2)، فهُنا كاتب الرسالة يحثنا على قراءة الكتب المقدسة العهدين معاً.

† يقتبس القديس بوليكاربوس من الأسفار القانونية: “لا تتأخروا عن عمل الرحمة لأن الصدقة تخلّص من الموت” (الرسالة إلى فيلبي10) الواردة في (طوبيا 11:4).

† الرسالة المنسوبة لبرناباس (القرن الثاني) توضح أن المسيحيّين هم الورثة الحقيقيون للعهد القديم؛ لأن اليهود لم يفهموه، كما أنهم فسروه حرفياً لا روحياً، واهتموا بشكليته فقط، أما المسيحيّون فهم الذين فهموه فهماً روحياً، كما أنه يَذكرُ عن العهد القديم “إنه كتاَبنا، أما هم ففقدوه إلى الأبد” (6:4 ،7)

كما يقول أيضاً: “لم يكن الناموس لليهود، فقد تلقاه موسى ولكنهم لم يستحقوه وإنما أُعد للمسيحيين منذ البدء، وإذا كان موسى قد تلقاه فإنه لم يكن إلاَّ خادماً، أما نحن فتسلَّمناه من السيد نفسه أننا أهل الميراث ولأن السيد تألم لأجلنا” (4:14).

† العلاَّمة القديس بنتينوس، يذكر عنه تلميذه القديس أكْلِمَنْضُس الإسكندريّ “كان كالنحلة الحقيقية التي تجمع رحيق الأزهار، من المروج النبوية والرسوليّة (أي أسفار العهد القديم والجديد) ليغرس في نفوس سامعيه ذخيرة معرفة غير فاسدة”[49].

† القديس أكْلِمَنْضُس السكندريَ يتناول في كتاب (المتفرقات الكتاب السادس ف 125:25) الاتفاق بين شريعة العهد القديم وشريعة العهد الجديد.

† ذكر بلاديوس في كتاب مشاهير الرجال عن القديس ديديموس الضرير: “لقد فهم ديديموس كل نصوص العهد القديم والجديد، وكان راسخاً بدرجة كبيرة في شرح الإيمان، وأنه بالبراهين القاطعة وبالدراسة العميقة تجاوز السابقين عليه جميعاً.

† محاولة الماركيونيين قطع العهد الجديد عن جذوره في القديم، فقُوبلتْ هذه المحاولة بمقاومة نشيطة وأٌدينت من الكنيسة العظمى.

† يروي يوستين الشهيد في دفاعه أنه انجذب للمسيحية بقراءة العهد القديم، وقد حاول في حواره مع تريفو أن يُثبت حقيقة المسيحية من العهد القديم، كما يرفض الاقتراح بأن العهد القديم هو فقط صلة ربط بين الكنيسة والهيكل اليهوديّ، بالنسبة له العكس صحيح تماماً، حيث إنه لم يعد العهد القديم ينتمي لليهود بل هو يخص الكنيسة وحدها.

وبالتالي كنيسة المسيح هي إسرائيل الجديدة الحقيقية الوحيدة، لم تكن إسرائيل القديمة سوى كنيسة غير نامية، بحسب استعمالها في كنيسة الفترة الأولى، كلمة “الكتب” ذاتها عنَت قبل كل شيء العهد القديم، وبهذا المعنى تُستعمَل بشكل جليّ في قانون الإيمان “كما في الكتب

أي بحسب نبوءات الشريعة القديمة ووعودها، كما يذكر لنا أيضاً قراءة العهد القديم في الليتورجيات فيقول “إنه في اليوم الذي يُدعى يوم الرب ( ̑ηκαɩρѵK) يجتمع الشعب كله وتُقرأ أسفار العهد القديم، والرسل (كتابات العهد الجديد)، بحسب ما يسمح الوقت، وحينمت ينتهي المعلِّم من الكلام يُعطى رئيس الاجتماع (رئيس الكهنة) الإفخاريستيّ عظة يحثنا فيها على الاقتداء بسير أولئك القديسين”[50].

† يُوصي آباء الكنيسة بضرورة قراءة العهد القديم، فيقول ذهبيّ الفم “كل الكتاب يهب تعزية للذين يُصغون إليه، كما يرى أن مسيحياً بغير معرفة الكتب المقدسة (العهدين) كعامل بغير أدوات”[51]، كما يقول “العهدان مرتبطان معاً، ومتضافران كل منهما مع الآخر”[52]، كما يقول “نستطيع أن ننال تعزية وفيرة ليست في العهد الجديد وحده، إنما في العهد القديم أيضاً”[53].

كذلك يرى أن الذي ليس على دراية بالكتب المقدسة يشبه “مَن يعمل في منجم بغير خبرة في هذا الفن، فإنه يخلط بين الأشياء النفيس والتراب، بل ويضيع عمله هباءاً …هكذا الذين لا يفهمون الكتاب المقدس، ولا يراعون خصوصياته وقوانينه، بل يسيرون في كل نقطة من محتوياته بإهمال من غير حكمةـ يمزجون الذهب مع التراب، ولا يكتشفون الكنز المخفى داخله”[54].

وفي رده على المانويين يعارض إدّعائهم في وجود فرق شاسع بين العهد القديم والعهد الجديد، حيث أنهم يقولون أن إله التدبير (العهد) القديم صارم وعادل، في حين أن إله العهد الجديد هو إله الحُب. فيؤكد القديس يوحنا على إن المُشرع في الاثنين (العهدين) هو مُشرع واحد، فالعهد القديم هو ممهد ومسبق للعهد الجديد، فوصايا السيد المسيح تُكمل الشريعة اليهودية[55].

† يُعبِر القديس أُغسطينوس عن موقف الآباء من العهد القديم بقوله “العهد الجديد هو إتمام العهد القديم”، يسوع المسيح هو المسيّا الذي تكلَم عنه الأنبياء، فيه تحققت كل الوعود والنبوات. فالناموس والإنجيل متلائمان، فمن هنا نرى أن الكتاب المقدس بعهديه وَحْدَة واحدة، فالسيد المسيح هو محور نبوات العهد القديم.

ويقول أيضاً “إن العهدين القديم والجديد يمثلان وحدة لا انفصال فيها، إذ يُعبِّران عن خطة العناية الإلهيّة، ويقودان إلى المسيح“، وكان في تفسيره لأحداث الكتاب المقدس يربط بين العهدين، فيبرهن على سمو العهد الجديد في علاقته بالعهد القديم، فعندما فسّر معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، أظهر أن النبوة في العهد القديم لها طعم المياه لو فُهمت مستقلة، ولها طعم الخمر لو فُهمت ونُسبت إلى المسيح.

كذلك عندما فسّر معجزة شفاء مريض بركة بيت حسدا، فسرها على أن البركة تُشير إلى الشعب اليهوديّ، والأعمدة الخمسة هم أسفار موسى الخمسة التي ليست لها إمكانية لشفاء البشر، “لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه، لأن بالناموس معرفة الخطية” (رو 20:3)، ولكن الخلاص والتبرير تم بالسيد المسيح الذي جاء وشفى المريض بدون الناموس دون الماء والبركة.

كما يُفسِّر معجزة إقامة لعازر من الأموات بأن لعازر الميت هو الإنسان الخاطيء، وأن الحجر الذي كان على القبر هو الناموس، وقول السيد المسيح “ارفعوا الحجر” (يو 39:11) تعني “أكرزوا بالنعمة”، كما أن قول السيد المسيح لتلاميذه “حلوه ودعوه يذهب” (يو 39:11)، هو منح لسلطان حل الخطايا على الأرض[56].

يقول القديس كيرلس الأورشليميّ “الكتب المقدسة الإلهيّة المُوحى بها: كل العهد القديم والعهد الجديد، هي التي تُعلّمنا، فإن إله العهدين هو واحد، فقد أُخبرنا في العهد القديم عن المسيح الذي يظهر في العهد الجديد، والذي قادنا من خلال الشريعة وأنبياء إلى مدرسة المسيح، إذ “كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ” (غل 24:3)، إذا سمعتَ أحد الهراطقة ينطق بشر على الناموس والأنبياء أجبْه بكلمات المخلِّص، إذ جاء يسوع لا لينقض الناموس بَلْ ليكمله (مت 17:5)”[57].

تفسير الكتاب المقدس والكنيسة الأولى

 

 

[1]  – القديس أثناسيوس الرسوليّ الرسالة الفصحية الثانية. N & P .N . F .ser. 2,vol. 4 – Festal Letters:2.

[2]  – د. جوزيف موريس فلتس – الآباء والكتاب المقدس – مقدمة كتاب شرح وتفسير آباء الكنيسة لأناجيل وأحاد السنة التوتية – مؤسسة القديس باسيليوس – ص 20.

[3]  – رشدي حنا عبد السيد – الفلسفة اليونانية القديمة – مقدمة عامة ص 5.

[4]  – جورج عوض ابراهيم – تفسيرات الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى – دورية مركز دراسات الآباء – السنة التاسعة العدد17، يناير 2007، ص81.

[5]  – الفيلسوف زينو Zeno  مؤسس المدرسة الرواقية في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الثالث قبل الميلاد.

[6]  – جورج عوض ابراهيم – نفس المرجع السابق ص 82.

[7]  – Midrash  اسم عبريّ من الفعل العبريّ “دَرَش” ويعني “درس وبحث وفحص بدقة تامة”، وكان شائعاً في القرن الأول الميلاديّ، وهو شرح للمنهج التفسيري المتبع في التليمود، ويختص فيه بالنصوص التفسيرية العقائدية، وهي تتناول شرحِ الأحداث التاريخية والنبوات والكتب الشعرية في العهد القديم، ولم يكن للمدراش شكل تفسيريّ يشرح النصّ الكتابيّ آية آية، إلا أنه في أغلب الأحيان توسيع وإسهاب لهذا النصّ في طريقة تقويّة تبني المومنين.

[8]  – القاموس الموسوعيّ للعهد الجديد – فيرلين د. فيربروج – الناشر دار الكلمة 2006 ص 241.

[9]  – جورج عوض ابراهيم – تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى 2 – دورية مركز الدراسات الآباء – يوليو 2006 – ص73.

[10]  – التلمود كلمة مشتقة من الجذر العبريّ الذي يعني الدراسة والتعلّم، كما في عبارة«دراسة الشريعة»، وتعود كل من كلمة «تلمود» العبرية وكلمة «تلميذ» العربية إلى أصل سامي واحد.

[11]  – روجيه غارودي “فلسطين أرض الرسالات السماوية” – ترجمة قصي أتاسي – ميشيل واكيم – الطبعة الأولى 1988 دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.

[12]  – راهب من دير البراموس – التلمود نشأته وتاريخه – الطبعة الثانية 2002 – ص18.

[13]  – قصة الحضارة – و.ل.دبوراتت – 1975، ج3، المجلد الرابع، ص 10-39.

[14]  – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص 70.

[15]  – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص 62.

[16]  – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص36-38، التلمود كتاب اليهود المقدس، دار قتيبة، دمشق 2006.

[17] – V.f.epistolum fundaminti 6.

[18]  – ضد الهراطقة 3، 4، 1

[19]  – تفسير رومية 1، 3، 1.

[20]  – في تفسير اللاويين، العظة 4، 5

[21]  – في تفسير إرميا العظة 7، 3

[22]  – شرح إنجيل يوحنا11 – ترجمة مركز دراسات الآباء PG74. 646AB   

[23]  – ضد الهرطقات 12:9:AH3  

[24]  – ضد الهرطقات 9:1: AH1

[25]  – على نفس هذا المنوال مَن يترجمون كتابات غريبة دون إفراز أو من يتأثرون بفكر فلسفي غريب أو تعاليم هرطوقية داخل ثوب مزيف

[26]  – ضد الهرطقات 1:8: AH1

[27] – Strom. 7:16.

[28] – العلاَّمة أوريجانوس – في المباديء 4-2-4 – ترجمة الاب جورج خوام البوليسي – منشورات المكتبة البوليسية – 2002 –ص 387.

[29] – العلاَّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 387.

[30]  – العلاَّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 389.

[31] – Strom. 4.5

[32] – Strom. 4.4

[33] – In Exod. Hom, 2.4.

[34] – In Joan. t2, c29.

[35] – In Exod. Hom, 3.3.

[36]  – القمص تادرس يعقوب ملطي – آباء مدرسة الإسكندرية الأولون 2001 – ص 153.

[37] – ضد الأريوسيين 54:1.

[38] – دياكون مجدي وهبة – آباء الكنيسة والكتاب المقدس – دورية مركز دراسات الآباء – يناير 1998 .ص 55.

[39] – P Schaff , History of chrision church,1910, vol. 2,p.816.

[40] – مُعرَّباً من مخطوطة في مكتبة دير الشرفة ترجع إلى القرن الثاني عشر.

[41]  – تفسير المعجزات في إنجيل يوحنا عند آباء الكنيسة ومعلميها 2 – الكتاب الشهريّ – بيت التكريس مارس 2006 – ص26

[42]  – عن القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم 1980 – ص 141 .. In Ps. , hom 9:4

[43] – In Psalm . PG55 :209.

[44] – In thes. , hom3. عن القمص تادرس يعقوب ملطي- القديس يوحنا ذهبيّ الفم 1980 – ص 138.

[45] – In Mat. , hom 19:8.

[46] – In Mat. , hom 15:5.

[47] – In Mat. , hom 16:13.

[48]  مشكاة الطلاب في حل مكشلات الكتاب – طبعة 1929 ص168.

[49] – Clem. Stromata 1:1.

[50]  – الدفاع 67:1.

[51]  – القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 1980 – ص

[52] – In Mat, home 47:7.

[53]  – De Paralyt.  عن القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 1980 – ص 135.

[54] – In Jon, hom 40:1.

[55] – J. Quasten.Patrology. Vol. 3, P.437.

[56]  – تفسير المعجزات في إنجيل يوحنا عند آباء الكنيسة ومعلميها 2 – الكتاب الشهريّ – بيت التكريس مارس 2006 – ص24

[57]  – القديس كيرلس الأورشليميّ – مقالات لطالبي العماد 33:4 – عن القس تادرس يعقوب ملطي – كيرلس الأورشليميّ 1970 – ص 123،124.

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

الروح المعزي – القديس يوحنا ذهبي الفم عظة 78 د.جورج عوض

الروح المعزي – القديس يوحنا ذهبي الفم عظة 78 د.جورج عوض

الروح المعزي – القديس يوحنا ذهبي الفم عظة 78 د.جورج عوض

 

 

عظة 78 على (يو 16: 4- 15) ترجمة د.جورج عوض

   ” ولم أقل لكم من البداية لأني كنت معكم. وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم” (يو4:16ـ6).

 

إستحوذ الحزن على التلاميذ

   إن ألم الحزن المفرط هو أمر صعب للغاية ونحن نحتاج إلى شجاعة كبيرة حتى نقف أمامه ونحن متشددين. والألم له فوائد، فعندما نخطئ نحن أو الآخرين فمن الصواب أن نحزن. ولكن لا يجب علينا أن نحزن بشكل مُبالغ فيه على الظروف التي تحدث لنا كبشر لأن ذلك غير مفيد. لقد استحوذ الحزن على التلاميذ الذين لم يكونوا بعد كاملين روحيًا، ولذلك راحوا يلقون عليه أسئلة كثيرة.

   فقد قال له بطرس ” أين تذهب؟” [1]، وتوما قال له: ” يا سيد لسنا نعرف أين تذهب. فكيف نقدر أن نعرف الطريق” [2]. وفيلبس أيضًا قال له: ” أرنا الآب“[3].

ولكن علينا أن نلاحظ كيف إنه يقومهم بشدة فها هم يسمعون أن اليهود “سيخرجونهم من المجامع” (أنظر يو2:16)، وقول المسيح لهم ” طوباكم إذا أبغضكم الناس“[4]، وكذلك: ” تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله“[5]، وقد فقدوا شجاعتهم حتى أن آخرين منهم لم يستطيعوا أن يقولوا له شيئًا وظلَّوا في مكانهم.

   وكان الرب يُقدر هذا الموقف، إذ قال لهم: “ ولم أقل لكم من البداية لأني كُنت معكم. أما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم” [6].

   حقًا فإن الحزن الشديد يعد أمرًا مخيفًا، إنه مُرعب وقد يؤدي أيضًا إلى الموت. لأجل هذا قال بولس: ” لئلا يُبتلع مثل هذا من الحزن المُفرط“[7]. يقول لهم: ” ولم أقل لكم من البداية “. لماذا لم يقل لهم من البداية؟ حتى لا يقول أحد إنه قال هذه الأقوال من جراء خبرته ورؤيته لأمور حدثت أمامه مرات كثيرة، أي بمثابة استنتاجات فقط. ولماذا يبدأ في قول أمر صعب جدًا؟ إنه يعرف هذه الأمور من البداية، ولكنه لم يقلها ليس لأنه لم يكن يعرفها، بل كما قال هو       ” لأني كنت معكم“.

وهذا الكلام يقوله إنسانيًا، كأنه قال: لأنكم أنتم في آمان وكان في استطاعتكم أن تسألوني حين تريدون، والحرب كلها كانت تنقض علىَّ، وكان من الخطأ أن أقول لكم هذا من البداية. لكنني أتساءل: ألم يقل من قبل مثل هذه الأقوال؟ ألم يقل للتلاميذ     “وتساقون أمام ولاة وملوك من أجلي شهادة لهم وللأمم. ولأنهم سيسلمونكم إلى مجالس وفي مجامعهم يجلدونكم“[8]. كيف إذن يقول   ” ولم أقل لكم من البداية “.

لأنه سبق وقال آنذاك يجلدونكم وتساقون أمام الرؤساء، ولكنه لم يحدثهم عن موتهم، هذا الأمر خطير جدًا حتى أن قتلهم سيعتبر بمثابة عبادة من جانب القاتلين كأنهم يقدمون خدمة إلى الله. وهذا الأمر سيُدهشهم إذا علموه من البداية: أي سوف يُحاكموا فيما بعد ككفار وأُناس متمردين. نستطيع أن نقول أن إعلانه الأول كان يختص بالآلام التي سوف يعانون منها على أيدي الأمم، أما هنا فإنه يضيف، مع التأكيد على آلامهم أيضًا بواسطة اليهود، وأخبرهم أن هذه الآلام قريبة جدًا.

   ” وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم “[9].

   وكون أن السيد المسيح قد أعلمهم أنه يعرف مدى حزنهم قد منحهم تعزية ليست بقليلة، إذ أن القلق لأجل غيابه هذا وانتظار المشقات العتيدة أن تحدث (لأنهم لم يعرفوا ما إذا كانوا يستطيعون أن يتحملوا المشقات بشجاعة) جعلهم مندهشين تمامًا.

 

موقف التلاميذ من حديث المسيح

   لماذا إذًا لم يحدثهم عن ذلك عندما أصبحوا جديرين بأن ينالوا الروح؟ لكي تعلم أنهم كانوا أُناسًا فاضلين جدًا؛ إذ وهم غير جديرين بأن يأخذوا الروح لم يتركوا السيد المسيح والحزن جاثم على قلوبهم، أدعوك أن تتأمل في ما سوف يصيرون عليه عندما ينالون النعمة، لقد تحملوا كل هذا الكلام وسمعوه، لأنه لو إذا كان قد قيل  بعد حلول الروح القدس عليهم لكان الثناء يُنسب للروح، أما الآن فموقفهم هذا يعد ثمرة تفكير ذهنهم وبرهان واضح على آلامهم من أجل المسيح.    ” لكن أقول لكم الحق“[10].

هنا يعزيهم أيضًا، لأنه يقول لهم إنني لا أخبركم عن أمور مفرحة، أما إذا كان هذا الكلام صعب فإنني أرى إنكم لابد أن تسمعوه لفائدتكم، لأنكم ترغبون في أن أبقى معكم بينما الفائدة هي في أمر آخر. إن الذي يحب أصدقاءه ويعتني بهم يتصف دائمًا بعدم الخداع فهو يقول لهم ما يفيدهم حتى إذا كان كلامه هذا ضد رغبتهم، فهو بذلك لا يبعدهم عن ما يفيدهم، لذا يقول لهم المسيح. ” إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي “[11].

 

عمل الروح القدس

   ماذا يقول هنا أولئك الذين ليس لديهم معرفة لائقة عن الروح القدس؟

   يقولون: هل فائدتهم تكمن في أن يرحل الرب ويأتي العبد[12]؟ لكن، هل رأيت مدى عظمة وقيمة الروح؟ ” إن ذهبت أرسله إليكم“[13]. وما هي الفائدة؟ ذاك سوف يبكت العالم، أي أن هؤلاء الذين يتطاولون على الرب لن يفلتوا من العقاب إذا جاء المعزي.

لقد تحدث الرسل وقاموا بأعمال ـ قبل حلول الروح القدس ـ تسد أفواه المتطاولين، ولكن عندما تحدث أمور بواسطة الروح، ويقدم التلاميذ تعليمًا كاملاً بالروح ويصنعون معجزات أعظم، سوف يُدان أهل هذا العالم وهم ينظرون أمورًا كثيرة تحدث باسمه، الأمر الذي سيكون بمثابة برهان ساطع لقيامته، كأن المسيح يقول لهم: الآن يستطيعون أن يقولوا، أليس هذا ابن النجار الذي نعرف أباه وأمه.

أما عندما يحل الروح المعزي عليكم فسوف يروا كيف يقضي على الموت ويهرب الشر وتُشفى الطبيعة البشرية من الشلل، و تُطرد الشياطين، وهكذا يتضح أن عطية الروح عظيمة وتفوق الوصف (انظر أع1:2ـ وما بعدها). إن كل هذا يحدث باسمي، فماذا إذن سيقولون؟ لأن الآب يشهد لي وسوف يشهد أيضًا الروح، لقد شهدَّ بكل تأكيد في البداية (متى17:3)، لكن سيشهد أيضًا والآن.

   ” يُبكت العالم على خطية “[14]. يعني أنه سيقضي على عنادهم وسيُظهر لهم إنهم ارتكبوا أمورًا لا تُغفر. ” وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضًا“[15]. لقد منحنا حياة لا تُدرك بالعقل. وهذا برهان على أنه سوف ينتقل إلى أبيه، نظرًا لأنهم دائمًا كانوا يدينونه بأنه لم يأت من الله، ولذلك دعوه خاطئًا ومخالفًا، لذا يقول أنه سيدحض هذا المبرر أيضًا.

انه يريد أن يقول: إنهم لم يعتبروني آتيًا من عند الله، الأمر الذي يُظهرني مخالفًا، وعندما يُبرهن الروح بأنني أنتقل إلى هناك ليس للحظة بل إنني أبقى هناك إلى الأبد (لأنه “بعد قليل لا تبصرونني”)، ما الذي سوف يقولونه أيضًا؟ انتبه حيث أنه ثبت خطأ رأيهم الشرير من خلال نقطتين: إن عمل المعجزات ليس من سمات الخاطئ (إذ إنه لا يتمكن من عمل معجزات)، كما أن القرب من الله بصفه دائمة ليس من صفاته ولذلك فإنهم لا يستطيعون إن يقولوا أن هذا خاطئ، وأنه لم يأتِ من الله.

   ” وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين ” [16]. يتحدث هنا أيضًا عن البر، لأنه انتصر على المقاوم لبره. وكان من المستحيل أن ينتصر عليه لو كان هو خاطئًا. ولم يتمكن أي بار من القيام بهذا العمل. ومن حيث إن رئيس هذا العالم قد دين بواسطتي، فهذا يعرفه أولئك الذين سوف يدسونه تحت أرجلهم فيما بعد.

وسوف يعرفون بوضوح قيامتي، وهذا ما يميز الشخص الذي يحكم ويُدين، لأنه لم يستطع أن يتحداني. لقد قالوا عني إن بي شيطان وأنني مُضِل، ومثل هذه الاتهامات سوف تظهر أنها لا تستند على الحق، لأنني لو كنت خاطئًا لما استطعت أن أُنازله، أما الآن فقد أُدين وهُزم.

   ” إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن ” إذن ” خير لكم أن أنطلق “، حيث آنذاك سوف تفهمون هذه الأمور وتحتملوها عندما أنطلق. ما الذي حدث؟ هل الروح أعظم طالما إنكم لا تحتملون الآن هذه الأمور، بينما ذاك (الروح) سوف يعدِّكم لكي تفهموها؟ هل عمل الروح أعظم وأكمل؟ ليس الأمر هكذا، طالما أن المعزي سيقول أن هذا هو ما قلته لكم.

لذلك يقول: ” وأما متى جاء ذلك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتيه. ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم. كل ما للآب هو لي “[17].

   إذًا، فلأنه قال ما يعني ” ذاك يمجدني. ويذكركم بكل شئ. ويعزيكم في حزنكم”، الأمر الذي لم يفعله هو، وكذلك حين قال: “خير لكم أن أنطلق”، وأيضًا ” لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. لكن حينذاك تستطيعون” وكذلك ” فهو يرشدكم إلى جميع الحق”، ولكي لا يعتبروا وهم يسمعون هذه الأقوال أن الروح أعظم ويقعون في كُفر رهيب، لأجل هذا يقول ” يأخذ مما لي” أي أنه سوف يقول نفس الكلام الذي قلته.

وعندما يقول ” لا يتكلم من نفسه ” يقصد أنه لا يتكلم بشئ معارض، لن يقول شيئًا من عنده، بل فقط ما قلته أنا. مثلما يقول عن ذاته ” لست أتكلم به من نفسي“[18]، هذا يعني، أن لا شئ من هذا الكلام الذي أقوله هو خارج عن أقوال الآب، لا شئ لديه مناقض لذاك وغريب عنه، هكذا أيضًا عندما تحدث عن الروح. “مما لي” تعني أي ما أعرفه أنا، أي من معرفتي، لأن معرفتي ومعرفة الروح واحدة. ” ويخبركم بأمور آتية ” لقد استنفر اهتمامهم لأن لا شئ يشتاق إليه الجنس البشري مثل أن يعرفوا الأمور الآتية التي سوف تحدث.

لذلك كانوا يسألونه باستمرار ” أين يذهب؟”، أي مجد يكون هذا؟ (أنظر يو5:14، 36:13). إذن لقد حررَّهم من هذا الإنشغال، إذ يقول إن كل الأمور سوف يقولها لكن مسبقًا حتى تكونوا مستعدين.

   ” ذاك يمجدني” كيف؟ عندما يطلب الرسل اسمى سوف يحقق الروح أعمالاً عظيمة. فسوف يعملون معجزات عظيمة عندما يأتي الروح، لأجل هذا، يقول مشيرًا إلى المساواة: “ذاك يمجدني”. ماذا يقصد بقوله ” جميع الحق” هذا يعني أن الحق يُشهد له بواسطة المعزي، فالمعزي سوف “يرشدنا إلى كل الحق” أي إلى الرب نفسه لأنه أخذ جسدًا بشريًا ولم يحدثهم حديثًا كاملاً عن ذاته، ولم يعرفوا معرفة كاملة عن القيامة إذ كانوا غير كاملين روحيًا.

   وبالنسبة لليهود لم يقل لهم شيئًا روحيًا ساميًا حتى لا يعاقبونه مُعتبرينه مخالفًا لتعاليمهم، وذلك من جراء عدم فهمهم، وعندما أخذ التلاميذ وفصلهم عن قطيعهم ـ إذ كانوا سابقًا خارج كرم يسوع ـ آمن كثيرون وغُفرت لهم الخطايا، وآخرون تحدثوا معه بحسب المنطق الطبيعي، لذا لم يقل لهم الكثير عن ذاته. هكذا فكأنه يقول: إنني لم أقل ما ينبغي أن أقوله، وهذا لا يرجع إلى جهلي بل بسبب الضعف الروحي للسامعين.

وحيث إنه قال ” فهو يرشدكم إلى كل الحق” وأضاف ” لا يتكلم من نفسه“، الروح لا يحتاج إلى تعليم، إسمع بولس الرسول حين يقول: ” أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله “[19]. إذن فكما أن روح الإنسان هو الذي يعرف الإنسان دون أن يتعلم من آخر، هكذا الروح القدس ” يأخذ مما لي ويخبركم” أي سوف يتكلم بما يتفق مع أقوالي. ” كل ما للآب هو لي“. إذن الباراكليت سوف يثبت أقوالي الخاصة، وهذه الأقوال هي للآب، إذن فهو يخبر بكلام الآب الذي هو كلامي.

   لماذا لم يأتِ الروح قبل رحيل المسيح من العالم؟ لأن اللعنة لم تكن قد بَطُلت بعد، والخطية لم تكن قد هُزمت، وكان الجميع لا يزالون تحت القصاص، لذا لم يكن ممكنًا أن يأتي. وكان لابد للعداوة أن تنتهي وأن تتصالحوا مع الله وبعد ذلك تقبلون تلك العطية. لكن لماذا يقول “سأرسله“[20].

أي سوف أعَّدكم لكي تقبلوه، لأنه كيف يُرسل ذاك الذي هو حاضر دائمًا؟ أراد إذن أن يُظهِر لهم تمايز الأقانيم. هناك سببان وراء ما قاله: أولاً: كان هؤلاء مرتبطين به بشدة، فلابد أن يقنعهم بأن يقبلوا إلى الروح ويطيعوه، لأجل هذا أيضًا جعل الروح يصنع عجائب لكي يدركوا قدرته ومكانته. وكما أن الآب يستطيع أن يُحضر الكائنات إلى الوجود إلا إنه جعل الابن يفعل ذلك، هكذا أيضًا فقد جعل الروح يفعل كل هذه الأمور لكي يدركوا قوته. لأجل هذا أيضًا تجسد الابن ولكنه جعل الروح هو الذي يتمم كل ما فعل.

لقد وجد البعض في محبة الابن غير الموصوفة دافعًا للكفر؛ إذ اعتبروا الابن المتجسد أقل من الآب. ونحن نقول لهم: ما الذي سوف تقولونه عن الروح؟ لأنه لم يأخذ جسدًا. إنكم لن تقولوا بالطبع لأنه، لهذا السبب، أعظم من الابن، ولا الابن أقل منه. إننا ننال عمل الثالوث في المعمودية، حيث إن الآب يمكن أن يفعل كل شيء وكذلك الابن والروح القدس. الثالوث حاضر في الحياة السرائرية حتى لا يتشكك أحد في الابن والروح القدس، فنحن نتعلم شركة الأقانيم أثناء شركة عطية تلك الخيرات السرائرية.

   حقًا إن الابن يستطيع أن يفعل كل هذه الأمور بمفرده حيث انه يشترك مع الآب والروح القدس أيضًا أثناء المعمودية. أرجو أن تسمع هذه الأقوال بوضوح إذ يقول لليهود: ” ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا“[21]، وأيضًا        ” لتصيروا أبناء النور“[22]، و ” أنا أعطيها حياة أبدية“[23].

وبعد ذلك يقول: ” أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل“[24]. دعونا نرى أيضًا الروح الذي يصنع هذا بعينه. أين نراه يفعل ذلك؟ نرى هذا في الشواهد الكتابية الآتية: “ ولكل واحد يُعطى إظهار الروح للمنفعة “[25]. ] ذاك الذي يمنح هذه يستطيع بالأكثر جدًا أن يغفر الخطايا[، وأيضًا ” الروح هو الذي يُحيي “[26].

و”سيحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم” [27].” و ” أما الروح فحياة بسبب البر “[28]. وأيضًا ” إذا أنقدتم بالروح فلستم تحت الناموس“[29]، ” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا آبا الآب“[30]، أليس ما فعله (الآب) فعله (بواسطة) الروح، ولذا بولس كتب إلى أهل كورنثوس قائلاً: ” ولكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم بإسم الرب يسوع وبروح إلهنا“[31].

   إذًا فلأنهم سمعوا كثيرًا عن الآب ورأوا الابن يتمم أعمالاً كثيرة، بينما لم يكونوا يعرفون شيئًا بعد بوضوح عن الروح، جاء دور الروح القدس ليصنع معجزات ويمنح المعرفة التامة. لكن لئلا يعتبر البعض إنه بسبب هذا الدور الذي سوف يقوم به فهو يعتبر أعظم من الابن (كما قُلت سابقًا)، قال لتلاميذه ” كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية“.

   هل الروح سيسمع كلام الآب ثم ينقله للتلاميذ؟ يقول البعض إن لديه معرفة كاملة فقط لأجل أولئك الذين سيسمعون. وأنا أقول لهم: أي مخالفة أكثر من تلك المخالفة التي تراها في هذه الأقوال التي يتقولون بها عن الروح؟. على الجانب الآخر ما الذي سوف يسمعه؟ أليس كل هذا الكلام قيل بواسطة الأنبياء؟ سوف يتحدث عن إبطال الناموس، ونحن نقول: قد قيلت هذه الأقوال، وإنه سيتحدث عن المسيح، وإلوهيته وتدبيره، نقول: لقد قيل كل ذلك.

فما هو الأهم الذي سوف يقوله بعد كل ذلك؟ “يخبركم بأمور آتية” هنا يبرهن ـ قبل أي شيء ـ على رتبته ومكانته في الثالوث كأحد الأقانيم الثلاثة، فإنه من صفات الله أن يعرف ما سيحدث في المستقبل. هنا يُعلن أن لديه المعرفة الكاملة والدقيقة عن الله وليس مثل الأنبياء الذين تنبأوا عن بعض الأمور. لذا يستحيل على الروح أن يقول شيئًا مختلفًا عما لدى الآب والابن.

   ” يأخذ مما لي ” أي ستكون له نفس المعرفة التي لي وهو مثلي ليس في احتياج أن يتعلمها من آخر، فالمعرفة واحدة بالنسبة لي وله. إنه يحدثهم هنا بهذه الطريقة حتى يتعرفوا على الروح ويصدقوه وحتى لا يعثروا، إذ سبق وقال لهم ” معلمكم واحد المسيح“[32]، حتى لا يظنوا أن سماعهم للروح فيه معصية.

فالتعليم هو واحد، تعليمي وتعليم الروح. كأنه يقول لهم: لا تظنوا أن تعليم الروح مختلف، طالما أن تلك التعاليم هي من تعاليمي وتكوَّن مجدي الخاص، لأنها بمشيئة الآب والابن والروح القدس. هكذا يريد أن نكون نحن هكذا، لذا قال: ” ليكونوا واحدًا كما نحن“[33].

 

المحبة والوفاق:

   لا شيء أفضل من الإتحاد والإتفاق، فيهما يصير الواحد واحدًا في كثيرين، فإن كان يوجد اثنان أو عشرة لهم نفس الرأي والوحدة، فلن يصبح الواحد من العشرة هو واحد بعد، بل كل واحد من هؤلاء يصير عشرة أضعاف، وسوف تجد في العشرة واحد وفي الواحد عشرة. والعدو لا يقدر عليهم لأنه بينما يقاتل واحدًا منهم يجد نفسه يقاتل عشرة.

هل يفتقر الواحد لأي شيء؟ لا، ليس هو في إحتياج بل له ما يكفيه من حيث القسم الأعظم (التسعة)، والجزء الصغير (الواحد) يغتني بالتسعة (الجزء الأكبر). كل واحد من العشرة له عشرون يد وعشرون عين وأرجلاً وإمكانيات أخرى كثيرة.

   إذن لن يرى بعينيه فقط بل بأعين الآخرين، لا يستند فقط على أرجله بل على أرجل الآخرين، لا يعمل فقط بيديه بل بأيدي الآخرين. لديه عشرة نفوس. وبذلك لن يكون وحيدًا بمفرده في إعتنائه بنفسه بل إن الآخرين يعتنون به. ولو كانت العشرة مائة فسيحدث نفس الأمر وسوف تتسع قوتهم.

   هل رأيت كيف أن المحبة القوية تجعل الواحد لا يُهزم بل تتضاعف قوته؟ كيف يُوجد الواحد في كل مكان أيضًا؟ بمعنى يُوجد في بلاد فارس وفي نفس الوقت في روما؟ فما لم تنجح فيه الطبيعة البشرية، تحققه المحبة؟ بالمحبة يُوجد هنا وهناك. فإن كان لديه ألف صديق أو ألفان، تأمل عندئذٍ في مدى قوته المتزايدة.

هل رأيت مدى تزايد المحبة؟ فالمحبة تجعل الواحد يصير ألوفًا. لماذا إذن لا نحصل على هذه القوة ونؤَّمِن ذواتنا؟ هذا هو أعظم من كل سلطان وغِنى. فالمحبة أكثر أهمية من الزعامة ومن النور نفسه، لأنها سبب الفرح. حتى متى نحصر محبتنا في واحد أو اثنين؟

   اعرف الأمر من نقيضه. فإن كان المرء ليس له صديق، الأمر الذي يعتبر مثالاً للحماقة (لأن الجاهل يقول ليس لي صديق)، فأي حياة يعيشها؟ حتى لو كان ما زال لديه ثراء ويحيا في رغد العيش، أو يكسب خيرات لا حصر لها، إلا إنه سينتهي إلى مصير يكون فيه مجردًا وعاريًا من كل شيء.

أما بالنسبة للإنسان الذي له كثير من الأصدقاء والأحباب والمحبين، فحتى أن كانوا فقراء، يصيرون أغنياء ومن الأغنياء، والعمل الذي لا يستطيع أن يقوم به هذا الإنسان بنفسه يقوم به الصديق الآخر، وكل ما لا يستطيع أن يمنحه لنفسه يمكن أن يتم من صديق آخر، وسيصبح الأصدقاء سبب فرح لنا وآمان. فإن مثل هذا الإنسان لا يمكن أن يعاني من أي شر في اللحظة التي يكون فيها مُحاطًا بالأصدقاء ويتمتع بحمايتهم.

   وإن كان حُراس الملك يجتهدون وينشغلون بحراسة الملك، إلا إنهم يتممون هذه الأعمال عن خوف واحتياج، بينما هؤلاء الأصدقاء بدافع المحبة يعتنون بصديقهم ويحرسونه ليس عن خوف. لذا لا يخاف هذا الإنسان من مؤامرات قد تُحاك ضده من الأصدقاء مثل شعور الملك تجاه حُراسه.

   ليتنا نستفيد إذًا من هذا الصلاح. فليشعر الفقير بالعزاء في فقره، والغني فليكن عنده أمان في غِناه، والرئيس فليمارس سلطته بآمان، والمرؤوس ينال القبول من رؤسائه. إذًا فالمحبة والوفاق يجلبان الهدوء والسكينة، هنا نبع الوداعة. فالوحوش لا تحيا في شكل قطيع بل تحيا في رُعب وخوف. لأجل هذا نحن نسكن المدن ولدينا أسواق لكي يتآلف الواحد مع الآخر.

لقد أعطى بولس الرسول هذه الوصية، قائلاً: ” غير تاركين إجتماعنا“[34]، لأن لا شيء يكون أكثر شرًا من الإنعزال، والإنسحاب وتجنب العلاقات بين البشر بعضهم مع بعض. فماذا ـ إذًا ـ بالنسبة للرهبان الذين احتلوا قمم الجبال؟.

   أقول لكم: ولا حتى أولئك هم بدون أصدقاء، ولكنهم تجنبوا ضوضاء السوق، وأصدقاءهم كثيرون من الذين لهم نفس توجهاتهم ومرتبطين بشدة فيما بينهم، ولكي يصلوا إلى ذلك إرتحلوا إلى الجبال. فإن العِراك من أجل الأشياء العالمية يخلق نزاعات كثيرة، لأجل هذا، تركوا العالم ومارسوا المحبة باهتمام كبير.

   ماذا إذن، إن كان شخص، يقول إنه وحيد بينما الآخر له أصدقاء لا حصر لهم؟ إنني أريد بكل تأكيد، أن يتآلف الواحد مع الآخر، وأهم شيء هو أن الصداقة ثابتة. والمكان لا يصنع الأصدقاء، فالمحبة بين الأصدقاء هي الأهم. وهؤلاء أيضًا يُصلَّون لأجل كل المسكونة، الأمر الذي يبرهن على الصداقة الكاملة. ولذلك فالواحد يقبل الآخر أثناء تتميم الأسرار، لكي يصير الكثيرون واحدًا، وجميع الداخلين للإيمان يصلون صلاة واحدة، ونطلب جميعًا من أجل المرضى، وثمار المسكونة ومن أجل الأرض والبحر.

هل رأيت قوة المحبة في الصلوات، وفي الأسرار، وفي النصائح والإرشاد؟ أنها السبب وراء جميع كل الصالحات. دعونا نمارس المحبة بطريقة تليق وننظم حياتنا الحاضرة جيدًا وسوف ننال الملكوت السمائي الذي ننتمي إليه جميعًا. ليتنا نناله بنعمة مُحب البشر ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور أمين.

[1] يو36:13

[2] يو5:14.

[3] يو8:14.

[4] لو22:6.

[5] يو2:16.

[6] يو4:6ـ6.

[7] 2كو7:2.

[8] مت17،10ـ 18.

[9] يو5:16ـ6.

[10] يو7:16.

[11] يو7:16.

[12] هنا يقصد الرأي الهرطوقي بأن الروح القدس هو مجرد عبد مخلوق.

[13] يو7:16.

[14] يو8:16.

[15] يو10:16.

[16] يو11:16.

[17] يو13:16ـ15.

[18] يو10:14.

[19] 1كو11:2.

[20] يو26:15.

[21] يو10:2.

[22] يو36:2.

[23] يو28:10.

[24] يو10:10.

[25] 1كو7:12.

[26] يو63:6.

[27] رو11:8.

[28] رو10:8.

[29] غلا18:5.

[30] رو15:18.

[31] 1كو11:6.

[32] مت8:23.

[33] يو11:17.

[34] عب25:1.

 

الروح المعزي – القديس يوحنا ذهبي الفم عظة 78 د.جورج عوض

Exit mobile version