تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو عرضته قناة “القاهرة والناس” التليفزيونية المصرية لإمام الحرم المكي أثناء دعائه خلال الصلاة بالموت للشيعة واليهود والمسيحيين.
ويدعو الإمام أيضا إلى “نصر المجاهدين” في العراق واليمن والشام و”نصرهم” على “الرافضة الملحدين” في إشارة إلى المذهب الشيعي الذي يعتنقه غالبية الإيرانيين.
يأتي هذا في الوقت الذي تشن فيه المملكة العربية السعوية حربا دامية في اليمن بقيادتها للتحالف الدولي الذي يضم 9 دول عربية أخرى، كما تدعم المملكة جماعات مسلحة تحارب في سوريا.
وتتهم المملكة بارتكاب جرائم انتهاك حقوق الإنسان خلال حربها في اليمن، وكان آخر هذه الاتهامات التقرير الصادر عن الأمم المتحدة والذي أوضح أن الحرب التي تخوضها المملكة في اليمن أدت إلى مقتل 10000 شخص منذ اندلاع الصراع هناك. كما اتهم التقرير الذي قدمته اللجنة البرلمانية البريطانية المعنية بضوابط تصدير الأسلحة للسعودية بالتورط في شن هجمات تنتهك القوانين والمواثيق الدولية، وطالبت اللجنة حكومة بلادها بالتوقف الفوري عن تصدير السلاح إلى المملكة.
بينما كانت المسيحية تنمو وتنتشر في القرن الأول الميلادي، وفيما تم تدوين كل اسفار العهد الجديد في زمن أقصاه نهاية القرن الأول، كانت كتابات المشناه والتلمود لم يتم ختمهم إلا حتى نهاية القرن الثاني والقرن الخامس على التوالي.
فيما يلي سنستعرض قطرات من يمّ الإنتحالات الأدبية الكلاسيكية التي سرقها الحخامات من تعاليم يسوع:
5) يسوع علم بأن:”السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ“ (مرقس 27:2). وفي (التلمود البابلي، يوما 2:85) نسخوا:”هي (السبت) قد أعطيت لكم ولستم أنتم لها“.
6) في (لوقا 6: 47-48)، قال يسوع لتلاميذه بأنه كل من يأتي إليه ويسمع كلامة ويعمل به، يشبه: ”إِنْسَانًا بَنَى بَيْتًا، وَحَفَرَ وَعَمَّقَ وَوَضَعَ الأَسَاسَ عَلَى الصَّخْرِ. فَلَمَّا حَدَثَ سَيْلٌ صَدَمَ النَّهْرُ ذلِكَ الْبَيْتَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُزَعْزِعَهُ، لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّسًا عَلَى الصَّخْرِ“. وأليشع بن أبويه نقل عن يسوع:”الانسان صانع الخيرات والذي يلهج كثيرًا في التوراه، ماذا يشبه؟ إنسان يؤسس بالحجاره، وبعدها يبني لأبناءه، فحتى لو صدمته تيارات المياة الكثيره سيبقى ثابتًا مكانه لا يتزعزع“.
7) يسوع قال لتلاميذه:”اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا .. يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ .. فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ .. فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ“. (متى 6: 25-34). والرابي إليعيزر هچدول (الكبير) نقل:”كل من لديه قطعة خبز في سله، ويقول ماذا سآكل غدًا، وهو ليس إلا قليل الإيمان“. (التلمود البابلي، مسيخت سوتاه، 2:48).
وفي التلمود اليروشلمي عرض الحزال مثلًا مماثلًا، على:”ملكا استأجر فعلة كثيرين، وكان هناك عامل واحد يجتهد كثيرا، فماذا فعل الملك؟ اخذه معه فى جولة طالت وقصرت حتى اتى المساء وحان وقت أخذ العمال أجرتهم، فاعطى له اجره مثلهم. فغضب بعض العمال وقالوا: نحن عملنا طول اليوم اما هو فعمل لساعتين وقد أعطيته أجرته كامله مثلنا. فقال لهم الملك: ان عمل هذا لمدة ساعتين اعظم من عملكم طول اليوم“. (التلمود الأورشليمي، سيدر زراعيم، مسيخت براخوت 8:20:2).
10) يسوع المسيح علم:”مَنْ يَرْفَعْ نَفْسَهُ يَتَّضِعْ، وَمَنْ يَضَعْ نَفْسَهُ يَرْتَفِعْ“ (متى 12:23). ونقل الحزال:”كل من يتضع، يرفعه القدوس مبارك هو (الله)، وكل من يرتفع، ينزله القدوس مبارك هو (الله)“ (التلمود البابلي، مسيخت عيروڤين 72:13).
وما زال هناك مئات الأمثله التي نقلها ونسخها الحخامات من كلام يسوع. ولكن لحظة، ماذا لو تحدانا أحدهم، مثلما فعل كلوزنر وقال بأن أقوال الحزال والحخامات قد إنتشرت شفهيًا لعشرات السنين قبل أن يتم تدوينها؟ هذه محاوله جيده للتملص لكنها ضعيفة، لان هؤلاء الحخامات لم يولدوا قبل يسوع إنما بعده!! ولهذا من غير المنطقي أن يكون يسوع هو الناقل عنهم!!
في الواقع إقرأوا كلمات الرابي ي.ج بن إبراهام: ما يوافق المنطق أكثر هو كون الأخلاقيات التي قالها الحزال، قد نقلوها من العهد الجديد (يسوع الناصري، ص 419). وعلى كلام كلوزنر بالتحديد يعلق الرابي ي.ج بن إبراهام في كتابه (תורת המוסר של היהדות, ص 6): ”قد كتب (كلوزنر) هذا ليس بمعدات المؤرخ، الذي عليه ان يرتكز على الوثائق والإثباتات، انما بحسب تخمينه الذاتي وهو يريد أن نصدقه فقط لأنه قد قال هذا“.
يستعرض موشى بن مئير في كتاب سيرته الذاتية (من أورشليم لأورشليم)، بعض النماذج على الانتحالات التي اخذها حخامات التلمود من كلام يسوع والعهد الجديد، حتى يثبت لنا بالحقيقة من نقل عن من. وفي نهاية كل مقارنه يوضح في أي فتره عاش ذات الحخام، فيما يلي بعض ما ذكره:
◂ قال الرابي جملائيل برابي:”كل من يرحم الخلائق، يُرحم من السماء“.يسوع قال:”طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ“. يسوع عاش 200 سنة قبله!
◂ قال الرابي يوسي:”لتكن نعمكم صدق ولاكم صدق“. يسوع علم:”لِتَكُنْ نَعَمْكُمْ نَعَمْ، وَلاَكُمْ لاَ“. يسوع عاش 250 سنة قبله!
◂ قال رابي شمعون بن جملائيل:”ليس التعليم الأساس، بل الأعمال“,يسوع عاش 100 سنه قبله، قال:”لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ“.
◂ يسوع علم تلاميذه:”مَجَّانًا أَخَذْتُمْ، مَجَّانًا أَعْطُوا“. رابي شموئيل هكتان (الصغير)، والذي عاش 200 سنة بعد يسوع، قال لتلاميذه:”مثلما علمتكم مجانًا، أيضًا انتم علموا مجانًا“.
اليهود والوثنيين والآريوسيين والرد عليهم في عظة للقديس اغسطينوس عن قانون الإيمان
اليهود والوثنيين والآريوسيين والرد عليهم في عظة للقديس اغسطينوس عن قانون الإيمان
اليهود والوثنيين والآريوسيين والرد عليهم في عظة للقديس اغسطينوس عن قانون الإيمان سامح فاروق حنين [1]
1 ـ توطئة
رغم أن الله قد رفض اليهود كشعبه المختار، ونزع عنهم مِزيّة أن يكونوا شعب ملكوته، وأعطى هذا الملكوت لأمة أخرى تصنع أثماره ” لذلك أقول لكم إن ملكوت الله يُنزع منكم ويُعطى لأمة تعمل أثماره“(مت21:43)، ورغم أنه قد حّول بشارة الإنجيل من ” خراف بيت إسرائيل الضالة” (مت10 :6) إلى “جميعالأمم” (مت28 :19)، إلا أننا نلحظ اتجاهًا عامًا واضحًا تبناه أولاً القديس بولس الرسول عمليًا وكتابيـًا فى رسالته إلى العبرانيين وتبعه فى هذا الاتجاه جميعُ آباء الكنيسة تقريبًا، وهذا الاتجاه هو: ” الاهتمام بخلاص اليهود”.
فمن خلال كتابتهم وعظاتهم ” الرد على اليهود” أو حتى “ضد اليهود”[2] عمل الآباءُ جميعًا على اقناع اليهود بأن المسيح يسوع هو “المسيا” الذى كانوا ينتظرونه. وكما كانت مسرة القديس بولس الرسول وطلبته إلى الله لأجل إسرائيل هي للخلاص (رو1:10) كذلك كانت أيضًا مسرّة وطلبة جميع آباء الكنيسة الذين اهتموا بخلاص اليهود.
فبكل المحبة والإخلاص والإحساس بالمسئولية نحو هذا الشعب الضال حاول الآباء بكل الوسائل وبكل الأدلة والحجج والبراهين العقلية والمنطقية وبالشواهد والنبوات الكتابية اقناع اليهود بأن يقبلوا المسيح مخلصًا. عمل الآباء كذلك على تفسير نبوات العهد القديم بطريقة صحيحة، تلك النبوات التى تشير إلى كل أحداث حياة المسيح على الأرض من ميلاده حتى صعوده إلى السموات وكذلك عن مجيئه الثانى، كل ذلك بهدف جذبهم إلى الإيمان ليكون لهم هم أيضا خلاص ويكونوا “ شركاء الدعوة السماوية” (عب3:1).
من الآباء الذين أظهروا غيرة واهتمامًا صالحًا نحو اليهود كان القديس أغسطينوس الذى عاش فى القرن الرابع الميلادى وعاصر بدعـًا وتياراتٍ عديدة ضد المسيحية.
فى هذه العظة Contra Judaeos, Paganos et Arianos: Sermo de Symbolo يعيد القديس أغسطينوس ما سبق ولخصه القديس بولس الرسول قبله بحوالى400 سنة تقريبًا فى رسالته إلى العبرانيين: أن ” المسيح يسوع هو كلمة الله المتجسد”.
هذه العظة كتبها القديس أغسطينوس باللغة اللاتينية فى وقتٍ كانت تسود فيه الأفكار الآريوسية الخاطئة التى كانت تجذب المسيحيين بعيدًا عن الإيمان الصحيح وذلك من خلال الوعود والمكافآت، أو بالعنف والتهديد، أو من خلال بريق الأفكار الخاطئة التى كان يعجز الكثيرون عن مقاومتها أو الرد عليها[3].
ولذا كان جلُ اهتمام القديس أغسطينوس هو التأكيد على ألوهية المسيح، الكلمة المتجسد، ومن جهة أخرى اقناع اليهود بأن المسيح يسوع الذى أتى إلى العالم وظهر فى الجسد هو نفسه المسيا الذى كانوا يتوقعون ظهوره، والذى تكلمت عنه النبوات التى نطق بها أنبياء اليهود أنفسهم.
إن الهدف من هذا البحث هو عرض عظة أغسطينوس هذه. أولاً: نظرًا لأهميتها اللاهوتية، ثانيًا: نظرًا لأنه، حسبما وجدت أثناء اعداد هذا البحث، ليس ثمة أى ترجمة أوروبية حديثة لهذه العظة.
2 ـ محتوى العظة:
هذه العظة توجد فى مجموعة “كتابات الآباء باللاتينية” Migne PL مجـلد 42 الأعمدة من 1127- 1130، وهى تعتبر من الأعمال الدفاعية للقديس أغسطينوس.
تحتوى العظة على 22 ُفصَيْلاً وتتناول موضوعاتٍ عديدة نذكر منها على سبيل المثال فُصيلاً بعنوان: “السهر المسيحى”، وآخر عن “طبيعة إبليس”، وثالثًا عن “الثالوث الواحد”، ورابعًا عن “ميلاد المسيح”، وفُصيْلاً بعنوان “الرد على الآريوسيين” ..إلخ. ولكن ما يهمنا فى هذا المقام هو الفصول الثمانية من 11ـ18 وهى التى يوجه فيها أغسطينوس حديثه إلى اليهود ويورد فيها كذلك شهادات ونبوات من كتب العهد القديم ومن كتب أخرى كلها تشير إلى ألوهية المسيح. هذه الفصول تحمل العناوين التالية:
الفصل الحادى عشر: نبوات من إشعياء وإرميا.
الفصل الثانى عشر: نبوات من دانيال.
الفصل الثالث عشر: نبوات من الناموس والأنبياء.
الفصل الرابع عشر: شهادة زكريا الكاهن وسمعان الشيخ.
الفصل الخامس عشر: شهادات من ُكتب الأمم.
الفصل السادس عشر: شهادات من ُكتب السيفيلا.(Sibyllae) العرّافات اليونانيات
الفصل السابع عشر: شهادات من السماء، والبحر، والأرض، والهاوية.
الفصل الثامن عشر: شهادات من الأحداث.
3 ـ مكانة هذه العظة:
يبدو أن هذه العظة، رغم صغر حجمها، كانت ذات أهمية كبيرة عند الكُتّاب سواء القدامى الذين عاشوا فى زمن قريب من زمن القديس أغسطينوس مثل الامبراطور جوستنيان (527ـ565) أو عند كُتّاب العصور الوسطى مثل توما الأكوينى (1225ـ1274).
أ ـ يشير الامبراطور جوستنيان إلى هذه العظة فى رسالته التى تحمل عنوان “الرد على الثلاثة فصول”[4] ” Epistula contra Tria Capitula”، حيث يستعير الإمبراطور جوستنيان مقتطفات من عظة أغسطينوس هذه مسميًا إياها “مقال أغسطينوس عن قانون الإيمان” هكذا:
“أما القديس أغسطينوس أسقف بلاد أفريقيا فى مقاله عن قانون الإيمان فيقول……”
ب ـ وفى موضع آخر من العمل نفسه يستعير الامبراطور جوستنيان من تعاليم القديس أغسطينوس اللاهوتية، أى من هذه العظة، ما يتعلق بإيماننا بالمسيح وميلاده من الروح القدس ومن العذراء مريم، وكذلك ما يشير إلى طبيعة المسيح من حيث كونه إلهًا كاملاً وإنسانًا كاملاً، الأمور التى ُتعد من أهم العقائد فى المسيحية. يقول جوستنيان:
“والقديس أغسطينوس فى مقاله عن قانون الإيمان يقول: نؤمن بالابن يسوع المسيح، المولود من الروح القدس ومن العذراء مريم….”.
ج ـ فى كتابه الذى يحمل عنوان ” الخلاصة اللاهوتية”، “Summa Theologica”[6] يشير توما الأكوينى إلى عظة أغسطينوس هذه فى معرض حديثه عن حالة آدم الأولى فى الفردوس حيث يقول، مستعيرًا رأى أغسطينوس: ” إن ابليس قد قـَوى على آدم الذى جُبِل من تراب الأرض وخلقه الله على صورته، وزيّنه بالتواضع، وأيّده بالعفاف، وزانه بالفرح”[7].
د ـ فى العصور الوسطى كانت ُتقام فى الدوائر الكنسيّة احتفالاتٌ للترفيه والمرح حيث كانت تشترك فيها الرتبُ الكنسية. وكان من أهم هذه الاحتفالات ما يُعرف باسم “Festum Asinorum” “حفل الحمير”!! هذا الاحتفال ُيؤرخ له بالقرن الحادى عشر الميلادى، رغم أن مصدره أقدم من ذلك بكثير، حيث كان هذا المصدر هو عظة القديس أغسطينوس التى نحن بصددها الآن[8].
فهذه العظة للقديس أغسطينوس ُتعد بالفعل عملاً دراميًا فريدًا من نوعه؛ حيث يخاطب أغسطينوس فيه اليهودَ واضعًا نبواتهم عن المسيا المنتظر فى شكل حوار درامى نثرى، مفندًا كذلك أفكارهم على أفواه أنبيائهم، موجهًا حديثه فى النهاية إلى الأمم قائلاً: ” الآن أذهب إلى الأمم” (أع 18: 6).
وطبقًا لمخطوط Rouen من القرن الثالث عشر، الذى وصفه Ducange[9]، كان يشترك فى هذا العمل المسرحى 28 نبيـًا أو “ممثلاً”، حيث يقف فى جهة من المسرح موسى النبى، وإشعياء، وهارون، وبلعام وحماره، وزكريا وأليصابات، ويوحنا المعمدان، وسمعان الشيخ. وفى الجهة المقابلة كان يقف الأنبياء الثلاثة الوثنيون : الشاعر اللاتينى فرجيليوس، والملك الوثنى نبوخذنصر، والعرّافة اليونانية التى كانت تعرف باسم ” السيفيلا “.
كان يقود هذا العمل ممثلٌ يقوم بدور أغسطينوس، حيث كان يدعو كل نبى بدوره ليدلى بشهادته عن المسيح قائلا هكذا: ” وقلْ أنت أيضا يا …. نبوةً عن المسيح”. وعندما يأتى دور السيفيلا لتلقى أنشودتها الشهيرة، التى سوف نشير اليها أدناه، يقف جميعُ الممثلين لينشدوا هم أيضا ترنيمة للمخلّص. أما الدور الذى كان يحظى بإعجاب المشاهدين بالأكثر كان هو دور بلعام وحماره، ولذا كان هذا الاحتفال يعرف باسم “حفل الحمير”.
ونذكر فيما يلى ما ورد من كتب المؤرخين عن ” حفل الحمير” هذا:
كان فى تذكار هروب العائلة المقدسة إلى مصر يحتفلون كل عام بالحمار الذى حمل هذه العائلة هربًا من بطش هيرودس. فى هذا العيد كانوا ُيدخلون الحمار وهم ينشدون ترنيمة باللغة اللاتينية من بضع مقطوعات، وفى ختام كل مقطوعة يردد الجمعُ كله باللغة الشعبية هذه الردود المكررة :
” هيا يا سيدنا الحمار، ارفع صوتك بالنشيد، ومد به شفتيك، يا ذا الفم الجميل النضيد، سنوفيك حقك من العلف، ولك من الشعير المزيد”.
ثم كان من اعتبارهم لهذا الاحتفال أن عَمَـدوا إلى احياء أمثاله فأخذوا عن العهد القديم قصة حمار بلعام، الذى أبى أن يسير براكبه إلى لعن اليهود، فإذا ملاك كريم يتجلى للحمار معترضًا طريقه، وهنا يبالغ المحتفلون فى تمثيل ما كان من ضرب بلعام للحمار، وما كان من ألاعيب الحمار الانتقامية من بلعام ثم ما انتهى إليه الأمر أخيرًا من نطق الحمار، وما دار بينه وبين راكبه من حوار فى شرح الموقف[10].
ولقد اجتمع لهم الكثير من هذه الاحتفالات بالحمير تنويهـًا لمواقفها حتى اشتهر بين أعياد العصور الوسطى باسم “عيد الحمير”[11]. حسب اعتقادى، هذه العظة ُتعد أول نص آبائى يتحول إلى عمل مسرحى[12].
بخلاف نسبة هذه العظة للقديس أغسطينوس، ينسبها البعض كذلك إلى كاتب لاتينى اسمه Quodvultdeus الذى أرسل إليه أغسطينوس رسالة بعنوان “De Haeresibus ad Quodvultdeum” ” عن الهرطقات: رسالة إلى كوودفولتديوس ” عام 428 أو 430م[13]. ولكن الاشارات العديدة الواردة عند جوستنيان وغيره، مما أوردناه أعلاه، تؤكد صحة نسب النص للقديس لأغسطينوس.
4 ـ الرد على اليهود
بداية من الفُصيل الحادى عشر يوجه أغسطينوس حديثه إلى اليهود قائلاً:
O Judaei, qui usque in hodiernum diem negatis Filium Dei[14]
” أنتم اليهود حتى اليوم تنكرون ابن الله “.
ويذكر القديس أغسطينوس أن سبب انكار اليهود للمسيح هو أنهم لم يكتفوا بشهادته عن نفسه، مشيرًا كذلك إلى حوارهم مع المسيح، ذلك الحوار الذى سجله القديس يوحنا الانجيلى هكذا : ” ثم كلمهم يسوع أيضا قائلاً أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة. فقال له الفريسيون أنت تشهد لنفسك، شهادتك ليست حقًا.
أجاب يسوع وقال لهم وإن كنتُ أشهد لنفسي فشهادتي حق لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب وأما أنتم فلا تعلمون من أين آتي ولا إلى أين أذهب. أنتم حسب الجسد تدينون أما أنا فلست أدين أحدًا. وإن كنت أنا أدين فدينونتي حق لأني لست وحدي بل أنا والآب الذي أرسلني. وأيضا في ناموسكم مكتوب إن شهادة رجلين حق. أنا هو الشاهد لنفسي ويشهد لي الآب الذي أرسلني” (يو12:8ـ14).
هذا الحوار بين المسيح واليهود يُعتبر المحور الأساسى الذى بنى عليه القديس أغسطينوس كلامه إلى اليهود، حيث يقول بعد ذلك إنهم لم يكتفوا بشهادة المسيح عن نفسه ولا بشهادة الآب له ولا بشهادة أعماله له بل ويطلبون شهادات أكثر عن المسيح. ولذا فإنه، أى أغسطينوس، سوف يسوق لهم ليس فقط شهادتين، كما يقول الناموس ” وأيضا في ناموسكم مكتوب أن شهادة رجلين حق” بل سيقدم لهم:
Non tantum duo, sed etiam plures testes Christi, et convincant auditores Legis, nec factores. [15]
“جملة شهادات عن المسيح ليظهر لهم أنهم سامعون فقط للناموس وليس عاملين به” :
من هنا ينطلق القديس أغسطينوس فى سرد وذكر نبوات من العهدين، ومن كتب أخرى، عن الرب وعن كل أحداث تجسده تقريبًا.
أول شهادة يوردها أغسطينوس هى نبوة أشعياء النبى عن المسيح وميلاده العذراوى: ” ولكن يعطيكم السيد نفسُه آية ًها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل” (إش7: 14). ويضيف أغسطينوس على هذه النبوة شهادة الملاك جبرائيل عند تبشيره العذراء قائلاً: إن اسم عمانوئيل تفسيره: ” الله معنا”[16].
الشهادة الثانية عن المسيح تأتى من أرميا النبى الذى يقول: ” هذا هو إلهنا ولا يعتبر حذاءه آخر. هو وجد طريق التأدب بكماله وجعله ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه. وبعد ذلك تراءى على الأرض وتردد بين البشر” (باروخ37:3)[17].
بعد الاشارة إلى نبوتى هذين النبيين العظيمين، إشعياء وإرميا، يوجه أغسطينوس اللوم لليهود لرفضهم المسيح رغم أنه ـ حتى الآن ـ قد قدَّم لهم شهادة رجلين من كتبهم الخاصة، ورغم ذلك ما زالوا غير مؤمنين.
الشاهد القادم عن المسيح هو النبى دانيال. وقبل أن يشير أغسطينوس إلى نبوة دانيال يشير أولاً إلى شخص دانيال حتى لا يتشكك اليهود فى كلامه قائلاً: ” يأتى الآن القديس دانيال، ذلك الشاب العظيم فى المعرفة، ليفند كل شهاداتكم الكاذبة، وليقوى عليكم أيها الكذبة الكبار، وبشهادته يدحضكم أنتم أعداء المسيح”[18].
نبؤة دانيال التى يشير إليها أغسطينوس هى: ” وبينما أنا أتكلم وأصلي وأعترف بخطيتي وخطية شعبي إسرائيل وأطرح تضرعي أمام الرب إلهي عن جبل قدس إلهي. وأنا متكلم بعد بالصلاة اذا بالرجل جبرائيل الذي رأيته في الرؤيا في الابتداء مطارًا واغفًا لمسني عند وقت تقدمة المساء. وهمني وتكلم معي وقال يا دانيال إني خرجت الآن لأعلمك الفهم. في ابتداء تضرعاتك خرج الأمر وأنا جئت لأخبرك لأنك أنت محبوب فتأمل الكلام وافهم الرؤيا.
سبعون أسبوعًا قُضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليؤتى بالبرالأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القدوسين. فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعا يعود ويبنى سوق وخليج في ضيق الأزمنة. وبعد اثنين وستين أسبوعًا يُقطع المسيح وليس له وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس وانتهاؤه بغمارة وإلى النهاية حرب وخراب قضي بها.
ويثبت عهدا مع كثيرين في أسبوع واحد وفي وسط الأسبوع يبطل الذبيحة والتقدمة وعلى جناح الأرجاس مخرب حتى يتم ويصب المقضي على المخرب” (دا20:9ـ27).
ويسأل أغسطينوس اليهود قائلاً: ” الآن قد بُطلت مسحتكم، أليس هذا لأنه قد أتى قدوس القدوسين؟”. فالهيكل، مكان اليهود المقدس قـد هُدم، والذبيحة قد توقفت، وكذلك الكهنوت والمسحة القديمة قد انتهيا، وهى نفس النبوة التى نطق بها قديمًا دانيال. ويلفت أغسطينوس انتباه اليهود إلى أنه فى هذه النبوة أُطلق على المخلّص القادم إلى العالم لقب “المسيح” مرتين[19]، لأنه مُسِحَ بالروح القدوس[20].
ويشير أغسطينوس إلى أن اليهود كانوا يعرفون تمام المعرفة هذه النبوة، ولذا كانوا ينتظرون مجيء قدوس القدوسين، وإلاّ لماذا سألوا المسيح قائلين: ” إن كنت أنت المسيح فقل لنا” (لو22: 67) ” فاحتاط به اليهود وقالوا له إلى متى تعلق أنفسنا إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهرًا” (يو10: 24).
وفى حديث أندراوس مع أخيه بطرس يتضح أن هذه النبوة كانت تحتل مكانة هامة فى عقول اليهود: ” فقال له قد وجدنا مسيا الذي تفسيره المسيح” (يو1 :41) و” فيليبس وجد نثنائيل وقال له وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة” (يو46:1)، وفى حديث الرب مع السامرية قالت له ” أنا أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح ياتي فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء” (يو4: 25).
وينتقل القديس أغسطينوس إلى نبوة أخرى؛ وهى رؤية الملك نبوخذنصر التى فسرها له دانيال: ” كنت تنظر إلى أن ُقطع حجرٌ بغير يدين فضرب التمثالَ على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما. فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معا وصارت كعصافة البيدر في الصيف فحملتها الريح فلم يوجد لها مكان. أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيرًا وملأ الأرض كلها” (دا34:2).
يشير أغسطينوس إلى الحجر الذى ُقطع بغير يد انسان مفسرًا إياه بأنه هو المسيح نفسه الذى وُلد من العذراء مريم بغير زرع بشر، وأن الجبل هو العذراء مريم. ثم يذكر أغسطينوس بعض الآيات من الكتاب المقدس التى تشير إلى الجبل وكيف أنه يرمز للعذراء مريم هكذا: ” وتسير شعوب كثيرة ويقولون هلم نصعد إلى جبل الرب إلى بيت إله يعقوب فيعلمنا من طرقه ونسلك في سبله لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب” (إش3:2)، و” جبل الله جبل باشان جبل أسنمة جبل باشان.
لماذا أيتها الجبال المسنمة ترصدن الجبل الذي اشتهاه الله لسكنه بل الرب يسكن فيه إلى الأبد” (مز 68:68-17). ويشير أيضا أغسطينوس إلى حوار الرب مع التلاميذ عندما سألهم قائلاً: ” من يقول الناس إني أنا ابن الانسان. فقالوا قوم يوحنا المعمدان وآخرون إيليا وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء فقال لهم وأنتم من تقولون إني أنا. فأجاب سمعان بطرس وقال أنت هو المسيح ابن الله الحي.
فأجاب يسوع وقال له طوبى لك يا سمعان بن يونا إن لحمًا ودمًا لم يعلن لك لكن أبي الذي في السماوات وأنا أقول لك أيضا أنت بطرس وعلى هذه الصخرة (الجبل) أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها” (مت 16: 14-17) ويفسر أغسطينوس الصخرة هنا بأنها المسيح قائلاً: “Supra petram fundatus est Petrus”[21]، أى وعلى هذه الصخرة، أى المسيح، أُسس أيضا بطرس، الذى سيقبل الموت حبًا فى المسيح الذى سبق وأنكره أمام جارية.
يخبرنا البشير لوقا فى سفر أعمال الرسل أن بولس فى محاجته لليهود أشار مرتين[22] لنبوة موسى النبى، أعظم أنبياء اليهود، التى يقول فيها بصريح العبارة ” يقيم لك الرب إلهك نبيـًا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون” (تث18: 15). وفى الُفصيل الثالث عشر يذكر أغسطينوس نفس النبوة مرة أخرى لليهود متسائلاً: “هل يستطيع أحد أن ينكر أن هذه النبوة تنطبق على المسيح؟”، ويجيب هو نفسه قائلاً: “لا، لأن المسيح دُعى أيضًا نبيًا”، هكذا: ” فكانوا يعثرون فيه وأما يسوع فقال لهم ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه و في بيته” (مت 13: 57).
يشير أغسطينوس بعد ذلك إلى نبوة داود النبى عن المسيح، الذى من نسله جاء المسيح. نص النبوة هو هكذا: ” ينزل مثل المطر على الجزاز ومثل الغيوث الذارفة على الأرض. يشرق في أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر. ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض. أمامه تجثو أهل البرية وأعداؤه يلحسون التراب. ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة ملوك شبا وسبا يقدمون هدية. ويسجد له كل الملوك كل الأمم تتعبد له” (مز72: 6-11). يعلق القديس أغسطينوس أن هذه النبوة تشير إلى ملكوت المسيح وانتشاره فى كل المسكونة.
وقد تنبأ عن المسيح أيضًا حبقوق النبى فى صلاته إذ كشف الله له أسراره، مجيبًا على تساؤلاته. يقدّم النبي مزمورًا هو تسبحة حمدٍ ومجدٍ لله قائلاً: ” يا رب قد سمعت خبرك فجزعت يارب عملك في وسط السنين احيه في وسط السنين عَـرّف، في الغضب اذكر الرحمة”[23] (حب2:3). فأعمال الرب التى تأمل فيها النبى فجزع، كما يفسر أغسطينوس، ليست هى خلق العالم، بل، والكلام لأغسطينوس، أن الله قد ظهر فى ملء الزمان[24].
وحسب نص السبعينية التى يستخدمها أغسطينوس ” فى وسط حيوانين عُرفتَ”. فالنبوة تشير بالأكثر إلى ميلاد المسيح ولعل أغسطينوس يشير إلى نبوة إشعياء النبى ” الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه أما إسرائيل فلا يعرف، شعبي لا يفهم” (إش3:1)، لأنه بعد ذلك يشير إلى الحيوانين على أنهما الثور والحمار[25]: bos & asinus.” إلا إذا كان يقصد بين عهدين أو بين رجلين اللذان كانا يتكلمان معه على الجبل وهما موسى وايليا”[26].
Nisi aut in medio duorum testamentorum, aut in medio duorum latrorum, aut in medio Moysi et Eliae cum eo in monte sermocinantuim.
يذكر أغسطينوس نبوة أخرى لحبقوق الذى ينسحب قلبه إلى جبل سيناء ليرى الله قادمًا خلال شريعته من تيمان والقدوس من جبل فاران قائلاً: ” الله جاء من تيمان[27] والقدوس من جبل فاران[28]، جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه[29]. وكان لمعان كالنور له من يده شعاع وهناك استتار قدرته” (حب3:3).
بعد الاشارة إلى كل هذه النبوات يلوم أغسطينوس اليهود لرفضهم قبول المسيح والإيمان به حتى الآن رغم كل هذه النبوات الصريحة قائلاً لهم:
“ Ecce quomodo conveniunt sibi testes veritatis: ecce quomodo convincunt filios falsitatis. Quid si velim ex Lege et ex Prophetis omnia quae de Christo dicta sunt colligere, facilius me tempus quam copia deserit”.
” كيف لا تقبلون كل شهادات الحق هذه، تلك التى تظهر أنكم بالفعل أبناء كذبة[30]. لأنه يعوزنى الوقت إنْ أردت أن أجمع من الناموس والأنبياء كل ما قيل عن المسيح”[31].
[1] مدرس مساعد بقسم الدراسات اليونانية واللاتينية بآداب القاهرة.
[2] فى كتاباتهم التى يوجهونها إلى اليهود أو الوثنيين أو الهراطقة كان الآباء يستخدمون حرف الجر اليونانيΠρός بمعنى “إلى” وهو ما يقابله فى اللاتينيةAdversus بنفس معنى Πρός أو حرف الجر Κατά بمعنى ” الرد على، أو ضد “، وهو ما يقابله فى اللاتينيةContra بنفس معنى Κατά.
[3] Admonitio in subsequentem sermonem, Migne PL. 42, c. 1115.
[4] Epistula Contra Tria Capitula, ed. M. Amelotti, R. Albertella and L. Migliardi (post E. Schwartz), Drei dogmatische Schriften Iustinians, 2nd edn. [Legum Iustiniani imperatoris vocabularium. Subsidia 2. Milan: Giuffrè, 1973] section 6, line 1.
[5] كان الامبراطور جوستنيان يهدف إلى اشاعة الاتفاق بين المتخالفين فى العقيدة فى مجمع خلقيدونية عام 541، ولهذا رأى أنه من الواجب ادانة الكتابات النسطورية فى مجمع مسكونى. هذه الكتابات كانت خطاب لأحد المونوفيزيتيين المدعو إيباس من إديسا، وأعمال ثيودوروس من موبسوستيا، وكتابات ثيودوريتوس أسقف كيروس ضد القديس كيرلس الكبير.
هذه الأعمال الثلاثة ُعرفت فى النزاعات اللاهوتية باسم “الفصول الثلاثة” See NPNF, 2nd Ser. Vol. 3, P. 36. وقد قيل عن ذلك النزاع الشهير الذى نشب حول ” الفصول الثلاثة” إنه ملأ من المجلدات أكثر مما يستحق أن يملأ من سطور.
Gibbon, The History of the Decline and Fall of the Roman Empire, Vol.4, London1782, P.394.
[6] Epistula Contra Tria Capitula, 31, 3.
[7] St. Thomas Aquinas’Summa Theologica, Vol. 1, 1st Pt. P(1)-Q(95)-A(3), P. 1170.
[8] E. K. Chambers, The Medieval Stage, 2 Vols. II, London 1905, P. 53. see The Catholic Encyclopedia, Vol. I, Feast of Asses 1907, see also Edelestand du Meril, Les Origines Latines du Theatre Moderne, Pp. 179-187, Marius Sepet, Les Prophetes du Christ, Paris 1878.
[9] The Catholic Encyclopedia, Vol. 1, v. s. Feast of Asses 1907.
[10] انظر القصة كاملةً فى سفر العدد، إصحاح 22.
[11] عبد الرحمن صدقى، المسرح فى العصور الوسطى، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ب. ت. ص.ص. 160ـ162.
[12] يُنسب للقديس غريعوريوس النزينزى اللاهوتى عمل درامى بعنوان ” Χριστός πάσχων” أى ” المسيح المتألم”
Grégoire de Nazianze, Christus Patiens [Dub.] (fort. auctore Constantino Manasse), ed. A. Tuilier, [Sources Chrétiennes 149. Paris: Cerf, 1969].
ولكن ليس لدينا معلومات كافية تشير إلى أن هذا العمل كان ُيمثل على خشبة المسرح كنص القديس أغسطينوس ونص القديس غريعوريوس النزينزى نفسه يدل على أنه ُأعد للقراءة، ولمزيد من التفاصيل انظر:
Ι. Βιβιλάκης, Θεατρική αναπαράσταση στο Βυζάντιο και στη Δύση, Ίδρυμα Γουλανδρή-Χόρν, Αθήνα 2003, σ. 32.
[13] Nicene and Post Nicene Fathers, 1st. ser., Vol. 1, Letter 228, To His Holy Brother and Co-bishop Honoratus, P.1159. see Masami Okubo, La Licorne Et Les Prophètes: La Cathédrale De Laon Et La “Nativité Jhesu Crist” En Prose. See also: Opera Quodvuldeo Carthaginiensi Episcopo Tributa, ed. R. Braun, Corpus Christianorum, Series Latina, LX, 1976.
[14] Contra Judaeos …, PL. Vol.42, Cap. XI, C. 1123.
[15] Contra Judaeos……, PL. Vol.42, Cap. XI, C. 1123.
[16] ” هوذا العذراء تحبل وتلد ابنـًا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت 1 : 23).
[17] يشير القديس أغسطينوس إلى أن هذه النبوة لإرميا النبى رغم أنها لم ترد ضمن نبوات أرميا بل وردت فى سفر باروخ النبى الذى كان كاتب أرميا ” فدعا أرميا باروخ بي نيريا فكتب باروخ عن فم أرميا كل كلام الرب الذي كلمه به في درج السفر” (إر36 :4).
[18] نلاحظ فى هذه العظة أن أغسطينوس كثيرا ما يصف اليهود بلقب ” أعداء ” inimici ولعله يقصد أولئك الذين أشار إليهم القديس بولس الرسول كأعداء صليب المسيح : ” لأن كثيرين يسيرون ممن كنت أذكرهم لكم مرارا والآن أذكرهم أيضًا باكيًا وهم أعداء صليب المسيح” (فى 18:3).
[19] انظر كذلك مز 2:2.
[20] ” يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيرًا ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه” (أع10 : 38)، انظر أيضًا “هو أرسل ملاكه وأخذني من غنم أبي ومسحني بدهن مسحته” (مز151 :4) انظر أيضًا: “روح السيد الرب عليّ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأعصب منكسرى القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق” (إش61 : 1) و(لو4 : 18).
[21] Contra Judaeos……, PL. Vol.42, Cap. XI, C. 1123.
[22] ” فإن موسى قال للآباء إن نبيًا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون في كل ما يكلمكم به” (أع3: 22) انظر أيضًا:” هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل نبيـًا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون” (أع7 :37).
[23] يبدو أن القديس أغسطينوس يذكر نصوص هذه النبوات كما وردت فى الترجمة السبعينية، لأن تعليقه بعد ذلك على= =النبوة لا ينطبق على هذا النص. فالنبوة فى السبعينية هكذا :
” سمعت صوتك يارب فخفت، تفهمت أعمالك فجزعت. فى وسط حيوانين ُعرفـت. فى وسط السنين ُأدركت“. وفى ترجمة الفولجاتا Biblia Vulgata قام القديس جيروم بترجمة هذا النص من العبرية إلى اللاتينية هكذا “In medio annorum” أى “فى وسط السنين”، أى أنه لم يلتزم بالنص العبرى مفضلا هذه الترجمة، من وجهة نظره اللغوية والتاريخية والروحية، على الترجمة السبعينية والترجمة اللاتينية القديمة، معتبرًا القراءة الأخرى “بين حيوانين” غير صحيحة.
ورغم هذا يقدم القديس جيروم تفسيرات لهذه القراءة الأخرى مفسرًا الحيوانين على النحو التالى: أ. كصورة للثالوث: حيث يظهر الابن بين الآب والروح القدس، ب. مشهد الشاروبيم والسيرافيم الوارد فى سفر إشعياء وهم يغطون وجوههم ويسترون أرجلهم من وجه الرب، ج. مشهد الصلبوت حيث كان الرب معلقًا بين لصين، د. العهدان القديم والجديد اللذان عُرف من خلالهما الرب.
Benedicta Ward, “ In medium duorum animalium “: Bede and Jerome on the Canticle of Habakkuk, Studia Patristica XXV (1993) Pp. 189-193.
نستنتج من هذا أن القديس أغسطينوس كان يقرأ من السبعينية اليونانية وليس من الفولجاتا اللاتينية.
[24] قارن ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة…..” (غل4:4).
[25] See Apocrypha of the New Testament, The Gospel of Pseudo-Matthew, The Ante-Nicene Fathers, Vol. 8, Edited by A. Roberts and J. Donaldson, USA 1997, Pp. 800, 801.
[26] Contra Judaeos……, PL. Vol.42, Cap. XI, C. 1123.
[27] تيمان: اسم عبرى معناه ” اليمينى أو الجنوبى” وهو إقليم يقع في الجزء الشمالى من أدوم.
[28] جبل فاران : يقع جنوب كنعان.
[29] قارن ” والكلمة صار جسدًا وحل بيننا” (يو1: 14).
[30] قارن إشعياء ” لأنه شعب متمرد، أولاد كذبة أولاد لم يشاءوا أن يسمعوا شريعة الرب” (إش30: 9)، ” أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا ذاك كان قتالا للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب” (يو8 : 44) ” من هو الكذاب إلا الذي ينكر أن يسوع هو المسيح هذا هو ضد المسيح الذي ينكر الآب والابن ” (1يو 2 : 22).
[31] Contra Judaeos……, PL. Vol. 42, Cap. XI, C. 1125.
اليهود والوثنيين والآريوسيين والرد عليهم في عظة للقديس اغسطينوس عن قانون الإيمان
عدد من العوامل المهمّة يحدّد طبيعة الكتاب المقدّس، من بينها أصوله التاريخيّة وتنوّع أسفاره ومحتوياته وموضوعه اللاهوتيّ كما دوره واستعمالاته في حياة الكنيسة. عالج العلماء الأرثوذكس، من منظار لاهوتيّ عامّ، هذه المواضيع وغيرها من الأسئلة المرتبطة بها[1]. وأكّدت مساهماتهم اوجه مهمّة للكتاب مثل وجهه المعلّن، الوحي، السلطة، التفسير والعلاقة مع التقليد. ستحتلّ هذه النقاط اهتماماتنا، بطرائق متعدّدة، خلال هذا العمل.
ونهدف في الفصل الأوّل إلى تقديم بيان اوّليّ حول طبيعة الكتاب، استناداً إلى مبدأ إثبات أمور مثل الإعلان والوحي لاهوتياً يجب أن يرتكز على محتويات الكتاب الفعليّة وتركيبته التاريخيّة كما على تكوينه القانونيّ. إذاً هنا تُختبر طبيعة الكتاب المقدّس عبر: أصول الإناجيل اليهوديّة والمسيحيّة، والعلاقة بين العهدين القديم والجديد، والوجهين الإلهيّ والبشريّ للكتاب المقدّس.
الكتب اليهوديّة والمسيحيّة المقدّسة
يؤلّف الكتاب المقدّس مكتبةً كاملةً من الأسفار المقدّسة المكتوبة في فترة تمتد حوالي ألف سنة، من القرن العاشر قبل الميلاد إلى الأوّل بعده. وُضِعَت الكتابات المختلفة بالعبرانيّة واليونانيّة، وبعض الأجزاء بالآرامية[2]، وفي الأغلب ألّفها كتّابٌ مجهولون في ظروف تاريخيّة معيّنة وعالجوا أموراً مهمة بالنسبة إلى جماعاتهم الدينيّة. أوّل إشارة إلى كتاب مقدّس رسميّ هي “كتاب الناموس” في 2 ملوك 8:22. بشكل رئيس، يعرّف العلماء المعاصرون هذا الكتاب بتثنيّة الاشتراع.
هذه الإشارة تربط أصول الكتاب بالهيكل والكهنوت أيّام الملك يوشيّا (640-609 ق.م). وتحدّد الإشارة الأخرى، زمن “كتاب ناموس الربّ” (2 أخبار 9:17)، أي حوالي مئتي سنة قبل هذا على أيّام يهوشافاط حاكم اليهوديّة (873-849 ق.م.). يخمّن الباحثون أنّ مراجع كتب الإنجيل المكتوبة، تحديداً التكوين والخروج، قد تعود إلى حوالي القرن العاشر قبل الميلاد.
كتاب الرؤيا، على الطرف الآخر من المكتبة الكتابيّة، قد كُتب على الأرجح أواخر القرن الأوّل بعد الميلاد، خلال اضطهاد المسيحيّين على يد الأمبراطور الرومانيّ دوميتيانوس (81-96 ب.م). هنا يعرّف الكاتب عن نفسه بوضوح على أنّه يوحنّا، نبيّ مسيحيّ، كتب من منفاه في جزيرة باتموس وأعلن أنّه واضع كتاب النبوءة هذا (رؤيا1: 1-11 و22: 7-19)[3].
في كلّ حال، أغلب أسفار الكتاب لم تدّعِ سلطة كونها كتباً مقدسةً. فهي لم تمتلك أيّ سلطة في أيّام وضعها، بل الجماعات الدينيّة اليهوديّة والمسيحيّة منحتها هذه السلطة عبر الأجيال والقرون. ففي هذه الجماعات، كانت السلطة الدينيّة الأولى للأشخاص الأحياء: البطاركة والكهنة والأنبياء والرسل، وفوق الجميع يسوع الناصريّ الذي، بشهادة كلّ هؤلاء، تكلّم وتصرّف بالأصالة عن الله. يجب أن ينتبه قرّاء الكتاب المقدّس إلى أنّ الطبيعة التأسيسيّة للإعلان الكتابيّ شخصيّة، بينما تعبيره المكتوب ثانويّ بالمقارنة معها.
فقد شملت اللحظات العظيمة والأعمال التي جعل الله نفسه معروفاً، أحداثاً قويّة اختباريّة غيّرت حياة الأشخاص المعنيّين في محيط جماعاتهم الخاصّة. وتذكُّر هذه الأحداث الإلهاميّة والخبرات، والاحتفال بها وتفسيرها وسردها وإعادة سردها شفوياً، قد سبق كتابة قصصها على يد هؤلاء. وقد استغرقت هذه العمليّات قروناً بالنسبة إلى العهد القديم، وعشرات السنين بالنسبة إلي العهد الجديد.
إذاً، خلفَ الكتاب المقدّس المكتوب، تقبع الحقيقة الديناميكيّة الدينيّة الشفويّة لتقاليد الشعبين اليهوديّ والمسيحيّ. فقد حُفطَتْ هذه التقليدات الشفويّة وطَوِّرَت في العبادة والتعليم والعادات. حفظها شعب الله حيّة، وهي عزّزت هويّتَه موجِّهةً معتقداته وعاداته. في آخر الأمر، كان الكتّاب ملتزمين بالكتابة عبر عمليّات معقّدة. استمرّت الكتابة العبريّة منذ حوالي 950 سنة ق.م. إلى 150 بعده في حين كُتب العهد الجديد بين السنة 50 و100 بعد الميلاد.
في كلّ حال، أعاد الأدب المقدّس سردَ الأحداث الأولى مع طبقات من التفسير، من الدرجة الأولى والثانيّة والثالثة، ضمن كلّ جماعة إيمانيّة. وتمّ إنتاج تنوّعات هائلة من الكتب، التكوين والعدد، وإنجيل مرقس ورسالة يعقوب. نجد في بعض الحالات أشخاصاً معروفين ككتّاب، كالرسول بولس تحديداً، يساهمون بشكل عامّ في التقليد الكتابيّ المكتوب.
ومع هذا، كلّ هذه الكتب نشأت من حياة إسرائيل والكنيسة، خدمة لحاجاتها الملموسة في العبادة والتعليم والإرشاد الروحيّ وتحديد الذات. من هذا المنظار، نستطيع تقدير الواقع العميق، أنّ اسفار الكتاب هي بطبيعتها الحقيقيّة كتب للإيمان وثمرة الحياة بحسبه، ولأنها عزّزت هذه الحياة وما زالت.
لم يكن أيّ من هذه الكتب بذاته كلّ نتاج الجماعة الإيمانيّة. إذ تضمّن تجميعها التدريجيّ في مجموعة مقدّسة أيضاً عمليّة ديناميكيّة من القبول والاختيار ضمن حياة وتقليد كلّ من الجماعات المؤمنة الحيّة، اليهوديّة والمسيحيّة. وفيما اكتسب الكتاب مركزيّة في نهايّة الأمر في اليهوديّة والمسيحيّة، ينبغي أنّ نتذكر أنّ”إبراهيم كان صاحب كتاب بقدر ما كان يسوع أو بولس صاحبي عهد جديد”[4]. فقد اكتسبّت هذه الكتب صفة السلطة المقدّسة ببطء إلى أن توصلت إلى القيام بدور مهمّ في إظهار المعتَقَد والممارسة وتحديدهما.
لقد حفظت الجماعات الإيمانيّة اليهوديّة والمسيحيّة أسفار الكتاب انتقائيّاً وجمعتها تدريجيّاً في مجموعات مقدّسة خلال قرون عدّة. لا يمكن تقديم أي تفسير لكون هذه الكتب مقدّسة في اليهوديّة والمسيحيّة سوى أنّها اختيارات هاتين الجماعتين الدينيّتين. عندما تقول الكتاب المقدّس العبريّ فأنت تعني الهيكل (synagogue)، وعندما تقول الكتاب المقدّس المسيحيّ فأنت تعني الكنيسة[5]. هذه المجموعات المقدّسة هي قوانين (من الكلمة اليونانيّة ѵώѵαк التي تعني القانون أو المعيار).
لقد أُنجز قانون الكتاب اليهوديّ في القرن الأوّل أو الثاني للميلاد، أمّا القانون المسيحيّ الذي يحتوي العهدين القديم والجديد فقد أُنجز أواخر القرن الرابع[6]. اشترك اليهود والمسيحيّون في الكتابات المقدّسة عينها، المأخوذة من التقليد اليهوديّ، خلال القرن الأوّل الميلاديّ وقبل ظهور العهد الجديد كجزء من الكتاب المقدّس. ومع أنّهم فسّروها بشكل مختلف فقد أشاروا إليها بالعناوين ذاتها.
كلمة ‘إنجيل‘ (بالإنكليزيّة Bible) تأتي من الكلمة اليونانيّة ѵοʹɩλβɩβ أو ςολβɩβ (سجل، وثيقة أو كتاب) وكان قد استعملها اوّلاً اليهود المتكلّمون باليونانيّة للإشارة إلى الكتابات المقدّسة اليهوديّة[7]. تكمن أصول هذه الكلمة الإتيمولوجيّة في كلمة مصريّة تشير إلى شجيرات البردي وعمليّة دبغها المستَعمَلة في العالم القديم للكتابة منذ القرن السادس ق.م.
استعمل كتّاب العهد الجديد هذه التسميّة في بعض الشواهد للإشارة إلى كتابات محدّدة مثل كتابي أشعياء (لوقا 4:3) أو كتب الناموس الخمسة المنسوبة إلى موسى (مرقس 26:12، وغلاطية 10:3). ترد الكلمة بالجمع αɩλβɩβ مرّة واحدة (2 تيموثاوس 13:4). التسمية ذاتها ايضاً توجد عند آباء الكنيسة، ولو نادراً، للإشارة إلى كلّ الإنجيل المسيحيّ. لقد بدأ انتشار عبارة الإنجيل (بمعنى الكتاب المقدّس) في التقليد المسيحيّ الغربيّ.
الكلمة الأكثر انتشاراً للكتب المقدسة كانت الكتاب (باليونانيّة ήφαρϪ) أو بالجمع الكتابات (αφαρϪ)، ومصدرها الفعل ωφʹαρϪ الذي يعني ‘ينقش‘، “يكتب” أو “يسجل”. فيما كلمة ςολβɩβ تقتضي تشديداً على المادة التي يُكتب عليها، فإنّ كلمة ωφʹαρϪ تضع التوكيد على عمل الكتابة ومحتواها[8].
يستعمل كتّاب العهد الجديد هذه التسمية مرّات عديدة للإشارة إلى مقطع محدّد أو إلى الكتابات المقدّسة بشكل عامّ (مرقس 10:12، لوقا 27:24، أعمال 8: 32 و35، غلاطيّة 3: 8 و22، روما 4:15). الرسول بولس يسميّها الكتابات المقدّسة (ʹɩαφαρϪ ɩαɩϪα روما 2:1) مرّة واحدة. انتشرت عبارتا “الكتاب المقدّس” و”الكتابات المقدّسة” في التقليد المسيحيّ العالميّ كتسمية للإنجيل بعهديه القديم والجديد.
كما سبقت الإشارة، فقد كتب الشعب اليهودي وجمع كتاباته الخاصّة. منذ القديم، صُنِّفَت الكتابات العبريّة في المجتمع اليهوديّ إلى ثلاث مجموعات: الناموس والأنبياء والكتابات. يُدعى الناموس ايضاً ناموس موسى أو Pentateuch (ومن اليونانيّة ςοӽѵεԏαʹԏѵεΠ التي تعني العمل ذا الخمسة أجزاء)، ويتألّف من الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم التي تُنسَب تقليديّاً إلى موسى. العنوان العبريّ هو توراة Torah، التي تُترجَم عادةً ‘الناموس‘.
لكن العبارة التي تحمل معاني أكثر غنى في العبرانيّة، بما فيها الناموس الإلهيّ والتعليم والوحي. ومع أنّ محور كتب موسى هو ناموس الله المُعطى له على جبل سيناء، إلاّ أنّ مجالها أوسع باشتمالها روايّة الخلق والملاحم البطريركيّة وقصّة خروج الشعب اليهوديّ من مصر. الأنبياء في العبريّة Nevi’im تعني المُعلنين أو الناطقين بلسان الله. تتضمّن هذه المجموعة كتباً عديدة مرتّبة زمنيّاً من يوشع إلى ملاخي وبينهما الكتب التاريخيّة يوشع والقضاة وصموئيل والملوك.
في كلا التقليدين اليهوديّ والمسيحيّ، يُعتبّر موسى ويوشع وصموئيل أنبياء وزعماء موهوبين ومتحدّثين باسم الله. الفئة الثالثة الواسعة في الكتاب المقدّس هي الكتابات (بالعبريّة Kethurim) وتشكّل مجموعة كتب واسعة من المزامير إلى الأخبار، وتتضمّن صلوات وأغاني وتعليماً وتأمّلات فلسفيّة وقصصاً تاريخيّة ورؤيويّة. يُسمّى الإنجيل باليهوديّة في التقليد اليهوديّ Tanakh وهو لفظة أوائليّة مرتكزة على الحروف الأولى لكلمات “الناموس، الأنبياء والكتابات” بالعبريّة (TNK)[9].
أشار يسوع والرسول بولس إلى فئتين أساسيتين “الناموس والأنبياء” (متى 12:7 ؛ روما 21:3). أمّا الفئات الثلاث فتتكرّر في كلمات المسيح القائم للذَين على طريق عمواص “ناموس موسى، والأنبياء والمزامير” (لوقا 44:24) لكلاوبا وتلميذ آخر مجهول.
كان أعضاء الجماعة المسيحيّة الأولى من اليهود والأمم. وقد رأى كلّ منهم نفسه متأصلاً في التراث اليهوديّ وادّعى أنّه وريثه. إذاً، احتفظ المسيحيّون الأوائل بالكتابات العبرانيّة، أو ما سُمّى لاحقاً بالعهد القديم في التقليد المسيحيّ. وقد حفظوه على أنّه الكتاب الوحيد الذي عرفوه مع فرقّين مهميّن. الفرق الأّول هو اعتماد الترجمة اليونانيّة للكتابات العبريّة، المسمّاة السبعينيّة (Septuagint وباللاتينيّة Septuaginta وباليونانيّة αԏѵοκήμοδβέ التي تعني سبعين)[10].
تعود هذه العبارة إلى تقليد لليهود الناطقين باليونانيّة في الإسكندريّة يقول إنّ حوالى سبعين أو اثنين وسبعين شيخاً يهوديّاً ترجموا الكتابات العبريّة إلى اليونانيّة قبل المسيح بقرنين أو ثلاثة. تّرِد القصّة في رسالة أرسيتاياس التي كتبها باليونانيّة كاتب يهوديّ من الإسكندريّة قبل المسيحيّة. وقد رام الكاتب تأكيد سلطة الترجمة اليونانيّة التي أنجزَها اليهود الناطقين باليونانيّة خلال أجيال عدّة.
وقد خدمتهم هذه الترجمة في مدينة الإسكندريّة اليونانيّة. هذه النسخة من الكتاب هي الأكثر استعمالاً لدى كتّاب العهد الجديد وقد صارت تقليديّة في الكنيسة القديمة، وما زالت هي النسخة الرسميّة للعهد القديم في الكنيسة الأرثوذكسيّة.
الفرق الثاني هو أنّ المسيحيّين الأوائل تبنّوا عدداً من الكتابات اليهوديّة يفوق عدد الكتب المدرَجَة على لائحة المعلّمين الربّانيّين في جمنيا أو بعدها. كان اليهود الناطقون باليونانيّة يتداولون هذه الكتب الإضافيّة ويعتبرونها قيّمة قبل المسيحيّة إذ كانت تعبّر عن عادات الكثرين من اليهود ومعتقداتهم المتنوّعة وآمالهم في السيطرة الإغريقيّة والرومانيّة على العالم القديم.
على كلّ، أراد قادة الربّانيّين توحيد اليهوديّة وتعزيزها بعد الحرب المشؤومة مع روما خلال القرنين الأول والثاني، لهذا تركوا هذه الكتب خارج القانون العبريّ لأنّها لا تحمل ما يكفي من القِدَم ولا ما يكفي من السلطة في التقليد اليهوديّ.
أمّا المسيحيّون فقد احترموا هذه الكتابات وحفظوها، واعتبرها الشرق كتباً للقراءة (αѵεμόκσωѵɩϫαѵΑ)، أمّا الغرب فوجدها كتباً قانونيّة من الدرجة الثانيّة. ومع أنّ عددها الدقيق يتغيّر، ما توال هذه الكتابات جزءاً من قوانين العهد القديم الأرثوذكسيّة والرومانيّة الكاثوليكيّة. مع الإصلاح، تبنّى البروتستانت القانون اليهوديّ فحذفوا هذه الكتب من الإنجيل واعتبروها منحولة (Apocrypha)، وهي عبارة ازدرائيّة تعني “الكتب المخبّأة” أطلَقتها الكنيسة في التقليد المسيحيّ القديم على كتب أخرى كانت قد رفضتها.
وقد حفظ المسيحيّون هذه الكتب الأخيرة، مثل كتاب اليوبيلات واستشهاد أشعياء وارتفاع موسى، لاهتمامات تاريخيّة ودينيّة. فمع أنّها لا تحمل سلطة قانونيّة، لكنّها بالتأكيد تحمل قيمة تاريخيّة كونها تشهد لمعتقدات كتّابها وجماعاتهم الدينيّة الخاصّة وممارستهم. مازالت هذه الكتب تُسمّى أبوكريفا في الكنيسة الأرثوذكسيّة، بينما يسمّيها البروتستانت Pseudephgrapha (ما يعني المعنّونَة كذباً)[11].
إذاً على العموم، ما يسميّه البروتستانت معنوناً كذباً يسميّه الأرثوذكس أبوكريفا، وما يسميّه البروتستانت أبوكريفا يسميّه الأرثوذكس للقراءة وقانونياً من الدرجة الثانيّة. الكثير من الإناجيل البروتستانتيّة الحاليّة، بسبب الانفتاح المسكونيّ والاهتمامات الدراسيّة، تصوّر الكتب الممكن قراءتها على أنها “الأبوكريفا من الدرجة الثانية”، وإن يكن كملحق.
بالإضافة إلى الكتب الممكن قراءتها أو القانونيّة من الدرجة الثانيّة، يحتوي الإنجيلان الأرثوذكسيّ والرومانيّ الكاثوليكيّ مقاطع واسعة من كتب أستير ودانيال القانونيّة لكنّها غير موجودة في النسخة العبريّة. وقد وضع البروتستانت هذه المقاطع بين “الأبوكريفا” بحسب مصطلحاتهم ويسمّونها “إضافات” إلى نسخ إستير ودانيال اليونانيّة، رغم أنّها تقليدياً جزء من الكتب القانونيّة. تتضمّن هذه النصوص في دانيال: صلاة عزريا ونشيد الفتيّة الثلاثة، قصّة سوسنة وقصّة بعل والتنين، وفي أستير مقاطع أقل طولاً ولكنّها أكثر عدداً[12].
اهتمامات التقليد الشرقيّ كانت شاملة وقد امتدّت إلى نصوص إضافيّة موجودة في الإناجيل الأرثوذكسيّة، من بينها صلاة منسى والمزمور 151. النسخة السلافونيّة وحدها تحتوي سدراس 2 والنسخة اليونانيّة وحدها تتضمّن المكابيّين 7 كملحق.
بالمجموع، الكتابات العبريّة تحتوي 38 كتاباً، فيما عزرا ونحميا يشكّلان كتاباً واحداً. دوّر التقليد اليهوديّ ترقيمه الخاصّ وحفظه في تسلسل هذه الكتب[13]. يفصل العهد القديم البروتستانتيّ عزرا عن نحميا بحسب التقليد المسيحيّ القديم فيكون عدد كتبه 39.
يبلغ عدد كتب العهد القديم الكاثوليكيّ 46، متضمّناً 7 كتب قانونيّة من الدرجة الثانيّة ورسالة إرميا مدموجة مع باروخ. امّا العهد القديم الأرثوذكسيّ فيحافظ على القانون الأكثر شمولاً من الكنيسة القديمة ويضمّ 49 كتاباً بما فيها عشرة كتب للقراءة. بالإضافة، يعطي التقليد الأرثوذكسيّ قيمة كبرى لبعض الكتابات القليلة الأخرى المذكورة أعلاه، كصلاة منسى والمزمور 151.
أيضاً تجدر الإشارة إلى أنّ ترتيب الكتب يختلف بين الإناجيل البروتستانتيّة، الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة. هذا ما يمكن أنّ يتأكد منه القارئ من طريق مقابلة النسخ الحاليّة[14]. فرقان مهمّان يستحقّان انتباه القارئ: الفرق الأوّل هو أنّ التقليد الأرثوذكسيّ يُدرِج في إنجيله الكتب التي يعتبرها في قانونه للعهد القديم كتباً للقراءة، والتقليد الكاثوليكيّ يُدرِج في إنجيله الكتب التي يعتبرها في قانونه للعهد القديم كتباً قانونيّة ثانيّة، بينما تضع الإناجيل البروتستانتيّة هذه الكتب في ملحق.
هذا الواقع يدل على فرق باق في النظرات المتعلّقة بالسلطة القانونيّة لهذه الكتب. أمّا الفرق الثاني فهو أنّ العهد القديم الأرثوذكسيّ الرسميّ ما زال السبعينيّة اليونانيّة، بينما الأناجيل الحاليّة البروتستانتيّة والكاثوليكيّة هي ترجمات عن الأصل العبريّ الذي يٌسمّى النصّ الأوروبيّ Masoretic[15]. في الختام، يجب أن يعرف قرّاء الكتاب أنّ “أبوكريفا” العهد الجديد هي كتب مختلفة بالكامل، خارج قانون العهد الجديد، وأغلبها كُتِب في القرن الثاني للميلاد أو بعد هذا التاريخ[16].
العهدان القديم والجديد
نشأت تسميّة “العهد القديم” و”العهد الجديد” خلال القرن الأوّل، وأُطلقت على جزئي الإنجيل المسيحيّ عند نهايّة القرن الثاني. الكلمة المفتاح ‘عهد‘، المشتقّة من الكلمة اللاتينيّة testament، هي ترجمة للكلمة اليونانيّة diathiki-δɩαθήκη والعبرانيّة berith. ما تزال الكلمتان الإنكليزيّة واليونانيّة الحديثة غير مناسبتين. عادةً، يأخذ القرّاء المعاصرون كلمةَ ‘عهد‘ بمعنى وثيقة مستعمَلة لتحويل ملكيّة ما، كما في وصيّة.
من ناحيّة ثانيّة، المعنى الصحيح للكلمة العبريّة هو ميثاق (covenant) بمعنى ارتباط، اتفاق، أو تحالف بين شريكين. معنى العهد، في النظرة الكتابيّة، هو الارتباط المقدّس بين الله وشعبه، المؤسَّس عبر عمل الله الخلاصيّ والممنوح لشعبه كعلاقة دائمة من المحبّة والإخلاص المتبادَلين.
يرتكز ‘الميثاق القديم‘ على تحرير الله لإسرائيل من مصر وإهدائه الناموس على جبل سيناء. “الميثاق الجديد” متأصّل في تضحيّة المسيح (عمل الله الخلاصيّ الأسمى) كتجديد للميثاق مع شعبه (مرقس 24:14 ؛ 1 كورنثوس 25:11 ؛ عبرانيّين 13، 8:8 ؛ إرميا 3: 31-32).
أوّل مَن سبك عبارة “العهد القديم” (ηκήθαɩδ άɩαλαΠ)، في مواجهة واعيّة مع العهد الجديد (ηκήθαɩδ ήѵɩαΚ)، هو الرسول بولس في 2 كورنثوس 3 :6،14. ويشير المضمون بوضوح إلى أنّ ما يعتبره الرسول ‘العهد القديم‘ إنّما هو قصّة موسى عن الخروج والعهد في سيناء، وليس كلّ الكتاب العبريّ.
عبارتا ‘العهد القديم‘ و‘العهد الجديد‘ لم تُطلَقا على الكتب المقدّسة حتّى نهايّة القرن الثاني. بالنسبة إلى الرسول بولس والمسيحيّين الأوائل، لم يكن العهد الجديد كتاباً، ولا مجموعة من الكتب، إنّما حقيقة ديناميكيّة للرباط الجديد بين الله والمؤمنين المسيحيّين، حيث القاعدة هي شخص المسيح وعمله الخلاصيّ.
دوّن الرسل وأتباعهم الرسائل والكتب الأخرى خلال القرن الأوّل في مناطق مختلفة من العالم المتوسطيّ. تمّ تجميعها تدريجيّاً، ككتب ذات سلطة في التقليد المسيحيّ، خلال القرن الثاني بشكل رئيس. هذه العمليّة المعقّدة تُعرَف بتشكيل قانون العهد الجديد وقد تمّت بموازاة تشكيل قانون العهد القديم. في الحالتين، استمرّت العمليّة لقرون عديدة، مع تعدّد ملحوظ ومنازعات حول اختيار الكتاب بالاستناد إلى التقليد والتأليف والمحتوى.
تشهد أعمال القدّيس إيريناوس وترتليانوس ووثيقة تُدعى القانون الموراتوري على أنّ عدد الكتب التي كان المسيحيّون، عند نهايّة القرن الثاني، يعترفون بأنّها تنتمي إلى مكتبة الكتب المقدّسة الجديدة في الكنيسة العالميّة، تراوح بين اثنين وعشرين وسبعة وعشرين. الكتب المتنازَع عليها كانت، ولأجيال كثيرة، رسائل بطرس الثانيّة، يهوذا، ويوحنا الثانيّة والثالثة، كتاب الرؤيا، وبنسب أقلّ، الرسالة إلى العبرانيّين ورسالة يعقوب.
بدأ إطلاق تسمية ‘العهد القديم‘ على الكتاب المقدّس اليهوديّ حوالي نهاية القرن الثاني، وأوّل مَن أطلقها هو ميليتون أسقف سارديكا في آسيا الصغرى[17]. يمكن الافتراض أنّ استعمال تسمية العهد الجديد للمجموعة الجديدة من الكتب المسيحيّة المقدّسة كان في التداول عند ذلك الوقت، لكن الإشارات الموجودة تعود إلى كتّاب القرن الثالث، مثل إقليمس الإسكندريّ وأوريجنس.
يُنسَب ما نسميّه “ختم قانون العهد الجديد” إلى القدّيس أثناسيوس الكبير (367) الذي يعدّد كلّ كتب العهد الجديد السبعة والعشرين[18]. مع ذلك، العدد سبعة وعشرون ليس مطلقاً ولا هو عقيدة. الكنيسة السريانيّة القديمة اختارت فقط اثنين وعشرين كتاباً لعهدها الجديد، ومن دون أن يسبّب ذلك أيّ انقسام. الكنيسة الأثيوبيّة قبلت أكثر من ثلاثين كتاباً. القدّيس يوحنا الدمشقيّ في القرن الثامن يعدّد ثمانية وعشرين كتاباً[19].
إذا اكتُشفَت رسائل الرسول بولس المفقودة، وهذا احتمال مستَبعَد، لا يوجد أيّ سبب مقنع يمنع إدراجها. “ختم القانون” هو مبدأ حازم، ولكنّه غير جامد في الكنيسة الأرثوذكسيّة. فالتقليد المسيحيّ القديم لم يجعل تحديد الكتب عقيدة، بل كان دائماً يوقّر كتابات كثيرة غيرها ونصوصاً ليتورجيّة إلى جانب المجموعة القانونيّة من الكتب المقدّسة.
العلاقة بين العهدين القديم والجديد معقدّة مثل العلاقة بين المسيحيّين واليهود[20]. نقطة الانطلاق الرئيسة هي أنّ يسوع لم يأتِ لينقض الناموس بل ليتمّه (متى 17:5). لم يسعَ المسيح إلى رفض التراث اليهوديّ أو نقضه بل هدف إلى تجديده وإتمامه. عاش يسوع بشكل كامل في تقليدات شعبه.
قبل سلطة الكتب العبريّة وأشار إلى الوصايا العشر كطريق إلى الحياة الأبديّة (متّى 19: 16-19). مع هذا، أسّس يسوع نظرة جديدة إلى الكتاب المقدّس والتقليد اليهوديّ بسلطته ومثاله تُختصر في إعادة تفسير الناموس الموسويّ (5: 21-48)، والتعليم عن المحبّة غير المشروطة والغفران كأسُس أبعد من القيود القانونيّة كونها الأعلى في ملكوت الله (مرقس 2: 1-28).
بنى الرسول بولس وغيره من كتّاب العهد الجديد على هذه النظرة في ضوء قيامة المسيح وإرشاد الروح القدس. لم يعد ناموس موسى مركزَ الوحي بالنسبة إليهم، إنّما هو المسيح الذي تحقّقت فيه “نَعَم” مواعيد الله المدويّة ( 2 كورنثوس 10:-1). لقد ثبّتوا المسيح والإنجيل كمعايير لاستعمال العهد القديم وتفسيره. وعلاوة على هذا كلّه قرأوه ككتاب نبوءة منذر بخدمة المسيح والإنجيل (العهد الجديد) وضمّ المؤمنين من الأمم إلى شعب الله.
وإضافةً إلى قبولهم بسلطة الكتب اليهوديّة التقليديّة، طوّروا مواقف جديدة من الحقيقة والسلوك. وتماماً، كما أهمل يسوع بعض تقاليد الناموس المكتوبة والشفويّة كالطلاق وطقس غسل اليدين (متى 5: 31-32 ؛ مرقس 7: 1-23)، هكذا أيضاً لم يعتبر الرسول بولس والكنيسة الأولى بعض أوجه الناموس المهمّة، بخاصّة الختان وقوانين الأكل، كشرط لمسيحيّي الأمم (غلاطية 2: 11-21 ؛ روما 4:1 ؛ أعمال 15: 1-21). ومع هذا، فقد بقيت الكتب العبريّة عند كلّ المسيحيّين كلمة الله الموحى بها المكتوبة لتعليمهم وتشجيعهم (روما 15: 4-5 ؛ 1 كورنثوس 11:10)، والمفيدة للإصلاح والتدريب على البِرّ (2 تيموثاوس 16:3).
من الصحيح أنّه كانت لبعض الكتّاب المسيحيين اللاحقين نظرات استخفافيّة بالميراث اليهوديّ. كاتب الرسالة إلى العبرانيين المجهول يشير إلى العهد القديم بالعتيق والعقيم (عبرانيّين 18:7 ؛ 13:8 ؛ 10: 1-10). كاتب رسالة برنابا (409) يدّعي أنّ الختان الذي أوحى به الله لم يكن قطّ معناه جسديّاً بل روحيّاً.
رفض الهرطوقيّ ماركيون العهد القديم برمّته في القرن الثاني. وبثّ مارتن لوثر، بشكل مؤسف، مفاهيم سلبيّة عن العهد القديم والتراث اليهوديّ في بعض التقليدات البروتستانتيّة. وذلك بسبب مخطّطه اللاهوتيّ الذي يضع الناموس تجاه الإنجيل. من الأمثال على ذلك أن اعتبر أحد باحثي الكتاب اللوثريّين المشهورين أنّ العهد القديم هو “تاريخ الخطيئة”.
على عكس هذه النظرات، يجب التشديد على أنّ العهد القديم سجلّ أساس للإعلان وجزء متكامل من الإنجيل المسيحيّ. بحسب الرسول بولس (روما 7: 12-14)، لم يعد ناموس موسى معياراً لخلاص المسيحيّين رغم أنّه ناموس الله المعلَن، ومقدّس، وحَسَن وروحيّ. لم يفتكر الرسول العظيم قطّ أنّ أيّاً من اليهود أو المسيحيّين اليهود سوف يكفّ عن الالتزام بناموس الله، إنّما رأى فقط أنّ الناموس لن يُفرَض على المسيحيّين من الأمم كونهم شعب الله تحت شريعة المسيح الجديدة والإنجيل.
وفق المنظور الأرثوذكسيّ، لا يشير القديم في العهد القديم إلى أيّ انتقاص من صفته الإعلانيّة. فسّر آباء الكنيسة العهد القديم لاهوتيّاً ووجدوا إشارات إلى الثالوث القدّوس في بعض المقاطع، مثل زيارة الملائكة الثلاثة لإبراهيم وسارة (تكوين 18). كما رأى بولس الرسول المسيح الأزليّ كاملاً في الكتب العبرانيّة (1 كورنثوس 4:10)، كذلك اعتبر آباء الكنيسة المسيح ممثّلاً الإعلان في العهد القديم كما في الجديد، كما تحدّث الله إلى موسى في العلّيقة المحترقة (خروج 3). نزل الروح القدس على الأنبياء وكان فاعلاً في إسرائيل.
إبراهيم، موسى، والأنبياء كانوا “أصدقاء الله “وتلقّوا إعلانات مباشرة. مجد الله لمع على وجه موسى (خروج 30:34 ؛ 2 كورنثوس 7:3). تكرّم الكنيسة الأرثوذكسيّة رموز العهد القديم الأبرار من آدم إلى أيوب، ومن إبراهيم إلى موسى، ومن إيليا إلى الشهداء المكابيّين، وتعتبرهم قدّيسين لهم أعيادهم الخاصّة. القراءات من العهد القديم أساسيّة في عبادة الكنيسة. التراتيل والصلوات الليتورجيّة مليئة بلغة العهد القديم والإشارات إلى أعمال الله الخلاصيّة لشعبه.
في رسم الأيقونات، هناك أيقونة شهيرة للقيامة تُظهر المسيح محطِّماً أبواب الجحيم ورافعاً في كلّ من يديه آدم وحواء محاطَين برموز إسرائيل الأبرار.
هل اتخذت الكنيسة بشكل عام كليّ الكتب المقدّسة العبرانيّة على أنّها خاصتّها وسلختها من اليهود؟ بدون شكّ يميل المسيحيّون إلى هذا الاستنتاج.لكن هذا يعارض سلطة القدّيس بولس الرسوليّة الذي أعلن أنّ “هبات الله ودعوته هي بلا ندامة” (روما 29:11). فمن المسلَّمات عنده أنّ الشعب اليهوديّ تحت عناية الله وسوف يستمر في العيش بحسب العهد المقدّس المعطى له إلى أن يحل الله بنفسه سرّعدم إيمانهم (روما 11: 25-36). الكتب المقدّسة العبرانيّة هي هبة لليهود والمسيحيّين.
اليهود والمسيحيّون يفهمون أنفسهم، كلّ من منظاره الخاص، ويدّعون أنّهم شعب الله المخلص لعهده الخاص. مع أنّهم يقرأون الكتب المقدّسة بأضواء مختلفة، اليهود من منطلق الناموس والمسيحيّون من منطلق المسيح، يستطيع المسيحيّون واليهود أن يخدموا في احترام متبادَل كشهود الله الواحد أمام الآخر وأمام العالم بحسب دعوة كلّ منهم: يجب أن يكون المسيحيّون شركاء مطِّعمين لِـ”شجرة الزيتون” الغنيّة من التراث اليهوديّ وأن “يمجّدوا الله لنعمته” (روما 11: 14-24 ؛ 9:15).
إنّهم يسمّون الكتب العبرانيّة “العهد القديم” ليس للتقليل من قيمتها الإعلانيّة، بل العكس لتأكيد فهمهم الخاصّ لعمل الله المنعم، أبي يسوع المسيح، وليحملوا الشهادة عن خبرتهم في العهد الجديد في المسيح، هذه الخبرة التي تشكّل ملء العهد القديم.
الوجهان الدينيّ والبشريّ
الإنجيل هو الكتاب المقدّس. مصدر صفة القداسة ليس فقط دوره في حياة الجماعة المؤمنة وعبادتها، إنّما أيضاً طبيعته الداخليّة وشهادته للإعلان الإلهيّ. كلمة إعلان (من اليونانيّة ςψѵλάκοπά) (رؤيا 1:1) تعني “كشف – إفشاء – إيصال” شيء ما مخبّأ أو غير معروف سابقاً. أنّ تأصّل الكتاب المقدّس في خبرة شهود مميّزين لله بشكل مباشر، يجعل دعواه الأساسيّة في أنّ الله الحقيقيّ وربّ الكون، اختار أن يعلن نفسه ويُعرف من الجنس البشريّ بطريقة مختلفة. بخاصّة عبر الأعمال والكلمات. الإله الحيّ، رغم البحث عنه بطرائق مبهمة منذ الزمن السحيق، كان ليبقى مجهولاً لولا قيامه بالكشف عن نفسه والتواصل مع البشريّة.
يذكر الكتاب “كلمات الله” (..αɩϫόλ αԏ) (روما 3:2) وكلمة الله (ςοϫόλ لوقا 21:8 ؛ يوحنّا 35:10 ؛ روما 2:3) لأنّه يوصل المعرفة التي اختار الله إعلانَها عبر كتّاب ملهّمين. الكلمات هي وسائل التواصل بواسطتها نعطي شكلاً لأفكارنا العميقة، نركّبها، فنصبح قادرين على التواصل مع الآخرين. مثاليّاً، الكلمات هي عربات الحقيقة. سعيُها هو تفسير الواقع وحمل معنى الحياة إلى النور الكامل. الأمر غير القابل للمراجعة هو أنّ الكتاب يحمل بعمقٍ شهادةً لغنى فكر الله، هي رؤى وحقائق حول المعنى الأخير لكلّ الحقيقة.
من وجهة نظر دينيّة أكثر منها علميّة، هذا هو تماماً ما يدّعي الكتاب تحقيقه. فهو يخبرنا أنّ كلمة الله الحيّ والفاعلة تخترق بقوّة روحيّة، كسيف ذي حدّين، وتنفُذُ إلى عمق كيان الإنسان (عبرانيّين 12:4 ؛ أفسس 17:6).
ما الذي يرغب الله بإيصاله عبر شهادة الكتاب المقدّس؟ ما هي الأوجه المركزيّة التي تكوّن الجوهر الدينيّ واللاهوتيّ للكتاب ككتاب للتخاطب؟ آباء الكنيسة علّموا، والبحث الحديث أكّد على القرّاء أنّ يتنبّهوا لهدف الكتاب الشامل أو نهايته (ςόποκσ)، حتّى تظهر أجزاؤه عبر الكلّ ويظهر الكلّ عبر الأجزاء[21]. من منظار شموليّ، يقدم الكتاب معرفةً عن الله وعن تعاطيه مع البشريّة في ثلاث طرائق مهمّة ومترابطة.
أوّلاً، يحمل شهادة عن العمليّة التي سُميّت التاريخ المقدّس أو تاريخ الخلاص، أي عمل الله الخلاصيّ في التاريخ. غالباً ما يفهم بعض المؤمنين هذه الفكرة بطريقة ساذجة، مماثلين كلّ القصة الكتابيّة بالتاريخ الأدبيّ. مهما يكن، فالكتاب لم يُكتب كتاريخ من الناحيّة التقنيّة. لقد كان المجرى الفعليّ للأحداث والقوى المحركّة للتفاعلات البشريّة على درجة أكثر تعقيداً بكثير من القصّة التي يرويها الكتاب. لا تنكُر هذه النظرة الأساسَ الواقعيَّ للكتاب، إنّما تركّز فقط على أنّ روايتَه تمثّل الخبرة المفسِّرة والذاكرة الدينيّة لأجيال عديدة من شعب الله.
يشمل عمل الله الخلاصيّ كلّ الصراعات البشريّة التي يشهد عليها الأنبياء، يوحنّا المعمدان، بطرس، بولس وكثيرون غيرهم. أيضاً يُحدّد عمل الله الخلاصيّ بأعمال تحرير عظيمة، كما يفهمها شعب الله ويفسّرها ويحتفل بها.
يسمّى الكتاب هذه الأعمال الإلهيّة عجائب (αԏαμ΄ѵαθ αԏ خروج 20:3) أو أعمال الله العظيمة (αλάϫεμ αԏ أعمال 11:2)، كالخروج، إعطاء الناموس في سيناء، دخول الأرض الموعودة، تجسّد المسيح، موته وقيامته، وهبة الروح في العنصرة. لحظات الإعلان هذه وأعمال الإنقاذ، تبلغ أوجَها في شخص يسوع ورسالته، وتؤلّف الأساس المتين للإعلان الإلهيّ وجوهرَ الكتاب على أنّه رسالة الله الخلاصيّة.
ثانياً، يوصل الكتاب حقيقةَ الله وحكمتّه في الخلق والبشريّة، الخطيئة والخلاص، الحقّ والخطأ الأخلاقيّين، الملكوت والجحيم. الاعتراف بالله الواحد الحيّ وعبادته هما الحقيقة والوصيّة الرئيسة (خروج 20: 1-6). “وليجرِ الحقّ كالمياه والبِرّ كنهر دائم” (عاموص 24:5) هكذا صرخ النبيّ بلسان الربّ داعياً إلى العدالة الإجتماعيّة. يسوع علّم “اطلبوا ملكوت الله وبِرّه” (كتّى 33:6). القدّيس بولس رأي أنً “الخليقة نفسها أيضاً ستُعتَق من عبوديّة الفساد إلى حريّة مجد أولاد الله” (روما 24:8).
مرةً أخرى تُبلَّغ معرفة هذه الأمور من منظار لاهوتيّ ودينيّ، غير علميّ ولا تاريخيّ محض. إنّها تُنقَل عبر تنوّع غنيّ من وصف أحداث وأمثلة من التصرّف، رواية قصص وتعاليم حِكَميّة، إصلاح وإيحاءات، وصايا ونصائح، مزامير وصلوات. إنّها تأتي إلينا بدرجات مختلفة من الوضوح والدقة عبر الخبرة الإنسانيّة والكلمات البشريّة التي غالباً ما تتطلّب تفسيراً متأنيّاً. رغم ذلك، الكتاب في غايته (ςόποκσ) عموماً، سواء بالقصص أو بالتعليم، يعطي شهادةً ملتزمة عن حقيقة الله الخلاصيّة التي يراها كنور وحياة (مزمور 105:119).
ثالثاً والأهم، يوصِل الكتاب المعرفة حول سرّ الله الحيّ نفسه: مَن هو وما هي صفاته. آمنت الشعوب القديمة بكلّ أنواع الآلهة وقدّمت البيعة لها بطرائق لا تُحصى. من الخطأ الادّعاء أنّهم جميعاً عبدوا الإله نفسَه بأسماء مختلفة وطرائق عديدة. فيما يشهد الكتاب لحقيقة وجود إله واحد حقيقيّ، خلق البشر بالمقابل، عبر التاريخ، أصناماً لا تُعدّ مِن المادة والآلهة الفكريّة. يعلن الكتاب المقدّس الله “الحقيقيّ” تماماً في تباين متعمَّد ومواجهة مع الإلهة الوثنيّة “الكاذبة”[22].
الله الحقيقيّ هو الله الحيّ، إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، الذي قاد شعبه في التاريخ وأظهر نفسه، تماماً في الابن والروح، كإله ثالوثيّ (متى 19:28 ؛ 2 كورنثوس 13:13). إنّه الله “الحيّ” لأنّه الربّ يهوه (“أهيه الذي أهيه” خروج 14:3)، إله شخصيّ يحيا ويتصرّف بين شعبه بنعمة وحقّ محرَّكاً بالمحبّة. لا يظهر شخص الله الوضوح ذاته على كلّ صفحات الكتاب. لكنّ كامل شهادة الكتاب تنادي بالله الحقيقيّ، ملك المجد، وترفعه ربّاً أخلاقياً يأمر بالعدل والبِرّ، ويحكم بالمحبّة والرحمة.
علاوة على ذلك، إنّه يشتهي أن يتقاسَم حياته، إنّه يتوق إلى إخلاص ميثاقيّ وشركة صميميّة مع كائنات شخصيّة خُلقوا على صورته ومثاله. في النهايّة، لا يشير الكتاب إلى نفسه بل إلى الله. شهادته الأسمى وتحدّيه الأكبر للقرّاء هما الدعوة إلى لقاء حميم مع الله وحياة شخصيّة معه.
من المهمّ أيضاً التشديد على أنّ الكتاب، كرسالة من الله، موجّه بالدرجة الأولى إلى شعبه، ما يعزّز معرفة الله في الجماعة. الله اختار أن يجعل نفسَه معروفاً لأشخاص محدّدين مثل إبراهيم وسارة، موسى وميريام، بولس وليديا. أعمالُه الخلاصيّة وكلماته استدعت استجابة هؤلاء الأشخاص وأسّست علاقات بين الله وبينهم، كما بينهم وبين آخرين تسلّموا رسالتهم. لقد ختم الذين استجابوا للدعوة علاقَتهم مع الله، ومع بعضهم البعض، بإيمان متبادَل وطاعة مُحِبّة.
على الشكل ذاته، أعمال الله الخلاصيّة العظيمة كانت موجهّة إلى شعب إسرائيل وإلى أتباع يسوع. جوابهم كان متمّماً للعهد المشترَك بين الله وشعبه. نستطيع القول إنّ أعمال الله الخلاصيّة وكلماته خلقت هذه الرباطات الشخصيّة، وأسّست جماعة شعب الله نفسها. لقد نشأ الكتاب المقدّس عظاماً من عظام حياة الجماعة المؤمنة ولحماً من لحمها. ككتابِ إيمان وكتابٍ للكنيسة، يشكّل الكتاب المقدّس كلمةَ الله غير المجرّدة التي يوجهّها إلى شعبه.
الموضوع الذي يسيطر في الكتاب هو معرفة الله الحيّ المشتركة. كلمة الله والذين تلقّوها، أي الكتاب المقدّس وشعب الله، يقطنان معاً بلا انفصال. تصبح كلماتُ الكتاب كلمةً حيّة للإله الحيّ في هذا الإطارالإيمانيّ الجماعيّ: في العبادة والوعظ والتعليم والإرشاد والتبشير[23].
إذاً يكمن جوهر قيمة الكتاب المقدّس الدينيّة وفحواه اللاهوتيّة، كإعلان إلهيّ، في شهادته لعمل الله الخلاصيّ: حقيقة الله الخلاصيّة وصفته الشخصيّة. الكتاب هو كلمة الله بقدر ما يوصل إلينا معرفة هذه الأمور الحاسمة. مع ذلك، تبلَّغ هذه المعرفة عن الله وغاياته عبر بشرٍ تكلّموا وكتبوا بلغات بشريّة: العبريّة واليونانيّة والآراميّة. كيف للمرء أن يفهم العلاقة بين كلمة الله وكلمات البشريّة التي كُتب بها الكتاب؟ بأيّ معنى يكون الكتاب كلمة الله؟ ليس لله فم ولا هو بحاجة إليه لجعل إرادته معروفة.
هل خلق عجائبيّاً أصواتاً لتُسمع في كلمات ينطق بها بشر بالعبريّة أو الآراميّة أو اليونانيّة؟ هل لمس فكرَ الأشخاص لإيصال إرادته وهم تالياً نقلوا رسائله إلى آخرين بلغتهم العاديّة وقالبِهم؟ ماذا عن تفاسير الإعلانات الأصليّة التي ادّخرتها الأجيال اللاحقة في التقليد الكتابيّ المكتوب؟ إلى أيّ درجة تمثّل كلمات الكتاب كلمات الله الفعليّة؟ كيف يبدأ المرء يفهم، بدقّة أكثر، حقيقة أنّ الكتاب هو كلمة الله بكلمات بشريّة؟
إنّ الطريقة التي يجيب بها الإنسان عن هذه الأسئلة تحدّد نظرته إلى الكتاب والوحي والإعلان. أنّها أيضاً تكشف موقعه في سلسلة التفسير الكتابيّ، من الأصوليّة إلى الليبراليّة المتطرّفة.
الكتاب المقدّس في النظرة الأرثوذكسيّة هو سجلّ الإعلان أكثر مّما هو الإعلان المباشر ذاته. القراءة عن الخلق في سفر التكوين ليست مجرد الحضور عند الخلق. النبي إشعياء رأى بنفسه الربّ على العرش في المجد، لكن ما يرد في إشعياء 6 هو قصّة هذا الإعلان وليس الإعلان المرِهب عينه.
اختبر الرسل وغيرهم من أتباع يسوع المخلِصين تدّفق الروح القدس في العنصرة، وما نلتقيه في أعمال 2 هو وصف مكتوب للحدث وليس الحدث عينه. بالتأكيد، سجل الإعلان ملهَم ومقدّس وقانونيّ، ولكن مع هذا، هو يبقى سجلاً كتبه كتّاب هم بشر محدّدون وبلغات بشريّة محدّدة.
كتب جورج فلوروفسكي “إن الكتاب المقدّس تاريخيّ بالجوهر…فيه لا نسمع صوت الله فقط إنّما صوت الإنسان أيضاً…في داخله تكمن معجزة الكتاب وسرّه، أي كلمة الله في لغة بشريّة[24]. يندمج في الكتاب صوت الله في أصوات البشر العديدة. كلّ كلمات الكتاب بدون أي استثناء مسجّلة بكلمات بشريّة. الوحي الإلهيّ لم يتمّ في الفراغ ولا هو كالذهب النقيّ لم تلمسه المصادفة البشريّة.
استعمل الله ممثّلين هم بشر عاديّون بمحدوديتّهم في اللغة والمعرفة لنقل أوجه إرادته وأهدافه إلى أشخاص محدّدين. المفكّر الكبير أوريجنس اعتبر أن الله في الكتاب يكلّم البشر كالأطفال. القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم رأى أنّ الكتاب تعبير عن التنازل الإلهيّ “ςɩσαβάԏαкϫѵσ”[25]. هذه النظرة تفترض مسبقاً فهماً ديناميكيّاً للوحي والإلهام متضمّناً عمليّة تفاعل شخصيّ إلهيّ-بشريّ.
التوازي اللافت لطبيعة الكتاب المزدوجة هو، من طريق التشابه الجزئيّ أكثر منه التماثل الكامل، يسوع المسيح نفسه كلمة الله المتجسّد (يوحنا 1: 1، 14). المسيح المتجسّد، مع كونه الكلمة الأزليّ والابن، فقد عوين ولُمس، تكلّم وتصرّف بطرائق بشريّة، بما فيها اختبار الجوع، الإحباط والخوف، ومع هذا كان بلا خطيئة (عبرانيّين 15:4 ؛ 7:5). تماماً كما أنّ طبيعة المسيح البشريّة والإلهيّة تعبّرعن سرّه الواحد، كذلك أيضاً سرّ الكتاب المقدّس، أيقونة المسيح (الكلامية)، يوحّد الوجهين الإلهيّ والبشريّ.
الأوجه الإلهيّة موجودة في رسالة الكتاب الخلاصيّة عن الله، البشريّة، الإنجيل، الكنيسة، النعمة والأعمال، والرجاء بالملكوت الآتي. هذه الرسالة الخلاصيّة ليست إعلاناً فحسب عن مفاهيم مجرّدة إنّما حقيقة حاضرة مثل كلمة الله التي تصبح كلمة حيّة ومغيِّرة بقوّة الروح القدس عندما تُعلَن وتُستَقبل بإيمان. الأوجه البشريّة موجودة في لغات الكتاب البشريّة الخاصّة، في أنواع الأشكال الأدبيّة المختلفة ومهارات الكتّاب والمحررين، كما في قيودهم الثقافيّة والفكريّة التي تنشأ داخل كلّ المساعي البشريّة.
من غير الممكن فصل العناصر الإلهيّة عن البشريّة بشكل محكَم. على القارئ أن يشارك في الشهادة الكتابيّة بمجملها ويميّز بين الادعاءات الأساسيّة المتعلّقة بالخلاص والأمور الفرعيّة كالتاريخ والتسلسل الزمني واللغة والثقافة. يسوع الناصري هو المسيح والربّ القائم من الموت هو حقيقة أكبر بكثير من السؤال التاريخيّ حول أصل الأسماء الخريستولوجيّة وتطوّرها. الرجاء بقيامة الأموات والملكوت الآتي هو أهم بكثير من طبيعة هذه الأمور المحدّدة كما يُحكى عنها في الأسفار المختلفة.
الثقة بأنّ القدّيس بولس اختبر تجليّاً للمسيح القائم هو أمر، وملاحظة وجود وضعين مختلفين لهذه الخبرة في غلاطيّة وأعمال الرسل هو أمر آخر. يعرض الكتاب تنوّعاً هائلاً في التفاصيل، ومن الأمثلة: قصّتا نسب يسوع، التطوبيات، صلاة الربّ يسوع في إنجيلي متّى ولوقا. ممكن أيضاً طرح الأسئلة حول القيم الثقافيّة والتقاليد التي يعكسها الكتاب والمتعلّقة بتأسيس المعموديّة، دور النساء والأولاد، وغيرها من الأعراف الاجتماعيّة.
اين ومتى يجب رسم خطّ بين حقيقة الكتاب الخلاصيّة وتعابيره البشريّة، بخاصّةٍ في تفصيل الأمور الرئيسة أو المثيرة للجدل؟ يصبح هذا السؤال موضوع تفسير لاهوتيّ ومعياريّ في حياة الكنيسة. هذه الأمور التي سبّبت أزمات في تاريخ الكنيسة، تطرح أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالتفسير المتخصّص وحده إنّما بالحسّ الكنسيّ الشامل لما هي إرادة الله بحسب التلقي الروحيّ لشعبه.
على ضوء ما ذُكر، إذاً، مفهوم الكتاب ككلمة الله ينتمي بالدرجة الأولى إلى رسالته الخلاصيّة ولا يمكن تطبيقها حرفيّاً على كلمات كلّ آية وحدها. عمليّاً، النظرة الأخيرة تصيِّر الكتاب نوعاً من تقرير صادر عن الكومبيوتر حول فكر الله، أي مجرد اعتقاد خاطئ ضخم. هذا الفهم تعترضه صعوبات لا تُذلَّل بخاصّة من جهة عدم الملاءمة العلميّة والتعارضات التاريخيّة في الكتاب والتي سوف تُلصَق بالله بلا شكّ. إلى هذا، من منظار لاهوتيّ، سر الله الحيّ لا يمكن حصره بشكل ضيّق في الكتاب.
الله معلَن ومخفي لأنّه يتخطّى اللغة والفهم البشريّين. وعليه، يجب إعطاء حصّة كافية للعامل البشريّ في تلقّي الإعلان وتأليف الكتابات الإنجيليّة. يجب إعطاء كلّ كاتب شخصيّته، إطاره الثقافيّ، فهمه الفكريّ، مهاراته الإدبيّة وبصيرته الروحيّة كمساهم ناشط في التفاعل الإلهيّ البشريّ. يمكن اعتبار هذا الموقف نظرة ديناميكيّة لإلهام الكتاب المقدّس[26].
مفهوم الوحي، الذي يبقى اللاهوت الأرثوذكسيّ أميناً له، شخصيّ وديناميكيّ أكثر منه ميكانيكيّ ولفظيّ. ما قام به الله لم يكن مجرّد إملاء كلمات وعبارات إلى كتّاب منفعلين (passive)، إنّما هو أثّر شخصيّاً في مجمل كيانهم سامحاً لهم بأن يفهموا إرادته فعليّاً ويفسّروها وينقلوها إلى الآخرين بحسب محدوديّات فهمهم ولغتهم. من المهمّ أن نشير إلى أنّ إلهام الروح القدس يشمل عمليّة أكثر سعةً وعمقاً من تأليف الكتاب. يشمل الإلهام كلّ جماعة الإيمان، حياة الكاتب، تأليف الكتب، كما تجميعها التدريجيّ في مجموعة مقدّسة.
فيما كلّ الكتاب هو “ملفوظ به من الله” (ςοԏσѵεѵπόεθ) (2 تيموثاوس 16:3)، فهو ليس على الدرجة ذاتها بسبب اختلاف التلقّي البشريّ. الصفة الإلهاميّة لكتاب إشعياء لا تُقابل بتلك التي لكتاب العدد، ولا صفة إنجيل يوحنّا الإلهاميّة تُقابل بتلك التي لرسالة يهوذا. الذين يركّزون على سلطة الكتاب الأدبيّة، غالباً من البروتستانت المحافظين والأصوليّين، يناقشون مفهوم العصمة inerrancy. أنّهم يؤيّدون بشكل أساس إنجيلاً من دون خطأ وهم تالياً ملزَمون بإيجاد تبريرات متكلّفة للدفاع عنه[27].
يظهر كثيرون كأنّهم يتخطّون التعقيدات التاريخيّة ويلصقون بالكتاب صفة مطلقة هي بالحقيقة لله وحده، وتالياً هم ظاهريّاً ينزلقون في نوع من عبادة الكتاب bibliolatry. قد تعبِّر كلمة العصمة infallibility عن نظرة الكاثوليك للإلهام، وبحسب المعنى الإتيمولوجيّ للكلمة فإنّ “الكتاب لا يخطئ “بالأهداف الخلاصيّة الأساسيّة التي لسببها أُعطى من الله[28].
في التقليد الأرثوذكسيّ، قد تكون العبارة الأرثوذكسيّة الأكثر ملاءمة هي كفاية الكتاب (sufficiency-αѵʹԏάρкεɩα) وهي عبارة استعملها القدّيس أثناسيوس ليؤكّد ملء الحقيقة الخلاصيّة التي يقدّمها الكتاب المقدّس[29].
موضوع سلطة الأسفار الكتابيّة يعطي مثلاً عن اختلاف الاستنتاجات بين وجهتي نظر إزاء الوحي الأولى ديناميكيّة والثانية جامدة. الذين يميلون إلى النظرة الإملائية للإعلان والوحي يهتمّون أيضاً بحفظ التأليف التقليديّ لما في الكتاب. أصحاب النظرة الديناميكيّة للوحي هم أقلّ اهتماماً بالتأليف لأنّهم يرون إرشاد الله في كلّ العملية، منذ اللحظات والأحداث الأولى للإعلان إلى نشوء القانون الكتابيّ.
من الممكن التوصّل إلى استنتاجات مشابهة من وجهات نظر مختلفة حول العلاقة بين الكتاب والجماعة المؤمنة التي خرج منها. قد يدافع الذين ينسبون إلى الكتاب سلطة مطلقة، بمعزل عن الجماعة المؤمنة أو فوقها، بحماس عن التأليف وبشهادة.
وهم في هذا يرغبون في دعم صحّة الكتاب الواجبة الوجود بذاتها، وكأنّ السماء انفتحت لبثّ بيانات إخباريّة وحقائق إلى كتّاب محدّدين. الذين يعترفون بالعلاقة الديناميكيّة بين الكتاب والجماعة المؤمنة هم أكثر اهتماماً بالمؤلّفين التقليديّين لأنّهم يرون أنّ البيئة الأسمى للوحي هي كلّ حياة الجماعة الإيمانيّة التي تؤمّن تعليماً كافياً عن الخلاص.
من وجهة النظر الأرثوذكسيّة، موضوع التأليف مهمّ ولكنّه لا يشكّل خطورة. المعيار اللاهوتيّ الأهم للحقيقة هو حياة الكنيسة. في التقليد الأرثوذكسيّ، هناك عدد من الكتابات الآبائيّة القيّمة والترانيم والصلوات والنصوص الليتورجيّة لكتّاب مجهولين أو مثيرين للجدل بين الباحثين في الآباء والليتورجيا، من دون أن يثيروا قلقاً كبيراً عند هؤلاء الباحثين من جهة تأثير ما يتوصّلون إليه على حياة الكنيسة. في القرون الأولى للكنيسة، ناقش الباحثون تأليف عدد من كتب العهد الجديد مثل الرسالة إلى العبرانيّين وكتاب الرؤيا.
يتابع الدارسون المعاصرون هذه المناقشات ويوسعّونها أسباب تاريخيّة وأدبيّة، لكن لا حاجة إلى أن تكون سبباً للتشويش الروحيّ واللاهوتيّ. تصبح هذه المناقشة مؤذية في حالة واحدة فقط هي عندما يظنّ الباحثون، أو غيرهم من قرّاء الكتاب غير العارفين والذين تتحكّم بهم الافتراضات المتشدّدة، أنّ رسالة الكتاب القانونيّ الخلاصيّة أو قيمة التقليد الكنسيّ اللاهوتيّة يتشوهان بالأسئلة المطروحة حول التأليف التقليّدي للكتاب.
فالكنيسة تبنّت تنوّعاً في الكتابات في قانونها المقدّس وتالياً أكّدت قيمتها كشهادات متعدّدة لله ولرسالته الخلاصيّة، بغضّ النظرعن التعقيدات التاريخيّة لصالح النسبة التقليديّة للمؤلّفين أو ضدّها، فاللاهوت القويم يعطي حريّة للبحث التاريخيّ المتوازن. تكمن قيمة الوثائق الكتابيّة الأساسيّة في محتواها اللاهوتيّ أكثر منها في الظروف التاريخيّة لتأليفها.
[1] يعبّر الأب جورج فلوروفسكي، زعيم اللاهوتيّين الأرثوذكسيّين في القرن العشرين، عن موقف الكنيسّة الأرثوذكسيّة التقليديّ من الكتاب المقدّس، في عدد من المقالات المجموعة في: “الكتاب المقدّس والكنيسة والتقليد: نظرة أرثوذكسيّة” (نقله إلى العربية الأب ميشال نجم. منشورات النور. 1984).
كما يوجد بالإنكليزيّة عدد من المقالات الجوهريّة كتبها الأب توماس هوبكو “الكتاب المقدّس في التقليد الأرثوذكسيّ” (SVTǪ 14 (1-2, 1970, pp. 66-99)، سابا أغوريديس: “الكتاب المقدّس في كنيسة الروم الأرثوذكس” (أثينا 1976 باليونانية)، إعادة نشر مقال ظهر أولاً في الجزء 21 من مطبوعة كليّة اللاهوت في جامعة أثينا العلميّة السنويّة (ήкɩѵομηԏσɩπΕʹ ςɩηρԏΕπε) (1976) غير المتوفرة بسهولة.
ولبانبيوتيس براتسيوتيس أستاذ العهد القديم في جامعة أثينا، اليونان: “سلطة الكتاب المقدّس: مساهمة أرثوذكسية”، في “سلطة الكتاب اليوم”، تحريراً. ريتشاردسون و W. سمايتزر (فيلادلفيا: ويستمنستر، 1951)، ص. 17-29.
كتب علماء يونانيّون أمثال أنطونياديس (1938) وبانايوتيس ترمبلاس (1938) الكثير حول مسألة الوحي، ولكن كموضوع لاهوتيّ مجرّد، من دون تورّط حقيقيّ بنصّ الكتاب وتنوّع شهادته، حيث يكمن جوهر مسألة الإعلان والوحيّ. تُعرَض أعمال الباحثين الأرثوذكسيّين حول التفسير الكتابيّ والتأويل في الفصلين الثالث والسادس.
[2] بعض أجزاء دانيال وعزرا محفوظة بالآرامية وهي لغة فارسيّة مختلفة عن العبريّة. والآرامية، لغة يسوع، أصبحت اللغة الشعبيّة عند اليهود حين حكم الفرس فلسطين (538-332 ق.م.)، تماماً كما أصبحت اليونانيّة لاحقاً لغة العالم القديم الشعبيّة بعد غزوات الاسكندر الأكبر (356-323 ق.م.) وخلال توسع الإمبراطوريّة الرومانيّة.
[3] حدّد التسليم المسيحيّ هذا الكتاب بالرسول يوحنّا الذي ألحق به من كتب العهد الجديد: لإنجيل يوحنا، ثلاث رسائل وكتاب الرؤيا. في أي حال، يجب الإشارة إلى أنّ هذا التحديد كما كتابة سفر الرؤيا، أثارتا جدلاً في الماضي والحاضر. حول أهميّة تحديد الكاتب أنظر لاحقاً في هذا الفصل.
[4] Frederick, E. Greenspahn in his introduction to the book Scripture in the Jewish and Christian Traditions: Authority, Interpretation, Relevance, ed. By him (Nashville: Abingdon, 1982), p. 10.
[5] K. Stendhal, “Method in the Study of Biblical Theology,” in The Bible in Modern Scholarship, ed. J. Philip Hyatt (Nashville: Avingdon, 1965), p. 198.
[6] لقد اكتسب حوالي 22 من كتب العهد الجديد سلطة قانونيّة مع نهايّة القرن الثاني أما البقيّة فقد بقيت موضع جدل إلى نهايّة القرن الرابع وما بعد. لعرض، أنظر:
On “Canon” by James Sanders and Harry Gamble in ABD, Volume 1, ed. D.N. Freedman (New York: Doubleday, 1992), pp. 837-861. See further S.Z. Leiman, The Canonization of Hebrew Scripture: The Talmudic and Midrashic Evidence (Hamden: Archon Books, 1976).
A.C. Sundberg, The Old Testament of the Early Church (Cambridge: Harvard University Press, 1964), and Bruce Metzger, The Canon of the New testament (New York: Oxford University Press, 1987). J.F. Kelly, Why Is There a New Testament? (Wilmington: Glazier, 1986).
الأخير هو رواية شعبيّة حول تكوّن العهد الجديد في الكنيسة قديماً.
[7] G. Schrenk, “βɩβλος”, ThDNT, Volume 1, ed. G. Kittel, trans. G.W. Bromiley (grand Rapids: Eedrmans, 1964), pp. 615-620.
[8] G. Shrenk, “Γραφή”. ThDNT. Volume 1, pp. 751 ff.
[9] See the new JPS translation according to the traditional Hebrew text Tanakh, the Holy Scriptures: Torah, Nevi’im, Kethuvin (Philadelphia: Jewish Publication Society, 1985).
[10] M. K. H. Peters, “Septuagint”, ABD, Vol. 5, ed. N. Freedman, pp. 1093-1104; S. Jellicoe, The Septuagint and Modern Study (Oxford: Clarendon, 1968); and by the same, Studies in the Septuagint: origins, Recensions, and Interpretations (New York: KATV, 1974).
[11] See James H. Charlesworth, Old testament Pseudepigrapha, 2 vols. (New York: Doubleday, 1986).
[12] See The New Oxford Annotated Bible with the Apocryphal/Deuterocanonical Books, ed. Bruce M. Metzger and Roland E. Murphy (New York: Oxford University Press, 1991), p.41 of the Apocrypha.
[13] يرد، في الحاشيّة 9 من ترجمة الكتاب العبريّ التي قامت بها Jewish Publications Society العام 1985، 93 كتاباً تفصل بين عزرا ونحميا.
[14] قابل مثلاً النسخة البروتستانتيّة الجديدة المنقحة المستعملة مسكونياً بشكل واسع، بالإنجيل الكاثوليكيّ الأميركيّ الجديد.
ليس للأرثوذكس ترجمة إنكليزيّة للكتاب المقدّس وتالياً يجب الرجوع إلى ترجمات أرثوذكسيّة في لغات تقليديّة أخرى. الترجمة الموجودة حالياً للسبعينيّة التي نشرها Bagster and Sons تقدّم تسلسلاً مختلفاً بعض الشيء. The Orthodox Study Bible ذو الحلّة الشعبيّة أكثر منها العلميّة نشره Thomas Nelson (1993) بالتأكيد ليس ترجمة جديدة إنما يستعمل ترجمة الملك جيمس الجديدة.
[15] نصّ العهد القديم العبريّ الأصليّ الذي يحفظه الدارسون اليهود يسمّى Masoretes. “Masorah” تعني التقليد و “Masoretes” تشير إلى العلماء الموكلة إليهم مهمّة حفظ التقليد الذي يسود إنتاج النسخ من الكتاب العبريّ عبر العصور. Aleppo Codex الشهيرة هي إحدى هذه النسخ.
[16] ممكن إيجاد أبوكريفا العهد الجديد باللغة الإنكليزيّة عند Wilhelm Scneemelcher, New testament Apocrypha, Vols. 1-2, rev. ed. R.M. Wilson (Louisville: Westminster, 1990 and 1992).
للكتابات الغنوصيّة المُكتَشفَة في مصر قبل حوالي خمسين سنة ، أنظر:
James M. Robinson, The Nag Hammadi Library in English (San Francisco: Harper & Row, 1989).
يرى بعض العلماء أنّ إنجيل توما الغنوصيّ تمّ تأليفه في النصف الثاني من القرن الأوّل متزامناً مع الأناجيل القانونيّة الأربعة، وربما قبلها.
[17] Extant fragment in Eusebius, Ecclesiatical History 4.26. A translation of this fragment may be found in F. Sadowski, S.S.P., ed. The Church Fathers on the Bible: Selected Readings (New York: Alba House, 1987), pp. 26-27.
[18] In the 39th Festal Letter of St. Athanasius written on the occasion of Easter. For a translation, see Nicene and Post-Nicene, Vol. 4, Athanasius: Select Works and letters, ed. Ph. Schaff (Grand rapids: Eedermans, n.d.), p. 552.
في ما يتعلّق بالعهد القديم، يميّز القدّيس أثناسيوس بين الكتب القانونيّة التسعة والثلاثين التي يعدّدها اثنين وعشرين (عدد أحرف الألفباء اليهودية) بحسب التقليد اليهوديّ، ومن جهة أخرى كتب القراءة التي يذكر منها خمسة: حكمة سليمان، حكمة سيراخ، أستير، يهوديت وطوبيا. في زمن العهد الجديد يميّز بين الكتب القانونيّة السبعة والعشرين من جهة، وكتابين آخرين ينصح بقراءتهما هما الديداكيه والراعي من جهة أخرى.
[19] المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسيّ. الكتاب الرابع . الرأس السابع عشر. “في الكتاب المقدّس”. عربّه عن النصّ اليونانيّ الأرشمندريت أدريانوس شكور. (بيروت: المطبعة البولسيّة. 1984). ص. 250-252. يظهر هذا الفصل كملحق لهذا الكتاب. قد يُفاجأ القرّاء بأن القدّيس يوحنّا الدمشقيّ يُدرِج بين كتب العهد الجديد قوانين الرسل لإقليمس بابا روما وهو كتاب من القرن الثاني يوقّره التقليد القديم.
في ما يتعلّق بالعهد القديم، فالقدّيس يوحنّا الدمشقيّ، على غرار القدّيس أثناسيوس قبله، يذكر تسعة وثلاثين كتاباً قانونياً (أي أثنين وعشرين بحسب التقليد اليهوديّ) ويميّزها عن كتب القراءة التي يعرف منها فقط عزرا وأستير وحكمة سليمان وحكمة سيراخ. يظهر آباء الكنيسة تنوعاً غزيراً من كتب القراءة.
[20] On Theological level, see the discussion by international scholars in The Old Testament and Christian Faith: A theological Discussion, ed. B. W. Anderson (New York: harper & Row, 1963) and more recently Paul J. Achtmeier and Elizabeth Achtmeier, The Old Testament Roots of our Faith (Peabody: Hendrickson, 1994). On a exegetical level, see among others E. Earle Ellis, Prophecy & Hermeunetic in Early Christianity (Grand Rapids: Baker Books, 1993).
[21] لعرض مفهوم الآباء للكتاب المقدّس، أنظر الفصل الرابع. كان المسيح هدف (ςόποκσ) الكتاب المهيمن، بحسب آباء الكنيسة وأيضاً المصلحين لوثر وكالفين في وقت لاحق. أنظر:
Brevard S. Childs, Biblical Theology of the Old’ and New Testament (Minneapolis: Fortress, 1993), pp. 44 and 99.
[22] N.T. Wright, The New Testament and the People of God, pp. 467-476.
[23] لا حاجة إلى القول إنّ الجماعة المؤمنة التي تعتبر الكتاب كنزها المقدّس هي المفسر الأخير للكتاب ككلمة الله الموجهة إلى شعبه. بمعزل عن إطار الشركة الدينيّة، يتحوّل الكتاب المقدّس إلى كتاب تاريخيّ، كتاب يحتوي وصفاً لخبرات الشعوب القديمة ومعتقداتها وعاداتها، وهذا المنظار يميز الدراسة الكتابيّة الحديثة كما سوف نرى في الفصول اللاحقة.
[24] الأب جورج فلوروفسكي، “الإعلان والتفسير”، الفصل الثاني من “الكتاب المقدّس والكنيسة والتقليد، وجهة نظر أرثوذكسيّة، نقله إلى العربيّة الأب ميشال نجم، (بيروت: منشورات النور، 1984)، ص. 19-44.
[25] See R. C. Hill, “St. John Chrysostom and the Incarnation of the Word in Scripture,” CTR 14 (1, 1980), pp. 34-38.
[26] فهم القدّيس غريغوريوس النيصصيّ لغة الكتاب الإعلانيّة على أنّها عمليّة متجانسة مع قدرات البشر عن النظرة الدينا ميكيّة للوحي. بالنسبة إلى القدّيس، من التجديف والعبثية التفكير بان الله تكلم فعلياً في عمليّة الخلق (إذ في حال الإيجاب، مع مَن وبأيّة لغة؟). يذكر القدّيس غريغوريوس أنّ الله لم يتكلّم لا العبريّة ولا غيرها من اللغات عند توجهّه إلى أشخاص مثل موسى والأنبياء.
لا بَل، أوصل الله إرادته إلى “فكر هؤلاء الرجال القدّيسين الصافي، بمقدار النعمة التي كانوا يشاركون فيها” وهم بدورهم أوصلوا إرادة الله بلغتهم الخاصّة وبأشكال تناسب حتّى طفولة أولئك المجذوبين إلى معرفة الله. أنظر المرجع الذي أُدين به لبيتر خامبراس:
Answer to Eunomius’ Second Book, trans. By M. Day, Nicene and Post-Nicene fathers, Vol. 5, Gregory of Nyssa: Dogmatic Treatises, etc. (Grand Rapids: Eerdmans, n.d.), p. 276.
[27] ما سمي “معركة الإنجيل” بين البروتستانت أظهر عدداً من النظرات المتعلّقة بالعصمة كما يحلّلها
Gabriel Fackre, “Evangelical Hermeneutics; Commonality and Diversity,” Int 43 (1989), pp. 117-129. For a balanced discussion see R.R. Nicole and J. Ramsey Michaels, eds., Inerrancy and Common Sense (Grand Rapids: Zondervan, 1983); Clark H. Pinnock, The Scripture principle (New York: Harper & Row, 1984); and D. G. Bloesch, Holy Scripture: Revelation Inspiration & Interpretation (Downers Grove: Inter Varsity, 1994).
[28] لنظرة كاثوليكيّة للكتاب المقدّس، أنظر:
The Pontifical Biblical Commission’s “The Interpretation of the Bible in the Churvh,” Or 23 (29,1994), pp. 498-524; the sections on ‘hermeneutics and “Church Pronouncements” in NJBC, ed. R. E. Brown and others (Englewood Cliffs: Prentice Hall, 1990); Bruce Vawter, Biblical Inspiration (Philadelphia: Westminster, 1972); Yves Congar, The Revelation of God, trans. By A. Manson and L. C. Sheppard (New York: Herder, 1968);
Stanley b. Marrow, The Words of Jesus in Our Gospels: A Catholic Response to Fundamentalism (New York: Paulist, 1979); and the essay by Avery Dulles and Bruce Vawter in Scripture in the Jewish and Christian Tradition: Authority, Interpretation, Relevance, ed. F. E. Greenspahn.
[29] St. Athanasius, Καԏά ԏωѵ Εɩʹδώλωѵ, in the prologue αѵʹԏάρκεɩς μέѵ ϫάρ εɩʹσɩѵ αɩʹ άϫɩαɩ καɩ θεόπѵεѵσԏαɩ Гραφαɩ προς ԏηѵ άληθεɩ’ας άπαϫϫελɩ’αѵ J. .Migne, P. G. 25. 1A. ]“The sacred and inspired Scriptures are sufficient to declear the truth”[.
The translation is from the series Nicene and post-Nicene Fathers, Vol. 4, Athanasius: Selected Works and Letters (Grand rapids: Eerdmans, 1975), p. 4. See also St. Athanasius, The Life of Anthony, chapter 16, where Athanasius uses the expression ɩᴋαѵαɩ αɩ’ Γραφαɩ to make the same point.
بالطبع، يجب عدم أخذ عبارة الكفاية Sufficiency بمعنى أنّ الكتاب المقدّس قائم بذاته، أو يفسر ذاته، لأنّه كتاب الكنيسة وقراءته تستدعي بشكل لا يمكن تلافيه اختيار التفسير والتطبيق ومختلف مستوياتهم. للنظرة الأرثوذكسيّة، أنظر: مقالة فلوروفسكي السابق ذكرها.
Bratsiotis, “The Authority of the Bible: An Orthodox Contribution,” in Biblical Authority for today, ed. A. Richardson and W. Schweitzer, Thomas Hopko, “The Bible in the Orthodox Church”; Sava Agouridid, The Bible in the Greek Orthodox Church, and John Breck, “Orthodoxy and the Bible Today,” in The legacy of St. Vladimir, ed. John Breck and others (Crestwood: St. Valdimir’s Seminary Press, 1990), pp. 141-157.
أنتم آلهة وبنو العلي كلكم – الأخ وحيد يرد على جهالات أحمد ديدات
أنتم آلهة وبنو العلي كلكم – الأخ وحيد يرد على جهالات أحمد ديدات
هذه محاولة أخيرة يائسة، فبعد محاولته التي رددنا عليها والتي كانت تتعلق بآية ” أنا والآب واحد “، حاول ديدات من خلالها، إنقاذ قاربه الغارق في لُجَّة خُرافاته، التي كان هو أول وأشهر ضحاياها، إنه الأن في يأس سيبدأ في محاولة تفسير رد المسيح على اليهود، ولكن التفسير هنا ديداتي ووفق منهجه لا وفق السياق الإنجيلي الذي هرب منه، حيث سنناقش كلام ديدات في محاولة هروبه بإستشهاده بـ أنتم آلهه وبنو العلي كلكم
فأخيراً استفاق ديدات ليقتطع له جزءاً صغيراً من السياق. إعتقد واهماً أنه سيخدم أوهامه، فتحت عنوان (ما هو السياق؟) ص80 كتب ديدات (احتج اليهود إذن بأن عيسى كان يتكلم كلاماً غير محدد المعاني. وعندما دَحضت هذه الحَجة، اتهموه بالكفر الذي يشبه الخيانة العظمى في عالم الروحانيات. ولذلك نجدهم يقولون: إن عيسى يزعم أنه إله..وكان اليهود يتخذون من قول المسيح: “أنا وأبي واحد”[1] ذريعة لهذا الاتهام الزائف. ويتخذه المسيحيون أساساً لخلاصهم، فما دام المسيح وأبيه واحد، فمن الضروري قتله، ليفدي خطاياهم بدمه، وليذهب ليجلس بجوار أبيه ويتحد معه. ويتخذ اليهود من هذه المقولة: “أنا والآب واحد” ذريعة لرغبتهم المحمومة في قتل المسيح. والمسيح المسكين مقتول مقتول بين الفريقين. لكن يسوع يرفض المشاركة في هذه اللعبة القذرة. فيقول لهم: أليس مكتوباً عندكم قولي أنكم آلهة؟ ويقول لهم: إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله ولا يمكن أن ينتقض المكتوب.[2] فالذي قدسه الاب وأرسله إلى العالم أتقولون له إنك تجدف لأني قلت إني ابن الله..وكأننا بيسوع يقول لهم: إذا كان الله جلت قدرته قد جعلكم آلهة، تتلقون كلمة الله “وهذا يعني أن رسل الله كانوا يدعون آلهة، لتلقينهم كلام الله” والناموس لا يمكن أن ينقض “أو بكلمات أخرى: لا يمكن لكم أن تنكروا علي ما أبحتموه لأنفسكم قبلي. “إن عيسى عليه السلام يعرف ناموس اليهود ولغتهم ويتكلم من منطلق قوي وحقيقي، وهو يجادل أعداءه من منطلق أنه إذا كان الرجال الطيبون والناس المباركون وأنبياء الله وهم كثر قبله، قد كانوا يُخاطبون كآلهة، وأرباب في كتب اليهود الدينية المعترف بها عندهم – إذن لماذا تستثنوني؟ في حين أن ما أنادي به إنما هو أقل خطراً في عرف لغتنا المتداولة بيننا إذا قلت إنني “ابن الله” لأكون غير أولئك الذين اعتبروا أنفسهم “آلهة” وهو ما كانوا يعتبرونه فضلاً ومنة من الله ذاته ولو أنني أعتبرت نفسي “إلهاً” حسب الاستخدام “العبري” للغتنا فلا ينبغي لكم أن تحسبوا ذلك خطأ مني. هذه هي القراءة الواضحة المستقيمة السوية للكتاب المقدس للمسيحيين. وأنا هنا لا أعطي شروحاً من عندي ولا ألفق معاني غامضة للألفاظ).
بنعمة الرب، سآخذ كل مقطع من كلام ديدات هنا، وأرد عليه، وأبدأ:
أولاً: تدليس حول إحتجاج اليهود:
كتب ديدات (إحتج اليهود إذن بأن عيسى كان يتكلم كلاماً غير محدد المعاني)..
قبل أن أشرح أي شيء: هل تصدق عزيزي القارئ: بأنه لا يوجد من الأساس أي إحتجاج من اليهود في السياق كله؟ فمنذ أن بدأ المسيح كلامه، إلى أن رفعوا حجارتهم ليرجموه، لا يوجد أصلاً كلمة واحدة خرجت من افواههم! فهل تندهش؟ لا أعتقد بعد كل ما قرأته، يوجد لك أي مجال للإندهاش..ودعني أكتب لك هذه الآيات للتأكيد على أكاذيب ديدات الخائبة..(وكان عيد التجديد في أورشليم وكان شتاء. وكان يسوع يتمشى في الهيكل في رواق سليمان. فاحتاط به اليهود وقالوا له: إلى متى تعلق أنفسنا؟ إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهراً. أجابهم يسوع: إني قلت لكم ولستم تؤمنون. الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي هي تشهد لي. ولكنكم لستم تؤمنون لأنكم لستم من خرافي كما قلت لكم. خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني. وأنا أعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي. أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل. ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي. أنا والاب واحد. فتناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه.) (يوحنا 5: 22-31)
إذن: فديدات يكذب وهو لا يستخدم إنجيلنا المقدس، ولكن: لماذا كتب ديدات هذه العبارة السابقة؟ (إحتج اليهود إذن بأن عيسى كان يتكلم كلاماً غير محدد المعاني)..فلماذا يكذب ديدات هنا؟ بالطبع له هدف واضح ليكذب..فالواضح جداً في الآيات، أن اليهود لم يحتجوا لأن عيسى يتكلم كلاماً غير محدد المعاني، بل لأنه يتكلم كلاماً واضحاً وصريحاً وقد فهموه جيداً..إذن لماذا يكذب ديدات، ويقلب المعاني؟ إنه يحاول أن يجعل قصد المسيح من كلامه لليهود (أنا والآب واحد)، قصداً غير الذي فهمه اليهود، لأن ديدات لو سَلَّم بأن اليهود فهموا كلام المسيح بأنه يؤله نفسه، فكل طبخته ستحترق سريعاً على نار الحق، فإذا قال المسيح أنه الله، وفهم اليهود أن المسيح يقول أنه الله، فما الذي تبقى لديدات ليكتبه؟ فماذا يفعل؟ يحاول أن يضع القارئ في جو ديداتي من الأكاذيب والسموم، ليصل بسمه إلى آخر شريان في ضحيته..ولكننا بنعمة الرب، نشتم رائحة الثعابين عن بُعد، ومن السهل أن تكتشف أكذوبة ديدات هنا في السطور التالية لما كتب.. فبعد أن قال أن احتجاج اليهود كان مبنياً على أن المسيح يقول كلاماً غير محدد المعاني، كتب يقول (احتج اليهود إذن بأن عيسى كان يتكلم كلاماً غير محدد المعاني. وعندما دُحضت هذه الحُجة، اتهموه بالكفر الذي يشبه الخيانة العظمى في عالم الروحانيات. ولذلك نجدهم يقولون، إن عيسى يزعم أنه إله. وكان اليهود يتخذون من قول المسيح:”أنا وأبي واحد” ذريعة لهذا الاتهام الزائف…ذريعة لرغبتهم المحمومة في قتل المسيح)..فقط راجع ما تحته خط ولا تندهش..
ديدات يسقط ويعترف أن احتجاج اليهود هنا، ليس على أن المسيح يقول كلاماً غير محدد المعاني، وإنما أساس احتجاجهم على أن المسيح يؤله نفسه..فديدات يقلب المعاني تماماً..وها هو يسقط كعادته، وهذه كتابته أمامكم.. إذن فاليهود أهل الكتاب، كلمهم المسيح بلغتهم، وثقافتهم الدينية التي يعرفونها جيداً، ويعرفون استخدام مصطلح “ابن الله” في معناه الخاص الألوهي الذي استخدمه المسيح، بل وقال لهم صراحة (أنا والآب واحد)، وعلى الفور رفعوا حجارة ليرجموه..فلماذا أرادوا رجمه إن لم يفهموا كلامه؟! هذه هي طريقة ديدات في عرض سمومه..
ثانياً: فهم المسيحيين السليم لكلام المسيح:
كتب ديدات أيضاً (وكان اليهود يتخذون من قول المسيح: “أنا وأبي واحد” ذريعة لهذا الأتهام الزائف. ويتخذه المسيحيون أساساً لخلاصهم. فما دام المسيح وأبيه واحد فمن الضروري قتله ليفدي خطاياهم بدمه، وليذهب ليجلس بجوار أبيه ويتحد معه).
وأيضاً هذا اعتراف وسقوط كبير من ديدات، بأن اليهود والمسيحيين معاً – أهل الكتاب – فهموا جيداً كلام المسيح، (أنا والآب واحد)، أي أن المسيح يعلن أنه كلمة الله وعقله، يعلن أنه ابن الله، أي الله المتجسد..فإذا كان المسيح حريصاً على إعلان ألوهيته والتي أصلاً بسببها صلبه اليهود (متى 63:26 ومرقس 61:14 ومتى27: 43-40)، وديدات يعرف ذلك جيداً..كما أن ألوهية المسيح، هي حجر الأساس للعقيدة المسيحية، ومن فم المسيح بذاته (متى16: 15-18)..وهي أساس الخلاص المقدم للعالم على عود الصليب، فالمسيح الإله المتجسد، وبلاهوته الغير محدود، قدم خلاصاً غير محدود للعالم كله، بموته نيابة عن جميع البشر، وهذا هو الإيمان المسيحي، والمسيحيون ومنذ أكثر من ألفي سنة، وهم متمسكون حتى الموت بألوهية المسيح، وبالإنجيل الإلهي كلمات الحياة، وبرسالة المسيح الخلاصية المجانية للجميع..وما كتبه ديدات سابقاً، مليئاً بالأخطاء اللاهوتية[3]، وكان الأكرم لديدات: أن يرفض هذا الإيمان أو يقبله، من أن يكذب ويزور ويلفق فيه، فتكون آخرته كارثية..
ثالثاً: مقتول صلباً يفدي الجميع:
كتب ديدات (ويتخذه المسيحيون أساساً لخلاصهم،فما دام المسيح وأبيه واحد، فمن الضروري قتله ليفدي خطاياهم بدمه..ويتخذ اليهود من ذات المقولة ” أنا وأبي واحد” ذريعة لرغبتهم المحمومة في قتل المسيح. والمسيح المسكين مقتول مقتول بين الفريقين، لكن يسوع يرفض المشاركة في هذه اللعبة القذرة..).
المسكين هو أنت يا ديدات، وقد حرمت نفسك من الحياة، فالمسيح هو مخلص العالم، ولا يليق أن تنعته بالمسكين، ولكني أعرف كراهية طائفة الأحمديين للمسيح، وليس غريباً أن أقرأ لديدات تلميذ ميرزا غلام أحمد، إهانات متكررة للمسيح..ثم من هو الذي يلعب ألعاباً قذرة؟ التزوير والتدليس والقص والكذب..وكل ما تمارسه يا ديدات في الإنجيل المقدس، ماذا تسميه؟ المهم لا يوجد في عقيدتنا هذا المعنى الذي كتبه ديدات سابقاً (ويتخذه المسيحيون أساساً لخلاصهم، فما دام المسيح وأبيه واحد، فمن الضروري قتله ليفدي خطاياهم بدمه.. وليذهب ويجلس بجوار أبيه ويتحد معه.)، لا يوجد لدينا هذا المعنى إطلاقاً في المسيحية..إنه اختراعات ديدات..فهل في عقيدتنا المسيحية نقول: ما دام المسيح إله، يجب قتله ليفدي العالم..من أي كتب يستقي ديدات أساطيره؟ إنه يدلس، فنحن نقول: حيث أن المسيح هو الله المتجسد، فهو الوحيد القادر أن يقدم خلاصاً أبدياً..والفرق كبير، وسامحني عزيزي القارئ، لو كررت أنا هنا مثلاً قدمته في الباب السابق، لتوصيل ما يقوم به ديدات من تدليس..والمثل هو (هل لو إنني قلت: هذا الكائن هو إنسان، لأنه يتنفس، فهل هذه المعلومة سليمة؟ بالتأكيد لا، لأن النبات يتنفس والحيوان يتنفس أيضاً..إذن: فقد وضعت أنا مقياساُ خاطئاً لمعرفة الإنسان، وهو التنفس.. ..ولكن إن قلبت المعادلة، فقلت: طالما هذا الكائن هو إنسان، فلا بد أن يتنفس..هنا تكون المعلومة سليمة في المطلق، لأنه لا يوجد إنسان لا يتنفس..هذا ما يفعله ديدات: يقلب المعادلة، ليخدع القارئ..)، أرجو أن تكون الفكرة قد وصلت، لفهم تدليس ديدات..
أما أن يقول ديدات (والمسيح المسكين مقتول مقتول بين الفريقين)، فهو يقدم عيسى هنا، عكس المسيح الحق في الإنجيل المقدس، لأن عيسى ديدات، هو مسكين ومقتول رغم أنفه بين الفريقين.. بينما المسيح في الإنجيل المقدس، هو الذي قدم نفسه للصلب بكل قوة وجسارة ويقين، وبكل محبة الإله الذي يحب خلقيته، وفي الإنجيل المقدس أكثر من ستين آية إنجيلية، فيها يؤكد المسيح حتمية صلبه، وأن الصليب هو رسالته الخالدة والتي تقدم الخلود..وأسوق هنا من الشواهد الكثير من هذه الآيات، حيث قال الرب يسوع المسيح (لأنه هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية) (يوحنا 16:3)، فالمسيح يؤكد أنه سيصلب لفداء العالم، لأنه يحب كل العالم..كذلك أكد المسيح لتلاميذه حقيقة الصلب وقيامته من الموت، مرات عديدة، منها (من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه: ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم) (مت 21:16)، وكذلك (وفيما كان يسوع صاعداً إلى أورشليم أخذ الأثنى عشر تلميذاً على إنفراد في الطريق، وقال لهم: ها نحن صاعدون إلى أورشليم، وابن الأنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة، فيحكمون عليه بالموت، ويسلمونه إلى الأمم، لكي يهزأوا به ويجلدوه، ويصلبوه وفي اليوم الثالث يقوم) (متى20: 17-19)..راجع أيضاً (متى 23:17 و26 2: 21-24، 45 ومرقس 13:9 و 10:33 و14: 18-21 و14: 41: 42 ولوقا 7:24) وصدقني القائمة طويلة جداً[4].
أين ديدات مما سبق؟ أين ديدات من كلام المسيح (لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم. الذي يؤمن به لا يدان والذي لا يؤمن قد دين، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد. وهذه هي الدينونة: أن النور قد جاء إلى العالم، وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة.) (يوحنا3: 17-19).. أليس هذا إنجيلنا وفيه يشهد المسيح بأنه مخلص العالم بإرادته؟..
إذن فديدات يكذب، حينما يقدم عيسى لا نعرفه، مسكين وجبان، أما المسيح في الإنجيل، فهو المبادر للخلاص، وقد قدم ذاته بإرادته لخلاص العالم كله..وأنا أسأل: أين ديدات من كل الآيات السابقة وهي بالعشرات؟ ألا يدعي أنه يقرأ إنجيلنا؟ فلماذا لا يأخذ منه؟ أسأل: أين ديدات من كلام المسيح القائل (لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً.ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي،لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضاً. هذه الوصية قبلتها من أبي.) (يوحنا 17:10). هنا في هذه النقطة تحديداً، نجد المسيح وهو يؤكد أن الصليب رسالته التي يعرفها جيداً، والتي سيتقدم لها بإرادته الحرة المطلقة، وأنه ليس على الأرض أو في السماء، له أن يسلب حياته منه، وأنه هو الذي يضع حياته ويأخذها بسلطانه الألوهي وقتما وكيفما يشاء.. ألم يقرأ ديدات هذه الآيات؟ فلماذا يتركها ويخترع من رأسه؟ فليفهم القارئ..
رابعاً: ورطة ديدات في تأليفه:
كتب ديدات سابقاً (ويتخذه المسيحيون أساساً لخلاصهم، فما دام المسيحأبيه واحد، فمن الضروري قتله ليفدي خطاياهم بدمه..وليذهب ليجلس بجوار أبيه ويتحد معه.)
لا بد أن اسأل: هل ديدات حينما يكتب، كان في وعيه؟ فهذه العبارة التي كتبها عن المسيح (..وليذهب ليجلس بجوار أبيه ويتحد معه)..فهل مايزال المسيح ينتظر أن يصعد إلى أبيه ليتحد معه؟ يعني إلى هذه اللحظة هو غير متحد به؟ إذن: على أي موضوع كان يرد ديدات؟ أليس على موضوع (أنا والآب واحد)؟ التي يؤكد فيها المسيح الاتحاد الأزلي القائم بينه وبين أبيه، فهو عقله وكلمته..فكيف يكتب ديدات أنه سيذهب ليتحد مع أبيه؟ خاصة أن ديدات المفروض الآن يرد على إتحاد المسيح بأبيه؟!! إضطررت أن أضع علامات تعجب عزيزي القارئ فسامحني..
خامساً: آلهة وأرباب:
هنا ونصل مع ديدات إلى النقطة الأساسية التي ومن أجلها، زور كل ما فات، فكتب (فيقول لهم: أليس مكتوباً عندكم قولي أنكم آلهة؟ ويقول لهم: إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله ولا يمكن أن ينتقض المكتوب. فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم أتقولون له إنك تجدف لأني قلت إني ابن الله..وكأننا بيسوع يقول لهم: إذا كان الله جلت قدرته قد جعلكم آلهة، تتلقون كلمة الله، وهذا يعني أن رسل الله كانوا يدعون آلهة، لتلقينهم كلام الله، والناموس لا يمكن أن ينتقض، أو بكلمات أخرى: لا يمكن أن تنكروا علي ما أبحتموه لأنفسكم قبلي. “إن عيسى عليه السلام يعرف ناموس اليهود ولغتهم ويتكلم من منطلق قوي وحقيقي، وهو يجادل من منطلق أنه إذا كان الرجال الطيبون والناس المباركون وأنبياء الله وهم كثر قبله، قد كانوا يُخاطَبون كآلهة، وأرباب في كتب اليهود الدينية المعترف بها عندهم – إذن لماذا تستثنونني؟ في حين أن ما أنادي به هو أقل خطراً في عرف لغتنا المتداولة بيننا إذا قلت إنني “ابن الله” لأكون غير أولئك الذين اعتبروا أنفسهم “آلهة” وهو ما كانوا يعتبرونه فضلاً ومنة من الله ذاته ولو أنني اعتبرت نفسي “إلهاً” حسْب الاستخدام “العبري” للغتنا فلا ينبغي لكم أن تحسبوا ذلك خطأ مني..).
هذا الرجل لا يخجل، فهو يكتب آية من الإنجيل، ثم يضع معها رأيه الشخصي، وتفسيره الخاص، وكأن الكل سياق واحد من الإنجيل..
ولكن ومع كل هذا السم الذي يقطر من بين شفتيه، فلم يتسمم غيره، لأنه لم ينج من السقطات الكثيرة في كلامه..لأن الآيات التي يحاول العبث بها هنا، هي ذات الآيات القوية التي تثبت عكس ما يريد تماماً، وتؤكد قصد المسيح..وسأنتاول كل أجزاء كلام ديدات السابق..
1- القضاة وليس الرسل:
أراد ديدات أن يفبرك تفسير كلام المسيح، فكتب سابقاً (وكأننا بيسوع يقول لهم: إذا كان الله جلت قدرته قد جعلكم آلهة، تتلقون كلمة الله، وهذا يعني أن رسل الله كانوا يدعون آلهة، لتلقينهمكلام الله، والناموس لا يمكن أن ينتقض)..
هذا تزوير مقصود يقوم به ديدات..فليس الرسل الذين لقبوا بآلهة، وإنما القضاة..إذن لماذا لم يرجع ديدات إلى العهد القديم ليعرف من المقصود بهذه الآيات؟ القضاة الذين كانوا يحكمون بشريعة الله وباسم الله، لقبوا بآلهة، فقد جاء بالوحي المقدس (الله القائم في مجمع الله، في وسط الآلهة يقضي. حتى متى تقضون جوراً وترفعون وجوه الأشرار؟ إقضوا للذليل ولليتيم، أنصفوا المسكين والبائس. نجوا المسكين والفقير من يد الأشرار أنقذوا.. أنا قلت أنكم آلهة، وبني العلي كلكم.) (المزمور 82).. إذن المقصود القضاة وليسوا الرسل كما أراد ديدات أن يفبرك تفسيراً خاصاً به، فيقول: إذن المسيح رسول، فلماذا لا يلقب نفسه، بإله؟..أحب أن أفحم ديدات فأقول: أن الشيطان في الكتاب المقدس لقب بإله أيضاً، فقال الوحي عن عمله في الهالكين (الذين فيهم إله هذا الدهر – الشيطان – قد أعمى أذهان غير المؤمنين، لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح، الذي هو صورة الله) (2كو 4:4)..إذن المقصود هنا هم القضاة، ولذلك فالبرغم من أن أصحاب الدعوى يتوجهون إلى القضاة، إلا أن الوحي المقدس اعتبرهم متوجهون لله، والحكم الذي سيصدر هو أيضاً من الله، فقال (في كل دعوى جناية..تقدم إلى الله دعواهما، فالذي يحكم الله بذنبه، يعوض صاحبه باثنين) (الخروج 9:22)..
إذن الذين يقصدهم المزمور ليسوا الرسل، وإنما القضاة، الذين يحكمون باسم الله، وحسب الشريعة، وفي مجمع الله، فيلقبهم الوحي بآلهة، والمعنى المقصود منها، أي وكلاء الله في أحكام القضاء..
ولكني مع ذلك أسأل: هل هذه المفارقة – وليست مقارنة[5] – التي أقامها المسيح هنا (إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن ينتقض المكتوب)، هي لصالح ديدات أم ضده تماماً؟ هذا ما ستعرفه عزيزي القارئ في:
2- المفارقة التي أقامها المسيح:
المفارقة التي أجراها المسيح، بينه وبين هؤلاء القضاة، تنسف أحلام ديدات من غيبوبتها، بل ويثبت عكسها تماماً، أي أثبت المسيح من هذه المفارقة، أنه هو بذاته ابن الله الكلمة، أي الله المتجسد..ففي هذه المفارقة اتجه المسيح فيها من الأدنى إلى الأعلى..لنتقدم ونرى:
3- الأدنى:
قال المسيح لليهود (إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن ينقض المكتوب).. فالمسيح هنا يقول لهم: إن كان الناموس سبق فلقب القضاة، لأنهم وكلاء الله ويحكمون بأحكام الله وباسمه، بلقب آلهة..ثم ينتقل مباشرة إلى:
4- الأعلى:
(إن قال لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن ينقض المكتوب. فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم أتقولون له إنك تجدف لأني قلت إني ابن الله؟)..
أقدم مثلاً هنا لتوضيح هذه المفارقة..وسأضع المثل وشرحه بين أقواس للتوضيح:
المثل: (إذ لقَّبَ الملكُ حُكَّامَه، أمام الناس، بلقب “أبناء الملك”، فهل تستكثرون أن يُلَقِّب ابنه الوحيد أمام الناس أيضاً “ابن الملك”؟)
شرح المثل: (هذه هي المقاربة، للمفارقة[6]..أي هو يقارب أمرين، ليفارق بينهما..فالمقاربة، أن الكل تحت لقب “أبناء الملك”، أما المفارقة، فهي أن الحكام أطلق عليهم لقب “أبناء الملك” مجازاً وتشريفاً لهم، بينما “ابن الملك”. هو ليس مجرد لقب تشريفي، بل هو طبيعي وجوهري وأصيل، لأنه ابن أبيه الملك حقيقة) انتهى المثل وشرحه..
تطبيق المثل: هذا ما قصده الرب يسوع المسيح تماماً، المقاربة للمفارقة، ولنعيد كلام المسيح هنا مرة ثانية (إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن ينقض المكتوب. فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم أتقولون له إنك تجدف لأني قلت إني ابن الله؟)..فما يعتقد ديدات أنه لصالحه، هو بالعكس تماماً، فالمسيح يميز نفسه تماماً بين القضاة، ولسان حاله يقول لهم: إذا جاز للناموس المقدس ان يلقب القضاة وهم بشر بهذا اللقب الرفيع، مع أن أحكامهم يمكن أن يشوبها الخطأ (مزمور 82) فكم بالحري، يحق لي أنا ابن الله وكلمته، بالطبيعة والجوهر، يحق لي بالأكثر أن ألقب بابن الله..
إن المسيح بهذا المثل لا يعادل نفسه بهؤلاء القضاة الذين لقبوا بالآلهة، وإنما يقيم مفارقة عادلة بينه وبينهم، وحيث أنهم مجرد قضاة وأخذوا هذا اللقب، لأنهم يحكمون باسم الله، ويحكمون بحكم الله وكلمته للناس، فكم بالأولى يكون المسيح كلمة الله ذاته..فهو ليس كلمة ملفوظة من القضاة، وإنما هو كلمة الله الحي المتجسد..ولهذا فهي مفارقة ليس بين نظرين متساوين – أي بين إنسان وإنسان – وإنما بين حالتين متفاوتتين – أي كلمة ملفوظة من القضاة البشر، وبين كلمة الله الأزلي ذاته – والفرق كبير بين الإثنين..
5- تأكيد المسيح على ألوهيته:
هل انتهى السياق الذي ساقه المسيح بما انتهى عنده ديدات؟ بالتأكيد لا، فديدات لا يصمد أبداً أمام أي سياق، ناهيك عن أن يكمله، لقد قطع منه جزءاً توهم أنه سينقذه، فإذا به يفحمه ويبكمه..فبقية السياق نارية وملهبة ومرهبة أكثر من جيش بألوية..فلم ينتهي المسيح بعد من حواره مع اليهود، ولا بد لي عزيزي القارئ أن أضع لك هنا سياق المسيح وحواره مع اليهود، لتدرك تشديد المسيح على طبيعته الألوهية، وأنه لم يتنازل عنها رغم محاولتهم رجمه بل كررها مرة أخري وبكلمات رائعة وواضحة، الأمر الذي هرب منه ديدات تماماً كعادته..وها هو سياق الحوار من البداية حتى النهاية (أنا والآب واحد. فتناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه. أجابهم يسوع: أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي، بسبب أي عمل منها ترجمونني؟ أجابه اليهود قائلين: لسنا نرجمك لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً. أجابهم يسوع: أليس مكتوباً في ناموسكم: أنا قلت أنكم آلهة؟ إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن يُنقض المكتوب. فالذي قدسه الله الآب وأرسله إلى العالم، أتقولون له: إنك تجدف، لأني قلت: أني ابن الله؟ إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي. ولكن أن كنت أعمل، فإن لم تؤمنوا بي، فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا: أن الآب فيَّ وأنا فيه. فطلبوا أيضاً أن يمسكوه، فخرج من أيديهم.) (يوحنا5: 31-39)
ما تحته خط، هو بقية السياق إلى النهاية..فما الجديد فيه؟
أعمال أبي: أكد المسيح على جوهر طبيعته الألوهي الواحد مع الآب، فقد أكد أن أعماله، هي أعمال أبيه..بل إنه وضعها كحجة لألوهيته، فأعماله أعمال لا يستطيع أن يقوم بها إلا الله وحده، فهي حجة ألوهيته، فقال (إن كنت لست أعمل أعمال أبي، فلا تؤمنوا بي. ولكن إن كنت أعمل، فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال).. يؤمنوا بماذا؟ بمجرد نبي؟ يا لسذاجة ديدات..وهل هذا كلام من يريد أن يقنعهم بأنه مجرد نبي؟ إنه يصر على طبيعته اللاهوتية وأنه “ابن الله”، بالطبيعة والجوهر، وليس مجازاً، ويؤكد ذلك بالأعمال الألوهية التي يقوم بها. والتي هي فوق طبيعة النبي والإنسان العادي، ويطالبهم بالإيمان بألوهيته، بناء على هذه الأعمال الإلهية الواضحة..
أنا في الآب والآب فيَّ: ثم تأتي الضربة القاضية التي عرفها ديدات وهرب من السياق كله بسببها، أن المسيح عاد بكلام أقوى وأوضح، ولم ينتهي الحوار حينما توقف ديدات وهرب، فقد أكمل المسيح (إن كنت لست أعمل أعمال أبي، فلا تؤمنوا بي. ولكن إن كنت أعمل، فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا: أن الآب في وأنا فيه.)
لاحظ ما تحته خط..إنها ضربة قاضية، فلم يتراجع المسيح عن كلامه الأول، بل إنه وبهذه الجزئية أكد من خلالها المسيح المفارقة التي قدمها بينه وبين القضاة سابقاً، وأن بنوته للآب، هي بنوة طبيعية من ذات الجوهر الألوهي، فهو كلمة الآب..
فهم اليهود للمرة الثانية: ألم أقل لك عزيزي القارئ، أن بقية السياق ليست سهلة على ديدات؟..فما الذي فهمه اليهود مجدداً من المسيح؟ هل فهموا أنه يماثل نفسه بالقضاة، أم يفارق نفسه عنهم تماماً؟ لنرى بقية السياق، فهو أفضل من يتكلم..(إن كنت لست أعمل أعمال أبي، فلا تؤمنوا بي. ولكن إن كنت أعمل، فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا: أن الآب في وأنا فيه. فطلبواأيضاً أن يمسكوه فخرج من أيديهم). (يوحنا10: 37-39).
السؤال: لماذا طلبوا مرة أخرى أن يؤذوا المسيح؟ فلنحلل الموقف..لو أن المسيح ماثل بينه وبين القضاة، وكان يقول لليهود: لقد فهمتم كلامي خطأ، فأنا مثل القضاة، وكلنا أولاد الله..لكان اليهود اعتذروا له، ولفهمهم الخاطئ لكلامه، أما أن يريدوا مرة أخرى أذية المسيح، فهذا يعني أن المسيح أكد على كلامه الأول بكلام آخر أوضح وأقوى، ولن يتنازل عن موقفه ولن يغير كلامه..إنه المسيح الحق، مسيح الإنجيل المقدس، وليس عيسى ديدات..إنه يقدم حجة ألوهيته وهي أعماله الإلهية من خلق وغيره، باستخدامه سلطان لاهوته بكلمة “كن”، فتكون كما أراد المسيح..
يقول البعض: إن صوت الأعمال أعلى وأقوى من صوت الكلام..وحيث أن كل عمل مطبوع بطابع من قام به، فإن أعمال المسيح مطبوعة بطابعه الألوهي، الذي أشار إليه المسيح، طابع أبيه السماوي، ولهذا قال لهم (فإن لم تؤمنوا بي، فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا: أن الآب في وأنا فيه)..فإن خانتهم آذانهم ولم يسمعوا شهادته عن ألوهيته، فلا يجب أن تخونهم عيونهم أيضاً، فلا يروا أعماله الإلهية العجيبة، التي تشهد عن طبيعته وجوهر ألوهيته..ولهذا قال عنهم المسيح (من أجل هذا أكلمهم بأمثال، لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون. فقد تمت فيهم نبوة أشعياء القائلة: تسمعون سمعاً ولا تفهمون ومبصرين تبصرون ولا تنظرون. لأن قلب هذا الشعب قد غلظ، وآذانهم قد ثَقُل سماعها، وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم، ويسمعوا بآذانهم، ويفهموا بقلوبهم، ويرجعوا فأشفيهم) (متى13: 13-15)..
هذا هو السياق الذي قاده المسيح، بكل عناية وإصرار وتشديد دون تراجع عن طبيعته الإلوهية، ودون مهادنة كما طنطن ديدات..وهذا هو إنجيلنا المقدس، ومن لا يقبل الحق الإلهي الذي نعتقده فيه، فله الحق الكامل في ذلك، ولكن لا يخترع ولا يؤلف فيه كما فعل ديدات، وإلا فالوحي الإلهي المقدس، لن يجامله على الإطلاق..
[1] لاحظ عزيزي القارئ: فإن المترجم ليس أميناً في ترجمته للعربية، لأن هذه الآية كتبها ديدات كما هي أمامك، بينما ترجمها المترجم علي الجوهري هكذا “أنا وربي واحد” فالمعنى يختلف، ولكن: لا غرابة فالمترجم تلميذ ديدات.
[2] هذه الآية التي تحتها خط، قام المترجم أيضاً باللعب في ترجمتها على هواه، ولهذا ترجمنا هنا ما كتبه ديدات، فديدات يؤلف والمترجم يغير، وبعد ذلك يقدمون طبختهم الفاسدة هذه للقارئ، على أساس أنها من الإنجيل المقدس..
[3] الرجاء الرجوع لكتابنا “شهود الصليب”، وستجد فيه أيضاً، رداً شافياً على أخطاء ديدات اللاهوتية، خاصة أنه رد على كتابه “صلب السيد المسيح بين الحقيقة والأفتراء”..
[4] راجع كتابنا “شهود الصليب”
[5] هناك خيطاً دقيقاً يفصل بينهما، غير أن المفارقة هنا في كلام المسيح، هي التعبير الأدق، لأن المفارقة تضع أمرين غير متكافئين او غير متطابقين، أو غير متماثلين، تضعهما في مقابلة فيما بينهما، لتكون نتيجة عدم التماثل واضحة وجلية، والفرق جوهري بينهما..وهذا ما فعله المسيح وقصده، حيث وضع نفسه كابن لله بالطبيعة والجوهر، والقضاة كأبناء لله بوظيفتهم..
[6] أي تقارب بين أمرين، لتؤكد الفارق الكبير بينهما.
أنا والآب واحد – ألوهية المسيح وقوة السياق – الأخ وحيد يرد على جهالات أحمد ديدات
أنا والآب واحد – ألوهية المسيح – الأخ وحيد يرد على جهالات أحمد ديدات
يقدم لنا ديدات مُناظر مسيحي وهمي، يدعى ديدات أنه قابله في مطعم ما، وحول المائدة سأله ديدات عن ألوهية المسيح، فأجابه مناظره من الكتاب المقدس عن الآية التي قال فيها المسيح ( أنا والآب واحد ).. غير أن ديدات سأله عن سياق هذه الآية في النص الإنجيلي، وكعادة هؤلاء العلماء المسيحيين الذين يقابلهم ديدات، فهم لا يعلمون شيئاً عن كتابهم المقدس، وهم يحملون أسماء مثل “القس” أو “العالم المسيحي”.. المهم أن مُناظره لا يعرف السياق، بل إنه يسأل ديدات ويقول له: وما هو سياق هذه الآية؟..وواصل ديدات حديثه تحت عنوان (ما هو السياق؟) فكتب:
(ويقول إنجيل يوحنا: فاحتاط به اليهود وقالوا له: إلى متى تعلق أنفسنا. إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهراً..وكانت شكواهم الحقيقية تتلخص في إنهم لم تعجبهم طريقته في الدعوة، ولم يرتاحوا إلى ذمِّه لهم..لكن عيسى عليه السلام لم يستطع أن يفحمهم أكثر من ذلك كان عددهم كبيراً، وكانوا يميلون إلى الشجار.. إن التعقل الشجاع هو أفضل عناصر الشجاعة.
وبروح الاسترضاء قال لهم عيسى: كما ورد بالإنجيل: أجابهم يسوع إني قلت لكم ولستم تؤمنون. الأعمال التي أعملها باسم أبي هي تشهد لي. ولكنكم لستم تؤمنون لأنكم لستم من خرافي كما قلت لكم.. إنه يخبر اليهود ويسجل للأجيال الاتحاد الحقيقي والعلاقة بين الآب والابن، خصوصاً عندما يقول “أنا والآب واحد”).
أولاً: مغالطات فاضحة:
أغلب الكلام هنا، لا وجود له في الإنجيل المقدس، إنه تأليف من أكاذيب ديدات.. فبينما يقول أن اليهود احتاطوا بالمسيح وسألوه (إلى متى تعلق أنفسنا: إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهراً)..وهذه حقيقة، فقد كانوا هنا يتضرعون للمسيح ليكشف لهم عن شخصيته: إن كان هو المسيح المنتظر أم لا؟..غير أن ديدات يحولهم من متضرعين إلى مهاجمين.
فكتب (لكن عيسى عليه السلام لم يستطع أن يُفحمهم أكثر من ذلك. كان عددهم كبيراً وكانوا يميلون إلى الشجار)..أين هذا الكلام في الإنجيل؟ إنها أكاذيب ديدات ليدخل بالقارئ إلى حالة معينة هو يريدها. فطالما اليهود عدد كبير ويميلون للشجار، فجعل ديدات أن عيسى يخشاهم، فيعمل على استرضائهم..ويصف ديدات حالة عيسى هنا قائلاً (إن التعقل الشجاع هو أفضل عناصر الشجاعة)..فهل يعرف ديدات الفرق بين التعقل الشجاع وبين الاسترضاء الجبان..ولكن هذه ليست القضية.
القضية أن هذا الأمر من إختراعات ديدات..فهو لا يلتزم بنص الإنجيل، وإنما يؤلف نصوصاً في منامه، ويفرضها على الآخرين..والدليل أنه يقع في الكذب والتناقض، وهما وجهين لعملة اسمها ديدات.. فقد كتب عن عيسى في هذا الموقف (وبروح الاسترضاء قال لهم عيسى كما ورد بالإنجيل: أجابهم يسوع إني قلت لكم ولستم تؤمنون. الأعمال التي أعملها باسم إبي هي تشهد لي: ولكنكم لستم تؤمنون لأنكم لستم من خرافي كما قلت لكم)..
حالة الاسترضاء وعددهم الكبير، إنها ليالي ديدات..المهم فحسب كلامه، أن عددهم كبير، وكانوا يميلون إلى الشجار، وأن المسيح عمد إلى استرضائهم..فياترى: هل ما قاله المسيح لهم، يدخل تحت الاسترضاء؟ يعني هل لو أن المسيح أراد أن يسترضي اليهود، يقول لهم (إني قلت لكم ولستم تؤمنون)؟
ويقول لهم (لأنكم لستم من خرافي كما قلت لكم)، فهم غير مؤمنين وخارج حظيرة الخراف الحقيقية! فهل هذا استرضاء أم مواجهة صادقة دون مجاملة؟
كل هذه اللغط هو تحضير ديدات لذهن القارئ ليصل به مخدراً، إلى صورة معينة رسمها لعيسى. عيسى الذي يجامل اليهود ويسترضيهم ويخاف عددهم، ليصل إلى طبيعة حوار معين يستطيع أن يلوي فيها عبارة (أنا والآب واحد)! ولكنه فشل فشلاً ذريعاً وسقط كعادته سقوطاً كبيراً..
ثانياً: السياق يصدم ديدات:
إن ديدات قصد بتعبير السياق الذي ملأ به كتابه صياحاً وضجيجاً..قصد به: وجوب فهم كلام المسيح حين قال (انا والآب واحد). فقط يُفهم في سياق حواره مع اليهود. في هذه النقطة فقط..أي دون الاستشهاد بأي آية من هنا أو هناك..
جيد، فلقد قبلت السياق الذي شرحه ديدات متحدياً به المسيحيين على حد قوله هو – فنحن لا نتحدى أحداً بهذه الطريقة – غير أن ديدات كعادته، لا يلتزم بأي شيء، فقد هرب من تحديه، وترك السياق الذي أقترحه، ليتكلم عن آيات أخرى، وصدقني عزيزي القارئ لم أستغرب هذا الهروب الذي أتوقعه دائماً من أي مزور للحق الإنجيلي الإلهي..
كتب ديدات تحت عنوان (ما هو السياق ص87) (..ولكنكم لستم تؤمنون لأنكم لستم من خرافي كما قلت لكم .. إنه يخبر اليهود ويسجل للأجيال الاتحاد الحقيقي والعلاقة بين الآب والابن خصوصاُ عندما يقول “أنا والآب واحد” السؤال هو، فيم التوحيد؟ في العلم بكل شيء؟ في طبيعتهما؟ في كمال قدرتهما؟ كلا! إنهما واحد من حيث القصد والغرض!
ذلك أنه عندما يتحقق للإنسان الإيمان، فإن عيسى عليه السلام يرجو أن يظل هذا الإنسان الذي تحقق له الإيمان علىإيمانه. والله العلي القدير يحب أيضاً أن يظل هذا الإنسان على الإيمان. هذه هي الغاية الواحدة والقصد الواحد والهدف الواحد للآب والابن والروح القدس. وهي أيضاً غاية كل مؤمن ومؤمنة. ولندع يوحنا نفسه يفسر ما دبجه مثيراً الجدل من اعتراضات إذ يقول: “ليكون الجميع واحداً، كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا) (يوحنا17: 20-22).
هكذا هرب ديدات من السياق ليضع فيه كلامه الشخصي وتفسيراته الخاصة، وليس سياق الوحي الإلهي الذي تحدانا به.. فكل الكلمات التي تحتها خط، هي من تأليف ديدات لا من السياق الإنجيلي..
ديدات يعرف جيداً أنه لا يصمد أمام أي سياق في الكتاب المقدس. حتى أنه في النص السابق، لم يكسر فقط مبدأ السياق بأن لا يضع فيه كلامه الخاص، بل أيضاً قفز من الأصحاح العاشر إلى الأصحاح السابع عشر، كاسراُ بذلك السياق للمرة الثانية..بالرغم من أنه حذر من الخروج عنه إلى آيات أخرى..
من الواضح أن سياق الآيات صدم ديدات. ففضل الهروب..والعجيب في قوة الوحي الإنجيلي، أن ديدات عندما ظن أنه هرب من صدمة السياق هنا في الأصحاح العاشر، وأنه تخلص منها حينما انتقل إلى الأصحاح السابع عشر فإذا به يقع في سياق آخر لا يقل قوة عن سابقه..فهشم السياق الجديد ما تبقى من ديدات، وبات ليلته لا يدري أنه أحكم الأغلال على نفسه.. وسأتعرض للسياق الجديد أيضاً، فلن أترك لديدات منفذاً للهروب..
ثالثاً: تفسير ديدات لعبارة “أنا والآب واحد”:
فهل يحق له تفسير الإنجيل؟ إنه ديدات يفعل كل شيء، إلا الصواب..ثم هو يسأل وهو يجيب ويفسر، فهل هناك عبقرية أكثر من ذلك؟ كان يجب أن يسأل ثم يرجع للتفاسير المسيحية فيضعها هنا، ثم يناقشنا فيها..لكن أن يفسر الإنجيل الذي يعتبره محرفاً، فهذا حال الضعفاء ليس إلا..
وفي تفسيره (“أنا والآب واحد” السؤال هو، فيم التوحيد، في العلم بكل شيء؟ في طبيعتهما؟ في كمال قدرتهما؟ كلا! إنهما واحد من حيث القصد والغرض!)
وبافتراض هذا الفهم الديداتي الساذج، والذي هو حجة على ديدات وليس علينا، فبداية: حتى هذا الفهم لا يتماشى مع الآية، ناهيك عن السياق..فكيف يتجاسر شخص ويقول أنا والله واحد في القصد والغرض؟ كيف يتجاسر ويضع نفسه في موازنة وتطابق فكري مع الله؟ وهل لو افترضنا جدلاً فهم ديدات الساذج هذا، أن هناك شخص يريد أن يقول: أن قصدي مثل قصد الله وغرضي مثل غرضه، يقول (أنا والله واحد)؟ فهنا يسقط ديدات أيضاً، لأن الله لا يطابقه غير شخصه فقط..
رابعاً: القفز فوق السياق المقترح:
القفز عنوان ديداتي شهير، فهو دائم القفز فوق السياجات. سياج الأمانة، وسياج البحث الجاد، وسياج الصدق للوصول للحقيقة..
فهنا حينما يقول المسيح (أنا والآب واحد)، بالتأكيد يريد أن يصل إلى حقيقة أعظم من مجرد وحدانية في الهدف والقصد، فهو يؤكد بهذا التعبير على وحدانيته مع الآب في الجوهر والطبيعة والسرمدية والألوهية..الخ. في كل شيء..ولأن ديدات يعرف ذلك سأل (فيم التوحيد؟ في العلم بكل شيء؟ في طبيعتهما؟ في كمال قدرتهما؟ كلا! إنهما واحد من حيث القصد والغرض!)..
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل قال المسيح هذه العبارة (أنا والآب واحد)، لوحدها دون أن يكون معاها أي كلام آخر يفسرها؟ فأين السياق الذي تحدنا به ديدات؟ لماذا هرب منه..
خامساً: حقيقة السياق:
لا بد أن نضع ديدات أمام السياق الذي هرب منه، وليسمح لي عزيزي القارئ، بأن أكتب هنا سياق الآيات في الإنجيل المقدس، التي تبكم جميع الأفواه المدلسة..فقد قال المسيح لليهود
(خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها فتتبعني، وأنا أعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي. أبي الذي أعطاني أياها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي. أنا والآب واحد. فتناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه. أجابهم يسوع أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي، بسبب أي عمل منها ترجمونني؟ أجابه اليهود قائلين: لسنا نرجمك لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان، تجعل نفسك إلهاً.) (“يوحنا10: 27-32”)..
هذا هو الجزء الأكبر في السياق، وسأتناول الباقي لاحقاً، لأني أريد أن أضبط ديدات فيه متلبساً أيضاً..
أما ألان، فالسؤال هو: ما الذي نراه ياترى في حقيقة هذا السياق؟
1- سلطان الحياة:
كيف – أن لم يكن المسيح هو الله – يعلن هنا لليهود، بأنه صاحب السلطان في منح المؤمنين به الحياة، فيقول (وأنا أعطيها حياة). فهل من خصائص النبي أو الرسول، أن يمنح حياة لمن يريد أن يمنحه من البشر؟ إنها صفة إلهية، يعلن المسيح قدرته عليها، وأنها في سلطانه..
2- سلطان منح الحياة الأبدية:
فالمسيح هنا، لا يتكلم عن منحه لمجرد حياة وقتية، أبداً، فهو يتكلم عن منحه حياة لا تنتهي، فقد قال (وأنا أعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد)، إن لم يكن المسيح هو الله، فبهذه التصريحات، يكون مجدفاً على الله، وحاشا له تبارك اسمه..وهذا ما اتهمه به اليهود، لأنهم فهموا جيداً أنه ينسب الألوهية لنفسه..فبالكاد يشكر النبي الله كل يوم على الحياة، فكيف يكون المسيح مجرد نبي، وهو يَعِد المؤمنين به، بأنه يعطيهم حياة أبدية، ولن يهلك أحد منهم إلى الأبد؟!
فبعد أن يُعطيهم الحياة، فإنه يضمن لهم هذه الحياة إلى الأبد في المجد معه..ألا يكذب ديدات حينما يدعي، أن المسيح ليس أكثر من مجرد نبي؟! إن المسيح هنا، يؤكد لهم سلطانه الأبدي، فليس سلطانه وقتي زمني، وإنما هو أبدي، كما هو أزلي، فهو السرمدي..وهي صفة لاهوتية واضحة، ينسبها المسيح لنفسه في هذا السياق الذي هرب منه ديدات.
4- الحياة الواحدة:
عجيب المسيح في تدرجه وهو يكشف عن شخصيته اللاهوتية لليهود مرحلة تلو الآخرى، فقد بدأ بالإعلان عن صفات الألوهية الخاصة به..مثل سلطان الحياة، وسلطان الأبدية، وقوته المطلقة.. وكلها صفات لا تنطبق ألا على الله وحده..
وهنا ينتقل بمستمعيه نقلة أكبر، وكشف أعمق، فيقول لهم، بأن يده هي بذاتها يد أبيه السماوي.. فقد قال عن المؤمنين به (ولا يخطفها أحد من يدي. أبي الذي أعطاني أياها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي) أنظر فهو مرة يقول عن المؤمنين بأنهم في يده هو (ولا يخطفها أحد من يدي)، ومرة يقول بأن المؤمنين في يد أبيه (ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي).
والسؤال: أين الخراف يا سيدي المسيح؟! هل هي في يدك[1] أم في يد أبيك؟ وإن كانت في يد أبيك؟! فكيف تقول: إنها في يدك أنت؟! والعكس، فإن كانت في يدك، فكيف تقول بإنها في يد أبيك؟!..إن المسيح يتكلم في صيغة لاهوتية فهمها اليهود جيداً، فهو عقل الله وكلمته، واليد هي يد الله الواحد[2]، وليس اليد فقط، بل وينتقل بهم المسيح نقلة أكبر وأعمق فيقول لهم:
5- أنا والآب واحد:
هنا يوجه المسيح الكلام لليهود علانية، ويكشف عن شخصه بكل قوة وجلاء (أنا والآب واحد)، ليست فقط يدي هي يد أبي والعكس، وإنما أنا وهو واحد..وحيث أن الآب هو الله، فهو يقول لليهود إذن (أنا والله واحد)، وحيث لا يوجد غير الله الواحد، وحيث أن الله لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتفتت، فإنه بذلك يؤكد على أنه هو الله الظاهر في الناسوت البشري..
عزيزي القارئ: هذه هو السياق الذي هرب منه ديدات وترك آياته القوية هذه، ليصدر خرافته التي يريدها..وقد فبركها دون خجل فقال سابقاً (عندما يقول “أنا والآب واحد” السؤال هو: فيم التوحيد؟ في العلم بكل شيء؟ في طبيعتهما؟ في كمال قدرتهما؟ كلا! إنهما واحد من حيث القصد والغرض!) إن الوحدة المقصودة هنا، تتخطى مجرد القصد والغرض[3]..فأي وحدة في القصد وفي الغرض تجعل المسيح ينسب لنفسه كل هذه الصفات اللاهوتية؟ فيقول:
أن يده هي يد الله، بل إنه والله واحد[4]..ولماذا لم يقل لهم (أنا والآب واحد في القصد والغرض؟) ولماذا ترك هذه الوحدانية مجردة مطلقة هكذا (أنا والآب واحد)؟!..ببساطة لأنه يقصدها، نعم يقصد هذا الإطلاق في مساواته الكاملة بالذات الألوهي في كل شيء..
ولكن الحلقة بهذه الطريقة ليست كاملة، لأنه يجب علينا أن نتسائل ونقول: ما الذي فهمه اليهود من كلام المسيح؟!.
6-المساواة التامة لله:
ما قصده المسيح، فهمه اليهود جيداً، ويقول الوحي المقدس بأنه عندما قال المسيح (أنا والآب واحد) عندها (تناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه. أجابهم يسوع أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي، بسبب أي عمل منها ترجمونني. أجابه اليهود قائلين: لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً).
ليس هناك أوضح من هذا السياق الذي تحدانا به ديدات وهرب منه..يمكنك الآن عزيزي القارئ أن تدرك سبب هروب ديدات من هذا السياق..
فلقد فهم اليهود تدرج المسيح معهم في إعلان ألوهيته..وعندما وصل إلى قلب الإعلان عن طبيعته الإلوهية، فهم اليهود أنه يعادل نفسه بالله، ولهذا أخذ اليهود حجارة ليرجموه، لأنهم حسبوه مجدفاً..فبعبارته (أنا والآب واحد) يؤكد أنه الله، كما فهموا تماماً (تجعل نفسك إلهاً)..
ديدات لا يقرأ السياق، بل يؤلف كما يريد، ويقفز فوق السياج كيفما شاء، ولكننا والشكر لله قبضنا عليه متلبساً فوق السياج، ولو كان أميناً في السياق، لدخل من الباب لا فوق السياج..وقد قال المسيح له كل المجد عن أمثال ديدات (الحق الحق أقول لكم: إن الذي لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف، بل يطلع من موضع آخر، فذاك سارق ولص) (يوحنا 1:10)…
[1] لا نتكلم هنا عن يد المسيح البشرية، وإنما نتكلم هنا عن يده اللاهوتية، وحيث أن اللاهوت – الله – ليس لديه يد أو رأس أو وجه، فإننا نفهم هنا أننا عندما نقول (يد الله)، فإنما نقصد عمل الله، أو قدرته الحافظة وحمايته.. وهكذا، ولهذا فالمقصود هنا اليد اللاهوتية، أي القدرة الإلهية، التي للآب والابن والروح القدس، الإله الواحد.
[2] نقصد هنا ذات اللاهوت الذي يلد عقله أو ابنه الذي هو المسيح، ولنفهم هذا الأمر..فلا يمكن مثلاً بالنسبة للإنسان الواحد، أن يقول عقله مثلاً: أن هذه اليد هي يدي، بينما تقول روحه: لا إنها يدي أنا..أن هذا لا يمكن أن يحدث أبداً، لأن يد الإنسان هي يد الكيان كله روحاً ونفساً وجسداً وعقلاً لإنه إنسان واحد..هكذا الأمر بالنسبة لله، فيد عقله اللاهوتية هي يد ذاته هي يد روحه، وهي يد معنوية بالنسبة للألوهية وليست مادية.
[3] الكثير من الأنبياء الذين كانوا صالحين، كانت حياتهم تتفق في بعض الأحيان مع إرادة الله في القصد والغرض والأعمال (أعمال 22:13) ومع ذلك لم يتجاسر أحدهم فيقول: (أنا والله واحد)، ولم يُعطوا لأنفسهم أية صفات ألوهية، كما فعل المسيح هنا، وبكل عناية.
[4] سأعرض لك عزيزي القارئ – بنعمة المسيح – لاحقاً بعض آيات أخرى صريحة يكشف فيها السيد المسيح عن ألوهيته، ولكن بعد أن أكمل السياق تماماً..لأن هذا السياق يكفي كما ترى لإثبات ألوهية المسيح منه..
ذكر Leroux مقالة صهيونية منشورة مباشرة بعد تأسيس دولة إسرائيل جاء فيها: “إن العداء للسامية ينبع من التهمة بقتل ابن الله التي طرحتها الكنيسة المسيحية ضد الشعب اليهودي”[1]. إن الضغوط اليهودية على الكنائس المسيحية في الغرب للتخفيف من حدة مقت اليهود ومعارضة المصالح اليهودية قد أثمرت، وياللأسف، تصريحاً بابوياً أصدره المجمع الڤاتيكاني الثاني في “28” تشرين الأول العام “1965” والقائل: “إن ما حدث لآلام المسيح لا يمكن أن يُلام به بدون تمييز كل اليهود العائشين آنذاك, ولا يهود اليوم.
ولو أن الكنيسة هي شعب الله الجديد، إلا أنه لا يجب أن يُنظر إلى اليهود كمرفوضين أو ملعونين من الله، كما لو كانت وجهات نظر كهذه هي نابعة من الأسفار الإلهية”[2]. كان هذا التصريح الڤاتيكاني مثل خيبة أمل لملايين المسيحيين، اللاهوتيين والغير لاهوتيين[3]، إلى درجة قال معها عالم الكتاب المقدس الكاثوليكي ريموند براون: “إن كنيسة تقليدية جداً (أي الكاثوليكية) كانت تعارض بصورة رسمية وعلناً مواقفَ نحو اليهود قد صرّح بها بعضٌ من أكثر آبائها وعلمائها احتراماً”[4].
إن فكرة عدم تورّط اليهود بموت يسوع هي فكرة غريبة على الفكر الكتابي — الآبائي وهي فكرة معاصرة جداً أتت نتيجة هذه الضغوط االيهودية على كل حال، إن نظرة سريعة تاريخية تكشف لنا مدى تورّط اليهود بصلب يسوع. سنقسم هذه الدلائل التاريخية إلى: يهودية، مسيحية خارج الأناجيل، وثنية مسيحية من الآباء الأولين ومسيحية من الأناجيل الأربعة.
(1) البراهين اليهودية: أهمها وأشهرها شهادة المؤرّخ اليهودي فلافيانوس يوسيفوس (نهاية القرن الاول الميلادي) في كتابه “تاريخ اليهود (18: 3:3؛ رقم 63—64)” يقول يوسيفوس: “حوالي ذلك الزمان عاش يسوع، وهو رجل حكيم، إن كان يحق للمرء أن يدعوه إنساناً. لأنه كان الذي قد صنع أعمالا فائقة وكان معلَّماً لشعبٍ يقبلون الحقيقة بسرور. وقد فاز على الكثير من اليهود والكثير من اليونانيين. كان هو االمسيّا وعندما حكم عليه بيلاطس بالصلب بناء على سماعه اتّهامه من قبل أناس أفاضل بيننا، فإن الذين جاءوا إلى محبته لم يكفّوا عن الوجود.
وفي اليوم الثالث ظهر لهم وقد استعاد الحياة. لأن أنبياء الله قد تنبؤا عن هذه وعن ربوات من (الأعمال) العجائبية الأخرى عنه. وإن سبط المسيحيين، وقد دُعوا بحسبه، مازال قائماً حتى الآن ولم يختفِ”[5].
هذه الشهادة موجودة في كل مخطوطات تاريخ اليهود وقد عرفها أوريجانوس في القرن الثالث (شرح متى 10: 17 على 13: 55)، واقتبس منها افسابيوس في القرن الرابع (تاريخ الكنيسة 1: 11: 11: 7—8). ويعترف التلمود البابلي[6] بأن يسوع قد عُلق بتهمة السحر، ويُظهر أن اليهود القدامى يعترفون بأن أسلافهم كانوا مسؤلين عن موت ييسوع واتهام يسوع بالسحر يتناسب تماماً مع التهم اليهودية ضده في القرن الثاني والتي ذكرها أوريجانوس في مؤلّفه.
(71؛ ،28 1) Contra Celsum ونجد أن اليهودي في العام مئة ميلادية والذي اقتبس عنه Celsum يقول عن يسوع: “لقد عاقبنا هذا الشخص (يسوع) الذي كان غشاشاً”، “وأدنّاه، وقررنا أن يُعاقب”، و “كمذنبٍ عوقب من اليهود”[7].
(2) البراهين المسيحية من خارج الأناجيل الأربعة: كل الأناجيل تصوّر التورط اليهودي بموت يسوع معتمدة على تقليدٍ قبل الأناجيل يعود إلى ما قبل العام 60 الميلادي. من أشهر هذه البراهين رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكي: “فإنكم أيها الأخوة صرتم متمثّلين بكنائس الله التي هي في اليهودية في المسيح ييسوع لأنكم تأّلمتم أنتم أيضاً من أهل عشيرتكم تلك الآلام عينها كما هم أيضاً من اليهود، الذين قتلوا الرب يسوع وأنبياءهم واضطهدونا نحن، وهم غير مرضين لله وأضداد لجميع الناس.
يمنعون عن أن نكلّم الأمم لكي يخلصوا، حتى يتممّوا خطاياهم كل حين. ولكن قد أدركهم الغضب إلى النهاية”. كُتبت هذه الرسالة حوالي العام 50 م، وبولس يؤمن فيها أن اليهود قد قتلوا يسوع. هذا النص يمثّل شهادة باكرة جداً على التورط اليهودي بموت يسوع، وهي متجانسة مع (غلاطية 3: 13). راجع أيضاً: (1 كورنثوس 1: 23؛ غلاطية 5: 13؛ أعمال 3: 13 و 4: 10 و 15: 30 و 7: 52 و 13: 27—28) التي تنسب إلى اليهود والسلطات اليهودية دوراً مهماً بموت يسوع.
(3) براهين وثنية: توجد إشارات آبائية إلى الوثائق المتعلقة بمحاكمة يسوع في الأرشيف الروماني. منها: يوستينوس (الدفاع 1: 35: 9 و 1: 48: 3)، وترتليانوس (الدفاع 5: 2؛ 21: 24).
(4) البراهين من الآباء الأولين: وهي كثيرة. منها: لي حوار يوستينوس مع تريفون اليهودي (القرن الثاني الميلادي) يقول: “انتم صلبتموه” (17: 1). لم يحتج تريفون ولم ينكر هذه التهمة بل أقرّها قائلا: “لو أراد الآب أن يتألّم هذه الأمور فلم نفعل أي شئ خطأ” (95: 3). ومليتوس أسقف سارديس Melito of Sardis تكلّم في العام 170 م عن “قتل الله” قائلا: “الله قد قُتل: ملك إسرائيل قد أُزيح بيدٍ إسرائيلية”[8].
وأوريجانوس (على متى 27: 25، رقم 126) يقول: “لهذا لم يأتِ دم يسوع فقط على أولئك الذين وجدوا في ذلك الزمان، بل أيضاً على أجيال اليهود كلّها التي ستلي فيما بعد حتى نهاية الزمان”. وقد كرّر آباء الكنيسة كلهم ولاهوتيوها هذا المفهوم، سواء في الشرق أو في الغرب (الذهبي الفم، اوغسطينوس، توما الأكويني،الخ).
(5) براهين مسيحية من الأناجيل الأربعة: وهي كثيرة وغزيرة جداً. نذكر بعضها هنا. في إنجيل مرقس، صمّم رؤساء الكهنة والكتبة على قتل يسوع فرَشَوا يهوذا لاقتناص فرصة القبض على يسوع دون شغب (14: 1—2، 10—11) وطلبوا شهادة ضد يسوع. إنما عندما ثبتت أنها كاذبة وغير مُقنعة، أدانوه بتهمة التجديف وسلّموه إلى بيلاطس (14: 65—66؛ 15: 1). أما في متّى فيوجد تورّط يهودي أكثر بموت يسوع.
فرؤساء الكهنة وكل السنهدرين “يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه”. واشترى رؤساء الكهنة حقل الفخاري بالثلاثين من الفضة، ثمن خيانة يهوذا ليسوع (27: 3—10). ونجد بيلاطس يغسل يديه ليظهر أنه برئ من دم يسوع (27: 19، 24). وفي متى نجد أن جميع شعب اليهود مذنبٌ بدم يسوع قائلين “دمه علينا وعلى أولادنا” (27: 25). ويستمر العداء اليهودي ليسوع حتى بعد الصلب عندما أقام اليهود حرساً على قبر يسوع (27: 62—66؛ 28: 2—4، 11—15).
وفي اليوم الثالث يقوم رؤساء الكهنة برشوة حراس القبر كي يقولوا إن جسد يسوع قد سُرق ولم يقم. ويكتب متّى: إن كذبة سرقة جسد يسوع قد شاعت “عند اليهود إلى هذا اليوم” (28: 15)، مشيراً إلى كراهية اليهود ليسوع وللمسيحيين حتى زمان كتابة إنجيل متى. أما لوقا فإن اليهود اتهموا يسوع بعدم دفع الجزية لقيصر (20: 21—25)، وعندما وجد اليهود أن بيلاطس وهيرودس قد اعترفا ببراءة يسوع، فإن رؤساء الكهنة والشعب أصروا على حكم الموت (23: 18، 21، 23)، “فصرخوا قائلين: اصلبه، اصلبه… فقويت أصواتهم وأصوات رؤساء الكهنة” (18 و 23).
وتوجد[9] نصوص عديدة في أعمال الرسل تصوّر تورّط اليهود بموت يسوع. أما في إنجيل يوحنا فإن الصراع مع السلطات بأورشليم وسلطات المجمع واليهود يسم كل الإنجيل. ففي (11: 47—53)، نجد أن رؤساء الكهنة والفريسيين قد اعتزموا سلفاً دفع يسوع إلى الموت.
وقد قدّم اليهود سبباً لاهوتياً لموت يسوع: “وحسب ناموسنا يجب أن يموت لأنه جعل نفسه ابن الله” (19: 7). ويظهر رؤساء الكهنة خبثهم بنكرانهم المطامع المسيانية لشعبهم قائلين: “ليس لنا ملك إلا قيصر” (19: 15). ويستمر هذا الخبث عندما حاولوا أن يغيّروا ما كتب بيلاطس على الصليب “يسوع الناصري ملك اليهود”. ويستمر هذا الخبث المبطَّن عندما طلب اليهود من بيلاطس أن يكسر أرجل المصلوبين (19: 3) لتشويه جسد يسوع.
من الجدير بالذكر أن Besnier يذكر أنه في نيسان العام 1933 ، عند الساعة الثانية بعد الظهر، عُقدت إعادة محاكمة يسوع الناصري من قبل محكمة خاصة في القدس. كانت نتيجة التصويت: أربعة أصوات للقضاة ضد صوت واحد لصالح تبرئة يسوع. ويذكر Blinzler وHaufe إعادة أخرى لمحاكمة يسوع في ربيع 1949 ، بعد شهرين من تأسيس دولة إسرائيل. إذ عرض قانونيٌ هولندي (يُرمز له ب 187, H) خلاصةً من 15 صفحة لوزير العدل الإسرائيلي، طالباً إعادة النظر في محاكمة يسوع.
ويذكر Blinzler أنه في العام نفسه قام أعضاءٌ في كلية الحقوق بجامعة باريس بفحص هذه المحاكمة ووجدوا أنه بسبب خطأ فني فإن حكم الموت قد صدر على يسوع وأن هذا الحكم كان يفتقر إلى الشرعية القضائية. ويذكر Lapide طلباً آخر لإعادة المحاكمة في العام 1974 [10] . (د. عدنان طرابلسي)
[2] Nostra aetate Declaration on the Relationship of the Church to Non-Christian Religions”, approved Oct.28, 1965”)
[3] في أرميا وحزقيال زال حكم المثل: “الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون”، وحلَّ محله مبدأ المسؤلية الشخصية عن الجرم. فالمعاصرون اليهود للمسيح المساهمون في الأعمال الإجرامية الصارخون: “اصلبه اصلبه” هم القتلة الفعليون. ولكن اليهود صاروا أعداء الانجيل” (رو 11: 28) وأعداء المسيحية، المؤيدين لضلال أسلافهم. التعليم الكاثوليكي التقليدي موافق لهذه التمييزات. ولذلك لا مسوّغ لاهوتي لتصريح الفاتيكان. فهو تصريح سياسي أكثر منه لاهوتي.
[4] Raymond E. Brown: The Death of the Messiah, p.385
[5] هذه هي الترجمة العربية للنص اليوناني كما ورد لدى يوسيفوس. يوجد اقتباس عربي لنص يوسيفوس، غير مطابق له تماماً، لدى أغابيوس (محبوب قسطنطين المنبجي) أسقف منبج في كتابه “كتاب العنوان المكلَّل بفضائل الحكمة المتوَّج بأنوار الفلسفة”.
[6] (Nezikin volume 3:281) The London Soncino translation (Sanhedrin 43a) The Babylonian Talmud
أي شخص يدرس العهد القديم، ليتعرف على ما جاء فيه عن المسيا، قد يجد للوهلة الأولى تضاد. سيجد نفسه أمام صورتين مختلفتين للمسيا: الأولى، المسيا المتألم، المحتقر ثم يموت بعد ذلك. أما الثانية، فيجده مُمجداً، له القوة والسلطان على جميع الأرض. وقد تعرفّ الرابيون على هاتين الصورتين، لكن للأسف لم يقدروا أن يدركوا الحقيقة الكاملة ثم يقبلوها.
بناء على هذا التضاد، ذهب البعض من الرابيين إلى القول: إن أنبياء العهد القديم تنبأوا بمجيء مسيحيين مختلفين وقالوا إن المسيا الذي سيأتي ويتألم ثم يموت هو المسيا ابن يوسف، أما المسيا الثاني الذي سيأتي بعد الأول هو المسيا ابن داود. وهذا الأخير سيُقيم الأول إلى الحياة مرة أخرى، ثم يؤسس مملكة السلام على الأرض.
لكن الحقيقة التي لا يُريد الرابيون أن يقبلوها أن العهد القديم لا يتكلم أبداً عن مجيء مسيحيين اثنين. بل الواقع يقول، بأن العديد من الصور المتضادة للمسيا، نجدها في كثير من الأسفار، جنباً إلى جنب في نفس النبوة وهذا يعني أن المشار إليه هو شخص واحد، أي مسيح واحد يأتي مرتين، وهذا يُمثل عقيدة هامة بالنسبة للمسيحيين. ولقد رأى العديد من الرابيين أن وجهة نظر المسيحيين، تعتبر أفضل إجابة لهذا التضاد. وقد تمسك اليهود الأرثوذكس بوجهة النظر هذه لقرون عديدة، حتى فترة التلمود.
رغم أن المسيا ابن داود ظل يداعب خيال اليهود قلباً وفكراً، طوال تاريخهم، أما المسيا الآخر، ابن يوسف – المسيا المتألم – فكانوا يتجاهلونه، وهو موجود فقط عند علماء اليهود، عند الحاجة لشرح آلام المسيا التي تحتويها الأسفار المقدسة، او في حالة توجيه أسئلة شائكة أو للهروب من فقرة أو عبارة في آية. فيما عدا ذلك، فإن المسيا المتألم مُتجَاهَل على الإطلاق.
والمصدر الوحيد الذي يعتمد عليه الرابيون لتدعيم فكرتهم عن المسيا المتألم – ابن يوسف – هو سفر إشعياء الأصحاح 52، 53. في الوقت الحالي، سبب النزاع بين الرابيين أنفسهم، موضوعه يتعلق بما قاله العهد القديم عن المسيا، خاصة في هذين الأصحاحين من إشعياء. نبوة إشعياء تتحدث عن “عبد يهوه المتألم”، هذا العبد يخضع لعذابات وآلام مبرحة ثم يموت ميتة مهينة. وهذا العبد لا يموت من أجل ذنب فعله، ولكن من أجل خطايا غيره، أي موتاً نيابياً.
ثم تقودنا النبوة لتُعلن أن هذا العبد الذي مات، قام من الأموات مرة أخرى. فسبب النزاع، ليس ماذا تقول النبوة، ولكم عن مَنْ تتحدث؟ هل هذه النبوة تخص المسيا؟ يقول الرابيون، أن هذا القول هو التفسير المسيحي له وليس التفسير اليهودي. أما التفسير اليهودي فيقول: إن عبد يهوه المتألم، هو شعب إسرائيل الذي يُظلم من شعوب الأمم الاخرى.
تفاسير كبار الرابيين
لم يكن النزاع في تفسير ما ورد في إشعياء 52، 53، بين المسيحيين والرابيين محتدماً، بقدر ما كان بين الرابيين وأنفسهم. لسبب بسيط، هو أن تفسير إشعياء 52، 53 كونه يُشير إلى الشعب اليهودي، هو في الواقع تفسير حديث. فالتفسير القديم لهذه النبوة، والذي سجّله غالبية علماء اليهود من الرابيين، يُصرّح بوضوح أن إشعياء يتحدث عن شخص واحد فقط، هو المسيا ابن يوسف. وسأحاول في عجالة أن أسرد بعض ما قاله كبار الرابيين بخصوص ذلك:
من بين الترجومات القديمة، ترجوم يوناثان Targum Jonathan ben Uzziel، يعود إلى القرن الأول الميلادي. في هذا الترجوم سُجلت هذه الكلمات [هوذا عبدي المسيا يعقل…]. ترجوم يوناثان اقتبس الكثير في ترجمته التفسيرية من الرابيين القدامى، ولذا يُعتبر مرجعاً موثوقاً فيه للتفسير اليهودي للعهد القديم. ويُقرّ بوضوح أن نبوة إشعياء هذه تتحدث عن المسيا الآتي. من هنا نفهم، لماذا يتهم الرابيون الحداثي يوناثان بن عزئيل، بتبني التفسير المسيحي لهذه النبوة.
ليس فقط يوناثان هو وحده الذي فسّر هذه النبوة بأنها تخص المسيا فقط، بل أيضاً الرابي دون إتسحاق Rabbi Don Yaitzchak Abarbanel (في حوالي سنة 1500ميلادية)، فبينما هو لا يقبل فكرة أن نبوة إشعياء تخص المسيا، إلا أنه اعترف بها بطريقة شيّقة جداً، حيث قال [السؤال الأول، هو التحقق عن مَنْ يُشير إشعياء في هذه النبوة: لقد نشر المسيحيون تفسيراً يقول إن الشخص الذي صُلب في أورشليم في نهاية الهيكل الثاني، هو ابن الله – بحسب رأيهم – اتخذ جسداً من عذراء، كما هو مكتوب في كتبهم.
أيضاً رأى غالبية مُعلمينا المباركين في الميدراشيم Midrashim]. على الرغم من أن وجهة نظر Rabbi Don Yitzchak الشخصية فيما يتعلق بهذه النبوة، مختلفة، إلا أنه يُسلم بدون تحفظ، أن غالبية الرابيين في ميدراشهم يُقروّن أن النبوة تُشير إلى المسيا.
نأتي إلى كتاب هام جداً وهو “Zohar”، يرجع إلى القرن الثالث عشر الميلادي، والذي اهتم بدقة شديدة بكتابات كل من الرابي سيمون ابن يوخّيا Rabbi Simon bar Yochai (من القرن الثاني الميلادي)، وأحد الرابيين الأسبان (من القرن الثالث عشر)، وقد سجّل تعبيراً واضحاً لتفسير هذه النبوة من سفر إشعياء، فقال [في جنة عدن يُوجد مكان يُسمى “مكان أبناء الأوجاع والآلام، في هذا المكان سيدخل المسيا ويجمع كل الآلام والأوجاع والتأديبات التي لشعب إسرائيل، وكلها تُوضع عليه، وبالتالي يأخذها لنفسه عوضاً عن شعب إسرائيل.
لا يستطيع أحد أن يُخلّص إسرائيل من تأديباته لعصيانهم الناموس. إلا هو، المسيا. وهذا هو الذي كتب عنه “لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها”]. هذا الجزء من كتاب “Zohar”، يستشهد بإشعياء 53: 4، ويبيّن أنه يُشير إلى المسيا نفسه. هذا الجزء أيضاً يُميز بين إسرائيل كشعب والمسيا كشخص واحد يُشير إليه إشعياء. علاوة على ذلك يُقّر كتاب “Zohar” بمبدأ ” الشخص البديلي”، الذي تكلّم عنه الأصحاح 53 كله. أي أن المسيا سيحمل في نفسه كل أوجاع وآلام شعب إسرائيل من أجل عصيانهم.
دليل آخر في خلال نفس الفترة، يزودنا به تلمود بابل Babykonian Talmud، هو [“المسيا” ما هو اسمه؟ أولئك الذين من بيت رابي يهوذا Rabbi Yuda يقولون: إنه “عبد يهوه المتألم”، كما قيل عنه “لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها”] Sanhedrin 98b. إذاً، تلمود بابل يشابه “Zohar” في استشهاده بسفر إشعياء 53:4.
وإنه يُشير إلى المسيا نفسه وليس إلى شعب إسرائيل. أيضاً في ميدراش تانومي Thanhumi، نقرأ الآتي [رابي نامان Rabbi Nahman يقول: الكلمة “رجل” في قوله “رجل أوجاع” إشعياء 53: 3 تٌشير إلى المسيا ابن داود، الذي اسمه “Zemah”، حيث فسرّه يوناثان “هوذا الرجل المسيا”، لهذا قيل عنه “رجل أوجاع ومُختبر الحزن”].
كتاب الجلجاليم “Sepher ha-Gilgalim”، يرى في إشعياء 52: 13 على أنها إشارة إلى المسيا الملك، فيقول [“هوذا المسيا الملك يعقل يتعالى ويرتقي ويتسامى جداً” ويقول عنه علماؤنا الرابيين: سيكون أعلى من إبراهيم ويتسامى فوق آدم]. أما ميدراش كوهين Midrash Kohen، حينما يشرح إشعياء 53: 5، يضع الكلمات التالية على فم إيليا النبي، حيث يقول إيليا للمسيا [أنت أبرّ من أن تتألم وتجرح. كيف كليّ القدرة يُعاقب هكذا من أجل خطايا إسرائيل، ويُكتب عنك “مجروح لأجل معاصينا. مسحوق لأجل آثامنا”. إلى أن يحين الوقت، حيث تأتي نهاية الأزمنة].
في ميدراش آخر، لشرح نفس نبوة إشعياء، نقرأ التالي [كل الآلام تُقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم من نصيب داود والبطاركة، والآخر من نصيب الجيل العاصي “إسرائيل العاصي”، أما الثالث فمن نصيب المسيا الملك] Midrash Tehillim and Midrash Samuel 19.
في كتاب قديم يحوي صلوات يوم الكفارة “يوم كيبور” (يُطلق على الكتاب الاسم العبري “Mahsor”)، يُلمّح أن هذا الأصحاح من إشعياء 53، يتحدث عن المسيا. ففي واحدة من هذه الصلوات تُسمى صلاة “Musaf”، كتبها الرابي إليعازر كالير Rabbi Eliezer Kalir (في حوالي القرن السابع الميلادي)، نقرأ الآتي [… المسيا برنا رحل عنا رعدة شديدة تستولي علينا. لا نملك أن نبرر أنفسنا. حمل نير معاصينا وآثامنا فجُرح من أجلها. حمل خطايانا على كتفه كي يصفح عن آثامنا.
سنتمسّك بجروحه إلى الوقت الذي فيه يأتي كآدم جديد] Prayer book for the day of Atonement/New York 1931. p.239.
الملفت للنظر في هذه الصلاة، أن نغمة الخوف تتملك عليهم، من أن يكون المسيا قد جاء ورحل عن الشعب، والذي يفترض أن المسيا قد جاء بالفعل إليهم وتركهم. أضف إلى ذلك، أن المسيا الذي رحل قد تألم بديلاً عن الشعب، حسب ما ورد في الصلاة، حيث أن خطايا الشعب قد وضعت على كتفه.
الآن، بعد أن تألم، رحل المسيا عنهم، هذه هي علّة زعرهم، أنهم يُصلّون أن يرجع المسيا مرة أخرى، نلاحظ أيضاً، أن أغلب هذه الصلاة مُقتبس من إشعياء 53، للأسف لم تعد تُستخدم هذه الصلاة، وقد اختفت من الكتب المستعملة في عيد يوم الكفارة، منذ قرون عديدة. لكن نستطيع من خلالها أن نقول: إنه على الأقل حتى القرن السابع الميلادي، ظل التقليد اليهودي يتمسك بأن هذه النبوة من إشعياء تُشير إلى المسيا.
بل أكثر من ذلك، نقول، إن هذا التفسير لنبوة إشعياء ظل المسيطر على الشعب اليهود حتى القرن العاشر. وهذا يتضح من تعليق رابي يافيت ابن عالي Rabbi Yepheth ben Alie، حيث يقول [بالنسبة لرأي فأنا أنحاز إلى رابي بنيامين النهاوندي Rabbi Benjamin of Nehawend في تفسيره لهذا الأصحاح، كونه يُشير إلى المسيا.
فالنبي إشعياء يريد أن يٌفهمنا شيئين: في المرحلة الأولى، إن المسيا هو الوحيد الذي سيصل إلى أعلى درجة من الكرامة والمجد، لكن بعد محن طويلة ومريرة، ثانياً: هذه المحن ستُوضع عليه كعلامة، لدرجة أو وجد نفسه تحت نير هذه المحن وظل مطيعاً وتقياً في تصرفاته وأفعاله، يعرف أنه هو المختار….
والتعبير “عبدي” يعود إلى المسيا، كما قيل أيضاً إلى أجداده “قطعت عهداً مع مختاري. حلفت لداود عبدي” مزمور 89: 3] هذا الرابي، يُعلن صراحة أن إشعياء 53 يتحدث عن المسيا، كما اقتبس من الأصحاح كون أن المسيا سيرتقي إلى أعلى درجة من المجد بتألمه.
أيضاً، في القرن الحادي عشر، فسّر الرابيون الأصحاح 53 من سفر إشعياء، أنه يتحدث عن المسيا. ففي كتاب “Bereshith Rabbah” لمؤلفه رابي موشي هادرشان Rabbi Moshe Hadarshan، يُقرر أن القدوس، أعطى فرصة للمسيا أن يُخلص النفوس، ولكن بضربات وتأديبات عديدة، يقول [… على الفور قبل المسيا تأديبات وضربات المحبة، كما هو مكتوب “ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه”… عندما أخطأ شعب إسرائيل، طلب المسيا لهم الرحمة والمغفرة، كما هو مكتوب “وبحبره شفينا” وقوله “وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين”].
لقد اقتبس رابي موشي هادرشان من سفر إشعياء 53 الآيات 5، 12، 17 ليبرهن أن شخص المسيا، هو شخص واحد سيخلص كثيرين، لكن هذا الخلاص سيتم عن طريق آلامه أيضاً، هذه الآلام ينظر إليها كآلام بديليه من أجل خطايا شعب إسرائيل.
رابي آخر من القرن الحادي عشر، هو رابي طوبيا بن إليعازر Rabbi Tobiyyah ben Eliezer يقول في تفسير إشعياء 52: 13 [… سيجعل مملكته مرتفعة ومُمجّدة… هذا هو المسيا الذي قيل له “هوذا عبدي يعقل يتعالى ويرتقي ويتسامى جداً”] من كتاب “Lechah Tova”.
ومن بين الرابيين المشهورين في القرن الثالث عشر، رابي موسى بن ميمون Rabbi Moses ben Mainom ويُعرف ب “ميموندس Maimonides” واختصار اسمه رامبام هو أيضاً يتحدث عن المسيا الآتي، فيقول [ماذا ستكون مواصفات المسيا الآتي… سيبرز لكم فجأة هذا الشخص، لا أحد يعرفه من قبل. والمعجزات والآيات التي سيصنعها هي تبرهن أنه المسيا الحقيقي المنتظر. وفي الوقت الذي فيه سيظهر، بلا أب ولا أم ولا عائلة، لكن سيُعرف.
حيث قال عنه إشعياء “ينبت قدامه كفرح وكعرق من أرض يابسة” إشعياء 53: 2. ومظهر حضوره الفريد في تجلّيه، سيجعل كل ملوك الأرض يسقطون من شدة رهبته وهيبته. سيضعون أيديهم فوق أفواههم، ليتم ما قاله عنه إشعياء “من أجله يسدّ ملوك أفواههم لأنهم أبصروا ما لم يُخبروا به وما لم يسمعوه فهموه” إشعياء 52: 15].
بعد عرض كل هذه الأقوال من مشاهير علماء اليهود، يتضح لنا جلياً أن تفسيراتهم لنبوة إشعياء 52، 53 جاءت كلها لتُعبرّ عن أن المُشار إليه هو المسيا وليس شعب إسرائيل. أول من اقترح بأن النبوة تتحدث عن شعب إسرائيل وليس عن المسيا، هو رابي شلومو إتسحاق Rabbi Shlomo Yizchaki، الشهير ب RaSHi راشي. وبما أنه أول من خرج عن التقليد اليهودي المألوف فيما يتعلق بهذه النبوة، فقد قُوبل في الحل بردّ فعل مضاد من علماء كبار يهود آخرين.
وأول من تصدى للاقتراح الخاطئ الذي وضعه راشي، وهو الرابي موشي كوهين Rabbi Moshe Kohen Ibn Crispin، حيث كتب يقول […. بالطبع يسرني أن أُفسر ما جاء في إشعياء 53، وفقاً لتعاليم علماؤنا الكبار Rabbis، بأن هذا الأصحاح يتحدث عن المسيا الملك، وسأفعل ذلك بكل دقة وعناية، وبكل ما أملك من إمكانية. سوف ألتزم بحرفية التفسير بكل ما أُعطيت من قوة. وسأتحرر من قيود التفاسير المتكلفة والظاهرية التي وضعها قبلي آخرون قد أثموا في تفسيرهم ….
هذه النبوة نقلها إلينا إشعياء بأمر إلهي، بهدف أن يعرفنا شيئاً عن شخصية المسيا القادم الذي سيأتي ويُخلّص إسرائيل، وحياته من اليوم الذي سيظهر فيه حتى مجيئه كمخلّص. وبحسب هذا لو أن شخصاً ما ظهر وأعلن عن نفسه إنه المسيا، ينبغي أن ننتبه ونفكر ملياً أي الإثنين نتبع… أيهما تنطبق عليه السمات التي وضعها إشعياء في نبوته، لو انطبقت الصورة التي رسمها إشعياء على الشخص الآتي، حينئذ نؤمن به هو المسيا برّنا، وإن لم تنطبق فلا نؤمن به….]
يتبين من كلام رابي موشي كوهين، الآتي:
يقصد بقوله [سأتحرر من قيود التفاسير المتكلّفة والظاهرية التي وضعها قبلي آخرون قد أثموا في تفسيرهم]، يقصد تفسير راشي.
رابي موشي كوهين، يقاوم بشدة تفسير راشي، ويُصر أن إشعياء يقصد شخص المسيا وليس شعب إسرائيل.
ما كّتب في إشعياء 53، القصد منه التمييز بين المسيا الحقيقي والمسيا المزيف.
ينبغي إتّباع وطاعة المسيا الحقيقي، وقد دعاه “المسيا برّنا”.
القرن السادس عشر، ظهر الرابي سعادية ابن دانان Rabbi Saadyah Ibn Danan (في سنة 1500 ميلادية)، وقد كتب الآتي
[…. أحد هؤلاء رابي يوسف بن كاسبي Rabbi Joseph ben Kaspi، يذهب بعيداً، فيقول إن هؤلاء الذين يؤيدون القول بأن إشعياء يقصد المسيا، ويبوح به، هم يعطون الفرصة للهراطقة أن يفسروا ذلك بأنه يسوع الناصري… ليت الله يغفر لهم، لأنهم لم يقولوا الصواب. فمعلمونا الكبار، أساتذة التلمود، يستخرجون آراءهم من قوة النبوة ووحيها، متمسكون بالتقليد القديم فيما يتعلق بمبادئ التفسير وقد اتفقوا كلهم بأن المقصود في نبوة إشعياء 53 هو المسيا الملك].
مما سبق نستنتج أن هذا الرابي، هو أيضاً يقاوم تفسير راشي، ويُطالب المفسرين اليهود بأن يرجعوا إلى التفاسير التلمودية، التي تؤيد القول بأن نبوة إشعياء تتحدث عن المسيا وليس عن شعب إسرائيل. كما أراد أن يُلقى الضوء على سبب تحوّل البعض إلى التفسير الخاطئ بحجة تفاقم حدة النزاع بين المسيحيين والرابيين. فقد استخدم المسيحيون نبوة إشعياء لتبيان أن الرب يسوع المسيح هو المسيا المُشار إليه في النبوة، وكردّ فعل بدأ الرابيون يفسرون إشعياء 53 على كونه يخص شعب إسرائيل وليس المسيا… تماماً كما اقترح راشي.
أيضاً، في النصف الثاني من القرن السادس عشر، برز الكاتب الشهير رابي موشي الشيخ Rabbi Moshe El Shech، وطالب هو أيضاً المفسرين اليهود أن يرجعوا إلى التفاسير التقليدية، حيث قال [معلمونا الكبار Rabbis، كلهم برأي واحد يقبلون ويبرهنون على صحة التفسير القائل بأن إشعياء النبي يتحدث عن المسيا، وينبغي علينا جميعاً الالتزام بنفس الرأي].
وفي تعليق آخر على إشعياء 53: 3، كتب الرابي ايليا دي فيداس Rabbi Eliyyah de Vidas، في سنة 1575 ميلادية، الآتي
[…. قوله “وهو مجروح لأجل معاصينا ومسحوق من أجل آثامنا” معنى هذا: بما أن المسيا حمل آثامنا وخطايانا، والتي سببت كل هذه الآلام والتأديبات، بالتالي يكون كل من لا يقبل أن المسيا يتألم من أجل خطايانا وآثامنا، عليه أن يتحملّ ويتألم من أجل نفسه].
هذا الرابي، يُشير أيضاً إلى إشعياء 53 ويُقرر أنه يخص المسيا الذي سيتألم نيابة عن شعب إسرائيل، من أجل خطاياهم وآثامهم. بل يذهب إلى أبعد من ذلك، فيحذر كل من يرفض الإيمان به.
أيضاً، في القرن السابع عشر، ظل ردّ الفعل المضاد لتفسر راشي قائماً. فقد كتب رابي نفتالي بن أشير Rabbi Nphtali ben Asher (سنة 1650 ميلادية)، قائلاً […. أريد الآن أن أواصل شرح هذه الآيات عن المسيا الذي يخصّنا، الذي اختاره الله وسيأتي سريعاً في أيامنا هذه!… أنا مندهش من تفسير كل من رابي شلومو إتسحاق Rabbi Shlomo Yizchaki ورابي دافيد كيمشي Rabbi David Kimchi، لإشعياء 53، كيف لا يتطابق تفسيرهما مع الترجوم، الذي يؤكد أن الأصحاح يتحدث عن المسيا…]
في القرن الثامن عشر، التفسير الجديد الذي وضعه راشي (1040-1105 م)، وتبناه من بعد رابي دافيد كيمشي (1160-1235 م)، قُوبل باستحسان ضخم وتغلّب على كل تفاسير الرابيين القدامى، وصار هو السائد وحتى يومنا هذا. لكن لم يكن الانتصار كاملاً، فقد ظلّت قلة من الرابيين تقاوم بشدة تفسير كل من راشي ودافيد كيمشي. ها هو هيرتز هومبورج R. Herz Homburg في كتابه “Korem” (كلمة عبرية تعني صاحب الكرمة)، والذي وضعه سنة 1818 ميلادية، كتب يقول
[…. في الحقيقة، ما سجله إشعياء في الأصحاح 53، يُشير وبلا جدال إلى المسيا الملك، الذي سيأتي في الأيام الأخيرة، التي فيها يُسرّ الله بتخليص إسرائيل من بين الأمم المختلفة على هذه الأرض…].
أخيراً، مما سبق نخرج بنتيجة مفادها أن كل الرابيين في خلال 1000سنة كانت تفاسيرهم لنبوة إشعياء 52، 53 متفقة على أنها تخص المسيا الآتي.
وأول من خرج بتفسير جديد هو راشي Rabbi Shlomo Yizxhak (1040-1105م) ثم تبنى تفسيره رابي دافيد كيمشي Rabbi David Kimchi (1160-1235 م). ورغم ذلك قوبل برفض شديد من أغلب الرابيين الذين أتوا من بعدهما. لكن للأسف الشديد، أصبح تفسيرهما هو السائد في العصر الحالي.
ما هو موقف موقف الكنيسة من تبرير اليهودية الصهيونية أطماعهما في ارض فلسطين على اساس وعد الله لشعبه في العهد القديم؟
ما هو موقف موقف الكنيسة من تبرير اليهودية الصهيونية أطماعهما في ارض فلسطين على اساس وعد الله لشعبه في العهد القديم؟
(د.عدنان طرابلسي)
يفهم ابناء الكنيسة الارثوذكسية العهد القديم فهماً مسيحياً آبائياً فيه : ليس بعد يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعاً واحدٌ في المسيح (غل3: 28). وبالتالي ليس لليهود أو لسواهم أية إمتيازات أو حقوق طبيعية أو مكتسبة. وربما الحظ الوحيد لليهود هو أنهم خانوا الله فأخذ الكرم منهم واُعطي لأمة تعمل أثماره.
لذا تُبطل الكنيسة الارثوذكسية الجامعة مزاعم اليهود المعاصرين وتنسف التفسير اليهودي العنصري للعهد القديم، وتوضّح أن كل المواعيد القديمة المعطاة لليهود إنما قد تحققت في شخص يسوع المسيح الرب، وأن المؤمنين بإسمه هم وحدهم ورثة الموعد والخلاص والبركات الآتية: إن الأمم هم من أهل الميراث الواحد، وأعضاء في الجسد الواحد، وشركاء في الموعد الواحد، في المسيح يسوع بالإنجيل (أفس3: 6).
هكذا تفهم الكنيسة البنوّة لله، بحسب الإيمان بالمسيح لا بحسب الجسد كما يفهم اليهود، لأن الله قادرٌ أن يخرج من الحجارة أولاداً لإبراهيم 0مت3: 9). والعهد القديم نفسه يشهد لأولوية الإيمان قائلاً على لسان هوشع النبي: سأدعو شعباً لي من ليس بشعبي (رو9: 25).
الكنيسة تؤمن بما قاله استفانوس الشهيد الأول في خطابه المشهور أمام المجمع اليهودي بأن إبراهيم قد “نقله الله إلى هذه الأرض التي أنتم الآن مقيمون بها ولم يعطهِ فيها ميراثاً، حتى ولا موطئ قدمٍ” (أع7: 4-5). ويقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين: “بالإيمان تغرّب (إبراهيم) في أرض الموعد كأنها غريبة… لأنه كان ينتظر المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله… في الإيمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعد بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيّوها وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض.
فإن الذين يقولون مثل هذا يظهرون أنهم يطلبون وطناً.. ولكن الآن يبتغون وطناً أفضل أي سماوياً (عبر11: 16-19). هذا هو مختصر التعليم المسيحي الكتابي الآبائي: الوعد بأرض كنعان هو مجرد وعد رمزي صرف للوعد بالملكوت السماوي، الوطن الخالد. فإبراهيم الموعود بأرض فلسطين سكن فيها ولم يملك شيئاً فيها، فأشترى من أهل المكفيلة مدفناً لزوجته سارة.
وآباء اليهود من بعده سكنوا في أرض وعدهم الله بها ميراثاً، لكنهم اعتبروا إقامتهم فيها غربة، طالبين وطناً سماوياً لا ارضياً على ما قاله بطرس الرسول بأننا “غرباء ونزلاء على الارض” (بطر2: 11). لهذا فالتفسير الآبائي للكتاب المقدس هو ضرورة قصوى لفهم الكتاب فهماً مسيحياً. وآباء الكنيسة لك يكونوا عنصريين أو غير عادلين، لكنهم برزوا.
ولقد لعبت الكثير من الفرق البروتستانتية في الغرب، خاصة المتهودة منها، دوراً سلبياً عندما نشّطت الدراسات الكتابية للعهد القديم على حساب العهد الجديد، مما أبرزابرار العهد القديم على حساب قديسي العهد الجديد تحت تأثير التيارات اليهودية والصهيونية النشطة في الغرب وبسبب معاداة هذه الفرق لآباء الكنيسة ولتفسيرهم للكتاب المقدس[1]. كان اليهود شعب الله الخاص (خروج19: 5-6). الآن المسيحيون هم هذا الشعب الخاص (1 بط2: 9-10).
“أما أنتم فإنكم ذريّة مختارة وكهنوت ملكي وأمّة مقدسّة وشعب اصطفاه الله… إنكم شعب الله”. (انظر رؤ1: 5 و5: 9-10 واف1: 14 …). في ا كور12 الكنيسة هي جسد المسيح والمسيحيون هم أعضاؤه. اليهود هم اعداء هذا الجسد فكيف تبقى لهم وعود وعهود وقد زال عهدهم القائم على دماء الحيوانات بينما – في الرسالة إلى العبرانيين – يقوم عهدنا على دم المسيح؟ اليهودية لم تعد – في نظر الذهبي الفم – ديناً. (د.عدنان طرابلسي).
[1] راجع دراسة د.عدنان طرابلسي عن العلاقة بين العهدين القديم والجديد في الجزء الثاني من شرح إنجيل متى للذهبي الفم.
ما هو موقف موقف الكنيسة من تبرير اليهودية الصهيونية أطماعهما في ارض فلسطين على اساس وعد الله لشعبه في العهد القديم؟
كحال كل البشر لا نحب أن نعترف بأخطائنا ولا بأننا خطاه، ولكننا نحب ان نكون مميزين وذوي قيمة، طبيعتنا البشرية تحب السلطة والسيطرة، هذا هو السبب الذي يدفع الأمم للحروب، ويدفع اعضاء الأسرة الواحدة للخصام والبغضة. ليس هناك ما يدعو للشك أن الوضع من 2000 سنة كان مختلفًا؛ النفاق الديني والفساد كان سائدًا حينها، عندما يمتزج حب السلطة والسيطرة مع الدين، يتحول هذا الى مزيج مدمر ويؤدي للغرور والفساد.
المؤرخين يمكنهم أن يشيروا لما يقرب من 20 مصدر تاريخي يصف بدقة الفساد الذي استشرى بين قادة بني اسرائيل خلال فترة الهيكل الثاني. مصادر مثل: مخطوطات البحر الميت، المؤرخ اليهودي يوسيفوس، وحتى بين الكتابات الربانية؛ مثال واضح لهذا نجده في النقد الشديد الموجود في التلمود البابلي (مسيخت بسحيم، 57) ضد الفساد المستشري بأسر الكهنة في أرض إسرائيل. حتى في فترة العهد القديم لطالما زجر الرب القادة الدينيين للشعب على شهوة السلطة.
هذا الاحتياج للسلطة والقوه أصاب أيضًا الحزال (الحاخامات الكلاسيكيين)، انظروا كمثل على ماذا نصوا في التلمود البابلي، مسيخت عيروڤين: ”يقتل كل من يخالف تعاليم كاتب التلمود (الحاخام)“ الحاخامات يطالبون بتوقيع عقوبة الموت على كل من يخالفهم الرأي، شهوة السلطة هي الدافع الرئيسي خلف عبارات كهذه.
لكن يسوع لم يقلل من قيمة التوراه، ولم يفعل أو يقول او يعلم أي شيء مخالف لها. في الواقع قال: ”لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ“. على النقيض، رفض يسوع كل التقاليد التي اخترعها ورفعها الحاخامات لمرتبة القداسة في زمنه، تلك التي أطلق عليها الحاخامات “التوراه الشفوية”. يسوع كان يعلم أن التقليد ينشئ دينًا، وهذا الدين يبعدنا تمامًا عن الله، ويقودنا للإهتمام بتوافه الأمور والأعمال الفارغة. ستدهش إذا عرفت أن التلمود يعطي 3000 شريعة لطريقة زراعة نبات القرع، ناهيك عن طريقة طبخه وأكله!!!
يسوع كان مدركًا أن الحاخامات قاموا بالتركيز على الأمور التافهة وإهمال الروحيات، حتى إبتعدو عن قلب الله. كان يسوع مدركًا أن التقاليد التي اضافوها لم تكن مرتكزة على الحق الكتابي لكنها كانت بدافع الخوف والرغبة في السيطرة، بمعنى آخر القمع الديني. ذكرنا يسوع أن هذه التقاليد انستنى أن الله يفحص قلوبنا، وأنه لا يسر بالزخارف التي نستخدمها عندما نصلي أو طريقة توجيه التفيلين (قطع من الجلد يرتديها اليهود عند الصلوات) لربما هذه الأفعال تبهر المصلين المحيطين بنا، لكن ليس الله.
بالنسبة ليسوع ملابس الحاخامات المهندمة من الخارج، تخفي قلوبًا ميتة بعيدة تمامًا عن الله، حتى أنه دعاهم قبور مبيّضة… كل اهتماماتهم تنصب على مكانتهم في المجتمع، السلطة والمال، وكما نعلم بالنسبة لهذه الأشياء ليس الوضع الآن بأفضل حالًا، فقط تصفح الجرائد.
ولكن مهلًا، فلننس الماضي، تخيلوا لو أتى المسيح اليوم، وتحدث مع أعضاء البرلمان، رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، فهؤلاء هم القادة الحاليين للشعب، وسيواجه كل واحد منهم بخطاياه وجرائمه التي اقترفها بحق الله والشعب. ماذا تظنون ستكون ردة فعلهم تجاه المسيا؟ هل سيشعرون بالسعادة ويشكرونه على مجاهرتهم بخطأهم؟ هل سيبادرون سريعًا لتقويم انفسهم؟ بالطبع لا، بالتأكيد سيهرعون لحماية شرفهم وسيقولون للشعب ”لا تصدقوه! إنه كاذب محرض! هو ليس يهودي أصلًا ولا ينتمي لنا، يجب أن يقتل!”.
هذا بالحرف كان رد الفعل بين صفوف الحاخامات في أيام يسوع، لكن في تلك الأيام لم تكن هناك حكومة، فهؤلاء القادة كانوا يستحوذون على كل السلطة السياسية، الدينية والإجتماعية. لم يكن هؤلاء القادة يقبلون فكرة تهديد يسوع لسلطتهم على الرعية، كل ما كان يهمهم هو وضعهم الإجتماعي في المحافل والسنهدرين. فكرة أن يتنحى الشعب عن احترامهم وتقديرهم كانت مرعبة لهم، لم يكونوا مستعدين لترك التنعم والرفاهية التي يضمنها لهم الوضع الراهن، لم يكن لديهم خيار الا أن يهيجوا الشعب على يسوع، وبالتالي يرفضوا المسيا.
يقول داود في المزمور 22:118 ”الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ“ من المثير معرفة أن المجتمع اليهودي في قمران قبل المسيح، فسروا هذه الآية كنبوة عن المسيح، البناؤون ويقصد بهم بنو إسرائيل سيرفضون المسيح، بعد ذلك بمئات السنين في العهد الجديد بطرس الرسول فسر هذه الآية بنفس الطريقة، أنها عن يسوع.
لهذا حتى يومنا أي تساؤل يطرأ حول يسوع باعتباره المسيا ليس سؤالًا مطروحًا أصلًا، فأي حاخام يكتب أي شيء عن يسوع سيكون مبني على الفكره المسبقه وبإفتراض أن [اليهود لا يجدر بهم اصلًا قراءة العهد الجديد]، لذلك من هذا المنطلق إن أي يهودي سيسأل عن يسوع سيصل لنفس النتيجة أن يسوع ليس هو المسيا المنتظر.
تمامًا كما أن الأعمى الذي يقود أعمى يسقط كلاهما في نفس الحفرة، الحاخامات لا يريدون للشعب اليهودي أن يتعرف إلى يسوع، وطيلة 2000 سنة إجتهدوا في كيفية إخفاء يسوع، أشهر يهودي في العالم أجمع، واعظم سر من اسرار اليهودية.