الغيرية في مفهومها اللاهوتي – د. فائق متى إسحق

الغيرية في مفهومها اللاهوتي – د. فائق متى إسحق

الغيرية في مفهومها اللاهوتي – د. فائق متى إسحق

الغيرية في مفهومها اللاهوتي – د. فائق متى إسحق

رئيس تحرير مطبوعات كوبتولوجيا اللاهوتية

تورنتو ـ كندا

الغيرية [1] في مفهومها اللاهوتى

من حيث القيمة الفاعلية والجوهر المُطلق

 

          الغيرية صنوان، فمنها الغيرية السلبية كالتوجس خيفة من الغير، ومنها ما هو إيجابي كالأخذ بيد الضعيف، ومد يد المساعدة للمحتاج والمُعدم. والإيجابيات تتبلور أيضًا في الغيرية الاستشهادية، وغيرية التوسلات والشفاعات، والغيرية المقدسة للإيقونات ورفات القديسين والقديسات. وتصل الغيرية ذروتها في تماجيد الثالوث المقدس، وفي الوحدانية الجوهرية وثثليث الأقانيم.

بيد أن هذه الأخيرة تمثل الغيرية المُطلقة، وهي ذروة الغيريات، وخلاصة مفهومها الجوهرى.

          وكما أن للغيرية صفتها اللاهوتية، فلها أيضًا صفتها السيكولوجية من حيث التعامل مع الآخرين، والعوامل النفسية التي تؤثر على الفرد تجاه الجماعة التي يعيش في وسطها والتي تؤثر على صلتها به وصلته بها.

          أما الغيرية الأخلاقية فهي التي تنم عن السلوكيات إن كانت خيرًا أم شرًا، أو فضائل تُحتذى، ورذائل تُرتكب، وشرور نسعى إليها بمحض إرادتنا، وموبيقات نستظل بها تحت جناح الحرية الزائف!.

          لذا لا يمكن فهم الغيرية بدون الإشارة إلى الغير، سواء كان جسمًا أو مجرد فكرة، مبدأ أو عقيدة، نفحة قدسية أم صور ذهنية. وفي كل ذلك تتشكل الغيرية بأشكال عديدة، وألوان متباينة، وفصل بين الإيمانية القويمة والإلحادية السافرة، وذود للمبادئ الفضلى، والفوضى العقلية في الجرى وراء كل ما هو جديد، والسعى الدائب وراء الأضداد المتنافرة!

          ويرى علماءاللاهوت أن نسيم الغيرية العبق لا يمكن أن يفوح شذاه إلاّ في جو صافٍ من البذل والعطاء وإنكار الذات. وهو جو التضحية الباذلة بأجلى معانيها، وهو جو الميطانيات، والسهر المتواصل، وتنقية الأدران الجسدية من كل شوائبها.

          وهذا هو عين القداسة، وفحوى التقرب إلى الغيرية القدسية، لا عن طريق السلبيات التي ولت الأدبار، بل بطريق الإيجابيات الوثابة التي تدفع المرء إلى الأمام للتخلص من الذنوب والخطايا الماضية، والوقوف على طريق الحق والاستقامة، والسمو بقدر المستطاع إلى أعلى درجات الكمال!

          وكلما ازداد إنسيابنا في جداول الترقي نجدها تصب في آخر الأمر في المنبع الاسخاطولوجي حيث الغيرية الإسخاطولوجية والغيرية الأبدية، وهي التي تتبلور في المفهوم اللاهوتي في كون الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله.

          وهذه بدورها تنم عن الوحدة اللاهوتية الكونية. وهذه الوحدة تقوم على دعائم الشركة والارتباط الكوني بين المنظور وغير المنظور، أي بين الأرض والسماء، وبين العالمية الإنسانية والغيرية السمائية!

          ولعلنا ننوه هنا إلى حقيقة لاهوتية هامة وهي أن الغيرية السمائية مُطلقة ولا تقبل الخلط أو التجزيئ. وهذا مما يسوقنا إلى التعرف على الماهية الغيرية، وهي التي تركز على دعائم الصلة أو الصلات بين الفرد والغير.

          وناهيك بما يُحدثه الروح القدس للغير من تغيرات شمولية ودخول في مناطق الروحانيات والمقدسات البعيدة المدى، والتجرد من الذاتيات، والوقوف على شواطئ الإلهيات! فهو تجرد من الذاتية والفردية الشخصية. وهذه الغيرية دائمًا تتطلع إلى الأمام وإلى المستقبل الروحاني الأصيل وإلى مملكة الله السمائية!

          وهذا مما يدخلنا في مجال الغيرية عند القديسين والقديسات الذين عبروا بحار الآلام وساحات الاستشهاد وتربعوا على عرش الغيرية الأخروية حاملين فوق رؤوسهم تيجان النصرة والفخار!.

          كما أن القداس الإلهي وهو عصب الكنيسة وقلبها الذي ينبض بالمحبة والتآخى والتآزر والاتحاد برب المجد يسوع المسيح، تتحقق فيه غيرية التناول حيث تمتد محبة الله إلى جميع المتناولين بما في ذلك من تغيّر للفرد وبروز للصلات الروحانية بين الأفراد بعضهم لبعض، والقربى بين المتناولين والخالق جل شأنه. وهذه كلها هي خلاصة التفاعل الروحي بين رب المجد والروح الإنسانية، وهو تفاعل قائم على أعمدة التاريخ وعلى أسس الروحانية المتينة التي تعطينا أو تهب لنا نفحة من نفحات السماء وتذوقًا للدهر الآتي.

          ولعلنا نؤكد هنا حقيقة هامة وهو أن الغيرية في هذا المجال تنفى نفيًا تامًا عوامل الفرقى والانفصال، وتعمل على التجمع تحت لواء الحب السمائي. فالكل ههنا قد اشتركوا في الوليمة السمائية بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الطابع أو البيئة وغيرها. إذ أن القداس الإلهي بطبيعته يتخطى الحدود المكانية والزمنية والشخصية الفردية والنواحي الاجتماعية والسلبيات البيئية.

          وفي التبشير ذود لروح الآخرين وإعلاء لشأن الغيرية الإيمانية لكارزما Charisma الروح لما فيها من انضمام إلى حظيرة الإيمان وانتقال من ظلمة الوثنية إلى نور الإيمان المسيحي الذي يشع حرارة روحانية، وتعرف على الأصول والمنابع الإنجيلية، ورفعة روحية لا تُجارى.

          والغيرية التبشيرية تعمل بدورها أيضًا على الوحدة لا الانفصال بغض النظر عن تباين البيئات وتباعدها. فهي تجمع البعيد، وتوّحد القريب، وتزيل الفرقى الانفصالية، لتصل في نهاية الشوط إلى مثالية العمل بالقلب الواحد والفكر الواحد!.

          ومن الخطأ بناء التبشير على أساس الغيرية الثقافية أو الغيرية الجنسية، فهي تؤدى بدورها إلى الانفصال لا الوحدة، وإلى تباين الإنعزالية لا الوحدة المسيحية القائمة على أساس الإيمان الراسخ السليم. وبالرغم من أن التبشيرية الإفريقية قد خطت خطوات لا بأس بها في هذا المجال، إلاّ أننا نطلب المزيد من السعى الدائب والمرامي البعيدة المدى.

          ومن العبث فهم الغيرية على أنها تحد من الحرية الشخصية أو الحرية الفردية، إذ يتحتم فهم العلاقة السليمة بين الفرد والغير على أنها علاقة تفاهم ومحبة ومودة، وهذه كلها ليست مثالية، إلاّ أن الانحرافات النفسية والإعتداد بالذاتية هي التي تشوه معالم هذه العلاقة، وقد تزج بها في محيط الكراهية والعدوانية، والدخول في مضمار الجريمة والمنازعات والحروب! وهنا تنقلب الغيرية رأسًا على عقب مما يفتت نياط القلوب ويهز كيان الإنسان نفسه!

          تلك هي سمات الغيرية المريضة، وهي غيرية مادية وإلحادية، وهي المتفشية في المجتمعات الأوربية والأمريكية والكندية المبنية على إعلاء شأن الفرد وسوء فهم الحرية الشخصية والإعتداد الزائد بالذاتية، والبُعد عن الأصول والمنابع الدينية، ودحض الوازع الأخلاقي بل وطرحه جانبًا في سبيل تحقيق نزوات مقيتة لا تمت للإنسانية بأدنى صلة!

          فلا غرو إن ضاعت معالم الغيرية المثالية وسط ركامات الإلحادات والسلبيات والإنطواءات، وناهيك بعوامل اللامبالاة فهى السم الزعاف الذي يمخر في صلب الجسم الاجتماعي! ولذا أضحى الشباب بلا مثالية كمالية تُحتذى، وبلا أهداف روحانية أو على الأقل أهداف أخلاقية يسعون إليها! ومن المؤلم أن نلمس ضياع القيم الأخلاقية والمبادئ السامية وسط زحمة الأنانية!

          ويترتب على ذلك أن المفهوم اللاهوتي للغيرية ينبع في أصوله من المحبة غير الذاتية أى المحبة بمعناها المسيحي، أى تلك التي تمتد إلى الغير بغير حدود، أى الإنسانية جمعاء التي يتربع على عرشها الأخاء والتعاطف والأخذ بيد المحتاج أينما وجد وأينما كان.

          وهذا لا يتأتي إلاّ بمعرفتنا أن المفهوم اللاهوتي للغيرية لا يتم إلاّ عن الحياة الإيجابية Vita Positiva التي تصل ذروتها فيما يُعرف باسم “الغيرية الاستشهادية” Martyric Otherness  أي غيرية الشهداء الذين يبذلون حياتهم ضحية لمعتقدائتهم الأرثوذكسية الرصينة.

          وينطوى تحت لواء هذه الغيرية أيضًا غيريات متباينة مثل غيريات الأواشيInvocations والتذكارات Anamneses والقسمات Fractions والتراحيم Diptychs والتماجيد Glorifications والمدايح Lauds والتراتيل Hymns وقدسية رفات The Sacredness of Relics الأواني المختارة والمكرسة لله.

          وتصل هذه الغيرية إلى منتهاها في “تماجيد الكلمة” G. of the Word، ” والكلمة صار جسدًا وحل بيننا ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقًا” (يو14:1).

          وفي تماجيد الأقانيم الأقانيم ووحدة الجوهر: Unification of Ousia، ” المجد لك أيها الوحيد. أيها الثالوث المقدس ارحمنا”[2].

          وأيضًا في وحدانية تجسد الكلمة في القسمة السريانية:

          ” واحد هو عمانوئيل وغير مفترق من بعد الاتحاد وغير منقسم إلى طبيعتين، هكذا نؤمن وهكذا نعترف”[3].

وفي الكلمات المؤثرة النافذة إلى الأعماق في نفس القسمة التي تتحدث عن حقيقة الصلبوت:

          ” هكذا بالحقيقة تألم كلمة الله بالجسد وذُبح وانحنى بالصليب. وانفصلت نفسه من جسده. إذ لاهوته لم ينفصل قط لا من نفسه ولا من جسده”[4].

          وفي هذه التماجيد وتلك الاعترافات تتبلور حقيقة ” الغيرية الإلهية المُطلقة “:

The reality of the absoluteness of the Divine Otherness.

التي تمثل غاية الغايات والنهاية اللاهوتية لما لا نهاية له!.

          وهذا ما يسوقنا بدوره إلى ما أجمع عليه علماء اللاهوت بقولهم إن الغيرية اللاهوتية تظهر بأجلى معانيها في الميطانيات metanoia وفي إنكار الذات وفي السهر الليلي المتواصل: Preminent Night Vigils وفي قمع الذات للوصول إلى الرفعة الروحية التي يبغيها ذوى الحرارة الإيمانية، وفي سلم الترقى الذي يصعد على درجاته ذوو الأناة والصبر الذين تنبض قلوبهم بالمحبة الإلهية.

          وتلك هي خلاصة الغيرية القدسية: The Sanctified Otherness التي تنبع بحق من الإسخاطولوجية الأخروية ومن قدسية المملكة الإلهية لرب المجد. ولا غرو إذ يؤكد لنا بولس الرسول بقوله: ” أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم” (1كو16:3). وأن الله قد خلقنا على صورته ومثاله، وأن الروح بطبيعتها تتوق إلى العودة إلى الفردوس وإلى العشرة الحقيقية مع الله قبل السقوط.

          وهذا مما يشكل حقيقة لاهوتية هامة وهي أن الأساس في الغيرية الإلهية مبني على دعائم الشركة النُسكية The Ascetic Koinonia التي تسعى بكل ما أوتيت من عزم وثبات ومثابرة إلى النهوض إلى الغيرية السمائية The Heavenly Otherness التي هي مُطلقة في جوهرها وغير قابلة للفصل أو التجزيئ، ذلك أنها روحية في كل مشتملاتها.

          وهذه الغيرية بالذات بمثابة السراج المنير الذي يهدى النفوس الضالة إلى الحق وسط ظلمات العالم، وزحمة الأفكار الشريرة، والنوايا الخبيثة، والشرور المتلاحقة، والمعاصى التي لا طائل لها، والشرود الذهنى، والمحن الأخلاقية، وأساليب اللامبالاة، والحرية الزائفة التي تجلب الشرور على الأفراد والجماعات!.

          ولا يسعنا في هذا المجال إلاّ أن نشير إلى قول بولس الرسول:

          ” احملوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تقاوموا في اليوم الشرير وبعد أن تتموا كل شئ وأن تثبتوا” (أف13:6).

وهذا الثبات لا يتم إلاّ بفاعلية الروح القدس، فهو الدرع الواقى الحصين The protective armour الذي يقى الكثيرين من بلايا اليوم الشرير، والذي يعمل على تحوّل النفس والروح من عالم الذاتيات إلى عالم الروحانيات. حيث يلبسها حللاً تشبيه من العفة والقداسة الحقة، وحيث يسبغ عليها نورانية وضاءة من نعم رب المجد وبركاته الفياضة التي لا تُحد.

          وهذه الأنفس المستنيرة وتلك الأرواح الملتهبة بحرارة الإيمان قد خرجت من عالم الفانيات The World of the Perishables ودخلت في ثبات وعزم إلى المناطق القدسية لما هو خالد The Sanctified Areas of Eternalities حيث تتربع على عرش البركات السمائية Heavenly Blessings ونعيم الفردوس Paradisal Grace الذي تحظى به أرواح القديسين والقديسات وعُباد الله الصالحين الذين نفذوا برمتهم إلى بواطن غير المرئيات The Inner Recesses of Invisibilities، وهذا ما عبّر عنه علماء اللاهوت بأنه فحوى غيرية القداسة الحقة لمن حظوا بعد حياة الجهاد بومضات الغيرية الإسخاطولوجية The Glimmers of Eschatological Otherness وهي ومضات النصرة والفخار والنعم الأبدية.

          ولعلنا نجد في صلوات الأجبية ومزامير السواعي بالإضافة إلى القداس الإلهي الذي سبق الإشارة إليه، ذلك القلب النابض الذي يذخر بالمنابع الفياضة للغيرية الروحانية:

Overflowing springs of Spiritual Otherness

فهي التي تنبض بالمحبة الفائقة وبالاتحاد برب المجد، كما ورد في القداس الباسيلي:

          ” اجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا أن نتناول من قدساتك طهارة لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا. لكي نكون جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا ونجد نصيبًا وميراثًا مع جميع القديسين الذين أرضوك منذ البدء”[5].

          حينئذٍ تتجلى غيرية التناول The Otherness of Communion وغيرية الوحدة القائمة بين المتناولين وبين الجسد الطاهر والدم الذكى الكريم للفادي الحبيب. وهنا أيضًا يتضح أجلى معاني غيرية التحول الروحي The Otherness of Spiritual Transformation وذلك بفاعلية الروح القدس الذي يحلّ على الأسرار المقدسة.

          ومن الجدير بالذكر أن هذه الغيريات الروحانية في صلبها وجوهرها إنما تعمل على إزالة عوامل الفُرقة والانقسامات، فهي تعمل جاهدة على التوحيد، ومناصرة الدأب النُسكي وإحياء الأرواح النائمة، والأنفس التي تترنح في دياجير الظلمات، وتنغمس في ملاذ الشهوات.

          فتلك هي عناصر الغيرية الروحانية التي تعمل جاهدة على رفع لواء المحبة الإلهية، متخطية في ذلك محدودية المكان والزمان، والفردية والانعزالية، لتصل بنا إلى رحاب غيرية الرؤيا المقدسة، العالم العلوى للقداسة الحقة، والنورانية الوضاءة، والشفافية التي تطل على المكنونات الأبدية: Transparency that peeps into the eternal components. وهذه بدورها تكون لب المستيكية (السرية) الغيرية The Butt of Mystical Otherness.

          وهذه الغيرية بالذات في مفهومها اللاهوتي السليم القائم على دعائم المحبة الرحبة والجهاد الروحي، تعمل بكل مقوماتها على إرساء معالم الصحة النفسية والامتلاء الروحي البعيد عن المهاترات والسفسطات الكلامية. وهذه هي الغيرية اليانعة  The Budding Otherness التي تورق وتترعرع أغصانها في أرض الخصب والنمو الروحي، إذ أن أشجارها قد غرست على شواطئ الجداول المائية التي تنعكس على صفحاتها الرجراجة إشعاعات المحبة الإلهية ذات الوهج العظيم الذي يأخذ بلب النفوس ويحرك أوتار القلوب.

          ومن ناحية أخرى نرى أن صورة الغيرية قد تتغير تغيّرًا كاملاً بل قد يصيبها صدع لا تفوق منه وذلك إذا انحازت إلى مقومات الاعتداد بالذات والفخر الذي لا أساس له، والعظمة الزائفة، والتظاهر المقيت، والجهالة والضعف أمام صنوف الشرور، وهذه كلها تشكل ما أُطلق عليه الكثيرون بالغيرية المريضة Sickly Otherness وهي غيرية مادية، قد تكون إلحادية أو وجودية، وهي مُنتج من نتائج الجدب الروحي، والعلل الأخلاقية، وشطحات الحرية الزائفة. وتلك هي مكونات السم الزعاف والسرطان المُهلك الذي يقضى على عضوية الأفراد والجماعات هالكًا الجميع في غير هوادة.

          فلا عجب إن ضاعت غيرية القيم والمعايير وسط زحمة الأفكار البغيضة والتعالي المقيت والبُعد عن غيرية المبادئ الأصيلة للروحانيات والأخلاقيات، والأسس القويمة للحياة الفُضلى المبنية على الشركة بمعناها النُسكى، والسجايا الحميدة المستمدة من منابعها الروحانية الأصيلة.

          ونتج عن ذلك ظهور غيرية من نوع خاص قوامها الموجات العنيفة من الشك والإلحاد واللامبالاة non-chalance  وهي التي أحدثت أثرًا عميقًا في نفوس الجيل الصاعد وفي محو تفكيرهم مما يشكل خطرًا كبيرًا على مفهوم الحياة الروحية والحياة الاجتماعية بما في ذلك من انحرافات وسلوكيات ممقوتة.

          وأمام هذه الأجواء الملبدة بالغيوم نجد أن الإنسان المسيحي يحس في قرارة نفسه بأنه يعيش في عالم غريب متغير الغيرية، وفي صراع دائم مع هذه التغيرات التي كثيرًا ما تنم عن جهالة تعمل على هدم كيانه الروحي بدلاً من الإعلاء من شأن استنارته الروحانية والفكرية. ويجدر بنا في هذا الصدد أن ننوه إلى المقولة الكلاسيكية للقديس بولس:

          ” لست أعرف ما أنا أفعله إذ لست أفعل ما أريده بل ما أبغضه فإياه أفعل” (رو15:7). وهذا يبين لنا قوة الغيرية الاجتماعية وفاعليتها بالنسبة للإرادة الإنسانية والإقدام أحيانًا على فعل ما لا نريده. ويحدونا هنا الرجوع إلى حتمية التعلق بأهداب الفضيلة وحياة الغيرية الفاضلة القائمة على أعمدة النصرة الروحية بما فيها من قمع للشهوات والدأب على الإعلاء من شأن غيرية الحياة الروحية التي تشع طهارة وعفة ونقاء.

          بيد أن هذا كله لا يتأتي إلاّ بأخذ غيرية التضحية The Otherness of Sacrifice التي تظهر بأجل معانيها في الحياة النُسكية بما فيها من دحض للغيريات الاجتماعية المتقلبة والشطحات الفكرية التي لا طائل لها.

          وقد نوه علماء اللاهوت في هذا الصدد إلى أهمية الهيزيخيا Hesychia وهي صلاة الهدوء العميقة المصاحبة للتأمل في الحضرة الإلهية. كما بينوا أيضًا أهمية التأمل في الغيرية الكرازية Kerygmatic Otherness، وغيرية المجيء الثاني المعروفة باسم الغيرية الباروسية Parousian Otherness، وهي التي يدور محورها حول الكمال الإسخاطولوجي والمجد الإلهي.

          وهذا مما يظهر بوضوح على سبيل المثال في حياة الأب أمونيوس التي قيل عنها: [ إنها حياة الطهارة والحكمة التي فاق فيها هذا الناسك عما عداه من رهبان عصره لدرجة أن كل من شاهده أقرّ معترفًا بأن الأب أمونيوس قد ضرب قصب السبق في التعرف على السرائر الخفية للحكمة الإلهية][6]. ولا غرو فصومعة الناسك: [ هي بمثابة عمود الغمام الذي من خلاله تكلم الله مع موسى النبي][7]. وهذا هو شأن الحياة التي تسعى بكل جوارحها إلى التقرب من غيرية القداسة المبنية على الدأب النُسكي والمثابرة الاجتهادية. وهي تعلو في سماء الرفعة الروحية عما عداها من صنوف العبادة والصلاة، إذ أنها بمثابة الغذاء الروحي الذي لا يجارى.

          ومن ثم تنغمس الروح في غيرية المحبة الإلهية وغيرية النعيم الأبدي، فهي بمثابة جرن المعمودية الذي تخرج منه صافية نقية، تحوى في ثناياها كل مقومات الطهارة والقداسة الحقة وكارزما Karisma البركات السمائية.

          وهذا ما عبّر عنه اللاهوتيون بقولهم إن تلك هي خلاصة ميتافيزيقا الغيرية The Metaphysics of Otherness، وهي ليست ميتافيزيقية فكرية بقدر ما هي ميتافيزيقية روحية لأنها تتبلور في عالم الروحانيات لا في عالم الفكر المجرد. وهذه الروحانية متأصلة في الملكوت السمائي الذى تعتبره الروح الإنسانية مسكنها الأصلى ومقرها الأخير الذي تعود إليه إن آجلاً أم عاجلاً. وهذا المسكن بدوره يمثل غيرية النعيم الأبدي للفردوس حيث الأزاهير اليانعة والرحيق العبق السمائي الذي ترشف من منهلة أرواح القديسين والقديسات ليكون بلسمًا شافيًا لجراحهم الدامية وما لاقوه من عذابات ومحن وما تحملوه من شدائد في ساحات الاستشهاد.

          تلك هي سمات الغيرية الرؤيوية Revelatory Otherness or The Otherness of Revelation التي يمكن للروح أن تصل إليها حينما تسمو إلى أعلى درجات التأمل وتحلق في سماء الإلهيات. وهذا ما قد عبّر عنه القديس أثناسيوس الرسولي في كتابه عن ” تجسد كلمة الله”: [ إن الروح الإنسانية قد تحتفظ بعد فسادها إذا ما عملت دائبة للحفاظ على الصورة الأصلية في أننا خُلقنا على صورة الله ومثاله، وذلك عن طريق التأمل المتواصل][8]. ذلك التأمل الذي يتخطى المرئيات ليصل إلى عالم غير الفانيات The Imperishables ، حيث تنفذ الروح في ثنايا الغيرية الرؤيوية لتصل إلى منابع غيرية الحقائق الإلهية المُطلقة

The Otherness of the Absolute Divine Realities

التى تشكل خلاصة الإسخاطولوجية الأبدية لمملكة الله السمائية

The eternal Eschatology of the Heavenly Kingdom of God

          تلك هي العناصر مجتمعة التي تكوّن في مفهومها أسس الأرثوذكسية العاملة التي تسعى إلى الآخرين والتي ترتكز على دعائم الرؤيا الثاقبة التي تنفذ إلى أعماق الغيرية المقدسة السليمة حيث الإيمان القويم، والحق الأسمى، والغيرية التبشيرية، والاستنارة الروحية التي تغرس نبتاتها النابضة في الأراضى الحالكة الظلام، تلك التي تخيم عليها الظلمة من كل جوانبها، والتي تتخبط في دياجير الوثنية وصنوف الإلحاد، لكي ما تورق ببراعمها اليانعة تلك الأزاهير السمائية التي تطل بتيجانها المتفتحة على عالم الخلود بغيرياته الأبدية.

 

Selected Bibliography

Apprey, Maurice. Intersubjectivity, Projective Identification and Otherness. Pittsburg: Duquesne University Press, c 1993.

Balslev, Anindita Niyogi. Cultural Otherness: Correspondence with Richard Rorty. Atlanta: Scholars Press, 1999.

Bartra, Roger. Wild Men in the Looking Glass: the Mythic Origins of European Otherness, translated by Carl T. Berrisford. Ann Arbor: University of Michigan Press, 1994.

Birnbaum, Daniel. The Hospitality of Presence: Problems of Otherness in Hussert’s Phenomenology. Stockholm: Almqvist and Wicksell International, 1998.

Bhattacharya, Sutapas. The Oneness and Otherness Mystery: the Synthesis of Science and Mysticism. Delhi: Motilal Banarsidass Publishers, 1999.

Clark, Charles E. Uprooting Otherness: the Literacy Campaign in NEP-Era Russia. Selinsgrove, PA: Susquehanna University Press; London: Associated University Presses, c2000.

Colloque Canada-Bulgaria. Université Laval. Perception de l’altérité de Diversité des Cultures = Perception of Otherness and Diversity of Cultures. Montréal: Editions Montmorency, 1993.

Contested Countryside Cultures: Otherness, Marginalization, and Reality, edited by Paul Cloke  and Jo Little, London; New York: Routledge, 1997.

Cultural Encounters: Representing Otherness edited by Elizabeth Hallam and Brian V. Street. London; New York: Routledge, c2000.

Cultures Otherness and Beyond, edited by Chanda Gupta and D.P. Chattopadhyaya. Leiden: Brill Press, 1998.

The Eight Technologies of Otherness, author-edited Sue Golding. London; New York: Routledge, 1997.

Floyd, Wayne W. Theology and Dialectics of Otherness: On Reading Bonhoeffer and Adorno. Lanham, MD.: University Press of America. C1988.

Friedman, Maurice S. The Confirmation of Otherness in Family, Community, and Society. New York: Pilgrim Press, c1983.

Gunn, Giles. The Interpretation of Otherness: Literature, Religion and the American Imagination. New York: Oxford University Press, 1979.

Jervis, John. Transgressing the Modern: Explorations in the Western Experience of Otherness. Oxford: Malden, Mass.: Blackwell Publishers, 1999.

Mooren, Thomas. On the Border: the Otherness of God and the Multiplicity of the Religions: the Intercultural Dialogue from an Anthropological Perspective as an Inquiry into the Theology of Religions. Frankfurt am Main; New York: P. Lang, 1994.

Nature: Literature and its Otherness OR La Littérature et son Autre, edited by Svend Erik Larsen, Morten Nojgaard Annelise Ballegarrrd Petersen, Odense, Denmark: Odense University Press, c1997.

New Exoticisms: Changing Patterns in the Construction of Otherness, edited by Isabel Santaolalla. Amsterdam: Rodopl, 2000.

Nieto, José. Religious Experience and Mysticism: Otherness as Experience of Transcendence. Lanham, MD.: University Press of America, 1997.

The Otherness of God, edited by Orrin F. Summerell, Charlottesville: University Press of Virginia, 1998.

Shanin, Teodor. The Roots of Otherness: Russia’s Turn of Century. New Heaven: Yale University Press, 1985.

Volf Miroslav. Exclusion and Embrace: a Theological Exploration of Identity, Otherness and Reconciliation. Nashville, TN: Abingdon Press. C1996.

Wentz, Richard. The Contemplation of Otherness: the Critical Vision of Religion. Macon: Mercer, c1984.

Wilson, Charles A. Feuerbach and the Search for Otherness. New York: P. Lang, c1989.

1 الغيرية: تعنى إيثار حب الغيّر على النفس، وهى عكس الأنانية وحب الذات (انظر المُنجد فى اللغة والأعلام دار المشرق بيروت 1998).

 

[2] الإبصلمودية المقدسة السنوي ص 17ـ18.

[3] الخولاجي المقدس، طبعة جمعية المحبة سنة 1967، ص539ـ540.

[4] القسمة السريانية ص537.

[5] الخولاجي المقدس، طبعة جمعية المحبة سنة 1967 ص 268 ـ 269.

[6] The Desert Fathers, translated by Helen Waddell. New York: Vintage Spiritual Classic, 1998, p. 59.

[7] The Desert Fathers, op. eit., p. 95.

[8] De Incarntione Verbi Dei, St. Vladimir’s Orthodox Theological Seminary, 1982. p. 30.

الغيرية في مفهومها اللاهوتي – د. فائق متى إسحق

رسائل القديس أنطونيوس – سامح فاروق حنين

رسائل القديس أنطونيوس – سامح فاروق حنين

رسائل القديس أنطونيوس – سامح فاروق حنين

رسائل القديس أنطونيوس – سامح فاروق حنين

رسائل القديس أنطونيوس [1]

سامح فاروق حنين[2]

1 ـ سيرة القديس أنطونيوس

إن ظهور الحياة الرهبانية في مصر يُعد من أهم أحداث كنيسة الإسكندرية خاصة والكنيسة الجامعة عامة, ويعتبره بعض الباحثين ” أعظم هبات مصر للعالم”[3]. وإن لم يكن القديس أنطونيوس هو أول الرهبان ولا أول النساك, إذ سبقه إلى هذه السيرة القديس بولا الطيبى, الذي يشير إليه القديس أنطونيوس نفسه كمرشده إلى الحياة النسكية, إلاَّ أن أنطونيوس يُعتبر أب الرهبان ومؤسس الحياة الرهبانية[4].

ولا يُعتبر القديس أنطونيوس أشهر قديسي مصر فقط, بل وأيضًا واحد من أهم الشخصيات التي ساهمت في تطوير الرهبنة ونشرها في العالم أجمع. وحتى أثناء حياته كان يُعتبر أب كل الرهبان وأهم وجهة للزائرين سواء من داخل القطر المصري أو من خارجه. ولكن شهرته وأهميته للحياة الرهبانية يعودان في المقام الأول إلى كتاب سيرة “حياة وتدبير أبينا القديس أنطونيوس”:

«Βίος καὶ πολιτεία τοῦ ὁσίου πατρὸς ἡμῶν Ἀντωνίου»[5].

التي كتبها القديس أثناسيوس الرسولي في شكل رسالة وأرسلها إلى الرهبان الذين في خارج مصر بعد سنوات قليلة من نياحة القديس أنطونيوس[6], إذ أنهم كانوا يبدون اهتمامًا صالحًا نحو الرهبان الذين يعيشون في مصر.

هذا العمل كتبه القديس أثناسيوس بناءً على رغبة هؤلاء الرهبان, ليس فقط لكي يظهر الاحترام اللائق بالقديس أنطونيوس, بل و أيضاً لكي يقدّم لهم سيرة القديس أنطونيوس كنموذج: “لأن حياة القديس أنطونيوس بالنسبة للرهبان تُعتبر نموذجُا يُحتذى في النسك”.

«œsti g¦r monaco‹j ƒkanÕj carakt¾r prÕj ¥skhsin Ð ‘Antwn…ou b…oj»[7].

وهذه السيرة لا تتضمن فقط حياة القديس أنطونيوس, بل أيضًا بداية ظهور الرهبنة. ورغم أنه لا يمكن تحديد زمن معين لكتابة هذه السيرة, إلا أن الدراسات الحديثة تضعها بين عامي 356 و362م[8].  

وعن مكانة سيرة القديس أنطونيوس في مجال كتابة سير القديسين يقول أستاذ الدراسات البيزنطيةHerbert Hunger هيربرت هونجر “إن سيرة القديس أنطونيوس لأثناسيوس الرسولي تُعتبر النموذج الأول من نوعه”[9], و يقول عنها كذلك الأستاذMarshall مارشال: “إن سيرة القديس أنطونيوس التي كتبها القديس أثناسيوس تعد عملاً كلاسيكيًا دينيًا, الذي قرأه كل من الشرق وكذاك الغرب الأوربي في ترجمة لاتينية. هذه الفلسفة المسيحية (يقصد بالفلسفة هنا سيرة القديس أنطونيوس) دفعت الكثيرين إلى التوجه إلى وادي النيل والصحارى, ونشرت الرهبنة في الولايات الغربية للإمبراطورية البيزنطية. إن حياة القديس أنطونيوس للقديس أثناسيوس تُعد النموذج الأول الذي اتبعه كُتاب سير القديسين اليونانيون بعد ذلك”[10].

وباستثناء عمل القديس أثناسيوس هذا فثمة مصادر أخرى تحمل أخبارًا عن حياة القديس أنطونيوس, نذكر منها على سبيل المثال: سيرة القديس بولا الطيبى وسيرة القديس هيلاريون اللتان دونهما القديس ﭽيروم, التاريخ اللوزاكى لبلاديوس أسقف هيلينوبوليس, تاريخ رهبان مصر المكتوب أواخر القرن الرابع الميلادي وكذلك التاريخ الكنسي للمؤرخ اللاتيني روفينوس[11].

وبالنسبة إلى عبارة القديس أثناسيوس عن أنطونيوس الكبير أنه ” لم يكن متعلمًا”:

“gr£mmata mn maqe‹n oÙk ºnšsceto”[12]

­­ يعلّق المؤرخ الانجليزى E. Gibbon قائلاً “إن التأكيد على أمية أنطونيوس التامة قد قبلها كل من الكُتّاب القدامى والمحدثين, إلا أن تيلمونت Tillemont[13] يرجح أن القديس أنطونيوس كان يستطيع القراءة والكتابة باللغة القبطية, لغته الأم[14], وأنه كان يجهل فقط اللغة اليونانية”[15]. ويتفق معه في الرأي الأستاذ Gerard Garitte جيرار جاريت الذي يرى أن أنطونيوس لم يكن أميًا, وذلك ضد تقليد طالما تثبّت[16]. وحتى جهل أنطونيوس باللغة اليونانية لم يمنعه من تبنى الحجج الدامغة ضد الأريوسية أي الدفاع عن عقيدة التجسد بنفس منهج وطريقة القديس أثناسيوس. فسيرته التي كتبها القديس أثناسيوس تظهر رجلاً ذا عقل راجح, وحكمة إلهية, ونعمة ولطف[17], قادراً على مناقشة أمور عصره المختلفة, الفلسفية واللاهوتية والعقائدية[18], حتى ولو كان غير متعلّم. وكان إذا سأله أحد المتعلّمين عن ذلك يجيبه متسائلاً “ماذا تقول في العقل والآداب, أيهما أولاً, وأيهما سبب الآخر؟”, هل العقل سبب الآداب أم الآداب سبب العقل؟”. وكان إذا أجابه محدثه بأن العقل هو الأول, وأنه هو مبتدع الآداب, كان أنطونيوس يجيب: “إذن من لديه عقل راجح ليس في حاجة إلى الآداب”[19]. ويقول القديس أثناسيوس فى ذلك: “إن أنطونيوس وإن كان قد نال شهرةً فذلك ليس لأجل كتاباته, ولا لأجل حكمة عالمية, ولا لأجل فنه, بل لأجل طاعته لله”[20].

 

2 ـ رسائل القديس أنطونيوس:

إن مجموعة كبيرة من الكتابات المعروفة بنسبتها إلى القديس أنطونيوس نُشرت مرات عديدة منذ القرنين السادس عشر والسابع عشر, ولكن الغريب أن هذه الكتابات لم تجذب تقريبًا الانتباه إليها, والسبب في ذلك هو أن جزءً كبيرًا منها موجود فقط باللغة العربية, أو مُترجم إلى اللاتينية عن العربية, على حين أنه تُنسب إلى القديس أنطونيوس سبعة رسائل, محفوظة في مخطوطة من الدير الأبيض بسوهاج, ولها عدة نسخ باليونانية واللاتينية والجيورجية والسريانية, بالإضافة إلى ذلك توجد أقوال لأنطونيوس وتعاليمه في بستان الرهبان[21].

إن صحة وأصالة هذه الرسائل السبعة لم تصبح يومًا مثار اتفاق الجميع, والسبب في ذلك هو المخطوطات التي تضعنا في هذه المشكلة. فمن النسخة القبطية تبقت فقط شذرات, ومن السريانية الرسالة الأولى, والترجمة اللاتينية, التي قام بها Valerius de Sarasio، بها كثير من الغموض, وكذلك اليونانية بها الكثير من النقص. وأكمل نسختين هما العربية والجيورجية[22].

والمصادر التي تتحدث عن سيرة القديس أنطونيوس تشير إلى هذه الرسائل التي كتبها القديس إلى جهات كثيرة, منها رسالة إلى قسطنطين الكبير وأولاده, وأخرى إلى الأسقف الأريوسي غريغوريوس الكبادوكى, وثالثة إلى أديرة القديس باخوميوس, ورابعة إلى فلاكيوس أحد موظفي الإمبراطور وأحد مؤيدي بدعة أريوس[23] وأخيرة إلى القديس أثناسيوس الرسولي[24].

وقد نشر Valerius de Sarasio في “الباترولوجيا جريكا” مجلد 40 رسائل القديس أنطونيوس السبعة في ترجمة لاتينية على أساس النص اليوناني, وعنوانيها كالتالي:

إلى أخوتي

Epistula I, ad fraters suos

إلى رهبان أرسينوى  

Epistula II, ad Arsinoitas

إلى رهبان الأسقيط

Epistula III, Scitis

إلى المنعم عليهم المُكرّمين

Epistula IV, Charissimis et honorabilibus

إلى أبنائي الأعزاء الإسرائيليين

Epistula V, Delictissimis natis, filiis Israelitis[25]

غير مشار إلى من كُتبت

Epistula VI

إلى جميع أخوتنا الأعزاء

Epistula VII, Omnibus delictissimis fratribus[26]

 

وثمة رسالة أخرى تُنسب إلى القديس أنطونيوس موجهة إلى ثيؤدوروس رئيس رهبان طابينيسا, وقد حُفظت هذه الرسالة ضمن كتابات القديس أمونيوس, مؤداها هو أن الله يظهر رحمة لعابدي يسوع الحقيقيين حتى وإن سقطوا, طالما أنهم يتوبون عن خطاياهم بصدق[27].

نُشرت فى الباترولوجيا جريكا مجلد 40، عشرون رسالة تُنسب إلى القديس أنطونيوس, نُشرت جميعها باللاتينية وبعض هذه الرسائل يُشتبه في صحة نسبتها إلى القديس أنطونيوس[28]، وقد تُرجمت هذه الرسائل إلى العربية عن الإنجليزية ونشرها مركز دراسات الآباء بالقاهرة على جزأين[29].  

 

3ـ أدلة من عدة مصادر على صحة نسب الرسائل للقديس انطونيوس

إن صحة نسب هذه الرسائل وأصالتها إلى القديس أنطونيوس ـ مثل غيرها من كتابات الكُتّاب المسيحيين القدامى ـ قد فحصها الكثيرون من المهتمين بالدراسات الآبائية في القرن الأخير. فالبعض يراها نظرية جدًا لأن يكتبها واحد مثل أنطونيوس, وآخرون يعتبرونها أصيلة جدًا ويستخدمونها كمصادر لحياة وأعمال القديس أنطونيوس[30]. ولكن على أساس عدة مصادر أخرى نستطيع أن نبرهن على أن رسائل القديس أنطونيوس أصيلة, وأن المعلومات التي تشير في سيرة القديس أنطونيوس إلى أنه لم يتلق أي نوع من التعليم يتيح له كتابة مثل هذه الرسائل, ليست ذات قيمة.

والأدلة على أن القديس أنطونيوس قد كتب بالفعل هذه الرسائل نجدها في عدة مصادر قديمة نذكر منها:

1ـ ”عن مشاهير الرجال” De Viris Illustribus

في كتابه المؤرخ له بعام 392م, يشير القديس ﭽيروم إلى أن ” الراهب أنطونيوس, الذي دون سيرته أثناسيوس أسقف مدينة الإسكندرية, في كتاب ضخم, قد أرسل إلى عدة أديرة في مصر سبعة رسائل مكتوبة باللغة المصرية (القبطية), وقد تُرجمت إلى اللغة اليونانية”:

«Antonius monachus, cujus vitam Athanasius, Alexamdrinae urbis episcopus, insigni volumine prosecutus est, misit Aegyptiace ad diversa monasteria apostolici sensus sermonisque epistolas septem, quae in Graeciam linguam translatae sunt »[31].

ويُعتبر القديس ﭽيروم هو الكاتب الوحيد الذي أشار حرفيًا إلى هذه الرسائل, على أساس أنه كانت له علاقات حميمة مع رهبان مصر الشيء الذي يرجح أنه استقى منهم هذه المعلومات مباشرةً[32]، أو كما يشير كواستنQuasten، يبدو أنه قد قرأها ليس بالطبع في لغتها التي كُتبت بها أو أملاها فيها القديس أنطونيوس, بل باللغة اليونانية[33].

2ـ ” حياة أنطونيوس ” Vita Antonii

يقول القديس أثناسيوس عن أنطونيوس: “إن شهرته قد وصلت إلى الملوك أيضًا, لأن الأوغسطس قسطنطين وأولاده الأوغسطس قسطنطيوس والأوغسطس قنسطانس عندما علموا بأخباره كتبوا إليه كأب, وكانوا يتمنّون لو تصلهم رسائل منه[34], أما هو فكان لا يريد أن يقبل هذه الخطابات منهم, قائلاً إنه لا يعرف بماذا يرد على مثل هذه الرسائل. ولكن عندما حثه الرهبان على ذلك قائلين إن الملوك مسيحيون، سمح بأن تقرأ الرسائل عليه, ورد عليها”[35].

3ـ تاريخ الأريوسيين لأثناسيوس الرسولىHistoria Arianorum Athanasii :

” ذات مرة كتب الأنبا أنطونيوس من الجبل هكذا….[36].

أما فيما يتعلق بزمن كتابة هذه الرسائل فانه يُؤرخ لها بعامي 340 و 350م[37], ولم يكتبها هو بنفسه بل أملاها على آخرين باللغة المصرية[38].

 

4 ـ تعليم القديس انطونيوس من خلال رسائله

أحد الباحثين القلائل الذين اهتموا بدراسة رسائل القديس أانطونيوس الكبير هو د.صموئيل روبنسون أستاذ التاريخ بجامعة لوند بالسويد, الذي قام بتحليل الرسائل ودراسة نسخها المختلفة وخلص إلى أن:

1 ـ الرسائل كتبت باللغة القبطية, وبهذا ’يعد أنطونيوس أول كاتب قبطي.

2 ـ أصالة الرسائل وصحة نسبها إلى القديس أنطونيوس قد اعترف بها الكثيرون, وهذا كافٍ لدحض الرأي القائل بأن أنطونيوس, الراهب المصري, كانت تنقصه الثقافة.

3 ـ محتوى الرسائل يوضح أن أنطونيوس كان حقًا عارفًا بالأفلاطونية, ومتأثرًا بتقاليد مدرسة الأسكندرية وعلى رأسه كليمندس وأوريجينوس[39].

وطبقا لدراسة د. روبنسون فإن محتوى رسائل القديس أنطونيوس هو كالتالي:

الرسالة الأولى تختلف عن باقي الرسائل السبعة, فهي ليست رسالة تقليدية بل يمكن أن نطلق عليها ” مقدمة في الحياة الرهبانية”. فيها يركز القديس أنطونيوس على نقاوة العقل والنفس والجسد, ويقدم توجيهات دقيقة إلى الرهبان المبتدئين[40]. وما نجده في هذه الرسالة يعد حقًا مقالاً منظمًا عن التوبة والنقاوة. فبعد وصف الطريقة التي بها يدعو الله الناس إلى التوبة يصف القديس أنطونيوس عمل روح التوبة في الإنسان, وكيفية التأثير على عقل الإنسان ونفسه وجسده. هذا التعليم يخص التوبة العملية لكل عضو من أعضاء الجسد. وليس ثمة إشارة فى هذه الرسالة إلى تاريخ الخلاص, ولا إلى إلوهية المسيح ولا إلى الأخرويات.

قبل تحليل نقاوة كل عضو من أعضاء الجسد الذي يُعد الموضوع الرئيسي للرسالة, يقدّم القديس أنطونيوس رأيه بخصوص “حركات الجسد” مقسمًا إياها إلى ثلاثة أنواع:

1 ـ حركات طبيعية, وهى التي تتحكم فيها النفس, وهى غير ضارة في ذاتها.

2 ـ حركات تنتج عن الطمع والشراهة.

3 ـ وحركات تنتج عن الشرور والأرواح الشريرة[41].

ثمة تقارب شديد بين تعليم أنطونيوس هذا وما ورد في كتاب “عن المبادئ ” لأوريجينوس III.2.2-3, حيث يؤكد الأخير أن الشياطين ليست دائما هي المسئولة عن جميع الأوجاع والشهوات.

في الجزء الأخير من الرسالة يعلّم أنطونيوس كيف أن الإنسان يستطيع أن يطّهر أعضاء جسده, مبتدئًا من العين, ثم اللسان, فالبطن, فالأعضاء التناسلية, ثم أخيرًا الرجلين.

أما الرسائل من7:2 نجد أنه تربطهم معًا نفس البنية ونفس النصوص والاقتباسات. والتفسير الوحيد المقنع لذلك هو أن جميعها كتبها نفس الكاتب في نفس الزمن لنفس الغرض إلى نفس الأشخاص.

الموضوع الرئيسي لهذه الرسائل من 7:2 ما عدا الرسالة الرابعة هو ” تاريخ الخلاص” وحاجة الإنسان الماسة إلى المعرفة. والإرشادات الدقيقة إلى النسك والطهارة التي في الرسالة الأولى لا نجدها في الرسائل الستة الأخيرة. بعد التحية[42] يصف القديس أنطونيوس “تاريخ الخلاص” كتاريخ محاولات الله المستمرة لرعاية الإنسان. فالله أرسل موسى النبي بالناموس المكتوب ومن خلاله أسس “بيت الحق” أي الكنيسة. ولكن لا موسى ولا من جاء بعده من الأنبياء استطاعوا أن يتمّموا الخلاص. وإرسال الابن, طبقا لرأى القديس أنطونيوس, هو نتيجة عدم مقدرة كل هؤلاء على شفاء جُرح البشرية.

في الجزء الأول من “تاريخ الخلاص” هذا نجد أن نص الرسائل تقريبًا واحد, وكل الرسائل تحتوى على نفس العبارات. وإن كانت الفكرة العامة للرسائل الستة الأخيرة متطابقة فإن ثمة اختلافات في شكل الرسالة.

في الرسالة الثالثة يشير القديس أنطونيوس إلى معرفة النفس كطريق يؤدى إلى معرفة الله، وبالتالي إلى معرفة تدابيره في الخليقة. ويعبّر أنطونيوس عن فرحه بالرهبان الذين أعدوا أنفسهم للخلاص بمجيء يسوع, وكذلك عن عميق حزنه على الرهبان الذين يتاجرون باسم يسوع, هؤلاء الذين خارت قواهم فركلوا ميراثهم ومضوا. 

الرسالة الرابعة تختلف كثيرًا عن الأخريات, حيث لا توجد أي إشارة إلى “تاريخ الخلاص”, بل تُعد مقالاً مختصرًا عن الفرق بين العبودية والتبني.

في الرسالة الخامسة ـ بعد الإشارة إلى افتقاد الله لخلائقه بواسطة خلاص المسيح ـ يحث أنطونيوس أبنائه على تقديم أنفسهم ذبيحة لله في كل قداسة, وعلى الجهاد والسهر لكي ما ينعشوا القديسين ويعطوا بهجة للملائكة وفرحًا ليسوع المسيح.

الرسالة السادسة بها جزء صغير عن الشياطين وحيلهم لإهلاك البشر, الشيء الذي لا نجده في بقية الرسائل. ولكن نفس العبارات المستخدمة في الرسائل الأخيرة والاقتباسات الكتابية نجدها هناك.

في الرسالة السابعة يحث أنطونيوس على إعداد النفس لملاقاة الخالق في قداسة, لأجل أن ابنه المحبوب قد مات لأجلنا أجمعين. أما عن الحرية فيقول أنطونيوس إن أول ما يحتاج إليه الإنسان العاقل هو أن يعرف أولا نفسه ثم يعرف أمور الله وهباته السخية, ثم أن يعرف أن كل خطية إنما هي غريبة عن طبيعة جوهره العقلي (الروحي). هذه الرسالة هي الوحيدة التي يشير فيها القديس أنطونيوس إلى الاضطرابات التي أحدثتها بدعة أريوس, و هذا يعد دليلا على أن القديس أنطونيوس قد كتب إلى جماعات رهبانية مختلفة يحثهم على الثبات فى مواجهة بدعة آريوس[43].

هذا وقد حلّل د.جيرارد جاريت[44] ما تحت يديه من تفاصيل, وكذلك النسخ المختلفة لرسائل القديس أنطونيوس, ولحياته التي كتبها أثناسيوس, ولأقوال الآباء, وكذلك للمعلومات التي تحويها برديات من القرن الرابع الميلادي عن الحياة اليومية في صعيد مصر, وكذلك أيضًا المعلومات الهامة التي تحويها النصوص الغنوسية, وأثبّت أن رسائل القديس أنطونيوس في نسختها الجيورجية ليست فقط أصلية بل وأيضا تُظهر لنا صورة شخصٍ مثقفٍ, على اتفاق تام مع اللاهوت الأسكندري في عصره[45].

وتعليقًا على عبارة القديس أنطونيوس: “الله واحد, والجوهر الروحاني واحد أيضًا”[46]

” Sed quoniam Deus unus exsistit,

et secundum sensualem essentiam in idipsum est unitas”

والتي تلخص المفهوم الأفلاطوني عن الله كأصل جميع الأشياء, يقول د. روبنسون إنها ترتبط في رسائل القديس أنطونيوس مع تعاليم الكتاب المقدس بخصوص فكرة “الخلق من العدم”Creatio ex nihilo[47]. فأنطونيوس يعترف بوضوح أن كل الأشياء وُجدت من العدم, فالشمس, والقمر, والنجوم, والسماوات, والرجال والنساء, جميعها صدرت عن أصل واحد[48].

وكأفلاطون و أوريجينيس كذلك أيضا أنطونيوس يرفض أي فكرة عن الإثنَيْنية Δυϊσμός فيما يتعلّق بفكرة أصل وطبيعة الخليقة. وحتى بالنسبة إلى المخلوقات الشريرة (الشياطين) فليس ثمة مصدرٌ آخر للوجود سوى الله. فالإنسان والملائكة والشياطين الذين خُلقوا ملائكة ثم سقطوا وصاروا شياطينًا، هذه المخلوقات كلها من مصدر واحد في جوهرها الروحى[49].

وعند أنطونيوس نجد أن أصل الشر هو الحرية التي وهبها الله لكل المخلوقات الروحية. في هذا نجده يتفق مع أوريجينوس الذي يرى أن لا شيء خُلق من البدء حسنًا أو شريرًا[50]. وحتى وإن لم يقدم أنطونيوس شرحًا وافيًا لآرائه فيما يخص نتائج السقوط الأول, وخلق العالم المادي, فإن التقارب الشديد بينه وبين أوريجينوس يمكن أن يُرى كخلفية لأفكاره. فطبقًا لرأى أنطونيوس عن العالم, نجد أن الإنسان لا يوجد وحده مع الله, بل يشاركه الوجود كل من الملائكة والشياطين. فهذه الخلفية لتعاليم أنطونيوس هي تعاليم أوريجينوس بخصوص الشياطين مع تأثره بالتقاليد اليهودية – المسيحية. فكل من أوريجينوس وأنطونيوس يرى أن الشياطين كمخلوقات روحية خلقها الله ككل الطبيعة العاقلة, وتتشارك في نفس الجوهر الروحي. وفى السقوط الأول أى السقوط الذى سبق سقوط الإنسان, فإن الأرواح التي ظلت مُطيعة لله هم الملائكة, والأخرى التي تمردت عليه صارت شياطينًا[51].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أود أن أشكر السادة الأجلاء أعضاء مؤسسة القديس أنطونيوس للدراسات الآبائية لتفضلهم بنشر هذا المقال، و بما أنه أول بحث ينشر لى فإنى أهديه إلى الأستاذ ستاڤروس يؤانيس كوروسيس أستاذ الأدب البيزنطى بكلية الفلسفة – جامعة أثينا(اليونان) بصفته المشرف على رسالة الماجستير خاصتي و التى يعتبر هذا المقال جزءًا منها.

 Τῷ ἀγαπητῷ μου Κυρίῳ Σταύρῳ Ἰώαννῃ Κουρούσῃ.

[2] الأستاذ سامح فاروق، هو مدرس مساعد بقسم الدراسات اليونانية واللاتينية بآداب القاهرة.

[3] N. H. Baynes – L. B. Moss, Βυζάντιο: Εἰσαγωγή στό Βυζαντινό Πολιτισμό, Ἑλληνική μετάφραση, Ἀθήναι 2001, P. 38

[4] Θρησκευτικὴ καὶ Ἠθικὴ Ἐγκυκλοπαίδεια, Τομ. 2, Λήμμα ὑπὸ Ἀθαν. Κ, Ἀρβανίτη, Ἀθήναι 1965, σσ. 965-975.

[5] Athanasii Vita Antonii, MPG 26, Προοίμιον.

[6]Samuel Rubenson, The Arabic version of the letters of St. Antony, OCA 226, Roma 1986, P. 19.

[7] Vita Antonii, MPG 26, C. 837, line 19.

[8] Nicene and Post- Nicene Fathers, 2nd Ser. Vol. 4, P. 556.

[9] H. Hunger, Βυζαντινὴ Λογοτεχνία, Ἡ λόγια κοσμικὴ γραμματεῖα τῶν Βυζαντινῶν, τόμ. Β΄, σ. 22 (Ἑλληνιστί).

[10] N. H. Baynes – L. B. Moss, Βυζάντιο: (Ἡ Βυζαντινή Φιλολογία) P. 318.

[11] Nicene and Post- Nicene Fathers, 2nd Ser. Vol. 4, P. 556.

[12] Vita Antonii, PG 26, C. 841.

[13] L.S. Le Nain De Tillemont, Mémoires pour servir à l’Histoire Ecclésiastique des six premiers Siècles, Vol. VII. Paris, 1693-1712, P. 666.

[14] القديس أنطونيوس كان يتكلم اللغة القبطية, و كل الكتابات التي حُفظت له مترجمة ٌ عن القبطية, ويسميها أثناسيوس أيضًا اللغة المصرية قائلاً هكذا: ” ذات يوم جاء القديس أنطونيوس, و جاء إليه جميع الرهبان ليسمعوا منه كلمة, فقال لهم باللغة المصرية هكذا…”

«Mi´ goàn ¹mšrv proelqën, kaˆ p£ntwn tîn monacîn ™lqÒntwn prÕj aÙtÕn, ¢xioÚntwn te par’ aÙtoà ¢koàsai lÒgon, œlegen aÙto‹j tÍ A„guptiakÍ fwnÍ taàta».

Vide Vita Antonii, PG 26, C. 841, line 5.

[15] Ε. Gibbon, The History of the decline and fall of the Roman Empire, vol. 3, Pp. 589, 599.

[16] G. Garitte, Lettres de saint Antoine. Version Georgienne et fragments Copte, CSCO 148-149, Louvain 1955. vid. U. Zanetti, Du nouveau sur S. Antoine et ses Lettres, AnBoll 108 (1990) P. 278.

[17] Vita Antonii, NPNF, 2nd Ser. Vol. 72f, P. 607.

[18] NPNF. 2nd Ser. Vol. 4. Pp. 562, 563.

[19] Vita Antonii, NPNF, 2nd Ser. Vol. 72f, P. 607.

[20] Op. cit. 93f, P. 618.

[21] تراث الأدب القبطي, القس شنودة ماهر و د. يوحنا نسيم, مؤسسة القديس مرقس لدراسات التاريخ القبطي, القاهرة 2003, ص 180, 181. والرسائل السبعة هذه هي الكتابات الوحيدة لأنطونيوس التي’تعتبر أصلية وانظر كذلك:

Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, Origenist Theology, Monastic Tradition and the Making of a Saint, Lund University Press, 1990, P. 20.

[22] V.Poggi, Recensiones: Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, OCP 57 (1991) Pp. 247-248.

[23] J. Quasten, Patrology, vol. 3, Christian Classics, Inc., Westminster, Maryland, 1992, P. 150.

[24] ΘΗΕ, Τομ. 2, Λήμμα ὑπὸ Ἀθαν. Κ, Ἀρβανίτη, σσ. 965-975.

[25] كثيرا ما يطلق القديس أنطونيوس على الذين يراسلهم ” أولاد إسرائيل” أو” رجال إسرائيل القديسين” وذلك لأنهم يتبعون كلمات الرب التي قالها لإبراهيم exi de terra et de cognatione tua ” ” أي ” اخرج من أرضك ومن عشيرتك” (تك1:12), وذلك لأن المراسل إليهم كانوا من الرهبان. Vid. J. Quasten, Patrology, vol. 3, P. 151.

[26] Patris Antonii Epistolae VII, ex Graeco Latine redditae, interprete Valerio de Sarasio. PG 40, Epis. II, Ad Arsinoitas, C. 981.

[27] Ex epistola Ammonis Episcopi, PG 40, CC. 1065-1066.

[28] وهذه الرسائل العشرون التي تُنسب للقديس أنطونيوس لم يكتبها هو نفسه ولم يملها, بل جزء منها كتبه أحد تلاميذه وهو القديس أمونيوس, والجزء الآخر كاتبه مجهول.

  1. Quasten, Patrology, vol. 3, P.151 انظر: Μέγας Ἀντώνιος, Βίος καὶ Πολιτεία ὑπὸ Μ. Ἀθανασίου Πατριάρχου Ἀλεξανδρείας, 6η εκ. Ἐκδόσεις Β. Ῥηγοπούλου, Θεσσαλονίκη 1971, σ. 13. انظر أيضًا Antonii Magni Monachorum omnium Parentis Epistolae viginti, PG 40, CC. 999- 1066.

[29] المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية, رسائل القديس أنطونيوس الجزءان معا (1-19) القاهرة 2004.

[30] Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, Origenist Theology, Monastic Tradition and the Making of a Saint, Lund University Press, 1990, P. 35.

[31] Ηieronymi, De Viris Illustribus, Μigne PL 23, Cap. 88, C.731.

[32] Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 36.

[33] J. Quasten, Patrology, vol.3, P. 151.

[34] Vita Antonii, PG 26: 835-976b, C. 959, line 14ff.

[35] Idem, P. 956, line 26f.

[36]Historia Arianorum Athanasii, ed. H.G. Opitz, vol.2.1. Berlin: De Gruyter, 1940, ch.14, sec.1, line 1f.

[37] V. Poggi, Recensiones: Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, OCP 57 (1991) Pp. 247-248.

[38] Ὁ Μέγας Ἀντώνιος, Βίος καὶ Πολιτεία, σ. 13.

[39] V. Poggi, The letters, OCP 57 (1991) Pp. 247-248. καὶ βλ. Samuel Rubenson, Origen in the Egyptian monastic tradition of the fourth century, Origeniana Septima, Leuven University press, 1999, Pp. 321, 323.

[40] Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 51.

[41] Ep. Ant. I.35-41. PG 40.

[42] رسائل القديس أنطونيوس من 2-7 تنقسم, بعد التحية, إلى قسمين, الأول مختصر عن تاريخ الخلاص, والثاني مجموعة من الإرشادات. من هذه الوجهة تتشابه رسائل القديس أنطونيوس مع رسائل القديس بولس الرسول وخاصة رسائله إلى رومية وأفسس والعبرانيين Vid. Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 55.

[43] J. Quasten, Patrology, vol.3, P. 151.

[44] G. Garitte, Lettres de saint Antoine. Version Georgienne et fragments Copte, CSCO 148-149, Louvain 1955.

[45] U. Zanetti, Du nouveau sur S. Antoine et ses Lettres, AnBoll 108 (1990) P. 278.

[46] PG 40, Ep. Ant. III, I, c. 997.

[47] De Principiis, I.1.6. و قارن كذلك Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 64.

[48] PG 40, Ep. Ant. V, IV, c. 996.

[49] Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 51.

[50] Idem, P. 67. n. 3, καὶ βλ. De Principiis I.5.3.

[51] De Principiis II.9.2-6.

رسائل القديس أنطونيوس – سامح فاروق حنين

ألقاب المسيح ”المعلّم” في البشائر الأربعة وملاحظات على الترجمة العربية للكتاب المقدس

ألقاب المسيح ”المعلّم” في البشائر الأربعة

διδάσκαλος ἐπιστάτης καθηγητής وملاحظات على الترجمة العربية للكتاب المقدس

ألقاب المسيح ”المعلّم” في البشائر الأربعة διδάσκαλος ἐπιστάτης καθηγητής وملاحظات على الترجمة العربية للكتاب المقدس

ألقاب المسيح ”المعلّم” في البشائر الأربعة διδάσκαλος ἐπιστάτης καθηγητής وملاحظات على الترجمة العربية للكتاب المقدس

سامح فاروق حنين [1]

 

لقد نالت شهرة المسيح كمعلّم الإحترام والتقدير من الجميع حتى أطلقوا عليه كلمة “رابي” ῥαββί أو “ربوني” ῥαββουνί [2] و ῥαββούνι وذلك من تلاميذه (مر9: 5، 11: 21، يو1: 49)، ومن سامعيه (مر12: 14، يو3: 2)، بل ومن أعدائه (لو10: 25، 11: 45، 19: 39، 20: 28). وقد تقبّل المسيح هذا اللقب باعتباره معبِّراً عن موقعه منهم كالمعلم وهم التلاميذ (يو3: 13، لو6: 40، مت10: 24, 25).

وإن كانت الكلمة الأرامية “رابي” أو “ربوني” تقابل في اللغة العربية كلمة “معلّم” إلا أنه عند تدوين الكتاب المقدس باللغة اليونانية استخدم البشيرون الأربعة مفردات مختلفة لهاتين الكلمتين، حيث وردت في البشائر الأربعة بالكلمة اليونانية الشائعة والأكثر استخدامًا وهى διδάσκαλος (ديداسكالوس)، على حين تفرّد القديس لوقا عن بقية الإنجيليين باستخدام كلمة ἐπιστάτης (إبيستاتيس) والقديس متى بكلمة καθηγητής (كاثيغيتيس). والسبب في عدم وضوح الفرق بين الألقاب الثلاثة يرجع إلى الترجمة العربية للكتاب المقدس، التي، لأسباب غير معروفة أو لأغراض خفية، لم تفرق بين المعاني المختلفة لكلمة “معلّم”.

 

1. الترجمة العربية للكتاب المقدس

في يناير1847م قرّرت لجنة المرسلين الأمريكية ببيروت القيام بترجمة الكتاب المقدس كله من اللغتين العبرية واليونانية، وطلبت من الدكتور القس عالي سميث المرسل الأمريكي أن يكرّسَ وقته لهذا العمل الجليل. فشرع الدكتور عالي سميث في العمل بمعاونة المعلم بطرس البستاني والشيخ نصيف اليازجي اللبناني. وكان المعلّم بطرس البستاني ضليعًا في اللغتين العربية والعبرية، كما كان الشيخ نصيف اليازجي نحويًا قديرًا.

وفي يناير1857م تنيح الدكتور القس سميث، وكان قد أتم ترجمة أسفار موسى الخمسة والعهد الجديد وأجزاء متفرقة من كتب الأنبياء، فواصل العملَ بعده الدكتور كرنيليوس فان دايك، وكان طبيبًا وعالمًا في اللغات (كان يتقن عشر لغات، خمسًا قديمة وخمسًا حديثة) وكان وقتئذ في التاسعة والعشرين من العمر، فراجع كلَ ما ترجمة الدكتور سميث والمعلّم بطرس البستاني مراجعة دقيقة، يعاونه في ضبط الترجمة الشيخ يوسف الأسير الأزهري.

وقد فرغ من ترجمة العهد الجديد في مارس 1860م، ومن ترجمة العهد القديم في 22 أغسطس 1864م وتم طبعها جميعها في 29 مارس 1865م. وقد تمت ترجمة العهد الجديد والعهد القديم عن أدق النصوص اليونانية والعبرية وقد أصدرت دار الكتاب المقدس بالقاهرة نسخة منقحة منها ومعنونة للأناجيل الثلاثة الأول كل منها على حدة في 1986م[3].

 

2. المسيح ”المعلّم” διδάσκαλος

كانت خدمة الرب يسوع المسيح، في أثناء حياته على الأرض، هي خدمة التعليم، سواء للجموع التي احتشدت حوله، أو لتلاميذه، سواء في مجامع اليهود أو الأماكن العامة، أو على مسامع القادة الدينيين (لو5: 17). وكان تأثيرُ يسوع بالغاً على سامعيه حتى بهتوا من تعليمه، “لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة” (مت7 :29، انظر أيضًا لو4 :32). وقد أكد الرب يسوع أنه يتكلّم بما علّمه الآب (يو8 :28)، وأن تعليمه ليس له بل من الآب (يو7 : 16 و17). وكان كثيرًا ما يتكلّم بأمثال (مر4 : 2).

والكلمة اليونانية الأكثرُ استخدامًا في كتب العهد الجديد هى διδάσκαλος (وردت 58 مرة) حيث كانت ُتطلق على كل من يمارس مهنة التعليم. والكلمة مشتقة من الفعل اليوناني διδάσκω الذي يعنى “يعلّم”. وكانت ُتطلق أيضا، في النصوص اليونانية القديمة، على الشعراء المسرحيين باعتبار أنهم كانوا يلّقنون كلَ ممثل دورَه الذي يقوم به[4]. وكان لقب معلّم، في العهد الجديد، ُيطلق على كل من وضعَ عليه الربُ مسئولية التعليم في الكنيسة كما يشهد بذلك سفر الأعمال عن المعلّمين الذين كانوا في مدينة أنطاكية (أع1:13). ويذكر الرسول بولس مرارًا أن الرب جعله ” كارزًا ورسولاً … معلمًا للأمم في الإيمان والحق ” (1تي2: 7، 2تي1: 11)، كما يبيّن هدفه من الكرازة بالمسيح بالقول: “منذرين كل إنسان ومعلمين كل إنسان بكل حكمة، لكي نحضر كل إنسان كاملاً في المسيح يسوع” (كو1: 28).

 

3. المسيح ”المعلّم” ἐπιστάτης

وردت في انجيل القديس لوقا فقط كلمة ἐπιστάτης وقد ُترجمت إلى اللغة العربية بكلمة “معلّم”. وُيعتبر القديس لوقا هو الوحيد الذي استخدم هذه الكلمة حيث وردت في إنجيله 7 مرات في المواضع التالية:

1ـ (لو5:5) “فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ لَهُ: يَا مُعَلِّمُἐπιστάτα [5] قَدْ تَعِبْنَا الَّليْلَ كُلَّهُ وَلَمْ نَأْخُذْ شَيْئاً. وَلكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَة”َ.

2ـ (لو8: 24) “فَتَقَدَّمُوا وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ: يَا مُعَلِّمُ ἐπιστάτα، يَا مُعَلِّمُ ἐπιστάτα[6]، إِنَّنَا نَهْلِكُ! فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ وَتَمَوُّجَ الْمَاءِ، فَانْتَهَيَا وَصَارَ هُدُوٌّ”.

3ـ (لو8: 45) “فَقَالَ يَسُوعُ: مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي! وَإِذْ كَانَ الْجَمِيعُ يُنْكِرُونَ، قَالَ بُطْرُسُ وَالَّذِينَ مَعَهُ: يَا مُعَلِّمُ ἐπιστάτα، الْجُمُوعُ يُضَيِّقُونَ عَلَيْكَ وَيَزْحَمُونَكَ، وَتَقُولُ مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي!”.

4ـ (لو9: 49) “فَأَجَابَ يُوحَنَّا وَقَالَ: يَا مُعَلِّمُ ἐπιστάτα، رَأَيْنَا وَاحِداً يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ بِاسْمِكَ فَمَنَعْنَاهُ، لأَنَّهُ لَيْسَ يَتْبَعُ مَعَنَا”.

5ـ (لو17: 13) “وَرَفَعُوا صَوْتاً قَائِلِينَ: يَا يَسُوعُ يَا مُعَلِّمُ ἐπιστάτα، ارْحَمْنَا”.

والكلمة اليونانية “إبيستاتيس”، كما أشرنا، ُترجمت إلى اللغة العربية في نسخة بيروت بكلمة “معلّم”. ولمعرفة المعنى الدقيق للكلمة “إبيستاتيس” يجدر مراجعتها في النصوص اليونانية القديمة على مر العصور.

طبقـًا لمعجم Liddell & Scott الكلمة مشتقة من الفعل اليوناني ἐφίσταμαι أو ἐφίστημι بمعنى يقف على (الأمور) بمعنى يشرف أو يراعى، وإذا وردت في النصوص الحربية فإنها تعنى مَـنْ ينظّم صفوف المقاتلين، أو راكب عربة سباق الخيل، وأحيانـًا ترد بمعنى قائد أو رئيس أو مدرّب. وكانت تستخدم قديمًا في مدينة أثينا كلقب ُيطلق على رئيسي مجلس الشعب ومجلس الشورى، ووردت أيضا بمعنى مراقب، ناظر، مباشر، ملاحظ أو مشرف على الأشغال العامة[7]. والفارق بينها وبين كلمة διδάσκαλος هو أن:

Did£skaloj lÒgwn kaˆ ¢retÁj, ™pist£thj d œrgwn[8].

“المعلم (ديداسكالوس) هو معلم الكلام والذفضيلة، أما (إبيستاتيس) فهو معلم الأشغال”.

و(إبيستاتيس) كانت ُتطلق أيضـًا على القائد أو الدليل أو المرشد:

Mag…ster: Did£skale, ™pist£ta. Lšgetai d kaˆ ÐdhgÒj[9].

طبقـًا لمعجم سوفوكليس للغة اليونانية في الفترة من 146 ق. م. حتى 1100 م. كانت الكلمة ἐπιστάτης ُتستخدم للإشارة إلى رئيس الدير (الربيتة)، وفي المجال الحربي كانت تعنى ثاني رجل في رتبة الجنود[10]. أى أن الكلمة عندما كانت ُتستخدم في النصوص اليونانية القديمة كان ُيقصد بها شخصٌ ذو مكانة اجتماعية عالية كسيد أو مولى[11]، وخاصة في أعمال الإشراف والإرشاد. أما في اللغة اليونانية الحديثة فمعنى الكلمة ἐπιστάτης لم يتغير كثيرًا، وتعنى من يقف على شئ أو من يهتم بـ[12]. ويتضّح من استخدام القديس لوقا لهذه الكلمة أن:

1ـ الكلمة وردت في حالة المنادى فقط.

2ـ الكلمة وردت على لسان التلاميذ فقط، أى من الدائرة الضيّقة جدًا المحيطة بالمسيح التي كانت تتخذه معلمـًا ومرشدًا.

والثابت تاريخيًا هو أن المسيح والتلاميذ كانوا يتكلّمون اللغة الأرامية (السريانية أو السريانية الفلسطينية)[13] والتي كانت هى واللغة اليونانية[14] لغتي الحديث اليومي[15] في فلسطين خلال القرن الأول الميلادي[16]، سحابة الجيل الأول الرسولى وما سبقته من أجيال اليهودية حتى المئة الخامسة قبل المسيح[17]. ولكن لأن القديس لوقا البشير، كان يوجه حديثه وإنجيله إلى الأمم رأى أنه من الأنسب أن يستخدم كلمة أخرى غير كلمة “رابى” أو “رابان” التي ربما لا تكون مفهومة جيدًا عند الأمم فاستخدم لذلك كلمة “إبيستاتيس”[18].

وهناك رأى أخر يرى أن القديس لوقا البشير لحسه اللغوي المرهف وامتلاكه ناصية اللغة اليونانية كأحد أبناءها، عند تدوينه إنجيله باللغة اليونانية رأى أن مخاطبة التلاميذ للمسيح لابد أن تختلف عن مخاطبة الجموع له ولذا استخدم هذه الكلمة ἐπιστάτης لتعطى مدلولاً أكثر من مدلول كلمة “معلّم” قاصدًا بذلك أن يخلع على شخص المسيح ُبعدًا آخر وهو أن المسيح، وإن كان عند الجموع بمختلف مستوياتها (جنود، رؤساء الشعب، كتبة، فريسيين الخ) بمثابة مجرد معلم، إلا أنه بالنسبة للتلاميذ فهو معلّمٌ ومرشدٌ وقائدٌ ومشرفٌ. ولذا رأى لوقا أن يجمع كل هذه المعاني في كلمة واحدة وهى ἐπιστάτης. فالتلاميذ كانوا ينصتون جيدًا لكلام المسيح المعلّم، وباستعداد القلب كانوا يطيعون أوامرَه كمرشد[19].

وثمة رأى آخر يرى أن كون القديس لوقا هو الوحيد دون البشيرين الذي خصّ المسيح بهذا اللقب إلاّ أن الأمر لم يمنع من إطلاق لقب معلّم διδάσκαλος على المسيح حيث وردت كلمة διδάσκαλος في إنجيل القديس لوقا سبعة عشر مرة، ستة عشر مرة منها على لسان الجموع، ومرّة واحدة على لسان التلاميذ. في المرة الواحدة التي خاطب فيها التلاميذ ُالمسيحَ مستخدمين كلمة διδάσκαλος كانت عندما سألوه عن علامات انقضاء العالم وخراب أورشليم (متى3:24)، والسبب هو أن التلاميذ هنا في موقف َمنْ يحتاج إلى أن َيعلم أو يتعلّم شيئًا عن نهاية العالم، ففي هذه الحالة المسيح معلم.

وثمة استثناء آخر في إنجيل لوقا وهو استخدامه لكلمة ἐπιστάτης على ألسنة أناس خارج دائرة التلاميذ وذلك في حادثة شفاء العشرة رجال البرص (لو13:17، 14)، حيث يروى القديس لوقا قائلا “وَفِيمَا هُوَ دَاخِلٌ إِلَى قَرْيَةٍ اسْتَقْبَلَهُ عَشَرَةُ رِجَالٍ بُرْصٍ، فَوَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ وَرَفَعُوا صَوْتاً قَائِلِينَ: يَا يَسُوعُ يَا مُعَلِّمُ ἐπιστάτα، ارْحَمْنَا”. فكل الذين يطلبون معونة من يسوع يجب أن يؤمنوا به سيدًا ومعلّمًا. أما لمن يطلبون الخلاص فيسوع مخلّصٌ وفادٍ[20] ولأن الموقف هنا ليس موقف تعليم بل تضرع وطلب معونة (شفاء) من مرض كان يقتضى العزل أو الإقصاء عن المجتمع ويجعل كلَ من ُيصاب به لا يقترب من الأصحاء (لا 46:13). وقد اعتبر الآباءُ البرص رمزًا للهرطقة أكثر منه رمزًا للخطايا الأدبية ولذا فالمسيح هنا مرشد إلى الشفاء.

 

4. المسيح ”المعلّم” καθηγητής

الكلمة مشتقة من الفعل اليوناني καθηγέομαι وتعنى “أقود إلى” أو “أهدى أو أرشد إلى”. وقد وردت ثلاث مرات فقط في العهد الجديد وذلك في إنجيل القديس متى “وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ [21]καθηγηταί لأَنَّ καθηγητήςمُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ” (مت10:23). وطبقـًا لمعجم Liddell & Scott[22] ترد الكلمة في النصوص اليونانية القديمة بمعنى “قائد ومرشد”، وُتستخدم الآن بمعنى “أستاذ في المؤسسات التعليمية العليا: جامعة أو معهد عالي”. والكلمة لا تعنى فقط التعليم الذي يقومُ على التلقين ويتناسب وسنَ الصغار بل على مستوى عالٍ من القيادة والإرشاد. ولأن المسيح يغار على مجده، وله وحده القيادةُ والإرشاد في الكنيسة، وهو وحده معلّمُ الصلاح والكلمة والنور والحق الذي ينير كل حيّ، فقد نهى المسيح تلاميذه عن أن يكونوا قادةً باعتبار أنه هو الوحيد المخلّص والفادي الذي يتكلّم بروحه في قلوب الجميع[23].

فالرب يسوع المسيح القائم من الأموات ” أعطى البعضَ أن يكونوا رسلاً والبعضَ أنبياءَ والبعضَ مبشرين والبعضَ رعاةً ومعلّمين لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة لبنيان جسد المسيح” أي الكنيسة (أف4: 11، 12).

والله، حسب قول بولس الرسول، هو الذي وضع المعلّمين في الكنيسة ” أولاً رسلاً، ثانيًا أنبياءَ، ثالثـًا معلمين” (1كو28:12)، (أف11:4)، والمسيحُ يسوعُ أرسلَ، أثناء خدمته على الأرض، تلاميذَه ليعلموا الشعبَ (مر6: 30)، وبعد قيامته من الأموات، أمرهم أن يذهبوا ويتلمذوا جميعَ الأمم ويعلّموهم أن يحفظوا جميعَ ما أوصاهم به (مت 28: 19، 20)، وبعد يوم الخمسين، بدأ الرسلُ في تعليم الشعب والكرازة لهم بقيامة يسوع من الأموات (أع 4: 2).

وقد أمرَ رؤساءُ اليهود الرسولين بطرسَ ويوحنا ” ألا يعلما باسم يسوع ” (أع 4: 18)، ولكنهما واصلا كرازتهما حتى في الهيكل نفسه (أع 5: 21 و24 و25). ورغم التهديد الشديد، واصل الرسلُ كرازتهم “في الهيكل وفي البيوت معلمين ومبشرين بيسوع المسيح (أع 5: 42) حتى ملأوا أورشليم بتعليمهم (أع 5: 28).

فمن كل هذه النصوص الكتابية يتضح أن المسيحَ أرسلَ هو نفسُه الرسلَ كمعلّمين إلى كل المسكونة، ونهيه لهم كان عن التباهى بالألقاب وعن أن يكونوا قادةً بمعنى القيادة بما يحيط بها من مظاهرِ التباهِ والغطرسة والاستبداد.

فكل من ُيدعى ُمعلمًا أو قائدًا أو مرشدًا عن غير أهلية يسلبُ المسيحَ كرامتَه كالمعلم والقائد والمرشد الأوحد إلى طريق الخلاص: ” فدعاهم يسوعُ وقال أنتم تعلمون أن رؤساءَ الأممِ يسودونهم والعظماءَ يتسلطون عليهم ” (مت20 :25). فكلماتُ الرب هنا يمكن أن ُتفهم على النحو التالي: ” ولا ُتدعوا معلمين (لا َتدعوا أنفسكم قادةً أو مرشدين) لأن قائدَكم ومرشدَكم بتعاليمه إلى طريق الخلاص واحدٌ وهو (أنا) المسيح “[24]، ” الذي إن تبعتموه فلن تضلوا أبدًا “[25].

ويلاحظ القديس يوحنا ذهبي الفم أن المسيح يقدم لتلاميذه مثلاً ُيحتذى في التواضع حيث لم يُشر إلى ذاته قالاً :” لأن معلمكم واحد وهو أنا “[26]، فإن كان هذا هو حال الرب من التواضع وإنكار الذات فهل يمكن لأحد، حتى وإن كان تلميذًا، أن يدعو نفسه قائدًا أو مرشدًا؟

 

[1] مدرس مساعد بقسم الدراسات اليونانية واللاتينية بآداب القاهرة.

* أود أن أتقدم بجزيل الشكر لجناب الأب المكرّم الأرشمندريت يوحنا غسالى ممثل وكاهن الكنيسة السريانية بالعاصمة اليونانية أثينا لتفضّله بمراجعة النصوص اليونانية على النصوص السريانية من الترجمة المسماه “البشيطة” أو”فشيطتا” التي هي الفولجاتا السريانية. و”البشيطة” كلمة سريانية في صيغة المؤنث، معناها “البسيطة” أي “سهلة الفهم”. ويبدو أنه قد ُسميت كذلك لترك البلاغة في نقلها وتمييزًا لها عن الترجمات الأخرى المعقدة. وعلى أي حال، لا نجد هذا الاسم في أي كتابات سريانية قبل القرنين التاسع والعاشر. انظر: دائرة المعارف الكتابية، الترجمات السريانية. وقد ُأحصيتْ خمسٌ وخمسون نسخة سريانية من الترجمة “البشيطة” مكتوبة في القرن الخامس والسادس والسابع، مقابل 22 نسخة لاتينية و10 نسخ يونانية. انظر في ذلك:

  1. H. Mar Ignatius Yacoub III, The Syrian Orthodox Church of Antioch, Damascus 1980, p. 14.

2 وهي كلمة أرامية بمعنى “سيد أو معلم”، كان يستخدمها العبيدُ اليهودُ في مخاطبة سادتهم، واستخدمها اليهود أيضا في مخاطبة عظمائهم ومعلميهم المؤهلين -أكاديميـًا- بدراسة كتب العهد القديم والتلمود للقيام بدور المرشدين الروحيين أوالمعلمين الدينيين في المجتمع اليهودي احترامًا وتعظيمًا لشأنهم. وقد ُاستخدمت مرّةً ليوحنا المعمدان، واثنتي عشرة مرة للرب يسوع. وقد ُترجمت في مواضع كثيرة بكلمة “سيدي” (مت 23: 7، 26: 25 و49، مر9: 5، 10: 51، 11: 21، 14: 45) وُترجمت في إنجيل يوحنا بكلمة “معلِّم” (يو1: 49، 3: 26، 4: 31، 6: 25، 9: 2، 11: 8). كما ُذكرت مرةً بلفظها الأرامي “ربِّي الذي تفسيره يا معلِّم”( يو1: 38). وفي مطلع القرن الثاني الميلادي أصبح لقب “ربى” ُيطلق على الحكماء والفلاسفة أى مفسري الشريعة اليهودية (الناموس)، وظهر شكلٌ أخرُ للكلمة وهو “ربونى” “الذي تفسيره يا معلِّم” (يو20: 16)، على حين أن رؤساء مجمع السينهدريم كان ُيطلق عليهم لقبُ “رابان” بمعنى “سيدنا”، راجع :

Encyclopedia Britannica, 15th ed., The University of Chicago 1989, vol. 9, p. 871.

3 انظر: دائرة المعارف الكتابية، الترجمة العربية.

[4] Liddell and Scott’s Greek–English Lexicon, Oxford 1980, p. 169.

5 في النص السرياني (الأرامى) من الترجمة المسماه “البشيطة” ترد كلمة “رابى”، والتي ُترجمت إلى اليونانية بكلمة “ابيستاتيس”. 

6 في الأعداد من 2ـ5 ترد في النص السرياني (الأرامى) من الترجمة المسماه “البشيطة” كلمة “رابان”، والتي ُترجمت إلى اليونانية بكلمة “إبيستاتيس”.

[7] Liddell and Scott’s Greek–English Lexicon, p. 261.

[8] Ecloga Nominum et Verborum Atticorum, ed. F. Ritschl, Thomae Magistri sive Theoduli monachi ecloga vocum Atticarum. Halle: Orphantropheus, 1832, p. 97, 7.

[9] Etymologicum Magnum, ed. T. d Gaisford, Oxford: Oxfor University Press, 1848, p. 572, 51-52.

[10] Sophocles, Greek Lexicon of the Roman and Byzantine Period (From B. C. 146 – A. D. 1100), Cambridge 1914, σ. 511.

[11] Oxford Classical Dictionary, Oxford, Clarendon Press, 2nd ed. 1970, p. 400.

[12] Γ. Μπαμπινιώτης, Λεξικὸ τῆς Νέας Ἑλληνικῆς Γλώσσας, Ἀθήνα 1998, σ. 661.

[13] اللغة الأرامية هى ذاتها اللغة السريانية، إحدى اللغات السامية، وهي أقرب ما تكون للعبرية والفينيقية، ولكنها تنفرد ببعض الخواص، كما أنها مازالت حية في لهجات مختلفة. وكانت اللغة الأرامية هى لغة الآراميين منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد الذين استقروا فى بلاد أرام دمشق وأرام ما بين النهرين ولكنها انتشرت شمالاً وغرباً، وأصبحت اللغة الرئيسية في أقطار كثيرة واسعة. وبعد الرجوع من سبي بابل فى القرن الخامس ق.م. حلت الأرامية محل اللغة العبرية كلغة حديث يومى لليهود في منطقة فلسطين، حتى أن اليهود كانوا يعرفون الأرامية أكثر من معرفتم للغتهم العبرية الرسمية أى لغة المجمع. انظر:

  1. H. Mar Ignatius Zakka I Iwas, The Syrian Orthodox Church of Antioch at a glance, Studia Syriaca, Aleppo 1983, pp. 12-14.

[14] يقول الأستاذ غ. باترونوس إنه في منطقتى بيت صيدا والجليل، أى بالقرب من مدينة الناصرة حيث كان يقطن المسيح، كانت هناك ما أسماه “حركة ثقافة شبيبية” لتـَعـَُلم اللغة اليونانية التي كانت منتشرة في منطقة فلسطين والتي، بعد فتوحات الاسكندر الأكبر، انتشرت شرقـَا وغربـًا، وأصبحت لغة الثقافة والعلم والتجارة في العالم القديم. من هذه “الشبيبة” تكونت النواه الأساسية لتلاميذ يوحنا المعمدان ثم من بعده تلاميذ المسيح الاثنى عشر انظر:

 Γ. Πατρώνου, Ἑλληνισμὸς καὶ Χριστιανισμός, Ἀθήνα 2003, σ. 19

[15] ناقش كثيرٌ من الباحثين احتمال أن يكون المسيح، كابن حضارة عصره، يعرف ويتكلّم اللغة اليونانية ولكن من الصعب قبول فكرة استخدامها في الحديث اليومىمع تلاميذه. فيسوع علّم في منطقة “العشر مدن” وهى منطقة يونانية وكذلك في منطقتى صور وصيدا وهما منطقتان يونانيتان وكذلك في منطقة الجليل التي كان يقطنها أمم يتكلّمون اليونانية. أما الأدلة على أن المسيح كان يعرفاللغة اليونانية هو أن اقتباساته الواردة في إنجيل متى من كتب العهد القديم مأخوذة من الترجمة السبعينية على حين أن اقتباسات القديس متى نفسه من كتب العهد القديم مأخوذة من الكتب العبرية. وليس بالأمر الهين أن نقول متى كان المسيح يتكلم اليونانية ومتى الآرامية، الأمر الذي كان يتوقف أولا وأخيرًا على الجموع التي كانت تستمع إليه، راجع:

International Standard Bible Encyclopaedia, AGES Software Albany, USA Version 1.0 © 1996, vol. 7, pp. 44, 45; O. E. Alana, “Jewish–Hellenistic Magical Influence on Some of Jesus Healing Techniques: An Appraisal”, Bulletin of Biblical Studies 19, (2000), pp. 90-102.

[16] Gabriel M. Sawma, A Study in the Aramaic Language of Jesus, Kolo Suryoyo 136, (2002), p. 85

[17] H. H. Mar Ignatius Yacoub III, The Syrian Orthodox Church of Antioch, p. 5.

[18] Π. Ν. Τρεμπέλα, Ὑπόμνημα εἰς τὸ κατὰ Λουκᾶν Εὐαγγέλιον, Ἀθήνα 1952, σ. 175.

[19] Clarke’s Commentary NT, Vol. 5a Matthew–Luke, AGES Software, Albany, OR USA Version 2.0 © 1996, 1997, p. 760.

[20] Π. Ν. Τρεμπέλα, Ὑπόμνημα εἰς τὸ κατὰ Λουκᾶν Εὐαγγέλιον, σ. 496.

 21 في النص السرياني (الأرامى) من الترجمة المسماه “البشيطة” ترد كلمة “مدبرونو” = “مدبرون” والتي ُترجمت إلى اليونانية “كاثيغيتيس”. 

[22]Liddell and Scott’s Greek–English Lexicon, p. 339.

[23] Clarke’s Commentary NT, Vol. 5a Matthew–Luke, p. 425.

[24] Π. Ν. Τρεμπέλα, Ὑπόμνημα εἰς τὸ κατὰ Ματθαῖον Εὐαγγέλιον, Ἀθήνα 1951, σ. 422.

[25] Charles H. Spurgeon, A Popular Exposition to the Gospel According to Matthew, AGES Software, Albany, OR USA Version 2.0 © 1996, 1997, pp. 401, 402.

[26] In Matthaeum (Homiliae 1-90), MPG 58:670, 39.

ألقاب المسيح ”المعلّم” في البشائر الأربعة

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1 – د. جوزيف موريس فلتس

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1 – د. جوزيف موريس فلتس

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1 – د. جوزيف موريس فلتس

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1

والرد على القائلين بإن الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة وعلى أقوال أخرى

د. جوزيف موريس فلتس

من التراث العربي المسيحي للأقباط

I ـ لمحة تاريخية عن الرسالة:

    كتب القديس أثناسيوس الرسولي هذه الرسالة حوالي سنة 371/372م إلى أبكتيتوس أسقف كورنثوس، ردًا على مذكرات كان قد أرسلها إليه تتضمن تساؤلات أثيرت في إيبارشيته من بعض أتباع الفكر الآريوسي الذين تأثروا بأفكار أبوليناريوس وأيضًا من كانوا يعتقدون بمبدأ الخياليين Δοκηταί أو الدوستيين، من جهة حقيقة التجسد وعلاقة الجسد الذي إتخذه الإبن، بلاهوت الكلمة الأزلي.

    شَرَحَ القديس أثناسيوس في هذه الرسالة الهامة تعاليم الكنيسة وإيمانها السليم فيما يخص علاقة لاهوت المسيح بناسوته وبالتالي البعد الخلاصي المبنى على هذه العلاقة.

    ولذلك كان لهذه الرسالة أهمية كبيرة في الصراع الخريستولوجي الذي كان يشغل الكنيسة في القرنين الرابع والخامس، فنجد مثلاً أن القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص (315ـ403) قد أستعان بهذه الرسالة في الرد على بدعة أبوليناريوس التي أنكرت أن المسيح أتخذ جسدًا مثل جسدنا ذو نفس عاقلة، وفي كتابه المشهور الرَّد على الهراطقة” استشهد أيضًا بما جاء في هذه الرسالة.

    ونظرًا لأن كاتب هذه الرسالة هو البابا أثناسيوس الرسولي وحامي الإيمان الذي دافع عن إلوهية الابن المتجسد وصارت كتاباته مصدرًا أمينًا للتعاليم اللاهوتية وقد أقرتها الكنيسة، فقد حاول إتباع الهرطقة النسطورية في القرن الخامس تزييف نص هذه الرسالة مستغلين اسم ومكانة كاتبها، كي ينشروا أفكارهم المضللّة.

غير أن البابا كيرلس عمود الدين الذي كان دائمًا ما يستعين بكتابات البابا أثناسيوس في كتاباته وتعاليمه[1]، كشف زيفهم هذا في رسالة كتبها إلى يوحنا الأنطاكي قائلاً: “علمنا أن البعض قد نشروا نصًا مشوهًا لرسالة أبينا المجيد جدًا أثناسيوس إلى المبارك أبكتيتوس، وهي رسالة أرثوذكسية، حتى أن الكثير أصابهم الضرر (بسبب هذا التشويه)، ولهذا السبب رأيت أنه من النافع والضروري للأخوة أن أرسل لقداستكم نسخًا منها منقولة من النسخة القديمة الموجودة عندنا والتي هي نسخة أصيلة[2]”.

 

النص الأصلي والترجمات:

    النص الأصلي لهذه الرسالة كُتب باليونانية، لغة الآباء الشرقيون في القرون الأولى. غير أنه تمّ نشر ترجمات لهذه الرسالة بلغات أخرى منها اللاتينية، الأرمنية والسريانية والإنجليزية والعربية[3].

II ـ الرسالة إلى أبكتيتوس في التراث العربي المسيحي للأقباط:

    أهتم الأقباط بكتابات ق. أثناسيوس فترجموها من اليونانية إلى القبطية والعربية[4].

    من أهم المخطوطات المعروفة في التراث العربي المسيحي للأقباط هو مخطوط يرجع تاريخ تدوينه إلى القرن الحادي عشر ويحمل أسم “اعتراف الآباء”، وهو لمؤلف مجهول الاسم، وأهمية هذا المخطوط تكمن في أن كاتبه قد حاول أن يجمع فيه نخبة من نصوص من كتابات الآباء والكتاب الكنسيون منذ العصر الرسولي وحتى القرن الحادي عشر زمن حبرية البابا خرستوذولوس (1047م ـ1077م) تمّت ترجمتها من اليونانية والقبطية إلى العربية.

بلغت النصوص المترجمة التي جاءت في هذا المخطوط 234 نصًا لعدد 66 من هؤلاء الآباء والمعلّمين والكتاّب الكنسّيين. الجدير بالذكر أن للقديس أثناسيوس 17 نصًا عبارة عن فقرات منتقاه من كتاباته الدفاعية والعقائدية. أما الأمر الملفت للإنتباه فهو أن من بين هذه النصوص الـ 17، توجد ترجمة كاملة للرسالة التي نحن بصدد دراستها هنا، ويعتبر نص هذه الرسالة هو النص الوحيد، من بين كل نصوص المخطوط، الذي تم ترجمته بالكامل.

    هذا الأمر يبين مستوى الوعي اللاهوتي لجامع هذه النصوص ومدى إدراكه لأهمية محتوى هذه الرسالة وما فيها من تعاليم خرستولوجية وخلاصية علّم بها ق. أثناسيوس بابا الأسكندرية العشرون، وتمسّك بها ودافع عنها من بعده ق. كيرلس البابا الرابع والعشرون.

    وتتضح الصورة أكثر لو علمنا أن الهدف العام للمخطوط هو بيان ما تعترف به كنيسة الأسكندرية المتمثل في عنوان المخطوط “إعتراف الآباء” من عقائد خلاصية مثل عقيدة التجسد والفداء والثالوث، وخصوصًا عقيدة طبيعة المسيح وما أثير حولها من أفكار في القرنين الرابع والخامس الميلادي.

 

ملاحظات عامة حول الرسالة[5]:

    * تبدو من الرسالة ملامح شخصية أبكتيتوس أسقف كورنثوس وصفاته وحُسن تصرّفه في هذا الموقف، الأمر الذي صار مصدرًا لإعجاب ق. أثناسيوس الذي كتب له قائلاً ” أني تعجبت لمعاناة واحتمال تقواكم، وأن قدسكم لم يوقف هؤلاء الذين يقولون هذه الأشياء، بل شرحت لهم الإيمان المستقيم حتى إذا سمعوا يهدأون، أما إذا قاوموا فإنهم يُعتبرون هراطقة” (فقرة3).

    * يتضح من المذكّرات التي أرسلها أبكتيتوس إلى ق. اثناسيوس أن صبره وطول أناته وتمسّكه بإيمان الكنيسة ومحبته للسلام والتصالح، كل هذا قد أثمر، لذا نجد أن ق. أثناسيوس  يشاركه فرحه لِما إنتهت إليه الأمور فيكتب إليه قائلاً ” شكرًا للرّب إنه بقدر حزننا عند قراءة مذكراتكم، بقدر ما فرحنا بما أنتهت إليه هذه المذكرات، لأنهم مضوا بعد اتفاق وتصالح على الإعتراف بالإيمان الأرثوذكسي الحسن العبادة” (فقرة12).

    * ” كان أثناسيوس معيار الأرثوذكسية الحيّ “[6]، لهذا كانت شهادته للإيمان هي شهادة تسبب فرحًا لكل نفس لها هذا الإيمان عينه. فنجده يختم رسالته قائلاً “هذا في الواقع ما دفعنا أيضًا أن أكتب هذه الكلمات القليلة بعد أن أمعنت الفكر كثيرًا أولاً، خوفًا من أن يسبب صمتي ألمًا بدلاً من الفرح لأولئك الذين سببوا لنا فرحًا باتفاقهم معًا” (فقرة12).

    * معيار الحُكم لدى ق. أثناسيوس، على الأقوال التي رددها البعض والتي جاءت في المذكرات التي أرسلها الأسقف أبكتيتوس إليه، كان الآتي:

    + ” يكفي أن أقول مجيبًا على مثل هذه الأقوال بما يلي: يكفي أن هذا ليس تعليم الكنيسة الجامعة، ولا أعتقد الآباء بهذه الأمور” (فقرة 3).

    + “بعد إطلاعي على المذكرات التي كتبتها قدسك…أقول مَنْ سمع بمثل هذه الأمور قط؟ مَنْ هو الذي علّم هذا أو تعلّمه؟

    + إن ما يقولونه لا يوجد منه شيء في الكتب الإلهية. (فقرة4).

    + “هم يقولون….  أما الآباء الذين اجتمعوا في نيقية فقد قالوا….  فإما أن تنكروا إذن المجمع المنعقد في نيقية وكهراطقة يجلبون تعليمًا بالإضافة إلى ما قرره المجمع.

     وإما إن أردتم أن تكونوا أبناء الآباء فلا تعتقدوا بغير ما كتبه هؤلاء الآباء.

    * بعد أن قرأ ق. أثناسيوس مذكرات أبكتيتوس، لخص في بداية رسالته الأفكار التي علّم بها هؤلاء المنحرفون، ثم بدأ في الرد عليها إستنادًا على تعاليم الكنيسة الجامعة وتقليدها الحي والكتب الإلهية، فقد نادوا بأن:

    1ـ الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة؟

    2ـ إن الكلمة قد تحوّل إلى لحم وعظام وشعر وكل الجسد وتغيّر عن طبيعته الخاصة.

    3ـ إن الربَّ لبس جسدًا خياليًا وليس طبيعيًا.

    4ـ إن اللاهوت ذاته الذي من نفس جوهر الآب قد صار ناقصًا خارجًا من كامل، والذي سُمرّ على خشبة لم يكن هو الجسد بل هو جوهر الكلمة الخالق ذاته.

    5ـ إن الكلمة حوّل لنفسه جسدًا قابلاً للألم وهذا الجسد ليس من مريم بل من جوهره الذاتي.

    6ـ الجسد ليس أحدث (زمنيًا) من لاهوت الكلمة بل هو مساوٍ له في الأزلية وهو معه على الدوام حيث إنه قد تكوّن من جوهر الحكمة.

    7ـ يشكّون كيف أن الربَّ المولود من مريم بينما هو ابن الله بالجوهر والطبيعة، فإنه من نسل داود من جهة الجسد ومن جسد القديسة مريم.

    8ـ إن المسيح المتألم بالجسد والمصلوب ليس هو الربَّ والمخلّص والإله وإبن الآب.

    9ـ إن الكلمة قد حلّ على إنسان قديس كما كان يحل على أي واحد من الأنبياء، ولم يَصْر هو نفسه (الكلمة) إنسانًا بإتخاذه الجسد من مريم.

    10ـ إن المسيح هو شخص وأن كلمة الله الموجود قبل مريم وهو ابن الآب من قبل الدهور، هو شخص آخر.

    وبخبرته اللاهوتية والروحية يدرك القديس أثناسيوس أبعاد هذه الأفكار ويصفها بأنها ” رغم تباينها لكنها تحوي فكرًا واحدًا يهدف بفاعليته نحو عدم التقوى” (فقرة3) ويذهب في وصف ما قالوه بأنها ” أقوال غريبة من كل ناحية عن التعليم الرسولي… ومن الواضح أنها شريرة” (فقرة3).

    ويُرجع أفكارهم الخاطئة هذه إلى تعاليم الآريوسيين الذين قالوا أن الإبن مخلوق (فقرة4) وإلى تعاليم ماني الذي أنكر أن جسد المسيح هو جسد حقيقي بل خيالي. (فقرة7) بل وأنهم ذهبوا بأفكارهم ” بعيد إلى كفر آخر أشر من تعاليم الآريوسيين (فقرة4) وأخيرًا انهم ” إنحرفواإلى الكفر أكثر من كل هرطقة” (فقرة4).

 

III ـ تعاليم ق. أثناسيوس الخريستولوجية:

    بعد أن أجمل ق. أثناسيوس كل الأفكار الخاطئة التي جاءت بالمذكرات التي أرسلها له الأسقف أبكتيتوس، أخذ يفند بإسهاب، كل هذه التعاليم المنحرفة كالآتي.

    1ـ ففي رده على القائلين بإن الجسد واحد في الجوهر مع لاهوت الكلمة كتب يقول: ” إن الابن نفسه وليس الجسد ـ هو من نفس جوهر الآب” وإن الآباء في مجمع نيقية قد اعترفوا بحسب الكتب بإنه “بينما الابن هو من جوهر الآب إلاّ أن الجسد هو من مريم” ويحلل

ق. أثناسيوس النتائج الخطيرة التي تؤدي إليها مثل هذه الآراء الخاطئة والتي تصل إلى أفكار ألوهية الآب نفسه، الأمر الذي لم يذهب إليه الآريوسيين أنفسهم رغم أفكارهم عن إلوهية الإبن فيقول ” فإنه لو كان الكلمة من نفس جوهر الجسد الذي هو من طبيعة أرضية، في حين أن الكلمة هو من نفس جوهر الآب، بحسب إعتراف الآباء، فإن الآب نفسه أيضًا يكون من نفس جوهر الجسد الصائر من الأرض، فلماذا يكرمون الآريوسيين الذين يقولون إن الإبن مخلوق. وأنتم أنفسكم تزعمون أيضًا أن الآب من نفس جوهر المخلوقات” (فقرة4).

    إن تعاليمهم هذه تؤدي إلى أن طبيعة الكلمة تتحوّل إلى طبيعة الجسد المخلوق وهذا يعني “تغيير الكلمة ذاته” وهنا نجد أن القديس أثناسيوس يواجه هذه الأفكار الخاطئة بتقديم منهج لاهوتي خلاصي، أي بإيضاح خطورة مثل هذه التعاليم على إيماننا بخصوص ما أتمه الكلمة من أجلنا ومن أجل خلاصنا، عندما إتخذ جسدًا من الروح القدس ومريم العذراء وسكن بيننا، فيقول ” لأنه لو كان الكلمة من نفس جوهر الجسد، فإن ذكر مريم وضرورتها يكونان أمرين لا لزوم لهما، إذ إنه كان من المستطاع أن يكون موجودًا أزليًا قبل مريم…

كما أن الكلمة ذاته أزلي أيضًا. فلو كان الكلمة حقًا من نفس جوهر الجسد حسبما تقولون، فأية حاجة كانت هناك لكي يقيم الكلمة بيننا، لكي يلبس ما هو من نفس جوهره الخاص، أو أن يتحوّل عن طبيعته الذاتية فيصير جسدًا؟” (فقرة4).

    وهنا يبرز ق. أثناسيوس البعد الخلاصي في تعاليمه اللاهوتية، الأمر الذي تميّز به في كل كتاباته، كمعلّم في الكنيسة فيقول: ” لأن اللاهوت لم يأت لمساعدة نفسه حتى يلبس ما هو من نفس جوهره، كما أن الكلمة لم يخطئ في شيء وهو يفتدي خطايا الآخرين، حتى يصير جسدًا ويقدّم ذاته ذبيحة لأجل نفسه وأفتدى نفسه” (فقرة4).

ويتابع ق. أثناسيوس حججه اللاهوتية معتمدًا على ما جاء في الكتاب المقدّس فيقول:   ” لكن حاشا له أن يكون هكذا. لأنه كما قال الرسول جاء لمساعدة نسل إبراهيم[7]، ومن ثم كان ينبغي أن “يشبه أخوته في كل شيء” ويتخذ جسدًا مشابهًا لنا. ولهذا السبب أيضًا كانت مريم في الحقيقة مفترضة من قبل[8]، ليأخذ الكلمة منها (جسدًا) خاصًا به وتقدمه من أجلنا”. (فقرة 5).

ويجد في إنجيل “لوقا” عدة آيات تخدم عرضه في إيضاح بشرّية الكلمة المتجسد التي أتخذها من الروح القدس ومِن كائن بشري هو العذراء القديسة مريم، فاستغل دقة الوحي الإلهي فيما سجله البشيرين لتدعيم حجته فيقول: ” أرسل الله جبرائيل إلى العذراء، ليس إلى مجرد عذراء بل إلى “عذراء مخطوبة لرجل” (لو27:1) لكي يبين من كونها مخطوبة أن مريم كائن بشري بالحقيقة ولهذا السبب ذكر الكتاب أيضًا إنها وَلَدَته وإنها قمطّته (لو7:2) ولذلك فإن الثديين اللذين رضعهما يعتبران مباركين (قارن لو27:11). وقد قدّم ذبيحة، لأنه بولادته فتح الرحم (انظر لو32:2) وهذه كلها براهين على أن العذراء هي التي وَلَدَته” (فقرة 5).

    ويرى ق. أثناسيوس في بشارة الملاك للعذراء بميلاد ربّ المجد دليلاً آخر على أن الجسد الذي أتحد به الكلمة هو جسد بشرّي، به شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية وحدها، فالملاك { لم يقل مجرد “المولود فيك” حتى لا يُظن أن الجسد غريب عنها ومجلوب إليها من الخارج، بل قال “المولود منك” لكي يعتقد الجميع أن المولود خارجًا منها}. (فقرة 5).

    ويسوق ق. أثناسيوس براهين مما يحدث في طبيعة البشر، فإن كان قد ذُكِرَ في الإنجيل أن العذراء قد طوّبت لأنها أرضعت الطفل يسوع من ثدييها (لو27:11) فهذا معناه أن ولادته من العذراء كانت ولادة حقيقية ” إذ أن الطبيعة تبين هذا بوضوح، فمن المستحيل على عذراء أن تدر لبنًا إن لم تكن قد وَلَدَت. ومن المستحيل أن الجسد يتغذى باللبن ويُقمّط إن لم يكن قد وُلِدَ بصورة طبيعية قبل ذلك” (فقرة5).

    ويعطي القديس أثناسيوس المفهوم السليم والعميق لأحداث في حياة المسيح له المجد، على الأرض، فكيف يَصْدِقُ الإدعاء بأن الجسد هو واحد في الجوهر مع لاهوت الكلمة إذ كان الطفل يسوع قد أختتن وأن سمعان قد حمله وأنه كان ينمو حتى صار عمره إثنتا عشرة سنة، وإنه بلغ الثلاثين عامًا عندما بدء خدمته العلنية؟

لأن عكس هذا الإدعاء، “هو المقصود بالختان في اليوم الثامن بعد ولادته، وإن سمعان تلقاه في أحضانه وهذا يدل على إنه قد صار طفلاً، وإنه نما حتى صار له من العمر إثنتا عشر سنة (انظر لو21:2ـ42) إلى أن بلغ الثلاثين عامًا (لو23:3) وليس كما يظن البعض أن جوهر الكلمة نفسه قد خُتن بعد أن تحوّل. لأنه لا يقبل التحول أو التغيّر. لأن المخلّص نفسه يقول ” أنظروا، لأني أنا هو ما تغيّرت” (ملاخي6:3س)” (فقرة5).

    ويختم ق. أثناسيوس تعليمه حول هذه النقطة بقوله ” إن كلمة الله غير المتألم والذي بلا جسد كان في الجسد الذي خُتِن وحُمِلَ والذي أكل وشرب والذي تعب والذي سُمر على الخشب وتألم” (فقرة 5)[9].                                      

يتبع هنا: رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 2 – د. جوزيف موريس فلتس

 

1 رسائل ق. كيرلس إلى نسطور وبوحنا الأنطاكي: ترجمة د. موريس تاوضروس، د. نصحي عبد الشهيد. يونيو 1988. رسالة رقم (39) فقرة (7) ص47.

2 رسائل ق. كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي: المرجع السابق. رسالة (39) فقرة (8) ص49.

3  لمزيد من المعلومات عن هذه الترجمات وأماكن نشرها راجع: أثناسيوس (راهب من الكنيسة القبطية): فهرس كتابات آباء كنيسة الأسكندرية ـ الطبعة الأولى يناير 2003م ص216.

4 عن هذه الأهتمامات راجع: د. جوزيف موريس فلتس: تأثير القديس أثناسيوس الرسولي في التعليم اللاهوتي للكنيسة القبطية: دراسات آبائية ولاهوتية. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. السنة الأولى 1998، العدد الثاني ص40ـ53.

5 رجعنا إلى نص عربي مترجم عن نص يوناني محقق وليس إلى نص المخطوط، راجع: المسيح في رسائل ق. أثناسيوس عربها عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد و د. نصحي عبد الشهيد طبعة ثانية 2000م، الرسالة إلى ابكتيتوس ص34ـ48.

[6]  Bouyer, L’incarnation et l’Eflise – corpus du Christ dans la theologie de st. Athanase 1943, p. 22.

7 أي عبيدك نسل إبراهيم (انظر عب16:2، 17).

8  كانت متضمنة في خطة الخلاص في قصد الله ليأخذ منها الكلمة جسدًا.

9  نوجه عناية القارئ إلى إنه مع الإنتهاء من قراءة هذه الدراسة يكون قد قرأ فيما بين القوسين، النص الكامل تقريبًا لرسالة القديس اثناسيوس إلى ابكتيتوس.

 

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1 – د. جوزيف موريس فلتس

قصة أهل الكهف النيام القديسون السبعة أهل مغارة أفسس

قصة أهل الكهف النيام القديسون السبعة أهل مغارة أفسس

قصة أهل الكهف النيام القديسون السبعة أهل مغارة أفسس

قصة أهل الكهف النيام القديسون السبعة أهل مغارة أفسس (مصدر القصة) 

 

احتلت قصة أهل مغارة أفسس أو ما يسميهم السريان ” أهل الكهف ” مركزًا خاصًا لدى مؤرخي السريان وأدبائهم، سجلها الكثيرون نثرًا، كما كتبها مار يعقوب السروجي (521 م) في قصيدة على الوزن السباعي تقع في أربعة وسبعين بيتًا. ولا يزال بعض السواح إذ يزورون آثار أفسس القديمة، يقصدون بجوار هيكل أرطاميس وكاتدرائية مار يوحنا زيارة كهوف أهل الكهف .

 

في أيام داكيوس:

إذ تولى داكيوس (ديسيوس) الحكم سنة 250 م. أثار الاضطهاد ضد المسحيين، وقد زار أفسس وطلب من أشرافها أن يقدموا الذبائح للأوثان، مستخدمًا كل وسائل العنف، حتى سلم الآباء أبنائهم للقتل، وتحاشى الأصدقاء لقاء أصدقائهم لشدة الضيق، إذ كان يُقتل حتى الوثنيين إن لم يدلوا على أماكن المسيحيين، فتحولت المدينة كلها إلى حالة من الرعب.

وشى البعض لديه بأن جماعة من الشبان في القصر لا يطيعون أمره، هم مكسيمليانوس – يمليخا – مرتيلوس – ديونيسيوس – يؤانس – سرافيون – قسطنطينوس – أنطونيوس. أحضرهم الإمبراطور وسألهم أن يذبحوا للأوثان وإذ رفضوا جردهم من رتبهم وأعطاهم فرصة للتفكير.

قام الشبان بتوزيع أموالهم على الفقراء، وانطلقوا سرًا إلى كهف كبير في جبل أنجيلوس Ochlon يمارسون العبادة منتظرين لقاءهم الثاني مع الإمبراطور عند عودته، إذ ترك المدينة إلى حين، وكان معهم بعض الدراهم.

كان يمليخا يرتدي ثوبًا باليًا، ينزل من حين إلى آخر إلى المدينة ليشتري ما هو ضروري لهم.

عاد يمليخا بعد فترة يؤكد لزملائه مدى ما وصلت إليه المدينة من اضطراب بعودة الإمبراطور إليها.

استدعى الإمبراطور آباء هؤلاء الشبان وهددهم بالموت، فقالوا له إن الشبان قد سلبوا مالهم وبددوه على الفقراء وأنهم مختفون في كهف في الجبل لا يعرفون إن كانوا أحياء أم أمواتًا. عندئذ أخلى سبيلهم، وأمر أن يُسد باب الكهف بحجارة ليصير لهم قبرًا وهم أحياء.

وإذ كان أنتودورس وآوبوس وكيلا الملك مسيحيين مؤمنين سرًا، تشاورا معًا، وكتبا إيمان هؤلاء الشبان على صحائف توضع داخل صندوق نحاس يُختم ويترك عند مدخل الكهف إكرامًا لأجساد القديسين.

 

في أيام ثيؤدوسيوس بن أركاديوس:

بقيّ الحال هكذا وقد رقد الرجال وصاروا أشبه بمن هم نعاس حتى ملك ثيؤدوسيوس الصغير سنة 408 م.، وكان رجلًا ورعًا تقيًا. وإذ ظهرت في أيامه بدعة تنكر قيامة الأجساد، اضطرب الملك نفسه وتشكك، فلبس المسوح وافترش الرماد خفية يصرخ إلى الله طالبًا أن ينزع عنه هذه الوساوس.

إذ كان راعِ للغنم يود بناء حظيرة بجوار الكهف بدأ رجاله يقلعون الحجارة فنزعوا حجارة باب الكهف، وإذا بالفتية في اليوم التالي يقومون بأمر إلهي لرسالة خاصة، قاموا كمن كانوا في نوم ليلة واحدة.

نزل يمليخا إلى المدينة ومعه بعض الفضة ليشتري بعض الضروريات، وكم كانت دهشة إذ رأى علامة الصليب منحوتة على باب المدينة، وقد تغيرت كل ملامح المدينة تمامًا، حتى اختلط الأمر عليه هل كان هو في حلم أم في حقيقة. فقرر أن يشتري خبزًا وينطلق إلى اخوته يتباحث معهم في الأمر. وإذ قدم بعض الدراهم للخباز دهش الرجل إذ وجدها ليست العملة السائدة في أيامه، وظنه أنه وجد كنزًا يرجع إلى أيام داكيوس (ديسيوس). اجتمعت الناس حوله تسأله عن الكنز الملوكي الذي وجده، فكان يشخص إليهم مندهشًا، فحسبوه يخفي الكنز.

رآه الكل شابًا غريبًا، فسألوه عن أصله وجنسه، فأجابهم أنه من المدينة وأخبرهم عن أسماء والديه واخوته وعشيرته، وأنه كان يعمل في القصر فحسبوه مجنونًا. هاجت المدينة كلها، وإذ سمع الأسقف ماريس استدعاه، وكان يمليخا يظن أنه سُيقدم لداكيوس ليقتل، وكم كانت دهشته إذ وجد نفسه في كاتدرائية أمام أسقف، وكان قد حضر الوالي أنتوباطس، فأخذ الشاب يروي لهما قصته مع زملائه الشبان، فلم يصدقا شيئًا.

 

عند الكهف:

انطلق يميلخا ومعه الأسقف وكبار القوم إلى الكهف للتأكد من صدق قوله، وهناك إذ دخلوا الكهف وجدوا الصندوق النحاس وقرأوا الصحائف التي به وتحققوا من الأمر.

سمع الملك بذلك فأسرع بالحضور، وجاء يتحقق الأمر وهو يشكر الله الذي أكَد له القيامة عمليًا، وإذ التقى بهم سجد أمامهم وعانقهم وبكى، ثم جلس على التراب فرحًا. أكد له مكسيملياس أن الله قد سمح لهم بذلك من أجل إيمان الكنيسة، ثم رقد الشبان ودفنوا في مواضعهم بعد أن بسط الملك حلته الملوكية على أجسادهم وهو يبكي.

أراد الإمبراطور أن يقيم لهم توابيت ذهبية، فظهر له المعترفون في حلم، قائلين له: “إن أجسادنا قد بُعثت من تراب، ولم تبعث من ذهب أو فضة، فدعونا على التراب في نفس موضعنا من الكهف ذاته، لأن الله سيبعثنا من هناك”.

تُعيِّد لهم الكنيسة السريانية في 24 من شهر تشرين الأول/أكتوبر.

_____

* المرجع Reference (الذي استخدمه كتاب “قاموس آباء الكنيسة وقديسيها مع بعض شخصيات كنسية” للقمص تادرس يعقوب ملطي):

مار أغناطيوس زكا الأول عيواص: رائحة المسيح الذكية، 1984م، ص 13-33.

النقد الكتابي BIBLICAL CRITICISM

النقد الكتابي BIBLICAL CRITICISM

النقد الكتابي BIBLICAL CRITICISM

جاء هذا المصطلح في اللغة اليونانية ήKІTΙΡΚ، ويقصد به القدرة على التمييز، فالآباء هم أول مَن مارسوا هذا التمييز (النقد الكتابيّ) لإفراز النصوص القانونيّة التي قبلتها الكنيسة عن النصوص الأخرى المزيَّفة.

لهذا استخدمت الكنيسة الأولى النقد التاريخيَ والأدبيّ وقننتْه، وأفرزتْ بالروح القدس الكتب المقدسة القانونية، وحافظتْ عليها جيلاً بعد جيل، ورفضتِ الكتب المدسوسة، حيث اجتمع مجمع قرطاجنة سنة 397م، وقرَّر قانونية أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين، ورفضوا الأسفار الأخرى مثل إنجيل يعقوب وإنجيل نيقوديموس وإنجيل الأبيونيين وإنجيل المصريّين وإنجيل العبرانيين وإنجيل بطرس وإنجيل توما وإنجيل الطفولة[1].

النقد الذي مارسه الآباء هو نقد إيجابيّ بنَّاء؛ ليس كعمل بشريّ لكن بإرشاد الروح القدس، إذ كانت الكنيسة في حاجة إليه لفصل النصوص القانونية عن النصوص الأخرى المزيَّفة، أما النقد السلبيّ فهو مرفوض من الكنيسة وغير مقبول بالمرة؛ فنحن نؤمن بعصمة الكتاب المقدس وسلامته لأنه كلمة الله؛ والله قادر أن يحافظ عليه.

“كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحي بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ” (2تي 16:3).

“لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبَوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيِئَةِ إنسان، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللَّهِ الْقِدِّيسُونَ مَسَوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (2بط 21:1).

تُستخدَم كلمة ἄμѵϵѵπ والتي تعني “روح” في اللغة اليونانية لتدل على الوحي، كما أنها تأتي في اللغة اللاتينية بمعنى “نسمة منه”، وذلك لأن الروح القدس هو العامل المباشر في الوحي.

“موحى به من الله” تأتي في اللغة اليونانية الأصلية “οϛԏσѵϵѵποϵηθ”، وهي كلمة مركبة من “ϛοϵθ” بمعنى الله، “ϛοԏσѵϵѵπ” بمعنى نفخ، وتركيب الكلمة في الأصل اليونانيّ يأتي في المبنّي للمجهول، وعليه تكون ترجمة “موحي به من الله” أي “نُفِختْ من الله”، بمعنى أن الكمتب المقدسة صِيغتْ بروح الله.

فكلمة الله فوق النقد البشريّ وأيُّ نقد فيها قاتل للنفس ومُفسد للحياة الروحيّة

يقول القديس أُغسطينوس في إحدى عظاته “إذ كان قبلاً يبحث في الكتاب وينقده ويدرسه في كبرياء، ظن في نفسه أنه قادر على الطيران ولم يعد ينبت له ريشٌ؛ وإذ حاول الطيران خارجاً عن الإيمان سقط وكاد المارة في الطريق أن يطأوه بأقدامهم ويقتلوه، لولا يد النعمة الإلهيّة انتشلته وأعادته إلى العش ثانية”[2].

الوحي الإلهيّ ونقد الكتاب:

نحن نعلم أن الكتاب المقدس مُوحي به من الله؛ والوحي لم يكن حرفياً؛ فليس لله لغة كالبشر ولكن من أجل البشر نزلت كلمة الله في لغة البشر، كما يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم: “كما أنه بالتجسد صار الكلمة الأبديّ جسداً؛ هكذا في الإنجيل أحتجب مجد الله في ثوب الفكر البشري واللغة البشرية بطريقة مادية، أُنظر تنازل الكتاب الإلهيّ، أُنظر كلمات يستخدمها من أجل ضعفنا”[3]، فالوحي الإلهيّ بعمل الروح القدس في الكتاب يحثه على الكتابة، ويُلهمه الفكرة أو موضوع الكتابة، ويعصمه من الخطأ فيها.

إلاَّ أن النقد الذي مارسته الكنيسة الأولى بغرض تفنيد الكتب الموجودة ومعرفة مدى قانونيتها، والحفاظ عليها، فهذا كان بعمل الروح القدس، كما فصلتْ كتابات الآباء عن الكتب المقدسة المُوحَى بها من الروح القدس، فالكنيسة لم تمارس نقد الكتاب بهدف أو نتيجة الشك أو عدم الإيمان، إذ أن الهدف يختلف تماماً، بل مارسته الكنيسة ليس بعمل بشريّ بل بعمل الروح القدس، الذي قال عنه السيد المسيح “وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ” (يو 26:14).

سمات التفسير الآبائيّ للكتاب المقدس:

1- السيد المسيح:

دراسات الآباء وكل كتاباتهم تدور حول السيد المسيح، ولذا تُدعى CHRISTOCENTRIC، أيّ متمركزة حول السيد المسيح، فكل تفاسير الآباء ترتبط بمعيتنا مع السيد المسيح.

2- الاهتمام بالجانب الروحيّ:

هدف الآباء في تفسيرهم للكتاب المقدس لا يقتصر على كونه يُقدِّم معلومة معينة أو دراسة أكاديمية؛ إنما بتفسيرهم للكتاب يدخلون بنا في شركة الأمجاد في المعرفة وفي الحكمة والحق والقداسة والوداعة، وفي ذلك يقول ذهبيّ الفم (تَعَرِّفَ آدم على الكتاب المقدس ليس ككتاب مسجل بورق وحبر، لكن كشركة مع الله وتلاقِ مباشر معه، فآدم كان يتكلّم مع الله وكذلك إبراهيم وموسى وصموئيل).

الآباء من فرط تكريس حياتهم للرّب أعطاهم الله بصيرة روحية، يتعمقون بها أكثر في الشركة معه، وإن كانوا لم يروا الله بالعيان مثل التلاميذ؛ ولكنهم بالإيمان صاروا شهوداً، فليس الكتاب المقدس هو معرفة فقط كما يقول القديس غريغوريوس النزينزيّ “لم يُطوِّب الرّب مَنْ يعرف شيئاً عن الله، بل مَن كان الله حاضراً فيه”.

3- الكتاب المقدس ليس كتاباً حرفياً ولا رمزياً، إنما هو كتاب لاهوتيّ يحمل الرمز كما يحمل التاريخ والحقائق، لذا جاءتْ تفاسير الآباء تحمل الاثنين معاً حرفاً ورمزاً، فالحيّة النحاسية كانت حقيقة كتفسير حرفيّ، كما أنها كانت رمزاً للصليب كتفسير “روحيّ رمزيّ” وهذا ما يسمى TYPOLOGY، بينما ALLEGORICAL  قد يحمل في معناه مجازية الحدث أو معنويته أو قد يكون غير حقيقيّ فلو قلنا عن الحيّة أنها رمزية فقط نكون تبعنا التفسير ALLEGORICAL بينما نتكلّم عنها كرمز مع كونها حقيقة TYPOLOGY.

الحَيَاة الليتورجية في الكنيسة تحمل هذا التفسير بعينه TYPOLOGY، فعندما تتكلّم الكنيسة عن ملكي صادق أو موسى أو يشوع أو يونان أو يوسف فهذا يعني أنهم إعلانات عن السيد المسيح ورموزاً روحية له، وفي الوقت نفسه لاتُنكر حقيقة هؤلاء الأشخاص ولا تنكر التاريخ.

4- الكتاب المقدس وَحْدَة واحدة لا تتجزأ بعهديه، لأن المصدر واحد وهو الروح القدس كما يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم (العهدانِ مترابطانِ معاً ويتضافرانِ كل منهما مع الآخر).

كما يقول القديس أكِلْمَنْضُس الرومانيّ عن الهراطقة الذين يَفْصِلِونَ (يبترون) آية أو جملة ويبنونَ عليها عقيدتهم “إن كان الهراطقة الذين يتجاسرون ويحتمون في الكتب النبوية، فأنه في المكان الأول لا يستخدمون الكتب المقدسة كلها، ولا يقتبسون العبارات الكاملة، إنما يختارون عبارات غامضة ويحرفونها لأجل خدمة آرائهم الخاصة، ويجمعونَ عبارات قليلة من هنا ومن هناك، غير مهتمين بالمعنى وأنه مجرد استخدام للكلمات، ففي أغلب اقتباستهم يهتمون بالألفاظ وحدها محرّفين المعاني فلا يستخدمون الاقتباسات التي يدللون بها في طبيعتها الحقيقية”[4].

أشهر الآباء المفسرين[5]:

أشهر الآباء في التفسير في الكنيسة الجامعة هم:

  1. القديس هيبوليتوس الروماني (170-235م):-

وضع تفاسيراً رمزية لكثير من أسفار الكتاب المقدس تفسير لسفر النشيد وسفر التكوين والعدد والتثنية والملوك الأول والمزامير واشعياء وحزقيال كما وضع تفسيراً دانيال الذي حُفظ بالكامل باللغة السلافية Slavonic، وهو أول تفسير أرثوذكسي له محفوظ حيث يذكر فيه أن سوسنة العفيفة رمز الكنيسة، وعروس المسيح المقدسة التي يضطهدها شعبان: اليهود والأمم، كما يقول أن الشيطان اختبأ قديماً في الفردوس في شكل حيّة، اختبأ في الشيخين لُيهلك حواء مرة ثانية[6].

  1. العلاَّمة أوريجانوس (185-254م):-

للعلاَّمة أوريجانوس ثلاث طرق كتابية، الطريقة الأولى scholia وهي عبارة عن توضيح قصير للعبارات عسرة الفهم، ويذكر جيروم[7] أنه فسرّ بهذه الطريقة سفر الخروج، اللاويين، إشعياء، المزامير من 15:1، الجامعة، إنجيل يوحنا. ويذكر روفينوس[8] أنه استخدم هذا الأسلوب التفسيري في سفر العدد.

الطريقة الثانية العظات Homilies، عظات علي فقرات مختارة من الكتاب المقدس كان يلقيها، حيث يذكر سقراط[9]، أنه كان يعظ عظتين أسبوعياً يومي الأربعاء والجمعة، على الرغم من أن Pamphilus يذكر أنه كان يعظ يومياً، بالتالي ترك أحاديث عن كل محتويات الكتاب المقدس…

ولكن 20 عظة عن إرمياء، عظة واحدة عن 1 صم28 :3-25، كذلك إنجيل متى (25 عظة)، وإنجيل لوقا (35 عظة)، كما ترجم روفينوس للاتينية العظات التالية لأوريجانوس: سفر التكوين (16 عظة)، سفر الخروج (13 عظة)، سفر اللاويين (16 عظة)، سفر العدد (28 عظة)، سفر يشوع (26 عظة)، سفر المزامير (9 عظات). كذلك ترجم القديس جيروم للاتينية أيضاً العظات التالية: على نشيد الأناشيد (عظتين)، سفر إشعياء (9 عظات)، سفر إرمياء (14 عظة)، سفر حزقيال (14 عظة)، إنجيل لوقا (39 عظة).

الطريقة الثالثة التعليق أو الشرح Commentary وهي عبارة عن تفاسير علمّية، وهي خليط بين الفلسفة والتاريخ واللاهوت…استخدم فيها الطريقة الرمزية، على الرغم من أنه سقط في أخطاء كثيرة، 25 كتاب عن إنجيل القديس متى، كتبوا في قيصرية سنة 244م، يتبقى منهم 8 كتب باليونانية، وفي إنجيل يوحنا كتب 32 كتاب يتبقى منهم 8 كتب باليونانية، رسالة رومية (15 كتاب) عثروا عليهم في مخطوطات طرة. وفي العهد القديم كتب على نشيد الأناشيد[10].

ومن أشهر أعمال أوريجانوس كتابه السداسيات (هكسابلا Hexapla)، وهو عبارة عن ستة أعمدة تشمل ست ترجمات للعهد القديم (النص العبريّ، النص العبريّ بحروف يونانية، الترجمة اليونانية (السبعينية)، الترجمة اليونانية لسيماخوس، الترجمة اليونانية لأكيلا بن بنطس، الترجمة اليونانية لثيؤدوتيون).

  1. القديس أثناسيوس الرسوليّ (328-373م)[11]:

كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ رسالة إلى مارسلينوس في تفسير المزامير، على أن شخصية مارسلينوس مازالتْ شخصية مجهولة لنا، ومن المحتمل أن يكون كاتباً ناسكاً، وكان مُهتماً بدرجة كبيرة بدراسة الكتاب المقدس، وعلى الأخص سفر المزامير، ويتكلّم القديس أثناسيوس على لسان شيخ مُحب للألم، ثم يوّجه رسالته إلى مارسلينوس كابن له، وهو يريد بهذا الأُسلوب أن يُوضِّح أن مكانة المزامير تتبين بالاستناد إلى التفسير التقليديّ للكنيسة..

ويؤكِّد القديس أثناسيوس بأنه على الرغم من أن كل الكتاب المقدس هو مُوحّى به ونافع، إلاَّ أن كتاب المزامير يتميز بأنه يتضمن كل ما جاء في الكتابات المقدسة الأخرى”، فأيُّ سفر من تلك الأسفار يُشبه بستاناً يُثمر ثمرته الخاصة، أما المزامير فبجانب ثمرتها الخاصة، تفيض بثمار الأسفار الأخرى”[12]، يركز القديس أثناسيوس الرسوليّ في تفسيره لسفر المزامير على شخصية السيد المسيح في سفر المزامير، وأيضاً استخدم المزامير في العبادة، كما يتناول الحديث عن الألحان التي تتلى بها المزامير كطقس يُتيح للمصلي فرصة أكبر للتأمل[13].

كما يذكر جيروم عملاً آخر لأثناسيوس وهو “عناوين المزامير”[14].

كما كَتَبَ تفسير لسفر الجامعة، وتفسير لنشيد الأناشيد، وقد ذكرهما فوتيوس وأثنى على أسلوبهما. على أن هذا العمل قد فَقد فيما عدا شذرات قليلة محفوظة في سلاسل، ويظهر أن فوتيوس يعتبر التفسير واحد للكتابين، لأنهما وردا في مخطوط واحد[15].

ويذكر مخطط Barber  (ص 569) أن لأثناسيوس أعمال تفسيرية أخرى هي: شذرات في سفر التكوين[16]– شذرة في سفر الخروج – شذرات من تفسيره لسفر أيوب، كذلك شذرات في تفسير نشيد الأناشيد[17]، سفر إشعياء، سفر باروخ، سفر دانيال.

وفي كتب العهد الجديد أجزاء تفسيرية لمواضع في إنجيلي لوقا ومتى، ورسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس. وهذه الأجزاء من متى وكورنثوس الأولى، ومن المحتمل أنها جاءت من عظات، بينما الأجزاء التي من لوقا قد جاءت من مذكرة له، وبالرغم من هذا لدينا مثالاً لتفسيره لآية لوقا (50:8) في عظته عن آلام السيد والصليب.

  1. مار أفرام السرياني (303-373م):-

يقول القديس جيروم (430): “أفرام شماس كنيسة الرها، ألّف كتباً مثيرة في اللغة السريانية، وقد بلغ من الشهرة والتوقير أن بعض الكنائس تتلو ما كتبه على الشعب، في الكنائس بعد تلاوة منتخبات من الأسفار المقدسة، وقد طالعت في اليونانية كتابه في الروح القدس مترجماً عن السريانية، ووجدت فيه قمة الذكاء السامي في الترجمة أيضاً (كتاب مشاهير الرجال115).

تُقسم مؤلفات أفرام إلى منثورة ومنظومة. المنثورة عبارة عن تفاسير لمختلف أسفار الكتاب المقدس: فله تفسير لسفر التكوين والخروج والأناجيل الموحدة (دياطسرون) وأعمال الرسل ورسائل بولس باستثناء الرسالة إلى فليمون، وقد قام بنشرها ريمون تونوولويس للوار واكينيان، فسر الكتاب المقدس كله تقريباً، أغنى المكتبة المسيحيّة بكتاباته المنظومة شعراً وأيضاً المنثورة، وهي لا تقل عن ثلاثة ملايين من الأسطر، ضمت شرحاً للأسفار المقدسة كلها، وموضوعات الجدل الديني، وبعض مقالات ورسائل مع ميامر وتسابيح، وقد فقد بعضها.

  1. القديس باسيليوس الكبير (329-379م):-

كتب القديس باسيليوس “الأيام الستة”، كما كتب “تفسير لسفر المزامير” وهي عظات على المزامير 1، 7، 14، 28، 29، 32، 33، 44، 45، 48، 59، 61، 114.

  1. القديس إغريغوريوس أسقف نيصص (330-395م):-

كتب كتاباً أيضاً عن أيام الخليقة الستة (Hexameron)، ووضع التفاسير لسفرَي المزامير والجامعة، كما كتب كتاباً عن التطوبيات (العظة على الجبل).

  1. القديس أمبروسيوس (339-397م):-

كتب كتاباً عن أيام الخليقة الستة (Hexameron)، وله تفاسير لبعض المزامير (12 عظة على المزمور الأول، 22 عظة على مزمور 118، تفاسير لمزامير 36، 40، 43، 45، 47)، كما كتب تفسيراً لسفر النشيد، وفي العهد الجديد فسر إنجيل لوقا.

  1. القديس ديديموس الضرير (313-398م):-

فسر القديس ديديموس الضرير العهدين القديم والجديد كلمة كلمة، فسر الثمانية أسفار الأولى من العهد القديم وأسفار الملوك فقد ذكر جيروم أنه وضع تعليقات على أسفار المزامير وأيوب وإشعياء وزكريا الخ. وأشار كاسيدوروس Casiodorus أن له تعليقات على سفر الأمثال.

وفي برديَّات طُرة بمصر التي اكتشفت عام 1941م وُجدت مقتطفات مُطولة لتفاسيره على التكوين وأيوب وزكريا، كذلك له تفاسير لأسفار العهد الجديد أجزاء من تفسير إنجيل يوحنا، وأجزاء من تفسير الرسالة إلى رومية، وأجزاء من تفسير سفر الأعمال، وأجزاء من الرسالتين الأولى والثانية إلى أهل كورنثوس، وأجزاء من تفسير الرسائل الجامعة، وأجزاء من تفسير سفر الرؤيا[18].

  1. القديس يوحنا ذهبيّ الفم (347-407م):-

فسَّر القديس يوحنا ذهبيّ الفم في العهد القديم، إذ له سبعون مقالة في سفر التكوين، وبعض المزامير (اختار 58 مزموراً من مزمور 12:4، 49:43، 117:108، 119، 150)، كذلك له عبارات غير منظمة لمزامير اخرى مثل بداية مزمور 41، ومزمور 115: 1-3. كذلك له عظات على الستة إصحاحات الأولى من سفر إشعياء النبيّ (142-97 :PG56).

للقديس يوحنا ذهبيّ الفم تفسير لإنجيل متى (90 عظة)، وتفسير إنجيل يوحنا (88 عظة)، كما فسَّر أيضاً أعمال الرسل (55 عظة)، ورسائل البولس الأربع عشرة، الرسالة إلى أهل رومية (32 عظة)، الرسالة إلى أهل كورنثوس الأولى (44 عظة)، والثانية (30 عظة)، شرح رسالة غلاطية آية آية، الرسالة إلى أهل أفسس (24 عظة)…

الرسالة إلى أهل فيلبي (15 عظة)، الرسالة إلى أهل كولوسي (12 عظة)، الرسالة إلى أهل تسالونيكي الأولى (11 عظة)، والرسالة الثانية (5 عظات)، الرسالة إلى تلميذه تيوثاوس الأولى (18 عظة)، والرسالة الثانية (10 عظة)، الرسالة إلى تلميذه تيطس (6 عظات)، والرسالة إلى العبرانيين (34 عظة)[19].

  1. القديس أوغسطينوس (354-430م):

كتب القديس أُوغسطينوس “في التعليم المسيحيّ” كتبه في 4 أجزاء وضح فيه الشروط الواجبة لدراسة الكتاب المقدس، وقانون التفسير، كما كتب تفاسير تفسير التكوين، وله تفسير كامل لسفر المزامير، وفي العهد الجديد فسر إنجيل متى وإنجيل يوحنا، وتفاسير لرسالة معلمنا بولس الرسول لأهل رومية، وتعليقات على الرسالة إلى أهل غلاطية، رسالة معلمنا يوحنا الرسول الأولى، كما قدم كتباً في “اتفاق الإنجيليّين”، كذلك له أيضاً عظات عن الميلاد والغطاس والبصخة والصعود وحلول الروح القدس. والموعظة على الجبل[20].

  1. القديس كيرلس السكندريّ (375-444م):-

للقديس كيرلس تفاسير كثيرة في العهدين، فقد كَتَبَ قبل أسقفيته 17 كتاباً بعنوان “العبادة والسجود لله بالروح والحق”، كما كَتَبَ “الجلافيرا” وتني اللامع في 13 كتاب، منها 7 كتب على سفر التكوين، 3 على سفر الخروج، وواحد على سفر اللاويين، وواحد على سفر العدد.

كذلك له تفاسير لسفرَي الملوك الأول والثاني، وسفر المزامير، وسفر الأمثال، وسفر النشيد، وسفر إرميا، وسفر باروخ، وسفر حزقيال، وسفر دانيال، وله أيضاً دراسات في سفر إشعياء، وأسفار الأنبياء الصغار، وفي العهد الجديد له تفاسير لإنجيل القديس متى، وإنجيل القديس لوقا، كما فسَّر إنجيل القديس يوحنا تفسيراً كاملاً، واهتم في تفسيره بلاهوت السيد المسيح، والتعرض في كثير من الآيات للرد على تفسير الهراطقة الخاطيء لها، وتفسيرها التفسير الكنسيّ الصحيح.

  1. القديس جيروم (345-419م):-

للقديس جيروم تفاسير لسفر المزامير، وسفر الجامعة، وكذلك لأسفار الأنبياء الكبار (إشعياء وإرميا وحزقيال ودانيال)، والأنبياء الصغار، وفي العهد الجديد فسَّر إنجيل متى، وأربعة من رسائل البولس (غلاطية، أفسس، تيطس، فليمون)، كما فسر سفر الرؤيا.

[1]  – دياكون مجدي وهبة – آباء الكنيسة والكتاب المقدس – دورية مركز الدراسات الآبائية – العدد الأول يناير 1998 . ص 57.

[2]  – عظات منتخبة من العهد الجديد عن القمص تادرس يعقوب ملطي – مقدمات في علم الباترولوجي – 1984 – ص37.

[3]  – عن القمص تادرس يعقوب ملطي – مقدمات في علم الباترولوجي – 1984 – ص37.

[4] – Strom. 7:16 :96.

[5]  – راجع كتابات نيافة الأنبا شنودة أسقف التعليم (قداسة البابا شنودة الثالث) – مراجع أقوال الآباء مذكرات غير مطبوعة – 1963 – ص 2-4.

[6]  – المطران كيرلس سليم والأب يوحنا الفاخوريّ – تاريخ الفكر المسيحيّ عند آباء الكنيسة – منشورات المكتبة البوليسية – الطبعة الأولى 2001 – ص 354.

[7] – Epist. 33.

[8]  – Inter pr. Hom. Orig. in Num. Prol.

[9] – Hist. Eccl 5,22.

[10] – J. Quasten.Patrology. Nol. 2,p. 45-50.

[11]  – القديس أثناسيوس الرسوليّ والكتاب المقدس – د. موريس تاوضروس.

[12]  – راجع كتاب تفسير المزامير للقديس أوغسطينوس – رسالة في المزامير المقدسة أثناسيوس . بيت التكريس بحلوان 1961 ص 2.

[13] – J. Quasten.Patrology. Vol. 3. P.37.

[14] – De vir. IIlustribus-

[15] – Mupiobiblos

[16] – J. Quasten.Patrology. Vol. 3. P.39.

[17] – J. Quasten.Patrology. Vol. 3. P.38.

[18]  – فهرس كتابات آباء كنيسة الإسكندرية – الكتابات اليونانية – راهب من الكنيسة القبطية – الطبعة الأولى يناير 2003 – ص 309-310.

[19] – J. Quasten.Patrology. Vol. 3. P. 433-450.

[20]  – راجع نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 272-273.

النقد الكتابي BIBLICAL CRITICISM

أبوكريفا العهد الجديد: تقاليد وأساطير حول يسوع – يسوع التاريخي

أبوكريفا العهد الجديد: تقاليد وأساطير حول يسوع – يسوع التاريخي

أبوكريفا العهد الجديد: تقاليد وأساطير حول يسوع – يسوع التاريخي

تعتبر أبوغريفا العهد الجديد جزءاً كبيراً من الكتابات المسيحية الأولى من نهاية القرن الأول حتى القرن التاسع. وتدّعي هذه الكتابات أنا كتبت بيد الحواريين أو أولئك المقربين منهم، حيث تم استخدام القليل من تلك الكتابات على نطاق واسع في الكنيسة. وقد رفضت الكنيسة الكبرى قانونية تلك الكتابات على مر الزمن، ومن ثم أصبحت هذه الكتابات أبوغريفا أي “كتابات مشكوك في صحتها” أو “كتابات خفية”. فقد قام مؤرخو الكنيسة الأولى بترتيب أبوغريفا العهد الجديد بأساليب تحتوي على: أناجيل، وأصحاحات، ورسائل، وكتابات رؤيوية.

وما تزال الدراسة العلمية لأبوغريفا العهد الجديد في مرحلة متوسطة، إلا أن اكتشاف أدب نجع حمادي نفخ الحياة من جديد في تلك الدراسة. وعلى العكس من أبوغريفا العهد القديم، التي يقر معظم المسيحين بأنها كنسية وقانونية، يتم أبوغريفا العهد الجديد عالمياً ولا تعتبر جزءاً صحيحاً من العهد الكنسي الجديد. ومع ذلك، تشكل شاهداً رئيسياً لآراء مسيحية عن يسوع، تُقبل وترفض، في القرون الأولى للعقيدة. وبطبيعة الحال، ترج معظم آراء أبوغريفا العهد الجديد عن يسوع التاريخي في أناجيل مشكوك في صحتها.

أناجيل الطفولة

إن النوع الأول من الأناجيل المشكوك في صحتها والذي نتناوله هنا هو “إنجيل الطفولة”. وتدعى هذه الأناجيل بـ “أناجيل الطفولة” لأنها تحتوي على قصص يسوع، وإن كانت تلك القصص قصص سنواته الأولى فقط. ففي الأناجيل الكنسية، لا يورد مرقص أي شيء عن ولادة يسوع.

أما متّى ولوقا فيورد كل واحد منهما فصلين كمقدمة لمهمة يسوع التبشيرية، كما أن يوحنا لا يورد شيئاً عن ولادة يسوع، ولإصدار حكم بناءً على هذه الكتابات، وبناءً على كل كتابات المسيحية الأرثوذكسية والمسيحية الغنوصية خارج العهد الجديد، يبدو أن المسيحيين كانوا يهتمون في المقام الأول بأقوال وأفعال يسوع الراشد.

ومع مرور الوقت، ابتداءً من القرن الأول، زاد الكثير من المسيحيين اهتمامهم بولادة يسوع وبسنواته الأولى، حيث ظهرت التقاليد الشفهية لتكمل إنجيل متّى ولوقا، في أغلب الأوقات، بخيال مسيحي شعبي، وبأساطير يونانية رومانية وهندية حول ولادة الأطفال الخارقين.

لم يكن هدف أناجيل الطفولة ملء فجوات موجودة في الأناجيل. لقد كان لديها دافع عقائدي واعتذاري كبير، وهو: التعريف بنسب يسوع الذي يعود إلى داود عن طريق افتراض أن مريم من ذرية دواد، وصد الهجمات اليهودية المتزايدة التي تطعن في شرعية ولادة يسوع.

إن أناجيل الطفولة في مراحلها الشفهية والمكتوبة استمدت أفكارها من إنجيلي متّى ولوقا، إلا أنها ذهبت إلى أبعد من ذلك. وكما ذكر أوسكار كولمان: “يزداد إلى حد كبير الاتجاه نحو الاستفادة من الأساطير الغريبة التي تم ملاحظتها مسبقاً في القصص السردية عن الطفولة الواردة في إنجيلي متّى ولوقا”. كما سنقوم بمسح مختصر على إنجيلي الطفولة الرئيسيين اللذان يتم دراستهما من حين إلى آخر من أجل التقاليد الأولى ليسوع التاريخي، وهما إنجيل يعقوب التمهيدي وقصة الطفولة لتوما.

إن إنجيل يعقوب التمهيدي، المعروف في العالم القديم بالعنوان الأكثر دقة ألا وهو: “ولادة مريم”، وهو عمل يعوج للقرن الثاني لكاتب مسيحي غير يهودي. وبما أنه يحظى بشعبية واسعة في مسيحية العصور القديمة والوسطى نظراً لأنه عمل نابع من الورع ونظراً لجماله الأدبي، بقي على قيد الحياة في العديد من المخطوطات في الأصل اليوناني وفي النسخ اللاحقة في ثماني لغات مختلفة.

فهذا العمل يروي قصة مريم أم يسوع: والديها: يواخيم وأنا، حملها المعجز، لكن ليس الطاهر بعد، ولادتها، طفولتها ونشأتها في المعبد، خطوبتها من الكثيرين وصولاً إلى يوسف الشيخ الأرمل، وعذريتها الدائمة، وأخيراً حملها بيسوع.

يستخدم إنجيل يعقوب التمهيدي القصص السردية للطفولة الواردة في متّى ولوقا، ومن ثم يقوم بتوسيع هذه القصص وإكمالها لأغراض خاصة. إن الموضوع الرئيسي لهذا العمل هو الثناء على العذرية، الأمر الهام في حركات الزهد والرهبنة في المسيحية. ولأنه يركز على مريم العذراء، مستخدماً التنميق الأسطوري لسرد قصتها ومستمداً ما يقوله عن ولادة يسوع من الأناجيل الكنسية والأسطورة الشعبية، فإنه يتمتع بالقليل من الأهمية أو حتى لا يتمتع بأية أهمية بالنسبة لدراستنا ليسوع التاريخي.

نشأت قصة الطفولة لتوما في أواخر القرن الثاني، حيث تروي معجزات يسوع الغلام التي حصلت بين عامه الخامس وعامه الثاني عشر كما رواها تلميذ يسوع توما. كما توجد قصة الطفولة هذه اليوم في الأصل اليوناني، وفي خمس نسخ بلغات أخرى.

كما أنها ليست متطورة من الناحية الأدبية واللاهوتية كإنجيل يعقوب التمهيدي، إلا أن قصة الطفولة لتوما تتصف بالتأكيد الصريح على المعجزات، حيث يملك يسوع حتى عندما كان غلاماً قدرة كلية ومعرفية ونفوذاً غير محدود، الصفات التي لا تنسبها الأناجيل الكنسية ليسوع الراشد خلال مهمته التبشيرية.

ويقوم يسوع الغلام ببعض الأعمال الخيرة مستخدماً قوته الإعجازية، إلا أنه غالباً ما يستخدمها بقسوة، كما هو الحال مثلاً عندما قتل طفلاً آخر كان قد ضربه على كتفه (4: 12) ويُذهب ببصر أولئك الذين يتهمونه (5: 1)، حتى أنه وجه تهديداً خفياً ليوسف عندما كان يقوم بتأديبه (5: 2). وتتجه محتويات هذه الوثيقة إلى حد كبير نحو الورع الشعبي الذي جاء في وقت لاحق، حيث لا تشير إلى تقاليد القرن الأول حول يسوع.

إنجيل بطرس

في عام 1886، وجد فريق آثار فرنسي كان ينقب في مقبرة تعود لدير باتشوميان، الذي يبعد نحو 250 ميلاً جنوب القاهرة، كتاباً صغيراً في قبر راهب. فقد احتوت الصفحات من 2 إلى 10 من الكتاب، الذي يعود تاريخه إلى الفترة الواقعة ما بين القرن السابع والتاسع، وصفاً لموت يسوع وقيامته، حيث خلص العلماء بعد فترة قصيرة إلى أن هذا الكتاب هو جزء من إنجيل بطرس الذي ذكره آباء الكنيسة المبكرة من بداية القرن الثالث. ولم يتم العثور على أي أجزاء أخرى من إنجيل بطرس.

اهتم الباحثون في البداية اهتماماً كبيراً بإنجيل بطرس، لكن عندما تم التوصل بالإجماع إلى أن إنجيل بطرس كان عبارة عن تعميم وتعديل غنوصي للأناجيل الكنسية، لا سيما متّى، قاموا بتهميش هذا الأمر بعد فترة قصيرة. إلا أن العلماء في السنوات القليلة الماضية جددوا اهتمامهم بهذا الكتاب، فقام هيلموت كوستر وجون دومينيك كروسان بإثارة هذا الاهتمام من خلال ادعائهم بأن مصدر القصص السردية للآلام الواردة في إنجيل بطرس كان أيضاً مصدر القصص السردية للآلام الواردة في الأناجيل الكنسية.

وهذه ترجمة حرفية إلى حد ما للقصص السردية للآلام في إنجيل بطرس:

(1: 1) ولم يغسل أحد من اليهود يديه، ولا هيرودس ولا أحد من قضاته، وحيث أنهم لم يريدوا أن يغسلوا (2) قام بيلاطس. وبعد ذلك أمرهم هيرودس أن يأخذوا السيد في أيديهم، وقال لهم: ما أمرتكم أن تفعلوا به فافعل

(2: 3) في هذا الوقت كان يقف هناك يوسف صديق بيلاطس والرب، وهو كان يعلم أنهم على وشك أن يصلبوه، فذهب إلى بيلاطس وتوسل إليه أن يقبر جسد يسوع. (4) وأرسل بيلاطس إلى هيرودس يتوسل إليه في جسد المسيح. (5) وقال هيرودس: يا أخي بيلاطس حتى ولو لم يتوسل أحد له كنا سوف ندفنه، لأنه أيضاً السبت يبدأ، لأنه مكتوب في الناموس لا يجب أن تغرب الشمس على المقتول (في جريمة).

وسلمه للشعب قبل اليوم الأول للفطير، حتى في عيدهم. (3: 6) بعد أن أخذوا السيد دفعوه وهم يجرون، وقالوا: هلم نسوق ابن الله، فنحن الآن لدينا السلطة في شأنه. (7) ووضعوا عليه ثوباً أرجوانياً، وأجلسوه على كرسي الحكم قائلين: احكم بالعدل يا ملك إسرائيل. (8) وأحضر أحدهم إكليلاً من الشوك ووضعوه على رأسه. (9) وآخرون وقفوا وبصقوا في عينيه، وآخرون لطموه على خده، وآخرون وخزوه بقصبة، وآخرون جلدوه قائلين: بهذه الكرامة دعونا نكرم ابن الله.

(4: 10) وأحضروا مجرمين اثنين وصلبوا السيد وسطهم. ولكنه ظل صامتاً كما لم يشعر بألم. (11) وعندما نصبوا الصليب كتبوا عليه “ملك إسرائيل”. (12) وطرحوا ملابسه عنه وقسموها بينهم، ووزعوا نصيبهم عليهم. (13) ولكن أحد المجرمين وبخهم قائلاً: هكذا نعاني من الآثام التي فعلناها، ولكن هذا الرجل الذي أصبح مخلص الرجال، أين ألحق بكم ضرراً؟ (14) وكانوا غاضبين جداً منه، وحكموا ألا تقطع رجلاه حتى يموت في عذابه.

(5: 15) في ذلك الوقت كان منتصف النهار، وساد الظلام كل مدن اليهود، وكانوا قلقين وفي جهاد عنيف خشية أن تغيب الشمس عليه وهو لا يزال حياً لأنه مكتوب يجب ألا تغيب الشمس على المقتول (في جريمة). (16) وقال أحدهم أعطوه ليشرب خلاً وخمراً: ومزجوه وأعطوه ليشرب. (17) وحققوا وأتموا خطاياهم على رؤوسهم.

(18) وأشعل العديد قناديل مفترضين قدوم الليل، وبعضهم سقط. (19) وصرخ السيد عالياً قائلاً: إلهي إلهي لماذا تركتني. وعندما قال ذلك كان قد قُبض. وفي نفس الساعة انشق حجاب الهيكل بأورشليم إلى نصفين.

(6: 21) وبعد ذلك قلعوا الأظافر من يد الرب، وطرحوه على الأرض، وارتجت كل الأرض وأتى على الجميع خوف عظيم. (22) وأشرقت الشمس، وكانت الساعة التاسعة. (23) وابتهج اليهود وأعطوا جسده ليوسف ليدفنه لأنه شاهد كل الأعمال الجيدة التي صنعها. (24) وأخذ الرب وغسله ولفه في كتان ووضعه في قبره الذي يدعى بستان يوسف.

(7: 25) وبعد ذلك أدرك اليهود والشيوخ والكهنة كم هو عظيم الشر الذي فعلوه بأنفسهم، وبدأوا يندبون ويقولون: لقد جلبنا البلاء بخطايانا، لقد اقتربت الدينونة ونهاية أورشليم. (26) ولكن كنت مع رفقائي في حزن، وكنا مصابين في عقولنا، فكنا مختبئين لأنهم كانوا يروننا مجرمين كما لو كنا نفكر في إشعال حريق بالهيكل. (27) بالإضافة إلى ذلك كنا صائمين، وظللنا في حزن وبكاء نهاراً وليلاً حتى السبت.

(8: 28) ولكن الكتبة والفريسيين والشيوخ اجتمعوا مع بعضهم لأنهم سمعوا أن الناس يدمدمون ويضربون على صدورهم قائلين: إذا كانت هناك آيات عظيمة حدثت عند موته انتبهوا كل كان هو صالحاً. (29) وكان الشيوخ خائفين، وذهبوا إلى بيلاطس وتوسلوا إليه قائلين: أعطنا جنوداً حتى نحرس القبر ثلاثة أيام خشية أن يسرق التلاميذ جثته فيظن الناس أنه قام من بين الأموات، ويلحقوا بنا الضرر. (31)

وأعطاهم بيلاطس بيترونيوس قائد المائة وجنوداً لمراقبة القبر، وذهب معهم الشيوخ والكتبة إلى المقبرة. (32) ودحرجوا هم وقائد المائة والجنود صخرة كبيرة لحبسه. (33) ووضعوا سبعة أختام عليه، ووضعوا خيمة وظلوا يحرسون.

على الرغم من أن الدراسات البحثية في البداية وصفت إنجيل بطس بالغنوصي، إلا أن الدراسات التي أجريت مؤخراً اعتبرته مساوياً لما جاءت به المسيحية الأرثوذكسية. فإنجيل بطرس يشترك حقاً في العديد من خصائص الأدب المسيحي الأرثوذكسي للقرن الثاني. فهو يعمم التقاليد التي يعمل بها. كما هو ملاحظ في كل من أسلوبه، الذي يفتقد إلى حروف عطف إلى حد ما، ومضمونه. كما أن يشدد على المعجزات أكثر من تشديد الأناجيل الكنسية على ذلك، حيث يجعل من المعجزات تبدو وكأنها براهين قاطعة على الإيمان.

كما يحتوي على بعض الروابط القوية، شفهية ومكتوبة، مع الأناجيل الكنسية. مثل أعمال بيلاطس، القصة السردية الرئيسية الأخرى عن الآلام في ذلك الوقت، ويحتوي إنجيل بطرس على جدلية قوية مناهضة لليهود. وقد يكون هذا ذا صلة مع أوساطه الشعبية، حيث كانت معاداة اليهودية لليهود.

وقد يكون هذا ذا صلة مع أوساطه الشعبية. حيث كانت معاداة اليهودية أقوى في الأوساط الشعبية من أوساطه الشعبية، حيث كانت معاداة اليهودية أقوى في الأوساط الشعبية من أوساط الدوائر الرسمية. أخيراً، يحتوي إنجيل بطرس على عنصر تعبدي واضح، لا سيما ذاك الملاحظ في استخدامه الدائم لكلمة “الرب” بدلاً من “يسوع”.

ومع ذلك، يمكن قراءة إنجيل بطرس على أنه على الأقل وبصورة أولية غنوصي ويروق للمسيحيين الغنوصيين. فالعبارة “ولكنه ظل صامتاً كما لم يشعر بألم.” (4: 10) تروق للمسيحيين الغنوصيين الذين يقللون أو ينكرون معاناة السيد المسيح.

كما ستروق صرخة الهجران ” إلهي إلهي لماذا تركتني” (5: 19) للغنوصيين الذين اعتبروا أن العنصر الإلهي ليسوع هجره قبل وقت قصير من صلبه. فإنجيل بطرس يروق للمسيحيين الأرثوذكس والغنوصيين اللذين يستخدمانه أيضاً، وهذا أمر لا ينبغي أن يفاجئنا. رغم كل ذلك، كلا الفريقين يستخدمان إنجيل يوحنا ورسائل بولس.

إن القضية الأكثر إثارة للجدل في الدراسات البحثية الحالية حول إنجيل بطرس تركز على ما إذا كان الشكل الأول لقصصه السردية عن الآلام كان أيضاً مصدر القصص السردية للآلام الواردة في الأناجيل الكنسية. فهيلموت كوستر وجون دومينيك كروسان يعتبران من أبرز المدافعين عن هذا الموقف، إلا أنهما أخفقا في إقناع جمهور العلماء بذلك. كما تفتقد الرواية الرئيسية لغرضية كروسان الواردة في كتابه “الصليب الذي نطق”، إلى هذا النوع من التحليل النقدي المفصل للمصدر، الأمر الذي طالب به الكثير من العلماء.

إلى أن يطابق أولئك الذين يدعمون مثل فرضية المصدر هذه الخاصة بإنجيل بطرس، مع حجج المصدر النقدية لأولئك الذين يعارضونها أمثال: جويل بي غرين، ريموند ي براون، آلان كيرك، وسوزان ب شيفر. وستبقى هذه الفرضية المثيرة تتمتع بدعم الأقلية. كما تتوافق القصص السردية للآلام الواردة في إنجيل بطرس مع القرن الثاني تماماً، والحجة التي تعارض احتواء هذه القصص على مصدر للآلام قبل الفترة الكنسية تبدو في الوقت الراهن أقوى بكثير من الحجة التي في صالح تلك القصص.

إنجيل مرقص السري

في عام 1958، عثر مورتون سميث في دير مار سابا الأرثوذكسي اليوناني الواقع بالقرب من القدس على نسخة مجتزأة لرسالة مجهولة من إكليمندس الإسكندري إلى تيودور. وقد كتبت نسخة مخطوطة رسالة إكليمندس باللغة اليونانية في القرن الثامن عشر على الأغلب، على ظهر نسخة لرسائل أغناطيوس النوراني التي تعود للقرن السابع عشر.

في هذه الرسالة، يعلم إكليمندس تيودور بإنجيل مرقص “السري”، قائلاً له إنه النسخة “الروحية” الثانية لإنجيل مرقص وإن نفس المبشر هو الذي كتبه. ويقول إكليمندس إن طائفة غنوصية معروفة باسم الكاربوكريتيين كانت قد أساءت تفسير واستخدام هذا الإنجيل، ولتوضيح وجهة نظره، قام إكليمندس باقتباس فقرة واحدة من إنجيل مرقص السري:

“ثم جاؤوا إلى بيت عنيا، فحضرت إليه امرأة هناك مات أخوها وسجدت أمامه قائلة: يا ابن داود ارحمني. فانتهرها التلاميذ. ولكن يسوع غضب ومضى معها إلى البستان حيث القبر الذي دُفن فيه. ولدى اقترابه نّدَت من داخل القبر صيحة عظيمة. فدنا يسوع ودحرج الحجر عن مدخل القبر ودخل لفوره إلى حيث الفتى فمدّ ذراعه إليه وأقامه ممسكاً بيده.

لما رآه الفتى أحبّه وتوسّل إليه البقاء معه. وبعد خروجهما من القبر توجهوا إلى بيت الفتى لأنه كن غنياً. وبعد ستة أيام لقّنه يسوع ما يتوجّب عليه فعله. وفي المساء جاء إليه الفتى وهو يرتدي ثوباً من الكتان على جسده العاري وبقس معه في تلك الليلة، لأن يسوع كان يعلمه أسرار ملكوت الله. وعندما قام عاد إلى الجهة الأخرى من الأردن.

(الجزء 2) وجاءوا إلى أريحا. وكانت أخت الفتى الذي أحبه يسوع وأمه وسالومة موجودات هناك، إلا أن يسوع لم يستقبلهن”.

على الرغم من أن العلماء المستقلين ليم يتمكنوا حتى الآن من دراسة هذه الوثيقة، قبلت الدراسات البحثية بالإجماع تقريباً بأصالة هذا الاكتشاف، وقبلت الأغلبية بأن هذه الفقرات هي حقاً من رسالة إكليمندس. ومع ذلك، فإن صحة إنجيل مرقص السري، الذي كُتب بيد المبشر نفسه الذي كتب إنجيل مرقص الكنسي، هي موضع جدل على نطاق واسع.

وقد قال مورتون سميث، ثم تلاه كروسان وكوستر وغيرهم، إن إنجيل مرقص السري كان مصدراً للقصص السردية الواردة في إنجيل مرقص الكنسي. ورغم ذلك، لا يمكن الدفاع عن هذا الموقف لعدة أسباب:

أولاً، على الرغم من الإجماع الحديث، إلا أنه لم يتم استبعاد إمكانية أن تكون الرسالة رسالة مزورة في القرن الثامن عشر.

ثانياً، لا يمكن في أغلب الأوقات التعويل على استخدام إكليمندس للمصادر، حتى لو كانت رسالته أصلية، هذا لا يعني أن كل ما يقوله عن إنجيل مرقص السري صحيحاً.

ثالثاً، ما نملكه من هذه الوثيقة مجرد رسالة مجتزأة.

رابعاً، لا يوجد إجماع بين أولئك الذين يرون في هذه الوثيقة مصدراً لمرقص.

لذلك، فمن المستبعد أن يكون إنجيل مرقص السري، إن وجد أصلاً، مصدراً لإنجيل مرقص الكنسي. إن جهود سميث لإعادة بناء تاريخ المسيحية المبكرة على هذا الأساس غير المؤكد، حيث يقول إن تقاليد الأناجيل الكنسية اللاحقة أعادت تفسير يسوع الساحر والفاجر جنسياً، تعتبرها الغالبية الساحقة من العلماء ضرباً من الخيال.

وتسهم مخطوطة إجرتون 2 المكتوبة على ورق البردي، التي تسمى أحياناً “إنجيل إجرتون” في دراسة يسوع التاريخي، حيث يعود تاريخها إلى نحو عام 200 م ونشرت لأول مرة في عام 1935، كما أنها غير كاملة وتالفة إلى حد بعيد. وتُبرز القصة السردية الأولى والمجتزأة الواردة في هذه المخطوطة نزاعاً بين يسوع وخصومه المحامين بشأن انتهاك يسوع لشريعة موسى. ويروي قسمها الثاني قصة شفاء الأبرص، وجدلاً حول دفع الضرائب. تُختتم بمعجزة ليسوع في نهر الأردن لا تؤكدها الأناجيل الأخرى.

إن قيمة مخطوطة إجرتون 2 المكتوبة على ورق البردي محل نزاع، لكن يخلص معظم الباحثين من طبيعتها المجتزأة ودمج قصصها السردية بين عناصر غنوصية وعناصر خاصة بيوحنا أنها عمل معاد صياغته في وقت لاحق لتقاليدهم. من ناحية أخرى، يقول هيلموت كوستر إن هذه المخطوطة تشهد على المرحلة المبكرة لتقاليد يسوع حيث لا ينفصل التيار الغنوصي والتيار الخاص بيوحنا عن بعضهما بعضاً.

صعود يعقوب

بين مسيحيي القرن الثاني والثالث الذين جمعوا ما بين المسيحية واليهودية فيما عُرف باسم “المسيحية اليهودية”[1]، كان أدب الأناجيل شائعاً في تلك الفترة. ونعرف ثلاثة أناجيل أساسية عنت طريق استشهاد كتّاب مسيحيين بها: إنجيل الناصريين، وإنجيل الإيبونيين، وإنجيل العبرانيين.

ولسوء الحظ لم تحفظ الكنيسة العظيمة هذه الأناجيل، وبقي منها النزر اليسير من خلال الاستشهاد بها في كتب أخرى، مما يجعل من معرفتنا بها أمراً صعباً غير مؤكد. وحسب “إ. ف. جيه. كلين” الذي يقول: رغم الإشارات العديدة للأناجيل المسيحية اليهودية في الأدب القديم وأدب العصور الوسطى، فقد بقي الكثير منها غامضاً وبالأخص فيما يتعلق بالأرقام والأسماء التي عرفت بها أصلاً، واللغة التي كتبت بها.

لقد كان إنجيل الناصريين ذا صلة وثيقة بإنجيل متّى، والذي ظنّ الكثير من المسيحيين القدامى خطأ أنه كتب أصلاً بالعبرية أو الآرامية. ويشهد على أشهر إنجيل مسيحي يهودي معروف لكتّاب الكنيسة العظيمة، ثلاثة وعشرون اقتباساً من العصور القديمة، وثلاثة عشر اقتباساً من العصور الوسطى مما يدل على أقدمية الاهتمام بهذا الإنجيل.

وسمي إنجيل الإبيونيين على اسم المجموعة المسيحية اليهودية. وقد بقيت سبع إشارات لهذا الإنجيل فقط، وكلها من مُلاحق المهرطقين إبيفانيوس الذي عاش في القرن الرابع. وقد بقيت سبع إشارات لإنجيل اليهود أيضاً.

وعند الحكم من خلال هذه العينة الصغيرة من الإثباتات، نجد أن هذا الإنجيل كان على الأرجح مستقلاً أدبياً عن الإنجيلين الآخرين، وعن الأناجيل الكنسية الأربعة، حيث تعود هذه الأناجيل الثلاثة بالزمن إلى منتصف القرن الثاني. وبحكم تاريخها المتأخر وتوجهاتها المسيحية اليهودية وطبيعتها المجتزأة، تترك لنا هذه الأناجيل القليل أو لا شيء مما من شأنه إفادتنا في دراسة شخصية يسوع التاريخي.

وبقيت وثيقة مسيحية يهودية واحدة فقط سلمت من التلف، وهي مذكورة في كتاب وثقه إبيفانيوس تحت اسم “صعود يعقوب” يعود إلى منتصف القرن الثاني. وتمّ دمج “صعود يعقوب” الآن بصورة مجتزأة بمجموعة كبيرة من المواد الأدبية تدعى الاعترافات الكليمنتية الكاذبة، ويُزعم أنها قصة إكليمندس وهو من أوائل أساقفة روما وشريك بطرس.

وكتبت هذه الوثيقة في الأصل باليونانية وبقي منها إلى هذا الحين النسخ اللاتينية والسريانية فقط. إن “صعود يعقوب” هو وثيقة مسيحية يهودية تخبرنا قصة أتباع الله من أيام إبراهيم إلى الكنيسة المبكرة. وتصور يسوع كنبي مثل موسى والمسيح المنتظر. ويشير العنوان اليوناني للوثيقة “أناباثموي لاكوبو” إلى رحلات “الصعود” إلى المعبد لعقد مناظرات مع الكاهن الأعلى حول يسوع، وهي مناظرات كان بإمكانها جذب كامل الأمة اليهودية إلى المسيحية، ما لم يتدخل “الأعداء” (بولس المتخفي).

يحوي “صعود يعقوب” سرداً قصيراً لآلام يسوع يمثل مجموع المحتويات ككل، والنسخة اللاتينية، التي يختلف عنوانها قليلاً عن النسخة السريانية، وهي كما يلي:

(1-41-2) هذا النبي مثل موسى والذي تنبأ بصعوده بنفسه، ورغم شفائه لكلّ مرض وعلّة أصابت الناس، واجتراحه لمعجزات لا تحصى، ونشره لتعاليم حول الحياة الأبدية، إلا أن الأشرار اقتادوه إلى الصليب. لكن هذا الصنيع تحول إلى شيء خيّر بفضل قوته. (3) وأخيراً عندما عانى، شاركه المعاناة كل العالم. حيث أظلمت الشمس، واضطربت النجوم، وهاج البحر، وتحركت الجبال، وانفتحت القبور، وانشق ستار المعبد، كما لو كان يبكي الدمار الحاصل في المكان. (4)

ورغم هذا وذاك، ومع أن العالم بأكمله اهتز، إلا أنهم أنفسهم لم يتأثروا بهذه الأحداث العظيمة…. (ويأتي بعد ذلك نقاش مختصر عن مهمة من مهام المسيحيين من أجل “تلبية الرقم” الذي ظهر لإبراهيم).

(43-3) وفي هذه الأثناء، وبعد معاناته وبعد أن لفّ الظلام العالم بأسره من الساعة السادسة إلى التاسعة، وعندما عادت الشمس إلى وضعها الطبيعي، عاد الأشرار مجدداً إلى طبيعتهم وعاداتهم القديمة، لأن خوفهم انتهى. (4) وبعضهم قام بعد حراسة المكان بعناية شديدة بوصفه بالساحر، الذي لم يتمكنوا من منعه من الصعود، وادّعى البعض أن جسده سُرق[2]. (الاعترافات الكليمنتية 1-41-2-4، 43-3-4).

إن سرد الآلام هذه أقصر بصورة ملحوظة من ذاك الوارد في الأناجيل الكنسية، لكنه رغم قصره يُظهر ثلاثة مجالات للاعتماد على مواد سردية للآلام يتصف بها إنجيل متى بصورة حصرية. ونظراً لعدم وجود النسخة اليونانية من “صعود يعقوب” فلن نستطيع التأكد من الكلمات الأصلية، لذا فمن المستحيل أن نحدّد بكامل الثقة كون هذا الاعتماد حرفياً أو شفهياّ.

أولاً، يأخذ نص “صعود يعقوب” كلمات متى “اهتزاز الأرض” (27: 51) ويضيف عليها “وهاج البحر” (اعترافات 1-41-3). حيث يضيف هذه الكلمات للدلالة على اشتراك كل العالم المحسوس في أعجوبة موت المسيح، كما يؤكد القسم (1-41-3) بذكره الجملة التالية: “عندما عانى، شاركه العالم بأكمله المعاناة”.

ثانياً، “صعود يعقوب” يربط ما بين اهتزاز الجبال (متى 27: 51 تزعزعت الصخور) وانفتاح القبور، وهو حدث ورد في إنجيل متّى على أنه حصل عند قيامة المسيح من موته.

ثالثاً، يحاكي نص “صعود يعقوب” التقليد المستخدم في إنجيل متّى حول حراس قبر المسيح (متّى 27: 62 إلى 66، 28: 11 إلى 15). وبصورة عامة، يتبع نص “صعود يعقوب” نظام إنجيل متّى في هذه الأعجوبة. ويطوّر النص لأغراض خاصة به مواد سردية للآلام الخاص بإنجيل متى، رغم عدم تماثلها بالشكل الذي يمكننا فيه اعتبارها مستمدة من المصدر “م”.

وهناك ميزة أخرى للقصص السردية للآلام في “صعود يعقوب” وهي النظرة غير الخلاصيّة أو الفدائية لهذه الآلام، فبالنسبة للجمهور الذي قرأ هذه الوثيقة، لم يجلب صلب يسوع لهم الخلاص، ولم يُصوّر موت يسوع كتضحية عن الخطيئة، إذ لم يكن هناك أي ذكر لكون يسوع حمل الرب ولا تأكيد على براءته، ولم يُذكر أن لموته سلطة تكفّر عن الذنوب والخطايا، وبالأحرى يأتي الخلاص عبر المعمودية باسم يسوع، وهي معمودية جاء بها يسوع ليستبدل بها الأضاحي في المعابد (اعترافات 1. 39. 1-2، 1. 55. 3-4، 1. 69. 8-1. 70. 1).

حيث يأتي الخلاص من خلال المعمودية التي علّمنا إياها يسوع وليس من خلال موته.

إن افتقار هذه الوثيقة إلى التأكيد على أهمية الخلاص في موت يسوع تتوافق مع كثير من كتابات المسيحية اليهودية المبكرة. وهذا يوضح لنا السبب وراء وجود اهتمام بالغ في “صعود يعقوب” انصبّ على الأعاجيب التي رافقت موت يسوع، إنها أعاجيب مثير للإعجاب طالما أنها تدوم، ولكنها تفقد هذه الخاصية حالما تنتهي. وهذا يعني أن الأعاجيب التي رافقت الصلب تشكّل الموضوع الحقيقي لهذا القسم، لا بل ويُمكن لنا أن ندعوه سرداً للأعاجيب بدلاً من سرد للآلام.

إن هذا يُشكل تبايناً مثيراً للاهتمام مع إنجيل بطرس، والذي يروّج لفكرة القوة الواضحة والمقنعة للأعاجيب بصورة دائمة. وتطلّب إقناع الشعب اليهودي أن يسوع هو المسيح المنتظر قدرة يعقوب أخ يسوع في الإقناع. كما أن افتقار النص إلى خاصية الإقناع الدائم بالأعاجيب يشرح التناقض الكبير في سرد هذه الوثيقة لآلام يسوع.

فلم يعتنق الشعب اليهودي الدين الجديد عند معاينته لصلب يسوع، فتوجب عندها على المسيحيين أن يأخذوا على عاتقهم مهمة التعويض عن حالة النقص تلك. وربما كانت تلك أول حالات التفكير المنطقي للكنيسة المسيحية اليهودية المبكرة متمثّلة بمهمة المسيحيين تلك.

النتيجة

وجدنا أن الأغرافا لديها عدد محدود من الشهود على تعاليم يسوع التاريخي. ورغم أن النتائج شحيحة على نحو يثير الإحباط، تظهر لدينا بعض الأقوال المعزولة والمرشّحة للتمتع بالموثوقية. وقد قمنا بطرح المسألة المنهجية للتعميم، أي أن ما يعتبر صحيحاً وموثوقاً في “الأغرافا” معلّق بوجود تحديد مسبق لما يعتبر صحيحاً وموثوقاً في الأناجيل الكنسية، مع التوصل إلى نتيجة أن “الأغرافا” الموثوقة تميل لنسخ الأقوال المذكورة في النصوص الكنسية بحرفيتها.

ويجب على البحث المستفيض أن يوضّح فيما لو كان اتباع هذا المنهج سيؤدي إلى التوصّل إلى نتائج تكون محافظة زيادة عن اللزوم.

ثانياً، هل تأتي مصادر إنجيل بطرس وإنجيل مارك السري تباعاً بعد الأناجيل الكنسية؟ إن هذا، كما رأينا، أمرٌ غير مرجّح كثيراً. قد تُذكر فيها بعض الأفكار المتبصّرة والمتفرقّة والمساهمات البسيطة، ولكن كونها براهين صحيحة على شخصية يسوع التاريخي، هو برمتّه، أمرّ واهٍ يتعذّر الدفاع عنه.

ثالثاً، يمثّل إنجيل توما حالة متفردّة. فهو كوثيقة، يعود للقرن الثاني في أيام المسيحيين الغنوصييّن. كما أن العديد من الأقوال المفردة المذكورة فيه قد تمّ اعتبارها بدقّة أقوالاً مهمّة في البحث عن تعاليم يسوع. بيد أنه لا يمكن النظر إلى أسلوب توما على أنه يدعم بصورة مقنعة عمليات إعادة صياغة “ق” التي تجعل من يسوع رجلاً حكيماً فحسب.

إن المعلومات التي وردت عن يوحنا المعمدان في “ق”، ومراجعه الواضحة حول أعاجيب يسوع وسرده لأعجوبة واحدة ومراجعه القوية المصدر عن موت ومجيء يسوع، كلّ هذه الأمور، تميّز هذه “ق” عن إنجيل توما. ورغم اختلاف الأسلوب ووجود موقف متباين إزاء الأعاجيب في “ق” وفي إنجيل مرقص، إلا أن “ق” أقرب في وجهة نظره إلى إنجيل مرقص أكثر من إنجيل توما.

رابعاً، هل نجد في القرنين الثاني والثالث أية معلومات تاريخية قيّمة ومستقلّة عن يسوع تمكّننا بصورة ملحوظة من مراجعة وتعديل فهمنا لشخصيّته؟ أو بكلام آخر، هل تخبرنا الكتابات الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة أي معلومة تاريخية عن يسوع لم نكن نعرفها مسبقاً عنه مع وجود بعض الأمور التي تؤكد هذه المعلومة من الأناجيل الكنسيّة؟

إجمالاً، وعلى الأرجح هذه ليس بصحيح، يسوع لم يكن معادياً للساميّة، كما يلمح إلى ذلك إنجيل بطرس، ولم يكن “رجل أقوال وكلام تافه” كما صورّه إنجيل توما، ولم يكن بالتأكيد فاسقاً ماجناً كما صوره إنجيل مرقص السري. فلم تكن مصادر القصص السردية لآلام يسوع من القرنين الثاني والثالث على الأرجح المصادر الكنسيّة للقصص السردية لآلام يسوع.

وأخيراً وليس آخراً، إن القيمة التاريخية الأساسية لهذه الوثائق مترسّخة في زمانها ومكانها. وينطبق الأمر ذاته بالطبع على الأناجيل الكنسيّة، إلا أنها أقرب زمنياً من فترة كهنوت يسوع العام ومن المرجح أنها خضعت للنقد والتصحيح من جانب أتباع يسوع من الجيل الأول من المسيحيين. وبذلك، وباتباع القواعد المقبولة عموماً للإثبات التاريخي، تكون الأناجيل الكنسية ذات قيمة أكبر في فهم شخصية يسوع التاريخي. وإن الكتابات التي تأملنا فيها أعلاه تعطينا منظوراً غنياً عن تنوّع المسيحيّة بعد حقبة العهد الجديد.

كما تعكس تلك الوثائق الآراء المتنوعة ضمن المذهب الغنوصيّ، وعمق الميول الشعبيّة في الأرثوذكسية الناشئة والشاهد المميّز للمسيحية اليهودية. ففي بعض النقاط المحدّدة، تقدم لنا هذه الوثائق بعض المعلومات القيّمة عن يسوع والمسيحية المبكرة.

ورغم الاقتراحات الصارخة التي تدعو إلى إعادة صياغة يسوع والمسيحية المبكرة على أساس وثائق القرنين الثاني والثالث، الحقيقية منها والافتراضيّة، ترى الدراسات الحالية عموماً قيمة تلك الكتابات في أنها في المقام الأول شهود على العصور التي كتبت فيها، وعلاقتها مع العهد الجديد، رغم أن تلك مسألة مهمّة ودائمة، قد قلّ مستوى الاهتمام بها، في حين يتمّ إيلاء الجانب الأكبر من الاهتمام على دورها في إعادة تركيب التاريخ الديني والاجتماعي للمسيحيّة في القرنين الثاني والثالث.

ويمكن ملاحظة هذه النزعة في الدراسات والبحوث، على سبيل المثال، في مقدّمة وليم ستروكر عن “الأغرافا” وفي النسخة الإنكليزية المنقحّة للعمل المرجعي المؤثر لفيلهلم شنيميلتشر بعنوان “أسفار الأبوغريفا المنتحلة في العهد الجديد”.

ما هي الخطوط العريضة التي ستتكشّف أمامنا من خلال هذه الدراسة عن يسوع خارج إطار العهد الجديد؟ إن دليل الكتّاب غير المسيحيين يعامل وبنفس الشكل يسوع على أنه شخصيّة تاريخية، إذ لم يكن معظم المؤلفين والكتّاب غير المسيحييّن مهتميّن بتفاصيل حياته وتعاليمه، وراحوا ينظرون إلى شخصيتّه من خلال المسيحية التي عرفوها حينئذ…

فقدّموا برهاناً مؤكّداً لكن موجزاً لتقاليد تاريخية محدّدة في العهد الجديد تتعلّق بخلفية عائلة يسوع والفترة التي عاشها وكهنوته وموته، كما وقدّموا دليلاً على محتوى الوعظ والتبشير المسيحي المستقل عن العهد الجديد. ويبقى الإثبات الوثني ليسوع شيقاً وساحراً، رغم وصوله إلى استنتاجات ثابته نسبياً في البحث المعاصر. ويقدّم الإثبات اليهودي صورة أكمل ليسوع، أيضاً مع وصول البحث إلى استنتاجات ثابتة. وفيما يخصّ الإثبات المسيحي من خارج الأناجيل الكنسية، فإن البحث هو في وضع مغاير تماماً لما ذُكر سابقاً.

إذ يتمّ بذل جهود جبارة لإدراك مصادر الأناجيل، لا سيما “ق” لكن البحث المتواصل في “ل” ومصدر إشارات يوحنا سيساهم في وضع صورة أكمل وأكثر توازناً ليسوع. بالنسبة لعدد كبير من الباحثين، تحمل الكتابات الأدبية من القرن الثاني بين ثناياها الوعد في إعادة اكتشاف الأصول الحقيقية ليسوع وللكنيسة المبكرة، وقد رأينا أن بعض أهم المعلومات عن التقاليد الأولى المتعلّقة بيسوع قد نشأت عن دراسة هذا الأدب.

إلا أن الاقتراحات الأكثر تطرفاً تكون بعيدة الاحتمال، ويعتمد ذلك على تطبيقها على الافتراضات المتعدّدة وعلى النقد الجدلي للمصدر وعلى عمليات إعادة الصياغة التي تطلبت بذل جهد كبير لتاريخ التقليد المتعلق بيسوع. لذا لم يبق أمامنا إلا الخطّان الرئيسان لنتأمل فيهما والتفاصيل حول حياة يسوع وتعاليمه مع العهد الجديد. كما ستشير دراستنا ليسوع خارج نطاق العهد الجديد إلى نهاية وجود يسوع داخل نطاق العهد الجديد.

[1] لا يمكن الخوض بصورة كاملة في القضية الجدليّة المتعلقة بتعريف “المسيحية اليهودية”. ولكننا يمكن أن نفهمها على نحو غير رسمي على أنها: ذلك القسم من المسيحيّة المبكرة التي غلب على المنضميّن إليها اليهود بالولادة أو الاعتناق. وفي الممارسة، على الأخص التقيّد بشريعة موسى، وفي الاعتقاد والإيمان، كمحاولة التعبير عن المسيحية بمفاهيم يهودية. وكما اقترح عدد من الباحثين، فإن التسمية “اليهود المسيحيون” هي غالباً أدقّ من تسمية “المسيحيون اليهود”.

[2] فان فورست، صعود يعقوب، 56-58.

أبوكريفا العهد الجديد: تقاليد وأساطير حول يسوع – يسوع التاريخي

علم الآباء 1 – تعريف علم الباترولوجي Patrology

علم الآباء 1 – تعريف علم الباترولوجي Patrology

علم الآباء

تعريف علم الآباء:

كلمة (Partology) مأخوذة من الكلمة اللاتينية (pater) واليونانية “ρηταπ” اي (أب)[1]، (logia) أي (علم)، فالباترولوجي هو العلم الذي يبحث في حياة آباء الكنيسة، من حيث أعمالهم (أقوالهم وكتاباتهم)، وأفكارهم اللاهوتية، ويقوم بتحقيقها عِلمياً وترجمتها إلى اللغات الحيّة ونشرها.

ونحن عندما نُقنِّن أقوال الآباء ضمن العلوم، فهذه لأَّنها حقائق ثابتة، كما أنها تحمل سمات المعرفة المنظَّمة ذات الهدف الواضح..

أهمية دراسة علم الآباء:

إنَّ دراسة سير الآباء أو حياتهم هو أمر حيويّ، من خلاله نتعرف على شخصياتهم والظروف المحيطة بهم، التي من خلالها سجلوا لنا كتابتهم، كذلك أعمالهم سواء كانت أقوال او كتابات أو رسائل.. فهي جزء لا يتجزأ من تاريخ حياتهم.

ونحن عندما نقول: إنَّ الكنيسة الأرثوذكسية لها جذور آبائية قوية، فهذا إنما يرجع إلى تعاليمها التي استمدتها من الكتاب المقدس وكتب الآباء، ولهذا يقول معلمنا بولس الرسول: “اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ بِكَلِمَةِ اللهِ، انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرتَهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب 7:13)، فدراسة كتابات الآباء ليست دراسة نظرية أو أدبيّة فقط، إنما تشمل فكر الآباء اللاهوتيّ والروحيّ والرعويّ، كما تشمل سيرهم، حياتهم، نسكياتهم…

من خلال دراسة أقوال الآباء، نستطيع أن نأخذ منهجهم وروحهم في العبادة، فالعبادة الحقيقية هي بالروح وليست مجرد كلام، وبالحق وليست شكلية، لأنَّ “اَللَّهُ رُوحٌ وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالروُّحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا” (يو 24:4)، فهناك امتزاج بين التعليم والتلمذة.

ومَن يتأمل في حياة السيد المسيح، يجد أنَّه لم يترك لتلاميذه إنجيلاً مكتوباً، بل علَّمهم أن يتمثلوا به “نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ” (1بط 15:1)، وعندما غسل أقدام التلاميذ قال لهم: “لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً” (يو 15:13).

يقول معلمنا القديس يوحنا الحبيب: “مَنْ قَالَ إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ، يَنْبَغِي أَنَّه كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هَكّذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضاً” (1يو 2:6)، أمَّا معلمنا القديس بطرس الرسول فيقول: “لأَنَّكُمْ لِهَذَا دُعِيتُمْ فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكاً لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُواتِهِ” (1بط 21:2).

فعمل علم الآباء الأساسيّ هو التعرّف على حياة الكنيسة الأولى، إيمانها وروحانياتها، فكرها اللاهوتيّ والمسكونيّ والنُسكيّ… فالهدف من دراسة علم الباترولوجي هو الكشف عن فكر الآباء من حيث عقائدهم وتعاليمهم وكتاباتهم.

بهذه الطريقة عاشت الكنيسة الأرثوذكسية ترتوي بتعاليم الآباء التي أوصى بها العريس عروسه “إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ” (نش 8:1)، وما آثار الغنم إلاَّ الآباء الذين نرتوي من تعاليمهم وسيَرهم وعقيدتهم.

كلمة أب لُغَوّياً وكتابياً وكنسياً:

لغوياً:-

ترجع أصل كلمة (أب) في العبرية، والأرامية والعربي Abba ، وفي اليونانية ρηπατ ، وفي الفرنسية  ABBE وتعني أب روحيّ.

وفي الإنجليزية عندما تأتي مُعَرَّفة (The Abbot)، يُقصد بها الراهب الذي يتولى الأبُوّة الروحيّة أو الإرشاد والتوجيه أو رئيس الدير، وقد وُجِد في مخطوطات ترجع للقرن الرابع الميلاديّ أن كلمة (ABA) في كتابات بلاّديوس تحمل هذا المفهوم، هذا وقد استخدمها المصريّ القديم بمعنى شيخ متقدم في الحكمة، كما كان يُستخدَم هذا اللقب في مخاطبة رب البيت، ولم يكن مسموحاً للخدم والعبيد استخدام هذا اللقب في مخاطبة رب البيت[2]

كتابياً:-

إنَّ الاسم “أب” هو لفظ تُعطيه التوراة لوالد الابن أو الأبنة وللجد (تك 13:28)، (خر 3:12)، (عب 23:11)، ولجد مجموعة معينة (تك 21:10)، (مت 9:3).

كذلك استخدمت كلمة “أب” في الكتاب المقدس، للحديث عن الجيل الأول من المؤمنين في العهد القديم، فكان يهوه يُدعى “إِلهِ آبَائِنّا” (تك 26:24؛ 28:13؛ 5:31؛ 1أخ 17:12؛ 2أخ 6:20؛ طوبيا 13:3؛ 7:8؛ دا 26:3؛ يهوديت 8:10). كما كان اللقب الرسميّ للكتبة في التقليد اليهوديّ هو “آباء”[3].

وفي العهد الجديد استخدمها السيد المسيح في علاقته مع الآب: “يَا أَبَا الآبُ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ” (مر36:14)، ونحن نستخدمها في علاقتنا مع الآب أيضاً: “إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا روُحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضاً لِلْخَوْفِ بَلْ أَخَذْتُمْ روُحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: يَا أَبَا الآبُ!” (رو 15:8)، “ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ روُحَ ابْنِهِ إلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخاً: يَا أَبَا الآبُ” (غل 6:4)، ولكن مع الفارق، فالآب أب للمسيح بالطبيعة، أمَّا نحن أبناء الله بالتبني. الله وحده هو “الآب”، فأُبَّوة الله لنا فريدة، تصل إلينا عن طريق التعليم والحب من أولئك الآباء الذين يلدونا عن طريق التعليم.

وقد استخدم معلمنا بولس الرسول الكلمة لوصف علاقة الإيمان، فإبراهيم هو “أَبٌ لِجَمِيعِنَا” (رو 16:4)، وعن علاقته بالمؤمنين يقول: “لَيْسَ لِكَيْ أُخَجِّلَكُمْ أَكْتُبُ بِهَذَا بَلْ كَأَوْلاَدِي الأَحِبَّاءِ أُنْذِرُكُمْ لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدينَ فِي الْمَسِيحِ لَكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ” (1كو 14:4،15)، كما يقول عن أُنسيمس “أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي” (فل 10).

كما جاءت كلمة “أولادي” في رسائل القديس يوحنا الحبيب: “يَا أَوْلاَدِي أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا” (1يو 1:2،12،13،18،28؛ 1يو 7:3).

كنسياً[4] :-

جرت العادة منذ وقت قديم جداً على تسمية مُعلّمي الكنيسة ومؤلفي الكتابات المسيحيّة الأولى باسم “آباء الكنيسة”[5] ارتبطت كلمة (أب) في الكنيسة الأولى بالتعليم، فالآباء هم مُعلّمو “الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه3)، تميّزوا باستقامة الرأي وقداسة السيرة، وكان التعليم في الكنيسة مقتصراً على الأب الأسقف، لذلك كانت كلمة (أب) مقتصرة على الأسقف، لذا يسميهم القديس إيريناؤس: “أما الأساقفة المُؤتَمنون على التعليم الرسوليّ…”[6]، ولكن بظهور البدع والهرطقات في القرن الرابع الميلاديّ، أعطت الكنيسة فرصة لأُناس لا يحملوا رتباً كهنوتية للتعليم، فالقديس أُغسطينوس يعتبر أنَّ جيروم أباً مع أنَّه لم يحمل رتبة كهنوتية[7]، لكن لكونه معلّم أُطلق عليه هذا اللقب، لأنَّه يلد المؤمنين روحياً في كنيسة المسيح، فكلمة (أب) ترتبط بالكهنوت والتعليم أيضاً، وهذا ما أوضحه معلمنا القديس بولس الرسول: “أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ” (1كو 15:4)، أي أن الولادة تكون بالتعليم والكرازة، فالمسيحيّة حياة تلمذة وتسليم، هذا التسليم هو التقليد بكل جوانبه من عقائد، ليتورجية، تاريخ، سير الآباء..

يقول القديس إيريناؤس Ireneus أسقف ليون (130-200م) في كتابه ضد الهراطقة: “حينما يتعلّم شخص من فم شخص آخَر، فإنَّه يُسمَّى ابناً للذي علَّمه، والذي علَّمه يُدعَى أباه”[8].

أمَّا القديس أكلمنضس السكندريّ (150-215م) فيقول: “الكلمات هي ذُريّة النفس ولذلك ندعو الذين علَّمونا آباء لنا، وكل من يتعلَّم هو من جهة الخضوع ابن لمُعلَّمه”[9].

وقد لُقب القديس بوليكاربوس أسقف أزمير (69-156م) بلقب: “معلَّم آسيا، أب المسيحيّين”، فعند استشهاده صرخ الوثنيون: هذا هو أب المسيحيّين، وبمرور الوقِت تحوّلت تسمية البابا او البطريرك إلى لقب يُطلق على أساقفة الكراسيّ المسيحيّة الكبرى وهي: الإسكندرية وروما[10].

كما يعتبر (VINCENT) ببلاد الغال – فرنسا – (434م)، أنَّ الآباء هم معلّمو الكنيسة دون تمييز بينهم في الرتب الكهنوتية.

بناء على هذا يمكن القول إنَّ كتابات آباء الكنيسة تعني ما حفظ من كتابات، من أيام الرسل حتى يومنا هذا لآباء قديسين مجاهدين، رأوا الله واختبروا خلاصه، فعبَّروا عن ذلك بالروح القدس العامل فيهم، وهذه الكتابات تُعتبر من تراث الكنيسة الأولى، لأنَّها استمرار أصيل للتسليم الرسوليّ الأول، والمرجع الأفضل لتفسيره ومعايشته، فالروح القدس العامل في الكنيسة إلى الأبد، الذي أرشد الاباء الرسل والقديسين في كل عصر إلى جميع الحق: “وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزّياً لِيمَكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ” (يو 16:14).

الصفات الواجب توافرها في آباء الكنيسة:

يجب أن يكون للأب مقالات أو كتب أو رسائل أو أقوال كتبها هو أو سجلها له أبناؤه، وقد جرى العُرف على ضرورة توفر (4 صفات)[11] في مَن يُعتبرون آباء كنيسيين ألاَ وهي:

  1. أرثوذكسيّ العقيدة :-

أي مستقيم الإيمان ويحافظ على الإيمان السليم الذي تسلّمه من الآباء، حيث أن أقوال الآباء في العقيدة تُعتبَر حُجة يؤخذ بها، ولهذا يقول فنسنت دي ليرنس Vincent de Lerins (434م): “لو أُثير سؤال جديد لم يكن قد اتُّخِذَ قرار بشأنه قبل ذلك، فينبغي الرجوع إلى آراء الآباء القديسين، وعلى الأقل إلى أولئك الذين كانوا مقبولين كمُعلمين يحظون بالاعتراف من الجميع، بسبب أنَّهم ظلوا في الشركة والإيمان، هؤلاء الآباء قد علَّموا بفكر واحد واتفاق تام”[12].

ولكننا نوضح أنَّ الكنيسة الأرثوذكسية لا تؤمن بعصمة الآباء، ولا تقبل الرأي الشخصيّ لهم، إنَّما تعرفهم من خلال عضويتهم في جسد المسيح الواحد، كما أنَّ علم الباترولوجيّ يمكن أن يستفيد من آراء العلماء، الذين كانت لهم علاقة وثيقة بالآباء، ولكنهم سقطوا في هرطقات مثل العلاَّمة “ترتليان Tertullian”[13]، “وتاتيان Tatian”[14]، و”أوريجانوس Orgenes”[15].

كما يمكن أن ندرس أيضاً كتب الهراطقة وكتب الأبوكريفا لنتّفهم ما عانته الكنيسة الأولى من الهرطقات وكيف جابهها الآباء، ونتعرّف كيف شهدت الكنيسة للحق بالرغم من مقاومة الهراطقة، فذلك يمثل جزءاً من تاريخ الكنيسة. كما نتعرّف على ما قابلته الكنيسة من اضطهادات داخلية، وهكذا نتعرف على العقيدة السليمة.

أخبرَنا البابا ديونيسيوس (البطريرك الرابع عشر)، أنَّه اعتاد أن يقرأ حتى كتب الهراطقة، وأنَّه قد تشجعَ على ذلك بواسطة رؤيا إلهية، ففي رسالته الثالثة عن المعمودية التي كتبها إلى القَسِّ الرومانيَّ فليمون يقول: “فَحصت أعمال وتقاليد الهراطقة، مُدنساً عقلي وقتاً قصيراً بآرائهم الكريهة، ولكنني حصلتُ على هذه الفائدة منهم، وهي أنني قد فنَّدتُ آرائهم بنفسي، وعندما حاول أحد القسوس أن يمنعني خشية أن أحمل تيار شرهم ونجاستهم، كنت أرى أيضاً أنه يقول الحق، أتتني من الله رؤيا شددتني، والكلمة التي أتتني أمرتني قائلة بكل وضوح أن أقرأ كل ما يمكن أن تصل إليه يديك، فإنك قادر أن تُصحِّح كل شيء وتمتحنه، فإن هذه العطية هي سبب إيمانك منذ البداية، فقبلتُ الرؤيا على أساس أنَّها تتفق مع الكلمة الرسوليّة القائلة لمَن هم أقوى مني: “كونوا صيارفة ماهرين”[16]، وقد أهَّلته قراءاته المكثفة في كتب الهراطقة على الرد عليهم مستعيناً بما ورد في كتاباتهم، مع ملاحظة أن هذا الفكر لا يمكن تعميمه على الكلّ، فقد يتعثر البعض من القراءة في كتب الهراطقة، فيقول مُعلمنا القديس يوحنا الرسول: “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ روُحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الآَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لآَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةَّ كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ” (1يو 1:4).

  1. قُدسيّة حياتهم :-

في دراستنا لعلم الباترولوجي لا ندرس أقوال أو كتابات الآباء دراسة أدبيّة فقط؛ بل نأخذ تعاليمهم ممتزجة بروحياتهم وحياتهم، فقد قدّم الآباء حياتهم شهادة لاسم الله القدوس، حيث إن حياة القداسة التي يحياها الآباء تنعكس بصورة مباشرة على أقوالهم “الإنسان الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ وَالإنسان الشِّريِّرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّريِّرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ. فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ” (لو 45:6).

  1. قَبولهم كنسياً :-

نحن لا نعرف الآباء إلاَّ من خلال عضويتهم في جسد المسيح الواحد، والمجامع الكنسيّة الأرثوذكسية تفرز الكتابات والآراء غير مستقيمة العقيدة، كما أنَّها تحرِم الذين يحيدون عن الأمانة المستقيمة وتعتبرهم هراطقة.

  1. القِدَميَة :-

يضع بعض علماء الباترولوجي شرط (الزمن) بمعنى أن يكون الأب منتمياً إلى الكنيسة حتى زمن معيَّن، حدَّدها البعض بالقرن السادس وآخَرونَ بالقرن الثامن، ويرى آخَرون أن عصر الآباء ممتد مادام الرب يرافق الكنيسة ويعمل فيها، لهذا لا ينقطع عنها آباء قديسونَ معلّمونَ[17].

لكن يرى الآباء من الناحية الروحيّة أن القِدَميَّة ليست زمنية فقط، بل الشهادة للأمانة السليمة الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه3)، والقدمية الزمنية لم تتوفر لكل الآباء، وخاصة الذين جاءوا بعد صياغة مضمون العقيدة المسيحيّة المستقيمة، فيما يتعلق بالثالوث القدوس ومساوة الأقانيم والتجسد والفداء وعقيدة الروح القدس أي فيما قررته المجامع المسكونية الثلاثة الأولى حتى القرن الخامس.

لم يتخصص آباء الكنيسة في كل العلوم والمجالات الكنسيّة، فمنهم مَن دافع عن العقيدة وصاغوا الإيمان، ومنهم مَنْ حضر المجامع.. ولهذا لُقبوا بالآباء معلمو العقيدة…

الآباء معلمو العقيدة :-

وهم الذين ساهموا في تحديد مضمون الإيمان، الذي تسلمته الكنيسة من الآباء الرسل أو صياغته أو شرحه، مع مراعاة أنَّ الآباء منهم الأساقفة أو الكهنة أو المؤمنونَ العادِّيونَ، فهم امتداد للآباء الرسل القديسين، فهم الذين قاموا بتوصيل إيمان الرسل إلى الكنائس، واعْتُمِدَتْ كتاباتهم كمصدر للتعليم.

الكنيسة في تحليل الخدام تأخذ الحِل من الآباء الرسل ابتداء من القديس مارِمرقس الرسول؛ ومن الآباء مُعلمي العقيدة: البطريرك القديس ساويرس، ومعلمنا القديس ديسقورس، والبابا أثناسيوس الرسوليّ، والقديس بطرس خاتم الشهداء، والقديس يوحنا ذهبيّ الفم والقديس كيرلس، والقديس باسيليوس، والقديس غريغوريوس، وأيضاً من (أباء) المجامع المسكونية: “الثلاثمائة والثمانية عشر المجتمعين بنيقية، والمائة والخمسين المجتمعين بالقسطنطينية، والمائتين بأفسس”.[18]

الكتاب الكنسيّون :-

وهم الذين لم تُتَحْ لهم الفرصة للاشتراك في صياغة قانون الإيمان أو المصطلحات العقائدية، يُطلَق عليهم “الكُتّاب الكنسيّون”، سواء كانوا من الآباء البطاركة أو الأساقفة أو الكهنة أو علماء الكنيسة الذين جاءوا بعد المجامع المسكونية، وجاءتْ كتاباتهم متفقة مع عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية، ويرجع هذا التعبير إلى جيروم في أواخر (ق 4م)[19].

الآباء المسكونيون العظام[20] :-

تعتمد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية خمسة آباء تُسميهم “الآباء المسكونيين العظام”، هم: القديس أثناسيوس الرسوليّ، القديس كيرلس عمود الدين، القديس باسيليوس الكبير، القديس غريغوريوس النزينزيّ، القديس يوحنا ذهبيّ الفم.

أهمية دراسة كتابات الآباء:

1- في كل عصر يُعْتمَدُ على كتابات الآباء في تفسير الكتاب المقدس، وخاصة في تفسير الآيات التي نستقي منها العقائد الإيمانية … لنقتدي بهم في  حُبهم للكتاب المقدس وحفطه وشرحه، ولنقتفي آثارهم في الكمال والقداسة.

2- نستقي منهم العقائد الإيمانية السليمة، فنعتَبِرُ أقوالهم وكتاباتهم حُجة نكتسب منها المعرفة اللاهوتيّة الصحيحة والتفكير اللاهوتيّ العميق، وشرح الإيمان والدفاع عنه ضد الهراطقة والمبتدعين. فالتعاليم اللاهوتية والعقائد عند الآباء هما حياة معاشة، فقد عاش الآباء بركات العقيدة، ليس باعتبارها مجرّد معرفة أدبيّة أو فلسفية، بل على أنها اتحاد القلب والعقل مع الله.

3- لنتعرف على تاريخ كنيستنا الذي يمثل خطة الله لخلاص البشرية.

4- الكنيسة هي (جماعة) المؤمنين منذ بدء الخليقة حتى نهايتها، والآباء هم أعضاء أحياء في هذه الكنيسة، فقد اختبروا متطلبات الإيمان في عصرهم، وجاهدوا حتى الدم من أجل تثبيت هذا الإيمان، ولذا فخبرتهم كنز ثمين لنا، وعلينا أن نتعرف ونطلّع عليها، لنستفيد منها ونحن نواجه تحديات الإيمان، وتحديات العالم، ومن الممكن أننا أحياناً نواجه المشكلة نفسها التي واجهها الآباء وإن اختلف الزمن. إذاً نحن ندرس كتاباتهم لنعيش معهم ونتعلم منهم ونقتدي بهم.

ليس في عصرنا فقط يوجد أهمية كبيرة لكتابات الآباء القديسين بل يجب علينا أن نلاحظ النقاط التالية :-

  1. اعتمد البابا ديونيسيوس (الرابع عشر) على كتابات الآباء الذين سبقوه، في تأكيد عدم إعادة المعمودية بالنسبة للذين تركوا الإيمان ثم رجعوا، فيقول: “علمتُ أن هذه (يقصِد عدم إعادة المعمودية) لم تكن بدعة دخلت أفريقيا، بل إن هذا الرأي كان مقبولاً في أشهر الكنائس منذ زمن طويل أيام الأساقفة الذين سبقونا، وفي مجامع الإخوة في أيقونية وسنادا[21]، كما كان مقبولاً من أشخاص كثيرين، وأنا لا أستطيع أن أحتمل بأن أقلب آرَائِهِمْ وأطوَّح بهم إلى الخصام والنزاع، لأنه قيل: “لا تَنْقُل تُخُمَ صَاحِبِكَ الذِي نَصَبَهُ الأَوَّلُونَ” (تث 14:19)”.
  2. اعتمد البابا أثناسيوس الرسوليّ (العشرون)[22] على تراث الآباء، ففي دفاعه نجد أنه عندما دافع عن كلمة :أوموسيوس” فقال إن الآباء استخدموها، ويقصد بالآباء ديونيسيوس السكندريّ وديونيسيوس الرومانيّ.. لذا فهناك أهمية كبرى لنصوص الكتابات الآبائية المترجمة باللغات المحلية.
  3. اعتمد القديس باسيليوس الكبير على كثير من التقليد الكنسيّ من خلال أقوال الآباء السابقين له، فيقول: “وإذا فحصتُ في داخلي هل هناك أحد من الرجال الأقدمين المغبوطين قد استعمل هذه الكلمات، موضوع جدالنا الآن[23]، أجد كثيرين مِمَّن أحرزوا بقدميتهم الثقة بصحة إيمانهم وبتبحرهم في المعرفة – لا كرجال عصرنا – وأنهم في ربطهم الكلمات في المجدلة[24]، منهم مَنْ استعملوا حرف “الواو”، ومنهم مَنْ استخدم “مع” دون أي اكتراث لفرق بينهما من شأنه أن يعتبرونه حافزاً لاستقامة التقوى، نبدأ بأشهرهم إيريناؤس وأكْلِمَنْضُس الرومانيّ وديونيسيوس الروماني وديونيسيوس الإسكندريّ”[25].
  4. تزايد هذا الاتجاه في القرن الرابع، ونما جداً في القرن الخامس، فنجد القديس كيرلس السكندريّ في كتاباته إلى الرهبان المصريّين[26] – دفاعاً عن لقب القديسة مريم ثيؤطوكوس لتأكيد أن المولود هو كلمة الله المتأنس دون انفصال اللاهوت عن الناسوت – أشار إليهم أن يقتفوا آثار القديسين، كذلك في حديثه ضد نسطور التجأ إلى تعليم الكنيسة المقدسة الممتدة في كل العالم[27]، وإلى الآباء المكرمين أنفسهم، معلناً أن الروح القدس تحدث فيهم، ولتدعيم حديثه عن السيد المسيح استند إلى بعض مقتطفات آبائية من كتاباتهم الجدّلية، وقدّمها إلى مجمع أفسس، فيقول: “ينبغي أن نصدق أولئك الذين يهتمون بالاستقامة في التفكير من جهة الكرازة المقدسة، والتي سلَّمها إلينا بالروح القدس أولئك الذين كانوا في البدء مُعاينين للكلمة، والذين كان آباؤنا المُمَجدون جداً يتبعون آثار خطواتهم بغيرة، هؤلاء الذين اجتمعوا في نيقية في ذلك الوقت وحدَّدوا اعتراف الإيمان المُكرَّم المسكونيّ والمسيح نفسه جالساً معهم في المجمع، لأنه يقول: “حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ” (مت 20:18)[28].
  5. وترجع أهمية كتابات الآباء إلى أهمية التقليد كمصدر للإيمان، فاتفاق الآباء الجماعيّ حُجة في الكنيسة، وفي ذلك يقول نيومان J. H. Newman: “إني أتبع الآباء القدماء، ليس على أنهم في موضوع معيَّن لهم الثقل الذي يملكونه في حالة العقائد والتعاليم، فحينما يتكلّم الآباء عن العقائد، إنما يتكلّمون عنها على أنَّ الجميع يؤمنون بها، فالآباء هم شهود الحقيقة، فهذه التعاليم سُلِّمت تسلماً ليس في مكان معين بل في كل مكان..ونحن نتسلم هذه التعاليم والعقائد التي يُعَلِّمونَ بها، ليس لمجرد أنهم يُعلِّمونَ بها، بل لأنهم يشهدون أن كل المسيحيّين في كل العصور يؤمنون بها، فنحن نتخذ الآباء كمصدر أمين للمعرفة، ولكن ليس كسلطة كافية في ذواتهم، رغم أنهم هم أيضاً سلطة، فلو أنهم علموا بهذه التعاليم نفسها وأضافوا قائلين: “أن هذه هي آراؤنا وقد استنتجناها من الكتاب المقدس وهي صحيحة”، لكنا نشك في تسّلمها على أيديهم.. فالآباء لا يتكلّمون برأيهم الخاص، لأَّنهم يقولون هذا الأمر حقيقيّ بسبب أن الكنائس كلها تؤمن به طوال الأزمنة السابقة بلا انقطاع منذ عصر الرسل”.

هنا نرى أنَّ كتاباتهم وأقوالهم موثَّقة، تؤمن بها جميع الكنائس طوال العصور السابقة فالأمر، فوجود كنائس كثيرة مستقلة عن بعضها البعض ككرسيّ أنطاكية، وكرسيّ الإسكندرية، وكرسيّ أورشليم… والكل له إيمان واحد، لابد أن يكون هذا الإيمان صحيحاً ومسلماً من الرسل.

كما أنَّ كتابات الآباء مصدر نصوص الليتورجيات في كل الأسرار الكنسيّة، نصوص القداسات وصلوات المعمودية، الميرون، مسحة المرضى، والكهنوت، وكذلك صلوات تقديس المياه في اللقانات والتسبحة، كلها من وضع الآباء الأوليّن.

عند دراسة كتابات الآباء يجب مراعاة الأتي:

  1. لا يليق بنا أن نقبل رأي أب ما بطريقة مُطلقة، فلا يقدر أحد من الآباء بمفرده أن يتعرّف على (الحق) كله كما تعرِف الكنيسة في كليتها، لهذا لا يليق بنا أن نقبل رأي أب ما بطريقة مطلقة بغير تحفظ، إنما يجب أن يكون رأيه إنجيلياً، يحمل روح الكتاب المقدس، ومطابقاً لفكر الكنيسة الجامعة.
  2. يلزمنا أن لا نبتر بعض فِقَرات من تراث الآباء، لتأكيد فكرة مسبقة في أذهاننا.
  3. دراسة معاني بعض التعبيرات التي يستخدمها الأب، إذ توجد عبارات أو كلمات كانت تحمل مفاهيم فلسفية أو شعبية في ذلك الحيّن.
  4. يمكننا فهم بعض العبارات الصعبة الواردة في كتابات أحد الآباء، بمقارنتها بما ورد في كتابات وأعمال المعاصرين له.

اللغة التي استخدمها الآباء في كتاباتهم[29]:

عند انتشار المسيحيّة كانت اللغة اليونانية هي اللغة السائدة في منطقة البحر الأبيض المتوسط خلال القرون الأولى للإمبراطورية الرومانية، فقد غزت الثقافة الهيلينية العالم الرومانيّ، حتى يصعب علينا أن نجد بلداً لم يستخدم اليونانية في التعامل اليوميّ.

لهذا جاءت معظم كتابات الآباء باللغة اليونانية، وكثيراً من هذه الأصول محفوظة في مكتبات المخطوطات في بلاد الغرب.

لقد كانت اليونانية هي لغة الأدب والحديث في الإمبراطورية الرومانية، والثقافة اليونانية حتى القرن الثالث، لذلك تُعتبر اللغة اليونانية هي اللغة الأصلية لكتابات الآباء، وحل محلها جزئياً في الشرق لغات محلية مثل السريانية في سوريا، والقبطية في مصر، والأرمينية في أرمَينيا.

كانت كتابات الآباء باللغة اليونانية العامية وليست الكلاسكية Classical، فاللغة الكلاسيكية كان يستعملها الإغريق في الكتابة والشعر وتدوين الحوادث التاريخيّة، لكن اللغة العامية التي كانت تُسمَّى “كويني Koine”، والتي أصبحت من سنة (300 ق م.) حتى سنة (500م) اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولغة الكتاب المقدس، ولغة آباء الكنيسة الأولى، وهي خليط بين الأدب الأثينيّ الفصيح والعامية.

لغة آباء مصر[30] :-

وفي مصر كان المصريّون يفضلون الكتابة اليونانية عن المصريّة “الديموطيقية”، نظراً للأتي:-

1- سهولة اللغة اليونانية عن الديموطيقية[31].

2- اللغة اليونانية كانت هي اللغة الرسمية المستخدمة في تدوين الوثائق، كما كانتْ هي لغة الحُكّام والمكاتب الحكومية والقضاء.. أثناء العصر البطلميّ والرومانيّ والبيزنطيّ، وامتدت بعد دخول العرب مصر في القرن السابع.

3- كانت اللغة اليونانية هي لغة الثقافة الهيلينية، فهي لغة المدارس والمثقفين، لِذا انتشرت اليونانية بين الطبقات المتعلّمة، وكتبوا أعمالهم بهذه اللغة، ليجتذبوا أكبر عدد من القرّاء.

4- هناك بعض الكلمات أُخِذتْ من اليونانية المصرية القديمة، لأنها كانت تعبّرعن ظواهر طبيعية غير معروفة عند المصريّين مثل السيول والجليد، أو تعبّر عن حيوانات لم تكن معروفة مثل الدب والديك.

5- كانت اللغة اليونانية هي لغة المجامع المسكونية.

ثم خرجت الكتابة باللغة القبطية نتيجة تدوين اللغة المصريّة بحروف يونانية مع الاحتفاظ ببعض الحروف الديموطيقية، فخرجت اللغة القبطية كآخِر مرحلة للكتابة المصريّة الفرعونية، وجاءتْ تسمية اللغة القبطية من أنَّ المصريّين في ذلك الوقت كانوا يُسمَّون أقباطاً، والقبطي معناه المصريّ.

وفي البداية قامت محاولات فردّية من المصريّين لتدوين لغتهم بحروف يونانية، وكان ذلك في العصور الوثنية، بدليل العثور على نصوص قبطية من العصر الوثنيّ لغتها مصرية وحروفها يونانية وبها بعض حروف ديموطيقية، وهذه النصوص محفوظة في كلِّ من متحفَي باريس ولندن، وكافة هذه المحاولات كانت وليدة الحاجة لسبب أو لآخَر، كما دخلت على اللغة المصريّة القديمة مفردات وتعبيرات يونانية وخاصة في العصر البيزنطيّ.

وحملتْ لنا اللغة القبطية كلمات لم نعثر عليها في المصريّة القديمة، كما اهملت كلمات مصرية قديمة عديدة، وبعد دخول العرب مصر واستخدام اللغة العربية دخلتْ كلمات من اللغة القبطية إلى اللغة العربية المستخدمة في مصر، فمن الكلمات القبطية التي دخلت العربية وظلت تُستَخدم حتى الآن: أسماء لمسميات مثل كلمة يم، قلة، ننوس، نونو، بصارة، رقاق، سلة، شونة، رمان، بلح، ومن أنواع السمك، البوري، والبنى، واللبيس، والراى، والشال …الخ.[32]

قام العلاَّمة القديس بنتينوس بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة القبطية في القرن الثاني بمساعدة أكلمنضس السكندريّ. يعتبر هذا العمل من أدبيّات اللغة القبطية.

المصطلحات اليونانية :-

دخلت المصطلحات الدينية اليونانية إلى اللغة المصريّة القديمة عن طريق اليهود الذين تشتتوا وأقاموا بمصر، من خلال الترجمة اليونانية للعهد القديم (القرن الثالث ق.م)، فقد تكون انتقلت هذه المصطلحات خلال المناقشات الدينية بين اليهود والمصريّين مثل ملاك، رئيس كهنة، ذبيحة، مذبح، قربان، شريعة…الخ.

بعد دخول المسيحيّة مصر ازداداتْ عدد الكلمات اليونانية المستخدمة في اللغة المصريّة، إذ كُتب العهد الجديد باللغة اليونانية، وكانت صلوات الليتورجيات كلها باللغة اليونانية.

يقول “WARALL” أن القبطيّ يستنكف ترجمة المصطلحات اللاهوتية[33]، لذلك ظلّت المصطلحات اللاهوتية باللغة اليونانية حرصاً على المعنى اللاهوتيّ، لذا نُلاحظ استبقاء المصطلح باللغة اليونانية وسط الكتابة القبطية أو العربية بعد ذلك، وأصبح من الصعب استبدال هذه المصطلحات بألفاظ قبطية ليس لها نفس القيمة اللاهوتيّة.

كما أن هناك كلمات يونانية تُسْتَخْدَمُ في اللغة القبطية سواء في النص القبطيّ للكتاب المقدس، أو كتب الصلوات (خولاجي – إبصلمودية)…فمن المعروف أن كل اللغات تأخذ كلمات من لغات أخرى، ولا يُعَدُّ هذا قصوراً في اللغة بل يُعَدُّ توسيعاً للغة وتصير اللفظة الدخيلة معروفة في لغتها وغير لغتها.

كتابات الآباء واللغة العربية :-

مع دخول الإسلام مصر في القرن السابع الميلاديّ دخلت اللغة العربية، التي أضعفت من اللغة القبطية، وفي القرن الثاني عشر كانت الكتابة في نهرين العربية والقبطية، وفي القرن السادس عشر كانت اللغة العربية هي السائدة وخاصة في الوجه البحريّ، بينما بقيت اللغة القبطية في الوجه القِبْلِيّ حتى القرن السابع عشر.

وأول من كتب باللغة العربية في علوم الكنيسة، هو الأنبا ساويرس ابن المُقَفَّع أسقف الأشمونين في القرن العاشر، كما جاء بعده الأنبا ميخائيل مطران دمياط، والأنبا بطرس أسقف مليج، وأولاد العسال، والقَسّ بطرس السدمنتي.

 

وأخذتْ فوق ذلك تشجع كل واحد من بنيها بلغة أبائهم (2مكابين 21:7).

دوافع الكتابة عند الآباء:

يختلف الغرض الذي من أجله كتب الآباء من واحد لآخَر، فمنهم مَنْ كَتَبَ مُدافعاً ضد هرطقة معينة، أو لتوضيح موضوع غامض، ومنهم مَن كتب بهدف التعليم الروحيّ والكتابيّ، فلم يكن الغرض من كتابات الآباء هو الكتابة في حد ذاتها، بل من أجل التعليم الإلهيّ، حيث نجد أن القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ يقول في كتاب المتنوعات: “لم أضع هذا الكتاب في إتقان ومهارة للمُباهاة، وإنما هو ذكرياتي التي ادخرتها لأيام الشيخوخة فتكون دواءً للنسيان، صورة مبسطة وتخطيطاً مُجملاً لتلك الكلمات القوية الحيّة، التي كان لي شرف سماعها من أولئك المغبوطين الجديرين بالاعتبار من الرجال”.

ويمكن درج هدف كتابات الآباء في النقاط الآتية:-

1- الكرازة وتفسير الكتاب المقدس.

2- تفنيد آراء الهراطقة والرد عليهم وتوضيح العقيدة السليمة.

3- التلمذة وغرس المباديء الروحيّة من الآباء للأبناء.

4- المحافظة على ليتورجيات الكنيسة من قداسات وخدمات طقسية حفاظاً على الروح الواحدة للكنيسة..

5- تسجيل تاريخ الكنيسة وسير الآباء القديسين حتى نقتدي بهم.

الروح القدس وعمله في حياة الآباء وكتاباتهم:

الكنيسة الأرثوذكسية هي كنيسة إنجيلية آبائية، فالآباء يتكلمون بالروح القدس الذي كان يعمل مع الآباء الرسل، وذلك حسب وعد السيد المسيح: “وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لّكُمْ” (يو 26:14)، فالروح القدس الذي حل على الآباء الرسل يوم الخمسين هو الذي يعمل في الكنيسة ويقودها إلى يومنا هذا وإلى الأبد “لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأّبَدِ” (يو 16:14)، وهذا يظهر في مجمع أورشليم الذي انعقد بخصوص ما حدث في كنيسة أنطاكية من جهة الختان، فيقول معلمنا القديس يعقوب الرسول: “لأَنَّهُ قَدْ رَأى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحَنُ” (أع 28:15)، أي أن المشرِّع في الكنيسة هو الروح القدس، كما قال السيد المسيح: “مَتَى جَاءَ ذَاكَ رُوحُ الْحَقِّ فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَميعِ الْحَقِّ” (يو 13:16)، ويقول القديس إيريناؤس ” الإيمان تلقّيناه من الكنيسة ونحن له حافظون، وبِعمل روح الله، يُشبه شيئاً ثميناً محفوظاً في إناء قيّم فيتجدَّد دوماً ويُجدَّد أيضاً الإناء المحفوظ فيه… حيث تكون الكنيسة، هنالك يكون روح الله؛ وحيثُ يكون روح الله، هناك تكون الكنيسة وكُلُّ نعمة”[34]. وهذا أيضاً ما يؤكده القديس كيرلس الكبير في تفسيره لإنجيل يوحنا: “إننا لا نستطيع أن ندخل إلى الحقيقة الإلهيّة ما لم نستنير بعمل الروح”[35].

ولما كان العماد هو التمتع بقيامة الرب فينا، لذا فقدُ دعِيَ هذا السر “استنارة”، فالمؤمنون يستنيرون عن طريق سر المعمودية، فيقول القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ: “إذ نعتمد نستنير، وإذ نستنير نتبنى وأذ نتبتى نُكَمَّل”، ويقول أيضاً: “يُدعَى هذا الفعل – سر المعمودية – بأسماء كثيرة أعني نعمة واستنارة وكمالاً وحميماً، فهو استنارة به نرى نور القدوس الخلاصيّ أعني أننا به نشخص إلى الله بوضوح”.

كذلك القديس غريغوريوس النزينزيّ يقول: “الاستنارة التي هي المعمودية، هي مُعِيِنة الضعفاء، واهبة النور ونَقضُ الظلمة .. وهي مَركْب يسير تجاه الله برفقة المسيح أساس الدين، تمام العقل، مفتاح الملكوت، استنارة الحَيَاة”.

المعمودية مصدر لاستنارة عقل الإنسان المُظلم بسبب السقوط، ففيها يُمنَح النور بواسطة الروح القدس، للمعتمد الذي به يُعاين النور”، ومن هنا أتت صفة “الاستنارة” للمعمودية، وهكذا تصبح بالمعمودية نعمة الروح القدس غير المخلوقة، هي سبب وعلّة تَجلّي الإنسان الداخليّ الذي دُعى كي يَسعَى مُتنقلاً من مجدٍ إلى مجدٍ، فالروح القدس يُعطي للآباء الاستنارة….

الاستنارة Enlightment  :-

هي اصطلاح يُعبّرعن العين الداخلية، القادرة على استقبال حقائق الله التي يكشفها الروح القدس للإنسان، كما تُعني الكلمة أيضاً الفرح والمجد وتُحوّل الشخص وتُغيّره بالكامل، فعندما يقول القديس بولس الرسول: “مُسْتَنِرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ” (أف 18:1)، فإن الذهن المقصود هنا هو قدرة الوعي الداخليّ على النَظَرِ إلى الأمور التي يستعلنها الروح، فيفرزها ويكشف مقدار الحكمة فيها ويستوعبها ويفهمها ويستذكرها، وفي حديثه يطلب القديس بولس من الله أن يهبنا روح الحكمة والإفراز ثم يعطينا قدرة داخلية لاستيعاب وفهْم ما يعمله الروح داخلنا.

يقول القديس كيرلس الكبير “لستُ أدَّعِي أنني أقول شيئاُ أفضل من الذي قاله أسلافنا، أو أنني أصيغ الأمور الروحيّة بشكل أحسن، لأننا نّجِدُ كفايتنا فيما كتبه الآباء القديسون، لأن مَنْ يُقرر أن يتعرّف بحكمة على الآباء ويستخدم كتاباتهم بالحرص الواجب، فسوف يَسكُنُ النور الإلهيّ في عقله”، كما يقول “لا ينبغي بمن يخلفون (الآباء) أن يؤمنوا بأي شيء آخَر سوى ما أجمع عليه القدماء من الآباء القديسين في المسيح”[36]، ويقول القديس باسيليوس الكبير عن الروح القدس، أنَّه مصدر القداسة والنور العقليّ والذي يَهِب كل الخليقة الاستنارة لفهم كل شيء[37]، كما يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم “بالروح القدس يتمتع المؤمنون بمهارة النظر إلى المعاني المخزونة في الداخل”[38].

فكتابات الآباء كُتِبتْ بعمل الروح القدس فيهم، وذلك يرجع إلى أنَّ حياتهم ونقاوة قلوبهم كانت مُعدة ومُهيأة لعمل الروح القدس، فهم عاشوا حياة روحية عميقة، عاشوا حياة المفاهيم الروحيّة للكنيسة وعقائدها، غَلَبوا قُوَى الشر بفعل الروح القدس الذي كانوا مستنيرين به ومُلَهمين من الله. حتى قراءة الكتب المقدسة وفهمها يتطلب الحَيَاة المقدسة، يقول القديس أثناسيوس: “إن تفتيش الكتب، ومعرفتها المعرفة الحقيقية، يتطلبان حياة فاضلة، ونفساً طاهرة، والفضيلة التي بالمسيح، حتى إذا ما استرشد بها العقل، وأنار بها طريقه، استطاع أن يصل إلى ما يصبو إليه، ويدركه حسبما تستطيع الطبيعة البشرية أن تتعلمه عن كلمة الله.

لأن بدون الذهن النقيّ ومماثلة سير القديسين، لا يستطيع الإنسان أن يُدرك أقوال القديسين، إذ كما أنه إن أراد أحد أن يبصر نور الشمس، فإن عليه أن يمسح عينيه ويجليهما مطهراً نفسه على مثال ما يبتغيه، حتى إذا ما استنارت العين استطاعت أن تُبصر نور الشمس، أو كما أنه إن أراد أحد أن يرى مدينة أو قرية، وجب عليه أن يأتي إليها لكي يراها، هكذا أيضاً يجب على كل مَن يريد أن يُدرك فكر الذين يتكلمون عن الله، أن يبدأ بغسل وتطهير نفسه، بتغيير مجرى حياته، ويقترب إلى القديسين أنفسهم بالاقتداء بأعمالهم، حتى إذا ما اشترك معهم في السلوك في الحَيَاة المشتركة، استطاع أن يفهم هو أيضاً ما أعلنه الله لهم”[39].

كذلك يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم: “لا نقدر أن نكتشف معاني الكتب الإلهيّة ونحن مهملون أو نائمون، يحتاج الأمر إلى بحث دائم وصلاة حارة حتى نقدر أن نجد لنا طريقاً بسيطاً في أسرار الأقوال الإلهيّة”[40]، كما يقول العلاَّمة اوريجانوس: “إن كنت محتاجاً إلى عون الله على الدوام … فإننا نحتاج دائماً إلى الروح القدس لكي نفهم الكتب المقدسة، الآنَ هو وقت أن يُعينني ويُظهر لي معنى كلماته”[41]، لذا كانت كتابات الآباء ليست مكتوبة بأسلوب منطقيّ أو فلسفيّ، إلاَّ أنها كتابات بسيطة نابعة من القلب ومن الحَيَاة المعاشة وهذا هو سر قوتها.

كذلك نجد أن كل أبُ يقدِّم الروح القدس الساكن فيه شيئاً جديداً “ليس هرطقة جديدة أو حقيقة إلهية جديدة”، ولكن توضيحاً جديداً وخبرة مُعاشة وتفسير، امتداداً للمعرفة الإنجيلية والآبائية السابقة. قدموا تَوسّعاً في المعرفة الإلهيّة وليس تَطوّراً لها، فالأساس واحد ولكن الروح القدس لا يُلغي حرية الكاتب أو يُلغي شخصيته أو ثقافته، لذلك نجد مناهج روحية مختلفة وكلها صحيحة تؤدي إلى شخصية واحدة هي شخصية ربنا يسوع المسيح.

لنري مثال لاختلاف الرؤيا عند الآباء يُؤدي لهدف واحد هو التوبة:

راهبان تركا الدير وذهبا ليبيعا عمل اليد الذي كان يعمله الآباء في الدير، وأثناء ذلك سقط أحدهم في خطية الزنا، وعندما قابل أخاه أخبره أن يرجع هو واعتذر عن عدم قدرته على الرجوع وأعلمه بالسبب، فلما علم أخوه أخبره أنه هو أيضاً سقط ويمكن أن يعودا ويقدما توبة، ليكسبه للمسيح من أجل محبته، فرجعا وحصلا على قانون من رئيس الدير أن يمكثا لمدة عام في القلاية للتوبة والاعتكاف، في نهايته ظهر أحدهما نحيفاً سقيماً عابس الوجه، بينما بدا الآخَر ممتلئاً مبتهجاً باسم الطلعة، وإذ تحيَّر الشيوخ في أمرهما، سألوهما عن السبب فقال الأول: إنه كل يوم يذكُر خطاياه، والعذاب المُعد للأشرار، بينما قال الثاني إنه كان يشكر الله كل يوم إذ أتاح له فرصة التوبة …وتأكد الشيوخ أن توبة كليهما مقبولة أمام الله[42]، فالأُسلوبان قادا إلى التوبة مع أنهما مختلفان.

جاءتْ قصة أخرى في البستان: “حدث مرة أن جاء أخ غريب إلى الأسقيط ليبصر الأنبا أرسانيوس، فأتى إلى الكنيسة وطلب من رجال الإكليروس أن يروه أياه، فقالوا كُل كسرة خبز وبعد ذلك تبصره، فقال: لن أتذوقْ شيئاً حتى أُبصرهُ. فأرسلوا معه أخاً ليرشده إليه لأن قلايته كانت بعيدة جداً، فلما قرعا الباب، فتح لهما فدخلا وصليا وجلسا صامتين. فقال الأخ الذي من الكنيسة: أنا مُنصرف فصلّيا من أجلي، أما الأخ الغريب فلما لم يجد دالة عند الشيخ قال: وأنا منصرف معك كذلك. فخرج معاً، ثم طلب منه أن يمضي به إلى قلاية أنبا موسى الذي كان أولاً لصاً، فلما أتى إليه قبله بفرح ونيح غربته وصرفهُ.

فقال له الأخ الذي أرشده: ها قد أريتك اليوناني (أنبا أرسانيوس) والمصريّ (أنبا موسى)، فَمَن مِن الإثنين أرضاك؟ أجابه قائلاً: أما أنا فأقول أن المصري قد أرضاني. فلما سمع أحد الأخوة ذلك صلى إلى الله قائلاً: يا رب اكشف ليّ هذا الامر، فأن قوماً يهربون من الناس من أجل اسمك، وقوماً يقبلونهم من أجل اسمك أيضاً. وألح في الصلاة والطلبة فتراءت له سفينتان عظيمتان في لُجة البحر، ورأى في أحدهما أنبا أرسانيوس وهو يسير سيراً هادئاً وروح الله معه، ورأى في الأخرة أنبا موسى وملائكة الله وهم يطعمونه شهد العسل …الأسلوب الذي اتبعه كلٌ من الأبوينِ صحيح، لكنهما مختلفان[43].

هناك فارق كبير بين الوحي والتفسير، فالوحي يتعلق بطبيعة الكتاب المقدس ومصداقيته لأنه كلمة الله المكتوبة (2تي 16:3)، أما التفسير فيتعلق بمعنى الكلمة المكتوبة، وعليه فمن الممكن جداً أن يتفق الكثيرون على الأمر الأول، ولكنهم قد يختلفون كثيراً على الأمر الثاني، فقد يتفق شخصان على أنَّ الأصحاح الأول من سفر التكوين هو سجل جدير بكل ثقة، ولكنهما قد يختلفان في تفسير معنى كلمة “يوم”، فالروح القدس الناطق في الوحي يَحِثُّ ويَدفعُ للكتابة ويُعطى الموضوع ويترك للكاتب حرية التعبير بلغته وأُسلوبه وثقافته، ويَعصِمَه من الخطأ من جهة الكتابة، وليس من جهة شخصه، بينما يُعطى للآباء استنارة للتفسير، ومِن هنا جاء سلطان الآباء..

سلطان الآباء:

يُمَثِّلُ الآباء القديسون فكر الكنيسة الجامعة الذي تسلّمته من الآباء الرسل بفعل الروح القدس، الذي يَعملُ بلا انقطاع في حياة الكنيسة، يقوم هذا السلطان على عاملين :-

الأول: إنهم عاشوا حياة مُقدَسّة وفقاً للأمانة التي استلموها، فهم شهدوا للحياة الكنسيّة وحافظوا على الإيمان الواحد ” الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِين” (يه3) رغم اختلاف ثقافتهم وأماكنهم. اتسمت سيرة الآباء بالقداسة والأمانة في استلام وديعة الإيمان الحيّ من أيدي الرسل، لذلك فهم أقدرعلى الشهادة للحياة الكنسيّة من كل جوانبها، خاصةً وأنهم يَحملون الفكر الواحد، بالرغم من اختلاف الثقافات والمواهب والظروف، مع بُعد المسافات بين الكراسيّ الرسوليّة وصعوبة الاتصالات في ذلك الحيّن.

الثاني: للآباء فكر الكنيسة الواحد، المُسّلم من الآباء الرسل بعمل الروح القدس، فكما يقول القديس أُغسطينوس: “الآباء تمسكوا بما وجدوه في الكنيسة، وعملوا بما تعلموه وما تسلموه من الآباء وأودعوه في أيدي الأبناء[44] .. مَن يحتقر الآباء القديسين يحتقر الكنيسة كلها”[45].

هذا السلطان لا يرجع لشخصياتهم، فهذا لا يعني عصمة الآباء كأفراد، وإنما تعيش الكنيسة الجامعة ككل محفوظة بروح الرب، فلا نستطيع أن نُنكر إمكانية خطأ الآباء، فالكنيسة الأرثوذكسية لا تعصم أحداً من الخطأ، كما وقعت فيه الكنيسة الكاثوليكية التي تؤمن بعصمة البابا؛ فالآباء منهم مَن وقع في أخطاء جوهرية عقائدية مثل مقدنيوس بطريرك القسطنطينية عدو الروح القدس، ونسطور عدو العذراء. وقد حاكمتهم الكنيسة الأرثوذكسية في المجامع المسكونية، ولما لم يعترفوا بخطأهم قطعتهم من شركتها.

“اسأل القرون الأولى وتأكد مباحث آبائهم” (اي 8:8)

 

[1]  نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى- للقمص تادرس يعقوب ملطي – الطبعة الأولى فبراير 2008- ص1.

[2]  -المحيط الجامع في الكتاب المقدس والشرق القديم – المكتبة البوليسية – لبنان- الطبعة الأولى 2003- راجع كلمة أب- ص7.

[3] -Ency. Of Early Church, Oxford Univ. Press, New York, 1992, p.320.

[4] -J. Quasten.Patrology. Vol. 1,p. 9-12

[5]  – د نصحي عبد الشهيد – مدخل إلى علم الآباء باترولوجيا يوليو 2000 – ص7.

[6]  – ضد الهراطقة 1:32:4 مجموعة آباء الكنيسة اليونانية 1071:7

[7] – Cont. Jul. 1,7,34

[8]  – ضد الهرطقات – الكتاب الرابع فصل 41 فقرة 2.

[9]  – المتنوعات 1:1 و 2- 1:2.

[10] – Les premiers martyrs de I’Eglise, 12, Paris, 1979.

[11]  – هناك شرط خامس جاء في كتاب – نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى “للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص2: مشاركته في الأدب المسيحيّ: أن يكون واضعاً لمقالات أو كتب أو رسائل..إلخ، ليس بالضرورة أن يكون هو كاتبها، فالكثير من تراث الآباء جاءنا نقلاً عن أبنائهم الروحيين، أو نقله إلينا الرحالة خلال مناظراتهم.

[12]  – د. جوزيف موريس فلتس – كورسات متخصصة – مركز تدريب الخدام – أسقفية الشباب – يونية 2001م – مدخل إلى الآبائيات – ص12 – راجع – Vincet de Lerins . N.&P.N. Fathers 2nd ser. Vol. 11,com. Ch. 29, p154

[13]  – عالِم في العلوم اللاهوتية في كنيسة روما، ويُعَدُ من أكثر الكتّاب دقة في انتقاء الألفاظ وله كتابات كثيرة باللغة اللاتينية، إلاً أنّه سقط في بدعة المونتانية التي نادتْ بتجسيد كنيسة الروح القدس الحقيقية، ولها نزعة نبوية غير مضبوطة، لذا لم يُدعَى أباً، وقد توفّى عام 220م.

[14]  – سوري الأصل، تلميذ القديس يسطنيانوس، انفصل عن الكنيسة وأسس شيعة، وحَّد الأناجيل الأربعة في كتاب واحد سُمى “دياطسرون” اُستعمل في الطقس الأنطاكيّ حتى القرن الخامس، وكانت وفاته في سنة 172م.

[15]  – من أشهر مدرسي مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، له سلسلة مواعظ كثيرة في الكتاب المقدس، وكتابات كثيرة لاهوتية، إلاّ أنَّه سقط في عدة بدع لاهوتية، لذا لا يعد من آباء الكنيسة، وكانت وفاته في 253م.

[16]  – يوسابيوس القيصريّ – تاريخ الكنيسة – ترجمة القمص مرقس داود – الطبعة الثالثة 1998 – . ك7، ف7، ص 306.

[17] – Timothy Ware: The Orthodox Church, Maryland 1969, p.212.

[18]  – راجع الخولاجي المقدس – تحليل الخدام.

[19] – De Viris I11. Prol., EP112,3 مشاهير الآباء :

[20]  – دكتور نصحي عبد الشهيد – مدخل إلى علم الآباء – المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية – يوليو 2000 – ص9.

[21]  – مدينة في فريجية.

[22] – Athanasius: Ep. Ad Afros 6.

[23]  – موضوع الحوار حول الفرق بين قولنا المجد للاب والابن والروح القدس، أو قولنا بدل “والروح القدس” ، “مع الروح القدس”. وتأثيرها على اقنومية الروح القدس

[24]  يقصد بالمجدلة، ذكصولوجية “ذوكصابتري: المجد للاب والابن والروح القدس”، وهي ذكصولوجية قديمة جداً في الكنيسة، واستشهد بها القديس باسيليوس في دفاعه عن ألوهية الروح القدس – راجع د. جوزيف موريس فلتس – ألوهية الروح القدس – 1994 ص5

[25]  رسالة القديس باسيليوس الكبير إلى أمفيلوخيوس عن الروح القدس رأس 71:29 ،72 – تعريب الارشمندريت ادريانوس شكور 1979- ص 122،123.

[26] – Ad Monach PG 77:12,13.

[27] – Adv.Nest. 4:2.

[28]  – رسائل القديس كيرلس الكبير – الجزء الرابع – رسالة 55 شرح قانون الإيمان – الناشر مؤسسة القديس أنطونيوس .ص28.

[29] – J. Quasten.Patrology. Vol. 1,p.20.

[30]  – راجع كتاب صفحة من تاريخ القبط، القبط في ركب الحضارة العالمية – دكتور مراد كامل.

[31]  – كانت الديموطيقية أكثر أنواع الكتابة، التي طوّرها قدماء المصريين، اختصاراً واتصالاً، وقد أصبحت الديموطيقية كتابة الإستخدام اليوميّ، بداية من منتصف القرن الثامن قبل الميلاد؛ وحتى القرن الرابع الميلاديّ. ويأتي مصطلح “ديموطيقي” من الإغريقية بمعنى “شعبيّ”، ومن الواضح أن الديموطيقية قد تطورت في مصر السفلى (الوجه البحريّ) خلال الأسرة السادسة والعشرين؛ وقد تطورت الديموطيقية أساساُ من الهيراطيقية.

[32]  – راجع مجدي عياد يوسف – مدخل إلى اللغة القبطية واللغة اليونانية – الطبعة الأولى 1997 – الفصل الثاني – ص112- 120.

[33]  – –Warrell: A Short Account of the Copts, Michigan, 1955  عن مقدمات في علم الباترولوجي – القمص تادرس يعقوب ملطي – الطبعة الأولى – 1984 –ص 23.

[34]  – ضدّ الهرطقات 3، 24، 1

شرح انجيل يوحنا[35] – PG 73 . 16 A.     

[36]  -Vincet de lerins .LNPN Fathers 2nd ser. Vol. 11,com. Ch. 33, p156

[37]  – القديس باسيليوس الكبير – مقال عن الروح القدس. الناشر رابطة الدراسات اللاهوتية في الشرق الأوسط – 1979 – تعريب الارشمندريت ادريانوس شكور – الرأس 9 – فقرة 22، 23 ص 40.

[38] – In 1 Cor., hom 7:2.

[39]  – القديس أثناسيوس الرسوليّ: تجسد الكلمة 1:57،2،3.

[40] – In Jon .hom 32:3.

[41] – In Ezek. Hom 11:2.

[42]  – بستان الرهبان – لجنة التحرير والنشر بمطرانية بنى سويف – طبعة 1976 – ص298.

[43]  – بستان الرهبان – نفس المرجع السابق – ص57 ، 58.

[44] – St. Augustine: Contra Julian, 11 9.

[45] – St. Augustine: Contra Julian 37.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

علم الآباء 1 – تعريف علم الباترولوجي Patrology

علم الآباء 3 – صور وتصنيف كتابات الآباء

علم الآباء 3 –  صور وتصنيف كتابات الآباء

علم الآباء 3 –  صور وتصنيف كتابات الآباء

صور كتابات الآباء

تنوّعت الصور التي استخدمها الآباء في التعبير عن موضوع كتاباتهم على حسب الصورة التي تخدم المؤمنين؛ فلم يكن اهتمامهم يرجع للصورة الأدبيّة للنصوص المكتوبة بل استخدموا الرسائل، المواعظ، النصوص، الشعر كما يأتي:

  1. الرسائل:

تركّزت أكبر صورة لكتابات الآباء على الرسائل، التي أخذت أكبر قدر من كتاباتهم، ونحن بصدد الحديث عن كتابات الآباء، نوضح أنها لم تكن بهدف الكتابة فقط، فقد كان لكل رسالة هدف واضح لأجل بناء الكنيسة ونفع المؤمنين، في إما تعالج مشكلة في الكنيسة، مثل رسالة القديس أكْلِمَنْضُس الروماني على كنيسة كورنثوس، والتي تعالج موضوع الانقسام الحادث عندهم، أو للرد على أسئلة صعبة سواء في التفسير أو في اللاهوت، أو بهدف التعليم، إذ أن رسائل الآباء مملوءة بالتعاليم النافعة.

ويمكن تصنيف الرسائل إلى الآتي:

  • رسائل موجّهة لحكام.
  • رسائل لتنظيم الكنيسة.
  • رسائل للرد على البدع والهرطقات.
  • رسائل لاهوتية.
  • رسائل تعليمية.
  • رسائل في تنظيم الحياة الاجتماعية.
  • رسائل فِصْحِيّة.
  • رسائل تعزية.

وقد كان هناك تقليد قديم استمر إلى عهد قريب، ألا وهو: أن يكتب الآباء أو الأب البطريرك رسالة في عيد القيامة “عيد الفصح” تُقرأ في الكنائس كلها، تحقيقاً لمبدأ الوحدانية الكنسية والتعليمية والرعويّة.

من أشهر الآباء الذين كتبوا رسائل:

القديس أثناسيوس الرسوليّ (328 -373م):

كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ فصحية، كما كتب أربعة رسائل للقديس سيرابيون في ألوهية الروح القدس عام 359م، كما كتب رسائل عقائدية في تعاليم ديونيسيوس عام 352م، وفي قوانين مجمع نيقية عام 350، 351م، كما كتب رسالة عامة إلى الأساقفة 340م، كما كتب رسائل أخرى.

القديس غريغوريوس النزينزي (329 -390م):

وهو من أول مؤلف باليونانية ينشر رسائله، وذلك بناء على طلب نيكوبولس Nicobulus حفيد أخته جورجونيا، بغير قصد وضع نظرية “كتابة الرسائل”، إذ طلب أن تكون قصير وواضحة ولطيفة وبسيطة… (رسالة 51، 54).

وقد كتب غريغوريوس رسائل عديدة وصلنا منها (245) رسالة أكثرها شخصية، لذويه وأصدقائه لبعضها أهمية لاهوتية، خاصة الرسالتين إلى الكاهن كليدونيوس نحو 382م وفيها الرد على الأبوليناريين، اعتمد منهما مجمع أفسس 431م مقطعاً كبيراً. كذلك الرسالة إلى نكتاريوس الذي خلفه على كرسي القسطنطينية وكان سابقاً لذهبيّ الفم، لكي يحض الإمبراطور ثيودوسيوس على محاربة الهراطقة، فاستجاب الإمبراطور وحظر على الأريوسيين عقد الاجتماعات ورسامة الأساقفة[1]. قد تبادل الرسائل ليُعبر عن أفكاره ومواقفه، ولكي يُجيب أيضاً على أسئلة كنسية واجتماعية…

وتُعد هذه الرسائل صورة صادقة عن إنسان شريف لا يتردد في قول الحقيقة، وتتحلى رسائله بالإيجاز والتماسك والجمال[2].

القديس باسيليوس الكبير (330 -379م):

كتب رسائل عددها (366) رسالة، في الفترة ما بين (357 -379م)، وهي توضح صوراً كثيرة، وتحتوي على مواضيع عديدة مختلفة حول الحياة النسكية والرهبانية والصداقة والمحبة[3].

تحمل رسائل القديس باسيليوس أهمية كبيرة إذ تنطوي على موضوعات لاهوتية وتاريخية ونسكية، وهي تكشف عن أخلاق وطباع كاتبها الذي وإن كان يقسو أحياناً لكنه لا يلبث أن يلين في فيض من الروحانية[4].

القديس أغسطينوس (354 -430م):

كتب أكثر من 270 رسالة، من (386 إلى 429م)… لجهات مختلفة، بعضها يحوي أبحاثاً فلسفية ولاهوتية ورعوية عملية أهمها التي وجهها إلى جيروم[5]. ونذكر من بين هذه الرسائل:

  • حرية الإرادة (388 -395).
  • التعليم المسيحيّ (397 -426).
  • في المعمودية ضد الدونابيين (401).
  • في النعمة ضد بيلاجيوس (415).
  • في الثالوث (399 -419).
  1. المواعظ:

العظة في القرن الثالث تميزت بالاتجاه إلى البحث عن التوازن والمنهجية، في تُشكل مرحلة انتقالية بين طابع العظة الخاريزماتيكي، والعفوي كما في عصر الرُسل وعصر الآباء الرسوليين، إلى القرن الثالث.

أخذ الوعظ في الكنسية وضعه في القرنين الرابع والخامس، مع انتشار المدارس الفلسفية وظهور مدرسة الإسكندرية بمُعلّميها، والحاجة إلى خطاب كنسي قوي لبنيان المؤمنين، ولمواجهة احتياجات الحوار مع المثقفين الوثنين من الخارج ودحض البدع والهرطقات من الداخل. ومن ثم ارتفع مستوى ثقافة الإكليروس والشعب[6]، إذ كان يركّز على التعاليم العقائدية لمواجهة الهرطقات.

وكانت العظات تشمل تفاسير للكتاب المقدس، مثل تفسير القديس أُغسطينوس للمزامير، الذي كان عبارة عن مجموعة عظات، كذلك تفاسير القديس يوحنا ذهبيّ الفم، معظمها عظات في الأعياد…

كذلك القديس إغريغوريوس النزينزي له 45 عظة قدمها في أهم فترة في حياته من 379 -381م، حينما كان أسقفاً على القسطنطينية، جاذباً أنظار العالم إليه.

  1. نصوص عقائدية وليتورجية:

في القرون الأولى للكنسية كانت هناك نصوص خاصة بكل كنيسة محليّة، تتضمن بنود الإيمان وصلوات الليتورجيات المختلفة… ورغم أنّها كانت خاصة بكل كنيسة، إلا أنها كان لها مضمون واحد ومحتوى عقيدي وروحي واحد.

بعد المجامع المسكونية وإقرار قانون الإيمان النيقاويّ القسطنطينيّ، أصبح هناك نصّ واحدٌ لإيمان الكنيسة الجامعة في كل مكان، وفيما يخص الليتورجية كان هناك ليتورجيات كثيرة، ولكن كل منها تشتمل على عناصر أساسية مشتركة؛ على مثال ما فعله السيد المسيح في تأسيس سر الإفخارستيا للتلاميذ، مثل: الشكر، التسبيح، الطلبات، التعليم…

وتُعدٌ أشهر الليتورجيات هي: ليتورجية القديس باسيليوس أسقف قيصرية كبادوكية في آسيا الصغرى (القرن الرابع)، وليتورجية القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات النزينزيّ (القرن الرابع)، وليتورجية القديس كيرلس عمود الدين (القرن الخامس).

كما كانت هناك ليتورجيات المعمودية، وقد تحدّث ابن العسّال في “المجموع الصفوي” عن التعميد، من جهة أحكامه والقوانين المتعلّقة به والصلوات الخاصة به، ففصّل أحكامه وأورد القوانين المتعلّقة به، ثم قال: “قد وضع في البيعة القبطية كتاب خاص بالتعميد مشتق من القوانين، مُشتمل على كيفية التعميد وجميع الصلوات المخصوصة به والاعتماد عليه في ذلك. ويجب التحرُز العظيم فيه[7].

هناك أيضاً ليتورجيات خاصة بترتيب صلوات وطقوس رسامة وتكريس كل من الأب البطريرك والأسقف والمطران والقس والإيغومانس (القُمصّ) والشماس والرهبان والراهبات ورئيسة الراهبات…، وأيضاً تحوي شروط وكفاءات المتقدّم للرسامة في كل درجة من الدرجات كما تشرح وتفسر بعض القوانين وتدعم بعض التحديدات والتحريمات فيها[8].

كذلك ليتورجية خاصة بصلوات سر الزيجة، ثم كتب صلوات تدشين الكنائس، وعمل الميرون المقدس، وتبريك المنازل الجديدة، وقدّاس اللقان، وتقديس زيت مسحة المرضى، وباقي الأسرار الكنسيّة.

  1. الشعر:

وقد كتب آباء كثيرون بطريقة شعرية، ويشمل ألحان الكنيسة بنغماتها الأصلي، وتُعد الإبصلمودية بما تحتويه، من وضع الآباء، ويُطلق عليها شعر ليتورجي، وقد وجد شعر كنوع آخر يسمّى “الشعر غير الليتورجي، وهو شعر تأمليّ روحي، بشرط أن تتفق هذه الأشعار مع العقيدة الأرثوذكسية.

من أشهر الآباء الذين كتبوا بلغة شعرية:

القديس مار أفرام السرياني (203 – 273م):

كان القديس مار أفرام السرياني غزير الإنتاج فوق العادة حيث يذكر مؤلف “الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة”[9]، 12 ألف قصيدة، 550 مدراشاً، وغير ذلك الكثير من الصلوات والابتهالات[10].

يعد من أشهر مَن كتب شعراً كنسيّاً حيث دُعي قيثارة الروح، واستخدم أناشيد عقائدية قاوم بها الهرطقات، وإذ رأى أحد الهراطقة قد ألّف (150) نشيداً تحمل عقائد خاطئة يترنم بها الشعب، ألّف هو أيضاً (150) نشيداً بذات النغم مع استقامة الإيمان وعذوبة الأسلوب وقوته، فحلّت محل الأناشيد الأولى[11].

وتظهر كتاباته الشعرية فيما يعرف بالميامر: وهي مواعظ شعرية على بحر واحد، تتناول العقيدة والأخلاق المسيحية، وقد نشر قسماً كبيراً منها المستشرق أدموند بك في (مجموعة الكتبة المسيحيين الشرقيين CSCO)[12] في لوفان، ينصها السرياني مع ترجمة ألمانية أو لاتينية، وكان قد نشر ميامر عن الإيمان رقم 212/213 سنة 1961، وأخرى عن ربنا رقم 270/271 سنة 1966، وميامر عن أسبوع الآلام رقم 412/413 سنة 1979. كما نشر “كرافن” ميامر عن المائدة (الإفخارستيا) في الشرق السريان عدد 4 سنة 1959، وميمراً عن نيقوديموس نشره “ش. رينو” في الباترولوجيا الشرقية مجلد 37 جزء 2 سنة 1975.

وبجانب الميامر هناك المدرايش: وهي ترانيم منظومة على أوزان الشعر المختلفة، ومُلحّنة وتدور حول مواضيع كتابية وإيمانية وأخلاقية، وكانت جوقته الكنسيّة تنشد معظمها خلال الصلوات الدينية والاحتفالات.

القديس غريغوريوس النزينزي (329 -390م):

له قصائد شعرية كتبها في أواخر حياته، وفي خِلْوته بأرينز [13]Arianzum، ولم يبق منها سوى (400) قصيدة، في أحدها سجل لنا سبب اتجاهه للشعر في أواخر حياته، ألا وهو: ليعبر عن إحساسه وخبرته وليقدم للشباب ومحبي العلم والقراءة، لإظهار أن الثقافة المسيحيّة الجديدة ليست أقل من الثقافة الوثنية بأية حال، وليقاوم قرار يوليان، ولأن بعض الهرطقات كالأبولينارية تستخدم القصائد في نشر أفكارها، لهذا استخدم ذات السلاح للرد عليها.

وقد جاءت بعض قصائده لاهوتية، فقد كتب 38 قصيدة عقائدية في الثالوث، وعمل الله، والعناية الإلهية، والتجسد، ومعجزات السيد المسيح، كما كتب 40 قصيدة أخلاقية و99 قصيدة تاريخية، وهناك قصائد تعبّر عن نفس دقيقة تطلب الراحة في أحضان الله، وأخرى كلاسيكية في لغتها، فقد استخدم لغة هوميروس، التي لسبب صعوبتها لم تحتل مكانة كبيرة لدى الشعب، وشعره مصدر مهم عن حياته[14].

القديس أمبروسيوس (339 -397م):

يعتبر القديس أمبروسيوس “أبا الترنيم الكنسي اللاتيني” وهو أسقف ميلان وقد ترك تراثاً ثميناً، فمن جانبه اهتم بتنظيم العبادة الليتورجية العامة في ايبارشيته، حيث تحتل أناشيده جزءاً مهماً في صلوات السواعي في الكنيسة اللاتينية، فهي تخاطب القلب وتلائم ساعات النهار والأعياد، وتتسم بخفة الأوزان الشعرية[15]. فقدم تدبيراً ليتورجياً جميلاً يعتز بها أهل ميلان.

كما أدخل نوعاً من الموسيقى الكنسية دُعيت بالإمبروسية Ambrosian كلها ذات أوزان شعرية قصيرة ولها نغمة واحدة وهي غير مقفاة، ففيها تعبير هادئ ثابت وسلاسة ووضوح في الكلام، ولها خاصية الهيبة والوقار التي في لغة القانون والحرب، تختلف عن الكلام العامي للشعب، ويخُبرنا القديس أمبروسيوس والقديس أغسطينوس أن الشعب كان يترنم بها أثناء العمل وفي الطريق وفي المنزل، كما كانت تُنشدها مجموعات كبيرة في داخل الكنيسة[16].

القديس أغسطينوس (354 -430م):

كتب القديس أُغسطينوس (6 كتب) عالج فيها الإيقاع، كما كتب “مزمور ضد الدوناتيين” في 30 مقطعاً، كما كتب منظومة سداسية في النفس[17].

القديس ساويرُس بطريرك أنطاكية (459 -538م):

اهتم بالترنيم، كأب نزل إلى أبنائه الصغار ليضع لهم ترانيم بسيطة، وكان يؤلف الألحان ويرنمها وبهذا أحل الترانيم المقدسة عوض الأغاني المعثرة.

قيل إنه في أيامه كانت الميادين العامة تشبه الكنائس، إذ كان صوت الترانيم والتسابيح المقدسة يُسمع فيها عوض الأغاني العابثة[18].

  1. التفاسير:

أسهب الآباء في شرح وتفسير آيات الكتاب القدس بمناهج مختلفة، فقد كتبوا ووعظوا بما لا يستطيع أحد أن يحصره. كما سنرى

  1. القوانين الكنسية[19]:

تناولت كتابات الآباء أيضاً وضع قوانين، تعتمد أساساً على الكتاب المقدس وتعاليم الرسل، لتنظيم وضبط الحياة الكنسية، وأهم هذه الكتابات:

  1. الدسقولية:

تحوي على تعاليم وقوانين الرسل، ويلحق بها الديداكي (تعاليم الرب كما سلمه للرسل الاثني عشر)، وتسمل الدسقولية (28) باباً تختص بعمل كل رتب الإكليروس، وبناء الكنائس، والقدس الإلهي، وخدمة الأرامل والأيتام والشمّاسات والعلمانيين، وفيها تعاليم عن الصوم والتناول والتسبيح وأوقات الصلاة.

أما قوانين الرسل فهي (127) قانوناً نشرتها Potrologia Orientalis في كتابين، ولخصها القديس Hippolytus في مجموعته التي تُسمّى بالعربية “قوانين أبوليدس”، كما أرسلت على يد أكلمنضس الروماني، وسُميت في بعض المجموعات قوانين أكلمنصس.

  1. قوانين المجامع المسكونية والمحلية:

وتشمل قوانين مجمع نيقية المنعقد سنة (325م)، وهي عبارة عن (20) قانوناً، يضاف إليها قانون الإيمان، وقوانين مجمع القسطنطينية المنعقد سنة (381م) وهي (7) قوانين، يضاف إليها حروم القديس كيرلس عمود الدين ضد النساطرة وهي (12) حرماً.

  1. قوانين المجامع المحلية والإقليمية:

وهي المجامع التي انعقدت في إقليم ما، واقتصرت على أساقفة هذا الإقليم أو عدة أقاليم مجاورة، ولكن دون أن تأخذ صفة المسكونية، ولكن قوانينها حازت قبولاً واعترافاً من الكنيسة الجامعة، وهذه المجامع انعقدت قبل مجمع خلقيدونية سنة 451م وتشمل:

† مجمع أنقرا (سنة 314م) وأصدر 25 قانوناً

† مجمع قيصرية الجديدة (سنة 315م) وقد أصدر 15 قانوناً.

وكلا المجمعين السابقين قبل مجمع نيقية، وهناك مجامع إقليمية بعد نيقية، منها:

  • مجمع غنغرا وأصدر 20 قانوناً.
  • مجمع أنطاكية وأصدر 25 قانوناً.
  • مجمع سرديقية وأصدر 20 قانوناً.
  • مجمع لاوديكية وأصدر 60 قانوناً.

† مجمع قرطاجنة الذي يُسمى مجمع أفريقيا الذي انعقد سنة 419م وأصدر 136 قانوناً، وقد حضره 217 أسقفاً برئاسة القديس أورويسيوس كما حضره القديس أغسطينوس.

  1. قوانين الآباء الكبار:

وهي القوانين التي أصدرها الآباء القديسون، وغالبية هذه القوانين منشورة في الجزء الرابع عشر مجموعة Nicene & Post Nicene Fathers

  1. قوانين وضعها البابا ديونيسيوس الإسكندري (تنيح سنة 265م): 4 قوانين.
  2. قوانين وضعها البابا بطرس الإسكندري الملقب بخاتم الشهداء (استشهد 311م): 14 قانوناً.
  3. قوانين وضعها البابا أثناسيوس الإسكندري الملّقب الرسولي (328-272م): 107 قانوناً.
  4. القديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة الكبادوك (329 -279م): 106 قانوناً (وفي بعض المراجع 92 قانوناً).
  5. البابا تيموثاوس الإسكندري (تنيح سنة 355م): 17 قانوناً.
  6. القديس غريغوريوس أسقف نيصص (355 -395م): 8 قوانين.
  7. البابا ثاوفيلس الإسكندري (384 -412م): 14 قانوناً.
  8. هيبوليتس أسقف روما الملقب أبوليدس (170 -235م): 38 قانوناً.
  9. البابا كيرلس الإسكندري الكبير (412 -444م): 12 قانوناً.

10.القديس يوحنا ذهبي الفم بطريرك القسطنطينة (347-407م) 12قانوناً.

 القوانين التي صدرت في عصور متأخرة مثل قوانين البابا كيرلس بن لقلق، وقوانين البابا غبريال بن تريك، وقوانين وضعها بابوات كنيسة الإسكندرية (بعد مجمع خلقيدونية) وهي مُلزمة للكنسية القبطية فقط:

  1. البابا قزمان الثالث (920 – 932م)، والذي وضع فصولاً في المواريث وأحكامها.
  2. البابا خريستوذولوس (1047 -1077م).
  3. البابا كيرلس الثاني (1078 -1092م).
  4. البابا غبريال بين تريك (1131 -1145م).
  5. البابا كيرلس الثالث الملقب ابن لقلق (1235 – 1243م).

وهناك مَنْ اهتم بجمع القوانين، ومن أهمهم ابن العسال في كتابه “المجموع الصفوي”، لكن عليه ملاحظات وانتقادات[20].

تصنيف كتابات الآباء

لدراسة كتابات الآباء بصورة منظمة، تطلّب ذلك تصنيف كتابات الآباء على أُسس محددة، وقد اتبع طرق مختلفة أهمها:

1 – الأساس الزمني:

الأساس الزمني لتقسيم كتابات الآباء وفيه يعتبر أول مجمع مسكوني (325م) خطاً فاصلاً بين نوعين من الآباء ومن جهة كتاباتهم وتراثهم وهما:

مجموعة أباء ما قبل نيقية Ante Necene Faghers، ويشمل (24) مجلداً، وهي تتصف بالبساطة وتضم جميع كتابات آباء ما قبل القرن الثالث الميلادي.

عصر نيقية وما بعد نيقية Nicene and Post Nicene Fathers وهي تتسم بالقوة، وتضم كتابات القديس أغسطينوس ويوحنا ذهبي الفم، كما تضم كتابات آباء القرن الرابع مثل كتابات القديس أثناسيوس والقديس غريغوريوس النزينزي والقديس كيرلس الأورشليمي ويوسابيوس القيصري….

2 – اللغة التي كتبوا بها:

 تُقسم كتابات الآباء على أساس اللغة التي كتبوا بها إلى: آباء يونانيون، آباء لاتينيون، آباء أقباط، آباء سريان، آباء أرمن، وقد قام العالم Migne بمجهود كبير في تقسيم كتابات الآباء لمجموعتين:

  1. كتابات الآباء باللغة اليونانية (Patrologia Greece).
  2. كتابات الآباء باللغة اللاتينية (Patrologia Latina).

هذا إلى جانب كتابات باللغات القومية مثل القبطية والسريانية والأرمنية، هذا وقد تُرجمت كتب كثيرة من هاتين المجموعتين إلى اللغات الحديثة.

3 – المكان:

يقسم البعض، الكتابات حسب المناطق:

  1. كتابات آباء مصر، خاصة مدرسة الإسكندرية وآباء البرية.
  2. الآباء الأنطاكيون.
  3. الآباء الكبادوك.
  4. الآباء اللاتين.

كل مجموعة تحمل فكراً خاصاً واهتمامات خاصة تُنسب للظروف المحيطة بها، لذا جاءت كتابات كل منها إلى حد ما بطابعها الخاص.

4 – مادة الكتابة:

أحياناً يقوم التقسيم حسب مادة الكتابة كالآتي:

  1. كتابات دفاعية.
  2. تفسير الكتاب المقدس.
  3. عظات ومقالات.
  4. رسائل.
  5. ليتورجيات كنسية.
  6. كتابات شعرية وتسابيح.
  7. حوار.
  8. نسكيات.
  9. قوانين كنسية.
  10. كتابات تاريخية.

5 – تقسيم عام يمثل مزيج للتصنيفات السابقة:

وهو الأكثر استخداماً عنج معظم الباحثين، وعليه يمكن تقسيم كتابات الآباء إلى:

عصر بداية كتابات الآباء:

وتشمل كتابات الآباء الرسوليين والآباء المدافعين وآباء القرنين الثاني والثالث مثل:

  1. رسائل أكلمنضس الروماني: الرسالة الأولى إلى الكورنثيين سنة 96م، الرسالة الثانية المسيوبة إلى أكلمنضس، رسالتان عن البتولية.
  2. رسائل أغناطيوس الأنطاكي السبع إلى كنائس آسيا حتى سنة (107م)
  3. رسالة القديس بوليكاريوس أسقف أزمير إلى كنيسة فيلبي حوالي سنة (156م).
  4. كتاب الـ” ديداكي: تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثني عشر”.
  5. كتابات الكُتاب المعاصرين للآباء الرسوليين: الرسالة المنسوبة لبرنابا حوالي سنة (100م)، بابياس سنة (130م)، كتاب الراعي لهرماس (القرن الثاني).

وترجع أهمية هذا العصر إلى:

  1. كتابات الآباء الرسوليين في القرن الأول وبداية الثاني، بكونها بداية انطلاق للتراث خلال من تتلمذوا على يدي الرسل.
  2. بدراسة كتابات آباء هذه العصر نعرف أن ما نعيشه الآن من عقيدة وطقس…هو من أيام الآباء الرسل، الذين سلموها لتلاميذهم وهكذا بالتتابع. فهو “الإيمان المسلم مرة للقديسين” (يه 3)، فهذا العصر هو عصر بدء القوانين الرسولية والشكل الليتورجي، حيث كانت الكنيسة تحتاج إلى هذا النظام لتمارس حياتها التعبدية ووجود دستور لسلوكها.
  3. فرزت الكنيسة الكتب الأبوكريفا عن الأناجيل وبقية أسفار العهد الجديد القانونية.
  4. نَظم المسيحيون الأوائل شعراً للتسبيح للتعبير عن مشاعر حبهم لله مخلصهم.
  5. كتب بعض أبنائها سير الشهداء، فظهرت أول أعمال الشهداء.

كتابات الآباء المدافعين:

كتابات الآباء المدافعين Apologists ليست هي كتابات هجوم، ولكن في الحقيقة هدفها الأساسي جذب غير المؤمنين للتمتع بعمل الله، مثل دفاع أثيناغوراس الذي قدمه للإمبراطور وابنه، حيث ذكر فيه النقاط التي يتهمون بها المسيحيين، ثم قدم دفاعه عن هذه النقاط. أو ما جاء في الرسالة إلى ديوجينتيس: “إن رغبت أن يكون لك هذا الإيمان… فيا ليتك تُطهر عقلك من التعصّب الذي يمنعك من التفكير.

وأهم المدافعين هم:

أ – كودارتس (124م).

ب – أرستيدس من أثينا (125م).

ج – أرستو بيللا (140م).

د – يوستينوس الشهيد (165م).

ه – تاتيان السوري (172م).

و – أبوليناروس من هيرابوليس (172م).

ز – أثيناغوراس (177م).

ح – ثاؤفيلوس الأنطاكي (حوالي 180م).

ط – ميليتو أسقف ساردس (190م).

ي – ملتيادس (192م).

ك – مينوكيوس فيلكس (200م).

ل – هرمياس الفيلسوف (200م).

آباء القرنين الثاني والثالث:

كانت الإسكندرية أكبر مركز للثقافة الهيلينية، تشتهر بمدارسها الفلسفية مثل الموزيم (المتحف)، ولهذا رأت الكنيسة منذ عهد القديس مارمرقص الرسول، أن تجابه هذه الثقافة الوثنية بإنشاء مدرسة مسيحية قادرة على مواجهة التيار الهيليني القوي، فظهرت مدرسة الإسكندرية التي اشتهرت بآبائها الذين لمعت أسماؤهم في الشرق والغرب.

كما ظهر آباء في أسيا الصغرى وسوريا وفلسطين، ومن أشهر المدارس في الشرف كانت مدرسة أنطاكية، التي تبنت التفسير الحرفي للكتاب المقدس، كمقابل لمدرسة الإسكندرية التي اشتهرت بالتفسير الرمزي، كما ظهرت مدرسة قيصرية.

بدأ الأدب اللاتيني المسيحي على يدي مينوسيوس فيلكس وهيبوليتس الروماني ونوفاتيان وسائر أساقفة روما.

ومن مشاهير هذا العصر كان: إيريناوس أسقف ليون (140 -202م)، أكْلِمَنْضُس الإسكندرية (150 -210م)، أوريجانوس (185 – 254)، ديونيسيوس الإسكندري (264م)، غرغوريوس العجائبي (213 – 270)، ميثوديوس الأولمبي (نهاية القرن الثالث)… من الشرق، وترتليان (220)، كبريانوس أسقف قرطجنة (200 -258)، هيبوليتوس الروماني (160 -235)، أرنوبيوس (280 -310) من الغرب.

آباء القرنين الرابع والخامس:

تعتبر فترة ما بين نيقية سنة (325م) ومجمع خلقيدونية سنة (451م) هي العصر الذهبي للكتابات الآبائية الشرقية، ويسمونه عصر نيقية وما بعد نيقية Nicene and post Nicene Fathers، من سمات هذا العصر:

† ظهور كتابات البابا ألكسندروس الذي واجه أريوس المبتدع، والبابا أثناسيوس الرسولي، وسيرابيون أسقف تيمي، وديديموس الضرير، والبابا ثاوفيلس، والبابا كيرلس عامود الدين… في مصر.

† كما ظهرت كتابات مؤسسي الحركة الرهبانية في مصر، وكتابات من جاءوا إلى مصر ليمارسوا الحياة الرهبانية ويسجلوا أقوال آباء البرية في مصر، مثل أنبا أنطونيوس الكبير وأمونيوس باخوميوس أب الشركة وهوريسيوس وتادرس ومقاريوس المصري وأغريس من بنطس وبالاديوس وإيسيدورس الفرمي أو البلوزي والقديس الأنبا شنودة بأتريب.

† في أسيا الصغرى نجد يوسابيوس النيقوميدي وثيؤحنيس من نيقية وأوستيرس السوفسطائي ومارسيليوس بأنقرا وياسيليوس بأنقرا، وإبيفانيوس أسقف سلاميس…

† ظهر آباء الكبادوك العظام مثل القديس باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي وغريغوريوس أسقف نيصص وأمفيلوجيوس أسقف إيقونيم وأوستيروس من أماسي.

† في أنطاكية وسوريا أوستاثيوس الأنطاكي وأتبوس الأنطاكي وأونوميسوس من Cyzicus  وجلاسيوس القيصري ويوسابيوس من أمسيا، ومار أفرام السرياني، ومار فليكسنوس أسقف منبج، وساويرُس الأنطاكي، مار إسحق السرياني، القديس يوحنا الدرجي.

† ظهر كيرلس الأورشليمي وأبوليناريوس من لادوكيا وإبيفانيوس أسقف سلاميس وديؤدور الطرسوسيّ وثيؤودور من المصيصة ويوحنا ذهبي الفم وأكاكيوس من Beroea وأنتيخوس من بتللاميس وسيرفيان من جبالة ومقاريوس ماجنيس وهستخيوس الأورشليمي ونيلس من أنقرا ومرقس الناسك وبروكليس من القسطنطينية وباسيليوس من سيليكا.

† وفي الغرب ظهر هيلاري أسقف بواتييه، وأمبروسيوس أسقف ميلان، وجيروم، وروفينوس، ويوحنا كاسيان، والبابا غريغوريوس الكبير.

† ظهر أيضاً المؤرخون الكنسيون مثل فيليب Philip Sidetes وسقراط وسوزومين وثيؤدورت أسقف قورش.

كتابات ما بعد مجمع خلقيدونية:

إذ عزل مجمع خلقيدونية الشرق عن الغرب إلى حد ما، جعل الكنائس اللاخلقيدونية تهتم بالكتابة عن طبيعة السيد المسيح، وقد برز قادة عظماء في هذا المجال. يقول ميندورف: “خلال النصف الثاني من القرن الخامس والنصف الأول من القرن السادس، قد ساد اللاهوتيين (المونوفزيت) على المسرح، وهم ثيموثاوس أوليروس وفيلكسينوس أسقف منبج Manbbug، وعلى وجه الخصوص ساويرس الأنطاكي، ولم يكن لدى الخلقدونيين لاهوتي واحد بارز يقف أمامهم”[21].

بعد دخول العرب مصر والشرق الأوسط تحوّل اهتمام الكُتاب الشرقيين إلى الحوار مع المسلمين، وجاءت القرون من (11-13) غنية بالتراث المسيحي المصري في ذلك المجال، أما الكنائس الخلقيدونية فواجهت مشاكل مثل محاربة الأيقونات، وانبثاق الروح القدس….

[1] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة القرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 223.

[2] راجع تاريخ الكنيسة المسيحية، أفغراف سميرنوف، سنة 1964، مطرانية حمص، ص 302.

[3] الأب جوزيف زبارة – القديس باسيليوس الكبير، إصدار جمعية التعليم المسيحي بحلب.

[4] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 218.

[5] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 273، 274.

[6] البروفيسور يوأنس فندولي – علم الوعظ – تعريب – القمص أثناسيوس اسحق حنين – مجلة الكرمة 2008 – ص 131.

[7] القديس صليب سوريال –دراسات في القوانين الكنسية الكتاب الرابع –في كتاب المجموع الصفوي لابن العسال-1992-ص46.

[8] أحد رهبان برية القديس مقاريوس – التدبير الإلهي في بنيان الكنيسة – الطبعة الأولى 2001 – ص 50-58.

[9] الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – المجلد الأول – مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم بطريرك انطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس، حمص 1940م.

[10] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 173.

[11] لويس ساكو، القديس أفرام، اللاهوت هو صدى للإنجيل، مجلة الفكر المسيحي، نيسان 1987، ص 129-135.

[12] الجزء الأول رقم 305/306 سنة 1970، والجزء الثاني رقم 311/312 سنة 1970، الجزء الثالث رقم 320/ 321 سنة 1972، الجزء الرابع رقم 324/ 325 سنة 1973.

[13] أريانزوس Arianzus قرية جنوب غربي الكبادوك

[14] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 232.

[15] نظرة شاملع لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 260.

[16] القديس أمبروسيوس – الأسرار – مركز دراسات الآباء – الطبعة الثانية 1996 ص 60، 61.

[17] نظرة شاملع لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 272-273.

[18] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها – (ج – ص) – 2001م – ص 274.

[19] راجع كتاب التدبير الإلهي في بنيان الكنيسة، لأحد رهبان برية القديس مقاريوس، الطبعة الأولى 2001، من صفحة 50-58.

[20] مجلة الكرازة في 9 ديسمبر 1994 م العدد 45 و46.

[21] J. Meyendorff: Christ in the Eastem Christian Thought, 1969. P. 24.

علم الآباء 3 –  صور وتصنيف كتابات الآباء

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

 

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

أول من استعمل مصطلح (باترولوجيا  Patrologia)، هو اللوثري الألماني الجنسية (جون جرهارد  John Grehard)، القرن السابع عشر، حيث استخدم كلمة (Patorologia) كعنوان لكتاب نشره عام 1653م، يُقسّم فيه علم الآباء إلى عدة مراحل وإن كانت غير محددة، ألا وهي:

1- عصر الآباء الأولين:

أخذتْ أقوال الآباء فترة من الزمن تُسلّم من جيل إلى جيل شفهياً، لا لغرض دراسيّ، أو كهدف في ذاتها، بل كوديعة تحمل داخلها الإيمان الحيّ، فلم تُكتب أو تُدرَّس كفلسفة؛ ولهذا لم يُكتَب منها إلاّ القليل، وعلى مستوى فرديّ مثل كتابات يوحنا كاسيان.

ونحن بصدد الحديث عن أقوال اللآباء في العصر الأول، نلاحظ الآتي:

أ – محاولة المؤمنين حفظها قدر المستطاع لقُدسيتها، فيقول القديس أكلِمَنْضُس السكندريّ: “هؤلاء الرجال قد حفظوا التقليد الصحيح، تقليد التعليم المبارك، المُسلّم لهم مباشرةُ من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس… والذي وصل إلينا بعناية الله ابناً عن أب[1]، كما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصُص: “يليق بنا أن نحفظ التقليد الذي تسلّمناه بالتتابع من الآباء ثابتاً بغير تغير”، كما يقول القديس كيرلس الإسكندريّ: “إنني مُحب للتعليم الصحيح مقتفياً آثار آبائي الروحيّة” [2]..

 ساد هذا العصر روح التلمذة، فالتلميذ يسمع من معلّمه وخاصة في الحياة الرهبانية، ويحفظ لا أقواله فقط، إنما حياته ككل؛ فهو يأكل معه ويصلي معه ويسهر معه، يأخذ روح الإيمان العمليّ من أبيه، وغالباً بعد نياحة الأب يكتب التلميذ حياة أبيه وكل التعاليم التي أخذها منه.

ب – في الكنائس كان يميل البعض إلى كتابة تعاليم الآباء الأسبوعية، كشرح للكتاب المقدس أو المواضيع العقائدية أو الروحيّة، مثل عظات القديس يوحنا ذهبيّ الفم وعظات القديس أُغسطينوس.

ج – وفود قادة كثيرين إلى مصر للتلمذة على أيدي متوحدي مصر، أو داخل الأديرة، أو بمدرسة الإسكندرية، وتدوينهم أقوال الآباء وسيرهم وأفكارهم وترجمتها بلغاتهم سوء اليونانية أو السريانية أو اللاتينية، مثل يوحنا كاسيان (حوالي 360 -435م)[3]

أحد مشاهير الكُتَّاب الروحيّين في القرن الخامس في جنوب بلاد الغال (فرنسا)، خاصة في الفكر الرهبانيّ، وقد نجح في تطوير الحياة الرهبانية في فرنسا، فكان سفيراً للتراث الآبائي النُسكي القبطي في الغرب، وأحد أعمدة التقليد الكنسيّ النسكيّ فيما يختص بالطقس الرهبانيّ الحيّ، يربط بين نواحيه الخارجية والداخلية، وبين الطقس والروحانية بطريقة حية، وقد التقى بآباء الرهبنة في مصر، وسجل لنا خبرات الآباء في كتابين غاية الأهمية ألا وهما: (المناظرات) Conferences of John of Cassian   و(المؤسسات) Institutes of the Coenobia.

† كما جاء الراهب بلاديوس من القسطنطينية إلى مصر، وعاش فيها ما يقرب من خمس سنوات، في أديرة مختلفة، ودوَّن ملاحظاته وكتب سيَر وأقوال عددٍ كبيرٍ من الآباء، ثم أرسل مذكراته هذه إلى صديق له يُدعى (لوسيوس) ليتعرف على الحَياة النسكية، فصار هذا التراث الهام يُعرف بـ (التاريخ اللوزياكي) والآن يُعرف باسم بستان الرهبان (365 -425م)[4].

† كما سجّل لنا روفينوس (345 -410م)[5] أحاديث عن آباء مصر الرهبان، في كتابه تاريخ الرهبنة في مصر المعروف باسم (هستوريا موناخورم)، ويُذكر أنَّ روفينوس جاء إلى مصر حوالي سنة (373م) بمعيّة السيدة ميلانيا الشريفة الرومانية – التي كرّست حياتها بعد ترمّلها لخدمة القديسيو والعاملين في كنيسة الله – وقد قابل عدداً كبيراً من آبائها، وكان أحد تلاميذ القديس ديديموس الضرير[6].

هذا وقد جذبت مدرسة الإسكندرية الكثير من قادة الكنيسة في العالم، فجاءوا إليها ونقلوا منها تُراثها لكي يتتلمذوا عليه، وبلغ شَغف أوسابيوس أسقف قرسيل (بإيطاليا) بكتابات أوريجانوس، ووجد نفسه أنه لم يَر فلسفة حقيقية في غيرها.

د – كثير من رهبان مصر خرجوا من الأديرة إلى العالم، سواء إلى مدرسة الإسكندرية أو بغرض الكرازة حاملين معهم التراث الآبائي.

2 – عصر ظهور المؤرخين الكنسيين:

1- يوسابيوس القيصري (260 -340م)

هو أول مَن سجل تاريخ الكنيسة، وقد عَمَّد الملك قسطنطين الكبير، ورغم ميوله الأريوسية في بعض العقائد (نصف أريوسي)، إلا أنه صاحب فكرة نشر أقوال الآباء وكتاباتهم، يقول في كتابه (التاريخ الكنسي) The Church History of Eusebius (326م) عن هدف كتابات: “هذا هو هدفي أن أكتب تقريراً عن خلافات الرسل (التتابع الرسولي) القديسين، وأن أُشير إلى أولئك الذين في كل عصر نادوا بالكلمة الإلهية سواء كتابة أو شفاهاً، وأيضاً أسماء وأعداد أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم، الذين أبرزوا أنفسهم كدُعاة معرفة وعلم بالكذب”[7].

وقد كان الدافع لهذا العمل هو الهجوم الذي قام به اليهود والوثنيون، حيث اتهموا المسيحيين بأنهم جماعة سُذّجٌ بسطاء ليس لهم فكرٌ ولا علمُ ولا معرفة، فأراد يوسابيوس أن يكشف عن شخصية القيادات الكنسية، فاهتم أن يَذكُر أغلب قيادات الشرق، ويُبرز الجوانب العلمية لهم وكتاباته، وترجماتهم، وتفاسيرهم…. كما سجل لنا مُقتطفات صغيرة جداً من هذه الكتابات، وفعلاً قدّم يوسابيوس قائمة بكل الكُتاب وكتاباتهم، ويُعَدّ عمله هذا من أهم الأعمال حيث إن هناك شخصيات لم يتناول ذكرها أحد غيره.

جاء بعد يوسابيوس مؤرخون كثيرون حاولوا تكملّة عمله مثل: (سقراط Socrates)، و(سوزومين Sozomen) و(ثيؤدوريت Theodoret)… وكانت كتاباتهم مركّزة على الكنيسة الشرقية.

كما قام (روفينوس Rufinus) بترجمة تاريخ يوسابيوس من اليونانية إلى اللاتينية، وأضاف إليه بعض الأحداث حتى عصر الإمبراطور ثيؤدوسيوس سنة 392م.

2- القديس جيروم Jerome

سجل لنا (جيروم Jerome) تاريخ الأدب المسيحي اللاهوتي في كتاب (مشاهير الرجال) عام (392م) في (135) فصلاً، مستمداً معلوماته من تاريخ يوسابيوس، حتى إنه كرّر نفس أخطائه، وأضاف شخصيات، وحذف شخصيات، في (78) فصلاً منهم، وكان الدافع لهذا العمل أيضاً هو نفس الدافع لكتاب يوسابيوس وبصورة أقوى، وهو قول الوثنيين أمثال: (كيلسوس Celsus)، (بروفيريوس Prophyry)، (يوليان Julian)… بأن المسيحيين ليس لهم في الأدب أو الفكر.

وقد حدّد جيروم في مقدمة كتابه أن مجال عمله هو الآباء، الذين كتبوا عن الكتاب المقدس (رغم أنه شمل لاهوتيين)، وقد نقد القديس أغسطينوس هذا الكتاب، حيث إن جيروم لم يفصل بين الكُتّاب الأرثوذكسيين وبين الهراطقة مثل ذكره لشخصية (تاتيان Tatian)، و(بريسكيليان Priscillian)  و(أونوميس الأريوسيّ)، كما ذكر فلاسفة وثنيين مثل (سينيكا Seneca)، ويهوداً مثل (فيلون) و (يوسيفوس).

ولم يذكر جيروم في كتابه أيّ شيء عن كتابات أغسطينوس التي ظهرت في ذلك الوقت، ولعل هذا هو سر الخلاف بينهما.

ومن الأخطاء المنسوبة لجيروم أنه قد أغفل ذكر شخصيات كبيرة، أو ذكر القليل عن البعض الآخر مثل القديس أثناسيوس الرسولي والقديس باسيليوس الكبير وكبريانوس الأسقف.

فتح جيروم الباب أمام الشرق والغرب في الكتابة عن آباء الكنيسة وكتاباتهم وأفكارهم…

3- جيناديوس Gennadius

حوالي عام 480م كتب (جيناديوس Gennadius) كاهن “مرسيليا” – وهو نصف بيلاجيّ ومع ذلك يُحكم عليه من كتاباته أنه واسع الاطّلاع دقيق في أحكامه) – كتاباً بنفس اسم كتاب جيروم (مشاهير الرجال)، ويعتبر إضافة لعمل جيروم، ولكنه كان عملاً هزيلاً ليس ذا قيمة بالمقارنة بعمل جيروم، شمل 99 فصلاً حتى عام 495م.

4- آخرون

† بعد جيناديوس قام كُتاب كثيرون مثل: (إيسيذوروس Isidore of Serville) (تنيح عام 636م)، الذي اهتم بالكُتّاب الاسبان.

† كذلك في أواخر القرن الحادي عشر، قام راهب بندكتي ببلجيكا يُسمّى سيجبيرت (Sigebert of Gembloux) بالكتابة عن سير الآباء البندكت.

† وفي عام (1122م) كتب (هونوريوس Honorius Ausgusodunum ) باسم الكنيسة المنيرة Luminaaribus Ecclesaia.

† وفي سنة (1494م) ألّف أبٌ لدير بندكتي في (Sponheim)، يُسمى الراهب (جوهانس تريثيموس Johannes Trithemius) كتاباً باسم “الكُتّاب الكنسيون، يحوي سيرة (963) أب مع كتاباتهم، ويستقي معلوماته من كتابات جيروم وجيناديوس، وقد حصل على شهرة فائقة، إذ جمع مكتبة من حوالي (2000) مجلداً.

† أم في الشرق فلم يظهر ما يفيد بأن هناك كُتّاباً سجلوا الكُتّاب الكنسيين، مع ذلك كتب البابا (فوتيوس Photius) بطريرك القسطنطينية (تنيح عام 891م) كتابا مماثلاً تحت عنوان (Photil Bibliotheca) يمتاز بالدقة، وذكر فيه مؤلفين وثنيين.

† وفي الكنيسة القبطية ظهر السنكسار الذي يركز على سير الآباء القديسين، كما اهتم البعض بنسخ كتابات الآباء الأولين، وظهر بعض المؤرخين مثل يوحنا النيقيوسي وغيره.

† وفي عصر النهضة الأوروبية من القرن السادس عشر إلى التاسع عشر، بدأت التجميعات العظيمة والطبعات الخاصة الممتازة لنصوص الآباء، ففي القرن الخامس عشر قام في القسطنطينية (نسيفورس كالستوس) بوضع تاريخ الكنيسة منذ نشأتها حتى عام (911م) معتمداً على كتابات يوسابيوس وأضاف إليه سير بعض الرهبان، وقد عبر عبوراً سريعاً في حديثه عن الكنيسة اللاتينية بعد القرن الخامس الميلاديّ.

3- عصر النهضة العلمية والدراسات النقدية[8]:

† في عصر النهضة (القرن السادس عشر) بدأ الاهتمام بترجمة ونشر كتابات الآباء، إمّا بأعمال فردية للمؤلف أو كمجموعة كاملة، وقد ازدهر هذا العمل جداً في القرن السابع عشر، حيث نَشر (Marguerin de la Migne)، مجموعة كبيرة لأكثر من 200 كاتب في عمله (Bibliotheca Sanctorum Patrum) أُضيفت إليها أعمال أخرى بالتدريج، وقد صارت عام (1616) أربعة عشر مجلداً باسم Patrum (Magna Bibliotheca Veterum) أُعيد طبعها في ليون عام (1677م) في (27) مجلد باسم (Bibliotheca et antiq orum eccelsiasticorum).

† في القرن الثامن عشر قام (A. Galland) بنشر مجموعته في (14) مجلد بفينيس عام (1765 -1781) باسم (Bibliotheca Veterum Patrum).

† في القرن التاسع عشر اغتنت المكتبات بالكتب المسيحية القديمة، وظَهرت الحاجة إلى كتابتها بعد تحقيقها علمياً وتنقيتها من الدخيل عليها من النساخ، وتُعتبر أعظم مجموعة كاملة تلك التي قام بها (Migne) في القرن التاسع عشر باسم (Patrilogiae)، وهي عبارة عن إعادة طبع للنصوص السابق نشرها لتكون في متناول اللاهوتيين وهي عبارة عن مجموعتين:

1- مجموعة الآباء اللاتين (P.L.) طبعة باريس (1844 -1855) وتتكون من (221) مجلداً بها فهارس.

2- مجموعة الآباء الإغريق (P.G.) أي الكتابات اليونانية طبعة (1857 -1866م)، وتتكون من 161 مجلداً وَرد بها ترجمة كاملة باللغة اللاتينية وهي بغير فهارس، وقد تُرجم الكثير من هاتين المجموعتين إلى اللغات الحديثة من ألمانية وفرنسية وإنجليزية ولهجات عديدة أخرى.

كما توجد مجموعات أخرى تُعتبر ملحقاً لمجموعتي Migne وهي:

1- كُتاب القرون الثلاثة الأولى اليونان المسيحيين، وقد قامت بنشرها أكاديمية برلين عام 1897 مع مُقدمات وفهارس بالألمانية، وقد بلغ عددها (41) مجلداً.

2- (Coprus orum ecclesiasticorum Latinorum) وقد قامت بنشرها أكاديمية فيينا عام (1866) ونُشرت في (70) مجلداً.

3- (Bibliotheca Teubneriana, Leibzig) وتشمل كثير من كتابات الآباء.

4- (The Loeb Classical Library) وقام بنشرها (Rouse, Capps and Page) بلندن ونيويورك، وتشمل الكثير من كتابات الآباء اليونان واللاتين.

5- مجموعة (Patrologia Orientals) قام بنشرها (Nau, Graffin) بباريس عام (1907) في (28) مجلد.

6- (The ante-Nicene Fathers& Nicene and Post-Nicene Fathers) وتشمل ترجمة جميع أقوال الآباء مع غرض لسير هؤلاء الآباء ل (A Clevland Coxe)، وقام بوضعها (Wace & Scgaff) بنيويورك عام (1900) في (37) مجلداً، وهي تُعتبر الأكثر انتشاراً على الإطلاق في العالم كله لدقتها اللاهوتية والعلمية.

† أكاديمية فيينا وبرلين أول من طرقت هذا المجال، فقد طَبعت مجموعة مطبوعات لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية.

† منذ عام (1951) تُعقد مؤتمرات دولية بصفة استمرارية كل (4) سنوات للدراسات الآبائية في جامعة أُكسفورد بلندن، ويجتمع فيها جميع الدارسين لـ علم الآباء أو الآباء لتبادل الخبرات والدراسات، وينتج عن كل مؤتمر مُجلّد يُوضع فيه نتيجة أعمال المؤتمر، ويقوم مركز الدراسات الآبائية بترجمته.

في القرن العشرين كان الاهتمام أكثر بدراسة تاريخ الأفكار وتاريخ المفاهيم في الكتابات المسيحية القديمة، كما يقول البروفيسور (كواستين Quasten) أستاذ الآباء بجامعة واشنطن أن الاكتشافات الحديثة في القرن العشرين لأوراق البردي في مصر، قد مَكَّنت العلماء من استعادة الكثير من الأعمال الآبائية التي كانت مفقودة.

ومن مظاهر الاهتمام بذلك انعقاد مؤتمرات آبائية عالمية مثل مؤتمر جامعة أكسفورد بإنجلترا لدراسة الآبائيات سنة (1951م)، وينعقد مرة كل (4) سنوات، كما بدأت مؤتمرات دولية أخرى تُعقد في جامعات أوربا المختلفة، ويُخصص كل مؤتمر لدراسات أحد الآباء، مثل مؤتمر دراسة كتابات أغسطينوس، ومؤتمر دولي للتراث العربي المسيحي في جامعة سيدني بأُستراليا.

علم الآباء في مصر:

† إذ كانت الإسكندرية أكبر مركز هيلينيّ فلسفيّ (مدرسة الإسكندرية الفلسفية)، التزمت الكنيسة منذ عهد القديس مرقص الرسول بإنشاء مدرسة مسيحة قادرة على مواجهة التيار الهيلينيّ القوي، فظهرت مدرسة الإسكندرية بآبائها الذين لمعت أسماؤهم في الشرق والغرب.

† كذلك اهتم الآباء ولا سيما الرهبان بنسخ كتابات الآباء سواء باليونانية أو القبطية أو العربية، فهناك اهتمام كبير في مصر بـ علم الآباء وتاريخ الآباء، منع أنه في العصور الوسطى وبداية العصر الحديث حمل عُلماء الغرب كنوز أديرتنا إلى مكتباتهم ومتاحفهم وجامعاتهم، وصارت مادة أساسية في قيام علم الآباء…

منها المخطوطات السريانية التي لا تُقدر بثمن، والتي أُخِذت من دير السريان، النصيب الأعظم منها كان للمتحف البريطاني وجزءاً منها لمكتبة الفاتيكان وبعض متاحف أوروبا، رغم ذلك ما زالت المخطوطات والبرديات المصرية تفتح آفاقاً جديدة في علم الآباء – حسب شهادة الغرب – لا تزال حية بالروح الآبائية الأصيلةن نستطيع أن ننتفع بها في الأبحاث العلمية.

† في القرن السابع قام الأنبا يوحنا أسقف نيقيوس بالمنوفية، بكتابة تاريخ آدم حتى نهاية القرن السابع الميلاديّ، وهذا الكتاب كُتب باللغة القبطية، وتُرجم إلى الأثيوبية، وتُرجم من الأثيوبية إلى الفرنسية، وحدث أن فُقدت النسخة الأصلية القبطية وأخيراً صدرت ترجمة عربية لهذا الكتاب عن اللغة الحبشية.

† في القرن العاشر قام الأنبا ساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين بكتابة تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية، بدءاً من عصر مار مرقص حتى القرن العاشر، وكتبه باللغة العربية.

† وُجد مخطوط عربي مشهور من القرن الحادي عشر بعنوان (اعتراف الآباء) يضم تعاليم الآباء العقائدية فيما يخص الثالوث والتجسد وطبيعة المسيح، من مخطوطات البطريركية القديمة بالأزبكية، وتوجد نسخ أخرى في المتحف القبطي ودير المحرق وبعض الأديرة الأخرى.

† السنكسار يرجع إلى القرن الثاني عشر، كتبه الأنبا ميخائيل أسقف أتريب ومليج بالمنوفية، وراجعه الأنبا بطرس أسقف مليج، يُقرأ في الكنيسة بعد سفر أعمال الرسل، ويحتوي على سيراً مختصرة للقديسين والشهداء حسب أيام السنة القبطية، ولكنه لا يحتوي إلا على القليل من أقوال الآباء.

† في القرن العشرين قام الأرشدياكون حبيب جرجس، بجمع مؤلفات الآباء القديسين من أوروبا منذ العصر الرسولي حتى مجمع نيقية، وعَهد إلى بعض الخدام الأمناء بالترجمة إلى العربية ونشرها في أعداد مجلة الكرمة سنة (1923م)، وقدمها بقوله: “إن كتابات الآباء لها المقام الأسمى في عالم المؤلفات الدينية، لقُرب عهد مؤلفيها بالعصر الرسولي وأقوالهم حُججاً قوية على تعاليم الكنيسة في عصرها الأول”.

† كذلك قام القس مرقص داود بترجمة كتاب (تجسد الكلمة) للقديس أثناسيوس سنة (1946م)، ثم أكمل كتابات القديس أثناسيوس.

† في عصرنا الحالي تُوجد مؤسسة القديس أنطونيوس لترجمة ونشر كتابات الآباء حيث تأسست هذه المؤسسة سنة (1979م)، وقد كان للسيد صموئيل كامل عبد السيد أستاذ اللغة اليونانية دور بارز في تأسيس هذه المؤسسة، وتنيّح سنة (1986م).

† وفي عام (1991م) تأسس مركز دراسات الآباء، وبلغ عدد نصوص الآباء التي نشرها حتى الآن (138) عملاً، ويقوم المركز بعمل دراسات على هذه النصوص الآبائية المترجمة وتصدر في سلسلة باسم “دراسات آبائية” وصل عددها إلى 32 كتاباً، كما تُنشر مجلة دورة بدأت في يناير (1998م) وهي مجلة نصف سنوية.

اتباع أثر الآباء:

بعد أن تعرفنا على الآباء وعلى كتاباتهم التي كتبوها بإرشاد الروح القدس العامل في الكنيسة، يجب علينا اتباع أثر الآباء في حياتنا، فلا تستطيع الكنيسة أن تعيش دون أن تشرب وترتوي من تعاليم الآباء وحياتهم وكتاباتهم، وهذا ما قاله الله للكنيسة في نشيد الأنشاد “إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ، وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ” (نش 1: 8)، وهذا ما يقوله لنا معلمنا القديس بولس الرسول:

” اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب 13: 7)، فالآباء هم امتداد للرسل ونحن نفتخر أن لنا آباء، وهذا يتضح من قول القديس أثناسيوس الرسولي للأريوسيين “قد أظهرنا أن فكرنا قد سُلِّم من أب إلى أب، وأما أنتم أيها اليهود الجدد وتلاميذ قيافا (يقصد الأريوسية) فإلى أي أب من الآباء تستطيعون أن تنسبوا أقوالكم”[9]

اتباع الآباء ليس هو تعلقاً بشخصيات، إنما هو استقاء لكيفية كون هذا الأب عضواً في جسد المسيح الواحد. إنه علم الآباء.

[1] المتنوعات كتاب 51: 1: 11.

[2] القمص تادرس يعقوب ملطي: مفاهيم إيمانية (2): الكنيسة والتقليد، ص9

[3] J. Quasten. Patrology. Vol. 4 ,p.512 ff.

[4] نيافة الأنبا مكاريوس – الأسقف العام: فضيلة النسك الطبعة الأولى –  مارس 2006 م. ص 8، 9

[5] ولد بالقرب من مدينة أكويلا الواقعة على شاطئ البحر الأدرياتيكي بإيطاليا. درس في روما حيث التقى بالقديس جيروم، وكان روفينوس واحداً من مئات الشباب الذين استهوتهم الحياة النسكية فاندمجوا فيها بحرراة، عاش في جماعة نسكية في وطنه، ثم قصد الأراضي المقدسة حيث عاش بضع سنوات منع رهبانها. وحالما وصل رؤفينوس إلى الإسكندرية قصد لفوره إلى الصحراء حيث قابل عدداً كبيراً من آرائها. القمص تادرس يعقوب ملكي – قاموس آباء الكنيسة.

[6] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها (ح – ص) – 2001 – ص200.

[7] يوسابيوس القيصري – تاريخ الكنيسة 1: 1 – مرجع سابق – ص 9.

[8]  القمص تادرس يعقوب ملطي – المدخل لـ علم الباترولوجي ص 18.

[9] N&P.N.Fathers, 1st ser . Vol. IV p.168

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

Exit mobile version