الوثيقة Q وتأثيرها علي فهم المسيحية

الوثيقة Q وتأثيرها علي فهم المسيحية 

الوثيقة Q وتأثيرها علي فهم المسيحية

هذا المقال هو إستكمالا للمقالات السابقة:

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الصليب والقيامة في Q

سيبقى على الأرجح وجود مصادر الأناجيل وقيمتها مواضيع حية للنقاش في البحوث التي تتطرق للعهد الجديد. بعضهم يقبل بـ”ل”، حيث تجرى بحوث مؤخراً تستند إليه. وربما يبقي “م” مصدراً وحيداً لمتى. فمصدر إشارات يوحنا مقبول على نطاق واسع، إلا أن نطاقه موضع نزاع. كما أن “ق” مقبول كجزء من حل مشكلة الأناجيل السنوبتية، إلا أن الكثير من الجدل يخيم على أصله وتطوره وتفسيره.

على الرغم من الإجماع الذي يرافق “ق” ويرافق “ل” ويرافق مصدر الإشارات الخاص بيوحنا إلى درجة أقل بكثير، تبقى هذه المصادر افتراضية. فمهما كانت درجة الإجماع لا يمكن لها التوصل إلى اليقين في هذا الصدد، ويمكن للطبيعة الافتراضية لهذه المصادر أن تنقشع فقط عن طريق اكتشاف وثائق حقيقية أو مراجع موثوقة لها في وثائق أخرى غير مكتشفة، وهذا أمر غير مرجح. وعلاوة على ذلك، قد تكون هذه المصادر ناقصة. فنحن نعرفها فقط لأن الأناجيل استخدمتها، ولا نعرف فيما لو كانوا قد استخدموها بالكامل.

ولا يمكننا إعادة بناء الصياغة الدقيقة لنصل لدرجة اليقين، ولا نستطيع التأكد من ترتيبهم الداخلي الصحيح. فينبغي دائماً إبقاء الطبيعية الافتراضية لهذه المصادر المعاد بناؤها نصب أعيننا. ولنأخذ مثالاً صغيراً، في رأيي ينبغي الاستشهاد بفقرات “ق” بصيغة: لوقا (فصل كذا، آية كذا)، أو لوقا (فصل كذا، آية كذا) “ق”، وليس بصيغة: “ق” (فصل كذا، آية كذا).

كما ينبغي على البحوث أيضاً الترجيب بالأصوات المعارضة التي تتحدى وجود هذه المصادر، والطريقة التي أعاد بها النقاد بناء هذه المصادر، واستخدام البحوث التي تجرى على العهد الجديد لتلك المصادر. كما ينبغي على نقاد المصادر توخي الحذر في أعمالهم.

وعلى الرغم من تطبيق أي عملية نقدية على مصادر الأناجيل بعناية، إلا أن ذلك يبقي محاولة ضرورية وغالباً ما تكون مثمرة. قد يرفض الرافضون ذلك تماماً معتبرين ذلك مشروعاً افتراضياً بطبيعته، لكن من الناحية الثانية، تبقى أي نظرية مصممة لتفسير المشكلة المتعلقة بالأناجيل السينوبتية نظرية افتراضية، حيث ينشأ نقد المصادر إلى حد كبير من النص نفسه وهو محاولة لإيجاد حل لألغازه. كما أن المقترحات الراديكالية هي موضع ترحيب باعتبارها جزءاً من النقاش الدائر حول أصول المسيحية.

وطالما أن الفرضيات تخضع لعمليات اختبار، وأن الأمر الافتراضية يتم مقارنتها مع ما هو معروف نسبياً أنه يتحلى بمزيد من اليقين، فبصورة عامة ينبغي المضي قدماً في المناقشة.

ما يزال يشكل البحث في “ل” وفي مصدر إشارات يوحنا ثقلاً مقابلاً لكن أقل قيمة بالنسبة للبحث الذي يجرى على “ق”. وكما رأينا، يتمتع “ل” بنفس قدر إدعاء “ق” أو أكثر بأنه يحتفظ بتقاليد يسوع الأصلية. بشكله السردي، وألقابه المسيحانية، ومعجزاته، يقدم مصدر إشارات يوحنا الطباق اللازم لـ”ق”.

ففي كثير من الأحيان يميل هؤلاء الذين يعززون قيمة “ق” إلى إغفال مصادر الإنجيل الأخرى ويلمحون إلى أن “ق” هو الذي يمثل المجتمع الفلسطيني الأول، لكن لن تتضح المساهمات النسبية لجميع المصادر إلا عند اتخاذ رؤية شاملة لمصادر الأناجيل.

ماذا حدث لهذه المصادر التي لم تعد موجودة؟ من الواضح أنها، وبغض النظر عن كونها استخدمت في الأناجيل، اختفت دون أن تترك أي أثر. فلم ينجُ أي دليل مكتوب، ولم يذكر أي كاتب مسيحي قديم تلك المصادر.

كما لا يعتبر هذا الصمت في حد ذاته بالضرورة دليلاً على أنها لم تكن موجودة، كما يدعي مايكل غولدر. إن التفسير الذي يُطرح عادة هو أنه عندما تناول كتاب الأناجيل تلك المصادر، أصبحت قديمة و”فقدت”. هذا معقول جداً، لكن المجتمعات التي استخدمتها ونسختها أيضاً اختفت على الأرجح في الكنائس التي استخدمت الأناجيل الكاملة.

أحياناً يكون هناك تمييز بين لاهوت المصادر وبين لاهوت الأناجيل حيث تم الحفاظ عليها. لكن هل استخدم كتّاب متى ومرقص ولوقا المصادر بصورة تتعارض تماماً مع آرائهم الشخصية؟ هذا بالكاد يكون ممكناً. ينبغي علينا أن نفترض على الأقل بعض التوافق في اللاهوت بين الأناجيل ومصادرها. فاعتماد متى وتكيفه مع مسيحية حكمة “ق” يوفر قضية بارزة في صميم الموضوع. فقد استخدم كتاب الأناجيل مصادرهم وجمعوها في بعض الأحيان مع مصادر أخرى ودائماً ما كانوا يجمعون معها مساهماتهم الإنشائية الخاصة بهم.

لقد وضع “ق” في سياق أوسع، بإطار سردي لتعاليم يسوع المأخوذة إلى حد كبير من مرقص وبسرد عن الآلام والقيامة في النهاية. كما قام لوقا بدمج مصدره “ل” أيضاً، جاعلاً إياه يتفق مع أفكاره الدينية عموماً. وقد استخدم كاتب الإنجيل الرابع مصدر الإشارات في جزء كبير من النصف الأول لعمله، مؤكداً ومصححاً لرؤيته للإشارات أثناء كتابته.

وهكذا، قد يكون كتّاب الأناجيل نظروا إلى مصادرهم على أنها تقاليد صحيحة عن يسوع، إلا أنها تحتاج إلى الإضافة والصحيح. وقد يكون هذا جزءاً مما يعنيه لوقا عندما قال إنه تتبع “كل شيء” من الأول بتدقيق (لوقا 3:1). بطريقة أو بأخرى، واصلت الكنيسة هذه العملية عن طريق إدراج أربعة أناجيب في العهد الجديد، وبذلك تبقى تتمتع بأربع وجهات نظر، حتى أن المسيحيين المتعلمين تمتعوا بتنوع أكثر، إذا أردنا التحدث وفق ما يقول نجع حمادي.

تتنوع صورة يسوع التي تنبثق من هذه المصادر. فـ”ل” يصور يسوع على أنه المعلم المخول من الله، حيث تدعم معجزاته زعمه. ومصدر إشارات يوحنا يصوره على أنه مسيح الله، حيث يجلب الإيمان به الحياة. أما “ق” فيصوره على أنه وكيل الله في الملكوت. وتنخفض مسيحانية هذه المصادر بالمقارنة مع المسيحانية الكاملة للأناجيل، لكن هذا أمر متوقع. فجميع المصادر تتحدث عن العلاقة بين تعاليم وأعمال يسوع وبين شخصه.

فكلهم يدعون أن يسوع هو رسول الله المخول، ويصرون على أن موقف الشخص تجاه رسالة يسوع وشخصه تحدد موقف هذا الشخص من الله. وبهذا المعنى، فهم لا يمثلون “حركات يسوع” وإنما يمثلون المسيحية. رؤية يسوع هذه مهمة عندما نفكر بالطريقة التي نظر فيها أولئك الذيم قرؤوا تلك المصادر إلى موت يسوع وقيامته.

فلو كانت تعاليم يسوع مهمة في “ق” فقط، ولو لم يكن يسوع هو “وسيط” لحكم الله، حينها لن تكون حياته وموته وقيامته ذات أهمية. لكن في حال كان شخصه وتعاليمه مرتبطين ببعضهما بعضاً، حينها سيكون الباب مفتوحاً أمام هذه الوثائق ومجتمعاتها للانضمام إلى الأناجيل المتطورة والكاملة وكنائسها التي صنعت هذا الارتباط.

أخيراً، هل ينبغي لنا أن نعيد بناء المسيحية الحديثة على أساس مصادر تعود لحقبة ما قبل الفترة الكنسية؟ هل ينبغي، على سبيل المثال، إدخال “ق” إلى القانون الكنسي للعهد الجديد؟ لقد أصر روبرت فنك على برنامج كهذا.

إن هذا الأمر يعد إلى حد كبير مسألة لاهوتية، حيث لا يمكن للدراسة التاريخية إلا أن تقدم إجابة جزئية فقط. ومع ذلك ونظراً لأن طبيعة المعتقد المسيحي يستند إلى التاريخ، تعتبر هذه القضية قضية مهمة، وينبغي أخذ المحاذير الأربعة التالية بعين الاعتبار.

أولاً، ما هو التفسير الذي ينبغي على المسيحية الاستناد إله من بين هذه التفاسير الكثيرة لـ”ق”؟

ثانياً، إذا تم “إعادة النظر” في المسيحية على أساس “ق” فإن ذلك يعني تجاهل المصادر الأخرى التي جاءت قبل الفترة الكنسية التي تقدم أيضاً رؤية مبكرة ليسوع.

ثالثاً، إذا تم تغيير المسيحية على أساس البحث التاريخي فقط فذلك يعني تجاهل قيود المعرفة التاريخية. إن كانت عمليات البحث غير قادرة على اكتشاف متى ومن هو الذي أطلق المصطلح “ق” في القرن التاسع عشر بصورة أكيدة، وبالضبط ما الذي يعنيه هذا المصطلح بالنسبة لأولئك الذين استخدموه لأول مرة، كيف يمكن لعمليات البحث إعادة بناء وثيقة “ق” التي تعود للقرن الأول بدرجة من اليقين حيث سيخاطر الناس بحياتهم هذه وحياتهم الثانية بناءً عليها؟

رابعاً، ينبغي على المرء، عند التفكير ملياً في احتمالية إعادة بناء أصول المسيحية، النظر في الاستبعاد المتزايد لتلك الاحتمالات التي ترتكز على فرضيات متتالية ومتعددة.

وتنص نظرية الاحتمالات على أن احتمالية التوصل إلى نتيجة تتم عن طريق مضاعفة احتمالات كل حلقة في السلسلة التي تفضي إلى الاستنتاج. في هذه الحالة ترتكز نتيجة أن المجتمع الأول لـ”ق” يمثل أفضل نموذج للمسيحية على خمس افتراضات على التوالي:

1-أولوية مرقص.

2-وجود “ق”.

3-إعادة بناء صياغة “ق”.

4-التصنيف الطبقي الصحيح لـ”ق”.

5-الحكم النسبي بأن نسخة “ق” الأولى هي النسخة الأكثر تمثيلاً لتعاليم يسوع بالمقارنة مع غيرها من المؤلفات المسيحية الأولى.

ولمواصلة المسير نحو (5) في الوقت الذي يقبل فيه علماء العهد الجديد بـ(1) و(2)، يجب جعل هذا الموقف أكثر غموضاً والتباساً وبصورة متسارعة. وهذا لا يعني أنه لا يمكن أو لا ينبغي القيام بذلك، بل يعني أنه ينبغي على هؤلاء الذين يواصلون المسير نحو (3) و(4) و(5) الاعتراف بالضعف المتزايد لمواقفهم. وسينشغل مستقبل دراسات “ق” بكل الاحتمالات بمسألة أهمية “ق” القديمة والحديثة.

الوثيقة Q وتأثيرها علي فهم المسيحية

الصليب والقيامة في الوثيقة Q

الصليب والقيامة في الوثيقة Q

الصليب والقيامة في الوثيقة Q

ما هو مغزى موت يسوع وقيامته بالنسبة لوثيقة المصدر Q ومجتمعه الوثيقة Q؟ لأول وهلة، يبدو هذا السؤال دون معنى، لأن الوثيقة Q لا يورد أحداثا سردية عن الآلام أو القيامة، ولا يذكر أي شيء واضح عن هذه الأحداث. فقد قال معظم مفسري الوثيقة Q الأوائل: إنه ومجتمعه يفترضون وجود بعض العظات عن الصليب والقيامة، وقد كان هذا في السابق أمراً متفقاً عليه.

في الآونة الأخيرة، قال بعض مفسرو الوثيقة Q البارزين إنه نظراً لعدم تسجيل موت يسوع وقيامته في الوثيقة Q، لم يعرف مجتمع الوثيقة Q هذه الأحداث، أو لم يعتقدوا أنها ذات أهمية في حال كانت قد حدثت. فعلى سبيل المثال، كتب ستيفن جيه باترسون: “جنباً إلى جنب مع إنجيل توما، تخبرنا الوثيقة Q أنه لم يختر كل المسيحيين موت يسوع وقيامته كنقاط أساسية لتفكيرهم اللاهوتي.”

في حين يقر جون كلوبنبورغ: “إنه من غير المعقول أن نفترض أن هؤلاء الذين وضعوا الوثيقة Q لم يكونوا على علم بموت يسوع”. فقد فهموا موته بطريقة مختلفة مستمدين إياها من الممارسات الحكيمة وتاريخ سفر التثنية.

ومع ذلك، يقول إن تي رايت: “سيكون من الجيد الحفاظ على فرض قيود صارمة على أي من النظريات التي تعتمد على أهمية عدم إيراد الوثيقة Q لأي سرد عن الآلام، على سبيل المثال. السير في هذا النوع من الطرق هو بمثابة المشي مغمض العينين في متاهة من دون خريطة”. ولأن كان قد قيل مؤخراً ولاسيما من جانب إريك فرانكلين إن الوثيقة Q يحتوي على سرد للآلام يمكن اكتشافه من خلال الأمور المشابهة لسرد الآلام الوارد في متى ولوقا، إلا أنه يبقي من الصعب إظهار الأدلة، ناهيك عن إثباتها.

إن الرأي القائل بأن الوثيقة Q، تعكس شكلاً مبكراً لحركة يسوع التي لم تكترث بالصليب أو القيامة لهو رأي غير محتمل. فعلم الإيمان بالآخرة الوارد في الوثيقة Q يفترض موت يسوع وقيامته. وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها بعض العلماء الاستبعاد جميع صور الإيمان بالآخرة من الطبقة / الطبقات الأولى في الوثيقة Q، وجهودهم الرامية لإفراغ مصطلحات مثل “ملكوت الله” من محتواها الآخروي.

إلا أن كل مرحلة من مراحل الوثيقة Q تحتوي على بعد آخروي هام، لاسيما أن الوثيقة Q تحتوي على إشارات محتملة لرفض يسوع وموته وعودته كابن الإنسان ليحكم العالم. فالأنبياء الذين يعودون إلى القدس يقتلون دائماً كما حدث مع يسوع. ومع ذلك، سينتصر يسوع بطريقة أو بأخرى على معارضة وشك أورشليم: “والحق أقول لكم: إنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه: مبارك الآتي باسم الرب” (لوقا 34:13-35).

يتجلى افتراض موت يسوع بأبرز صوره في القول بأن على تلاميذه حمل صليبهم والذهاب وراءه (لوقا 27:14). ولا يمكن تفسير هذا على أنه صورة مجازية للاتباع الصعب دون الإشارة إلى ما حدث حقاً مع يسوع. ربما تأخذ الأقوال الكثيرة التي تتحدث عن اضطهاد أولئك الذين يتبعون يسوع ويبشرون برسالته في الحسبان موت يسوع. كذلك فإن أقوال ابن الإنسان تعرّف يسوع على أنه ابن الإنسان الذي سيأتي في النهاية ليحكم.

وحتى في حال قام أحد ما بتصنيف طبقات الوثيقة Q وأوكل الأقوال التي تتحدث عن المعاناة المراحل لاحقة، فإن هذا يدل على أن مجتمع الوثيقة Q نفسه أدرك أنه لا بد من استكمال مجموعة الأقوال الواردة في الوثيقة Q بفهم موت يسوع إلى حد ما. فأساس هذا هو الربط القوي الذي شكله الوثيقة Q بين شخص يسوع بين تعاليمه. لذلك وعلى الرغم من أن الوثيقة Q كما ذكرنا لا تحتوي على سرد يتحدث عن الآلام أو القيامة، وربما لم يحتوِ على ذلك أبداً، لا ينبغي أن يؤخذ هذا النقص على أنه يعني أن الوثيقة Q ومجتمعها قلل أو لم يقدر أهمية موت يسوع وقيامته، ناهيك عن أنهم لم يكونوا يجهلون ذلك.

كما أن الدليل الموجود بين أيدينا لا يسمح بمثل هذا الاستنتاج الواسع وربما يشير إلى الاتجاه المعاكس.

إقرأ أيضاً: الوثيقة Q المصدر:

يسوع وكيل مملكة الله

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

الصليب والقيامة في الوثيقة Q

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

 

لطالما لاحظ قراء الأناجيل أن متى ولوقا يتشابهان مع بعضهما البعض في طريقة عرضهما لتعاليم يسوع، وأن مرقص يفتقد إلى الكثير من هذه التعاليم. فهناك العديد من القصص والمواعظ وأقوال يسوع في متى ولوقا أكثر من تلك الموجودة في مرقص، والمادة التي يتشارك فيها كل من متى ولوقا قريبة جداً في الصياغة. فمنذ العصور القديمة، كان هذا الأمر يُفسر بالقول بأن متى كُتب أولاً (أولوية متى)، وأن مرقص ولوقا قاما باستخدام متى كمصدر لهما، موسعين فيه أو موجزين وفقاً لحاجاتهما.

أما اليوم، فيؤكد معظم العلماء على أن مرقص كُتب أولاً (أولوية مرقص.) وأن كلاً من متى ولوقا بالالتفات إلى مصدرين رئيسيين هما: مرقص والوثيقة Q([1]). إن نظرية العلاقات الأدبية بين الأناجيل السينوبتية معروفة ب: “فرضية المصدرين”.

يمكن تعريف وثيقة الوثيقة Q، بكل بساطة لكن بدقة، بأنه شبيه بجميع المواد المتطابقة والمشتركة بين متى ولوقا وغير موجودة في مرقص. إن وثيقة الوثيقة Q في جميع مصادر الأناجيل هو إلى حد بعيد أهم دراسة في العهد الجديد. فقد تم البحث فيه دون انقطاع لأكثر من مائة وخمسين سنة، وأصبح منذ حوالي عام 1970 نقطة محورية، ربما النقطة المحورية للدراسات التي تبحث في يسوع التاريخي. في حين أن وجود “م” و”ل”، ومصدر إشارات يوحنا غير مقبول من الناحية التماثلية، وتجمع الغالبية العظمى من العلماء على اعتناق فرضية الوثيقة Q.

في هذا الفصل سوف نقوم باختصار بذكر بدائل فرضية المصدرين مع فرضياتها للوثيقة Q، كما سنذكر بإيجاز محتويات وثيقة الوثيقة Q ووصف الدراسة الأخيرة له. ومن ثم سوف نركز على مسألتين هامتين بالنسبة لدراستنا: هل تصور وثيقة الوثيقة Q يسوع على أنه معلم يهودي كلبي؟ وما هي أهمية موت يسوع وقيامته بالنسبة لوثيقة الوثيقة Q ومجتمعها؟ فاهتمامنا الأساسي في البحث في وثيقة الوثيقة Q يركز على وضعه المفترض بأنه مصدر يسوع التاريخي، المصدر المستقل والسابق للأناجيل.

هل كانت وثيقة الوثيقة Q موجودة حقاً؟ حالما يتم القبول بأولوية مرقص، حينها يمكن تفسير المادة المشتركة في متى ولوقا بإحدى الطريقتين الرئيسيتين: إما أن الأول استخدم الآخر، أو أنهما استخدما مصدراً مشتركاً. بما أن متى ولوقا لم يستخدم أي منهما الآخر، يتضح ذلك لأسباب عدة. بادئ ذي بدء، كما لاحظنا أعلاه، يملك متى ولوقا على حد سواء قدراً كبيراً من المواد الخاصة بإنجيليهما. في حال استخدام أي منهما الآخر، فمنطقياً أن نتوقع وجود أقل القليل من المواد الخاصة بكل واحد منهما. ومن ثم أيضاً، لا يتفق متى ولوقا بالترتيب والصياغة بالمقارنة مع مرقص.

ففي حال استخدام أي منهما الآخر، فإننا نتوقع المزيد من الاتفاق في الترتيب والصياغة في متى ولوقا عندما يختلفان عن مرقص. أيضاً، إن المواد المشتركة بين متى ولوقا ومختلفة في مرقص واردة بترتيب مختلف في متى ولوقا، وعادةً ما يبدو شكل لوقا أقل تطوراً. فمتى يحتوي على مادة الأقوال في خمس أجزاء رئيسية (متى 5-7، 10، 13، 18، 23-25)، في حين أنها ترد في لوقا على نحو متساو تمامً (لوقا 3-9).

يصعب شرح هذا التباين في التوزيع في حال استخدام أي منهما الآخر. أضف إلى ذلك، أنه ما أن يتم عزل المادة التي لا تعود إلى مرقص التي يتشارك بها كل من متى ولوقا، حتى يظهر قدر كبير من التماسك الداخلي في الشكل والمضمون، أكثر بكثير من لك الوارد في “ل” و”م”. أخيراً، لقد أسكت اكتشاف إنجيل توما في عام 1945 أولئك الذين زعموا أنه لا يوجد تشابه في بداية ظهور المسيحية بالنسبة لمجموعة أقوال يسوع التي تفتقد إلى إطار سردي. نظراً لهذه الأسباب ولأسباب أخرى، توصلت الغالبية العظمى من العلماء إلى أن متى ولوقا استخدما على نحو مستقل مصدراً منفصلاً للمادة المشتركة التي لم ستمدها من مرقص.

وعلى الرغم من أن وثيقة الوثيقة Q تبدو وفق مصطلحات دوغلاس غولدر: “القوة الماحقة” في الدراسات الحديثة، فهناك ما لا يقل عن أربعة تفسيرات أخرى لأوجه الشبه في متى ولوقا بالمقارنة مع مرقص الذي ينكر وجود الوثيقة Q. التفسير الأول هو: “فرضية الإنجيلين”، التي اعتنقها بشجاعة وليام آر فارمر وزملاؤه، حيث تقول إنه تم كتابة متى أولاً، ومن ثم استخدم لوقا متى كمصدر رئيسي، وقام مرقص باختصارهما. التفسير الثاني هو فرضية المراحل المتعددة ل م ي بويسمارد، حيث تفترض هذه النظرية المعقدة للغاية أن أربعة من المصادر المكتوبة الخاصة بمتى ومرقص ولوقا والوثيقة Q كانت قد شكلت بداية منهج الإنجيل.

ومن ثم أصبحت اثنتان من هذه الوثائق: “مرقص الأوسط” و”متى الأوسط”، وفقاً للمصطلحات التي أطلقها عليهما بويسمارد. وبعد ذلك، خرج لوقا الأول بمادة الوثيقة Q وبمادة متى الأوسط. أخيراً، أثرت أجزاء من مرقص الأوسط بالأشكال الراهنة لمتي ولوقا، ويستخدم شكل مرقص الحالي لوقا الأول ومتى الأوسط. وتعود الفرضية الثالثة إلى دولاس غولدر الذي قال: إن لوقا استخدم إنجيل متى ودمجه بإنجيل مرقص، حيث يرى غولدر أن مادة لوقا الخاصة هي تطوير قام به لوقا لمتى، ويقول أيضاً في أن كلاً من مادة متى الخاصة وما يسميه الآخرون بالوثيقة Q هو تطوير قام به متى لمرقص.

ووفقاً لنظريته، فإن الوثيقة Q غير ضروري، لذا ينكر غولدر وجوده. ويقوم غولدر هنا بتوسيع أعمال أوستن فارير. أخيراً، حاول “بو ريك” شح التوافقات الموجودة بين الأناجيل السينوبتية، بما في ذلك ما يسميه الآخرون ب الوثيقة Q، على أنها عبارة عن خطوط متوازية ناشئة عن تقاليد شفوية وليست ناشئة عن وثائق مكتوبة. فلم يكن مؤلفو الأناجيل على اتصال مع بعضهم بعضاً أو مع مصادر أخرى مكتوبة مثل الوثيقة Q.

لقد رفضت أغلبية العلماء عن وجه حق هذه النظريات البديلة معتبرها غير كافية، حيث تعتمد اثنتان من الفرضيات، فرضيتا فارمر وغولدر، على أولوية متى. فاحتمالية كتابة متى أولاً أمر ممكن، لكن ليس بمقدر نظرية أولوية متى تقديم التفسير الكافي لسبب استخدام مرقص لمتى بهذا الشكل الغريب للغاية: توسيع بعض مواد متى بصورة كاملة، وفي نفس الوقت حذف أجزاء أخرى جذرياً، كحذف أكثر من نصف تعاليم يسوع الواردة في متى. كما لا تفسر نظرية أولوية متى سبب كون الكثير من مواد لوقا مواد خاصة، وأن هذه المادة التي تمثل تطوير لوقا لمتى بكل بساطة غير ذات مصداقية، نظراً لاختلاف المضمون والأمور التي تشدد عليها.

بالإضافة إلى ذلك، فقد طُبعت فرضية بويسمارد في أذهان العلماء على أنهما معقدة أكثر من اللازم، وتشكل انتهاكاً لمبداً أهل العلم القائل في أن التفسير الأبسط هو الأفضل. فقد توصل بحق معظم العلماء بشأن نظرية ريك إلى أنه لا يمكن للتطور الشفهي وحده لتقاليد يسوع تفسير درجة التشابه الحر في الكبير بين الأناجيل السينوبتية.

أما فيما يتعلق بالنتيجة الطبيعية لريك في أن مؤلفي الأناجيل لم يستخدموا مصادر مكتوبة، يشهد (لوقا 1:1-4) صراحة بأن المؤلف عرف مصادر أخرى، مما يجعل من الممكن استخدامه لها. لذلك، يتم تفضيل نظرية المصدرين بفرضيتها لالوثيقة Q، على الرغم من بعض المشاكل العالقة، على الفرضيات البديلة الأربع بوصفها الأبسط والأفضل تفسيراً لأصول وعلاقات الأناجيل السينوبتية.

إن قضية الوثيقة Q أقوى بكثير من أي نظرية منافسة خاصة بعلاقات الأناجيل السينوبتية. وتبقي الوثيقة Q فرضية، ومثل أي فرضية، تستحق أن تخضع للاختبار باستمرار. ومع ذلك، فهي فرضية مفيدة ومثمرة ومن المرجح أن تظل كذلك.

لقد استمر البحث في حجم وصياغة الوثيقة Q في اللغة اليونانية أكثر من قرن حتى الآن، واليوم يعد هذا البحث جهداً خاصاً يرأسه مشروع الوثيقة Q الدولي الذي كان ينشر سنوياً منذ عام 1990 حتى عام 1997 في صحيفة الأدب الإنجيلي، المشروع الذي يجمع الآن نصاً مهماً لالوثيقة Q. في حين تتفاوت إلى حد ما عمليات تجديد محتويات الوثيقة Q الحقيقية، يبقي المخطط الأساسي واضحاً. فالجدول التالي يلخص محتويات الوثيقة Q العامة والمقبولة للجميع.

محتويات الوثيقة Q:

لوقا متى المحتويات
البدايات
7:3-9، 16-17 7:3ب-12 يوحنا المعمدان: التحذيرات، الوعد بأن شخصاً ما سيأتي
2:4-13 2:4ب-11 أ إغراءات (اختبارات) يسوع الثلاثة قدمها الشيطان (ترتيب مختلف في لوقا ومتى)
العظة في السهل / على الجبل
20:6ب-23 3:5، 6، 4، 11-12 تطويبات (ترتيب وصياغة مختلفة)
27:6-30 44:5، 39ب – 40، 42 أحبوا أعداءكم، اعرض الخد الآخر، هب رداءك، أعطه للمستولين
31:6 12:7 وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضاً بهم،
32:6-33، 35، ب-36 46:5-47، 45، 48 أحبوا أكثر مما يفعل أولئك الذين يحبونكم، كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم
37:6أ، 38 ج 1:7-2 لا تدينوا فلا تدانوا، بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم
39:6-40 14:15، 24:10-25 أ هل يقدر أعمى أن يقود أعمى، ليس التلميذ أفضل من معلمه
41:6-42 3:7-5 القذى الذي بعين أخيك، الخشبة التي في عين شخص ما
43:6-45 16:7-20 (33:20-35) ما من شجرة جيدة تثمر ثمراً رديئاً، لا يجتنون من الشوك تيناً
46:6-49 21:7، 24-27 ولماذا تدعونني: يا رب، يا رب، وأنتم لا تفعلون ما أقوله؟، الذي يسمعه ويعمل به
شفاء عبد لقائد المائة
1:7-2، 6 ب -10 5:8 أ – 10، 13 قائد المائة صاحب الإيمان العجيب في كفر ناحوم يطلب المساعدة في شفاء خادمه المريض، الأشخاص الذين يقوم يسوع بشفائهم
أقوال حول يوحنا المعمدان
18:7-28 2:11-11 تلاميذ يوحنا، الرسالة الموجهة له، مديح يوحنا على اعتباره أكثر من نبي
31:7-35 16:11-19 لا يفرح هذا الجيل لا بيوحنا ولا بابن الإنسان
التلمذة والمهمة
57:9-60 19:8-22 ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه، من أجل أن تتبعه دع الموتى يدفنون موتاهم
2:10-12 37:9-38، 7:10-16 الحصاد كثير، الفعلة قليلون، تعاليم المهمة
13:10-16 21:11-23، 40:10 ويل لك يا كورزَين، ويل لك يا بيت صيداَ، الذي يسمع منكم يسمع مني
21:10-24 25:11-27، 16:13-17 شكراً الأب على الإعلان للأطفال، كل الأشياء تُدفع إلى الابن الذي يعرف هو وحده الآب، طوبي للعيون التي تنظر ما تنظرونه
تعاليم بخصوص الصلاة
2:11-4 9:6-13 صلاة الرب (أشكال مختلفة – الصلاة الواردة في متى أطول)
9:11-13 7:7-11 أسألوا تعطوا، أن تعطوا عطايا جيدة، فكم بالحري الآب سيعطي
خلافات ومضايقات
14:11-15، 17-23 22:12-30 ببعلزبول يخرج الشياطين، يحفظ القوي داره، من ليس معي فهو علىّ
24:11-26 43:12-45 متى خرج الروح النجس من الإنسان ثم يذهب ويأخذ سبعة أرواح آخر أشر منه
29:11-32 36:12-42 هذا الجيل يطلب آية، آية يونان النبي، حكم أهل نينوى، ملكة الجنوب
33:11-35 15:5، 22:6-23 ليس أحد يوقد سراجاً ويضعه في خفية، سراج الجسد هو العين، متى كانت شريرة فجسدك يكون مظلماً
39:11-44 25:32 – 26، 23، 6-7 أ، 27 أنتم الآن أيها الفريسيون تنقون خارج الكأس، ويل للعشير التافه، والذين يحبون المجلس الأول في المجامع
46:11-48 4:23، 29-31 ويل لكم أنتم الناموسيون لأنكم تحملّون الناس أحمالاً عسرة الحمل، لأنكم تبنون قبور الأنبياء
49:11-52 34:23-36،13 أنا أقول / حكمة الله تقول: إني أرسل إليهم أنبياء سيعذبون، ويل لكم أنتم أيها الناموسيون
2:12-10 26:10-33، 32:12 لا خفي لن يعرف، لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، اعترفوا بي قدام الله
عن القلق
22:12-31 25:6-33 لا تقلقوا بشأن الجسد، تأملوا زنابق الحقل، الآب يعرف ماذا تحتاجون
33:12-34 19:6-21 لا يوجد كنوز على الأرض بل في السماوات
الاستعداد لمجيء الساعة
39:12-40، 42-46 43:24-44، 45-51 رب البيت والسارق، العبد المخلص المستعد لمجيء سيده
51:21-53 34:10-36 لم آت لأعطي سلاماً بل لأعطي سيفاً، انقسامات داخل العائلات
56-54:12 3-2:16 القدرة على معرفة علامات الطقس تمكن المرء من معرفة الوقت الحالي
58:12-59 25:5-26 التخلص من الخصم قبل الذهاب إلى القاضي
قصص وأقوال حول التلمذة
18:13-21 31:13-33 ملكوت الله تشبه نمو حبة خردل، وتشبه خميرة وضعتها امرأة في الدقيق
23:13-29 13:7-14، 22-23، 11:8-121 قليل هم الذين سيدخلون من الباب الضيق، رب البيت يرفض هؤلاء الذين يقرعون الباب، يأتي أناس من كل حدب وصوب للدخول في ملكوت السماوات / الله
34:13-35 37:23-39 يا أورشليم، يا أورشليم! يا قاتلة الأنبياء، عليك مباركة ذلك الشخص الآتي باسم الرب
16:14-24 2:22-10 ملكوت السماوات / الله هي مأدبة عظيمة: يعتذر مدعوون، ويدعى آخرون
26:14-27 37:10-38 فضلّني على عائلتك، أحمل صليبك واتبعن
34:14-35 13:5 عدم نفح الملح الذي فقد مذاقه
4:15-7 12:18-14 الإنسان الذي يترك 99 خروفاً ويذهب لأجل الخروف الضال
13:16 24:6 ليس بمقدوركم أن تخدموا سيدين
16:16-18 12:11-13، 18:5، 32 كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا، لن تسقط نقطة واحدة من الناموس، كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني
1:17، 3ب-4 7:18، 15، 21-22 ويل لأولئك الذين تأتي العثرات بواسطتهم، اغفر لأخيك بعد توبيخه، بطرس: كم مرة نغفر
6:17 20:17 لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لاستطعتم تحريك الجبال / واقتلاع الأشجار
مجيء ابن الإنسان في النهاية
23:17-24، 37 26:24-28 علامات مجيء ابن الإنسان
26:17-27، 30 37:24 -39 وكما في أيام نوح كذلك يكون أيضاً في أيام ابن الإنسان
33:17 39:10 من طلب أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن أهلكها يحييها
34:17-35 41:10 إنه في تلك اللية يكون اثنان، فيؤخذ الواحد ويترك الآخر
12:19-27 14:25-30 قصة الموهوبين
28:22، 30 28:19 أتباع يسوع سيجلسون على كراسيه ويدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر

وكما يُظهر هذا التلخيص بأن الوثيقة Q يحتوي على معظم تعاليم يسوع. فهو يحتوي على القليل من القصص السردية حيث يبدأ بيوحنا المعمدان والإغراءات التي تعرض لها يسوع، وبالقرب من المنتصف هناك سرد لإحدى المعجزات: “خادم قائد المائة الروماني”. كما يمكن الاستدلال على الكثير من المعجزات الأخرى التي جاء بها يسوع في إنجيل لوقا (21:7 و 13:10 و 20:11). وفي بعض الأماكن، تحتوي التعاليم على سياق أو مقدمات سردية قصيرة، على سبيل المثال: لوقا (18:7-20، الأسئلة التي طرحها يوحنا المعمدان).

إن تعاليم يسوع مقسمة بالتساوي تقريباً بين قصص وأقوال قصيرة. كما تكثير أقوال الحكمة والأقوال الأخروية التي هي بالمجمل عبارة عن تحذيرات. يتشارك الهيكل العام لالوثيقة Q بقسم لا بأس به مع أناجيل العهد الجديد اللاحقة. وبنفس طريقة أناجيل العهد الجديد، يبدأ الوثيقة Q مع يوحنا والإغراءات، ويزيد من ذكر يوحنا في أمكنة لاحقة. وينتهي الوثيقة Q والأناجيل السينوبتية بقسم القصص والأقوال الأخروية على قسمهم التعليمي الرئيسي الأخير.

يبقي الوضع الاجتماعي التاريخي الدقيق لالوثيقة Q غير مؤكد، لكن يوجد هناك شبه إجماع بخصوص ذلك. فمعظم الباحثين يحددون مكانه في فلسطين، وكثيرون يحددون مكانه في جنوب الجليل الأوسط، وقليلون يحددون مكانه في جنوب سورية. إن الوثيقة Q عمل يهودي مسيحي موجه لشعب إسرائيل. فتاريخ كتابته المقترح يتفاوت من 40 إلى 70م وعلى الأغلب تمت كتابته في منتصف هذه الفترة. قد يُظهر الجزء الأول من هذه الفترة حملات تبشيرية متجولة تكمل رسالة يسوع وكهنوته في جميع أنحاء المناطق التي كان يعمل فيها.

وقد تعود المجموعة الأولى لأقوال يسوع التي استخدمتها هذه الحملات التبشيرية المتجولة إلى المجتمع الذي ظهر بعد عيد الفصح الأول. ومن المرجح أن هذه الحملات التبشيرية كانت قد أنشأت أول مجتمع مسيحي مستقر في جميع أنحاء الإقليم القديم من إسرائيل. وتشكل نهاية هذه الفترة، أي عام 70م، فترة التمرد اليهودي. فقد تكون كل من الحملات التبشيرية والتجمعات السكنية المستقرة تعطلت إلى حد كبير جراء الحرب، ولم تشر التنبؤات حول القدس والمعبد إلى وجود عمل عسكري (لوقا 34:13-35)، كما هو الحال في الأناجيل السنوبتية.

كذلك الأمر، فإن استخدام الوثيقة Q من جانب متى ولوقا، اللذين يعود تاريخهما بصورة شائعة إلى الثمانينيات من القرن الأول، يتضمن أن الوثيقة Q كان قد تمت كتابه وتداوله في فترة سبقت ذلك العقد.

لقد كان الوثيقة Q وفقاً لكل الاحتمالات وثيقة مكتوبة. إن أفضل طريقة لتفسير الكمية الكبيرة من التوافقات الشفهية بين متى ولوقا، الأمر الذي يشير مرة أخرى إلى مصدر مكتوب. لقد تمت كتابة الوثيقة Q بصورة شبة مؤكدة باللغة اليونانية. ومن المرجح أن يكون الكثير من تعاليم الوثيقة Q في الأصل باللغة الآرامية، لغة يسوع وربما لغة الحملات التبشيرية الفلسطينية الأولى. ومع ذلك، فإن هذا ليس مؤكداً، وإن إعادة نصوص الوثيقة Q إلى الآرامية موضع شك كبير ولا تشكل موضوعاً هاماً في مجال البحث في الوثيقة Q.

منذ نحو عام 1970، في أحدث موجة اهتمام بالوثيقة Q، تم تخصيص الكثير من عمليات البحث للنظر في المراحل التكوينية التي نشأ فيها الوثيقة Q والعمل على ربط نمو العمل بتاريخ المجتمع الذي أنتج الوثيقة Q. فقد شكلت هذه المهمة العنصر الأكثر إثارة للجدل في عمليات البحث في يسوع، المهمة المحفوفة بالصعوبات. لا يسعنا هنا إلا أن نصف عدداً قليلاً من المقترحات الرائدة وأن نقدم نقداً وجيزاً. يفترض جون كلوبنبورغ في أكثر عمليات التجديد تأثيراً على تاريخ تكوين الوثيقة Q نموذجاً من ثلاث مراحل.

تم تأليف “ق1” من “خطابات الحكمة” التي شجعت على اتباع أسلوب حياتي راديكالي مناهض للحضارة (على سبيل المثال: جوهر العظة في السهل / الثاني، بإدانة إسرائيل عندما عارضت رسالة الحكمة ورسلها، “رسالة يوحنا المعمدان، شفاء عبد قائد المائة، جميع المواد الرؤيوية”. “ق3” كان آخر ما تم إضافته، الطور التوضيحي الذي قرّب الوثيقة Q من اليهودية الحريصة على التقيد بالتوراة. كما تم في هذه المرحلة إضافة قصة الإغراء التي تعرض لها يسوع، القصة التي تقدمه على أنه نموذج للعلاقة الصحيحة مع الله.

ويرى ديتر لوهرمان طبقتين رئيسيتين للمادة. تتضمن الطبقة الأولى طبقة أخروية بأقوال عن ابن الإنسان، الإدانة، والمجيء الثاني الوشيك ليسوع، وتتضمن الطبقة الثانية دمجاً بين البعثة الموجهة للوثنيين وبين تعاليم الحكمة، عندما يتضاءل الأمل في المجيء الثاني الوشيك ليسوع.

ويرى لوهرمان مجتمع الوثيقة Q على أنه مجموعة مسيحية لا يهودية تعرضت للاضطهاد على أيدي اليهود. وتفترض عملية التجديد التي قام بها سيغفريد شولتز مرحلتين لالوثيقة Q ومجتمعها: الأولى: مجتمع فلسطيني يهودي مبكر يحمل توقعات أخروية قوية ومادة رؤيوية، والثانية: مرحلة يهودية هيلينستية متأخرة تحمل أنواعاً أخرى من المواد. اما إم ساتو فيتصور ثلاث خطوات: “التنقيح أ” جمع مواد متعلقة بيوحنا المعمدان، “التنقيح ب” دمج المواد التي تتحدث عن البعثة، و”التنقيح ج” يتضمن بيانات إدانة إسرائيل وتعاليم الحكمة.

نظراً لتنوع مواده، فإنه من المرجح حقاً أن يكون الوثيقة Q تشكل على مراحل. ربما بكون قد بدأ بتجميع مواد الوعظ التي كانت متشابهة في الشكل والمضمون. وبعد ذلك، في الوقت الذي تواصلت فيه الإرسالية التبشيرية إلى إسرائيل، أدت المعارضة والفشل في نهاية المطاف إلى إدراج مواد تعليمية أخرى متنوعة تؤكد على إدانة إسرائيل والالتفات إلى الوثنيين. فماذا تكون أنواع المواد المضافة عندما يصعب التكهن بذلك؟

يقترح كلوبنبورغ أن عناصر الحكمة التي جاءت أولاً والعناصر الرؤيوية كان لهما التأثير في أمريكا الشمالية، لاسيما مع بيرتون ماك، وجون دومينيك كروسان، وأعضاء آخرين في منتدى يسوع، حيث يقولون بأن يسوع التاريخي كان معلم الحكمة. لكن كما يشير المخطط المختصر أعلاه، اقترح آخرون أن المادة المتعلقة بسفر الرؤيا جاءت أولاً ومن ثم جاءت مادة الحكمة. وربما يكون من الخطأ استنتاج فارق ثابت بين المادة الروحية والرؤيوية والحكمة في أدب مؤثر مثل أدب دانيال.

هناك بعض المقاطع في الوثيقة Q تجعل من الصعب تحديد حكمتها والعناصر الرؤيوية لمختلف مراحل تكوينها. على سبيل المثال، أظهرت “أديلا يا ربرو كولينز أن أقوال “ابن الإنسان” الأخروية تتكرر في كل طبقة من طبقات الوثيقة Q وفقاً لتصنيف الأبحاث الأخيرة. وقد صادق هيلموت كوستر مؤخراً على استنتاجاتها المتعلقة بالإيمان بالآخرة في الوثيقة Q. وينطبق الشيء نفسه على المقاطع الأخرى.

في إنجيل لوقا (31:11-32)، ستكون ملكة الجنوب التي جاءت “من أقاصي الأرض للاستماع إلى حكمة سليمان” شاهدةً مع شعب نينوى في الحكم. في لوقا (49:11) ترسل “حكمة الله” الأنبياء والرس الذين سيتعرضون للاضطهاد “وبذلك يطلب من هذا الجيل دم جميع الأنبياء المهرق” منذ إنشاء العالم.

في لوقا 4:12-7 يُعطى الصمود في وجه الاضطهاد مبدأ أخروياً (الآيات 4-5: خافوا من الذي بعدما يقتل، له سلطان أن يلقي في جهنم ومن ثم يُعطى مبدأ حكمة) و(الآيات 6-7 الله: يكترث للعصافير، وأنتم أفضل من عصافير كثيرة، فلا تخافوا). تشير مثل هذه النصوص إلى أن الحكمة والمواد الأخروية قد تكون موجودة في الوثيقة Q في مختلف مراحل تكوينه.

إن الوقت والطريقة اللذين دخلت فيهما المادة إلى الوثيقة Q هما أيضاً موضع خلاف. هل كانت عناصر السرد موجودة في البداية، أم أنه تم إضافتها في وقت لاحق في الوقت الذي كانت فيه الوثيقة Q في طريقها لتصبح إنجيلاً قبل أن يتم دمجه في متى ولوقا؟ وهل كان عبارة عن مادة لاحقة تم تلفيقها بكل صراحة؟ يلمح بعض الباحثين أو يصرحون علناً أن واضعي الوثيقة Q هم الذين قاموا بإنشاء الطبقات الأخيرة له وأن الطبقة الأولى فقط هي التي تدعي تمثيل تعاليم يسوع الأصلية.

وهنا يجب علينا أن نتذكر القول المأثور “التاريخ التقليدي ليس تاريخاً أدبياً.” فمن الممكن للحالة المتغيرة لمجتمع الوثيقة Q أن تؤدي بهم إلى تبني تعاليم مختلفة ليسوع كانت تسبح في بحر تقاليد الوثيقة Q الشفوية، البحر الذي طافت على سطحه وثيقة الوثيقة Q، ومن ثم أدت بهم إلى إدراج تلك التعاليم في الوثيقة Q مكتوبة.

يسأل الكثير من البحاثين فيما إذا كان باستطاعتنا الربط بين طبقات الوثيقة Q الأدبية وبين التاريخ العام للمجموعة التي من الواضح أنها أنتجته. على الرغم من ذلك، ما يزال ممكناً السؤال عن نوعية المجتمع الذي يعكسه الوثيقة Q ككل. فقد أولي الكثير من الاهتمام لدعاة الوثيقة Q المتجولين، لاسيما دورهم في استخدام وتطوير تقاليد يسوع. وتبدو مقاطع مثل: (لوقا 57:9-12:10، 22:12-31، 33-34، 51-53) أنها تعكس نمط حياة الدعاة الذين تم إرسالهم لتوسيع كهنوت يسوع.

فقد تركوا أسرهم وأصبحوا بلا مأوى، وقد ذاقوا طعم الفقر واعتمدوا على كرم الشعب الذي يعملون بينه من أجل عيشهم الزهيد، وتنقلوا من بلدة إلى أخرى يدعون قبل مجيء ابن الإنسان في نهاية الزمان. فهم يعيشون ويبلغون رسالة يسوع: “طوباكم أيها المساكين، لأن لكم ملكوت الله.” (لوقا 20:6)، كما يبدو أن وصف أتباع يسوع المتجولين الوارد في الوثيقة Q يشير إلى أنهم يصنعون المعجزات. ومع ذلك، هذا لا يحدث إلا مرة واحدة (لوقا 9:10)، الأمر الذي قد يشرح سبب الذكر البسيط للمعجزات في الوثيقة Q نفسه.

إلى جانب نمط حياة المتجولين هذا، تقدم الوثيقة Q رغم ذلك مجتمعاً مستقراً من المؤمنين يعيشون نمط حياة مختلف. “أقيموا في ذلك البيت… لا تنتقلوا من بيت إلى آخر.” (لوقا 7:10)، في حين يتحدث إلى المتجولين، يضع بعض القيمة لحياة الاستقرار. وفي المنع الصارم للطلاق من جانب يسوع، يتم التمسك بالزواج بصفته مشيئة الله المستمرة (لوقا 18:16). وتُظهر القدرة على توفير السخاء الذي يبدو عبارة عن دعم مادي غير منقطع للأخرين (لوقا 30:6) تُظهر أن ليس كل أفراد مجتمع الوثيقة Q قاموا بالتبرع بكل ما يملكون.

كما تُظهر الضرورة المستمرة للاختيار بين الله والثورة (لوقا 13:16) مجتمعاً يتمتع بما يكفي من الثروة التي يغريه بها الأغنياء. وتُظهر قصص الوثيقة Q الرمزية على وجه الخصوص، وإن لم تكن تقدم تعاليم تخص الممتلكات بصورة مباشرة، وتُظهر موقفاً أكثر إيجابية لحياة الاسقرار من خلال طرق معينة: الله هو بمثابة رب البيت (25:13-30)، الله يعطي مأدبة غنية (16:14)، الله هو بمثابة رجل يملك مائة من الغنم ويهتم بواحدة (4:15-7)، والله يعطي لشعبه مواهب غنية متوقعاً منهم مضاعفتها (12:19-27).

لا يمكن لمجتمع مؤلف من متجولين فقراء ينظرون إلى الممتلكات على أنها شر تصور هذا الرأي الإيجابي الضمني لحياة الاستقرار وبعض الثروة. فقد دخل الانحلال الروحي والنفاق في المجتمع، لأن بإمكان بعض الناس مناداة يسوع ب “الرب” ولا ينفذون أوامره (لوقا 46:6-49). ويمكم لمؤمنين مستقرين التأمل في هذا الوضع أكثر من أولئك المبشرين المتجولين الروحانيين.

وهناك معنى لوجود كل من الدعاة المتجولين والمجتمعات المستقرة في مجتمع الوثيقة Q الكبير: ينجح المبشرون بدعوة الناس، وإذا انضم هؤلاء المتجولون إليهم في مهمتهم، فإن المجتمعات المستقرة للمؤمنين ستتطور بعد فترة وجيزة. ربما تدعم أو تطعن أنماط الحياة الراديكالية والتقليدية في مجتمع الوثيقة Q ببعضها بعضاً، السيناريو الذي لا يختلف عن ذلك المعروف في العهد الجديد وفي تاريخ الكنيسة اللاحق عندما كان المبشرون المتجولون والكنائس المستقرة يتمتعون بعلاقة خلاقة لكن متوترة.

كيف تصور الوثيقة Q يسوع؟

في حين أن يسوع يظهر بصورة المعلم بكل وضوح، إلا أنه يعتبر أكثر من ذلك. إن يسوع بتعاليمه هو وكيل الله للخلاص، وبذلك يقرّب ملكوت الله بالقدر الذي يكفي ليستجيب الشعب له. “ولكن إن كنت بإصبع الله أخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله.” (لوقا 20:11). يظهر يسوع في افتتاحية الوثيقة Q على أنه “استيفاء الأنبياء وفي شخصه وكلامه البيان الحقيقي للناموس.” فهو ابن الإنسان (لوقا 19:8-22، 16:11-19) وأبن الآب (لوقا 25:11-27). وهو المبعوث الأخير لحكمة الله (لوقا 35:7). وبصورة تثير الدهشة، لا يدعو الوثيقة Q يسوع بالمسيح، إلا أن مسيحانية يسوع تقر بيسوع على أنه المسيح بكل شيء باستثناء الاسم.

وتحدد استجابة شخص ما على شخص يسوع وتعاليمه علاقته بالله في هذا العالم ومكانته في ملكوت الله في العالم الآخر (لوقا 8:12-9). والحيادية بالنسبة ليسوع مستحيلة (لوقا 23:11). فقد انكشف وقت الخلاص بظهور يسوع، وهؤلاء الذين يسمعونه ويطيعونه مباركون. وهؤلاء الذين ينكرون يسوع سيحاكمهم الله، وإن التحذيرات من الفرار من الحكم النهائي باللجوء إلى الله وفيرة في الوثيقة Q. وتترافق المعجزات مع تعاليم يسوع الموثوقة. على الرغم من أن الوثيقة Q لا يذكر سوى معجزة واحدة، ألا أنه يوضح أن علميات الشفاء كانت من سمات كهنوت يسوع كله.

“إن العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون.” (لوقا 22:7). كما يرسل يسوع تلاميذه ليذيعون عرض الخلاص هذا وقُرب ملكوت الله (لوقا 5:10-6، 9، 11). وهم ربما ضمناً كيسوع، “مثل الغنم بين الذئاب” وسيعانون من اضطهاد اليهود الذين لا يؤمنون (لوقا 3:10، 22:6-23). ومع ذلك، يتوجب عليهم حمل الصليب واتباع يسوع (14:27) ويقابلون الاضطهاد بالحب. إن يسوع في حياته الدنيوية مرتبط بيسوع الممجد الذي سيعود كابن الإنسان.

إقرأ أيضاً:

([1])  يقال إن الرمز الوثيقة Q (َQ) مشتق من الكلمة الألمانية: “Quelleالمصدر“، لكن هذا ليس أكيداً على الإطلاق. انظر جون ج. سميث، البحث عن أصل الرمز (Q)، دورية الأدب الإنجيلي، 100 (1981) 609-611.

 

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

 

في هذا الفصل سيتم الحديث عن الذين عايشوا يسوع في المصادر الافتراضية للأناجيل الكنسية، فقد حاول معظم الباحثين في هذه المصادر فهم كيفية استخدام مؤلفي الأناجيل لهذه المعايشة لتوضيح الأمور الخاصة التي أكدتها هذه الأناجيل، بالإضافة إلى أشياء أخرى. إن مادة هذا البحث تتعارض مع عنوان الكتاب، فهي داخل إطار العهد الجديد. ومع أن الأبحاث الأولى عن يسوع خارج إطار العهد الجديد لا تشير إلى المصادر الكنسية، فقد تعامل العلماء منذ نحو عام 1970 مع هذه المصادر كما لو كانت خارج العهد الجديد، أي، كمصادر مستقلة لمعرفتنا عن يسوع. فهي تثبت الأشكال الأولى للمسيحية، أو كما يصفها البعض: “تحركات يسوع” التي كانت موجودة قبل أو مع ظهور الأشكال الأولى للمسيحية.

سيتم البحث هنا في أربعة مصادر إنجيلية تعتبر شهوداً من خارج القانون الكنسي على يسوع. وتبدو مصادر مرقص الممكنة: مجموعات المعجزات، والخطب الرؤيوية، من ضمنها بداية سرد آلام المسيح، متباينة للغاية بالنسبة للباحثين العصريين، ولسنا بصدد النظر فيها هنا([1]).

أولاً، سنناقش المادة الخاصة بلوقا: المعروفة بالمصدر “ل”. ثانياً، سنناقش المادة الخاصة بإنجيل متى: المسماة بـ “م”. يحتوي “ل” على بعض المضامين السردية، إلا أن “ل” و”م” يحتويان على تعاليم يسوع. ومن ثم سننظر في المصدر الخاص بالإنجيل الرابع، الذي يدعى على نطاق واسع بـ: “مصدر الإشارات”. ربما كان يشكل هذا المصدر أول إنجيل كامل شبيه بالأناجيل الكنسية، حيث يحتوي على تعاليم بسياق سردي وينتهي بموت يسوع وانبعاثه.

أخيراً، سنكرس القسم الأكبر في هذا الفصل للبحث في “مصدر الأقوال المأثورة” لمتى ولوقا، التي تحمل اسم: وثيقة “ق”. إن هذا المصدر الافتراضي على وجه العموم، وليس على وجه الحصر، مؤلف من مادة تعليمية. إن وثيقة “ق” ليست مصدراً أكثر تعقيداً من المصادر الأخرى فحسب، بل كانت أيضاً موضوعاً رئيسياً، تقريباً مركز العاصفة، بالنسبة للأبحاث المعاصرة التي تعنى بيسوع. لن نركز على طريقة استخدام الأناجيل الكنسية لهذه المصادر الأربعة، بل ستكون مهمتناً بدلاً من ذلك فهم ما تخبرنا به هذه المصادر عن يسوع في الماضي.

وسنعرض في كل قسم المصدر المقترح، بالإضافة إلى تلخيص تاريخ بحثه. ومن ثم سنعرض محتوى المصدر بشكل جدول، نظراً لطوله الذي يصعب إعادة تقديمه هنا بصورة كاملة. بعد ذلك، سنقدر صحته كمصدر محاكٍ للبحث الحديث ونبحث في رؤيته ليسوع.

“ل”: يسوع، المعلم والشافي الجبار

تقول المقدمة الآسرة لإنجيل لوقا: إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من البداية بتدقيق، أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس، لتعرف صحة الكلام الذي عُلمت به. (لوقا 1:1-4).

ماذا كانت تلك القصص الكثيرة المكتوبة التي كان لوقا يحاول تحسينها؟ لقد وجد العلماء جوانب كثيرة في هذه المقدمة الآسرة، لاسيما أسلوبها. فهي تتحدث عن موضوع هذا الفصل ضمنياً، أي مصدر خاص بإنجيل لوقا لا يتشارك فيه مؤلفو الأناجيل الأخرى.

في نظرية أصول الأناجيل السينوبتية التي يوافق عليها الجميع، أي “نظرية المَصْدَرَيَن”، استخدم المؤلف في إنجيل لوقا ومتى مصدرين رئيسين. المصدر الأول هو إنجيل مرقص، الذي يشكل ثلث إنجيل لوقا. فلوقا يتتبع نسق مرقص ويأخذ أجزاءٌ كبيرة من مواده التعليمية والسردية مع بعض الاستثناءات القليلة([2]). المصدر الثاني هو وثيقة “ق”، وهي عبارة عن مادة تعليمية تشكل نحو خُمس إنجيل لوقا.

وقد يكون لوقا استخدم مجموعة شفهية أو مكتوبة من مادة خاصة بإنجيله، وتسمى: المصدر “ل”، حيث تشكل هذه المادة الخاصة جزءاً كبيراً من هذا الإنجيل، وتقدر بين ثلث إلى نصف الإنجيل. وتبدأ معظمها بتعاليم يسوع، كما تحتوي على بعض أهم الحكايات الرمزية: السامري الصالح والابن المسرف، والرجل الغني ولازاروس. كما تحتوي على قصص سردية بارزة: توبة زكّا، والخلاف بين مريم ومارثا على خدمة يسوع على نحو حقيقي، وامتنان السامري الأبرص.

لقد أظهر البحث في يسوع التاريخي إلى حد بعيد أصالة محتويات لوقا المميزة: التعاليم والقصص السردية على حد سواء. وتعود دراسة “ل” كمصدر للوقا إلى بداية القرن العشرين مع برنارد لويس وبول فينن الذين كانا من بين الأوائل الذين قاموا ببحث شامل عن مصدر “ل”. وعلى الرغم من أن بعض الباحثين قاموا بالبحث فيه من وقت لآخر خلال القرن العشرين، إلا أنه لم يكن موضوع بحث رئيسي.

وكانت فرضية وجود إنجيل “بروتو – لوقا” جذابة للبعض، وغالباً ما كانت تطغي على “ل”، وقد اتجهت دراسة وثيقة “ق”، التي كانت تطفو إلى السطح، نحو حجب الدراسة في مصادر أخرى للإنجيل. ومع ذلك، ازداد الاهتمام بـ”ل” ازدياداً كبيراً منذ نحو عام 1980، حيث أدرك الباحثون بكل سهولة المحيط الخارجي لمادة “ل”: كل شيء في لوقا غير متماثل مع مرقص أو وثيقة “ق”. وقد قالت قلة من الباحثين إن لوقا نفسه كتب جميع هذه المواد، لذلك لا تشير أي من محتويات تلك المواد إلى أي مصدر.

أولاً: لقد قدم هوارد مارشال أسباباً وجيهة تدعم عدم إمكانية الدفاع عن هذه النظرة المتطرفة([3]). أما عن الطرف الآخر فقد وقف أولئك الذين يرون أن هناك علاقة وثيقة بين جميع أو معظم مواد لوقا الخاصة: سوندرغوت، في الدراسة الألمانية الأخيرة حول “ل”، وسندركيل بين المصدر “ل”([4]). كما يتخذ معظم الباحثين الذين يفترضون مصدر “ل” موقفاً وسطاً عن طريق إسقاط تلك المقاطع التي يعتقد أنها كانت من تأليف الكاتب لوقا من المجموعة بأسرها.

وغالباً ما يتم استبعاد تلك المواد التي ربما تطورت عن مصدر آخر، مثل القصص السردية عن الطفولة، أو القصص السردية عن آلام المسيح، أو القصص السردية عن القيامة. من هنا يدخل الشك، فبالنظر إلى كتّاب الأناجيل الكنسية، يُعتبر لوقا الكاتب الأكثر مهارة نظراً لقدرته الأدبية بصورة عامة، وفي مجال استخدام مصادره بصورة خاصة. إنه ليس كاتب “قص ولصق”. حيث يمكن وبكل سهولة تمييز المصدر “ل” الخاص به من خلال العمل الذي قام به.

لم تجمع الدراسات الأخيرة على وجود “ل”، حيث ينكر بعض العلماء أن المادة الخاصة بلوقا مستمدة من المصدر “ل”. فعلى سبيل المثال، يؤكد هيلموت كوستر على الحجم الكبير وعدم تجانس المادة في الشكل، ويفكر في استبعاد فكرة وجود مصدر وحيد. كما يخلص أودو شينيلي إلى أن لوقا لا يمتلك المصدر “ل”، وذلك لوجود اختلافات لغوية ضمن المواد الخاصة، وكلها تحمل علامات العمل التحريري الخاص بلوقا… ويقف التفاوت في المواد وغياب مبدأ الترتيب الداخلي في وجه وجود مصدر مستقل للمواد الخاصة بلوقا. من ناحية أخرى، يقول إدوارد شفايتزو بوجود “ل” بالفعل، وذلك نظرأ لـ:

  1. تظهر في “ل” تشابهات مع أقسام موثوقة في كل من مرقص ووثيقة “ق”.
  2. يشير لوقا في مقدمته إلى العديد من الأسلاف المسجلين.
  3. يضمّ المصدر المقترح مواد لغوية مشتركة على نحوٍ واضح.
  4. يحتوي المصدر على مواضيع موحدة، مثل: النساء، والفقراء، والنعمة الإلهية.
  5. يختلف “ل” في ترتيب بعض مواده مقارنةَ مع مرقص، وهناك انسجام مع متَى مقارنة مع مرقص.
  6. تشير التعارضات في لوقا إلى مستويات مختلفة من الأعراف تتعدى ما استُخدم له كل من مرقص و”ق”.

في البحوث الجارية على “ل”، تعد أطروحة كيم بافينروث التي نشرت في عام 1997، وكانت بعنوان قصة يسوع وفقاً لـ”ل”، من أشمل وأدق الأعمال. فبافينروث يقوم بفرز مصدر “ل” المترابط عن طريق التخلص من المواد التي ألفها كاتب الإنجيل أو قام بتحريرها، ومن ثم يحلل المفردات والأسلوب وخصائصها الشكلية ومضمون المادة المتبقية. ويخلص إلى أن: المادة “ل” فيها ما يكفي من أوجه الاختلاف عن نمط وشكل ومضمون لوقا، الذي يجعل من المحتمل أنه يشكل مصدر “ل”.

وعلاوة على ذلك، يخلص إلى أنه مصدر مترابط وموحد. فـ”ل” يحتوي على عناصر شفوية قوية، ولكن من المحتمل أكثر أن لا يكون وثيقة. فقد كتب يهود مسيحيون في فلسطين في الفترة الواقعة ما بين 40 و60م. وتبقى بعض التساؤلات قائمة بشأن جهود بافينروث ([5])، إلا أنه طرح أقوى قضية عن مصدر “ل” حتى الآن. لقد اخترت أن أستفيد من بحثه هنا، لأنه إلى حد ما يدل على نتائج فهم الآخرين لمصدر “ل”، ولأنه من المرجح أن يشكل أساس البحث القادم في “ل”.

محتويات “ل” في لوقا التي حددها بافينروث هي كما يلي:

وعظ يوحنا المعمدان 10:3-14
معجزات إيليا للوثنيين 25:4-27
يسوع يريي ابن أرملة في نايين 11ب:7-15
مغفرة خطيئة امرأة مذنبة 36:7-47
قصة السامري الصالح 30:10-37أ
نزاع مريم ومارثا، مريم على صواب 39:10-42
قصة الصديق اللحوح 5:11ب-8
قصة الغبي الغني 16:12ب-20
قصة الحاجب 35:12-38
تب أو مت 1:13ب-5
قصة شجرة التين الجرداء 6:13ب-9
الشفاء في يوم السبت 10:13-17ب
التحذير من هيرودس، استجابة التحدي 31:13ب-32
الشفاء في يوم السبت 2:14-5
قصة اختيار مكان على الطاولة 8:14-10، 12-14
إحصاء الثمن 28:14-32
قصة الخراف المفقودة 4:15-6
قصة العملة المفقودة 8:15-9
قصة الابن “المسرف” المفقود 11:15-32
قصة المدير المخادع 1:16ب-8
قصة الرجل الغني ولازاروس 19:16-31
قل: “قمنا بواجبنا فقط”. 7:17-10
شفاء عشرة من مرضى البرص، السامري الشاكر 12:17-18
قصة القاضي الظالم 2:18-18أ
قصة الفريسي المرائي والعشار 10:18-14أ
زكا يتوب 2:19-10

على افتراض أن هذه المحتويات تشير تقريباً إلى المصدر “ل”، فكيف يصور المصدر “ل” يسوع؟ أولاً، يسوع هو معلم أمين على نعمة الله الجوهرية والخالصة. فنعمة الله تغفر الذنوب، وتشفي أمراض الإنسان، وترجع أفراد شعب الله إلى الحظيرة. ويسوع هو نفسه وكيل هذا النشاط. فقد جاء للبحث عن الضالين وإيجادهم، وإعادتهم إلى شعب الله الذين قطعوا وعداً على عبادته.

وكان أول ما وجهت هذه النعمة إلى بني إسرائيل، ومن ثم تُدمر حدود إسرائيل، وتبدأ رسالة يسوع بالخروج إلى العالم عندما يُعاد السامريون إلى الحظيرة (موجودة في 30:10-37، 12:17-18). كما يعمل يسوع على جلب النساء إلى ملكوت الله حيث الحرية.

إن تعاليم المسيح فيما يخص الغني هي، على الأقل في التجديد الذي قام به بافينروث، معتدلة بصورة ملحوظة. فإلى جانب قصة الرجل الغني ولازاوس، لا يؤكد يسوع على أي من فضائل الفقر ولا مخاطر الثورة، فقد قام لوقا بإضافة هذه التأكيدات، وقد يكون استمدها من وثيقة “ق”.

ولا يفرض يسوع على حوارييه القيام بنشاط تبشيري فقير أو جوال، بل، يتم الإشارة إلى المجتمع المستقر الذي يتمتع ببعض الوسائل. بالإجمال، يصور “ل” يسوع على أنه: “معلم أخلاقي قوي أقام البرهان على مصداقية تعاليمه وكشف عنها من خلال أعمال الشفاء التي قام بها”.

ومن الجدير ذكره أيضاً ما هو غير موجود في المصدر “ل” مقارنة مع الأناجيل الكنسية. أولاً، لا يوجد عناوين مسيحانية في هذا المصدر. فالمسيحانية الخاصة به ترد ضمناً في أفعال يسوع وتعاليمه، مع لمسات واضحة لإليليا في بدايتها (في 25:4-27 و11:7ب-15). هذا النوع من المسيحانية النبوية تتماشى مع بداية المسيحية اليهودية.

ثانياً، لا يصور “ل” يسوع على أنه منقذ معذب ومشرف على الموت، فـ”ل” يفتقر إلى سرد آلام المسيح، ولا يؤكد مضمونه هذا الدور. ومع ذلك، من الخطأ أن نخلص من هذا الصمت إلى أن المجتمع الذي استخدم “ل” لم يعرف بموت يسوع وقيامته، أو اعتقد أن ذلك الأمر ليس على أي درجة من الأهمية. فيممكن شرح هذا الصمت الذي يخيم على موت يسوع وقيامته بطرق أخرى، لاسيما إذا كان “ل” معداً ليكون فقط مجموعة تضم تعاليم يسوع بهدف إتمام قصة يسوع ككل.

فيحتوي مرقص، وهو مصدر لوقا الرئيسي، على مواد غنية تتحدث عن هذا الموضوع كان لوقا قد استقى منها، المواد التي قد تكون استبدلت أي شيء يشير إلى موت يسوع قد ورد في “ل”([6]). وعلاوة على ذلك، يورد “ل” معارضة قوية ليسوع من جانب الفريسيين المرائيين ومعارضة قد تكون مميتة من جانب هيرودس.

هل “ل” هي الرواية الكاملة لمقصد يسوع ورسالته إلى المجتمع الذي استخدمه على الأرجح؟ يعتمد الجواب على شكل “ل” الذي تم تجديده انطلاقاً من المحتوى الخاص بلوقا، وعلى الطريقة التي اتصف بها أسلوبه. ففي التجديد الذي قام به بافينروث، يبدأ “ل” بيوحنا المعمدان وينتهي قبل آلام المسيح. وقد استعبد من “ل” المادة الخاصة بلوقا مثل القصص السردية عن الطفولة (الفصول 1-2)، والنساء اللواتي كن عند الصليب وتبعن يسوع (49:23)، ووصف ظهور يسوع بعد قيامته (12:24-49).

وعلى الرغم من أن تجديده لـ”ل” هو أقصر من جميع التجديدات التي قام بها أكثر النقاد الآخرين، إلا أن عنوان بافينروث يشير إلى اكتمال “ل”: قصة يسوع وفقاً لـ”ل”. ومع ذلك لا يتعامل صراحة أو بأي شكل من الأشكال مع اكتمال “ل”، القضية التي ينبغي أن تبقى مفتوحة في أعمال البحث المستقبلية.

مادة متى الخاصة: أهي مصدر “م” حول يسوع؟

عادة ما يتأثر قراء إنجيل متي بسياق ومضمون عظته على الجبل في الفصول 5-7، فقد بدأ يسوع للتو بجمع حواريه (18:4-22) وبإطلاق كهنوته العلني (17:4، 23-25). وبعد الذكر المقتضب لفكرة تعاليم يسوع، ملكوت السماوات (23،17:4)، قدم متى لقرائه عظة طويلة معقدة تفصل رسالة يسوع، حيث يحتوي هذا الخطاب على بعض أبرز تعاليم يسوع وأكثرها تأثيراً: تطويبات، إعادة التفسير المعتمد لشريعة موسى، دعوات تحذر من النفاق، دعوات للإيمان بالله، “القاعدة الذهبية”، بالإضافة إلى أمور أخرى.

لقد ساعدت تعاليم يسوع الواردة بمتى في حصوله على مكانة الإنجيل الرئيسي في المسيحية. على سبيل المثال: على الرغم من أن متّى ولوقا يتقاسمان مادة مشتركة، إلا أن أغلبية المسيحيين في كل مكان يعرفون ويستخدمون الصيغة الخاصة بمتى التي تتحدث عن السعادة الأبدية، وصلاة الله، والعظة على الجبل بصورة دائمة.

ويعود فضل القسم الأكبر من تأثير إنجيل متى إلى حقيقة أنه يورد تعاليم يسوع التي تفتقد إليها الأناجيل الأخرى. فعادةً يتبع متى ترتيب ومضمون لوقا عن أفعال يسوع في كهنوته وآلامه على حد سواء. وهناك استثناء وحيد هو أن متى يورد معظم روايات مرقص للمعجزات في قسم واحد، الفصلين 8-9، ويختصر تلك الروايات إلى حد كبير. ونظراً للاستخدام الكبير الذي يقوم به متى للوقا ليربط أفعال يسوع، تتضمن معظم المادة الخاصة به تعاليم يسوع. ولأسباب معروفة، تتعامل تجديدات “م”، وهو المصدر الافتراضي لمواد متى الخاصة، بصورة حصرية تقريباً مع مواد التعاليم.

لقد تم القيام بثلاث محاولات رئيسية لاستبعاد المصدر “م”. المحاولة الأولى كانت تلك التي قام بها ب.هـ. ستريتر في كتابه الذي عنوانه: الأناجيل الأربعة: دراسة في الأًصول، فقد هرّف ستريتر “م” على أنه جميع المادة التعليمية الخاصة بمتى، بما ذلك مادة من الوثيقة “ق” مختلفة إلى حدٍ ما عن لوقا، وذلك لافتراض صيغة مختلفة لـ”ق” متأثرة بمتى. وقد استبعد ستريتر التالي: المداة الخطابية من متى 5-18،10،7و 23، قصتان من متى 13، وأجزاء قصيرة من مادة متنوعة من الفصول 16،15،12و 19.

هذا المصدر هو مصدر يهودي مسيحي، لكنه ليس من الرعيل الأول للمسيحية، بل، يظهر ردة فعل على إنجيل مهمة بولس الخالية من أي شريعة. فقد قام ستريتر بوضعه في القدس وربطه بوجهة نظر يعقوب إن لم يكن بشخصه.

لقد قام تي. ديبليو مانسون في دراسته الشاملة التي حملت عنوان: تعاليم يسوع، بالتحقيق النقدي على المصدر الرئيسي الثاني. فقد اتسمت طريقة بحثه بنفس الصفات الخاصة بطريقة ستريتر تقريباً، إلا أنه اقترح “م” أكثر شمولية وتقدم حيث اشتمل على:

  1. تعاليم من مادة العظة على جبل في الفصول 5-7
  2. تعاليم الحملة التبشيرية.
  3. مادة متنوعة من الفصل 11.
  4. قصص من الفصل 13.
  5. مادة إضافية متنوعة من الفصول 15و 16.
  6. تعاليم عن المعيشة مع الإخوة في الإيمان في الفصل 18.
  7. وصية بخصوص الخدمة والجزاء من الفصول 19 و20.
  8. أقوال حول “الممتنعين” من الفصول 21 و22.
  9. أقوال بحق الفريسيين المرائيين من الفصل 23.
  10. تعاليم حول الإيمان بالآخرة من الفصول 24 و25.

ووفقاً لمانسون، اقتبس “م” من كنيسة تم إنشاؤها على أنها مدرسة تفسير ولديها علاقة حب وكره عميقة مع الفريسيين المرائيين وتقاليدهم. وقد أعاد مانسون تاريخ “م” إلى الفترة الواقعة بين 65 و60 ميلادي، ومثل ستريتر، حدد موقعه في المجتمع اليهودي في القدس.

أما الدراسة الرئيسية الثالثة المنشورة في عام 1946 فقد كانت على يد جي. دي كيلباتريك بعنوان: أصول إنجيل القديس متى. فقد خاص كيلباتريك إلى أن “م” كان مصدراً مكتوباً. واستخدم طريقة متشابهة للدراستين السابقتين ونظم دراسته الخاصة بالمادة “م” بأربعة أقسام: الخطاب، المهمة التبشيرية، مجموعة من القصص، ومناظرة ضد زعماء اليهود الدينيين. كما أرفق كيلباتريك مواد إضافية من سياقات أخرى واردة في متى بأقسام الخطاب والقصص، إلا أنه لم يكن قادراً على إَضافة الكثير من المتفرقات المتنوعة الخاصة بـ”م” إلى أقسامه الرئيسية الأربعة.

وبما أن دراسة كياباتريك هي الدراسة الأِشمال والأحدث لـ”م”، سأقوم بتلخيص محتواها هنا:

محتويات “م” في متى:

أ. الخطاب
تعاليم عن القتل، الزنا، القسم، عدم الثأر، الورع الحقيقي 21:5-24، 27-28، 37-33، 38-41، 19-20، 1:6-8، 16-18
كن على وفاق مع المؤمنين الآخرين من سياقات أخرى: 23:5-36،24
صل بإيجاز وبترقب من سياقات أخرى: 7:6-8
ب. المهمة التبشيرية
تعاليم خاصة بالحملة التبشيرية: توجه إلى اليهود فقط، أعط دون مقابل، كن حكيماً لكن بسيطاً، تجنب المضايقات حتى يأتي المسيح، تشبّه بمعلمك 5:10-6، 8 ب، 16 ب، 23، 24-25 أ، 25ب، 41 (؟)
ج. مجموعة القصص
الأعشاب الضارة بين سنابل القمح 24:13-30
شرح قصة الأعشاب الضارة. الكنز المستور، اللؤلؤة ذات القيمة الكبيرة، شبكة صيد الأسماك، رجل الدين المتوجه نحو ملكوت السماء 36:13-52
الخادم قاسي القلب 23:18-34
العمال في كرم العنب 1:20-15
ضيف لا يرتدي ثوب الزواج 2:22، 11-14
إشبينات العروس الحكيمات والحمقاوات 1:25-10
رفض يوحنا المعمدان آخر 28:21-32
الحكم الأخير آخر 31:25-45
د. ضد زعماء اليهود الدينيين
افعل كما يقولون وليس كما يفعلون، أفعال ريائية، حماسة التبشير الزائفة، القسم الزائف، تصفية البعوض وبلع الجمال، تزيين القبور 2:23-3، 5، 7 ب-10، 15-22، 24، 26 (؟)، 27
هـ. متفرقات
تطويبات 7:5-9 ربما 4و10
أنتم نور العالم 14:5، 16-17
لا تهتموا للغد 34:6
ليس للحقراء لآلئ، البوابة الضيقة، الأنبياء الكذبة 6:7، 13، 14، 15
احملوا نيري الهين 28:11-30
شيء ما أعظم من السبت، تحكم بكلامك 5:12-6، 7، 36-37
معارضة اقتلاع الفريسيين المرائيين 12:15-13
لا تحتقروا “أحد هؤلاء الصغار” الربط والحل 10:18، 18-20
الخصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات 10:19-12

لقد قال كيلباتريك إن “م” كان مصدراً مكتوباً يتضمن مادة تعليمية فقط، وقد قام هذا المبشر بإضافة القصص السردية إلى إنجيل متى. وقد عززت المادة المأخوذة من المصدر “م” حجم المضمون التعليمي الخاص الوارد في متى. كما خلص كيلباتريك إلى وجود ضعف في الترابط في المصدر “م”: “نظراً للافتقار إلى الروابط والقصص والسرد وأشياء أخرى، فتستحيل مشاهدة خطة المصدر وصفته الشكلية ككل.” كما يظهر صغر حجم “م”: 170 آية، وافتقاره إلى الترابط الداخلي والقصص السردية، أن “م” كان وثيقة بدائية. ولم يتأكد كيلباتريك من مكان وتاريخ والشخص الذي قام بتأليف “م”.

على الرغم من عدم انبثاق صورة وحيدة ليسوع من المصدر “م”، إلا أنه يصفه إلى حد ما بالزعيم الآمر الناهي الذي أسس الكنيسة، وليس فقط جماعته البابوية. فيسوع يرسل أتباعه فقط لليهود، ويعيد تفسير شريعة موسى لتحقيق مقصده الأصلي، وأن معيار حكم الله سيكون هو الصواب في نهاية المطاف، أي تحقيق المطلب الداخلي للناموس كما فسره يسوع. فقد اقتربت نهاية العالم، ويسوع هو المبشر بذلك.

جاءت المحاولات الرئيسية الثلاث لعزل “م” في النص الأول من القرن العشرين، ولم يتم القيام بأية دراسة مماثلة منذ ذلك الحين([7])، فربما تم تضييق البحث في “م” بسبب الرأي القائل بأن مادة متى الخاصة تحتوي نسبياً على القليل من تعاليم يسوع الأصلية بالمقارنة مع مرقص أو وثيقة “ق”. ونرى مع الأسف أن مانسون قد صاغ الأمر بصورة مؤكدة، وذلك عندما اقترح أنه ينبغي التعامل مع محتويات “م” بحذر لأنها عانت من الغش من جانب اليهود. وعندما يبدأ علماء العهد الجديد بالبحث عن يسوع التاريخي وتعاليمه الأصلية، فإنهم يتركون وراء ظهورهم “م” ومحتوياته.

ومع ذلك، تكون الدراسات صحيحة عندما تخلص، بالاعتماد على أسباب أخرى – إلى أن مادة متى الخاصة لا تشير على الأرجح إلى أي مصدر، سواءً كان مكتوباً أو شفهياً أو مزيجاً من الاثنين معاً. فانعدام الإجماع على محتويات “م” وبنيته الأساسية ينشأ من التباين الكبير في المادة الخاصة بمتى. فهذه المادة، التي هي ببساطة تختلف كثيراً في الشكل والمضمون، لا يمكنها الدلالة على كونها وثيقة واحدة، الأمر الذي من شأنه أن يجعلنا نتوقع أنها تحتوي على رسالة دينية وبعض الأنماط الأدبية الشائعة.

فهذا الحكم موضّح في الدراسة التي قام بها كيلباترك، حيث يقول إن نحو ثلث “م” هو إما مواد أخرى مرفقة إلى الأقسام الرئيسية، أو عبارة عن متفرقات متنوعة تبدو غير ذات صلة. وكما يقول أودو شينيلي: “إن مجموعة مواد متى الخاصة ليست مجموعة موحدةً من التقاليد، بل تفتقد إلى الدوافع التنظيمية اللاهوتية بصورة ملحوظة، وبالكاد تكون مخصصة لدائرة واحدة من حاملي التقاليد.”([8])

وعلاوة على ذلك وكما هو الحال مع لوقا، فإن من الصعب التمييز بين مادة المصدر وبين التنقيح الذي قام به المبشر. إن التوجه اللاهوتي لمعظم مواد “م” قريب جداً، إن لم يكن مطابقاً، للنظرة الدينية لمؤلف إنجيل متى.

وهناك دراسة متأنية لمادة الأقوال الخاصة في متى قام بها “ماثيو ستيفنسون هـ بروكس” تميل إلى إثبات صحة هذا الاستنتاج بالنسبة لـ”م” ككل. ويقوم بروكس بعزل وتجديد الأقوال القصيرة في “م” ويبين أن “م” يعكس تاريخ مجتمع متى. ويخلص إلى أنه لم يكن هناك مصدر وحيد مكتوب للأقوال الواردة في “م”، وذلك للأسباب التالية:

  1. هناك عدد قليل من الارتباطات التحريرية الملحوظة في الأقوال المجموعة لـ”م”.
  2. تُظهر اللمسات السردية الثانوية في الجمل والعبارات الانتقالية دليلاً صغيراً على أصله الذي يعود لما قبل متى.
  3. لا يُظهر أسلوب ومفردات أقوال “م” المعزولة جنس الوحدة النمطية لمصدر مكتوب. وهكذا، في حين أن بعض المواد قد تكون مكتوبة، يبدو أن معظمها كانت موجودة في التقاليد الشفوية وحدها. علاوة على ذلك، فإن مادة الأقوال التي ربما تعكس تاريخ ثلاثين إلى أربعين عاماً تشير إلى احتمالية عدم وصول المادة إلى متى من مصدر واحد.

وعلى الرغم من أن بروكس لا يوضح هذا الاستنتاج بالتفصيل، فمن المعقول أن نفترض أنه إذا كانت أقوال “م” القصيرة لا تعكس مصدراً مكتوباً، فإن الشيء نفسه ينطبق على الأرجح على مجموعة متى الخاصة بأكملها. وبالتالي، في حين قد تكون بعض أجزاء مادة متى الخاصة وصلت إليه من مصادر مختلفة، فإن الدليل لا يشير إلى أنه استخدم مصدر “م” الوحيد، سواءً كان مكتوباً أو شفهياً، الذي يحتوي على معظم مادته الخاصة.

وعلى الأرجح، تعكس هذه المادة تاريخ منتصف إلى أواخر كنيسة متى أكثر من كونه مصدراً سابقاً مستقلاً جاء إلى كاتب الإنجيل كما جاء “ل” إلى لوقا. خلاصة القول: لا يوجد أي مصدر من خارج القانون الكنسي يشهد على يسوع التاريخي في مادة متى الخاصة.

مصدر الإشارات للإنجيل الرابع: يسوع المسيح

يتراءى للقراء المتبصرين في الإنجيل الرابع وكأنه يشمل على نهايتين. الأولى، يوحنا: (20/30-31)، حيث يتحدث عن الإشارات، أو معجزات يسوع، التي كتبها المؤلف ليقنع قراءه أن يسوع هو المسيح. والثانية، يوحنا: (21/24-25)، وهي على غرار الأولى حيث تؤكد على حقيقة شهادة الرسول الحبيب الواردة في الإنجيل الرابع، وتوضح بعبارة بليغة مبالغ فيها أن العالم لا يمكن أن يحتوي على الكتب التي ينبغي أن تكتب حول الأشياء التي قام بها يسوع.

وقد ألمحت النهاية الأولى التي تؤكد على الإشارات ووصف الإشارات التي تشكل معظم إنجيل يوحنا (1-11)، ألمحت للبعض في أن الإنجيل الرابع يحتوي على “مصدر الإشارات”. كلمة المصدر “source” وهي بالغة الألمانية “Quelle“، ومن هنا جاء الرمز التقليدي “SQ” الذي يرمز إلى مصدر الإشارات

لقد بدأ نقد مصدر الإنجيل الرابع في أوائل القرن العشرين بعد مواصلة نقد مصادر الأناجيل السينوبتية. فقد قام علماء بارزون مثل: يوليوس فلهاوزن، ويلهلم بوست، موريس غوغيول، إدوارد شفايتزر، جوشيم يريمياس، ورودولف بولتمان، بالعمل عل مصادر يوحنا. وكان التحليل النقدي الذي قدمه بولتمان عام 1941 شاملاً عندما علق على مصدر يوحنا، حيث استنقذ هذا المصدر، ولعقود عديدة، مزيداً من العمل الخلاق في ه1ا المجال. فقد افترض بولتمان وجود عدة مصادر، بما في ذلك مصدر الإشارات ومصدر آلام مستقل، وأعاد ترتيب محتويات يوحنا بصورة معقدة.

وبالتنقيح المستمر من خلال إحدى وعشرين طبعة، ظل موقف هذا الكتاب الذي ينقد مصدر يوحنا مجالاً للمناقشة لمدة ثلاثين عاماً، وما يزال هذا الكتاب مهماً. فمنذ الحرب العالمية الثانية حتى نحو عام 1970 اكتفت محاولة بحثية محدودة للغاية بالكشف عن عمل بولتمان. كما لم يتم الإجماع على مصادر الإنجيل الرابع، مع استثناء رئيسي وحيد. فقد اتفق معظم نقاد المصادر وكثير من المعلقين مع بولتمان على أن بعض أساليب مصدر الإشارات تشكل أساس يوحنا. ومن ثم فتحت اثنتان من المحاولات الجديدة المسألة، الأولى: كانت عام 1970 بقلم روبرت فورتنا، “إنجيل الإشارات: تجديد مصدر السرد الذي يشكل أساس الإنجيل الرابع”.

والثانية: كانت عام 1989 بقلم إيرين فون واهلد، “النسخة الأولى لإنجيل يوحنا: استعادة إنجيل الإشارات”. حيث سيشكل هذان الكتابان أساس تحليلنا هنا. وسوف نقوم بوصف فرضية “فورتنا” ودراستها كونها المساهمة الرائدة والأكثر نفوذا في الآونة الأخيرة التي تنقد مصدر يوحنا، ومن ثم البحث في عمل “فون واهلد” باختصار.

محتويات مصدر الإشارات كما حدده “فورتنا” في يوحنا:

6:1-7، 19-23، 26-27، 32-34 شهادة يوحنا المعمدان
23:1-24، 35-50 تعميد التلاميذ الأوائل
إشارات يسوع
1:2-3، 5-11 الأولى: تحويل الماء إلى خمر
46:4-47، 49-54 الثانية: شفاء ابن خادم الملك
2:21-8، 10-12،14 الثالثة: اصطياد السمك بكميات كبيرة
1:6-3، 5، 7-14 الرابعة: إطعام الحشود
15:6-22، 25 فاصل: السير على الماء والنزول الخارق على اليابسة
1:11-4، 7، 11، 15، 4:4-7، 9، 16-19، 25-26، 28-30، 40، 17:11-20، 28، 32-34، 38-39، 41، 43-45 الخامسة: أخبار مرض لازاروس، الرحلة إلى يهوذا، إيمان امرأة سامرية، قيام لازاروس
1:9-3، 6-8 السادسة: شفاء الرجل الذي وُلد أعمى
2:5-9، 14 السابعة: شفاء الرجل المريض منذ ثمانية وثلاثين عاماً
موت يسوع وقيامته
14:2-16، 18-19، 47، 53 تنظيف الهيكل، مؤامرة القتل
1:12-5، 7-8 الدهن في بيت عنيا
12:12-15 دخول المنتصر
متفرقات وُجدت في 27:12، 2:13 أ، 4-5، 12-14، 18 ب، 21 ب، 26-7، 37-8، 31:14ب، 32:16ب العشاء الأخير
1:18-5، 10-12 الاعتقال
13:18، 24، 15-16، 19-23، 16-18، 25-28 يسوع في بيت رئيس الكهنة
28:18، 33، 37-38، 15:19، 39:18-40، 6:19، 12-14، 1-3، 16 المحاكمة أمام بيلاطس
16:19-20، 23-24، 28-30، 25، 31-34، 36-42 الصلب والدفن
1:20-3، 5، 7-12، 14، 16-20 القيام
30:20-31 الخاتمة: “هذه الإشارات مكتوبة لتؤمنوا”

يقدم “فورتنا” مناقشة موجزة لطبيعة مصدر الإشارات، فقد كان هذا المصدر عبارة عن كتاب مكتوب، كما توضح خاتمته الموجودة الآن في يوحنا (30:20-31). فهو إنجيل مثله مثل إنجيل متى ومرقص ولوقا وحتى يوحنا فكلها أناجيل، فهو يقدم قصة مترابطة ليسوع من بداية كهنوته، مروراً بآلامه، إلى الخاتمة التي تنتهي بالقيامة. ويتم تقديم كل هذا على شكل رسالة للإيمان بها، كما توضح خاتمته. وبما أنه لا يحتوي على تعاليم متقدمة ليسوع، فهو إنجيل بدائي، إلا أنه يبقي إنجيلاً.

إن مصدر الإشارات مصدر يهودي مسيحي نظراً للأسلوب ولاسيما المحتوى اليوناني الوارد فيه. فهو ليس لديه شك بقضية الوثنيين، وليس هناك خلاف بشأن الحفاظ على شريعة موسى. وعلاوةً على ذلك، وعلى الرغم من أن “فورتنا” لم يوضح ذلك، إلا أن مقصده يشير إلى أن المجتمع الذي أنتج هذا الإنجيل كان على اتصال تبشيري نشط مع المجتمع اليهودي الكبير، حيث يصعب تحديد الطبيعة الاجتماعية لهذا المجتمع أياً كانت جذوره، قد يكون المجتمع الناطق باللغة اليونانية، الذي استخدم ذلك المصدر على أنه إنجيل، قد يكون موجوداً في أي مكان من العالم الهيلينستي.

ولم يستطع “فورتنا” تحديد تاريخ مصدر الإشارات بأي قدر من الدقة، فقد تكون كتابته تمت قبل أو بعد التمرد اليهودي الأول 66-70م.

ووفقاً لفورتنا، كان القصد من مصدر الإشارات أن يكون بمثابة الكتاب التبشيري الذي يحمل هدفاً وحيداً إلا وهو الإثبات لليهود الذين قد تحولوا إلى النصرانية أن يسوع هو المسيح([9]). ففورتنا يؤول عقيدة مصدر الإشارات على أنها مسيحانية بحتة. فمعجزات يسوع هي إشارات على وضعه المسيحاني، وقد جعل وصف آلامه في مصدر الإِشارات “مسيحانياً” بإضافة أقوال يسوع التي تلفت الانتباه إلى موقفه المسيحاني.

ويمنح مصدر الإشارات ألقاباً كثيرةً ليسوع مثل: المسيح / يسوع المسيح، ابن الله، حمل الله، ملك اليهود، الرب، إلا أن اللقب الأول يشكل محور الارتكاز بالنسبة لباقي الألقاب. وهناك تأكيد مستمر على حقيقة مسيحانية يسوع إلى درجة الاستبعاد الكامل لأي شرح لطبيعتها. وهذا من شأنه الإشارة إلى أن كلاً من مصدر الإشارات والمجتمع اليهودي الكبير الذي كان هدفاً للتبشير كان لديهما فهم مشترك لما تتطلبه المسيحانية، الفهم الذي تمحور بوضوح حول فكرة أن المسيح يثبت نفسه بالمعجزات.

إن مصدر الإشارات هو في الواقع، إذا استخدمنا توصيف فورتنا: “ضيق” و”بدائي” بالمقارنة مع الأناجيل الكنسية. وربما يعود سبب ضيقه إلى غرابته وغرضه المنفذ بدقة: أي إقناع قرائه أن يسوع هو المسيح الذي ينبغي الإيمان به.

إن العمل الذي قام به إيرين فون واهلد عن نقد المصدر يؤكد على محاولات فورتنا تقريباً، فهو يسعى، كما يشير عنوان كتابه، إلى استعادة “النسخة الأولى” لإنجيل يوحنا، حيث ينطوي على هذه الطريقة اكتشاف الطبقات الأدبية في الإنجيل الحالي. ومن ثم يقوم قون واهلد بالاستفادة من “الفروق اللغوية” الأربعة، مثل المصطلحات المستخدمة للسلطات الدينية والمعجزات واليهود.

وبعدها يقوم بتطبيق تسعة “معايير أيديولوجية” مثل: الصيغ النمطية للاعتقاد، ردة فعل الفريسيين على الإشارات، الانقسام في الرأي حول يسوع، ولاسيما “غلبة السرد”. ويتبع ذلك المعايير اللاهوتية، بما في ذلك المسيحانية ومذهب الخلاص. أخيراً، يتم توظيف خمسة معايير متنوعة.

كما يقدم تحليله سبعاً وثلاثين وحدة تغطي كل مصدر فورتنا تقريباً، وتوسعه بنسبة تقارب الثلث. يحتوي إنجيل الإشارات هذا على مقاطع انتقالية أكثر من إنجيل فورتنا، كما يحتوي على علامات تتذر بموت يسوع. ويفسر فون واهلد خلفية المصدر وعقيدته بنفس طريقة فورتنا. فالإِشارات تلفت الانتباه إلى قوة يسوع وتولد الإيمان به لاسيما بين عامة الناس. كما أن مسيحانية المصدر ضئيلة إلى جانب وجود خلفية خاصة لتصنيف موسى.

ويؤكد في يهودا، نظراً للتأكيد على كهنوت يسوع هناك، وربما تكون كتابته قد تمت في الفترة الواقعة بين 70 و80م في المجتمع اليهودي المسيحي. على العموم، ليست طريقة متطورة أو مطبقة بدقة كطريقة فورتنا، فعمل الأخير يبقى المحاولة الرائدة في فهم مصدر الإشارات.

لقد ذكر ريموند براون بدقة: “لا يمكن للمرء في العقود الأخيرة من القرن العشرين التحدث عن نهج مجمع عليه ليوحنا.” وعلى وجه الخصوص بين أولئك الذين يتمسكون بمصدر الإشارات، وليس هناك توافق قوي حول ما يحويه بالظبط. إن النقطة الرئيسية في انعدام التوافق هذا تثير المخاوف فيما إذا كان مصدر الإشارات يحتوي على سرد للآلام والقيامة. هل مصدر الإشارات فريد بين جميع المصادر التي سبقت المصادر الكنسية باحتوائه على مثل هذا السرد، أم أنه احتوى على الإشارات فقط التي قام بها يسوع خلال كهنوته؟

لقد قام كل من فورتنا وفون واهلد بإعادة تجديد كاملة لأناجيل الإشارات بسرد عن الآلام والقيامة، إلا أن العديد من العلماء لم يوافقوا على ذلك. فعلى سبيل المثال، افترض بولتمان وآخرون جاؤوا بعده مصادر منفصلة عن الآلام والقيامة. فالقليل القليل في النصف الأول من مصدر الإشارات الذي أعده فورتنا يشير إلى موت يسوع، والقليل القليل في النصف الثاني يشير مجدداً إلى النصف الأول. وعلاوةً على ذلك، بوضع فورتنا تطهير المعبد ومؤامرة القتل في بداية سرد الآلام، لا يظهر النصف الأول لمصدر الإشارات الذي أعده أي عداء ضد يسوع الذي من شأنه أن يؤذن بموته.

إن انعدام الإشارة إلى موت يسوع وقيامته غريب حقاً بالنسبة للنصف الأول من إنجيل كامل، حتى ولو كان إنجيلاً بدائياً. أيضاً، يظهر النصف الثاني لمصدر الإشارات الذي أعده الصيغة التالية: “وهكذا، تم الإيفاء بالكتاب المقدس”، الأمر الذي لم يظهر النصف الأول. يبدو هذا التناقض غير معقول في حال كان مصدر الإشارات يشكل إنجيلاً كاملاً بسرد عن الآلام والقيامة.

لماذا يجب على إنجيل إشارات الإصرار على أن آلام يسوع هي الإيفاء بالكتاب المقدس بدلاً من استخدام حجة دينية واضحة لإثبات مسيحانية يسوع؟ علاوةً على ذلك، قد تمون الإشارات السبع، وهو عدد الكمال الإنجيلي، التي قام بها يسوع، دلالة على أن مصدر الإشارات تعامل فقط مع كهنوت يسوع العلني ولم يتعامل مع آلامه وقيامته كذلك.

إقرأ أيضاً:

([1]) سيكون الفصل القادم مجالاً للبحث في إنجيل مرقص السري وإنجيل بطرس كمصادر ممكنة لإنجيل مرقص الكنسي.

([2]) هذه الاستثناءات هي إغفال المواد من مرقص: 17:6-29 و45:6-8: 26. ومن ناحية أخرى يستند تأليف لوقا لرواية السفر في قسمه المركزي: 51:9-27:19 على مرقص: 10.

([3]) كتب مارشال في كتابه: إنجيل لوقا، الصادر عام 1978: “إن إخلاص لوقا العام لمصادره “م” أي مرقص، و”ق” تجعل المرء يشكك بالقول أنه أوجد مادةً كبيرةً في الإنجيل، وأنه من الأكثر منطقية أن مواقف لوقا تشكلت إلى حد كبير من خلال الأعراف التي ورثتها”.

([4]) كتب جوزيف فيتزماير في كتابه: الإنجيل حسب لوقا، الصادر عام 1981: “على الرغم من عدم يقينه فيما إذا كان “ل” مصدراً مكتوباً أو شفهياً، أو فيما إذا كان ممكناً وضعه على قدم المساواة مع “ق” أو مرقص، في قائمة فقراته… التي أعتقد أنه استمدها من “ل”، فهو يورد جميع مواد لوقا الخاصة”.

([5]) إن تحليل المحتوى الذي قام به “بافينروث”، لتميز المصدر عن التأليف الذي قام به لوقا، قد يؤدي في بعض الأحيان إلى التفكيك الكبير بينهما. فعلى سبيل المثال، لقد رأى الكثير من مفسري “ل” أن قصة زكا تتماشى مع لاهوت لوقا، وليست على خلاف معه. ثانياً، إن استخدامه لكلمات تثير الاهتمام من أجل اكتشاف وحدة المصدر التكوينية والموضوعية يمكن أن يتم انتقادها على أنها ليست الطريقة الدقيقة، مثلاً: عندما يكرر كلمة “الشرف”، التي لا تأتي على نحو صريح. وبذلك لا يمكن أن تكون أساساً لتكوين كلمات تثير الاهتمام.

أخيراً، يمكن التساؤل عما إذا كان قد استخدم لوقا “ل” بترتيبه الأصلى. يقدم بافينروث بعض الحجج الوجيهة من المضمون والأسلوب للإشارة إلى أن لوقا فعل ذلك. ومع ذلك، ونظراً لأن لوقا استخدم مرقص في الغالب بترتيبه واستخدم أيضاً “ف” بترتيبه الأًصلى على الأرجح، ربما كام من الصعب له استخدام مصدر “ل” بترتيبه الأصلي أيضاً. وعلى الرغم من هذه الانتقادات، يسهم تحليل “بافينروث” الشامل باستمرار في البحث في “ل”، هذه المساهمة يجب أن تأخذها البحوث التي ستجري في المستقبل بعين الاعتبار.

([6]) هنا يجب علينا أن نتذكر بأننا نملك هذه المصادر الافتراضية بالقدر الذي استخدمه كتاب الأناجيل لها. فعلى سبيل المثال، إن استخدام لوقا لمرقص على نحو انتقائي وخلاق لهو مؤشر حسن له بأنه قد يكون استخدم “ل” بالطريقة نفسها.

([7]) علق مانسون على نصوص “م” وقدم لها خلاصة من ثماني صفحات، تتناقش فيها السمات العامة والمواضيع اللاهوتية لـ”م”. ومع ذلك، فقد أفسد تحليله عندما أدرج الكثير من النصوص المعروف أنها تعود لـ”ق”.

([8]) شنيل، كتابات، 174. – ومع ذلك، فقد قال هانز كلاين: إن “م” منظم في ثلاث فئات وفقاً للشكل وللمضمون، وإن القصص التي تتحدث عن التحول إلى الفقراء وإلى المعاناة، والأقوال حول الناموس التي تحذر من التراخي في الحياة، والأقوال بشأن المجتمع وكل من القادة والأتباع، كل ذلك يبني أساساً متيناً لحياة الكنيسة.

([9]) يتعارض هذا الرأي مع الفهم العام بأن الأدب المسيحي المبكر كان من أجل الاستخدام الداخلي.

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

صلاح الله المطلق – الخلاص بين الدم وحفظ الوصايا – ردا على احمد ديدات

صلاح الله المطلق – الخلاص بين الدم وحفظ الوصايا – ردا على احمد ديدات

صلاح الله المطلق – الخلاص بين الدم وحفظ الوصايا – ردا على احمد ديدات

ندخل إلى مبحث جديد، لا ينفصل في إطاره عن السابقين، كما أن قاسمه المشترك معهم، هو تدليس ديدات ومحاولاته الفاشلة.

ففي كتابه الذي نرد عليه (ألوهية المسيح) حاول ديدات يائساً، أن يرفض خلاص المسيح، ولكن على إحدى طرقه الديداتية هنا، حيث يسقط في محاولة يائسة لتفسير الإنجيل، الأمر الذي لا يعرف أبجدياته، ويُعد من الأخطاء الشائعة للكثيرين الذين يحاولون مهاجمة الكتاب المقدس.

كتب ديدات تحت عنوان “الطريق إلى الخلاص” ص90 (وإذ يتقدم أحد اليهود طالباً من المسيح عليه السلام أن يوضح له طريق الخلاص، “وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية، فقال له: لماذا تدعوني صالحاً وليس أحد صالحاً إلا واحد هو الله، ولكن إذا أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا” (متى 19: 16 و17)، وسوف تتفق معي – أيها القارئ الكريم –  أنه لو كنت أنت، أو لو كنت أنا مكان ذلك اليهودي، فإن أيا منا يستطيع أن يستنتج وفقاً لما قاله المسيح، أن الخلاص مضمون ومؤكد شريطة أن تطيع أوامر الله دون سفك دم بريء، ذلك ما لم يكن المسيح مدركاً أن تضحيته من أجل خلاص كل البشر ستكون تعويضاً وكفارة عن كل خطايا الجنس البشري – وهو ما لا يعقل، ولا يوجد أي دليل عليه – لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله” في حين أن طريقة أسهل – فيما يدعى المسيحيون – قادمة لا محالة؟ أم أن المسيح لم يكن يعلم بما سيحدث، ولم يكن يعرف أن سيصلب؟ ألم يكن هناك اتفاق إذن بين الآب والابن، قبل بدء الخليقة، بحيث يفتدي المسيح خطايا وآثام البشر بسفك دمه هو شخصياً؟ هل كان المسيح وهو يعطي الرجل اليهودي تلك الإجابة المتمثلة في الخلاص بإطاعة الله؟ كلا، لم يكن هناك مثل هذا الاتفاق الأسطوري الخرافي مع عيسى عليه السلام، كان عيسى عليه السلام يعرف أن ثمة طريق واحد للخلاص، وهو ما حدده للرجل اليهودي، ألا وهو طاعة الله).

كل هذه الضوضاء التي يفتعلها ديدات، لا يخجل وهو يتقمصها، في الوقت الذي فيه يسرق الآيات كما هو عادته، فهذا العار هو القاسم المشترك في كتابات ديدات الخرافية.

كما أنه يكتب رد المسيح على الشاب الغني، وكأنه يكتب شيئاً جديداً لا يعرفه المسيحيون، فواضح أن ديدات لأول مرة يقرأ هذه الآيات التي شرح فيها الشراح ووعظ فيها الوعاظ، أكثر من ألفي سنة. بداية من القرون المسيحية الأولى.

إنه ديدات وطريقته المعروفة لدينا، وبنعمة الرب سأقوم بتفنيد كلامه، كلمة كلمة، ليدرك القارئ فقر هذا الرجل في أدبيات الكتابة، ناهيك عن فهم ألف باء الإنجيل المقدس.

إذن فقد كتب ديدات في الفقرة السابقة: لماذا لم يوجه المسيح ذلك الشاب إليه هو شخصياً وإلى خلاصه الذي سيقدمه على الصليب؟ ولماذا قال له بأن حفظ الوصايا يكفي؟!

وعلى كل الأحوال، في الفقرة السابقة موضوعين، الأول خاص بصلاح الله المطلق، والثاني خاص بالطاعة وموقفها من الخلاص، وتحت الموضوعين تشعبات كثيرة.

أولاً: صلاح الله المطلق

في الفقرة السابقة التي كتبها ديدات (وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية، فقال له: لماذا تدعوني صالحاً وليس أحد صالحاً إلى واحد هو الله).

وتعليقاً على هذا الجزء، وضع المترجم حاشية سفلية، ص90 فكتب فيها (ها هنا، ها هو ذا المسيح عليه السلام يمايز بين شخصه وبين الله سبحانه وتعالى)

ولم أستغرب ما كتبه المترجم علي الجوهري، فهو تلميذ ديدات في كل السيناريوهات التي يقوم بها، فهو يكتب ما يساعد به أستاذه. بحيث تكون الصورة النهائية التي يقدمونها، أكبر قدر من التشويه للعقيدة المسيحية. فالمترجم حتى لم يكلف نفسه صدق البحث عن التفسير لدى المسيحيين، ولكن كيف يفعل ذلك ويقتل أستاذه ديدات ويحرف كل أوهامه. فلا بد من التشويه الكاذب، هذا هو الهدف الأساسي. ولهذا فقد أباح المترجم – وديدات بالطبع – لنفسه حق التشريع والتفسير في عقائد الآخرين، فقام وفسر هذه الآية وفق رأيه، مع أنه يفسر دين لا يفهمه ولا يؤمن به!

وعلى أي الأحوال لا يليق بنا ونحن نرى هذا اللغط المقصود دون أن نقدم التفسير المسيحي الصحيح لهذه الآية.

  1. مصدر الآية: كان يجب عليهما – ديدات والمترجم على الجوهري – الصدق في البحث والرجوع لقول المسيح للشاب اليهودي، لمعرفة مصدر الكلام وأصله. والمصدر نجده في العهد القديم حيث قال الوحي المقدس (الله في السماء أشرف على بني البشر لينظر هل من فاهم طالب الله. كلهم قد ارتدوا معاً فسدوا ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد) (مزمور 14: 2و3؛ 53: 2و3)

هذه الآيات تشكل عقيدة الكتاب المقدس. عند اليهود والمسيحيين. فمفهوم كل يهودي وكل مسيحي، أنه لا يوحد من هو كامل الصلاح غير الله فقط، ولا يمكن أن يلقب أي بشر بلقب (الصالح) بألف ولام التعريف، غير الله وحده، ولذلك أكد الوحي على هذه الحقيقة بقوله: الجميع زاغوا وفسدوا معاً.

  1. تفسير الآية: عندما قال هذا الشاب اليهودي للمسيح (أيها المعلم الصالح) سأله المسيح قائلاً: (لماذا تدعوني صالحاً؟). فأنت يهودي وتفهم كتابك المذي يؤكد: أنه (ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله). فلا يصلح أن نخلع لقب الصالح إلا على الله وحده. فهل تلقبني بالصالح، لأنك آمنت بأني الله؟ فهل تطلق على هذا اللقب، من باب إيمانك بأنني الله الظاهر في الجسد البشري؟ أم مجرد مجاملة تحيات ليس أكثر؟

ولذلك لم يقل له المسيح (لا تدعوني صالحاً)، وإنما (لماذا تدعوني صالحاً). فهو سؤال استفهامي (لماذا؟) وليس نهي استنكاري (لا). وكما تعلم فإن الفرق كبير وعظيم بين أن يسأل المسيح ذلك اليهودي عن السبب في تلقيبه بلقب هو لله فقط “الصالح“، وبين أن ينهيه عن تلقيبه به. هذا هو المفتاح الأول، أما المفتاح الثاني فهو:

  1. المسيح يلقب نفسه بالصالح: كذلك يجب ملاحظة أن المسيح أطلق على نفسه هذا اللقب (الصالح). الذي خصصه لله فقط. أليس ذلك بعجيب؟! فإن هذا اللقب الذي ناقش جوهره مع هذا اليهودي. وأكد المسيح بأنه لقب خاص بالله، عاد فنسب إلى نفسه هذه الصلاح المطلق، الذي لله فقط، وقال عن نفسه (أنا هو الراعي الصالح) (يوحنا 10: 11). وفي سابقة لم يشهدها التاريخ قبله أو بعده. وقف متحدياً العالم كله ناسباً لذاته الصلاح المطلق الذي لله فقط. فقال لليهود (من منكم يبكتني على خطية؟) (يوحنا 46: 8). فهل يستطيع أي بشر ناقص، أن يتحدى الناس، ليجدوا فيه خطية واحدة؟ إنه الصالح المطلق. ففي الوقت الذي يستغفر فيه كل الأنبياء ربهم على خطاياهم، يقف المسيح منفرداً في مكانه الخاص، الذي لا يشاركه فيه أحد، يعلن جهاراً: أنه بلا خطية. بالطبع هو البار الكامل الذي بلا خطية، فكيف سيفدي الناس ويحاسبهم يوم القيامة على خطاياهم، وهو مثلهم له خطاياه؟! حاشاه تبارك اسمه القدوس. هذا هو التفسير لصلاح الله المطلق، وليست الضوضاء التي يفتعلها ديدات وأمثاله.

ثانياً: الخلاص بين الطاعة والكفارة بالدم

أما عن باقي الفقرة التي يتساءل عنها ديدات ويقول (ولكن إذا أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا” (متى 19: 16و17). وسوف تتفق معي – أيها القارئ الكريم – أنه لو كنت أنت، أو لو كنت أنا مكان ذلك اليهودي، فإن أيا منا يستطيع أن يستنتج وفقاً لما قاله المسيح، أن الخلاص مضمون ومؤكد شريطة أن تطيع أوامر الله دون سفك دم بريء. لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله” في حين أن طريقة أسهل – فيما يدعي المسيحيون –  قادمة لا محالة؟)

  1. التناقض الصارخ في فقرة صغيرة: لعدم فهم ديدات للنصوص ومعناها، فهو يقع وبسهولة في التناقض الصارخ. فلو راجعت ما تحته خط عزيزي القارئ، وهو (وفقاً لما قال المسيح أن الخلاص مضمون ومؤكد شريطة أن يطيع أوامر الله دون سفك دم بريء). ثم يسقط ديدات في نقلة غريبة فيقول: (لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب الحسن أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله”)

هذا هو حال المدلسين، السقوط السريع. ففي العبارة الأولى يتكلم عن ذلك الخلاص المضمون والمؤكد بشرط طاعة الله، ثم في الجملة الثانية يقول: بأن جواب المسيح، حل مستحيل، لأنه يعتمد على طاعة الله الكاملة المستحيلة!

ففي الحالة الأولى الخلاص مضمون ويجب فقط إطاعة الله.

وفي الحالة الثانية طاعة الله الكاملة أمراً مستحيلاً، وبالتالي ليس هناك أي إمكانية للخلاص. لا تستغرب عزيزي فأنت تقرأ لديدات. فقد فقدت حاسة الاندهاش مع ما يكتبه هذا الرجل.

وكنت أريد أن أسأل سؤالاً ينهي هذا اللغط الذي اقترفه ديدات بجهله في هذه القضية. فهو يقول (الخلاص مضمون ويجب فقط إطاعة الله). ممتاز جداً، وهذا هو مطلب الشريعة الأول. فماذا إذن، لو أن الإنسان لم يطيع الله طاعة كاملة. وسفط في عدة وصايا، وكسر شريعة الله؟ ماذا عليه أن يفعل؟ وماذا على اليهودي أن يفعل وفق شريعته؟ خاصة أن ديدات يسقط ويعترف بنفسه، أن طاعة الله الكاملة أمراً مستحيلاً. فالجميع زاغوا وفسدوا معاً. إذن لنخرج ديدات – وأمثاله – من ورطته التي افتعلها لنفسه.

  1. الخلاص بين الدم وحفظ الوصايا: إن التوراة – الناموس – قائم جملة وتفصيلاً، على أن الناس كل الناس محكوم عليهم بالموت. لأن التوراة تؤكد أهمية الطاعة الكاملة لله، وأن من يسقط في واحدة هو ملعون، حيث ورد بالتوراة (ملعون من لا يقيم كلمات هذا الناموس ليعمل بها، ويقول جميع الشعب آمين) (التثنية 27: 26)

ولكن ديدات يهرب في المقابل، من الحل الوحيد الذي قدمت التوراة الحل الوحيد لعلاج الخطية، الكفارة بالدم، وليس بدون الدم (وكل شيء تقريباً يتطهر حسب الناموس بالدم، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة) (عب 9: 22)

كذلك لماذا يهرب ديدات من التوراة التي قال الوحي المقدس فيها (لأن نفس الجسد هي في الدم، فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم، لأن الدم يكفر عن النفس[1]). (اللاويين 17: 10-11). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يهرب ديدات مهرولاً من كلام المسيح الصريح، في أكثب من ستين[2] نصاً إنجيلياً، وهو يعلن أن الخلاص سيتم فقط، بسفك دمه الطاهر على الصليب، من أجل خلاص العالم كله!

إذن مفهوم الكتاب المقدس كله، العهد القديم والجديد قائم على عقيدة الفداء بالدم، وبدون الدم لا يوجد غفران، ولا كفارة ولا خلاص. فديدات وأمثاله لا يستطيعون مجابهة الآيات الإنجيلية، فيرفضون هيبة الكرامة، ويفضلون طريق الهزيمة والعار، فيرفعون شعار الهروب.

  1. مفهوم تاريخ الخلاص في المسيحية: كتب ديدات في النص السابق (ذلك ما لم يكن المسيح مدركاً أن تضحيته من أجل خلاص كل البشر ستكون تعويضاً وكفارة عن كل خطايا الجنس البشري – وهو ما لا يعقل، ولا يوجد أي دليل عليه. أم أن المسيح لم يكن يعلم بما سيحدث، ولم يكن يعرف أنه سيصلب؟ ألم يكن هناك اتفاق إذن بين الآب والابن، قبل بدء الخليقة، بحيث يفتدي المسيح خطايا وآثام البشر بسفك دمه هو شخصياً؟ هل كان المسيح وهو يعطي الرجل اليهودي تلك الإجابة المتمثلة في الخلاص بإطاعة الله؟ كلا، لم يكن هناك مثل هذا الاتفاق الأسطوري الخرافي مع عيسى عليه السلام، كان عيسى عليه السلام يعرف أن ثمة طريق واحد للخلاص، وهو ما حدده للرجل اليهودي، ألا وهو طاعة الله).

كما أثبتنا هروب ديدات من صخرة آيات الإنجيل المقدس، فهو يقول هنا أنه لا يوجد دليل على أن خلاص المسيح معروف قبل بدء الخليقة. فهل هو يهرب مجددا من الآيات؟ نعم هو وأمثاله، يتقنون فن الهروب، لقد هرب قايين من الرب وهلك إلى الأبد.

لنرى إذن الوحي الإلهي الذي يجبر المدلسين على الهروب، ونقدم الدليل الذي ينكره ديدات، حيث يقول الحي الإلهي (دم المسيح معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم. ولكن قد أُظهر في الأزمنة الأخيرة من أجلكم) (1بطرس 1: 20). وقال الوحي المقدس أيضاً (والقادر أن يثبتكم حسب إنجيلي والكرازة بيسوع المسيح حسب إعلان السر الذي كان مكتوماً في الأزمنة الأزلية، ولكن ظهر الآن وأعلم به جميع الأمم بالكتب النبوية حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان) (رومية 16: 25و26)[3].

هذا هو ديدات الذي يدعي أنه يقرأ من كتابنا المقدس، ها هو الوحي يرد على تدليسه، ويقدم الأدلة التي يجهلها ديدات، وهي ألف باء الكتاب المقدس.

فكيف يكون المسيح هو عقل الله الناطق أو نطق الله العاقل. ولا يعرف الماضي والحاضر والمستقبل؟ ولماذا هرب ديدات من كل كلام المسيح. الذي أكد فيه – قبل صلبه – أنه سيصلب ويموت ويقوم في اليوم الثالث؟ إنه المسيح السرمدي شاء من شاء وأبى من أبى، فالحق الإلهي لا ولن يتغير أبداً.

  1. التوبة أولاً: نكمل ردنا على ما كتبه ديدات (لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله”، في حين أن طريقة أسهل – فيما يدعي المسيحيون – قادمة لا محالة؟).

حاول ديدات مرات عديدة، وناله الفشل في كل مرة وألقة به في مستنقعه إلى الأبد. حاول أن يشوه العقيدة المسيحية، على أساس أنها قائمة على أن يفعل المسيحي كل الخطايا ولا مشكلة فهناك أمر سهل وهو الخلاص عن طريق المصلوب، الذي يطرحون خطاياهم عليه. هذا ما يقصده ديدات هنا بالطريق الأسهل، بينما يقدم الإنجيل أساساً قوياً للخلاص وهو التوبة، وقد قام الوحي الإلهي في العهد القديم والجديد، على ركيزة حياة التوبة الصادقة، بعد قبول خلاص المسيح، والتوبة في المسيحية ليست موقفاً أو حالة، وإنما عمراً وحياة ومنهجاً. والآيات في الكتاب المقدس بعهديه، بالمئات في هذا الشأن، ولك منها مجرد أمثلة فقط.

فقد أكد الله على أن من أهم نتائج قبول الخلاص، حياة التوبة التي لا تعتمد على القرابة بنبي أو بصالح، ولا تعتمد على عرف أو لون، فقال الوحي على لسان يوحنا المعمدان (فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة، ولا تبتدئوا تقولون في أنفسكم: لنا إبراهيم أباً، لأن أقول لكم: إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم) (لوقا 3: 8)

وقال المسيح له كل المجد (فاذهبوا وتعلموا ما هو: إني أريد رحمة لا ذبيحة، لأني لم أتي لأدعو أبراراً، بل خطاة إلى التوبة) (متى 9: 13). وقال المسيح أيضاً (أقول لكم: إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب، أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة) (لوقا 15: 7).

وهكذا بشر تلاميذ المسيح بأهمية التوبة، كما تعلموا من معلمهم، فقال بطرس الرسول لليهود الذين حركهم الروح القدس ليؤمنوا بالمسيح (فلما سمعوا نُخِسوا في قلوبهم، وقالوا لبطرس ولسائر الرسل: ماذا نصنع أيها الرجال الأخوة؟ فقال لهم بطرس: توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس).

وقال الوحي على لسان بولس الرسول (بل أخبرت أولاً الذين في دمشق وفي أورشليم، حتى جميع كورة اليهودية، ثم الأمم: أن يتوبوا ويرجعوا إلى الله، عاملين أعمالاً تليق بالتوبة) (أعمال 26: 20)

وأيضاً (أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة) (رومية 2: 4).

فقائمة الآيات التي يهرب منها ديدات، هي قائمة طويلة، واختار منها هنا، المسك الذي أختم به هنا، وهو ما كرره المسيح له كل المجد، مرتين في أصحاح واحد، فقال (بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون) (لوقا 13: 3و5). التوبة كما هو واضح حجر أساس في الحياة المسيحية. فلماذا يكذب ديدات؟ ليفهم القارئ

ثالثاً: حفظ الوصايا

نواصل الرد على ما كتبه ديدات في النص السابق، حيث قال (لماذا أعطى عيسى عليه السلام لليهودي ذلك الجواب أو الحل المستحيل المتمثل في “كامل الطاعة لله” في حين أن طريقة أسهل – فيما يدعي المسيحيون – قادمة لا محالة؟ أم أن المسيح لم يكن يعلم بما سيحدث، ولم يكن يعرف أنه سيصلب؟)

فالفكرة الساذجة التي يقودها ديدات هنا، هي: لو أن المسيح سيخلص العالم بصلبه على الصليب، فلماذا قال لذلك اليهودي أن عليه فقط أن يطيع الله، ولم يقل له انتظر الصلب لأنه لا خلاص إلا بالدم، وإن هذا الصلب سيحدث بعد فترة وجيزة؟!

إن هذا الجزء بالذات الذي أثاره ديدات هنا، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك، بأنه يجهل أبجديات الكتاب المقدس، ولذا أود أن أتقدم في الشرح أكثر، وخاصة أن القارئ الكريم يتابع هذه الردود. فأرد بنعمة الرب على أكثر من صعيد.

  1. وصايا عصر اليهودي: من الطبيعي أن يلفت المسيح نظر سائله إلى الشريعة التي في عصره، فهذا اليهودي ما يزال تحت الناموس، فهل هو أمين في تطبيق هذه الشريعة، والتي اعترف هو بلسانه أنه قد حفظها منذ حداثته. ومن السذاجة أن يقترح ديدات، بأن عيسى كان يجب أن يقول له (انتظر، لا تفعل أي شيء، فبعد فترة سأخلص أنا العالم على الصليب؟!). ما هذه السذاجة المتطرفة؟ إنها فجاجة ديدات التي يفرضها على نصوص أبعد ما تكون عن خياله. لأن الطبيعي أن يرشد المسيح ذلك اليهودي، إلى وصاياه التي يحفظها ويعرفها، وهي بذاتها التي ستقوده للمسيح، إن عاش أميناً فيها، وليس من الطبيعي أن يقول لسائله: لا تفعل وانتظر. هذا هو ديدات الذي ادعى أنه يعرف كتبنا، وهو يؤلف من خياله ليس أكثر.
  2. المكمل والمتسامي: ألم يقل المسيح له كل المجد (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل)؟ (متى 5: 17). فمن الطبيعي، واضع الناموس، لا ينقض الشريعة التي سبق فوضعها هو بذاته، فيرشد لها سائله، والتي بصلبه وصليبه، سيكملها متسامياً بها وبتابعيه.
  3. حتمية الكفارة بالدم: ولكن، من المهم أن نفهم تلك الوصايا التي أشار بها المسيح لذلك اليهودي، فإن أساسها الكفارة بالدم. إنها وصايا التوراة، فماذا تقول التوراة؟! سأختار البعض من التي أقر اليهودي بحفظها عن ظهر قلب، مثل (لا تقتل، لا تزن، لا تسرق) (خروج 20) إذن فإضا أخطأ هذا اليهودي – أو غيره من اليهود – في واحدة من نواهي هذا الوصايا السمائية، فكيف له أن يكفر عن خطيته هذه؟!

الإجابة الواحدة التي لا تقدم التوراة غيرها، على هذا اليهودي وغيره، أن يقدم ذبيحة كفارية عن خطيته، الكفارة بالدم، وليس بدون الدم، فلم يكن المسيح مضطراً أن يلفت نظر السائل إلى هذه الذبائح ودورها التكفيري، ذلك لأن السائل يهودي الأصل وهو يعرف فرائض توراته، التي قد نفذها هو بذاته مراراً وتكراراً، وكذلك لأنه لم يسأله عن الفرائض، لو أنه أخطأ وإنما عن الحياة الأبدية، ولذلك من الطبيعي أن يرشده إلى الوصايا التي تقدم له الحياة الأبدية لو أتمها جميعاً، وليس إلى الذبائح لو أنه سقط في الخطية.

تؤكد التوراة أن الإنسان لا يمكن أن يعيش كاملاً، فلابد أنه سيسقط، وإذا سقط فأخطأ، هو في حاجة لتقديم ذبيحة، تذبح عنه وتحرف على المذبح نيابة عنه، حتى ينال الغفران (اللاويين 1: 3). فكان عليه أن يضع يده على رأس الذبيحة، معترفاً بخطيته، علامة على انتقال الخطية عنه إلى الذبيحة. فتذبح نيابة عنه، أي أن الذبيحة المقدمة أمام الله قد فدت هذا الخاطئ وبالتالي يتم التكفير عن خطيته (اللاويين).

لاحظ معي فهنا لم يقل الله في التوراة (لكي أرضى عنك إذا أخطأت، عليك أن تعمل فقط الأعمال الصالحة). وإنما ألزمه بتقديم الذبيحة للتكفير عنه، ورش دمها حول المذبح (اللاويين 1: 5) هذا هو مفهوم التوراة التي أشار المسيح بها لسائله، فمفهوم وعقيدة الفداء، قائم في التوراة لا محال.

وهذا المفهوم يتكرر أيضاً في (اللاويين 1: 10-13 و14-17)، بل يتكرر حتى في ذبائح السلامة ويربطها برش الدم (لاويين 2)

ثم نواصل البحث فنجد الآتي (وكلم الرب موسى قائلاً: كلم بني إسرائيل قائلاً: إذا أخطأت نفس سهواً في شيء من جميع مناهي الرب[4] التي لا ينبغي عملها، وعمِلت واحدة منها، إن كان الكاهن الممسوح يخطئ لإثم الشعب، يقرب عن خطيته التي أخطأ، ثوراً ابن بقر صحيحاً للرب ذبيحة خطية، يقدم الثور إلى باب خيمة الاجتماع أمام الرب. ويضع يده على رأس الثور ويذبح الثور أمام الرب، ويأخذ الكاهن الممسوح من دم الثور ويدخل به إلى خيمة الاجتماع، ويغمس الكاهن أصبعه في الدم وينضح من الدم سبع مرات أمام الرب. لدى حجاب القدس ويجعل الكاهن من الدم على قرون مذبح البخور العطر الذي في خيمة الاجتماع، أما الرب، وسائر دم الثور يصبه إلى أسفلا مذبح المحرقة، الذي لدى باب الخيمة) (لاويين 4: 1-7).

هل هناك أوضح من هذا الوحي المقدس؟ فما الذي يجب على الكاهن اليهودي عمله إذا أخطأ؟! هل قال له الله أن يتوب فقط؟ أو أن يعمل أعمالاً صالحة فقط، كما يدعي ديدات بأنها كافية للخلاص دون التكفير بالدم؟ لا، لا، لا، بل أمر بالذبيحة كأمر حتمي، ولا بديل للتكفير بالدم للغفران.

ما سبق بالنسبة للكاهن، أما بالنسبة لليهودي العادي الذي ارتكب خطية ما، فقد جاء بالوحي الإلهي عنه (وإن أخطأ أحد من عامة الأرض سهواً بعمله واحدة من مناهي الرب التي لا ينبغي عملها وأثم، ثم أعلم بخطيته التي أخطأ بها، يأتي بقربانه عنزاً من المعز أنثى صحيحة عن خطيته التي أخطأ، ويضع يده على رأس ذبيحة الخطية، ويذبح ذبيحة الخطية في موضع المحرقة، ويأخذ الكاهن من دمها بأصبعه ويجعل على قرون مذبح المحرقة ويصب سائر دمها على المذبح… إلخ) (اللاويين 4: 27-31). الكفارة بالدم، تدحض افتراءات ديدات.

إذن فالسيد المسيح لم يوصي اليهودي بوصايا مجردة عن الفداء والتكفير بالدم، وإنما وصايا لها ارتباطها الجذري بعقيدة الفداء بالدم. وكان يجب على ديدات أن يكون أميناً في بحثه، ولكنه قصد غير ذلك، وأضاع على نفسه الحياة.

  1. ولكن، لماذا الذبيحة؟ نعم، بالرغم من أن هذه الأمور لم يكن ديدات يفهمها ليسأل فيها، ولكن حتى تكون الصورة مكتملة للقارئ، أحب أن أقدم له هذه الحقيقة الكتابية المقدس. لماذا يقوم التكفير عن الخطايا بالذبيحة في الكتاب المقدس؟

لأن أجرة الخطية موت أبدي، والتكفير بالذبيحة يحقق هذا الهدف، وهو موت الكفاري – الذبيحة – نيابة عن المفدي. ولذا كان التكفير بالدم أساسي. ونسأل: لماذا الدم؟ لأن الدم أساس الحياة، فإذا أريق الدم، مات الكائن. فحياته مخزونة في دمه، ومرهونة ببقاء دمه فيه. وهكذا فالدم يمثل الحياة.

إذن فالتكفير عن الخطية قائم على الحياة. والذبيحة ودمها هما الحياة البديلة التي ترمز للمسيح الذبيح الأعظم، الذي قدم نفسه على الصليب، ذبيحة عن الخطاة، وأريقت حياته البشرية على الصليب، وأسس حياة الخلود من جديد بكفارة دمه المبارك.

وليس هناك تكفير وغفران لأي إنسان يعتمد فقط على العمل الصالح دون أن يكفر عن خطاياه من خلال الإيمان بكفارة الذبيح الأعظم المسيح يسوع. من أجل خلاص العالم كله. وهذه هي عقيدة الكتاب المقدس الواضحة لكل من يقرأه بوعي وأمانة. بينما ديدات اعتمد فكرة تخديد عقله، وعملية التخدير لن تطول، فعاجلاً أو آجلاً، سيفقد التخدير تأثيره ويعود الألم يضرب بقوة. ولا شفاء إلا في المسيح له كل المجد.

رابعاً: سرقة ديدات لله

نعم قام ديدات بسرقة الله، لأنه سرق آيات الله، فهو تعود سرقة الآيات الإنجيلية التي تضايقه، وتكشف محاولات تزويره الفاشلة للحق الإلهي، ثم يضع تساؤله الذي يظهر للقارئ – بعد النص المسروق – كأنه منطقي. ولو يدري القارئ عدم احترام ديدات له. وهنا في موضوعنا هذا ليم يخجل ديدات، من سرقة النصوص، ثم بعد ذلك، لا يتورع في أن يفسر ما تبقى منها.

  1. ديدات يسرق الآيات: إليك عزيزي القارئ، جريمة ديدات. ولكي تدركها تماماً، إليك الحوار كله الذي دار بين المسيح والشاب اليهودي. (وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟ فقال له: لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله. ولكن إن أردت ان تدخل الحياة فاحفظ الوصايا. قال له: أية وصايا؟ فقل يسوع: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، أكرم أباك وأمك، وأحب قريبك كنفسك، قال له الشاب: هذه كلها حفظتها منذ حداثتي، فماذا يعوزني بعد؟ قال له يسوع: إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك واعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني) (متى 19: 16-21).

عزيزي القارئ: تخيل كل ما تحته خط سرقه ديدات، لأنه لو وضعه لما استطاع أن يسأل سؤاله الذي بنى عليه كل آمال خرافاته السابقة. وقد كان سؤال ديدات: (لماذا لم يقل السيد المسيح لذل اليهودي، انتظر فإنني قريباً سأقدم الفداء والخلاص؟)

هل لم يرى ديدات، ما الذي ختم به المسيح كلامه مع ذلك الشاب اليهودي؟ بلا شك لقد رآه وهرب منه كعادته. وشكراً للرب الذي يهرب من كلمته المدلسون، فقد ختم المسيح كلامه فقال للشاب اليهودي (إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك واعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني). إذن فقد ختم السيد المسيح إجابته لذلك اليهودي بوصية (تعال اتبعني). هذه العبارة تنسف سؤال ديدات من أساسه. لأن المسيح في النهاية، أكد على اليهودي أهمية تبعيته للخلاص الأبدي.

  1. ألاعيب ديدات المكشوفة: بل دعني أبين لك أيها القارئ الكريم، ألاعيب ديدات وهو يرتكب تلك الجرائم في حق الله، وكيف يقص جزءاً من هنا وآخراً من هناك. فلقد أورد الوحي المقدس سؤال هذا الشاب اليهودي في ثلاث مواقع، فاختار ديدات الموقع الذي حسبه سهل القص، ولكننا قبضناه متلبساً. ففي مرقص نقرأ قول المسيح لذلك الشاب (وتعال اتبعني حاملاً الصليب) (مرقص 10: 21). يعني تبعية المسيح ومعها حمل الصليب. فما أروع نور الصليب في هذه الآية! ولكن الصليب يضايق ديدات، فهو لا يريد أصلاً تبعية للمسيح، ويريد أن تكون الإجابة فقط: نفذ الوصايا وأنت تخلص، فإذ به يورط نفسخ في إجابة المسيح التي تختم على الساعي لأكثر من وصايا الناموس – شريعة موسى – أن يتبع المسيح، وبالأكثر أن يحمل الصليب. فديدات يرفض فكرة الكفارة والخلاص بالدم، وإذ به يصطدم بالصليب مذبح الحياة والخلود، حجر صدمة وصخرة عثرة، وها هو الصليب الذي في إجابة المسيح. يكشف ألاعيب ديدات التي حاول أن يحكيها على القارئ المخدوع.

إذن فقد أكد المسيح على ذلك اليهودي الذي سأله، بأن عليه أن يتبع الوصايا الموجودة في عصره، المبنية أصلاً على الخلاص بالدم، ذلك الدم الذي كان رمزاً ممهداً لدماء المسيح التي حلت مكانه – أي مكان دم الذبائح الحيوانية – وختم المسيح جوابه بعبارة (وتعال اتبعني حاملاً الصليب). كل هذه الآيات مجتمعة، كشفت ما يقوم به ديدات من سرقة آيات وقص ولصق وتفسير مغرض لا علاقة له بسياق الآيات، ولذلك فأنا أسميها محاولات فاشلة، وهي كذلك فلم ينجح ولا مرة في الهروب بفعلته. بل الآيات التي قصد سرقتها. هي بذاتها التي وقفت ضده ونسفت أحلامه، وأكدت هذه الآيات أنه: لا خلاص إلا بدم المسيح المسفوك على الصليب لأجل خلاص العالم كله. هذا هو الإيمان المسيحي، من حق أي شخص أن يرفضه، ولكن ليس من حقه أن يزور فيه!

[1] بهذا المفهوم مارس كل الآباء الكبار – قبل شريعة موسى أو فيها – عقيدة التكفير بالدم. هابيل، نوح، إبراهيم، إسحاق، يعقوب، أيوب، موسى، وهارون. ومن قبلهما آدم وشيث، كذلك فإن كل سفر اللاويين تقريباً والكثير من سفري العدد والتثنية، أي أن كل التوراة قائمة أساساً على عقيدة الفداء بالدم.

[2] راجع الإنجيل المقدس (متى 26: 28 ومرقص 14: 24 ورومية 3: 25 و5: 9 وأفسس 1: 7 وكولوسي 1: 14، 20 وعبرانيين 13: 12 وبطرس الأولى 1: 2 ويوحنا الأولى 1: 7 ورؤيا 5: 1) هذه مجرد أمثلة، وإذا أردت المزيد عن هذه الآيات الإنجيلية يمكن مراجعة كتابنا “شهود الصليب”.

[3] الدم الذي سفك على الصليب هو دم ابن الله (أعمال 20: 28) فهو ليس مجرد دم إنسان عادي، إنما هو دم الكلمة المتجسد. أي الإنسان يسوع المسيح الذي حل فيه كل ملء اللاهوت واتحد بكل ذرة فيه.

[4] هنا لب الموضوع الذي نبحثه، لأن مناهي الرب هي الوصايا التي أشار بها المسيح لسائله اليهودي.

رسالة المسيح – رسالة مرتبطة بصفاته اللاهوتية ردا على احمد ديدات

رسالة المسيح – رسالة مرتبطة بصفاته اللاهوتية ردا على احمد ديدات

رسالة المسيح – رسالة مرتبطة بصفاته اللاهوتية ردا على احمد ديدات

لقد هرب ديدات من موضوع رسالة المسيح، هرب من مواجهة شواهدها الكتابية القوية، ولخصها سريعاً ومهرولاً عن رؤية شمسها الساطعة. فكتب تحت عنوان (الطريق إلى الخلاص) ص 89 (يتبقى لنا إذن الموضوع الثاني عن “رسالة المسيح عليه السلام وعن معجزاته”. إن رسالة عيسى رسالة بسيطة واضحة الاستقامة والاستواء، شأنها في ذلك شأن رسالات من سبقوه من الرسل).

هذه أقوى ضلالة أقنع ديدات بها نفسه. وحتماً لا يمكن أن يستخدم الإنجيل المقدس. كشاهد على أكاذيبه هذه. فمن يقرأ الإنجيل، يدرك على الفور تفرد المسيح تماماً. جملة وتفصيلاً عن كل الأنبياء بدون استثناء. وكل البشر بصورة عامة. فقد حرم ديدات نفسه من الحياة.

إذن: لنحلل تعاليم المسيح، ورسالته، وشخصه، في ضوء الإنجيل المقدس، لنرى: هل يوجد في الوجود كله من يشبهه أو يماثله؟ وهل يوجد في الأنبياء جميعاً، من لا يشتهي الشهادة لمجده؟ وهل في البشر، من يستحق أن يحُل سيور حذائه؟ (مرقص 1: 7 ولوقا 3: 16 ويوحنا 1: 27).

  1. المسيح محور النبوات: كيف يكون المسيح – في أكاذيب ديدات – مثل كل الأنبياء، في الوقت الذي نجد فيه محور كل نبوات أنبياء العهد القديم، تدور في فلك المسيح؟ إذن فالمسيح هو شهوة قلوبهم ومشتهى كل أجيالهم (ملاخي 4: 2)، بينما لم يتنبأ أي نبي، عن أي نبي منهم، ولا أي نبي عن النبي الذي سيأتي بعده. بل حتى يوحنا المعمدان، الذي حينما أشارت له النبوة في (ملاخي 3: 1)، أشارت له كخادم للمسيح، حيث قال الوحي الإلهي النبوي (هأنذا أرسل ملاكي – يوحنا المعمدان – فيهيئ الطريق أمامي، ويأتي بغتة إلى هيكله، السيد الذي تطلبونه وملاك العهد – المسيح – الذي تسرون به، هو ذا يأتي قال رب الجنود).

واضح كذب ديدات وتدليسه الفاشل، فالمسيح دائماً وأبداً مختلف عن كل الأنبياء، وعن البشر الآخرين كل الآخرين، في كل شيء، فهو محور النبوات، بل ومحور كل التاريخ الذي انقسم به، فأصبح قسماً من التاريخ يُسمى: قبل ميلاد المسيح، وقسماً يُسمى: بعد ميلاد المسيح. فمن من الأنبياء قسم التاريخ؟ ولا نبي على الإطلاق. فقد عاشوا صادقين بالوحي فيما كتبوا عنه. وظلوا خدامه الأمناء الذين أخبروا البشرية عن حتمية قدومه، وعن ألوهيته العجيبة، وطبيعته السماوية، ورسالته الفريدة التي أساسها موته مصلوباً، وقيامته من الموت وصعوده إلى السماء ومجيئه لمحاسبة الناس في آخر الأيام. فمن يشبه المسيح بين كل الأنبياء؟ لا أحد. ولكنها أكاذيب ديدات المكشوفة.

  1. المسيح متفرد في ولادته: كل الأنبياء ولدوا بطريقة طبيعية بشرية 100%، بينما ولد المسيح بطريقة فريدة لا مثيل لها ولن يكون في التاريخ البشري كله مثيل لها.

إذن، واضح لأي منطق عاقل، أن ديدات متحير في شخصية المسيح، ومتورط إلى القاع، فكيف يكون المسيح مثل كل الأنبياء، وقد دخل إلى عالمنا بطريقة لا علاقة لها بالأنبياء ولا بأي بشر. إنه المسيح المتميز في كل شيء عن كل البشر، فيكابر ديدات في هذه المسألة الواضحة للجميع.

  1. علاقة طبيعة ولادة المسيح المعجزية برسالته: لماذا يُولد المسيح بدون أب بشري؟ هذا السؤال من الأسئلة المهمة، التي يجب ليس فقط الإجابة عليها. وإنما التفكير فيه، وفهم حقيقة هذه المعجزة، فهماً سليماً. فهل لو أنه مجرد نبي، كان يستلزم بالضرورة، أن يُولد دون أب من البشر؟ كيف إذن يكون – كما يكذب ديدات – بأنه مثل كل الأنبياء؟

(أ) معجزة: ولكن لماذا؟!: يكتفي ديدات بأن يقول: إنها معجزة. ولكن هل هي معجزة عشوائية؟ بالصدفة؟ غير مقصودة؟ بالتأكيد هذه ليست طريقة الله في المعجزات، فكل عمل إلهي له هدف واضح ومقصود بعناية.

إذن، لماذا؟ أليس من العجيب أن يكسر المسيح، في طريقة الحبل به كل القوانين الطبيعية والنواميس البشرية المعروفة؟ وفي سابقة في التاريخ البشري لم تحدث ولم تتكرر ولن تتكرر، يُولد المسيح بدون زرع بشري، أي بدون أب من البشر. لماذا؟!

يجب الإجابة على هذا السؤال، دون أي انفعال عاطفي، ودون أي إجابة موجودة أصلاً لديك مسبقاً. فلا تقل: إنها معجزة، لأن هذه الإجابة، المفروض تكون على السؤال: هل هي معجزة؟ أما أن يكون السؤال: لماذا يُولد المسيح بهذه الطريقة الفريدة؟ ستكون الإجابة بأنها معجزة، هي إجابة ميتة، لأن السؤال سيظل قائماً، نعم، إنها معجزة. ولكن لماذا؟! فكيف يكذب ديدات ويدعي بأن المسيح، مثل باقي الأنبياء؟

(ب) لا يحتاج إلى معجزة: لو أننا قلنا، أن ولادة المسيح هكذا بدون أب من البشر هي مجرد معجزة فقط، تكون بلا قيمة ولا هدف، خاصة أن المسيح والمعترف به من الجميع هو أكثر من قام بعمل معجزات على الأرض، من حيث طبيعتها ومن حيث عددها. فمن الشفاء إلى الخلق، لم يقف شيء أمام قدرة المسيح اللاهوتية. فليس بحاجة لإضافة معجزات، حتى تكون ولادته مجرد معجزة، دون أن يكون لها هدف واضح في رسالته. فكيف يكذب ديدات ويدعي بأن المسيح، مثل باقي الأنبياء؟

(ج) العقل والمنطق: نعم، إن العقل والمنطق ينظران إلى ولادة المسيح بعين التأمل والتدقيق، لأنه لا بد أن يكون هناك هدفاً واضحاً لهذه الطريقة الفريدة في الولادة مرتبطاً برسالة المسيح. بكلمات أخرى نقول: ما هو هذا الشيء الجوهري في رسالة المسيح والذي استلزم أن يُولد بهذه الطريقة الفريدة؟؟

لابد أن لولادة المسيح بهذه الطريقة العجيبة، عملاً خاصاً ومهماً يرتبط برسالته. بحيث لا يمكن أن تكتمل إلا إذا وُلد هو بهذه الطريقة الإعجازية!!

هذا هو التحليل المنطقي لطبيعة ولادة المسيح بهذه الطريقة، لأنه حاشا لله أن يفعل أشياء مبهمة، وغير مبررة، دون أن يكون من ورائها، قصداً إلهياً عظيماً. فكيف يكذب ديدات ويدعي، بأن المسيح، مثل باقي الأنبياء؟

(د) هدف المعجزة: إذن ما هو الهدف؟ هذا سؤال مهم، ويجب الإجابة عليه. فأن الهدف الأساسي هنا في ولادة المسيح دون أب من البشر، هو ألا يحمل نتائج الخطية الجدية فخطية آدم وحواء. ففي الحبل بالمسيح، كُسر قانون توريث نتائج الخطية الجدية. فآدم وحواء معاً، يورثان نتائج الخطية – وهي فساد الطبيعة البشرية والموت الأبدي – لأن آدم وحواء معاً اقترفا الخطية الأولى، وتم عقابهما معاً، وهنا لا نجد آدم مع العذراء مريم، بل نجد عملاً إلهياً (فأجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يحل عليك. وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضاً القدوس المولود منك، يدعى ابن الله) (لوقا 1: 35).

فآدم وحواء هما من يورثا معاً الخطية القديمة. فلا يستطيع الرجل وحده ولا المرأة وحدها، أن تورث الخطية، بل الرجل والمرأة معاً.

ومن هنا نفهم: لماذا وُلد المسيح بدون أب من البشر، ذلك لأن القانون الطبيعي لتوريث الخطية قد انكسر في ولادته، فلم يسري على المسيح لعدم تحقيق قانون توريث الخطية، لأن ليس له أب من البشر، وهكذا كان المسيح هو الشخص الوحيد في تاريخ البشرية كلها الذي وُلد ولادة غير طبيعة، بحبل غير طبيعي ولهذا لم يرث خطية آدم وحواء، لأنه الوحيد الذي في الحبل به وفي ولادته، تم كسر ناموس توريث الخطية الآدمية الأولى، فالهدف إذن واضح، ألا يرث المسيح نتائج خطية جدية. من فساد الطبيعة البشرية والموت الأبدي. إلخ، وهذا هو الهدف المقصود والمرتبط برسالة المسيح الخلاصية. فكيف يكذب ديدات ويدعي بأن المسيح، مثل باقي الأنبياء؟

(هـ) ثمرة المعجزة: فما معنى هذا؟ أي ماهي ثمرة عدم وراثة المسيح لنتائج الخطية الجدية؟! بكلمات أخرى، ما قيمة أن يكون المسيح بلا خطية على الإطلاق؟! معنى هذا أن المسيح هو الشخص الوحيد في تاريخ البشرية كلها، الذي بلا خطية والطاهر النقي المطلق. فهو لم يرث نتائج الخطية ولم يفعل أي خطية. وبالتالي يكون هو الوحيد المطلق، الذي يصلح ككفارة وفدية تكفر إلى الأبد عن خطية الإنسان. فكيف يكذب ديدات ويدعي، بأن المسيح، مثل باقي الأنبياء؟

(و) شخصية المسيح: وربما يسأل البعض فيقول: ولكن حتى ولادة المسيح بهذه الطريقة العجيبة، فإنها لا تخرجه من دائرة البشر، أي أنه يظل محدوداً وليس له القدرة على خلاص الجنس البشري… أليس كذلك؟ أقول: هذا في حالة أن يكون المسيح مجرد إنسان!! ولأنه ليس مجرد إنسان، دخل إلى عالمنا بطريقة متميزة تليق به. أعلى من مستوى كل البشر، فلو كان المسيح مجرد إنسان، لما استلزم الأمر أن يولد بهذه الطريقة!

وهنا أريد أن أنبر على أمر هام، أراد ديدات فاشلاً كعادته أن يزوره، حيث أنه يدعي أننا نؤمن أن المسيح إله، لسبب أنه ولد بهذه الطريقة. وهذا فشل ذريع من ديدات. وبعيد عن الحقيقة الرائعة. بل إننا نقول: لأنه الله المتجسد، كان لا بد أن يُولد بهذه الطريقة العجيبة. فهذه الولادة ليست سبباً لألوهيته، وإنما لألوهيته قبل التجسد، فهو كلمة الله الأزلي، لذل حتماً كان لا بد أن يولد بهذه الطريقة الإعجازية الفريدة، فهو عقل الله قبل أن يتحد بطبيعة بشرية في بطن السيدة العذراء. لهذا دخل إلى عالمنا البشري بهذه الطريقة الفريدة. الفرق عظيم وكبير.

أرجو أن تعود إلى موضوع (ابن الله)، وموضوع (في البدء) في هذا الكتاب لفهم كمال هذه العقيدة المؤسسة على المسيح الحق الإلهي، فكيف يكذب ديدات، بأن المسيح، مثل باقي الأنبياء؟

(ز) قوة النبوات وصدقها: كذلك فكل النبوات في الكتاب المقدس وقبل ولادة المسيح بآلاف السنين، والبعض بمئات السنين، جاءت هذه النبوات واضحة، تكشف عن شخصية المسيح اللاهوتية. وقد أوضحنا ذلك في باب خاص، في كتاب “شهود الصليب” الذي هو رد على كتاب ديدات “مسألة صلب المسيح” وفي هذا الباب قدمنا عشرات النبوات، التي يكن الرجوع لها. فكيف يكذب ديدات، بأن المسيح، مثل باقي الأنبياء؟

(ح) المسيح كامل مطلق في صفاته: مما سبق وغيره، يتضح للمدقق، أن المسيح كامل في صفاته وأفعاله وكلامه وطبيعته، أما طبيعته اللاهوتية فيه تعطيه وتحقق فيه صفة اللامحدودية في أفعاله وإمكاناته، فالخطية التي فعلاها آدم وحواء، قد صدرت تجاه الله غير المحدود، وبالتالي تستوجب كفارة غير محدودة، وهذا ما لا نجده إلا في المسيح. فهو غير المحدود بلاهوته، والنقي الطاهر المطلق بلاهوته وناسوته. كما أن ألوهيته، تحقق فينا أيضاً، قدرته على خلق وتجديد الطبيعة الإنسانية الساقطة الميتة.

إذن في المسيح يسوع يتحقق الآتي: إنه جاء إلى عالمنا متجسداً في طبيعتنا البشرية، ولهذا تمكن من وضع نفسه للموت، ليحقق الفداء، وأنه ولد بلا خطية كما لم يفعل أي خطية، ولهذا فهو البار والطاهر غير المحدود والخالق. فهو كامل في طبيعته، إنه الله المتجسد. فكيف يكذب ديدات، بأن المسيح، مثل باقي الأنبياء؟

(ط) قدرته على فداء البشرية كلها: إذن فإن العدل الإلهي يعاقب كل الناس بالموت الأبدي، وهذا يعني موت كل الناس. فإن المسيح بصفاته السابق شرحها، هو الوحيد الذي يستطيع أن يُخلص كل الجنس البشري من الموت الأبدي.

وهكذا مات المسيح بطبيعته البشرية على الصليب، نيابة عن كل البشر وكفارة عنهم جميعاً، مقدماً حياته بدلاً من حياتهم جميعاً. فالعدل الإلهي يطلب القصاص بموت كل نسل آدم. وقدم المسيح حياته بدلاً من حياة الجميع. وهذا هو مفهوم كلمة الفداء. أي أن المسيح فدى بموته حياة كل الناس. فقد قدم خلاصاً يكفي لكل البشر. لأنه الوحيد القادر بلاهوته اللامحدودية، فهو الاله المتجسد، أن يفي ويكفر عن الخطية اللامحدودة في حق الله غير المحدود. وعلى البشر إن أرادوا، أن يقبلوا مجاناً هذا الخلاص الأبدي، فكيف يكذب ديدات، بأن المسيح، مثل باقي الأنبياء؟

(ي) في قيامته قمنا نحن: ولكن، لو أن المسيح مات ولم يقم من الموت، فإن ذلك يعني أن للموت أيضاً سلطاناً عليه، ولكن الحقيقة لم يكن للموت سلطاناً عليه. فقد قام من الموت منتصراً عليه معلناً سلطانه هو على الموت وليس العكس. وبالتالي لأنه قام من الموت وغلبه، وكان عندها متحد بطبيعتنا البشرية، فقد حُسب انتصاره على الموت انتصاراً لكل الجنس البشري، اللابس هذه الطبيعة، وهكذا خلّص المسيح، من الموت الأبدي كل الذين أتوا إليه. وأصبح هناك قيامة للبشر في نهاية الأيام. بعد أن كان محكوماً عليهم بالموت الأبدي. بل أصبح هناك حياة سعيدة بعد القيامة منحها لهم المسيح العظيم، والفادي الكريم في سماء نحيا فيها كالملائكة إلى الأبد. فكيف يكذب ديدات، بأن المسيح، مثل باقي الأنبياء؟

(ك) كل الأنبياء يصلحون: لو أن رسالة المسيح عادية – كما يكذب ديدات – مثل كل الأنبياء الذين سبقوه. فلماذا لم يصلح أي نبي من أنبياء الله، ليتمم الفداء؟ فإن كانت رسالة المسيح عادية. فكان يمكن لأحد أنبياء العهد القديم، أن يصلح ليقوم برسالة الفداء، هذه الرسالة التي اعتبرها ديدات عادية، لم يستطع أن يقوم بها، غير المسيح، الذي هو السرمدي، جاء إلى عالمنا بهذه الطريقة الفريدة. فولادة المسيح بهذه الطريقة، مرتبط أصلاً برسالته الخلاصية.

أما الضربة القاضية لمستنقع ديدات، فلو أن المسيح وُلد بطريقة عادية مثل كل البشر، لأمكنه أيضاً القيام بهذه الرسالة الهزيلة التي اقترحها ديدات، واعتبرها رسالة عادية، ما كان الأمر أبداً يستدعي ولادته المعجزية. فكيف يكذب ديدات، بأن المسيح، مثل باقي الأنبياء؟

(ل) خدعة (معجزة للإيمان): وربما يقول البعض، إن ولادة المسيح بهذه الطريقة الإعجازية، كانت ضرورية ليؤمن اليهود به! أقول: كيف تكون هي معجزة لليهود وهم لم يعرفوا المسيح حتى كرسول أو كنبي، إلا بعد أن قام بالمعجزات بينهم، وحدث ذلك عندما صار عمره ثلاثين عاماً؟! كما أنهم لم يعرفوا أنه وُلد بطريقة إعجازية، بل كانوا يعتقدون أنه ابن مريم ويوسف النجار (متى 13: 55 ومرقص 6: 3 ولوقا 4: 22 ويوحنا 1: 45 و6: 42). فالإنجيل المقدس مليء بالآيات التي تؤكد ذلك. فكيف تكون ولادته معجزة لهم. وهم لا يعرفون عنها أي شيء؟! كما أنهم آمنوا بالكثير من الأنبياء قبل المسيح، وصدقوا كلامهم ونبواتهم، وكان هؤلاء الأنبياء جميعاً قد ولدوا بطريقة طبيعية من أب وأم ودون معجزة. فكيف يكذب ديدات، بأن المسيح، مثل باقي الأنبياء؟

(م) معجزة بلا تأثير!: من ناحية أخرى، لو كانت ولادة المسيح بهذه الطريقة، هي فقط معجزة ليؤمنوا به، أقول: لم يكن لولادة المسيح بدون أب – وهي معجزة عظيمة – أي تأثير على موقف إيمان اليهود من المسيح، فلم يؤثر فيهم ليؤمنوا به، وذلك لأنهم لا يعرفونها. وبناء على هذا الرأي الخطأ، بأنها معجزة للإيمان، تكون هي إذن معجزة بلا تأثير، ولم تحقق هدفها الإلهي، وحاشا لإرادة الله من ألا تتحقق. فكيف يكذب ديدات، بأن المسيح، مثل باقي الأنبياء؟

هل رأيت عزيزي القارئ، أهمية ولادة المسيح بهذه الطريقة الإعجازية الفريدة؟! وعمق ارتباط طريقة ولادته برسالته؟! يجب الوقوف على الحقائق وفهمها، دون الاستعجال والانصراف عنها، بوضع أي تفسير لا يناسبها.

(ن) الدينونة: يكفي أن نذكر هنا هذا الفرق الجوهري، الذي يقدمه الإنجيل المقدس، بين المسيح وجميع الأنبياء، حيث سيجلس المسيح في آخر الأيام، على عرشه دياناً للبشرية كلها، ليحاسب كل واحد على أعمالهم. فأين الأنبياء من مقام المسيح هذا؟

فإن المنطق يقول: لو أن المسيح مجرد بشر عادي، ورسول مثل باقي الرسل فعليه إذن أن يتمم رسالته، ثم يحاسبه الله في نهاية الأيام مثل كل الرسل. أما أن يأخذ هو مكان الله، ويحاسب الناس والأنبياء والرسل جميعاً، فهذا يعني شيئاً واحداً فقط: أنه هو الله الظاهر في الجسد البشري. فلن يحاسب الناس إنساناً مثلهم، وإنما ربهم وخالقهم الذي هو المسيح، لأن حق محاسبة الناس، هو حق إلهي مطلق، فلماذا يأخذه المسيح فقط، إن لم يكن هو الله؟! إن ديدات يكذب!

إذن من الكثير الذي سبق والأكثر الذي لم نقدمه هنا. واضح كل الوضوح تفرد المسيح في صفاته وطبيعته اللاهوتية، وتعاليمه وسلطانه، ونستطيع بثقة وإيمان أن نقول: أن المسيح ورسالته ليس باي حال من الأحوال مثل من سبقوه من الأنبياء والرسل كما كذب ديدات. فمجرد أن يقدمه الإنجيل على أنه الله المتجسد (يوحنا 1: 1 و14)، فهذا وحده كافٍ ليسجد له كل الأنبياء ويتعبدون له.

لقد كذب ديدات، حينما قال: إن رسالة المسيح، مثل رسالة كل الأنبياء، وأنه مثلهم، لقد أهلك ديدات نفسه بنفسه، حينما رفض رسالة المسيح.

طبيعة الكتاب المقدس – دراسة

طبيعة الكتاب المقدّس – دراسة

طبيعة الكتاب المقدس – دراسة

طبيعة الكتاب المقدس – دراسة

عدد من العوامل المهمّة يحدّد طبيعة الكتاب المقدّس، من بينها أصوله التاريخيّة وتنوّع أسفاره ومحتوياته وموضوعه اللاهوتيّ كما دوره واستعمالاته في حياة الكنيسة. عالج العلماء الأرثوذكس، من منظار لاهوتيّ عامّ، هذه المواضيع وغيرها من الأسئلة المرتبطة بها[1]. وأكّدت مساهماتهم اوجه مهمّة للكتاب مثل وجهه المعلّن، الوحي، السلطة، التفسير والعلاقة مع التقليد. ستحتلّ هذه النقاط اهتماماتنا، بطرائق متعدّدة، خلال هذا العمل.

ونهدف في الفصل الأوّل إلى تقديم بيان اوّليّ حول طبيعة الكتاب، استناداً إلى مبدأ إثبات أمور مثل الإعلان والوحي لاهوتياً يجب أن يرتكز على محتويات الكتاب الفعليّة وتركيبته التاريخيّة كما على تكوينه القانونيّ. إذاً هنا تُختبر طبيعة الكتاب المقدّس عبر: أصول الإناجيل اليهوديّة والمسيحيّة، والعلاقة بين العهدين القديم والجديد، والوجهين الإلهيّ والبشريّ للكتاب المقدّس.

الكتب اليهوديّة والمسيحيّة المقدّسة

يؤلّف الكتاب المقدّس مكتبةً كاملةً من الأسفار المقدّسة المكتوبة في فترة تمتد حوالي ألف سنة، من القرن العاشر قبل الميلاد إلى الأوّل بعده. وُضِعَت الكتابات المختلفة بالعبرانيّة واليونانيّة، وبعض الأجزاء بالآرامية[2]، وفي الأغلب ألّفها كتّابٌ مجهولون في ظروف تاريخيّة معيّنة وعالجوا أموراً مهمة بالنسبة إلى جماعاتهم الدينيّة. أوّل إشارة إلى كتاب مقدّس رسميّ هي “كتاب الناموس” في 2 ملوك 8:22. بشكل رئيس، يعرّف العلماء المعاصرون هذا الكتاب بتثنيّة الاشتراع.

هذه الإشارة تربط أصول الكتاب بالهيكل والكهنوت أيّام الملك يوشيّا (640-609 ق.م). وتحدّد الإشارة الأخرى، زمن “كتاب ناموس الربّ” (2 أخبار 9:17)، أي حوالي مئتي سنة قبل هذا على أيّام يهوشافاط حاكم اليهوديّة (873-849 ق.م.). يخمّن الباحثون أنّ مراجع كتب الإنجيل المكتوبة، تحديداً التكوين والخروج، قد تعود إلى حوالي القرن العاشر قبل الميلاد.

كتاب الرؤيا، على الطرف الآخر من المكتبة الكتابيّة، قد كُتب على الأرجح أواخر القرن الأوّل بعد الميلاد، خلال اضطهاد المسيحيّين على يد الأمبراطور الرومانيّ دوميتيانوس (81-96 ب.م). هنا يعرّف الكاتب عن نفسه بوضوح على أنّه يوحنّا، نبيّ مسيحيّ، كتب من منفاه في جزيرة باتموس وأعلن أنّه واضع كتاب النبوءة هذا (رؤيا1: 1-11 و22: 7-19)[3].

في كلّ حال، أغلب أسفار الكتاب لم تدّعِ سلطة كونها كتباً مقدسةً. فهي لم تمتلك أيّ سلطة في أيّام وضعها، بل الجماعات الدينيّة اليهوديّة والمسيحيّة منحتها هذه السلطة عبر الأجيال والقرون. ففي هذه الجماعات، كانت السلطة الدينيّة الأولى للأشخاص الأحياء: البطاركة والكهنة والأنبياء والرسل، وفوق الجميع يسوع الناصريّ الذي، بشهادة كلّ هؤلاء، تكلّم وتصرّف بالأصالة عن الله. يجب أن ينتبه قرّاء الكتاب المقدّس إلى أنّ الطبيعة التأسيسيّة للإعلان الكتابيّ شخصيّة، بينما تعبيره المكتوب ثانويّ بالمقارنة معها.

فقد شملت اللحظات العظيمة والأعمال التي جعل الله نفسه معروفاً، أحداثاً قويّة اختباريّة غيّرت حياة الأشخاص المعنيّين في محيط جماعاتهم الخاصّة. وتذكُّر هذه الأحداث الإلهاميّة والخبرات، والاحتفال بها وتفسيرها وسردها وإعادة سردها شفوياً، قد سبق كتابة قصصها على يد هؤلاء. وقد استغرقت هذه العمليّات قروناً بالنسبة إلى العهد القديم، وعشرات السنين بالنسبة إلي العهد الجديد.

إذاً، خلفَ الكتاب المقدّس المكتوب، تقبع الحقيقة الديناميكيّة الدينيّة الشفويّة لتقاليد الشعبين اليهوديّ والمسيحيّ. فقد حُفطَتْ هذه التقليدات الشفويّة وطَوِّرَت في العبادة والتعليم والعادات. حفظها شعب الله حيّة، وهي عزّزت هويّتَه موجِّهةً معتقداته وعاداته. في آخر الأمر، كان الكتّاب ملتزمين بالكتابة عبر عمليّات معقّدة. استمرّت الكتابة العبريّة منذ حوالي 950 سنة ق.م. إلى 150 بعده في حين كُتب العهد الجديد بين السنة 50 و100 بعد الميلاد.

في كلّ حال، أعاد الأدب المقدّس سردَ الأحداث الأولى مع طبقات من التفسير، من الدرجة الأولى والثانيّة والثالثة، ضمن كلّ جماعة إيمانيّة. وتمّ إنتاج تنوّعات هائلة من الكتب، التكوين والعدد، وإنجيل مرقس ورسالة يعقوب. نجد في بعض الحالات أشخاصاً معروفين ككتّاب، كالرسول بولس تحديداً، يساهمون بشكل عامّ في التقليد الكتابيّ المكتوب.

ومع هذا، كلّ هذه الكتب نشأت من حياة إسرائيل والكنيسة، خدمة لحاجاتها الملموسة في العبادة والتعليم والإرشاد الروحيّ وتحديد الذات. من هذا المنظار، نستطيع تقدير الواقع العميق، أنّ اسفار الكتاب هي بطبيعتها الحقيقيّة كتب للإيمان وثمرة الحياة بحسبه، ولأنها عزّزت هذه الحياة وما زالت.

لم يكن أيّ من هذه الكتب بذاته كلّ نتاج الجماعة الإيمانيّة. إذ تضمّن تجميعها التدريجيّ في مجموعة مقدّسة أيضاً عمليّة ديناميكيّة من القبول والاختيار ضمن حياة وتقليد كلّ من الجماعات المؤمنة الحيّة، اليهوديّة والمسيحيّة. وفيما اكتسب الكتاب مركزيّة في نهايّة الأمر في اليهوديّة والمسيحيّة، ينبغي أنّ نتذكر أنّ”إبراهيم كان صاحب كتاب بقدر ما كان يسوع أو بولس صاحبي عهد جديد”[4]. فقد اكتسبّت هذه الكتب صفة السلطة المقدّسة ببطء إلى أن توصلت إلى القيام بدور مهمّ في إظهار المعتَقَد والممارسة وتحديدهما.

لقد حفظت الجماعات الإيمانيّة اليهوديّة والمسيحيّة أسفار الكتاب انتقائيّاً وجمعتها تدريجيّاً في مجموعات مقدّسة خلال قرون عدّة. لا يمكن تقديم أي تفسير لكون هذه الكتب مقدّسة في اليهوديّة والمسيحيّة سوى أنّها اختيارات هاتين الجماعتين الدينيّتين. عندما تقول الكتاب المقدّس العبريّ فأنت تعني الهيكل (synagogue)، وعندما تقول الكتاب المقدّس المسيحيّ فأنت تعني الكنيسة[5]. هذه المجموعات المقدّسة هي قوانين (من الكلمة اليونانيّة ѵώѵαк التي تعني القانون أو المعيار).

لقد أُنجز قانون الكتاب اليهوديّ في القرن الأوّل أو الثاني للميلاد، أمّا القانون المسيحيّ الذي يحتوي العهدين القديم والجديد فقد أُنجز أواخر القرن الرابع[6]. اشترك اليهود والمسيحيّون في الكتابات المقدّسة عينها، المأخوذة من التقليد اليهوديّ، خلال القرن الأوّل الميلاديّ وقبل ظهور العهد الجديد كجزء من الكتاب المقدّس. ومع أنّهم فسّروها بشكل مختلف فقد أشاروا إليها بالعناوين ذاتها.

كلمة ‘إنجيل‘ (بالإنكليزيّة Bible) تأتي من الكلمة اليونانيّة ѵοʹɩλβɩβ أو ςολβɩβ (سجل، وثيقة أو كتاب) وكان قد استعملها اوّلاً اليهود المتكلّمون باليونانيّة للإشارة إلى الكتابات المقدّسة اليهوديّة[7]. تكمن أصول هذه الكلمة الإتيمولوجيّة في كلمة مصريّة تشير إلى شجيرات البردي وعمليّة دبغها المستَعمَلة في العالم القديم للكتابة منذ القرن السادس ق.م.

استعمل كتّاب العهد الجديد هذه التسميّة في بعض الشواهد للإشارة إلى كتابات محدّدة مثل كتابي أشعياء (لوقا 4:3) أو كتب الناموس الخمسة المنسوبة إلى موسى (مرقس 26:12، وغلاطية 10:3). ترد الكلمة بالجمع αɩλβɩβ مرّة واحدة (2 تيموثاوس 13:4). التسمية ذاتها ايضاً توجد عند آباء الكنيسة، ولو نادراً، للإشارة إلى كلّ الإنجيل المسيحيّ. لقد بدأ انتشار عبارة الإنجيل (بمعنى الكتاب المقدّس) في التقليد المسيحيّ الغربيّ.

الكلمة الأكثر انتشاراً للكتب المقدسة كانت الكتاب (باليونانيّة ήφαρϪ) أو بالجمع الكتابات (αφαρϪ)، ومصدرها الفعل ωφʹαρϪ الذي يعني ‘ينقش‘، “يكتب” أو “يسجل”. فيما كلمة ςολβɩβ تقتضي تشديداً على المادة التي يُكتب عليها، فإنّ كلمة ωφʹαρϪ تضع التوكيد على عمل الكتابة ومحتواها[8].

يستعمل كتّاب العهد الجديد هذه التسمية مرّات عديدة للإشارة إلى مقطع محدّد أو إلى الكتابات المقدّسة بشكل عامّ (مرقس 10:12، لوقا 27:24، أعمال 8: 32 و35، غلاطيّة 3: 8 و22، روما 4:15). الرسول بولس يسميّها الكتابات المقدّسة (ʹɩαφαρϪ ɩαɩϪα روما 2:1) مرّة واحدة. انتشرت عبارتا “الكتاب المقدّس” و”الكتابات المقدّسة” في التقليد المسيحيّ العالميّ كتسمية للإنجيل بعهديه القديم والجديد.

كما سبقت الإشارة، فقد كتب الشعب اليهودي وجمع كتاباته الخاصّة. منذ القديم، صُنِّفَت الكتابات العبريّة في المجتمع اليهوديّ إلى ثلاث مجموعات: الناموس والأنبياء والكتابات. يُدعى الناموس ايضاً ناموس موسى أو Pentateuch (ومن اليونانيّة ςοӽѵεԏαʹԏѵεΠ التي تعني العمل ذا الخمسة أجزاء)، ويتألّف من الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم التي تُنسَب تقليديّاً إلى موسى. العنوان العبريّ هو توراة Torah، التي تُترجَم عادةً ‘الناموس‘.

لكن العبارة التي تحمل معاني أكثر غنى في العبرانيّة، بما فيها الناموس الإلهيّ والتعليم والوحي. ومع أنّ محور كتب موسى هو ناموس الله المُعطى له على جبل سيناء، إلاّ أنّ مجالها أوسع باشتمالها روايّة الخلق والملاحم البطريركيّة وقصّة خروج الشعب اليهوديّ من مصر. الأنبياء في العبريّة Nevi’im تعني المُعلنين أو الناطقين بلسان الله. تتضمّن هذه المجموعة كتباً عديدة مرتّبة زمنيّاً من يوشع إلى ملاخي وبينهما الكتب التاريخيّة يوشع والقضاة وصموئيل والملوك.

في كلا التقليدين اليهوديّ والمسيحيّ، يُعتبّر موسى ويوشع وصموئيل أنبياء وزعماء موهوبين ومتحدّثين باسم الله. الفئة الثالثة الواسعة في الكتاب المقدّس هي الكتابات (بالعبريّة Kethurim) وتشكّل مجموعة كتب واسعة من المزامير إلى الأخبار، وتتضمّن صلوات وأغاني وتعليماً وتأمّلات فلسفيّة وقصصاً تاريخيّة ورؤيويّة. يُسمّى الإنجيل باليهوديّة في التقليد اليهوديّ Tanakh وهو لفظة أوائليّة مرتكزة على الحروف الأولى لكلمات “الناموس، الأنبياء والكتابات” بالعبريّة (TNK)[9].

أشار يسوع والرسول بولس إلى فئتين أساسيتين “الناموس والأنبياء” (متى 12:7 ؛ روما 21:3). أمّا الفئات الثلاث فتتكرّر في كلمات المسيح القائم للذَين على طريق عمواص “ناموس موسى، والأنبياء والمزامير” (لوقا 44:24) لكلاوبا وتلميذ آخر مجهول.

كان أعضاء الجماعة المسيحيّة الأولى من اليهود والأمم. وقد رأى كلّ منهم نفسه متأصلاً في التراث اليهوديّ وادّعى أنّه وريثه. إذاً، احتفظ المسيحيّون الأوائل بالكتابات العبرانيّة، أو ما سُمّى لاحقاً بالعهد القديم في التقليد المسيحيّ. وقد حفظوه على أنّه الكتاب الوحيد الذي عرفوه مع فرقّين مهميّن. الفرق الأّول هو اعتماد الترجمة اليونانيّة للكتابات العبريّة، المسمّاة السبعينيّة (Septuagint  وباللاتينيّة Septuaginta وباليونانيّة αԏѵοκήμοδβέ التي تعني سبعين)[10].

تعود هذه العبارة إلى تقليد لليهود الناطقين باليونانيّة في الإسكندريّة يقول إنّ حوالى سبعين أو اثنين وسبعين شيخاً يهوديّاً ترجموا الكتابات العبريّة إلى اليونانيّة قبل المسيح بقرنين أو ثلاثة. تّرِد القصّة في رسالة أرسيتاياس التي كتبها باليونانيّة كاتب يهوديّ من الإسكندريّة قبل المسيحيّة. وقد رام الكاتب تأكيد سلطة الترجمة اليونانيّة التي أنجزَها اليهود الناطقين باليونانيّة خلال أجيال عدّة.

وقد خدمتهم هذه الترجمة في مدينة الإسكندريّة اليونانيّة. هذه النسخة من الكتاب هي الأكثر استعمالاً لدى كتّاب العهد الجديد وقد صارت تقليديّة في الكنيسة القديمة، وما زالت هي النسخة الرسميّة للعهد القديم في الكنيسة الأرثوذكسيّة.

الفرق الثاني هو أنّ المسيحيّين الأوائل تبنّوا عدداً من الكتابات اليهوديّة يفوق عدد الكتب المدرَجَة على لائحة المعلّمين الربّانيّين في جمنيا أو بعدها. كان اليهود الناطقون باليونانيّة يتداولون هذه الكتب الإضافيّة ويعتبرونها قيّمة قبل المسيحيّة إذ كانت تعبّر عن عادات الكثرين من اليهود ومعتقداتهم المتنوّعة وآمالهم في السيطرة الإغريقيّة والرومانيّة على العالم القديم.

على كلّ، أراد قادة الربّانيّين توحيد اليهوديّة وتعزيزها بعد الحرب المشؤومة مع روما خلال القرنين الأول والثاني، لهذا تركوا هذه الكتب خارج القانون العبريّ لأنّها لا تحمل ما يكفي من القِدَم ولا ما يكفي من السلطة في التقليد اليهوديّ.

أمّا المسيحيّون فقد احترموا هذه الكتابات وحفظوها، واعتبرها الشرق كتباً للقراءة (αѵεμόκσωѵɩϫαѵΑ)، أمّا الغرب فوجدها كتباً قانونيّة من الدرجة الثانيّة. ومع أنّ عددها الدقيق يتغيّر، ما توال هذه الكتابات جزءاً من قوانين العهد القديم الأرثوذكسيّة والرومانيّة الكاثوليكيّة. مع الإصلاح، تبنّى البروتستانت القانون اليهوديّ فحذفوا هذه الكتب من الإنجيل واعتبروها منحولة (Apocrypha)، وهي عبارة ازدرائيّة تعني “الكتب المخبّأة” أطلَقتها الكنيسة في التقليد المسيحيّ القديم على كتب أخرى كانت قد رفضتها.

وقد حفظ المسيحيّون هذه الكتب الأخيرة، مثل كتاب اليوبيلات واستشهاد أشعياء وارتفاع موسى، لاهتمامات تاريخيّة ودينيّة. فمع أنّها لا تحمل سلطة قانونيّة، لكنّها بالتأكيد تحمل قيمة تاريخيّة كونها تشهد لمعتقدات كتّابها وجماعاتهم الدينيّة الخاصّة وممارستهم. مازالت هذه الكتب تُسمّى أبوكريفا في الكنيسة الأرثوذكسيّة، بينما يسمّيها البروتستانت Pseudephgrapha (ما يعني المعنّونَة كذباً)[11].

إذاً على العموم، ما يسميّه البروتستانت معنوناً كذباً يسميّه الأرثوذكس أبوكريفا، وما يسميّه البروتستانت أبوكريفا يسميّه الأرثوذكس للقراءة وقانونياً من الدرجة الثانيّة. الكثير من الإناجيل البروتستانتيّة الحاليّة، بسبب الانفتاح المسكونيّ والاهتمامات الدراسيّة، تصوّر الكتب الممكن قراءتها على أنها “الأبوكريفا من الدرجة الثانية”، وإن يكن كملحق.

بالإضافة إلى الكتب الممكن قراءتها أو القانونيّة من الدرجة الثانيّة، يحتوي الإنجيلان الأرثوذكسيّ والرومانيّ الكاثوليكيّ مقاطع واسعة من كتب أستير ودانيال القانونيّة لكنّها غير موجودة في النسخة العبريّة. وقد وضع البروتستانت هذه المقاطع بين “الأبوكريفا” بحسب مصطلحاتهم ويسمّونها “إضافات” إلى نسخ إستير ودانيال اليونانيّة، رغم أنّها تقليدياً جزء من الكتب القانونيّة. تتضمّن هذه النصوص في دانيال: صلاة عزريا ونشيد الفتيّة الثلاثة، قصّة سوسنة وقصّة بعل والتنين، وفي أستير مقاطع أقل طولاً ولكنّها أكثر عدداً[12].

اهتمامات التقليد الشرقيّ كانت شاملة وقد امتدّت إلى نصوص إضافيّة موجودة في الإناجيل الأرثوذكسيّة، من بينها صلاة منسى والمزمور 151. النسخة السلافونيّة وحدها تحتوي سدراس 2 والنسخة اليونانيّة وحدها تتضمّن المكابيّين 7 كملحق.

بالمجموع، الكتابات العبريّة تحتوي 38 كتاباً، فيما عزرا ونحميا يشكّلان كتاباً واحداً. دوّر التقليد اليهوديّ ترقيمه الخاصّ وحفظه في تسلسل هذه الكتب[13]. يفصل العهد القديم البروتستانتيّ عزرا عن نحميا بحسب التقليد المسيحيّ القديم فيكون عدد كتبه 39.

يبلغ عدد كتب العهد القديم الكاثوليكيّ 46، متضمّناً 7 كتب قانونيّة من الدرجة الثانيّة ورسالة إرميا مدموجة مع باروخ. امّا العهد القديم الأرثوذكسيّ فيحافظ على القانون الأكثر شمولاً من الكنيسة القديمة ويضمّ 49 كتاباً بما فيها عشرة كتب للقراءة. بالإضافة، يعطي التقليد الأرثوذكسيّ قيمة كبرى لبعض الكتابات القليلة الأخرى المذكورة أعلاه، كصلاة منسى والمزمور 151.

أيضاً تجدر الإشارة إلى أنّ ترتيب الكتب يختلف بين الإناجيل البروتستانتيّة، الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة. هذا ما يمكن أنّ يتأكد منه القارئ من طريق مقابلة النسخ الحاليّة[14]. فرقان مهمّان يستحقّان انتباه القارئ: الفرق الأوّل هو أنّ التقليد الأرثوذكسيّ يُدرِج في إنجيله الكتب التي يعتبرها في قانونه للعهد القديم كتباً للقراءة، والتقليد الكاثوليكيّ يُدرِج في إنجيله الكتب التي يعتبرها في قانونه للعهد القديم كتباً قانونيّة ثانيّة، بينما تضع الإناجيل البروتستانتيّة هذه الكتب في ملحق.

هذا الواقع يدل على فرق باق في النظرات المتعلّقة بالسلطة القانونيّة لهذه الكتب. أمّا الفرق الثاني فهو أنّ العهد القديم الأرثوذكسيّ الرسميّ ما زال السبعينيّة اليونانيّة، بينما الأناجيل الحاليّة البروتستانتيّة والكاثوليكيّة هي ترجمات عن الأصل العبريّ الذي يٌسمّى النصّ الأوروبيّ Masoretic[15]. في الختام، يجب أن يعرف قرّاء الكتاب أنّ “أبوكريفا” العهد الجديد هي كتب مختلفة بالكامل، خارج قانون العهد الجديد، وأغلبها كُتِب في القرن الثاني للميلاد أو بعد هذا التاريخ[16].

العهدان القديم والجديد

نشأت تسميّة “العهد القديم” و”العهد الجديد” خلال القرن الأوّل، وأُطلقت على جزئي الإنجيل المسيحيّ عند نهايّة القرن الثاني. الكلمة المفتاح ‘عهد‘، المشتقّة من الكلمة اللاتينيّة  testament، هي ترجمة للكلمة اليونانيّة  diathiki-δɩαθήκη والعبرانيّة berith. ما تزال الكلمتان الإنكليزيّة واليونانيّة الحديثة غير مناسبتين. عادةً، يأخذ القرّاء المعاصرون كلمةَ ‘عهد‘ بمعنى وثيقة مستعمَلة لتحويل ملكيّة ما، كما في وصيّة.

من ناحيّة ثانيّة، المعنى الصحيح للكلمة العبريّة هو ميثاق (covenant) بمعنى ارتباط، اتفاق، أو تحالف بين شريكين. معنى العهد، في النظرة الكتابيّة، هو الارتباط المقدّس بين الله وشعبه، المؤسَّس عبر عمل الله الخلاصيّ والممنوح لشعبه كعلاقة دائمة من المحبّة والإخلاص المتبادَلين.

يرتكز ‘الميثاق القديم‘ على تحرير الله لإسرائيل من مصر وإهدائه الناموس على جبل سيناء. “الميثاق الجديد” متأصّل في تضحيّة المسيح (عمل الله الخلاصيّ الأسمى) كتجديد للميثاق مع شعبه (مرقس 24:14 ؛ 1 كورنثوس 25:11 ؛ عبرانيّين 13، 8:8 ؛ إرميا 3: 31-32).

أوّل مَن سبك عبارة “العهد القديم” (ηκήθαɩδ άɩαλαΠ)، في مواجهة واعيّة مع العهد الجديد (ηκήθαɩδ ήѵɩαΚ)، هو الرسول بولس في 2 كورنثوس 3 :6،14. ويشير المضمون بوضوح إلى أنّ ما يعتبره الرسول ‘العهد القديم‘ إنّما هو قصّة موسى عن الخروج والعهد في سيناء، وليس كلّ الكتاب العبريّ.

عبارتا ‘العهد القديم‘ و‘العهد الجديد‘ لم تُطلَقا على الكتب المقدّسة حتّى نهايّة القرن الثاني. بالنسبة إلى الرسول بولس والمسيحيّين الأوائل، لم يكن العهد الجديد كتاباً، ولا مجموعة من الكتب، إنّما حقيقة ديناميكيّة للرباط الجديد بين الله والمؤمنين المسيحيّين، حيث القاعدة هي شخص المسيح وعمله الخلاصيّ.

دوّن الرسل وأتباعهم الرسائل والكتب الأخرى خلال القرن الأوّل في مناطق مختلفة من العالم المتوسطيّ. تمّ تجميعها تدريجيّاً، ككتب ذات سلطة في التقليد المسيحيّ، خلال القرن الثاني بشكل رئيس. هذه العمليّة المعقّدة تُعرَف بتشكيل قانون العهد الجديد وقد تمّت بموازاة تشكيل قانون العهد القديم. في  الحالتين، استمرّت العمليّة لقرون عديدة، مع تعدّد ملحوظ ومنازعات حول اختيار الكتاب بالاستناد إلى التقليد والتأليف والمحتوى.

تشهد أعمال القدّيس إيريناوس وترتليانوس ووثيقة تُدعى القانون الموراتوري على أنّ عدد الكتب التي كان المسيحيّون، عند نهايّة القرن الثاني، يعترفون بأنّها تنتمي إلى مكتبة الكتب المقدّسة الجديدة في الكنيسة العالميّة، تراوح بين اثنين وعشرين وسبعة وعشرين. الكتب المتنازَع عليها كانت، ولأجيال كثيرة، رسائل بطرس الثانيّة، يهوذا، ويوحنا الثانيّة والثالثة، كتاب الرؤيا، وبنسب أقلّ، الرسالة إلى العبرانيّين ورسالة يعقوب.

بدأ إطلاق تسمية ‘العهد القديم‘ على الكتاب المقدّس اليهوديّ حوالي نهاية القرن الثاني، وأوّل مَن أطلقها هو ميليتون أسقف سارديكا في آسيا الصغرى[17]. يمكن الافتراض أنّ استعمال تسمية العهد الجديد للمجموعة الجديدة من الكتب المسيحيّة المقدّسة كان في التداول عند ذلك الوقت، لكن الإشارات الموجودة تعود إلى كتّاب القرن الثالث، مثل إقليمس الإسكندريّ وأوريجنس.

يُنسَب ما نسميّه “ختم قانون العهد الجديد” إلى القدّيس أثناسيوس الكبير (367) الذي يعدّد كلّ كتب العهد الجديد السبعة والعشرين[18]. مع ذلك، العدد سبعة وعشرون ليس مطلقاً ولا هو عقيدة. الكنيسة السريانيّة القديمة اختارت فقط اثنين وعشرين كتاباً لعهدها الجديد، ومن دون أن يسبّب ذلك أيّ انقسام. الكنيسة الأثيوبيّة قبلت أكثر من ثلاثين كتاباً. القدّيس يوحنا الدمشقيّ في القرن الثامن يعدّد ثمانية وعشرين كتاباً[19].

إذا اكتُشفَت رسائل الرسول بولس المفقودة، وهذا احتمال مستَبعَد، لا يوجد أيّ سبب مقنع يمنع إدراجها. “ختم القانون” هو مبدأ حازم، ولكنّه غير جامد في الكنيسة الأرثوذكسيّة. فالتقليد المسيحيّ القديم لم يجعل تحديد الكتب عقيدة، بل كان دائماً يوقّر كتابات كثيرة غيرها ونصوصاً ليتورجيّة إلى جانب المجموعة القانونيّة من الكتب المقدّسة.

العلاقة بين العهدين القديم والجديد معقدّة مثل العلاقة بين المسيحيّين واليهود[20]. نقطة الانطلاق الرئيسة هي أنّ يسوع لم يأتِ لينقض الناموس بل ليتمّه (متى 17:5). لم يسعَ المسيح إلى رفض التراث اليهوديّ أو نقضه بل هدف إلى تجديده وإتمامه. عاش يسوع بشكل كامل في تقليدات شعبه.

قبل سلطة الكتب العبريّة وأشار إلى الوصايا العشر كطريق إلى الحياة الأبديّة (متّى 19: 16-19). مع هذا، أسّس يسوع نظرة جديدة إلى الكتاب المقدّس والتقليد اليهوديّ بسلطته ومثاله تُختصر في إعادة تفسير الناموس الموسويّ (5: 21-48)، والتعليم عن المحبّة غير المشروطة والغفران كأسُس أبعد من القيود القانونيّة كونها الأعلى في ملكوت الله (مرقس 2: 1-28).

بنى الرسول بولس وغيره من كتّاب العهد الجديد على هذه النظرة في ضوء قيامة المسيح وإرشاد الروح القدس. لم يعد ناموس موسى مركزَ الوحي بالنسبة إليهم، إنّما هو المسيح الذي تحقّقت فيه “نَعَم” مواعيد الله المدويّة ( 2 كورنثوس 10:-1). لقد ثبّتوا المسيح والإنجيل كمعايير لاستعمال العهد القديم وتفسيره. وعلاوة على هذا كلّه قرأوه ككتاب نبوءة منذر بخدمة المسيح والإنجيل (العهد الجديد) وضمّ المؤمنين من الأمم إلى شعب الله.

وإضافةً إلى قبولهم بسلطة الكتب اليهوديّة التقليديّة، طوّروا مواقف جديدة من الحقيقة والسلوك. وتماماً، كما أهمل يسوع بعض تقاليد الناموس المكتوبة والشفويّة كالطلاق وطقس غسل اليدين (متى 5: 31-32 ؛ مرقس 7: 1-23)، هكذا أيضاً لم يعتبر الرسول بولس والكنيسة الأولى بعض أوجه الناموس المهمّة، بخاصّة الختان وقوانين الأكل، كشرط لمسيحيّي الأمم (غلاطية 2: 11-21 ؛ روما 4:1 ؛ أعمال 15: 1-21). ومع هذا، فقد بقيت الكتب العبريّة عند كلّ المسيحيّين كلمة الله الموحى بها المكتوبة لتعليمهم وتشجيعهم (روما 15: 4-5 ؛ 1 كورنثوس 11:10)، والمفيدة للإصلاح والتدريب على البِرّ (2 تيموثاوس 16:3).

من الصحيح أنّه كانت لبعض الكتّاب المسيحيين اللاحقين نظرات استخفافيّة بالميراث اليهوديّ. كاتب الرسالة إلى العبرانيين المجهول يشير إلى العهد القديم بالعتيق والعقيم (عبرانيّين 18:7 ؛ 13:8 ؛ 10: 1-10). كاتب رسالة  برنابا (409) يدّعي أنّ الختان الذي أوحى به الله لم يكن قطّ معناه جسديّاً بل روحيّاً.

رفض الهرطوقيّ ماركيون العهد القديم برمّته في القرن الثاني. وبثّ مارتن لوثر، بشكل مؤسف، مفاهيم سلبيّة عن العهد القديم والتراث اليهوديّ في بعض التقليدات البروتستانتيّة. وذلك بسبب مخطّطه اللاهوتيّ الذي يضع الناموس تجاه الإنجيل. من الأمثال على ذلك أن اعتبر أحد باحثي الكتاب اللوثريّين المشهورين أنّ العهد القديم هو “تاريخ الخطيئة”.

على عكس هذه النظرات، يجب التشديد على أنّ العهد القديم سجلّ أساس للإعلان وجزء متكامل من الإنجيل المسيحيّ. بحسب الرسول بولس (روما 7: 12-14)، لم يعد ناموس موسى معياراً لخلاص المسيحيّين رغم أنّه ناموس الله المعلَن، ومقدّس، وحَسَن وروحيّ. لم يفتكر الرسول العظيم قطّ أنّ أيّاً من اليهود أو المسيحيّين اليهود سوف يكفّ عن الالتزام بناموس الله، إنّما رأى فقط أنّ الناموس لن يُفرَض على المسيحيّين من الأمم كونهم شعب الله تحت شريعة المسيح الجديدة والإنجيل.

وفق المنظور الأرثوذكسيّ، لا يشير القديم في العهد القديم إلى أيّ انتقاص من صفته الإعلانيّة. فسّر آباء الكنيسة العهد القديم لاهوتيّاً ووجدوا إشارات إلى الثالوث القدّوس في بعض المقاطع، مثل زيارة الملائكة الثلاثة لإبراهيم وسارة (تكوين 18). كما رأى بولس الرسول المسيح الأزليّ كاملاً في الكتب العبرانيّة (1 كورنثوس 4:10)، كذلك اعتبر آباء الكنيسة المسيح ممثّلاً الإعلان في العهد القديم كما في الجديد، كما تحدّث الله إلى موسى في العلّيقة المحترقة (خروج 3). نزل الروح القدس على الأنبياء وكان فاعلاً في إسرائيل.

إبراهيم، موسى، والأنبياء كانوا “أصدقاء الله “وتلقّوا إعلانات مباشرة. مجد الله لمع على وجه موسى (خروج 30:34 ؛ 2 كورنثوس 7:3). تكرّم الكنيسة الأرثوذكسيّة رموز العهد القديم الأبرار من آدم إلى أيوب، ومن إبراهيم إلى موسى، ومن إيليا إلى الشهداء المكابيّين، وتعتبرهم قدّيسين لهم أعيادهم الخاصّة. القراءات من العهد القديم أساسيّة في عبادة الكنيسة. التراتيل والصلوات الليتورجيّة مليئة بلغة العهد القديم والإشارات إلى أعمال الله الخلاصيّة لشعبه.

في رسم الأيقونات، هناك أيقونة شهيرة للقيامة تُظهر المسيح محطِّماً أبواب الجحيم ورافعاً في كلّ من يديه آدم وحواء محاطَين برموز إسرائيل الأبرار.

هل اتخذت الكنيسة بشكل عام كليّ الكتب المقدّسة العبرانيّة على أنّها خاصتّها وسلختها من اليهود؟ بدون شكّ يميل المسيحيّون إلى هذا الاستنتاج.لكن هذا يعارض سلطة القدّيس بولس الرسوليّة الذي أعلن أنّ “هبات الله ودعوته هي بلا ندامة” (روما 29:11). فمن المسلَّمات عنده أنّ الشعب اليهوديّ تحت عناية الله وسوف يستمر في العيش بحسب العهد المقدّس المعطى له إلى أن يحل الله بنفسه سرّعدم إيمانهم (روما 11: 25-36). الكتب المقدّسة العبرانيّة هي هبة لليهود والمسيحيّين.

اليهود والمسيحيّون يفهمون أنفسهم، كلّ من منظاره الخاص، ويدّعون أنّهم شعب الله المخلص لعهده الخاص. مع أنّهم يقرأون الكتب المقدّسة بأضواء مختلفة، اليهود من منطلق الناموس والمسيحيّون من منطلق المسيح، يستطيع المسيحيّون واليهود أن يخدموا في احترام متبادَل كشهود الله الواحد أمام الآخر وأمام العالم بحسب دعوة كلّ منهم: يجب أن يكون المسيحيّون شركاء مطِّعمين لِـ”شجرة الزيتون” الغنيّة من التراث اليهوديّ وأن “يمجّدوا الله لنعمته” (روما 11: 14-24 ؛ 9:15).

إنّهم يسمّون الكتب العبرانيّة “العهد القديم” ليس للتقليل من قيمتها الإعلانيّة، بل العكس لتأكيد فهمهم الخاصّ لعمل الله المنعم، أبي يسوع المسيح، وليحملوا الشهادة عن خبرتهم في العهد الجديد في المسيح، هذه الخبرة التي تشكّل ملء العهد القديم.

الوجهان الدينيّ والبشريّ

الإنجيل هو الكتاب المقدّس. مصدر صفة القداسة ليس فقط دوره في حياة الجماعة المؤمنة وعبادتها، إنّما أيضاً طبيعته الداخليّة وشهادته للإعلان الإلهيّ. كلمة إعلان (من اليونانيّة ςψѵλάκοπά) (رؤيا 1:1) تعني “كشف – إفشاء – إيصال” شيء ما مخبّأ أو غير معروف سابقاً. أنّ تأصّل الكتاب المقدّس في خبرة شهود مميّزين لله بشكل مباشر، يجعل دعواه الأساسيّة في أنّ الله الحقيقيّ وربّ الكون، اختار أن يعلن نفسه ويُعرف من الجنس البشريّ بطريقة مختلفة. بخاصّة عبر الأعمال والكلمات. الإله الحيّ، رغم البحث عنه بطرائق مبهمة منذ الزمن السحيق، كان ليبقى مجهولاً لولا قيامه بالكشف عن نفسه والتواصل مع البشريّة.

يذكر الكتاب “كلمات الله” (..αɩϫόλ αԏ) (روما 3:2) وكلمة الله (ςοϫόλ لوقا 21:8 ؛ يوحنّا 35:10 ؛ روما 2:3) لأنّه يوصل المعرفة التي اختار الله إعلانَها عبر كتّاب ملهّمين. الكلمات هي وسائل التواصل بواسطتها نعطي شكلاً لأفكارنا العميقة، نركّبها، فنصبح قادرين على التواصل مع الآخرين. مثاليّاً، الكلمات هي عربات الحقيقة. سعيُها هو تفسير الواقع وحمل معنى الحياة إلى النور الكامل. الأمر غير القابل للمراجعة هو أنّ الكتاب يحمل بعمقٍ شهادةً لغنى فكر الله، هي رؤى وحقائق حول المعنى الأخير لكلّ الحقيقة.

من وجهة نظر دينيّة أكثر منها علميّة، هذا هو تماماً ما يدّعي الكتاب تحقيقه. فهو يخبرنا أنّ كلمة الله الحيّ والفاعلة تخترق بقوّة روحيّة، كسيف ذي حدّين، وتنفُذُ إلى عمق كيان الإنسان (عبرانيّين 12:4 ؛ أفسس 17:6).

ما الذي يرغب الله بإيصاله عبر شهادة الكتاب المقدّس؟ ما هي الأوجه المركزيّة التي تكوّن الجوهر الدينيّ واللاهوتيّ للكتاب ككتاب للتخاطب؟ آباء الكنيسة علّموا، والبحث الحديث أكّد على القرّاء أنّ يتنبّهوا لهدف الكتاب الشامل أو نهايته (ςόποκσ)، حتّى تظهر أجزاؤه عبر الكلّ ويظهر الكلّ عبر الأجزاء[21]. من منظار شموليّ، يقدم الكتاب معرفةً عن الله وعن تعاطيه مع البشريّة في ثلاث طرائق مهمّة ومترابطة.

أوّلاً، يحمل شهادة عن العمليّة التي سُميّت التاريخ المقدّس أو تاريخ الخلاص، أي عمل الله الخلاصيّ في التاريخ. غالباً ما يفهم بعض المؤمنين هذه الفكرة بطريقة ساذجة، مماثلين كلّ القصة الكتابيّة بالتاريخ الأدبيّ. مهما يكن، فالكتاب لم يُكتب كتاريخ من الناحيّة التقنيّة. لقد كان المجرى الفعليّ للأحداث والقوى المحركّة للتفاعلات البشريّة على درجة أكثر تعقيداً بكثير من القصّة التي يرويها الكتاب. لا تنكُر هذه النظرة الأساسَ الواقعيَّ للكتاب، إنّما تركّز فقط على أنّ روايتَه تمثّل الخبرة المفسِّرة والذاكرة الدينيّة لأجيال عديدة من شعب الله.

يشمل عمل الله الخلاصيّ كلّ الصراعات البشريّة التي يشهد عليها الأنبياء، يوحنّا المعمدان، بطرس، بولس وكثيرون غيرهم. أيضاً يُحدّد عمل الله الخلاصيّ بأعمال تحرير عظيمة، كما يفهمها شعب الله ويفسّرها ويحتفل بها.

يسمّى الكتاب هذه الأعمال الإلهيّة عجائب (αԏαμ΄ѵαθ αԏ خروج 20:3) أو أعمال الله العظيمة (αλάϫεμ αԏ أعمال 11:2)، كالخروج، إعطاء الناموس في سيناء، دخول الأرض الموعودة، تجسّد المسيح، موته وقيامته، وهبة الروح في العنصرة. لحظات الإعلان هذه وأعمال الإنقاذ، تبلغ أوجَها في شخص يسوع ورسالته، وتؤلّف الأساس المتين للإعلان الإلهيّ وجوهرَ الكتاب على أنّه رسالة الله الخلاصيّة.

ثانياً، يوصل الكتاب حقيقةَ الله وحكمتّه في الخلق والبشريّة، الخطيئة والخلاص، الحقّ والخطأ الأخلاقيّين، الملكوت والجحيم. الاعتراف بالله الواحد الحيّ وعبادته هما الحقيقة والوصيّة الرئيسة (خروج 20: 1-6). “وليجرِ الحقّ كالمياه والبِرّ كنهر دائم” (عاموص 24:5) هكذا صرخ النبيّ بلسان الربّ داعياً إلى العدالة الإجتماعيّة. يسوع علّم “اطلبوا ملكوت الله وبِرّه” (كتّى 33:6). القدّيس بولس رأي أنً “الخليقة نفسها أيضاً ستُعتَق من عبوديّة الفساد إلى حريّة مجد أولاد الله” (روما 24:8).

مرةً أخرى تُبلَّغ معرفة هذه الأمور من منظار لاهوتيّ ودينيّ، غير علميّ ولا تاريخيّ محض. إنّها تُنقَل عبر تنوّع غنيّ من وصف أحداث وأمثلة من التصرّف، رواية قصص وتعاليم حِكَميّة، إصلاح وإيحاءات، وصايا ونصائح، مزامير وصلوات. إنّها تأتي إلينا بدرجات مختلفة من الوضوح والدقة عبر الخبرة الإنسانيّة والكلمات البشريّة التي غالباً ما تتطلّب تفسيراً متأنيّاً. رغم ذلك، الكتاب في غايته (ςόποκσ) عموماً، سواء بالقصص أو بالتعليم، يعطي شهادةً ملتزمة عن حقيقة الله الخلاصيّة التي يراها كنور وحياة (مزمور 105:119).

ثالثاً والأهم، يوصِل الكتاب المعرفة حول سرّ الله الحيّ نفسه: مَن هو وما هي صفاته. آمنت الشعوب القديمة بكلّ أنواع الآلهة وقدّمت البيعة لها بطرائق لا تُحصى. من الخطأ الادّعاء أنّهم جميعاً عبدوا الإله نفسَه بأسماء مختلفة وطرائق عديدة. فيما يشهد الكتاب لحقيقة وجود إله واحد حقيقيّ، خلق البشر بالمقابل، عبر التاريخ، أصناماً لا تُعدّ مِن المادة والآلهة الفكريّة. يعلن الكتاب المقدّس الله “الحقيقيّ” تماماً في تباين متعمَّد ومواجهة مع الإلهة الوثنيّة “الكاذبة”[22].

الله الحقيقيّ هو الله الحيّ، إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، الذي قاد شعبه في التاريخ وأظهر نفسه، تماماً في الابن والروح، كإله ثالوثيّ (متى 19:28 ؛ 2 كورنثوس 13:13). إنّه الله “الحيّ” لأنّه الربّ يهوه (“أهيه الذي أهيه” خروج 14:3)، إله شخصيّ يحيا ويتصرّف بين شعبه بنعمة وحقّ محرَّكاً بالمحبّة. لا يظهر شخص الله الوضوح ذاته على كلّ صفحات الكتاب. لكنّ كامل شهادة الكتاب تنادي بالله الحقيقيّ، ملك المجد، وترفعه ربّاً أخلاقياً يأمر بالعدل والبِرّ، ويحكم بالمحبّة والرحمة.

علاوة على ذلك، إنّه يشتهي أن يتقاسَم حياته، إنّه يتوق إلى إخلاص ميثاقيّ وشركة صميميّة مع كائنات شخصيّة خُلقوا على صورته ومثاله. في النهايّة، لا يشير الكتاب إلى نفسه بل إلى الله. شهادته الأسمى وتحدّيه الأكبر للقرّاء هما الدعوة إلى لقاء حميم مع الله وحياة شخصيّة معه.

من المهمّ أيضاً التشديد على أنّ الكتاب، كرسالة من الله، موجّه بالدرجة الأولى إلى شعبه، ما يعزّز معرفة الله في الجماعة. الله اختار أن يجعل نفسَه معروفاً لأشخاص محدّدين مثل إبراهيم وسارة، موسى وميريام، بولس وليديا. أعمالُه الخلاصيّة وكلماته استدعت استجابة هؤلاء الأشخاص وأسّست علاقات بين الله وبينهم، كما بينهم وبين آخرين تسلّموا رسالتهم. لقد ختم الذين استجابوا للدعوة علاقَتهم مع الله، ومع بعضهم البعض، بإيمان متبادَل وطاعة مُحِبّة.

على الشكل ذاته، أعمال الله الخلاصيّة العظيمة كانت موجهّة إلى شعب إسرائيل وإلى أتباع يسوع. جوابهم كان متمّماً للعهد المشترَك بين الله وشعبه. نستطيع القول إنّ أعمال الله الخلاصيّة وكلماته خلقت هذه الرباطات الشخصيّة، وأسّست جماعة شعب الله نفسها. لقد نشأ الكتاب المقدّس عظاماً من عظام حياة الجماعة المؤمنة ولحماً من لحمها. ككتابِ إيمان وكتابٍ للكنيسة، يشكّل الكتاب المقدّس كلمةَ الله غير المجرّدة التي يوجهّها إلى شعبه.

الموضوع الذي يسيطر في الكتاب هو معرفة الله الحيّ المشتركة. كلمة الله والذين تلقّوها، أي الكتاب المقدّس وشعب الله، يقطنان معاً بلا انفصال. تصبح كلماتُ الكتاب كلمةً حيّة للإله الحيّ في هذا الإطارالإيمانيّ الجماعيّ: في العبادة والوعظ والتعليم والإرشاد والتبشير[23].

إذاً يكمن جوهر قيمة الكتاب المقدّس الدينيّة وفحواه اللاهوتيّة، كإعلان إلهيّ، في شهادته لعمل الله الخلاصيّ: حقيقة الله الخلاصيّة وصفته الشخصيّة. الكتاب هو كلمة الله بقدر ما يوصل إلينا معرفة هذه الأمور الحاسمة. مع ذلك، تبلَّغ هذه المعرفة عن الله وغاياته عبر بشرٍ تكلّموا وكتبوا بلغات بشريّة: العبريّة واليونانيّة والآراميّة. كيف للمرء أن يفهم العلاقة بين كلمة الله وكلمات البشريّة التي كُتب بها الكتاب؟ بأيّ معنى يكون الكتاب كلمة الله؟ ليس لله فم ولا هو بحاجة إليه لجعل إرادته معروفة.

هل خلق عجائبيّاً أصواتاً لتُسمع في كلمات ينطق بها بشر بالعبريّة أو الآراميّة أو اليونانيّة؟ هل لمس فكرَ الأشخاص لإيصال إرادته وهم تالياً نقلوا رسائله إلى آخرين بلغتهم العاديّة وقالبِهم؟ ماذا عن تفاسير الإعلانات الأصليّة التي ادّخرتها الأجيال اللاحقة في التقليد الكتابيّ المكتوب؟ إلى أيّ درجة تمثّل كلمات الكتاب كلمات الله الفعليّة؟ كيف يبدأ المرء يفهم، بدقّة أكثر، حقيقة أنّ الكتاب هو كلمة الله بكلمات بشريّة؟

إنّ الطريقة التي يجيب بها الإنسان عن هذه الأسئلة تحدّد نظرته إلى الكتاب والوحي والإعلان. أنّها أيضاً تكشف موقعه في سلسلة التفسير الكتابيّ، من الأصوليّة إلى الليبراليّة المتطرّفة.

الكتاب المقدّس في النظرة الأرثوذكسيّة هو سجلّ الإعلان أكثر مّما هو الإعلان المباشر ذاته. القراءة عن الخلق في سفر التكوين ليست مجرد الحضور عند الخلق. النبي إشعياء رأى بنفسه الربّ على العرش في المجد، لكن ما يرد في إشعياء 6 هو قصّة هذا الإعلان وليس الإعلان المرِهب عينه.

اختبر الرسل وغيرهم من أتباع يسوع المخلِصين تدّفق الروح القدس في العنصرة، وما نلتقيه في أعمال 2 هو وصف مكتوب للحدث وليس الحدث عينه. بالتأكيد، سجل الإعلان ملهَم ومقدّس وقانونيّ، ولكن مع هذا، هو يبقى سجلاً كتبه كتّاب هم بشر محدّدون وبلغات بشريّة محدّدة.

كتب جورج فلوروفسكي “إن الكتاب المقدّس تاريخيّ بالجوهر…فيه لا نسمع صوت الله فقط إنّما صوت الإنسان أيضاً…في داخله تكمن معجزة الكتاب وسرّه، أي كلمة الله في لغة بشريّة[24]. يندمج في الكتاب صوت الله في أصوات البشر العديدة. كلّ كلمات الكتاب بدون أي استثناء مسجّلة بكلمات بشريّة. الوحي الإلهيّ لم يتمّ في الفراغ ولا هو كالذهب النقيّ لم تلمسه المصادفة البشريّة.

استعمل الله ممثّلين هم بشر عاديّون بمحدوديتّهم في اللغة والمعرفة لنقل أوجه إرادته وأهدافه إلى أشخاص محدّدين. المفكّر الكبير أوريجنس اعتبر أن الله في الكتاب يكلّم البشر كالأطفال. القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم رأى أنّ الكتاب تعبير عن التنازل الإلهيّ “ςɩσαβάԏαкϫѵσ”[25]. هذه النظرة تفترض مسبقاً فهماً ديناميكيّاً للوحي والإلهام متضمّناً عمليّة تفاعل شخصيّ إلهيّ-بشريّ.

التوازي اللافت لطبيعة الكتاب المزدوجة هو، من طريق التشابه الجزئيّ أكثر منه التماثل الكامل، يسوع المسيح نفسه كلمة الله المتجسّد (يوحنا 1: 1، 14). المسيح المتجسّد، مع كونه الكلمة الأزليّ والابن، فقد عوين ولُمس، تكلّم وتصرّف بطرائق بشريّة، بما فيها اختبار الجوع، الإحباط والخوف، ومع هذا كان بلا خطيئة (عبرانيّين 15:4 ؛ 7:5). تماماً كما أنّ طبيعة المسيح البشريّة والإلهيّة تعبّرعن سرّه الواحد، كذلك أيضاً سرّ الكتاب المقدّس، أيقونة المسيح (الكلامية)، يوحّد الوجهين الإلهيّ والبشريّ.

الأوجه الإلهيّة موجودة في رسالة الكتاب الخلاصيّة عن الله، البشريّة، الإنجيل، الكنيسة، النعمة والأعمال، والرجاء بالملكوت الآتي. هذه الرسالة الخلاصيّة ليست إعلاناً فحسب عن مفاهيم مجرّدة إنّما حقيقة حاضرة مثل كلمة الله التي تصبح كلمة حيّة ومغيِّرة بقوّة الروح القدس عندما تُعلَن وتُستَقبل بإيمان. الأوجه البشريّة موجودة في لغات الكتاب البشريّة الخاصّة، في أنواع الأشكال الأدبيّة المختلفة ومهارات الكتّاب والمحررين، كما في قيودهم الثقافيّة والفكريّة التي تنشأ داخل كلّ المساعي البشريّة.

من غير الممكن فصل العناصر الإلهيّة عن البشريّة بشكل محكَم. على القارئ أن يشارك في الشهادة الكتابيّة بمجملها ويميّز بين الادعاءات الأساسيّة المتعلّقة بالخلاص والأمور الفرعيّة كالتاريخ والتسلسل الزمني واللغة والثقافة. يسوع الناصري هو المسيح والربّ القائم من الموت هو حقيقة أكبر بكثير من السؤال التاريخيّ حول أصل الأسماء الخريستولوجيّة وتطوّرها. الرجاء بقيامة الأموات والملكوت الآتي هو أهم بكثير من طبيعة هذه الأمور المحدّدة كما يُحكى عنها في الأسفار المختلفة.

الثقة بأنّ القدّيس بولس اختبر تجليّاً للمسيح القائم هو أمر، وملاحظة وجود وضعين مختلفين لهذه الخبرة في غلاطيّة وأعمال الرسل هو أمر آخر. يعرض الكتاب تنوّعاً هائلاً في التفاصيل، ومن الأمثلة: قصّتا نسب يسوع، التطوبيات، صلاة الربّ يسوع في إنجيلي متّى ولوقا. ممكن أيضاً طرح الأسئلة حول القيم الثقافيّة والتقاليد التي يعكسها الكتاب والمتعلّقة بتأسيس المعموديّة، دور النساء والأولاد، وغيرها من الأعراف الاجتماعيّة.

اين ومتى يجب رسم خطّ بين حقيقة الكتاب الخلاصيّة وتعابيره البشريّة، بخاصّةٍ في تفصيل الأمور الرئيسة أو المثيرة للجدل؟ يصبح هذا السؤال موضوع تفسير لاهوتيّ ومعياريّ في حياة الكنيسة. هذه الأمور التي سبّبت أزمات في تاريخ الكنيسة، تطرح أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالتفسير المتخصّص وحده إنّما بالحسّ الكنسيّ الشامل لما هي إرادة الله بحسب التلقي الروحيّ لشعبه.

على ضوء ما ذُكر، إذاً، مفهوم الكتاب ككلمة الله ينتمي بالدرجة الأولى إلى رسالته الخلاصيّة ولا يمكن تطبيقها حرفيّاً على كلمات كلّ آية وحدها. عمليّاً، النظرة الأخيرة تصيِّر الكتاب نوعاً من تقرير صادر عن الكومبيوتر حول فكر الله، أي مجرد اعتقاد خاطئ ضخم. هذا الفهم تعترضه صعوبات لا تُذلَّل بخاصّة من جهة عدم الملاءمة العلميّة والتعارضات التاريخيّة في الكتاب والتي سوف تُلصَق بالله بلا شكّ. إلى هذا، من منظار لاهوتيّ، سر الله الحيّ لا يمكن حصره بشكل ضيّق في الكتاب.

الله معلَن ومخفي لأنّه يتخطّى اللغة والفهم البشريّين. وعليه، يجب إعطاء حصّة كافية للعامل البشريّ في تلقّي الإعلان وتأليف الكتابات الإنجيليّة. يجب إعطاء كلّ كاتب شخصيّته، إطاره الثقافيّ، فهمه الفكريّ، مهاراته الإدبيّة وبصيرته الروحيّة كمساهم ناشط في التفاعل الإلهيّ البشريّ. يمكن اعتبار هذا الموقف نظرة ديناميكيّة لإلهام الكتاب المقدّس[26].

مفهوم الوحي، الذي يبقى اللاهوت الأرثوذكسيّ أميناً له، شخصيّ وديناميكيّ أكثر منه ميكانيكيّ ولفظيّ. ما قام به الله لم يكن مجرّد إملاء كلمات وعبارات إلى كتّاب منفعلين (passive)، إنّما هو أثّر شخصيّاً في مجمل كيانهم سامحاً لهم بأن يفهموا إرادته فعليّاً ويفسّروها وينقلوها إلى الآخرين بحسب محدوديّات فهمهم ولغتهم. من المهمّ أن نشير إلى أنّ إلهام الروح القدس يشمل عمليّة أكثر سعةً وعمقاً من تأليف الكتاب. يشمل الإلهام كلّ جماعة الإيمان، حياة الكاتب، تأليف الكتب، كما تجميعها التدريجيّ في مجموعة مقدّسة.

فيما كلّ الكتاب هو “ملفوظ به من الله” (ςοԏσѵεѵπόεθ) (2 تيموثاوس 16:3)، فهو ليس على الدرجة ذاتها بسبب اختلاف التلقّي البشريّ. الصفة الإلهاميّة لكتاب إشعياء لا تُقابل بتلك التي لكتاب العدد، ولا صفة إنجيل يوحنّا الإلهاميّة تُقابل بتلك التي لرسالة يهوذا. الذين يركّزون على سلطة الكتاب الأدبيّة، غالباً من البروتستانت المحافظين والأصوليّين، يناقشون مفهوم العصمة inerrancy. أنّهم يؤيّدون بشكل أساس إنجيلاً من دون خطأ وهم تالياً ملزَمون بإيجاد تبريرات متكلّفة للدفاع عنه[27].

يظهر كثيرون كأنّهم يتخطّون التعقيدات التاريخيّة ويلصقون بالكتاب صفة مطلقة هي بالحقيقة لله وحده، وتالياً هم ظاهريّاً ينزلقون في نوع من عبادة الكتاب bibliolatry. قد تعبِّر كلمة العصمة infallibility عن نظرة الكاثوليك للإلهام، وبحسب المعنى الإتيمولوجيّ للكلمة فإنّ “الكتاب لا يخطئ “بالأهداف الخلاصيّة الأساسيّة التي لسببها أُعطى من الله[28].

في التقليد الأرثوذكسيّ، قد تكون العبارة الأرثوذكسيّة الأكثر ملاءمة هي كفاية الكتاب (sufficiency-αѵʹԏάρкεɩα) وهي عبارة استعملها القدّيس أثناسيوس ليؤكّد ملء الحقيقة الخلاصيّة التي يقدّمها الكتاب المقدّس[29].

موضوع سلطة الأسفار الكتابيّة يعطي مثلاً عن اختلاف الاستنتاجات بين وجهتي نظر إزاء الوحي الأولى ديناميكيّة والثانية جامدة. الذين يميلون إلى النظرة الإملائية للإعلان والوحي يهتمّون أيضاً بحفظ التأليف التقليديّ لما في الكتاب. أصحاب النظرة الديناميكيّة للوحي هم أقلّ اهتماماً بالتأليف لأنّهم يرون إرشاد الله في كلّ العملية، منذ اللحظات والأحداث الأولى للإعلان إلى نشوء القانون الكتابيّ.

من الممكن التوصّل إلى استنتاجات مشابهة من وجهات نظر مختلفة حول العلاقة بين الكتاب والجماعة المؤمنة التي خرج منها. قد يدافع الذين ينسبون إلى الكتاب سلطة مطلقة، بمعزل عن الجماعة المؤمنة أو فوقها، بحماس عن التأليف وبشهادة.

وهم في هذا يرغبون في دعم صحّة الكتاب الواجبة الوجود بذاتها، وكأنّ السماء انفتحت لبثّ بيانات إخباريّة وحقائق إلى كتّاب محدّدين. الذين يعترفون بالعلاقة الديناميكيّة بين الكتاب والجماعة المؤمنة هم أكثر اهتماماً بالمؤلّفين التقليديّين لأنّهم يرون أنّ البيئة الأسمى للوحي هي كلّ حياة الجماعة الإيمانيّة التي تؤمّن تعليماً كافياً عن الخلاص.

من وجهة النظر الأرثوذكسيّة، موضوع التأليف مهمّ ولكنّه لا يشكّل خطورة. المعيار اللاهوتيّ الأهم للحقيقة هو حياة الكنيسة. في التقليد الأرثوذكسيّ، هناك عدد من الكتابات الآبائيّة القيّمة والترانيم والصلوات والنصوص الليتورجيّة لكتّاب مجهولين أو مثيرين للجدل بين الباحثين في الآباء والليتورجيا، من دون أن يثيروا قلقاً كبيراً عند هؤلاء الباحثين من جهة تأثير ما يتوصّلون إليه على حياة الكنيسة. في القرون الأولى للكنيسة، ناقش الباحثون تأليف عدد من كتب العهد الجديد مثل الرسالة إلى العبرانيّين وكتاب الرؤيا.

يتابع الدارسون المعاصرون هذه المناقشات ويوسعّونها أسباب تاريخيّة وأدبيّة، لكن لا حاجة إلى أن تكون سبباً للتشويش الروحيّ واللاهوتيّ. تصبح هذه المناقشة مؤذية في حالة واحدة فقط هي عندما يظنّ الباحثون، أو غيرهم من قرّاء الكتاب غير العارفين والذين تتحكّم بهم الافتراضات المتشدّدة، أنّ رسالة الكتاب القانونيّ الخلاصيّة أو قيمة التقليد الكنسيّ اللاهوتيّة يتشوهان بالأسئلة المطروحة حول التأليف التقليّدي للكتاب.

فالكنيسة تبنّت تنوّعاً في الكتابات في قانونها المقدّس وتالياً أكّدت قيمتها كشهادات متعدّدة لله ولرسالته الخلاصيّة، بغضّ النظرعن التعقيدات التاريخيّة لصالح النسبة التقليديّة للمؤلّفين أو ضدّها، فاللاهوت القويم يعطي حريّة للبحث التاريخيّ المتوازن. تكمن قيمة الوثائق الكتابيّة الأساسيّة في محتواها اللاهوتيّ أكثر منها في الظروف التاريخيّة لتأليفها.

[1]  يعبّر الأب جورج  فلوروفسكي، زعيم اللاهوتيّين الأرثوذكسيّين في القرن العشرين، عن موقف الكنيسّة الأرثوذكسيّة التقليديّ من الكتاب المقدّس، في عدد من المقالات المجموعة في: “الكتاب المقدّس والكنيسة والتقليد: نظرة أرثوذكسيّة” (نقله إلى العربية الأب ميشال نجم. منشورات النور. 1984).

كما يوجد بالإنكليزيّة عدد من المقالات الجوهريّة كتبها الأب توماس هوبكو “الكتاب المقدّس في التقليد الأرثوذكسيّ” (SVTǪ 14 (1-2, 1970, pp. 66-99)، سابا أغوريديس: “الكتاب المقدّس في كنيسة  الروم الأرثوذكس” (أثينا 1976 باليونانية)، إعادة نشر مقال ظهر أولاً في الجزء 21 من مطبوعة كليّة اللاهوت في جامعة أثينا العلميّة السنويّة (ήкɩѵομηԏσɩπΕʹ ςɩηρԏΕπε) (1976) غير المتوفرة بسهولة.

ولبانبيوتيس براتسيوتيس أستاذ العهد القديم في جامعة أثينا، اليونان: “سلطة الكتاب المقدّس: مساهمة أرثوذكسية”، في “سلطة الكتاب اليوم”، تحريراً. ريتشاردسون و W. سمايتزر (فيلادلفيا: ويستمنستر، 1951)، ص. 17-29.

كتب علماء يونانيّون أمثال أنطونياديس (1938) وبانايوتيس ترمبلاس (1938) الكثير حول مسألة الوحي، ولكن كموضوع لاهوتيّ مجرّد، من دون تورّط حقيقيّ بنصّ الكتاب وتنوّع شهادته، حيث يكمن جوهر مسألة الإعلان والوحيّ. تُعرَض أعمال الباحثين الأرثوذكسيّين حول التفسير الكتابيّ والتأويل في الفصلين الثالث والسادس.

[2]  بعض أجزاء دانيال وعزرا محفوظة بالآرامية وهي لغة فارسيّة مختلفة عن العبريّة. والآرامية، لغة يسوع، أصبحت اللغة الشعبيّة عند اليهود حين حكم الفرس فلسطين (538-332 ق.م.)، تماماً كما أصبحت اليونانيّة لاحقاً لغة العالم القديم الشعبيّة بعد غزوات الاسكندر الأكبر (356-323 ق.م.) وخلال توسع الإمبراطوريّة الرومانيّة.

[3]  حدّد التسليم المسيحيّ هذا الكتاب بالرسول يوحنّا الذي ألحق به من كتب العهد الجديد: لإنجيل يوحنا، ثلاث رسائل وكتاب الرؤيا. في أي حال، يجب الإشارة إلى أنّ هذا التحديد كما كتابة سفر الرؤيا، أثارتا جدلاً في الماضي والحاضر. حول أهميّة تحديد الكاتب أنظر لاحقاً في هذا الفصل.

[4] Frederick, E. Greenspahn in his introduction to the book Scripture in the Jewish and Christian Traditions: Authority, Interpretation, Relevance, ed. By him (Nashville: Abingdon, 1982), p. 10.

[5] K. Stendhal, “Method in the Study of Biblical Theology,” in The Bible in Modern Scholarship, ed. J. Philip Hyatt (Nashville: Avingdon, 1965), p. 198.

[6]  لقد اكتسب حوالي 22 من كتب العهد الجديد سلطة قانونيّة مع نهايّة القرن الثاني أما البقيّة فقد بقيت موضع جدل إلى نهايّة القرن الرابع وما بعد. لعرض، أنظر:

On “Canon” by James Sanders and Harry Gamble in ABD, Volume 1, ed. D.N. Freedman (New York: Doubleday, 1992), pp. 837-861. See further S.Z. Leiman, The Canonization of Hebrew Scripture: The Talmudic and Midrashic Evidence (Hamden: Archon Books, 1976).

A.C. Sundberg, The Old Testament of the Early Church (Cambridge: Harvard University Press, 1964), and Bruce Metzger, The Canon of the New testament (New York: Oxford University Press, 1987).  J.F. Kelly, Why Is There a New Testament? (Wilmington: Glazier, 1986).

الأخير هو رواية شعبيّة حول تكوّن العهد الجديد في الكنيسة قديماً.

[7] G. Schrenk, “βɩβλος”, ThDNT, Volume 1, ed. G. Kittel, trans. G.W. Bromiley (grand Rapids: Eedrmans, 1964), pp. 615-620.

[8] G. Shrenk, “Γραφή”. ThDNT. Volume 1, pp. 751 ff.

[9] See the new JPS translation according to the traditional Hebrew text Tanakh, the Holy Scriptures: Torah, Nevi’im, Kethuvin (Philadelphia: Jewish Publication Society, 1985).

[10] M. K. H. Peters, “Septuagint”, ABD, Vol. 5, ed. N. Freedman, pp. 1093-1104; S. Jellicoe, The Septuagint and Modern Study (Oxford: Clarendon, 1968); and by the same, Studies in the Septuagint: origins, Recensions, and Interpretations (New York: KATV, 1974).

[11] See James H. Charlesworth, Old testament Pseudepigrapha, 2 vols. (New York: Doubleday, 1986).

[12] See The New Oxford Annotated Bible with the Apocryphal/Deuterocanonical Books, ed. Bruce M. Metzger and Roland E. Murphy (New York: Oxford University Press, 1991), p.41 of the Apocrypha.

[13]  يرد، في الحاشيّة 9 من ترجمة الكتاب العبريّ التي قامت بها Jewish Publications Society  العام 1985، 93 كتاباً تفصل بين عزرا ونحميا.

[14]  قابل مثلاً النسخة البروتستانتيّة الجديدة المنقحة المستعملة مسكونياً بشكل واسع، بالإنجيل الكاثوليكيّ الأميركيّ الجديد.

ليس للأرثوذكس ترجمة إنكليزيّة للكتاب المقدّس وتالياً يجب الرجوع إلى ترجمات أرثوذكسيّة في لغات تقليديّة أخرى. الترجمة الموجودة حالياً للسبعينيّة التي نشرها Bagster and Sons تقدّم تسلسلاً مختلفاً بعض الشيء. The Orthodox Study Bible  ذو الحلّة الشعبيّة أكثر منها العلميّة نشره Thomas Nelson  (1993) بالتأكيد ليس ترجمة جديدة إنما يستعمل ترجمة الملك جيمس الجديدة.

[15]  نصّ العهد القديم العبريّ الأصليّ الذي يحفظه الدارسون اليهود يسمّى Masoretes. “Masorah”  تعني التقليد و “Masoretes” تشير إلى العلماء الموكلة إليهم مهمّة حفظ التقليد الذي يسود إنتاج النسخ من الكتاب العبريّ عبر العصور. Aleppo Codex  الشهيرة هي إحدى هذه النسخ.

[16]  ممكن إيجاد أبوكريفا العهد الجديد باللغة الإنكليزيّة عند Wilhelm Scneemelcher, New testament Apocrypha, Vols. 1-2, rev. ed. R.M. Wilson (Louisville: Westminster, 1990 and 1992).

للكتابات الغنوصيّة المُكتَشفَة في مصر قبل حوالي خمسين سنة ، أنظر:

James M. Robinson, The Nag Hammadi Library in English (San Francisco: Harper & Row, 1989).

يرى بعض العلماء أنّ إنجيل توما الغنوصيّ تمّ تأليفه في النصف الثاني من القرن الأوّل متزامناً مع الأناجيل القانونيّة الأربعة، وربما قبلها.

[17] Extant fragment in Eusebius, Ecclesiatical History 4.26. A translation of this fragment may be found in F. Sadowski, S.S.P., ed. The Church Fathers on the Bible: Selected Readings (New York: Alba House, 1987), pp. 26-27.

[18] In the 39th Festal Letter of St. Athanasius written on the occasion of Easter. For a translation, see Nicene and Post-Nicene, Vol. 4, Athanasius: Select Works and letters, ed. Ph. Schaff (Grand rapids: Eedermans, n.d.), p. 552.

في ما يتعلّق بالعهد القديم، يميّز القدّيس أثناسيوس بين الكتب القانونيّة التسعة والثلاثين التي يعدّدها اثنين وعشرين (عدد أحرف الألفباء اليهودية) بحسب التقليد اليهوديّ، ومن جهة  أخرى كتب القراءة التي يذكر منها خمسة: حكمة سليمان، حكمة سيراخ، أستير، يهوديت وطوبيا. في زمن العهد الجديد يميّز بين الكتب القانونيّة السبعة والعشرين من جهة، وكتابين آخرين ينصح بقراءتهما هما الديداكيه والراعي من جهة أخرى.

[19]  المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسيّ. الكتاب الرابع . الرأس السابع عشر. “في الكتاب المقدّس”. عربّه عن النصّ اليونانيّ الأرشمندريت أدريانوس شكور. (بيروت: المطبعة البولسيّة. 1984). ص. 250-252. يظهر هذا الفصل كملحق لهذا الكتاب. قد يُفاجأ القرّاء بأن القدّيس يوحنّا الدمشقيّ يُدرِج بين كتب العهد الجديد قوانين الرسل لإقليمس بابا روما وهو كتاب من القرن الثاني يوقّره التقليد القديم.

في ما يتعلّق بالعهد القديم، فالقدّيس يوحنّا الدمشقيّ، على غرار القدّيس أثناسيوس قبله، يذكر تسعة وثلاثين كتاباً قانونياً (أي أثنين وعشرين بحسب التقليد اليهوديّ) ويميّزها عن كتب القراءة التي يعرف منها فقط عزرا وأستير وحكمة سليمان وحكمة سيراخ. يظهر آباء الكنيسة تنوعاً غزيراً من كتب القراءة.

[20] On Theological level, see the discussion by international scholars in The Old Testament and Christian Faith: A theological Discussion, ed. B. W. Anderson (New York: harper & Row, 1963) and more recently Paul J. Achtmeier and Elizabeth Achtmeier, The Old Testament Roots of our Faith (Peabody: Hendrickson, 1994). On a exegetical level, see among others E. Earle Ellis, Prophecy & Hermeunetic in Early Christianity (Grand Rapids: Baker Books, 1993).

[21]  لعرض مفهوم الآباء للكتاب المقدّس، أنظر الفصل الرابع. كان المسيح هدف (ςόποκσ) الكتاب المهيمن، بحسب آباء الكنيسة وأيضاً المصلحين لوثر وكالفين في وقت لاحق. أنظر:

Brevard S. Childs, Biblical Theology of the Old’ and New Testament (Minneapolis: Fortress, 1993), pp. 44 and 99.

[22] N.T. Wright, The New Testament and the People of God, pp. 467-476.

[23]  لا حاجة إلى القول إنّ الجماعة المؤمنة التي تعتبر الكتاب كنزها المقدّس هي المفسر الأخير للكتاب ككلمة الله الموجهة إلى شعبه. بمعزل عن إطار الشركة الدينيّة، يتحوّل الكتاب المقدّس إلى كتاب تاريخيّ، كتاب يحتوي وصفاً لخبرات الشعوب القديمة ومعتقداتها وعاداتها، وهذا المنظار يميز الدراسة الكتابيّة الحديثة كما سوف نرى في الفصول اللاحقة.

[24]  الأب جورج فلوروفسكي، “الإعلان والتفسير”، الفصل الثاني من “الكتاب المقدّس والكنيسة والتقليد، وجهة نظر أرثوذكسيّة، نقله إلى العربيّة الأب ميشال نجم، (بيروت: منشورات النور، 1984)، ص. 19-44.

[25] See R. C. Hill, “St. John Chrysostom and the Incarnation of the Word in Scripture,” CTR 14 (1, 1980), pp. 34-38.

[26]  فهم القدّيس غريغوريوس النيصصيّ لغة الكتاب الإعلانيّة على أنّها عمليّة متجانسة مع قدرات البشر عن النظرة الدينا ميكيّة للوحي. بالنسبة إلى القدّيس، من التجديف والعبثية التفكير بان الله تكلم فعلياً في عمليّة الخلق (إذ في حال الإيجاب، مع مَن وبأيّة لغة؟). يذكر القدّيس غريغوريوس أنّ الله لم يتكلّم لا العبريّة ولا غيرها من اللغات عند توجهّه إلى أشخاص مثل موسى والأنبياء.

لا بَل، أوصل الله إرادته إلى “فكر هؤلاء الرجال القدّيسين الصافي، بمقدار النعمة التي كانوا يشاركون فيها” وهم بدورهم أوصلوا إرادة الله بلغتهم الخاصّة وبأشكال تناسب حتّى طفولة أولئك المجذوبين إلى معرفة الله. أنظر المرجع الذي أُدين به لبيتر خامبراس:

Answer to Eunomius’ Second Book, trans. By M. Day, Nicene and Post-Nicene fathers, Vol. 5, Gregory of Nyssa: Dogmatic Treatises, etc. (Grand Rapids: Eerdmans, n.d.), p. 276.

[27]  ما سمي “معركة الإنجيل” بين البروتستانت أظهر عدداً من النظرات المتعلّقة بالعصمة كما يحلّلها

Gabriel Fackre, “Evangelical Hermeneutics; Commonality and Diversity,” Int 43 (1989), pp. 117-129. For a balanced discussion see R.R. Nicole and J. Ramsey Michaels, eds., Inerrancy and Common Sense (Grand Rapids: Zondervan, 1983); Clark H. Pinnock, The Scripture principle (New York: Harper & Row, 1984); and D. G. Bloesch, Holy Scripture: Revelation Inspiration & Interpretation (Downers Grove: Inter Varsity, 1994).

[28]  لنظرة كاثوليكيّة للكتاب المقدّس، أنظر:

The Pontifical Biblical Commission’s “The Interpretation of the Bible in the Churvh,” Or 23 (29,1994), pp. 498-524; the sections on ‘hermeneutics and “Church Pronouncements” in NJBC, ed. R. E. Brown and others (Englewood Cliffs: Prentice Hall, 1990); Bruce Vawter, Biblical Inspiration (Philadelphia: Westminster, 1972); Yves Congar, The Revelation of God, trans. By A. Manson and L. C. Sheppard (New York: Herder, 1968);

Stanley b. Marrow, The Words of Jesus in Our Gospels: A Catholic Response to Fundamentalism (New York: Paulist, 1979); and the essay by Avery Dulles and Bruce Vawter in Scripture in the Jewish and Christian Tradition: Authority, Interpretation, Relevance, ed. F. E. Greenspahn.

[29] St. Athanasius, Καԏά ԏωѵ Εɩʹδώλωѵ, in the prologue αѵʹԏάρκεɩς μέѵ ϫάρ εɩʹσɩѵ αɩʹ άϫɩαɩ καɩ θεόπѵεѵσԏαɩ Гραφαɩ προς ԏηѵ άληθεɩ’ας άπαϫϫελɩ’αѵ J. .Migne, P. G. 25. 1A. ]“The sacred and inspired Scriptures are sufficient to declear the truth”[.

The translation is from the series Nicene and post-Nicene Fathers, Vol. 4, Athanasius: Selected Works and Letters (Grand rapids: Eerdmans, 1975), p. 4. See also St. Athanasius, The Life of Anthony, chapter 16, where Athanasius uses the expression ɩᴋαѵαɩ αɩ’ Γραφαɩ to make the same point.

بالطبع، يجب عدم أخذ عبارة الكفاية Sufficiency  بمعنى أنّ الكتاب المقدّس قائم بذاته، أو يفسر ذاته، لأنّه كتاب الكنيسة وقراءته تستدعي بشكل لا يمكن تلافيه اختيار التفسير والتطبيق ومختلف مستوياتهم. للنظرة الأرثوذكسيّة، أنظر: مقالة فلوروفسكي السابق ذكرها.

  1. Bratsiotis, “The Authority of the Bible: An Orthodox Contribution,” in Biblical Authority for today, ed. A. Richardson and W. Schweitzer, Thomas Hopko, “The Bible in the Orthodox Church”; Sava Agouridid, The Bible in the Greek Orthodox Church, and John Breck, “Orthodoxy and the Bible Today,” in The legacy of St. Vladimir, ed. John Breck and others (Crestwood: St. Valdimir’s Seminary Press, 1990), pp. 141-157.
  2. طبيعة الكتاب المقدس – دراسة

اباء الكنيسة والكتاب المقدس – تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم

اباء الكنيسة والكتاب المقدس – تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم

اباء الكنيسة والكتاب المقدس – تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم

اباء الكنيسة والكتاب المقدس – تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم

كانت هناك بعض الإشارات إلى أفكار اباء الكنيسة ومساهماتهم في مناقشتنا مختلف أوجه الكتاب المقدّس واستعماله وتفسيره في مضامين تفسيريّة مختلفة. معروف أنّ اباء الكنيسة كانوا تلامذة مكرّسين للكتاب المقدس. بالنسبة إليهم، سلطة الكتاب وقيمته على أنه السجل الأكثر قيمة للوحي الإلهي كانتا غير قابلتين للجدل وكبيرتين. موقف اباء الكنيسة جازم بخاصّة في ما يتعلّق بتقليد الكنيسة ولاهوتها. من الأساس إذاً نتفحّص التراث التفسيري. هدف هذا الفصل هو تقديم صورة شاملة عن عمل الآباء في التفسير عبر النقاط التاليّة:

  • الإنجاز العام للتراث الآبائي التفسيري.

  • النظرة الأبائيّة إلى سلطة الكتاب.

  • معنى اللجوء إلى اباء الكنيسة

  • عرض المنهجيّة الآبائيّة بشكل عامّ.

التراث التفسيريّ الآبائي:

في الجيلين الأخيرين، وثّق عدد من الباحثين عمل اباء الكنيسة الأدبيّ واللاهوتيّ بإسهاب. من هؤلاء الباحثين Warner Jaeger،  Hans Von Campenhausen، G. L. Prestige ،   F. L. Cross،  G. W. H. Lampe،  Henry Chadwick، J. Quasten، P.Chrstou.  لقد أصلح عمل هؤلاء العلماء الآراء الخاطئة حول هلنيّة (Hellenzation) المسيحيّة في القديم، ومن جهة أخرى، وضع الأساس لتقدير أكثر عمقاً وسعةً للتراث الآبائي.

من ناحية البحثّ الكتابي، فقد كان للتراث التفسيريّ لآباء الكنيسة انتباه واسع وإيجابي من قبل باحثين أمثال: J. Danielou، K. H. Schelkle، R. P. C. Hanson، R. M. Grant، Rowan A. Greer، ومؤخرّاً يوحنّا باناغوبولوس John Panagopoulos. الدراسة المستمرة للتفسير الآبائيّ أدت إلى عدد من الكتب[1]. كما ظهر بين الحين والآخر في أماكن عدّة عدد من المقالات حول المقاربات الآبائية للكتاب المقدّس[2].

ومع هذا، رغم عودة الشباب إلى الدراسات الآبائية في القرن العشرين ما زالت تسيطر على عقول العلماء الكتابيّين غيمة حول عمل الآباء التفسيريّ. مجرّد سماع أنّ اباء الكنيسة مارسوا التفسير المجازي والرمزي والروحيّ كاف لرفع شكوك هؤلاء العلماء المعاصرين المطبوعة في المنهجيّات والمغالاة الأفلاطونية موجودان عند بعض المفسّرين القدماء، كأوريجنس، إلا أنّ الدراسات الكتابية المعاصرة متقدّمة بشلك لا يُقارن في التحليل الأدبي التاريخيّ.

أمّا البحث عند الآباء عن مناقشات موازية للمسألة الإزائيّة، أو أصول الأسماء الخريستولوجيّة وغيرها من الإشكاليات الأدبية والتاريخية المصقولة في الدراسات الكتابيّة المعاصرة، قد يكون عملاً بلا جدوى بقدر ما هو منطوٍ على مغالطات تاريخيّة. في أيّ حال، الانطباع السائد هو أنّ أغلب الدارسين الكتابيّين يهملون عمل الآباء بمجمله بسرعة.

كما يظهر أيضاً أنّ قلّة من الباحثين الكتابيّين تخطّوا بعملهم مقاربة أوريجنس المجازية إلى التفسير الوقور عند أثناسيوس وباسيليوس وكيرلس الإسكندري الذين يتّكلون بشكل ثابت على الفهم القرينيّ والنحوي[3] كما على الفهم العقائدي واللاهوتيّ.

البحث الكتابيّ المعاصر، بسبب انشغاله بالطريقة التاريخيّة، يبدو وكأنه أظهر صمماً إزاء قيمة تراث الآباء التفسيريّ. هذا مؤسف لأن التفاعل مع الدراسات الكتابيّة الآبائية ممكن أن يؤدّي إلى نتائج مثمرة بخاصّة في الحقول حيث كان الآباء الأقوى: تفسير شهادة الكتاب اللاهوتيّة وإحياء رسالته الخلاصيّة للكنيسة والمجتمع.

في السنوات الأخيرة، انهمك الباحث اليونانيّ يوحنا باناغوبولوس في دراسة منهجيّة للنتاج الكتابيّ عند الآباء اليونانيين، وقد ظهر الجزء الأول من هذا العمل المتوقّع أن يكون في ثلاثة أجزاء، تحت عنوان “تفسير الكتاب المقدس في كنيسة الآباء”[4]. في هذه الدراسة البارعة، يناقش باناغوبولوس أنّ الاعتقاد الخاطئ الأساس لدى الباحثين الكتابيّين المعاصرين حول التراث الآبائي التفسيري يقوم على نظرة ضيّقة مستبدّة للمنهجيّة التاريخية – النقديّة وفشل في استيعاب مجمل رؤية الآباء التفسيرية.

هذه النظرة الآبائية الأساسية تتضمن: 1) مهمّة اللاهوت، 2) طبيعة الحقيقة الكتابيّة، و3) حياة الكنيسة[5]. بالنسبة إلى اباء الكنيسة ، بحسب باناغوبولوس، لا تنشأ مشاكل التفسير الأساسية من منهجيّة محدّدة ولا من تحليل نصوص معينة، كما أنها لا تُحَلّ بهذه المنهجية أو بتفسير هذه النصوص.

بالأحرى، تتعلّق هذه المشكلات بأمور جوهريّة حول الربط الكيانيّ كما الفهم العقليّ للهدف الرئيسي من الكتاب المقدس وميزته الشخصيّة وذهنه. التحدي ليس في مجرد تفسير النص المكتوب إنّما في فهم مقاصد الله وعطاياه التي يشهد لها النصّ وتفعيلها. من هذا المنظار، يبرهن باناغوبولوس أنّ مساهمة اباء الكنيسة هي إنجاز لاهوتيّ وتفسير ضخم. إنّها تدمج الدراسة الكلامية بنظرة واقعية للحقيقة التاريخية التي خلف شهادة الكتاب المقدس وبالاستجابة الكيانيّة إلى أعمال الله المنعمة، وبتفعيل الكتابات القانونيّة في حياة الكنيسة العباديّة.

لا يجهل باناغوبولوس المسافة التي تفصل بين الدراسة المعاصرة والتقليد الآبائي فيما يتعلق بممارسة النقد التاريخيّ والتحليل الأدبيّ. تدرب في ألمانيا وكتب أعمالاً عدّة حول أساس المعايير العلميّة، بما فيها دراسة نقديّة عن يسوع عنوانها “النبي الذي من الناصرة”[6]. وفيما هو عالم بالفروقات في المنهجيّة والبحث التاريخيّ، يقوم باناغوبولوس القيمة الثابتة للتراص الآبائيّ التفسيريّ عبر المواضيع التالية الملخّصة هنا:

  • الارتباط المتكامل بين الكتاب وشخص المسيح وعمله. فالكتاب المقدّس هو شهادة للتجسّد: روحيّاً بطريقة متوازنة ومتكاملة. ما يحدّد بشكل قاطع جوهر التفسير وأهمية العمل التفسيريّ هو ملء الإيمان بالمسيح عبر المحتوى والقيمة النهائيّة للعمل.

  • التفسير المتمحور حلول المسيح. المسيح، لكونه إتمام العهد القديم وملء الإيمان التاريخيّ، هو الهدف الأول والموضوع الرئيسي من الكتاب المقدس، وتالياً هو بدء التفسير الكتابي ووسطه ونهايته. في كلا الإعلان والتفسير الكتابيين، يظهر المسيح الحي نفسه على المفسّر الأول بقوة الروح القدس. بطريقة مهمّة، التفسير هو ثمرة الإعلان الإلهي الشخصيّ للمسيح الكلمة المفسّر.

  • العلاقة العضويّة بين العهدين القديم والجديد. بناءً على الأسس التي وضعها كتّاب العهد الجديد فيما يخص الله الآب والمسيح والكنيسة، حدّد اباء الكنيسة وحدة الكتاب المقدّس غير المنفكّة، وتالياً وحدة تاريخ العهد تجاه اليهوديّة والغنوصية اللتين أنكرتا الشرائع القديمة أو الجديدة.

  • وحدة التفسير واللاهوت. التفسير الأصيل هو لاهوت واتّباع الهدف الرئيس ومعنى مخطّط الله وعمله الخلاصيّين للبشريّة. بغض النظر عن قيمة الكلمات والقواعد، يمضي التفسير الكتابيّ إلى أبعد بكثير من التمرين الكلاميّ. إنه يغذي ضمير الكنيسة اللاهوتيّ بشرح العمق الروحيّ وصياغته لشهادة الكتاب الخلاصية، أيّ جوهر اللاهوت.

  • وحدة الكلمة الكتابيّة والحياة اليوميّة. الكلمة الكتابيّة هي كلمة مُعاشة بالروح ومثَبَّتة على أحداث الإعلان التاريخية ومفَعَّلة بشكل ديناميكي في حياة المؤمنين. رغم المجازيّات الزائدة الساعية إلى قيم أخلاقية مجرّدة خالدة، فالتفسير الآبائي مؤسّس كلياً في عمل الله الخلاصيّ كما يُرى على ضوء مركزه أيّ المسيح. مثلاً، الخروج من مصر هو حدث تاريخيّ وفي الوقت ذاته تصوير مسبق لموت المسيح وقيامته، كما أنّه دعوة إلى خروج جديد للمؤمن من عبوديّة الخطيئة إلى حريّة نعمة الله.

  • الارتباط الكامل بين الكلمة الكتابيّة والحياة الأسراريّة في الكنيسة. التفسير في هدفه الرئيس، هو سعي إلى سرّ حضور المسيح، أي أنه عمل صلاتيّ ليتورجي. في أسرار الكنيسة، تُعاش أعمال الإعلان الكتابيّ العظيمة ويُحتَفَل بها. مجمل قصّة الخلاص وقوّة الكلمة الكتابيّة تأتي حيّة في الاستذكار في عبادة الكنيسة.

  • قابلية تعديل المنهجيّة التفسيريّة. لم يحصر اباء الكنيسة التفسير الكتابيّ في ممارسة أسس وطرائق محدّدة شكليّاً وكانت مسألة الطريقة دائماً مفتوحة بالنسبة إليهم. فالأفضليّة أُعطيت لا للطريقة بل للمحتوى الخلاصيّ في الشهادة الكتابيّة حيث أنّ تفعيل حقيقة الخلاص ديناميكيا بقوة الروح القدس هو المهم وليس الفهم اللغويّ والفكريّ للنص. إن مشاهدة سرّ المسيح في الكتاب المقدس هي دائماً عمل روحيّ.

  • خطأ تقويم عمل الآباء التفسيريّ على أساس مقومات البحث العلميّ المعاصر المحض. تقويم عمل الآباء التفسيريّ فقط بالمعاير العلميّة المعاصرة هو مفارقة تاريخية. فالآباء استعملوا منهجيات عصرهم العلمية وأغلب تفاسيرهم تظهر، بحسب المعايير المعاصرة، وهميّة ومبالغ فيها. على أي حال، هناك عناصر مهمة في رؤاهم التفسيريّة ما تزال تُكتَشَف بشكل مستمر وبتكافؤ مع نتائج البحث الحديث. إلى هذا، فالتفاسير الآبائية، حتى المتطرفة منها، غالباً ما تعكس رؤية روحيّة في تقليد كنسيّ ولاهوتيّ مهم.

  • حسن تمييز الأمور الحسّاسة في التفسير الكتابيّ. عرف اباء الكنيسة الأمور الحسّاسة في التفسير الكتابيّ كالأساس الخريستولوجيّ للتفسير، طبيعة الوحي والإعلان، قيمة الإيمان والتقليد التفسيريّة، العلاقة بين الكتاب والكنيسة، وتفعيل قيمة الكتاب في حياة الفرد والجماعة.
    بالإضافة إلى هذا، فالآباء الكبار، لكونهم أصحاب معرفة وخبرة بالفلسفة وعلم الكلام المعاصرين، أوجدوا بعض الأسس التفسـيريّة التي سـبقت عناصر التأويل الحديث الأسـاسية. هذه الأسـس تتعلق بـ: أ) لغة الكتـاب الاصطلاحية، ب) حـدود اللغة والجـدل في السـعي لفهم سـرّ الله والتعبير عنه، ج) الأهمية الرئيسية للسعي نحو الهدف المركزيّ في التفسير أو غاية النصّ الكتابيّ.

عمل باناغوبولوس مؤثّر في مداه وعمقه، وإن كان يبدو أحيانً مركّزاً على قضيّته بروح من المعارضة المفترضة للبحث المعاصر، فهو نجح في تقديم القيمة الروحيّة واللاهوتيّة لعمل الآباء التفسيريّ. الحاجة هي إلى الوضوح في تحديد مجالات الارتباط الأساسيّة بين الدراسات الآبائية والبحث الكتابيّ المعاصر. التفاعل بين هذين الحقلين يعد بالكثير طالما يتمّ التعرّف إلى نقاط القوة والضعف لدى كلّ منهما.

الدراسات الكتابيّة الحديثة هي الأقوى في التحليل الأدبيّ والتاريخيّ. أما العمل التفسيريّ الآبائيّ فهو الأقوى في الشرح الروحيّ واللاهوتيّ. إمكانيات مثيرة للبحث الكتابيّ المستمر وحياة الكنيسة الحقيقيّة تستتبع عمل النظرتين معاً.

سلطة الكتاب المقدّس:

في كل مكان، يُظهر اباء الكنيسة احتراماً كبيراً لسلطة الكتاب المقدّس ككتاب الله[7]. غالباً ما يستشهد يوستينوس الشهيد في “الحوار مع تريفن” بعبارات: “يقول الله” أو “يتكلّم الله”، من دون الإشارة إلى كتّاب بشريين. بالنسبة إلى يوحنا الذهبيّ الفم، المسيح نفسه يتكلّم عبر الرسول بولس لأنّ للرسول فكر المسيح (1كورنثوس 2: 16). يكرّر مفسّرو الآباء التشديد على أن كلّ كلمة في الكتاب المقدّس تستحقّ انتباهاً شديداً كونها موحى بها.

فالكتاب المقدّس، محتوياً العهدين القديم والجديد، هو وحدة متكاملة عضوياً ذات علاقات تكامليّة وجوهرية لكون الله هو الكاتب المطلق لها. الكتاب المقدّس بكامله هو أغلى كنز للحقيقة المكشوفة والذي يقدّم التعليم الغنيّ والغذاء الروحيّ لحياة شعب الله وإرشاده.

سلطة الكتاب المقدّس أمنّت مركزيته في حياة الكنيسة اليوميّة. القديس باسيليوس، في الرسالة 22، يقدّم وصفاً مستفيضاً لحياة الكمال المسيحي مستوحى بكامله من العهد الجديد. دور الكتاب في صياغة العقيدة الثالوثية والخريستولوجيّة معروف جداً. التعليقات الآبائية والعظات حول الكتاب غزيرة جداً.

الكتاب المقدّس هو المصدر الأساس للفكر الآبائي وهذا واضح ليس فقط في الأعمال التفسيرية بل في كلّ كتاباتهم. فآباء الكنيسة هم قبل كل شيء لاهوتيون كتابيون رأوا في الكتاب المقدس كتاب الله والكنيسة. الأفلاطونيّ اللامع أوريجنس نفسه كان لاهوتياً كتابياّ بشك أساس. ومع كونه خيالياً في بعض تفاسيره لكنّه كان ملتزماً بوحي الله التاريخيّ ومستعداً لإخضاع حكمه لسلطة الكنيسة العالمية.

في أيّ حال، علو سلطة الكتاب المقدس ومركزيّته في التقليد الآبائيّ لم يؤديا إلى جعله مطلقاً كنوع من الكتاب الإلهي المستمد مباشرة من السماء. والصحيح هو أنّ نظرة الآباء إلى سلطة الكتاب الإلهية ودقّته التاريخيّة، حتّى بدون امتلاكهم المعرفة النقديّة المتعلّقة بتأليف أسفار الكتاب، هي أكثر علواً من نظرة الباحثين واللاهوتيّين المعاصرين. ولكن من جهة أخرى، لم تتوصّل نظرة آباء الكنيسة للكتاب إلى الأصولية الموجودة اليوم عند البروتستانت التقليديّين. نستطيع القول أنّ الآباء في شهادتهم الكاملة كانوا بالواقع أصيلين وليسوا أصوليّين فيما يتعلق بالكتاب المقدس، إذا اعترفوا بطرائق مهمّة بصفته البشريّة كما بصفته الإلهية.

من المنظار الآبائي، سلطة الكتاب مؤهّلة بعدد من الاعتبارات من بينها معرفة لغته المجازيّة التي لا يمكن أخذها دائماً بحسب معناها الظاهر. استناداً إلى المعنى اللغوي والشكلي فقط، تؤدّي نصوص كثيرة إلى مفاهيم غير مقبولة حول الله وعمله الخلاصيّ. مثلاً، بحسب الذهبي الفم، عدم الإيمان بالمسيح، مع أنه متوقّع بالكتاب، ليس محتَّماً بضرورة تحقيق نبوءة أشعياء كما ترد حرفيّاً في بعض النصوص (يوحنا 12: 39-40، مرقص 4: 11-12).

يذكر الذهبي الفم أنّ أعداء المسيح ليم يؤمنوا ليس لأن أشعياء هكذا تكلّم بل لأن أشعياء تكلّم لأنهم لم يكونوا في وارد أن يؤمنوا. فالنبيّ يرى مسبقاً ويصف ليس إلا ولا يحتّم عدم الإيمان أو يسبّبه. يستنتج الذهبي القم أنّ الكتاب المقدّس فيه بعض المجازات (idioms) ومن الضروري التحسب لقوانينه[8].

اباء الكنيسة ، كما هو معروف، قاربوا الكتاب المقدّس بقدر من الحرية والجرأة. كان تركيزهم على الروح أكثر من الحرف. هناك أمثلة عديدة ممكن تقديمها حول رفض الآباء التوقّف عند التعليم الكتابي الصرف عندما يتهاون هذا التعليم بمجمل الفهم لله. النصوص الكتابية المتعلّقة بالقدريّة بالمعنى الكلامي (روما 8: 29، 9: 11، 16-17) لا يمكنها، بحسب الآباء، أن تؤخذ بمعناها السطحي ومن دون أن تؤدي إلى استنتاجات غير مقبولة حول الله المحب والعادل وغير المستبدّ[9].

كتاب الرؤيا قد يعلّم حلو ألفيّة حرفية (رؤيا 20: 4)، والرسالة إلى العبرانيين تنفي إمكانية التوبة مرة ثانية بعد خطيئة كبيرة (10: 2-27، 12: 16-17). رغم أنّ بعض المفسرين الأوائل دافعوا عن هذه الأفكار، مثل كاتب راعي هرماس والقديس يوستينوس والقديس إيريناوس، فإن هذه العقائد لم تصبح جزءاً من تعليم الكنيسة النموذجيّ.

في مثال مميّز عن التحرر من الحرفيّة الكتابيّة، القديس إسحق السرياني الذي يُعتَبَر أعظم النسّاك في تقليد المسيحية الشرقية، ينزع الخرافة قصداً عن صورة الجحيم[10]. فرغم أنّه لا ينكر أبداً حقيقة الجحيم، إنما يفسّرها على أنها انفصال عن محبة الله الخالدة وانعدام القدرة على المشاركة في هذه المحبّة، كما أنه يراها انفصالاً أكثر إيلاماً من أيّ جحيم حسّي. بالنسبة إلى القديس اسحق، لم يكن الجحيم موجوداً قبل الخطيئة كما أنّ نهايته غير معروفة.

فهو ليس مكاناً للعقاب خلقه الله، إنما وضعية روحية من الألم المبرح أوجدتها المخلوقات الخاطئة التي انفصلت إرادياً عن الله. بحسب هذا القديس، الخطأة في هذا الجحيم ليسوا محرومين من محبة الله إنما هم يتألمون من عمق إدراكهم أنهم أساؤوا إلى المحبة ومن عجزهم عن المشاركة فيها. فالجحيم ليس سوى ذلك الإدراك المرّ للانفصال والندامة أي ما يسميّه القديس اسحق “سوط المحبة”. إذاً، الحب الإلهي عينه الذي يشع نحو الجميع هو نعيم للأبرار وعذاب للخطأة.

بالتأكيد، لا يمكن اتهام التقليد الآبائي، المعروف بتفسيره الروحي، بالحرفية الخاضعة لكلمة مقدسة مطلقة. بالنهاية، كما لاحظ H. Chakwick، عرف اباء الكنيسة أنّ المسيحيّة ليست دين كتاب بل دين شخص[11].

الاعتراف الواضح بضرورة تفسير الكتاب المقدس هو عامل أساس آخر يميّز النظرة الآبائية لسلطة الكتاب. فلا الآباء ولا الهراطقة تساءلوا حول سلطة الكتاب أو مركزيته. المسألة المهمة كانت تفسيره الصحيح بخاصة فيما يتعلق بالأمور العقائدية. كما يصف Mark Santer، كفاءة الكتاب المقدس المتعلقة بحقيقة الخلاص كانت محدّدة بعدم كفاءتها العملّية[12].

مَن هو صاحب الحق في تفسير الكتاب المقدس وعلى أي أساس؟ بالمقابلة مع الاستعارة المضرّة من الغنوصيّين الفالنتيين، أوريجنس العظيم نفسه كان منشغلاً بتفادي الأوهام الخاصة غير المضبوطة. وقد قدم المبادئ التالية لضبط التفسير: 1) أن يؤخذ الكتاب المقدس بكامله وليس تدريجياً، 2) تفسير المقاطع الغامضة بالمقابلة مع المقاطع الأكثر وضوحاً، 3) استشارة المفسرين الآخرين في الكنيسة، 4) الاعتبار، بشكل دائم، أن المسيح هو مفتاح وحدة الكتاب المقدس وتفسيره[13].

الاحتكام إلى الآباء:

تطورت نصيحة أوريجنس بالمراجعة مع المفسرين الكتابيين الآخرين إلى احتكام معياري إلى المفسرين السابقين في تقليد الكنيسة. أصلاً، القديس إيريناوس كان قد استعان بيوستينوس الشهيد واستحضر قانون إيمان الكنيسة كقاعدة تفسير توجيهية. هذا كان بشكل رئيس احتكاماً إلى الإجماع العقائدي الناشئ للتقليد الكنسيّ الحيّ حول المسائل الرئيسة التي تناقش كطبيعة الخليقة، وحدة العهدين، النعمة وحريّة الإرادة، وعلاقة الآب بالابن[14].

فمثلاً سلطة بطرس الواردة في متى 16: 18، لم تنشأ خلافات واسعة حولها في الكنيسة القديمة لكن يمكن ملاحظة تحول شاسع في التفسير من ترتليان إلى الذهبي الفم[15]. يظهر التقليد الآبائي أن استحضار قانون الإيمان واللجوء إلى سلطة المفسرين الآخرين لم يؤخر بأي شكل من الأشكال الإبداع من طريق السعي الصارم إلى تفسير وحيد لكل آية كتابية. لقد تمتّع المفسّرون القدامى بتنوع التفسيرات وأظهروا حريّة في مناقشة الخيارات التفسيرية.

من جهة أخرى، الاحتكام إلى المفسرين الموقّرين عبر عن اهتمام بالتكامل العقائدي ودلّ على البعد الكنسي للتفسير الكتابيّ، هذا البعد الذي يؤكد أن الكتاب المقدس هو قبل كل شيء كتاب الكنيسة. فهو لا ينتمي إلى أي كان وحده. وبكلام أصحّ، إنه ينتمي إلى الكنيسة، الجماعة المؤمنة التي أنتجت الكتابات وتحمل سلطتها.

فيما ينبغي للمفسّرين التزام الموضوعيّة العلّمية والمناظرة، لا يستطيع أي مفسّر أن يتعاطى مع الكتاب على أنه مقدس، هو بالنهاية، خدمة للكنيسة. من المفترض أنّ هناك حريّة البحث التاريخي كما أن هناك مقاربات عديدة للكتاب واستعمالاته بحسب الأطر الخاصّة والأهداف، إلا أنّ المعنى العقائدية الأعمق لتقليد الكنيسة يجب ألا يُنتَهك.

لقد أدى التقليد التفسيري في فترة الآباء العظماء، لغاية الذهبيّ الفم، إلى مجموعة الأنثولوجيا (florilegia)، وهي سلسلات من التفاسير الآبائية لمقاطع كتابيّة[16]. يُقال غالباً أن هذه المجموعات تدل على نقص في الإبداع وفي هذا شيء من الصحة. ومع ذلك، فالقساوة الخانقة لم تكن الحالة السائدة.

هذه السلسلات من التقاليد التفسيريّة ذاتها تعكس تنوعاً من التفاسير وتستدعيه. لم يكن هدفها خنق الإبداع إنّما إفادة المؤمنين عبر عرض الميراث الآبائي لهم وحفظ التفسير ضمن روح تعليم الكنيسة. المجادلات النظاميّة الثالوثية والخريستولوجية أنمت الخوت من الهرطقة والانقسام. الإنجاز التفسيري الذي قام به الآباء كان مقدّراً وقد حُفظ كأساس للوحدة والحقيقة.

فيما يخصّ الإبداع، لا يفتخر كلّ عصر بمفكرين مبدعين. فهم يظهرون مواهبهم عندما يظهرون، كما في حالة القديس فوتيوس الكبير أحد أوائل الشخصيات الفكرية في بيزنطيّة. يعالج القديس فوتيوس في مؤلّفه أمفيلوخيا (867م) عدداً من المسائل الكتابيّة الصعبة.

ما معنى مخلوق على صورة الله؟ ما معنى أن الله قسّى قلب فرعون؟ من كانوا إخوة يسوع؟ كيف نتعاطى مع غموض الكتاب؟ في جوابه عن هذه الأسئلة، قدمّ فوتيوس مثالاً عن مهارات عالِم الكلام آخذاً في الاعتبار مجازيات الكتاب المقدّس ومشاكل الترجمة من العبرانية إلى اليونانيّة كما الأخطاء في نشر المخطوطات[17].

من هذه الزاوية أيضاً، ينبغي للمرء أن يقوّم هدف القانون 19 من المجمع الخامس – السادس في ترولو (691) الذي يذكر قادة الكنيسة بالتعليم والوعظ بكلمة الله الكتابيّة، لا بحسب آرائهم بل بحسب تفاسير الآباء المحدّدة[18]. إن قراءة هذا القانون بتأن تظهر أهدافه القرينيّة: 1) التفسير الصحيح في الأمور المتنازع عليها، 2) إمكانية نفس الخبرة أو المهارة عند الواعظ في الكنيسة، 3) خطر الخروج عن عقيدة الكنيسة.

لا يستبعد القانون أبداً العمل المبدع في وجود المفسّرين المهرة الذي يبقون ضمن إطار تقليد الكنيسة العقائدي. في التقليد اليوناني، الآباء اللاحقون والقديسون، أمثال سمعان اللاهوتي الحديث (1022)، نيكولا كاباسيلاس (القرن الرابع عشر) وقوزما الإيتوليّ (1779)، لا يظهرون أي تردد في قراءة الكتاب وتفسيره مباشرة من دون أيّ إشارة إلى اباء الكنيسة السابقين، ومع هذا فهم يبقون مخلصين لضمير الكنيسة العقائديّ.

في حالة القدّيس سمعان نلاحظ مفسّراً مبدعاً وموهوباً في إطار التقليد. على أساس قراءته المباشرة للكتاب المقدس، بخاصة إنجيل يوحنا ورسائل بولس، كما على أساس خبرته النسكيّة، هزّ سمعان لغوياً المؤسسة الدينيّة في القسطنطينية ونُفي بسبب ذلك[19].

محتكماً إلى شهادة العهد الجديد، شدّد القديس سمعان على أن كل المسيحيّين، ولا سيما الإكليروس واللاهوتيّون الذين يمارسون القيادة والتعليم، يجب أن يكونوا أصحاب خبرة رسوليّة في الخلاص وبالواقع خبرة تجدّد بالله على أساس معمودية الروح القدس، حتى يتمّموا مسؤولياتهم حسناً. وقد كان القديس سمعان مثيراً للجدل في زمانه، بينما يُعتَبَر اليوم واحداً من أعظم اللاهوتيّين في التقليد الأرثوذكسي.

المنهجيّة التفسيريّة:

كُتبت دراسات كثيرة حول المقاربات المختلفة والطرائق في التفسير الآبائي، بما فيها التفسير اللغويّ، المجازيّ، الرمزيّ، ومفهوم الثايوريا (“نفاذ البصيرة الروحيّ” أو “الرؤية الروحية”)[20]. يجب النظر إلى هذه المقاربات والطرائق على ضوء أهدافها وعلاقتها الداخلية في مجمل مهمّة التفسير كخدمة كنسيّة.

التفسير المجازي الذي مورس بشكل خاص في الإسكندرية، سعى إلى معنى روحي أكثر عمقاً في كلمات الكتاب المقدس، بهدف: 1) تخطي الصعوبات في النص الكتابي، 2) تقديم تفسير مسيحي للعهد القديم، أو 3) تقديم تنوّع في التعاليم المقدسة ضمن إطار الوحدة العقائدية في الكنيسة. قد يكون المثال الأكثر تضخيماً رسالة برنابا التي من القرن الثاني وممكن أنّها من الإسكندرية. بالنسبة إلى كاتب النص المجهول، لا قيمة لكل نظام الطقوس اليهودي إلا الروحيّة.

الوصية بالصوم عن الأطعمة تعني الإمساك عن الشرّ. الختان هدف إلى ختان القلب الروحيّ. عدم أكل لحم الخنزير وغيره من الحيوانات الدنسة والطيور كان تحريماً عن الانسجام مع الناس الذين يسلكون على طريقة هذه المخلوقات. لم يكن هيكل أورشليم صاحب القيمة الحقيقية بل هيكل القلب وحده[21]. هذه المجازيّات تطورت بطريقة أكثر تعقيداً مع إقليمندس الإسكندري وأريجنس اللذين ميّزا مستويات عدّة من التفسير من دون أن ينكرا بالضرورة المعنى اللغوي والتاريخي في النص الكتابي[22].

هذا المفسران وغيرهما من بعدهما استعملوا التفسير المجازي ليس فقط لتخطي الصعوبات في الكتاب إنما أيضاً للاحتفال بأسرار الإعلان المدركة واستنتاج ملاءمتها غذاء المسيحيّين. قيمة هذه التفاسير، حتى ولو كانت أحياناً خيالية، تكمن ليس في دقتها كتفسير تاريخي بل في منفعتها لتقديس المسيحيين ضمن إطار الكنيسة العقائدي وحياتها المشتركة.

يختلف التفسير الرمزي في أنه لا يسعى إلى معنى روحي غير محدد الزمان بل يستخدم المنظار التاريخي بحسب نموذج الكتاب المقدس في الوعد والتحقيق. إنّها طريقة لاهوتيّة وتاريخيّة لتأكيد وحدة العهدين القديم والجديد وكيفية تحقق أحداث الأول وصوره في الأخير، وقد مورس في التقليد الأنطاكي بوجه خاص. مثلاً، يكتب كاتب الرسالة إلى العبرانيّين أنّ طقوس الناموس الموسوي لم تكن إلاّ ظلاً للحقائق المستقبليّة التي سوف تكون بالمسيح (عبرانيين 10: 1).

في تفسير رمزيّ، يُدعى “الظلّ” أو التصوّر المسبَق الذي في العهد القديم رمزاً. إن تحقيق هذا الرمز هو حدث أو شخص في العهد الجديد وهو يُدعى المرموز إليه (Antitype) أي الحقيقة. يقدم يوستينوس الشهيد، من بين آباء القرون الأولى، تفسيراً رمزياً ضخماً للعهد القديم في الأمور الجوهريّة والعاديّة. مثلاً، حمل الفصح في الخروج (12) هو رمز يتحقّق بالمسيح في موته على الصليب[23]. لكن الأجراس الاثني عشر في ثوب رئيس الكهنة (خروج 39: 25) هي أيضاً رمز يتحقّق في العدد ذاته من الرسل.

إدراج الأمم في الكنيسة بالإيمان بالمسيح كان متوقّعاً من الأنبياء ولكن على المقدار عينه عبر هذه التفاصيل الدقيقة كذكر الحيوانين في تكوين 49: 11 وزكريا 9: 9 (حمار أنثى ومهرها)، وهي رموز تحقّقت باليهود والأمم أتباع المسيح[24].

لقد ثبّت التفسير الرمزي العهد القديم ككتاب مسيحيّ، كما أكد وحدة الكتاب المقدّس وخَدم أيضاً كتفنيد فعّال ضدّ ماركيون وأتباعه الذين رفضوا العهد القديم بأكمله. الرمزيّة هي أقرب إلى صورة الوعد والتحقيق التاريخية في الكتاب، وقد مارسها اباء الكنيسة بشكل واسع، شخصيات العهد القديم البارزة، كيعقوب وموسى ويوشيا، كان يُنظر إليها كرموز تحقّقت في المسيح، لقد فُهِمَت أحداث مثل الخروج، عبور البحر الأحمر، تيهان إسرائيل في الصحراء، ودخول أرض الميعاد، كرموز تحقّقت في أحداث جرت خلال بشارة المسيح وحياة الكنيسة في العصور الأولى.

صلوات المسيحية الشرقية وترانيمها مُفعَمة بالصور الرمزية والنماذج المأخوذة من التراث الآبائي التفسيريّ. ترتبط قيمة التفسير الرمزي بالمعنى اللاهوتي للعهد القديم على أساس المسيح والإنجيل، وهذا أمر لا مفرّ منه في تقديم الكتابات العبرانيّة مسيحياً وقبولها.

ويجب ذكر عدد من المؤهلات المهمة تساعد الآباء على استعمال المجاز والرمزية.

أولاً، هذه المنهجيات كانت وسائل تفسيريّة استخدمها الإغريق والعبرانيون في عصر ما قبل المسيح. كما لدينا أمثلة مهمّة عنها في العهد الجديد (متى 2: 15 و13: 18، يوحنا 3: 14-15 وعبرانيين 10: 1)[25].

يستعمل الرسول بولس عبارتي “المجاز” و”المثال” في ربط شخصيات العهد القديم وأحداثه بنظائرها في العهد الجديد (غلاطية 4: 22-27، 1كورنثوس 10: 1-13، وروما 5: 14). لهذه التفاسير أصل رسولي ولم تكن مجرد ابتكارات اخترعها اباء الكنيسة . بالأحرى، اتّبع المفسّرون المسيحيون اللاحقون خطوطاً مفيدة للتفسير وطوّروها وهي أصلاً موضوعة في العهد الجديد.

ثانياً، استنتاج فروقات حادّة بين المجاز والرمزية في التفسير، أو بين التقليدين الأنطاكي والإسكندري، هو استنتاج خاطئ. تكمن الفروقات في التشديد وأحياناً بشكل متطرف ولكنها ليست دوماً من دون التقاء. كلتا المقاربتين مجازية ورمزية وكلاهما تسعيان إلى استخراج أعلى القيم الروحية واللاهوتية من الكتاب المقدس ككتاب مسيحي لأهداف عقائدية وللتنوير الرعائي. فعلى يدي أفضل المفسرين، لم تكن أي من المقاربتين تهدف إلى التخلي عن الأساس الأدبي والتاريخي للكتاب، ولا الكنيسة كانت مهيأة لأمر مثل هذا.

فالإسكندري مثل أوريجنس كان يستعمل المجاز ولكنه كان أيضاً عالماً كلامياً، في حين أن الأنطاكي مثل الذهبي الفم كان يمارس التفسير الأدبي الحرفي بشكل أساس ولكنه كان قادراً على استعمال التفسير الرمزي وأحياناً المجازي.

ثالثاً، يتجه التقليد الذي نشأن بين عظماء المفسرين نحو التفاسير الحرفية الأدبية، كما يظهر من أعمال الإسكندريين، أمثال أثناسيوس وكيرلس والأنطاكيين، أمثال يوحنا الذهبي الفم وثيوذوروس الموبسويستي وثودوريتوس القورشي. هذا التيار كان إجمالاً بسبب الحاجة، التي لا مفر منها، إلى الدقة في محاضرات المجادلات العقائدية[26].

تظهر نظرة شاملة لكتابات الآباء أن المحاضرات العقائدية تعكس التفسير الحرفي والأدبي، بينما المحاضرات الرعائية والعظات تطلق العنان بحريّة للتفاسير المجازية والرمزية. يشكل القديس باسيليوس الكبير، بدون منازع، أفضل الأمثلة عن التفسير الكتابي الرزين في كلا الكتابات الرعائية والعقائدية، لكونه ينتبه بشكل ثابت للمعنى الأدبي – الحرفي في النصوص[27].

رابعاً، مهما كانت المقاربات المنهجية الخاصة التي استعملها اباء الكنيسة ، يجب أن يبقي المرء نصب عينيه تحذير باناغوبولوس الذي يرى أن المنهجية كانت للآباء ثانوية بالنسبة إلى جوهر الشهادة الكتابية، فيما يمكن لمسألة الطريقة أن تبقى مفتوحة، كان الاهتمام الأكبر في كيفية إنصاف نشاط الله الخلاصي كما هو مشهود له في الكتاب المقدس، وكيفية ملاءمة القيمة الفدائية للكتابات المقدسة.

واضح إذاً أنه ينبغي للمفسر المعاصر أن ينظر إلى القوة الأساسية عند اباء الكنيسة التي تتألف من لاهوتهم الكتابي ومنظارهم التفسيري (فكرهم أو روحيّتهم). يمكن تلخيص الخطوط النهائية لهذه النظرة التفسيرية كالتالي:

1) نظرة عالية لسلطة الكتاب وتاريخية الأحداث الخلاصية، 2) التشديد على رسالة الكتاب اللاهوتيّة والخلاصية المرتكزة بشكل جوهريّ على المسيح، 3) التفسير استناداً إلى القراءة القرينية للجزء على أساس الكل سعياً إلى غاية النصّ، 4) الرزانة الفلسفية في قدرة التحليل اللغوي على ضبط سر الله أو تحديده، 5) التزام حسّ الكنيسة العقائدي، 6) الاعتراف بأن التفسير الكتابي خدمة في الكنيسة، 7) الاعتراف بأن موقف المفسر الإيماني الشخصي بالغ الأهمية بالنسبة إلى التفسير الأصيل.

النقطة الأخيرة هي فهم الآباء للثايوريا (أدبياً: معاينة الله)[28]. تمكن ترجمة هذه العبارة التقنية بـ: “الرؤية الروحية”، “البصيرة الروحية”، أو “التلقي الروحي”. هي ليست مجرد مفهوم، بل هي خبرة قبل كل شيء. هي لا تشير فقط إلى حسن إدراك تعاليم الكتاب اللاهوتية بل أيضاً إلى موقف المفسر الروحي الذي يقوده الروح القدس. بشكل أعمّ، تتعلق الثايوريا بمجمل حياة المسيحي وفهمه كما يحوله الروح القدس ويوجهه.

إنها تتويج حياة التوبة والغفران والتطهّر من الخطيئة ونقاوة القلب والصلاة والمحبة. وقد يصح وصفها بأنها حس صلاتي من الخشية والإعجاب في حضرة الله وخليقته وأعمال الخلاص العظيمة والكتاب المقدس وكل الأشياء. في حالة الثايوريا الديناميكية، ورقة خضراء أو نجمة لامعة، عمل بسيط من اللطف البشري أو حقيقة عظيمة من الكتاب المقدس، كلها أمور قد تحرك المعاين بالقدر عينه.

بحسب القديس إسحق السرياني تُختَبر الثايوريا في قراءة الكتاب المقدس مثل شعاع من النور يرافق فهم المرء للنص[29]، أو كإدراك مفاجئ لحضور السيد في حين التأمل في شيء من الكتاب، بحسب القديس أمبروسيوس[30].

كتب القديس سمعان اللاهوتي الحديث عظة كاملة عنوانها “في المعرفة الروحية” هي مثال ممتاز عن القراءة الروحية للكتاب المقدس[31]. الثايوريا هي عطية من الروح القدس وبإيحائها إلى القارئ بالقدرة الخلاصية. إنها حالة من الإلهام الديناميكي، لحظة استنارة، عمل وحي شخصي تصبح فيه الكلمة المكتوبة كلمة الله الحية وتتفعل قيمتها كيانياً في حياة المفسر بنعمة الروح القدس.

قد يكون هذا النموذج الآبائي للتفسير المواهبي رومنطيقياً وخيالياص إن لم يوضع في إطار الصراع مع الذات والكنيسة والتاريخ. لم يعرف اباء الكنيسة الرخص لا في النعمة ولا في البحث العلمي. فالجهادات لتخطي الخطيئة الشخصية بالتوبة الأصلية، وللنمو نحو النضح الروحي على صورة المسيح، كانت دائماً هاجسهم. قد عرفوا العمل الدؤوب خلف الدراسة الكتابية والوعظ والتعليم، بعيداً عن النظر إلى أعمال الروح بشكل ميكانيكي أو سحري.

بالنسبة إليهم، لم يلغ الإيمان الشخصي والصلاة استعمال العقل بأي شكل. الآباء الكبادوكيون رأوا أن العقل عطية من الله وبالواقع هو أعلى المَلَكات التي ميزت صورة الله الحقيقية في البشر[32]. وكما يعبّر غريغوريوس اللاهوتي، فهم عرفوا أيضاً أن الجدال الحاد له قوة يمكن تحويلها في اتجاهين، إسقاط الحقيقة أو كشف الكذب[33]. من الممكن الاتكال على العقل كما على محبة الله ومحبة شعبه لقيادة العقل نحو نهايات بنّاءة.

ومع هذا، فقد يسبب خداع النفس والإثارة الشيطانية بعض “لحظات من الإلهام”. أصالة موهبة المرء في التفسير يجب أن تُمتحن إذاً في حياة الكنيسة. المطلوب هو اعتبار آراء الآخرين والانفتاح وحتى تغيير الرأي[34]. وقبل كل شيء، يجب أن يحترم المفسر احتراماً حقيقياً مجمل إيمان الكنيسة. الصراعات العائدة إلى خلافات لاهوتية أو عقائدية في الكنيسة عينها ليست نادرة وهي لا تقدم أي راحة.

ومع هذا، فالرجاء بأن الظلمة لن تقهر الضوء في النهاية لا يخبو. هذا التأكيد ثابت لا في القدرات البشرية بل في نعمة الله والإخلاص له. السيد نفسه وعد بأنه سوف يكون دائماً مع شعبه وبأن أبواب الجحيم لن تقوى على كنيسته المسؤولة عن الكتاب المقدس وسوف تُحاسب عليه وعلى إعلانها إياه إلى العالم (متى 16: 18، 28: 20).

[1] R.M. grant With David Tracy, A Short History of the Interpretation of the Bible (Philadelphia: Fortress, 1984); James L. Kugel and Rowan A. Greer, Early Biblical Interpretation ( Philadelphia: Westminster, 1986); Joseph W. Trigg, Biblical Interpretation: Message of the Fathers of the Church (Wilmington: Glazier, 1988);

Frank Sadowki, S.S.P. ed., The Church Fathers on the Bible: Slected Reakings; K. Froehlich, Biblical Interpretation in the Early Church ( Philadelphia: Fortress, 1984); and Bertrand de Margerie, S. J., An introduction to the History of Exegesis, Vol. l: The Greek Fathers, trans, Leonard Maluf (Petershan: Sant Bede’s Publications,1993)

[2] مثلاً

Geoffry W. Bromiley, “The Church Fathers and Holy Scripture”, in Scripture and Truth, D. A. Carson an John D. Woodbridge, eds., pp. 199-220; j. Pelikan, “The Spiritual Sense of Scipture: The Ecegectical Basis for St, Basil’s Doctrine of the Holy Spirit,” in Basil of Caesarea: Christian, Humanist, Ascetic, Part I,ed. P. J. Fedwick (Toronto: Pontifica; Institute, 1981), pp. 337-360; by the same, “Council or Father or Scripture” The Concept of Authority in the Theology of Maximus Confessor,

The Heritage of the Early Church: Essays in Honor of Georges V. Florovsky, ed. D. Neinan and M. Schatkin (Rome, 1973); Andrew Louth, “The Hermeneutical Question Approached through the Fathers”, Sob 7(7, 1978), PP. 541-549; Allan E. Johnson,

“The Methods and Presuppositions of Patristic Exegesis in the Formation of the Christion Personlity,” Sial 16 (3, 1966). pp. 186-190; and T.J. Towers, “The Value of the Fathers,” CQR, July-September 1965, pp. 291-302. Metropolitan Demetrils Trakatellis (Athens: Apostolike Diakonia, 1996)

[3]Jaoslav Pelidan, Christianity and Classical Culture, p. 221

[4] يغطي الجزء الأول القرون الثلاثة الأولى والتقليد الإسكندري من القرن الخامس لغاية كيرلس.

[5] pp. 22-58. See also: Brevard S. Childs, Biblical Theology of the Old and New Testament, pp. 31-39

[6] The Prophet from Nazareth (Athens: Parisianos, 1973).

[7] انظر أيضاً الفصل الثاني لموقف الآباء من سلطة الكتاب.

[8] Homilies on the Gospel of John, 68.2. See also: R. C. Hill, “St John Chrysostom and the Incarnation of the Word in the Scripture, ” pp. 34-38.

[9] بحسب الكبادوكيّن، حرية الله من الَدَر وكل ضرورة ملزمة تؤكد أن لا يمكن أن يكون هناك تضارب أساس بين التدبير الإلهي وحرية الإنسان تماماً كما أنه لا يكن أن يكون هناك تضارب دائم بين العقل الصحيح والإيمان الصحيح. أنظر:

  1. Pelikan, Christianity and Classical Culture, p.216.

[10] The Ascetical Homilies of Saint Isaac the Syrian, trans. Holy Transfiguration Monastery (Boston: Holy Transfiguration Monastery, 1984), Homly 27, p. 133 and Homily 28,p.39.

[11] H. Chadwick, “The Bible and the Greek Fathers, “In The Church’s Use of the Bible,p39

[12] Mark Santer, “Scripture and the Councils,” Sob 7 (2, 1975). Pp 109-110

[13] From H. Chadwick , Early Christian Thought and the Classical Tradition, p. 39.

[14] R. M. Grant, “The Appeal to the Early Fathers, ” JTS 11 (1, 1960), pp. 13-24, reprinted in R. m. Grant, After the New Testament: Studies in Early Christian Literature and Theology (Philadephia: Fortress, 1967). For the Wider scope, see J. Pelikan, The Christian tradition, Vol. 2: The Spirit of Easter Christendom (Chicago: University of Chicago Press, 1974), pp. 8-36 on “The Authority of the Fathers

[15] Oscat Cullmann, Peter: Disciple, Apostle, Martyr, trans. F. V. Filson (Now York: Meridian Books, 1964), pp. 158-162

[16] Modem editors of such serie include J. Carmer, H. Lietzmann, K. Staab, J. Reuss and pters Collections in English translation have compiled by Johanna Manley, ed. The Bible and The Holy Fathers for Ortholox: Daily Scripture Readings and Commentary (Menlo Park: Monastery Books, 1990), and by the same, Grace for Grace: The Psalter and the Holy Fathers (Menlo Park: Monastery Books, 1992).

[17] The information on St. Photios is froom an unpublished paper by my colleague Nicholas P. Constas.

[18] H. R. Percival, ed, The Seven Ecumenical Council in The Nicene and Post-Nicene Fathers, Vol. 14 (Grand Rapids: Eedermans, 1991) pp. 374-475.

بعد هذا التاريخ بحوالي ألف سنة، وبسبب الإصلاح والخوف من الإرساليات البروتستانتية، أصدر البطريك إرميا الثالث رسالة في العام 1723 منع فيها الأرثوذكس حتى قراءة الكتاب المقدس. هذا ليس موقفاً أرثوذكسياً نهائياً إنما هو عمل رعائي طارئ لحماية المؤمنين في ذلك الوقت حيث افتقدت الكنيسة الحرية ووسائل تعليم أبنائها.

[19] Symeon the New Theologian: Discoures, trans. C.J. deCatanzaro, published in the series The Classics of Western Spirituality (New York: Paulist, 1980).

انظر أيضاً الفصل السابع والملحق الثاني.

[20] R.P.C. Hanson, Allegory and Event (London: SCM Press, 1959); G. W. H. Lampe and Woolcombe, Essays on Typology (Naperville: Allenson, 1956); G. A. Garrois, The Face of Chrisy in the Old Testament (Creestwood: St, Bladimir’s Seminary Press, 1974); and the study by Panagopoulos. See also the handbooks on patristic exegesid cited above. Note 1.

[21] Epistle of Barnabas 3.3: 9.4-5; 10. 1-4; 16.7 English translation by R. A. Kraft, Barnabas and the Didache in The Apostolic Fathers: A New Transaltion and Commentary, Vo. 3, ed, R. M. Grant (New York; Thomas Nelson, 1965)

[22] لاحقاً، بين الكبادوكيّين، غريغوريوس النيصصي كان مجازياً بشكل خاص من دون أن يخسر رؤيته حقيقة الكتاب المقدس التاريخية. J. Pelikan, Christianity and Classical Culture, p226 ويشير أيضاً Pelikan إلى أن باسيليوس أخا غريغوريوس كان على عكس ذلك من منتقدي المجازية ويورد قوله: “بالنسبة إلي: العشب هو العشب، النبات، السمك، الوحوش، الحيوانات الأليفة، آخذها كلها بمعناها الحرفي.

[23] Dialogue with Trypho 40.1.

[24] في الحوار مع تريفن، يعدد يوستينوس الشهيد الكثير من هذه الأمثال: يدا موسى الممدودتان كرمز للصليب (Dial. 90.4)، يعقوب كرمز للمسيح (140.1)، امرأتاه ليئة وراحيل كرمزين لليهود والمسيحين. انظر أيضاً Dialogue with Trypho 40.1; 42.1; 53.1,4.

[25] L. Goppelt, Tupos: The Tupological Interpretation of the Old Testamentin the New. Trans. D. H. Madvig (Grand Rapids: Eerdmans, 1982).

[26] J. Pelikan, Christiantiy and Classical Culture, pp. 222-224.

[27] J. Pelikan, “The Spiritual Sense of Scripture: The Ecegetical Basis for St. Basil’s Doctrine of the Holy Spirit,” pp. 337-360. See also Above, n.23.

[28] See: K. Froehlich, PP 85-88; John Breck, “Theoria and Orthodox Hermeneutics. “SVTQ 20 (4. 1976), pp. 195-219 and Chapter 2 of his book the Power of the Word: Andrew Louth, The Origins of the Christian Mystical Tradition: From Plato ti Denys (Oxford: Clarendon, 1981): by the same,

Discerning the Mystery: An Essay on the Nature of Theology (Oxford: Clarendon, 1983); K. Ware, “Ways of Prayer and Contenplation: Eastem,” Christian Spirituality: Origins to the Twelfth Century, ed, B. McGinn and others (New York: Crossroad, 1987), pp. 399-402; and Panagopoulos, ‘H’## pp. 42-43.

[29] Holy Transfiguration Monastery, The Ascetical Homilies, Homily 1, P.6.

[30] G. Weindenfeld, ed., St. Ambrose: Select Works and Letters (New York, 1900), pp. 8-9.

[31] Symeon the New Theologian: The Discoures, pp. 261-266. في الملحق الثاني لهذا الكتاب.

[32]See J. Pelika, Christianity and Classical Culutre, p. 128.

[33] From his Work The Souk and the Resurrictibn, a dialogue between Gregory and his sister Makrina, quoted by S. J. Dennin-Bolle, “Gregory of Nyssa: The Soul in Mystical Flight, “GOTR 34 (2, 1989), p.102.

[34] قد يكون المثال الأكثر شهرة هو تردد القديس باسيلوس في تأكيد كمال ألوهية الروح القدس على أساس عدم وضوح الحجة الكتابية وتأكيده اللاحق هذه الحقيقة في جهاده ضد الأفنوميّين وتحت ضغط أفكار صديقه غريغوريوس اللاهوتيّ.

اباء الكنيسة والكتاب المقدس – تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم

التجسد – نماذج لكتابات الآباء في الأمور اللاهوتية

التجسد – نماذج لكتابات الآباء في الأمور اللاهوتية

للقديس كيرلس السكندريّ

كيف تَمّ التجسد؟

التجسد – نماذج لكتابات الآباء في الأمور اللاهوتية

التجسد – نماذج لكتابات الآباء في الأمور اللاهوتية [1]

مفهوم كلمة “صار”:

“الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا”، “صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ” (في7:2)[2].

كلمة “صار” يُفسّرها الهراطقة أنها تعني تغيّرًا وتحوّلاً، مثل ما جاء عن امرأة لوط “وَنَظَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ!” (تك26:19)، أو ما قيل عن عصا موسى عندما “طَرَحَهَا إِلَى الأَرْضِ فَصَارَتْ حَيَّةً” (خر3:4)، ولكن هذا المعنى لا ينطبق على كلمة “صار” في عبارة “الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا، لأن الله لا يتغير “لأنِّي أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ” (ملا6:3)، “يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسً وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ” (عب8:13)، “الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْييرٌ وَلاَ ظِلٌّ دَوَرَانٍ” (يع17:1)، فالادعاء بأن معنى كلمة صار هو تغيير هرطقة وجهل.

يؤكذ القديس كيرلس أن كلمة “صار” تعني أن الكلمة الابن الوحيد الإله الذي وُلد من الله الآب “الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ” (عب3:1)، هو الذي صار جسدًا لكن…

دون أن يتحوّل إلى جسد

فوُلد كإنسان بطريقة معجزيّة من امرأة؛ لأنه لم يكن ممكنًا بالمرَّة أن نرى الله على الأرض في شكله غير المنظور، لأن الله لا يُرَى فهو غير مرئيّ، وطبيعته غير محسوسة، لكن حسن في عينيه أن يتجسد، وأن يُظهر في ذاته وَحْدَة؛ كيف يمكن أن تتمجد طبيعتنا بكل أمجاد اللاهوت، لأنه هو نفسه إله وإنسان “شِبْهِ النَّاسِ” (في7:2)، فالله الذي ظهر في شكلنا وصار في صورة عبد؛ هو الرب وهذا ما نعنيه بأنه “صار جسدًا”، ولذلك نؤكد أن العذراء هي “والدة الإله”.

الهراطقة يحرّفون معنى كلمة “صار”:

يستخدم الهراطقة قول معلّمنا القديس بولس الرسول “اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا” (غل13:3)، ويقولون إنه لم يصر لعنة فعلاً، وفي الواقع لم يصر خطية، وأن هذا التعبير “صار” تستخدمه الأسفار المقدسة وتعني به شيئًا معنويًّا وهو أيضًا المقصود من عبارة “الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا”، فهي (حسب قولهم) لا يُعني أنه فعلاً تَجسّد، بل أنه بأعمال عملها في الجسد، وهذا هو معنى آخر لكلمة “صار”.

العلاقة بين “صار لعنة” و”صار جسدًا”:

يقول معلّمنا القديس بولس الرسول “الْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ” (غل13:3)، فالذي لم يعرف خطيّة صار لأجلنا خطية، بأن “صار لعنة لأجلنا”. فكيف حدث هذا فعلاً في الوقت الذي فيه تَجسَّد الابن الوحيد وصار جسدًا؟.

أن كلمة “صار” تحتوي على الحقائق الخاصة بـ التجسد، وكل ما حدث له تدبيرًا عندما أخلى ذاته إراديًّا، فالجانب المعنويّ لكلمة “صار” يجب أن يكون له أساس في الواقع، وليس صحيحًا أنه يوجد معنى آخَر لكلمة “صار”، ولا أن نقول أن “الكلمة صار جسدًا” بطريقة معنوية، مثلما أنه صار لعنة وخطية بطريقة معنوية أيضًا!!.

  • صَارَ آدَمُ الإنسان الأوَّلُ نفْسًا حيًّا وَآدَمُ الأخِيرُ رُوحًا مُحْييًا. (1كو45:15)

هل يمكن استخدام الجانب المعنويّ لكلمة “صار”؟ وهل يصلح الجانب المعنويّ فقط للقضاء على اللعنة والخطية؟

بكل تأكيد لا، فقد جاء آدم الثاني، لكي يجدّد الوضع القديم، أي لا يُبقي الإنسان نفسًا حية فقط، ولذلك صار هو روحًا محييًا، أما الهراطقة فعندما غيّروا معنى كلمة “صار” أفقدوها قوتها، وعندما قالوا إنه لم ير “لعنة” فقد أدى هذا في النهاية إلى حتمية إنكار التجسد، وإنكار حقيقة أن الكلمة صار جسدًا، وإذا أخذنا الجانب المعنويّ كمبدأ نفسر به سرّ التدبير كله، فإننا نصل في النهاية إلى أن المسيح لم يُولَد، ولم يَمُت، ولم يقم حسب الكتب، وماذا يبقى لنا من “كَلِمَةُ الإيمان الَّتِي نَكْرِزُ بِهَا” (رو8:10)؟.. 

فكيف أقامه الله معنويًّا من بين الأموات إن لم يكن قد مات فعلاً؟ مِن أين يأتي الرجاء الحيّ بعدم الموت إلاَّ إذا كان المسيح قد قام حقًا؟ وكيف تتم قيامة أجسادنا إلاَّ بالاشتراك في جسده ودمه؟

اتحاد اللاهوت بالناسوت[3]:

التجسد هو اتحاد اللاهوت بالناسوت اتحادًا دائمًا، ليس صلة ولا مصاحبة ولا علاقة.

“الكلمة صار جسدًا كما يقول يوحنا اللاهوتي، لقد اتحدت الطبيعة الإلهية المحيّية بالطبيعة البشرية الأرضية اتحادًا لا يُفسر ولا يُفقه. ونحن نفهم من ذلك أن عمانوئيلاً واحدًا ظهر من الطبيعتين بدون أن يخرج من حدود ألوهته بسبب الجسد الذي اتخذه”[4].

الله اتخذ ناسوتًا كاملاً له نفس وروح وجسد في أحشاء العذراء “وِلِكِنْ لِمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَمَانِ، أَرْسَلَ الله ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنْ امْرَأَةٍ، مضوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ” (غل4:4).

الهراطقة يفسرون التجسد كالآتي: إنسان قبل بنوته الله؛ تمتْ بينه وبين لاهوت الابن ثمة مصاحبة، بين لاهوت الابن وبين الإنسان الذي أعده؛ لكي يتألم كما يتألم اللشر، وأقامه من بين الأموات وأصعده إلى السموات، وهو يقبل العبادة لأنه التصق بالطبيعة الإلهيّة.

كما يقولون إن ابن الله الكلمة لكونه اتصل بهذا الإنسان المولود من مريم، صار هذا الإنسان يشترك في الاسم وفي الكرامة مع الابن، لذلك لا يوجد ابنانِ بل الابن الذي هو بالطبيعة اتصل بد بدون افتراق.

رد القديس كيرلس:

مَنْ أعبد؟! بكل يقين أعبد الكلمة الذي تَجسّد، وهو نفسه إله كامل، سرمديّ كائن منذ الأزل، لأن الإله المتجسد المولود جسديًا من امرأة تحتالناموس في الزمان، هو نفسه الأزليّ، اتخذ لنفسه صورة عبد.

نماذج لكتابات الآباء في الأمور اللاهوتية… التجسد

التجسد

يقول القديس كيرلس إن تعاليم الهراطقة يؤدي إلى ما هو عكس التجسد :[5]

لكن تعاليم الهراطقة تقول إن الإنسان هو الذي ارتفع بمصاحبته لله، أي أن الإنسان هو الذي ارتفع وجلس مع الآب في الأعالي، فكيف يقال عن هذا الإنسان الذي ارتفع وجلس مع الآب في الأعالي، فكيف يقال عن هذا الإنسان الذي هو أصلاً عبدٌ “أخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ” (في7:2)”.؟!

مفهوم الهراطقة مبنيّ على أساس الخرافات اليونانية القديمة، التي تعتمد على تأليه الملوك وأبطال الحروب، الإنسان الذي وُلد من العذراء ثم اتصل أو صاحب اللاهوت بشكل عارض ثم مات وقام وصعد إلى السموات وكافأه بعرس الألوهة.

في مفهوم الهراطقة: مَن نعبد؟ نعبد الإنسان البسيط الذي هو مثلنا تمامًا لكنه اتصل اتصالاً عارضًا بالابن الكلمة! هل الإنسان الذي تأله هو فوق كل سلطان وكل مجد وكل رئاسة؟!

يقول معلمنا داود النبيّ “اِلْتَصَقَتْ نَفْسِي بِكَ. يَمِينَكَ تَعْضُدُنِي” (مز8:63)، ويقول معلمنا القديس بولس الرسول “وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ” (1كو17:6)، “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟” (1كو16:3).

فهل هذه الآيات تجعلنا آلهة مساوين للإنسان المتأله في نظر الهراطقة؟

في العقيدة الأرثوذكسية السليمة نجد أن اتحاد اللاهوت والناسوت لا تناسبه سوى كلمة “اتحاد” تعني عنصرين اتحدا معًا وصارا واحدًا، ونتيجة لهذا الاتحاد الطبيعيّ الأقنوميّ “اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ” (1تي16:3)، ونطلق الألفاظ الإلهيّة الرفيعة كالأزليّة والوجود في كل مكان، وكلا الألفاظ البشرية والإلهيّة تُطلق على الإله المُتجسد ذي الأقنوم الواحد.

-“مع الخلاف القائم بين الطبيعتين المتحدتين في وحدة حقيقية، لا يوجد إلا مسيح وابن وحيد. لم يُلغِ الاتحاد ما بين الطبيعتين من اختلاف، ولكنّ الألوهة والبشرية هما في سيدنا المسيح الواحد. بعمل إلهي لا يمكن التعبير عنه”[6].

وما يُقال عن المسيح من أنه كان “يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَة عَنْدَ اللهِ وَالْنَاسِ” (لو52:2)، فهذا يخص التدبير، لأن كلمة الله سمح لبشريته أن تنمو حسب خواصها وحسب قوانينها وعاداتها. ومع ذلك تكلّموا عنه “كَيْفَ هَذَا يَعْرِفُ الْكُتُبَ وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ؟” (يو15:7)، فالنمو يحدث للجسد، كما أن التقدم في النعمة والحكمة يناسب مقاييس الطبيعة البشرية، وهنا يلزمنا أن نؤكد أن الله الكلمة، المولود من الآب، هو نفسه كليّ الكمال لا ينقصه النمو أو الحكمة أو النعمة، بل إنه يُعطي للمخلوقات الحكمة والنعمة وكل ما هو صالح[7].

مفهوم الاتحاد:

قد يَعني الاتحاد، مجموعة اناس مختلفي الرأي اتحدوا بمعنى التقوا بفكر واحد، أو الاتحاد في الكيمياء يُقصَد به امتزاج أو خلط محاليل معًا، بينما الاتحاد الذي تم بتجسد الله الكلمة هو حقيقة وسرّ يفوق الفهم البشريّ الأمر الذي حاول القديس كيرلس أن يشبهها بإتحاد نفس الإنسان بجسده.

كيفية اتحاد نفس الإنسان بجسده:

“من اللائق أن نعتقد أن اتحاد اللاهوت بالناسوت، هو مثل اتحاد نفس الإنسان بجسده، فلا يستطيع أحد أن يفهم كيفية هذا الاتحاد، النفس تجعل صفات الجسد كما هي، كما أنها لا تُشارك الجسد آلامه المادية ولا تشارك الجسد رغباته؛ قد تحزن النفس لآلام الجسد ولكنها لا تشاركه الآلام، ورغم ذلك تجعل النفس الأشياء التي للجسد هي لها[8].

ومع هذا يلزم أن نقول إن الاتحاد في عمانوئيل هو أسمى من أن يشبه باتحاد النفس بالجسد، لأن النفس المتحدة بجسدها تحزن مع جسدها وهذا حتمي، حتى أنها عندما تقبل الهوان تتعلّم كيف تخضع لطاعة الله. أما بخصوص الله الكلمة فأنه من الحماقة أن نقول أنه كان يشعر – بلاهوته – بالاهانات، لأن اللاهوت لا يشعر بما نشعر به نحن البشر وعندما اتحد بجسد له نفس عاقلة وتألم لم ينفعل – اللاهوت – بما تألم به، لكنه كان يعرف ما يحدث له”.

[1]  شرح تجسد الابن الوحيد – 1412 – 1369 PG 75,

[2]  القديس كيرلس الإسكندريّ – المسيح واحد – مؤسسة القديس أنطونيوس – مركز دراسات الآباء القاهرة 1987 – ص20-24.

[3]  القديس كيرلس الإسكندريّ – المسيح واحد – مؤسسة القديس أنطونيوس – مركز دراسات الآباء القاهرة 1987 – ص 37-38.

[4]  العظة الفصحية 18.

[5]  القديس كيرلس الإسكندريّ – المسيح واحد – مؤسسة القديس أنطونيوس – مركز دراسات الآباء بالقاهرة 1987 – ص57-61.

[6]  الرسالة 4.

[7]  يقول القديس كيرلس “الله الكلمة أخلى نفسه! لأن الأشياء التي كُتبت عنه كإنسان تُظهر طريقة إخلاؤه لأنه كان أمرًا مستحيلاً بالنسبة للكلمة المولود من الله أن يسمح بمثل هذه الأشياء أن تكون في طبيعته الخاصة، ولكن حينما صار جسدًا أي صار إنسانًا مثلنا، فإنه حينئذٍ وُلِد حسب الجسد من امرأة.

وقيل عنه أنه كان خاضعًا للأمور التي تختص بحالة الإنسان، ورغم أن الكلمة لكونه إله كان يستطيع أن يجعل جسده يبرز من البطن في قامة رجل ناضج مرة واحدة، إلاَّ أن هذا لو حدث لكان أمرًا غريبًا جدًا واعجازيًا، ولذلك فإنه جعل جسده يخضع لعادات وقوانين الطبيعة البشرية …

وهكذا أيضًا قيل عنه إنه “كان يتقدم في الحكمة”، لا كمن ينال مؤوات جديدة من الحكمة – لأن الله معروف بأنه كامل تامًا في كل شيء ولا يمكن بالمرَّة أن يكون ناقصًا في أي صفة مناسبة للاهوت – بل ازدياده في الحكمة هو سبب أن الله الكلمة أظهر حكمته بالتدريج بما يناسب مرحلة العمر الذي يبلغها الجسد. إذًا فالجسد يتقدم في القامة والنفس تتقدم في الحكمة، لأن الطبيعة الإلهية غير قابلة للإزدياد لا في القامة ولا في الحكمة، إذ أن كلمة الله كامل تمامًا.

لذلك فإنه لسبب مناسب ربط بين التقدُّم في الحكمة ونمو القامة الجسدية، بسبب أن الطبيعة الإلهية أعلنت حكمتها الخاصة بما يتناسب مع قامت النمو الجسديّ – تفسير إنجيل لوقا – القديس كيرلس السكندريّ – مركز دراسات الآباء – الطبعة الثانية 2007 – ص52،51.

[8]  اتحاد اللاهوت بالناسوت بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، اللاهوت لا يتألم ولكنه كان يعرف ماذا يحدث لجسده.

التجسد – نماذج لكتابات الآباء في الأمور اللاهوتية

كتابات الآباء في العلوم اللاهوتية حتى القرن الرابع

كتابات الآباء في العلوم اللاهوتية حتى القرن الرابع

كتابات الآباء في العلوم اللاهوتية حتى القرن الرابع

كتابات الآباء في العلوم اللاهوتية حتى القرن الرابع

الآباء المدافعون Apologists (القرن الثاني) الذين كتبوا دفاعًا عن المسيحيين، وقدموها للولاة الوثنيين الذين كانوا يتهمّون المسيحيين بقضايا أخلاقية، وبأنهم من آكلي لحوم البشر، وعدم ولائهم للحكام.

ومن أشهر الآباء المدافعين:

  1. يوستينوس الشهيد (استشهد عام 165 م):

كرَّس يوستينوس ذاته لنشر الديانة المسيحيّة والدفاع عنها، فذهب إلى روما حيث فتح هناك مدرسة، وكان يتخذ الفلسفة وسيلة للتبشير بالمسيحيّة والدفاع عنها، وكان يعقد مقابلات متكرّرة مع اليهود والوثنيين حيثما التقى بهم وكذلك مع الهراطقة، وفي هذه المناقشات أظهر صبرًا وثباتًا عجيبين.

أهم أعماله التي قدَّمها للمسيحية في ذلك الوقت هو دفاعه عام 152 م، فدفاعه الأول (68 فصلاً) والثاني (25 فصلاً) قدمهما إلى الإمبراطور أنطونيوس بيوس وابنه الإمبراطور مرقس أوريليوس، وحواره مع تريفو Trypho اليهودي.

وكان دفاعه مليئًا بالشجاعة والكرامة والإنسانية، فقد كان اتجاهه في دفاعه هو عدم التوّسل أو الخوف من القوة الغاشمة، وحواره مع تريفو اليهوديّ (142 فصلاً) هو عبارة عن مناظرة مع يهوديّ معتدل طالب للمعرفة، التقى به في مدينة أفسس، وقد استغرقتْ هذه المناظرة يومين، ويلاحظ أن يوستينوس في دفاعه الذي قدَّمه يبدو كفيلسوف يحدث فلاسفة، أما في حواره مع تريفو فكمؤمن بالعهد القديم إلى ابن من أبناء إبراهيم.

  1. أثيناغوراس الفيلسوف (القرن الثاني):

كان فيلسوفًا يرأس إحدى كراسيّ الأكاديمية “الموزيم Museum” بالإسكندرية، أكبر مدرسة فلسفية علّمية في الشرق في ذلك الحين، تنافس مدرسة أثينا، وكان يعتبر من أساطين الديانة الوثنية، بعد دخوله المسيحيّة صار مدير مدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة من رجال القرن الثاني الميلاديّ (177م)، كتب دفاعه أو التماسه أو شفاعته (إبريسفيا) عن المسيحيّة، وقدَّمه إلى الإمبراطور مرقس أوريليوس، تلمس في كتابَاته العقل الفلسفيّ الذي هذبته الثقافة اليونانية مع مَلَكَة رائعة في الكتابة[1].

  1. القديس إيريناؤس أسقف ليون (140-202م):

أحد رجال الكنيسة العظام في القرن الثاني، وضع أساس علم اللاهوت المسيحيّ الغربيّ، فهو أول لاهوتي يُؤكّد على الدور اللاهوتيّ للكنيسة، وعلى دور قانون الكتاب المقدس، وعلى التقليد العقائديّ واللاهوتيّ، لذا دُعي “أب اللاهوت المسيحيّ”، “أب التقليد الكنسيّ”.

أظهر غيرة صادقة على الحفاظ على الإيمان المستقيم، مقاومًا الهرطقات خاصة الغنوسية والمونتانية، للأسف فُقدتْ أغلب كتاباته اليونانية، لكن عثر على الترجمة اللاتينية لخمسة كتب له باسم “ضد الهرطقات”، كما عثر أخيرًا على ترجمة أرمنية لكتابه “برهان الكرازة الرسوليّة”، يشرح فيه العقيدة المسيحية ثم يثبت صحتها من خلال العهد القديم هذان العملان نجد فيهما وحدهما عناصر النظام اللاهوتيّ المسيحيّ الكامل.

  1. القديس هيبوليتوس الرومانيّ (170-235م):

وهو كاتب ماهر يستخدم اللغة اليونانية، صار لاهوتيًّا متميزًا في كنيسة روما، يرى البعض أن القديس هيبوليتس يماثل القديس إيريناؤس في العلوم اللاهوتية، والعلاَّمة أُوريجانوس كدارسٍ، وترتليان في رؤيته للأمور، لكنه أقلّهم جميعًا من جهة الأصالة وتقديم ما هو جديد، أهم عمل يُنسَب للقديس هيبوليتس هو “تفنيد كل الهرطقات Refutation of all heresies أي تلك التي وُجدتْ أصولها في المدارس الفلسفية اليونانية. كذلك كتب “ضد كل الهرطقات” يقاوم فيه 32 هرطقة.

  1. القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة (200-258م):

كان كبريانوس رجل رعاية أكثر منه رجل علوم لاهوتية، فلم يكتب لأجل البحث في الأمور اللاهوتية، وإنما ليعالج مشاكل رعويّة وكنسيّة عمليّة تسد احتياجات الشعب حسب الظروف التي عاشت فيها الكنيسة في قرطاجنة، من أشهر مؤلفاته “وَحْدَة الكنيسة De ccelediae untate“، وله أيضًا مجموعة رسائل متنوعة، من بينها رسالة عنوانها “الرد على ديمتريانوس” يؤكد فيها أن المسيحييّن ليسوا مسئولين عما حلّ بالعالم من ويلات الحروب والأوبئة، فالعالم شاخ وانحطّ فقلّ خصبه ونتاجه..

والذنب في ذلك ليس ذنب المسيحييّن بل هو ذنب الوثنيين الذين أخطأوا وارتكبوا المُوبِقَات (كبائر المعاصي) واضطهدوا المسيحييّن، فأثاروا بذلك غضب الله واستحقوا القصاص، كما كتب مقالة عنوانها “حثَّ على الاستشهاد” موجّهة إلى فورتوناتوس Fortunatus من ثلاثة عشر فصلاً.

  1. العلاّمة ترتليانوس (160-240م):

كاهن قرطاجنة، أب علم اللاهوت في الكنيسة اللاتينية، قدَّم مخزنًا غنيًّا من الكتابات الفلسفيّة والتاريخيّة والجدليّة الدفاعية والعمليّة، وكان في كتاباته معادًّا للفلسفة على خلاف أغلب آباء مدرسة الإسكندرية في عصره، الذين رأوا في الفلسفة وسيلة لكسب الفلاسفة واليونانيين للإيمان..

كما قدَّم مصطلحات لاهوتيه، ويُعتبَر أحد المدافعين المسيحييّن الأوائل، فيما يخص كتاباته الدفاعية كتب “رسالة إلى الأممين الوثنيين”، و”رسالة الدفاع أو الاحتجاج”، “والرَّد على اليهود”، وبه في الدفاع عن الاستشهاد رسالة دعاها “ترياق العقرب”، وحضّ على الاستشهاد والصبر على الاضطهاد في رسالة دعاها “إلى الشهداء”، يُعتبر من الهراطقة لانضمامه إلى المونتانيين للأسف، حيث سقط في بدعة المونتانيين Montanism ما بين سنتي 202، 205م..

إذ ادَّعى مونتانيوس أنه البارقليط الموعود به في الإنجيل، حيث يقول عنه جيروم “لا استطيع أن أقول عن ترتليانوس إلاَّ أنه لا ينتمي إلى الكنيسة”.

من آباء ومعلمين مدرسة الإسكندرية في القرنين الثاني والثالث:

  1. أكلِمَنْضُس السكندريّ (150-215م):

أهم كتاباته ثلاثة كتب دُعيتْ “ثالوث أكْلِمَنْضُس” تمثل منهج مدرسة إسكندرية، وهي:

  • نصائح لليونانيين Perotrepticus: وهو دعوة لترك الوثنية وقبول الإيمان المسيحيّ بواسطة المسيح.
  • المعلِّم Paedagogas: وهو دعوة لتحويل الإيمان إلى عمل لنكون مشابهين لابن الله، وتحت قيادته إذ هو المعلِّم الوحيد.
  • المتفرقات Stromata: كتابات غايته التمتع بالمعرفة الروحيّة الفائقة، وهو غاية المسيحيّ؛ وذلك خلال اتحاده بالمسيح كعريس للنفس.

له كتب أخرى مثل: مَن هو الغني الذي يخلص؟ والمجمل، ورسالة عيد الفصح.

  1. العلاّمة أوريجانوس (185-254م):

وضع مؤلفات كثيرة وكان لها شهرة جبارة، إذ يُقدِّر جيروم كتابات أوريجانوس بألفي (2000) مُجَلَّد، ويُعلِّق جيروم بقوله مَن منا يقدر أن يقرأ كل ما كتبه، بينما يذكر إبيفانيوس ستة آلاف مجلد، كتب أيضًا كتاب “عن المباديء De Prircipiis” الذي يعتبر أول منهج لاهوتيّ مسيحيّ، مناقشة مع هيراقليدس “ضد كالسس”…

  1. البابا ديونيسيوس الرابع عشر (180-261م):

تتلمذ على يدي العلاَّمة أوريجانوس، وصار أحد كواكب مدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة اللامعين، لقبه القديس أثناسيوس “معلِّم الكنيسة الجامعة”، تُعتَبر كتابات البابا ديونيسيوس حجة في اللاهوتيّات، له كتابات كثيرة لكن للأسف لم يبقَ منهت إلاَّ شذرات حُفظت خلال كتابات يوسابيوس وأثناسيوس وغيرهما، وكما يقول Neale: “فقدان كتابات ديونيسيوس هي إحدى الخسائر العظمى التي لحقت بالتاريخ الكنسيّ”، فله كتابات عن الطبيعة وعن المواعيد، تفنيدًا ودفاعًا كذلك له رسائل دفاعية، كما ساهم في الرد على سابيليوس.

ومن آباء القرن الرابع:

  1. البابا أثناسيوس الرسوليّ (328-373م):

كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ عن “تجسّد الكلّمة”، كما كتب “شرح الإيمان” كما وضع كتابات دفاعية منها “ضد الوثنيين” دفاع عن الإيمان المسيحيّ ودحض للوثنية، كذلك له مؤلفات لمقاومة الأريوسية، فكتب “الرّد على الأريوسيين”، كما أن له ثلاث رسائل في الرد على الآريوسيين (356-358)، دفاع عن مجمع نيقية 325م، الدفاع المقدم للإمبراطور قسطنتيوس، تاريخ الآريوسية، ضد الآريوسية..

كما أن له كتاب دافع فيه عن هروبه من مضطهديه، كما كتب وعن ألوهة الروح القدس، وأرسل خطابات إلى أساقفة مصر وليبيا ولوسيفر أسقف كالاريس (كاجلياري بجزيرة سردينيا غرب إيطاليا) وإلى الرهبان المصرييّن، وخمس رسائل عقائدية للقديس سيرابيون أسقف طمويه (تمي)، وهي خطابات في ألوهية الروح القدس، من أهمية أقوال وكتابات القديس أثناسيوس كان هناك قولاً شائعًا “أنه إذا وجدت عبارة من أقوال القديس أثناسيوس ولم تجد ورقة لتكتبها، فأكتبها على قميصك في الحال”.

  1. القديس هيلاري أسقف بواتيه (315-367م):

يُدعَى القديس هيلاري “أثناسيوس الغرب”، فقد كرز وكتب واحتمل النفي دفاعًا عن ألوهية السيد المسيح، كتب مؤلفه المشهور “عن الثالوث القدوس On the Trinity، غالبًا ما كتب الفصول الثلاثة الأولى قبل عام 356م في منفاه، ويتضمن 12 كتابًا، تناول فيها التفسير السليم للآيات التي اعتمد عليها الأريوسيين، لدرجة أنه خصص الكتاب الثاني عشر كله عن آية واحدة وهي “الرب قناني أول طريقه من قبل أعماله منذ القدم” (أم22:8).

وفي منفاه كتب أيضًا “عن المجامع” حيث أوضح شروحات قوانين الإيمان، كذلك من أهم أعماله كتاب “عن الإيمان De fide، لقد أوضح أن وجود الله يمكن التعرّف عليه بالعقل، وأما طبيعة الله فلا يمكن إدراكها، كما أن معرفة الثالوث تتحقق بواسطة إعلان الابن، يقول الابن: “أنا فيك وأنت فيّ” (يو4:14)، ويعلّم هيلاري أن للروح القدس سمات الآب والابن ذاتها.

  1. القديس مارِ أفرام السريانيّ (303-373م):

أغنى القديس مارِ أفرام السريانيّ المكتبة المسيحيّة بكتاباته المنظومة شعرًا وأيضًا المنثورة، وهي لا تقل عن ثلاثة ملايين من الأسطر، ضمتْ شرحًا للأسفار المقدسة كلها، كذلك موضوعات الجدل الدينيّ، وبعض مقالات ورسائل مع ميامر وتسابيح.

له كتابات في اللاهوت المقارن، كما كتب 56 مدراشًا (نشيدًا) ضد هرطقات برديصان[2] وماركيون وماني. كذلك كتب 87 نشيدًا في الإيمان ضد الآريوسيين، وهاجم في أربعة منها يوليانوس الجاحد.

كما كتب خطبة عن “سيدنا” تناول فيها ألوهية السيد المسيح وفدائه للبشر، وكتب أشعارًا كثيرة عن العذراء يتغنى ببتوليتها، وحقيقة كونها والدة الإله[3].

  1. القديس باسيليوس الكبير (329-379م):

كتب كتابًا “ضد افنوميوس” تناول فيه 15 آية من التي يعتمد عليها الأريوسيون، كذلك كتب عن “ألوهة الروح القدس” في 30 فصلاً، وعن أيام الخليقة الستة.

  1. القديس كيرلس أسقف أورشليم (315-386م):

تُعتَبر أهم كتابات القديس كيرلس الأورشليميّ “مقالات للموعوظين”، وهي 24 مقالاً، الأولى مقدمة و23 أخرى، ومن هذه المقالات 18 أُلقيت في فترة الصوم على المستعدين للعماد، ربما عام 350م في كنيسة القبر المقدس، أُلقيت شفاهًا وسجّلها أحد السامعين…

هذه المقالات لها أهميتها العظمى كشاهد لطقس المعمودية ومفهومها اللاهوتيّ في القرن الرابع، كذلك خمسة مقالات عن الأسرار، فقد أُلقيت على المعمّدين حديثًا خلال الأسبوع الأول من عيد القيامة، تشرح ليتورجية الأسرار الثلاثة التي تمتّعوا بها في ليلة العيد وهي: العماد والميرون والتناول[4].

  1. القديس إغريغوريوس الناطق بالإلهيات (329-390م):

كتب مقالات ضد افنونيوس، وضد يوليانوس الجاحد، كذلك له خمس مقالات لاهوتية، في الأولى يتحدث عن أصول التعاليم اللاهوتية بطريقة سليمة، فيشدّد على الإيمان والطهارة وعجز المنهج الجدلي (dialctique)، وفي الثانية يشدد على أن في العالم نشاهد عظائم الله فقط، وفي الثالثة والرابعة يحارب تعاليم آريوس التي تنادي بأن الابن مخلوق، وفي المقالة الأخيرة يؤكد أن ألوهية الروح القدس، إذ هو سرمديّ مع الآب والابن.

  1. القديس إغريغوريوس أسقف نيصص (330-395م):

كتب كتابًا “ضد افنوميوس” يشمل 12 فصلاً، كذلك كتب ردًا على الكتاب الثاني لأفنوميوس، كما كتب أيضًا ضد البيلاجيين، كما كتب مقال يوضح فيه هرطقة الابولينارية كطلب بابا الإسكندرية تاوفيلس 23، كما كتب “ضد الأبوليناريين”، وله كتابات عن الروح القدس، عن الأرواح، وعن الأسرار.

  1. القديس أمبروسيوس (339-397م):

للقديس أمبروسيوس كتابات عقائدية، وتفسيرية، ونسكية وأخلاقية، وعظات، ورسائل. من كتاباته العقيدية كتاب عن الثالوث القدوس يشرح فيه عقيدة التثليث، ويؤكد ألوهية السيد للرد على الأريوسيين، وآخر عن الروح القدس، وعن سر التجسد الإلهيّ ضد الأريوسيين والأبوليناريين، وعن الأسرار، وعن التوبة ضد أتباع نوفاتيان ليؤكد سلطان الكنيسة في حل الخطايا وضرورة الاعتراف وأهمية الأعمال الصالحة، وكتاب يرثي فيه أخاه يحوي حديثًا عن عقيدة القيامة.

  1. العلاَّمة القديس ديديموس الضرير (313-398م):

نالت كتابات القديس ديديموس مدير المدرسة مدير المدرسة اللاهوتيَّة في عهد البابا أثناسيوس شهرة واسعة، كتب عن الروح القدس ومن شهرته أنه عندما طلب الأنبا داماساس أسقف روما من جيروم أن يضع له كتابًا عن الروح القدس، لم يجد جيروم أفضل من أن يترجم له كتاب القديس ديديموس فترجمه إلى اللغة اللاتينية، كما استخدم القديس أمبروسيوس النص اليوناني كمصدر لكتابه عن الروح القدس[5]..

ويعد كتابه عن الروح القدس أفضل ما كُتب في القرن الرابع الميلاديّ عن الروح القدس وسُمِّيَ القديس ديديموس ب“لاهوتيّ الروح القدس”؛ كتب عن الثالوث: يقع هذا العمل في ثلاثة كتب، وضعها ما بين عام 381 و392، لا تزال موجودة، كتب أيضًا ضد أتباع ماني: يتكون هذا العمل من 18 فصلاً صغيرًا، وهو موجود باليونانية، كما كتب أيضًا “عن الفلسفة” وعن “التجسد”.

  1. القديس إبيفانيوس أسقف قبرص (315-403م):

من أهم كتاباته: كتابَ “المرساة”، كما كتب “ضد جميع الهرطقات” وهو ما يُعرف “خزانة الأدوية” ذكر فيه 80 هرطقة، كما كتب “الرجل الثابت” ردًا على أسئلة بعض الكهنة بخصوص الثالوث والروح القدس[6].

  1. القديس يوحنا ذهبيّ الفم (344-407م):

للقديس يوحنا ذهبيّ القم العديد من الكتابات، معظمها عظات ومقالات منها “في طبيعة الله التي لا يمكن إدراكها”، كذلك كتب في المعمودية للموعوظين، عظات ضد التهود، ضد الوثنيين، ضد يوليانوس، ضد يوليانوس والأمم، في عدم تكرار الزواج، في عناية الله، كما كتب عن الكهنوت، وعن الأسرار.

  1. القديس أغسطينوس (354-430م):

كتب القديس أغسطينوس “في الثالوث” كتبه في 15 جزءًا، كما كتب “في البدع”، “والروح القدس”، كذلك وضع طتبًا في الرد على المانيين (3 كُتب)، والدونايين (17 كتاب)، والبيلاجيين (4 أجزاء)، ضد يوليانوس (6 أجزاء)، وتعرّض في كتاباته لموضوعات عن الله وطبيعته، الخير والشر، كذلك الطبيعة البشريّة وخصائصها، الخطيئة الأصلية، النعمة وعملها، المعمودية، النسك، الزواج.

بلغت كتاباته حوالي 232 كتابًا، كما أن له مقالات فلسفية مثل “الرد على الأكاديميين”، و”الحَيَاة السعيدة”، و”خلود النفس”، وأيضًا أعماله الجدلية ضد اليهود والوثنيين، وضد البيلاجيين وضد الأوريجانيين، كما كتب في النسكيات والأخلاقيّات والموسيقى. كتب أيضًا “مدينة الله” الذي يُعد من أهم كتب القديس أُغسطينوس الدفاعية ضد الوثنية.

  1. القديس كيرلس عمود الدين (475-444م):

تُعتبَر كتابات القديس كيرلس من أعظم ما ورد في الأدب المسيحيّ المبكر، فهي تكشف عن عمق في الفكر، وغنى في الآراء، وتحمل براهين ثمينة وواضحة تؤكد ما للكاتب من قدرة على البصيرة والجدل، تجعل كتاباته من المصادر الأولى لتاريخ العقيدة والتعليم الكنسيّ.

كتب في شرح عقيدة الثالوث القدوس كتابين هما “الكنز في الثالوث القدوس المساوي في الجوهر”، والثاني يتكون من مجموعة كتب باسم “على الثالوث القدوس المساوي في الجوهر” وهو المعروف بـ”حوار حول الثالوث”، كما كتب القديس كيرلس عمود الدين ضد نسطور، فكتب “الحرومات الاثنى عشر ضد نسطور”، وكتب أيضًا “شرح تجسد الابن الوحيد”، “على الإيمان الحقيقيّ”، وكتب ضد سابليوس..

كما كتب ضد يوليانوس الجاحد الذي وضع ثلاثة كتب ضد المسيحيّة “ضد الجليليين”، طعن يوليانوس فيها في ألوهية السيد المسيح وشكّك في أقواله وتعاليمه ومعجزاته، فقام البابا كيرلس بالرّد على هذه الأقوال وفنّدها كلها، وذلك في ثلاثين كتابًا، ولم يكتفِ بذلك بل كتب للإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير يطلب منه جمع كل نسخ كتب يوليانوس وحرقها فكان له ما أراد.

[1] Schmid, Manual of Patrology, P. 97.

[2]  غنوسيًّا اشتهر في نهاية القرن الثاني، ونشر عقائد خرافية في 150 مزمورًا.

[3]  نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 175.

[4]  القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها (ض-م) – 2001 – ص 290.

[5]  فهرس كتابات آباء كنيسة الإسكندرية – الكتابات اليونانية – راهب من الكنيسة القبطية – الطبعة الأولى يناير 2003 – ص 308.

[6]  نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 232.

خدمة التفريغ, يوستينوس الشهيد, أثيناغوراس, أثيناغوراس الفيلسوف, إيريناؤس, إيريناؤس أسقف ليون, هيبوليتوس الرومانيّ, كبريانوس, كبريانوس أسقف قرطاجنة, العلاّمة ترتليانوس, أكلِمَنْضُس السكندريّ, العلاّمة أوريجانوس, ديونيسيوس الرابع عشر, البابا أثناسيوس الرسوليّ, هيلاري أسقف بواتيه, هيلاري, مارِ أفرام السريانيّ, باسيليوس الكبير, كيرلس أسقف أورشليم, إغريغوريوس الناطق بالإلهيات, إغريغوريوس أسقف نيصص, النيصي, أمبروسيوس

كتابات الآباء في العلوم اللاهوتية حتى القرن الرابع

Exit mobile version