التوراة العبرية والسامرية والترجمة السبعينية والترجمات الحديثة – القمص عبد المسيح بسيط
التوراة العبرية والسامرية والترجمة السبعينية والترجمات الحديثة – القمص عبد المسيح بسيط
التوراة العبرية والسامرية والترجمة السبعينية والترجمات الحديثة – القمص عبد المسيح بسيط
عن كتاب: التوراة كيف كتبت وكيف وصلت إلينا؟ للقمص عبد المسيح بسيط
نقلت التوراة السامرية عن الأصل العبرى كما ترجم الأصل العبرى إلى اليونانية قبل الميلاد. وعند مقارنة الأصل العبرى بالنصين اليونانى والسامرى المأخوذين عنه وجدت بعض الاختلافات خاصة بين التوراة السامرية والأصل العبرى وأن ثلث هذه الاختلافات تتفق فيها الترجمة السبعينية مع التوراة السامرية.
ولكن عند فحص هذه الاختلافات بدقة وجد أنها، فى معظمها، اختلافات هجائية، فى حروف الهجاء، واختلافات نتجت من عملية نقل الأصل العبرى إلى لغتين تختلفان عنها فى القواعد وبناء الجملة، إلى جانب ناقل النص إلى السامرية التزم بتوصيل المعانى وليس الحرف، إلى جانب أن ناقل النص إلى السامرية التزم بتوصيل المعانى وليس الحرف، كما التزم أيضا مترجموا الترجمة اليونانية بتوصيل المعانى أكثر من نقل الحروف حرفا حرف أو الكلمات كلمة كلمة، أى أن ترجمتهم كانت ترجمة حرة أكثر منها حرفية.
ولكن هذه الاختلافات لا تأثير لها على المعنى ولا على الجوهر ولا على العقيدة، خاصة التى بين الأصل العبرى والترجمة اليونانية السبعينية.
1- الأصل العبرى والتوراة السامرية :
عند قراءة التوراة السامرية، للوهلة الأولى، لا نحس بوجود اختلاف كثير بينها وبين الأصل العبرى، ولكن عند المقارنة بين الأصل العبرى والتوراة السامرية، المنقولة عنها، تجد هناك اختلاف بينهما فى أعمار الآباء البطاركة الأولين وفى استخدام التوراة السامرية لعبارات “ملاك الرب”، “ملائكة الله” بدلا من “الرب” أو “الله” خاصة فى الظهورات الإلهية التى اتخذت مظهر إنسانى رمزى، والتى يسميها الأصل العبرى أحيانا بـ “ملاك العهد” أو “ملاك يهوه”.
وذلك إلى جانب إضافات التوراة السامرية لبعض أسماء لا وجود لها فى العبرية، أو وجود بعض أسماء فى الأصل العبرى لا وجود لها فى التوراة السامرية، كما نقلت التوراة السامرية بعض الأسماء، مترجمة، أى بمعناها وليس بحرفها.
وهناك اعتبارات يجب أن نضعها أمامنا، وهى أن الأصل العبرى هو الأصل الذى يجب الرجوع إليه لتصحيح أى خطأ وأن مخطوطات التوراة السامرية لا ترجع لأكثر من القرن الثانى عشر أو الحادى عشر بعد الميلاد بينما تزيد عليها مخطوطات الأصل العبرى فى القدم بحوالى 1400 سنة وكلما كانت المخطوطات أقدم كلما كانت أقرب إلى الأصل، كما أثبتت اكتشافات قمران أن التوراة السامرية منقولة، أصلاً، عن قراءة عبرية متنوعة وجد نموذج لها فى مخطوطة لسفر الخروج (خر ب 4ق) بالعبرية القديمة، ومخطوطة أخرى لسفر العدد (عد ق 4ق) بالخط المربع، الآرامى.
وفيما يلى مقارنة لبعض الاختلافات التى تصور ناشر التوراة السامرية العربية أنها دليل على تحريف التوراة دون دراسة واعية لها ودون وضع الاعتبارات السالفة فى الاعتبار، وتحرى الدقة والالتزام بالقواعد العلمية فى الدراسة وعدم الجرى وراء تصورات وهمية لمحاولة هدم عقائد إلهية تحطمت على صخرتها كل محاولات هدمها. مع ملاحظة أن هذه المقارنة قامت على أساسا الترجمة العربية للنصين :
جاء فى تك 2:1 “وروح الله يرف على وجه المياه” وفى السامرية “ورياح الله هابة على وجه الماء” وقد يبدو فى الظاهر أن هناك اختلاف، والواقع غير ذلك، فكلمة “روح” فى العبرية تعنى “روح” كما تعنى “رياح” فنقلتها السامرية “رياح” بينما التزمت الترجمات الأخرى بترجمتها “روح” كما تدل على ذلك القرينة وسياق الكلام، الذى يتكلم عن عمل الله الخلاق.
جاء فى تك 27:1 “فخلق الله الإنسان على صورته” وفى السامرية” وخلق الإنسان بقدرته بصورة الملائكة” وهنا يظهر، كما يكرر كثيرا بعد ذلك، أن ناقل النص السامرى يتخذ من الرأى التفسيرى لبعض اليهود حقيقة وضعها فى النص السامرى دون الالتزام بنقل النص كما هو سواء بمعناه أو بحرفه.
جاء فى تك 1:3 “وكانت الحية” وفى السامرية “وكان الثعبان” وبرغم أن استخدام كلمة “الحية” أو “الثعبان” لا يغير من المعنى والجوهر إلا أنه يبين ميل الناقل السامرى للالتزام بالشرح أكثر من الحرف فكل من الحية أو الثعبان فى النصين يعنيان الشيطان.
جاء فى تك 5:4 “من قتل قايين فسبعة أضعاف ينتقم منه” وفى السامرية ” كل قاتل قايين على الكمال يعاقب ” وقد يبدو ظاهريا أن هناك اختلاف فى عبارة “سبعة أضعاف” وكلمة ” الكمال ” ولكن الحقيقة غير ذلك إذ أن رقم سبعة يعنى الكمال فى العهد القديم بصفة عامة وقد التزم ناقل السامرية بالمعنى وليس الحرف الذى قد لا يفهم معناه السامريين .
جاء فى تك 16:4 ” فخرج قايين من لدن الرب وسكن فى أرض نود’ شرقى عدن” وفى السامرية ” فخــرج قايين من حضرة الله وسكن فى الأرض طريدا شرقى النعيم ” . وقد يبدو فى الظاهر أن هناك اختلاف ولكن الواقع يقول غير ذلك فـ “لدن الرب” و”حضرة الرب” ترادفان ومعناهما واحد وفى بقية النص التزمت التوراة السامرية بالمعنى الحرف فى “عدن” و”النعيم” معناهما واحد وبلاً من ذكر “أرض نود” التى طرد إليها قايين ركز الناقل السامرى على عملية الطرد دون الاهتمام بذكر المكان الذى طرد إليه.
جاء فى تك 1:5 “كتاب مواليد آدم” وفى السامرية “شرح نسب آدم” والمعنى واحد لا خلاف بينهما فعبارة “كتاب مواليد” تعنى “كتابة نسب” أو “أنساب” كما تكرر ذلك فى سفر التكوين نفسه، وكالعادة فقد التزم الناقل السامرى بالمعنى الواضح لقارئ السامرى
جاء فى تك 6:12 “واجتاز ابرآم فى الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة” وفى السامرية “وعبر أبرآم فى الأرض إلى موضع نابلس إلى مرج البهاء”. وهنا يركز المترجم على اسم “نابلس” الحديث الذى يعيش فيه السامريين والذى لم يكن له وجود أيام إبراهيم، وترجم “بلوطة مورة” بـ “مرج البهاء” لإضفاء شئ من المجد على الأرض التى تعيش عليها السامريين. وقد بينت الحفريات والمكتشفات الأثرية صحة ودقة الأصل العبرى جغرافياَ.
جاء فى تك 13:16 “أن هاجر دعت اسم الرب الذى تكلم معها أنت أيل رئى” وفى السامرية “أنت القادر الناظر” والعبارة العبرية لأنها تعنى “رأيت رؤية” ع14 أو “رأيت الإله” فى رؤية قريبة من السامرية.
جاء فى تك 8:35 “فدعا اسمها ألوان باكوت” وفى السامرية “مرج البكاء” وعبارة “ألوان بكوت العبرية” معناها بلوطة أو سنديانة البكاء التى نقلها ناقل السامرية وهذا ما لم يدركه ناشر الترجمة العربية للتوراة السامرية.
جاء فى تك 32:47 “وسجد إسرائيل على رأس السرير” وفى السامرية “على أعلى السرير” والكلمة العبرية “روش” تعنى رأس كما تعنى المكان الأعلى فنقلتها السامرية أعلى ولا خلاف فى ذلك، فى الواقع.
جاء فى خروج 11:1 “فبنوا لفرعون مدينتى مخازنفيثوم ورعمسيس” وفى السامرية “وبنوا مدنا مسكونة لفرعون الفيوم ورمسيس” . ولكن النص العبرى يتطابق مع المكتشفات الأثرية والحفيات التى تمت بمصر بدقه.
جاء فى خر3:2 أن موسى وضع فى “سفطاً من البردى” وفى السامرية “سفينة” بردى. والكلمة العبرية هنا “تيباه” وتعنى فلك “سفينة” أو قارب أو إناء، وقد نقلتها التوراة السامرية سفينة ولكن القرينة لا تدل على ذلك لأنه من غير المعقول أن يوضع طفلاً صغير فى سفينة، بل فى إناء صغير ترجم إلى العربية “سفطاً” أي سبت. ومع ذلك فلا يوجد ما يسيء للنص العبرى الذى نقلت التوراة السامرية أحد معانى نصه دون مراعاة القرينة.
جاء فى خر14:3 أن أسم الله هو “أهيه الذى أهيه” وفى السامرية “الأزلى الذى لا يزال” . والترجمة الحرفية للنص العبري هى “أكون الذى أكون” ومعناها الكائن الأزلى الذى لا بداية له ولا نهاية ويهوه ومعناه الكائن هو اسم الله، وقد نقلته السامرية بمعناه .
جاء فى خر 3:6 “باسمى يهوه” وفى السامرية “وأسمي الله” ويهوه ومعناه هو اسم الله، وقد نقلته السامرية بمعناه .
جاء فى خر 11:9 “الدمامل” وفى السامرية “القرح” والمعنى واحد فالدمامل هى القروح.
جاء فى خر 20:33 “لأن الأنسان لا يرانى ويعيش” وفى السامرية “فأنه لا يرانى أدمى ولا حى” وكلمتا “إنسان” و “أدمى” واحد، بينما كلمة ولا حى التى استخدمتها السامرية تدل القرينة وسياق الموضوع إنها نقل غير دقيق لتعبير “ويعيش”.
جاء فى عدد 1:12 “المرأة الكوشية” وفى السامرية “المرأة الحبشية” والمعنى واحد فكوش هو الاسم الأقدم للحبشة .
جاء فى عدد 6:13 “ودعا موسى هوشع بن نون يشوع” وفى السامرية “وسمى موسى يشوع بن نون معانا” وهنا استخدمت التوراة السامرية صفة الاسم “عوناً” ولم تنقله بحرفه كما يجب، ولكن هذا لا يؤثر فى المعنى. ويتفق معنا فى ذلك ناشر الترجمة العربية الذى يقول : وبدل يشوع فى السامرية الصفة وهو “العون” .
جاء فى عدد 40:16 “كما أمر الله على يد موسى” وتضيف السامرية كلمة “نسيبة” ولكن هذه الإضافة جانبها الصواب لأنها غير منطقية، كيف يكون موسى “نسيب” الله ؟
جاء فى تث 4:27 “تقيمون حجارة . . . وتكلسها بالكلس” وفى السامرية “وتشيدها بالشيد” والمعنى واحد فالكلس والشيد هما الجبس، والنص العبرى الحرفى هو “وتشيدها بالشيد” كما جاء فى ع2 .
جاء فى تث 10:32 “ولم يقم بعد نبى فى إسرائيل مثل موسى” وفى السامرية “ولا يقوم نبى فى إسرائيل كموسى” وهذا يدل على تعصب السامرية وتحاملهم على أنبياء بنى إسرائيل الذين أتوا بعد موسى والذين لم يعترف السامريين لا بكتبهم ولا بهم. ومع ذلك فقد كان السامريون هذا النبى الآتي الذى أسموه مثل بنى إسرائيل المسيا أو المسيح (يوحنا ص4).
وهناك كثير من النماذج التى بينا بالدراسة العلمية النصية واللغوية إنها لا تدل على اختلاف فى المعنى أو الجوهر.
2ـ الأصل العبرى والترجمة السبعينية :
عندما ترجم الأصل العبرى إلى اليونانية كان لابد أن تحدث بعض الاختلافات الظاهرية بسبب اختلاف المفردات اللغوية وتركيب الجمل والقواعد فى كلاً من اللغة العبرية واليونانية دون تأثير على الجوهر أو المعنى أو العقيدة. وقد استخدمها يهود الإسكندرية وبقية اليهود الناطقين باليونانية أكثر من 400 سنه دون أن يشكوا من وجود أي اختلاف بينها وبين الأصل العبرى. ولكن بعد انتشار المسيحية واستخدام أباء الكنيسة لها فى جذب اليهود الناطقين باليونانية إلى المسيحية، طالبوا بترجمة حرفية اكثر . كما استخدمت فى العهد الجديد كثيراً، وقد استشهد العهد الجديد بالعهد القديم حوالى 250 مرة الكثير منهم من هذه الترجمة. وحتى الآن مازالت هذه الترجمة هى الأم لكل الترجمات اليونانية التى ترجمت بعد ذلك كما كانت الأم لترجمات أخرى قديمة .
وهذا أهم ما زعم أحد الكتاب، الناقدين للتوراة، أنها اختلافات:
1ـ جاء فى تك 2:29و8 “قطعان غنم” ويقول هذه الناقد، وفى اليونانية “الرعاة” ولكن بالرجوع إلى النص اليونانى وترجمته الإنجليزية لا نجد “الرعاة” بل “قطعان ـ” fiocks “
2ـ جاء فى تك 17:7 “وكان الطوفان أربعين يوماً على الأرض” وفى اليونانية “أربعين يوماً وليلة” وكلمة “ليله” المضافة فى اليونانية هى إيضاحية للأصل العبرى ولا تأثير لها على المعنى .
3ـ جاء فى تك 8:10 “وكوش ولد نمرود” وزعم الناقد إنه فى اليونانية “كوش ولد اربون”، ولكن بالرجوع للنص اليونانى نجد “نبرود nebrwd” وليس “اربون” كما زعم الناقد الذى لم يرى الترجمة السبعينية والذى يبدوا إنه لا يعرف لغتها! و “نبرود” المقصود به نمرود.
4ـ جاء فى تك 10:10 “وكلنه فى ارض شنعار” وفى اليونانية “كالانى”، وهذا اختلاف فى النطق الأجنبي للكلمة العبرية وليس فى المعنى.
5ـ جاء فى تك 10:18 “وكانت سارة سامعه فى باب الخيمة وهو وراءه” وفى اليونانية “وسمعت سارة على باب الخيمة وهى وراءه” بصيغة المؤنث، ولا يوجد هنا أى اختلاف لأن الأصل العبرى يتكلم عن إبراهيم الذى وراء باب الخيمة وسارة كانت وراءه من الجهة الأخرى، فركز المترجم إلى اليونانية على سارة دون أن يؤثر ذلك على المعنى.
6ـ جاء فى تك 33:36 “يوباب بن زارح” وزعم الناقد العربى انه فى اليونانية “أيوب بن زارح” ولكن بالرجوع إلى النص اليونانى لا نجد “أيوب”، كما زعم، بل “يوباب ـ jwbab”.
7ـ جاء فى تك 31:47 “فسجد إسرائيل على رأس السرير” وفى اليونانية “على رأس عصاه” والكلمة العبرية المترجمة فى اليونانية “عصاه” هى “ميتاه” وتعنى “مكان الأتكاء” فترجمت إلى اليونانية “عصاه” أي التى اتكأ عليها.
والعبرية هى الأصل الذى ينبغى الرجوع إليه .
8- جاء فى تك 12:48 “ثم أخرجهما يوسف من بين ركبتيه وسجد أمام وجه الأرض” وفى اليونانية “وسجدا” والمقصود إبنى يوسف. وقد تكلم الأصل العبرى عن سجود يوسف لأبية بعد إخراج ولدية من بين رجليه ولكن مترجم اليونانية ركز على ولدى يوسف، وذلك برغم إنه لا يؤثر فى العقيدة، إلا إنه يمكن تصحيحه بالرجوع للأصل العبرى .
9ـ جاء فى تك 10:49 “وله يكون خضوع شعب” أى المسيا آلاتي، وفى اليونانية “وإياه تنتظر الأمم”، والنص اليونانى هنا تفسيرى يركز على عقيدة المسيا الآتي، المسيح المنتظر، دون المساس بجوهر العقيدة.
10- جاء فى تك 21:50 “أنا أعولكم وأولادكم” وفى اليونانية “بأهل بيوتكم” والنص اليونانى هو ترجمة معنوية للنص العبرى ولا خلاف فى ذلك.
وهناك أيضا نماذج عديدة مثيلة يتصور البعض أنها اختلافات وتساند الزعم بأن الكتاب قد حرف وهذا زعم باطل لا يستند على المنطق لان وجود اختلاف فى الترجمة لا يؤثر بأى شكل من الأشكال على الأصل المترجم منه .
3- الأصل العبرى :
تعتمد الترجمات الحديثة على ترجمة آيات الكتاب المقدس، العهد القديم، من أقدم المخطوطات العبرية ومقابلة نصوصها وآياتها مع التوراة السامرية واقتباسات الربيين اليهود من الأصل العبرى مع مراجعتها على الترجمات القديمة التى ترجمت عن الأصل العبرى كالترجمات اليونانية : السبعينية واكويلا وسيماخوس وثيودوشن، والفولجاتا اللاتينية والبشيتا السيريانية والترجومات اليهودية، وذلك إلى جانب استخدام اللغات السامية القديمة، خاصة الآكادية، شقيقة اللغة العبرية فى فهم معنى بعض الكلمات العبرية غير المفهومة، وذلك للوصول بالترجمة إلى التطابق مع النص الأصلى الذى كتبه كتاب الوحى.
ومما يؤكد ذلك ما جاء فى مقدمة “الترجمة الدولية الجديدة ـ N I V” والتى قام بترجمتها أكثر من مائة عالم من أحسن النصوص العبرية والآرامية واليونانية والتى نشرت سنة 1978 ونقحت سنة 1983م: “استخدمنا فى كل العهد القديم النص العبرى المقياس، النص الماسورى كما نشر فى طبعاته الأخيرة من Biblica Hebracia مع المراجعة على لفائف البحر الميت التى تحتوى على مادة تحمل نص عبرى من مرحلة أقدم.
وأيضا بالمراجعة على التوراة السامرية والتقاليد القديمة للكتبة التى تروى تنوع نصى … كما راجع المترجمون أيضا الترجمات القديمة الهامة : السبعينية وترجمات اكويلا وسيماخوس وثيودشن والفولجاتا والبشيتا السريانية والترجومات وترجمة جيروم للمزامير”.
وقد تعدت الترجمات الحديثة الألف بكثير ولكن الترجمات الإنجليزية هى الأكثر إنتشارا فى العالم كله وعلى رأسها ترجمة الملك جيمس التى نشرت سنة 1611. ونظرا لقدم هذه الترجمة، ترجمة الملك جيمس، فقد قام العلماء بتنقيحها أكثر من مرة كما ترجموا ترجمات إنجليزية أخرى كثيرة، وعلى سبيل المثال فهناك إلى جانب ترجمة الملك جيمس، الترجمات المعتمدة والمنقحة والتفسيرية والإنجليزية الحديثة والأمريكية وترجمة أورشليم وغيرها، وذلك إلى جانب وجود ترجمات لمخطوطات معينة كترجمة النص العبرى الماسورى وترجمة التوراة اليونانية السبعينية … الخ.
وقد استخدمت هذه الترجمات مفردات لغوية كثيرة ومتنوعة وذلك راجع لاستيعاب اللغة الإنجليزية لمفردات لغات كثيرة مثل الدينز والانجلو ساكسون واليونانية واللاتينية والنورمانية “الفرنسية” وغيرها. كما أن اللغة الإنجليزية لغة متطورة بشكل مستمر وغير متوقفة مما جعل العلماء يقومون بعمل ترجمات جديدة تتناسب مع التطور اللغوى، المترجم إليه. ونتيجة لذلك تنوعت المفردات اللغوية داخل اللغة الواحدة لكلمات وآيات العهد القديم. وهذا التنوع فى المفردات لا أثر له على النص الأصلى الذى هو الأصل والمصدر الذى يعود إليه المترجمون فى كل ترجمة.
هذا التنوع فى المفردات اللغوية داخل اللغة الواحدة، المترجم إليها العهد القديم، جعل أحد الأفراد يقوم بعمل بعض المناظرات وكتابة بعض الكتيبات حاول فيها إيهام سامعيه وقراءه من المسيحيين وغيرهم أن يوجد تناقض فى آيات وكلمات الكتاب المقدس دون أن يقول، الحق، ويعترف بان هذا الترادف اللغوى، والموجود و المعترف به فى كل ترجمات الكتب الدينية لكل الأديان، لا يؤثر على النص الأصلى المترجم عنه، ولا يعنى اختلافات فى الآيات والنصوص الإلهية، وأن تعدد الترجمات لا يعنى تعدد فى الأصول الكتابية. ولا يسعنا هنا إلا أن نقول مع سليمان الحكيم “أما الأغبياء فيموتون من نقص الفهم” (أم21:10).
النقد النصي وصحة أسفار العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
النقد النصي وصحة أسفار العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
النقد النصي وصحة أسفار العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
عن كتاب: التوراة كيف كتبت وكيف وصلت إلينا؟ للقمص عبد المسيح بسيط
من أهم مصادر البحث في صحة نصوص وآيات أسفار العهد القديم والتأكد من مصداقيتها ووصولها إلينا صحيحة كما كتبها كتاب الوحى الأصليون، هو دراسة المخطوطات العبرية المنقولة عن النص العبرى الأصلى والمخطوطات العديدة التي نسخت عنها في مناطق جغرافية مختلفة، ودراسة المخطوطات المنقولة عن الترجمات القديمة والاقتباسات التي أقتبسها الآباء الأولين سواء في اليهودية أو المسيحية، خاصة وأن العهد الجديد يستشهد بالعهد القديم أكثر من 250 مرة، وذلك إلى جانب دور علو اللغة (الفيلولوجى) المقارن للغات السامية المختلفة. وندرس في هذا الفصل المخطوطات العبرية وصحة العهد القديم.
أولاً : المخطوطات العبرية :
يوجد في متاحف العالم عشرات الألوف من المخطوطات والجزيئات لأسفار العهد القديم والتى يوجد منها في كامبردج (100.000) كما يوجد الكثير جدا في مكتبة لينينجراد بروسيا، وذلك إلى جانب المتحف البريطانى الذي يضم 161 مخطوطة، والكتبة البودليانية التي تضم 146 مخطوطة كل منها يحتوى على عدد كبير من الجزيئيات. ويوجد في الولايات المتحدة وحدها عشرات الألوف من المخطوطات والجزيئيات السامية والتى تشكل النصوص الكتابية 5% منها (أكثر من 500 مخطوطة).
وقد نشرت جامعة أكسفورد (عام 1776-1780م) أول مجموعة من هذه المخطوطات وتحتوى 615 مخطوطة، ثم نشر جيوفانى دى روسى (عام 1784-1788م) 731 مخطوطة. وتم اكتشاف 200.000 مخطوطة وجزيئية في جنيزة القاهرة بمعبد بن عزرا بمصر القديمة (عام 1890م) منهم حوالى 10.000 لنصوص كتابية.
وأهم هذه المخطوطات هى :
1- لفائف البحر الميت :
بدأ اكتشاف هذه اللفائف سنة 1947م في خرائب خربة قمران القديمة على الشواطئ الشمالية الغربية للحر الميت. وتعتبر هذه اللفائف، برغم حداثة اكتشافها، من أثمن اكتشافات القرن العشرين لأنها ترجع إلى القرون الثلاثة الأولى قبل الميلاد والقرن الأول الميلادى ( من 250 ق.م. الى 100م) وتزيد في متوسطها عن أقدم مخطوطة كانت بين أيدينا بحوالى 1350سنة، وتزيد أقدمها عن أقدم مخطوطة كانت بين أيدينا بحوالى 1350 سنة.
وهى بذلك تعتبر قريبة جداً من نسخ العهد القديم التي كانت بين أيدى آخر أنبياء بنى إسرائيل، حجى وزكريا وملاخى، وأيدى رجال المجمع العظيم وعلى رأسه عزرا الكاهن والكاتب، ونحميا الذي انشأ مكتبة كاملة من أسفار العهد القديم بحوالى 200سنة، وقبل السيد المسيح بثلاثة قرون. وتشمل هذه اللفائف كل أسفار العهد القديم عدا سفر أستير. وذلك الى جانب الكتب الدينية الأخرى التي لطائفة الأسينيين اليهودية.
وترجع أقدم اللفائف وهى لأسفار اللاويين والخروج وصموئيل إلى ما قبل سنة 250م ق.م، إذ يرى العلماء لفة الخروج ) من كهف 4) ترجع لسنة 250م ويرى بعضهم أن لفة لسفر صموئيل ترجع لحوالى 280ق.م، ويرى أحد العلماء أن هناك لفة لسفر اللاويين ترجع لسنة 400ق.م.
وقد كتبت هذه اللفائف في معظمها بالخط الآرامي، المربع، وهناك 10 لفائف تضم أسفار موسى الخمسة وأيوب كتبت بالخط العبرى القديم. وكتب الاسم الإلهي “يهوه” أحيانا بهذا الخط القديم في بعض اللفائف الأخرى، وحالما جاء عام 1965م كان قد وجد الأعداد التالية من كهوف قمران الأحد عشر:
15 مخطوطة لسفر التكوين و5 للخروج و8 للاويين و6 للعدد و 25 للتثنية و2 ليشوع و3 للقضاة و4 لراعوث و 4 لصموئيل (الأول والثانى) و4 للملوك (الأول والثانى) وواحد لأخبار الأيام (الأول والثانى) وواحد لسفر عزرا – تحميا و4 لأيوب و27 للمزامير و 2 للأمثال و 2 للجامعة و4 لنشيد الإنشاد و18 لأشعياء و 4 لأرميا و4 للمرائى و6 لحزقيال و8 لدانيال و 8 للأنبياء الصغار.
وأشهر هذه الأسفار هى تكوين والخروج والتثنية وأشعياء والمزامير ومن أحسن وأهم هذه المخطوطات لفتين لأشعياء وأجزاء كاملة من سفر صموئيل ولفة للمزامير وتفسير لسفر حبقوق.
2- برديات ناش:
وترجع للقرن الثانى الميلادى، حصل عليها ناش في مصر سنة 1902، وكانت تعتبر أقدم مخطوطة قبل اكتشاف لفائف البحر الميت. وتحتوى على نص ليتورجى للوصايا العشر وجانب من الشما (من خر 2:20،3، تث 6:5، 7، 4:6،5). والشما ومعناها “أسمع” هى الكلمة الأولى من تث 4:6 وهى تعتبر “رقيب إيمان إسرائيل”، إعلان وحدانية الله وتفرده كما جاء في تث 4:6 “اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد” أى أنها اعتراف أو قانون إيمان. وقد كانت تمارس الشما يوميا في الصلاة بشكل صارم حوالى سنة 200م.
3- مخطوطات جنيزة القاهرة :
وجدت بمجمع بن عزرا بمصر القديمة سنة 1890م (وهو مبنى على أطلال كنيسة اشتروها من الأقباط سنة 882م)، وتتكون من 200.000 جزيئية ومخطوطة، منها حوالى 10.000 لنصوص كتابية وترجع إلى القرن السادس والقرن التاسع.
4- المخطوطات الماسورية :
توجد كميات كبيرة من المخطوطات الماسورية التي نسخها علماء الماسورا (التقليد)، الماسوريين، في الفترة من 500 إلى 950 م وأهم مخطوطاتها :
أ- مخطوطة القاهرة : وهى على كتاب بصفحات نسخها موسى أبن أشير في طبرية بفلسطين سنة 895م وتحتوى على أسفار يشوع، وقضاة وصموئيل 1،2، وملوك 1،2 وأشعياء وأرمياء وحزقيال والاثنى عشر. وموجودة لدى جماعة الكارايت بالقاهرة.
ب- مخطوطة المتحف البريطانى : (شرقيات 4445) وهى نص كامل لأسفار موسى الخمسة (تك 20:39 إلى تث33:1) وترجع إلى سنة 820-850م.
جـ- مخطوطة اليبو : وتحتوى على العهد القديم كاملاً وتؤرخ بسنة 900-925م وهى الآن بالقدس (أورشليم).
د- مخطوطة لينينجراد (ب3) : وتحتوى على أسفار أشعياء وأرمياء وحزقيال والاثنى عشر وترجع لسنة 916م.
ز- مخطوطة لينينجراد (ب19) : وتحتوى على العهد القديم كاملا وقد نسخت سنة 1008-1009م على يد صموئيل بن ياكوب بالقاهرة من مخطوطة كتبها هرون بن موسى بن أشير سنة 1000م.
ثانياً : المخطوطات غير العبرية :
هناك العديد من المخطوطات للترجمات القديمة التي ترجمت للعهد القديم وأهمها الفاتيكانية التي ترجع للقرن الرابع الميلادى والإسكندرية التي ترجع للقرن الخامس، وهما للترجمة السبعينية اليونانية، وقد وجد ضمن لفائف قمران في كهف 4 مخطوطات للترجمة السبعينية أيضا تحتوى على أسفار الخروج واللاويين والعدد وترجع لسنة 100ق.م. أي بعد الترجمة بحوالى 150 سنة واكتشفت أيضا مخطوطة يونانية للأنبياء الصغار في منطقة وادى خبرا.
وهناك مخطوطة للبشيتا السريانية مؤرخة بسنة 464م بالمتحف البريطانى، ومخطوطة للسريو هيكسابلا ترجع للقرن الثامن. وهناك مخطوطة على ورق البردى للترجمة القبطية باللهجة الصعيدية ترجع إلى سنة 300م بالمتحف البريطانى، وهناك جزيئيات ترجع للقرن الرابع والخامس باللغة القبطية باللهجتين الأخميمية والفيومية، إلى جانب مخطوطة باللغة العربية ترجع للقرن الثامن. وتمتلئ مكتبة الفاتيكان بالمخطوطات القديمة للترجمة اللاتينية خاصة الفولجاتا.
ثالثاً : التوراة السامرية :
لم تكن التوراة السامرية إلى وقت قريب معروفة إلا من خلال كتابات الآباء مثل يوسابيوس وجيروم ولكن أعيد اكتشاف نصها في دمشق سنة 1616م وتوجد منها كميات كبيرة في مكتبة لينينجراد العامة بروسيا، وجامعة كامبردج. ولكن أهم هذه المخطوطات هو درج الابيش الموجود مع جماعة السامريين بنابلس والذى ترجمه إلى العربية الكاهن السامرى أبو الحسن اسحق الصورى.
رابعاً : طبيعة مخطوطات العهد القديم :
انتقلت أسفار العهد القديم من جيل إلى جيل عن طريق النسخ اليدوى بدقة متناهية، وكان الكهنة واللاويون والأنبياء والملوك والكتبة واتباع الفرق الدينية المختلفة، كالاسينيون الذين وجدت لفائفهم في كهوف قمران، ينقلون نسخهم الخاصة من النسخة الرسمية المعتمدة التي كانت تحفظ عادة إلى جوار تابوت عهد الرب وفي الهيكل.
1- الكتبة وتاريخ نسخ ونقل العهد القديم :
كان الكتبة موظفين رسميين يعينهم الملك في البلاط والجيش والهيكل(1). وكان الكتبة المتخصصين في نسخ أسفار العهد القديم، وخاصة أسفار موسى الخمسة، هم عادة من الكهنة واللاويين التي كانت وظيفتهم منذ موسى النبى هى تعليم الشعب الأحكام والوصايا، الناموس(2).وكان تلاميذ الأنبياء أيضا يكتبون ما يمليه عليهم الأنبياء، فقد كان باروخ تلميذ أرمياء النبى يكتب كلمة الله التي كان يمليها عليه أرمياء ويقرئها للشعب بتكليف منه(3)،
وكان عزرا الكاهن “كاتب ماهر في شريعة موسى(4)” وقد قام مع نحميا والشيوخ بعد السبى بقراءة التوراة أمام الشعب وترجمتها شفويا إلى الآرامية(5) وذلك إلى جانب تعليم الشعب للناموس والوصايا. وقد ازداد دورهم بعد السبى كمعلمين ومفسرين لكلمة الله. وقد دعاهم العهد الجديد “بالناموسيين(6)” و”معلمى الناموس(7)”.
وكانوا هم علماء اليهودية والحراس على نصوص وآيات العهد القديم وحفظها. وكانوا يقضون وقتا كبيرا في نسخ ونقل أسفار العهد القديم. فقد كانوا كتبة بالمعنى الحرفي. وكانوا قضاة للناموس.
وكان يليهم أزواج من العلماء النصيين (زوجوس) في القرنين الأول والثانى قبل الميلاد، ثم “التنائيم” أى المكررين أو المعلمين الذين قد عملهم إلى سنة 200م، وقد دون عملهم في التلمود “التعليم” والذى انقسم بعد ذلك إلى المشنا “التكرارات” والجيمارا “المسألة التي تعلم”. وقد دون في التلمود بالتدريج من سنة 100 إلى 500م.
2- الماسوريون ودورهم في الحفاظ على نصوص وآيات العهد القديم :
وأستمر الكتبة من السبى إلى سنة 500م في الحفاظ على نص العهد القديم ونطقه الصحيح شفويا حتى قام جماعة منهم دعوا بالماسوريين أى التقليديين أى حملة التقليد “ماسورا” الذي تسلموه من أسلافهم وعملوا في الفترة من سنة 500 إلى 950م على وضع العلامات المتحركة وحركات النطق والتى أثبتت كشوف قمران أنها استمرار لما تم في القرون السابقة للميلاد، كما أضافوا ملحوظات في الهوامش. وكان لهم مركزين في فلسطين وبابل كان كل منهم مستقل عن الآخر بدرجة كبيرة(8).
وقد أثبتت لفائف قمران دقة هؤلاء الكتبة والماسوريين المذهلة، فعلى الرغم من الفترة الزمنية الواسعة التي تصل إلى 1000 سنة فقد ثبت للعلماء مدى أمانة ودقة هؤلاء الكتبة المتناهية في نسخ ونقل آيات العهد القديم من جيل إلى جيل.
3- عملية نسخ ونقل العهد القديم عبر الأجيال :
تقول المشنا، أبوت 1:1 “استلم موسى التوراة في سيناء وسلمها ليشوع، ويشوع سلمها للشيوخ، والشيوخ سلموها لرجال المجمع العظيم وقالوا ثلاثة أشياء : كن مترويا في القضاء، أقم تلاميذ كثيرين، واعمل سورا حول التوراة”.
وضع الكتبة الماسوريون على مر الأجيال قواعد صارمة لضمان نقل آيات العهد القديم من مخطوطة إلى أخرى بدقة شديدة حتى لا يقعوا في أي خطأ. ويقول السير فردريك كنيون في كتابه “كتابنا المقدس والمخطوطات القديمة” وف.ف. بروس في كتابه “الكتب والرقوق”، أنهم أحصوا عدد الآيات والكلمات والحروف في كل سفر، كما حددوا الكلمات الوسط والحروف الوسطى في كل سفر، وحددوا الحرف الأوسط في أسفار موسى الخمسة والحرف الأوسط في العهد القديم كله، وعرفوا الآيات التي تحتوى كلماتها على كل حروف الأبجدية.
وهذه أهم القواعد والخطوات التي اتبعوها كما يذكر التلمود وكما نقلها قاموس الكتاب المقدس لصموئيل دافيدسون :
الدرج المستعمل في الكتابة في المجمع يجب أن يكون مكتوباً على جلد حيوان طاهر.
يجب أن يجهزه يهودى لاستعماله في المجمع.
تجمع الرقوق معا بسيور مأخوذة من حيوان طاهر.
يجب أن يحتوى كل رق على عدد ثابت من الأعمدة في كل المخطوطات.
يجب أن يتراوح طول كل عمود ما بين 48-60 سطرا، وعرض العمود يحتوى على ثلاثين حرفا.
يجب أن تكون الكتابة على السطر، ولو كتبت ثلاثة كلمات على غير السطر ترفض المخطوطة كلها.
يجب أن يكون حبر الكتابة أسود، لا أحمر ولا أخضر ولا أى لون آخر، ويتم تجهيزه طبق وصفة ثابتة.
يتم النقل بكل دقة من مخطوطة صحيحة تماما.
لا يجب كتابة كلمة أو حرف أو نقطة من الذاكرة، يجب أن ينقل الكاتب كل شئ من المخطوطة النموذجية.
يجب ترك مسافة شعرة أو خيط بين كل حرفين.
يجب ترك مسافة تسعة حروف بين كل فقرتين.
يجب ترك مسافة ثلاثة سطور بين كل سفرين.
يجب إنهاء سفر موسى الخامس بانتهاء سطر. ولا داعى لمراعاة ذلك مع بقية الأسفار.
يجب أن يلبس الناسخ ملابس كهنوتية كاملة.
ويجب أن يغسل جسده كله.
لا يبدأ كتابة اسم الجلالة بقلم مغموس في الحبر حديثا.
لو أن ملكا خاطب الكاتب وهو يكتب اسم الجلالة فلا يجب أن يعيره أى التفات.
وكل مخطوطة لا تتبع فيها هذه التعليمات تدفن في الأرض أو تحرق أو ترسل للمدارس لتقرأ فيها ككتب مطالعة، ولا تستعمل في المجامع ككتب مقدسة.
وقد أثبتت لفائف قمران اتباع مثل هذه القواعد والتعليمات منذ القديم. وقد بينت مقارنة بين لفة لسفر أشعياء (أش أ) ترجع لسنة 125ق.م. وأخرى للماسوريين ترجع لسنة 916، وبفارق زمنى قدره أكثر من 1000 سنة، الدقة المتناهية، بل والمذهلة في نقل نصوص وآيات العهد القديم عبر الأجيال. فقد وجد في 166 كلمة من ص 53 تساؤل حول 17 حرفا، عشرة حروف منها في الهجاء وأربعة في طريقة الكتابة، دون تأثير على المعنى، وثلاثة حروف في كلمة “نور” الموجودة في آية 11 والتى وجدت في الترجمة السبعينية. وقد وجدت لفة أخرى مع اللفة الأولى لسفر أشعياء (أش ب) تتفق بصورة أدق وأروع مع المخطوطة الماسورية.
كما أثبتت عملية نقل أسماء الملوك الأجانب إلى اللغة العبرية، كما يذكر روبرت ويلسون في كتابه “بحث علمى على العهد القديم”، من اللغات المصرية والآشورية والبابلية والموآبية في 144 حالة، وكذلك نقل الأسماء العبرية في 40 حالة إلى هذه اللغات، أى 184 حالة، عبر فترة زمنية تتراوح من 2300 إلى 3900 سنة، أنه لم يحدث خطأ واحد في نقل الأسماء بكل دقة. كما ظهر في العهد القديم أسماء حوالى 40 ملكا في الفترة من 400 إلى 200 ق.م.
جاءت كلها في تسلسل تاريخى مضبوط تماما سواء بالنسبة لملوك الدولة الواحدة، أو بالنسبة للملوك المعاصرين في الدول الأخرى، مما يبين الدقة المتناهية والحرص الشديد في نقل العهد القديم عبر آلاف السنين.
4- أسفار العهد القديم والنقد النص الحديث :
وعلى الرغم من الدقة المتناهية في نقل آيات ونصوص العهد القديم، خاصة النص الرسمى، الذي كان يحفظ في الهيكل، الذي نقل بعناية عظيمة ودقة متناهية فقد وجدت قراءات متنوعة بها تساؤل حول بعض حروف الهجاء، كما بينا في مقارنة سفر أشعياء. وقد نتجت هذه القراءات المتنوعة بسبب عملية الإملاء، التي كانت تحدث أحيانا عند النسخ من مخطوطة لأخرى، بسبب تماثل بعض الكلمات في النطق مع اختلاف المعنى مثل كلمتى to / tow في الإنجليزية وكلمة “حمام وحمام” في اللغة العربية، وسوء قراءة بعض الحروف المتماثلة في الشكل أو سوء قراءة الحروف المتحركة للساكنة، أو دمج كلمتين منفصلتين إلى كلمتين منفصلتين إلى كلمة واحدة أو العكس، أو عدم تكرار كلمة أو مقطع أو حرف أو العكس، أو تغيير مكان الحرف أو الكلمة.
وقد أمكن العلماء من تحديد القراءات الأصلية بوضع قواعد استنبطوها من دراستهم الشديدة للمخطوطات وخبرتهم الطويلة في ممارسة النقد النصي، وهى :
تفضيل القراءة الموجودة في المخطوطة الأقدم لأنها أقرب إلى الأصل.
تفضيل القراءة الصعبة عن القراءة السهلة لضمان دقتها وعدم محاولة تبسيطها.
تفضيل القراءة التي توضح القراءات الأخرى التي بها شئ من التنوع في حروف الهجاء.
القراءة التي تؤيدها مخطوطات وترجمات من مناطق جغرافية مختلفة، هى الأفضل، لعدم وجود احتمال تأثير هذه المخطوطات من بعضها البعض.
تفضيل القراءة التي تماثل أسلوب كاتب النص الأصلى المعتاد بدرجة كبيرة.
تفضيل القراءة التي لا تتأثر بالعقائد الطائفية.
وهكذا يتضح لنا أن العهد القديم الذي بين أيدينا اليوم، هو هو، كما كتبه كتاب الوحى الأصليون بدون زيادة أو نقص أو إضافة. وصدق قول الوحى الإلهى القائل :
“لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكى تحفظوا وصايا الرب إلهكم الذي أنا أوصيكم به” (تث 2:4).
“كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه. لا تزد عليه ولا تنقص منه” (تث 32:12).
“كل كلمة من الله نقية … لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذب” (أم 6:30).
(8) وكان أشهر هؤلاء العلماء الذين عاشوا في طبرية موسى بن أشير وأبنه هرون، وبن نفتالى في القرنين 9،10م. ويعتبر نص بن أشير هو النص المقياس للنص العبرى اليوم وتمثله بصورة جيدة مخطوطة لينينجراد (ب19) ومخطوطة اليبو.
النقد النصي وصحة أسفار العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
تشتت بنو إسرائيل مرات متعددة فى تاريخهم ووجدت أعداد كبيرة منهم فى مصر وبابل وغيرها وتكلموا بلغات هذه البلاد التى عاشوا فيها فدعت الضرورة إلى إيجاد ترجمات لأسفار العهد القديم بلغات متعددة لكى يستطيعوا قراءتها وفهم إعلان الله، ولما انتشرت المسيحية زادت الحاجة أكثر إلى هذه الترجمات بل وإلى ترجمات أكثر.
1- الترجمات اليونانية:
1- الترجمة السبعينية للعهد القديم:
وهى أقدم ترجمة للعهد القديم من العبرية إلى اليونانية وقد عرفت بالسبعينية لاشتراك 70 عالماً يهودياً فى ترجمتها، وقد بدأ العمل فى ترجمتها أيام الملك بطليموس فلادليفوس ملك مصر (285-246ق.م.) وقد أمر الملك بترجمة أسفار العهد القديم بناء على نصيحة ارستيان أمين مكتبة الإسكندرية وفوض لجنة من العلماء اليهود للقيام بهذه المهمة فترجموا أسفار موسى الخمسة أولاً ثم ترجموا بقية أسفار العهد القديم الأخرى تدريجياً.
وبعد انتشار المسيحية استخدم المسيحيون الناطقون باليونانية هذه الترجمة بشكل واسع، واقتبس آباء الكنيسة منها واستشهدوا بنصوصاً ومازالت، هذه الترجمة، باقية فى مخطوطات قديمة عديدة أهمها المخطوطة الفاتيكانية والتى ترجع إلى القرن الرابع الميلادى والمخطوطة الإسكندرية والتى ترجع إلى القرن الخامس الميلادى. ثم ظهر فى القرن الثانى ترجمات يونانية أخرى ولكنها كانت أصغر وأقل.
ولكن انتشار الترجمة السبعينية بين المسيحيين واستشهادهم بها جعل اليهود يطلبون ترجمات أخرى للنصوص العبرية، فجاءت إلى الوجود عدة ترجمات أخرى.
2- ترجمة أكويلا للعهد القديم:
ترجم أكويلا البنطى الذى كان مهتديا حديثا إلى المسيحية ترجمته هذه (حوالى 150م) وحاول أن يترجم الكلمات العبرية إلى اليونانية كلمة كلمة بدون أى اعتبار لقواعد اللغة اليونانية أو بناء الجملة، فجاءت ترجمته حرفية للغاية ومن ثم وقعت فى أخطاء عديدة نتيجة لهذه الحرفية غير المقبولة لغوياً. ومع ذلك فقد قبلها يهود الشتات.
3- ترجمة ثيودوشن للعهد القديم:
وترجم ثيودوشن الأفسسى (161-180م) المتحول إلى اليهودية الأسفار العبرية مستخدماً يونانية أكثر اصطلاحية ويبدو أنه بنى ترجمته على ترجمة أخرى ترجمت فى القرن الأول.
4- ترجمة سيماخوس للعهد القديم:
وترجم سيماخوس، وهو يهودى مسيحى، ترجمته هذه فى القرن الثانى الميلادى أيضا وكانت أكثر اصطلاحية من ترجمة أكويلا البنطى. وجمع العلامة أوريجانوس هذه الترجمات الأربع مع النص العبرى بحروف عبرية والنص العبرى فى حروف يونانية فى ستة أعمدة متجاورة فى كتاب واحد دعاه الهيكسابلا أى السداسى، فكان عمله هذا أول دراسة نقدية لنص العهد القديم. ثم ظهرت ترجمات أخرى منقحة من القرنين الثالث والرابع مثل ترجم لوسيان وترجمة هسيخوس.
2- الترجمة الآرامية للعهد القديم:
كانت المجامع اليهودية تمارس ترجمة شفوية من العبرية إلى الآرامية منذ القرن الرابع قبل الميلاد، وترجع هذه الترجمات الشفوية إلى زمن عزرا ونحميا اللذين لما عادوا إلى أورشليم بعد السبى وجدا الشعب يتكلم لغة مهجنة لذا اضطروا إلى قراءة الأسفار بلغتها العبرية ثم ترجموها شفوياً إلى الآرامية التى يتكلم بها الشعب. وازدادت الحاجة إلى هذه الترجمة الشفوية مع الوقت حتى اتخذت الصفة الرسمية فى المجامع.
وكان المترجم يدعى “ميترجمان” وكانت ترجمته تدعى “ترجوم” أى ترجم. وقد ظلت هذه الترجمة تتم شفوية حتى دونت فى القرن الخامس الميلادى تقريباً. ودعى الكتاب المدون فيه هذه الترجمة “ترجوم”. وأهم هذه الترجمات هو ترجوم انكيلوس للأسفار الخمسة الأولى أو التوراة وترجوم يوناثان بن أوزيل للأنبياء، ويعتقد أنها كتبا فى القرن الخامس الميلادى. وأصبحا كلاهما كتابين رسميين فى اليهودية. ويميل الأول إلى الترجمة الحرفية المحافظة على القديم ويميل الثانى إلى التفسير. وهناك ترجومات عديدة ظهرت عبد ذلك.
3- الترجمة السريانية للعهد القديم:
وجدت عدة ترجمات فى العصور الأولى للمسيحية بالسريانية، اللهجة الشرقية للآرامية، وأهم هذه الترجمات هى البشيتا أى “البسيطة” أو العامة، والتى يرجع تاريخها إلى القرن الأول الميلادى. وتتميز هذه الترجمة بالحرفية المتزنة فى أسفار مثل التوراة – أسفار موسى الخمسة – وسفر أيوب، كما تمتاز بالشرح المنساب الحر فى أسفار راعوث وأخبار الأيام.
وهناك تنقيحان للنص بين مخطوطات البشيتا أحدهما حرفى أكثر والأخر تفسيرى أكثر مع تأثير للترجوم الفلسطينى، وتتأثر أجزاء كثيرة من هذه الترجمة بالترجمة السبعينية. وتوجد لهذه الترجمة مخطوطات عديدة أهمها مخطوطة المتحف البريطانى والتى تؤرخ بسنة 464م وهى أقدم مخطوطة كتابية مؤرخة.
وهناك ترجمات أخرى إلى السريانية مثل ترجمة الفيلوكسينيان والسيريانية الفلسطينية وترجمة جاكوب الاديسى والسريو هكسابلا التى بنيت على نص العمود الخامس من هيكسابلا أوريجانوس والتى ترجمها بولس أسقف تيلا (615-617م) والموجودة فى مخطوطة ترجع إلى القرن الثامن الميلادى.
4- الترجمة اللاتينية للعهد القديم:
بدأت هذه الترجمة أولاً فى شمال أفريقيا وكان أول شاهدان على وجود ترجمات لاتينية هما القديسان ترتليان وكبريان من القرن الثانى الميلادى. وكان هناك عدداً من الترجمات ولكنها لم تكن ثابتة فتشعبت قراءتها مما دعى داماسوس أسقف روما (383م) إلى تفويض سكرتيره القديس جيروم لإعداد ترجمة لاتينية يعتمد عليها.
وبدأ القديس جيروم ترجمة العهد القديم بترجمة سفر المزامير، ثم أدرك أنه لكى يترجم العهد القديم بدقة يجب علية أن يترجم من اللغة العبرية مباشرة وانتهى من ترجمة العهد القديم كله سنة 405م ودعيت هذه الترجمة بالفولجاتا Volgate أو العامة. واكتسبت هذه لترجمة دوراً بارزاً واحترام الكنيسة اللاتينية بالتدريج وعلى مر العصور حتى كانت أول الكتب التى طبعت بعد اختراع الطباعة على يد وليم جوتنبرج (1400ـ1468م).
5ـ الترجمة القبطية للعهد القديم:
تمت هذه الترجمة، باللهجة الصعيدية، فى القرن الثانى الميلادى تحت إشراف القديس بنتينوس الذى تولى رئاسة مدرسة الإسكندرية سنة 181م والذى ادخل الأبجدية القبطية مستخدماً الحروف اليونانية والتى أضاف إليها سبعة حروف من اللهجة الديموطيقية القديمة، أخر تطور للمصرية القديمة بعد الهيروغليفية والهيراطيقية. ويعود أقدم شاهد من هذه الترجمة إلى حوالى سنة 300م وهى مخطوطة على ورق البردى ومحفوظة فى المتحف البريطانى. وهناك أيضاً الترجمة القبطية باللهجة البحيرية والتى يبدو أنها ترجمت بعد الصعيدية، وهناك ترجمات باللهجة الأخميمية واللهجة الفيومية والتى مازال يوجد منها جزئيات تعود إلى القرن الرابع والخامس الميلاديين.
6ـ الترجمة العربية للعهد القديم:
جاءنا أول دليل على وجود ترجمة عربية لأى جزء من العهد القديم فى مدراش سيفير على تث 3:34 والذى يقول أن التوراة جاءت إلى إسرائيل بأربع لغات هى العبرية واليونانية والعربية والسريانية وهذا يعنى أنه كانت هناك ترجمات عربية للعهد القديم من قبل القرن السادس أو السابع الميلاديان ولكن أقدم جزء باق من العهد القديم باللغة العربية يرجع إلى القرن الثامن الميلادى وقد وجد فى مسجد بدمشق. وقد ترجمت أهم ترجمة عربية سنة 942م فى بابل وكانت مقبولة من أقباط مصر. وهناك ترجمات عربية عديدة ترجمت بعد ذلك.
وهناك العديد من الترجمات التى ترجمت بعد القرن الثانى الميلادى وحتى اليوم والتى تمثل معظم اللغات القديمة والحديثة.
عندما انتقل البابا ثاوفيلس إلى العالم الآخر سنة 412 خلفه ابن شقيقته كيرلس على كرسي مار مرقس في نفس السنة . وبدأ كيرلس حياته الأسقفية بجهود رعائية ضخمة كا أهمها شرح إنجيل لوقا في عظات مسائية كل يوم في الاسكندرية . وفي سنة 431 رأس المجمع المسكوني الثالث ال1ي عقد لتأكيد تعليم الكنيسة الجامعة ضد نسطور . وقضى كيرلس حياته مؤلفاً لاهوتياً بارعاً إلى أن تنيح سنة 444 .
مؤلفات القديس كيرلس
اولا – تفاسير الأسفار المقدسة :
وهي سبعة عشر كتاباً تحت عنوان العبادة بالروح والحق .. وثلاثة عشر كتاباً تعرف بالتفاسير الأنيقة GLAPHYRA ، وهي تغطي مختارات من كل أسفار العهد القديم بقى منها الجزء الخاص بالأسفار الخمسة وجميع الأنبياء الصغار مع تفسير أشعياء ثم شذرات من تفاسير المزامير من مزمور 1 إلى مزمور 119 . وفي العهد الجدديد يعد تفسير إنجيل يوحنا للقديس كيرلس الإسكندري أفضل تفسير في مكتبة الآباء على وجه الإطلاق . ثم 156 عظة على إنجيل لوقا احتفظت بها الكنيسة السريانية . ثم شذرات مختصرة لإنجيل متى والرسالة إلى رومية وكورنثوس الثانية والعبرانيين والباقي مفقود .
ثانيا – الكتب اللاهوتية :
كتابان ضد الأريوسية حمل الأول اسم الكنز في وحدة الثالوث القدوس ، والثاني عن وحدة الثالوث القدوس ، وهو عبارة عن سبعة كتب قصد منها تسجيل حوار بين كيرلس وبين أحد الأشخاص لشرح إيمان الكنيسة . وقد كتبت كلها قبل البدعة النسطورية أي ما بين 423-425 .
المقالات ضد نسطور وهي ثلاثة كتب باسم الإيمان الصحيح الأول موجه للإمبراطور ثيؤدوسيوس .
الفصول الاثنى عشر ضد نسطور ، ثم مقالات ثلاث للدفاع عن الفصول الاثني عشر .
المقالات الخمس ضد تجديف نسطور ، وهي أصلاً رد إلى مجموعة من عظات نسطور .
الدفاع الموجه للإمبراطور ثيؤدوسيوس ، وهو دفاع عن مجمع أفسس وشرح لما دار فيه .
مقالة شرح تجسد الإبن الوحيد .
مقالة عن المسيح الواحد .
ضد الذين يجهلون أن العذراء والدة الإله .
مقالة ضد ديودوروس وثيؤدور المصيصي .
كتاب رد على الإمبراطور يوليانوس الجاحد وهو رد على الكتب الثلاثة التي كتبها الإمبراطور بعنوان ” ضد الجليليين ” .
29 رسالة فصيحة كتبت ما بين سنة 414-442 .
90 رسالة عقائدية في غاية الأهمية .
20 عظة على قدر كبير جدا من الأهمية . ولعل أروعها العظة التي ألقيت في كنيسة السيدة العذراء أثناء إنعقاد مجمع أفسس ، وهي العظة الرابعة في هذه المجموعة ومعروفة باسم ” تمجيد العذراء والدة الإله ” .
ثالثًا كتابات القديس كيرلس باللغة القبطية :
نشر Budge عظة واحدة باللغة القبطية الصعيدية عن ” والدة الإله ” . وهناك عظة أخرى نشرها أمليديو عن الإحتمال والتسامح . ونشر العالم الألماني GRUM مجموعة أسئلة وأجوبة للقديس كيرلس مع الشماس أنثيموس ، وهي ذات أهمية بالغة من الناحية العقائدية .
رابعًا كتابات القديس كيرلس باللغة العربية :
وصلتنا الفصول الإثنا عشر ضد نسطور مترجمة عن السريانية ضمن الكتاب المشهور “اعترافات الآباء ” وبعض من رسائل القديس كيرلس مترجمة ايضا عن السريانية في نفس الكتاب ؟ وعظة عن عيد الغطاس في مجموعة ميامر عن الأعياد السيدية مترجمة عن القبطية ، ويبدو انها فعلا من قول كيرلس .
القيمة اللاهوتية لمقال شرح تجسد الإبن الوحيد :
يطرح هذا المقال عدة أسئلة وضعها كيرلس بنفسه وهي كيف نفهم : ” المسيح ” ، ” يسوع”، ” عمانوئيل ” ، ” الكلمة ” . وهو هنا يشرح ألقاب وأسماء وصفات المسيح بطريقة لاهعوتية سهلة .
ومن يراجع الفقرات الخاصة بشرح هذه الألقاب والصفات سوف يكتشف أن فقظ ، “المسيح” ليس اسماً وإنما صفة ليسوع تحدد عمله الخلاصي لأنه يمسح كل الذين يؤمنون به بالروح القدس .
وعن الإتحاد بين اللاهوت والناسوت يؤكد كيرلس دائماً أن الإتحاد سر يفوق العقل البشري ، وأنه من الصعب على اللغة البشرية أن تدرك كنهه ، وكل ما يمكننا أن نقوله في هذا المجال هو أن الإتحاد ليس هو مصاحبة أو إتصال بين اللاهوت والناسوت بل هو اتحاد حقيقي . ويلاحظ القارئ أن كيرلس لم يقل لنا ما هو الإتحاد بل نفى الآراء الخاطئة . وهذا هو التيار الواضح في اللاهوت الشرقي المعروف باسم ” اللاهوت السلبي “(*) ، وهي تسمية ضعيفة في اللغة العربية ذلك أن كلمة سلبي لها وقع مغاير لها تعارف عليه الآباء . فالأسرار الإلهية لا يمكن شرحها أو إدراك كنهها .. وما يمكننا أن نقوله عنها هو أنها ليست كذا وكذا دون أن نقول ما هي .. هذا هو اللاهوت السلبي ، وهو لاهوت يترك للنفس الإنسانية حرية البحث في ضوء الإختبار السري وليس في ضوء المقولات العقلية ، وهو بلا شك الطابع المميز للاهوت الشرقي الأرثوذكسي .
ولكن كيرلس لم يكتف بإعلان صعوبة إدراك حقيقة الاتحاد بين اللاهوت والناسوت ، بل قدم تشابيها وصفها هو بأنها مأخوذة من الكتاب المقدس مثل الجمرة والسوسنة وخيمة الإجتماع . ومن الملاحظ أن التشبيه الأخير هو قلب تذاكية الأحد في الأبسامودية القبطية . ولا يمكننا أن نقطع إذا كان كيرلس استعان بالتذاكية أم هو الذي وضع التذاكية . والمقطع رقم 32 يكاد يكون مأخوذاً بنصه من الأبسامودية السنويؤة من تذاكية يوم الخميس . ومن يترجم هذا المقطع يستطيع أن يفهم إحساس المترجم عندما يشعر انه أمام نص مقتبس عن غيره .
وقيمة كتاب ” تجسد الابن الوحيد ” بلا حدود . فكل عبارات هذه المقالة خصوصا المنطقة باتحاد اللاهوت بالناسوت حتى عبارة القداس القبطي ” وجعله واحداً مع لاهوته . ” هي من قلب لاهوت الاسكندرية وقلب لاهوت كيرلس على وجه الخصوص . وقد أشرنا في الحواشي على قدر الإمكان إلى المصطلحات والتعبيرات الفنية الدقيقة التي أخذتها كتب الكنيسة القبطية عن كيرلس أو التي وضعها كيرلس وخلفاؤه .
ونشر هذه المقالة هو بمثابة اكتشاف للخلفية التاريخية واللاهوتية لإيمان كنيستنا . ولسوف يأتي الوقت الذي يتأكد لفيه للجميع أن القديس ديوسقوروس لم يخرج عن تعاليم أسلافه ، بل تمسك بها في وجه العاصفة على الرغم مما أشيع عنه من افتراءات .
نرجو أن تكون هذه الترجمة بداية نشر كل مؤلفات القديس كيرلس الاسكندري وغيره من الآباء .. ونرجو انيغفر لنا كيرلس تكاسلنا عن دراسته ونشر تعاليمه المقدسة التي أنقذت الأرثوذوكسية وأنارت طريق الكنيسة عبر العصور .
شرح تجسد الإبن الوحيد
1- ما معنى كلمة ” المسيح ” ؟:
ليس للفظ ” المسيح ” قوة تعريف ولا يوضح جوهر شئ ما ، كما أن كلمة ” رجل ” أو “حصان” أو “ثور” أسماء لا توضح شيئا عن جوهر حامليها بل تشير اليهم فقط ، واسم ” المسيح ” يعلن عن شئ سوف نفحصه .
في القديم حسب مسرة الله مسح البعض بالزيت ، وكانت المسحة علامة لهم على المملكة . والأنبياء ايضا مسحوا روحيا بالروح القدس ولذلك دعوا ” مسحاء “ ، لأن داود النبي المبارك ينشد معبرا عن الله نفسه فيقول : ولا تمسوا مسحائي ولا تؤذوا أنبيائي ” (مزمور 105 : 15) وحبقوق النبي يقول ايضا : خرجت لخلاص شعبك لخلاص مسحائك ( 3 : 15) . لكن بالنسبة للمسيح مخلص الكل ، فقد مسح ، ليس بصورة رمزية مثل الذين مسحوا بالزيت ، ولم يمسح لكي ينال نعمة وظيفة النبي ، ولا مسح مثل الذين اختارهم الله لتنفيذ تدبيره ، أي مثل قورش الذي ملك على الفارسيين والماديين وقاد جيشا ليستولي على أرض البابليين حسبما حركة الله ضابط الكل ولذلك قيل عنه : هكذا يقول الرب لقورش مسيحي الذي انا أمسك بيده اليمنى ” ( أشعياء 45 : 1) . ولا يجب أن ننسى أن الرجل (قورش) كان وثنياً ، إلا انه دعى ” مسيحاً” كما لو كان الأمر السمائي قد مسحه ملكاً ، لأنه بسبق معرفة الله قد نال قوة لقهر بلاد البابليين .
إن ما نريد أن نقوله بخصوص معنى كلمة “المسيح “هو ما سيأتي :بسبب تعدي آدم “ملكت الخطية على الكل “(رومية 5 : 14). وفارق الروح القدس الطبيعة البشرية التي صارت مريضة في كل البشر .ولكي تعود الطبيعة البشرية من جديد إلى حالتها الأولى احتاجت إلى رحمة الله، لكي تحسب بموجب رحمة الله مستحقة الروح القدس .لذلك صار الابن الوحيد كلمة الله انساناً، وظهر للذين على الارض بجسد من الارض ولكنه خالي من الخطية ، حتى فيه وحده تتوج الطبيعة البشرية بمجد عدم الخطية، وتغتني بالروح القدس، وتتجدد بالعودة إلى الله بالقداسة .لانه هكذا تصل الينا النعمة التي بدايتها المسيح البكر بيننا .ولهذا السبب يعلمنا داود النبي المبارك أن نرتل للابن :”أنت احببت البر وابغت الاثم لذلك مسحك الله الهك بزيت البهجة “(مزمور 45 : 7). فكأن الابن قد مسح كإنسان بمديح عدم الجطية .وكما قلت أن الطبيعة البشرية قد مجدت فيه وصارت فيه مستحقة للحصول على الروح القدس الذي لن يفارقها كما حدث في البدء بل صارت مسرته (الروح القدس) أن يسكن فينا. لذلك ايضاًكتب أن الروح القدس حل بسرعة([1]) على المسيح واستقر عليه (يوحنا 1 : 32). فالمسيح هو كلمة الله الذي لأجلنا صار مثلنا، وفي صورة العبد، ومسح كإنسان حسب الجسد، ولكنه كإله يمسح بروحه الذين يؤمنون به.
2- كيف يجب أن نفهم “عمانوئيل”؟:
الله الكلمة دعى عمانوئيل لأنه “امسك ([2]) بنسل ابراهيم “(عبرانيين 2 : 16) ، ومثلنا “شاركنا في اللحم والدم “(عبرانيين 2 : 14) وعمانوئيل تعني “الله معنا”([3]).ونحن نعترف بان الكلمة الله هو معنا، دون أن يكون محصوراًفي مكان ما. لأنه أي مكان لايوجد فيه الله الذي يملأكل الأشياء؟! وهو ليس معنا كما لوكان قد جاء لمساعدتنا كما قيل ليشوع “كما كنت مع موسى سوف اكون معك انت ايضاً”(يشوع 1 : 5). ولكنه معنا لأنه صار مثلنا أي أخذ طبيعة بشرية دون أن يفقد طبيعته (الالهية )لأن كلمة الله غير متغير بطبيعته .
ولماذا لم يدعى الله “عمانوئيل “رغم انه قيل ليشوع “كما كنت مع موسى سأكون معك “ولم يدع الله عمانوئيل رغم انه كان مع كل القديسين؟ والسبب هو أن كلمة الله أصبح معنا في الوقت الذي تحدث عنه باروخ هو أظهر ذاته على الارض .وتحدث مع الناس، وأسس كل طرق التعليم، وأعطاه ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه، لأنه هو إلهنا وليس آخر سواه”(باروخ 3 : 35-37).وكما قيل بطبيعته الالهية لم يكن “معنا” بالمعنى الذي تحدث عنه باروخ لأن الفرق بين اللاهوت ([4]) والناسوت لاتسمح بالمقارنة بينهما فما أعظم الفرق بين الطبيعتين .ولذلك يتكلم داود الالهي عن العلاقة السرية التي كانت قبل التجسد، بين الله الكلمة، وبيننا، ويقول بالروح:”لماذا تركتنا يارب لماذا تحتقرنا في أزمنة الضيق “(مزمور 10 : 1). أما الآن فهو لايتركنا، بل هو عمنا عندما صار مثلنا دون أن يفقد ما له لأنه أمسك بنسل إبراهيم كما قلت، بل اخذ صورة العبد ورآه البشر كإنسان يمشي على الارض.
أن عمانوئيل و”المسيح” يخصان الابن الواحد نفسه، فهو المسيح لأنه مسح مثلنا كبشر، واخذ الروح للبشرية لأنه الأول وبداية الجنس البشري الجديد. وبالمثل، هو نفسه كإله يمسح بالروح القدس كل الذين يؤمون به .وهو عمانوئيل لأنه صار معنا على النحو الذي شرحته، والذي يخبرنا به أشعياء :هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعى اسمه عمانوئيل “(7 : 14). لأن العذراء القديسة حبلت بالروح القدس وولدت حسب الجسد ابناً، عند ذلك فقط دعى المولود عمانوئيل .لأن غير التجسد أصبح “معنا”عندما ولد. وقد حدث هذا طبقاً لما ذكره داود :”سيظهر الله الهنا ولن يسكت”(مزمور 50 : 2،3) و ايضاً ما أؤمن أن اشعياء أشار إليه :”أنا هو الذي يتكلم، هأنذا آتي “(53 : 6). لأن الكلمة قبل أن يتجسد تحدث من خلال الأنبياء، ولكنه صار معنا متجسداً.
3- من هو يسوع؟:
أن تتابع تأملنا يلزمنا أن نتحدث عن الواحد ابن الله، فالمسيح وعمانوئيل ويسوع شخص واحد .والاسم “يسوع “جاء من الحقيقة :”انه سيخلص شعبه من خطاياهم “(متى 1 : 21). لأنه كما أن الاسم عمانوئيل يعني أن كلمة الله بسبب ميلاده من امرأة صار معنا والمسيح دعى كذلك لأنه مسح مثلنا كبشر، هكذا أيضاً يسوع “لأنه خلصنا نحن شعبه “، وهذا الاسم يوضح انه الله الحقيقة، ورب الكل بالطبيعة .لأنه لايليق أن تكون الخليقة ملك لإنسان، بل من اللائق أن نقول أن كل الاشياء للابن الوحيد حتى وهو في الجسد.
وربما اعترض البعض وقال أن شعب إسرائيل دعي شعب موسى، على هذا نجيب أن شعب إسرائيل دعى شعب الله ةهذا حقيقي .ولكن عندما تمردوا على الله وصنعوا العجل في البرية، حرموا من كرامة الانتساب لله، ورفض أن يدعوهم شعبه بل تركهم لرعاية بشر .وهذا لاينطبق علينا نحن خاصة يسوع، لأنه الله الذي به خلقت كل الاشياء .وعن هذا قال داود :”هو صنعنا وليس نحن .ونحن شعبه وغنم رعيته “(مزمور 100 : 3) وهو نفسه يقول عنا :”خرافي تسمع صوتي وتتبعني “وايضاً “لي خراف أخر ليست من هذه الحظيرة ليكون الكل رعية واحدة لراع واحد “(يوحنا 10 : 26-27). وهو ايضاً أوصى المبارك بطرس :”سمعان بن يونا أتحبني؟ارع حملاني “(يوحنا 21 : 15).
4- لماذا دعي كلمة الله إنساناً؟:
الكلمة الذي من الله الآب ([5]) دعي إنساناً رغم كونه بالطبيعة الله، لأنه اشترك في الدم واللحم مثلنا. (عبرانيين 2 : 14). وهذا جعل الذين على الارض قادرين على مشاهدته .وعندما حدث ذلك ([6]) لم يفقد شيئاً مما له ([7]) .واذ أخذ طبيعة بشرية مثلنا ([8]) لكنها كاملة، ظل أيضاً الله ورب الكل، لأنه هو هكذا فعلاً وبطبيعته وبالحق مولود من الله الآب رغم تجسده .وهذا ما يرينا إياه بوضوح كاف، الحكيم بولس عندما يقول :”الإنسان الأول أرصى من الارض، والأنسان الثاني الرب من السماء “(1كورنثوس 15 : 47). ورغم أن العذراء مريم ولدت الهيكل ([9]) المتحد بالكلمة إلا أن عمانوئيل قيل عنه وهذا حق “من السماء” لأنه من فوق ، ومولود من جوهر الآب .وإن كان قد نزل الينا عندما صار إنساناً إلا انه من فوق .وعن هذا شهد يوحنا :”الذي يأتي من فوق هو فوق الكل “(يوحنا 3 : 31) والمسيح نفسه قال لشعب اليهود “انتم من اسفل واما أنا فمن فوق “(يوحنا 8 : 23) وأيضاً “أنا لست من هذا العالم ” رغم انه كإنسان هو في العالم. إلا انه أيضاً فوق العالم كالله .ونحن نذكر انه قال علانية :”وليس احد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان .”(يوحنا 3 : 13).
ولذلك نقول ان ابن الإنسان نزل من السماء وهذا تدبير([10]) الاتحاد لن الكلمة وهب لجسده كل صفات مجده وكل ما هو فائق وخاص بالله.
5- كيف قيل أن الكلمة أخلى أو أفرغ ذاته؟:
أن الله الكلمة بطبيعته كامل من كل الوجوه، ومن مائه يوزع عطاياه للخلائق .ونحن نقول عنه انه أفرغ ذاته لم يتغير إلى طبيعة اخرى، ولم يصبح أقل مما كان عليه لأنه لم ينقص شيئاً. هو غير متغير مثل الذي ولده (الآب )، ومثاه تماماً غير عرضة الأهواء .ولكن عندما صار جسداً أي أنساناً جعل فقر الطبيعة الانسانية فقره، ولذا قال :”سأسكب من روحي على كل جسد (يوئيل 2 : 28) ولقد تم هذا:أولاً:لأنه صار إنساناً رغم انه ظل الله([11]).ثانياً:اخذ صورة العبد، وهو بطبيعته حر كإبن .وفي نفس الوقت هو نفسه رب المجد، ولكنه قيل انه تمجد لأجلنا .هو نفسه الحياة، ولكن قيل عنه انه احيي أي اقيم من الاموات .واعطي سلطاناً على كل شيء وهو نفسه ملك كل الاشياء مع الله الآب .أطاع الآب وتألم وما إليه هذه الاشياء تخص الطبيعة البشرية، ولكنه جعلها له ([12]) عندما تجسد لكي يكمل التدبير ويبقى كما هو .وهذا ما تقصده الاسفار المقدسة بإفراغ الذات.
6- كيف يكون المسيح واحداً؟:
يكتب بولس الإلهي :”رغم انه يوجد آلهة كثيرون وارباب كثيرون في السماء وعلى الارض، ولكن اله واحد الآب الذي به كل الاشياء ونحن منه، ورب واحد يسوع المسيح الذي به كل الاشياء ونحن به “(1كورنثوس 8 : 5و6). وايضاً يقول يوحنا الحكيم عن الله الكلمة :”وكل شيءبه كان وبغيره لم يكن شيء مما كان “(يوحنا 1 : 3). وجبرائيل المبارك يعلن البشارة المفرحة ([13]) للعذراء القديسة قائلاً :”هاانت ستحبلين وتلدين ابناً وتدعين اسمه يسوع “(لوقا 1 : 31). فبولس الرسول الإلهي يعلن أن كل الاشياء خلقت بيسوع المسيح والانجيلي الالهي يؤكد قوة التعبير نفسه ويبشر انه هو الله خالق كل الاشياء، ةهذا نطق حق .وصوت الملاك ايضاً يشير إلى أن يسوع المسيح ولد حقاً من العذراء القديسة .ونحن لانقول أن يسوع المسيح كان مجرد إنسان، ولانعتقد بالله الكلمة بدون طبيعته الانسانية .بل نقول انه واحد من اثنين ([14])اي الإله المتجسد .هو نفسه ولد الهياً من الآب لأنه الكلمة وإنسانياً من إمرأة كإنسان([15]) .وهذا يعني انه ولد مرة ثانية عندما قيل انه ولد حسب الجسد، فهو مولود قبل كل الدهور .ولكن عندما جاء الوقت لكي يكمل التديبر ولد من امرأة حسب الجسد. وكما ذكرنا من قبل، كثيرون قد دعوا مسحاء ولكن يوجد واحد فقط يسوع المسيح الذي به خلقت كل الاشياء .وهذا لايعني بالمرة أن الإنسان صار خالق كل الاشياء، بل يعني أن الله الكلمة الذي به خلقت كل الاشياء صار مثلنا واشترك في الدم واللحم (عبرانيين 2 : 14) ، ودعى انساناً دون أن يفقد ماله (الوهيته)، لأنه وان كان قد صار جسداً لكنه بالحقيقة خالق الكل.
7- كيف يكون عمانوئيل واحداً؟:
قيل عن الله الكلمة مرة واحدة والى الأبد وفي آخر الدهور أنه صار انساناً كما يقول بولس :”ظهر بذبيحة نفسه”(عبرانيين9 : 26) وما هي هذه الذبيحة ؟هي جسده الذي كرائحة بخور ذكية ([16]) لله الآب. فقد دخل مرة واحدة إلى القدس، ليس بدم ماعز وتيوس بل بدم ذاته (عبرانيين 9 : 12) .وهكذا حصل للذين يؤمنون به فداء أبدياً .وكثيرون قبله كانوا قديسين ولكن ليس واحد منهم دعى “عمانوئيل “لماذا ؟لان الوقت لم يكن قد حان بعد ليكون هو معنا أي أن يجيء إلى طبيعتنا عندما يتجسد وذلك لأنه أسمى منكل المخلوقات.
واحد إذا هو عمانوئيل لأنه هو الابن الوحيد الذي صار انساناً عندما ولد جسدياً من العذراء القديسة .لقد ليشوع :”سأكون معك”(1 : 5)، ولكن (الله) لم يدع في ذلك الوقت عمانوئيل .وكان قبل لذلك مع موسى ولم يدعى عمانوئيل لذلك نسمع (اسم)عمانوئيل :”معنا الله”الذيى الابن، فلنعتقد بحكمة انه ليس معنا كما كان في الأزمنة السابقة مع القديسين لأنه كان معهم كمعين فقط ولكن هو معنا لأنه صار مثلنا دون أن يفقد طبيعته لأنه الله غير المتغير.
8- ما هو هذا الاتحاد؟:
بطرق مختلفة يحدث اتحاد. فالبعض اذ يفترقون بسبب الاختلاف قي الطبع والفكر يقال عنهم انهم اتحدوا باتفاق الصداقة، (وهذا يعني )ترك الاشياء التي اختلفوا عليها .وأحياناً نقول عن أشياء معينة انها اتحدت عندما تجمعت معاً أو اتصلت بطرق مختلفة مثل وضعها معاً جنبناً إلى جنب أو مزجها أو تركيبها.
لكن عندما نقول أن الكلمة الله اتحد بطبيعتنا فان كيفية هذا الاتحاد هي فوق فهم البشر .وهذا الاتحاد مختلف تماماً عن الانواع الاخرى التي اشرنا اليها .فهو اتحاد لايصف وغير معروف لاي من الناس سوى الله وحده الذي يعرف كل شيء .واي غرابة في أن يفوق (اتحاد اللاهوت بالناسوت )ادراك (العقل)؟ فنحن عندما نبحث بدق امورنا ونحاول ادراك كنهها نعترف انها تفوق مقدرة الفهم الذي فينا فما هي كيفية اتحاد نفس الإنسان بجسده؟من يمكنه أن يخبرنا؟ ونحن بصعوبة نفهم وبقليل نتحدث عن اتحاد بالجسد .لكن إذا طلب منا أن نحدد كيفية اتحاد اللاهوت بالناسوت وهو امر يفوق كل فهم بل صعب جداً، نقول انه من اللائق أن نعتقد أن اتحاد اللاهوت بالناسوت في عمانوئيل هو مثل اتحاد نفس الإنسان بجسده -وهذا ليس خطأ لأن الحق الذي نتحدث عنه هنا تعجز عن وصفه كلماتنا .والنفس تجعل الاشياء التي للجسد هي لها رغم انها(النفس) بطبيعتها لايشارك الجسد آلامه المادية الطبيعية أو الآلام التي تسببها للجسد الاشياء التي هي خارج الجسد لان الجسد عندما يتحرك مدفوعاً نحو رغباته الطبيعية (الجسدية) فان النفس التي فيه تعرف هذه الرغبات بسبب اتحاد النفس بالجسد .لكنها (النفس) لاتشارك الجسد رغباته، ومع ذلك تعتبر أن تحقيق الرغبة هو تحقيق لرغبتها هي (النفس) فاذا ضرب الجسد أو جرح بالحديد مثلاً فان النفس تحزن مع جسدها، ولكن بطبيعتها لاتتألم بالآلام المادية التي تقع على الجسد ([17]).
ومع هذا يلزم نقول أن الاتحاد في عمانوئيل هو اسمى من أن يشبه باتحاد النفس بالجسد .لأن النفس المتحدة بجسدها تحزن مع جسدها وهذا حتمي حتى انها عندما تقبل الهوان تتعلم كيف تخضع لطاعة الله .اما بخصوص الله الكلمة فانه من الحماقة أن نقول انه كان يشعر-بلاهوته- بالاهانات، لان اللاهوت لايشعر بما نشعر به نحن البشر .وعندما اتحد بجسد له نفس عاقلة وتألم لم ينفعل -اللاهوت- بما تألم به، لكنه كان يعرف ما يحدث له ([18]). واباد كإله كل ضعفات الجسد، رغم انه جعلها ضعفاته هو فهي تخص جسده. لذلك (بسبب الاتحاد) قيل عنه انه ([19]) عطش وتعب وتألم لأجلنا.
لذلك فان الاتحاد الكلمة بطبيعتنا البشرية يمكن على وجه ما أن يقارن باتحاد النفس بالجسد، لأنه كما أن الجسد من طبيعة مختلفة عن النفس، لكن الإنسان واحد من اثنين (النفس والجسد)، هكذا المسيح من الأقنوم الكامل لله الكلمة ومن الناسوت الكامل، والألوهة نفسها والناسوت نفسه في الواحد بعينه الأقنوم الواحد .وكما قلت أن الكلمة يجعل الآم جسده هو، لأن الجسد هو جسده وليس جسد احد آخر سواه .هكذا يمنح الكلمة جسده كل ما يخص لاهوته من قوة، حتى أن جسده قادر على أن يقيم الموتى ويبريء المرضى([20]).
واذ يليق بنا في هذا المجال أن نستخرج تشابيه من الكتب الموحى بها من الله لكي نوضح بعدة أمثلة كيفية الاتحاد، لذلك دعونا نتكلم من الكتب حسب طاقتنا .
9- الجمرة:
قال النبي اشعياء :”وجاء إلى احد الساروفيم وفي يده جمرة متقدة اخذها من على المذبح بملقط وقال لي هذه ستلمس شفتيك لكي تنزع اثمك وتطهرك من خطاياك”(6 : 6-7) ونحن نقول أن الجمرة المتقدة هي مثال وصورة للكلمة المتجسد لانه عندما يلمس شفاهنا أي عندما نعترف بالايمان به فانه ينقينا من كل خطية ويحررنا من اللوم القديم الذي ضدنا([21]).
ويمكننا أن نرى ايضاً الجمرة مثالاً لكلمة الله المتحد بالطبيعة البشرية دون أن يفقد خواصه، بل حاول ما اخذه (الطبيعة البشرية) وجعله متحداً به، بل بمجده وبعمله لان النار عندما تتصل بالخشب تستحوذ عليه، لكن الخشب يظل خشباً .فقط يتغير إلى شكل النار وقوتها، بل يصبح له صفات النار وطاقتها ويعتبر واحداً معها .هكذا يجب أن يكون اعتقادنا في المسيح، لان الله اتحد بالانسانية بطريقة لاينطق بها، ولكنه ابقى على خواص الناسوت على النحو الذي نعرفه، وهو نفسه لم يفقد خواص اللاهوت عندما اتحد به(الناسوت) بل جعله واحداً معه، وجعل خواص (الناسوت) خواصه. بل هو نفسه قام بكل اعمال اللاهوت فيه (في الناسوت)([22]).
10- الجسد الذي أخذه
الجسد الذي أخذه، له نفس عاقلة .وأصبح جسد اللاهوت غير المجسم .واذا فصل أيهما عن الآخر فإننا بالفصل نلغي يقيناً ونهائياً تدبير المسيح:
قدم لنا نشيد الاناشيد ربنا يسوع المسيح قائلاً :”أنا وردة السفوح وسوسنة الأودية “(2 : 1).
وفي السوسنة الرائحة المجسمة (غير ظاهرة للعين) ولكنها لاتوجد خارج السوسنة ولذلك فالسوسنة واحدة من اثنين (الرائحة وجسم السوسنة ). وغياب رائحة السوسنة لايجعلها سوسنة .وكذلك غياب جسم السوسنة لايفسر وجود رائحة السوسنة لأن في جسم السوسنة رائحتها .هكذا يجب أن يكون اعتقادنا في الوهية المسيح الذي يعطر العالم برائحته الذكية ومجده الذي يفوق مجد الارضيات .ولكي يعطر العالم كله استخدم (اللاهوت)الطبيعة البشرية. ةتلك التي بطيعتها غير جسمانية، صارت بالتدبير وعلى قدر مانفهم متجسدة .لأنه عندما اراد أن يعلن عن ذاته من خلال الجسد جعل فيه (الجسد) كل مايخص اللاهوت .لذلك من الصواب أن نعتقد أن الذي بطبيعته غير جسماني اتحد بجسده واصبح الاتحاد مثل السوسنة لان الرائحة العطرة وجسم السوسنة هما واحد ويسميان السوسنة .
11- الله الكلمة والطبيعة البشرية اتحدا معاً حقيقياً بدون تشويش:
أن خيمة الاجتماع التي اراد الله أن تقام في البرية ترمز إلى عمانوئيل في اشياء كثيرة .الله إله الكل قال لموسى الإلهي :”اصنع انت من خشب لايسوس تابوتاً طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف وارتفاعه ذراع ونصف، وتغشيه بالذهب النقي، من الداخل ومن الخارج تغشيه”(خروج 25 : 10-11)الخشب الذي لايسوس هو رمز للجسد الذي لايفسد لان الارز لايسوس .اما الذهب وهو يفوق كل الاشياء فهو يشير إلى جوهر اللاهوت الفائق ([23]) لكن لاحظ كيف غطى التابوت كله بالذهب النقي من الداخل والخارج، لان الله الكلمة اتحد بجسد مقدس .وحسب ما اعتقد فان هذا مايشير إليه تغشية التابوت بالذهب من الخارج .والنفس العاقلة التي في جسده هي نفسه، وهذا ما يشير إليه تغشية التابوت من الداخل .وهكذا لم يحدث تشويش للطبيعتين، لان الذهب الذي غطي به الخشب ظل كما هو ذهباً .اما الخشب فقد صار غنياً بمجد اللاهوت، لكنه لم يفقد خصائصه كخشب
وببراهين كثيرة يمكننا أن نتأكد من أن التابوت يرمز للمسيح لانه كان يخرج امام بني اسرائيل وكان هذا سبب عزاء لهم، وهكذا قال المسيح في موضع معين”أنا أذهب لكي أعد اكم مكاناً”(يوحنا15 : 2).
12- الله الكلمة صار انساناً.وهو ليس انساناًتشرف بصلة باللاهوت، كما انه ليس انساناً حصل على مساواة وكرامة وسلطان الله الكلمة حسب زعم البعض([24]):
يقول بولس الالهي :”عظيم هو سر التقوى “(1 تيموثاؤس 3 : 16) وهذا حقيقي لان الله الكلمة ظهر في الجسد و”تبرر في الروح“لاننا لم نر فيه أي خضوع لضعفاتنا رغم انه لاجلنا صار انساناً إلا لنه بلا خطية .و”شاهدته الملائكة ” فهم لم يجهلوا ميلاده حسب الجسد و“كرز به للامم” كإله صار انساناً وهو عينه “أومن به في العالم “وهذا ما برهنه بولس الالهي وكتبه :”اذكروا انكم انتم الامم قبلاًحسب الجسد المدعوين غير المختونين من قبل المختونين في الجسد المصنوع باليد، انكم كنتم في ذلك الوقت بدون ميسح اجنبيين عن جنسية اسرائيل وغرباء عن عهود الموعد بلا رجاء وبلا إله في العالم “(أفسس 2 : 11-12) فالامم اذن كانوا بلا إله في العالم عندما كانوا بدون المسيح، ولكن عندما عرفوا (المسيح) انه هو بالحقيقة وبالطبيعة الله اعترف هو بهم بدوره كمعترفين بالايمان .وهو (المسيح) رفع بمجد“اي بمجد الهي “لان داود المبارك ينشد :”صعد الله بفرح”(مزمور 67 : 5) لانه بالحقيقة صعد بالجسد وليس باللاهوت وحده، لان الله تجسد (ولذلك يمكن أن يقال عنه انه صعد). كما اننا نؤمن انه ليس انساناً مثلنا قد تشرف بنعمة اللاهوت لئلا نقع في جريمة عبادة انسان .وانما نؤمن بالرب الذي ظهر في شكل العبد والذي صار مثلنا بالحقيقة بطبيعة بشرية ولكنه ظل الله .لان الله الكلمة عندما اخذ جسداً لم يفقد خواصه (الالهية) بل ظل في نفس الوقت هو نفسه الله المتجسد .هذا هو الايمان الارثوذكسي (الصحيح).
وإذا قال احد :اي ضرر يحدث إذا اعتقدنا أن انساناً مثلنا قد حصل على الالوهة وليس الله هو الذي تجسد؟ سوف نجيب بانه يوجد ألف دليل ضد هذا (الرأي)، وكل هذه الادلة تؤكد لنا انه علينا أن نجاهد بثبات ضد هذا الرأي وان نرفضه .وقبل أي شيء آخر فلندرس التدبير الخاص بالتجسد ونفحص حالتنا جيداً.
لقد تعرضت البشرية للخطر وهوت إلى ادنى حالات المرض أي اللعنة والموت، وزيادة على ذلك تدنست بقذارة الخطية وضلت وصارت في الظلام حتى انها لم تعرفه وهو الله الحقيقي وعبدت المخلوقات دون الخالق. فكيف كان من الممكن أن تتحرر من فساد مثل هذا ؟هل بان تعطي لها الالوهة؟كيف وهي لاتعرف على وجه الاطلاق ماهي كرامة وسمو الالوهة؟ ألم تكن (البشرية) مقيدة بعدم المعرفة وفي ظلام، بل ومدنسة بلطخة الخطية؟ فكيف كان من الممكن أن ترتفع الطبيعة الكلية النقاء، وتحصل على المجد الذي لايستطيع احد أن يصل إليه إلا إذا وهب له؟ .دعونا نفتر انه بالمعرفة مثلاً أو بالتعليم يمكن الحصول على الالوهة. فمن ذا الذي سيعلمها عن المجد الالهي ؟!! لانه كيف يؤمنوا أن لم يسمعوا ؟(رومية 10 : 14). ولذلك فانه غير ممكن لاي من الناس أن يرتقي إلى مجد الالوهة ولكن من اللائق بل من العقول أن نعتقد أن الله الكلمة الذي به خلقت كل الاشياء اشتهى أن يخلص ما قد هلك، فنزل الينا ونزل إلى ما دون مستواه حتى يرفع الطبيعة البشرية إلى ما هو فوق مستواها أي ترتفع إلى امجاد اللاهوت بسبب الاتحاد به([25]).لذلك كان ارتفاع الطبيعة البشرية إلى امجاد اللاهوت بدون التجسد، وان تنال عدم التغير الخاص بالله دون أن ينزل الله اليها .ومن اللائق أن ينزل غير الفاسد إلى الطبيعة المستعبدة للفسادحتى يحررها من الفساد.وكان من اللائق أن الذي لم يعرف خطية يصبح مثل الذين تحت الخطية لبيطل الخطية ففي النور تصبح الظلمة بلا عمل .وحيث يوجد عدم الفساد يهرب الفساد .لان الذي لم يعرف خطية (الله)جعل الذي تحت الخطية (الجسد) خاصاً به حتى تصير الخطية إلى عدم.
وسف أبرهن من الاسفار المقدسة أن الكلمة الله صار انساناًوليس المسيح كانسان تأله .يقول بولس المبارك عن الابن الوحيد :”الذي اذ كان صورة الله لم يحسب مساواته لله شيئاً يخطف، بل افرغ ذاته واخذ صورة العبد وصار في شبه الناس .واذ وجد في الهيئة كانسان تواضع واطاع حتى الموت موت الصليب .لذلك رفعه الله واعطاه اسماً فوق كل اسم، حتى انه في اسم يسوع المسيح تجسد كل ركب السمائيين والارضيين والسفليين، ويعترف كل لسان بان الرب هو يسوع المسيح وهذا بمجد الآب”(فيلبي 2 : 6-11) فمن ذا الذي نقول عنه انه كان في صورة الله ومساوياً للآب وفكر بان هذه الاشياء لاتخطف بل نزل إلى الفقر وصار في شكل العبد وتواضع وصار في شكلنا؟ وإذا كان مجرد انسان مولود من امرأة فكيف اصبح في صورة مساواة الآب؟! أو كيف كانسان يكون له الملء ؟! وكيف يمكن أن يخلي ذاته وهو مخلوق ؟!فما هو الشرف الذي وصل إليه الإنسان حتى يمكن أن يقال عنه انه كانسان تواضع؟ أو كيف يقال (عن المسيح)انه صار في شبه الناس وهو (اصلاً)مثلهم؟ !وكيف افرغ ذاته؟ وهل افراغ الذات هو الحصول على ملء اللاهوت؟ (ومادام كل هذا غير صحيح )لذلك نحن لانعلم بان الإنسان صار الهاً بل كلمة الله الذي هو من ذات جوهر الآب وله ذات المساواة -لانه صورة الآب-اخلى ذاته لاجل الطبيعة البشرية. وقد فعل هذا عندما صار في شكلنا .واولا انه له الملء كإله ما كان قد قيل عنه انه تواضع ولقد حدث هذا ودون أن يفارق عرش الكرامة الالهية، لان عرشه مرتفع .صار في شبه الناس ولكنه في نفس الوقت من ذات جوهر الآب .ولكن علينا أن نلاحظ انه عندما صار مثلنا قيل عنه انه رفع معه الجسد إلى مجد الالوهة وهذا بالتأكيد واضح انه مجده هو (الابن)، ولكنه قيل انه صعد إلى مجده بالجسد الذي اخذه من اجل البشرية .ونحن نؤمن به كرب الكل حتى وهو في الجسد .وله تنحني كل ركبة .وهذا لايحزن الآب ولا يقلل من كرامة الآب بل هذا لمجده، لانه (اي الآب) يفرح ويمجد عندما يعبد الكل الابن، رغم انه صار مثلنا في الجسد كما هو مكتوب:”لانه لم يأخذ ماللملائكة بل ما لنسل ابراهيم، ومن ثم كان ينبغي أن يشبه اخوته”(عبرانيين 2 : 16-17). وكلمة “اخذ من نسل ابراهيم “تعني انه الله ولا تعني انه انسان مثلنا حصل على اللاهوت .وهو نفسه صار مثلنا ولذلك وحده دعي “أخانا“اما نحن فلا نعدى اخوته من جهة اللاهوت ([26]). ومرة ثانية يقول الرسول “فاذ قد تشارك الاولاد في الدم واللحم، اشترك هو فيهما حتى يبيد الموت كانوا كل حياتهم تحت العبودية “(عبرانيين 2 : 14-15). وصار مثلنا عندما اشترك في اللحم والدم، ولهذا سبب مرتبط اشد الارتباط به(بالتجسد) اذ انه مكتوب:”لانه فيما كان الناموس عاجزاًعنه بسبب ضعف الجسد ارسل الله ابنه في شبه جسد الخطية، ودان الخطية في الجسد”(رومية 8 : 3). ومرة ثانية علينا أن نلاحظ اننا لانقرأعن انسان يحصل على اللاهوت ويحاول أن يرتفع إلى كرامته، بل اننا نقرأ عن الله الآب الذي ارسل لنا ابنه الوحيد “في شبه جسد الخطية” لكي يبطل الخطية .لذلك فالصواب هو :ان الله الكلمة صار انساناً ونزل إلى اسف إلى فقرنا .ومن هذا يظهر لنا أن المسيح ليس مجرد انسان حصل على المجد الالهي .
13- كلمة الله الذي صار إنساناًهو المسيح يسوع:
عندما نبحث في سر تجسد الابن الوحيد، فما نقوله عنه نتمسك به لانه التعليم الحقيقي والايمان الارثوذكسي .فالكلمة نفسه هو مولود من الله الآب، إله حقيقي من إله حقيقي، نور من نور، تجسد وتأنس، نزل من السماء وتألم وقام من بين الاموات..لأنه هكذا حدد المجمع العظيم المقدس ([27]) قانون الايمان.
وإذا بحثنا لكي نتعلم ما هو المعنى الحقيقي لتجسد الكلمة الذي صار انساناً فاننا لانذهب إلى القول بان الكلمة عندما تجسد اتصل فقط بالطبيعة البشرية، وان مجرد الاتصال جعل بشريته تشاركه مجد ألوهيته وسلطانها، انه جعل بشريته تشاركه اسم الابن، ولكن بالحري انه صار انساناً مثلنا واحتفظ بما له من خواص لانه غير متغير، بل لايوجد فيه حتى ظل التغيير (يعقوب 1 : 17). فهو تدبيرياً اتخذ لنفسه لحماً ودماً .ولكنه واحد هو الذي قبل التجسد دعى في الاسفار التي اوحى بها الله،”الابن الوحيد” “الكلمة” “الله” “الصورة” البهاء” “رسم جوهر الآب” “الحياة” “المجد” “النور” “الحكمة” “القوة” “الذراع” “اليد اليمنى” “العلي” “الممجد” “رب الصباؤوت” .وباقي الاسماء التي تخص الله وبعد التجسد دعي “الانسان” “يسوع المسيح” “الفادي” “الوسيط” “بكر الراقدين” “آدم الثاني” “رأسد أي الكنيسة ” .الاسماء الاولى تخصه لانها اسماؤه، وكذلك الثانية التي اخذها في نهاية الدهور([28]). لكن الذي يحمل هذه الاسماء هو واحد الذي قبل التجسد الله الحقيقي، وظل كذلك في تجسده، وسيظل كذلك إلى الأبد.
ولذلك لايجب أن نقسم الرب يسوع المسيح إلى إنسان والى إله بل نقول يسوع المسيح هو هو واحد، لكن نميز بين الطبيعتين دون أن نمزجهما ([29]).
وحتى إذا قالت هذه الكتب المقدسة أن في المسيح حل كل ملء اللاهوت جسدياً (كولوسي 2 : 9)، فان هذه الكلمات لاتعني الانفصال، كما لو كان الكلمة حل في انسان اسمه المسيح، لاننا يجب أن لانمزق الاتحاد أو نعتقد بوجود ابنين .وحتى إذا استخدمت الاسفار المقدسة اسم المسيح وحده دون أن يشير إلى الله الكلمة، فهذا لايبدو بالمرة فصلاً للطبيعة البشرية التي اتخذها لنفسه وجعلها هيكله. علينا أن نفهم طريقة التعبير عن الحقائق الايمانية، لانه مكتوب في موضع آخر أن نفوس البشر تسكن ([30]) في بيوت من طين “(أيوب 4 : 9) فاذا كانت اجساد البشر تسمى “بيوت من طين” والنص يؤكد أن النفوس تسكنها، فهل تستدعي طريقة التعبير هذه أن نقسم الإنسان الواحد إلى اثنين (جسد ونفس)؟! أليس هذا خطأ؟. وإذا كانت هذه الطريقة المألوفة للحديث عن الموضوعات التي فيها اتحاد بين اثنين وبسبب الاتحاد يمكن أن نتحدث عن طبيعة هي اصلاًمن الطبائع المركبة ([31]) كما لو كنا نتحدث عن عنصر واحد منها مع الواقع غير ذلك فاحياناً يقال عن الإنسان أن روحه تسكن جسده، واحياناً تدعى روح الإنسان (وحدها) أو جسد الإنسان (وحده) انساناً، وهذا ما يخبرنا به بولس الحكيم اذ يقول :”اذا كان انساننا الخارجي يفني فانساننا الداخلى يتجدد يوماً فيوماً”(2كورنثوس 4 : 16) والرسول يتحدث عن العلاقة بين الإنسان الخارجي والداخلي ويصفخا بهذه الطريقة وهو يتحدث بالصواب لكنه لايقسم الإنسان الواحد إلى اثنين (واحد داخلي والآخر خارجي ). كذلك النبي اشعياء في موضع آخر يقول :”في الليل تبكر اليك روحي ياالله”(26 : 9)، فهل تقوم روحه مبكرة إلى الله باعتبارها شيئاً آخر غير نفسه ؟أليس حماقة أن نستنتج هذا؟!!. لذلك علينا أن نفهم طريقة الحديث عن مثل هذه الموضوعات وان نلتزم بما هو معقول منتبهين إلى الغرض الذي يكمن وراء هذه الاقوال.
وعلى الرغم من انه قيل عن يسوع انه كان “ينمو في القامة وفي الحكمة وفي النعمة”(لوقا 2: 52). فان هذا يخص التدبير لآن كلمة الله سنح لبشريته أن تنمو حسب خواصها وحسب قوانينها وعاداتها .لكنه اراد شيئاً فشيئاً أن يعطي مجد الوهيته إلى جسده كلما تقدم في العمر حتى لايكون مرعباًللناس إذا بدر منه عدم الاحتياج المطلق إلى أي شيء .ومع هذا تكلموا عنه “كيف عرف هذا الإنسان الكتب وهو لم يتعلم”(يوحنا 7 : 15) ([32]). فالنمو يحدث للجسد، كما أن التقدم في النعمة والحكمة يتلائم مع مقاييس الطبيعة البشرية. وهنا يلزمنا أن نؤكد أن اللله الكلمة المولود من الآب هو نفسه كلي الكمال لاينقصه النمو أو الحكمة أو النعمة، بل انه يعطي للمخلوقات الحكمة والنعمة وكل ماهو صالح.
وعلى الغم من انه قيل عن يسوع انه تألم فان الآلام هي ايضاً خاصة التدبير. وهي آلامه هو، وهذا صحيح تماماً لانه تألم في الجسد الذي يخصه هو .ولكنه كإله لايتألم أي لايقبل طبيعته الالم حتى عندما تجرأ صالبوه وعذبوه بقسوة. وعندما صار الابن الوحيد مثلنا-لانه دعى في الاسفار التي اوحى بها الله “بابن البشر” وهذا حسب التدبير -إلا اننا نعترف انه بطبيعته الله.
14- براهين من الكتب الالهية على أن كلمة الله وان كان قد صار انساناً إلا انه ظل الله:
يقول الله في موضع ما لموسى شارح الاسرار الالهية:”وتصنع غطاء من الذهب لكرسي الرحمة من ذهب نقي طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف .وتصنع كروبين من ذهب، صنعة خراطة، تصنعهما على طرفي الغطاء. فاصنع كروباً واحداً على الطرف من هنا وكروباً آخر على الطرف من هناك ..ووجهاهما كل واحد إلى الاخر نحو كرسي الرحمة يكون وجهاً الكروبين”(خروج 25 : 17-20).
هذا رمز صحيح يدل على الله الكلمة الذي تأنس إلا انه ظل الله، عندما صار مثلنا من اجل التدبير لم يفقد مجده وعظمته. وعمانوئيل صار لنا “كفارة الايمان “(رومية 3 : 25). وهذا يبرهنه يوحنا ايضاً :”ياأولادي الصغار اكتب اليكم هذا لكي لاتخطئوا. وان أخطأ احد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا”(1يوحنا 2 : 1-2). وايضاً يقول بولس:”الذي قدمه كفارة بالايمان بدمه”(رومية 3 : 25) وعلينا أن ننظرالى الكروبين واقفين باسطين اجنحتهما على كرسي الرحمة، وفي نفس الوقت يثبتان اعينهما على ارادة ربهما .وحشد الارواح السمائية يثبتون عيونهم على ارادة الله، وكلهم لايشبع من التطلع إلى الله .هذا المنظر الارضي(في خيمة الاجتماع) يذكرنا بالمنظر السمائي الذي رآه اشعياء النبي عندما رأى الابن جالساً على عرش عال(6 : 1) والسارافيم يخدمونه كالله.
15- برهان آخر..
وموسى الالهي قد اقيم في القديم لكي يحرر شعبه من ظلم المصريين، ولكن كان من الضروري اولاً يتعلم الذين كانوا تحت نير العبودية أن الله تصالح معهم. لذلك امر موسى بان يجري معجزات لان المعجزة في بعض الاوقات تساعدنا على الايمان. لذلك يقول موسى لله ضابط الكل:”ولكن إذا لا يصدقوني ولايسمعون لقولي بل يقولون لم يظهر لك الرب، فماذا اقول لهم؟ فقال له الرب ما هذه التي في يدك؟ فقال عصا. فقال اطرحها على الارض. فطرحها فصارت حية فهرب موسى منها. ثم قال الرب لموسى مد يدك وامسك بذنبها..”(خروج 4 : 1-5).
لنتأمل هذا .ان ابن الله بالطبيعة وبالحق هو عصا الآب لان العصا هي علامة المملكة لان الآب في الابن له سلطان على الكل. وفي ذلك يقول داود:”كرسيك ياالله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة هو قضيب ملكك”(مزمور 45 : 6). ولكنه(الآب) طرحها أو جعلها على الارض في طبيعة بشرية .عند ذلك انخذت (العصا) شبه الناس الخطاة، واصبح واضحاً أن العصا التي صارت حية ترمز إلى شر الطبيعة البشرية، لان الحية علامة على الشر. ولكي نتأكد أن ما فسرته صواباً نجد أن ربنا يسوع المسيح نفسه يقول عن رموز التدبير بالجسد انه مثل الحية النحاسية التي رفعها موسى لكي تشفي من عضات الحيات. لانه يقول:”وكما رفع موسى النبي الحية في البرية هكذا يجب أن يفع ابن الإنسان حتى أن من يؤمن به لايهلك بل تكون له الحياة الابدية”(يوحنا 3 : 14-15). والحية التي صنعت من نحاس كانت سبب خلاص الذين كانوا في خطر، لانهم عندما نظروا اليها خلصوا. هكذا ربنا يسوع المسيح للذين ينظرونه وهو في شبه الناس الخطاة -لانه صار انساناً-..ولكن لايجهل احد انه الله الذي يقيم والذي يمنح الحياة والقوة للهرب من العضات الاليمة والسامة، وأنا اقصد القوات التي تحاربنا.
وهناك جانب رمزي آخر:”عصا” ابتلعت “عصى” السحرة التي القيت على الارض، لان”العصا” بعد أن طرحت على الارض وصارت حية “لم تظل حية”، بل رجعت إلى ما كانت عليه. كذلك “عصا” الآب أي الابن الذي فيه يسود الآب على الكل صار في شبهنا -كما قيلت من قبل -إلا انه بعد أن اكمل التدبير عاد إلى السماء فهو في يد الآب”قضيب البر والملك“(مزمور 45 : 6) وهو يجلس عن يمين الآب في مجده، وله عرش الآب حتى وهو في الجسد.
16- وأيضاً…
قال الرب لموسى:”ادخل يدك داخلاً في حضنك .ثم اخرجها وإذا يده برصاء مثل الثلج”(خروج 4 : 6-7).اليد -يد الله الآب-في الاسفار الالهية هي الابن لان النص يشير إليه:”أنا ويدي اسست السموات”(اشعياء 48 : 13)، وداود الالهي ينشد قائلاً:”بكلمة الرب تأسست السموات”(مزمور 33 : 6). وعندما كانت يد موسى مختبئة فى حضنه لم تكن برصاء، ولكن عندما أخرجت خارجا صارت برصاء .وبعد فترة أدخلها مرة ثانية ثم أخرجها ولم تعد برصاء بل قيل:”أعيدت إلى نفس لون جسده ” (خروج 7:4).لذلك عندما كان الله الكلمة فى حضن الآب كان يشرق ببهاءالألوهة، ولكن عندما صار كما لو كان خارجا بسبب التجسد ـ أو لأنه صار انسانا فى شبه جسد الخطية”(رومية3:8)،”احصى مع أثمة“(اشعياء12:53) لأنه بولس الالهى يقول :”الذى لم يعرف خطية صار خطية لأجلنا حتى نصير بر الله فيه”(2كورنثوس21:5)..وهذا ما أعتقد أن البرص أشار إليه لأن الأبرص حسب الناموس كان نجسا..ولكنه عندما عاد إلى حضن الآب ـ لأنه صعد إلى هناك بعد قيامته من الأموات ـ صار مثل يد موسى التى أدخلت فى حضنه وصارت طاهرة. هكذا سوف يأتى ربنا يسوع المسيح فى الوقت المحدد ببهاء مجد الألوهة رغم أنهلن يخلع شبهنا. لأن بولس المبارك يقول أيضا عن المسيح:”لأنه مات لكى يحمل خطايا كثيرين، وسيظهر ثانية بلا خطية لخلاص الذين ينتظرونه”(عبرانيين28:9). لذلك عندما تدعوه الاسفار الالهية المسيح يسوع في مناسبات متعددة، لايظن احد انه مجرد انسان بل لنتعتقد انه يسوع المسيح كلمة الله الحقيقي الذي من الله الآب حتى وان صار انساناً.
17- المسيح ليس الله لبس جسداً، وليس كلمة الله الذي حل في انسان، بل الذي تجسد فعلاً حسب شهادة الكتب:
الذين بلا دنس (الهراطقة) يؤمنون بالمسيح، ويتفقون معنا، يعلمون أن الله الكلمة هو من الله الآب..وانه نزل إلى فقرنا وصار في صورة العبد .والجسد الذي اخذه وولد من العذراء هو جسده .بل انه لم يولد فقط بل صار مثلنا ودعى ابن الإنسان ([33]). فهو بالحقيقة الله حسب الروح ولكنه هو نفسه انسان حسب الجسد من اجل هذا يوجه بولس الرسول الالهي خطابه إلى اليهود قائلاً:”الذي بانواع كثيرة وطرق شتى تكلم مع الآباء بالانبياء وفي الايام الاخيرة تكلم معنا في ابنه”(عبرانيين 1 : 1-2). كيف تكلم الله الآب في الايام الاخيرة في ابنه؟ قديماً تكلم في الناموس في الابن، ولذلك قال الابن أن كلماته اعطيت قديماً لموسى الحكيم:”لاتظنوا اني جئت لكي انقض الناموس أو الانبياء .لانني لم آت لكي انقض بل اكمل ..السموات والارض تزولان ولكن كلامي لايزول “(متى 5 : 16-18،متى 24 : 35). وكذلك يشهد النبي “أنا هو المتكلم أنا آت”(اشعياء 52 : 6 السبعينية) وعندما تجسد، تكلم الآب معنا فيه كما قال بولس المبارك:”في آخر الايام” .ولكي لايعوق أي شيء ايماننا بانه هو هو قبل الدهور الله الرسول اضاف الرسول على الفور:”الذي فيه خلق العالمين” ثم عاد واكد “الذي هو بهاء مجد ورسم اقنوم الآب“. بالحقيقة صار انساناً ذاك الذي به الله الآب”خلق العالمين” .ولذلك لكي يكون اعتقادنا سليماً علينا أن نؤمن انه صار انساناً وليس كما يفترض البعض أن الله سكن فيه .لو كان هذا صحيحاً -اي أن الله سكن في انسان- إلا يصبح ما يقوله يوحنا الانجيلي المبارك:”الكلمة صار جسداً”(يوحنا 1 : 14) بلا فائدة؟ لانه ما هي الحاجة إلى مثل هذا التصريح؟ وكيف يقال أن الكلمة تجسد إلا إذا كان فعلاً قد صار جسداً أي صار مثلنا لكنه ظل فوقنا بل فوق الابن الوحيد صار انساناً وهو الله حتى وهو في الجسد، ولم يسكن في انسان ثم جعل هذا الإنسان لابساً اللاهوت مثل البشر الذين انعم عليهم بشركة الطبيعة الالهية..
18- الأمثلة..
يقول الله عن (البشر) في موضع:”إني ساسكن فيهم واسير بينهم واكون لهم الهاً وهم يكون لي شعباً”(ارميا 31 : 33،2كورنثوس 6 : 16) ويقول الرب يسوع المسيح نفسه:”هانذا سآتي ..ان فتح لي انسان، سوف ادخل أنا وأبي لنسكن ونتعشى معه “(يوحنا 14 : 23 ورؤيا 3 : 20) وكذلك ايضاً دعينا هياكل الله :”انتم هياكل الله الحي”(2كورنثوس 6 : 16)، وهو يقول ايضاً :”ألستم تعلمون أن اجسادكم هي هياكل الروح القدس الذي فيكم والذي لكم من الله”(1كورنثوس 6 : 19). فاذا قالوا انه دعى عمانوئيل بمعنى انه مثلنا نحن البشر قد سكن الله فيه، فليعترفوا علانية انهم يشاهدوننا نحن والملائكة في السماء وعلى الارض نعبده يخجلون من هذه الفكرة .ويخجلون بالحري لأنهم يجهلون قصد الاسفار المقدسة .كما انه لايوجد عندهم الايمان الذي سلمه الينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة (لوقا 1 : 2) .واذا قالوا انه الله وانه تمجد كإله لان كلمة الله الآب سكن فيه (اي في يسوع المسيح) وانه يمجد على هذا النحو وليس على اساس انه اله الذي صار جسداً .فليسمعوا منا هذا: لايكفي لمن يسكن الله فيه أن تجعله هذه السكنى إلهاً يعبد، لان الله يسكن في الملائكة وفينا نحن بالروح القدس ..ومع هذا، فالذين اخذوا الروح القدس لايكفيهم هذا لكي يصبحوا بالحقيقية آلهة ([34]).لذلك ليس كما يحل في انسان، وانما نعبده لانه الله الذي صار جسداً أي انساناً وظل في نفس الوقت الله الذي يعبد.
19. أقوال رسولية تشهد أن المسيح هو الله
19- عندما يتحدث الرسول عن المسيح يقول:”الذي اراد في اجيال اخر لم يعرفه بنو البشر على النحو الذي اعلن الآن لقديسيه ..الذين اراد الله أن يعرفهم ما هو غني مجد هذا السر في الامم، الذي هو المسيح فيكم رجاء المجد الذي ننادي به”(أفسس 3 : 5-كولوسي1 : 26-27)فاذا كان المسيح انساناً لبس اللاهوت وليس الله بالحقيقية-فكيف يصبح هو نفسه “غنى مجد السر”الذي يبشر به للامم؟ أو كيف يمكن أن يقال أن الرسول بشر بالله بالمرة؟!
20- “فاني اريد أن تعلموا أي جهاد لي لأجلكم لأجل الذين في لاودوكية وجميع الذين لم يروا وجهي في الجسد، لكي تتعزى قلوبهم مقترنة في المحبة بكل غنى يقين الفهم لمعرفة سر الله والمسيح”(كولوسي 2 : 1-2). وها هو يسمى سر الله، سر المسيح ويتمنى لمن يكتب اليهم أن يكون عندهم “يقين الفهم” لمعرفته. فما هي حاجة الذين يريدون معرفة سر المسيح إذا كان الله حل في انسان؟..لكنهم يحتاجون إلى “غنى يقين الفهم” لكي يعرفوا أن الله الكلمة تجسد.
21- “لأنه منكم اذيعت كلمة الرب ليس في مكدونية واخائية فقط بل في كل مكان ايضاً قد ذاع ايمانكم بالله حتى لم يعد لنا حاجة أن نتكلم ..”(تسالونيكي 1 : 8). وها هو الرسول يذكر أن ايمانهم هو ايمان الله، بينما يقول المسيح:”من يؤمن بي فله الحياة الابدية”(يوحنا 6 : 47).كما أن الكلمة التي يبشر بها الرسول هي كلمة الرب أي المسيح.
22- “لأنكم انتم أيها الاخوة تعلمون دخولنا اليكم انه لم يكن باطلاً، بل بعد ما تألمنا قبل وبغى علينا كما تعلمون في فيلبي بشجاعة في الهنا تكلمنا معكم بانجيل الله”(1تسالونيكي 2 : 1-2). وعندما يقول الرسول انه تحدث بشجاعة “في الهنا” فانه يوضح من هو هذا الاله فهو الذي كرز في بشارة انجيل الله الذي يبشر الامم أي المسيح.
23- “فانكم أيها الاخوة تذكرون تعبنا وكدنا اذ كنا نكرز لكم بإنجيل الله ونحن عاملون ليلاً ونهاراً كي لانثقل على احد منكم” وايضاً”من اجل ذلك نحن ايضاً نشكر الله بلا انقطاع لانكم اذ تسلمتم منا كلمة خبر من الله قبلتموها لاككلمة اناس بل كما هي في الحقيقة ككلمة الله التي تعمل ايضاًفيكم انتم المؤمنين”(1تسالونيكي 2 : 9-13).ألا يقول الرسول صراحة أن كلمة المسيح هي انجيل الله وانها كلمة الله ايضاً؟!أليس هذا ظاهراًبكل وضوح للجمتع.
24- “لانه قد ظهرت نعمة الله مخلصنا لجميع الناس معامة ايانا أن ننكر الفجور والشهوات..منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيمومخلصنا .يسوع المسيح”(تيطس 2 : 11-13). هنا جهراً يوصف الرب يسوع بانه “الله العظيم“، ذلك الذي ننتظر مجيئه المجيد فنصلي بحرارة ونعيش بالتقوى وبدون عيب. ولو كان المسيح انساناً لبس اللاهوت فكيف يسمى “الله العظيم”؟ وكيف يكون رجاؤنا فيه مباركاً؟ والنبي ارميا يقول “ملعون هو الرجل الذي يتكل على انسان”(17 : 5). ولو كان المسيح قد لبس اللاهوت فهذا لايجعله الهاً. وقياساًعلى ذلك لو دعونا كل من حل فيهم الله آلهة..فماذا يمنعنا من عبادتهم؟ لكن الرسول بولس يسمي المسيح:الله والعظيم، وان مجيئه مبارك. وبولس ايضاًفال لليهود عن عمانوئيل:”الذين منهم الآباء والعهد والمواعيد، ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكلالله المبارك إلى الأبد“(رومية9 : 4-5) ولقد كرز بولس بإعلان الهي..وهذا واضح اذ يقول هو نفسه:”وبعد اربعة عشر سنة صعدت إلى اورشليم مع برناباواخذت تيطس معي. ولقد صعدت بإعلان عليهم الانجيل الذي اكرز به، لكن عرضته على انفراد على المعتبرين لئلا اكون اسعى أو قدسعيت باطلاً”(غلاطية 2 : 1-2). ونحن نعلم أن بولس بشر بالمسيح للامم كإله، وفي كل مكان كان يتحدث عن سر المسيح مسمياً اياه بالسر العظيم الألهي. لقد صعد إلى اورشليم بموجب اعلان الهي، وعرض بشارته على المعتبرين أي الرسل القديسين والتلاميذ لئلا يكون قد سعى باطلاً. وعندما نزل من اورشليم واخذ يبشر الامم لم يصبح تعليمه ولم يغير بشارته التي سبقت صعوده اورشليم. ألم يستمر في الاعتراف بالمسيح الاله؟ بكل تأكيد، حتى انه يكتب قائلاً:”اني اتعجب من انكم تنتقلون هكذا سريعاًعن الذي دعاكم إلى انجيل آخر. ليس هو آخر، غير انه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أن يحولوا انجيل المسيح”ثم يضيف:”لكن أن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم به فليكن اناثيما”(غلاطية 1 : 6-7). ورغم أن الله حل في كل الذين بشرهم (بولس) إلاانهم تركوا كل شيء. ما سبب ذلك إلا أن الرسول كرز لهم بالمسيح الاله وحده؟!!.
25- كتب يوحنا الانجيلي عن المسيح:”وعندما كان في اورشليم في العيدآمن به كثيرون باسمه اذ رأوا الآيات التي صنع، لكن يسوع لم يأتمنهم على نفسه لانه كان يعرف الجميع ولانه لم يكن محتاجاً أن يشهد احد عن الإنسان لانه علم ماكان في الإنسان“(يوحنا 2 : 23-25). لوكان المسيح انساناًلبس اللاهوت الا يكون الذين آمنوا به وباسمه في اورشليم قد خدعوا؟ كيف عرف وحده ما في الإنسان؟ لان الله وحده هو الذي يعرف الإنسان لانه هو”الذي يصور القلوب واحداً فواحداً”(مزمور 33 : 15). ولماذا هو وحده يغفر الخطايا؟ فهو يقول:”ابن الإنسان له سلطان على الارض أن يغفر الخطايا”(متى 9 : 6).ولماذا هو وحده دون باقي الخلائق يجلس مع الآب على عرشه؟ لماذا تعبده الملائكة وحده؟ ولماذا علمنا أن نعتبر الآب “آبانا السماوي” لكنه تحدث عنه بطريقة خاصة وحده ومختلفة عن الطريقة التي علمنا اياها؟!.
ربما قال احد ما أن كل ما ذكرته من براهين يجوز أن تستخدم في مجال حلول الكلمة (في انسان). ولو كان الامر كذلك لكان على الكلمة أن يبدأ كلامه كما يبدأ الانبياء الذين حل فيهم الكلمة ويقول:”هكذا يقول الرب”، ولكنه لم يفعل، بل عندما شرع في وضع الشريعة التي هي اسمى من الناموس اشهر سلطانه كمشرع للناموس وقال:”أما أنا فاقول لكم”(متى 5 : 22و32و34و39و44).
وكيف يقول انه حر وليس مديوناًلله (متى 17 : 26)؟..السبب في ذلك هو انه الابن بالحقيقة. ولو كان انساناً لبس اللاهوت، لن يكون بطبيعته حراً ولان الله بطبيعته حر فهو وحده الذي يطلب الديون في الوقت المناسب.
وإذا كان المسيح هو غاية الناموس والانبياء، وقيل عنه انه انسان لبس اللاهوت -ألا يعطي هذا فرصة للبعض أن يقولوا في سخرية، أن غاية الناموس وبشارة الانبياء ادت في النهاية إلى ذنب عظيم وهو عبادة انسان؟.
لقد حدد الناموس عبادتنا لله على النحو التالي:”للرب الهك تسجد ةاياه وحده تخدم”(تثنية 6 : 13-متى 4 : 10). ولقد كان الناموس مؤدبنا وقائدنا إلى المسيح، والى معرفة اكثر سمواً من تلك التي حصل عليها الذين عاشوا في الظلال ([35]) وعبادتنا لله ليست شيئاً يستهان به حتى اننا نعبد بدلاًمنه انساناً حل الله فيه. وعلى ذلك ايهما افضل بالنسبة للايمان، طالما أن المسألة هي مجرد حلول الله، هل الافضل أن يحل الله في السماء أم يحل في إنسان؟ ايهما اشرف طالما أن المسألة هي مجرد حلول، أن يحل الله في السيرافيم أم في جسد بشري ارضي؟([36]).ولو كان(المسيح) انساناً لبس اللاهوت فما معنى القول:”شاركنا في اللحم والدم”(عبرانيين 2 : 14). كيف يتحقق هذا لو كان اللاهوت قد حل في انسان؟ هل يكفي الحلول لان يصبح (الكلمة) مشاركاً ايانا اللحم والدم. ولو كانت مشاركته اللحم والدم تجعل منه انساناً على النحو الذي يفهمه المعارضون للايمان، فالله حل في قديسين كثيرين، وهذا يعني انه لم يتجسد مرة واحدة بل ينطل الخطية بذبيحة نفسه”(عبرانيين 9 : 26). فلو كان الرأي المعارض صحيحاً، فكيف تبشرنا الكتب الالهية بمجيء واحد الكلمة؟.
26-لو كان المسيح انساناً حل فيه اللاهوت، فانه يصبح مجرد هيكل الله. وفي هذه الحالة علينا أن نسأل كيف يسكن فينا المسيح إذاً؟هيكل يسكن هياكل، هل هذا معقول؟! أم معقول انه هو الله الساكن فينا نحن هياكله بالروح؟!
لو كان المسيح انساناً لبس اللاهوت فلماذا يكون جسده وحده واهب الحياة بصورة دائمة؟!..
لو كان مجرد حلول اللاهوت يؤدي إلى هذا لنالت هذا الامتيازاجساد القديسين الذين حل فيهم الله ضابط الكل. وبولس الالهي يكتب في موضع آخر:”الذي يحتقر ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة يموت بدون رحمة، فكم عقاباًاشر تظنون انه يحسب مستحقاً من داس ابن الله وحسب دم العهد الذي قدس به دنساً؟!”(عبرانيين 10 : 28-29). والناموس الذي تكلم به الانبياء هو الهي والوصايا اعطيت عن طريق الملائكة. فكم عقاباً اشر يستحق ذاك الذي يدنس دم المسيح؟.وما هي افضلية الايمان بالمسيح عن العبادة حسب الناموس؟.ولماذا يكون العقاب اشر لو أن هناك مساواة بين الاثنين؟.لقد قلنا سابقاً أن المسيح ليس مثل باقي القديسين حل فيه اللاهوت. بل هو الله بالحقيقة ومجده اسمى من مجد العالم كله لانه بالطبيعة الله، فهو كلمة الله الآب الذي تجسد وصار انساناً كاملاً. ونحن نؤمن أن الجسد الذي اتحد به، فيه نفس عاقلة، ولهذا فالاتحاد كامل وحقيقي.
27-كيف يجب أن يفهم أن الكلمة تجسد وسكن فينا؟ وكيف نزل الينا كلمة الله؟. وماذا يجب أن نقول عن الجسد الذي هو جسده؟.يذكر الرسول بولس المبارك أن الابن الوحيد امسك بنسل ابراهيم وانه اشترك في اللح والدم وصار مثلنا(راجع عبرانيين2 : 14-16).ونحن نذكر ايضاً صوت يوحنا القائل:”والكلمة صار جسداً وسكن فينا”([37])(يوحنا1 : 14).فهل قصد هؤلاء الرجال الروحيون أن يعلمونا أن كلمة الله صار جسداً أي تغير؟.وهل من الصواب أن نعتقد أن الكلمة يمكن أن يتغير مثل المخلوقات؟.لو كان هذا هو قصد هؤلاء لتعين علينا أن نفترض اما أن يأتي الكلمة بارادته الحرة ويتغير إلى طبيعة اخرى، أو أن يرغمه آخر على قبول طبيعة اخرى..وكلا الافتراضيين لايظهران في النصوص الالهية.
حاشا لله أن يتغير لان طبيعته لايقبل أي تغيير، بل ليس فيها حتى ظل التغيير(يعقوب1 : 17)، وطبيعته الالهية السمائية قائمة على مالها من صفات لايمكن أن تتغير ابداً.
كيف إذا تجسد الكلمة؟ هذا ما نحتاج إلى معرفته..:
اولاً:ان الاسفار الالهية غالباًما تسمى الإنسان كله جسداً، أي تسمى الكل باسم الجزء..فيشلر تارة إلى الإنسان كله باسم الجسد، وتارة الإنسان بالنفس وحدها، كما هو مكتوب:”ويبصر كل جسد خلاص الله”(لوقا3 : 9).وكذلك بولس الالهي الناطق بالالهيات يقول:”لم استشر لحماً ودماً”(غلاطية 1 : 16).وموسى شارح الاسفار الالهية وستين الاسرائيليين:”والذين نزلوا إلى مصر من آبائكم كانوا خمسة وستين نفساً:(تثنية 10 : 23).ولايستطيع احد أن يقول أن الذين نزلوا إلى مصر هو نفوس عارية بلا اجساد، أو أن الاجساد بلا نفوسها هي التي سيعطيها الله بغنى من خلاصه ([38]).لذلك عندما نسمع أن الكلمة صار جسداً فلنعتقد انه تجسد وصار انساناً له نفس وجسد.لان الكلمو الله تجسد وصار انساناًكاملاً ودعى ابن الإنسان لان له نفساً وعقلاً، واتحد بكل مكونات الإنسان اتحاداًحقيقياً بطريقة يعرفها هو وحده.
أن كيفية الاتحاد هي فوق عقولنا.واذا اراد احد ما مثالاعلى ما نقول، وهو مثال اقرب لمن ينظر في مرآة لا لمن يتطلع إلى ذات الشيء فاننا نقول أن الكلمة اتحد بجسد له نفس عاقلة مثل اتحاد نفس الإنسان بجسده.ورغم أن الجسد من طبيعة اخرى مختلفة عن طبيعة النفس إلاان النفس تشترك مع الجسد وتتحد به حتى انها لاتبدو مختلفة عنه ولذلك فان الإنسان من الطبيعة المركبة، كائن حي واحد,إلا اننا نعرف أن النفس-كما قلت سابقاً-تظل مختلفة بطبيعتها.ولذلك نقول أن التجسد تمليس بالتبديل أو التغيير في طبيعة الكلمة، لانه عندما صار جسداً لم يفقد خواص لاهوته. كيف يمكن أن يحث هذا؟ انما تجسد الكلمة بان اتخذ جسداً من امرأة واتحد به في احشائها وولد هو نفسه وبعينه الله المتجسد دون أن يفقد بالمرة ميلاده غير المنطوق به من الله الآب، عندما ولد من امرأة. ولما تجسد سمح لجسده أن يتكون حسب القوانين الخاصة بالجسد، وأنا اقصد طريقة الميلاد والنمو.إلا أن الطبيعة البشرية لها فيه شيء خاص، فهو قد ولد من عذراء..وهو وحده الذي له أُم لم تعرف الزوج ([39]). وإذا قال يوحنا انه صار جسداً فقد اضاف:”وسكن فينا” لكي يعلن انه بالتجسد وسكناه فينا لم يفقد شيئاً ما من خواصه بل ظل كما هو.
وإذا قال يوحنا انه (الكلمة)، سكن(اوحل) فاننا نفهم من ذلك انه آخر سكن في آخر، أي سكنت الطبيعة الالهية في البشرية دون أن يحدث امتزج أو اختلاط أو تغيير ([40])إلى ما ليس هو من طبيعته (الكلمة).
والذي يحل في ىخر لايتحول إلى (طبيعة) الآخر الذي يحل فيه ولايصبح مثله..لانه إذا حدث هذا لايبقى أي مجال للحديث عن الحلول القائمة تظل كما هي، لكن المسيح الواحد هو منهما محتفظاً بالتمام -كما قلت سابقاً- بعدم الاختلاط([41])، لان يوحنا يقول “سكن فينا”، وهذا يعني أن يوحنا يؤكد أن الابن الوحيد المتجسد الذي صار انساناً هو هو الابن الواحد.وأنا ارجو أن تفهموا كيف يتوج الانجيلي الالهي بحكمة، الطبيعة البشرية كلها عندما يقول:”الكلمة سكن فينا“.فهو لايقول أن تجسد الكلمة حدث لاي سبب آخر إلا لاجلنا نحن لكي نغتني بالاشتراك فيه بالروح القدس وننال خيرات التبني.
ولذلك ففي المسيح حدث اتحاد كامل وحقيقي. اما فينا نحن، فعلى الرغم من انه (الكلمة) يحل فينا، إلا انه يحل فينا ليس جوهره بل هو حلول النعمة ([42])، لان المسيح وحده حل كل ملء اللاهوت جسدياص (كولوسي 2 : 9). ولم يحدث هذا باي نوع من المشاركة، أو مجرد صاة مثل لمعان النور علة جسم من الاجسام، أو عندما تبعث الحرارة دفأها الذاتي في جسم من الاجسام([43])، وامنا حدث اتحاد حقيقي للطبيعة الالهية غير الدنسة التي اختارت سكنى لها في الهيكل الذي ولد من العذراء، لانه بالاتحاد وحده يسوع المسيح هو واحد.وأنا انكر أن كل ما ذكرناه يفوق كل التعبيرات البشرية الممكنة، ولكن لايجب أن نتوفق عن التأمل والايمان بسر المسيح بسبب وجود صعوبة مثل هذه. بل ليظل هذا السر باستحقاق موضع إكرامنا، لآنه كلما كان السر فوق ادراك كل العقول وبعيداً عن امكانية التعبير عنه بكلمات ازداد ايماننا بعظمته وروعته.
ونحن لانلعم بان الكلمة عندما تجسد وصار انساناً كاملاً اصبح محدوداً فهذا هو الغباء بعينه. وانما نحن نعلم بانه يملأ السموات والارض وما تحت الارض، لان الله يملأ كل الاشياء لان طبيعته ليست مادية ولذلك لاتتجزأ. وعندما اخذ جسداً اصبح ذلك الجسد، جسد الكلمة، ليس على النحو الذي ننسب فيه الضحك للرجل أو الصهيل للحصان، وانما على نحو آخر مختلف تماماً. لاته اتحد بالجسد اتحاداً حقيقياً وجعله آداة لاتمام مقاصده في حدود امكانيات الجسد -ماعدا الخطية.
وإذا قيل أن الله الكلمة نزل الينا، فلا يفرغ احد ظاناً كيف نزل غير المادي من مكان إلى آخر. ولايجب أن يظن احد انه ينسحب من مكان لآخر، فهو يملأ كل الاشياء. بل علينا أن نفهم أن نزوله ومجيئه ليس تنقلاً من مكان لآخر بل بول الكلمة لخدمة مقدسة وارسالية سلمت بعد ذلك لتلاميذ المسيح، مخلصناكلنا.
ومرة اخرى يقول الرسول بولس الالهي عن المسيح:”لذلك لاحظوا ايها الاخوة شركاء الدعوة السمائية رسول ورئيس كهنة اعترافنا يسوع المسيح”(عبرانيين 3 : 1)..فما الذي علينا ملاحظته سوى أن الرسول يعلن عن خدمة المسيح التي اتمها في بشريته، لكنه في ذات الوقت هو بالطبيعة الله رغم أن الرسول ينسب إليه وظيفة الرسولية؟! وهذا لايضلد الحق بالمرة، كما قلت سابقاً أن الله الكلمة قيل عنه انه ارسل من عند الآب. فهو بكل تأكيد يملأ الاشياء ولايوجد مكان على الاطلاق يخلو منه. ولكننا نضطر لمثل هذه الاستعمالات لاننا نريد أن نفسر الاشياء الالهية بكلمات بشرية، ونريد أن نفهم تداير الطبيعة العدمية الموت، بمصطاحتنا المادية.
ومرة اخرى اقول أن الروح القدس يملأكل الاشياء، إلا أن الرسول المبارك يكتب ويقول:”بما انكم ابناء ارسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً آباً ايها الآب”(غلاطية 4 : 6). بل أن المخلص نفسه يقول:طمن الافضل لكم أن انطلق، لانه أن لم انطلق لايأتيكم المعزي. ولكنني مت ذهبت أنا ارسله اليكم“(يوحنا 16 : 7) وكل هذا لايعني انتقال الروح القدس من مكان لآخر([44]).ولكي لانخطيء في فهم هذه الامور علينا أن نعود دائماً إلى قاعدة التقوى ([45]) لكي نتبع فعرفة يقينية، لاننا متى فعلنا ذلك نفيد انفسنا بما هو صالح.
28- كيف نعتقد أن العذراء هي والدة الإله؟
ولد الكلمة من الله الآب بطريقة لاندركها بل هي فوق مستوى الادراك والفهم، وهذا يايق بالطبيع غير المادية. ولكن الذي ولد من ذات الآب وواحد معه بالجوهر لذلك يدعى “الابن“وهذا الاسم يوضح لنا حقيقة الميلاد الازلي.فكما أن الآب حي وكائن منذ الازل كذلك المولود منه حي وكائن معه منذ الازل على النحو الذي ذكره الانجيلي الحكيم:”الله الكلمة كان في البدء مع الله”راجع(يوحنا1 : 1) لكنه في الزمان الاخير “لاجلنا نحن البشر ولاجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد وتانس”([46]) دون أن يفقد خواصه، لان طبيعته غير متغيرة وكائنة إلى الابد في مجد الله الفائق، لكن لاجلنا وتدبيرياً قبل أن يخاى ذاته بل وقبل فقرنا، لانه وهو الغني افتقر -كما هو مكتوب -حتى نصبح نحن بفقره اغنياء (2كورنثوس 8 : 9) ولذلك تجسد وولد من امرأة حسب الجسد. والذي حدث انه اخذ من العذراء القديسة جسداً واتحد به اتحاداً حقيقياً. لذلك نعتقد أن العذراء القديسة هي والدة الاله، لانها ولدته حسب الجسد، لكنه مولود في ذات الوقت من الآب قبل كل الدهور.
والذين يفترضون أن الكلمة ابتدأ أو وجد عندما صار انساناً انما يفترضون رأياً مضاداً للتقوى وفي منتهى الفوضى. والمخلص نفسه يظهر لاصحاب هذا الرأي غباوتهم فيقول عن نفسه:”قبل أن يكون ابراهيم أنا كائن“(يوحنا 8 : 58). فكيف هو كائن قبل ابراهيم وهو قد ولد حسب الجسد بعده باجيال كثيرة؟ في هذا يكفي ما قاله يوحنا الناطق بالالهيات موبخاً اصحاب هذا الرأي:”الذي قلت عنه يأتي بعدي رجل صار قدامي“(يوحنا 1 : 30) وعينا نكتفي نما ذكرناه وان نترك هذا الرأي الغبي جداً لكي نتقدم إلى ما هو نافع.
لايضطرب احد عندما يسمع أن العذراء هي والدة الاله. ولايجب أن تمتليء النفوس بعدم ايمان اليهود أو بعدم تقوى الامم، فاليهود هاجموا المسيح قائلين:”لانرجمك لاجل عمل حسن تجديف لانك وانت انسان تجعل نفسك الله”(يوحنا10 : 33)، وكذلك ابناء اليونانيين (الامم) عندما يسمعون تعاليم الكنيسة أن الله ولد من امرأة يضحكون. وهؤلاء جميعاً سيأكلون ثمرة عدم تقواهم وسيسمعون منا”الغبي يتكلم باللوم وقلبه يصور له الاشياء الباطلة”0اشعياء32 : 6). وسر المسيح واضح لكنه لليهود عثرة ولليونانيين غباوة (1كورنثوس1 : 23) اما بالنسبة لنا نحن الذين نعرفه فهو سر الخلاص الذي يستحق كل اعجاب، واعظم من أن يكون موضع رفض أو عدم ايمان من احد.
وإذا كان هناك احد ما يتجزأ أو يعلم بان الجسد الترابي ([47]) هو الذي ولد الطبيعة الالهية غير الجسدانية، أو أن العذراء حبلت بالطبيعة التي هي فوق كل الخليقة، فان هذا هو البجنون بعينه. لان الطبيعة الالهية ليست من تراب الارض حتى تولد منه (من التراب) ولاتلك الخاضعة للفساد ([48]) تصبح اما لعدم الموت، ولاتلك الخاضعة للموت تلد الذي هو حياة الكل، ولاغير المادي يصبح ثمرة للجسد الذي بطبيعته خاضع للميلاد وله ابتداء في الزمان الجسد لايمكنه أن يلد الذي لابداية له.
لكننا نؤكد أن الكلمة صار مانحن. واخذ جسداً مثل جسدنا واتحد به اتحاداً حقيقياً بطريقة فوق الادراك التعبير. وانه تأنس وولد حسب الجسد. وذها ليس غريباً لايصدق أو يحظي بعدم الايمان..إلا تولد النفس البشرية وهي من طبيعة مختلفة عن طبيعة الجسد مع الجسد، لانها-كما قلنا سابقاً-متحدة به؟! ولا اظن أن احد سيفترض أن النفس لها طبيعة الجسد، أو انها تتكون معهن وانما الله بطريقة غير معروفة يغرسها في الجسد وتولد معه. ولذلك نحن نحدد أن الكائن الحي الواحد المولود هو من اثنين ([49]). هكذا الكلمة هو الله لكنه تجسد وايضاً ولد حسب الجسد .بطريقة بشرية، لذلك تدعى التي ولدته والدة الاله.
إذا لم تكن العذراء قد ولدت الله فلا يجب أن يسمى المولود منها الله. ولكن حيث أن الكتب الموحى بها تدعوه الله المتجسد، وحيث انه لاتوجد وسيلة اخرى للتجسد إلا الولادة من امرأة، فكيف لانسمي التي ولدته والدة الاله؟ وسوف ابين من الكتب المحى بها أن الذي ولد هو بالحقيقية الله.
أقوال عن الميسح
29- “هوذا العذراء ستحبل وتلد ابناً وسيدعون اسمه عمانوئيل”(اشعياء 7 : 14). فكيف -خبروني-يدعى الذي ولد من العذراء عمانوئيل؟. وكما قلت سابقاً “عمانوئيل” تعني أن كلمة الله هو بالحقيقة الله صار مثلنا بسبب الجسد. وقد دعى عمانوئيل لانه اخلى ذلته، وولد مثلنا ةتحدث معنا. لذلك فهو الله في الجسد والتي ولدته بالحقيقة هي والدة الاله، لانها ولدته حسب الجسد.
30- يقول النبي:”ويطرحون كل ثوب اقتنوه بالمكر وكل رداء سيغيرونه إذا ارادوا بالدماء. لانه يولد لنا ولد ونعطي ابناً وسيكون الحككم على كتفه ويدعى اسمه مشيراً الهاً قديراً”(اشعياء 9 : 5).هانحن نسمع انه يسمى ولداً لانه ولد مثلنا.لكنه عندما ولد اشارت إليه السماء بنجم لامع، فجاء المجوس ليسجدوا له من اقاصي الارض، وحمل الملائكة الاخبار السارة للرعاة وقالوا لهم”ولد لكم مخلص”،”وبشروا بالارادة الصالحة للآب”(لوقا 2 : 11).وهو ايضاً المشير الالهي لانه اعلن لنا عن الارادة الصالحة، لانه فيه (الابن) سر (الآب) أن يخلص الارض كلها. وفيه وبه يصالح العالم كله لنفسه، لاننا عندما نتصالح مع المسيح نتصالح مع الله ([50]) لذلك هو بالحقيقة الله وابن الله. وهو مشير الآب ورسوله الينا هو نفسه علمنا ذلك:”هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لايهلك كل مايؤمن به بل تكون له الحياة الابدية “(يوحنا 3 : 16).والابن الوحيد هو ذاك الذي ولد من العذراء القديسة لان الكلمة صار انساناً وهو الله في الجسد، ولهذا السبب قيل انه ظهر للذين على الارض.
واخيراًيقول (المسيح):”الذي يؤمن بي له حياة أبدية”(يوحنا 6 : 47) لاننا به وفيه نؤمن بالآب. ولذلك قال هو:الذي يؤمن بي لايؤمن بي بل بالذي ارسلني، والذي رآني فقد الآب الذي ارسلني”(يوحنا 12 : 44-45).
31- “اسمعي لي ايتها الجزائر واصغوا ايها الامم من بعيد، من بطن أمي يدعون اسمي الرب”(اشعياء 49 : 1). والكلمة هو الله، ولذلك لايجهل انه سيولد وسيتجسد من امرأة لاجلنا. وكان الكلمة يعرف انه سيدعى المسيح يسوع، لذلك يعلن لنا الله الآب مسبقاًالاسم الجديد ([51]) لابنه الذي سيبارك في كل ارجاء الارض (اشعياء 55 : 15-16). ولاحظ كيف يشير إلى امه التي ولدته..وحيث انه الله، فبالحقيقة أن التي ولدته حسب الجسد تدعى بالحق والدة الاله. اما إذا لم يكن هو الله كمل يتصور البعض وفي شر يقولون انه ليس الله، فليمنعوا لهذا السبب لقد والدة الاله عن العذراء.
32- الابن الوحيد هو الله حتى وإن ظهر في شكل إنسان.
صلى سليمان وقال:”الآن ايها الرب إله اسرائيل فليتحقق كلامك الذي كامت به داود عبدك. هل يسكن حقاً مع الإنسان على الارض”(2اخبار 6 : 17-18). لاحظ كيف يتعجب سليمان من تجسد الكلمة.وهو فعلاً شيء عجيب أن يسكن (الكلمة) مع الناس على الارض. ولكن ما هو العجيب وما هو الجديد والجدير بالاعجاب والدهشة إذا ظل الله مع الاشياء التي سر بها والتي يحفظها أو التي سيخلقها في المستقبل؟!([52])
بالحقيقة هي أعجوبة فريدة وخاصة أن يتجسد أن الله وان يسكن مع الناس على الارض حسب المواعيد التي اعطيت لداود الالهي([53]). كما هو مكتوب:”حاف الرب لداود بالحق ولن يرذله أن من ثمرة بطنك اجعل على كرسيك”(مزمور 132 : 11). وبالحقيقة عرف داود أن الله ضابط الكل لن ينكر مواعيده، لكنه بحث عن المكان الذي سيولد فيه وعن الذي سيحلفه على كرسيه.ولذلك قال:”لااصعد على سريري ولااعطي نوماً لعيني ولالأجفاني نعاساً ولاراحة لي في مقادسي حتى اجد مكاناً للرب ومسكناً لإله يعقوب”(مزمور 132 : 3-5).وعندما عرف الروح مكان ميلاد الابن الوحيد بالجسد، بشر به وقال:”ها قد وجدناه في أفراته “(مزمور 132 : 6) أي في بيت لحم..وجدناه في الغابة. وافراته هي بيت لحم بكل يقين لان النبي يقول:”وانت يابيت لحم أفراته”(ميخا5 : 2). ولاحظ أن الذي ولد في أفراته يسمى”إله يعقوب” الذي حل في المسكن (الجسد)، لانه هناك في أفراته ولدتالعذراء يسوع. وفي موضع آخر يسيمه داود “إله ابراهيم” عندما يقول “رؤساء الشعوب اجتمعوا مع اله ابراهيم”(مزمور47 : 9). ولان داود قد تدرب على معرفة ما سيحدث في المستقبل رأي بعيني قلبه، وباستنارة الروح القدس “رؤساء الشعوب” أي الرسل القديسين في طاعة ربنا يسوع المسيح ([54]). وهكذا دعى اله ابراهيم واله يعقوب ذاك الذي من امرأة. فلماذا لاتدعى العذراء والدة الاله؟!
33- يقول النبي حبقوق “يارب سمعت خبرك فجزعت، وتفكرت في اعمالك وارتجفت، في وسط الحيوانيين تعرف، وعند مجيء الوقت المعين تظهر، وعندما اضطربت نفسي هل في الغضب ستذكر الرحمة. سيأتي الله من تيمان والقدوس من فاران”(حبقوق3 : 2) عندما ولد من امرأة، عاش حتى صلب على الصليب المكرم([55])، لكي بنعمة الله يذوق -بالجسد – الموت لاجل كل انسان0( عبرانيين2 : 9). ولكن لانه الله، قام إلى حياة الابد.وعندما احتمل الآم الصليب، عرف بين الحيوانيين (اللصين).كما قال هو نفسه في موضع آخر لليهود:”عندما ترفعون ابن الإنسان تعرفون اني أنا هو”(يوحنا8 : 28). لكن كيف يدعوه النبي الله؟.إلا يخبرنا انه سوف يأتي من تيمان ومن جبل فاران؟.وتيمان تعني الجنوب، ونحن نعلم أن المسيح ظهر ليس في الشمال بل في الجنوب من اليهودية حيث توجد بيت لحم.لذلك فالذي يدعى الرب والله جاء من الجنوب، أي اليهودية، لانه ولد في بيت لحم. فكيف لاتكون العذراء مريم التي ولدته والدة الاله.
34- في سفر التكوين مكتوب”وبقى يعقوب وحده، وصارعه انسان حتى طلوع الفجر. ولما رأي انه لايقدر عليه ضرب حق فخذه وقال له:”أطلقني لانه طلع الفجر ولكنه قال:”لااطلقك إلا إذا باركتني” وبعدها مكتوب “وباركه هناك. ودعى اسم ذلك المكان وجه الله، وقال:لانني رايت الله وجهاً لوجه وحفظت حياتي. واشرقت الشمس عندما عبر المكان الذي سماه وجه الله وهو يخمع على فخذه”(تكوين32 : 24-31)..ان معنى هذا النص سري لانه يشير إلى مصارعات اليهود مع المسيح، لكنهم سوف يستسلمون ويطلبون بركته عندما يعودون إليه بالايمان في الايام الاخيرة. لكن لاحظ هذا :كان يعقوب يصارع مع انسان، ومع هذا دعاه يعقوب”وجه الله”..ليس هذا فقط بل هو عرف انه الله بالحقيقة. ولذلك قال اني رآيت الله وجهاً لوجه لانه هو “صورة جوهر الآب”([56]) (عبرانيين1 : 3). وفي هذا المعنى تحدث الرب مع اليهود عن الله الآب:”لم تروا وجهه وليست كلمته ثابته فيكم لانكم لاتؤمنون بالذي ارسله اليكم”(يوحنا5 : 37-38). لكن الله بالحقيقة هو ذلك الإنسان الذي صارع يعقوب. والكتب المقدسة تقدم لنا برهاناً على ذلك:”وقال الله ليعقوب قم اصعد إلى بيت ايل، وأقم هناك مذبحاً لله الذي ظهر لك حين هربت من وجه عيسو اخيك (تكوين 35 : 24).
35- اخبرنا دانيال النبي عن الرؤيا المخيفة التي رآها وقال:”كنت ارى رؤيا في الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن الإنسان اتى وجاء إلى القديم الايام، فقربوه قدامه فاعطى سلطاناً ابدي لن يزول وملكوته لن ينتهي”(دانيال7 : 13-14). اسمع كيف اخبرنا دانيال انه لم يرى مجرد انسان، حتى لايؤمن احد أن عمانوئيل مثل أي واحد منا، بل قال بتدقيق”مثل ابن الإنسان” لان الكلمة هو الله لكنه صار في شبه الناس ووجد في الهيئة كإنسان (فيلبي 2 : 7-8). لكي ما نعرف انه هو نفسه الله المتأنس وانه ليس انساناً فقط ولاهو بدون ناسوت. لذلك يقول دانيال انه قد اعطي الرئاسة والكرامة التي له منذ الازل، لانه يقول:”وكل الشعوب والامم والالسنة تتعبد له“لذلك فالابن الوحيد كلمة الله حتى وهو في الجسد تعبده كل المخلوقات.وايضاً وهو في الجسد له ملكوت الآب، لانه هو ايضاً ملكوته. فاذا ولدته العذراء مريم بالجسد، فكيف لاتكون والدة الاله ([57])؟!.
36- آلام المسيح.كيف انه من المفيد أن نتحدث بطرق مختلفة عن الواحد بعينه الله المتجسد دون أن نقيمه إلى اثنين.
يحدثنا القديس بولس عن الالآم المخلصة ([58]) فيقول:”لكي بنعمة الله يذوق الموت”(عبرانيين2 : 9).وايضاً:”سلمت اليكم اولاً ما استلمته أنا ايضاً أن المسيح مات عن خطايانا حسب الكتب وانه دفن وقام في اليوم الثالث”(1كورنثوس15 : 3-4).
وكذلك بطرس الحكيم جداً يقول هو ايضاً:”فاذ قد تألم المسيح بالجسد لاجلنا..”(1بطرس 4 : 1)..هكذا نؤمن أن ربنا يسوع المسيح الواحد أي الكلمة، رأيناه في شكل بشري عندما يجسد وتأنس وصار مثلنا.ولكن كيف ننسب إليه الالآم وفي نفس الوقت نؤكد انه كإله لايتألم؟
الآلام تخص التدبير.والله الكلمة جعل ما يخص جسده يخصه هو نفسه بسبب الاتحاد الفائق الوصف. لكنه ظل فوق الآلام حسب مقتضى طبيعته لان الله لايتألم. ولاغرابة فيما نقول، لان نفس الإنسان تظل فوق الآلام عندما يتألم جسدها. ونحن لانعتبر النفس بعيدة عن الآلام، أو أن الآلام عندما تحدث للجسد لاتخص النفس..لان الجسد الذي يتألم هو جسدها. وعندما يتألم الجسد فالنفسالمتحدة به وهي من طبيعة بسيطة لاتلمس لاتظل بعيدة عن الالم لان الجسد الذي يتألم ليس غريباً عنها بالمرة. هكذا يمكننا أن نفهم آلام المسيح مخلصنا كلنا.
وسوف استخدم امثلة توضح لنا جزئياً (كما يرى المرء ظلال شيء كيف بسبب الاتحاد اشترك الابن الوحيد في الآلام ومع ذلك ظل حراً من الآلام كإله..
امر القديس موسى النبي الحكيم أن يقوم بمعجزات حتى يؤمن اسرائيل أن الله ارسله لكي يحررهم من العبودية. فقال له الله:”تأخذ من ماء النهر وتسكب على الارض فيصير الماء الذي تأخذه من النهر دماً علىى الارض”(خروج2 : 9).ونحن نقول أن الماء هو صورة الحياة، ةانه رمز لميلاد الابن الوحيد من الآب لانه مولود من الآب مثل خروج الماء من النهر لان الابن من ذات جوهر الآب([59]). وهو الحياة ويحيي كل الاشياء. وعندما يقول الله لموسى:”وتسكب الماء على الارض فيصير الماء دماً فقد اشار إلى التجسد، لانه عندما اخذ جسداً ارضياً من تراب الارض. ولذلك قيل انه مات به (الجسد) مثلنا، رغم انه بطبيعته هو الحياة.
وفي سفر اللاويين يأمر الله بأبعاد الابراص عن المحلة لانه ملوث ونجس، لكن عندما يبرأ فانه يتطهر. ولذلك يأمر الناموس الكاهن أن يؤخذ للمتطهر عصفوران حيان طاهران وخشب ارز وقرمز وزوفا ويأمر الكاهن أن يذبح العصفور الواحدفي اناء خزف علة ماء حي. اما العصفور الحي فيأخذه مع خشب الارز والقرمز والزوفا ويغمسها مع العصفور الحي في دم العصفور المذبوح على الماء الحي، وينضح على المتطهر من البرص سبع مرات فيطهره ثم يطلق العصفور الحي على وخه الصحراء (لاوييين 14 : 4-8). وهكذا بدم المسيح الكريم وبالمعمودية المقدسة نتطهر ونغتسل من لطخات القذارة العالقة بنا ومن موت الشهوات الحسية. وعلينا أن نلاحظ كيف تتحدث الاسفار المقدسة رطريقة خفية. فالاسفار تشبه المسيح بعصفورين-دون أن يعني هذا وجود ابنين-بل واحد من اثنين أي لاهوت متحد بالناسوت. العصفوران طاهران وهذا يشير إلى أن ربنا يسوع المسيح لم يخطيء، لان الكلمة قدوس في لاهوته وناسوته. ولذلك لتسخدم الكتاب المقدس الطيور كإشارة ورمز اليه. فارتفاع الطيور في الهواء هو رمز إلى ارتفاعه والى انه من فوق، لان المسيح هو الإنسان الذي من السماء(1كورنثوس15 : 47) رغم انه ولد من العذراء بالجسد..كيف هو من فوق ومن السماء؟ الله الكلمة من فوق ومن الآب، اخذ جسداً من العذراء القديسة وجعله جسده الخاص ورغم ميلاده من العذراء الااننا نقول انه نزل به من السماء وانه من فوق”ليس احد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الانسان”(يوحنا3 : 13). وهذا القول نفهمه على النحو التالي:
أن الكلمة يعطسي جسده من صفاته، حتى اننا يمكننا أن نقول بسبب الاتحاد انه (الجسد) نزل من السماء، لانه(الكلمة) عندما اتحد به جعله واحداً معه ([60])، ولاحظ انه عندما يذبح العصفور الاول يغمس العصفور الثاني في دم الاول دون أن يموت. مامعنى هذا؟ أن الكلمة حي وان مات جسده، وبسبب الاتحاد اشترك هو في الآلام لان الجسد الذي تألم هو جسده هو وهو الواحد بعينه، اقتبل هو نفسه الآلام دون أن يتألم طبيعته. ومما يساعدنا على الفهم-بل هو ضروري ونافع لنا-ان نعرف الفرق بين التعبيرات المختلفة التي تستخدم للحديث عن المسيح الواحد، وهي كلها لاتنطوي على أي نوع من التجزئة بل تتحدث عن الواحد دون تقسيم، ودون أن يشير إلى ابنين رغم أن ما حدث للمسيح وكتب(في الاسفار المقدسة) يبدو ظاهراً غير ونسجم مع بعضه. وهذا مت اعنيه بكل دقة في الامثلة الآتية:
اننا نقول أن الله الكلمة ولد من امرأة حسب الجسد، رغم انه هو نفسه يعطي الميلاد لكل البشر ويدعو الاشياء التي لم تولد بعد إلى ميلاده في الوقت المعين. فكيف يولد من امرأة ويخلق الاشياء في ذات الوقت؟ هذا ما اعنيه عن التعبيرات المختلفة التي تصف الواحد بعينه. فهو ولد عندما صار انساناً مثلنا. وهو يدعو الاشياء التي لم توجد بعد إلى الوجود لانه الله. وهكذا ايضاً مكتوب عنه:”ةكان الصبي ينمو ويتقوى مملوءاً من الحكمة والنعمة”(لوقا2 : 4). هو كامل كإله، ومن ملئه نحن اخذنا لانه يمنح العطايا الروحية للقديسين، فهو نفسه الحكمة ومعطي النعمة. فكيف ينمو الصبي، كيف يمتلء من الحكمة والنعمة؟ هذه هي التعبيرات المختلفة التي تتحدث عن إله متأنس وتصفه بصفات انسلنية بسبب الاتحاد الكامل، كما انه يوصف ايضاً بانه معطي النعمة والحكمة كالله.
وهو يدعي البكر والابن الوحيد.واذا فحص احد ما عن معنى الكلمتين وجد انه البكر لان له اخوة كثيرين، لكنه الابن الوحيد وحده الذي لااخوة له بالمرة. ومع هذا هو ذاته البكر والابن الوحيد.كيف؟ هو البكر ضمن اخوة كثيرين بسبب الطبيعة البشرية التي اخذها، وهو نفسه الابن الوحيد لانه وحده مولود من الله الآب.
وايضاً قيل عنه انه تقدس بالروح وانه ايضاً يقدس كل الذين يأتون اليه. اعتمد حسب الجسد، ولكنه يعمد بالروح القدس كل الذين يأتون اليه.كيف هو نفسه يتقدس هو الذي يقدس؟ كيف اعتمد ويعمد؟ يتقدس كإنسان ولذلك يقدس الهياً كل الذين يعمدهم بالروح القدس.
هو نفسه اقام الموتى لكنه اقيم من الموت، وهو الحياة بطبيعته لكنه احيى. كيف يكون هذا؟هو ذاته الذي اقيم من الاموات وقيل انه احيى حسب الجسد، إلا انه هو الذي يقيم ويحيي الموتى كإله. هو يتألم ولكنه لايتألم، أي انه يتألم في الجسد كإنسان لكنه غير قابل الألم كإله.
هو نفسه اشترك في الصلاة معنا اذ قال انتم تسجدون لمن لاتعلمون، ولكننا نسجد لمن نعلم. وهو عبد معنا لانه اخذ الطبيعة التي تسجد. لكن إليه ايضاً تقدم العبادة لانه اسمى من كل المخلوقات التي تسجد، فهو الله([61]).
لكن لايجب أن نفضل بين الناسوت واللاهوت، ولا أن نقبل الاعتقاد بان الناسوت متصل باللاهوت اتصالاً شرفياً، ولانقبل القول باننا نعبد الناسوت معه، لان هذا القول يطفح بعدم التقوى..بل نعبد الواحد كلمة الله المتجسد الذي تانس واخذ جسداً اتحد به، له نفس عاقلة مثل نفوسنا. وعندما نعبد الابن لايجب علينا أن نفصل بين الناسوت واللاهوت أو نعتقد بوجود اقنومين لان الله ضابط الكل لم يطلب منا نحن والملائكة أن نعبد بكرين، لان البكر الذي ادخل إلى العالم هو واحد(عبرانيين1 : 6).واذا دققنا النظر في الطريقة التي دخل بها الينا سنجدها سر التدبير الخص بالتجسد. فلقد ادخل البكر إلى العالم عندما تأنس، لكنه في العالم دائماً وفوق كل ما هو ارضي، وهو بالحقيقة في مجد الالهوية. والفرق بينه وبين المخلوقات هو الفرق بين الخالق والمخلوقات، لانه الله بالطبيعة واسمى من كل الاشياء.
واحد فقط نسجد له -كما قلت سابقاً- حتى عندما تجسد وصار البكر ضمن اخوة كثيرين. واحد هو الذي سجد له المولود الاعمى عندما شفي بمعجزة لان الانجيلي يذكر:”ووجد يسوع في الهيكل وقال له:هل تؤمن بابن الله فقال الذي شفي:ومنن هو ياسيد حتى اؤمن به؟”..عندئذ اعلن المسيح عن نفسه متجسداً بالكلمات التالية “الذي تراه وهو الذي يكلمك هو هو”(يوحنا9 : 37). وهكذا استخدم المسيح صيغة المفرد وهذا يعني انه لم يسمح بان نفصل اللاهوت عن الناسوت. لذلك إذا اراد احد ما أن يصف عمانوئيل بانه انسان فقط فعليه أن يتذكر أن الاسم لايشير إلى انسان فقط بل إلى كلمة الله الذي اتحد بطببعتنا. الواحد ذاته سجد له التلاميذ عندما رأوه ماشياً على المياه:”سجدوا له قائلين بالحقيقة انت ابن الله”(متى14 : 33).
ونحن لانقول اننا نعبد الناسوت مع اللاهوت لان في هذا القول فصل شنيع، فكلمة “مع” تقال ضمن حديث واضح عن طبيعة مركبة سوف تغزي بالحديث عن اثنين. وعادة نحن لانتحدث عن واحد بغينه ونقول انه يحيا مع نفسه أو اكل مع نفسه أو صلى مع نفسه أو مشى مع نفسه..ذلك أن حرف الجر”مع” متى اضيف اصبح يعني الاشارة إلى شخصين (اقنومين). لذلك كل من يقول انه يعبد الناسوت مع اللاهوت يعتقد بدون شك بوجود ابنين، ويفصل اللاهوت عن الناسوت. والاتحاد نفسه إذا اخذ على انه مجرد مشاركة في الكرامة أو السلطان يصبح اتحاداً غير حقيقي..وهذا ما اوضحناه بكلمات كثيرة سابقاًز
37- ضد الذين ينكرون الاتحاد الطبيعي:
البعض يثرثر ويهذر على التدبير الخاص بتجسد الابن الوحيد([62])، ويحاولن أن ينالوا من السر الكريم العظيم والغالي جداً عندنا وعند الارواح السمائية..هذا السر الذي به نخلص، يحاولون أن يشوهوا جماله الحق. مع أن الاجدر بهم أن لايستهينوا بما هو حقيقي بل عليهم أن يتطلعوا بعيون فاحصة مشتاقة إلى أن تعرف عمق الاسفار المقدسة حتى يسيروا على ذات الدرب الصحيح تابعين الاباء القديسين الذين علموا مستنيرين بالروح القدس وحددوا لنا الايمان وقالوا أن الله الكلمة مولود من ذات الجوهر الآب بطريقة لايعبر عنها وانه به خلقت كا الاشياء ما في السماء وما على الارض، الذي لاجلتا ولاجل خلاصنا نحن البشر نزل إلى السماء وتجسد وتأنس وتألم وصعد إلى السماء وسياتي في وقته ليدين الاحياء والاموات([63])
لكن البعض الذين يظنون انهم متعلمون وهم في الحقيقة مغرورون وقد انتفخوا بالكبرياء، متى سمعوا كلمات الايمان يهزأون بها ويهاجمون حقائق الايمان مدعين انها افكار جنونية. لكننا نحن نعتقد على وجه الخصوص أن معرفة الحق قد كشفت باستنارة الروح القدس للقديسين اما هؤلاء المستهزئون الذين يظون انهم وحدهم يعرفون ما هو الصواب، هؤلاء لايعترفون بان الابن الوحيد ابن الله هو ذاته الله الكلمة المولود من ذات جوهر الآب الذي تألم في جسده لاجلنا رغم انه كإله غير قابل للالم. وهم يدعون بان الكلمة لبس-بشكل مستقل عنه(مثل من لبس الرداء ويصبح الرداء ملتصقاً به فقط)-الجسد الذي ولد من العذراء القديسة، وانه نسب إلى جسده نوعاً من المجد بسبب الصلة التي نشأت نتيجة اتصال الكلمة بهذا الجسد.وهم لايؤمنون بالاتحاد بل يقولون أن الابن في الجسد حصل من الله على المساواة في الكرامة والسلطان حتى انه دعى بالاسماء المعروفة. الابن والمسيح والرب. هذا اختراع لاصحة له على الاطلاق.والانسان الذي اخترعوه وقالوا انه تألم وان آلامه تنسب للكلمة مادام الإنسان يسوع المسيح قد اتصل بالله الكلمة..هذا تعليم بانفصال اللاهوت عن الناسوت أي بقاء الطبيعتين كل على ما هي عليه بدون اتحاد.
انني اريد أن اكشف ضعف هذا الرأي على قدر استطاعتي. وسوف أبدأ بشرح ما تذكره الاسفار الالهية عن الابن المتجسد!لقد جاع المسيح، وتعب من الرحلة(المشي)، ونام في القارب مرة، وضربه معذبوه، وجلده بيلاطس، وبصق عليه الجنود، وطعن في جنبه بالحرية وقدم له الخل والممزوج بالمر. بل اكثر من هذا ذاق الموت وتألم على الصليب وتحمل اهانات اليهود. كل هذه الامور يعتقد المخالفون انها حدثت لانسان ويمكن أن تنسب فقط لاقنوم الابن ذاته. لكننا نعتقد بإله واحد الآب ضابط الكل خالق كل الاشياء المنظورة. وايضاً بالواحد ربنا يسوع المسيح ابنه، ونرفض أن نقسم عمانوئيل إلى انسان مستقل عن الكلمة، بل نعترف بان الكلمة صار انساناً بالحقيقة مثلنا وانه هو نفسه إله من إله. واذ اخذ شكلنا صار انساناً مثلنا مولوداً من امرأة، وانه بسبب اتحاده بالجسد تألم بكل الاهانات لكنه احتفظ بما له من عدم الألم لانه ليس انساناً فقط بل هو نفسه الله. وكما أن الجسد هو جسده هكذا آلام الجسد ورغباته غير الدنسة وكل الاهانات التي ةجهها البعض، كل هذا احتمله هو لانه كان موجهاً إلى جسده الخاص به. لقد تألم دون أن يتألم ([64]). ولما وضع ذاته لم يتحول إلى بشر لانه احتفظ بخواص طبيعته وبكل ما يجعله اسمى من المخلوقات، ولهذا وحده يمكننا أن نتحدث عن تواضعه.واذا افترضنا انه تغير أو تحولت طبيعته الالهية إلى طبيعة جسدية فان ذلك يقتضي منا الاعتراف بارادتنا أو بغير اردتنا أن الطبيعة الالهية قابلة للتغيير لكنه ظل غير متغير رغم تجسده لان من خواص الطبيعة السمائية عدم التغير وعدم الالم بينما من خواص الجسد التغيير. وبسبب هذا الاتحاد نقول انه تألم حينما تألم جسده لكن صفة عدم الالم هي ايضاً صفة حقيقية تخصه.
وإذا كان عمانوئيل قد تمجد بالالم كما قال نفسه عندما جاء لكي يتألم على الصليب المكرم:”الآن ابن الإنسان يتمجد”(يوحنا13 : 13)،فلماذا لايخجل الذين ينسبون مجد الالم إلى انسان له مجرد صلة شرفية تجعل له كرامة الكلمة؟. لانه حسب ظنهم الخاطيء يعتقدون أن الابن حسب ارادة الآب ومسرته الصالحة اتصل بانسان وجعل هذا الإنسان مساوياً له في مجده، وسمح لهذا التعليم الخاطيء أن الكلمة لم يتجسد ولايتانس بالمرة. وهذا يجعلنا نعتبر معلمي المسكونة القديسين، معلمين كذبة. وإلا دعوا اصحاب الرأي المخالف يبرهنون لنا أن مجرد اتصال بين الكلمة وانسان 0اي مجرد الاتصال) له قوة وفاعلية التجسد!. وإذا ظنوا أن استنتاجنا هو غير ما تعلمون به فلماذا لاتيحدثون عن التجسد؟ ولماذا يصفونه بانه مجرد اتصال بين اثنين؟. أليس من الصواب أن يقولوا أن كلمة الله الآب اتحد بانسانيتنا ؟. وهكذا نعتقد انه في جسده الخاص قد تألم لان الالام تخص الناسوت، بينما اللاهوت هو فوق الالام.
لكن طريقتهم في فهم آلام المسيح وهي مجرد نسبة الالام له، لااعرف كيف اخترعوها-لانهم بهذه الوسيلة قد سلبوا من عمانوئيل مجده ([65]) وجعلوه مثل باقي الانبياء. هذا فعلوه هذا فعلوه بكل يقين، وهذا ما سوف ابرهن عليه في الاسفار الالهية..
تذمر الشعب على موسى وهرون في البرية:”ليتنا متنا بيد الرب في ارض مصر اذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزاً للشبع”(خروج 16 : 3) وكان على موسى الحكيم أن يسألهم:”لماذا تتحدثون بصيغة الجمع “نحن”-من نحن؟ انتم تتذمرون ضد الله وليس ضدنا نحن أي أنا هارون. لان الله ضابط الكل كان يحكم ويملك في العهد القديم شعب اسرائيل من خلال الانبياء حتى رفضوا ملك الله وتذمروا ضد صموئيل (1صموئيل8 : 50) وطلبوا ملكاً يلك عليهم. واذ حزن النبي جداً قال له الله:”اسمع لصوت هذا الشعب لانهم لم يرفضوك انت بل اياي قد رفضوا لكي لااملك عليهم”(1صموئيل8 : 7). وفي موضع آخر قال المسيح ايضاً للرسل القديسين:”الذي يقبلكم يقبلني”(يوحنا13 : 20). ووعد انه سوف يخاطب الرحماء الذين سيقفون امام كرسيه”تعالوا إلىيامباركي ابي خذوا الملك المعد لكم قبل انشاء العالم”(متى25 : 34) وانه سوف يعترف بهم كخاصته-والذين سلكوا طريق البر وكانوا مترفقين بالاخرين:”ما فعلتموه باحد هؤلاء الصغار فبي قد فعلتم”(متى25 : 40)ز
وفي كل الاقوال السابقة واضح كيف ينسب كل شيء لصاحبه-فشعب اسرائيل كان يتذمر ضد موسى وهرون، إلا أن الامر نسب لله رغم أن موسى وهرون هم بشر مثلنا. وكذلك الذين كانوا مترفقين ورحماء مع الاخرين، هؤلاء نسبت افعالهم للمسيح نفسه لانها كانت موجهة إليه رغم أن ما فعلوه كان مع بشر مثلنا. فهل هذا هو الذي يقصدونه بالحديث عن انتساب الالام للكلمة، لانه (الكلمة) كان على صلة بانسان يتالم؟ إذا صح هذا، فلماذا لايحسب هذا المتألم مجرد انسان ولاشيء غير انسان وإذا صح هذا فان عمانوئيل ليس الله بالحقيقة ولاالابن الوحيد ولابالطبيعة الله. وفي الامثلة السابقة حسبت اعمال البشر الموجهة لموسى وهرون موجهة ضد الله، وكذلك اعمال القديسين الذين ترفقوا ورحموا الجوعى والمرضى حسبت اعمالهم على انها موجهة للمسيح. إلاانه لاموسى ولاهرون ولاالرحماء اكرمهم الكلمة وجعل اياً منهم شريكاً ومساوياً له في الكرامة.
وإذا قالوا أن هذا الإنسان وحده(المسيح) هو الذي نال الكرامة والمساواة. فماذا ستقولون عندما ترون اله ومخلص الكل يجلس ويدين ليس حسب الظاهر بل بالعدل (يوحنا7 : 24)؟. لماذا يجلس هو وحده مع الآب؟ وكيف سيأتي كديان ومعه الملائكة تخدمه؟ لماذا نعبده هو وحده، ومعنا كل الارواح السمائية؟. أن الهراطقة يوفقون على ما نقوله الآن ويعترفون انه حق أي أن الالام لم تلمسه كإله، لكنهم مخطئون جداً في فهمهم لالام المسيح([66]).من كل هذا يظهر لنا انه وان كان الكلمة قد تجسد، إلا انه وهو في الجسد لم يكن مثل الباقين (اي الانبياء..إلخ) ةنحن ياسادة نؤمن بالاتحاد بين الكلمة والناسوت، ونرى أن الالام تخص الناسوت ولكنه غير قابل للالام كإله. وان قد تجسد وصار مثلنا إلااننا نعترف بألوهيته ومجده الفائق ووعطاياه الالهية.
ونحن نضع الاتحاد كاساس للايمان. ونعترف بانه تألم في الجسد ولكنه ظل فوق الالام لان عدم التألم من طبيعته. وعلينا الاحتراس من فصل اللاهوت عن الناسوت ومن التقسيم إلى طبيعتين أو فصل كل طبيعة عن الاخرى، فاننا نضع الذي ولد من العذارء القديسة أي عمانوئيل-الذي يعني اسمه”معنا الله”-في ذات مقام موسى وهرون.
وعلى الرغم من انه يقول من خلال الانبياء:”بذلت ظهري للضاربين. وجهي لم استر عن العار والبصاق”(اشعياء50 : 6)، وايضاً:”ثقبوا يدي ورجلي واحصوا كل عظامي”9مزمور22 : 16-17)،”وضعوا في طعامي علقماً وفي عطشي يسقونني عظامي”(مزمور69 : 21) فاننا نخصص كل هذه للابن الوحيد الذي تألم تدبيرياً في الجسد حسبما تعلم الكتب المقدسة:”لاننا بضرباته شفيعاً..”(اشعياء53 : 5).ولكننا نعترف انه غير قابل للام بالطبيعة. لذلك كما قلت سابقاً هو نفسه إله متأنس، والالام تخص الناسوت أي تخصه هو لكن من حيث هو إله هو غير قابل للالام.
هذا هو الاعتقاد الصحيح الذي يجعلنا اتقياء، وهذه هي التعاليم الارثوذكسية التي تجعلنا نتقدم وننمو ونسعى إلى جائزة عودتنا العليا(فيلبي3 : 14) في المسيح يسوعن الذي به وله مع ألاب المجد مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين (أه) ([67]).
([1]) يشرح القديس كيرلس في هذا النص من إنجيل يوحنا معنى حلول الروح القدس بشكل حمامة أي الطيران السريع علامة على الشوق
([2]) أمسك بنسل ابراهيم تعني ليس مجرد إتخاذ الجسد البشري بل أن يحسب مثل الناس لأنه صار ضمن الناس.
([3]) يمكن ترجمة عمانوئيل إلى الله معنا أو معنا الله حسبما يظهر من اصلها العبراني ، إذ تأتي كلمة معنا قبل كلمة إيل.
راجع Fohrer, Hebrew and Aramic Dictionary of the O.T P 33.
([4]) يشرح القديس كيرلس “عمانوئيل “على انه اسم الله عندما صار معنا بالجسد، لأنه معنا منذ بداية العالم ولكنه أصبح معنا عل النحو جديد فريد .ولذلك وضع كيرلس هذه العبارة لكي يدعم معنى :”الله معنا”.
([5]) أو المولود من الآب
([6]) أي نجسد
([7]) أي الوهيته.
([8]) أي مثل طبيعتنا.
([9]) شاع استخدام كلمة الهيكل للدلالة على ناسوت المسيح في كل الكتابات المسيحية منذ العهد الجديد .(راجع يوحنا 2 : 19-20) وهو تعبير هام يؤكد أن ناسوت المسيح هو مكان حلول الله.
([10]) تتكرر كلمة تدبير في هذه المقالة، وهي تعني أن هناك اموراً معينة قام بها المسيح مثل الجوع والعطش والألم إلخ، وكل هذه كانت جزءاً أساسياً في لحظة الخلاص .او كانت الخطة (التدبير) هي أن يكون للمسيح كل صفات الناسوت.
([11]) راجع ثيؤتكية الخميس “لم يزل إلهاً أتى وصار ابن البشر، ولكنه هو الاله الحقيقي اتى وخلصنا “.
([12]) أي تخصه.
([13]) الإنجيل
([14]) راجع ثيؤتكية الأحد حيث تردد الكنيسة صوت كيرلس عامود الدين وتقول :”واحد من اثنين، لاهوت قدوس بغير فساد مساو للآب وناسوت طاهر مساو لنا كالتدبير “.
([15]) راجع التسابيح الكيهكية حيث نرتل مع كيرلس ونقول :”في حضن ابيه الممجد .فلنسبحه كإله ونمدحه مع امه كإنسان الابصلمودية طبعة 1911 ص91 .ياليت الذين يتهموننا بالاوطاخية يخجلون راجع هذا الادعاء في كتاب “فلسفة الفكر الديني “للمؤلف الكاثوليكي جورج قنواتي مجلد 2 ص328 .
([16]) يظهر هنا بكل وضوح أثر التفسير الطقسي على لاهوت كيرلس، لانه لايوجد اشارة واضحة في العهد الجديد إلى ذبيحة المسيح كرائحة بخور، بينما تمتليء الكتب الطقسية الشرقية بعبارت مماثلة لما يذكره كيرلس راجع تذاكية الأحد :”شبهوا رئيس الكهنة بمخلصنا الصالح الذبيحة الحقيقية لمغفرة الخطايا، هذا الذي اصعد ذاته ذبيحة مقبولة فاشتمه ابوه الصالح وقت المساء على الجلجثة “.
([17]) استخدم كيرلس هذا التشبيه لكي يؤكد أن اللاهوت لم يتألم عندما صلب المسيح ولكنه أي اللاهوت كان يعرف ماذا يحدث لجسده .وكيرلس في الفقرة التالية يؤكد أن كل التشلبيه قاصرة.
([18]) لعل التفرقة بين ويشعر هي من اهم ما تعلم به الكنائس الشرقية الأرثوذكسية عن ىلام ربنا.
([19]) يعبر كيرلس هنا عن التقوى الشرقية الأرثوذكسية بكل وضوح أن المتألم هو ربنا وليس لاهوته ورغم أن الآلام تخص جسده إلا انها تنسب له كشخص واحد غير منقسم وهو ذات ما صرح به القديس ديوسقوروس بطل الأرثوذكسية.
([20]) اتحاد اللاهوت بالناسوت يعنى أن كل من يلمس جسد الابن الوحيد بالايمان يحصل على كل ما يريده من الله (اللاهوت)، مثل المرأة النازفة الدم التي لمست طرف ثوب المسيح وبرئت لان قوة خرجت من المسيح .ولاحظ أن الرب يؤكد حقيقة الاتحاد عندما قال:”قوة خرجت مني”(لوقا 8 : 46) ولم يقل من لاهوتي .هكذا شرح القديس كيرلس المعجزة ويؤكد الانجيل في عدة مناسبات أن المعجزات كانت تتم بقوة منه، راجع بدقة لوقا (6 : 18)حيث يقول:”وجميع المعذبين بالارواح النجسة كانوا يبرأون وكل واحد في الجموع كانوا يحاولون لمسه لان قوة كانت تخرج منه وتشفي الجميع”. ما ابعد الفرق بين هذه النظرة الانجيلية وبين النص المشهور في طومس لاون:”الواحد يشفي المرضى والآخر يتألم”.
([21]) فسر غالبية آباء الكنيسة الشرقية رؤية اشعياء على انها اعلان نبوي عن الافخارستيا، وكيرلس يؤكد هذا في النص الجميل الذب يتضمن لمس المسيح للطبيعة البشرية بالاعتراف وبالايمان به والافخارستيا هي اعتراف المسيح بكل ما في كلمة اعتراف من معاني، كما أن التناول هو ايمان بالمسيح لايعادله أي شيء في حياة المؤمن.
([22]) نرى هنا الاساس الآبائي للعبارة المشهورة في الاعتراف الاخير قبل التناول حيث يقول الكاهن القبطي “وجعله واحداًمعه بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغير “واذا كانت هذه العبارة قد اضيفت في حبرية البابا غبريال بن تريك إلا انها اسكندرانية وكيرلسية وتعبر عن ايمان سليم.
([23]) تفسير خيمة الاجتماع على هذا النحو موجود عند الآباء قبل كيرلس، وبالذات ايريناوس وهيبوليتوس .ومن يقرأ نص القديس كيرلس يشعر على الفور انه كان يأخذ من كلمات ثيؤتوكية الاحد حيث ترتل كنيستنا:”التابوت المصفح بالذهب من كل ناحية المصنوع من خشب لايسوس سبق أن يدلنا على الله الكلمة الذي صار انساناًبغير افتراق . “.وشريعة تفسير الآباء قائمة على حقيقة اساسية أن كل ماهو متصل بظهور الله في العهد القديم قد تحقق بشكل افضل واكمل في العهد الجديد عندما اتحد وحل في الهيكل الحقيقي أي الطبيعة البشرية .وحظ أن ثيؤتوكية الاحد تتحدث عن التجسد ثم عن العذراء لان كل مايخص العذراء مرتبط بالتجسد
([24]) في هذه الفقرة يفرق كيرلس بين هرطقتين وهما النسطورية التي ادعت أن المسيح حصل على مجرد صلة باللاهوت، والاريوسية التي ادعت أن الابن في الجسد مخلوق رفع بمحنة الهية من الآب إلى كرامة اللاهوت .ويمكن لاي انسان يريد أن يتحاشى السقوط في هرطقة أن يتذكر دائماً أن ربنا يسوع ليس انساناً تأله ولاإلهاً فقط بل هو واحد من اثنين :لاهوت وناسوت.
([25]) يلخص القديس كيرلس في هذه السطور جوهر لاهوت مدرسة الاسكندرية ونظرتها العميقة للخلاص فهو اولاً عودة إلى الاتحاد بالله بعد أن اغتربنا عنه بالخطية .وقد اصبح من الممكن أن نعود إلى لله عندما اتحد اللاهوت بالناسوت في ربنا يسوع المسيح .ثانياً أن الذي يحقق عودتنا لله في المسيح هو الروح القدس، وقد شرح كيرلس في هذه الفقرة (1) من هذه المقالة .ثالثاً أن الخلاص هو الالتصاق بالمسيح في المعمودية التي هي دفن وقيامة معه وفي شركة جسده في الافخارستيا وفي فهم اسراره في الكلمة الالهية، أو بالموت مثله في حالات الشهداء والنساك وكل هذا مؤسس إلى حقيقة اساسية وهي الاعتقاد بمجيء الله الينا في الجسد وباتحاده بهذا الجسد.
([26]) المسيح هو الاخ البكر (رومية 8 : 20) وهذه التسمية ممكنة بل حقيقة لانه اخذ الذي لنا أي الطبيعة البشرية.
([27]) مجمع نيقية المسكوني اللأول 325.
([28]) يلاحظ أن الفرق الاساسي بين الاسماء الاولى والاسماء الثانية هو أن الثانية تتحدث عن عمل الابن الوحيد الذي قام به في الجسد مثل “الوسيط” “بكر الراقدين” إلخ
([29]) من المعروف أن مقالة القديس كيرلس عن تجسد الابن الوحيد قد قرئت في مجمع خلقيدونية سنة451 والعبارة التي نحن بصددها الان هي احدى العبارات الاساسية التي تمسك بها القديس ديسقوروس كما هو ثابت من محاضر الجلسات وبالذات الكتاب الذي نشر في روما سنة 1694 عن مجمع خلقيدونية ص86
([30]) أو تحل
([31]) حرفياً الطبائع المتحدة.
([32]) لايتعارض هذا الشح مع تأكيد القديس كيرلس على الاتحاد .لقد حدث الاتحاد منذ اللحظة التي تكون فيها الجسد، ولكن الجسد كان ينمو حسب خواصه وقوانينه .وما يؤكده كيرلس هنا هو أن المسيح كشف عن مجده الالهي شيئاً فشيئاً كلما نما جسده .ولعل هذا المبدء اللاهوتي الهام، هو ما يميز الاناجيل الاربعة عن غيرها من الاناجيل المزورة التي تنسب للمسيح في طفولته معجزات وخوارق غير عادية .وما هو واضح جداً من هذه الفقرة هو أن الاتحاد بين اللاهوت والناسوت شيء وظهور المجد الالهي شيء آخر .الاتحاد حدث دون انفصال لكن ظهور المجد الالهي كان يحدث على فترات وفي مناسبات معينة مثل السير على الماءاو التجلي.
([33]) هذه الطريقة الغريبة في تأكيد انسانية الرب سببها البدع التي كانت تقاوم اعتقاد الكنيسة الجامعة بتأنس المسيح.
([34]) تعد هذه الفقرة من اهم ما تركه الآباء لنا عن الفرق الاساسي بين المسيح وبين المؤمنين من حيث مشاركة الطبيعة الالهية .ولم يكتب احد قبل كيرليس الاسكندري بهذا الوضوح في هذه النقطة.
([35]) أي في العهد القديم.
([36]) تعد هذه الفقرة بمثابة جوهر الديانة المسيحية . وقد ادرك القديس كيرلس هذا. ولذلك يسال خصوم الارثوذكسية :اذا كنتم تريدون أن تشرفوا الله وتزيدوه مجداً بإنكاركم التجسد فما هو الفرق بين المسيحية واليهودية ؟!
([37]) الترجمة العربية البروتستانتية تفضل ترجمة الاصل اليوناني الى:”سكن فينا “بينما تفضل الترجمات العربية القديمة:”سكن فينا “، وهي افضل واقرب إلى الاصل اليوناني لان الكلمة صار جسداًتعني صار فينا.
([38]) يؤكد كيرلس هنا وحدة الإنسان نفساً وجسداً، وهو المبدأ الهام الذي قام عليه تعليم الكتاب المقدس بعهديه، وهو ما يضاد تعليم افلاطون بل الفلسفة اليونانية القديمة التي تعلم بوجود تناقض بين النفس(الروح) والجسد. ونص القديس كيرلس هو نص فريد كتب في وقت سادت فيه الفكرة الافلاطنية، وهذا مايؤكد تمسك هذا المعلم الكنسي بمباديء الكتاب المقدس ورفضه النظام الفلسفي الفلاطوني.
([39]) هذا بلا شك تعبير طقسي وهو شائع الاستعمال في الشرق. وكلمة “لم تعرف زواج” هنا في الاصل اليوناني تعني الخبرة الداخلية القلبية بجانب الخبرة العلمية.
([40]) تعد هذه التأكيدات ضرورية لفهم نوع الاتحاد بين اللاهوت والناسوت، فهو ليس مزجاًبين اثنين أو خلطاً أو تغيير اللاهوت إلى ناسوت.
([41]) يؤكد هنا القديس كيرلس معنى عدم الاختلاط بين اللاهوت والناسوت بانه احتفاظ الناسوت بكل خصائصه واللاهوت بكل خصائصصه. والاتحاد هو المسيح الواحد والشخص الواحد الذي يلائم خصائص ماله من نلسوت ولاهوت.
([42]) استخدم القديس كيرلس كلمة يونانية هامة وهي Skeitiken (Oxetikhn) أي حلول بالعمة وليس بالجوهر .
([43]) لمعن النور على جسم من الاجسام يعني نوع من الصلة الخارجية المؤقتة. كذلك عندما تبعث الحرارة دفأها في أي شيء قريب من مصدر الحرارة يعني نوع من الصلة الداخلية. اما المسيح يسوع فالامر مختلف اذ لاتوجد صلة أو مشاركة بين اللاهوت والناسوت وانما اتحاد ولعل عبارة كيرلس “بالاتحاد وحده يسوع السيم هو واحد” هي مفتاح الفهم المصري لسر التجسد .
([44]) يشرح القديس كيرلس حلول الروح القدس في مقالته”العبادة بالروح والحق “على انه اعلان الروح القدس عن نعمة أو بركة ام تكن موجودة أو ظاهرة. وعل ذلم لكمة “حل” تعني “اعطى أو منح” ولاتعني الانتقال من مكان لآخر، لان هذا لايخص الطبيعة المادية.
([45]) أي التقليد.
([46]) النص مأخوذ من قانون الايمان النيقاوي، وقد اتبع الآباء تقليداً وهو تأكيد كل ما يعلمون به باقتباس كلمات قانون الايمان.
([47]) الاشارة هنا إلى العذراء مريم، وهذا واضح من سياق الكلام.
([48]) الاشارة هنا إلى العذراء وهي تمثل البشرية كلها قبل المسيح. ولعل هذا النص بالذات ضد عقيدة الحبل بلا دنس، التي وان لم تثر في زمان الآباء، إلاانها لاتتفق مع ما علموا به.
([49]) شاعت في اللاهوت المسيحي نظريتان في اصل النفس البشرية:الأولي، وشاعت في الشرق عند غالبية آباء الكنيسة الشرقية، وهي أن النفس تخلق ثم توضع في الجسد وهو ما يصرح به هنا القديس كيرلس عامود الدين. والثانية: هي أن النفس تولد مع الجسد وتتكون من الوالدين في لحظة تكوين الجسد. وتزعم هذا الرأي ترتليان واغسطينوس، واصبح هذا شبه عقيدة رسمية في الغرب اللاتيني. وهناك اعتراضات صعبة على النظريتين.
([50]) شرح كيرلس( 2كورنثوس5 : 20) في موضع آخر وقال:”الله هو المسيح، الذي إذا تصالحنا معه تصالحنا مع الله”رسالة عن الايمان الصحيح:67.
([51]) نظراً لاهمية هذه الفقرة رأينا اقتباس بعض النصوص من كتابات القديس كيرلس الاخرى، حيث يشرح لنا ما هو الاسم الجديد للابن..يقول:”ما لم يكن الابن بالطبيعة ما كان قد دعى “معنا الله” عندما ولد من امرأة واخذ شكلنا. واسم عمانوئيل لم يعطي لاي ملاك أو لاي مخلوق. بل هكذا سمى الآب الابن وحده. والنبي القديس هو شاهدنا على ذلك، اذ يقول عن الميلاد الالهي:”ويدعى بالاسم الجديد الذي سيعطيه الرب له”(اشعياء 62 : 2).واسم الابن الجديد هو بالحقيقة “عمانوئيل” أي “معنا الله”.وقبل أن يأتي إلى العالم كان اسمه الله فقط، وبعد ميلاده من العذراء لايسمى الله فقط بل”معنا الله” أي الله المتجسد. لذلك إذا كان الآب يسمي ابنه الوحيد معنا الله فليخجل الذين بنفاق بل وبجهل يقولون عنه انه مخلوق، لان من هو بطبيعته الله لايمكن أن يكون مجرد مخلوق”(الكنز 32 : 3,3أ-ب).وفي مقالة “عن الايمان الصحيح” يقول:”الاسم الجديد هو يسوع وقد اعطى للكلمة بواسطة الصوت الملائكي ” (26ج) وفي نفس المقالة يقول :”قبل التجسد لم يكن كلمة الله يعرف باسم يسوع أو المسيح إلا عند الذين وهبوا المعرفة لنبوية وعرفوا انه يدعى كذلك في الوقت المعين عندما يتجسد. لذلك فالاسم الجديد الذي اعطى عندما تجسد الكلمة هو يسوع”(120ج) وفي مقالة اخرى باسم “حوار عن الثالوث”يقول:”اسم الكلمة الجديد الذي اعطي في التجسد هو يسوع، وكلمات النبي تدعم ما نقوله:”ويدعون اسمه بالاسم الجديد الذي اعطاه له الآب”(5 : 55ج).وفي الرسالة الرعوية الخاصة بعيد القيامة سنة 420 يقول:”متى دعى الكلمة يسوع أو المسيح إلاعندما تجسد وتأنس؟.دعى يسوع لانه يخلص شعبه من خطاياهم،وهو المسيح لانه لاجلنا قد مسح لذلك لايدع فقط كلمة الله الآب،كما لو كان بغير جسد،بل سيدعى يسوع والمسيح لانه جاء في الجسد،وعنه يقول الرسول:”هو هو امس واليوم والى الابد”(الرسالة 7 : 101-أ-ب).
([52]) ما يؤكده القديس كيرلس هنا، هو أن لايظل الله مع المخلوقات يرعاها ويحفظها، بل أن يأتي إلى علاقة وشركة مع الإنسان باعتباره تاج الخليقة.
([53]) ما اعجب التوافق بين الكلمات القطعة الثالثة في ثيؤطوكية الخميس وشرح القديس كيرلس..”اقسم الرب لداود بالحق ولن ينكوه أن من ثمرة بطنك اضع على كرسيك فلهذا لما طاب البار قلباً، أن منه يولد المسيح حسب الجسد، طلب باجتهاد أن يجد مسكناً للرب الاله الكلمة وهذا اكمله بسر عجيب، وللوقت صرخ بالروح قائلاً:”إنا قد سمعنا في أفراتة. التي هي بيت لحم الموضع الذي تفضل عمانوئيل إلهنا أن يولد فيه حسب الجسد من اجل خلاصنا، كما قال ميخا النبي:”وانت يابيت لحم..”(5 : 2) أن ترتيب الافكار والكلمات يجعلني اشعر بان القديس كيرلس استخدم كلمات الثيؤتوكية أو العكس. لكن هذا التوافق يؤكد لنا حقيقة الروح الواحد الذي في طقوس وفي كتابات الآباء.
([54]) مزمور 47 من المزامير المعروفة باسم “مزامير الصعود” وهي تصف صعود المسيح وجلوسه على كرسيه واجتماع الله مع رؤساء شعبه أي الرسل على جبله المقدس. وجلوس الله على كرسيه على جبله المقدس هو من علامات تجلي الله وظهوره للدينونة. ومما لاشك فيه أن وضع هذا المزمور من بين مزامير الساعة الثالثة حيث نحتفل بصعود المسيح ونزول الروح القدس هو ترتيب آبائي.
([55]) تعبير طقسي.
([56]) من المعروف أن كلمة Prosopon أي اقنوم تعني اصلاً “وجه” فالوجه هو الذي يعبر عما في الشخص. وتعبير “وجه الله”متكرر في العهد القديم، ويعني ظهور الله أو اعلان عن الله. ومن المؤكد أن (عبرانيين 1 : 3) الذي يذكر لن الابن هو صورة جوهر الآب أي وجه الآب تستند على نص تكوين(32 : 24-31). وهذا ما يقصده الرسول بولس بقوله:”الله الذي قال أن يشرق نور من ظلمة هو اشرق في قلوبنا نور المعرفة وجه الله في يسوع المسيح (2كورنثوس 4 : 6). وفي ضوء ماقرره القديس كيرلس يظهر لنا أن اقنوم الابن أو وجه الآب، اذ لايستطيع أي مخلوق أن يعبر عن الآب أو أن يظن لنا إلا ابنه يسوع المسيح (يوحنا 1 : 14)
راجع G.L Prestige.”God in Patristic Thought”3rd.ed 1964,P.157.
([57]) لعل القاريء لاحظ أن كيرلس يبرهن على أن العذراء والدة الاله على هذا النحو:(أ)التأكيد على الوهية الابن. (ب)التأكيد على ناسوت الابن. (ج)التأكيد على الاتحاد. وعلى ذلك يصبح لقب والدة الاله جامعاًلكل هذه المعاني الثلاثة.
([58]) تعبير طقسي.
([59]) استعمل القديس اثناسيوس هذا التشبيه اكثر من مرة في الرد على اريوس (راجع الرد على اريوس1 : 19) وه يؤكد أن الماء الذي في النهر إذا مر في قناة متفرعة من النهر يظل بطبيعته ذات الماءز هكذا الابن مولود من الآب مثل ولادة نهر من نهر أي أن الجوهر واحد.
([60]) يعود القديس كيرلس إلى ذات العبارة مرة اخرى:طجعله واحداً مع لاهوته ” ليؤكد أن الاتحاد تام وكامل حتى أن ابن الإنسان يمكنه أن يقول انني نزلت من فوق أو من السماء، لان المتحدث هو يسوع المسيح الواحد الذي يمكنه أن يوصف نفسه-كواحد غير منقسم- كسمائي وابن الله وابن الإنسان .
([61]) يؤكد كيرلس على بقاء خصائص اللاهوت وخصائص الناسوت في المسيح الواحد ويجب أن نقرأ هذه السطور فيما سيجيء من شرح. عموماً بقاء الخصائص لايعني الثنائية بالمرة.
([62]) عندما كتب كيرلس ضد نسطور عن ضرورة الاعتقاد بالمسيح الواحد وباهمية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت، لخص دفاعه في نقط اساسية:(أ) اننا لايمكن أن نتصل بالله بدون المسيح، وبالتالي يجب أن يكون المسيح في مركز يجعله قادراً على تحقيق العلاقة الالهية-الانسانية بين الله والناس، وهذا يتحقق في حالة واحدة عندما يكون المسيح اقنوماًواحداً:الله المتأنس. (ب) ان كل اعمال المسيح الخلاصية تحققت في الجسد، ولم يتم عمل واحد منها خارج الجسد. ويترتب على ذلك أن كل انفصال بين اللاهوت والناسوت ياغي تماماً ونهائياً عمل الخلاص نفسه. ولعل افضل مثال على هذا هو الافخارستيا التي تصبح عديمة القيمة بالمرة إذا كان الذي على المذبح جسد المسيح فقط وليس جسده المتحد بلاهوته. بل أن كيرلس يقول صراحة:بدون اتحاد اللاهوت بالناسوت نصبح نحن “آكلي لحوم البشر” ولحم البشر لايفيد بالمرة وانما جسد الابن الوحيد هو الذي يقيم ويحيي. ونفس القياس ينطبق إلى المعمودية وعلى الصليب والقيامة.(ج) من جهة العبادة أي تقديم الصلاة والسجود يقول كيرلس:”إنا لانعبد المسيح الاله المجرد عن الجسد لاننا لم نعرفه إلافي الجسد. ونحن نعبد المسيح الواحد دون أن نفصل بين لاهوته وناسوته لان كل عبادة تقدم للمسيح هي اقتراب من الآب من خلال مت حققه يسوع لاجلنا من خلال ناسوت المسيح. حتى الصلاة المشهورة :”ابانا الذي في السموات..”اصبحت لنا الجسارة على أن نتفوه بها بسبب الجسد عندما “سكن الكلمة فينا “اي في طبيعتنا (يوحنا 1 : 14) فاصبح رأس البشرية الذي من خلاله يمكن أن نتقدم للآب ..وهذا هو معنى اتحاد اللاهوت بالناسوت، ذلك أن المسيح الواحد هو رأس البشرية لانه تجسد وهو يقدمنا للآب لانه من ذات جوهر الآب. وعندما نسجد للميسح فاننا نعبده لانه مات عنا (في الجسد)، وقام وصعد إلى مجده (بالجسد)، واصبحت حياته الالهية المتأنسة هي وحدها التي تؤهلنا لكل خيرات الدهر الآتي. وهنا يظهر بكل وضوح أن الفصل بين اللاهوت والناسوت هو قضاء على عبادتنا للمسيح، لاننا اذ قلنا اننا نسجد للاهوت دون الناسوت أو مع النسوت فاننا هنا نطرح الخلاص الذي قدمه لنا المسيح. وعاى حد تعبير القديس كيرلس نفسه:”كل من يطلب الابن الوحيد كإله فقط من يسعى إلى احتقار ما فعاه الرب لاجلنا “. وعلى ذلك فعبادة الابن الوحيد كإله فقط تعني بكل وضوح عدم عبادته لان تجاهل التجسد لايعطي لنا الفرصة لكي نشكره (لاحظ أن الافخارستيا تسمى سر الشكر ).
([63]) قانون الايمان النيقاوي.
([64]) تألم دون أن يتألم Epaqen anaqwV وهي احدى المقاطع المشهورة في القرن الخامس وتشرح آلام المسيح على هذا النحو. لقد تألم الرب حقاًوفعلاً هذه الآلام وقعت على الناسوت لان اللاهوت ليس محسوساً..ليس لع اعضاء وشكل وبالتالي فهو لايتألم ولايخضع للآلام لكننا إذا قلنا أن ناسوت الابن هو الذي تألم فاننا بهذه العبارة نتحدث عن انفصال بين اللاهوت والناسوت، لان الناسوت هو ناسوت الله الذي قبل أن يحمل خطايانا واسقامنا. وعلى حد شرح كيرلس في المقالة الثالثة ضد نسطور بعد قبول الكلمة الله لجسده ورصائه بالموت على الصليب تعبيراً عن عمق وقوة الاتحاد. كان من الممكن للمسيح أن يمنع الآلام والموت عن جسده، ولكنه لم يفعل لانه رضى أن ينال منه اليهود والرومان. وهذا الرضا هو تأكيد على وحدانية الاقنوم، ويصبح الصليب والقيامة من اعمال الخلاص الالهية التي قام بها ليس جسد المسيح بل المسيح الواحد من اثنين:اللاهوت والناسوت. وما يؤكده كيرلس هو أن الشخص الواحد الذي جمع في شخصه اللاهوت والناسوت كان صاحب القرار بالرضا بالموت على الصليب، القرار أو الارادة هو قرار المسيح الواحد والرب الواحد. ولكن في الرب الواحد مالايقبل الالام أي اللاهوت مثلما يموت شهيد محترقاص بالنار..فان الجسد يتعذب اما الروح فتظل بعيدة عن الام الحريق واحياناً تسمو الروح على الام وتسبح وتشكر كما حدث لاستفانوس شهيد المسيحية الاول والشهيد بوليكاريوس.
([65]) المجد هو الالام كما هو واضح في العهد الجديد وبالذات انجيل يوحنا. وكان اقتبال عمانوئيل للام دليلاً على محبته غير المحدودة، وصارت الالام هي وسيلة التعبير عن ظهور محبة الله أي مجد الله.
([66]) من المعروف أن الآباء الاسكندرية كانوا دائماً يحتفظون باقوى البراهين حتى نهاية المقالة أو الحوار تمسكاً بالمبدأ الانجيلي أن تعطي الخمر الجيدة في نهاية المأدبة(يوحنا2 : 10)، وه رمز لنهاية العالم المجيدة وراحة الملكوت الابدي، وما سجله كيرلس هنا هو تأكيد على أن مايحدث يمكن أن ينسب لله باعتبار أن الله هو الذي يضبط ويملك وسيدين .لكن في الواقع لا تمس هذه االاعمال الله نفسه لان اللاهوت فوق الالام. ولكن عندما تجسد الله صدرت منه تصريحات تؤكد الوهيته ومساواته الآب-هنا يدافع كيرلس باخر براهينه على اهمية الاتحاد ويرتب افكاره على هذا النحو:1-كل ما يحدث للبشر يمكن أن ينسب لله.2- لكن البشر يظلون بشراً مثل موسى وهرون وصموئيل وقديسي العهد الجديد.3- الله فوق الالام، ولايمكن أن تمسه الالام.4- عندما تجسد اظهر بكل وضوح انه ليس مجرد بشر مثل الانبياء بل الله الكلمة.5- إذا كيف نفهم آلامه؟..انها ليست شيئاً ينسب له كما تنسب اعمال البشر لله.6- بل شيئاً يخصه هو كاقنوم واحد تألم جسده وقبل هو أن يتألم. أي أن حلول اللاهوت في الناسوت هو اتحاد جعل الابن الوحيد شخصاً واحداً غير منقسم.
([67]) تمت الترجمة في 10 يناير1972، والراجعة في اغسطس1973و23 مايو1974و17 نوفمبر1974. ولااستطيع أن افي الذي ساعدوني في تقديم النص العربي حقهم، لكن الله هو الذي سيكافيء كل واحد منا.(جورج حبيب بباوي)
رسائل السنوديقا أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا
رسائل السنوديقا أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا
رسائل السنوديقا [1] أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا
د. جوزيف موريس فلتس
تعريف بالمصطلح:
كلمة “سنوديقا” ليست كلمة عربية بل هى كلمة يونانية “Sunodika…” وهى صفة في صيغة الجمع المؤنث لكلمة مجمع “SÚnodoj”. هذه الصفة “Sunodika…” كُتبت بحروف عربية حسب النطق اليونانى بمعنى أنه جرى لها ما يُعرف بـ Transliteration، ومع قليل من التحريف فى النطق، صارت “سنوديقا”.
رسائل السنوديقا:
رسائل السنوديقا إذًا معناها الرسائل المجمعية. ولقد ورد هذا المصطلح في نصوص التراث العربى المسيحى لوصف الرسائل التي اعتاد كل من باباوات كرسى الأسكندرية وبطاركة[2] السريان الأرثوذكس بأنطاكية تبادلها عند سيامة أحدهم بطريركًا في كنيسته، ولوصف الردود على هذه الرسائل أيضًا، يذكر كاتب مخطوط اعتراف الآباء الذي يرجع تاريخه إلى ق11 عن بطريرك الأسكندرية الثالث والثلاثون (528 ـ 559م)، ما يأتى: “وقال القديس ثاودسيوس المعترف بالحق في رسالة السنوديقا التي كتبها لما صار بطريركًا على كرسى الأسكندرية إلى الطاهر ساويرس بطريرك أنطاكية…“[3]، كما يذكر كتاب تاريخ البطاركة عن بطرس بطريرك أنطاكية في القرن السادس أنه ” من أجل الإتحاد بين الكرسيين كتب بطرس رسالة سنوديقا إلى الأب دميانوس البطرك كما جرت العادة“[4].
كما نقرأ في السنكسار عن عادة كتابة وتبادل هذه الرسائل بمجرد سيامة باباوات وبطاركة الكرسيين السكندرى والأنطاكى، فنسمع في اليوم السابع عشر من شهر بابة المبارك، وهو عيد نياحة البابا ديسقوروس الثانى بابا الأسكندرية الحادى والثلاثين والمُلقب بديسقوروس الجديد (516 ـ 518م) ” أن هذا الأب كان وديعًا في أخلاقه، فاضلاً في علمه وعمله، كاملاً في حياته، حتى أنه لم يكن مَن يشبهه في جيله، فقُدِّم بطريركًا بإرشاد الروح القدس، وكانت باكورة أعماله أنه بعد ارتقائه الكرسى المرقسى كتب رسالة مجمعية (سنوديقا) إلى الأب القديس ساويرس بطريرك أنطاكية ضمنها القول عن الثالوث الأقدس المساوى في الجوهر والألوهية ثم شرح التجسد وأن الله الكلمة قد اتحد بجسد بشرى كامل في كل شئ بنفس عاقلة ناطقة.
وأنه صار معه بالإتحاد ابنا واحد ومسيحًا واحدًا ربًا واحدًا لا يفترق إلى اثنين وأن الثالوث واحد قبل الإتحاد وبعده لم تدخل عليه زيادة بالتجسد. ولما وصلت الرسالة إلى الأب ساويرس قرأها وفرح بها وتلاها على الشعب الأنطاكى فاستبشر بها وكتب إلى القديس ديسقورس رد الرسالة يهنئه بالرئاسة المسيحية والأمانة الأرثوذكسية ويوصيه أن لا يحيد عنها يمينًا أو شمالاً وأن يعتمد فيجميع أقواله وأفعاله على الأمانة التي وضعها الآباء الثلثمائة والثمانية عشر بنيقية وعلى ما أقروا به من القوانين والسنن، ولما وصلت هذه الرسالة إلى الأب ديسقورس قبلها بفرح، وأمر بتلاوتها فقُرئت من فوق المنبر ليسمعها كل الشعب“[5].
كما يرد في سيرة الأنبا أنسطاسيوس بابا الأسكندرية السادس والثلاثون(589 ـ 611م) ” أن بطرس المخالف بطريرك أنطاكية كان قد مات وأُقيم عوضًا عنه راهب قديس عالم يسمى أثناسيوس قويم المعتقد، الذي بمجرد أن صار بطريركًا عمل على تجديد الإتحاد بين كنيستى الأسكندرية وأنطاكية فكتب رسالة بالإيمان المستقيم وأرسلها إلى الأب أنسطاسيوس ففرح بها جدًا وقرأها عليهم ثم رد على الأب أثناسيوس وبأنه يتمنى من صميم قلبه أن يراه“[6].
اللغة التي كُتبت بها رسائل السنوديقا:
كانت اللغة اليونانية هى اللغة السائدة في منطقة الشرق الأوسط بجانب اللغات المحلّية كالقبطية في مصر والسريانية في أنطاكية. وبعد الفتح العربى في القرن السابع سادت اللغة العربية رويدًا رويدًا. وكان من الطبيعى والأسهل استخدام اللغة اليونانية السائدة في ذلك الوقت والتي كتب بها آباء كل من الأسكندرية وأنطاكية، لكتابة رسائل السنوديقا. أما بعد أن انتشرت اللغة العربية وصارت مستخدمة في كل من الكنيستين صارت هى اللغة التي دُونت بها هذه الرسائل، غير أنه لا يمكننا بسهولة أن نحدد متى بدأ استخدام اللغة العربية بدلاً من اليونانية.
ما نستطيع أن نقوله هو أن الكنيسة السريانية اهتمت بترجمة هذه الرسائل من اليونانية إلى السريانية لتعم فائدتها حيث يذكر البطريرك الأنطاكى أغناطيوس افرام الأول (1887 ـ 1957) في كتابه اللؤلؤ المنثور وفي الفصل الثلاثون في ترجمات التصانيف الأعجمية ما يلى ” صرف السريان أبعد الهمم وجهدوا في ترجمة المصنفات اليونانية إلى السريانية نزوعًا إلى العلم وولوعًا به “[7]. وفي المقصد الثالث من هذا الكتاب حيث يذكر الترجمات من سنة 451م فما بعد، يورد بيانًا بالرسائل المجمعية التي ترجمت من اليونانية إلى السريانية مع ذكر اسم كل من المرسل والمرسل إليه ومدة بطريركتهما وبداية الرسالة وعدد صفحاتها وأحيانًا السنة التي أُرسلت فيها وعن أى مخطوط ترجمت[8].
أما في الكنيسة القبطية فقد اهتم كاتب مجهول في القرن الحادى عشر بترجمة نصوص هذه الرسائل التي تحوى في الأساس اعتراف كل من باباوات الأسكندرية وبطاركة أنطاكية بالإيمان الأرثوذكسى وتمسكهم بالتقليد المقدس وأقوال آباء الكنيسة وتعاليم المجامع المقدسة، من اليونانية إلى العربية في كتاب واحد يعرف بـ “اعتراف الآباء”[9]. هذا المخطوط الهام يحوى نصوص هذه الرسائل المترجمة إلى العربية عن اليونانية وأيضًا المكتوبة مباشرةً باللغة العربية[10].
كاتب رسائل السنوديقا:
كان باباوات الأسكندرية وبطاركة أنطاكية يقومون بكتابة هذه الرسائل بأنفسهم في أغلب الأحيان، أو يقوموا بتكليف أحد الآباء الأساقفة أو الكهنة المشهود لهم بسعة الإطلاع والتضلع في العلوم الدينية واللاهوتية والعقائدية بكتابتها نيابة عنهم. فعلى سبيل المثال نجد في ختام رسالة السنوديقا التي أرسلها البابا فيلوثاوس الـ63 (970 ـ 995م) في القرن العاشر إلى البطريرك أثناسيوس الخامس بطريرك أنطاكية الـ61 (987 ـ 1003م) ما يلي: ” … يقبل قدميك مقاره الحقير الكاتب أسقف منوف الذي كتب هذه السنوديقا العنوان بخط انبا فيلوثاوس برحمه الله أسقف الأسكندرية كتبت بيدى ورسمت هذه الرسالة السنوديقا إلى القديس انبا أثناسيوس بطريرك مدينة الله أنطاكية “[11].
ويذكر كاتب ” تاريخ البطاركة ” في سيرة البابا خرستوذولوس الـ 66 ( 1046 ـ 1077م) أنه ذهب إلى دير ابو مقار بوادى هبيب “وكان انبا ميخائيل كاتب السنوديقا هناك معه “[12]. ويذكر المؤرخ كامل صالح نخلة أن من كان يكتب رسائل السنوديقا من الأساقفة أو الكهنة كان يقيم في القلاية البطريركية أى في دار البطريركية.
حامل رسائل السنوديقا:
كان يحمل رسائل السنوديقا ـ عادةً ـ وفد مكون من أساقفة وكهنة وشمامسة ليقوم بتقديمها للبابا أو البطريرك المرسلة إليه. فعلى سبيل المثال نجد أن رسالة البابا يوحنا الثانى الـ30 (497 ـ 508م) إلى البطريرك ساويرس الأنطاكى كانت بيد كل من الأسقف إيلاريانس والقس واليس والشماس قرطوريوس[13]. وكان الوفد الذي حمل رسالة البابا مرقص الثانى الـ45 (790 ـ 830م) إلى البطريرك الأنطاكى قرياقس الـ48 (793 ـ 817م)، مكون من أسقفين يجيدان اليونانية أحدهما مرقس أسقف تنيس الحكيم والآخر مرقس أيضًا أسقف الفرما ومعهما الشماس جرجه قيّم بيعة الأسكندرية[14].
ومن الجهة الأخرى بعث البطريرك الأنطاكى يوحنا الحادى عشر الـ64 (1058ـ 1073م) رسالة سنوديقا إلى أخيه البابا السكندرى خرستوذولوس الـ66 (1039 ـ 1069م) بيد الأنبا تيموثاوس مطران بيت المقدس[15].
ذكر تاريخ إرسال السنوديقا:
لم يسجل كل من كاتبوا الرسائل أو مَن اعتنى بترجمتها، التاريخ الذي أُرسلت فيه الرسالة، واكتفوا بالقول بأنها أُرسلت ” لما صار ” هذا البابا أو ذلك البطريرك على كل من كرسى الأسكندرية وأنطاكية، أو بالقول بأن كتابة الرسالة كانت ” باكورة أعمال البابا “[16]. غير أننا نجد من بين كل رسائل السنوديقا والتي يبلغ عددها 32، ثلاث رسائل فقط قد حملت تاريخ الإرسال حسب تقويم الشهداء وأحيانًا حسب التقويم الهجرى أو الميلادى. وهذه الرسائل المدونة في مخطوط اعتراف الآباء، هى التي بعث بها كل من:
1ـ البابا زخارياس الـ 64 (996 ـ 1023م) إلى البطريرك الـ 62 يوحنا بن عبدون العاشر (1004 ـ 1030م) في سنة 403هـ.
2ـ البابا سانوتيوس الثانى الـ 65 (1024 ـ 1038م) إلى البطريرك ديونيسيوس الـ 63 (1032 ـ 1042م) في 752 ش 1035م.
3ـ يوحنا 11 البطريرك الأنطاكى الـ64 (1058ـ1073م) إلى البابا خرستوذولس الـ62 (1039 ـ 1069م) في سنة 882 للشهداء.
كما يمدنا كتاب اللؤلؤ المنثور بمعلومات عن تاريخ إرسال الرسائل الآتية[17]:
1 ـ رسالة يوحنا الثانى رئيس أساقفة الأسكندرية سنة (505 ـ516) إلى ساويروس بطريرك أنطاكية في 8 نيسان وهو اثنين اسبوع البياض سنة 516 لأنطاكية 512م.
2 ـ رسالة مجمعية (سنوديقية) من يوحنا الثالث[18] الأسكندرى إلى أثناسيوس الثانى بطريرك أنطاكية في 4 حزيران سنة 686م.
3 ـ جواب يوحنا الرابع الأنطاكى إلى يوسف[19] الأسكندرى سنة 846م.
ظروف أدت لعدم كتابة السنوديقا:
مرت منطقة الشرق الأوسط بفترات عصيبة خلال التاريخ بسبب الحروب والمنازعات ولم تسلم مصر وبلاد الشام من هذه الحروب، الأمر الذي إنعكس على كافة سكان تلك البلاد وأيضًا على أحوال كرسيّ كل من الأسكندرية وأنطاكية، فلم يتمكن البابا بالأسكندرية أو البطريرك بأنطاكيا من كتابة وإرسال السنوديقا كل منهما للآخر كما جرت العادة، واكتفى الآباء بزيارة قام بها بطريرك أنطاكية لبابا الأسكندرية وحدث هذا الأمر في حبرية البابا يعقوب والمشهور بالعمود المضئ الـ50 (819 ـ 830م) والبطريرك ديونيسيوس الأنطاكى.
ويذكر كاتب تاريخ البطاركة بخصوص هذا الأمر ما يلي: ” ونعود الآن إلى خبر انبا يعقوب مع ديونوسيوس بطرك أنطاكية وأنه لم يمكنه أن ينقذ سنوديقا لأجل الحروب بمصر والشرق وكذلك الأب البطرك ديونوسيوس كان يسمع بأفعال الأب البطرك انبا يعقوب وكان يشتهى أن يسلم عليه وهو في الجسد فلما أنفق له هذا الأمير وهو متوجه إلى مصر سار صحبته إليها حتى وصل إلى مصر فلما نظره أبونا انبا يعقوب فرح فرحًا عظيمًا روحانيًا وتلقاه أحسن تلق وتهللت جميع كورة مصر بمشاهدتها بعضًا لبعض وكانوا الكهنة المصريون يقروؤا قدامهما من قول داءود الرحمة والعدل التقيا والصدق والسلامة أقبلا إلينا ثم أقام الأب ديونوسيوس البطرك بأنطاكية عند الأب انبا يعقوب أيامًا كثيرة ليشبع كل واحد منهما من قدس الآخر “[20].
السنوديقا رسالة غير شخصية:
لما كان محتوى رسائل السنوديقا وهدفها هو الإقرار بالإيمان وإعلانه طلبًا للشركة والوحدة بين كرسيّ أنطاكية والأسكندرية، لهذا لم يكن لهذه الرسائل طابعًا شخصيًا بمعنى أنها لم تكن تعبّر عن الآراء الشخصية لمَن يقوم بكتابتها بقدر ما تعبّر عن إيمان الكنيسة التي أؤتمن عليها ” والمسلّم مرة للقديسين ” والذي هو إيمانه الشخصى في نفس الوقت، والحادثة التي ورد ذكرها في سيرة البابا كيرلس الثانى الـ 67 (1078 ـ 1092م)، يمكن أن نبررها في ضوء هذا الملمح غير الشخصى لرسائل السنوديقا حيث كان البطريرك الأنطاكى ديونيسيوس الرابع الـ 63 (1032 ـ 1042م) قد أرسل سنوديقا إلى البابا خرستوذولوس الـ66 (1046 ـ 1077م) حملها القس توما، وحدث أنه ” بعد أن وصل توما القس في هتور سنة سبع ماية خمسة وتسعين للشهداء ومعه الرسالة السنوديقا من ابا ديونوسيوس بطرك أنطاكية ومطارنته وأساقفته وكهنته فوجدوا الأب انبا اخرسطودلوس قد تنيح وجلس الأب انبا كيرلص بعده فغير ترجمة السنوديقا باسمه[21] وأوصلها إليه وقريت في كنائس مصر وذكر اسمه على هياكلها ودعى له فيها في أوقات الصلوات والقداسات كما جرت العادة وكتب له (أى البابا كيرلس) رسالة سنوديقا جوابًا على رسالته “[22].
أهداف رسائل السنوديقا:
بناء على ما ورد في نصوص هذه الرسائل نستطيع أن نقول أن هناك أهدافًا متعددة دفعت الباباوات والبطاركة إلى تبادل هذه الرسائل، هذا ويمكن إجمال هذه الأهداف فيما يلي:
1 ـ إعلان الإتفاق التام في الإيمان الأرثوذكسى ومن ثم الشركة الرسولية الكاملة والإتحاد بين الكنيستين:
وهذا ما عبّر عنه البطريرك الأنطاكى باسيليوس الـ55 (923 ـ 935م) في ختام رسالة السنوديقا التي رد بها على رسالة الأنبا قزمان (قسما) الثالث البابا الـ58 (911 ـ 923م) حين كتب ما يلي ” إننا نقول الآنلقدسكم أيها الأخ المغبوط أننا أثبتنا لكم أننا متفقون معكم كل الموافقة بالأخوة الروحية وذلك بما أوردناه لكم من النصوص الأبوية التي تلهجون بها دائمًا ونحن واثقون أنكم مقتنعون بإتحادنا معكم قولاً وعملاً واختيارًا في الشركة الرسولية.
وكما أن المولودين الذين لهم مساواة النفس إذا تقابلوا معًا ونظروا لبعضهم يشفون غليلهم ويطفئون نيران أشواقهم، هكذا نحن الذين لنا الروح الواحد الملتهبة شوقًا التي بالرغم من بعد البلاد وبعد الأشخاص ترى بعضًا بأعينها الحادة ونبل شوقنا ونعانق بعضنا معانقة الغرباء إذا جمعهم الوطن الواحد “[23].
وكان إعلان الوحدة في الإيمان والشركة الكامله بين الكرسيين الرسوليين يتم بأن يأمر البابا أو البطريرك بأن يُدرج اسم أخيه في الطلبات (الأواشى) في القداسات. فقد ورد في نهاية رسالة السنوديقا التي بعث بها البابا فيلوثاوس الـ 63 في القرن العاشر إلى أخيه البطريرك الأنطاكى أثناسيوس الـ 61 ما يلي ” … وتقدمنا إلى ساير الكور ليصلوا ويذكروك في كل قداس تبّت الله اسمك “[24].
2 ـ للرد على الأسئلة التي يوجهها أحد البطاركة لأخيه للإستفسار عن أمور تتعلق بالإيمان ومسائل تمس العقيدة:
فقد حدث أن بعث البطريرك الأنطاكى أثناسيوس الـ 61 إلى أخيه البابا فيلوثاوس الـ 63 في القرن العاشر برسالة حملها إليه توفيلس مطران دمشق وباسيليوس مطران طبرية، يسأله فيها عن أمر موت الرب يسوع على الصليب وكيف تم. فقد جاء في مقدمة جواب البابا فيلوثاوس بابا الأسكندرية عليه ما يلى ” فهمت ما كتبت به أيها الأخ المكرم الحبيب أطال الله بقاك وآدام نعماك وكبت أعداك ونجاك بشفاعة السيدة وجميع القديسين ثم أنى وقفت على مسالتك فيما خطر بقلبك أحياه الله وعمّره بالسرور وهو أن موت سيدنا المسيح لما كان من مفارقة النفس للجسد من حيث لم يفارق اللاهوت للجسد ولا للنفس…“[25].
3 ـ تصحيح تعاليم مخالفة للإيمان المستقيم:
جاء في سيرة البابا داميانوس البطريرك الـ 35 (563 ـ 598م) كما سجلها لنا كاتب تاريخ البطاركة ما يلى ” لما تنيح الأب ثاوفانيوس البطرك ومضى إلى الرب عمد أهل أنطاكية إلى رجل من كهنة البيعة اسمه بطرس فجعلوه بطركًا وكان غليظ القلب مظلمًا في أفكاره مضطرب العقل مقاومًا للأمانة المستقيمة كما قال الحكيم في الله كيرلس البطرك القديس لأجل أصحاب أناطوليوس أنهم مظلموا الأفكار. ومن أجل الإتحاد الذي بين الكرسيين كتب بطرس رسالة سنوديقا إلى الأب داميانوس البطرك كما جرت العادة.
فلما وصلت السنوديقا إليه فرح بها وجمع الأساقفة وفيما هو يميز كلامه المنصوص فيها وجد فيه عثرة في الإعتراف بالثالوث وطلب بحكمته ودعته أن يجذب إليه بطرس المذكور[26] برفق حتى لا تنقسم البيعة ولا يفترق الإتحاد الذي بيد الكرسيين، فكتب إليه ميمرًا (مكتوب)[27] يذكر فيه جميع المخالفين والتعليم الذي وضعه ساويرس البطرك غرضًا في أن يفهمه الأمانة ليدبر عقله لأن بطرس قال بحكمته البرانية أنه لا حاجة إلى ذكر الثالوث وكانوا معلموا البيعة أجمعون وكيرلس الحكيم ومن حياء بعده إلى أيام داميانوس في كتبهم يعترفون بالثالوث المقدس أنه ثلثة أقانيم طبيعة واحدة … والمجد للثالوث المقدس المساوى الكامل في كل شئ الذي لا يقبل شيئًا جديدًا ولا اسمًا جديدًا بالجملة بل أساميه ثابتة وأفعاله معًا.
هذا الكلام كتب به الأب داميانوس البطرك إلى بطرس بطرك أنطاكية. وكان بطرس بطرك أنطاكية مثل الأفعى العمياء التي تسد أذنيها فلا تسمع كلام الحاوى ولا دواء يصنعه حكيم بل بقى مدمنا على فكره الضال يعترف ويقول بلسانه ما الحاجة إلى تسمية الثالوث بهذا وكان يقسم الثالوث الغير منقسم فصار بين المصريين والشرقيين خصومه لهذا السبب وأقاموا هكذا عشرين سنة مختلفين بغير اتفاق “[28]، ” حتى جددها أثناسيوس البطريرك الأنطاكى في مجمع عقده في دير على ساحل البحر المتوسط بمصر في أوائل الجيل السابع “[29].
أو كما سجل لنا تاريخ البطاركة ما حدث بقوله ” فقام المغبوط أثناسيوس وأخذ معه خمسة أساقفة فضلاء معلّمين وسار في مركب إلى الأسكندرية فلما وصلوا أعلموهم أن الأب أنسطاسيوس البطريرك في الديارات فخرجوا إليه فلما سمع أن بطرك أنطاكية قد جاء إليه جمع الأساقفة والكهنة والرهبان وقام بتواضع كثير عظيم وخرج ماشيًا حتى تلقاه بالقراءة والتسبيح والفرح والبهجة ودخلوا جميعًا إلى الدير الذي هو ساحل البحر شرقي بحرى الديارات، وجلسوا فيه هناك بسلامة وفرح وأنفذ الأب أنسطاسيوس للوقت وأحضر كهنة الأسكندرية كلهم ليحضروا إجتماع الآباء وليكملوا القداس معهم ويتناولوا السرائر المقدسة وتكلم أثناسيوس في ذلك المجمع بكلام عجيب مملوء حكمة حتى تعجب كل مَن كان حاضرًا ثم قال في هذه الساعة يا أحبائى يجب أن نأخذ قيثارة وأعواد ونرتل بصوت المزمور ونقول إن الرحمة والحق تلاقيا أثناسيوس وأنسطاسيوس قبلا بعضهما بعضًا، الحق من أرض مصر ظهر والبر من الشرق أشرق وصارت مصر والشام مقالة واحدة صارت الأسكندرية وأنطاكية بيعة واحدة وعذراء واحدة لعريس واحد طاهر نقى هو الرب يسوع المسيح الابن الوحيد كلمة الآب … ومن ذلك اليوم صار الإتفاق بين كرسى أنطاكية وكرسى الأسكندرية إلى يومنا هذا“[30]. والجدير بالذكر أن هذه كانت المرة الوحيدة ـ حسب ما نعلم ـ التي حدثت فيها مثل هذه الأمور بين الكنيستين.
حالة امتنع فيها البابا الأسكندرى عن كتابة رسالة سنوديقا:
رغم أن الباباوات والبطاركة كانوا حريصين على كتابة وإرسال هذه الرسائل بمجرد سيامتهم، تحقيقًا لوحدة وشركة الإيمان بين الكنيستين كما رأينا، إلاّ أن هذا الحرص كان يدفعهم في بعض الأحيان إلى التروى في كتابة هذه الرسائل أو حتى الإمتناع عن كتابتها وإرسالها إن كان هذا سيؤدى إلى إضفاء شرعية وقانونية على أمر يخالف القوانين الكنسية.
حدث مثل هذا الأمر في عصر البابا خائيل (ميخائيل) الأول الـ 46 (743 ـ 767م) وولاية هشام بن عبد الملك الذي كان يتحكم في سيامة البطاركة. وفي أنطاكية كان من الصعب عليهم سيامة أحد الرهبان فأقاموا أحد الأساقفة بطريركًا خلافًا لقوانين الكنيسة، أدى هذا إلى حدوث خلاف بين الأساقفة ووصل الأمر إلى الشكوى للملك.
ويخبرنا كتاب تاريخ البطاركة عن هذه المشكلة وموقف بابا الأسكندرية خائيل تجاهه فيذكر الآتى: ” وكان أبونا يوحنا البطرك بأنطاكية الذي كان أسقفًا بينه وبين أساقفته مشاجرة عدة أيام ولم يستطع الصلح وكتب إلى الملك وكتب سنوديقا ما وجد سبيلاً لإنفاذها إلاّ في ذلك الوقت فلم وصلوا وتسلّم الأب أنبا ميخائيل من الرسل السنوديقا والكتب فقرأها وحزن جدًا لأجل الخلف التي بينه وبين أساقفته لأنهم قالوا أنه أسقف وليس هو بطرك وأنهم لم يقدروا أن يخاطبوه في أيام هشام بالبطرك ثم أن أنبا ميخائيل أحضر جميع أكابر أساقفته بكورة مصر وقرئ عليهم الكتب فقالوا نحن ما نكتب إلى هناك كتابة ولا ننفذه لأن هذا أمر فيه صعوبة إن أرادوا أن يخرجوه قال لهم السلطان لا لأنه أسقف وإن كتبنا إليهم أن لا يخرجوه إنقسمت الأساقفة كما قد كتبوا بل اجعل يا أبانا الأمر باقيًا على ما هو عليه ففعل ذلك“[31].
محتوى رسائل السنوديقا:
سبق أن تكلمنا أن رسائل السنوديقا هى رسائل عبّر فيها كل من باباوات كرسى الأسكندرية وبطاركة كرسى أنطاكية عن الإيمان المستقيم. ولهذا نجد أن هذه الرسائل قد احتوت على الشهادة للإيمان بالثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس، وبالتجسد الإلهى وتعاليم الكنيسة فيما يختص بطبيعة السيد المسيح واتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية في طبيعة واحدة متجسدة وأقنوم واحد متجسد في شخصه الواحد البسيط. أو كما يذكر السنكسار عن محتوى رسالة البابا ديسقوروس فيقول: ” ضمنها القول في الثالوث الأقدس المساوى في الجوهر والألوهية. ثم شرح التجسد وأن الله الكلمة قد اتخذ جسد بشرى كامل في كل شئ بنفس عاقلة ناطقة. وأنه صار معه الاتحاد[32] ابنًا واحدًا، مسيحًا واحدًا، لا يفترق إلى اثنين وأن الثالوث واحد قبل الإتحاد وبعده ولم تدخل عليه زيادة بالتجسد “[33].
الإستشهاد بنصوص الكتاب المقدس:
حوت نصوص الرسائل على شواهد لآيات من العهد القديم وخصوصًا من سفر إشعياء النبى (4 مرات)، ومن أسفار العهد الجديد (12 مرة).
التأكيد على التمسك بالتقليد:
من الجدير بالملاحظة هو اهتمام كُتّاب هذه الرسائل ـ وهم يسجلون اعترافهم ـ بالتقليد وما تسلموه من الآباء إذ أن هذا هو الضامن الأكيد لحفظ الإيمان بدون أى تغيير أو تجديد أو كما قال القديس أثناسيوس أن الرب قد أعطى الإيمان والرسل كرزوا به والآباء حفظوه[34]. ولهذا نجد أن عددًا كبيرًا من الرسائل (21 رسالة) قد حوت على مثل هذه العبارة ” أما نحن فلا نأتى بأمانة جديدة بل نتأدب من كل شئ يحفظ الأمانة الجليلة التي سلمها لنا آباؤنا الأطهار ونرفض ما قرر غيرهم“.
أو كما ورد في رسالة البطريرك الأنطاكى قرياقص الـ 48 (793 ـ 817م) إلى البابا مرقص الثانى (799 ـ 819م) ” هذا هو إعتقادنا في الثالوث بحسب ضعف منطقنا (تعبيرنا) لكن كما علّمنا آباؤنا “[35]. وأيضًا ” أما نحن فما علمتنا هكذا بيعة الله، نحن نعلن كلام آبائنا الأطهار الصحيح المملوء حياة “[36]. ويختم البابا خرستوذلوس الـ 66 (1039 ـ 1069م) رسالته إلى البطريرك الأنطاكى يوحنا العاشر الـ 64 (1042 ـ 1057م) بما يلي: ” هذا الميراث الأفضل والغنا العظيم الذي ورثناه من الآباء القديسين الأجلاء وتلقناه من السادة الموعزين إلينا منيرين العالم الذين أضأت بتعاليمهم المسكونة بأسرها “[37]. ولم يكن تمسك البطاركة في الكرسى الأنطاكى بالتقليد أقل من باباوات الأسكندرية. وهنا نأتى بمثال على ذلك من رسالة السنوديقا التي بعث بها البطريرك أثناسيوس الخامس الـ 61 (987 ـ 1003م) إلى شريكه البابا فيلوثاوس الـ 63 (970 ـ 995م) ” … هذا قلناه في هذا المعنى بالإختصار حسبما سلموه إلينا الآباء القديسين “[38].
وفي موضع آخر من نفس الرسالة وفي سياق حديثه عن الإتحاد الأقنومى يقول: ” … ومن هنا تبّت الإتحاد الحقانى الأقنومى طبع واحد اقنوم واحد للكلمة المتجسد كما علمونا الآباء لابسى الله “[39]. ونختم هذه النقطة بالإشارة إلى رسالة البابا سانوتيوس الثانى الـ 65 (1024 ـ 1038م) إلى البطريرك الأنطاكى ديونيسيوس الرابع الـ 63 (1032 ـ 1042م) والتي يعبّر فيها عن نفس هذا المعنى بقوله إن ما يعلّم به من جهة التجسد الإلهى وشرح كيفية الإتحاد الأقنومى هو ” كما علمونا الآباء لابسوا الله “[40].
ولم يكتف كاتبو الرسائل بالإشارة إلى الآباء المعلّمين بل يذكرون أسماء الآباء ومقاطع من نصوصهم وكتاباتهم العقائدية ملقبين إياهم ومن تبعهم ” بالأرثوذكسيين “[41] وليس هذا فقط بل أن كاتبوا الرسائل كانوا كثيرًا ما يذكروا أيضًا أسماء الهراطقة[42] والهرطقات ويصفون مَن يتبع أفكارهم وتعاليمهم بأنهم هم ” الذين مرضوا مرض سبليوس ومقدونيوس “[43] على سبيل المثال.
الإستشهاد بأقوال الآباء:
كان من الطبيعى أن يلجأ باباوات وبطاركة الكنيسة إلى آباء الكنيسة الذين سبقوهم والذين تسلموا منهم الإيمان عن طريق التقليد المقدس لهذا نجد أن هذه الرسائل قد حوت أقوالاً لكثير من آباء الكنيسة المعلّمين مثل القديس أغناطيوس الثيوفورس (مرتين)، والقديس أثناسيوس (17 مرة)، والقديس كيرلس السكندرى (7 مرات)، والقديس ساويرس الأنطاكى (7 مرات)، والقديس باسيليوس (7 مرات)، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات (11 مرة)، والقديس غريغوريوس النيسى (7 مرات)، والقديس ابيفانيوس أسقف قبرص (مرتين)، والقديس يوحنا ذهبى الفم (4 مرات)، والقديس يعقوب السروجى والقديس مارافرام السريانى وغيرهم.
ألقاب البطاركة كما ورد بالرسائل:
اختلفت ألقاب البطاركة من رسالة إلى أخرى. فتذكر إحداها أن البطريرك هو أول أساقفة الأسكندرية وتلقبه رسالة أخرى ببطريرك الأسكندرية ومصر وبلاد النوبة والحبشة والمغرب[44]. وعادةً يسبق اسم البطريرك لقب ” قدس“، ” طاهر“. وبالنسبة لبطريرك أنطاكية فإن الرسائل تلقبه بـ “بطريرك أنطاكية ” أو ” بطريرك أنطاكية والمشرق وما والاها”[45]. ويسبق اسمه ألقاب ” الطاهر ” و” الجليل ” وغيرها.
صفات المخالفين في العقيدة:
اعطت الرسائل للمخالفين في العقيدة عدة صفات منها “المضادون”[46]، “المقاومون”، “المخالفون” وذكرت أن ما يقولونه هو زعم ” كما زعم بلا فهم الذين ظنوا بأنفسهم أنهم حكماء ” أو ” ذوو الفهم القاصر الذين جهلوا أو ظنوا ظنًا فاسدًا أنهم حكماء “[47].
ذكر مجمع خلقيدونية بالاسم:
كانت قرارات مجمع خلقيدونية وهو المجمع المسكونى الرابع، هى التي تسببت في الإنشقاق الذي حدث بين الكنائس، ولم تقبل كنيستى الأسكندرية وأنطاكية قرارات هذا المجمع ولا تعده من بين المجامع المسكونية المعترف بها.
ولما كانت عقيدة “الخرستولوجى” كما علّمت بها كنيستى الأسكندرية وأنطاكية هى أمر جوهرى في الإيمان المستقيم الذي شهد له كتُّاب رسائل السنوديقا من الكنيستين، لهذا نجدهم يشرحون تعاليم آباء الأسكندرية وأنطاكية فيما يختص بهذا الأمر في معظم رسائلهم مع الإشارة إلى تعاليم مجمع خلقيدونية بدون ذكر اسم المجمع إلاّ في عدد6 رسائل[48] فقط جاء فيها اسم مجمع خلقيدونية عند الاشارة إلى تعاليمه.
كلمات يونانية كُتبت بحروف عربية:
بجانب كلمة “Sunodika…” اليونانية التي كُتبت بحروف عربية “سنوديقا” ومعناها “مجمعية” كما سبق القول، نجد أن هناك كلمات أخرى مثل:
+ الأرطتستيكا. Εortastika… ومعناها رسائل عيّدية أى تُرسل في الأعياد وخصوصًا عيد القيامة أى الرسائل الفصحية.
[1] نص المحاضرة التى أُلقيت بسمنار أساتذة كلية البابا كيرلس عمود الدين اللاهوتية ببورسعيد، وبتشريف صاحبا النيافة الحبر الجليل الأنبا بيشوى مطران دمياط والبرارى وكفر الشيخ، والأنبا تادرس أسقف بورسعيد فى 19/12/2003.
[2] سنشير دائمًا إلى بطاركة الأسكندرية بلقب ” بابا ” ولبطاركة أنطاكية بلقب ” بطريرك ” بدون تغيير الألقاب التى وردت فى نصوص المخطوطات.
[3] انظر مخطوط اعتراف الآباء رقم 196 لاهوت بالمتحف القبطى ورقة 131 (v) [ عند الرجوع لنصوص من المخطوط سوف نحتفظ بها كما هى بدون أى تدخل لغوى فيها ].
[4] انظر تاريخ البطاركة لساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين عن الباترولوجيا أورثيتاليس أعدها للنشر صموئيل السريانى، المجلد الأول، ص 98.
[5] السنكسار، طبعة مكتبة المحبة القبطية الأرثوذكسية، ج1، ص82.
[6] السنكسار: طبعة مكتبة المحبة، اليوم الثانى والعشرون من شهر كيهك المبارك: ج1، ص 217.
[7] اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية بقلم أغناطيوس افرام الأول برصوم. قدم له ونشره المطران غريغوريوس يوحنا إبراهيم في سلسلة التراث السريانى (1) حلب الطبعة الخامسة 1987، ص166.
[8] المرجع السابق، ص182 ـ 183.
[9] هذا هو الاسم الذي يحمله المخطوط. وللأسف عندما قام أحد رهبان الدير المحرق بنشر هذا المخطوط أعطى له اسمًا آخر وهو ” اعترافات الآباء ” مما غير من معنى محتوى المخطوط. فلا يوجد إلاّ اعتراف واحد بالإيمان المستقيم وما جاء بالمخطوط هو ” اعتراف ” كل الآباء بهذا الإيمان.
[10] لمزيد من المعلومات عن هذا المخطوط راجع:
Georg Graf: Zwei dogmatische florilegien der kopten, B. Das Bekenntnis der Väter. Orientalia Christiana Periodica vol III, Roma, 128, 1937, P. 345-403.
[11] انظر مخطوط اعتراف الآباء ورقة 196 (v).
[12] تاريخ البطاركة. المرجع السابق، المجلد الثانى 172 ـ 173.
[13] اللؤلؤ المنثور، المرحع السابق، ص182.
[14] انظر تاريخ البطاركة، المرجع السابق، المجلد الأول، ص234.
[15] انظر مخطوط اعتراف الآباء ورقة 237 (r).
[16] كما ورد في سيرة البابا ديسقوروس بالسنكسار ج1، ص61.
[17] اللؤلؤ المنثور … المرجع السابق، ص182.
[18] المشهور بيوحنا السمنودى (680 ـ 689م).
[19] هو البابا يوساب الأول (831 ـ 849م).
[20] تاريخ البطاركة. المرجع السابق المجلد الأول، ص 259.
[21] أى أنه غيّر اسم البطريرك الموجهة إليه الرسالة.
[22] تاريخ البطاركة، المرجع السابق، المجلد الثانى، ص210.
[23] كتاب الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة. بقلم أحد رهبان دير السيدة برموس في برية أنبا مقاريوس، الطبعة الثالثة 1923 الجزء الثانى، ص289.
[24] مخطوط اعتراف الآباء .. المرجع السابق ورقة 195(r).
[25] مخطوط اعتراف الآباء … المرجع السابق ورقة 193 (r).
[26] يذكر الأسقف إيسيذورس مؤلف كتاب الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة، أن البطريرك الأنطاكى بطرس ” هدم الإقرار بتمييز الأقانيم الثلاثة والإقتصار على القول بوحدة أقنوم الله نظير وحده جوهره وكانت غاية بطرس من هذا التعليم المغاير أن ينقص بدعة “كونون” أسقف طرسوس و ” فيلوبونتس ” الفيلسوف الأسكندرى اللذين زعم كل منهما أن في الله ثلاثة طبائع متميزة بالعدد ومتساوية لكنها غير متحدة الإتحاد الجوهرى “. وقد أفرط البطريرك بطرس في المهاجمة والمجادلة فوقع في بدعة جديدة مثلما فعل من قبله بولس السموساطى أسقف أنطاكية في القرن الثالث ونسطور بطريرك القسطنطينية في القرن الخامس. انظر الخريدة النفيسة، المرجع السابق ص70 ـ 71.
[27] وهذا الموقف أيضًا يعكس الملمح غير الشخصى لرسائل السنوديقا الذي أشرنا إليه سابقًا، فالبابا داميانوس يدافع عن الإيمان المستقيم بغض النظر عن شخص ومكانة مَن يعلّم بتعاليم غير أرثوذكسية.
[28] تاريخ البطاركة … المرجع السابق، ص97 ـ 98.
[29] الخريدة النفيسة … المرجع السابق ص35.
[30] تاريخ البطاركة .. المرجع السابق، ص101.
[31] تاريخ البطاركة، المرجع السابق، ص176.
[32] أى تحقق فيه الاتحاد الأقنومى.
[33] السنكسار: اليوم السابع عشر من شهر بابة المبارك ج1، ص82.
[34] انظر ” رسائل الروح القدس للقديس أثناسيوس ـ إلى الأسقف سرابيون “، ترجمه عن اليونانية د. موريس تاوضروس ود. نصحى عبد الشهيد، الرسالة الأولى فصل 28 ص82، إصدار مركز دراسات الآباء 1994.
[35] اعتراف الآباء، المرجع السابق ورقة 159 (v).
[36] المرجع السابق ورقة 161 (v).
[37] اعتراف الآباء … المرجع السابق ورقة 227 (r).
[38] المرجع السابق، ورقة 201 (v).
[39] المرجع السابق ورقة 201 (r).
[40] اعتراف الآباء … المرجع السابق ورقة 212 (r).
[41] رسالة البابا قسما إلى البطريرك يوحنا الأنطاكى. انظر اعتراف الآباء. المرجع السابق ورقة 168 (v).
[42] الخريدة النفيسة. المرجع السابق ص362.
[43] المرجع السابق. ورقة 167 (r).
[44] اعتراف الآباء ورقة 233 (v).
[45] انظر على سبيل المثال رسالة السنوديقا التي أرسلها يوحنا بطريرك أنطاكية الـ 64 إلى البابا خرستوذولس الـ 66. اعتراف الآباء. المرجع السابق ورقة 233 (v).
[46] اعتراف الآباء 167 (r).
[47] اعتراف الآباء. المرجع السابق ورقة 201 (r)، 212 (r).
[48] اعتراف الآباء. المرجع السابق: + ورقة177(r) “..المجمع الطمت الذي اجتمع بخلقيدونية “. + ورقة183(r) “..المجمع الطمت الذي اجتمع بخلقيدونية “. + ورقة202(v) ” سنودس خلقدون الاثمة “. + ورقة213 (r) ” المحفل الذي اجتمع بخلقدونية بغير ناموس … الفاسدين “. + الخريدة النفيسة ج2 ص362 ” المجمع الردئ الاسم والسمعة مجمع خلقيدون ولاون بطومسه “. +ورقة 219 (r) ” المجمع الردئ الطمت اليهودى الذي اجتمع بخلقدون “، وأيضًا بورقة رقم 197 (v).
[49] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 202 (v).
[50] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 214 (v).
[51] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 237 (v).
[52] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 213 (v).
[53] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 202 (v).
[54] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 237 (v).
[55] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 208 (v).
* إختصارات: حرف (v) يعنى وجه الورقة بالمخطوط.
حرف (r) يعنى ظهر الورقة بالمخطوط.
رسائل السنوديقا أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا
العظات الخاصة بالقديس مقاريوس الكبير – د. صموئيل روبنسون
العظات الخاصة بالقديس مقاريوس الكبير – د. صموئيل روبنسون
العظات الخاصة بالقديس مقاريوس الكبير – د. صموئيل روبنسون أستاذ التاريخ بجامعة لوند بالسويد*
مقدمة:
وُلد القديس مقاريوس حوالى سنة 300م. وفى سن الثلاثين (30) اعتزل في برية الأسقيط جنوب الأسكندرية (المعروفة حديثًا بوادى النطرون)، حيث صار واحدًا من أوائل المتوحدين.
وقد ذُكر عنه أنه زار القديس أنطونيوس عدة مرات وأنه كان يعتبره معلمه ومرشده. وخلال فترة قصيرة سعى إليه زوار كثيرون وقبل بعضًا منهم كتلاميذ له. واشتهر القديس مقاريوس ببصيرته وأفرازه وسرعان ما دُعى بلقب الشاب الشيخ. والروايات حول ممارسته النسكية وحول تأكيده على السكون واستبصاره العميق النافذ في قلوب الناس كل هذه معروفة جيدًا.
وحينما بلغ 40 عامًا نال موهبة شفاء المرضى ومعرفة المستقبل. ولأنه كان موهبًا في الكلام فإن رهبان نتريا لجأوا إليه لينتفعوا بتعاليمه، بل إنه أيضًا سيم كاهنًا على الكنيسة في نتريا (فلم يكن للأسقيط كنيسة خاصة به أثناء حياته). ولما بلغ من العمر أكثر من 70 عامًا نفاه أسقف الأسكندرية الآريوسى، ولكنه رجع بعد فترة قصيرة إلى برية الأسقيط، حيث توفى هناك حوالى سنة 390م [1].
وكما يتضح من الأقوال والروايات التي رويت عنه من آباء الرهبنة الذين جاءوا بعده “والذين قالوا إنهم كانوا تلاميذ له ” وبنوعٍ خاص إيفاغريوس البنطى، ومن مؤلفين مثل بالاديوس، وروفينوس ومؤلف الكتاب المعروف باسم ” تاريخ الرهبان في مصر ” (Historia Monachorum)، من كل هؤلاء يتضح أن مقاريوس كان واحدًا من أهم آباء الرهبنة الأوائل.
وفى سنوات شيخوخته كان هو المصدر المعتمد لمجموعة الرهبان المرتبطة بالأنبا بامبوـ الاخوة الأربعة الطوال ـ الذين صار منهم أثنين أساقفة، وإيفاغريوس[2]. ولكنه مثل إيفاغريوس توفى قبل أن تُطرد هذه المجموعة من الرهبان المفكرين والمعجبين بأوريجينوس، من البرية. ومع ذلك يبدو كما لو أنه لم يترك أية كتابات لأبنائه سوى رسائل قليلة التي من بينها رسالة واحدة على الأقل تبدو أصيلة[3]. ولم يذكر أى كاتب من الكُتّاب القدامى أية عظات أو أية نصوص أخرى بقلمه.
ورغم هذا فإن شهرته في المسيحية الشرقية والمسيحية الغربية كلتاهما تعتمد أساسًا على العظات الخمسين المنسوبة إليه[4]. وفى الحقيقة فإن قليلاً من النصوص لها مثل هذه الأهمية العظيمة في تاريخ الروحانية المسيحية. ورغم أن هذه العظات تحمل اسم القديس مقاريوس فلا أحد من العلماء المحدثين يقبل هذه العظات على أنه هو الذي كتبها فعلاً.
فليس فقط أنه من الصعب أن نتصور أن ناسكًا قليل التعليم في الأسقيط يكتب مثل هذه العظات الطويلة، ولكن أيضًا الإطار الذي اقتبست فيه أولاً، والخلفية السريانية لكثير من محتوياتها تشير إلى أنها بدأت وسط رهبنة القرن الرابع في شمال سوريا، ومع هذا فإن هذا لا يحل مشكلة تأليف هذه العظات[5].
وفى سنة 1920م تحقق أحد الدارسين من أن بعض العبارات الموجودة في العظات تتشابه مع عبارات حُكم عليها بأنها ” ميساليان ” (Messalian) في مجمع أفسس سنة 431م[6]. وهذا الاسم (Messalian) هو من اللغة السريانية ومعناها ” المُصلون “. وهو يشير إلى حركة عُرفت عن طريق عدة مجامع وأيضًا من بعض الكُتّاب مثل ثيئودوريتوس أسقف قورش وفليكسينوس المنبجى.
و ” المصلون ” وُصفوا بأنهم رهبان احتقروا العمل العادى لكى يصلوا بلا انقطاع وأيضًا إنهم اعتبروا الأسرار الكنسية أقل أهمية مؤكدين على المعمودية الروحية كاختبار داخلى. وكتابهم الرئيسى عُرف باسم ” الأسكيتيكون ” (Asketikon) (ومعناها كتاب النُسك). وهو عبارة عن دليل لروحانيتهم. هذا الكتاب كان معروفًا في مجمع أفسس، ووضع يوحنا الدمشقي قائمة بمحتويات هذا الكتاب في كتابه عن الـ80 هرطقة.
ويقول فيلكسينوس المنبجى إن هذه الهرطقة بدأت بشخص معين من ” أوديسا ” (الرها) اسمه “أدلفيوس” وإن هذا الشخص ذهب إلى مصر حوالى سنة 350م سعيًا وراء آباء الرهبنة الذين وصلت أخبارهم إلى شمال سوريا. ويُقال إن هذا الشخص ذهب إلى القديس أنطونيوس وصار تلميذًا له وغالبًا إنه ذهب أيضًا وتعرّف على القديس مقاريوس. وبعد فترة من الوقت رجع إلى سوريا وبدأ يجمع حوله تلاميذه الخاصين به.
وبحسب فيلكسينوس فإن هذا الشخص أساء فهم تعاليم الآباء المصريين، ولذلك فإن المجموعة التي التفت حوله صارت تضع تأكيدًا كبيرًا على النسك والأمور الروحانية لدرجة أنهم قطعوا أنفسهم ليس عن المجتمع فقط بل من الكنيسة أيضًا.
وكتاب ” الأسكيتيكون ” الذي بُنى عليه حكم الإدانة فُقد ولم يُحفظ. ولكن في مجموعة العظات الخمسين المنسوبة للقديس مقاريوس توجد عبارات عديدة تتشابه مع عبارات حُكم عليها على أساس أنها مأخوذة من كتاب ” الأسكيتيكون ” والشرح الأكثر احتمالاً هو أن كثيرًا من الرهبان بل وحتى بعض الأساقفة شعروا أن التقليد الروحي المتضمن في هذه المجموعة له قيمة عظيمة ولذلك ينبغى أن يحتفظ في صورة نقية.
وهكذا شُطبت العبارات الهرطوقية الواضحة ونُسبت المجموعة إلى اسم القديس مقاريوس كمؤلف. وهكذا لايمكن بعد ذلك أن نشك فيها بأنها هرطوقية بل حُفظت كجزء من التقليد الرهبانى المصرى الأصيل والمقبول.
ويبدو أن مؤلف هذه المجموعة هو يونانى مثقف وأسلوبه ومناقشاته تتشابه مع أسلوب ومناقشات الآباء الكبادوكيين، خاصة الكتابات النُسكية للقديس باسيليوس وغريغوريوس النيسي، حيث نجد نفس التأكيد على إرضاء الله وعلى المحبة العملية. وتعليم العظات المقارنة عن الروح القدس يفترض معرفة بتعاليم مجمع القسطنطينية سنة 381م ويتشابه جدًا مع بعض المقاطع في كتابات القديس غريغوريوس النزينزى.
ومع أن العظات هى مجموعة من النصوص التي جرت عليها عدة تنقيحات ويظهر فيها تأثير من التقليد الرهبانى السريانى المتطرف وأيضًا من الآباء الكبادوكيين، فهذا لا يستبعد أن معظم أجزاء هذه المجموعة تُظهر تقليدًا مصريًا يرجع إلى القديس مقاريوس الكبير.
وحتى لو كانت الرواية التي أخبرنا بها فيلكسينوس عن أدلفيوس لا يمكن إثباتها، فهناك دليل كاف على وجود علاقات بين الرهبان المصريين من ناحية والرهبان الفلسطينيين والسوريين من ناحية أخرى خلال النصف الثانى من القرن الرابع مما يجعله أمرًا محتملاً جدًا أن كتابًا نسكيًا في سوريا تكون جذوره مستمدة من تعاليم الرهبان المصريين[7]. وكثير مما نجده في هذه العظات هو أيضًا قريب جدًا مما نجده في أقوال آباء البرية. وهكذا فإن نسبة هذه العظات إلى القديس مقاريوس لها أساس في حقيقة إن تقليدها الروحي له جذوره في البراري المصرية.
وفى رأيى فإن اعتبار إن العظات المنسوبة للقديس مقاريوس لها تاريخ متصل بحركة “المصلين “، جعل هذه العظات أكثر أهمية. فنجد في هذه العظات عناصر من تقليد رهبانى متطرف يمكن بسهوله أن يصير هرطوقيًا كما نجد فيها عناصر تدحض هذه الاتجاهات. فمثلا نجد في هذا النص ملاحظات نقدية لأولئك الذين يعتبرون صلاة الدهش على أنها السلاح الفعال الوحيد، وأيضًا لأولئك الذين يظنون إن موهبة الروح القدس هى اختبار يجعل الراهب حرًا من الخطية.
فبينما بعض العبارات التي حوكم عليها إذا استخدمت خارج السياق الصحيح ـ يمكن أن تساند فهمًا هرطوقيًا، فإنها في هذه العظات توضع في إطار أوسع حيث تكون متمشية تمامًا مع التقليد الرهبانى الأصيل. فغالبًا فإن القديس فيلكسينوس كان على صواب حينما قال إن البدعة ” الميسالينية ” ليست سوى تشويه لتعليم آباء البرية، أو قراءة من جانب واحد لأقوال الشيوخ “أبوفثجماتا ” (Apophthegmata).
وكون العظات ـ ربما في صورة مختلفة نوعًا ما كانت مستخدمة من ” الميساليانز ” (أصحاب البدعة) فهذا لا يبرهن إن هذه العظات لم تأت من تقليد نابع من تلاميذ القديس أنطونيوس، وبنوع خاص القديس مقاريوس الكبير[8].
تعليم عظات القديس مقاريوس:
العظات ليست أبحاثًا لاهوتية ولا توجد بها عناصر مشتركة مع اللاهوت النظامى الحديث أو الشروحات اللاهوتية المبسطة في دروس مدارس الأحد. ولكنها تقدم اختبارًا شخصيًا. كاتب العظات راهب وهو متصوف وهو يشرك تلاميذه معه في سعيه الشخصى نحو الحق وفى حبه للكتاب المقدس.
توجد خمس موضوعات رئيسية في هذه العظات:
سمو الإنسان.
قوة الشر.
التجسد. الله في هيئة بشرية.
روح الله.
معنى الصلاة.
باختصار فإن تعليم هذه العظات يمكن أن يتلخص فيما يجب أن نتعلمه عن كيف يولد الإنسان من الروح، وكيف يقاوم الشر، وحينما نُهزم كيف نستعيد القوة من جديد بالصلاة. فالصلاة هى التي تجعل الإنسان يمسك بالله، وليس التفكير العقلى.
1 ـ سمو الإنسان:
يكمن سمو الإنسان في إمكانية الشركة مع الله وفى وجود علاقة حب مع الله بدلاً من علاقة الاحتياج. ومع كل عظمة الخلائق الأخرى فهى مقيدة بقوانينها ـ قوانين الطبيعة ـ فالإنسان وحده يملك حرية، فلذلك يستطيع أن يصير هيكلاً لله. وتحوى العظات أوصافًا جميلة للطبيعة وهى غالبًا من نوع تصوف الطبيعة، ولكنها تعود دائمًا لتتحدث عن السمو العظيم للإنسان فالذى يسطر داخل الإنسان في النهاية هو ” العقل” (noàV).
إنه الاشتياق لما هو روحانى وأبدى هو حنين ينبغى أن ينضج ليصل إلى الاستبصار. ولكن العقل مهدد دائمًا بحركات متنوعة من النفس والأفكار والصور والدوافع التي تحاول أن تمسك بنا، وهى الـLogismoi (لوغوزموى = الأفكار) إذا استخدمنا الكلمة اليونانية الشائعة في كل كتابات آباء الرهبنة الأولين.
2 ـ قوة الشر:
هذا موضوع هام في هذه العظات، أى اختبار وجود الشر في داخل الإنسان والصعوبات في مقاتلة الأفكار الشريرة. فبحسب هذه العظات يوجد الشر في الإنسان كقوة خفية. هذه القوة تحكم في الداخل دون أن نتحقق من الوضع الصحيح للأمور. ورغم إن الشر غريب عن طبيعتنا فقد جعل لنفسه مسكنًا فينا ولا يجد صعوبة في أن يكون مقيمًا فينا مع الروح القدس الذي نلناه بالمعمودية. والاتهام الموجه ” للمصلين ” بأنهم احتقروا المعمودية ربما يرجع إلى التأكيد في العظات على أن المعمودية ليست كافية لأستئصال الشر من النفس.
والقديس مقاريوس مولع جدًا بالصور ويصور الشر كاللصوص الذين أقاموا في البيت وحولوا أنفسهم إلى حيات تختبئ عند الضرورة ولكنهم لا يزالون يتحكمون في كل ما يحدث. فميدان المعركة بين الخير والشر هو قلب الإنسان. وسقوط الإنسان وطرده من الفردوس لم تلاش الصلاح كما أن المعمودية لم تلاش الشر.
ورغم إن آدم فتح الباب للشر ولكن كل إنسان مسئول عن المساحة التي يسلمها للشر في داخل نفسه ورغم إن آدم باع كل الجنس البشرى للعبودية تحت الشيطان، فإن كل واحد مسئول في عدم مقاومته للشر، ذلك الشر الذي يستمد قوته أساسًا من الدوافع والأفكار. ولذلك من الضرورى أن تعرف وتفهم نفسك “yuc» ” أنت وتتعلم كيف تقاتل الرذائل.
3 ـ التجسد:
وحينما تعالج العظات، التجسد، فمن المهم أن نلاحظ كيف تتكلم غالبًا عن إن الله يولد في قلب الإنسان. التجسد الذي حدث من خلال العذراء مريم ليس فقط حقيقة تاريخية مرتبطة بزمن معين، ولكنه هو قبول الكلمة للطبيعة البشرية المستمر، فينا ومن خلالنا.
فالانتصار على الموت وإنزال الشيطان من عرشة والمصالحة بين السماء والأرض كل هذه تحدث في كل إنسان له اهتمام بأن يشترك في المسيح. هذه المُشاركة تأتى بواسطة سكنى الروح، الذي هو عطية، ولكنه عطية تفترض عمل تنقية للنفس الداخلية لكيما يستريح الروح في النفس.
4 ـ روح الله:
الروح القدس هو قوة مُطهرِّة، هو قوة أقوى من الشر. ويرد ذكر سكنى الروح في هذه العظات أكثر من 125 مرة. وكثيرًا ما نجد حديث عن الامتزاج، امتزاج روح الإنسان مع روح الله وهذه الطريقة في التعبير توجد أيضًا عند أوريجينوس. وتخبرنا العظات عن كيف إن الحواس الخمس هى مثل خمس عذارى حكيمات عندهن زيت حتى يستطعن أن يضيئن مصابيحهن حينما يأتى العريس. والزيت هو عطية من الله، ولكن بدون يقظة وبصيرة ورغبة صادقة لا يستطيع أن يفعل شيئًا. فنشاط الإنسان أمر لا غنى عنه، ولكن منح إكليل النصرة هو دائمًا عمل الله.
هدف النُسك هوـ مثلما جاء في رسائل القديس أنطونيوس أيضًا ـ يوصف بأنه “الراحة” (¢n£pausiV). وهى حالة من الحرية الكاملة ولكنها أيضًا هدوء كامل بدون ألم الاختبار وهى تسمى أحيانًا ـ كما عند القديس غريغوريوس النيسى ـ سُكر او انجذاب. وتشير العظات إلى الاتحاد بالله ولكنها تؤكد أيضًا على الاختلاف بين الخالق والمخلوق. هذه الراحة يمكن تذوقها في هذه الحياة، وإن كان ليس بصفة دائمة.
والإشارة المستمرة في العظات إلى الشعور والاختبار هى ربما أحد الأسباب التي جعلت المجموعة التي استعملت العظات كمرجعها الوحيد، تصير ضيقة الفكر ومتعصبة، ولكنها أيضًا هى أحد الأسباب التي جعلت العظات محبوبة جدًا مع ” التقويين ” (Pietists).
والكتاب المقدس يُشار إليه في العظات على إنه رسالة عظيمة من الملك. إنه خطاب دعوة. وتمتلئ العظات باقتباسات من الكتاب رغم أن المؤلف قد تعلم من الكتاب المقدس كثيرًا من أوريجينوس ومن الآباء المصريين والكابادوكيين فإنه لا يقتبس أى نص آخر سوى من الكتاب المقدس. وتفسير الاقتباس يوجه مباشرة إلى الشخص، كما لو أن تاريخ الخلاص هو التاريخ الشخصى لكل أحد. لذلك فالتفسير المحورى للكتاب في العظات ليس هو عادة التفسير المجازى بل بالحرى ” التفسير بالأنماط ” (Typological).
5 ـ معنى الصلاة:
وكما هو متوقع من نص مرتبط ببدعة ” الميساليانيز”، أى أولئك الذين يصلون، فالصلاة هى محورية بالنسبة للعظات والأمثال التي تشير للصلاة تُذكر باستمرار. ومن الواضح إن المؤلف عنده اختبارات شخصية عميقة في الصلاة. فالصلاة في العظات هى بصفة أولية صرخة لطلب المعونة، هى صوت العبد الذي يطوق للتحرر.
لذلك فإن استجابة الصلاة ينظر إليها على إنها استعادة سمو الإنسان من جديد واستعادة الحرية الخاصة به. الصلاة وحدها هى التي تجعل الروح القدس يحل القيود ويهزم الشر. لذلك يحاول الشيطان دائمًا أن يمنعنا من الصلاة بأن يشتت تركيزنا بأفكار متنوعة. الصلاة بغير تشتت هى هبة من الله ولكنها تستلزم تعاوننا.
والعظات كان لها تأثير هائل على مدى التاريخ. ففى التقليد الروحى اليونانى كان لها أهمية كبيرة عن سمعان اللاهوتى الجديد وغريغوريوس بالاماس وهكذا امتدت هذه الأهمية إلى كل التقليد “الهدوئى” (Hesychast) وحُفظت أجزاء من العظات مع الخطاب الكبير أيضًا في الفيلوكاليا، وهى المجموعة التي صارت محورية بالنسبة للتقليد الروحى في روسيا[9].
ولكن توجد أيضًا أمثلة لكُتّاب روحيين داخل البروتستانتية الغربية كانوا مدينين كثيرًا للعظات المقارية. وأهم هؤلاء الكُتّاب هما: جوهان أرندت(Johann Arndt) وجون وسلى (John Wesley). والمجلدات الأربعة التي وضعها جوهان أرندت مؤسس ” الحركة التقوية” (Pietism) والتى تُسمى “أربعة كتب حول المسيحية الحقيقية” هذه المجلدات مملوءة بإشارات لهذه العظات، ويُقال إن ” أرندت ” حفظ هذه العظات عن ظهر قلب وترجم جوتفرد أرنولد (Gottfried Arnold)، العظات إلى اللغة الألمانية وحاول أن يثبت إنها تعلّم عن التبرير بالإيمان الذي كان هو العقيدة المحورية لثورة الإصلاح.
كانت العظات حينئذ تُقرأ في دوائر متسعة وخلقت حركة في القرن الثامن عشر عُرفت فيما بعد باسم ” طيبا البروتستانتية ” (Protestant Thebaid). وبعض التقويين المتشددين خرجوا أيضًا إلى الغابات وصاروا نُساكًا تابعين تعاليم آباء البرية[10].
وبعض هؤلاء التقويين المتشددين اُضطهدوا من الكنائس الرسمية (ومن الدولة) وهربوا إلى أمريكا حيث وجدوا ملجأً لهم في بنسلفانيا، حيث نشأ دير ” تقوّى ” حيث كانت توزع ترجمات لكتابات الآباء الأولين. إلى هذه المجموعة جاء ” جون وسلى ” مؤسس حركة ” الميثوديست ” (Mothodist) وأحد أهم قادة أوربا الروحيين في القرن الـ 18. ولتأثر وسلى بتعاليم آباء الرهبنة عاش كناسك لفترة قصيرة في غابة بنسلفانيا.
ووجد ” وسلى ” كثيرًا من إيمانه الخاص في عظات القديس مقاريوس وأصدر ترجمة إنجليزية للعظات أُعيد طبعها عدة مرات. وما كان مهمًا بالنسبة إليه بنوع خاص هو أنه بحسب العظات فإن آدم لم يرجع فقط إلى حالته قبل السقوط، بل إنه في المسيح يوجد مستقبل للإنسان يتجاوز الخليقة[11].
وإذ أعود مرة أخرى إلى تاريخ العظات فإنه بالإضافة للقيمة الروحية للنصوص نفسها، توجد بعض أمور يمكن أن نتعلمها من المصير العجيب للعظات المنسوبة للقديس مقاريوس:
أولا: هى توضح لنا إن قبول الروحانية الرهبانية بدون تمييز، أى تعليم القديس أنطونيوس وآباء البرية يمكن أن يقود إلى آراء متطرفة. فالرهبان الذين كانوا جزءًا من الحركة ” الميسالية” أسسوا فهمهم للحياة الروحية على تعاليم آباء البرية، ولكن لم تكن لهم سوى فطنة قليلة جدًا ويحتمل أنه لم يكن لهم سوى احترام قليل جدًا للآخرين. وبدلاً من أن يستفيدوا من الإطار الواسع لتعاليم الكنيسة فإنهم صاروا متعصبين.
ثانيًا: يمكن أن نرى نوعين من رد الفعل تجاه الرهبان “الميساليان” فبينما واجه غالبية من الأساقفة الحركة بإدانات واضطهادات فهناك أقلية من بينهم كالقديس غريغوريوس النيسى الذي ظل مُشفقًا عليهم واستعمل كتاباتهم في صيغة معدلة لكى يساعدهم ان يظلوا داخل أحضان الكنيسة.
ثالثًا: نسبة العظات إلى القديس مقاريوس تبين لنا كيف أن بعض النصوص التي كانت تستخدمها في وقت ما مجموعة هرطوقية، إذا وُضعت في السياق الصحيح فإنها تساعد على النمو الروحى للتقليد الرهبانى الأصيل. وحتى لو كانت العظات في صورتها الحالية ليست من عمل القديس مقاريوس نفسه، فإنها متأصلة في نفس تقليده لدرجة أنها صارت ذات قيمة ومعنى للأجيال اللاحقة.
فنسبة العظات إليه تضيف سياقًا ضروريًا إلى النص المجرد للعظات. وهذا ينبغى ان يكون تحذيرًا لنا لكى لا نطرح بعيدًا الكتابات الروحية واللاهوتية لمجرد أنها أتت من أحد الأجنحة الهرطوقية للتقليد المسيحى. فمثل هذه الكتابات لو استعملت بطريقة صحيحة وأُدمجت في تعاليم الكنيسة فإن كتابات هؤلاء المعزولين الذين يبدون أنهم هراطقة مثل (أوريجينوس) فإنها تكون جزءً لا غنى عنه من تقليدنا.
رابعًا: التأثير العظيم الذي كان لعظات القديس مقاريوس على التقاليد المسيحية المتنوعة: الرهبنة الشرقية، الهدوئية اليونانية، الروحانية الروسية، التقوية البروتستانتية، يبين إن التأليف الروحى ذو العمق الكبير لا يعرف الحواجز المذهبية بين الكنائس، لذلك فهو أدب مسكونى بحق. فإن كان البروتستانت قد أمكنهم أن يقدروا العظات بنفس الطريقة مثل رهبان البرارى المصرية فهذا يبرهن إنه توجد هناك وحدة للروحانية المسيحية تتجاوز جدران المذاهب المتنوعة مثل الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت.
* محاضرة أُلقيت بالإنجليزية بمركز دراسات الآباء بالقاهرة في 17/11/1997م ؛ ترجمة د. نصحى عبد الشهيد بطرس.
لزيادة الفائدة من هذه المحاضرة يمكن الرجوع إلى: ” عظات القديس مقاريوس الكبير “، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، إصدار مركز دراسات الآباء بالقاهرة، الطبعة الثانية، القاهرة 1991.
[1] أهم المراجع عن حياة القديس مقاريوس هي بعض أقوال الآباء والذي يُسمى ” كتاب الشيوخ ” (PG 65)،
Historia Lausiaca (ed. Butler, The Lausiac History of Palladius, Cambridge 1898 – 1904); Rufinus’ Latin version of Historia Monachorum in Aegypto (ed. Eva Schulz – Fluegel, in: Patristische Texte und Studien 34, Berlin 1990).
[2] العلاقة بين مقاريوس الكبير وإيفاجريوس نوقشت في:
Bunge, Evagre le Pontique et les deux Macaire“, Irénikon 56 (1983), PP. 215 – 226; 323-360.
[3] بالنسبة لخطابات القديس مقاريوس أنظر الآتي:
Letters des Péres du désert, Ammonas, Macaire, Arséne, Sérapion de Thmuis (Spiritualité Orientale 42), Bellefontaine 1985, PP. 61-81; U. Zanetti, Deux lettres de Macaire consevées en arabe et en georgien, in: Le Muséon 99 (1986).
[4] H.Dörries, E. Klostermann und M. Kroeger, in: Patristische Texte und Studien 4, Berlin 1964.
[5] C. Stewart, Working the Earth of the Heart. The Messalian Controversy in History, Texts, and Language to AD 431, Oxford 1991.
[6] L. Villecourt, “La date et l’origine des Homélies spirituelles’ attribuées à Macaire”, Comptes rendus de l’ Académie des Inscriptions et Belles – Lettres, Paris 1920, pp.250-258.
[7] S. Rubenson, “The Egyptian Relations of Early palestinian Monasticism”, in: The Christian Heritage in the Holy Land (ed. by A. O’ Mahony, Göran Gunner and Kevork Hintlian), London 1995, pp. 35-46.
[8] Les Homélies spirituelles de Saint Macaire, pp. 11-49.
[9] G. A. Maloney, The Fifty Homilies and the Great Letters (Classics of Western Spirituality), Paulist Press 1992.
[10] E. Benz. Die Protestantische Thebais. Zur Entwirkung des Makarios des Ägypters im Protestantismus des 17 und 18 Jhdts. in Europa u. Amerika, Wiesbaden 1963.
[11] A. C. Outler, John Wesly, New York 1964. pp. 368-382; 432-435.
العظات الخاصة بالقديس مقاريوس الكبير – د. صموئيل روبنسون
رسائل الأرطستيكا (تاريخيا ـ عقيديا) – د. جوزيف موريس فلتس
رسائل الأرطستيكا (تاريخيا ـ عقيديا) – د. جوزيف موريس فلتس
رسائل الأرطستيكا (تاريخيا ـ عقيديا) [1] د. جوزيف موريس فلتس
معنى كلمة الأرطستيكا:
كلمة الأرطستيكا ليست عربية بالطبع بل هى كلمة يونانية ˜ortastika… بمعنى “عيدية” وهى صفة في صيغة الجمع المؤنث ـ كتبت بحروف عربية حسب النطق اليونانى (Transliteration) مع قليل من التحريف ـ لوصف رسائل بعينها كانت تُرسل كل عام بمناسبة عيد القيامة المجيد.
كيف وردت في المخطوطات العربية ؟
وردت هذه الكلمة بدون ذكر كلمة “رسائل“، فقط مصحوبة بالسنة التى تدل على عدد مرات كتابة هذه الرسائل فجاءت ـ على سبيل المثال ـ هكذا ” الأرطستيكا السادسة عشر“[2]. أو مصحوبة بكلمة أخرى مثل كلمة “ كتب الأرطستيكا ” [3].
تاريخ رسائل الأرطستيكا (<Epistolaˆ ˜ortastika… – Festal Letters):
لقد كان من المعتاد وحتى القرن التاسع الميلادى[4] أن يُرسل أساقفة الأسكندرية، رسائل إلى كل كنائس مصر ليعلنوا فيها ميعاد عيد الفصح وبدء الصوم المقدس في كل عام. واتخذت هذه الرسائل الشكل الرعوى في حض المؤمنين على الصوم والاهتمام بالعيد.
ولقد كان ديونيسيوس الأسكندرى البطريرك الـ14(247ـ264م) أول أساقفة الأسكندرية في إرسال هذه الخطابات العيدية لأساقفة الكرازة في الإيبارشيات وذلك حسب شهادة يوسابيوس (20:7). وبالإضافة إلى موضوع الرسائل الرئيسى عن الصوم وعيد الفصح فقد اهتم ديونيسيوس أيضا في خطاباته بالأمور الكنسية الأخرى[5].
قضية عيد الفصح:
يُعتبر عيد الفصح من أقدم وأكبر الأعياد السنوية في الكنيسة [6]، فقد بدأ الاحتفال بهذا العيد الهام منذ القرن الأول الميلادى، فاتبع مسيحيو آسيا الصغرى وإنطاكية التقويم العبرى، فكانوا يعيدون الفصح في 14 نيسان، الذي قد يقع في أى يوم من أيام الأسبوع، وأُطلق عليهم (Quartadecimanians) أى “الأربعشريين ” أما كنائس الأسكندرية وروما والغرب، فكانت تصر على أن يكون الاحتفال بصلب المسيح في يوم ” جمعة ” وبالتالى يكون الاحتفال بالقيامة يوم ” أحد “.
غير أن تاريخ الاحتفال بعيد القيامة أصبح يشغل الكنيسة كقضية أثير حولها الجدل العنيف من بعد القرن الثانى الميلادى [7]، الأمر الذي نوقش في عدة مجامع بلغ عددها ستة [8]، دون التوصل إلى نتيجة مرضية أو إلى حل يوافق الطرفين.. وهكذا بقى هذا الموضوع على نفس المنوال إلى أن انعقد مجمع آرل (Arles) سنة 314م، والذى حُدد في قانونه الأول أن الفصح المسيحي يجب أن يُحتفل به:
“uno die et uno tempore per omnem orbem” في يوم واحد في كل الكنيسة “، على أن يكون يوم أحد إكراما لذكرى القيامة ومغايرا لليوم المحدد في الحساب اليهودى للفصح. غير أن هذا القرار لم يُنفذ على مستوى المسكونة [9].
المجمع المسكونى الأول (نيقية) وعيد الفصح:
مثلّت قضية تحديد ميعاد عيد الفصح ثانى أكبر الموضوعات التى ناقشها مجمع نيقية 325م [10].
غير أن المؤرخين القدماء لم يسجلوا لنا تفاصيل المناقشات التى جرت في المجمع حول هذا الموضوع، والمعروف أنه لا توجد لدينا وقائع هذا المجمع، إذ لم يعتن الآباء المجتمعون على تدوينها مثلما حدث في المجامع المسكونية التالية، وكل ما وصل إلينا من أعماله مأخوذ عن مؤلفات المؤرخين مثل يوسابيوس وروفينوس وسقراط وسوزمينوس وغيرهم. ولذا لم يصلنا سوى ما اتفق عليه الآباء بشأن عيد الفصح، كما هو مدون في الرسالة المجمعية إلى كنيسة الأسكندرية:
“ثم أننا نعلن لكم البشرى السارة عن الاتفاق المختص بالفصح المقدس، فإن هذه القضية قد سويت بالصواب، بحيث إن كل الاخوة الذين كانوا في الشرق يجرون على مثال اليهود، صاروا من الآن فصاعدا يعيدون الفصح، العيد الأجلّ الأقدس، في الوقت نفسه، كما تعيده كنيسة روما وكما تعيدونه أنتم وجميع من كانوا يعيدونه هكذا منذ البداية”[11]، وأيضا ما جاء في رسالة بعث بها الإمبراطور قسطنطين إلى الذين لم يحضروا المجمع “.. إنه قد رُؤى أن عيد الفصح الجزيل القداسة يجب أن يُحتفل به في كل مكان في اليوم الواحد بعينه ” [12].
ولما كان تحديد ميعاد عيد الفصح سنويا يحتاج إلى دراية فلكية واسعة وعمليات حسابية دقيقة، فقد كلف المجمع أسقف الأسكندرية أن يحدد موعد الفصح، ويُبلغ بذلك باقى الكراسى في المسكونة، ولقد تم اختيار الأسكندرية للقيام بهذا العمل لخبرتها السابقة إذ كانت تحدد ميعاد الفصح لسائر الإيبارشيات المصرية [13].
قضية عيد الفصح في الأسكندرية بعد مجمع نيقية:
رغم أن قضية تحديد ميعاد الفصح وبدء الصوم صارا تقليدا راسخا لأسقف الأسكندرية، إلاّ أن هذه القضية قد عاودت الظهور في كرسى الأسكندرية في القرن التاسع. فيحفظ لنا التراث العربي المسيحي معلومات يخبرنا بها كاتب سيرة البابا سانوتيوس البطريرك الـ55 (859ـ880م) عن أن
” جماعة من الناس قالوا بأن الفصح في السنة التى صُلب فيها المسيح كان في اليوم السادس عشر من شهر برمودة وكان الأب شنودة (سانوتيوس) مهتم بهذا الأمر إلى أن أظهر لهم الصواب وحققه عندهم وهو أن القيامة المقدسة كانت في سنة خمسة ألف وخمس مائة وأربعة وثلثين للعالم وأن الصلبوت كان في يوم جمعة السابع والعشرين يوما خلت من برمهات وهذا اليوم الذي خرج فيه آدم من الفردوس والقيامة في اليوم التاسع والعشرين من برمهات يوم الأحد ” [14].
ويبدو أن أمر الإصرار على الاحتفال بالفصح يوم 14 نيسان وفى أى يوم من الأسبوع وليس بالضرورة يوم الأحد، كان قد انتشر في أماكن أخرى من كرسى الأسكندرية، حيث يذكر نفس كاتب السيرة عن وجود جماعة تسمى بـ “الأربعة عشرية ” في ضيعة من قرى مريوط [15]. غير أن البابا سانوتيوس قد عاد بهذه الجماعة أيضا إلى حضن الكنيسة [16].
رسائل الأرطستيكا وأهم كُتّابها من بطاركة الأسكندرية:
I ـ البابا أثناسيوس الرسولى الـ20 (296ـ373م):
خلال القرن الثالث الميلادى كانت قد صارت عادة، أن يقوم أسقف الأسكندرية بإعلان كل الإيبارشيات المصرية ببداية الصوم الكبير وميعاد الاحتفال بعيد الفصح المقدس وذلك عن طريق ” رسائل الأرطستيكا ” التى كانت تُرسل بعد عيد الغطاس بوقت قليل، كما كانت تتضمن هذه الرسائل شئون كنسية جارية أو أمور تخص الحياة الروحية.
ولقد حافظ القديس أثناسيوس الرسولى على هذا التقليد حتى وهو في المنفى، فقد كتب 45 رسالة لأعياد القيامة الـ45 في سنوات حبريته (329ـ373م) [17]. وبعد نياحته بقليل، جُمعت هذه الرسائل معا بواسطة أحد أحبائه، ولاقت هذه المجموعة انتشارا واسعا [18].
لم يعثر علماء الغرب على رسائل الأرطستيكا لأثناسيوس، إلاّ في القرن التاسع عشر الميلادى، إذ لم يكن معروفا عنها قبل ذلك إلاّ إشارات وردت في كتابات جيروم (331ـ430م) وقصاصات ضمن كتابات قزماس (ق6) المعروف بالبحار الهندى [19]. ففى سنة 1842م نقل هنرى تتام Tattam إلى إنجلترا كمية كبيرة من المخطوطات باللغة السريانية من دير السيدة العذراء (السريان) بوادى النطرون.
حين أودعت بالمتحف البريطانى، أكتشف العالم W. Cureten أنها تحتوى على مجموعة من الرسائل الأرطستيكا للقديس أثناسيوس فترجمها من السريانية إلى الإنجليزية ونشرها في لندن سنة 1848م، كما ترجمها Larsow إلى الألمانية ونشرها في برلين 1852م[20].
بقى من الأصل اليونانى لهذه الرسائل بعض مقتطفات صغيرة، كما توجد 13 رسالة كاملة محفوظة باللغة السريانية، وهى الرسائل التى كُتبت بين عامى 329ـ348 م، كما نشر Lefort مؤخرا النص القبطى لـ17 رسالة، فيها القليل من الاقتباسات اليونانية.
ولا توجد رسالة من رسائل الأرطستيكا أثارت الانتباه قديما أو حديثا أكثر من الرسالة التى تحمل رقم 39 التى كُتبت عام 367م. فقد أدانت الهراطقة الذين حاولوا تقديم الأعمال المنحولة على أنها كتب إلهية موحى بها. وقد حددت هذه الرسالة كتب العهدين القديم والجديد القانونية التى قبلتها الكنيسة. ولدينا نص الرسالة تقريبا كاملا من مقتطفات يونانية وسريانية وقبطية. ولأول مرة تُعلن فيها قانونية أسفار العهد الجديد الـ27.
II البابا ثاوفيلس الـ23 (385ـ412م):
خلال بطريركيته التى امتدت 28 عاما كان البابا ثاوفيلس مواظبا على التقليد الأسكندرى بخصوص كتابة الرسائل الفصحية. فقد كتب رسائل عديدة معروف لدينا منها 26 رسالة على الأقل. فقد حفظ لنا جيروم [21] ثلاث رسائل للأعوام 401،402،404 في ترجمة لاتينية. تُظهر هذه الرسائل اتجاها مناهضا للأوريجانية، وتحارب أفكار أبوليناريوس أسقف لاودكية. ورسائل الأعوام 401،402 غنية بالمفاهيم اللاهوتية العميقة. بالإضافة إلى الترجمة اللاتينية، لدينا بعض المقتطفات من رسالة البابا ثاوفيلس الفصحية لسنة 401 بلغتها اليونانية الأصلية وشذرات من اللغة القبطية..
ومن باقى رسائله، توجد فقط مقتطفات متفرقة في أعمال آخرين مثل قزماس أندريكويلوستس في كتابه ” الطبوغرافيا المسيحية “، والقديس تيموثاوس الثانى البابا الـ(26) في رده على عقيدة الخلقيدونيين، ويوحنا كاسيان وسينسيوس أسقف الخمس مدن الغربية، وجناديوس المؤرخ اللاتينى وفى بستان الرهبان [22].
III البابا كيرلس عمود الدين الـ24(+444م):
واصل القديس كيرلس الأسكندرى التقليد الذي اقتضى أن يُرسل أسقف الأسكندرية رسائل الأرطستيكا لكل أساقفة الإيبارشيات ليعلن لهم بدء الصوم الكبير، وموعد الاحتفال بعيد القيامة.
تضم قائمة كتابات القديس كيرلس 29 رسالة أرطستيكا كُتبت بين عامى 414ـ442م، يحث فيها المؤمنين على الصيام والنُسك والصلاة وأعمال الرحمة، وإلى جانب هذا المضمون العملى، احتوت الرسائل على موضوعات عقيدية تتعلق بالصراعات الخريستولوجية في عصره. لهذا نجد أن الرسائل 5،8،17،27 يدافع فيها عن عقيدة التجسد ضد الهراطقة الذين أنكروا ألوهية الابن. والرسالة رقم 12 تشرح عقيدة الثالوث، والرسالة 6،9 عن الآلهة الكاذبة، الرسائل 1،4،10،20،21،29 عن اليهود وزيفهم [23].
IV ـ البابا بنيامين الـ38 (623ـ662م):
لم تؤثر الأحداث التى صاحبت المجمع المسكونى الرابع في خلقيدونية (451م) والتى أدت إلى انقسام الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية، أو الأمور التى تلته، أو ما حدث بعد الفتح العربي، فيما اعتاد عليه أسقف الأسكندرية بخصوص كتابة رسائل الأرطستيكا.. فنجد أن البابا بنيامين بطريرك الأسكندرية الـ38، يستمر في هذا التقليد القديم. وتحفظ لنا مخطوطات التراث العربي المسيحي شهادة عن رسالتى[24] السنة الخامسة عشر والسادسة عشر[25]ـ كما سيأتى الحديث بالتفصيل ـ وربما كانت هذه (الشهادة) هى أول شهادة عن تداول مثل هذه الرسائل بعد القديس كيرلس الأسكندرى.
وتوضح لنا الفقرة ـ التى ترد في مخطوط المتحف القبطى ـ من رسالة السنة السادسة عشر للبابا بنيامين، أن كاتبها قد اقتفى أثر البابا كيرلس عمود الدين فيما تضمنته الرسالة ليس فقط من أمور روحية خاصة بالاستعداد للصوم وعبادة الله بل أيضا أمورا عقائدية (تتعلق بهرطقات الآريوسية والأبولينارية)، حيث يشير المخطوط: “وقال القديس بنيامين بطريرك الأسكندرية في الأرطستيكا السادسة عشر يوبخ المخالفين الذين يقولون أن لاهوت الله الكلمة موات (قابل للموت)، لنستعد الآن يا اخوتى وأحباى (أحبائى) للصوم والخدمة لله وكل فعل حسن مملوا فضيلة، وبالأكثر الأمانة الغير مايلة (مائلة) بالثالوث المقدس ونقول… ” [26].
V ـ البابا ألكسندروس الثانى الـ43(705ـ730م):
استمر بطاركة الأسكندرية الأقباط في توجيه رسائلهم الفصحية رغم المتغيرات التى صاحبت الفتح العربي لمصر والظروف التى جدّت على الكنيسة منذ ذلك الوقت.
ويبدو أن اليونانية كانت هى اللغة التى اعتاد بطاركة الأسكندرية أن يكتبوا بها رسائلهم الفصحية حتى بعد الفتح العربي لمصر. وتشهد لهذا الرسالة الفصحية التى كتبها باليونانية البابا ألكسندروس الثانى الـ43 (705ـ730م) في العصر الأموى وهى موجودة إلى الآن مكتوبة باليونانية، وموجهة إلى دير الأنبا شنودة المعروف بالدير الأبيض [27].
ولقد كان من المزعج وغير المرغوب فيه للفاتحين العرب استخدام لغة غير لغتهم مثل اليونانية أو القبطية في الكتب الكنسية أو الصلوات أو في كتابة رسائل لها صفة دورية مثل الأرطستيكا، فربما شملت إهانة للدين الجديد. هذا الأمر دفعهم للبحث عمن يفهم هذه اللغات واستمالتهم ليفسروها لهم، أو لمحاولة الحد من استخدام هذه اللغات والعمل على نشر لغتهم الأم.
ويسجل لنا كاتب سيرة البابا ألكسندروس الثانى هذه الحالة، حيث يذكر أن الأصبغ الابن الأكبر لعبد العزيز ملك مصر كان ” مبغضا للنصارى سفاك دماء رجل سوء كالسبع الضارى ثم انطوى إليه شماس اسمه بنيامين فكان يُعمّر له وكان يحبه أكثر من جماعة أصحابه ويظهر له أسرار النصارى بسعايته حتى أنه فسر له الإنجيل بالعربي وكتب الكيمياء وكان يبحث عن الكتب لتُقرأ عليه وكذلك الأرطستيكات كان يقرأها لينظر هل يشتمون فيها المسلمون أم لا ” [28].
VIـ البابا مرقص الثانى الـ49(799ـ819م):
ورد في ختام سيرة البابا مرقص الثانى الـ49 والذى امتدت حبريته لمدة20 عاما حتى بداية القرن التاسع الميلادى، أنه كتب ” عشرين أرطستيكا ” [29]. تعكس هذه السيرة [30] جوانب عديدة متميزة في شخصية هذا البطريرك، فقد “ أرضى روح القدس ” واهتم “باجتماع اتحاد الكرسيين أسكندرية مع إنطاكية، وكتب سنوديقا كما جرت العادة ممتلئة من كل حكمة ” ضليعا في العلوم اللاهوتية حتى أنه ” ضاهى الأب ساويروس وكيرلس وديسقوروس ” مهتما “ بخلاص أنفس الناس ” ساهرا بالصلاة على سلام الكنيسة ووحدة أعضائها حيث ترد بالسيرة صلاته الآتية: ” والآن يارب اسمع صلاة عبدك وليدخل دعائى أمامك بسبب هذه الخراف الضالة ولتجتمع أعضاء بيعتك ليكونوا قطيعا واحدا وراعيا واحدا ” سواء في كنيسة الأسكندرية أو في كنيسة إنطاكية. وقد عمل هذا البطريرك على تجديد وإعادة بناء كنيسة من الكنائس التى هُدمت، فكان أن ” أرض مصر جميعها قد امتلأت مسرة ببناء البيعة “. فلم يكن من الغريب إذن على مثل هذا الراعى الساهر، حرصه على كتابة الأرطستيكا في كل عام منذ أن تولى مسئوليته البطريركية إلى أن تنيح. وللأسف لم تحفظ لنا المخطوطات ـ حسب علمنا نصوص هذه الرسائل العشرين التى وبلا شك، كانت ستحمل لنا مفاهيما روحية ولاهوتية ورعوية عالية تليق بمثل هذه الشخصية الكنسية النشطة.
VIIIـ البابا سانوتيوس (شنودة) الـ55(859ـ880م):
عمل البابا سانوتيوس على تعليم شعبه العقيدة الأرثوذكسية[31]، وذلك لمّا رأى أن هناك أفكارا غير مستقيمة قد أخذت في الانتشار، مثل:
1 ـ ” جماعة سكان بضيعة من أعمال الصعيد تسمى البلينا وما معها من أعمال ادّعوا أن طبيعة اللاهوت ماتت ” [32].
2 ـ ” قوم من ضيعة من قرى مريوط يُسمون بالأربعة عشرية ينكرون الآلام وأن السيد لم يقبل الآلام بالجسد بل كانت مثل المنام، وهم أتباع أبوليناريوس ” [33].
3 ـ ” مشكلة اختلاف ميعاد عيد الفصح ” [34].
اهتم هذا البطريرك ليس فقط بحياة شعبه الروحية بل أيضا بتحسين ظروف معيشته وتدبير أحواله [35]، ومع هذا “ لم يدع الاهتمام بالكتب الأرطستيكا المملوءة نعمة وتعليم روحانى ليتغذى منها كل أحد ” [36].
ويرد في سيرة هذا البطريرك أنه كتب رسالة أرطستيكا في السنة الثانية من جلوسه، وذلك في أيام الصوم المقدس وأرسلها إلى البيع. ولقد حرص كاتب السيرة على تسجيل الجزء اللاهوتى من هذه الرسالة بعد أن اختصر ما جاء فيها، غير الأمور العقيدية، بقوله إن الرسالة ” مملوءة من كل نعمة ” ثم يذكر ما تؤمن به الكنيسة عن عقيدة التجسد والتعليم عن السيد المسيح (خريستولوجى).
وجدير بالذكر أن هذا النص لم يرد ضمن باقى نصوص الأرطستيكا فى مخطوط ” كتاب اعتراف الآباء “، والذى يتضمن العديد منها، كما سيأتى الحديث.
ويختم كاتب السيرة نص الأرطستيكا هذا، موضحا تأثيرها على الشعب فيقول ” ولما وصلت هذه التعاليم إلى البيع والشعب، فرحوا بها وشكروا الله الذي أعطى هذا الأب هذه النعمة التى هى تعاليم كيرلص والآباء القديسين ” [37].
VIIIـ البابا خريستوذلولس الـ66(1047ـ1077م):
يبدو أن التقليد الأسكندرى في عادة كتابة رسائل الأرطستيكا قد استمر إلى القرن الحادى عشر الميلادى وذلك خلافا لما ذكره كواستن [38]. ودليلنا على ذلك ما جاء في مخطوط “كتاب اعتراف الآباء” ـ كما سنرى ـ حيث يرد ذكر خمس من رسائل الأرطستيكا للبابا خرستوذولوس (ق11) وهى رسائل السنوات 16،17،20،21،23 [39].
وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية دراسة التراث العربي المسيحي لما فيه من غنى لاهوتى ومعرفى يمكن أن يسهم إسهاما ثريا في مجال العلوم اللاهوتية والتاريخية اليوم.
هذا وتوضح لنا النصوص المختارة من رسائل الأرطستيكا للبابا خرستوذولوس، أنه قد تمثل بمن سبقوه في العمل. حيث شملت رسائله العيدية (الفصحية) أيضا موضوع عقيدى هام شغل الكنيسة لقرون طويلة وحتى العصر الذي عاش فيه، وهو موضوع “كيفية الاعتقاد بسر التجسد”[40] كما يوضح كاتب الخريدة النفيسة.
حول رسائل الأرطستيكا في مخطوط كتاب اعتراف الآباء وكتاب تاريخ البطاركة:
أ ـ مخطوط ” كتاب اعتراف الآباء “:
وردت بعض فقرات من رسائل الأرطستيكا لكل من البابا بنيامين والبابا خرستوذولوس في مخطوط ” كتاب اعتراف الآباء ” أو كما يسميه أبو البركات ابن كبر ” أمانات الآباء القديسين “[41] هذا الكتاب هو لمؤلف مجهول الاسم حاول الكاتب فيه أن يجمع نصوص من كتابات الآباء الأولين والكُتّاب الكنسيين منذ العصر الرسولى إلى القرن الحادى عشر (زمن حبرية البابا خرستوذولوس)، تمت ترجمتها من اليونانية والقبطية إلى العربية. بلغت النصوص التى جاءت في هذا الكتاب 234 نصا لعدد 66 من هؤلاء الآباء المعلمين والكُتّاب الكنسيين [42].
تتناول النصوص المختارة في هذا الكتاب، عقيدة الثالوث والتجسد وطبيعة السيد المسيح وتعكس بصفة خاصة تعاليم كنيسة الأسكندرية وتمسكها بمقولة القديس كيرلس ” طبيعة واحدة متجسد لله الكلمة ” وبتعاليمه عن اتحاد الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية اتحادا أقنوميا في شخص المسيح الواحد بغير اختلاط أو امتزاج أو تغيير. كما أنها تتحدث عن وحدة الإرادة والفعل للكلمة المتجسد.
شملت هذه النصوص أيضا الرسائل المتبادلة بين بطاركة كنيسة الأسكندرية وكنيسة السريان الأرثوذكس الشقيقة، والتى اعتاد أن يُرسلها بطريرك إحدى الكنيستين بعد انتخابه مباشرة إلى شقيقه في الكنيسة الأخرى، والتى عُرفت برسائل السنوديقا [43](Sunodika…) أو الرسائل المجمعية، حيث كان الهدف منها إظهار ” اعتراف الآباء ” [44] بشركة الإيمان الواحد بين الكنيستين الشقيقتين وبالتالى الشركة في الخدمة الرسولية بينهما. ثم تأتى النصوص المختارة من رسائل الأرطستيكا لكل من البابا بنيامين وخرستوذولوس، لتُكمّل هدف هذا الكتاب في إظهار ما تؤمن به الكنيسة منذ عصر الرسل وما علّم به الآباء الكبار.
فكاتب ” اعتراف الآباء ” إذن، يستخدم رسائل الأرطستيكا لدعم هدفه، لهذا فهو يبرز الجانب العقيدى فيها أكثر من الجانب الرعوى، وكمثال واضح على ما نقول، نستعرض ما جاء في هذه الرسائل حسب ورودها في مخطوط اعتراف الآباء:
(1) رسالة البابا بنيامين:
جاء في مقدمة رسالة البابا بنيامين حسب ما يذكر كاتب مخطوط ” كتاب اعتراف الآباء”، ” وقال القديس الأنبا بنيامين بطريرك الأسكندرية في الأرطستيكا السادسة عشر يوبخ المخالفين الذين يقولون أن لاهوت الكلمة موات “، ثم يعود إلى الهدف الأصلى من الرسالة وهو العيد فيذكر ” لنستعد الآن يا اخوتى وأحباى (أحبائى) للصوم والخدمة لله وكل فعل حسن مملوا (مملوءا) فضيلة ” ويربط هذا الاستعداد الروحى بالصوم والخدمة والفعل الحسن “بالأمانة ” أى الاعتراف أو الاعتقاد المستقيم (الأرثوذكسى) أو حسب ما يسميه ” الأمانة الغير مايلة (مائلة) بالثالوث المقدس ” [45].
ومن ثمّ يصل إلى ” صُلب ” الموضوع ـ وهدف كتاب اعتراف الآباء ـ فيبدأ في استعراض المفاهيم العقيدية كلها مستهلا ذلك بكلمة ” ونقول ” ويأتى بنص من رسالة الأرطستيكا ” نؤمن بالآب والابن والروح القدس الثالوث المقدس المساوى الممجد، ثلثة أقانيم متساوية في كل شئ بالفعل والكلام ثلثة وجوه [46] جوهر واحد لاهوت واحد شكل واحد إرادة واحدة، ونجيب الكلام (نتكلم) على الواحد من الثالوث المقدس الله الكلمة الذي صار جسدا بأقنومه وحده بلا افتراق واختلاط من جسد ودم والدة الإله المقدسة مريم التى هى عذرى (عذراء) في كل زمان جسد مساوى لنا متألم له نفس عاقلة ناطقة “.
والآن إذ وضع الكاتب أمامنا هذه التحديدات العقائدية في صورة مُجملة، يأتى دور الآباء المعلمين في شرح هذه العقيدة، التى إن أراد قومٌ من الجُهّال بها أن يفهمها، فعليه بالأكثر أن يسأل فيها الآباء فيكتب ” ثم إن قوما من الجُهّال لا يفهموا بالأكثر يسلوا (هكذا) الآباء “.
وهنا يستشهد بما جاء في رسالة الأرطستيكا للسنة السابقة وهى السنة الخامسة عشرة[47] وأيضا يأتى منها بنصوص من الآباء الآتى أسمائهم من كتابات مختلفة لهم [48]:
1 ـ غريغوريوس الناطق بالإلهيات [49].
أ ـ فصل من قول “إن الله الكلمة تألم بجسده وهو غير متألم بلاهوته”.
ب ـ من رسالته إلى إفلابيوس.
ج ـ في الميمر الذي قاله لأجل المعمودية.
2 ـ القديس كيرلس (الذى يدعوه الكاتب الحكيم كيرلس):
أ ـ فصل يقول فيه.. (دون ذكر اسم العمل).
ب ـ في جوابه الذي كتبه في الفصل الثانى عشر يناضل كفر تاوطوريطّس (هكذا).
ج ـ في ميمره الثانى.
3 ـ للقديس باسيليوس:
ـ في الميمر الذي قاله لأجل الشكر.
4 ـ للقديس أثناسيوس:
ـ في الميمر الرابع الذي له يناضل الآريوسيين.
ـ في الميمر الذي قاله لأجل الآريوسيين.
ـ في الرسالة التى كتبها إلى… (الاسم غير واضح بالمخطوط).
5 ـ القديس إبيفانيوس أسقف قبرص:
ـ إلى هاراسيس (الهراطقة) الأبوليناريوسين.
6 ـ القديس أبرقلس (بروكلوس):
ـ في الميمر الذي قاله لأجل توما الرسول.
7 ـ رئيس الآباء ساويروس:
ـ في الرسالة التى كتبها إلى أنيرانيقوس الفروخوس (أندرينيقوس).
8 ـ القديس فيلكى أسقف روما:
ـ لما تكلم عن التجسد والأمانة.
9 ـ القديس غريغوريوس أسقف نوسا (النيسى).
10 ـ ثاوطوطس أسقف أنقرا.
11 ـ ديسقوروس المعترف رئيس أساقفة الأسكندرية:
ـ في الرسالة التى كتبها وهو في غنغرا إلى بريطن.
تشرح جميع هذه النصوص بإسهاب وتكرار ما جاء في مقدمة الرسالة من موجز للعقائد الجوهرية في الإيمان المسيحي حسب تعاليم كنيسة الأسكندرية والرسالة طويلة من 150r – 153v، في مخطوط المتحف القبطى رقم 196 لاهوت.
(2) رسائل البابا خرستوذولوس:
يذكر كاتب مخطوط ” كتاب اعتراف الآباء ” في بداية استشهاده برسائل الأرطستيكا الخمسة للبابا خرستوذولوس للأعوام 16،17،20،21،23، أى في بداية الرسالة السادسة عشر، صفة أساسية وتعريفا بسيطا لهذه الرسائل فهى:
أ ـ تصدر عن الأب البطريرك.
ب ـ تُرسل إلى جميع إيبارشيات الكرازة.
ج ـ هى رسالة سنوية (حيث يذكر رقم السنة أيضا) فيقول ” الأرطستيكا السادسة عشر الصادرة عن الأب الأنبا أخرسطودولس إلى جميع كراسى الأسكندرية في كل سنة “.
والدليل على أن كاتب مخطوط ” كتاب اعتراف الآباء ” يستخدم الجانب العقيدى لرسائل الأرطستيكا سواء التى للبابا بنيامين أو للبابا خرستوذولوس، هو أنه يستشهد بما فيها من نصوص عقيدية مسبوقا بحرف الجر “من” فيكتب دائما ” من الأرطستيكا ” ثم يذكر السنة إن وُجدت أكثر من رسالة. أى أن النصوص الواردة هنا هى نصوص منتقاة ومختارة من النص الكامل للرسالة.
وهناك دليل آخر يؤكد نفس المعنى جاء في رسالة الأرطستيكا السابعة عشر للبابا خرستوذولوس، إذ يذكر كاتب اعتراف الآباء ” من الأرطستيكا السابعة عشر للأنبا خرستوذولوس البطريرك ” ثم يأتى مباشرة إلى بيت القصيد بالنسبة له ألاّ وهى الأمور العقيدية في الرسالة فيقول “الآن نأتى على تجسد الله الكلمة الواحد من الثالوث المساوى صار في الأحشا (الأحشاء) البتولى..“. فيورد تعاليم الكنيسة عن هذه الأمور، على لسان آباء الكنيسة ومن كتاباتهم حيث ترد أسماء ونصوص بعض منهم مثل ” بروكلوس بطريرك القسطنطينية ” و ” أثناسيوس ” (فى أكثر من موضع) وكذلك القديس ” ساويرس ” والقديس ” باسيليوس “.
كل هذا يوضح أن نصوص رسائل الأرطستيكا المنتقاة والموضوعة في كتاب اعتراف الآباء ليست هى النصوص الكاملة لهذه الرسائل، بل هى الأجزاء المتعلقة بالعقيدة فقط. العقيدة التى حرص كاتبوا الرسائل أن يشدّدوا عليها في رسائلهم بجانب نصائحهم وإرشاداتهم الروحية والعملية للمؤمنين كى تستقيم العبادة.. حيث إن العقيدة المستقيمة لابد وأن تصل بالإنسان إلى حياة روحية مستقيمة أو حسب ما يقول القديس كيرلس عمود الدين ” لذلك فليقترن الإيمان الذي بلا عيب ويشرق مع أمجاد الحياة المستقيمة “[50]، ليفرح الكل لا بالصوم فقط كجهاد فردى، بل بعمل وقوة الرب القائم والمحتفى بنصرته في حياتنا كل يوم، وفى عيد الفصح أيضا.
ب ـ كتاب تاريخ البطاركة:
لم يرد في كتاب تاريخ البطاركة، عند الإشارة إلى الآباء البطاركة الذين عرف عنهم كتابتهم لرسائل الأرطستيكا سوى نصا واحدا من هذه النصوص، والذى جاء في سيرة البابا سانوتيوس (شنودة) الـ55، كما سبق الذكر، وهو يمثل الجزء اللاهوتى من هذه الرسالة، حيث نضعه كنموذج لرسائل الأرطستيكا نظرا لأهميته.
نماذج لرسائل الأرطستيكا:
وأخيرا نورد نصين لرسائل الأرطستيكا للبطاركة البابا بنيامين والبابا مرقص، كما وردا في مخطوط اعتراف الآباء وكتاب تاريخ البطاركة.
1 ـ أرطستيكا 23 للبابا خريستوذولوس [51]:
[ نؤمن بالواحد من الثالوث المقدس الابن الحبيب كلمة الآب كما علمنا من تقدمنا ممن نظروا بإعلان، وحصلوا خداما للكلمة، أن تجسد الكلمة (الكلمة تجسد) وحل فينا. جسدا صار واحدا معه بالأقنوم بلا امتزاج، المساوى لنا بطبيعتنا، متألم مثلنا، له نفس ناطقة لها عقل من الروح القدس، ومن التى هى بتول في كل زمان القديسة مريم، جسد يُرى ويُلمس وهكذى (هكذا) ظهر بالجسد الكلمة الابن الغير مرئى الذي [… ][52]. ناسوت ولاهوت صار واحد بلا افتراق ولا انقسام ولما صار الاتحاد معا لما يكون في أحشا (أحشاء) البتول، لا نعرفه في طبيعتين ولا نقسمه بفعل، ومن يقول طبيعتين بعد الاتحاد الغير مدروك (غير المدرك)، نعده مخالفا. بل هو واحدا. لأن الذي تجسد من البتول مريم، الابن الكلمة المساوى هى (هو) طبيعة واحد، صار جسدا إرادة واحدة فعل واحد، هو نور في جوهر أبيه، وتسبحه الجنود السمائية العالية، هو أسفل أيضا في بطن أمه، تجسد من دمها البتولى. هو الذي لُف في خرق ووُضع في مذود وهو الغير مرئى أزلى الغير مدروك (غير المدرك)، لُمس بأيدى مخلوقة. الخالق، مخلوقا من التى هى طبيعتنا البتول مريم. هو الذي الأرض ثابتة بقدرته، ومشا (مشى) على الأرض برجليه. جاع وعطش وهو مُطعم كل ذى جسم. تألم ومات وهو غير متألم وغير ميت (مائت). ونستشهد بما شرحه ساويروس الميمر الذي قاله يرد فيه على [000] قال: هكذا إن المصنوع صار واحدا مع خالقه. جسد متألم متحد مع اللاهوت الغير مـتألم. الذي يقبل الموت اتحد مع الحى إلى الأبد الغير ميت، بطبيعة واحدة وأقنوم واحد. (الذى) يقبل الفساد اتحد مع الذي لا يقبل الفساد. الذي يضمحل بطبيعته ارتبط مع الدائم إلى الأبد. الذي يُحوى صار واحدا مع الذي لا يحويه مكان. الذي يُلمس ويُمسك ارتبط بالله الكلمة، هذا الأقنوم الباقى ].
2 ـ رسالة البابا سانوتيوس (شنودة) الـ55 [53]:
[ نؤمن هكذى (هكذا): في آخر الزمان لما أراد الله أن يخلص جنسنا من العبودية المرة أرسل ابنه الوحيد إلى العالم متجسدا من الروح القدس، مساويا لنا في كل شئ ما خلا الخطية ذو نفس غير مدروكة (المدركة)، وجعل الجسد معه واحدا بغير تغيير ولا اختلاط ولا افتراق، بل طبيعة واحدة وأقنوم واحد ووجه واحد. تألم بالجسد عنا ومات وقام من الموت كالذى في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب.
فإن قلنا إن الله تألم عنا ومات، فلنفهم الآن بأمانة، أنه تألم عنا بالجسد وهو الغير متألم، وهو هذا الواحد كما علمنا الآباء الذين للبيعة المقدسة. وكل من يفرقه بتجديف ويقول إن الله الكلمة لم يتألم ولم يموت، لكن الإنسان هو المتألم والمائت، لكى يفرقه اثنين، الله الكلمة على حدة والإنسان على حدة، ويجعله وجهين وطبيعتين كل واحد يفعل ما يشاكلها من طبعها، يريدوا بذلك أن يدخلوا الأمانة النجسة لنسطور والمجمع المرذول [.. ] الخلقدونى في الأمانة المستقيمة هؤلاء البيعة الجامعة الرسولية، تحرمهم ونحن نهرب من هؤلاء ونرذلهم، ونحرم أيضا الذين يفرقوا الله الكلمة إلى طبيعتين من بعد الاتحاد الذي لا يدرك، ونحن نعترف باستقامة أن الله الكلمة قبل إليه بإرادته الآلام بالجسد، لا شك أنه اتحاد واحد في كل شئ لأن الطبيعتين اللذين صارا واحدا في الابتداء لم يفترقا بالجملة بأمر من أمور تدبير الكلمة لأنهما غير مفترقتين، وحتى في حين الآلام التى قبلها بجسده لئلا نظل مثل فوتيس وسبليوس هذين الذين قالا، بكفرهما، بأن اللاهوت بعُد وصلب الناسوت (بمعزل عن اللاهوت)، ونحن نحرمهما ونهرب منهما وأقاويلهما الكفر].
ـــــــــــــــــــــــــــ
هوامش الموضوع:
[1] نص البحث الذي قُدم في مؤتمر التراث العربي المسيحي السنوى السابع 25ـ26 فبراير 1999.
[2] مخطوط رقم 196 لاهوت بالمتحف القبطى ص 150 V.
[3] تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية المعروف بسير البيعة المقدسة لساويروس ابن المقفع أسقف الأشمونين: مطبوعات جمعية الآثار القبطية. قام على نشره يسى عبد المسيح وعزيز سوريال وأسولد برمستر. المجلد الثانى الجزء الأول، القاهرة 1948 ص 19.
[4] Quasten: Patrology, Spectrum Publishers, Utrecht- Antwerp. 4th printing 1975, Vol. II, P. 108.
[5] Quasten: Ibid. P. 109.
[6] Schaff: History of the Christian Church, WM. B. Eerdmans Publishing Company, Michigan, Reprinted, October 1985, Vol. III, § 78. P. 400.
[7] Schaff: Ibid. P. 404.
[8] المجامع التى نوقش فيها هذا الموضوع هى:
1 ـ مجمع في فلسطين برئاسة ثيوفيلوس القيصيرى وناركسيوس الأروشليمى.
2 ـ مجمع في روما برئاسة البابا فيكتور.
3 ـ مجمع في بنطس برئاسة بالماس أسقف أماسترس.
4،5 ـ مجمعان في بلاد الغال برئاسة القديس ايريناوس.
6 ـ مجمع في أفسس برئاسة بوليكراتوس..
[9] Schaff: Ibid. P.405.
[10] Schaff: Ibid. P.405.
[11] وُجدت صورة هذه الرسالة في تاريخ مجمع نيقية لإجلاسيوس (33:12) وفى تاريخ الكنيسة لسقراط6:1 وفى تاريخ الكنيسة لثيوذويطس(6:1) حسب ما يذكر حنانيا كساب في مجموعة الشرع الكنسى، منشورات النور، بيروت 1975 ص 113،114.
[12] يوسابيوس: من سيرة قسطنطين 18:35ـ20.
[13] إذ قام البابا ديمتريوس (189ـ231م) بإظهار كيفية استنتاج موعد عيد الفصح من الحساب اليهودى ثم عمل البابا ديونيسيوس (247ـ264م) حلقة فصحية من ثمانى سنوات.
[14] تاريخ بطاركة الكنيسة المصريةـ المرجع السابق. المجلد الثانى الجزء الأول ص 33ـ34.
[15] المرجع السابق: ص 13.
[16] المرجع السابق ص 17.
[17] Quasten, Ibid. Vol. III, p. 52 بينما يذكر ساويروس ابن المقفع في سيرة القديس أثناسيوس إنه ” كتب سبعة وأربعين أرطستيكا” أنظر:
EVETTS: History of The Patriarchs of the Coptic Church of Alexandria, I. Paris 1904
ص [157]. والعدد الذي ذكره ابن المقفع غير صحيح لأنه تجاوز سنوات اعتلاء أثناسيوس لكرسى الأسكندرية.
[18] Quasten: Ibid. Vol. III, P. 52.
[19] Cosmas Indicopleustes وهو تاجر مصرى من الأسكندرية اشتهر في القرن 6م حيث جاب البحار المتوسط والأحمر والخليج الفارسى وزار الهند وسيلان وأهم مؤلفاته (الطوبوغرافيا المسيحية) مكون من 12 جزء كتبه سنة 547م.
[20] لمزيد من التفاصيل راجع Quasten: المرجع السابق ج 3، ص 53.
[22] لمزيد من التفاصيل عن هذه الرسائل راجع: Quasten: Ibid. Vol. III, P.103..
[23] لمزيد من المعلومات أنظر Quasten: Ibid. Vol. III, P.131..
[24] نشير في هذا البحث إلى إحدى هذه المخطوطات وهو مخطوط كتاب اعتراف الآباء بالمتحف القبطى رقم 196 لاهوت ص 150r، 150v.
[25] يذكر جورج جراف الرسالة 16. أنظر:
George Graf: Zwei dogmatische Florilegien der Kopten: B. Das Bekenntnis der Väter. In: Orientalia Christiana Periodica. Vol. III, Roma, 128, 1937. P.394. No: 208
حيث يشير إلى أن Renadudot يذكر هذه الرسالة في كتابه:
Historia Patriarcharum Alexandrinorum Iacobitarunt, Paris 1713, s. 172.
وأيضا إلى وجود طبعة لهذه الرسالة مع بعض التغيير في مجلة طريق الحياة: العام الثانى 1932، الأسكندرية ص38ـ43.
[26] مخطوط كتاب اعتراف الآباء بالمتحف القبطى رقم 196 لاهوت ص 150r، 150v.
[27] القس شنودة ماهر اسحق: الأدب القبطى، اللهجات القبطية وآثارها الأدبية، القاهرة، طبعة أولى ديسمبر 1998 ص53،76.
[28] أنظر EVETTS: المرجع السابق ص [304] ـ [305].
[29] أنظر EVETTS: المرجع السابق ص [554].
[30] ترد سيرة هذا البطريرك في المرجع السابق من ص [516] ـ [554].
[31] أنظر سيرة هذا البطريرك في تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية، جمعية الآثار..، المرجع السابق المجلد الثانى ـ الجزء الأول من ص 13 إلى ص68.
[32] المرجع السابق ص21.
[33] المرجع السابق ص 17.
[34] المرجع السابق (ص33ـ34).
[35] مثل تفكيره في حفر خليج من الخليج الذي حفره المتوكل على الله حتى يدخل منه الماء إلى الأسكندرية وصارت المراكب تصل منه إلى الأسواق وزرع الناس عليه الكروم والبساتين وغير ذلك من الأمور التى ترد في سيرته.
[36] المرجع السابق: ص 19.
[37] المرجع السابق ص 20.
[38] يذكر Quasten أن هذا التقليد استمر إلى القرن التاسع فقط، أنظر كواستن المرجع السابق المجلد الثانى ص 108.
[39] أنظر Graf. المرجع السابق ص 398، ومخطوط اعتراف الآباء بالمتحف القبطى رقم 196 لاهوت ص 222v إلى ص 229v.
[40] الخريدة النفيسة: لأحد رهبان دير السيدة برموس الجزء الثانى، الطبعة الثالثة 1915 ص 345.
[41] أبو البركات ابن كبر: مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة. ج1، طبعة مكتبة الكاروز، القاهرة 1971 ص 323. أمانات جمع كلمة ” أمانة ” وتعنى إيمان وهذا التعبير يُستخدم كمرادف لكلمة إيمان في قولنا ” قانون الإيمان ” أو ” الأمانة المقدسة ” كما تذكر بعض المخطوطات والكتب.
[42] لمزيد من التفاصيل عن هذا الكتاب راجع Graf. في المقال السابق ذكره.
[43] سبق لكاتب هذا المقال، تقديم بحث عن هذه الرسائل بعنوان ” رسائل السنوديقا.. الأهمية التاريخية والعقائدية لها ” وذلك في المؤتمر السنوى السادس للتراث العربي المسيحي بالقاهرة عام 1998م.
[44] اتخذ جامع كتاب ” اعتراف الآباء ” من مضمون وهدف هذه الرسائل ـ حسب اعتقادنا ـ عنوانا لكتابه، كما أن بعض هذه الرسائل تبدأ هكذا ” إنى أعترف ” (رسالة البابا ثاؤدوسيوس البطريرك33 إلى ساويرس الأنطاكى) ص 131v. ويبدأ البعض الآخر ” نؤمن بالواحد الآب ” (رسالة ديونيسيوس الأنطاكى إلى خائيل الـ53) ص 164r.
الكتاب المقدس في حياة الآباء شيوخ البرية – القس أثناسيوس اسحق حنين
الكتاب المقدس في حياة الآباء شيوخ البرية – القس أثناسيوس اسحق حنين
الكتاب المقدس في حياة الآباء شيوخ البرية – القس أثناسيوس اسحق حنين
شيوخ البرّية هم صمام الأمان في فهم الكلمة الإلهية وهم الذين يرشدوننا إلى الفهم الصحيح. ويوحنا الحبيب الذي اتكأ على صدر الكلمة المتجسد الرب يسوع المسيح له كل المجد.
يقدم لنا المثل والقدوة وهو في حيرة من أمره أمام السفر المختوم وبعد أن سكب دموعًا غزيرة وهو واقف أمام السفر المختوم[1] وماذا فعل الحبيب يوحنا “وصرت أنا أبكى كثيرًا لأنه لم يوجد أحد مستحق أن يفتح السفر (ويقرأه) ولا أن ينظر إليه فقال لى واحد من الشيوخ لا تبك هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ليفتح السفر (يفك) ختومه السبعة” (رؤ5:4). فالدموع وإرشاد الآباء الشيوخ هما الوسيلتين اللتين استخدمهما المسيحيون الأوائل لفهم الكتاب المقدس.
لقد اعتاد علماء تفسير الكتاب المقدس على تناول مدارس التفسير المختلفة بالبحث سواء في مدرسة التفسير الرمزى أو في مدرسة التفسير الحرفي والتاريخي ومرورًا بالتفسير النماذجى. وفي هذا بذلوا جهدًا كبيرًا ومشكورًا ولكنهم لم يعطوا لمكانة الكتاب المقدس في حياة آباء البرية حقها الواجب.
وربما يكمن سبب هذا الموقف في أن علماء التفسير اعتبروا أن علاقة الآباء في البرية بالكتاب المقدس هى علاقة روحية بسيطة، وهى بالفعل كذلك ولكنها لا ترقى إلى مستوى مدارس التفسير الكبيرة والمعروفة في تاريخ الكنيسة، وربما يعود ذلك إلى رؤية العلماء بشكل عام للرهبنة.
فالبعض لجأ إلى دراسة الرهبنة القبطية للتعرف على بعض ملامح تاريخ الطقوس والعبادات وقليلون منهم مَن اعتبر الآباء الرهبان كمفسّرين للكلمة، وذلك بحجة أنهم لا يستعملون الطرق العلميّة التفسيرية المعاصرة، أى أنهم لا يطبقون النهج العلمى واللغوى على دراسة النصوص غير أن هذا الأمر مجافي للواقع التاريخي.
وبالرغم من ذلك فلقد ظهر من بين العلماء المعاصرين من يرد الاعتبار إلى علاقة شيوخ البرية بالكتاب المقدس ومن أهم المراجع المعاصرة ذلك الكتاب الهام في تاريخ علم التفسير الذي ألّفه الباحث الأمريكي دوجلاس بيرتون كريستى[2].
ويرى هذا الباحث أنه قد آن الأوان لإعادة الاعتبار العلمى للمنهج التفسيرى عند شيوخ البرية، والذي ظهر في البرّية القبطية في القرنين الرابع والخامس الميلاديين ويرى هذا الباحث أن ثقافة هؤلاء الآباء هى ثقافة كتابية بالدرجة الأولى، وتكمن فرادة هؤلاء الآباء في علاقتهم التفسيرية بالكتاب المقدس في أنهم لم يضعوا النصوص الكتابية أمامهم كموضوع بحث لغوى أى جاف، وإن كان هذا البحث اللغوى هام جدًا في قضية التفسير وهم لم يتجاهلوه.
فقد كانوا يقرأون الكتاب المقدس في لغاته الأصلية سواء اليونانية أو القبطية أو السريانية أى أنهم حققوا شرطًا هامًا من شروط التفسير السليم للكتاب المقدس وهو قراءة النص في لغاته الأصلية! ولكنهم فوق ذلك ـ وقبل كل شئ ـ اعتبروا الكتاب المقدس سببًا لخلاصهم وأساسًا في قيامهم وقعودهم وينبوعًا لتوبتهم ومعيارًا علاقتهم ببعضهم البعض وبالكنيسة وبالناس وذلك على نهج يوحنا الحبيب من خلال الصلاة بالدموع والانكسار أمام الرب والتأمل الهادئ والسعى لأخذ بركة ومشورة الشيوخ..
ولقد سعى آباء البريّة إلى صياغة بل وإعادة صياغة عالمهم الذهنى والنفسي والروحى في نور الكلمة الإلهية وجاهدوا حتى الدم في أن لا يسبروا أغوار الكلمة فقط بل أن يتركوها بنعمة الروح القدس تسبر أغوار نفوسهم وتميّز أفكار قلوبهم ونياتهم حسب تعبير القديس بولس (عب12:4). لقد تثبتّت الكلمة في قلوبهم وشهد الله معهم بآيات وعجائب وقوات متنوعة ومواهب الروح القدس حسب إرادته (عب1:2ـ4). ولهذا فقد نجح آباء البرية في تأسيس ما يعتبره العلماء اليوم “تفسيرًا خاصًا بآباء البرية”[3]. ويرى هارناك العالم الألمانى المعروف بأنه لم يحدث أن قامت نهضة روحية ولاهوتية كبيرة في تاريخ الكنيسة إلاّ وكان آباء البرية حاضرون فيها بفاعلية منقطعة النظير[4].
ومن جهة أخرى فلقد تعدّدت النظريات والأبحاث في سبب ظهور الرهبنة ولكن دوجلاس يرى أن فهم الدافع العميق والروحى واللاهوتى وراء ظهور الرهبنة سيصير أكثر عمقًا إذا درسنا بعناية الرهبنة كمدرسة للتفسير الكتابى، فالكلمة الإلهية هى التي دفعتهم إلى ترك العالم، والسعى في طلب القداسة هو الذي أنار طريق جهادهم الطويل، ولقد صاروا بهذا الالتصاق بالكلمة جديرين بلقب “الحاملين الكلمة”.
كما يرى دوجلاس بأن المصلحون البروتستانت مثل لوثر ووايكلف وغيرهم لم يكونوا على حق حينما اتهموا الحركة الرهبانية بأنها غير مؤسسة على الكتاب المقدس. ويرجع هذا الرأى إلى أن المصلحين لم يدرسوا الرهبنة الأولى بل وجدوا أمامهم في الغرب واقعًا رهبانيًا يعود للعصور الوسطى، وبعيدًا كل البعد عن الأصول الكتابية للرهبنة وهى نذر الفقر والطاعة والبساطة والعفة. بل لقد تحوّل رهبان العصور الوسطى إلى أسياد[5].
ولقد أثّر هذا الموقف على معظم الدراسات التاريخية اللاحقة عن الرهبنة ولكن جاء من العلماء من يُنصف الحركة الرهبانية ويرى فيها أصولاً كتابية عميقة. فلقد أطاع الرهبان الأوائل نداء الرب في الإنجيل ” اذهب وبع أملاكك واعط للفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعنى” (مت21:19). وهذا دليل قاطع على أن الرهبنة هى استجابة لدعوة الرب في الكتاب المقدس. ويذهب العلماء إلى أبعد من ذلك فيؤكدون أن الكنيسة المسيحية الأولى في سفر أعمال الرسل إنما كانت عبارة عن التأسيس العملى لبدايات مبدأ ترك كل شئ وتبعيّة الرب أى بدايات الرهبنة المسيحية[6].
فعند آباء البريّة صارت الكلمة “فعلاً” و”حدثًا”، فهى أحداث تعلن قوة الرب، فلقد اخترقت الكلمة قلوبهم وصارت قوة محوّلة. والمثال الواضح هنا هو هذا التحوّل الذي حدث في حياة الشاب أنطونيوس، فلقد كان القديس أنطونيوس يفكر في كيف ترك الرسل كل شئ وتبعوا المخلّص[7]، وكان مشغولاً بالبحث عن السبب وراء أن البعض قد قرّر ترك كل شئ ووضعوها تحت أقدام الرسل (أع42:2ـ47).
ودعونا نمعن النظر في طريقة القديس أنطونيوس في قبول الكلمة.
القديس أنطونيوس بين القراءة الشخصية للكلمة ومشورة الشيوخ:
الشئ اللافت للنظر في رؤية الشيوخ للكتاب المقدس أنهم ميّزوا وبمهارة روحية كبيرة بين العلاقة الشخصيّة بالكلمة والبُعد الكنسى لها وهذا التقليد الكتابى أسسه الأنبا أنطونيوس وسار عليه الآباء فيما بعد. ويحذّر العلماء من خطورة التفسير الذاتى لنصوص الكتاب المقدس. فالكتاب المقدس قد وُلِدَ في الكنيسة وحينما نقرأ الكلمة يجب أن تكون امتدادًا لخبرة الكنيسة وليس معنى ذلك منع القراءة الخاصة فالآباء يؤكدون على أن عادة قراءة الكتاب المقدس في البيوت كانت منتشرة في القرون الأولى[8]، ولكنها كانت تحافظ على البعد الكنسى وهذا نجده في بدايات السيرة الأنطونية العطرة.
فالقديس أنطونيوس حينما دخل الكنيسة كعادته، بانسكاب وحب وهو مفتكر في أمور الكنيسة الأولى سمع وهو في الكنيسة قول الرب ” إن أردت أن تكون كاملاً اذهب بع كل موجوداتك وأعطها للفقراء وتعال اتبعنى وسيكون لك كنز في السموات ” (مت21:19). وهنا شعر أنطونيوس بشعور قوي وشجعنا على قبول الكلمة.
أولاً: الكلمة وتذكار القديسين:
إن القديس أنطونيوس قد شعر أن تذكّره لحياة تلاميذ المسيح في الكنيسة الأولى إنما كان من الرب له شخصيًا، فالشركة مع القديسين عطية من الرب والشركة مع الكلمة الإلهية في حياة القديسين هى عطية من الرب.
ثانيًا: الكلمة والاختبار الشخصي:
وإلى جانب الشعور بأن تذكار القديسين جاء من الرب، فقد أدرك القديس أنطونيوس أمرًا آخر أو بعدًا آخر من أبعاد الكلمة وهو (أن القراءة الإنجيلية كأنما قد صارت له وحده). أى أن الكلمة موجهة له هو ذاته حسب التعبير اليونانى (dˆ aÙtÒn) ولم يكن هذا الأمر نادرًا في الكنيسة الأولى فلقد ذكر لنا التاريخ الكنسى الكثير من الاختبارات الآبائية في قبول الكلمة برؤية شخصية[9]. وهذا البعد الشخصى يكمّل شركة القديس أنطونيوس مع القديسين.
ويحكى لنا العلماء أن حادثة تغيّر حياة القديس أنطونيوس بعد سماعه كلمة الرب ـ كأنها له شخصيًا ـ قد أثرا تأثيرًا كبيرًا على حياة القديس أوغسطينوس في مرحلة حرجة جدًا في حياته حينما كان أوغسطينوس يبحث عن الرب[10] فإذًا بعد الاختبار الكنسى قد جاء متممًا للاختبار الشخصي.
ثالثًا: الكلمة وتقليد الشيوخ:
ذهب القديس أنطونيوس ليحوّل الكلمة إلى حدث عملى والطريق هو النسك والتعب والصلاة والعمل اليدوى وفي هذا كله لم يتبع أنطونيوس اختباره الشخصى بل سأل الذين سبقوه وتتلمذ للشيوخ هذا كله وتقول السيرة أن أنطونيوس بدًا بممارسة النسك بالقرب من منزله لأنه لم تكن المناسك والأديرة معروفة في أرض مصر وكان بالقرب من القرية شيخ يمارس النسك (حياة الوحدة) منذ شبابه، ووجد القديس أنطونيوس في الشيخ معونة له في نسكه مثلما وجد يوحنا الحبيب في الشيخ دليلاً.
فلقد كان القديس أنطونيوس كلما وجد شيخًا ذائع الصيت لا يكلّ ولا يملّ حتى يذهب إليه كما تفعل النحلة الباحثة عن رحيق الأزهار. معنى ذلك أن القديس أنطونيوس حينما سمع الكلمة في الكنيسة شعر أنها موجهة له شخصيًا ولكن حينما خرج، ذهب إلى الآباء الشيوخ أى إلى تاريخ الأحداث التي سبقته أو إلى خبرة الشيوخ في قراءة الكلمة في أزمنة النساك الذين سبقوه معنى هذا أنه قد شعر من ناحية بعمل الروح وإنارته له شخصيًا في قراءته لكلمة الله، ومن ناحية أخرى خرج ليُتمم وصايا الإنجيل ويحوّلها إلى نهج روحى عام ومنهج نُعبّر به عن قبوله وفهمه لكلمة الله (الرهبنة في أعماقها هى منهج حياة عملى للكلمة الإلهية).
نقول حينما أراد أن يحيا حياة شركة ذهب إلى الآباء الشيوخ وهكذا وحّد بين الحرّية الشخصية في قراءة الكلمة والتقليد الذي أسسه الآباء الشيوخ أى كان لابد أن يتبع المنهج التاريخي أى أن يسأل بصدق وخضوع الذين سبقوه في خبرة قراءة الكلمة وهذا هو العمق الروحى للانسجام بين الخاص والمشترك في الخبرة الكتابية لآباء البرية. وهذا يؤكده القول الآبائى المشهور (اجلس في قلايتك وقلايتك تعلّمك) فالراهب له الحرية في قلايته الخاصة أن يناجى الرب ويتعزى ويتقوى ويتهلّل ويحزن ويعاتب الرب ويشعر أن كل كلمة في الإنجيل إنما قد كتبت خصيصًا له وحده ولكن حينما يخرج من القلاية فهو يقدّم الطاعة للآباء الشيوخ ولتقليد الكنيسة ويلتزم بقوانين المجمع ويقطع مشيئته الخاصة من أجل نمو الجماعة.
أقوال الآباء الشيوخ Apofqέgmata:
سنختم بحثنا بالنظر في نتاج هذه الخبرة الآبائية في البرية وهى أقوال الآباء الشيوخ أو الأبوفثجماتا وهى تمثل أروع صور التلاحم بين كلام الله وأنين الناس، بين عمق الخبرة الروحية المنطوقة بكلمات قليلة من الكتاب المقدس. فلقد حفظ هؤلاء الآباء الكلمة فحفظتهم الكلمة وأسلموا أنفسهم لها بلا تحفظ ولا تردد فرفعتهم وكرّمتهم وانسابت من شفاهم على ألسنتهم بلسمًا شافيًا ودواء لكل من ركب الصعاب وذهب إليهم في البرية يطلب كلمة منفعة.
لم يذهب هؤلاء الآباء إلى الكلمة كمفسرين بل تركوا الكلمة (تفسر) خبايا نفوسهم ولقد أرسوا مبدأ تفسيريًا هامًا وهو أننا لا نذهب إلى النص الكتابى فقط لنسأله بل هو أيضًا يسألنا ويستجوبنا عن مدى جدّيتنا في طلب المنفعة ” لأن كلمة الله حيّة وفعالة وأمضى من كل سيف ذو حدّين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميّزة أفكار القلب ونياته ” (عب12:4).
والسؤال كم عدد الآيات الكتابية التي اقتبسها الآباء الشيوخ في أقوالهم؟[11] ولقد وصلت أقوال الآباء إلى حوالى ثلاث آلاف قول صدر منها في طبعة علميّة نقدية حوالى الألف قول أصدرها العالم الفرنسى Cotelier وأثبت أن هناك حوالى 150 اقتباسًا كتابيًا واضحًا أو تلميحات لآيات كتابية بينما أكدت الباحثة والراهبة Bendedecta في ترجمتها الإنجليزية لأقوال الشيوخ عام 1975 بأن هناك 93 اقتباسًا منهم 45 من العهد القديم و 48 من العهد الجديد وجاء الراهب والعالِم الفرنسى الأب Lucien Regnault في عام 1985.
وفي ترجمة فرنسية لهذه لأقوال وجد عددًا أكبر من كل الباحثين السابقين فقد لاحظ وجود 224 اقتباسًا من العهد القديم و 563 اقتباسًا من العهد الجديد وتفسير هذه الاختلافات في العدد يكمن في منهجية الآباء الشيوخ في اقتباس الآيات فهم يقولونها من الذاكرة وهم في حالة صلاة وعبادة ولا يهتمون بكتابة الشواهد فيحدث أن تختلط كلماتهم بكلمات الكتاب المقدس في عفوية وانسياب يتعذر على الذين ليست لهم الحواس مدربة في سير غور الكلمة، التمييز بين كلمات الكتاب وكلمات الآباء.
ويلاحظ الباحثون أن الآباء الشيوخ يقتبسون من العهد الجديد أكثر من العهد القديم. وأهم أسفار العهد القديم التي يقتبس منها الآباء الشيوخ هى المزامير والتكوين وإشعياء والخروج (لأن الآباء الشيوخ يطابقون بين خروج الشعب من أرض مصر وخروج الراهب إلى البرية) وبالنسبة للعهد الجديد فأكثر الاقتباسات تكون من الأناجيل الأربعة ويأتى إنجيل متى في المرتبة الأولى وبعده إنجيلي لوقا ويوحنا.
الكتاب المقدس في حياة آباء البرية بين المجمع والقلاية:
رأى بعض العلماء أن قراءة الكتاب المقدس في الأديرة قد اقتصر على الاجتماع العام الذي كان يعقده الآباء كل اسبوع ولكن واقع النصوص يكشف عن أن الآباء الشيوخ كانوا يدرسون الكلمة في حياتهم الخاصة في القلاية ويجب أن نعرف أن الراهب القبطى كان يخفي معرفته بالكتاب المقدس خوفًا من المجد الباطل وحينما كان يسألهم أحد ليعطوه كلمة منفعة كانوا يجيبون بآية أو مقطع من الكتاب المقدس.
وقد قال أحد الآباء (إن الجهل بالكتاب المقدس يؤدى إلى ضياع كبير) والأنبا انطونيوس الذي كان يؤمن ويعيش بكل ما تسلّمه من تقليد الكنيسة الحيّ وتعاليم الآباء كان يشدّد في نفس الوقت في حديثه مع السائلين عن كلمة منفعة على كفاية الكتاب المقدس كجزء من هذا التقليد وحينما سأله أخ ماذا يفعل ليرضى الله أجاب (حيثما تذهب .. اجعل الله أمام عينيك وأى عمل تعمل اجعل شهادة الكتاب المقدس أمامك)[12]. ولهذا فقد شكَّل الكتاب المقدس مع أقوال الآباء الشيوخ مصادر التراث الروحى والنسكى في البرية.
[1] أى العهد القديم حسب رأى البروفيسور سافاس أغوريدس في تفسير سفر الرؤيا الصادر في تسالونيكى عام 1994.
[2] (Douglas Burton – Christie The Word in The Desert, Scripture and The Quest for Holiness in The Early Christian Monasticism, Oxford University Press 1993).
[3] المرجع السابق ص16.
[4] (A. Harnack, The Mission and Expansion of Christianity in The First Three Centuries. Tran Ed. Moffat, 2d.vol.2 New York 1908, P.160-161)
[5] انظر دوجلاس، المرجع السابق ص13.
[6] دوجلاس، المرجع السابق ص14.
[7] حياة القديس أنطونيوس للقديس أثناسيوس.
[8] (انظر سافاس أغوريدس: تاريخ علم التفسير أثينا عام 2000)
[9] انظر La Vie de Saint Antoine, Sources Chretiennes No400 Paris 1994 Page 133.
[10] المرجع السابق.
[11] والجدير بالذكر أن الآباء قد اقتبسوا من الذاكرة ولم يكن أمامهم قاموسًا للكتاب أو فهرسًا للآيات.
[12] باترولوجيا جريكا 81:65.
الكتاب المقدس في حياة الآباء شيوخ البرية – القس أثناسيوس اسحق حنين
الآباء – مدخل إلى علم الآباء (باترولوجيا Patrologia ) د. نصحى عبد الشهيد
الآباء – مدخل إلى علم الآباء (باترولوجيا Patrologia ) – د. نصحى عبد الشهيد
الآبائيات – مدخل إلى علم الآباء (باترولوجيا Patrologia ) د. نصحى عبد الشهيد
أولاً: من هم الآباء:
جرت العادة منذ وقت قديم جدًا على تسمية معلّمى الكنيسة ومؤلفى الكتابات المسيحية الأولى باسم ” آباء الكنيسة ”. وفى الأزمنة القديمة كانت تطلق كلمة أب على “المعلم”. ففى الاستعمال الكتابى وفى العصر المسيحى الأول يعتبر المعلّمون هم آباء لتلاميذهم. فمثلاً يقول الرسول بولس: ” لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس لكم آباء كثيرون. لأنى أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل ” (1كو15:4).
والقديس إيرينيئوس Ireneus أسقف ليون في القرن الثانى يعلن [حينما يتعلم شخص من فم شخص آخر فإنه يسمى ابنًا للذى علّمه والذى علّمه يدعى أباه] [1]. ويقول كليمندس الأسكندرى (150ـ210م): [ الكلمات هى ذرية النفس. ولذلك فإننا ندعو الذين علمونا، آباء لنا … وكل من يتعلم هو من جهة الخضوع ابن لمعلمه ][2].
وفى العصر المسيحى الأول كانت وظيفة التعليم خاصة بالأسقف. لذلك فهو أطلق عليه لقب “أب” في البداية. ولكن الصراعات العقائدية في القرن الرابع أحدثت تطورًا في استعمال لقب “أب”، فصار استعمال لقب “أب ” أكثر شمولاً واتساعًا، إذ امتد ليشمل كل الكُتّاب الكنسيين مهما كانت درجتهم الكنسية. ماداموا يمثلون تقليد الكنيسة الحى ويعبّرون عنه. فأغسطينوس مثلاً يعتبر جيروم شاهدًا للتقليد رغم أن الأخير لم يكن أسقفا[3].
فالآباء هم المعلّمون الذين ساهموا في تحديد مضمون الإيمان أو في صياغته أو شرحه، حيث المقصود بالإيمان ليس هو العقيدة فقط ولكن التقليد الذي استلمته الكنيسة من الرسل وما يعبر عنه القديس يهوذا في رسالته بعبارة ” الإيمان المُسلّم مرة للقديسين ” (يهو3). وهو يشمل:
الإيمان بالمسيح ابن الله وكل العقائد المتصلة به وبالخلاص الذي تممه بالصليب والقيامة، كما يشمل عبادة الكنيسة في الليتورجيات وخاصة ليتورجيا الإفخارستيا كما يشمل الحياة المسيحية الروحية الشخصية والجماعية والسلوك المسيحى.
فالحياة المسيحية هى أصلاً حياة تسلّم تسليمًا. وهذا التسليم هو التقليد بكل جوانبه العقائدية والليتورجية والروحية. فآباء الكنيسة هم معلمو الإيمان والعقيدة والحياة الروحية في القرون الخمسة الأولى سواء كانوا أساقفة أم من غير الأساقفة أو حتى من المؤمنين العاديين الذين ساهموا في تحديد مضمون وصياغة وشرح الإيمان حتى استقر في الإطار الذي أجمعت عليه الكنيسة في مجامعها المسكونية حتى المجمع المسكونى الثالث المنعقد في أفسس سنة 431م.
ويطلق فنسنت من ليرنز (Vincent of Lerins) ببلاد الغال (فرنسا) في مذكراته (Commonitory) سنة 434م، لقب ” أب ” على كل معلمى الكنيسة في القرون الأولى بدون تمييز بينهم بسبب الدرجة الكهنوتية فيقول:
” لو أثير سؤال جديد لم يكن قد اتُخذ قرار بشأنه قبل ذلك، فينبغى عندئذ الرجوع إلى أراء الآباء القديسين وعلى الأقل إلى أراء أولئك الآباء الذين ـ كل واحد منهم في زمانه ومكانه الخاص ـ كانوا مقبولين كمعلمين يحظون بالاعتراف العام من الجميع بسبب أنهم ظلوا في وحدة الشركة والإيمان.
وكل ما وُجدَ أن هؤلاء الآباء قد علّموا به، بفكر واحد واتفاق تام، فهذا ينبغى أن يُحسب أنه التعليم الحقيقى الجامع للكنيسة، بدون أى شك أو تردد ” (فصل29) ـ ” ولا ينبغى لمن يَخلِفونهم أن يؤمنوا بأى شئ سوى ما أجمع عليه القدماء من الآباء القديسين في ” المسيح ” (فصل33) [4]. وهو يرجع هذا المبدأ إلى الآباء القديسين الذين اجتمعوا في مجمع أفسس المسكونى سنة 431. هذا المبدأ يبين الأهمية التي سبق أن أُعطيت لوجود ” برهان من الآباء ” لصحة أى تعليم.
وقد جرى العرف على ضرورة توفّر أربع صفات فيمن يعتبرون ” آباء الكنيسة ” وهى:
1 ـ أرثوذكسية العقيدة.
2 ـ قداسة الحياة.
3 ـ قبول الكنيسة لهم.
4 ـ القِدَمِية أى أن يكون من آباء القرون الستة الأولى، وذلك حسب إيمان الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وشقيقاتها ـ الكنائس الشرقية الأرثوذكسية (السريانية والأرمنية والأثيوبية والهندية.. إلخ).
أما بقية الكُتاب اللاهوتيين في كل العصور فيطلق عليهم لقب ” الكُتّاب الكنسيين ” وهو تعبير نحته القديس جيروم (ايرونيموس) في أواخر القرن الرابع في كتابه مشاهير الرجال [5].
تعتبر الكنيسة القبطية الأرثوذكسية خمسة من الآباء أنهم آباء مسكونيين عظام وهم القديس أثناسيوس الرسولى والقديس كيرلس الأسكندرى (عمود الدين) والقديس باسيليوس الكبير والقديس غريغوريوس النزينزى (الناطق بالإلهيات) والقديس يوحنا ذهبى الفم. والكنيسة اليونانية تكرّم القديسين باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزى ويوحنا ذهبى الفم باعتبار أن الثلاثة هم ” المعلمون المسكونيون العظام ” وتكرم معهم أيضًا القديس أثناسيوس.
وكنيسة روما تعتبر أمبروسيوس وجيروم (إيرونيموس) وأغسطينوس وغريغوريوس الكبير أنهم “الآباء الأربعة العظام” في الغرب. وفى الشرق تعتبر أن باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزى ويوحنا ذهبى الفم (آباء الكنيسة اليونانية) هم ” المسكونيين العظام ” وتضيف إليهم القديس أثناسيوس الرسولى.
صفة القِدَمِية:
والصفة الرابعة، صفة القدمية لا تعنى مجرد قِدَمِية زمنية بل قدمية تقوم على الشهادة للإيمان المُسلم من الرسل. وهذه الشهادة للإيمان الرسولى لا تتوفر لكل الكُتّاب الكنسيين الذين جاءوا بعد عصر تحديد وصياغة مضمون العقيدة المسيحية المستقيمة، فيما يتعلق بالإيمان بالثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس وتساوى الأقانيم في الجوهر، والإيمان بعمل الله الخلاصى بتجسد الابن الوحيد وفدائه لنا، والإيمان بطبيعة المسيح الابن المتجسد (اتحاد اللاهوت بالناسوت)، وكذلك الإيمان بألوهية الروح القدس.
وصياغة العقيدة هذه هى التي ألهم بها الروح القدس الآباء معلمى العقيدة[6] في المجامع المسكونية الثلاث الأولى نيقية (325م) والقسطنطينية (381م) وأفسس (431م). ولذلك فإن الكنيسة في تحليل الخدام لكى تدخل إلى الله في عبادة القداس الإلهى التي تستلزم شركة الإيمان الواحد مع الرسل والآباء، تأخذ الحل من الرسل الاثنى عشر ومن فم القديس مرقس الرسول، ومن الآباء القديسين معلمى العقيدة البطريرك ساويرس، والبابا أثناسيوس الرسولى، ومعلمنا ديوسقورس، وبطرس رئيس الكهنة والشهيد، ويوحنا ذهبى الفم، وكيرلس (الأسكندرى) وباسيليوس وغريغوريوس، ومن أفواه آباء مجمع نيقية (الـ318) وآباء مجمع القسطنطينية (الـ150) وآباء مجمع أفسس (الـ200)، ومن فم بابا الأسكندرية ومن فم الكاهن الذي يصلى التحليل [7].
ولا تُذكر في هذا التحليل أية أسماء أخرى سواء من آباء البرية القديسين مثل القديسين الأنبا أنطونيوس والأنبا مقار أب برية شيهيت وغيرهم من القديسين في العصور المختلفة أو الآباء الذين لهم كتابات بعد القديس ساويرس بطريرك إنطاكية في الربع الأول من القرن السادس، وذلك رغم قداستهم المشهود لها في الكنيسة. بينما في مجمع القداس الذي يُصلى قبل الترحيم تذكر الكنيسة بالإضافة إلى هؤلاء الآباء عددًا كبيرًا من القديسين.
فالآباء الذي تأخذ الحل ـ في تحليل الخدام ـ منهم هم الآباء شهود الإيمان الذين حفظوا العقيدة سليمة ودافعوا عنها أو اشتركوا في صياغتها كما ذكرنا، وهؤلاء لهم تميزهم الخاص ويأتون بعد الرسل القديسين مباشرة في تسليم الإيمان وحفظه والشهادة له كما يقول القديس أثناسيوس: ” … الإيمان الذي هو من البداية والذى أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء ” [8]. والمسألة هنا ليست مسألة قداسة أو خبرة روحية فقط، فلو كان الأمر كذلك لكانت والدة الإله العذراء القديسة مريم، هى أجدر من جميع الرسل والآباء بأن تُذكر في تحليل الخدام.
التمييز بين الآباء معلمى العقيدة وبين الكُتّاب الكنسيين:
وهذا يجعلنا نميز بين ” آباء الكنيسة ” معلّمى الإيمان الذين حفظوا العقيدة سليمة وهم امتداد للرسل القديسين والذين قاموا بتوصيل إيمان الرسل إلى الكنائس وقاموا بشرحه وبتثبيته وقاموا أحيانًا بصياغة تحديدات للعقيدة تضمن سلامة الإيمان الرسولى من التحريف وحفظ المؤمنين من الوقوع في فخاخ الهرطقات، نعم نميز بين هؤلاء الآباء الذين اعتُمدت كتاباتهم كمصدر للتعليم، وبين غيرهم من الآباء أو الكُتّاب الكنسيين، سواء كانوا من الشيوخ الروحيين آباء البرية القديسين، أنطونيوس ومقاريوس وباخوميوس وغيرهم، أو كانوا من البطاركة والأساقفة والكهنة والعلماء في مختلف العصور بعد عصر المجامع المسكونية، الذين لم تعتمد كتاباتهم كمصدر للتعليم.
ولكن ما تحويه كتابات الكُتّاب الكنسيين من تعاليم وأفكار وتفسيرات وشروحات تتفق مع عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية المستقرة منذ عصر المجامع المسكونية، وما يتفق مع منهجها في العبادة والحياة الروحية والتوجيه المسيحى القويم في السلوك والأخلاق، كل هذه تقبلها الكنيسة كامتداد لتعاليم آباء الكنيسة وبناءً على تعاليمهم وشرحًا لها. أما الآراء الخاصة بالكُتّاب الكنسيين في غير أمور العقيدة والعبادة والحياة الروحية فهى تبقى أراء الكُتّاب الخاصة بهم.
وفى جميع الأحوال يجب مراعاة أهمية البناء على الأساس الواحد الذي بُنيت عليه الكنيسة منذ أسسها الرب يسوع المسيح كما يقول الرسول بولس: ” مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية ” (أف20:2 وأيضًا أنظر 1كو11:3).
اقتفاء أثر الآباء:
حيث إن الآباء معلمى العقيدة هم الذين استلموا وديعة الإيمان من الآباء الرسل، وسلموها بدورهم إلى الكنائس إلى أن استقرت الوديعة محفوظة بقوانين المجامع المسكونية بجهود هؤلاء الآباء، لذلك يلزم للمؤمنين اقتفاء أثر هؤلاء الآباء والسير على خطاهم في تعليم الإيمان لكى يكون للكنيسة كلها إيمان واحد في كل زمان وفى كل مكان. يقول القديس أثناسيوس الرسولى في دفاعه عن قانون إيمان مجمع نيقية: ”لقد برّهنا على أن هذا التعليم قد سُلّم إلينا من أب إلى أب ؛ أما أنتم أيها اليهود الجدد وتلاميذ قيافا فمن هم الآباء الذين تستطيعون أن تنسبوا أقوالكم إليهم ؟ ” [9].
وآباء مجمع نيقيا أعلنوا أنهم في إقرارهم لقانون الإيمان أنهم ” يحفظون العادات القديمة ” ويقصدون بذلك الإيمان المُسلم مرة من الرسل بواسطة الآباء الذين سبقوا آباء نيقيا. وكذلك آباء المجامع التالية كانوا يعلنون أنهم “يتبعون الآباء القديسين “، ورفضوا أن يضيفوا شيئًا على قانون إيمان نيقيا والقسطنطينية. والقديس كيرلس عمود الدين يؤكد أنه يتبع نفس تعليم القديس أثناسيوس وآباء مجمع نيقيا [10].
ولكن رغم هذه الأهمية التي تعطيها الكنيسة للآباء في التعليم العقيدى إلاّ أنها لا تعتقد بعصمة أى أب من الآباء في آرائه الشخصية في الأمور غير العقائدية، مثل طريقته في التفسير أو في الموضوعات الروحية، فهذه الآراء تبقى آرائه الخاصة ولا تلزم المؤمنين.
ثانيًا: أهمية كتابات الآباء:
أ ـ كان الأستاذ الدكتور جون ن. د. كيللى J. N. D. Kelly أستاذ الدراسات الآبائية وتاريخ العقيدة المسيحية بجامعة أكسفورد محقًا عندما كتب أن: ” السبيل الوحيد لفهم ذهن الكنيسة الأولى هو أن ينقع الإنسان نفسه في كتابات الآباء ” [11].
فالواقع أن كل تدريب على المعرفة اللاهوتية يظل ناقصًا جدًا بدون اختبار أو تذوق لفكر الآباء ـ فالاختبار الآبائى هو اختبار للحقيقة اللاهوتية، هو اختبار للوحدة في التنوع ـ هذه الوحدة التي تلقى ضوءً قويًا للتمييز بين ما هو أساسى ومحورى في المسيحية، وما هو ثانوى وجانبى.
ب ـ ودراسة كتابات الآباء تعطينا اختبار توحيد القلب مع الذهن في معرفة الإلهيات. فالمعرفة اللاهوتية ليست مجرد معرفة جافة نظرية ولا هى مجرد رياضة عقلية، بل هى اتحاد القلب والذهن مع الله. وهذا هو السبب الذي جعل كبار اللاهوتيين والقديسين، يدرسون ” الآباء ” بعناية واهتمام لأن ما كتبه الآباء هو عمل من أعمال القداسة. فكتابات الآباء مليئة بالمشاعر المسيحية كما يقول ” بوسيّه ” Boissuet، إلى جانب المعرفة العميقة والدقيقة. فآباء الكنيسة يجمعون في كتاباتهم وخبراتهم القداسة والمعرفة معًا بدون انفصال وبلا أى تناقض [12].
ج ـ الآباء والتقليد:
ترجع أهمية كتابات الآباء إلى أهمية التقليد باعتباره مصدر الإيمان. والتقليد جعل لكتابات وآراء الآباء أهمية كبرى. فالكنيسة تعتبر “ اتفاق الآباء الإجماعى ” معصومًا حينما يخص تفسير الكتاب المقدس والعقيدة. ويصف ” نيومان ” (J. H. Newman) أهمية اتفاق الآباء واختلافه عن الآراء الخاصة للآباء حينما يقول: [إنى اتبع الآباء القدماء، ليس على أنهم في موضوع معين لهم الثقل الذي يملكونه في حالة العقائد والتعاليم (رغم أنهم كذلك). فحينما يتكلم الآباء عن العقائد، يتكلمون عنها على أن الجميع يؤمنون بها.
فالآباء هم شهود الحقيقة أن هذه التعاليم قد استُلمت استلامًا، ليس هنا أو هناك بل في كل مكان، ونحن نستلم هذه التعاليم والعقائد التي يعلّمون بها، ليس لمجرد أنهم يعلّمون بها، بل لأنهم يشهدون أن كل المسيحيين في كل مكان في عصورهم كانوا يؤمنون بها. فنحن نتخذ الآباء كمصدر أمين للمعرفة، ولكن ليس كسلطة كافية في ذواتهم، رغم أنهم هم أيضًا سلطة.
فلو أنهم قالوا بهذه التعاليم نفسها وأضافوا قائلين ” إن هذه هى آراؤنا وقد استنتجناها من الكتاب المقدس، وهى آراء صحيحة ”، فإننا في هذه الحال كنا نتشكك في استلامها على أيديهم. وكنا سنقول إن لنا الحق مثلهم أن نستنتج من الكتاب كما فعلوا هم، وأن الاستنتاج من الكتاب هو مجرد آراء، فإن اتفقت استنتاجاتنا مع استنتاجاتهم، فهذا يكون تطابقًا سعيدًا معهم ولكن إن لم تتفق فإننا سنتبع نورنا الخاص.
وبلا شك ليس هناك إنسان، له الحق أن يفرض استنتاجاته الخاصة على الآخر في أمور الإيمان. طبعًا هناك التزام واضح على الجاهل أن يخضع لأولئك الذين هم أعلم منه، وهناك تناسب ولياقة أن يخضع الصغار والشباب مؤقتًا لتعليم شيوخهم، ولكن فيما هو أبعد من ذلك فليس هناك رأى لإنسان أفضل من آخر.
ولكن الأمر ليس هكذا فيما يخص الآباء الأولين، فالآباء لا يتكلمون برأيهم الخاص، إنهم لا يقولون ” هذا الأمر حقيقى لأننا رأيناه في الكتاب المقدس″ ـ وهو أمر هناك اختلافات في الحكم بخصوصه ـ ولكنهم يقولون ” هذا الأمر حقيقى بسبب أن الكنائس كلها تؤمن به وكانت فيما سبق تؤمن به طوال الأزمنة السابقة بلا انقطاع منذ زمن الرسل “، حيث يكون الأمر هنا موضوع شهادة، أى عن وجود وسائل المعرفة لديهم بأن هذا الأمر كان يُؤمن به طوال العصور السابقة، لأنه كان إيمان كنائس كثيرة مستقلة (إداريًا) عن بعضها البعض، ولكن كان هذا إيمانها في نفس الوقت، وذلك يكون على أساس أن هذا الإيمان من الرسل، فبلا شك أنه لا يمكن أن يكون إلاّ حقيقيًا ورسوليًا][13].
ويشهد القديس أثناسيوس الرسولى (296ـ373) عن الآباء وتقليد الكنيسة وتعليمها الذي سُلّم بواسطة الرسل منذ البداية فيقول في دفاعه عن ألوهية الروح القدس: [ دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة وتعليمهاوإيمانها، الذي هو من البدايةوالذى أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء (لاحظ أنه يعتبر التقليد والتعليم والإيمان واحدًا وأن الآباء هم الذين حفظوا الإيمان) وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة … يوجد ثالوث قدوس وكامل، يُعترف بلاهوته في الآب والابن والروح القدس.. وهكذا يُكرز بإله واحد في الكنيسة كما أوصى الرب ” أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس ” (مت19:28) ] [14].
وكما يشهد أيضًا القديس غريغوريوس (335ـ394) أسقف نيصّا (Nyssa) عن الآباء والتقليد المُسلم من الرسل فيقول إنه: [ يكفى للتدليل على صحة تعليمنا أن التقليد قد انحدر إلينا من الآباء كميراث تسلم إلينا من الرسل بواسطة القديسين الذين أتوا بعدهم ] [15].
د ـ كتابات الآباء وتفسير الكتاب المقدس:
لكتابات الآباء أهمية كبرى لأن الكنيسة الآن في عصرنا وفى كل عصر تالى للقرون الخمسة الأولى تعتمد في تفسير الكتاب المقدس على تفسيرات الآباء للكتاب المقدس وخاصة تفسير الآيات التي تُستَقى منها العقائد الإيمانية.
ولذلك يلزم للكنيسة في عصرنا أن يكون لديها كل تفسيرات الآباء لأسفار الكتاب المقدس مترجمة إلى اللغة العربية، وهذا احتياج مُلح بالنسبة للكنيسة في مصر وفى كل البلاد الناطقة بالعربية. ومن هنا فإن كتابات الآباء لا غنى عنها لرعاة الكنائس والمعلمين والوعاظ وطلبة الكليات اللاهوتية ولكل من له اهتمام بالإيمان المسيحى ودراسة الكتاب المقدس.
هـ ـ كتابات الآباء والليتورجيات:
كما أن لكتابات الآباء أهمية كبرى أيضًا لأنها المصدر الذي تأخذ منه الكنيسة منذ العصور الأولى وإلى الآن نصوص القداسات التي تصلى بها ونصوص التسابيح والتماجيد التي تستعملها الكنيسة في عبادتها الجماعية أو في عبادة المؤمنين العائلية والانفرادية. فمثلاً القداسات الثلاثة المستعملة في كنيستنا وهى الباسيلى والغريغورى والكيرلسى على التوالى هى من وضع القديس باسيليوس أسقف قيصرية كبادوكية في آسيا الصغرى في القرن الرابع، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات (أو النزينزى) أسقف القسطنطينية في القرن الرابع أيضًا، والقديس كيرلس الأسكندرى (الملقب بعمود الدين) في أوائل القرن الخامس المتنيح في سنة 444م.
كما أن نصوص ليتورجيات أسرار المعمودية، والميرون، ومسحة المرضى، والزواج، والكهنوت، ونصوص صلوات تقديس المياه في اللقان، وصلوات تدشين الكنائس كل هذه من وضع آباء الكنيسة في القرون الأولى.
و ـ كتابات الآباء والحياة الروحية:
كما أن كتابات آباء الكنيسة هى مصدر الخبرات الروحية التي عاشها القديسون وكتبوها أو كُتبت عنهم سواء كانوا من الآباء الذين كانوا يرعون المؤمنين في الكنائس أو من الآباء النُساك في البرية الذين لهم إنتاج وفير في الحياة الروحية والنُسكية. كما أنها هى مصدر سير الشهداء والقديسين في العصور المسيحية الأولى.
ثالثًا: مفهوم علم الآباء وتاريخه:
الباترولوجيا هى ذلك الجزء من تاريخ الكتابات المسيحية التي تتناول المؤلفين اللاهوتيين في العصور المسيحية الأولى. والباترولوجيا تضم كل من الكُتاب الأرثوذكس والهراطقة، رغم أنها تعالج باهتمام أكبر أولئك المؤلفين الذين يمثلون تعليم الكنيسة المُسلم من الرسل أى التعليم التقليدى. وهؤلاء المؤلفين هم الذين يطلق عليهم آباء الكنيسة ودكاترة أى معلّمى الكنيسة. وهكذا فعلم الباترولوجيا يمكن أن يُعرف بأنه “علم آباء الكنيسة “.
إن اسم هذا الفرع من علوم اللاهوت هو حديث العهد. وأول من استعمل اسم الباترولوجى هو جون جرهارد (Joh. Gerhard) الألمانى من لاهوتيى القرن17، وذلك عندما استخدم كلمة باترولوجيا(Patrologia) كعنوان لكتابه الذي نشره سنة 1653م. إلا أن فكرة تاريخ الأدب المسيحى الذي تظهر فيه وجهة النظر اللاهوتية بارزة هى فكرة قديمة:
1 ـ هذه الفكرة تبدأ بأوسابيوس (Eusebius) المؤرخ الكنسى. لأنه يقول في مقدمة كتابه ” تاريخ الكنيسة” (E.H) أنه يقصد أن يسجل كتابة ما يعرفه عن عدد من أولئك الذين كانوا في كل جيل هم سفراء كلمة الله سواء بالكلام أو بالكتابة، وأيضًا أسماء وعدد وأعمار أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم، الذين أبرزوا أنفسهم كدعاة معرفة وعلم كاذب[16]. وهكذا فهو يسجل أسماء الكُتاب وكتبهم على قدر ما يعرفهم ويسجل اقتباسات طويلة من معظم كتاباتهم.
ولهذا السبب يعتبر أوسابيوس واحدًا من أهم مصادر علم الباترولوجيا خاصة وأن عددًا كبيرًا من الكتابات التي اقتبس منها قد فُقدت. وبالنسبة لبعض المؤلفين الكنسيين يُعتبر هو المصدر الوحيد للمعلومات عنهم [17]. وجاء بعد أوسابيوس مؤرخون آخرون حاولوا أن يكملوا عمله. فهناك تاريخ سقراط، وتاريخ سوزومين، وتاريخ تيئودوريت. هؤلاء المؤرخين الثلاثة ركزوا كتاباتهم على الكنيسة الشرقية وأعمالهم متقاربة إلى حد كبير.
أما في الغرب فقام روفينوس بترجمة تاريخ أوسابيوس من اليونانية إلى اللاتينية. وأضاف إليه بعض الأحداث حتى عصر الإمبراطور ثيئودوثيوس الكبير سنة 392م.
2 ـ ولكن يعتبر ايرونيموس (جيروم) Jerome هو أول من كتب تاريخًا للأدب المسيحى اللاهوتى. وذلك في كتابه “ مشاهير الرجال ” De VIR. ILL. ويقصد جيروم في كتابه هذا أن يرد على أولئك الكُتّاب الوثنيين الذين اعتادوا أن يتهموا المسيحيين بقلة الذكاء ـ ولهذا السبب فإن جيروم يعدد في كتابه أسماء الكُتّاب الذين يعتز بهم الأدب المسيحى في 135 فصلاً، ويقدم في كل فصل عرضًا لسيرة الكاتب وتقييمًا لكتاباته. هذا الكتاب كتبه جيروم في بيت لحم سنة 392م. بناء على طلب صديقه الوالى ” ديكستر ” ( Dexter ).
3 ـ حوالى سنة480 م ألف جيناديوس (Gennadius) كتابًا بنفس الاسم أى ” مشاهير الرجال ” وهو يعتبر تكملة لعمل جيروم. وجيناديوس كاهن من مرسيليا وهو “شبه بيلاجى” (Semipelegian)، وهذه حقيقة تترك أثرها هنا وهناك على وصفه وتعليقاته. ومع ذلك فيعتبر كتابه تكملة وإضافة نافعة لعمل جيروم. ويظهر من كتابه أنه واسع الاطلاع ودقيق في أحكامه. ويظل عمله ذو أهمية أساسية لتاريخ الكتابات المسيحية القديمة. وكتاب جيناديوس يشمل99 فصلاً ويختمه بفصل عن كتاباته هو.
4 ـ بعد جيناديوس وحتى نهاية القرن الخامس عشر قام عدة مؤلفون بعمل كتب على نسق كتاب جيروم وتكملة له بعد جيناديوس. وحوالى سنة 1494م ألف الراهب جوهانس تريثيميوس Johannes Trithemius كتابًا باسم ” الكُتّاب الكنسيون ” وهو يحوى سير حياة وكتابات 963 كاتبًا، بعضهم ليسوا لاهوتيين ويستقى تريثيميوس معلوماته عن الآباء من جيروم وجيناديوس.
5 ـ في عصر النزعة الإنسانية بأوربا حدث اهتمام متجدد بالكتابات المسيحية القديمة. فمن ناحية كان دعاة الإصلاح البروتستانتى يتهمون كنيسة روما بأنها تدهورت وابتعدت عن آباء الكنيسة. ومن الناحية الأخرى أدت قرارات مجمع ترنت إلى ازدياد هذا الاهتمام إلى درجة كبيرة بكتابات الآباء. فألف الكاردينال “بيلارمين” Bellarmine كتاب “الكُتّاب الكنسيين حتى سنة 1500” وظهر هذا الكتاب سنة 1613م.
وبعد هذا ظهر مؤلفان كبيران من تأليف مؤلفان فرنسيان هما كتاب Tillemont عن تاريخ الكنيسة في القرون الستة الأولى [18]. وصدر في 16 مجلدًا، والمؤلف الثانى هو R. Ceillier باسم “التاريخ العام للمؤلفين المقدسين والكنسيين”[19]. وصدر في 23 مجلدًا. وهو يعالج كل الكُتّاب الكنسيين من العصر المسيحى الأول حتى سنة 1250م.
6 ـ العصر الجديد لعلم كتابات الآباء ظهر خاصة في التجميعات العظيمة والطبعات الخاصة الممتازة للنصوص الآبائية. وهذه التجميعات حدثت في القرنين السادس عشر والسابع عشر. أما القرن التاسع عشر فقد أثرى حقل الكتابات المسيحية القديمة بعدد كبير من الاكتشافات الجديدة خاصة اكتشافات لنصوص شرقية. وبذلك ظهرت الحاجة إلى طبعات جديدة نقدية محققة علميًا. وقد افتتحت أكاديمية فيينا وأكاديمية برلين هذا العمل بطبع مجموعات مضبوطة لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية، بينما بدأ علماء الآباء الفرنسيون بنشر أعظم مجموعتين للكتابات المسيحية الشرقية.
7 ـ في القرن العشرين ظهر اتجاه غالب للاهتمام بدراسة تاريخ الأفكار، وتاريخ المفهومات، وتاريخ التعبيرات في الكتابات المسيحية القديمة واهتمام بدراسة تعاليم الآباء وعقائدهم وتعليم كل الكتاب الكنسيين. وكما يقول البروفسور كواستن (Quasten) أستاذ الآباء بجامعة واشنطن أن الاكتشافات الحديثة في القرن العشرين لأوراق البردى في مصر قد مكنت العلماء من استعادة كثير من الأعمال الآبائية التي كانت مفقودة.
8 ـ في الكنيسة القبطية كان النُساخ وخاصة في الأديرة يقومون بنسخ كتابات الآباء في مختلف العصور سواء باللغات اليونانية أم القبطية أو المترجمة في مخطوطات بالعربية. وهنا نذكر نوع خاص مخطوط مشهور اسمه ” اعتراف الآباء ” وهو يحوى اقتباسات للآباء منذ عصر بعد الرسل وحتى البطريرك خرستوذولوس (البطريرك66) والكُتّاب الكنسيين في القرن الـ11. والمقصود بكلمة “اعتراف” هو تعاليم الآباء العقائدية فيما يخص الثالوث والتجسد وعقيدة طبيعة المسيح خاصة. وهذا الكتاب يوجد منه نسخ خطية في مكتبة البطريركية القديمة بالأزبكية وفى مكتبة المتحف القبطى وفى بعض الأديرة القبطية.
وفى القرن السابع قام المؤرخ يوحنا النيقوسى وهو أسقف نيقيوس بالمنوفية بكتابة تاريخ ضخم منذ آدم حتى عصره في نهاية القرن السابع. هذا التاريخ كُتب أصلاً بالقبطية وتُرجم إلى الأثيوبية. ولكن النسخة القبطية الأصلية فُقِدت والباقى هو الترجمة الأثيوبية التي تُرجمت بالتالى إلى الفرنسية في العصر الحديث، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية وأخيرًا صدرت ترجمة عربية له عن الإثيوبية في يناير 2000.
أما كتاب السنكسار فهو يحوى سير مختصرة للقديسين والشهداء حسب أيام السنة القبطية. ويحوى القليل من أقوال الآباء.
وكتاب تاريخ البطاركة المنسوب إلى الأنبا ساويرس بن المقفع في القرن العاشر ويحوى تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية منذ مار مرقس حتى القرن العاشر. وقد قام بعده كُتّاب آخرون لتكميل تاريخ البطاركة الذين جاءوا بعد القرن العاشر. ولكنه لا يحتوى إلاّ القليل من نصوص الآباء.
رابعًا: لغة الآباء:
كانت لغة المسيحية منذ نشأتها حتى القرن الثانى هى اللغة اليونانية. إذ كانت هذه اللغة هى لغة الأدب والحديث طوال القرون الأولى في الإمبراطورية الرومانية في كل بلاد البحر الأبيض المتوسط. فقد غزت الحضارة اليونانية والأدب اليونانى العالم الرومانى كله حتى أنه كان يندر أن تكون مدينة في الغرب لا تستعمل فيها اللغة اليونانية كلغة التعامل اليومى. وحتى في روما وشمال إفريقيا وبلاد الغال (فرنسا) كان استعمال اللغة اليونانية حتى القرن الثالث.
ولهذا السبب تعتبر اللغة اليونانية هى اللغة الأصلية لكتابات الآباء، وإن كان في الشرق قد حلّ محلها جزئيًا اللغات المحلية مثل السريانية في سوريا والقبطية في مصر وخاصة الوجه القبلى، والأرمنية في أرمينيا. وبعد القرن الثالث حلت اللاتينية في الغرب محل اليونانية.
إن كُتّاب أسفار العهد الجديد مثلهم مثل آباء الكنيسة لم يكتبوا باللغة اليونانية الكلاسيكية، بل بلغة يونانية تسمى ” كوينى ” (Koine) والتى يمكن أن توصف بأنها تآلف بين اللغة الأتيكية (Attic) لغة مقاطعة ” أتيك” في اليونان وبين اللغة اليونانية الشعبية. وقد صارت لغة الـ “كوينى” هى لغة كل العالم الهلليني منذ القرن الثالث قبل الميلاد وحتى نهاية العصور المسيحية الأولى أى حتى بداية القرن السادس.
خامسًا: تصنيف كتابات الآباء:
توجد أكثر من طريقة لتصنيف الآباء. فعلماء علم الآباء يُقسّمون الآباء، أولاً بحسب اللغة التي كتبوا بها كتاباتهم: اليونانية، واللاتينية، والسريانية والقبطية والأرمنية. وأكبر كمية من كتابات الآباء وصلتنا باللغتين اليونانية واللاتينية. ومن هنا جاءت التسميات للمجموعتين الشهيرتين: باترولوجيا جريكا (أى الآباء باليونانية)، وباترولوجيا لاتينا (أى الآباء باللاتينية).
الأساس الثانى الذي يصنفون به الآباء هو الترتيب التاريخى، وعلى الأساس التاريخى تُقسم المراجع الآبائية، كتابات الآباء إلى عدة عصور:
بدايات الكتابات الآبائية: هذا العصر يشمل كتابات القرون الثلاثة الأولى أى يمتد من حوالى سنة 100 إلى سنة 300ميلادية.
العصر الذهبى للكتابات الآبائية: ويمتد من سنة 300 إلى 440م.
العصر المتأخر: من 440 إلى 600م. وعند الروم يمتد العصر المتأخر حتى سنة 893م.
أ ـ العصر الأول: من 100 ـ 300: ( ويُسمى ما قبل نيقية)
ويشمل:
1 ـ كتابات الآباء الرسوليين:
رسالة اكليمندس الرومانى إلى الكورنثيين سنة 96، رسائل أغناطيوس الإنطاكى السبعة إلى كنائس آسيا (حتى سنة 107)، رسالة القديس بوليكاربوس إلى الفيلبيين (حوالى 156)، ويرجع العلماء الآن كتاب الـ” ديداكى ” ” تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثنى عشر ” إلى نهاية القرن الأول.
ثم كتابات الكُتّاب المعاصرين للآباء الرسوليين: بابياس سنة 130، رسالة برنابا (حوالى سنة 100)، راعى هرماس (القرن الثانى).
2 ـ كتابات الآباء المدافعين:
أـ كوادراتوس سنة 124 وتُنسب إليه الرسالة إلى ديوجينيتس (بحسب الأبحاث الحديثة). ب ـ ارستيدس من أثينا (125م). ج ـ أرستو من بيللا (140م). دـ القديس يوستينوس الشهيد (165م) هـ ـ تاتيان السورى (حوالى 172م). و ـ أبوليناروس من هيرابوليس (172م). ز ـ أثيناغوراس (177م). ح ـ ثاؤفيلوس الإنطاكى (حوالى 180م). ط ـ ميليتو أسقف ساردس (190م). ى ـ ملتيادس (192م). ك ـ مينوكيوس فيلكس (حوالى سنة 200م). ل ـ هرمياس الفيلسوف (200م).
3 ـ الآباء الآخرون في القرنين الثانى والثالث:
أ ـ الآباء الشرقيون: القديس إيريناؤس أسقف ليون (140ـ202م)، القديس اكليمندس الأسكندرى (150ـ210م)، أوريجينوس (185ـ254)، ديونيسيوس الأسكندرى (264م)، الدسقولية (تعاليم الرسل) (القرن الثالث)، غريغوريوس العجائبى (213ـ 270). ميثوديوس الأوليمبى (نهاية القرن الثالث).
ب ـ الآباء الغربيون: ترتليان (160ـ220)، القديس كبريانوس (200 ـ 258)، أرنوبيوس (280ـ310)، لاكتنتيوس (توفى حوالى 317)، هيبوليتوس الرومانى (160ـ235)، سير الشهداء (Acta Martyria).
ب ـ العصر الذهبى للآباء: (300ـ 440): (ويسمونه عصر نيقية وما بعد نيقية)
1 ـ الآباء الشرقيون: القديس أثناسيوس الرسولى (296ـ373) القديس كيرلس الأسكندرى (376ـ444). القديس باسيليوس أسقف قيصرية (329ـ379)، القديس غريغوريوس النزيانزى(الناطق بالإلهيات) (329ـ390)، القديس غريغوريوس النيسى (335ـ394)، ديديموس الضرير (310ـ398)، القديس إبيفانيوس أسقف سلاميس (315ـ403)، القديس أنطونيوس الكبير (250ـ356)، القديسي باخوميوس (تنيح 346)، القديس مقاريوس (300ـ390)، القديس مقاريوس الأسكندرى (تنيح394) القديس كيرلس الأورشليمى (313ـ386)، القديس يوحنا ذهبى الفم (354ـ407)، مار افرام السريانى (306ـ373)، أفراهات (تنيح367).
2 ـ الآباء الغربيون: القديس هيلارى أسقف بواتيه (أثناسيوس الغرب) (315ـ366)، القديس أمبروسيوس أسقف ميلان (339ـ397)، القديس جيروم (349ـ420)، القديس أغسطينوس (354ـ430).
ج ـ العصر المتأخر: (440 ـ حوالى 600)
1 ـ الآباء الشرقيون: القديس فليكسنوس أسقف منبج (440ـ523)، القديس ساويروس الإنطاكى (تنيح538)، مار اسحق السريانى (تنيح692)، القديس يوحنا الدرجى (579ـ650)، البطريرك فوتيوس (عند الروم) (810ـ893).
2 ـ الآباء الغربيون: البابا غريغوريوس الكبير (540ـ604).
سادسًا: طبعات الكتابات المسيحية الأولى:
أ ـ الطبعات الأولى للكتابات المسيحية القديمة لا يمكن أن تعتبر طبعات نقدية حيث إن القواعد العلمية لاختيار المخطوطات لم تكن قد وُجدت بعد، ومع ذلك فإن كثير من هذه الطبعات الأولى هى الآن ذات قيمة عظيمة جدًا بسبب أن المخطوطات التي أخذت عنها هذه المطبوعات قد فُقدت.
ب ـ من بين الطبعات الأولى لكتابات الآباء التي ظهرت منذ القرن السادس عشر توجد مجموعة واحدة لا تزال لها قيمتها العلمية وهى المجموعة التي طبعها الرهبان الفرنسيون البندكت في “سانت مورا ” والتى نُشرت في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وبعض طبعاتهم لكتابات الآباء لم يُعلَ عليها حتى الآن. وفى مجموعتهم هذه يوجد النص اليونانى مع ترجمة لاتينية مع فهارس دقيقة مًضافة إلى كل مجلد.
ج ـ أكمل مجموعة للنصوص الآبائية هى المجموعة التي نشرها الراهب ” مينى ” ( J.P. Migne) (المتوفى سنة 1875م). إنها تحوى إعادة طبع لكل النصوص التي سبق طبعها حتى وقته وذلك لكى تكون في متناول يد اللاهوتيين ولكى يكون الوصول إلى نصوص الآباء سهلاً. وللأسف فإن طبعة ” مينى ” للآباء بها أخطاء مطبعية كثيرة. ولهذا السبب فمن الأفضل دائمًا الرجوع إلى الطبعات التي أخذ منها ” مينى ” إن لم تكن هناك طبعة علمية حديثة للنصوص. ومع ذلك تظل باترولوجيا ” مينى ” هى بالنسبة لكثير من الكتابات الآبائية، المصدر الوحيد الذي يمكن الرجوع إليه.
وتقع مجموعة باترولوجيا ” مينى ” في قسمين:
1 ـ ” مينى باترولوجيا جريكا ” (P.G.): وهو القسم الذي يشمل كتابات الآباء والكُتّاب الكنسيون باللغة اليونانية الأصلية وأمام النص اليونانى ترجمة لاتينية. وهذه المجموعة اليونانية تصل إلى مجمع فلورنسا في القرن الخامس عشر. وكل آباء كنيسة الأسكندرية والكتابات الرهبانية المصرية باللغة اليونانية موجودة في هذه المجموعة. وعدد مجلداتها 161 مجلد كبير.
2 ـ “مينى باترولوجيا لاتينا” (P.L.): أى الكتابات التي كُتبت أصلاً باللاتينية. وهذه المجموعة اللاتينية تقع في 221 مجلدً كبير منها 4 مجلدات فهارس وتصل الكتابات اللاتينية في هذه المجموعة حتى البابا اينوسنت الثالث المتوفى سنة 1216م. وقد نُشرت مجموعتى باترولوجيا مينى اليونانية واللاتينية في السنوات ما بين 1844 و 1866 في باريس.
د ـ وقد بدأت أكاديمية فيينا وأكاديمية برلين كل منها بنشر مجموعة من كتابات الآباء التي تجمع بين الدقة اللغوية والاكتمال وذلك منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الآن. وكل منهما تنشر الكتابات بأصلها اللغوى أى باليونانية واللاتينية مع مقدمات وفهارس بالألمانية.
هـ ـ نُشرت مجموعة ” باترولوجيا أورينتالس ” (Patrologia Orientalis) أى مجموعة الآباء الشرقيين. وهى كتابات كنسية باللغات القبطية والعربية والأثيوبية وقد صدرت في باريس منذ سنة 1907م في 25 مجلد حتى الآن. كما صدرت من باريس مجموعة ” باترولوجيا سيرياكا ” (Patrologia Syriaca) وهى كتابات الكنيسة السريانية. وقد صدرت في ثلاث مجلدات.
سابعًا: ترجمات كتابات الآباء إلى اللغات الحديثة:
ترجمات إلى الإنجليزية: أشهر الترجمات إلى الإنجليزية لكتابات الآباء هى: أ ـ The Anti Nicene Fathers (ANF) ” آباء ما قبل نيقية ”، وهى ترجمة لكتابات الآباء بالفترة التي تلى عصر الرسل مباشرة وإلى ما قبل مجمع نيقية (325). وتقع في عشر مجلدات وبدأ صدورها في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1885م. وهذه الطبعة الأمريكية هى إعادة طبع للترجمة الإنجليزية التي صدرت قبلها في أدنبرة بأسكتلندا تحت عنوان The Anti – Nicene Christian Library (بين 1866،1872) وكانت في 24 مجلد من حجم أصغر من الطبعة الأمريكية التي تلتها.
وتحوى مجموعة آباء ما قبل نيقية كتابات: الآباء الرسوليين، اكليمندس الرومانى وأغناطيوس وبوليكاربوس، وكذلك كتابات الشهيد يوستينوس والقديس إيريناؤس أسقف ليون واكليمندس الأسكندرى، وترتليانوس وأوريجينوس، والقديس كبريانوس والقديس غريغوريوس العجائبى، إضافة إلى كتابات أخرى. وقد أُعيد طبع هذه المجموعة بالولايات المتحدة سنة 1951 ولا يزال تصدر منها طبعات جديدة كما هى.
ب ـ Library of The Nicene and Post Nicene Fathers (أى “مجموعة آباء نيقية وما بعد نيقية “. وهى مجموعة مختارة من كتابات الآباء غالبيتها من كتابات القرنين الرابع والخامس وتقع في 28 مجلد. وقد صدرت في الولايات المتحدة أواخر القرن 19 وأُعيد طبعها هناك سنة 1957، ولا تزال تصدر منها طبعات جديدة كما هى. وهذه المجموعة مُقسمة إلى قسمين: القسم الأول (1st Series) يحوى 14 مجلد منها 8 مجلدات لأغسطينوس، و6 مجلدات ليوحنا ذهبى الفم. والقسم الثانى (2ndSeries) يحوى 14 مجلد أيضًا ويضم بعض كتابات القديسين: أثناسيوس الرسولى (مجلد1) وباسيليوس الكبير (مجلد1) وغريغوريوس النزيانزى (فى مجلد مشترك مع كيرلس الأورشليمى)، وأمبروسيوس ومار افرام السريانى وغريغوريوس النيسى وهيلارى أسقف بواتيه ويوحنا كاسيان. كما يضم هذا القسم بعض كتابات غريغوريوس الكبير (أسقف روما في القرن السادس) ويوحنا الدمشقى (من القرن الثامن) إضافة إلى كتابات أخرى) وتحوى مجلدًا لأعمال المجامع المسكونية.
ويلاحظ أن هذه المجموعة لا تحوى أى كتاب من كتب القديس كيرلس الأسكندرى (عمود الدين) ولا عظات القديس مقاريوس الشهيرة.
ج ـ The Fathers of The Church ” آباء الكنيسة ”: بدأت جامعة واشنطون الكاثوليكية بنشرها منذ 1947 ولا يزال النشر مستمرًا. بلغ عدد كتب هذه المجموعة حتى الآن (أغسطس 2007م) 114 كتاب. وبها بعض كتابات قليلة للقديس كيرلس الأسكندرى بالإنجليزية.
د ـ صدرت ترجمات إنجليزية منفردة لكتابات بعض الآباء وليست ضمن مجموعات كالمجموعات السابق ذكرها. فمثلاً صدرت أول ترجمة إنجليزية لعظات القديس مقاريوس بإنجلترا سنة 1749م، ثم ترجمة إنجليزية أخر لنفس العظات سنة 1921م وهى الترجمة التي عرب عنها بيت التكريس ترجمته العربية الجديدة التي نُشرت سنة 1979 (الطبعة الأولى).
وكذلك صدرت ترجمة إنجليزية لتفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس الأسكندرى سنة 1859 بأكسفورد بإنجلترا (وهى الترجمة التي ترجم عنها كاتب هذه السطور منذ سنة 1990 في 5 أجزاء، وتُجرى حاليًا طباعة هذا التفسير كله في مجلد واحد يصدر قبل نهاية سنة 2007).
هـ ـ صدرت ترجمة إنجليزية عن اليونانية لـ ” شرح إنجيل يوحنا ” للقديس كيرلس الأسكندرى في جزئين، الجزء الأول صدر 1874 والثانى 1885، وذلك ضمن سلسلة Library of The Fathers of The Church (L.F.C) (وهى الترجمة التي يترجم عنها مركز دراسات الآباء منذ 1989 ولا يزال).
ترجمات إلى الفرنسية:
أهم سلسلة لنصوص الآباء بالفرنسية هى مجموعة المصادر المسيحية (Sources Chretiennes) التي بدأ بنشرها J. Danielou بباريس 1941 ولا تزال تصدر حتى الآن وتشمل النصوص الآبائية باليونانية أو اللاتينية مع ترجمة فرنسية في الصفحة المقابلة مع مقدمة وافية عن أصل كل نص ودراسة عنه. وصل عدد الكتب التي صدرت من هذه المجموعة إلى أكثر من 480 مجلد.
ثامنًا: الدراسات الآبائية في القرن العشرين:
حدثت طفرة في الاهتمام بالنصوص الآبائية القديمة في الغرب في القرن العشرين، ومن مظاهر الاهتمام هو إنشاء أقسام للدراسات الآبائية بعدد كبير من جامعات العالم غربًا وشرقًا. كما بدأت في القرن العشرين ظاهرة المؤتمرات العالمية لدراسة كتابات الآباء وتعاليمهم، وأشهر هذه المؤتمرات هو ” المؤتمر الدولى للدراسات الآبائية ” الذي ينعقد بجامعة أكسفورد كل أربعة سنوات وكان أول انعقاد له سنة 1951م. ويشترك بعض الباحثين بالمركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية في هذا المؤتمر منذ 1983. والمركز عضو في الجمعية الدولية للدراسات الآبائية التي تشرف على أعمال المؤتمرات الآبائية وتنسق لها.
كما بدأت أيضًا مؤتمرات دولية متخصصة في دراسة كتابات أحد الآباء: مثل مؤتمر لدراسة كتابات أغسطينوس ومؤتمر لدراسة كتابات أوريجينوس، وهى تعقد أيضًا كل أربع سنوات في أحد جامعات أوربا.
كما بدأ في القارة الأمريكية مؤتمرات لدراسات الآباء تعقد كل سنتين في نطاق القارة الأمريكية.
كما بدأت في السنوات الثلاثين الأخيرة مؤتمرات دولية متخصصة في الكتابات المسيحية السريانية وفى دراسة القبطيات وأيضًا في دراسة التراث المسيحى العربى، وهذه المؤتمرات المتخصصة تنعقد أيضًا كل أربع سنوات في إحدى جامعات العالم.
(ينعقد المؤتمر الدولي للقبطيات بالقاهرة سنة 2008م).
تاسعًا: ترجمة كتابات الآباء بالعربية في مصر في القرن العشرين:
بدأت تظهر ترجمات عربية لبعض كتابات الآباء في نهاية القرن 19. ففى سنة 1899 صدرت “عظات القديس مقاريوس المصرى” ليوسف بك منقريوس مدير المدرسة الإكليريكية. وفى نفس السنة نشر دير الأنبا أنطونيوس رسائل القديس أنطونيوس عن مخطوطة عربية موجودة بمكتبة الدير.
حبيب جرجس وكتابات الآباء:
يذكر المتنيح الأرشيدياكون حبيب في افتتاحية مجلة الكرمة سنة 1923 تحت عنوان “مؤلفات الآباء القديسين”: “وقد حصلنا من أوروبا على جميع مؤلفات الآباء القديسين الذين عاشوا منذ العصر الرسولى وحتى مجمع نيقية. وهى مترجمة إلى الإنجليزية عن اللغتين اليونانية واللاتينية وغيرها، وعهدنا إلى بعض أصدقائنا من أفاضل الكتاب الأدباء بتعريبها بكل دقة وضبط كأصلها. وسندركها تباعاً في أعداد الكرمة. ولا حاجة بنا إلى ذكر أهمية هذه المؤلفات، إذ لها المقام الأسمى في عالم المؤلفات الدينية لقرب عهد مؤلفيها بالعصر الرسولى. وأقوالهم حجج قوية على تعليم الكنيسة في أعصرها الأولى” (مجلة الكرمة عدد يناير 1923 ص 6)
وبدأ فعلاً ابتداء من نفس العدد الأول (يناير 1923) ينشر أول جزء من “رسالة كليمنضس الأولى إلى أهل كورنثوس”. واستمر هكذا في الأعداد التالية للمجلة حتى سنة 1931 من هذه الرسالة ومن كثير من غيرها من كتابات آباء ما قبل نيقية. ونرجح أن المجموعة التي يذكر أنه حصل عليها من أوروبا للترجمة منها هى مجموعة The Ante-Nicene Christian Library التي كانت قد صدرت في 24 مجلد بادنبره باسكتلنده بين سنين 1866 ـ 1872.
حافظ داود (القس مرقس داود) وترجمة الآباء:
قام الأستاذ حافظ داود بترجمة كتاب ” تجسد الكلمة ” للقديس أثناسيوس من الإنجليزية إلى العربية سنة 1946 ونشرته جمعية نشر المعارف المسيحية وأُعيد طبعه عدة مرات. كما ترجم القس مرقس داود رسالة أثناسيوس إلى الوثنيين، ورسائل أثناسيوس إلى سرابيون عن الروح القدس. وحياة أنطونيوس بقلم أثناسيوس، وتاريخ الكنيسة لأوسابيوس، ورسائل أثناسيوس الفصحية وتفسير رسالة أفسس لذهبى الفم ونشرتها له عدة جهات في حينها.
ثم ظهر كتاب بستان الرهبان في ثلاثة أجزاء. كما نشر دير السريان 1952 كتاب ” حياة الصلاة الأرثوذكسية ” للأب متى المسكين مشتملاً على اقتباسات كثيرة لأقوال الآباء عن مختلف نواحى الصلاة.
كما نشر دير السريان ابتداءً من سنة 1952 عدة ميامر لآباء الكنيسة عن الميلاد والغطاس والقيامة مترجمة عن الإنجليزية، وذلك عن السلسلة الإنجليزية (آباء ما قبل نيقية وآباء نيقية وما بعد نيقية) (38 مجلد) التي كان الأستاذ عزيز سوريال عطية قد أهداها للرهبان الجامعيين بدير السريان في ذلك الوقت).
القمص تادرس يعقوب وكتابات الآباء:
ويعمل أيضًا في مجال ترجمة كتابات الآباء بمصر منذ الستينيات، قدس الأب تادرس يعقوب ملطى بالأسكندرية عن طريق اقتباس نصوص للآباء ووضعها تحت عناوين موضوعات روحية أو في تفاسيره لأسفار الكتاب المقدس بعهديه التي يقوم بنشرها مزودة بأقوال الآباء.
بيت التكريس لخدمة الكرازة وكتابات الآباء:
بتوجيه الأب القمص متى المسكين قام كاتب هذه السطور في سنة 1958م بشراء مجموعة الآباء بالإنجليزية المذكورة سابقًا من أمريكا (وعددها 38مجلدًا) سنة 1958م. وبدأ بيت التكريس في ترجمة ونشر بعض كتابات الآباء عن هذه المجموعة ومن غيرها. فقام بنشر ” تفسير المزامير لأغسطينوس″ سنة 1961 (ترجمها القس مرقس داود)، و”الأسرار” للقديس أمبروسيوس، ورسائل القديس أنطونيوس وعظات القديس مقاريوس وعدة كتابات أخرى للقديسين أثناسيوس وكيرلس.
وبهذا يكون الأب المتنيح القمص متى المسكين[20] هو الذي وجه الأنظار في الكنيسة القبطية في العصر الحديث لأهمية كتابات آباء الكنيسة.
مؤسسة القديس أنطونيوس لترجمة ونشر الآباء:
قام كاتب هذه السطور مع مجموعة من الأصدقاء بتأسيس مؤسسة القديس أنطونيوس وأُشهرت بالشئون الاجتماعية سنة 1979م، وذلك بهدف ترجمة ونشر كتابات الآباء وعمل دراسات على نصوص الآباء. فقامت المؤسسة منذ تأسيسها بنشر عدد كبير من كتابات الآباء. وكان للمرحوم صموئيل كامل عبد السيد أستاذ اللغة اليونانية دور بارز في بداية عمل المؤسسة. إذ قام بترجمة ثلاثة كتب عن اليونانية هى ” المسيح في رسائل أثناسيوس ”، ” المقالة الأولى ضد الآريوسيين ” و ” المقالة الثانية ضد الآريوسيين ”، وذلك قبل نياحته سنة 1986م. وقامت المؤسسة منذ سنة 1980 بإرسال عدد من المبعوثين إلى اليونان لدراسة اللغة اليونانية والتخصص في دراسات الآباء، عاد البعض منهم بعد أن أنهوا دراساتهم ولا يزال البعض يواصل دراساته لنفس الهدف.
وفى سنة 1991م نشأ ” مركز دراسات الآباء ” تحت مظلة مؤسسة القديس أنطونيوس، وفى نفس مقرها (8 ب شارع إسماعيل الفلكى بمصر الجديدة). وهو يواصل تحقيق هدف المؤسسة. وبلغت نصوص الآباء التي نشرتها المؤسسة حتى الآن 117 نصًا عن اللغات اليونانية والإنجليزية والفرنسية. كما قامت المؤسسة بنشر عدد من الدراسات حول النصوص الآبائية بلغ عددها حتى الآن 31 كتابًا. وبدا المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية منذ يناير 1998 بنشر دورية أبحاث تصدر كل ستة شهور: ” دراسات آبائية ولاهوتية ” صدر منها حتى الآن 20 عددًا.
ويقوم الباحثون بالمركز الأرثوذكسى بتقديم محاضرة شهرية و3 لقاءات (كل منها يومين) كل سنة بمقر المركز ومؤتمر سنوى لمدة 3 أيام (إقامة كاملة) حول الموضوعات الآبائية في احد بيوت المؤتمرات.
كما بدأ عمل مؤتمر للآبائيات للشباب منذ سنة 2005 في أجازة نصف العام من كل عام.
كما يقوم الباحثون العاملون بالمركز بتقديم المحاضرات والدراسات في عدد من المؤتمرات واللقاءات والكنائس بالقاهرة والأقاليم.
2- P.J. Hammell, Handbook of Patrology.Staten IslandN.Y., Alba House 1968.
3- N. & P.N. Fathers 1st series vol. I
4 ـ مجلدات مجلة الكرمة للأرشيدياكون حبيب جرجس من 1923 ـ 1931م.
[1] إيريناؤس: ضد الهرطقات كتاب 4 فصل 41 فقرة2.
[2] كليمندس الأسكندرى: المتنوعات 1:1،2ـ1:2.
[3] أغسطينوس: ضد يوليان (Cont. Jul. 1,7,34).
[4] Vincent of Le’rins. LNPN Fathers- 2nd series Vol.11, Com. Chapter29 p154& Chapter33 p.156.
[5] جيروم: De viris ill. Prol.; Ep 112, 3.
6 أنظر ما ورد عن إلهام الروح القدس للآباء في صياغة مصطلح ” أوموسيوس ÐmooÚsioj ”: المساوى في الجوهر، نقلاً عن كتاب باترولوجيا مجلد25:6:1 للبروفيسور س. بابا دوبولوس باللغة اليونانية أثينا 1982، وذلك في مقال ” الآباء والعقيدة ” للدكتور جوزيف موريس فلتس دورية دراسات آبائية ولاهوتية، يناير 1998، ص20ـ23.
7 صلاة تحليل الخدام: أنظر الخولاجى المقدس.
8 أنظر رسائل القديس أثناسيوس عن الروح القدس، الرسالة الأولى فصل 28 ص 82 إصدار مركز دراسات الآباء سنة 1994.
[9] Defence of the Nicene definition (De Dec. 27) N.&P.N. Fathers, 1st series, vol. IV p.168.
[10] شرح قانون الإيمان رسالة 55، ورسالة 39 إلى يوحنا الأنطاكى.
[11] J.N.D. Kelly, Early Christian Doctrines,London: A.&C. Black, 1958, p.VI.
[12] See P.J. Hammell. Handbook of Patrology,Staten Island,N.Y.: Alba House, 1968, p.12 inConstantine. N. Tsjrpanlis, Introduction to Eastern Patristic Thought, The Liturgical Press , Collegevill, Minnesota, 1991, p..
13 نيومان: Discussionsa Arguments II ,I.
14 أنظر كتاب ” رسائل الروح القدس للقديس أثناسيوس ـ إلى الأسقف سرابيون ” ترجمه عن اليونانية دكتور موريس تاوضروس ودكتور نصحى عبد الشهيد، الرسالة الأولى فصل 28 ص 82 إصدار مركز دراسات الآباء 1994، طبعة ثانية منقحة 2005م.
15 في كتابه ضد أونوميوس Contra Eunom. III,2,98 وردت بكتاب ” دراسات في آباء الكنيسة ” ص 385 لأحد رهبان برية القديس مقاريوس 1999.
[16] تاريخ الكنيسة لأوسابيوس 1:1،1.
[17] كتاب أوسابيوس: ” تاريخ الكنيسة ” يرجع إلى أوائل القرن الرابع ـ وقد عربه عن الإنجليزية القس مرقس داود ـ القاهرة 1960م.
[18] صدر في باريس بين سنة ( 1663 ـ 1712م ).
[19] صدر في باريس بين سنة (1729 ـ 1763م ).
[20] تنيح في 8 يونيو سنة 2006م
الآباء – مدخل إلى علم الآباء (باترولوجيا Patrologia ) – د. نصحى عبد الشهيد
ينتمى غريغوريوس إلى مدرسة كبادوكية اللاهوتية والتى ضمت كل من أخيه القديس باسيليوس الكبير وصديقه القديس غريغوريوس النيزينزى، والتى لعبت دورَا هاما فى تشكيل الفكر اللاهوتى المسيحى .
ولد عام 335م تقريبا فى قيصرية الجديدة ببلاد بنتطس فى بلدة اسمها ” أنيسا ” وتوفى عام394م . وهو من عائلة أرستقراطية مشهورة فى كل منطقة كبادوكية ، بغناها وثقافتها . تتلمذ على يد أخيه القديس باسيليوس الكبير، وأظهر منذ حداثته شغفا كبيرا بالكتاب المقدس والعلوم الفلسفية، وقد خدم بالكنيسة قارئا للإنجيل.
بدأ فى دراسة فن الخطابة وأجاد فيه ولكن بمشورة صديقه القديس غريغوريوس النيزينزى ترك مهنة الخطابة بعد حين. تزوج من امرأة تقية تدعى ثيئوسيفيا وربما رزق منها بولد اسمه كينيجيوُُ. وبناء على طلب أخيه باسيليوس كتب كتابا عن البتولية بعد عام 370م.
فى عام 372م سيم أسقفا لبلدة ” نيصّا ” بآسيا الصغرى مطيعًا فى هذا أيضًا أخوه باسيليوس رئيس أساقفة قيصرية كبادوكيا . وتعرض لهجمات شرسة ومحاربات نتيجة للاضطرابات الكنسية الأمر الذى تسبب فى مشاكل لخدمة أخيه القديس باسيليوس . ففى عام 375م ـ 376م اُتهم من قِبَل الآريوسيين ونجحوا فى أن يشكوه للحكام الموالين لهم بتهمة تبديد أموال الكنيسة ومتهمين إياه بتصرفات غير قانونية ، وبسبب هذه التهم قبضت عليه السلطات وأبعدته عن إيبارشيته ، وفى الطريق أصابه المرض ونجح أصدقاؤه فى إخفائه فى مكان آمن.
وفى مجمع عقد فى ” نيصّا ” عام 378م تم عزله غيابيًا ونفيه. وبعد وفاة الحاكم الموالى للآريوسيين فى صيف 378م، عاد إلى كرسيه حيث استقبله الشعب بفرح كثير .
فى يناير عام 379م حضر وداع أخيه باسيليوس الأخير عند انتقاله ، وحينئذ شعر بمسئوليته الروحية الضخمة كوارث لتراث أخيه الكنسى . اشترك فى مجمع بأنطاكية فى خريف عام 379م حيث اعتمد المجمع تعاليم ولاهوت القديس باسيليوس الكبير لأول مرة.
وفى عودته مرة أخرى إلى ” نيصّا ” مر ببلدته” أنيسا ” حيث اشترك فى الوداع الأخير لأخته ماكرينا ورجع إلى مقر إيبارشيته حيث كان ينتظره جهاد عظيم ضد الآريوسيين .
فى ربيع 381م تواجد فى ” إفورا ” للاشتراك فى رسامة أحد الأساقفة هناك ، حينئذ طالبه أهالى بلدة ” سبسطيا ” أن يصير أسقفًا وراعيًا لهم ليحارب معهم أتباع أسقفهم السابق أوستاثيوس[2]، الذى كان يهاجم ألوهية الابن، ومن أنصار بدعة محاربى الروح القدس .. ولقد وافقهم غريغوريوس على ذلك رغم أنه واجه فيما بعد متاعب كثيرة .
وقبل نهاية عام 381م عاد إلى نيصّا حيث بدأ الكتابة ضد أونوميوس الذى أحيا الهرطقة الآريوسية من جديد فى الكنيسة [3].
من مايو عام 381م إلى يونيو من نفس العام تواجد فى القسطنطينية لحضور المجمع المسكونى الثانى حيث لعب دورا هاما معبرًا عن التعاليم الأرثوذكسية الصحيحة للآباء الكبادوك حول عقيدة الثالوث وألوهية الروح القدس ، وكُلف فى سنة 382م بمهمة خاصة سافر من أجلها إلى أورشليم وإلى بلاد العرب .. ولقد قام أيضا برحلاتٍ تتعلق بشئون الكنيسة فى كثير من بلاد بنتطس وكبادوكيا وأرمينيا وغلاطية .
فى سنة 383م اشترك فى مجمع عُقد بالقسطنطينية حيث ألقى خطابا عن ألوهية الابن والروح القدس، وفى هذا الخطاب أظهر قدرات خطابية لاهوتية فائقة مما جعله يحظى بلقب الخطيب الرسمى للإمبراطورية ، الأمر الذى جعل الإمبراطور ثيئودوسيوس يختاره فى سنة 385م لإلقاء كلمة الوداع الأخيرة فى جنازة ابنته بوليخيريا، وبعدها فى جنازة زوجته الإمبراطورة بلاكيللا سنة 387م.
بعد سنة 387م ، ليس لدينا أخبار عن غريغوريوس ، فربما بسبب تعبه وكبر سنه، انسحب من مسرح الأحداث السياسية والكنسية لكى يتفرغ للكتابة وخصوصا الكتابات النسكية.
وآخر أخباره لدينا هو اشتراكه فى مجمع آخر بالقسطنطينية عام 394م.
2 – أعماله (كتاباته) [4]
لغريغوريوس أسقف نيصَّا مؤلفات كثيرة بلغت 33 كتابًا، شملت موضوعات عقائدية وتفسيرية وليتورجية وروحية نسكية ، ورسائل. نختار من أهم هذه المؤلفات، الكتابات الآتية:
1 – عن الثالوث الأقدس .
2 – عن الروح القدس .
3 – عن الفرق بين الجوهر والأقنوم .
4 – تفسير نشيد الأنشاد .
5 – تفسير أيام الخليقة الست .
6 – عن المعمودية .
7 – عن قيامة المسيح .
8 – عن البتولية .
9 – شرح التطويبات .
10 – رسالة إلى غريغوريوس اللاهوتى .
3 – تعاليمه اللاهوتية [5]
غريغوريوس أسقف نيصّا هو أول لاهوتى يُعبر عن الحياة الروحية التأملية للنُساك، وهو فى نفس الوقت من أعمدة الفكر اللاهوتى، ففى شخصه يجتمع اللاهوت العميق مع الخبرة الروحية الغنية .
انشغل غريغوريوس بمشاكل الكنيسة اللاهوتية فى عصره ، مقتفيا آثار أخيه ومعلمه باسيليوس الكبير ، واعتبر نفسه الوريث لحياته الفكرية والروحية . فقد قدم غريغوريوس للكنيسة رصيدًا لاهوتيًا بما تعلمه فى أحضانها من تعاليم ولاهوت الآباء الكبادوك، وتعاليم القديس إيريناوس والقديس أثناسيوس ، وكذلك معلمى مدرسة الإسكندرية بمنهجها الرمزى فى التفسير ، وأيضًا معلمى المدرسة الإنطاكية بطابعها الحرفى فى التفسير .
وبالرغم من اعتماد غريغوريوس فى كتاباته على تعاليم وكتابات باسيليوس فيما يختص بعقيدة الثالوث والروح القدس إلا أنه تابع أيضا ما كتبه القديس غريغوريوس النازينزى عن طبيعة السيد المسيح (Christology) وطور كل هذا الفكر وعمقه وفتح آفاقا جديدة عندما تكلم عن الإنسان Anthoropolgy))، تلك الآفاق التى صارت فيما بعد أساسًا للاهوت السرى (المستيكى) أو بمعنى آخر لاهوت الهدوئيين، وبالأخص كتابات مكسيموس المعترف فى القرن السابع وكتابات غريغوريوس بالاماس فى القرن 14م ، وغيرهما.
إن آراء أونوميوس (eÙnÒmioj) فى إنكار ألوهية الابن، وآراء اتباع بدعة مقاومى الروح فى إنكارهم لألوهية الروح القدس، وكذلك تعاليم أبوليناريوس، قد عرضت تعاليم الكنيسة عن الحق الإلهى للخطر، مما كان له الأثر فى حياة المؤمنين الروحية والرؤية المسيحية للإنسان.
فمما لاشك فيه أن جماعات الرهبان والمتعبدين الذين عُرفوا بأصحاب بدعة ” المصلين” والذين عرفهم غريغوريوس ، كان لهم بعض الأفكار الخاطئة. وفى هذا كان يكمن خطر وجود تعاليم خاطئة مع تطبيقات عملية فى العبادة لهذه التعاليم المنحرفة .
كل هذه الأمور مثلت دافعا قويا لغريغوريوس لكى يبرز الحق الإلهى، ولهذا فإننا نجده يسعى فى كتاباته للربط بين التعليم عن عقيدة الثالوث والتعليم عن شخص المسيح ، وأيضا للربط بين تعاليمه هذه، وبين رؤيته للإنسان كمخلوق على صورة الله .
ومن الصعب أن نفرق فى أعماله بين اهتماماته العقائدية المحضة واهتماماته الروحية الصرفة ، إذ يؤكد بنفسه قائلا :
[ إن الفضائل الروحية تؤدى فى الوقت نفسه إلى المعرفة الصحيحة للحقيقة الإلهية ][6].
والجديد الذى قدمه غريغوريوس بوضوح ، هو التفرقة الواضحة بين ما هو إلهى : “غير مخلوق ” وبين ما هو من العالم أى ” مخلوق ” ، فكل ما هو كائن بذاته هو ” إلهى ” وكل ما هو فى العالم هو ” موجود ” على أساس أن له صلة تربطه بهذا ” الكائن الإلهى” .
وفى هذا الجديد قدم أيضًا تصورًا رائعًا للإنسان كمخلوق ” ذو نفس حية ” يشابه الله “™myÚcon Ðmoiwmatoj toà Qeoà” ، أى أن الإنسان كائن حى يجب عليه أن يسعى بدون انقطاع لكى يتحد بالله ، متحركًا من حالة العدم إلى حالة الوجود .
4 – تأثيره فى معاصريه ومن لحقه
لقد أثر غريغوريوس بتعاليمه وكتاباته ليس فقط فى تعاليم معاصريه من آباء الكنيسة، بل أيضا فيمن كتبوا بعد ذلك بكثير، ومنهم من ساهم فى تكوين التراث العربى المسيحى، ونستدل على ذلك بالأمور التالية :
أ ـ وجود ترجمات لمؤلفاته باللغة العربية وانتشارها فى مخطوطات ترجع لعصور مختلفة.
ب ـ الاستشهاد ببعض من مؤلفاته فى كتب التراث العربى المسيحى .
ج ـ نَسْبّ بعض الأعمال فى التراث العربى المسيحى إليه .
د ـ وجود بعض ترجمات عربية حديثة لحياته وكتاباته .
أ ـ وجود ترجمات لمؤلفاته باللغة العربية وانتشارها عبر العصور
يخبرنا الكاتب الموسوعى شمس الرياسة أبو البركات (ق13) فى موسوعته “مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة “[7] الباب السابع فى ذكره ” مصنفات الآباء ومؤلفات الفضلاء الذين كانوا قبل الفرّق (الانقسام) وبعده ” عن أن الكنيسة القبطية قد عرفت فى اللغة العربية ستة من أعمال غريغوريوس الأصيلة والمنحولة، فيقول ” اغريغوريوس أخو باسيليوس القيسرانى له من الموضوعات ” :
(ج) الثالث : رسالة أرسلها إلى الأب بطرس أخيه بالاعتذار إليه فى تقصير الشرح، وفيها إعادة ذكر بعض من تفسير الخليقة .
(د) الرابع : شرح نشيد الأنشاد لسليمان بن داود وشرحها شرحًا روحانيًا [9].
(هـ) الخامس: كتاب الأبواب فى صفة طبيعة الإنسان، ويذكر أبو البركات أن الذى ترجمه من اللغة اليونانية إلى العربية هو حنين بن اسحق المتطبب وأن عدد أبواب هذا الكتاب بلغ 23 بابًا .
(و) السادس : كتاب إيساغوجى لأرسطوطاليس، ويعلق شمس الرياسة على هذا الكتاب قائلاً ” وهو وإن كان كتابًا علميًا فإنه يفيد فى تقسيم المعانى وتَفَهُم أصول العقيدة التى عليها أسست المبانى ” .
(ز) السابع : يذكر أبو البركات تحت اسم القديسة مكرينا[10] أنها اخت غريغوريوس وأنه أجرى معها حديثًا عن النفس الناطقة المحيية للجسد، وذلك قبل وفاتها مباشرة، ويرى أبو البركات أنها ” مجادلة ممتعة وفيها دلائل عقلية مقنعة ” .
أما Georg Graf [11] فيخبرنا بالتفصيل عن المخطوطات العربية التى شملت بعضًا من مؤلفات غريغوريوس، وإن كان Graf يرى أن أعماله العقائدية لم يكن لها النصيب الوافر فى الترجمات العربية مثل باقى أعماله التفسيرية ومقالاته وميامره . ويشير إلى وجود مخطوطات لتفسير نشيد الأنشاد والتطويبات ، وكذلك ميمر عن قيامة المسيح .
ب ـ الاستشهاد ببعض مؤلفاته
لقد حاولت ـ بقدر المستطاع ـ أن أحصر كل من استشهد بمؤلفات غريغوريوس أسقف نيصَّا لإيضاح تأثيره على من كتبوا بالعربية فى الكنيسة القبطية ، ويمكن أن نذكر الأسماء الآتية:
1 ـ أنبا ساويروس بن المقفع
عندما رأى ساويروس بن المقفع فى القرن العاشر أن اللغة القبطية لم تعد مفهومة بالنسبة للشعب القبطى، وأن الأفكار الإسلامية قد بدأت فى التغلغل فى الأوساط المسيحية ، قرر كراعٍ وأسقف أن يؤلف بالعربية كتبًا لاهوتية دفاعية يعضد بها شعبه. لهذا ففى كتابه “الدر الثمين” أو الكتاب الثانى ذو الخمس عشر فصلاً، نجد أن ابن المقفع يستعرض عقائد كنيسته القبطية وبالذات عقيدتى الثالوث وطبيعة السيد المسيح[12] شارحًا بالتفصيل معنى الاتحاد الأقنومى لطبيعتى السيد المسيح، مدعمًا أرائه بأقوال “الآباء معلمين البيعة”.
ومن بين آباء ما قبل خلقيدونية، الذى استشهد بهم أسقف الأشمونين فى الفصلين الثانى والعاشر اللذين خصصهما للحديث عن ” ميلاد المسيح ” ، وعن “مضى الرب بالنفس إلى الجحيم “[13] غريغوريوس أسقف نيصّا.
وفى رأينا أن السبب الذى أعطى لكتابات غريغوريوس تلك المرجعية الأصلية هو اسهاماته الفعالة فى موضوع طبيعة المسيح وما قدمه من شروحات للتعبيرات التى استخدمت فى شرح عقيدة الخريستولوجى مثل تعبير “‘An£krash”، وتعبير “¢sÚgcuth ” لكى لا تُفسر على أنها عبارات أوطاخية المعنى وهرطوقية [14]، تلك البدعة التى حاول ابن المقفع أن يبرئ منها الكنيسة القبطية ، وهو ما يتضح بنوع خاص فى رده الدفاعى على الكاتب الملكى سعيد بن البطريق [15].
2 ـ مؤلف كتاب اعتراف الآباء [16]
إن كتاب اعتراف الآباء هو من أهم الكتب اللاهوتية بالنسبة للكنائس غير الخلقيدونية، سواء القبطية أو السريانية أو الإثيوبية . يرجع تاريخه إلى سنة 1078، وللأسف فإن مؤلفه القبطى مجهول الهوية. يحوى هذا الكتاب نصوصًا إما من مقالات كاملة من آباء الكنيسة، أو من مقتطفات كبيرة أو صغيرة الحجم مترجمة إلى العربية بلغ عددها 253، تشرح عقيدة الكنيسة فيما يختص بسر الثالوث وسر التجسد .
ومن الجدير بالذكر أن القديس كيرلس الأسكندرى هو صاحب النصيب الأكبر فى هذه الأقوال، فقد بلغ عدد الفقرات المنسوبة إليه 66 ، الأمر الذى يعكس أهمية الدور الذى لعبه القديس كيرلس عمود الدين فى خريستولوجى كنيسة الأسكندرية .
غير أن كاتب اعتراف الآباء، لم يكتف بآباء الأسكندرية، بل حاول الاستعانة أيضًا بالآباء الكبادوك . ومن الثابت أن لاهوت كيرلس عن طبيعة المسيح قد اعتمد على ما قدمه من قبل غريغوريوس أسقف نيصّا ، ومن كتاباته الهامة فى هذا المجال : ” الفرق بين الجوهر والأقنوم ” [17].
ولهذا كان من المهم أن يستشهد كاتب اعتراف الآباء بنصوص من كتاباته، والتى بلغ عددها أربعة مقتطفات .
بل إن اختيار هذه النصوص بالذات يعكس مدى تقدير الكاتب القبطى للمساهمة الفعالة وللعناصر الجديدة التى أدخلها غريغوريوس فى الفكر المسيحى، وذلك بالتفرقة الواضحة بين ما هو إلهى ” غير مخلوق ” وكل ما هو فى العالم ” ومخلوق ” كما سبق القول .
وكمثال لهذا الاختيار الواعى، نستعرض الفقرة التى جاءت فى مخطوط اعتراف الآباء من الميمر الخامس عشر من تفسير نشيد الأنشاد لأسقف نيصّا :
[ المسيح غير خليقة وخليقة اجتمعا فى موضع واحد معًا ، أما الغير مخلوق فنقول لأجله إنه أزلى قبل كل الدهور، وأنه دايمًا إلى الأبد، وهو خالق كل شئ كائن ، فأما خليقته فهى المشاركة التى صار فيها مع جسد تواضعنا بالتدبير الذى فعله لأجلنا ] [18].
مثال آخر لهذا الاختيار ربما يكشف لنا بعدًا جديدًا لتأثير كتابات غريغوريوس النسكية فى الحياة الرهبانية :
هناك نص مشترك، استشهد بفقرات مختلفة منه كل من ابن المقفع[19] وكاتب مخطوط اعتراف الآباء [20]، ذلك النص هو لكتاب غريغوريوس المشهور عن ” التطويبات ” .
فبالرغم من أن اقتباساتهم كانت بهدف تدعيم وجهة نظرهم العقائدية والتى هى الموضوع الأساسى للكتابين، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى يمكن القول إن كتاب التطويبات لأسقف نيصّا كان معروفًا فى الأديرة القبطية. ربما يرجع السبب فى ذلك إلى أن هذا الكتاب يعتبر أهم كتابات غريغوريوس النسكية، وأحد المراجع الهامة فى هذا الموضوع الروحى، وهو يشمل ثمانية مقالات يحلل فيها الكاتب الحياة النسكية التى تقود إلى حياة الغبطة، وبالتالى إلى حياة الشركة الكاملة مع الله، أو بمعنى آخر إلى ” التأليه ” [21].
هذا ولقد تناول القديس مقاريوس الكبير الذى عاصر غريغوريوس، الموضوع نفسه فى عظاته المشهورة [22] والتى حظيت بانتشار واسع بين الرهبان الأقباط وأثرت تأثيرًا فعالاً فى الحياة النسكية فى الشرق والغرب، وقرأها بدقة كل من اشتاق قلبه لحياة النسك والتأمل الروحى ، ولاقتناء الخبرات الروحية .
إلاّ أن رهبان الأديرة فى القرن العاشر وما بعده الذين كانوا يتحدثون القبطية والعربية[23] لم يكتفوا قط بترجمة أعمال مقاريوس إلى العربية للاستفادة منها، بل حاولوا أيضًا ترجمة كتابات غريغوريوس والتى تحمل نفس المضمون للتعرف على ما تحتويه ، بالرغم من صعوبة فهمها، مثلها مثل باقى أعمال غريغوريوس، والتى كانت تُقرأ من رهبان عصره المثقفين فقط، لما فيها من أفكار فلسفية عالية وتحليل لاهوتى عميق، بنى عليه غريغوريوس تعاليمه النسكية.
لقد كانت كتابات مقاريوس تمثل الدليل والمنهج العملى للرهبان فى عبادتهم النسكية ، بينما جاءت كتابات غريغوريوس لتضع الأساس النظرى لتلك الحياة .
وفى رأينا أن الرهبان يمكن أن يكونوا قد استطاعوا أن يقتنوا لأنفسهم هذا الأساس النظرى لأسلوب حياتهم النسكى، حتى يستطيعوا أن يواجهوا التيارات الفلسفية المضادة التى برزت حين بدأ العرب فى ترجمة الكتابات الفلسفية اليونانية إلى العربية، وأن يستخدموا التعبيرات الفلسفية فى مواجهة الفكر المسيحى .
ج ـ نَسْبّ بعض الأعمال فى التراث العربى المسيحى إليه
تُنسِب بعض المخطوطات عدة مؤلفات لغريغوريوس أسقف نيصّا ، الأمر الذى يدل على انتشار أعماله وقوة تأثيرها فى الفكر المسيحى، ونذكر على سبيل المثال :
1 ـ ينسب أبو البركات فى كتابه ” مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة ” ، لغريغوريوس القداس الإلهى المستخدم فى الكنيسة القبطية والمعروف باسم قداس الابن للقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات ( القديس غريغوريوس النيزينزى).
2 ـ ينسب كاتب اعتراف الآباء بعض المقتطفات التى استعان بها أيضًا لغريغوريوس :
فالمقطع الذى ورد عن المعمودية فى كتاب اعتراف الآباء، والذى نجده فى الجزء 88 من مجموعة PG (1876D- 1877D) هو فى الواقع لغريغوريوس الأنطاكى [24].
كما أن المقطع الآخر عن التوبة لا يوجد بين نصوص غريغوريوس أسقف نيصّا ، وعلى ما يبدو هو جزء من العظات المشهورة للقديس مار افرام السريانى عن نفس الموضوع [25].
د ـ وجود بعض من ترجمات عربية حديثة لكتاباته ونشر مؤلفات عن حياته
بالإضافة إلى الترجمات التى تمت لبعض كتابات غريغوريوس أسقف نيصّا بداية من القرن العاشر كما سبق القول ، فنجد أن هناك ترجمات حديثة لبعض كتاباته الأخرى ، وأيضًا مؤلفات عن حياته وتعاليمه ، نشير إليها على سبيل المثال لا الحصر ونوردها حسب تاريخ نشرها :
(أ) ترجمات لكتاباته
1 ـ حياة موسى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل ، القاهرة 1988م.
2 ـ نشيد الأناشيد : تعريب القمص تادرس يعقوب ملطى ، الأسكندرية 1993م.
3 ـ السلوك المسيحى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1993م.
4 ـ من مجد إلى مجد : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1994م (طبعة ثانية).
5 ـ الكمال المسيحى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1994م.
(ب) مؤلفات عن حياته وتعاليمه
1 ـ القديس غريغوريوس أسقف نيصص: حياته ـ كتاباته ـ منهجه ـ أفكاره : القمص تادرس يعقوب ، القاهرة 1993م.
2 ـ القديس غريغوريوس النيسى ، فصل فى كتاب دراسات فى آباء الكنيسة ، إعداد أحد رهبان برية القديس مقاريوس ص 375 ، برية شيهيت 1999م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع:
1 S. Papadopoulou. Patrolog…a, tÒmoj B`, Aqhnai 1990. sel. 615-616.
2 S. Papadopoulou. Patrologia B/, Aqhnai 1990. sel. 408.
7 أبو البركات : مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة،الأب سمير خليل.نشر مكتبة مارجرجس ص290 .
8 كتبه لتصحيح بعض شروحات القديس باسيليوس والتى فهمت بطريقة خاطئة وأيضا ليضيف إليها بعض التأملات الأخرى. انظر(Quasten,P:264) ََهناك اشارة إلى وجود ترجمة عربية لهذا النص فى Clavis Patrum Graecorum II. 3152
9 أنظر المرجع السابق CPG II 3158 حيث يشير إلى وجود ترجمة قبطية لهذا النص .
10 أبو البركات : المرجع السابق ص 292.
11 Georg Graf : Geschiche der Christichen arabischen literatur, coll studie Testi, 118, citto de Vaticano 1944, Band I ss. 332-335.
[12] Paul Maiberger, Das Buch der kostbaren Perife von Severs Ibn Al-Muqaffa, Wiesbadeu 1972, s.2.
13 مخطوطة 126 لاهوت بدير السريان ـ غير منشور ص 53.
[14] S. Papadoplou, المرجع السابق p. 602.
15 الأب الدكتور جورج شحاتة قنواتى : المسيحية والحضارة العربية ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ص200.
[16] Georg Graf: Zwei dogmatische florilegien der kopten. B. Das Bekenntnis der Väter, Roma 128, 1937, 345-402.