لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟
لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟
ما معنى كل هذا؟ ريتشارد فاينمن
لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟ من أين أتى، وإن كان يسير نحو وجهة معينة، فإلى أين؟ وهل الكون في ذاته يمثل الحقيقة النهائية التي لا يوجد أي شيء بعدها أم أن هناك شيئاً ما “أبعد” من الكون؟ أيمكننا أن نسأل “ريتشارد فاينمن” Richard Feynman: «ما معنى كل هذا؟» أم أن “برتراند رسل” Bertrand Russell كان محقاً عندما قال إن «الكون موجود، وهذا هو كل ما في الأمر»؟
إن هذه الأسئلة لم تفقد شيئاً من قدرتها على استنفار الخيال البشري. ونظراً لما يدفع العلماء من رغبة محمومة في تسلق أعلى قمم المعرفة، فقد كشفوا لنا أسرارً مدهشة تسبر أغوار الكون الذي نسكنه؛ فعلى مستوى الأجسام شديدة الضخامة، لدنا تلسكوب “هبل” Hubble telescope الذي ينقل صوراً مذهلة للسماء من مداره الذي يعلو عن الغلاف الجوي.
وعلى مستوى الأجسام متناهية الصغر، نحد الميكروسكوب النفقي الماسح Scanning tunneling microscope يظهر حقائق بالغة التعقيد في عالم الأحياء الجزيئية Molecular biology وما يعج به من الجزيئات الكبيرة Macromolecules الغنية بالمعلومات وما تحويه من مصانع بروتين شديدة الصغر تتميز بقدر من التعقيد والدقة يجعل أرقى التقنيات البشرية تبدو أمامها كل شيء.
هل نحن والكون، وما يزخر به من جمال مجراته وتعقيده البيولوجي الدقيق، لسنا سوى نتاج قوى اعتباطية تؤثر عشوائياً في مادة وطاقة لا عقل لهما، كما يزعم أولئك المعروفون باسم “الملحدين الجدد” New Atheists بقيادة “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins؟ وهل الحياة البشرية هي في النهاية مجرد تجمع لعدد من الذرات ضمن العديد من التجمعات المشابهة التي حدثت بالصدفة، وإن كان ذلك أمراً مستحيلاً؟ وعلى أي حال، ما الذي يميزنا بعد أن عرفنا أننا نسكن كوكباً صغيراً يدور في فلك واحدة من مليارات الشموس التي تقع في مكان ما في ذراع مجرة حلزونية، ضمن مليارات المجرات المنتشرة في الفضاء الفسيح؟
بل إن البعض يقولون إنه ما دامت بعض الخصائص الأساسية للكون، مثل قدرة القوى الأساسية للطبيعة، وعدد ما يمكن ملاحظته من أبعاد المكان والزمان، هي نتاج مؤثرات عشوائية عملت على نشأة الكون، فمن المؤكد وجود أكوان أخرى ذات بنى مختلفة تماماً. أليس من المحتمل أن هذا الكون ليس إلا واحداً ضمن مجموعة ضخمة من الأكوان المتوازية التي تنفصل بعضها عن بعض إلى ما لا نهاية؟ أليس من العبث أن ندعي أن البشر يتميزون بأي قيمة عليا؟ إن حجمهم وسط الأكوان المتعددة Multiverse يمكن أن يكون صفراً.
ومن ثم، فإنه عبث فكري أن نعود للعصور الغابرة عندما كان العلم الحديث يخطو خطواته الأولى حينما كان العلماء أمثال بيكون Bacon، وجاليليو Galileo، كبلر Kepler، ونيوتن Newton، وكلرك ماكسويل Clerk Maxwell يؤمنون بوجود إله خالق ذكي تمخض عقله عن الكون. وأصحاب هذا الفكر يحاولون إقناعنا بأن العلم تجاوز هذه التفكير البدائي، ووضع الله في مزنق، وقتله ودفنه بما قدمه من تفسيرات شاملة. وأصبحت أهمية الله للكون لا تتجاوز أهمية قصص الأطفال الخيالية المسلية.
بل إن الله لا يصل إلى مستوى شيخ خرافي ميت وحي في الوقت نفسه، مثل قط “شرودينجر” Schrodinger’s cat[1]، ولكنه ميت دون شك. وعملية تلاشيه برمتها تبين أن أي محاولة لإعادة تقديمه للعالم غالباً ما ستعيق تقدم العلم. وهكذا يمكننا أن نرى بوضوح لم يسبق له مثيل أن الفلسفة الطبيعية Naturalism (الاتجاه القائل بأنه ليس هناك شيء سوى الطبيعة، ولا يوجد أي شيء أبعد منها أو متجاوز لها Transcendence) هي المتربعة على العرش حالياً.
حتى إن “بيتر أتكينز” Peter Atkins أستاذ الكيمياء بجامعة أكسفورد (رغم أنه يتعرف بوجود عنصر ديني في تاريخ تكوين العلم) يدافع عن هذه النظرة باستماتة منقطعة النظير: «إن العلم، أي النظام العقائدي القائم على المعرفة المتفق عليها من الجميع والتي يمكن إعادة إنتاجها، قد نشأ من الدين. ولكن العلم بعد أن تخلص من شرنقته ليتحول إلى فراشة كما نراه اليوم، أتى على العشب كله.
فليس ما يدعونا للافتراض بأن العلم لا يمكنه التعامل مع كل جانب من جوانب الوجود. إن المتدينين فقط هم من يتمنون وجود ركن مظلم في الكون المادي أو في عالم الخبرة لا يمكن للعلم إنارته ولا يمكنه حتى أن يحلم بذلك، وإني أضع مع هؤلاء المتدينين كل من يتبنون أفكاراً مسبقة متحيزة وكذلك أصحاب المعلومات الضحلة. ولكن الحقيقة أن العلم لم تعرقله يوما أي حواجز، والمبرر الوحيد للاعتقاد بفشل الاختزالية[2] Reductionism هو تشاؤم العلماء وخوف المتدينين».
وقد نوقش موضوع بعنوان “أعمق من الاعتقاد: العلم والدين العقل والبقاء” “Beyond Belief: science, religion, reason and survival” في أحد المؤتمرات المنعقدة في “معهد سولك للدارسات البيولوجية” Salk Institute for Biological Studies بمدينة “لاهويا” في ولاية كاليفورنيا سنة 2006 حيث قال “ستيفن واينبرج” Steven Weinberg الحائز على جائزة نوبل إنه: «على العلم أن يستفيق من كابوس الدين الطويل… وعلينا نحن العلماء ألا ندخر وسعاً في أن نفعل كل ما من شأنه أن يضعف قبضة الدين، وربما يكون ذلك أعظم ما نسهم به في الحضارة.» ولا عجب أن “ريتشارد دوكينز” مضى خطوة أبعد قائلاً: «لقد سئمت كل السأم من الاحترام الذي أسبغناه على الدين بسبب ما تعرضنا له من غسيل مخ».
ولكن هل هذا صحيح؟ هل يجب وصم كل المتدينين بأنهم يتبنون أفكاراً مسبقة متحيزة ومعلوماتهم ضحلة؟ على أي حال، البعض منهم علماء حائزون على جائزة نوبل. هل صحيح أنه يعلقون آمالهم على العثور على ركن مظلم في الكون يستحيل على العلم أن يأمل في أن ينيره؟ من المؤكد أن هذا الوصف ليس دقيقاً ومجحف لمعظم العلماء الأوائل مثل كبلر الذين قالوا إن قناعتهم بوجود خالق كانت مصدر الإلهام الذي دفع علومهم لقمم أعلى. وكانت أركان الكون المظلمة التي نجح العلم في إنارتها هي ما وفر العديد من الأدلة على حقيقة وجود إله خالق ذكي.
وماذا عن الغلاف الحيوي؟ هل تعقيده الدقيق يبدو ظاهرياً كما لو كان قد صنع وفقاً لتصميم معين، ولكنه ليس كذلك، كما يؤمن “ريتشارد دوكينز” حليف “بيتر أتكينز” العنيد؟ هل يمكن حقاً أن ينشأ المعقول من عمليات طبيعية غير موجهة تؤثر على مواد الكون الأساسية وفقاً لقيود قوانين الطبيعة بشكل عشوائي؟ هل حل إشكالية العلاقة بين العقل والمادة Mind-body Problem هو أن عقلاً منطقياً “نشأ” من جسم مادي بلا عقل بفعل عمليات غير عاقلة وغير موجهة؟
إن الأسئلة المتعلقة بهذه الفلسفة الطبيعية لا تتلاشى بسهولة، كما يتضح من مستوى الاهتمام الجماهيري. فهل العلم يحتاج فعلاً للمذهب الطبيعي؟ أم أنه مفهوم أن الفلسفة الطبيعية أُقحمت على العلم وأنها ليست شيئاً يحتويه العلم أصلاً؟ بل هل يمكننا حتى أن نقول إن هذه الفلسفة قد تكون صورة من صور الإيمان، يشبه الإيمان الديني؟ وأرجو أن يغفروا لنا جرأتنا في الاعتقاد بذلك بسبب ما نراه من كيفية التعامل أحياناً مع من يجرؤون على طرح هذه الأسئلة. فقد يواجهون نوعاً من الاستشهاد بتجريدهم من كافة الامتيازات كما يحدث مع هراطقة الدين في العصور الغابرة.
فالمعروف عن أرسطو قوله إننا إن أردنا النجاح لا بد أن نسأل الأسئلة الصحيحة. إلا أن بعض الأسئلة خطيرة، ومحاولة الإجابة عنها أخطر. ولكن قبول هذا النوع من المخاطرة يمثل جزءًا أصيلاً من روح العلم واهتماماته. وإن نظرنا لهذه النقطة من زاوية تاريخية لن نجد عليها اختلافاً؛ ففي العصور الوسطى مثلاً، كان على العلم أن يحرر نفسه من بعض جوانب الفلسفة الأرسطية حتى ينطلق للأمام.
فقد علم أرسطو أنه بدءًا من القمر وما بعده لا يوجد سوى الكمال، ولما كانت الحركة الكاملة عنده هي الحركة الدائرية، فقد رأى أن الكواكب والنجوم تتحرك في دوائر تامة. ولكن الحركة تحت القمر خطية حيث تسود حالة من عدم الكمال. وقد سادت هذه النظرة على الفكرة لمدة قرون حتى نظر جاليليو في تلسكوبه ورأى حواف بارزة من الفوهات القمرية. لقد تحدث الكون وتبدد استنتاج أرسطو الذي بناه على ما اعتبر مفهوماً بديهياً للكمال.
ومع ذلك ظلت دوائر أرسطو مستحوذة على جاليليو: «حفاظاً على النظام التام فيما بين أجزاء الكون، لا بد أن نسلم بأن الأجسام المتحركة لا يمكنها إلا أن تتحرك في حركة دائرية.» ولكن فكرة الدوائر لم يحالفها الحظ عندما أخذ كبلر على عاتقه أن يخطو خطوته الجريئة ويقول إن الملاحظات الفلكية تعتبر دليلاً أقوى من الحسابات التي تقوم على نظرية مبنية على مجرد مفهوم بديهي يقول بدائرية حركة الكواكب.
وقد اقترح كبلر ذلك على أساس تحليله للملاحظات المباشرة والدقيقة لمدار المريخ التي قام بها سلفه تيكو براهي Tycho Brahe عالم الرياضيات التجريبي في مدينة براخ. أما الباقي فهو تاريخ كما يقولون. فقد قدم اقتراحه المذهل بأن الكواكب تتحرك في مدارات على شكل قطع ناقص “تام” الاستواء حول الشمس التي تقع في إحدى بؤرتيه، وهو استنتاج كشف غوامضه فيما بعد نيوتن عندما وضع نظريته في الجاذبية المبنية على قانون التربيع العكسي Inverse-square التي لخصت كل هذه التطورات في صيغة واحدة بسيطة مختصرة جداً. لقد غير كبلر العلم للأبد بتحريره إياه من فلسفة قاصرة قيدته على مدى قرون. لذا، قد يكون ضرباً من الغرور أن نفترض أن هذه الخطوة المحررة لن تتكرر أبداً.
وهنا يعترض العلماء أمثال “آتكينز” وكذلك “دوكينز” أنه منذ عصر جاليليو وكبلر ونيوتن قفز العلم قفزات واسعة وليس هناك ما يدل على أن الفلسفة الطبيعية التي يرتبط بها العلم حالياً ارتباطاً وثيقاً (على الأقل في أذهان الكثيرين) هي فلسفة قاصرة. وهم يرون طبعاً أن الفلسفة الطبيعية تعلم على تقدم العلم الذي أصبح الآن قادراً على المضي قدماً بعد أن تحرر من حمل حقيبة الأساطير الثقيلة التي كثيراً ما أعاقت سيره في الماضي. وهم يزعمون أيضاً أن أفضل ما يميز الفلسفة الطبيعية هو استحالة إعاقتها للعلم لأنها تؤمن بتفوق المنهج العلمي، فهي الفلسفة الوحيدة التي تتميز بالتوافق التام مع العلم انطلاقاً من صميم طبيعتها.
ولكن هل الأمر كذلك حقاً؟ فلا شك أن جاليليو وجد أن الفلسفة الأرسطية تعيق العلم بافتراضها البديهي عما يجب أن يكون عليه الكون. ولكن لا جاليليو ولا نيوتن ولا حتى معظم العلماء العظماء الذين ساهموا فيما أحرزه العلم من تقدم مبهر آنذاك رأى أن الاعتقاد بإله خالق يعيق العلم كما هو الحال مع الفلسفة الأرسطية. بل على العكس، فقد رأوا أن هذا الاعتقاد يزودهم بحافز قوي، وكان يمثل للكثيرين منهم الدافع الأساسي نحو البحث العلمي
وإن كان الأمر كذلك، فإن الألحاد العنيد الذي يميز بعض الكتاب المعاصرين يدفع المرء لطرح هذا السؤال: ما الذي يجعلهم مقتنعين تماماً أن الإلحاد هو الموقف الوحيد الصلب والمتماسك فكرياً؟ هل صحيح أن كل ما في العلم يشير إلى الإلحاد؟ هل العلم والإلحاد بطبعتهما صنوان لا يفترقان؟ إن الفيلسوف البريطاني “أنتوني فلو” Anthony Flew الذي كان أحد رواد الإلحاد على مدى سنوات طويلة لا يتفق مع هذه النظرة. فقد أعلن في حوار على قناة BBC أن التفسير الوحيد الوجيه لنشأة الحياة والتعقيد الذي تتميز به الطبيعة هو وجود ذكاء فائق وراء كل ذلك.
مناقشة التصميم الذكي
لقد أضاف مثل هذا التصريح لمفكر بحجم “فلو” بعداً جديداً للمناقشات الحادة، بل الغاضبة أحياناً، حول “التصميم الذكي”. ومما يزيد هذه المناقشات اشتعالاً أن مصطلح “التصميم الذكي” يبدو للكثيرين أنه توجه حديث نسبياً يخفي وراءه نزعة مؤيدة لنظرية الخلق ومناهضة للعلم هدفها الأساسي مهاجمة نظرية التطور. وهذا يعني أن مصطلح “التصميم الذكي” غير معناه على نحو خفي مما ينذر بخطورة مناقشة قضية بهذه الأهمية دون أن نتفق على ما نعنيه بها.
والآن يرى البعض مصطلح “التصميم الذكي” تعبيراً غريباً لأننا عادة ما نعتبر أن أي تصميم ينتج عن ذكاء، وهو ما يجعل الصفة “ذكي” زائدة ويمكن الاستغناء عنها. فإن اكتفينا بمصطلح “تصميم” أو استخدمنا تعبير “مسبب ذكي” “Intelligent causation“، فنحن نتحدث عن فكرة تحظى باحترام كبير في تاريخ الفكر، لأن فكرة وجود مسبب ذكي وراء الكون ليست حديثة على الإطلاق بل قديمة قدم الفلسفة والدين.
ثم إننا قبل أن نتناول السؤال ما إذا كان التصميم الذكي يخفي وراءه عقيدة الخلق أم لا، علينا أن نفحص معنى مصطلح “عقيدة الخلق” Creationism نفسه حتى لا نقع في سوء فهم آخر.
لأن هذا المصطلح أيضاً معناه تغير. فقد استخدم مصطلح “عقيدة الخلق” للإشارة إلى الاعتقاد بوجود خالق. ولكنه لم يعد يقتصر على مجرد الاعتقاد في وجود خالق ولكنه صار يشتمل كذلك على العديد من المعتقدات الأخرى، وأهمها تفسير معين لسفر التكوين يعتبر أن عمر الأرض لا تجاوز بضعة آلاف من السنين. وهذا التغيير الذي طرأ على معنى “عقيدة الخلق” أو “المؤمن بعقيدة الخلق” نتج عنه ثلاثة آثار سلبية:
أولها أنه يستقطب المناقشة ويقدم هدفاً سهلاً لمن يصرون على رفض أي فكرة تتعلق بوجود مسبب ذكي في الكون. والثاني أنه يتجاهل الاختلاف الكبير في تفسير رواية التكوين في هذا الأمر. أما الأثر الثالث، إن هذا التغيير يضعف الغرض (الأصلي) من استخدام مصطلح “التصميم الذكي”، ألا وهو التمييز بين الاعتراف بوجود تصميم، وتحديد المصمم؛ وهما أمران لا بد من التفريق بينهما.
هذه الآثار الثلاثة هي ثلاث قضايا مختلفة. والقضية الثانية لاهوتية في جوهرها وقد اتفق الأغلبية على أن تظل خارج نطاق العلم. والهدف من رسم الخط الفاصل بين القضايا هو تمهيد الطريق لاستكشاف وسيلة يمكن للعلم استخدامها للإجابة عن القضية الأولى. ولذلك، فمن المؤسف أن هذا التمييز بين قضيتين بينهما اختلاف جذري، دائماً ما يتلاشى بسبب الاتهام الموجه لفكرة “التصميم الذكي” باعتباره ملخصاً لفكر “عقيدة الخلق متخفية”.
وإن كنا نفهم مصطلح “التصميم الذكي” بمعناه الأصلي، يصبح السؤال الشائع عما إذا كان التصميم الذكي علماً سؤالاً مضللاً. فهب أننا نريد أن نسأل هذين السؤالين المتوازيين: هل الإيمان بالله الخالق الحافظ Theism علم؟ هل الإلحاد علم؟ معظم الناس سيجيبون بالنفي. ولكن إن قلنا إن ما نقصده هو ما إذا كان هناك أدلة علمية تؤيد الإيمان بالله الخالق الحافظ (أو الإلحاد)، فغالباً ما سيكون رد الطرف الآخر: فلماذا لم تقل هذا صراحة من البداية؟
وحتى نفهم معنى هذا السؤال يمكننا أن نصيغه هكذا: هل من أدلة علمية تشير إلى وجود تصميم؟ فإن كان هذا هو المعنى الذي يجب أن نفهمه من السؤال، فيجب التعبير عنه طبقاً لهذا المعنى حتى نتجنب سوء الفهم الذي ظهر في العبارة التي قيلت في “محاكمة دوفر”[3] Dover trial وهي أن «التصميم الذكي قضية لاهوتية مهمة، ولكنه ليس علماً.» وفي فيلم ” مطرود” Expelled (أبريل 2008) يبدو أن “ريتشارد دوكينز” نفسه يعترف أنه يمكن استخدام البحث العلمي لتحديد ما إذا كان أصل الحياة يعكس عمليات طبيعية أم أنه نتيجة لتدخل مصدر خارجي ذكي.
وكذلك “توماس ناجل” Thomas Nagel، وهو من أساتذة الفلسفة الملحدين البارزين في نيويورك، كتب في مقال مذهل بعنوان “التعليم الحكومي والتصميم الذكي” Public Education and Intelligent Design: «إن مقاصد الله ونياته، وطبيعة إرادته، إن كان يوجد إله، يستحيل أن تكون موضوعاً لنظرية علمية أو تفسير علمي. ولكن هذا لا يعني استحالة وجود أدلة علمية تؤيد أو تدحض تدخل مسبب غير محكوم بقانون في النظام الطبيعي.»
وهو يقول إن التصميم الذكي «لا يعتمد على تشويهات ضخمة للأدلة ولا على تنافرات جسيمة في تفسيره» وذلك بناء على قراءته لبعض الأعمال مثل كتاب “حدود التطور” Edge of Evolution لمؤلفه “مايكل بيهي” Michael Behe (كان “بيهي” أحد الشهود في “محاكمة دوفر”) أي أنه يرى أن التصميم الذكي لا يقوم على أساس الافتراض بأنه “يتمتع بحصانة ضد الأدلة التجريبية” كما يؤمن من يعتقدون بحرفية الكتاب المقدس بأنه محصن بحيث يستحيل تفنيده بأي أدلة كانت، وهو ينتهي إلى هذه الخلاصة: «التصميم الذكي مختلف تماماً عن علم الخلق.»
ويقول البروفسور “ناجل” أيضاً إنه «ظل فترة طويلة يشك أن مزاعم نظرية التطور التقليدية هي القصة الكاملة لتاريخ الحياة.» ويقول أيضاً إنه «يصعب أن نجد سنداً في المؤلفات المتاحة» يؤيد هذه المزاعم. وهو يرى أن «الأدلة المتاحة حالياً» تعجز عن تأكيد «كفاية الآليات المعيارية التي تتضمنها نظرية التطور لتقديم تفسير لنشأة الحياة بكاملها.»
والمعروف الآن أن بعض الكتاب أمثال “بيتر آتكينز”، و”ريتشارد دوكينز” و”دانيل دني” Daniel Dennett يزعمون وجود أدلة علمية قوية على الإلحاد. مما يتيح لهم الفرصة ليقدموا دفاعاً علمياً عن موقف ميتافيزيقي. ولذلك، فهم من دون الناس جميعاً، لا يحق لهم أن يعترضوا على الآخرين إن استخدموا الدليل العلمي لتأييد الموقف الميتافيزيقي المضاد، ألا وهو التصميم الذي يؤكد فكرة الخلق. وأنا طبعاً واع تماماً أن الرد الذي سيأتي به البعض على الفور أنه ليس هناك قضية بديلة يمكن طرحها. إلا أن هذا الحكم قد يكون سابقاً لأوانه.
ويمكن صياغة السؤال ما إذا التصميم الذكي علماً صياغة أخرى. وذلك بأن نسأل ما إذا كانت فرضية التصميم يمكنها أن تؤدي إلى فرضيات يمكن إخضاعها للاختبار العلمي. وسوف نرى لاحقاً قضيتين رئيسيتين أسفرت فيهما فرضية التصميم الذكي عن النتائج. وهاتان القضيتان هما: إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني Rational intelligibility، بداية الكون.
إلا أن مصطلح “التصميم الذكي” يشكل صعوبة أخرى تتمثل في استخدام كلمة “تصميم” التي ترتبط في أذهان البعض ارتباطاً وثيقاً بالفكرة التي طرحها نيوتن عن الكون، إذ شبهه بالساعة التي تسير بانتظام دقيق معروف تحكمه القوانين الفيزيائية، ولكن أينشتاين سار بالعلم خطوات أبعد من هذه الفكرة.
بل إن الكلمة أيضاً تعيد إلى الذهن ذكريات الفيلسوف المسيحي “بيلي” Paley وما قدمه في القرن التاسع عشر من حجج مؤيدة لفكرة التصميم التي يعتقد الكثيرون أن “دافيد هيوم” David Hume قضى عليها. وحتى لا نصدر حكماً متعجلاً بخصوص هذه القضية الأخيرة، قد يكون من الحكمة أن نتحدث عن مسبب ذلك أو عن أصل ذكي، بدلاً من الحديث عن تصميم ذكي.
والحجج المعروضة في هذا الكتاب قدمتها في محاضرات وحلقات نقاشية وحوارات في العديد من بلدان العالم. ورغم شعوري أن الكثير لم ينجز بعد، ولكن استجابة لإلحاح الكثيرين ممن حضروا هذه الفعاليات، فقد قمت بهذه المحاولة من صياغة الحجج في شكل مدون في كتاب قصدت أن يكون قصيراً بناء على ما رآه البعض من أن المطلوب هو مقدمة موجزة ومركزة للقضايا الأساسية التي من شأنها أن تشكل أساساً لمزيد من المناقشة والاستكشاف لتفاصيل أكثر.
وأود أن أعبر عن امتناني لما تلقيته من الكثير من الأسئلة والتعليقات والنقد، مما ساعدني في مهمتي. أما أوجه القصور، فأنا فقط المسؤول عنها. أما عن الأسلوب المتبع في الكتاب، فسوف أحاول أن أتناول الموضوع في إطار الجدل الحالي حسب فهمي له. وسأقتبس كثيراً من أقوال العلماء والمفكرين البارزين لتقديم صورة واضحة لما يقوله من يتصدرون الحوار الدائر حول القضية. إلا أنني أدرك أن نزع الاقتباس من السياق الذي ورد فيه قد لا يكون منصفاً لقائل هذا الاقتباس، وقد يشوه الحق. ولذا، أتمنى أن أكون قد نجحت في تفادي هذه الخطوة بالذات.
ولكني إذا استخدمت كلمة الحق أخشى أن بعض المؤمنين بفكر ما بعد الحداثة Postmodernistقد يتوقفون عن القراءة، إلا أذا كان فضولهم يدفعهم لقراءة (وربما لهدم) نص كتبه شخص يؤمن فعلياً بالحق. وأنا أراه أمراً في غاية الغرابة أن من لا يعترفون بوجود شيء يسمى الحق يحاولون إقناعي بأن ما يقولونه حق! ربما أنا أسيء فهمهم، ولكن يبدو لي أنهم عندما يتحدثون إليّ أو يكتبون كتبهم، يستثنون أنفسهم من هذا المعيار العام الذي يقضى بعدم وجود حق. أي أنهم في نهاية الأمر يؤمنون بالحق.
وعلى أي حال، فالعلماء يهتمون بالحق، وإلا لماذا يتكبدون عناء العمل بالعلم؟ وبما أني أومن بالحق فقد حاولت أن أقتصر في اقتباساتي على ما يعبر نوعاً ما عن الموقف العام لكاتبها، وابتعدت عن اقتباس عبارات صدرت عن قائلها حينما لم يكن في أفضل حالاته، لأننا جميعاً معرضون للوقوع في ذلك.
ولكن ماذا عن التحيز؟ ليس هناك من يمكنه الهروب، لا الكاتب ولا القارئ. فكلنا منحازون من حيث إن كلاً منا له رؤية للعالم Worldview أو منظور خاص يرى به العالم من حوله، وهو يتكون من إجاباته الكاملة أو الجزئية عن الأسئلة التي يطرحها عليه الكون والحياة. وغالباً ما لا نكون هذه الفلسفة الحياتية أو المنظور بشكل دقيق قاطع، بل ربما تتكون حتى دون وعي منا، إلا أنها موجودة. وهذا المنظور يتشكل طبعاً بالخبرات وبالتفكير المتعمق فيها. وهو قابل للتغيير، بل إنه يتغير، بل إنه يتغير بالفعل إن وجد أدلة مقنعة، وهذا ما نرجوه.
والسؤال المحوري في هذا الكتاب هو سؤال يتعلق في جوهره بالفلسفة الحياتية أو المنظور: ما المنظور الأكثر توافقاً مع العلم: الإيمان بالله الخالق الحافظ أم الإلحاد؟ هل دفن العلم الله؟ فلنر إلى أي سيقودنا الدليل.
[1] تجربة يوضع فيها قط وسط ظروف تجعله حياً وميتاً في آن، مما يتطلب مزيداً من الملاحظة الدقيقة لتحديد حالته. (المترجم).
[2] يعرف “قاموس أكسفورد” Oxford Dictionary “الاختزالية” Reductionism بأنها تحليل ظاهرة معقدة ووصفها وفقاً لمكوناتها البسيطة أو الأساسية، وخاصة إذا كان الغرض تقديم تفسير واف. (المترجم).
[3] محاكمة جرت في مدينة دوفر الأمريكية حيث رفع بعض أولياء الأمور دعوى ضد منطقة دوفر التعليمية لأنها أقرت تدريس التصميم الذكي في المدارس التابعة لها. (المترجم)
لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟
الملحد: إن كان هناك حقاً إله كلي الصلاح وكلي القدرة خلق العالم ويحفظه، فلماذا يسمح الله بالشر؟
المسيحي: كيف تعرف ما هو الشر إلا إذا عرفت ما هو الخير؟ وكيف تعرف ما هو الخير إلا إذا وجد مقياس موضوعي للخير أعلى منك؟
الملحد: لا تحاول التهرب من السؤال.
المسيحي: أنا لا أحاول أن أتهرب من السؤال. ولكني أبين لك ببساطة أن شكواك تفترض مسبقاً أن الله موجود. فالواقع أن وجود الشر لا يدحض وجود الله. ربما يثبت وجود شيطان إلا أنه لا يثبت عدم وجود الله.
الملحد: لعبة ماهرة، ولكني لست مقتنعاً.
المسيحي: قد لا تكون مقتنعاً. ولكن شكواك ما زالت تفترض مسبقاً وجود الله.
الملحد: لغرض هذه المناقشة. افترض أني أوافقك أن الله موجود. هل تجيب عن السؤال الآن؟
المسيحي: بالتأكيد. رائع هذا التقدم الذي تحرزه.
الملحد: تذكر أنه لأجل المناقشة فقط. إذن لماذا إلهك المدعو “كلي القدرة” لا يوقف الشر؟
المسيحي: هل حقاً تريده أن يوقف الشر؟
الملحد: طبعاً!
المسيحي: ماذا لو بدأ بك؟
الملحد: كن جاداً.
المسيحي: أنا جاد فعلاً. إننا نتكلم عن إيقاف الله للشر، ولكننا ننسى أنه لو فعل، سيوقفنا نحن أيضاً. فكلنا نفعل الشر.
الملحد: يا رجل! نحن لا نتكلم عن الخطايا البسيطة التي نفعلها أنا وأنت، ولكننا نتكلم عن الشر الحقيقي، مثلما فعل هتلر.
المسيحي: لست أتكلم عن درجة الشر، بل مصدر الشر. مصدر الشر هو قدرتنا على الاختيار الحر. فإن كان يجب أن يقضي الله على الشر، يجب كذلك أن يقضي على حرية الاختيار، وعندئذ لن تكون عندنا القدرة على حب الخير أو فعله. ولن يكون هذا العالم عالماً أخلاقيا.
الملحد: ولكن حرية الاختيار ليس مصدر كل الشر. فلماذا يموت الرضع؟ لماذا تحدث الكوارث الطبيعية؟
المسيحي: الكتاب المقدس يرجع كل ذلك إلى سقوط الإنسان. فما من أحد بريء بحق لأننا جميعاً أخطأنا في آدم (رومية 5: 12)، والنتيجة أننا نستحق الموت (رومية 6: 23). فالكوارث الطبيعية والموت في أعمار مبكرة كلها نتيجة مباشرة للعنة التي أتت على الخليقة بسبب سقوط الجنس البشري (تكوين 3؛ رومية 8). وهذا العالم الساقط لن يعاد لوضعه الصحيح إلا عندما يعود المسيح (رؤيا 21: 22). ولذلك، ما من أحد يمنح ضماناً بأن يعيش حياة خالية من التعب، ولا عمراً مديداً يبلغ سبعين عاماً.
الملحد: يا سلام! ما أسهل هذا الكلام! عندما لا تجد مخرجاً تسرع للكتاب المقدس وتخبرنا أن الله سيصحح كل شيء في النهاية! لا يعنيني المستقبل. إني أريد نهاية للألم والمعاناة الآن. لماذا لا ينهي الله كل ذلك؟
المسيحي: سينهينه ولكن ليس طبقاً لجدولك. فكون الله لم ينه الشر حتى الآن لا يعني أنه لن ينهيه أبداً.
الملحد: ولكن لماذا لا يعود المسيح الآن لينهي كل هذا الألم؟ إن مجموع الألم البشري هائل.
المسيحي: أولاً، لا أحد يختبر “مجموع الألم البشري”. فإن كان درجة الحرارة في مانهاتن 27 درجة مئوية، وفي بروكلين 29 درجة مئوية، وفي كوينز 27 درجة مئوية، فهل أي شخص في نيويورك يمكن أن يشعر بحرارة تبلغ 83 درجة مئوية؟
الملحد: لا.
المسيحي: هذا صحيح. كل شخص يختبر ألمه فقط.
الملحد: ولكن كل هذا لا يخبرني لماذا لا ينهي الله كل هذا الألم الآن. لماذا ينتظر؟
المسيحي: إن الله بإمكانه أن ينهي الشر الآن إن أراد. ولكن ألم يخطر على بالك أنه من المحتمل أن الله يريد أن يحقق أهدافاً أخرى في وجود الشر؟
الملحد: مثل ماذا؟
المسيحي: أول شيء، يريد مزيداً من الناس يختارون السماء قبل أن يسدل الستار على هذا العالم. ويبدو أن بولس يوضح أن يسوع سيأتي ثانية بعد أن “يكتمل عدد” من سيؤمنون به (رومية 11: 25).
الملحد: حسناً، بينما ينتظر الله “اكتمال عدد” المخلصين، هناك آخرون يتألمون!
المسيحي: نعم، هم يتألمون. وهو ما يعني أن المسيحيين عليهم مهمة يجب أن يقوموا به. لقد نلنا امتياز مساعدة المتألمين. نحن سفراء للمسيح هنا على الأرض.
الملحد: جميل، ولكني لو كنت أعاني أفضل أن يساعدني الله لا أنت.
المسيحي: لو منع الله الألم كلما واجهنا مشكلة، لأصبحنا أشقى مخلوقات الكون وأكثرها تمركزاً في الذات. ولن نتعلم أبداً من الألم.
الملحد: نتعلم من الألم. ماذا تقول؟
المسيحي: لقد لمست سبباً آخر يفسر عدم إنهاء الله للشر الآن. هل يمكن أن تذكر لي درساً واحداً استمر في حياتك تعلمته من اللذة؟
الملحد: أمهلني دقيقة.
المسيحي: أمهلك ساعة، ولكني أشك أنك ستأتي بالكثير. إن فكرة في الأمر، ستكتشف أن كل ما تعلمت تقريباً من دروس قيمة نتج من صعوبة اجتزتها في حياتك. وفي معظم الحالات، قسوة الظروف تعلم في حين أن سهولة الظروف تخدع. وفي الحقيقة أنت لا تتعلم دروساً من الألم فحسب، بل الألم يكاد يكون السبيل الوحيد لتنمية الفضائل.
الملحد: ماذا تقصد؟
المسيحي: لا يمكنك أن تنمي فضيلة الشجاعة إلا في وجود الخطر. ولا يمكنك أن تمني فضيلة المثابرة إلا إذا واجهت عواقب في الطريق. ولن تتعلم أن تكون خادماً إلا في وجود شخص تخدمه. ولن تكون حنوناً إن لم يكن هناك شخص متألم أو محتاج. إنها الحكمة القديمة: “مافيش حلاوة من غير نار”.
الملحد: ولكني لن أحتاج كل تلك الفضائل لو حجر الله على الشر الآن.
المسيحي: ولكن بما أن الله عنده أسبابه لعدم الحجر على الشر الآن، فأنت تحتاج أن تنمي بعض الفضائل لهذه الحياة وللحياة الآتية. فهذه الأرض وطن غير مريح، ولكنها صالة تدريب ممتازة للحياة الآتية.
الملحد: أنتم المسيحيين دائماً ما تقفزون إلى الحياة الأبدية. كل تفكيركم منصب على السماء لدرجة تجعلكم عديمي النفع للأرض.
المسيحي: ربما يكون تفكيرنا منصباً على السماء، ولكننا نعلم أن ما نفعله على الأرض مهم في الأبدية. فالفضائل التي ينميها المؤمن بالألم تزيد قدرته على الاستمتاع بالأبدية. وبولس يقول إن «خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً» (2كورنثوس 4: 17، قارن رومية 8: 18).
الملحد: كيف تساعدني الصعوبات التي أجتازها هنا أن أسعد في مكان لن يكون فيه أي ألم أساساً؟
المسيحي: أنت تحب كرة القدم، أليس كذلك؟
الملحد: شاهدت بضع مباريات.
المسيحي: ما شعور كل لاعب في الفريق الفائز بكأس السوبر بول بعد المباراة؟
الملحد: يشعر بالسعادة طبعاً!
المسيحي: هل كابتن الفريق الفائز الذي فاز هو أيضاً بجائز أفضل لاعب، يستمتع بالفوز أكثر من الظهير الثالث الذي لم يحرز هدفاً واحداً طيلة العام؟
الملحد: أظن ذلك.
المسيحي: بالطبع. فرغم أن لاعب الظهير الثالث سعيد لأنه في الفريق الفائز، فالفوز أطيب مذاقاً عند الكابتن الذي فاز بجائزة أفضل لاعب لأنه ساهم في الفوز وثابر طوال العام حتى يصل إلى هذا المستوى. وبإصراره وسط صعوبات اللعب وآلامه، زاد من قدرته على الاستمتاع بالفوز الذي ازداد حلاوة بجائزة أفضل لاعب.
الملحد: وما علاقة كرة القدم بالسماء؟
المسيحي: السماء ستكون مثل غرفة تغيير ملابس الفريق الفائز (ولكن بدون الرائحة الكريهة!). كلنا سنسعد بوجودنا هناك، ولكن البعض سيكونون أقدر على الاستمتاع بها وسينالون مكافآت أكثر من غيرهم. ومهما كان من أمر، عدالة الله تقتضي درجات من المكافآت في السماء كما سيكون هناك درجات من العقاب في النار.
الملحد: إذن تقصد أن الحياة مثل بطولة السوبر بول؟
المسيحي: إلى حد ما. وهي تشبه السوبر بول في أن لها قواعد، وحكماً، ومكافآت. ولكن الحياة ليس فيها متفرجون، الكل على أرض الملعب ونحن نعرف الفائز مسبقاً. المسيح سيفوز، وأي شخص يمكنه أن يكون من الفائزين بالانضمام إلى الفريق، بصرف النظر عن قدراته. ورغم أنه كل من في الفريق سيستمتع بموكب الفوز، فالبعض سيكونون أكثر تقديراً له نظراً لما اختبروه من صعوبات أثناء المباراة وما ينالون من مكافآت لأنهم لعبوا حسناً. وهو ما يعني أن الشعور بالفوز يكون أعظم كلما كانت المعركة أشد.
الملحد: إذن أنت تعني أن الشر له غرض يحمل تداعيات في الأبدية.
المسيحي: نعم.
الملحد: لماذا تصر أن تضع كل شيء في ضوء الأبدية؟
المسيحي: لأن الفترة التي سنقضيها جميعاً بعد الموت أطول كثيراً من فترة حياتنا! والكتاب المقدس يعلمنا أن ننظر للأبدي، والحياة لا تكتسب معنى إلا في ضوء الأبدية. فإن لم تكن هناك أبدية، فليس هناك غرض نهائي لأي شيء، سواء أكان مسرة أو ألماً.
الملحد: افترض أنه ليس هناك أبدية. افترض أننا نعيش ونموت، وهذا كل ما في الأمر.
المسيحي: ممكن. ولكن ليس عندي من الإيمان ما يكفي لتصديق هذه الفكرة.
الملحد: ولم لا؟
المسيحي: ألم تقرأ هذا الكتاب؟
الملحد: لا، لقد قفزت إلى الملحق مباشرة.
المسيحي: أنت هكذا، أليس كذلك؟ لا تريد أن تلعب المباراة. تريد أن ترى النتيجة النهائية فقط.
الملحد: أظن إن أعاني من مرض الإشباع الفوري الأمريكي.
المسيحي: وأغلب الظن أن هذا هو ما يجعلك تجد صعوبة في إدراك قيمة الألم، ولكن “فافيش حلاوة من غير نار”.
الملحد: عند حق. قراءة هذا الكتاب مؤلمة للغاية. فهو طويل جداً.
المسيحين: كان من الممكن أن يقصر عن ذلك لولا أننا مضطرون لتناول كل تلك المحاجات المجنونة التي تثيرونها أنتم الملحدين. ثم إن عندك وقتاً للقراءة. فأنت ليس مشغولاً صباح أيام الأحد.
الملحد: يمكنني القيام بالكثير من الأشياء الأقل إيلاماً صباح الأحد.
المسيحي: اسمع، أنا أعرف أن قراءة هذا الكتاب قد تكون مؤلمة، ولكن الأكثر إيلاماً أن ترفض الخلاصة التي يتوصل إليها. إن أردت أن تتعرف على كل الحجة المؤيدة للمسيحية يجب أن تقرأ هذا الكتاب من أوله إلى آخره. والقضية مطروحة بترتيب منطقي. فكل فصل مبني على سابقه.
الملحد: موافق. سأقرأ الكتاب. ولكن في الوقت الحالي، دعنا نعود إلى مسألة الشر. إن كانت هناك أبدية، إذن بعض الشرور في هذا العالم قد يكون لها غرض أبدي. ولكن مؤكد أن بعض الأفعال الشريرة في هذا العالم ليس لها أي غرض على الإطلاق.
المسيحي: كيف تعرف؟
الملحد: شيء واضح! فما الغرض الخير الذي يمكن أن ينتج من الهجمات الإرهابية في 11 أيلول/سبتمبر مثلاً؟
المسيحي: رغم أني أتمنى لو لم تقع هذه المأساة، فنحن نعرف ببعض الأمور الخيرة التي نشأت من تلك الأحداث البشعة. مثلاً، اتحدنا معاً كأمة وأخذنا نساعد من يحتاجون للمساعدة، وعزمنا على محاربة شر الإرهاب. وقد دفعتنا الصدمة أن نمعن التفكير في أسئلة الحياة الجوهرية، والبعض رجعوا للمسيح نتيجة لهذه الأحداث. فكما قال سي. إس. لويس: «الألم هو “مكبر الصوت” الذي يستخدمه الله “ليوقظ عالماً أصم”». ومؤكد أن أحداث 11 سبتمبر أيقظتنا.
الملحد: نعم، يمكنك أن تجد جانباً مضيئاً في كل شيء تقريباً. ولكن هذا “الجانب المضيء” يستحيل أن يفوق الألم والمعاناة.
المسيحي: كيف لك أن تعرف؟ ما لم تكن كلي المعرفة وتتمتع بمنظور أبدي، كيف تعرف أن أحداث 11 سبتمبر لن تعمل معاً للخير في النهاية؟ محتمل أن الكثير من الأشياء الخيرة ستحدث في حياة الأفراد نتيجة لهذه الكارثة، ولن نسمع بها أبداً. والحقيقة أن النتائج الإيجابية قد تأتي بعد أجيال من الآن دون علم أولئك الذين سيجنونها.
الملحد: لو أطلعني الله على أسبابه، قد أستطيع أن أصدقك.
المسيحي: لقد جرب أيوب ذلك الأسلوب قبلك. فبعد أن سأل الله عن سبب معاناته. حيره الله بأسئلة عن عجائب الخليقة (أيوب 38-40). وكأن الله يقول له: «أيوب، لا تستطيع حتى أن تفهم كيف أدير العالم الطبيعي الذي تستطيع أن تراه. فكيف يمكنك أن تفهم العالم الأخلاقي الأكثر تعقيداً بما لا يقاس الذي لا تستطيع أن تراه، عالم فيه تتفاعل نتائج مليارات القرارات الحرة التي يتخذها البشر يومياً؟» حقاً يستحيل علينا أن نستوعب هذا التعقيد. بالمناسبة، هل شاهدت فلم “حياة مدهشة” It’s a Wonderful Life؟
الملحد: تقصد فيلم جيمي ستيوارت Jimmy Stewart الذي يعرض في الكريسـ…. أقصد بداية الشتاء؟
المسيحي: نعم. جيمي ستيوارت يمثل دور جورج بيلي الذي ييأس من الحياة لأن صفقاته التجارية تعثرت ويبدو أن حياته تنهار. وينقذه من الانتحار على آخر لحظة ملاك يعرض له كيف كان يمكن أن تكون حياة الآخرين لو لم يولد. ويرى أن الكثيرين في مدينته كانوا سيعشون حياة مأساوية. إلا أن جورج لم يعرف ذلك طيلة حياته. فهو لم يدرك مطلقاً ما كان لحياته من أثر مذهل على الآخرين. ومن هنا يأتي العنوان “حياة مدهشة”.
الملحد: ها! خدعة!
المسيحي: يا رجل. لقد فهمت الفكرة، أليس كذلك؟
الملحد: نعم، فهمت الفكرة: نحن لا نعرف الأثر الذي يمكن أن ينتج عن أي شخص أو حدث على المدى البعيد، وخاصة في وجود العديد من القرارات المتفاعلة التي يتخذها البشر.
المسيحي: نعم، وحتى القرارات التي تهدف للشر يمكن أن تتحول للخير (تكوين 50: 20). محتمل أن الكثير من الناس الآن أو أجيال من الآن سيأتون إلى المسيح بسبب آثار الشر المباشرة أو غير المباشرة.
الملحد: ولكنها تبدو حجة مبنية على الجهل argument from ignorance.
المسيحي: لا. فالأمر ليس أننا لا نملك معلومات عن سبب حدوث أشياء سيئة. ولكننا نعلم أننا نعيش في عالم ساقط، ونعلم أن الخير يمكن أن ينتج من الشر، لذا، نحن نعلم أنه من الممكن أن يكون عند الله سبب وجيه لوقوع الأحداث السيئة، حتى إن كنا لا نعلم تلك الأسباب. ونحن نعلم أنه يستطيع أن يخرج من الشر خيراً. إذن فهي ليست حجة مبنية على الجهل، ولكنه استنتاج منطقي مبني على ما نعرفه من معلومات. ورغم أننا لا نعلم سبب كل حدث شيء على وجه التحديد، فنحن نعلم سبب عدم علمنا: نحن لا نعلم بسبب محدوديتنا البشرية.
الملحد: وما رأيك في إجابة المعلم اليهودي كوشنر Kushner على السؤال؟ أنت تعرف أنه صاحب كتاب “عندما تحل السيئات بالصالحين” When Bad Things Happen to Good People.
المسيحي: أعتقد أن إجابته خاطئة.
الملحد: خاطئة؟ لماذا؟
المسيحي: لأنه يقول إن الله لا يملك من القدرة ما يمكنه من التغلب على الشر الموجود على الأرض. لذا، يجب أن نغفر لله سماحه بالشر.
الملحد: ما الخطأ في ذلك؟
المسيحي: هناك أدلة قوية على أن قدرة الله غير محدودة. فالله يوصف 56 مرة في الكتاب المقدس بأنه “القدير”، ويوصف بأنه كلي القدرة بعدة تعبيرات أخرى. ونحن نعرف أيضاَ من الأدلة العلمية أنه خلق هذا الكون من العدم (ألق نظرة على الفصل الثالث من الكتاب). فالإله المحدود الذي يؤمن به المعلم اليهودي كوشنر لا يتفق مع الحقائق.
الملحد: إن كانت قدرة الله غير محدودة كما تقول، فلماذا إذن يسمح بحدوث أشياء سيئة للأشخاص الصالحين؟
المسيحي: لقد أوضحنا أن الألم والمعاناة يأتيان بنتائج صالحة. ولكن يجب أن نوضح أيضاً أن السؤال يفترض افتراضاً خاطئاً؟
الملحد: ما هو؟
المسيحي: ليس هنا أناس صالحون!
الملحد: نعم؟
المسيحي: أنا أعني ما أقول. بعض الناس أفضل من غيرهم، ولكن ليس أحد صالحاً بحق كلنا نميل بالطبيعة إلى الأنانية. كلنا نرتكب الخطايا بشكل اعتيادي.
المسيحي: تلك هي المشكلة. نحن نعتبر أنفسنا صالحين مقارنة بالأردياء فقط. إننا نقيم أنفسنا بالمقارنة مع الآخرين لا بالمقارنة مع مقياس مطلق للصلاح. بالمناسبة، هل سبق وسرقت أي شيء؟
الملحد: الحقيقة، نعم.
المسيحي: هل سبق وكذبت في أي شيء؟
الملحد: لا.
الملحد: آه. واضح أني لن أستطيع أن أخدعك.
المسيحي: إذن أنت لص كاذب.
الملحد: ولكن ذلك لا يعني أنا سيء تماماً.
المسيحي: لا، ولكنه يعني كذلك أنك لست صالحاً تماماً. فكر فيها: أنت تكون سيئاً أسهل كثيراً من أن تكون صالحاً، فميلك الطبيعي يتجه نحو الأنانية أكثر مما يتجه نحو الكرم. وكلنا نحمل هذه الطبيعة البشرية الفاسدة. وكما قال أوغسطينوس: «كلنا مولودون بميل نحو الخطيئة وبحتمية الموت». فهذا الميل متأصل فينا من الولادة. وهو ما يفسر السلوك الطبيعي للطفك عندما ينتزع الشيء ويصرخ: «بتاعي». ويفسر كذلك قول جيمز ماديسون James Madison: «لو كان البشر ملائكة، لما كانت هناك حاجة للحكومات».
الملحد: إذن كوشنر يفترض افتراضات خاطئة بشأن طبيعة الإنسان وطبيعة الله.
المسيحي: بالضبط. فالسؤال ليس “لماذا تحل السيئات بالصالحين؟” بل “لماذا تحدث الصالحات للأردياء؟”
الملحد: إن كان الله فعلاً كلي القدرة كما تقول، فما زلت لا أفهم لماذا لم يمنع 11 سبتمبر. فلو كنت تعلم أنها ستحدث وكنت تملك من القدرة ما يمنعها، أما كنت ستمنعها؟
المسيحي: بلى.
الملحد: إذن أنت أفضل من الله!
المسيحي: لا، إن منعت هجمات 11 سبتمبر، أكون بذلك قد منعت الشر. ولكن الله صاحب المنظور الأبدي غير المحدود يسمح باختيارات شريرة وهو عالم أنه يستطيع في النهاية أن يصلحها. ولكننا نحن لا نستطيع أن نصلح هذه الاختيارات. لذا، نحاول أن نمنعها جميعاً.
الملحد: نعم ولكن بناءً على عقيدتك المسيحية نفسها، الله لا يصلح كل الاختيارات الشريرة في النهاية. فمهما كان، البعض يذهبون إلى الجحيم.
المسيحي: نعم، ولكن ذلك لأن الله لا يستطيع أن يأتي بالخير الأبدي إلا لمن يقبلون هذا الخير. البعض يتجاهلون الحقائق أو يختارون أن يلعبوا المباراة على نحو يأتي لهم بالهزيمة. وبما أن الله لا يستطيع أن يجبرهم على أن يختاروا بحرية أن يلعبوا المباراة على النحو الصحيح، فالخير النهائي لا يأتي إلا لمن يختارونه. وهو ما يفسر قول بولس: «ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده» (رومية 8: 28). لاحظ أنه لا يقول إن “كل الأشياء خير”. ولكنه يقول إن كل الأشياء تعلم معاً لأجل خير الذين يحبونه.
الملحد: إذن كيف عملت كل الأشياء لخير الذين ماتوا في 11 سبتمبر؟
المسيحي: من أحبوا وقبلوا عطية الخلاص المجانية هم الآن مع الله في الأبدية. ومن هم غير ذلك، فإن اختيارهم الحر للانفصال الأبدي عن الله يحترم أيضاً.
الملحد: وماذا عن الباقين منا؟
المسيحي: من بقي منا في هذا الحياة ما زال أمامه وقت لاتخاذ قراره. ومن كانوا مسيحيين حقيقيين بالفعل عند حدوث هجمات 11 سبتمبر من المحتمل أن شخصياتهم الأدبية ازدادت قوة نتيجة الأحداث.
الملحد: لكن إن كان الله كلي الصلاح وكلي المعرفة، لماذا يخلق أناساً يعرف أنهم سيذهبون إلى جهنم؟
المسيحي: سؤال وجيه. لم يكن عند الله سوى خمسة خيارات. كان بإمكانه: 1) ألا يخلق على الإطلاق. 2) أن يخلق عالماً بلا حرية حيث البشر كالإنسان الآلي. 3) أن يخلق عالماً حراً حيث البشر لا يخطئون. 4) أن يخلق عالماً حراً حيث البشر يخطئون. ولكنهم جميعاً سيقبلون خلاص الله. 5) أن يخلق العالم بالحالة التي هو عليها الآن. حيث البشر يخطئون، والبعض منا سيخلصون ولكن الباقون سيهلكون.
الملحد: نعم، ويبدو أن الله اختار أسوأ البدائل الخمسة! إذن الله ليس كلي الصلاح.
المسيحي: لا تستعجل الحكم. الخيار الأول لا يمكن حتى أن يقارن بالأربعة الأُخر لأنه ليس هناك وجه شبه بين الشيء واللاشيء. مقارنة عالم حقيقي باللاعالم لا يشبه حتى مقارنة التفاح بالبرتقال، لأن الاثنين من الفواكه. ولكنه يشبه مقارنة التفاح باللاتفاح، مع الإصرار على أن التفاح ألذ. وهو ما يطلق عليه في المنطق خطأ تصنيفي category mistake. إنه كن يسأل: «ما لون الرياضيات؟» الرياضيات ليست لوناً، فالسؤال بلا معنى.
الملحد: إن كانت مقارنة الوجود باللاوجود خطأ تصنيفياً، إذن يسوع ارتكب خطأ تصنيفاً عندما قال إنه كان خيراً ليهوذا لو لم يولد (متى 26: 24).
المسيحي: لا، يسوع لم يكن يتكلم عن أفضلية اللاكينونة على الكينونة. ولكنه كان يعبر تعبيراً قوياً عن بشاعة خطية يهوذا.
الملحد: فلماذا لم يختر الله البديل الثاني – بشراً كالإنسان الآلي؟
المسيحي: كان بإمكانه أن يفعل ذلك، ولكن العالم بهذا الشكل لا يمكن أن يكون عالماً أخلاقياً. سيكون عالماً يخلو من الشر، ولكنه يخلو من الخير الأخلاقي أيضاً.
الملحد: فلماذا لم يخلق العالم بالشكل الثالث أو الرابع؟ عالم يسمح بالحب، ومؤكد أنه أفضل من الذي نعيش فيه الآن.
المسيحي: نعم، ولكن ليس كل ما يمكن تخيله يمكن تحقيقه مع المخلوقات الحرة. فمثلاً، يمكننا أن نتخيل أنه بإمكاني أن أسرق بنكاً بدلاً من أن أتحدث إليك. ولكنه أمر لا يمكن تحقيقه لأني اختر بحريتي أن أتحدث إليك. وهكذا الله لا يمكنه أن يقهر المخلوقات الحرة على ألا تخطئ. فالحرية القهرية تناقض.
الملحد: ولكن عالمنا هذا كان يمكن أن يكون أفضل لو تناقصت جرائم القتل أو الاغتصاب. إذن الله فشل في خلق أفضل عالم ممكن.
المسيحي: تمهل. رغم أني أعترف أن هذا العالم ليس أفضل عالم ممكن، قد يكون أفضل طريقة للوصول إلى أفضل عالم ممكن.
الملحد: ما هذه اللغة النفسية الخلقية الغريبة؟
المسيحي: محتمل أن الله سمح بالشر لكي يهزمه. فكما قلت، لو لم يسمح الله بالشر، لما أمكن بلوغ الفضائل العليا. فالأشخاص الذين افتدوا من الألم يتمتعون بشخصيات أخلاقية أقوى من الذين لم يمتحنوا بالألم. إن بناء النفس يتطلب شيئاً من الألم. فأيوب في أصحاح 42 رجل أكثر عمقاً وفرحاً من أيوب في أصحاح 1. إذن الشر في هذا العالم يخدم فعلياً غرضاً خيراً في النهاية. إنه يخلق أفضل عالم أبدي ممكن.
الملحد: ولكن لماذا يخلق الله أناساً رغم معرفته بأنهم سيختارون جهنم؟
المسيحي: هل عندك أطفال؟
الملحد: نعم. وأنا نفسي كنت طفلاً!
المسيحي: لماذا أنجبتهم رغم معرفتك أنهم سيعصونك يوماً ما؟
الملحد: زوجتي كثيراً ما تسألني ذلك السؤال!
المسيحي: أنا أعرف لماذا أنجبت أبنائي. لأن الحب لا يخشى المخاطرة. كنت مستعداً أن أخاطر بالفقد في سبيل أن أختبر فرح الحب. وهو ما ينطبق على كل بطولة سوبر بول. كلا الفريقين يعرفان أن أحدهما سيخسر، ومع ذلك كلاهما مستعدان أن يلعبا رغم المخاطرة.
الملحد: ينبغي أن أعترف أن إجابتك منطقية على المستوى الفكري، ولكن الشر ما زال يزعجني.
المسيحي: ويزعجني أنا أيضاً، ويجب أن يزعجنا. فكلنا نعرف أن هذا العالم ليس في الوضع الصحيح، وكلنا نشتاق للسماء. وربما اشتياقنا للسماء مؤشر آخر على أنها حقيقة (ناقشنا بعض المؤشرات الأخرى التي تدلل على ذلك في هذا الكتاب).
الملحد: محتمل، ولكني لا أظن أن إجابتك الفكرية يمكنها أن تساند شخصاً يعاني من الشر.
المسيحي: قد تكون على صواب. ولكنك لست مضطراً أن تصمد أمام الشر بالإجابات فقط. يمكنك أن تستند على المعزي الإلهي، أي الروح القدس، ليساعدك وسط حياة الألم والمعاناة التي تبني النفس.
الملحد: أفضل ألا أعاني على الإطلاق عن أن أستند على مُعَزِّ
المسيحي: ربما لذلك لا يضع الله الألم والمعاناة تحت سيطرتك. ولو فعل، من سيختار أن يجتاز فيهما؟
الملحد: لا أحد؟
المسيحي: هذا ليس صحيحاً بالتمام. مؤكد أن رجلاً اختار الألم. يسوع المسيح اختار الألم طوعاً حتى يصالحك ويصالحني مع الله. وكان ذلك هو النموذج الحقيقي الوحيد للشر الذي يحل بشخص صالح بحق. لذا، يمكننا أن نشكو لله من الألم والمعاناة، ولكن يجب أن نعترف أنه لم يعف نفسه منهما. أما أنت وأنا، فالله أحياناً ما ينقذنا من الشر، ولكنه أحياناً يعزينا وسط الشر. وفي أي من الحالتين، سواء عرفنا أسبابه أو لم نعرفها، يمكن للمؤمنين أن يثقوا في الله من حيث أنه يجعل كل الأشياء تعمل معاً للخير حسب خطته الأزلية.
“أخبرني مدرس العلوم في مدرستي الثانوية ذات مرة أن الكثير من مادة سفر التكوين خطأ. ولكن بما أن مدرس العلوم في مدرستي الثانوية لم يثبت أنه الله بالقيامة من الأموات، سأصدق يسوع ولن أصدقه”.
آندي ستانلي Andy Stanley
ويل لكم أيها المراؤون!
كان الكونجرس الأمريكي منعقداً في دورة مشتركة نادرة. ومن ثم، كان كل النواب البالغ عددهم 435 نائب وكل الشيوخ البالغ عددهم 100 حاضرين، وكانت كاميرات شبكة سي-سبان التليفزيونية C-SPAN-TV تباشر عملها. وقد اجتمع الأعضاء معاً لسماع كلمة من أحد أحفاد جورج واشنطن. ولكن ما ظنوه سيكون خطاباً مهذباً ذا نبرة تاريخية وطنية سرعان ما انقلب إلى توبيخ يبث على شاشات التليفزيون. فقد صرح حفيد واشنطن من الجيل السابع وهو يهز إصبعه ويرمق الحضور بنظرات حادة:
ويل لكم أيها المراؤون المتكبرون. إنكم مشحونون طمعاً ومنغمسون في ملذاتكم. إنكم تفعلون كل شيء من أجل المظاهر: تخطبون خطباً رنانة وتقفون أمام كاميرات التليفزيون هذه لتبهروا الجماهير. إنكم تسعون لاتخاذ المتكئات الأولى في الولائم وأهم المقاعد أينما ذهبتم. تحبون أن تسمعوا التحيات في مناطقكم ويدعونكم الجميع “شيخ” أو “نائب”. من الخارج تظهرون للناس أبراراً، ولكنكم من الداخل مملؤون رياء وشراً. تقولون إنكم تريدون أن تطهروا واشنطن، ولكنكم حالما تصلون إلى هنا، تصبحون أبناء للجحيم أضعاف أولئك الذين تخلصتم منهم.
ويل لكم أيها المشرعون المراؤون. إنكم لا تعملون بما تعظون. فأنتم تضعون أحمالاً ثقيلة على المواطنين، ولكنكم بعدئذ تتهربون من القوانين التي وضعتموها.
ويل لكم أيها الفدراليون الأغبياء. إنكم تقسمون اليمين على تأييد الدستور والدفاع عنه، ولكنكم بعدئذ تبطلون الدستور بالسماح للقضاة أن يضعوا القوانين كما يشاؤون. ويل لكم أيها المراؤون العميان. تقولون إنكم لو عشتم في أيام الآباء المؤسسين، لما شاركتم معهم في الاستعباد، ولما وافقتم على أن العبيد من ممتلكات سادتهم ولصممتم أنهم بشر لهم حقوق راسخة. ولكنكم تشهدون على أنفسكم لأنكم اليوم تقولون إن الطفل قبل ولادته ملك أمه ولا حق له على الإطلاق! سيأتي عليكم كل دم زكي سفك في هذا البلد. أيها الثعابين، أولاد الأفاعي، لقد تركتم هذه القاعة المهيبة خراباً. كيف ستهربون من هلاك الجحيم!
طبعاً هذا الخطاب لم يحدث أبداً في الواقع (ولو حدث، لسمعت به حتماً). فمن يمكنه أن يكون بهذه الشِدة مع قادة الأمة؟ مؤكد ليس ممن يزعمون أنهم مسيحيون. هل أنت متأكد من ذلك؟
رغم أننا لسنا متأكدين من أن يسوع كان سيقول تلك العبارات لساسة اليوم، فالحقيقة أنه قال مثل هذه الأشياء لرجال الدين في عصره. ماذا؟! يسوع الرقيق الطيب؟ قطعاً. إذا قرأت متى 23، سترى أن الكثير من خطبتنا التخيلية مأخوذ بتصرف من خطاب يسوع الحقيقي الذي وجهه للجموع والفريسيين. إن يسوع الحقيقي عكس يسوع الرخو الذي اخترعه اليوم أولئك الذين يريدون أن يتعاملوا مع الأمور برخاوة. يسوع الحقيقي علم بسلطان ولم يتهاون مع الخطأ. فعندما كان رجال الدين مخطئين، كان يصدر أحكاماً عادلة ويعرف الجميع بتلك الأحكام. ومن يصحح الأخطاء أفضل من الله نفسه؟ وبما أن يسوع هو الله، إذن كل تعاليمه صحيحة.
إن الأناجيل التي تثبت صحتها تاريخياً تسجل تعاليم يسوع في الكثير من الموضوعات. إلا أن تعليم يسوع الأعمق أثراً هو ما يتعلق بالكتاب المقدس. فإن علم يسوع أن الكتاب المقدس هو كلمة الله، إذن الكتاب المقدس هو أول مصدر نستقي منه الحق الإلهي. فبم علم يسوع عن الكتاب المقدس؟
ماذا علم يسوع عن الكتاب المقدس؟
العهد القديم
علم يسوع أن العهد القديم كلمة الله بسبع طرق. فقد قال إنه:
1 – له سلطة إلهية: عندما جرب الشيطان يسوع، صحح يسوع كلامه بالاقتباس من العهد القديم. فقد قال: «“مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله”… قال له يسوع: “مكتوب أيضاً: لا تجرب الرب إلهك”…. حينئذ قال له يسوع: “اذهب يا شيطان! لأنه مكتوب: “للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد”» (متى 4: 4، 7، 10). لماذا يقتبس يسوع بكل هذه الثقة من العهد القديم لو لم يكن ذا سلطة مرجعية؟ لا بد أنه اعتبر العهد القديم مصدراً للحق حتى يطرد به أقوى أعدائه.
وفي الحقيقة يسوع ورسله دعموا موقفهم في اثنين وتسعين موضعاً بكلمة “مكتوب” (أو ما يقابلها) يعقبها اقتباس من العهد القديم. لماذا؟ لأن يسوع ورسله اعتبروا أسفار العهد القديم كلمة الله المكتوبة، ومن ثم تكون المرجعية النهائية للحياة.
2 – لا يزول: تتضمن الموعظة على الجبل نصاً محبوباً لدى المحافظين والليبراليين على حد سواء، وفيه زعم يسوع انه ولا حتى أصغر علامة ضئيلة في الأسفار المقدسة. أي ما يعادل نقطة على حرف”ن” أو شرطة على حرف “ط”، يمكن أن تزول. فقد صرح قائلاً: «لا تظنوا أين جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل» (متى 5: 17). لم يجد يسوع كلمات أقوى من هذه تعبر عن ثبات الكلمة المكتوبة.
3 – خال من الأخطاء المتعلقة بالحق اللاهوتي Infallible: في يوحنا 10 كان يسوع على وشك أن يرجم بتهمة التجديف. ورداً على هذا الموقف استشهد بالعهد القديم وقال: «ولا يمكن أن ينقض المكتوب» (يوحنا 10: 35). وهو ما يعني أنه عندما تعرضت حياته للخطر لجأ إلى حجة خالية من الأخطاء يستحيل أن تنقض، ألا وهي الأسفار المقدسة. وقد أكد بعدئذ حق الكتاب المقدس عندما صلى للتلاميذ قائلاً «قدسهم في حقك. كلامك هو حق» (يوحنا 17: 17).
4 – معصوم عصمة مطلقة من كل الأخطاء Inerrant: عندما حاول الصدوقيون أن يصطادوا يسوع بسؤال، قال لهم: «تضلون[1] إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله» (متى 22: 29). والمضمون أن الكتب المقدسة لا يشوبها أي خطأ. لأنه لا معنى أن يقول له يسوع: «تخطئون إذ لا تعرفون الكتب التي تخطئ أيضاً».
5 – صحيح تاريخياً: بالإضافة إلى ما صرح به يسوع عن سلطة العهد القديم الإلهية، واستحالة زواله، وخلوه من الخطأ، وعصمته المطلقة، فقد أكد اثنتين من أكثر قصص العهد القديم التي تتعرض للتشكيك: نوح (متى 24: 37، 38) ويونان (متى 12: 40). لقد تحدث يسوع عن هاتين القصتين باعتبارهما صحيحتين تاريخياً. وما المانع أن تكونا صحيحتين؟ إن المعجزات المرتبطة بكل من نوح ويونان هي أمر يسير بالنسبة لإله كلي القدرة خلق الكون. فنحن بذكائنا المحدود نشيد سفناً عملاقة ونبقي على البشر أحياء تحت الماء لمدة شهور. فلماذا لا يستطيع الله أن يفعل الشيء نفسه؟
ويسوع أكد أيضاً جوانب أخرى في العهد القديم ينكرها النقاد. فقد علم أن دانيال كان نبياً (متى 24: 15) رغم أن الكثير من النقاد يقولون إن دانيال لم يكن إلا مؤرخاً. (والنقاد يزعمون أن سفر دانيال كتب بعد زمن دانيال، لأنه من المستحيل أن يتنبأ بكل تلك النبوات. وهنا أيضاً ينكشف تحيزهم ضد ما هو فوق طبيعي). علاوة على ذلك، اقتبس يسوع عدة أجزاء محددة من سفر إشعياء (مثلاً: متى 13: 14، 15؛ 15: 7، 8؛ لوقا 4: 17-19)، ولم يشر مرة واحدة إلى كاتبين أو ثلاثة لسفر إشعياء كما يزعم الكثير من النقاد.
6 – دقيق علمياً: لقد قال يسوع مزاعم أخرى تتناقض مع مزاعم نقاد اليوم. فعندما سئل عما إذا كان الطلاق مقبولاً. اقتبس حقيقة علمية من سفر التكوين. فقد قال: «أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكراً وأنثى؟ وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسداً واحداً. إذاً ليسا بعد اثنين بل جسد واحد. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان» (متى 19: 4-6). وهو ما يعنى أن طبيعة الزواج متجذرة في الحقيقة العلمية التي تقول إن آدم وحواء مخلوقان لغرض.
فضلاً عن ذلك، يسوع لم يقبل الفكرة الزائفة التي تقول بأن الكتاب المقدس يستطيع أن يعرفك كيف “تسير إلى السماء” ولكنه لا يستطيع أن يعرفك “كيف تسير السماوات”. فقد قال لنيقوديموس: «إن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون، فكيف تؤمنون إن قلت لكم السماويات؟» (يوحنا 3: 12). وهو ما يعنى أن يسوع علم بأنه إن كان الكتاب المقدس لا يقول الحق عن العالم المادي الذي تراه، إذن لا يمكنك الثقة فيه عندما يتكلم عن العالم الروحي الذي لا تراه. مؤكد أن المسيحية مبنية على أحداث تاريخية يمكن اختبارها بالفحص العلمي والتاريخي، كالخلق والقيامة. فرغم أن أتباع الديانات الأخرى يمكنهم أن يقبلوا الفصل التام بين الدين والعلم، المسيحيون لا يستطيعون أن يفعلوا هذا. وذلك لأن الحق المتعلق بالكون لا يمكن أن يكون متناقضاً. فبما أن كل الحق هو حق الله. فينبغي أن تتوافق المعتقدات الدينية مع الحقائق العلمية. وإن لم تتوافق معها، فإما أن هناك خطأ في فهمنا العلمي، أو في معتقداتنا الدينية. وكما رأينا، الكثير من مزاعم المسيحية ثبتت صحتها بالفحص العلمي. وهو ما كان يعرفه المسيح.
7 – هو أعلى مرجعية: بما أن يسوع علم أن العهد القديم له سلطة إلهية، ولا يزول، وخال من الأخطاء اللاهوتية، ومعصوم عصمة مطلقة، وصحيح تاريخياً، ودقيق علمياً؛ فمن المتوقع أن يؤكد علو العهد القديم فوق أي تعاليم بشري. وهو ما قاله يسوع بالضبط. فقد صحح كلام الفريسيين ومعلمي الناموس عندما زعم أنه يجب عليهم طاعة أسفار العهد القديم بدلاً من تقاليدهم البشرية. فقال لهم يسوع: «لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم؟ …. فقد أبطلتم وصبة الله بسبب تقليدكم!» (متى 15: 3، 6). ثم وبخهم لتقاعسهم عن السلوك وفقاً للكتاب المقدس بالاقتباس من العهد القديم: «يا مراؤون! حسناُ تنباً عنكم إشعياء قائلاً: يقترب إليّ هذا الشعب بفهم، ويكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً، وباطلاً يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس» (متى 15: 7-9). لماذا يصحح يسوع فكر قادة إسرائيل الدينين مستخدماً العهد القديم ما لم يكن العهد القديم هو المرجعية العليا فوق فكرهم؟
في ضوء تعليم يسوع، لا شك أنه اعتبر العهد القديم كله كلمة الله المكتوبة المعصومة من الخطأ. فقد قال إنه أتى ليتمم العهد القديم اليهودي كله (متى 5: 17) الذي أشار إليه بتعبير «الناموس والأنبياء» (متى 5: 17؛ لوقا 24: 26، 27). وقد قال لليهود: «فتشوا الكتب لأنكم تظنون إن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي. ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة» (يوحنا 5: 39، 40).
إذن يسوع أتى ليتمم الكتب التي تشهد له. ولكن مم يتألف ذلك العهد القديم؟ ما الأسفار التي كان يشير إليها يسوع عندما يقول “الكتب”؟ في توبيخ يسوع للفريسيين في متى 23 شمل كل أسفار العهد القديم اليهودي، من أولها إلى آخرها عندما صرح قائلاً: «لكي يأتي عليكم كل دم زكي سفر على الأرض، من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح» (الآية 35). لقد قتل هابيل في أول سفر من العهد القديم اليهودي (التكوين)، وقتل زكريا في آخر سفر (أخبار الأيام).
حدث العهد القديم
تأكيدات العهد الجديد
1 – خلق الكون (تكوين 1)
يوحنا 1: 3؛ كولوسي 1: 16
2 – خلق آدم وحواء (تكوين 1، 2)
1تيموثاوس 2: 13، 14
3 – زواج آدم وحواء (تكوين 1، 2)
متى 19: 4، 5
4 – غواية المرأة (تكوين 3)
1تيموثاوس 2: 14
5 – عصيان آدم وخطيته (تكوين 3)
رومية 5: 12؛ 1كورنثوس 15: 22
6 – قربانا هابيل وقايين (تكوين 4)
عبرانيين 11: 4
7 – قتل قايين لهابيل (تكوين 4)
1يوحنا 3: 12
8 – مولد شيث (تكوين 4)
لوقا 3: 38
9 – نقل أخنوخ (تكوين 5)
عبرانيين 11: 5
10 – الزواج قبل الطوفان (تكوين 6)
لوقا 17: 27
11 – الطوفان ومحو الإنسان (تكوين 7)
متى 24: 39
12 – حفظ نوح وأسرته (تكوين 8، 9)
2بطرس 2: 5
13 – مواليد سام (تكوين 10)
لوقا 3: 35، 36
14 – مولد إبراهيم (تكوين 11)
لوقا 3: 34
15 – دعوة إبراهيم (تكوين 12، 13)
عبرانيين 11: 8
16 – تقديم العشور لملكي صادق (تكوين 14)
عبرانيين 7: 1-3
17 – تبرير إبراهيم (تكوين 15)
رومية 4: 3
18 – إسماعيل (تكوين 16)
غلاطية 4: 21 -24
19 – الوعد بإسحاق (تكوين 17)
عبرانيين 11: 18
20 – لوط وسدوم (تكوين 18، 19)
لوقا 17: 29
21 – مولد إسحاق (تكوين 21)
أعمال 7: 8
22 – تقديم إسحاق (تكوين 22)
عبرانيين 11: 17
23 – العليقة المتقدة (خروج 3: 6)
لوقا 20: 37
24 – العبور في وسط البحر الأحمر (خروج 14: 22)
1كورنثوس 10: 1، 2
25 – إعطاء الماء والمن (خروج 16: 4؛ 17: 6)
1كورنثوس 10: 3-5
26 – رفع الحية في البرية (عدد 21: 9)
يوحنا 3: 14
27 – سقوط أريحا (يشوع 6: 22-25)
عبرانيين 11: 30
28 – معجزات إيليا (1ملوك 17: 1؛ 18: 1)
يعقوب 5: 17
29 – يونان والحوت (يونان 2)
متى 12: 40
30 – ثلاثة فتية عبرانيين في الأتون (دانيال 39
عبرانيين 11: 34
31 – دانيال في جب الأسود (دانيال 6)
عبرانيين 11: 33
32 – مقتل زكريا (2أخبار 24: 20-22)
متى 23: 35
في الحقيقة يسوع وكتاب العهد الجديد اقتبسوا كل جزء من العهد القديم باعتباره مرجعاً صحيحاً في إشارتهم إلى أحداث وردت في ثمانية عشر سفراً من الاثنين وعشرين سفراً التي يتكون منها العهد القديم اليهودي[2]. إلا أن النقاد يشككون في تاريخية الكثير من الأحداث المذكورة في الجدول السابق. ولكن يسوع والرسل يستشهدون بها باعتبارها صحيحة تاريخياً. وبالإضافة إلى تأكيد يسوع لتاريخية نوح ويونان، فهو نفسه يؤكد تاريخية الخلق (مرقص 13: 19). وآدم وحواء (متى 19: 4، 5)، وسدوم وعمورة (لوقا 10: 12)، وموسى والعليقة المتقدة (لوقا 20: 37)، وهو ما يبين أن يسوع ربط الحقيقة التاريخية للعهد القديم بحق رسالته الروحية.
ولكن ألا يمكن أن يكون يسوع مخطئاً؟ إذن يسوع أعلن أن العهد القديم بجملته هو كلمة الله المعصومة، وقد أكد وتلاميذه أحداث العهد القديم التي ينكرها الكثير من النقاد. ولكن ألا يمكن أن يكون يسوع مخطئاً؟ من المحتمل أنه لم يقصد أن أحداث العهد القديم تلك حدثت بالفعل، ولكنه قصد فقط أن اليهود اعتقدوا أنها حدثت. وهو ما يعني أنه كان فقط يتكيف مع معتقدات اليهودي، أي أنه يقول: «كما تؤمنون بيونان، يجب أن يؤمنوا بقيامتي».
إن نظرية التكيف هذه لا تصلح. فكما رأينا، يسوع لم يتهاون مع الخطأ. فهو لم يتكيف مع معتقدات اليهود كما يرجح بعض الشكوكيين. ولكنه وبخهم وصحح أخطاءهم مراراً بدءًا بالتوبيخ العلني الصريح (مثل متى 23) انتهاءً بتصحيح تفسيراتهم الخاطئة للعهد القديم (متى 5: 21-43)، وقلب الموائد في الهيكل (متى 21؛ مرقص 11؛ يوحنا 29). إن يسوع لم يتهاون في أي شيء، فمؤكد أنه لم يتهاون في حق العهد القديم.
وقد يقول الشكوكي: «ولكن ألا يمكن أن يكون يسوع قد أخطأ بسبب محدوديته البشرية؟ فمهما كان، إن كان لم يعرف موعد مجيئه الثاني، ربما أنه لم يعرف بأخطاء العهد القديم». لا، نظرية المحدودية هذه لا تصلح أيضاً. فمحدودية الفهم تختلف عن سوء الفهم. صحيح أن يسوع لم يكن يعرف بعض الأشياء بصفته إنساناً. ولكن هذا لا يعني أنه كان مخطئاً فيما عرف من أشياء. ولما عرفه يسوع كان صحيحاً لأنه لم يعلم إلا ما علمه الآب إياه (يوحنا 8: 28؛ 17: 8، 14). فاتهام يسوع بالخطأ يعنى اتهام الله الآب بالخطأ. ولكن الله لا يخطئ لأنه مصدر الحق ومقياسه الثابت[3]. علاوة على ذلك، يسوع أكد حق تعليمه عندما أعلن قائلاً: «السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول» (متى 24: 35)، وعندما قال: «دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض» (متى 28: 18).
فماذا نستخلص من كل ذلك؟ يجب أن نسأل سؤالاً واحداً فقط: من أكثر معرفة بالعهد القديم، المسيح أم النقاد؟ إن كان يسوع هو الله، إذن كل تعاليمه صحيحة. فإن كان يعلم أن العهد القديم له سلطة إلهية، ولا يزول، وخال من الخطأ، ومعصوم، وصحيح تاريخياً، ودقيق علمياً، وأنه المرجعية العليا؛ إذن تلك التعاليم صحيحة. إن مؤهلاته تتفوق على مؤهلات أي ناقد معرض للخطأ (وخاصة أولئك الذين لا يقوم نقدهم على أدلة بل على تحيز غير مشروع ضد ما هو فوق طبيعي).
أدلة أخرى تؤيد العهد القديم:
بالإضافة إلى مزاعم يسوع، هناك الكثير من الأسباب الأخرى التي تؤيد حق وثائق العهد القديم. فمثلاً، العهد القديم يشترك مع العهد الجديد في الكثير من السمات التي تجعله جديراً بالتصديق: تأييد قوي من المخطوطات، وتأكيد علم الآثار، وأحداث قصة لا يمكن أن يخترعها كُتابها.
ولنناقش تلك النقطة الأخيرة قليلاً. من الذي يمكن أن يخترع قصة العهد القديم؟ لو كانت القصة من اختراع العبرانيين، غالباً كانت ستصور الإسرائيليين شعباً نبيلاً مستقيماً. إلا أن كُتاب العهد القديم لا يقولون هذا. ولكنهم يصورن شعبهم عبيداً خطاة متقلبين ينقذهم الله مرة تلو الأخرى بشكل معجزي. ولكنهم يهجرونه كلما سنحت لهم الفرصة. والتاريخ الذي يسجلونه مليء بحالة من العصيان العنيد، وانعدام الثقة، والأنانية. وقادتهم جميعاً أبطال في الخطية، بما فيهم موسى (قاتل)، وشاول (مهوس بجنون العظمة ومركزية الذات)، وداود (زانٍ وكاذب وقاتل)، وسليمان (جمع بين زوجات كثيرات). هؤلاء هم الأشخاص الذين كان يفترض أنهم قادة الأمة التي اختارها الله ليأتي منها بمخلص العالم. ولكن كُتاب العهد القديم يعترفون أن أسلاف هذا المسيا يضمون شخصيات خاطئة مثل داود وسليمان، بل عاهرة اسمها راحاب. واضح أنها ليست قصة مؤلفة.
بينما يخبرنا العهد القديم بخطأ مشين تلو الآخر، معظم المؤرخين القدامى الآخرين يتجنبون حتى ذكر الأحداث التاريخية غير المستحبة. مثلاً، سجلات التاريخ المصري لا تحوي شيئاً عن الخروج، مما يدفع بعض النقاد إلى أن يرجحوا أن الحدث لم يقع مطلقاً ولكن ما الذي يتوقعه النقاد؟ ويتخيل الكاتب بيتر فاينمان Peter Fineman ما الذي يمكن أن يقوله بيان صحفي صادر من قصر الفرعون:
متحدث باسم رمسيس العظيم، فرعون الفراعنة، حاكم مصر الأعلى، ابن رع الذي يرتعد الجميع أمام بهائه المهوب الذي يذهب الأبصار، أعلن اليوم أن الرجل موسى ركل [مؤخرته] الملوكية أمام عيون العالم كله، مما برهن على أن الله هو يهوه وأن حضارة مصر ذات الألفي عام مجرد كذبة. وسنواليكم الأخبار.
بالطبع ما من سكرتير صحفي للفرعون كان سيعترف بهذا الحدث. إن الصمت المصري عن حادثة الخروج مفهوم. إلا أنه، على النقيض من ذلك، عندما أحرز المصريون نصراً عسكرياً اتجهوا إلى الصحافة وبالغوا في النصر بشكل مفرط. وهو ما يتضح من أقدم ما نعرفه من إشارات لإسرائيل خارج الكتاب المقدس. وهي موجودة على أثر من الجرانيت عثر عليه في المعبد الجنائزي للفرعون مرنبتاح في طيبة. والأثر يفخر بالنصر العسكري الذي أحرزه الفرعون في أراضي كنعان الجبلية، زاعماً أن “إسرائيل أخرب وانقطع نسله”. ويُرجع المؤرخون تاريخ المعركة إلى سنة 1207ق.م، وهو ما يؤكد أن إسرائيل كانت في الأرض قبل ذلك التاريخ.
وهناك عدد من الاكتشافات الأثرية الأخرى التي تؤيد العهد القديم. ولعلك تذكر من الفصل الثالث أن عندنا دليلاً حتى من علم الفلك (الانفجار الكبير) يؤيد سفر التكوين. (لمزيد من الأدلة المؤيدة للعهد القديم، انظر “موسوعة بيكر للدفاعيات المسيحية”). ولكن في النهاية، أقوى حجة تؤيد العهد القديم تأتي من يسوع نفسه. فبصفته الله، هو صاحب الورقة الفائزة. وإن كانت وثائق العهد الجديد صادقة، إذن العهد القديم معصوم من الخطأ لأن يسوع قال إنه كذلك.
وهو ما عبر عنه صديقنا آندي ستانلي تعبيراً رائعاً بقوله: «أخبرني مدرس العلوم في مدرستي الثانوية ذات مرة أن الكثير من مادة سفر التكوين خطأ. ولكن بما أن مدرس العلوم في مدرستي الثانوية لم يثبت أنه الله بالقيامة من الأموات، سأصدق يسوع ولن أصدقه». تصرف حكيم.
ماذا عن العهد الجديد؟
لقد علم يسوع أن العهد القديم معصوم من الخطأ، ولكن ماذا عساه أن يقول عن العهد الجديد؟ فمهما كان من أمر، العهد الجديد لم يكن قد كُتب حتى نهاية حياة المسيح على الأرض.
لقد أكد يسوع صحة العهد القديم، ووعد بالعهد الجديد. فقد قال إن العهد الجديد سيأتي عن طريق رسله لأن الروح القدس سيذكرهم بما قاله يسوع وسيرشدهم إلى “جميع الحق”. وهذا الكلام مسجل في موضعين في إنجيل يوحنا. فقد أعلن يسوع:
«بهذا كلمتكم وأنا عندكم، وأما المعزي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم» (يوحنا 14: 25، 26).
وأعلن أيضاً:
«إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية» (يوحنا 16: 12، 13).
وهو ما يعني أن يسوع يَعِد رسله أن الروح القدس سيقودهم لكتابة ما نعرفه حالياً باسم العهد الجديد. وقد ردد بولس فيما بعد هذا التعليم عندما أكد أن الكنيسة مبنية «على أساس الرسل والأنبياء، ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية» (أفسس 2: 20). وهو ما أدركته الكنيسة الأولى أيضاً لأنهم كانوا «يواظبون على تعليم الرسل» (أعمال 2: 42).
ولكن هل الرسل أخذوا الرسالة فعلاً من الروح القدس كما وعد يسوع؟ مؤكد أنهم يزعمون ذلك. فيوحنا يكتب أن الرسل «من الله» (1يوحنا 4: 6)، ويبدأ سفر الرؤيا بهذه الكلمات: «إعلان يسوع المسيح، الذي أعطاه إياه الله» (رؤيا 1: 1). وبولس يزعم أنه يتكلم بما «يعلمه الروح» (1كورنثوس 2: 10، 13؛ 7: 40)، وأن كتاباته هي «وصايا الرب» (1كورنثوس 14: 37). وفي افتتاحية رسالته لمؤمني غلاطية يصرح قائلاً: «وأعرفكم أيها الأخوة الإنجيل الذي بشرت به، أنه ليس بحسب إنسان. لأني لم أقبله من عند إنسان ولا عُلِّمته. بل بإعلان يسوع المسيح» (غلاطية 1: 11، 12). والحقيقة أنه في رسالته الأولى إلى مؤمني تسالونيكي يؤكد أنه يقدم لهم كلمة الله: «من أجل ذلك نحن أيضاً نشكر الله بلا انقطاع، لأنكم إذ تسلمتم منا كلمة خبر من الله، قبلتموها لا ككلمة أناس، بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله، التي تعمل أيضاً فيكم أنتم المؤمنين» (1تسالونيكي 2: 13). وبالإضافة إلى تأكيد بولس أن كتاباته وحي من الله، فهو يقتبس من إنجيلي لوقا ومتى ويطلق عليهما “الكتاب”، وبذلك يضعهما على نفس المستوى مع سفر التثنية (1تيموثاوس 5: 18؛ لوقا 10: 7؛ متى 10: 10).
وعندما يشير بطرس إلى رسائل بولس، يؤكد أنها موحى بها من الله، ويكتب قائلاً: «كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس أيضاً بحسب الحكمة المعطاة له، كما في الرسائل كلها أيضاً. متكلماً فيها عن هذه الأمور، التي فيها أشياء عسرة الفهم، بحرفها غير العلماء وغير الثابتين. كباقي الكتب أيضاً، لهلاك أنفسهم» (2بطرس 3: 15، 16؛ قارن 2تيموثاوس 3: 15، 16). ويؤكد بطرس أيضاً أن كلامه وكلام سائر الرسل ينبع من مصدر إلهي عندما يصرح بالقول: «لأننا لم نتبع خرافات مصنعة، إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه، بل قد كنا معاينين عظمته… وعندنا الكلمة النبوية، وهي أثبت، التي تفعلون حسناً إن انتبهتم إليها…. عالمين هذا أولاً: أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس» (2بطرس 1: 16-21).
إلا أن الرسل لم يكتفوا بزعم أنهم يستقبلون رسائل من الله. فأي شخص يمكن أن يزعم هذا الزعم. ولكنهم الدليل على أن كلامهم موحى به من الله، وكان دليلهم ما صنعوه من آيات والحقيقة أن أحد مؤهلي الرسول يتمثل في قدرته على فعل مثل هذه الآيات، والمؤهل الآخر هو أن يكون شاهد عيان للقيامة (أعمال 1: 22؛ 1كورنثوس 9: 1). وقد أكد بولس رسوليته عندما صرح لقرائه من مؤمني كورنثوس قائلاً: «إن علامات الرسول صنعت بينكم في كل صبر بآيات وعجائب وقوات» (2كورنثوس 12: 12). ولا بد أن بولس كان يقول الحقيقة بشأن أنه صنع معجزات بينهم، وإلا فقد كل مصداقيته أمام قرائه.
بالإضافة إلى زعم بولس بأنه صنع معجزات، يسجل لوقا خمساً وثلاثين معجزة في سفر الأعمال فقط، ذلك السفر الذي فحصناه وقد تبرهنت صحته بكل يقين، وهو الذي يسجل تاريخ انتشار الكنيسة منذ القيامة حتى حوالي سنة 60م. ومعظم هذه المعجزات صنعها الرسل (قليل منها صنعه الملائكة أو الله). علاوة على ذلك، كاتب العبرانيين في حديثه عن الخلاص الذي تكلم به الرب، يصرح قائلاً: «ثم تثبت لنا من الذين سمعوا، شاهداً الله معهم بآيات وعجائب وقوات متنوعة ومواهب الروح القدس، حسب إرادته» (عبرانيين 2: 3، 4). ولعلك تتذكر من الفصل الثامن أن المعجزات هي الوسيلة التي يستخدمها الله في المصادقة على أنبيائه. فالمعجزة تؤكد الرسالة. والآية تؤكد العظة. وأفعال الله تؤكد كلمة الله لشعب الله (خروج 4؛ 1ملوك 18؛ يوحنا 3: 2؛ أعمال 2: 22). إنها طريقة الله ليخبرنا أن الرسالة فعلاً منه. ورسل العهد الجديد أكدوا أن رسالتهم من الله، بما أجروه من معجزات.
وقد يقول الشكوكي: «إن قصص المعجزات هذه من تأليفهم». كلام فارغ. فقد رأينا في الفصول العاشر والحادي عشر، والثاني عشر أنهم كانوا مؤرخين في غاية الدقة ولم يكن عندهم أي دافع لاختراع قصص المعجزات. والحقيقة أن كل الدوافع كان يجب أن توجههم نحو عدم تأليف هذه القصص لأنهم احتملوا التعذيب، والضرب، والقتل بسبب تمسكهم بها.
فضلاً عن ذلك، القدرة على صنع المعجزات لم تكن تحت سيطرتهم في نهاية الأمر، ولكنها كانت في يد الله نفسه. كيف نعرف ذلك؟ لسببين. الأول هو أن الرسل يبدو أنهم فقدوا القدرة على إجراء المعجزات نحن منتصف الستينيات. فكاتب العبرانيين الذي كتب في أواخر الستينيات أشار إلى هذه المواهب المعجزية الخاصة التي تمنح للرسول في زمن الفعل الماضي (عبرانيين 2: 3، 4). وفي خدمة بولس بعد ذلك يبدو أنه لم يتمكن من شفاء بعض مساعديه المقربين (فيلبي 2: 26؛ 2تيموثاوس 4: 20). فلو ظل محتفظاً بالقدرة على إجراء المعجزات حتى ذلك الحين، فلماذا كان يطلب الصلاة وينصح مساعديه بتناول الأدوية (1تيموثاوس 5: 23)؟
ثانياً، حتى عندما كان بولس يجري معجزات لم يقدر أن يشفي علته الجسدية (غلاطية 4: 13). والحقيقة أننا لا نرى في الكتاب المقدس شخصاً واحداً يجري معجزة لفائدته الشخصية أو للتسلية. وهو ما يبين أن القدرة على إجراء المعجزات كان محدودة بإرادة الله (قارن عبرانيين 2: 4). فالمعجزات أجريت لغرض محدد، وهو عادة تأكيد صدق رسول جديد أو إعلان سماوي جديد.
وقد يفسر ذلك عدم ذكر أي معجزات رسولية في رسائل بولس بعد نحو سنة 62م، وهو آخر تاريخ يمكن أن يكون سفر الأعمال قد كتب فيه[4]. فبحلول ذلك الوقت، كان بولس وسائر الرسل قد تبرهنوا أنهم مرسلون حقيقيون من الله، ولم يعد هناك احتياج لمزيد من البراهين.
روح الرب على يسوع: هناك مجموعة أخرى من الأدلة على إعطاء يسوع والروح القدس للعهد الجديد. لقد تنبأ العهد القديم بأن المسيا سيأتي وأنه سوف “يبشر بخبر سار”، ويسوع أعلن أنه تمم تلك النبوة. فكما هو وارد في لوقا 4، يسوع يدخل مجمع الناصرة، مدينته الأم، ويزعم هذا الزعم المذهل. وهذا هو ما يقوله لوقا:
وقام [يسوع] ليقرأ، فدُفع إليه سفر إشعياء النبي، ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوباً فيه: «روح الرب عليّ، لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية، وأكرز بسنة الرب المقبولة». ثم طوى السفر وسلمه إلى الخادم، وجلس. وجميع الذين في المجمع كانت عيونهم شاخصة إليه. فابتدأ يقول لهم: «إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم» (لوقا 4: 14-21).
ما الذي تم ذلك اليوم؟ المجيء الأول للمسيا. فيسوع في اقتباسه إشعياء 61: 1، 2، توقف في منتصف الآية ليبين أنه المسيا الذي أتى ليبشر المساكين، ولينادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وهكذا. ولكنه توقف في منتصف الآية 2 لأن النصف الثاني من الآية يعلن عن “يوم انتقام لإلهنا” الذي يشير إلى مجيء المسيح الثاني. ولكن اليهود في مدينته الذين كانوا يعرفون أن يسوع ابن يوسف، عرفوا أيضاً أنه كان يزعم بذلك أنه المسيا. وفي الحقيقة، بعد أن زعم يسوع زعماً مسيانياً آخر، امتلأ الجمع غضباً حتى أنهم أخرجوه خارج المدينة ليطرحوه من على حافة الجبل. ولكن يسوع جاز في وسطهم ومضى (4: 22-30).
ويتنبأ إشعياء 61 أن المسيا سيجري معجزات شفاء، ويبشر، ويرسل المنسحقين في الحرية بروح الرب. وهو ما يعني أن المسيا سيفعل ما فعله يسوع بالضبط: يأتي بإعلان سماوي جديد ويؤيده بالمعجزات. وطبعاً بما أن المسيا سيعطي إعلاناً جديداً، فينبغي أن يدوّن. ولذلك وعد يسوع رسله أن الروح القدس سيذكرهم بكل ما قاله لهم ويرشدهم على “جميع الحق” (يوحنا 14: 26؛ 16: 13).
اكتشاف الأسفار القانونية: ماذا يعني كل هذا فيما يختص بالعهد الجديد؟ يعني أنه وفقاً لما قاله يسوع، الأسفار الوحيدة التي يجب أن تشكل العهد الجديد هي التي كتبها رسله أو أكدوا صحتها. فما هي تلك الأسفار تحديداً؟
ينبغي أن نزيل فهماً خاطئاً شائعاً بخصوص ما نطلق عليه “القانونية”. فمن الخطأ أن نقول إن “الكنيسة” أو آباء الكنيسة الأوائل حددوا المادة التي يجب أن تشكل العهد الجديد. وذلك لأنهم لم يحددوا ما يشكل العهد الجديد، ولكنهم اكتشفوا ما قصد الله أن يكون في العهد الجديد. وهو ما عبر عنه بروس متسجر الأستاذ في جامعة برينستون تعبيراً جيداً. فقد قال: «القانونية هي قائمة من مجموعة أسفار ذات سلطة مرجعية، أكثر مما هي قائمة ذات سلطة مرجعية من مجموعة أسفار. فهذه الوثائق لم تستمد سلطتها من وقوع الاختيار عليها. بل إن كلاً منها كان له هذه السلطة قبل أن يقوم أي شخص بجمعها». وهو ما يعني أن الأسفار الوحيدة التي يجب أن تؤلف العهد الجديد هي التي أوحى بها الله. وبما أن يسوع قال إن رسله سيكتبون تلك الأسفار، فأسئلتنا الوحيدة أسئلة تاريخية: 1) من هم الرسل؟ 2) وماذا كتبوا؟
وآباء الكنيسة الأوائل يمكنهم أن يساعدونا في الإجابة عن هذين السؤالين لأنهم كانوا أقرب كثيراً للأحداث منا. والحقيقة أنهم لم يواجهوا مشكلة في اكتشاف الطبيعة الإلهية لأسفار العهد الجديد الكبرى. فبالرغم من وجود بعض الخلاف في البداية حول بعض الأسفار الصغيرة (مثل رسائل فليمون، ويوحنا الثالثة، وبعقوب)، فآباء الكنيسة الأوائل أدركوا فوراً أن الأناجيل والرسائل الكبرى موحى بها من الله. لماذا؟ لأنهم عرفوا أن هذه الأسفار مكتوبة بيد رسل (أو بيد أشخاص صادق الرسل عليهم)، وأولئك الرسل تبرهنوا بالمعجزات. ولكن كيف عرفوا ذلك؟ لأن هناك سلسلة متصلة من الشهادة بدءًا من الرسل حتى آباء الكنيسة الأوائل بخصوص الكتاب الحقيقين لأسفار العهد الجديد وأصالتها.
ويوحنا، الذي كان يعرف كل الرسل طبعاً، كان عند تلميذ اسمه بوليكاريوس (69-155م)، وبوليكاريوس كان عند تلميذ اسمه إيريناوس (130-202). ويستشهد بوليكاريوس وإيريناوس معاً بثلاثة وعشرين سفراً من السبعة والعشرين التي يتكون منها العهد الجديد. باعتبارها أسفاراً أصلية، وفي بعض الحالات يقولان صراحة أنها أصلية[5]. ويؤكد إيريناوس صراحة كُتاب الأناجيل الأربعة جميعاً. إضافة إلى ذلك، نعرف من المؤرخ يوسابيوس أن بابياس Papias (60-120) أكد أن متى هو كاتب إنجيله، وكذلك مرقص هو كاتب إنجيل مرقص. ولا أحد يشك في أن بولس هو كاتب الرسائل الكبرى التي تحمل اسمه.
وإن كان آباء الكنسية الأوائل اكتشفوا على الفور أن الكتابات في العهد الجديد أسفار أصلية، فقد تم قبول معظم العهد الجديد قبل سنة 200م، ثم أُقر كله باعتباره أصلياً بشكل رسمي ونهائي في مجمع هيبو سنة 393. انظر الجدول التالي.
وقد يسأل الشكوكي: «لماذا استغرق إقرار هذه الأسفار كل هذا الوقت؟» ربما لأن المسيحية لم تكن ديانة شرعية عموماً في الإمبراطورية الرومانية حتى سنة 313. فلم يكن بوسع آباء الكنيسة الأوائل أن يذهبوا إلى أقرب فندق هيلتون في المدينة ويعقدوا مؤتمراً للكتاب المقدس لفحص الأدلة معاً والتوصل إلى استنتاج. لقد كانوا غالباً يخشون على حياتهم وهم داخل بيوتهم! ولكن النقطة المهمة أنه ما أن طرحت كل الأدلة على المائدة، حتى تم إقرار أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين جميعاً. وهذه السبعة والعشرين فقط باعتبارها أسفاراً أصلية.
وهذه الأسفار السبعة والعشرين تشكل السجل الأصلي الوحيد لتعليم الرسل المتاح لنا. وكما رأينا، كل تلك الأسفار كتبت في القرن الأول بقلم شهود عيان أو بقلم أشخاص نقلوا عن شهود عيان. وهو ما يعني أنها مطابقة للمعايير التي وضعها يسوع. أي أنها أسفار كتبها رسل أو أكد صحتها رسل[6]. وبما أننا لا نعرف أي كتابات رسولية أصلية أخرى، وبما أن من المستبعد أن يسمح الله لعمل أصلي ألا يكتشف كل هذا الزمان، يمكننا أن نطمئن إلى أن قانونية العهد الجديد قد اكتملت.
كيف يمكن أن يكون الكتاب المقدس معصوماً؟
بما أن يسوع أكد أن العهد القديم كلمة الله المعصومة، إذن لا بد أن يكون العهد الجديد أيضاً الذي وعد به جزءًا من كلمة الله المعصومة. ولكن كيف ذلك؟ أليس الكتاب المقدس مليئاً بعشرات، إن لم يكن مئات الأخطاء؟
لا. الكتاب المقدس لا يحوي أخطاء، ولكن مؤكد أن فيه أخطاء مزعمة أو صعوبات والحقيقة أني (نورم) وأستاذ آخر في كلية اللاهوت الإنجيلية الجنوبية، يدعى توماس هو Thomas Howe ألفنا كتاباً بعنون “عندما يسأل النقاد” When Critics Ask يتناول أكثر من 800 صعوبة رصدها النقاد في الكتاب المقدس (وهناك المزيد عن عصمة الكتاب المقدس في “اللاهوت النظامي”، الجزء الأول Systematic Theology, Volume One). ورغم أننا طبعاً لا نستطيع أن نضع مادة هذين الكتابين في هذا الكتاب، إليك بضع نقاط جديرة بالذكر.
أولاً، لنوضح منطقياً لماذا يستحيل أن يحتوي الكتاب المقدس على أخطاء:
1 – الله لا يخطئ.
2 – الكتاب المقدس كلمة الله.
3 – إذن الكتاب المقدس لا يخطئ.
بما أن هذا قياس منطقي (شكل من أشكال التفكير المنطقي) سليم. فإن كانت الفرضيات صحيحة، إذن النتيجة صحيحة. إن الكتاب المقدس يعلن بوضوح أنه كلمة الله. وقد رأينا الأدلة القوية على ذلك. والكتاب المقدس يخبرنا أيضاً عدة مرات أن الله لا يخطئ، وهي حقيقة نعرفها من الإعلان العام أيضاً. فالنتيجة حتمية. الكتاب المقدس يستحيل أن يخطئ. فإن أخطأ الكتاب المقدس في أي شيء، إذن الله مخطئ. ولكن الله لا يمكن أن يخطئ.
فماذا يحدث عندما نظن أننا وجدنا خطأ في الكتاب المقدس؟ طينوس عنده الإجابة، وهي إجابة حكيمة، إذ يقول: «إن تحيرنا أمام أي شيء يبدو وكأنه متناقض في الكتاب المقدس، فليس مسموحاُ أن نقول: “كاتب هذا السفر مخطئ”، ولكن إما أن هناك خطأ في المخطوطة، أو في الترجمة، أو أنك لم تفهم». وهو ما يعني أن أغلب الظن أننا نحن المخطئون لا الكتاب المقدس. وفي كتاب “عندما يسأل النقاد” نرصد سبعة عشر خطأ عادة ما يسقط فيها النقاد. وإليك ملخصاً لأربعة منها فقط:
† الافتراض بأن اختلاف في الروايات تناقض: كما رأينا، ليس تناقضاً إن قال أحد كتاب الأناجيل إنه رأى ملاكاً واحداً عند القبر وقال آخر إنه رأى اثنين. فمتى لا يقول إنه واحد فقط. وإن كان هناك اثنان، فمؤكد أنه كان هناك واحد (على الأقل)! إذن الاختلاف لا يعني دائماً التناقض، بل إنه غالباً ما يرجح أنها شهادة شهود عيان صادقة.
† الإخفاق في فهم سياق النص: أحياناً قد نظن أننا وجدنا تناقضاً في الكتاب المقدس، ولكن الواقع أننا انتزعنا النص من سياقه. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك مزمور 14: 1، الجزء الثاني من الآية الذي يقول: «ليس إله». إلا أن السياق الصحيح ينكشف عندنا نقرأ الآية كاملة: «قال الجاهل في قلبه: “ليس إله”».
† افتراض أن الكتاب المقدس يصادق على كل ما يسجله: وقد يستشهد النقاد بتعدد زوجات سليمان (1ملوك 11: 3) بوصفه مثالاً على التناقض. ألا يعلم الكتاب المقدس بالزواج بزوجة واحدة، لا تعدد الزوجات؟ طبعاً. ولكن مؤكد أن الله لا يقبل كل فعل مسجل في الكتاب المقدس. فهو يسجل أيضاً أكاذيب الشيطان، ولكن الله لا يوافق عليها أيضاً. ولكن مقاييس الله نجدها فيما يعلنه الكتاب المقدس، لا في كل ما يسجله. (كما رأينا، بدلاً من أن تصبح هذه حجة لإثبات أن الكتاب المقدس يحوي أخطاء، هي في الواقع حجة تؤيد تاريخية الكتاب المقدس. فتسجيل الكتاب المقدس لكل خطايا شخصياته وأخطائهم يدلل على صحته، فما من أحد سيؤلف قصة تدينه).
† نسيان أن الكتاب المقدس كتاب بشري له سمات بشرية: اشتهر النقاد بالتشكيك خطأ في صدق الكتاب المقدس على أساس أنهم يتوقعون مستوى من التعبير أعلى مما هو معتاد في الوثائق البشرية. إلا أن هذا التشكيك غير مشروع لأن معظم مادة الكتاب المقدس لم تمل شفهياً ولكن كتاباً بشريين هم من كتبوها (تستثنى من ذلك الوصايا العشر التي كتبت “بأصبع الله” [خروج 31: 18]). والكتاب مؤلفون بشريون استخدموا أساليبهم الأدبية وسماتهم الشخصية الخاصة. وقد كتبوا سجلات تاريخية (مثل سفر الأعمال)، وأشعاراً (مثل نشيد الأنشاد)، وصلوات (مثل الكثير من المزامير)، ونبوات (مثل إشعياء)، وخطابات شخصية (مثل 1تيموثاوس)، وكتابات لاهوتية (مثل رومية)، وغيرها من الأشكال الأدبية. وهؤلاء الكُتاب عندما يكتبون عن شروق الشمس أو غروبها يتكلمون من منظور بشري (يشوع 1: 15). وهم أيضاً يكشفون عن أنماط التفكير البشري، ومنها إخفاق الذاكرة (1كورنثوس 1: 14-16)، والعواطف البشرية (غلاطية 4: 14). باختصار، بما أن الله استخدم أساليب حوالي 40 كتاباً على مدى ما يقرب من 1500 سنة ليوصل رسالته، من الخطأ أن نتوقع أن يكون مستوى التعبير أعلى منه في الوثائق البشرية الأخرى. إلا أن الطبيعة البشرية الفريدة للكتاب المقدس معصومة من الخطأ كما هو الحال في طبيعة المسيح البشرية.
اعتراضات على العصمة
قد يقول النقاد: «البشر يخطئون، إذن لا بد أن الكتاب المقدس يخطئ». ولكن الناقد هو المخطئ هنا أيضاً. صحيح، البشر يخطئون، ولكن البشر لا يخطئون دائماً. فالبشر المعرضون للخطأ يؤلفون كتباً طوال الوقت خالية من الأخطاء. إذن البشر المعرضون للخطأ الذين يساقون من الروح القدس مؤكد أنهم قادرون على كتابة كتاب خال من الأخطاء.
وقد يسأل الناقد: «ولكن أليست هذه الحجة دائرة لأنها تستخدم الكتاب المقدس لإثبات الكتاب المقدس؟» لا، حجتنا ليست دائرة. لأننا لا نبدأ بافتراض أن الكتاب المقدس موحى به. إننا نبدأ بعدة وثائق منفصلة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أنها صحيحة تاريخياً. وبما أن تلك الوثائق تكشف أن يسوع هو الله، إذن تعلميه بخصوص العهد القديم لا بد أن يكون صحيحاً. وقد قال يسوع في عدة مناسبات إن العهد القديم كلمة الله. وإنه معصوم من الخطأ. ووعد أن بقية حق الله (“جميع الحق”) سيأتي للرسل من الروح القدس، ثم كتب الرسل العهد الجديد وأثبتوا صدقهم بالمعجزات. ومن ثم، بناء على عصمة كلام يسوع الذي هو الله، العهد الجديد أيضاً معصوم من الخطأ. وهذه ليست حجة دائرية، ولكنها حجة استقرائية تجمع الأدلة وتتبعها إلى حيثما تتوجه.
وقد يتهمنا النقاد أيضاً قائلين: «ولكن موقفكما من العصمة لا يمكن فحصه وإثبات خطئه. فأنتما لن تقبلا خطأ في الكتاب المقدس لأنكما قررتما مسبقاً أن الخطأ غير وارد في الكتاب المقدس». الحقيقة أن موقفنا يمكن فحصه وإثبات خطئه، ولكن موقف النقاد هو الذي لا يقبل الفحص. فلنشرح ذلك.
أولاً، بما أن صدق يسوع ثابت بالدليل، فعندما نواجه صعوبة أو سؤالاً في النص الكتابي. من المنطقي أن نفترض صحة الكتاب المقدس. وهو ما يعني أننا عندما نصادف شيئاً يصعب تفسيره، نفترض أننا نحن المخطئون، وليس الله غير المحدود. فالاحتمال الأكثر أن جايسلر وتورك هما الجاهلان، لا أن الكتاب مخطئ.
إلا أن هذا لا يعني أننا نؤمن بعدم وجود أي احتمال للخطأ على الإطلاق في الكتاب المقدس. فمهما كان، هناك دائماً احتمال أن استنتاجاتنا عن العصمة قد تكون خاطئة، لأنه مؤكد أننا معرضون للخطأ. والحقيقة أنه يمكن إثبات خطأ موقفنا من العصمة إذا تمكن أحدهم من رصد خطأ حقيقي في مخطوطة أصلية[7]. ولكن حتى يومنا هذا، بعد قرابة ألفي سنة من البحث، لم يتمكن أحد من العثور على مشكلة مستعصية من هذا النوع. (وهو أمر مذهل بحق إن أخذت في اعتبارك أن الكتاب المقدس هو بالفعل عبارة عن مجموعة من الوثائق التي كتبها حوالي 40 كاتباً على مدى 1500 سنة. فأين تجد هذا الاتفاق في العديد من القضايا المتنوعة بين 40 كتاباً يعيشون جميعهم اليوم، فكم بالأحرى إن كانوا يعيشون على مدار 1500سنة؟)
ثانياً، حتى لو ثبت خطأ فكرة العصمة يوماً ما، هذا لا يثبت خطأ الحقائق الجوهرية في المسيحية. فكما رأينا، الأدلة التاريخية على أن يسوع علم حقائق عميقة، وأجرى معجزات، ومات وقام من الأموات من أجل البشر الخطاة، أدلة في غاية القوة. وحتى إن اكتشف أن الكتاب المقدس يحوي خطأ أو اثنين في التفاصيل، لن يضعف ذلك من حق المسيحية التاريخي. ومع ذلك ينبغي أن نضيف سريعاُ أننا لا نظن أن العصمة سيثبت خطؤها أبداً. وإن حدث، ستظل المسيحية صحيحة بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي.
هل من اكتشاف يدفعنا أن نكف عن اعتقادنا في المسيحية؟ نعم. إن تمكن شخص من العثور على جسد يسوع، يثبت خطأ المسيحية، ومن ثم نتخلى عنها. وهو ما يعني أننا نتفق مع بولس الذي قال إن إيماننا المسيحي باطل إن لم يكن يسوع قد قام حقاً من الأموات (1كورنثوس 15: 14-18).
وهو أمر تنفرد به المسيحية. فالمسيحية تختلف عن معظم المنظورات الدينية الأخرى في أنها تقوم على أحداث تاريخية ومن ثم يمكن إثبات صحتها أو خطئها بالفحص التاريخي. ومشكلة الشكوكيين والناقدين هي أن الأدلة التاريخية تشير إلى القيامة. ومن عاشوا في أورشليم في تلك الآونة لم يعثروا على جسده واعترفوا أن قبره كان فارغاً، رغم أن بعضهم كانوا يتمنون أن يجدوا جسد يسوع ويطوفوا به في المدينة. ومنذ ذلك الحين لم يعثر على شيء. فبما أنه بعد ألفي سنة من البحث لم يعثر أحد على جثمان يسوع ولا على أخطاء حقيقية في الكتاب المقدس، أفليس من المحتمل أنه لا وجود لأي منهما؟ فمتى يمكن أن يسدل الستار بثقة على سؤال ما؟ إن لم يكن بعد ألفي سنة، فمتى؟
ثالثاً، بعد سنوات طويلة من الدراسة الدقيقة المتواصلة للكتاب المقدس، لا يمكننا إلا أن نستنتج أن من “اكتشفوا خطأ” في الكتاب المقدس لا يعرفون عن الكتاب المقدس أكثر مما يعرف الآخرون بكثير، بل الواقع أنهم يعرفون أقل بكثير مما يجب. وهو ما لا يعني أننا نعرف حلولاً لكل الصعوبات التي نواجهها في الكتاب المقدس، ولكنه يعني أننا مستمرون في البحث. فنحن بالفعل لا نختلف عن العلماء الذين لا يستطيعون أن يحلوا كل ما في العالم الطبيعي من صعوبات أو غوامض.
إلا أنهم لا ينكرون تكامل العالم الطبيعي لمجرد أنهم يعجزون عن تفسير شيء ما. وعالم اللاهوت مثل العالم المتخصص في العالم الطبيعي، يستمر في البحث عن إجابات. وبينما نفعل ذلك، تقصر قائمة الصعوبات شيئاً فشيئاً[8]. (ولكن في الوقت الحالي، لمن منكم لا يستطيع أن يتجاوز صعوبات الكتاب المقدس. نقول إن مارك توين Mark Twain كان محقاً عندما خلص إلى أن ما أزعجه لم يكن الأجزاء التي لم يفهمها في الكتاب المقدس، بل الأجزاء التي فهمها!)
أخيراً، إن النقاد هم من يتمسكون فعلياً بموقف لا يمكن فحصه وإثبات خطئه. فما الذي يقنعهم بخطأ نظرتهم؟ أي ما الذي يمكن أن يقنعهم أن يسوع قام من الأموات أو أن الكتاب المقدس خال من الأخطاء؟ ربما يحسن بهم أن يفكروا في الأدلة التي طرحناها في هذا الكتاب. ولكن للأسف، الكثير من النقاد لن يفعلوا ذلك. فلن يسمحوا للحقائق أن تقيد رغبتهم في الاحتفاظ بالسيطرة على حياتهم. فمهما كان من أمر، إن اضطر أحد النقاد أن يعترف بصحة الكتاب المقدس، يلزم أن يعترف أيضاً بأنه لم يعد المسيطر على الأمور. وسيكون هناك سلطة في الكون أعظم منه، وتلك السلطة قد لا تقبل الحياة التي يريد الناقد أن يعيشها.
الخلاصة والملخص
علم يسوع أن العهد القديم اليهودي كلمة الله المعصومة، ووعد أن بقية كلمة الله ستأتي عن طريق رسله. والرسل الذين ثبت صدقهم بالمعجزات كتبوا 27 كتاباً أو أكدوا صحتها. وكل الكتب الكبرى تم إقرارها فوراً باعتبارها جزءًا من كلمة الله، ومن أقروا بذلك كانوا أشخاصاً على صلة وثيقة بالرسل أنفسهم. وقد أقرت المجامع الكنسية الأولى كل الأسفار السبعة والعشرين فيما بعد بوصفها أصلية. وهو ما يعني أن الكتاب المقدس الذي بين أيدينا اليوم هو كلمة الله الحقيقية المعصومة.
وبما أن الكتاب المقدس هو مقياس الحق الثابت عندنا، فكل ما يتناقض مع أي من تعاليمه هو خاطئ. وهو ما لا يعني أن سائر الديانات خالية من الحق. ولكنه يعني ببساطة أن أي تعليم محدد يتعارض مع تعليم الكتاب المقدس هو تعليم خاطئ.
ولنراجع الآن ما توصلنا إليه من استنتاجات منذ الفصل الأول:
1 – الحق المتعلق بالواقع أو حقيقة الواقع أمر قابل للمعرفة.
2 – عكس الحق هو الخطأ.
3 – وجود إله خالق حافظ حق. وهو ما يستدل عليه من:
أ) بداية الكون (الحجة الكونية Cosmological Argument)
ب) تصميم الكون (الحجة الغائية Teleological Argument / المبدأ الإنساني Anthropic Principle).
ج) تصميم الحياة (الحجة الغائية)
د) القانون الأخلاقي (الحجة الأخلاقية Moral Argument)
4 – إن كان الله موجوداً، إذن المعجزات ممكنة.
5 – يمكن استخدام المعجزات لتأكيد رسالة من الله (أي باعتبارها أعمالاً إلهية تؤكد كلام الله).
6 – العهد الجديد يتمتع بالمصداقية التاريخية. وهو ما يستدل عليه من:
أ) الشهادة المبكرة.
ب) شهادة شهود العيان.
ج) الشهادة غير المفبركة (الصادقة).
د) شهود العيان الذين لم يكونوا مخدوعين.
7 – العهد الجديد يقول إن يسوع زعم أنه الله.
8 – زعم يسوع أنه الله تأكد معجزياً بما يلي:
أ) تحقيقه للكثير من النبوات المختصة به.
ب) حياته الخالية من الخطية وأعماله المعجزية.
ج) تنبؤه بقيامته وإتمامه لها.
9 – إذن يسوع هو الله.
10 – كل ما يعلمه يسوع (الذي هو الله) حق.
11 – يسوع علم أن الكتاب المقدس كلمة الله.
12 – إذن القول بأن الكتاب المقدس كلمة الله هو حق (وكل ما يتعارض مع الكتاب خطأ).
فلنعد إلى الفصل الثامن لتفصيل مضامين هذا الكلام. إن الأدلة التي جمعناها حتى الفصل الثامن (النقاط 1-3 أعلاه) ساعدتنا أن نستخلص أن كل الديانات والمنظورات الفلسفية للحياة التي لا تؤمن بالإله الخالق الحافظ خاطئة. وهو ما ترك أمامنا الديانات التي تؤمن بالله الخالق الحافظ. والأدلة المطروحة من الفصل التاسع إلى الرابع عشر (النقاط 4-12 أعلاه) تخبرنا أن وحي اليهودية صحيح، ولكنه غير مكتمل، لأن العهد الجديد ينقصه. أي دين وضعي وإن تضمن على شيء من الحق، ولكنه مخطئ في بعض التعاليم الجوهرية. وحي المسيحية فقط هو كلمة الله الكاملة المعصومة.
هل يمكن أن نكون مخطئين في كل هذا؟ ربما. ولكن في ضوء الأدلة، نستخلص أن النقاد، والشكوكيين، وأتباع الديانات الأخرى يحتاجون من الإيمان قدراً أكبر بكثير مما نحتاج.
[1] الكلمة في بعض الترجمات الإنجليزية، بما فيها المستخدمة هنا، “تخطئون” “You are in error“. (المترجمة)
[2] العهد القديم اليهودي يحوي نفس مادة العهد القديم الذي بين أيدينا باللغة العربية ولكن تقسيم الأسفار مختلف. فالعهد القديم المتداول في العربية يقسم أسفار صموئيل والملوك وأخبار الأيام كلاً إلى سفرين. وكذلك عزرا ونحميا سفران. في حين أنهما سفر واحد في العهد القديم اليهودي. وهو يقسم الأنبياء الصغار الاثني عشر إلى اثني عشر سفراً منفصلة. لذا، رغم أن عدد أسفار العهد القديم اليهودي 22 سفراً، هذه الأسفار نفسها تنقسم إلى 39 سفراً في العهد القديم المتداول في العربية. بعض طبعات العهد القديم تضم 11 سفراً إضافية (سبعة تمثل أسفاراً مستقلة، وأربعة عبارة عن أجزاء مضافة إلى أسفار أخرى) يطلق عليها الأبوكريفا.
[3] الكتاب المقدس يؤكد ما نعرفه بالإعلان العام، ألا وهو أنه لا بد من وجود مقياس ثابت للحق. فالكتاب المقدس يزعم أن الله هو الحق (مزمور 31: 5؛ 33: 4؛ يوحنا 14: 6؛ 1يوحنا 4: 6)، وأن الله لا يمكن أن يكذب (عبرانيين 6: 18؛ تيطس 1: 2)، وأن الله لا يمكن أن يتغير (عدد 23: 19؛ 1صموئيل 15: 29؛ مزمور 102: 26، 27؛ ملاخي 3: 6؛ عبرانيين 13: 8؛ يعقوب 1: 17) للمزيد عن صفات الله، انظر Norman Geisler, Systematic Theology, vol 2 (Minneapolis: Bethany, 2003), Part 1.
[4] هذه ليست حجة مبنية على الصمت لأن الكتاب المقدس ليس صامتاً عن طبيعة هذه المعجزات الرسولية الخاصة. والغرض منها، ووظيفتها (انظر مثلاً 2كورنثوس 12: 12؛ عبرانيين 2: 3، 4). هذه الوظيفة من تأكيد الإعلان الرسولي تتماشى مع توقف المعجزات، حيث أنه لم تعد هناك حاجة لها بعد تأكيد الإعلان.
[5] الرسائل الوحيدة التي لم يقتبسا منها هي فليمون وبطرس الثانية ويعقوب ويوحنا الثالثة. ولكن أكليمندس الروماني (الذي كتب من 95-97) و/أو إغناطيوس (110) يؤكدان صحة فليمون، وبطرس الثانية، ويعقوب حتى قبل بوليكاريوس وإيريناوس. ولذلك السفر الوحيد الذي لم يقتبس منه أحد باعتباره حقيقياً في القرنين الأول والثاني هو الرسالة الصغير جداً المعروفة باسم يوحنا الثالثة. انظر Geisler and Nix, General Introduction to the Bible,294.
[6] رغم أن لوقا ليس رسولاً بالمعنى الدقيق، فمن المحتمل أنه كان أحد الخمسمائة الذين شهدوا المسيح المقام. لكن حتى وإن لم يكن. فالرسول بولس رفيق لوقا في السفر أكد صحة كتاباته (1تيموثاوس 5: 18؛ قارن لوقا 10: 7). ومن ثم كتابات لوقا تعتبر من تعليم الرسل.
[7] لقد عثر على أخطاء نسخ في المخطوطات، ولكنها أخطاء يسهل التعرف عليها، وبمقارنة الكثير من المخطوطات المتاحة يثبت أنها ليس موجودة في الأصل (انظر الفصل التاسع). ورغم أنه لم يعثر على أي مخطوطات أصلية للكتاب المقدس حتى الآن، فهناك مخطوطات أقدم لأعمال أخرى ما زالت باقية. لذا، قد يعثر على أصول الكتاب المقدس يوماً ما.
[8] مثلاً في إحدى الفترات اعتقد النقاد أن الكتاب المقدس مخطئ بخصوص شعب يعرف باسم الحثيين. فلم يكن هناك دليل على وجودهم خارج الكتاب المقدس. إلى أن اكتشف سجلاتهم الكاملة في تركيا. وبالمثل، اعتقد النقاد أن الكتابة لم تكن موجودة في عصر موسى، ومن ثم يستحيل أن يكون موسى قد كتب أي شيء في العهد القديم. إلى أن عثر على ألواح إيبلا Ebla tablets في سوريا وهي تسبق موسى بألف سنة. وكلما استمر البحث، ازداد تأكيد صحة الكتاب.
لقد أثبتنا أن وثائق العهد الجديد صادقة تاريخياً. وهو ما يعني أنه يمكننا أن نصل إلى يقين كاف أن يسوع قال وفعل ما تقول تلك الوثائق إنه قاله وفعله. بما فيها القيامة من الأموات. فمن هو يسوع هذا؟ ماذا قال عن نفسه؟ هل هو الله حقاً كما يزعم المسيحيون؟
قبل أن نفحص مزاعم المسيح يجب أن نلقي نظرة على النبوات المسيانية التي أشرنا إليها في الفصول الأخيرة السابقة لهذا الفصل. وسيساعدنا ذلك على اكتشاف هوية يسوع الحقيقية. وسيزودنا أيضاً بمزيد من الأدلة المتصلة بحجية العهد الجديد. فلنبدأ في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس UCLA في منتصف الستينيات من القرن العشرين.
المسيا والكتاب المقدس “الخدعة”
في مطلع سنة 1966 وصل باري لفنثال، وهو شاب يهودي، على قمة النجاح. فقد كان لاعب الهجوم في فريق كرة القدم لجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس وقاد الفريق إلى الفوز لأول مرة ببطولة روز بول Rose Bowl على عكس التوقعات التي تنبأت بهزيمته ذلك العام.
وهو يسترجع ذكرياته قائلاً: «كانت حياتي رائعة. كنت بطلاً. والناس أحبوني. وقد اختارتني رابطتي اليهودية اللاعب القومي للعام. وكم كانت نشوتي بهذه الأمجاد».
وعقب الفوز ببطولة روز بول بفترة وجيزة قال كِنْت Kent أعز أصدقاء باري إنه قبل يسوع المسيح في حياته شخصياً.
وقال باري: «لم أفهم إطلاقاً كلام كِنت. كنت أظنه مسيحياً طوال حياته. فقد ولد في بيت مسيحي، كما ولدت أنا في بيت يهودي. أليست هذه هي الطريقة التي يتخذ بها الإنسان دينه؟ فأنا أرث ديني من والدي».
ولكن باري اندهش مما حدث في حياة كِنت من تغيير، وخاصة عندما قال له كِنت: «باري أريدك أن تعرف أني أشكر الله على اليهود كل يوم».
فسأله باري: «لماذا تفعل ذلك؟»
وكم كانت دهشته من إجابة كِنت: «أشكر الله على اليهود كل يوم لسببين. أولاً، أن الله استخدمهم ليعطيني كتابي المقدس. وثانياً والأهم، أن الله استخدم اليهود ليأتي بالمسيا إلى العالم، وهو الذي مات عن خطايا العالم كله، وعن كل خطاياي».
ويتذكر باري قائلاً: «وإلى هذا اليوم، أتذكر تأثير تلك الجمل القليلة البسيطة ولكنها صحيحة. المسيحيون الحقيقيون لا يكرهوننا، بل هم في الواقع يحبوننا بصدق».
وبعد بضعة أسابيع، كِنت عرف باري على هال Hal وهو القائد التابع لهيئة الكرازة الجامعية بالمسيح Campus Crusade for Christ في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس. وذات يوم كان باري وهال جالسين في استراحة الطلاب المزدحمة وقد احتد الحوار بينهما. فبينما كان هال يشرح لباري أن نبوات العهد القديم التي تحدثت عن المسيا تحققت في يسوع. انفجر باري قائلاً: «كيف يمكنك أن تفعل ذلك؟»
سأله هال: «أفعل ماذا؟»
فقال باري بنبرة اتهام: «تستخدم كتاباً مقدساً خدعة. عندك كتاب مقدس خدعة لتخدع به اليهود».
فسأله هال: «ما معنى “كتاب مقدس خدعة”؟».
أجاب باري: «أنتم المسيحيين أخذتم تلك النبوات المسيانية المزعومة من عهدكم الجديد ثم كتبتموها في نسخة العهد القديم التي تستخدمونها لتخدعوا اليهود. ولكني أؤكد لك أن تلك النبوات المسيانية ليست في كتابنا المقدس اليهودي».
أجابه هال: «لا يا باري. الأمر ليس كذلك إطلاقاً».
فقفز باري هو يصرخ قائلاً: «لا، هذا كتاب خدعة».
فقال هال ثانية وهو مندهش من التهمة: «لا ليس خدعة. لم يحدث مطلقاً أن أحداً قال لي هذا الكلام من قبل. اجلس من فضلك».
وبدأ الناس ينظرون.
«لا يا هال. علاقتنا انتهت».
«باري، باري، انتظر لحظة. هل معك التناخ [الكتاب المقدس اليهودي]؟»
«نعم، عندي نسخة حصلت عليها في احتفالي ببلوغ سن المسؤولية Bar Mitzxah ماذا إذن؟»
«لماذا لا تدون هذه الآيات وتبحث عنها في كتابك؟»
فانفجر باري قائلاً: «لأنه مضيعة للوقت. تلك الآيات ليست في التناخ».
فأصر هال قائلاً: «من فضلك. فقد دونها وتحقق بنفسك».
ظل الشابان في هذا الشد والجدب حتى وافق باري على مراجعة الآيات حتى يتخلص من إلحاح هال. فقال وهو يكتب الشواهد دون اهتمام: «موافق. سأراجعها. ولكن لا تتصل بي، أنا سأتصل بك».
ومضى باري وهو لا يتوقع أبداً أن يرى هال ثانية. ولم يراجع الآيات لعدة أيام، ولكن مشاعر الذنب بدأت توجعه، ففكر في نفسه قائلاً: «لقد وعدت هال أن أراجعها. فأقل ما يجب أن أفعل ذلك وأنتهي من موضوع المسيحية هذا للأبد».
وفي تلك الليلة مسح باري التراب عن التناخ القديم الذي لم يفتحه منذ كان في الثالثة عشرة. وكم كانت صدمته شديدة لما وجده. كل نبوة أملاها هال عليه وجدها فعلاً في التناخ!
وكان أول رد فعل له: «إني في ورطة كبيرة. يسوع هو المسيا حقاً!»
ولكن عند هذه النقطة، كان قبول باري قبولاً عقلياً فقط. وفوراً بدأ يقلق من تداعيات إعلان اكتشافه. «إن قبلت يسوع بصفته المسيا. ماذا سيكون رأي والدي؟ ماذا سيفعل أصدقائي في الرابطة اليهودية؟ وماذا سيقول الرابي معلمي اليهودي؟».
كان لا بد من المزيد من الدراسة قبل أن يكون باري مستعداً لإعلان قراره، وكان عليه أن يدرس بوجه خاص نصاً أشار إليه هال عدة مرات: إشعياء 53. وقبل أن نكشف ما انتهى إليه بحث باري، لنلق نظرة على إشعياء 53 وبعض النبوات المسيانية التي بحثها.
العبد المتألم
في آذار/مارس 1947 كان راع عربي صغير (محمد الديب) يراقب غنمه على بعد اثني عشر كيلومتر جنوب أريحا، وعلى بعد كيلومتر ونصف غرب البحر الميت. وعندما ألقى حجراً على عنزة شاردة سمع صوت فخار ينكسر. وما نتج كان أعظم الكشوف الأثرية على مر التاريخ كله. كان مخطوطات البحر الميت.
وقد أدت أعمال التنقيب التي تمت في كهوف المنطقة حتى سنة 1956 إلى العثور على العديد من المخطوطات وآلاف الأجزاء من المخطوطات في آنية خزفية وضعتها هناك منذ نحو 2000 سنة طائفة دينية تعرف باسم الأسينيين، والأسينيون بوصفهم جماعة وُجدوا من سنة 167ق.م إلى 68م. وقد انفصلوا عن سلطات الهيكل وأسسوا جماعتهم الرهبانية في صحراء اليهودية بالقرب من قمران.
ومن مخطوطاتهم التي عثر عليها في قمران مخطوطة تعرف اليوم باسم مخطوطة إشعياء الكاملة Great Isaiah Scroll وهذه المخطوطة التي يرجع تاريخها إلى سنة 100ق.م ويبلغ طولها أكثر من سبعة أمتار هي سفر إشعياء كاملاً (الستة والستون أصحاحاً كلها) وهي أقدم مخطوطة كتابية موجودة[1]. وهي محفوظة حالياً داخل قبو في مكان ما في أورشليم، إلا أن نسخة منها معروضة في متحف محراب الكتاب Shrine of the Book في أورشليم.
ولا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على أن تاريخ المخطوطة يسبق زمن المسيح وأنها بحالة جيدة، ولكنها أيضاً تحوي ربما أوضح وأكمل نبوة عن المسيا الآتي. فإشعياء يسمي المسيا “عبد الرب”، ويبدأ في الإشارة إلى العبد في أصحاح 42 فيما يعرف باسم “نشيد العبد الأول”. إلا أن العبد غالباً ما يشار إليه باسم “العبد المتألم” نظراً للوصف الحي الوارد في إشعياء 53 لموته البدلي.
وبينما تقرا النص (52: 13 – 53: 12) اسأل نفسك: «إلى من يشير هذا الكلام؟»
(52: 13) هو ذا عبدي يعقل، يتعالى ويرتقي ويتسامى جداً.
(14) كما اندهش كثيرون. كان منظره كذا مفسداً أكثر من الرجل، وصورته أكثر من بين آدم.
(15) هكذا ينضح أمماً كثيرين. من أجله يسد ملوك أفواههم، لأنهم قد أبصروا ما لم يخبروا به، وما لم يسمعوه فهموه.
(53: 1) من صدق خبرنا، ولمن استعلنت ذراع الرب؟
(2) نبت كفرخ وكعرق من أرض يابسة، لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه.
(3) محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن، وكمستر عنه وجوهنا. محتقر فلم نعتد به.
(4) لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها. ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً.
(5) وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحبره شفينا.
(6) كلنا كغنم ضللنا. ملنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا.
(7) ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاة تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه.
(8) من الضغطة ومن الدينونة أخذ، وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء. أنه ضُرب من أجل ذنب شعبي؟
(9) وجعل مع الأشرار قبره، ومع غني عند موته. على أنه لم يعمل ظلماً، ولم يكن في فمه غش.
(10) أما الرب فسر بأن يسحقه بالحزن. إن جعل نفسه ذبيحة إثم يرى نسلاً تطول أيامه، ومسرى الرب بيده تنجح.
(11) من تعب نفسه يرى ويشبع، وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين، وآثامهم هو يحملها.
(12) لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة، من أجل أن سكب للموت نفسه وأحصي مع أثمة، وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين.
إلى من يشير هذا النص في رأيك؟ باري عرف جيداً إلى من يشير. فعندما قرأ من التناخ، دهش مما فيه من تشابهات مع يسوع، ولكنه ظل متحيراً نوعاً ما. وأراد أن يعطي المعلم اليهودي فرصة ليفسره له.
ويقول باري: «أتذكر جيداً أول مرة واجهت فيها إشعياء 53 بجدية، أو بالأحرى أول مرة واجهني بجدية. كنت متحيراً بشأن هوية العبد في إشعياء 53، فذهبت إلى المعلم اليهودي حيث أسكن وقلت له: “يا معلم، التقيت ببعض الأشخاص في الجامعة يزعمون أن العبد في إشعياء 53 لا يمكن أن يكون إلا يسوع الناصري. ولكني أود أن أعرف منك من هو العبد في إشعياء 53″».
وكم كانت دهشة باري من إجابته. فقد قال المعلم: «باري، ينبغي أن أعترف أنني عندما أقرأ إشعياء 53 يبدو لي أنه بالحقيقة يتكلم عن يسوع، ولكن بما أننا نحن اليهود لا نؤمن بيسوع، إذن يستحيل أن يكون عن يسوع».
وفي ذلك الوقت لم يكن باري يعلم الكثير عن المنطق الصوري، ولكنه عرف ما يكفيه أن يقول لنفسه: «هذه ليست أمانة بناء على تعاليمنا اليهودية! فالمعلم يعتمد في تفكيره المزعوم على المنطق الدائري، وهو أيضاً منطق مراوغ ومخيف». ويقول باري اليوم: «ليس من هو أكثر صمماً ممن لا يريد أن يسمع».
أما لمن يريد أن يسمع حقاً، يقدم لاري هليار Larry Helyer ملخصاً ممتازاً لسمات العبد في إشعياء وأعماله. فقد جمع الملاحظات التالية عن العبد بادئاً بأول نشيد من أناشيد العبد في أصحاح 42:
14 – المذهل أنه يعود إلى الحياة ويرفع فوق كل الحكام (53: 10-12؛ 52: 13-15).
ونضيف إلى ملاحظات هليار أن العبد أيضاً بلا خطية (53: 9).
إن قراءة عابرة للنص لا تترك أي مساحة للشك في أن العبد المتألم هو يسوع. والحقيقة أن التفسير اليهودي التقليدي لنصوص العبد يقول إنها تتنبأ عن المسيا الآتي[2]. أي أن اليهود لم يغيروا تفسير العبد المتألم بحيث يشير إلى أمة إسرائيل إلا بعد أن بدأ احتكاكهم بالمتخصصين في الدفاعيات المسيحية يزداد منذ حوالي ألف سنة. وأول يهودي يزعم أن العبد المتألم هو إسرائيل لا المسيا كان شلومو يسحاقي Shlomo Yitzchaki وشهرته راشيRashi (حوالي 1040-1105). واليوم رأي راشي هو السائد في اللاهوت اليهودي والرابي.
ولكن لسوء حظ راشي والكثير من اللاهوتيين اليهود المعاصرين هناك ما لا يقل عن ثلاثة أخطاء فادحة في تأكيدهم بأن إسرائيل هو العبد المتألم.
أولاً، العبد يختلف عن إسرائيل في أنه بلا خطية (53: 9). والقول بأن إسرائيل بلا خطية يتناقض مع العهد القديم كله تقريباً أو ينفيه. فالموضوع المتكرر في العهد القديم هو أن إسرائيل أخطأت بكسر وصايا الله وبالذهاب وراء آلهة أخرى بدلاً من الله الواحد الحقيقي. فإن كانت إسرائيل بلا خطية، لماذا كانوا في احتياج مستمر للأنبياء ليحذروهم من الاستمرار في الخطية ويدعوهم للعودة إلى الله؟
ثانياً، العبد المتألم يختلف عن إسرائيل في أنه حمل يستسلم دون أي مقاومة تذكر (53: 7). ولكن التاريخ يثبت لنا أن إسرائيل ليست حملاً على الإطلاق، فهي لا تضع نفسها عن أحد.
ثالثاً، العبد المتألم يختلف عن إسرائيل في أنه يموت موتاً كفارياُ نيابياً عن خطايا الآخرين (53: 4-6، 8، 10-12). إلا أن إسرائيل لم تمت، وهي لا تدفع ثمن خطايا الآخرين. ولا أحد يفتدي على ما تفعله أمة إسرائيل. ولكن الأمم والأفراد الذين يكونونها يعاقبون بخطايا أنفسهم.
إن هذا التفسير الساذج المستجد لإشعياء 53 يبدو مدفوعاُ بالرغبة في تجنب استنتاج أن يسوع هو حقاً المسيا الذي أشارت إليه النبوات قبل مجيئه بمئات السنين. إلا أن تجنب الواضح ليس له سبيل مشروع. تذكر أن مخطوطة إشعياء الكاملة كتبت قبل المسيح بحوالي 100 سنة، ونحن نعلم أن المادة التي تحويها أقدم من ذلك. والسبعينية، وهي الترجمة اليونانية للعهد القديم العبري (بما فيها إشعياء)، يرجع تاريخها إلى نحو سنة 250 ق.م. ومن ثم لا بد أن يكون الأصل العبري أقدم. فضلاً عن ذلك، مخطوطات أسفار العهد القديم كله أو أجزاء من مخطوطاتها فيما عدا سفر أستير وجدت في مخطوطات البحر الميت. إذن لا شك أن العهد القديم، بما فيه نص العبد المتألم يسبق المسيح بعدة مئات من السنين.
سهم يصيب الهدف
إن كان إشعياء 53 هو النص الوحيد في العهد القديم، فهو كاف لإظهار الطبيعة الإلهية لسفر إشعياء على الأقل. ولكن هناك عدة نصوص أخرى في العهد القديم تتنبأ بمجيء يسوع المسيح أو يكتمل تحقيقها فيه. وهي تشمل (الجدول التالي):
النص المسياني
النبوة المسيانية
تكوين 3: 15 [الله يتحدث إلى الشيطان] «وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه».
نسل المرأة: نسل حواء (حرفياً “زرع” حواء) سيسحق الشيطان في النهاية. ولكن هذا الإنسان يختلف عن سائر البشر في أنه سيكون من زرع امرأة لا من زرع رجل (قارن متى 1: 23).
تكوين 12: 3، 7 [الله يتحدث إلى إبراهيم] «وأبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض… وظهر الرب لإبرام وقال: “لنسلك أعطي هذه الأرض”. فبنى هناك مذبحاً للرب الذي ظهر له».
زرع إبراهيم: زرع إبراهيم المذكور هنا يعني حرفياً “نسل” (لا “أنسال”). فهو يشير إلى شخص واحد فقط، إلى مسيا سيبارك في النهاية كل شعوب الأرض ويحكم الأرض (قارن غلاطية 3: 16).
تكوين 49: 10«لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع الشعوب».
سبط يهوذا: القضيب (صولجان الملك) لن يزول من سبط يهوذا حتى يأتي الملك الأعظم، المسيا، أي أن المسيا سيأتي من سبط يهوذا (أحد أسباط إسرائيل الاثني عشر).
إرميا 23: 5، 6«ها أيام تأتي، يقول الرب، وأقيم لداود غصن بر، فيملك ملك وينجح، ويجري حقاً وعدلاً في الأرض. في أيامه يخلص يهوذا، ويسكن إسرائيل آمناُ، وهذا هو اسمه الذي يدعونه به: الرب برنا» (انظر إرميا 23: 15، 16؛ إشعياء 11: 1).
ابن داود: المسيا سيكون ابناً لداود، ويدعى الله.
إشعياء 9: 6، 7«لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام. لنمو رياسته، وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر، من الآن إلى الأبد. غيرة رب الجنود تصنع هذا».
سيكون هو الله: المسيا سيولد طفلاً، ولكنه سيكون الله أيضاً. وسوف يحكم من عرش داود.
ميخا 5: 2«أما أنت يا بيت لحم أفراتة، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم، منذ أيام الأزل».
يولد في بيت لحم: المسيا، الأزلي. سيولد في بيت لحم.
ملاخي 3: 1«هأنذا أرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي. ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه، وملاك العهد الذي تسرون به. وهوذا يأتي، قال رب الجنود».
سيأتي إلى الهيكل: المسيا الذي سيسبقه ملاك سيأتي بغتة إلى الهيكل.
دانيال 9: 25، 26«فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعا، يعود ويبنى سوق وخليج في ضيق الأزمنة. وبعد اثنين وستين أسبوعاً يقطع المسيح وليس له، وشعب رئيس آت يخرب المدينة المقدسة، وانتهاؤه بغمارة، وإلى النهاية حرب وخرب قضي بها».
سيموت سنة 33م: المسيا سيموت (“يقطع”9 بعد 483 سنة (69×7) من صدور الأمر بتجديد أورشليم (نتيجة الحساب هي سنة 33م. وبعدئذ تهدم المدينة والهيكل (وهو ما حدث سنة 70م)
سؤال: من في تاريخ العالم كله:
1 – من نسل امرأة عذراء.
2 – من نسل إبراهيم.
3 – من سبط يهوذا.
4 – من نسل داود الملكي.
5 – كان الله وإنساناً.
6 – وُلد في بيت لحم.
7 – سبقه رسول، وأتى إلى هيكل أورشليم قبل تدميره سنة 70م.
8 – مات سنة 33م.
9 – قام من الأموات (إشعياء 53: 11)؟
إن يسوع المسيح الناصري هو المرشح الوحيد. هو الوحيد الذي يصيب الهدف. طبعاً القضية تزداد قوة عندما تأخذ في اعتبارك الأوجه الأخرى من إشعياء 53. ويسوع يحقق كل تلك المعايير أيضاً.
إن القضية النبوية بخصوص المسيح تزداد قوة عندما تعرف أن العهد القديم تنبأ أن الله نفسه سيُطعن، كما حدث عندما صلب يسوع. فزكريا أحد أنبياء العهد القديم (كتب أيضاً قبل المسيح بزمن طويل) يسجل أن الله يقول: «وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات، فينظرون إليّ، الذي طعنوه، وينوحون عليه كنائح على وحيد له، ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره» (زكريا 12: 10). ثم يتنبأ زكريا أن قدمي الرب “ستقفان” على جبل الزيتون الذي قدام أورشليم من الشرق (زكريا 14: 4). هذه النبوات تشير إلى مجيء المسيح ثانية، ولكن الإشارة إلى طعن ذلك الشخص المجيد (أي صلبه) على يد “بيت داود سكان أورشليم” واضح أنها تشير إلى مجيئه الأول. والحقيقة أن الرسول يوحنا يقتبس زكريا 12: 10 باعتبارها نبوة عن الصلب (يوحنا 19: 37).
يمكنك أن ترى لماذا أدرك باري أنه “في ورطة”. فهذه النبوات المسيانية لا يمكن أن تكون صدفة. وهي أبعد ما تكون عن النبوات النفسانية التي يأتي بها أشخاص يدعون معرفة الغيب[3]. ولكنها أمر فائق للطبيعة بحق، إلا أن الكثير من إخوانه اليهود لم يدركوه. ولكن باري أدرك أنه رغم انتظار اليهود لمسيا سياسي، عجزوا عن إدراك أن المسيا يجب أن يأتي أولاً كالحمل الذي يذبح عن خطايا العالم (أشعياء 53: 7، 11، 12؛ يوحنا 1: 29).
واتصل باري بهال مرة أخرى وهو في حالة من الاندهاش. ثم راجعا النبوات المسيانية ثانية، وخاصة إشعياء 53. ثم قدم لباري كتبياً صغيراً.
وقال له هال: «هذه قصة حياة يسوع كتبها شاب كان يعرفه ويتبعه. لم لا تقرأها وتخبرني برأيك؟»
وحالما بدأ باري في القراءة، لم يتمكن من التوقف. كانت القصة تشتمل على الكثير من العناصر اليهودية، بدءًا من الكهنة وانتهاء بالفصح. ويسوع هذا كان شخصية مذهلة: صانع معجزات له أفكار عظيمة، وهو يتحدث بسلطان ولكن بلطف أيضاً.
كان باري يقرأ إنجيل يوحنا ولكنه لم يكن يدري آنذاك. وقد دهش بوجه خاص من هبة الخلاص الأبدي المجانية التي يقدمها يسوع لكل من يقبله. ويقول باري: «كل شيء أردته من الحياة كان عليّ أن أكتسبه بنفسي وأكون مستحقاً له. ولكن ها هو يسوع يقدم نفسه أفضل هباته زمنياً وأبدياً هدية مجانية. من ذا الذي يرفض هذا العرض؟»
وكان الوقت شهر نيسان/أبريل، بعد نصر بول المجيد بأكثر من ثلاثة شهور. ويقول باري: «أدركت فجأة أني لم أملك شيئاً تمكن من الصمود أمام اختبار الزمن، ناهيك عن اختبار الأبدية. وهو ما تجسد أمام عيني في فوز روز بول نفسه. فبعد بضعة شهور من أهم حدث في حياتي، ربما في حياتي كلها، فإن كل المجد، وكل ما صاحب هذا الفوز آنذاك بدأ يخبو ويتحول إلى ذكرى بعيدة باهتة».
وتساءل باري: «هل هذا كل ما في الحياة؟» ثم تذكر أن يسوع المسيا يقدم حياة أبدية. لقد عرف باري عقلياً أن يسوع هو المسيا قبل ذلك بعدة أسابيع، عندما وجد تلك النبوات المسيانية في التناخ. ولكن تصديق أن يسوع هو المسيا لا يكفي (فحتى الشياطين يعرفون أن يسوع هو المسيا كما نقرأ في يعقوب 2: 19). ولكن كان يجب على باري أن يؤمن بيسوع بصفته المسيا. وحتى يقبل هبة الخلاص الأبدي المجانية من العقاب الذي يستحقه، كان يجب عليه أن يخطو خطوة إرادية، لا خطوة عقلية فقط. فمهما كان، الله المحب لا يستطيع أن يجبره على دخول السماء ضد إرادته.
وبعد ظهر يوم 24 نيسان/أبريل 1966 كان باري مستعداً أن يتصرف وفقاً للحق الذي أكدته الدلائل. فركع بجوار سريره وصلى قائلاً: «يسوع، أؤمن أنك المسيا الموعود به للشعب اليهودي وللعالم أجمع، وبالتالي لي أيضاً، وأنك مت عن خطاياي وأنك حي من الأموات إلى الأبد، لذا أقبلك الآن في حياتي رباُ ومخلصاً شخصياً. شكراً لأنك مت عني». ويقول باري: «لم تحدث بروق ولا رعود، لم يكن هناك إلى حضوره وسلامه كما وعد، ولم يفارقاني إلى هذا اليوم».
ومنذ أن توصل باري إلى هذا الاكتشاف العظيم، وهو يوصل لليهود حقيقة أن المسيا قد أتى. وأدلة هذا الحق موجودة في كتبهم المقدسة! وفحص الأدلة التي تؤكد صحة تلك الكتب المقدسة يمثل اهتماماً أساسياً عند كلية اللاهوت الإنجيلية الجنوبية بالقرب من مدينة شارلوت في ولاية نورث كارولاينا حيث يعمل باري أستاذا ووكيلاً أكاديمياً.
سطح علبة النبوة
رأينا عدة نصوص من العهد القديم تمثل نبوات واضحة عن المسيا. وهي لم تتحقق إلا في يسوع المسيح. إلا أن الشكوكيين سرعان ما يشيرون إلى أن بعض النبوات الأخرى التي يستشهد بها على أنها مسيانية تنتزع من السياق أو لا تتنبأ فعلياً عن المستقبل. فمثلاً مزمور 22 يقول: «ثقبوا يدي ورجلي». والكثير من المسيحيين يدعون أن هذه الآية إشارة إلى صلب المسيح الذي لم يكن حتى وسيلة للعقوبة في أيام داود (كاتب المزمور). إلا أن الشكوكيين يقولون بأن داود لا يتحدث إلا عن نفسه، لا عن المسيح، ومن ثم فإن أي تطبيق مسياني هو تطبيق غير مشروع. يشتمل هذا الأمر على ثلاثة احتمالات.
أولاً، بعض الأكاديميين المسيحيين يتفقون مع الشكوكيين في آيات مثل هذه. فهم يقولون إن هدف مزمور 22 ليس هدفاً نبوياً. (بالطبع، حتى إن كانوا على صواب، هناك العديد من الآيات التي يتضح أنها نبوية، كما رأينا).
ثانياً، بعض الأكاديميين المسيحيين يشيرون إلى أن بعض النبوات الكتابية قد تنطبق على شخصين مختلفين في زمنين مختلفين. فمن المؤكد أن كلاُ من داود ويسوع كانوا يواجهون أعداء ومصاعب في حياتهم كما يعبر مزمور 22. فما المانع أن ينطبق المزمور على داود وعلى يسوع؟
ثالثاً، هذا الاحتمال هو الأكثر معقولية لنا، أن مزمور 22 هو فقط نبوة عن يسوع. فالمزمور يتضمن عدة إشارات مباشرة لخبرة الصلب التي اجتازها المسيح. فهو يبدأ بصرخته على الصليب: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟» (مزمور 22: 1، قارن متى 27: 46)، ثم يصف أحداثاً أخرى متصلة بالصلب، ومنها: احتقار صالبيه، وإهانتهم له، واستهزاؤهم به (الآيتان 6، 7)، وعطشه (الآية 15)، ويداه ورجلاه المثقوبتان (الآية 19)، وحتى تسبيحه لله وسط إخوته الإسرائيليين قد إنقاذه إياه (الآية 22). إن هذا يتجاوز الصدفة، ويقودنا إلى الاعتقاد بأن المسيح هو بالفعل المتحدث في المزمور كله. وهو ما يعني أنه رغم أن داود كتب المزمور، فالمسيح هو المتحدث. وهذا ليس النص الوحيد. ففي المزمور 110 الله الآب يتحاور مع الله الابن.
وقد يقول الشكوكي: «ولكنك تفسر مزمور 22 بهذا الشكل لأنك الآن تعلم ما حدث للمسيح. ولكن أغلب الظن أن من عاشوا في زمن العهد القديم لم يكن واضحاً لهم أن مزمور 22 عن المسيح».
وهو ما نجيب عليه بالقول: حتى إن كان ذلك صحيحاً، إذن ماذا؟ قد يكون صحيحاً أن نبوات مسيانية معينة في العهد القديم لا تتضح إلا في ضوء حياة المسيح. إلا أن ذلك لا ينفي أن هذه النبوات عجيبة بحق. فلتنظر إليها على هذا النحو: إن كنت لا تستطيع أن تفهم قطع اللغز الصغيرة التي تكون الصورة الكبيرة دون أن ترى سطح العلبة، فهل هذا يعني أنه ما من أحد صنع اللغز؟ لا.
والحقيقة أنك ما إن ترى سطح العلبة، حتى تدرك فجأة كيف تترتب القطع معاً، بل تدرك كذلك كم التفكير الذي تطلبه تصميم القطع على ذلك النحو. وبالكيفية نفسها، حياة يسوع تمثل سطح العلبة للكثير من قطع اللغز النبوي المنتشرة على صفحات العهد القديم. وفي الحقيقة أن أحد الأكاديميين المتخصصين في الكتاب المقدس حدد 71 نبوة مسيانية في العهد القديم تحققت في المسيح، وبعضها أنير بنور حياة المسيح.
وقد أوجز البعض هذه الفكرة على ذلك النحو: المسيح في العهد القديم محتجب، وفي العهد القديم محتجب، وفي العهد الجديد معلن. ورغم أن الكثير من النبوات واضحة مسبقاً، فالبعض منها لا يفهم إلا في نور حياة المسيح. وتلك التي تفهم بعد المسيح هي أيضاً نتاج تصميم فائق للطبيعة مثل النبوات التي كانت واضحة قبل المسيح.
هل يسوع هو الله؟
كما رأينا يتنبأ العهد القديم عن مجيء مسيا يولد إنساناً ولكنه الله في الوقت نفسه (إشعياء 9: 6). ويسوع هو الشخص الوحيد المعروف الذي يطابق سمات المسيا التي تحدثت عنها النبوات. ولكن هل زعم أنه الله؟
مؤكد أن كتاب العهد الجديد زعموا في مواضع عدة أن يسوع هو الله. فمثلاً يوحنا يقول في افتتاحية إنجيله “وكان الكلمة الله”، و“الكلمة صار جسداً” (يوحنا 1: 1، 14). ويقول بولس إن المسيح هو “الكائن على الكل إلهاً مباركاً” (رومية 9: 5)، ويقول “فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً” (كولوسيي 2: 9). ويصرح بطرس بأن المؤمنين ينالون البر من “إلهنا والمخلص يسوع المسيح” (2بطرس 1: 1).
ومتى ينسب الألوهة ليسوع عندما يقتبس إشعياء 7: 14 “ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا” (متى 1: 22) ويقول كاتب العبرانيين عن ابن الله: “بهاء مجده، ورسم جوهره، وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته” (عبرانيين 1: 3). وهو يقتبس أيضاً مزمور 45: 6 عندما يزعم أن الله يقول عن الابن: “كرسيك يا الله إلى دهر الدهور” (عبرانيين 1: 8). إن ما يقوله الرسل هنا يمثل مزاعم واضحة عن لاهوت المسيح. بل حتى الشياطين اعترفوا أن يسوع هو الله (متى 8: 29؛ لوقا 4: 34، 41)! ولكن هل يسوع زعم أنه الله؟
مزاعم مباشرة عن الألوهة
ربما ليس هناك زعم أوضح من رد يسوع المباشر على استجواب قيافا الصريح:
«أأنت المسيح ابن المبارك؟». فقال يسوع: «أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة، وآتياً في سحاب السماء». فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال: «ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ قد سمعتم التجاديف! ما رأيكم؟». فالجميع حكموا عليه أنه مستوجب الموت (مرقص 14: 61-64).
لاحظ أن يسوع أجاب عن السؤال المباشر بإجابة مباشرة: «أنا هو». وعندما أشار لنفسه بلقب “ابن الإنسان”، أضاف بذلك أنه سيأتي ثانية في سحاب السماء. وقد عرف قيافا والحاضرون مضمون هذا الكلام. فقد كان في ذلك إشارة للرؤيا التي رآها دانيال نبي العهد القديم عن نهاية الأزمنة: المسيا، ابن الإنسان، سيأتي إلى الأرض ليدين العالم بالسلطان المعطى له من الله الآب (“القديم الأيام”[4])، وكل شعوب الأرض ستتعبد له (دانيال 7: 13، 14). وبالطبع، لا أحد يعبد إلا الله نفسه. إلا أن المسيح هنا يزعم أنه هو الشخص الذي سيدين العالم ويقبل عبادة الشعوب. لقد كان يزعم أنه الله، والجميع فهموا ذلك.
وبينما يسجل متى ومرقص ولوقا جميعاً رد “أنا هو” على قيافا، يخبرنا يوحنا بواقعة أخرى حيث يزعم يسوع الألوهة برد “أنا هو”. وهو ما يحدث أثناء حوار ساخن مع بعض اليهود. فبعد الكثير من الشد والجذب حول هوية يسوع الحقيقية، ينتهي الحوار بيسوع وهو يعلن للفريسيين:
«أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأي وفرح». فقال له اليهود: «ليس لك خمسون سنة بعد، أفرأيت إبراهيم؟» قال لهم يسوع: «الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن». فرفعوا حجارة ليرجموه. أما يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى هكذا (يوحنا 8: 56-59).
وقد يقول الشكوكيون: «”قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” عبارة ركيكة حتى على مستوى اللغة. فزمن الفعل خطأ»[5]. صحيح. إن يسوع ليس مهتماً بقواعد اللغة لأنه يقتبس نفس الاسم الذي أعطاه الله لموسى في العليقة المتقدة.
هل تتذكر فيلم “الوصايا العشر” The Ten Commandments؟ ماذا فعل موسى (الذي لعب دوره شارلتون هستون Charlton Heston) عندما رأى العليقة المشتعلة؟ سأل الله: «”ها أنا أتي إلى بين إسرائيل وأقول لهم: إله آبائكم أرسلني إليكم. فإذا قالوا لي: ما اسمه؟ فماذا أقول لهم؟” فقال الله لموسى: “أهيه الذي أهيه”. وقال “هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه أرسلني إليكم”»[6] (خروج 3: 13، 14).
أهيه هو الكائن ذاتي الوجود. فهو ليس عند ماض ولا مستقبل لأنه أزلي أبدي. فهو ليس داخل الزمن. ويسوع كان يزعم أنه هو ذلك الكائن الأزلي الأبدي ذاتي الوجود، وهو ما دفع اليهود أن يرفعوا حجارة ليرجموه.
ومن يستمرون في القول: «لا يسوع لم يزعم مطلقاً أنه الله»، نود أن نسألهم سؤالاً: لو لم يزعم يسوع أنه الله، فلماذا قتل إذن؟ إن صلب يسوع، الذي يعد غالباً أكثر الحقائق المؤكدة في التاريخ القديم كله، يصعب تفسيره إلا إذا كان قد زعم أنه الله.
مؤكد أن اليهود غير المؤمنين عرفوا أنه يزعم الألوهة. ففي عدة مناسبات التقطوا حجارة ليرجموه بتهمة التجديف. فلماذا كان واضحاً لأناس القرن الأول أن يسوع زعم أنه الله، ولكنه ليس واضحاً لبعض شكوكيي اليوم؟
مزاعم غير مباشرة عن الألوهة
بالإضافة إلى هذه المزاعم المباشرة التي نطق بها يسوع عن لاهوته، فقد قال عدة عبارات أخرى واضح أنها تعني ضمناً أنه الله:
† صلى يسوع: «والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم» (يوحنا 17: 5). ولكن العهد القديم يقول إنه ليس هناك إلا إله واحد (تثنية 6: 4؛ إشعياء 45: 5 إلخ)، والله يقول: «ومجدي لا أعطيه لآخر» (إشعياء 42: 8).
† أعلن: «أنا هو الأول والآخر» (رؤيا 1: 17)، وهي ذات الكلمات التي وصف الله بها نفسه في إشعياء 44: 6.
† قال: «أنا هو الراعي الصالح» (يوحنا 10: 11). ولكن العهد القديم يقول: «الرب راعيَّ» (مزمور 23: 1). والله يقول: «كما يفتقد الراعي قطيعه يومن يكون في وسط غنمه المشتتة، هكذا أفتقد غنمي» (حزقيال 34: 12).
† زعم يسوع أنه ديان كل البشر (متى 25: 31 إلخ؛ يوحنا 5: 27)، ولكن يوئيل يقول عن لسان الله: «لأني هناك أجلس لأحاكم جميع الأمم من كل ناحية» (يوئيل 3: 12).
† قال يسوع: «أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة» (يوحنا 8: 12). ولكن كاتب المزمور يعلن: «الرب نوري» (مزمور 27: 1).
† أعلن يسوع: «لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضاً يحيي من يشاء» (يوحنا 5: 21). ولكن العهد القديم علم بوضوح أن الله فقط هو واهب الحياة (تثنية 32: 39؛ 1صموئيل 2: 6) ومحيي الموتى (إشعياء 26: 19؛ دانيال 12: 2؛ أيوب 19: 25، 26)، والديان الوحيد (تثنية 32: 35؛ يوئيل 3: 12).
† قال يسوع صراحة: «ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي» (يوحنا 14: 6).
الله في العهد القديم
الصفة
يسوع في العهد الجديد
مزمور 23: 1
إشعياء 44: 6
يوئيل 3: 12
إشعياء 62: 5
مزمور 27: 1
إشعياء 43: 11
إشعياء 42: 8
1صموئيل 2: 6
الراعي
الأول والآخر
الديان
العريس
النور
المخلص
مجد الله
مانح الحياة
يوحنا 10: 11
رؤيا 1: 17
متى 25: 31 إلخ
متى 25: 1
يوحنا 8: 12
يوحنا 4: 42
يوحنا 17: 5
يوحنا 5: 21
وقد أعلن يسوع أيضاً لاهوته ضمناً في الأمثال. ففي عدد من أمثاله، يصور نفسه في دور الله. مثلاً:
† في رد يسوع على شكور الفريسيين أنه يقبل خطاة ويأكل معهم (لوقا 15: 2)، يقول يسوع ثلاثة أمثال: الخروف الضال، والدرهم المفقود، والابن الضال (لوقا 15: 4-32). ومضمونها أن يسوع يفعل ما يفعله الله وفقاً للعهد القديم: فهو راع يذهب ويبحث عن الضال، وهو غفور يقبل الخطاة التائبين، ويرحب بهم في البيت (حزقيال 34: 11؛ مزمور 103: 8-13). (وعلى هامش مثل الابن الضال الفريسيون ممثلون بالابن الأكبر المتذمر. فالفريسيون يظنون خطأ أنهم يستحقون هبات الآب على أعمالهم الصالحة. كالابن الأبن الأكبر. ومن ثم هذا المثل لا يؤكد لاهوت المسيح فحسب، بل يعلم كذلك أن الخلاص عطية مجانية لا يمكن أن نكتسبها باستحقاقنا، ولكننا فقط نقبلها).
† في متى 19: 28-30 يعلن يسوع أنه “ابن الإنسان”، سيملك على عرش إسرائيل المجيد في تجديد كل شيء، وأن أتباعه سيملكون معه. وبعد ذلك مباشرة يعلم مثل الفعلة والكرم (متى 20: 1-16). وهنا يمثل ملكوت الله بكرم يملكه رب بيت. ورب البيت يدفع لكل الفعلة بالتساوي، بصرف النظر عن مدة العمل، مبيناً بذلك أن نعمة الله لا تقوم على أي استحقاق مثل مدة الخدمة (“هكذا يكون الآخرون أولين والأولون أخرين“). ويسوع ممثل برب البيت الذي يملك الكرم ويوزع النعمة مجاناُ. وهو ما يعادله بالله لأن الله في العهد القديم هو مالك الكرم (إشعياء 5: 1-7). (وكما رأينا، استخدامه للقب “ابن الإنسان” يتضمن إقراره بالألوهة أيضاً).
† يسوع يصف نفسه بأنه “العريس” في عدة مناسبات (مرقص 2: 19؛ متى 9: 15؛ 25: 1؛ لوقا 5: 34) بما فيها مثل العذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات (متى 25: 1-13). وبما أن العهد القديم يصف الله بالعريس (إشعياء 62: 5؛ هوشع 2: 16)، إذن يسوع يعادل نفسه بالله.
وهناك عدة نماذج أخرى حيث يزعم يسوع ضمناً أنه الله فيما يقوله من أمثال. وإن كانت مسحة هذا الكتاب لا تسمح بتناولها جميعاً، إلى فيليب بين Philip Payne يخلص إلى أنه «من بين أمثال يسوع القصصية الاثنين والخمسين المدونة، عشرون ترسم له صوراً تشير في العهد القديم إلى الله».
أفعال إلهية
بالإضافة إلى ما قاله يسوع من عبارات تؤكد لاهوته (وبالإضافة إلى ما صنع من معجزات) فقد تصرف يسوع باعتباره الله:
† قال لمفلوج: «يا بني، مغفورة لك خطاياك» (مرقص 2: 5-11). وقد كان رد الكتبة في محله: «من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده؟»
† أعلن يسوع: «دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض» وبعدها مباشرة أعطى وصية جديدة: فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم...» (متى 28: 18، 19).
† لقد أعطى الله موسى الوصايا العشر، ولكن يسوع قال: «وصية جديدة أنا أعطيكم: أن تحبوا بعضكم بعضاً» (يوحنا 13: 34).
† طلب أن نصلي باسمه: «ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله… إن سألتم شيئاً باسمي فإن أفعله» (يوحنا 14: 13، 14). «إن ثبتم فيّ وثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم» (يوحنا 15: 7).
† ورغم أن كلاً من العهدين القديم والجديد يمنعان العبادة إلا لله وحده (خروج 20: 1-4؛ تثنية 5: 6-9؛ أعمال 14: 15؛ رؤيا 22: 8، 9)، فإن يسوع قبل العبادة فيما لا يقل عن تسع مناسبات وقد اشتملت على عبادة من:
1 – أبرص شفي (متى 8: 2).
2 – رئيس أقام يسوع ابنته من الأموات (متى 9: 18).
3 – التلاميذ بعد عاصفة (متى 14: 33).
4 – امرأة كنعانية (متى 15: 25).
5 – أم يعقوب ويوحنا (متى 20: 20).
6 – إنسان من كورة الجدريين به روح نجس (مرقص 5: 6).
7 – أعمى شفي (يوحنا 9: 38).
8 – كل التلاميذ (متى 28: 17).
9 – توما الذي قال: “ربي وإلهي” (يوحنا 20: 28).
كل هؤلاء الأشخاص عبدوا يسوع دون كلمة توبيخ واحدة منه. ويسوع قبل هذه العبادة، بل طوب من اعترفوا بلاهوته (يوحنا 20: 29؛ متى 16: 17). وهو أمر لا يفعله إلى شخص اعتبر نفسه الله بحق.
والآن لنضع كل هذا في نصابه الصحيح. وليس من فعل ذلك أفضل من سي. إس. لويس الذي كتب:
يظهر بغتة بين هؤلاء اليهود رجل يتكلم كأنه الله أينما ذهب. فهو يزعم أنه يغفر الخطايا. ويقول إنه موجود أزلاً. ويقول إنه سيأتي ليدين العالم في نهاية الزمان. والآن علينا أن نفهم هذا الكلام بوضوح. بين المؤمنين بوحدة الوجود، مثل الهنود، يمكن لأي شخص أن يقول إنه جزء من الله، أو إنه واحد مع الله: لن يكون في ذلك غرابة كبيرة. ولكن هذا الرجل، بما أنه كان يهودياً، لا يمكن أن يفهم الله على هذا النحو. فالله في لغتهم يعني الكائن الذي هو خارج العالم الذي خلقه وهو مختلف اختلافاً لانهائياً عن كل ما عداه. وعندما تدرك ذلك، ستفهم أن ما قاله هذا الرجل كان ببساطة أكثر الأقوال الصادمة التي نطلق بها شفاه بشرية.
تخيل جارك يزعم هذا النوع من المزاعم: “أنا الأول والآخر، الكائن ذاتي الوجود. هل تريد غفراناً لخطاياك؟ يمكنني أن أفعل ذلك. هل تريد أن تعرف كيف تعيش؟ أنا نور العالم، من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة. هل تريد أن تعرف فيمن يجب أن تثق؟ دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض. هل لديك أي مخاوف أو طلبات؟ صلِّ باسمي. إن ثَبَتَّ فيَّ وثَبَتَ كلامي فيك، تطلب ما تريد فيكون لك. هل تريد أن تصل إلى الله الآب؟ ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي. أنا والآب واحد».
ماذا ستظن عن جارك لو كان جاداً فيما يقول؟ مؤكد أنك لن تقول: «مدهش، أظن أنه معلم أخلاقي عظيم!» لا، ستقول هذا الرجل مجنون، لأنه بالتأكيد يزعم أنه الله. وليس من عبر عن هذه الفكرة أيضاً أفضل من سي. إس. لويس الذي كتب:
إني أحاول هنا أن أمنع أي شخص من أن يقول هذا الكلام الشديد الحماقة الذي درج الناس على ترديده عن يسوع: «إني مستعد أن أقبل يسوع بصفته معلماً أخلاقياً عظيماً، ولكني لا أقبل زعمه بأنه الله». هذا هو الشيء الوحيد الذي يجب ألا ننطق به. إن رجلاً لا يزيد عن كونه إنساناً ويقول مثل هذه الأشياء التي قالها يسوع لن يكون معلماً أخلاقياً عظيماً. ولكنه يكون مجنوناً، مثله مثل من يقول إنه بيضة مسلوقة؛ أو يكون شيطاناً من جهنم. عليك أن تختار. فإما إن هذا الرجل كان وما زال ابن الله، أو إنه رجل مجنون أو أسوأ. يمكنك أن تخرسه بوصفه أحمق، يمكنك أن تبصق عليه وتقتله بوصفه شيطاناً، أو يمكنك أن تسقط عند قدميه وتدعوه رباً وإلهاً. ولكن دعونا من هذا الكلام الفارغ عن كونه معلماً إنسانياً عظيماً. فهو لم يترك الأمر مفتوحاً لنا. ولم ينو ذلك.
لويس محق تماماً. فبما أن يسوع زعم بوضوح أنه الله، فلا يمكن أن يكون مجرد معلم أخلاقي عظيم. وذلك لأن المعلمين الأخلاقيين العظماء لا يخدعون الناس بزعم الألوهة كذباً. وبما أن يسوع زعم أنه الله، فإن واحداً من ثلاثة احتمالات فقط يمكن أن يكون صحيحاً: إما أنه كاذب، أو مجنون، أو الرب.
كاذب لا تتسق مع الحقائق. فيسوع عاش وعلم أرقى المستويات الأخلاقية. ومن المستبعد أن يسلم حياته للموت إلا إذا كان يعتقد فعلاً أنه يقول الحق.
إن كان يسوع يعتقد أنه الله ولكنه لم يكن كذلك، إذن فهو مجنون. ولكن احتمال الجنون لا يطابق الحقائق أيضاً. فيسوع نطق بأعمق ما سجل من أقوال. والجميع، حتى أعداؤه، زعموا أن يسوع كان رجلاً صادقاً مستقيماً يعلم الحق (مرقص 12: 14).
وبذلك لا يبقى أمامنا إلى خيار الرب. ويطرح بيتر كريفت Peter Kreeft الحجة بكل بساطة:
ليس أمامنا إلى تفسيران محتملان: يسوع هو الله، أو يسوع ليس هو الله. والحجة في أبسط صورها تبدو هكذا: إما أن يسوع (1) الله، إن كان زعمه عن نفسه صحيحاً، أو (2) رجل سيء، إن لم يكن كلامه صحيحاً؛ لأن الرجال الصالحين لا يزعمون أنهم الله. ولكنه لم يكن رجلاً سيئاً. (لو وجد في التاريخ شخص غير سيء، فيسوع لم يكن رجلاً سيئاً). إذن فقد كان (ولم يزل) هو الله.
وهو ما يبدو منطقياً. ولكن هل الرب هو فعلاً الاستنتاج الصحيح؟ مهما كان، زعم الألوهة شيء – أي شخص يمكن أن يزعم ذلك – ولكن إثباته شيء آخر.
براهين لاهوت المسيح
كما رأينا زعم يسوع صراحة أنه الله وفي أغلب الأحيان كان يسلك باعتباره الله. ولكنه لم يكتف بالزعم والسلوك، بل برهن على هذا! وقد فعل ذلك بثلاثة براهين منقطعة النظير:
1 – تمم العديد من النبوات المسيانية وقام بأعمال معجزية.
2 – عاش حياة خالية من الخطية وقام بأعمال معجزية.
3 – تنبأ بقيامته من الأموات وحقق النبوة.
وقد قدمنا الأدلة بخصوص النبوات المسيانية، ومعجزات يسوع، وقيامته. ولكن ماذا عن فكرة أن يسوع بلا خطية؟ لقد قال يسوع نفسه: “من منكم يبكتني على خطية” (يوحنا 8: 46)؟ وتلاميذه الذي قضوا معه ثلاثة أعوام ليلاً ونهاراً زعموا أن يسوع بلا خطية:
† بطرس وصف يسوع بأنه حمل «بلا عيب ولا دنس»” (1بطرس 1: 19) «الذي لم يفعل خطية، ولا وجد في فمه مكر» (1بطرس 2: 22).
† يوحنا قال عن المسيح «وليس فيه خطية» (1يوحنا 3: 5).
† بولس كتب أن يسوع «لم يعرف خطية» (2كورنثوس 5: 21).
† كاتب العبرانيين ذكر النقطة نفسها بزعمه أن يسوع «بلا خطية» (عبرانيين 4: 15).
والآن جرب أن تقضي ثلاثة أيام مع أي إنسان. فكم بالأحرى ثلاث سنوات، مؤكد أنك ستجد فيه أخطاء. ولكن كُتاب العهد الجديد قالوا إن يسوع لم يكن عنده خطأ واحد.
ولكن ليس أصدقاؤه فقط هم من أكدوا سمو شخصيته، بل إن أعداء المسيح أيضاً لم يستطيعوا أن يجدوا فيه عيباً واحداً. فالفريسيون الذين كانوا يبحثون بكل نشاط عن عيب في المسيح، لم يجدوا (مرقص 14: 55)، بل إنهم اعترفوا أنه بالحق يعلم طريق الله (مرقص 12: 14). وحتى بعد كل ما بذله الفريسيون من جهود لإلصاق أي تهمة بيسوع، وجد بيلاطس أنه بريء من أي علة (لوقا 23: 22).
إلا أن برهان لاهوت المسيح لا يتوقف على خلوه من الخطية. ولكن النبوات التي تحققت فيه، ومعجزاته، وقيامته أكثر من كافية لإثبات لاهوته. ولكن هناك بضعة اعتراضات يجب أن نتناولها قبل أن نستنتج بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن يسوع هو الله الواحد الحقيقي.
اعتراضات على لاهوت المسيح
لماذا لم يكن يسوع أكثر صراحة؟ رغم بعض المزاعم الواضحة وضوح الشمس التي قالها يسوع عن لاهوته، فالشكوكيون يقولون كان من الممكن أن يكون يسوع أكثر صراحة في مناسبات أكثر إن كان هو الله فعلاً. مؤكد أن هذا صحيح. كان يمكنه أن يقول مزاعم كثيرة مباشرة إن رأى في ذلك ضرورة. إلا أن هناك عدة أسباب قد تفسر امتناعه عن ذلك.
أولاً، يسوع لم يرد تدخلاً من اليهود الذي كان عندهم مفهوم خاطئ أن المسيا سيأتي ويحررهم من ظلم الرومان. وهو ما مثل مشكلة رغم حرص يسوع: فذات مرة بعد أن صنع معجزات، اضطر أن يختفي عن اليهود الذين أرادوا أن يجعلون ملكاً (يوحنا 6: 15)!
ثانياً، ما كان يسوع ليستطيع أني يكون مثالنا البشري الأعظم لو استغل سلطانه كلما تعرض لمشكلة أرضية. فسلوكه يقدم لما نموذجاً مثالياً للتواضع والخدمة، وتمجيد الآب لا أنفسنا.
ثالثاً، كان على يسوع أن يكون في منتهى الحرص بخصوص وقت إعلان لاهوته ومكانه حتى يتمكن من إتمام مهمة الكفارة البدلية. فلو كان صريحاً أكثر من اللازم في مزاعمه وبرهانه المعجزي، ربما لما كانوا قتلوه. ولو كان شديد التحفظ، لما توافر دليل كاف على لاهوته، وربما ما كان ليجذب عدداً من الأتباع يكفي لنشر رسالته.
أخيراً، علينا أن نفهم الإطار الديني الذي عاش فيه يسوع وعلم. ولقد أشار إلى أنه شخصياً كمل ناموس العهد القديم كله (متى 5: 17)، الناموس الذي احترمه اليهود واتبعوه على مدى قرون وكان أساس كل ممارساتهم السياسية والدينية. فلا عجب أن يسوع استخدم الأمثال في التعليم وكانت إشاراته غير المباشرة إلى لاهوته أكثر من المباشرة. فقد قدم دلائل كافية لإقناع أصحاب العقول المنفتحة، ولكنها ليست مفرطة حتى لا تقهر حرية إرادة من يرغبون في التشبث بتقاليدهم.
إذن هناك أسباب وجيهة تفسر عدم إعلان يسوع عن لاهوته بأسلوب مباشر في مناسبات أكثر. إلا أننا يجب ألا ننسى أن عدد المرات التي فعل فيها ذلك كان كافياً. فأمام اليهود (يوحنا 8: 58) وعندما كان تحت قسم أمام رئيس الكهنة وقد علم أن مهمة الكفارة البدلية ستكتمل (متى 26: 64؛ مرقص 14: 62؛ لوقا 22: 70) صرح يسوع أنه الله.
إنكار غير مباشر للألوهة: غالباً ما يستشهد النقاد بثلاث مناسبات محددة في العهد الجديد حيث يمكن التشكيك في لاهوت المسيح. الأولى مسجلة في متى 19: 17. حيث الرئيس الشاب الغني يدعو يسوع “صالحاً”. ويبدو أن يسوع ينكر لاهوته عندما يجيب: «ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله».
ولكن النقاد مخطئون. فالمسيح لا ينكر لاهوته، بل يؤكد لاهوته باستفزاز الرجل ليتدبر مضامين عبارته. وهو ما يعني أن يسوع يسأل: «هل تدرك ما تقوله عندما تدعوني صالحاً؟ هل تقصد أني الله؟» وهو ما يتضح من السياق لأنه بعد بضع آيات يشير إلى نفسه بلقب “ابن الإنسان” الذي سيجلس “على كرسي مجده” وسيمكن التلاميذ أن يحكموا معه (متى 19: 28).
أما الاعتراضان الثاني والثالث على لاهوت المسيح يرتبطان بأن منزلة يسوع أقل من الآب وبأنه محدود المعرفة. ففي يوحنا 14: 28 واضح أن يسوع يضع نفسه في مكانة أقل من الآب عندما يعترف قائلاً «أبي أعظم مني» وفي متى 24: 36 يزعم يسوع أنه لا يعرف موعد مجيئه عندما يصرح قائلاً: «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا ملائكة السماوات، إلا أبي وحده». فكيف يمكن أن يكون يسوع هو الله إن كان أقل من الآب وإن كان محدود المعرفة.
إن الرد على هذه الاعتراضين يكمن في فهم الثالوث فهماً صحيحاً. أولاً يجب أن نوضح صراحة المعاني الخاطئة للثالوث: الثالوث ليس ثلاثة آلهة، ولا ثلاثة أشكال modes لإله واحد، ولا جوهراً إلهياً ثلاثياً Three divine Essences. الثالوث ثلاثة أقانيم[7] في جوهر إلهي واحد. وهو ما يعني أن هناك ثلاثة أقانيم: الآب، والابن، والروح القدس يشتركون في طبيعة إلهية واحدة. فالثالوث يشبه المثلث: المثلث له ثلاث زوايا ولكنه يظل مثلث واحداً (كما في الشكل التالي).
ويسوع يشارك في الطبيعة الإلهية الواحدة، ولكن أيضاً له طبيعة إنسانية متمايزة. فالابن أقنوم في اللاهوت، وبالتجسد صار له “طبيعتان” (طبيعة إلهية وطبيعة بشرية)، والله ثلاثة “أقانيم” (“أقنوم” الآب، “أقنوم” الابن”، “أقنوم” الروح القدس) في “جوهر” واحد، أي ثلاثة أقانيم في جوهر إلهي واحد. وقد قال أثناسيوس، أحد آباء الكنيسة الأوائل، إن التجسد ليس حذف اللاهوت، بل إضافة الناسوت. فبالطبع عندما حبل بيسوع لم يكف عن كونه الله. ولكنه أضاف طبيعة إنسانية.
كيف يساعدنا ذلك على التعامل مع الاعتراضين الثاني والثالث؟ بما أن يسوع له طبيعتان. فكلما سألت سؤالاً عنه، عليك فعلياً أن تسأل سؤالين. فمثلاُ، هل يسوع عرف وقت مجيئه الثاني؟ بصفته الله، نعم. بصفته إنساناً، لا. هل كان يسوع يعرف كل شيء؟ بصفته الله نعم. بصفته إنساناً، لا. (في الواقع لوقا 2: 52 يعترف أن يسوع كان يتقدم في الحكمة). هل جاع يسوع؟ بصفته الله، لا. بصفته إنساناً، نعم. هل تعب يسوع؟ بصفته الله، لا. بصفته إنساناً، نعم.
يساعدنا الثالوث أيضاً أن نفهم المعنى الذي قصده يسوع عندما أعلن «أبي أعظم مني». الآب والابن واحد في الجوهر ولكنهما مختلفان في الوظيفة. وهو ما يشبه العلاقات البشرية. فمثلاً، الأب البشري يتساوى في بشريته مع ابنه، ولكن الأب له وضع أعلى. وهكذا يسوع والآب مختلفان في الوضع ولكنهما واحد في اللاهوت (يوحنا 1: 1؛ 8: 58؛ 10: 3). وعندما أضاف يسوع الناسوت، نزل بمكانته طوعاً عن مكانة الآب، وقبل المحدوديات الأصيلة في البشرية (وهذا هو بالضبط ما يشرحه بولس في رسالته إلى أهل فيلبي 2: 5-11)، إلا أن يسوع لم يفقد أبداً طبيعته الإلهية ولم يكف عن أن يكون الله. والجدول التالي يلخص الاختلافات بين يسوع والآب:
يسوع والآب
يسوع مساو للآب
يسوع أقل من الآب
في طبيعته الإلهية
في جوهره الإلهي
في صفاته الإلهية
في شخصيته الإلهية
في طبيعته البشرية
في وظيفته البشرية
في وضعه البشري
في وضعه البشري
اعتراضات على الثالوث: إن الثالوث ليس منافياً للمنطق ولا ضد العقل، رغم ما قد يقوله بعض الشكوكيين. فما ينافي المنطق هو القول بوجد إله واحد وثلاثة آلهة. ولكن القول بوجود إله واحد مثلث الأقانيم لا ينافي المنطق. قد يكون فوق العقل، ولكنه ليس ضد العقل.
وهو ما لا يعني أن الثالوث يمكن فهمه فهماً تاماً. فما من كائن محدود، مهما كان، يستطيع أن يستوعب إلهاً غير محدود استيعاباً كاملاً. إننا نستطيع أن نفهم الثالوث كما نفهم المحيط، ولكننا لا نستطيع أن نستوعبه. فعندما نقف على الشاطئ يمكننا أن نفهم أن محيطاً يمتد أمامنا، رغم أننا لا نستطيع أن نستوعب مدى اتساعه استيعاباً تاماً.
البعض يطعنون بأن الثالوث شديد التعقيد. ولكن من قال إن الحق يجب أن يكون دائماً بسيطاً؟ وهو ما عبر عنه سي. إس. لويس بكفاءة عندما قال: «لو كانت المسيحية شيئاً من اختراعنا، كان بإمكاننا طبعاً أن نبسطها. ولكنها ليست كذلك. لذا، لا يمكننا أن ننافس على البساطة مع مخترعي الأديان. وكيف لنا أن نفعل هذا؟ إننا نتعامل مع حقائق. وبالطبع من لا يملك حقائق يتعب رأسه بها يمكنه أن يكون بسيطاً».
وبعض النقاد وقادة الجماعات الدينية قالوا بأن الثالوث عقيدة متأخرة من اختراع الكنيسة. ولكن هذا غير صحيح. فالآب والابن والروح القدس[8] يشار إليهم جميعاً باسم الله في أسفار الكتاب المقدس. بالإضافة إلى ذلك، حتى لو لم يكن الثالوث مقبولاً عند كل آباء الكنيسة الأوائل، هذا لا يعني أنه خطأ. فالحق لا يتحدد بأغلبية الأصوات. ولكن عقيدة الثالوث سليمة كتابياً وفلسفياً.
فالثالوث في الحقيقة لا ينشر مشكلات لاهوتية بل يحلها. مثلاً يساعدنا أن نفهم وجود المحبة منذ الأزل. فالعهد الجديد يقول إن الله محبة (1يوحنا 4: 16). ولكن كيف يمكن أن توجد المحبة في كائن واحد وحدانية جامدة؟ ليس من شخص آخر يحبه! إلا أن وحدانية الثالوث في الجوهر الإلهي تحل المشكلة. فحتى توجد المحبة، لا بد أن يكون هناك محب (الآب)، ومحبوب (الابن)، وروح محبة (الروح القدس). ونظراً لهذه الطبيعة الثالوثية. الله موجود منذ الأزل في علاقة محبة كاملة. إنه الكائن الكامل الذي لا ينقصه شيء، ولا حتى المحبة. وبما أن الله لا ينقصه شيء، فهو لم يكن محتاجاً أن يخلق البشر لأي سبب (لم يكن وحيداً، كما يقول بعض الوعاظ). ولكن الأم ببساطة أنه اختار أن يخلقنا، وهو يحبنا وفق طبيعته المحبة. والحقيقة أن هذه المحبة هي التي تفسر إرساله لابنه، وهو أقنوم في الثالوث، ليأخذ عقوبة خطايانا. فعدالته غير المحدودة تديننا، ولكن محبته غير المحدودة تخلص من يريد الخلاص.
الملخص والخلاصة
زعم يسوع الناصري، وأثبت، أنه الله المسيا الذي تنبأ عنه العهد القديم. وتأتي مزاعمه في أشكال كثيرة: بدءًا من تصريحات “أنا هو” المباشرة وانتهاء بتلك العبارات القوية التي تنطق بلاهوته ضمناً. وأفعاله التي تشمل على غفران الخطايا، وإعطاء الوصايا بسلطان إلهي، وقبول العبادة التي لا تحق إلا لله، وتكشف أيضاً أن يسوع صدق فعلاً أنه الله، ثم أثبت أنه الله:
1 – بتحقيق العديد من النبوات المسيانية المحددة المكتوبة قبل مجيئه بمئات السنين (يسوع هو الشخص الوحيد في التاريخ الذي تحقق فيه كل هذه النبوات).
2 – بحياته الخالية من الخطية وبأعماله المعجزية.
3 – بالتنبؤ بقيامته من الأموات وإتمامه للنبوة.
إننا نعتقد أن هذه الحقائق تبرهنت بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. ومن ثم، نستنتج أن يسوع هو الله.
وبما أننا برهنا أن الله كائن كامل أخلاقياً (بناءً على الحجة الأخلاقية في الفصل السابع)، إذن أي شيء يعلم به يسوع (الذي هو الله) حق. فماذا علم يسوع؟ وتحديداً، ماذا علم عن الكتاب المقدس؟ هذا هو موضوع الفصل التالي.
[1] عند مقارنتها بثاني أقدم مخطوطة لإشعياء، وهي النص الماسوري الذي يرجع تاريخه لسنة 1000م. وجد أن النصين متطابقان بنسبة 95٪ والتنوعات التي تمثل 5٪ معظمها عبارة عن زلات قلم واختلافات في الهجاء (ولا يؤثر أي من هذه التنوعات على أي مسألة عقائدية). وهو ما يعد مثالاً على مدى دقة كتبة اليهود في نسخ الأسفار المقدسة على مر العصور. انظر Norman Geisler and William Nix. General Instruction to the Bible (Chicago: Moody, 1986), 357-382.
[2] الكثير من المعلمين اليهود على مر العصور، حتى قبل زمن المسيح، فهموا إشعياء 53 على أنه إشارة للمسيا الآتي. انظر S. R. Driver and A.D. Neubawer. The Fifty-third Chapter of Isaiah According to Jewish Interpreters (Oxford and London. Parker, 1877) فهذا الكتاب مثلاُ يقتبس آراء المعلمين اليهود التي تقول إن الآيات التالية تشير إلى المسيا “فرخ” من الأية 2 (صفحة 22)، “رجل أوجاع” من الآية 3 (صفحة 11). “أحزاننا حملها” من الآية 4 (صفحة 23)، “مجروح لأجل معاصينا ” من الآية 5 (صفحة 24).
[3] ما يطلق عليه نبوات نفسانية لا يمت بصلة لنبوات الكتاب المقدس. فمثلاً سلسلة كتب “أخبار الناس السنوية” People’s Almanac (1976) أجرت دراسة على أبرز خمسة وعشرين شخصاً يقولون إنهم يعرفون الغيب. وقد أظهرت الدراسة أن 66 من 72 (أو 92٪) كانت خاطئة تماما. أما النبوات التي كانت صحيحة إلى حد ما، اتسمت بالغموض أو كان يمكن تفسيرها على أنها صدفة أو ناتجة عن معرفة عامة بظروف العالم. فإحدى النبوات مثلاً كانت تقول إن الولايات المتحدة وروسيا ستظلان القوتين العظميين ولن تقوم حروب عالمية. شيء مذهل! على العكس من ذلك. بعض نبوات الكتاب المقدس تقال مئات السنين مقدماً. بحيث يستحيل التنبؤ بالظروف المستقبلية دون معونة إلهية، وقد أثبتت كل نبوات الكتاب المقدس دقتها بنسبة 100٪. انظر Norman L. Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics (Grand Rapids. Mich.: Baker, 1999), See Pager 544 for Problems with the alleged Nostradamus Predictions.
[4] في نبوة دانيال 7 يتضح أن ابن الإنسان هو شخص بخلاف القديم الأيام. ولكن من رؤيا 1 يتضح أن ابن الإنسان هو بنفسه القديم الأيام، إذ قد استعلن سر التقوى: الله ظهر في الجسد (1تي 3: 16). (الناشر).
[5] العبارة الإنجليزية “Before Abraham was born. I am” وترجمتها الحرفية “قبل أن يكون إبراهيم. أنا أكون”. (المترجم).
[6] “أهيه” كلمة عبرية تعني “أكون” (Strong’s Hebrew Dictionary) to be. (المترجمة)
[7] جمع “أقنوم” وهي كلمة سريانية، تدل على من له تمييز (distinction) عن سواه بغير انفصال عنه. وهكذا أقانيم اللاهوت؛ فكر أقنوم، مع أن له تمييز عن الأقنومين الآخرين، لكنه غير منفصل عنهما. انظر يوسف رياض، 3 حقائق أساسية في الإيمان المسيحي، مطبوعات الإخوة، القاهرة. (الناشر).
[8] انظر Geisler, Baker Encyclopedia of Christion Apologetics. الاقتباس التالي من صفحة 730: الروح القدس يدعى “الله” (أعمال 5: 3، 4). وهو يحوز صفات اللاهوت، ومنها أنه كلي الحضور (قارن مزمور 139: 7-12) وكلي العلم (1كورنثوس 2: 10، 11). وهو مرتبط بالله الآب في الخلق (تكوين 1: 2). وهو مشارك في عمل الفداء مع الأقنومين الآخرين في الجوهر الإلهي (يوحنا 3: 5، 6؛ رومية 8: 9-17، 23-27؛ تيطس 3: 5-7). وهو أيضاً مرتبط بالأقنومين الآخرين في الثالوث تحت “اسم” الله (متى 28: 18-20). وأخيراً يظهر الروح القدس مع الآب والابن في صلوات البركة الرسولية في العهد الجديد (مثلاً 2كورنثوس 13: 14). فالروح القدس يحوز اللاهوت، وله أيضاً شخصية متمايزة. فهو أقنوم متمايز ويتضح ذلك في أن الكتاب المقدس يشير إليه بضمائر شخصية (يوحنا 14: 26؛ 16: 13). ثانياً، إنه يفعل أشياء لا يفعلها إلا الأشخاص. فهو يعلم (يوحنا 14: 26؛ 1يوحنا 2: 27)، ويبكت على الخطية (يوحنا 16: 7، 8). ويحزن من الخطية (أفسس 4: 30). أخيراً، الروح القدس له عقل (1كورنثوس 2: 10، 11)، ومشيئة (1كرونثوس 12: 11)، ومشاعر (أفسس 4: 30).
بل عليهم أن يقدموا أدلة على تلك النظريات من القرن الأول”.
جاري هابرماس Gary Habermas
القيامة: ماذا يقول الباحثون؟
أجرى جاري هابرماس البحث الأشمل حتى الآن فيما يؤمن به الباحثون الأكاديميون عن القيامة. فقد جمع هابرماس أكثر من 1400 من أهم الأعمال الأكاديمية التي كتبت عن القيامة من سنة 1975 إلى 2003. ويقول هابرماس في كتابه “يسوع المقام ورجاء المستقبل” The Risen Jesus and Future Hope إن كل الباحثين الأكاديميين تقريباً من مختلف الأطياف الأيديولوجية، بدءًا من الليبراليين المتطرفين وانتهاء بالمحافظين المتشددين، يتفقون أن النقاط التالية بخصوص يسوع والمسيحية حقائق تاريخية فعلية:
يسوع مات بعقوبة الصلب الرومانية.
دفن، غالباً في قبر خاص.
بعد ذلك بوقت قصير شعر التلاميذ بالإحباط وفقدان الحبيب واليأس لأن أملهم تحطم.
قبر يسوع وجد فارغاً بعد دفنه بفترة وجيزة جداً[1].
التلاميذ مروا بخبرات آمنوا أنها ظهورات حقيقية ليسوع القائم من الأموات.
نتيجة لهذه الخبرات، حدث تحول جذري في حياة التلاميذ. بل إنهم كانوا مستعدين أن يموتوا في سبيل عقيدتهم.
إعلان القيامة تم في مرحلة مبكرة جداً، منذ بدء تاريخ الكنيسة.
شهادة التلاميذ الجهرية ووعظهم عن القيامة حدثا في مدينة أورشليم حيث صلب يسوع ودفن قبل ذلك بفترة قصيرة.
رسالة الإنجيل تمحورت حول الكرازة بموت يسوع وقيامته.
كان يوم الأحد يوم الاجتماع والعبادة الأساسي.
يعقوب أخو يسوع الذي كان يشك فيه قبل هذه الأحداث تحول إلى الإيمان عندما صدق أنه هو أيضاً رأى يسوع المقام.
بعد بضع سنوات، أصبح شاول الطرسوسي (بولس) مؤمناً مسيحياً نتيجة لاختبار جازه آمن هو أيضاً أنه ظهور ليسوع المقام.
إن قبول هذه الحقائق منطقي في ضوء ما رأيناه حتى الآن. فالأدلة تبين أن:
قصة العهد الجديد ليست أسطورة:
إن وثائق العهد الجديد كتبت في غضون جيلين من الأحداث بيد شهود عيان أو معاصريهم. والأحداث الرئيسية لقصة العهد الجديد مدعومة من كتاب غير مسيحيين. علاوة على ذلك، العهد الجديد يذكر 30 شخصية تاريخية على الأقل تؤكدها مصادر أخرى خارج العهد الجديد. إذن يستحيل أن تكون قصة العهد الجديد أسطورة.
قصة العهد الجديد ليس كذبة:
كتاب العهد الجديد سجلوا تفاصيل مختلفة ومحرجة، وأقوالاً صعبة وعسرة التنفيذ، وقد ميزوا بدقة بين كلام يسوع وكلامهم. وأشاروا إلى حقائق وشهود عيان معروفين عند قرائهم أو يمكن للقراء التحقق منهم. والحقيقة أن كتاب العهد الجديد استفزوا قراءهم وأعداءهم البارزين في القرن الأول ليفحصوا ما قالوا. وإن لم يكن ذلك كافياً لتوكيد صدقهم، إذن الاستشهاد يجب أن يزيل أي شك. إن شهود العيان هؤلاء احتملوا الاضطهاد والموت في سبيل زعمهم القائم على خبرتهم الشخصية حيث أنهم رأوا يسوع المقام وسمعوه ولمسوه، رغم أنهم كانوا يستطيعون أن ينقذوا أنفسهم ببساطة إن أنكروا شهادتهم.
قصة العهد الجديد ليست تضخيماً:
كان كتاب العهد الجديد في منتهى الدقة، كما يتضح من أكثر من 140 معلومة ثابتة تاريخياً. وقد سجلوا معجزات في هذه الروايات المؤكدة تاريخياً، دون تضخيم ظاهر أو تعليقات لاهوتية عميقة.
فهل العهد الجديد صحيح؟
إن كان معظم الباحثين يتفقون في الاثنتي عشرة حقيقة المذكورة آنفاً لأن الأدلة تثبت أن قصة العهد الجديد ليست أسطورة، ولا كذبة، ولا تضخيماً، إذن فنحن نعلم بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن كتاب العهد الجديد سجلوا ما رأوه بدقة. فهل هذا يعني أن كل أحداث العهد الجديد صحيحة؟ ليس بالضرورة، فما زال عند الشكوكيين محاولة أخيرة.
آخر محاولة عند الشكوكيين هي أن كتاب العهد الجديد كانوا مخدوعين.
أي أنه من المحتمل أن كتاب العهد الجديد كانوا ببساطة مخطئين فيما ظنوا أنهم رأوه.
بناء على ما عرضناه من سمات العهد الجديد، لا يبدو معقولاً أن كتاب العهد الجديد كانوا مخدوعين في الأحداث اليومية غير المعجزية. فقد ثبتت صحة كلامهم في العديد من التفاصيل التاريخية. فلماذا نشك في ملاحظاتهم عن أحداث الحياة اليومية؟
ولكن هل كانوا مخدوعين بخصوص الأحداث المعجزية مثل القيامة؟ ربما أنهم صدقوا فعلاً أن يسوع قام من الأموات، فدفعوا حياتهم ثمناً لذلك، ولكنهم كانوا مخطئين أو مضللين. من المحتمل وجود تفسيرات طبيعية لكل المعجزات التي ظنوا أنهم رأوها.
إن الباحثين الناقدين يحصنون أنفسهم. فكر في الحقيقة رقم 5 من الحقائق الاثنتي عشرة التي يؤمن بها كل الباحثين تقريباً: «التلاميذ مروا بخبرات آمنوا أنها ظهورات حقيقية ليسوع القائم من الأموات». وهو ما يعني أن الباحثين لا يقولون بالضرورة إن يسوع قام فعلياً من الأموات (وإن كان البعض يعتقدون أنه قام). فإن الحد الأدنى لإجماع كل الباحثين تقريباً أن التلاميذ آمنوا أن يسوع قام من الأموات.
ولكن حتى يكون شهود العيان على الأحداث ومعاصروهم مخطئين. لا بد من وجود تفسير آخر للقيامة وغيرها من المعجزات المسجلة في العهد الجديد. ولكن بما أن القيامة هي الحدث المركزي في المسيحية، فلنبدأ منها. كيف ينفي الشكوكيون القيامة؟
النظريات الشكوكية المشكوك فيها
إليك تفسيرات القيامة التي غالباً ما يطرحها الشكوكيون:
نظرية الهلوسة:
هل انخدع التلاميذ بفعل هلاوس؟ ربما أنهم ظنوا بصدق أنهم رأوا المسيح المقام ولكنها كانت في الواقع هلاوس. إن هذه النظرية تشتمل على عدد من الأخطاء القاتلة وسنتناول اثنين منها.
أولاً، الهلاوس لا تحدث لمجموعات بل فقط لأفراد. وهي في هذا الصدد شديدة الشبه بالأحلام. ولذلك، إن قال لك أحد أصدقائك ذات صباح: «يا له من حلم رائع الذي حلمنا به ليلة أمس، أليس كذلك؟» لن تقول: «نعم كان بديعاً. ما رأيك في استكماله هذه الليلة؟». لا، ستظن أن صديقك أصيبت بالجنون أو أنه يمزح. لن تأخذ كلامه على محمل الجد لأن الأحلام ليست خبرات جماعية. فالحلم خبرة فردية لا جماعية، والهلاوس كذلك، فإن توافرت ظروف نفسية نادرة، قد يتعرض الفرد للهلاوس، ولكن صديقه لن يتعرض للهلاوس. وحتى إن حدث، لن يتعرضا للهلاوس نفسها.
ثانياً، ونظرية الهلاوس لا تصلح لأن يسوع لم يظهر مرة واحدة لشخص واحد، ولكنه ظهر في اثنتي عشرة مناسبة منفصلة، في ظروف متنوعة لأشخاص مختلفين على مدى أربعين يوماً. وقد رآه رجال ونساء. وشوهد يمشي ويتحدث ويأكل. وقد شوهد في الداخل وفي الخارج. ورآه كثيرون وقليلون. وإجمالي من رأوا يسوع المقام يزيد عن 500 شخص. ولم يروا هلوسة ولا شبحاً لأنه في ستة ظهورات من الاثني عشر كان يلمس جسدياً أو يأكل طعاماً حقيقياً (انظر الجدول التالي).
ترتيب ظهورات المسيح الاثني عشر
الأشخاص
رأوا
سمعوا
لمسوا
أدلة أخرى
1
مريم المجدلية (يو 20: 10-18)
x
x
x
القبر الفارغ
2
مريم المجدلية ومريم الأخرى (متى 28: 1-10)
x
x
x
القبر الفارغ وأيضاً الأكفان (لوقا 24: 1-12)
3
بطرس (1كورونثوس 15: 5) يوحنا (يو 20: 1-10)
x
x
القبر الفارغ والأكفان
4
تلميذان (لوقا 24: 13-35)
x
x
أكلا معه
5
عشرة رسل (لوقا 24: 36-49؛ يوحنا 20: 19-23)
x
x
X**
رأوا الجراح، وأكل طعاماً
6
أحد عشر رسولاً (يوحنا 20: 24-31
x
x
X**
رأوا الجراح
7
سبعة رسل (يوحنا 21)
x
x
أكل طعاماً
8
كل الرسل (متى 28: 16-20؛ مرقص 16: 14-18)
x
x
9
500 أخ (1كورنثوس 15: 6)
x
X*
10
يعقوب (1كورنثوس 15: 7)
x
X*
11
كل الرسل (أعمال 1: 4-8)
x
X
أكلوا معه
12
بولس (أعمال 9: 1-9؛ 1كورنثوس 15: 8)
x
x
ووجود القبر الفارغ هو ثاني الأخطاء القاتلة في نظرية الهلوسة. فلو كان شهود العيان الذين يتجاوز عددهم خمسمائة شخص مروا بهذه الخبرة غير المسبوقة من رؤية الهلاوس نفسها في اثنتي عشرة مناسبة مختلفة. فلماذا لم تطف السلطات اليهودية أو الرومانية بجسد يسوع في المدينة؟ وهو ما كان سينهي المسيحية للأبد. كم كانوا يتمنون أن يفعلوا ذلك، ولكن يبدو أنهم لم يقدروا لأن القبر كان فارغاً بالفعل.
الشهود ذهبوا لقبر خطأ:
محتمل أن التلاميذ ذهبوا إلى قبر خطأ ثم افترضوا أن يسوع قام. هذه النظرية أيضاً تشتمل على خطأين قاتلين.
أولاً، لو ذهب التلاميذ لقبر خطأ، لذهبت السلطات اليهودية أو الرومانية للقبر الصحيح وطافوا المدينة بجسد يسوع. إن القبر كان معروفاً لليهود لأنه كان قبرهم (كان ملكاً ليوسف الرامي عضو السنهدريم). وكان القبر معروفاً للرومان لأنهم ضبطوه بحراس. وكما يشير وليم لين كريج، إن نظرية القبر الخطأ تفترض أن كل اليهود (والرومان) كانوا يعانون من حالة “فقدان ذاكرة جماعية” مستديمة بشأن ما فعلون بجسد يسوع.
ثانياً، حتى وأن ذهب التلاميذ فعلاً إلى القبر الخطأ، فالنظرية لا تفسر كيف ظهر يسوع المقام اثنتي عشرة مرة مختلفة. وهو ما يعني أنه لابد من تفسير الظهورات، لا القبر الفارغ فقط.
لاحظ أن القبر الفارغ لم يقنع معظم التلاميذ (ربما باستثناء يوحنا) أن يسوع قام من الأموات. ولكن ظهورات يسوع هي التي حولتهم من جبناء شكاكين مشتتين خائفين إلى أعظم قوة مرسلية سليمة في التاريخ. وهو ما ينطبق بوجه خاص على عدو المسيحية الأصيل شاول (بولس). فهو لم يكن مقتنعاً بالقبر الفارغ، بل كان يضطهد المسيحيين عقب القيامة بفترة وجيزة جداً. وكان الأمر يتطلب ظهور يسوع نفسه ليغير بولس تغييراً كلياً. ويبدو أن يعقوب أخا يسوع المتشكك تحول أيضاً للإيمان بعد أحد ظهورات يسوع. وكما رأينا، تحول يعقوب كان جذرياً بكل معنى الكلمة لدرجة أنه أصبح قائد كنيسة أورشليم ثم استشهد بعد ذلك على يد رئيس الكهنة.
والفكرة المحورية هي: حتى إن أمكننا إيجاد تفسير طبيعي للقبر الفارغ، فهذا لا يكفي لنفي القيامة. فأي نظرية بديلة للقيامة عليها أن تنفي أيضاً ظهورات يسوع. ولكن نظرية القبر الخطأ لا تفسر هذا ولا ذاك.
نظرية الإغماء أو الموت الظاهري:
هل من الممكن أن يسوع لم يمت حقاً على الصليب؟ من المحتمل أنه أصيب بحالة إغماء فقط. أي أنه عندما وضع في القبر لم يكن قد فارق الحياة، ولكنه هرب بطريقة ما وأقنع تلاميذه أنه قام من الأموات. هذه النظرية أيضاً مشوبة بالعديد من الأخطاء القاتلة.
أولاً، الأعداء والأصدقاء على حد سواء اعتقدوا أن يسوع مات. فالرومان الذين كانوا محترفين في الإعدام جلدوا يسوع وضربوه بوحشية إلى أن انهار. ثم دقوا مسامير ثقيلة من الحديد المطاوع في رسغيه وقدميه، وطعنوه بحربة في جنبه. ولم يكسروا ساقيه ليعجلوا بموته لأنهم علموا أنه مات. (ضحايا الصلب غالباً ما كانوا يموتون بالاختناق لأنهم لم يتمكنوا من دفع أنفسهم لأعلى حتى يتنفسوا. ومن ثم كان كسر السيقان يعجل بالموت). بالإضافة إلى ذلك، بيلاطس تحقق من موت يسوع، وموت يسوع كان السبب في فقدان التلاميذ لكل ما عندهم من أمل.
وأساليب الصلب الروماني الوحشية ثابتة في علم الآثار وفي المصادر المكتوبة غير المسيحية (انظر الفصل الخامس عشر للاطلاع على وصف حي لخبرة صلب يسوع). وسنة 1968 عثر على بقايا أحد ضحايا الصلب من القرن الأول في كهف بمدينة أورشليم، وقد وجد في عظمة الكعب مسمار طوله 18 سنتيمتراً تقريباً، وظهرت آثار مسامير على أسفل الذراعين أيضاً[2]. وقد تبين من أعمال الكاتب الروماني كونتيليان Quintillian (35-95م) أن طعن القلب بحربة كان أيضاً أحد أساليب الصلب الرومانية. وبناء على هذه المعاملة التي تعرض لها يسوع، لا عجب أن يعتقد شهود العيان أنه مات.
ليسوا أناس القرن الأول فقط هم من اعتقدوا أن يسوع مات، بل أطباء العصر الحديث أيضاً يعتقدون أن يسوع مات بالفعل. وفيما يلي الاستنتاج الذي توصل إليه ثلاثة أطباء منهم عالم في الأمراض من مايو كلينيك Mayo Clinic في عدد 21 آذار/مارس 1986 من “مجلة الجمعية الطبية الأمريكية” Journal of the American Medical Association:
واضح أن ثقل الأدلة التاريخية والطبية يبين أن يسوع مات قل أن يجرح في جنبه. وتؤيد الأدلة النظرة التقليدية التي مفادها أن الحربة التي نفذت بين ضلوعه اليمنى غالباً اخترقت الرئة اليمنى وكيس التامور المحيط بالقلب والقلب. مما أكد موت. وعليه، التفاسير التي تقوم على الافتراض بأن يسوع لم يمت على الصليب تبدو متناقضة مع المعرفة الطبية الحديثة.
كما أوضحنا في الفصل السابق، يبدو أن الدم والماء اللذين نتجا عن طعنة الحربة من عناصر شهادة العيان الأصلية فيما سجله يوحنا. فهذه الحقيقة وحدها يجب أن تزيل كل الشكوك في موت يسوع.
ثانياً، وثاني أكبر العيوب في نظرية الإغماء هو أن يسوع حفظ في أكفان وأطياب تزن حولي 34 كيلوجرام. ومن المستبعد تماماً أن يكون يوسف الرامي ونيقوديموس (يوحنا 19: 40) قد كفنا يسوع وهو حي بطريق الخطأ.
ثالثاً، حتى إن ظن الجميع خطأ أن يسوع كان ميتاً عند دخوله إلى القبر، كيف يمكن لرجل ينزف وقد أصيب بإصابات بالغة أن يظل حياً لمدة ست وثلاثين ساعة أخرى؟ كان سينزف حتى الموت في هذا القبر المظلم البارد الرطب.
رابعاً، حتى لو نجا فعلاً رغم ظلمة القبر ورطوبته وبرودته، كيف يحل نفسه، ويرفع الحجر الذي يزن طنين ويزيحه خارج القبر، ويمر أمام الحرس الروماني الكفء (الذي سيقتل للسماح باختراق الحاجز الأمني)، ثم يقنع الجبناء المتشككين المشتتين الخائفين أنه انتصر على الموت؟ وحتى لو تمكن أن يخرج من القبر ويمر أمام الحرس الروماني، كان سيخرج عبارة عن كتلة مشوهة نازفة، فيثير شفقة التلاميذ عليه لا عبادتهم له. كانوا سيقولون: «قد تكون حيا، لكن مؤكد أنك لم تقم. فتعال نأخذك للطبيب».
خامساً، نظرية الإغماء لا تستطيع أن تفسر ظهور يسوع لبولس بنور براق على طريق دمشق. فما الذي غير هذا العدو الصريح للمسيحية بعد الصلب بفترة قصيرة؟ مؤكد أن يسوع لم يكن إنساناً عادياً شفي من حادثة صلب.
إن وصف بولس لخبرة تحوله مسجل مرتين في سفر الأعمال الذي ثبتت صحته تاريخياً. وفي أصحاح 22 يخبر بولس بظهور المسيح له أمام جمهور من اليهود المعادين:
وحدث لي وأن ذاهب ومقترب إلى دمشق أنه نحو نصف النهار، بغتة أبرق حولي من السماء نور عظيم. فسقطت على الأرض، وسمعت صوتاً قائلاً لي: شاول، شاول! لماذا تضطهدني؟ فأجبت: من أنت يا سيد؟ فقال لي: أنا يسوع الناصري الذي أنت تضطهده (ع 6-8).
ثم فقد بولس البصر لمدة ثلاثة أيام وتغير اتجاهه 180 درجة. لقد انتقل من ألد أعداء المسيحية إلى أشد الداعين لها.
إن خبرة تحول بولس لا يمكن تفسيرها بيسوع مغمى عليه يمسك مشعلاً ويصدر “صوته الإلهي” من بين أشجار الغابة. إن ما حدث كان استعلاناً مباغتاً مبهراً للقوة الإلهية في وضح النهار أحدث تغييراً جذرياً في هذا الرجل وفي العالم للأبد[3].
سادساً، عدة كتاب غير مسيحيين أكدوا موت يسوع صلباً، ومنهم يوسيفوس، وتاسيتس، وثالوث، والتلمود اليهودي. فالتلمود اليهودي مثلاً يقول إن يشوع (يسوع) علق على خشبة عشية الفصح. وهو ليس من المصادر المحبة للمسيحية، فليس هناك مبرر للشك في صدقه.
لكل ما تقدم من أسباب، وغيرها، لم يعد هناك إلا قلة قليلة من الباحثين الأكاديميين تصدق نظرية الإغماء. فالأدلة المضادة لها كثيرة جداً.
التلاميذ سرقوا الجسد:
إن النظرية التي تقول بسرقة التلاميذ لجسد يسوع لا تقوى على تأييد آخر خيارات الشكوكيين، ألا وهو أن كُتاب العهد الجديد كانوا جميعاً مخدوعين. لماذا؟ لأن النظرية تجعل كتاب العهد الجديد مخادعين، لا مخدوعين! وهو طبعاً ما يضرب بعرض الحائط كل ما رأيناه من أدلة حتى الآن. إن النظرية تتبنى الموقف الهش القائل بأن كتاب العهد الجديد جميعاً كانوا كاذبين. فلسبب غير مفهوم، سرقوا الجسد ليعرضوا أنفسهم للضرب والتعذيب والاستشهاد! إن أنصار هذه النظرية لا يستطيعون أن يفسروا ما يجعل أي إنسان يفعل ذلك. لماذا يحيل التلاميذ هذه المؤامرة التي تنقلب ضدهم؟ ولماذا استمر كل منهم يقول إن يسوع قام من الأموات رغم أنه كان بإمكانهم إنقاذ أنفسهم بالتراجع عن تلك الشهادة؟
يعتبر التضارب الشديد بين مصالح التلاميذ من عوامل تفنيد هذه النظرية، إلا أنها تتطلب أيضاً توافر عدة عناصر عبثية يعجز أنصارها عن تفسيرها. فمثلاً، كيف اجتاز التلاميذ أمام الحرس الروماني الكفء المدرب على حراسة القبر بحياته؟ ولو لم يقم يسوع من الأموات مطلقاً، فمن الذي ظهر لبولس، ويعقوب، وغيرهما من شهود العيان؟ وهل كذب كتاب العهد الجديد بشأن ما حدث لهم من تحول أيضاً؟ هل بولس اختلق الأدلة الواردة في 1كورنثوس؟
وماذا عن الكتاب غير المسيحيين؟ هل كذب يوسيفوس بخصوص استشهاد يعقوب على يد السنهدريم؟ هل الكاتب الروماني فليجون (المولود حوالي 80م) كذب أيضاً عندما كتب في “السجلات الزمنية” Chronicles «يسوع لم يدافع عن نفسه في حياته، ولكنه قام بعد الموت، وأظهر علامات العقوبة التي تعرض لها، وأظهر آثار المسامير في يديه»؟[4] إن كل هذا يتطلب “معجزة” أكبر من معجزة قيامة يسوع من الأموات. ولكننا لا نملك الإيمان الكافي لتصديق كل هذا!
كما رأينا، فكرة سرقة التلاميذ للجسد هي بالضبط التفسير الذي طرحه اليهود للقبر الفارغ. وبصرف النظر عن أن التلاميذ لم يكن عندهم الدافع لسرقة الجسد ولا القدرة على ذلك، فهذا التفسير اليهودي القديم كذبة فاشلة لسببين آخرين: 1) كيف عرف الحراس وهم نيام أن التلاميذ سرقوا الجسد؟ 2) ما من حارس روماني سيعترف أنه نام أثناء عمله، وهي جريمة عقوبتها الإعدام. (ربما هذا هو ما دفع قادة اليهود أن يدفعوا رشوة للحراس ويعدوهم بأنهم سيحمونهم من أي مشكلات مع الوالي، كما يسجل متى).
وسنة 1878 تم التوصل إلى كشف أثري مدهش قد يؤيد زعم الكتاب المقدس بأن اليهود كانوا يشيعون تفسير السرقة. فقد اكتشفت لوح من الرخام حوالي 38 x 61 سنتيمتر في الناصرة يحمل هذا النقش:
أمر قيصر: يسرني أن تبقى القبور والمقابر دائماً آمنة من أي إزعاج لأجل من بنوها كطقس ديني تكريماً لأسلافهم أو أبنائهم أو أفراد عائلتهم. إلا أنه إذا اتهم أي شخص أحداً بهدمها، أو إخراج المدفونين بأي شكل، أو نقلهم بخبث لأماكن أخرى لإهانتهم، أو وضع الأختام على أحجار أخرى، فإني آمر بمحاكمة مثل هذا الشخص، لإهانة البشر الفانين كما هو الحال في إهانة الآلهة. وذلك لأن تكريم الموتى أم أكثر وجوبية. فليحظر مطلقاً على أي إنسان أن يزعجهم. وفي حالة الانتهاك أود أن يحكم على الجاني بالإعدام بتهمة انتهاك القبر.
يعتقد الباحثون أن هذا المرسوم صدر من الإمبراطور طيباريوس الذي حكم من 14-37م (أثناء معظم حياة المسيح)، أو الإمبراطور كلوديوس الذي حكم من 41-54. وما يلفت النظر في هذا المرسوم أنه يغلظ عقوبة سرقة القبور من الغرامة إلى الإعدام!
لماذا يكلف الإمبراطور الروماني نفسه إصدار هذا المرسوم القاسي في هذا الوقت في منطقة نائية من إمبراطوريته؟ رغم أنه لا أحد يعلم سبب المرسوم على وجه اليقين، هناك احتمالان يشير كلاهما إلى يسوع.
إن كانت هذه الكتابة لطيباريوس، فمن المحتمل أن طيباريوس عرف عن يسوع من أحد تقارير بيلاطس التي يرفعها إليه سنوياً. وهذا هو زعم يوستينوس الشهيد. وربما اشتمل هذا التقرير على التفسير اليهودي للقبر الفارغ (التلاميذ سرقوا الجسد)، مما دفع طيباريوس لمنع أي حالات “قيامة” في المستقبل بإصدار هذا المرسوم.
وإن كانت الكتابة لكلوديوس، فمن المحتمل أن المرسوم كان جزءًا من رد فعله لأحداث الشغب التي وقعت في روما سنة 49م. ففي أعمال 18: 2 يذكر لوقا أن كلوديوس طرد اليهود من روما. وهو ما يؤكده المؤرخ الروماني سويتونيوس Seutonius الذي يخبرنا بأنه «لأن اليهود في روما تسببوا في شغب مستمر بسبب القلاقل التي أثارها المسيح Chrestus، طردهم [كلوديوس] من المدينة». (Chrestus شكل مختلف لهجاء كلمة Christ [المسيح]).
ما علاقة المسيح بأحداث الشغب التي أثارها اليهود في روما؟ ربما مرت روما بالأحداث نفسها التي وقعت في تسالونيكي نحو ذلك الوقت نفسه. ففي أعمال 17 يسجل لوقا أن حالة من “الفوضى”[5] وقعت في تسالونيكي عندما “غار” اليهود من بولس لأنه كان يكرز بقيامة يسوع من الأموات. وهؤلاء اليهود رفعوا دعواهم لحكام المدينة قائلين «إن هؤلاء [بولس ولوقا] الذي فتنوا المسكونة حضروا إلى ههنا أيضاً…. وهؤلاء كلهم يعملون ضد أحكام قيصر قائلين: إنه يوجد ملك آخر: يسوع!» (ع 6، 7).
إن كان هذا هو ما حدث بالضبط في روما، إذن كلوديوس ما كان ليقبل أن جماعة تتحدى أوامره وتتبع ملكاً آخر. فمن المحتمل أنه ما إن علم أن هذه الطائفة الجديدة المتمردة نشأت مع اليهود الذين آمنوا أن قائدهم قام من الأموات، حتى طرد كل اليهود من روما وجعل سرقة القبور جريمة عقوبتها الإعدام.
إن أحد هذين الاحتمالين يمكن أن يفسر توقيت المرسوم ومكانه وشدته. ولكن حتى إن لم يكن المرسوم مرتبطاً بقبر المسيح الفارغ. فلدينا من الأدلة الدامغة ما يكفي لإثبات أن اليهود هم من طرحوا فرضية السرقة (انظر الفصل السابق). والنقطة الرئيسية هي أن فرضية السرقة كان اعترافاً ضمنياً أن القبر كان فارغاً بالفعل. فمهما كان من أمر، ما الذي يجعل اليهود يختلقون تفسيراً للقبر الفارغ لو كان جسد يسوع لم يزل فيه؟
بديل اتخذ مكان يسوع على الصليب:
هذا هو التفسير الذي يطرحه البعض اليوم ومفاده أن يسوع لم يصلب، ولكن شخصاً، ربما يهوذا، قتل بدلاً منه[6].
ووفقاً لهذه الفرضية، يقولون إن كل ما حدث أنه شبه لهم أنهم صلبوا يسوع، ولكن الله رفعه مباشرة إلى السماء.
هذه النظرية تطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات. هل مطلوب منا أن نصدق أن الآلاف ممن شهدوا جانباً من موت يسوع – التلاميذ، والحرس الروماني، وبيلاطس، واليهود، وعائلة يسوع وأصدقائه – أخطأوا جميعاً في هوية الشخص المقتول؟! كيف يمكن أن تخطئ هذه الأعداد الغفيرة في تحديد هوية شخص؟ إنه يشبه من يقول إن ابراهام لينكولن لم يكن هو من قُتل بجوار زوجته في تلك الليلة من شهر نيسان/أبريل 1865 في مسرح فورد… هل أخطأت ماري لينكون في الرجل الجالس بجوارها؟ هل أخطأ حارس لينكون الخاص في الشخص الذي كان يحرسه؟ هل كل الناس أخطأوا في هوية الرئيس أيضاً؟ أمر مستحيل تصديقه.
وتطرح هذه النظرية الكثير من الأسئلة الأخرى. فلو لم يقتل يسوع، فلماذا وجد قبر المقتول الحقيقي فارغاً؟ هل مفترض أن نصدق أن البديل قام من الأموات؟ وإن كان كذلك، فكيف فعلها؟ هل يفترض أن نصدق أن كل المؤرخين غير المسيحيين مخطئون في موت يسوع؟ وماذا نفعل في اعتراف اليهود بموت يسوع؟ هل أخطأ التلمود عندما قال إن يسوع قد أعدم على خشبة عشية عيد الفصح؟ باختصار، هل يجب أن نصدق أن كل هؤلاء الذين عاشوا في القرن الأول أخطأوا في كل شيء؟
فلا بد أن نشك في نظرية تظهر بعد وقوع الأحداث بمئات السنين وتطالبنا أن نصدق أن كل أدلة القرن الأول خاطئة. فالحقيقة أن هذه النظرية تتناقض مع معظم الحقائق الاثنتي عشرة التي يتفق عليها كل الدارسين الأكاديميين تقريباً (انظر بداية هذا الفصل). وهذه النظرية كغيرها من النظريات البديلة تقوم على تخمينات خالصة دون أي دليل يذكر. إذن لسنا نملك الإيمان الكافي لتصديقها.
إيمان التلاميذ هو ما أدى لاعتقادهم في القيامة:
جون دومينيك كروسان John Dominic Crossan هو أحد مؤسسين مجموعة الأكاديميين والناقدين اليسارية المتطرفة التي تطلق على نفسها “الحلقة النقاشية عن يسوع” The Jesus Seminar قد قرروا أن 18٪ فقط من الأقوال المنسوبة ليسوع في الأناجيل حقيقية (للمزيد عن هذا الموضوع انظر الملحق 3). ولكنهم لا يقدمون أي أدلة حقيقية على هذا الموقف المتشكك، بل كلها نظريات تخمينية عن أن إيمان التلاميذ أدى إلى اعتقادهم في القيامة، وتنسحب هذه التخمينات على كل شيء تقريباً في العهد الجديد.
وقد طرحت هذه النظرية بوضوح أثناء مناظرة كروسان مع وليم لين كريج عن القيامة. فقد طرح كروسان النظرية القائلة بأن التلاميذ اخترعوا قصة القيامة لأنهم “فتشوا الكتب” بعد موته ووجدوا أن “الاضطهاد، إن لم يكن الإعدام، كان مثل توصيف وظيفي لمختاري الله”.
ودارت المناظرة كلها التي استمرت ساعتين حول إجابة كريج. فقد قال: «صحيح، وهذا حدث بعد أن رأوا ظهورات القيامة…. إن إيمان التلاميذ لم يؤد إلى ظهورات [القيامة]، ولكن الظهورات هي التي أدت إلى إيمانهم، وبعدئذ فتشوا الكتب».
حقيقة التلاميذ الخائفون المشتتون المتشككون لم يكونوا في حالة تسمح لهم أن يخترعوا قصة قيامة ثم يخرجوا بها للعالم ويموتوا من أجلها. ولكن حالتهم كانت تسمح لهم بالاختباء بسبب الخوف من اليهود! إن ظهورات القيامة هي ما زودتهم بإيمان جسور، لا العكس، كروسان فهم الأمر بالعكس.
بالإضافة إلى عدم وجود أدلة على نظرية كروسان، فهو لا يستطيع أن يفسر ظهورات القيامة لأكثر من 500 شخص. ولا يمكنه أن يفسر القبر الفارغ ولا محاولة اليهود لتفسيره. لقد عرف اليهود أن التلاميذ كانوا يزعمون أن القيامة حدث تاريخي حقيقي، لا مجرد نتاج لإيمانهم. فلو لم تحدث القيامة حقاً، كما يقول كروسان، فلماذا استمرت السلطات اليهودية طيلة القرن الثاني في الإصرار على أن التلاميذ سرقوا الجسد؟ كروسان ليس لديه إجابة لأن نظريته خاطئة تحتاج لقدر ضخم من الإيمان، مع تجاهل الكثير من الأدلة، حتى تصدقها.
كتاب العهد الجديد نقلوا أساطير القيامة الوثنية:
تؤكد هذه النظرية أن العهد الجديد ليس تاريخياً لأن كتاب العهد الجديد لم يفعلوا شيئاً إلا أنهم نقلوا أساطير القيامة الوثنية. إن الشكوكيين بارعون في التقاط أحداث القيامة المزعومة لبعض الشخصيات الأسطورية مثل مردوخ، وأدونيس، وأوزيوريس، هل العهد الجديد مجرد أسطورة أخرى؟ هل يمكن أن تكون هذه النظرية صحيحة؟ إنه احتمال مستبعد لعدد من الأسباب.
أولاً، كما رأينا العهد الجديد أبعد ما يكون عن العمل الأسطوري. فالعهد الجديد، يختلف عن الأساطير الوثنية في أنه مشحون بأدلة شهود عيان وشخصيات تاريخية حقيقية، وهو مؤيد بعدة مصادر خارجية. وقد قال سي. إس. لويس، وهو نفسه كاتب أساطير، إن قصص العهد الجديد لا ترى فيها أي إمارات أسطورية. فقد قال لويس «إن ناقد أدبي ومؤرخ حتى النخاع، هذه وظيفتي.
وعلى هذا الأساس فأنا مؤهل أن أقول إنه إذا كان أي شخص يظن أن الأناجيل أساطير أو روايات خيالية، فهذا الشخص يكشف ببساطة عدم أهليته للعمل في النقد الأدبي. لقد قرأت العديد من الروايات الخيالية ولدي معرفة كافية بالأساطير التي نشأت بين الشعوب القديمة، وأعلم علم اليقين أن الأناجيل لا تنتمي لهذه الفئة».
ثانياً، نظرية الأسطورة الوثنية لا تستطيع أن تفسر القبر الفارغ، ولا استشهاد شهود العيان، ولا شهادة الكتابات غير المسيحية. ولا تستطيع أن تفسر الأدلة التي تقود كل الدارسين الأكاديميين تقريباً إلى قبول الحقائق التاريخية الأخرى التي سردناها في بداية هذا الفصل.
ثالثاً، الكتاب القدماء غير المسيحيين عرفوا أن كتاب العهد الجديد لم يقدموا روايات أسطورية. وكما يشير كريج بلومبرج «لقد فهم نقاد القيامة الأوائل من اليهود والوثنيين أن كتاب الأناجيل كانوا يزعمون مزاعم تاريخية، لا يكتبون أسطورة أو قصة خيالية. وكل ما فعلوه أنهم جادلوا في معقولية تلك المزاعم».
رابعاً، ما من أسطورة يونانية أو رومانية تحدثت عن تجسد حرفي لإله واحد لا شريك له في صورة بشرية (قارن يوحنا 1: 1-3، 14)، بميلاد عذراوي حرفي (متى 1: 18-25)، أعقبه موته وقيامته الجسدية. فقد آمن اليونانيون بتعدد الآلهة، ولم يكونوا موحدين مثل مسيحي العهد الجديد. علاوة على ذلك، آمن اليونانيون بتناسخ الأرواح في أجساد أخرى فانية، ولكن كتاب العهد الجديد آمنوا بالقيامة بالجسد المادي نفسه الذي يتحول إلى جسد خالد (قارن لوقا 24: 37؛ يوحنا 9: 2؛ عبرانيين 9: 27).
خامساً، أول شيء يشبه موت إله وقيامته لا يظهر إلى سنة 150م أي بعد نشأة المسيحية بأكثر من 100 سنة. لذا إن كان شيء أثر على الآخر، فإنه حدث العهد الجديد التاريخي هو الذي أثر على الأسطورة، لا العكس.
والرواية الوحيدة المعروفة قبل المسيحية عن إله ينجو من الموت هي قصة الإله المصري أوزوريس. وتقول الأسطورة إن أوزوريس يقطع إلى أربع عشرة قطعة، تنشر في أنحاء مصر، ثم تجمعها الإلهة إيزيس مرة أخرى وتعيدها إلى الحياة. إلا أن أوزوريس لا يعود فعلياً إلى الحياة المادية ولكنه يصبح شبحاً في عالم الموتى. وكما يشير هابرماس Habermas وليكونا Licona «إنها مختلفة تماماً عن قصة قيامة يسوع حيث كان رئيس الحياة الذي أقيم بمجد ورآه آخرون على الأرض قبل صعوده إلى السماء».
أخيراً، حتى وإن وجدت أساطير قبل المسيحية عن آلهة تموت وتقوم، فهذا لا يعني أن كتاب العهد الجديد نقلوا منها. فالمسلسل التليفزيوني الخيالي ستار ترك Star Trek سبق برنامج المكوك الفضائي الأمريكي U. S. Space Shuttle، إلا أن هذا لا يعني أن التقارير الصحفية عن رحلات المكوك الفضائي متأثرة بحلقات ستار ترك.
ولكن يجب على المرء أن ينظر في أدلة كل تقرير ليتحقق مما إذا كان تاريخياً أم أسطورياً. فليس هناك شهود عيان ولا أدلة تؤيد تاريخية قيامة أوزوريس ولا أي إله وثني آخر. ولا أحد يعتقد أنها شخصيات تاريخية حقيقية. ولكن كما رأينا هناك شهود عيان وأدلة دامغة تؤيد تاريخية موت يسوع المسيح وقيامته.
هل عندك أي دليل على ذلك؟
لقد اعتاد المسيحيون على “رد لكمات” النظريات البديلة للقيامة. والحقيقة أن هذا هو ما فعلناه تواً بإبراز العديد من النقائص التي تشوب النظريات البديلة. إلا أن هذا لا يكفي. فبالرغم من أن الشكوكيين محقون في مطالبة المسيحيين بإظهار بيئة القيامة (وكما رأينا المسيحيون قادرون على تحقيق هذا المطلب بالأدلة الدامغة)، يجب على المسيحيين مطالبة الشكوكيين بإظهار البيئة على النظريات البديلة.
إن اختراع نظرية بديلة للقيامة شيء، والعثور على أدلة تؤيدها من القرن الأول شيء آخر. فالنظرية ليس دليلاً. والعقلاء يطالبون بأدلة، لا بمجرد نظريات. فأي شخص يمكنه أن يخترع نظرية لتفسير أي حدث تاريخي. مثلاً إن أراد أحد أن يزعم أن كل تسجيلات الفيديو لمعسكرات الاعتقال في الهولوكوست من تمثيل وإنتاج اليهود ليكسبوا تعاطفاً ودعماً لقيام دولة يهودية، هل ستصدق تلك النظرية؟ بالطبع لا، لأنها تضرب بعرض الحائط كل الأدلة المعروفة.
وإن أردنا أن نأخذ الأمر بجدية، فمن يطرحون هذه النظرية عليهم أن يقدموا تقارير شهود عيان مستقلين لها مصداقية وأدلة مؤيدة أخرى لمجابهة العديد من التقارير التي تقول إن الهولوكوست حقيقة قام بها النازيون. إلا أن هذه الأدلة المضادة لا وجود لها.
وينطبق هذا الوضع على القيامة. فرغم أن الشكوكيين صاغوا العديد من النظريات البديلة لنفي القيامة، ليس هناك أدلة من أي مصدر من القرن الأول تؤيد أياً منها. والنظرية البديلة الوحيدة المذكورة في مصدر من القرن الأول (سرقة التلاميذ للجسد) مأخوذة من متى الذي يصفها صراحة بأنها كذبة. فما من أحد في العالم القديم، ولا حتى أعداء المسيحية، طرح تفسيراً بديلاً معقولاً للقيامة.
والكثير من النظريات البديلة التي صيغت على مدى القرنين الماضيين تقوم على رفض ما هو فائق للطبيعة. وبما أن الأكاديميين المحدثين لديهم رفض فلسفي مسبق للمعجزات، فهم يحيكون تفاسير مخصوصة لنفي القيامة. وكما رأينا تفاسيرهم المخصوصة تنطوي على كم كبير من العبث أو الاستحالة.
فيجب أن نسأل من يقدمون نظريات بديلة للقيامة: «ما الأدلة التي تقدمها على نظريتك؟ هل يمكن من فضلك أن تسمي ثلاثة أو أربعة مصادر من القرن الأول تؤيد نظريتك؟» وعندما يواجه الشكوكيون الأمناء بهذا السؤال، عادة ما يجيبون بالصمت أو باعتراف متلعثم أنهم لا يملكون مثل هذه الأدلة لأنها غير موجودة.
والقيامة ليس الشيء الوحيد الذي يجب على الشكوكيين تفسيره. ولكن عليهم أن يفسروا أيضاً الخمس والثلاثين معجزة الأخرى التي نسبها شهود عيان ليسوع. هل ينبغي علينا أن نصدق أن كتاب الأناجيل الأربعة كانوا جميعهم مخدوعين بشأن كل تلك المعجزات كما كانوا مخدوعين في القيامة؟
إن نظرية الخداع الجماعي هذه تتطلب أدلة. هل لدينا أي مصادر أخرى من القرن الأول تقدم تفسيراً مختلفاً لأعمال يسوع؟ المصدر الوحيد الذي اكتُشف (والأرجح أنه من القرن الثاني) هو التلمود اليهودي الذي يعترف أن يسوع قام بأفعال غير عادية إذ يقول إنه “مارس السحر”. ولكن هذا التفسير ضعيف ضعف التفسير اليهودي للقيامة (التلاميذ سرقوا الجسد). قد يكون السحر تفسيراً لبعض “معجزات” يسوع، ولكن هل الخمس والثلاثين معجزة؟ إن السحرة لا يستطيعون أن يفعلوا نوعية الأفعال التي يقال عن يسوع أنه فعلها مثل إقامة الموتى، وتفتيح عيون العمي، والمشي على الماء، وغيرها.
إذن، إن لم يكن هناك أدلة قديمة على الخداع، هل ينبغي أن نقبل معجزات العهد الجديد كما هي مدونة هكذا في الأناجيل؟ لم لا؟ إننا نعيش في كون خلقه الله حيث المعجزات ممكنة. وبالرغم من أننا لا نملك أدلة مستقلة على كل معجزات العهد الجديد (لأن بعضها لم يذكره إلا كاتب واحد)، فمن المؤكد أن عندنا أدلة عديدة على الكثير منها (بما فيها القيامة). فالمعجزات التي صنعها يسوع المذكورة في مصادر مستقلة كثيرة جداً بحيث يستحيل تفسيرها بأنها خدعة كبيرة. فمن الممكن أن ينخدع شخص واحد مرة واحدة، ولكن لا يمكن أن ينخدع العديد من المشاهدين عدة مرات.
ويكتب الباحث الأكاديمي الألماني ولفجانج تريلينج Wolfgang Trilling «إننا مقتنعون أن يسوع صنع معجزات بالفعل ونعتبر ذلك حقيقة تاريخية مؤكدة… إن روايات المعجزات تشغل مساحة كبيرة جداً في الأناجيل حتى إنه يستحيل أن تكون جميعها قد اخترعت أو نسبت لاحقاً ليسوع». ويخلص وليم لين كريج إلى أنه «لم يعد أحد ينفي صحة انتساب المعجزات ليسوع التاريخي». وهو ما يعني أنه لا أحد ينفي صحة المعجزات من الناحية التاريخية ولكن من ينفونها يؤسسون موقفهم على منظور فلسفي بحت (المزيد عن ذلك بعد لحظات).
والفكرة المحورية هي أنه يوجد عدد ضخم جداً من المعجزات وعدد ضخم جداً من الشهادات، بحيث لا يمكننا أن نصدق أن كل شهود العيان أخطأوا كل مرة. وبخصوص القيامة، كل النظريات البديلة مشوبة بأخطاء قاتلة، ولدينا أدلة ظرفية[7] قوية وشهود عاين على أن يسوع قام حقاً من الأموات. وهو ما يعنى أننا لا نملك تفسيراً طبيعياً للقبر الفارغ، بل يعني كذلك أن عندنا أدلة إيجابية تؤيد القيامة. والتفسير الذي يتطلب أقل قدر من الإيمان هو أن يسوع صنع معجزات حقاً وقام من الأموات حقاً كما تنباً. لذلك لسنا نملك الإيمان الكافي لتصديق أن كتاب العهد الجديد كانوا جميعهم مخدوعين.
لماذا لا يؤمن كل الباحثين الأكاديميين؟
إن كان عندنا نسخة دقيقة من شهادة مبكرة، وإن كانت تلك الشهادة مبكرة ومن شهود عيان أيضاً، وإن كان شهود العيان أولئك قد سجلوا ما رأوا بدقة، وإن لم يكن شهود العيان أولئك مخدوعين فيما سجلوا، إذن لماذا لا يقبل كل الأكاديميين العهد الجديد كما هو؟ لنفس السبب الذي لأجله يرفض الداروينيون الاعتراف بالأدلة التي تفند موقفهم: إن متحيزون فلسفياً ضد المعجزات.
قد تم الاعتراف بهذا التحيز أثناء مناظرة بين كريج وكروسان. كريج يؤمن مثلنا أن الأدلة على تاريخية القيامة الحرفية أدلة قوية. ولكن كروسان لا يؤمن أن يسوع قام حرفياً من الأموات. وإلا حوار كاشف جداً بين الرجلين:
كريج: دكتور كروسان هل من شيء يمكن أن يقنعك أن قيامة يسوع من الأموات حقيقة تاريخية؟
كروسان: أود أن أتحقق مما نتحدث عنه. فلنفترض أننا خارج القبر الفارغ صباح أحد القيامة. فلو كان مع أحدنا كاميرا فيديو. هل كان سيمكننا تصوير شيء يخرج من القبر؟ هل هذا هو السؤال؟
كريج: أظن أن سؤالي، وما أظن أن مستر بكلي Buckley [مدير الحوار] يصر عليه، هو: ما الدليل الذي يمكن أن يقنعك؟ أم هل أفكارك المسبقة عن استحالة المعجزات، وما إلى ذلك، في منتهى القوة لدرجة أنها تؤثر على حكمك التاريخي بحيث أن حدثاً كهذا يستحيل حتى أن يقبل في محكمتك؟
كروسان: لا… إن طبيباً في لورد[8] Lourdes قد يعترف قائلاً: «ليس عندي أي تفسير طبي على الإطلاق لما حدث». هذه عبارة صحيحة. ومن ثم للمرء أن يقول: «إذن أنا أصدق بالإيمان أن الله تدخل في هذه الحالة». ولكني شخصياً مقتنع بافتراض لاهوتي مسبق مفاده أن الله لا يعمل بتلك الطريقة…. ما المطلوب لتثبت لي ما تسأل عنه؟ لا أعرف، إلا إذا غير الله الكون. يمكنني أن أتخيل أني صباح الغد اكتشفت أن كل شجرة خارج بيتي تحركت مترين. إنه أمر يتطلب تفسيراً. أنا لا أعرف التفسير، ولكني لن أفترض فوراً أنه معجزة.
إن جملة كروسان الصريحة عن افتراضه اللاهوتي المسبق المضاد للمعجزات اعتراف صادق من جهته. ولكن كروسان لا يتحدث طبعاً نيابة عن كل الأكاديميين الشكوكيين. ولكن من المؤكد أن معظمهم ينكرون القراءة المباشرة للعهد الجديد لأنهم يشتركون معه في تحيزه الفلسفي ضد المعجزات. فالمشكلة ليست أن الأدلة التاريخية على العهد الجديد ضعيفة (بل هي في منتهى القوة). ولكن المشكلة أنهم استبعدوا المعجزات مسبقاً. وهم يتوصلون إلى استنتاج خاطئ بسبب تحيزهم الذي يستحيل معه التوصل إلى الاستنتاج الصحيح.
الإطار الإطار الإطار
لنلق نظرة على آخر تعليق قاله كروسان عن أشجار حديقته التي تحركت مترين ذات ليلة. فهو يقول إنه لن يفترض “فوراً أنها معجزة”. ولا نحن، لأن معظم الأحداث لها بالفعل تفسير طبيعي (وهو ما يساعد بالمناسبة على إبراز المعجزات عندما تحدث حقيقة). لذا، يعد البحث عن تفسير طبيعي أولاً أمراً منطقياً جداً.
ولكن هل يعني ذلك أنه يجب ألا نستنتج أبداً أن أي حدث (كتحرك الأشجار معجزة)؟ كروسان لن يستنتج ذلك بسبب افتراضه اللاهوتي المسبق الذي يقول إن الله لا “يعمل بتلك الطريقة”. ولكن بما أنه لا مبرر لذلك الافتراض المسبق، لأن الله موجود. فما هو الاستنتاج الصحيح؟ إن هذا يتوقف على إطار الحدث. تذكر ما قلناه في الفصل الخامس عن ضرورة تفسير الدليل في ضوء الإطار الذي يقع فيه[9].
فلنفترض أن حدث تحرك الأشجار عند كروسان وقع في الإطار التالي: منذ مائتي عام يزعم شخص ما أنه نبي من الله ويكتب نبوة تقول إن كل الأشجار في منطقة ما في أورشليم ستتحرك مترين في إحدى الليالي في سنة معينة. وبعد مائتي عام، يأتي رجل ليخبر أهل المدينة أن معجزة تحرك الأشجار وشيكة الحدوث. ويزعم هذا الرجل أنه الله، وهو يعلم حقائق عميقة ويقوم بالكثير من الأفعال الأخرى غير العادية يبدو أنها معجزات.
وفي صباح أحد الأيام يزعم العديد من شهود العيان أن الأشجار في حديقة أورشليم التي يملكها كروسان، ومنها عدة أشجار سنديان عميقة الجذور يصل ارتفاعها إلى أكثر من 30 متراً، تحركت مترين بالفعل أثناء الليل، تماماً كما تنبأ الله المتأنس. ويقول شهود العيان هؤلاء أيضاً أن هذه واحدة من أكثر من ثلاثين معجزة صنعها هذا الإله المتأنس. وبعدئذ يتعرضون للاضطهاد والاستشهاد لأنهم أعلنوا هذه المعجزات ورفضوا إنكار شهادتهم.
وخصوم الله المتأنس لا ينكرون الأدلة على معجزة الأشجار أو غيرها من المعجزات، ولكنهم يطرحون تفسيرات طبيعية تعج بأخطاء قاتلة. وبعد سنوات طويلة، بعد موت كل شهود العيان، يطرح الشكوكيون تفسيرات طبيعية أخرى يثبت أيضاً أنها مليئة بأخطاء قاتلة. والحقيقة أنه على مدى الألف والتسعمائة سنة التالية يحاول الشكوكيون أن يفسروا الحدث طبيعياً، دون أن ينجح أحد.
سؤال: بناء على ذلك، أليس من المنطقي أن نفترض أن حركة الأشجار ليست طبيعية بل منشؤها فوق طبيعي؟ طبعاً. الإطار يحدث كل الفرق.
وهذا هو الحال مع القيامة. فالأمر لا يقتصر على انعدام التفسير الطبيعي للقبر الفارغ. ولكن عندنا شهود عيان وأدلة ظرفية تؤيد معجزة القيامة. وإليك الإطار الذي يجب أن نقيم فيه الأدلة:
أ – حقيقة خلق الكون تجعل المعجزات ممكنة: إننا نعيش في كون من خلق الله حيث المعجزات ممكنة. (وبالحقيقة أعظم معجزة، وهي خلق الكون من عدم، حدثت بالفعل). لذا يمكن أن يستخدم الله الأنبياء لإعلان رسائله والمعجزات لتثبيتها. أي أن المعجزة يمكن أن تستخدم لتثبيت كلمة الله لشعب الله من خلال رجال الله.
ب – الوثائق القديمة تقول إن المعجزات متوقعه: وثائق العهد القديم التي كتبت قبل أحداث العهد الجديد بمئات السنين تتنبأ أن المسيا، وهو رجل سيكون هو الله فعلاً، سوف يأتي، ويقتل في وقت محدد كذبيحة عن البشر الخطاة، ويقوم من الأموات (المزيد عن ذلك في الفصل القادم).
ج – وثائق شهود العيان الثابتة تاريخياً تقول إن المعجزات حقيقية: هناك 27 وثيقة كتبها تسعة شهود عيان، أو معاصروهم، تصف العديد من الأحداث المعجزية. والكثير من هذه الوثائق تحوي شهادات عيان ثابتة تاريخياً يرجع تاريخها إلى زمن الأحداث، والأدلة تبين أن القصة ليست من اختراع الكتاب، وليس فيها تجميل، ول هي نتاج خدعة. ونحن نعرف ذلك لأن وثائق العهد الجديد تجتاز كل اختبارات التاريخية السبعة المذكورة في الفصل التاسع. فوثائق العهد الجديد:
مبكرة (معظمها مكتوب في غضون 15-40 سنة من زمن الأحداث، أي في خلال جيلين من وقوع الأحداث).
تشتمل على شهادات شهود عيان.
تحوي شهادات شهود عيان مستقلين من مصادر متعددة.
كتبها أناس أهل ثقة ابتعوا أرقى المقاييس الأخلاقية في حياتهم، وماتوا من أجل شهادتهم.
تصف أحداثاً ومواقع وأفراداً ثابتين في علم الآثار وفي كتابات أخرى.
تصف بعض الأحداث التي يعترف الأعداء ضمناً بأنها صحيحة (شهادة الأعداء).
تصف أحداثاً وتفاصيل محرجة للكتاب وحتى ليسوع نفسه.
ووثائق شهود العيان هذه الثابتة تاريخياً تروي القصة التالية:
يسوع يأتي إلى أورشليم ويزعم أنه المسيا، في الوقت والمكان وبالطريقة التي تنبأ عنها العهد القديم. وهو يعلم حقائق عميقة، ويصنع خمساً وثلاثين معجزة (بعضها معجزات جماعية) ويقوم من الأموات بشهادة العديد من شهود العيان المستقلين.
وشهود العيان الذين كانوا يوماً جبناء ومتشككين، يبدؤون بغتة في المجاهرة بإعلان قيامة يسوع أما الاضطهاد والموت. (المضللون قد يموتون من أجل كذبة يظنونها حقيقة، ولكنهم لن يموتوا من أجل كذبة يعرفون أنها كذبة. إلا أن كتاب العهد الجديد كانوا في وضع يسمح لهم أن يعرفوا الحقيقة من جهلة القيامة).
في المدينة عينها التي شهدت موت يسوع وحَوَت قبره، تولد حركة جديدة (الكنيسة) وسرعان ما تنتشر بطرق سليمة على أساس الاعتقاد بقيامة يسوع من الأموات. (وهو أمر يصعب تفسيره لو لم تكن القيامة حقيقة. فكيف تنشأ المسيحية في مدينة معادية مثل أورشليم لو كان جسد يسوع قابعاً في القبر؟ كان السلطات الدينية والحكومية المعادية ستظهر الجسد وتكشف زيف المسيحية).
آلاف اليهود في أورشليم، ومنهم كهنة فريسيون، يجرون خمساً من أعز معتقداتهم وممارساتهم ويتبعون معتقدات وممارسات جديدة غريبة بعد تحولهم إلى المسيحية.
شاول، أشرس أعداء الكنيسة الناشئة، يتحول فجأة إلى الإيمان المسيحي ويصبح من أنشط مناصري الكنيسة. فهو يجوب أصقاع العالم القديم ليعلن القيامة، ويضطهد ثم يستشهد. (لو لم تكن القيامة حقيقة، فلماذا تحول ألد أعداء المسيحية بغتة إلى أعظم قادتها؟ لماذا قبل طوعاً الاضطهاد والموت؟)
يعقوب أخو يسوع المتشكك يقتنع فجأة أن أخاه – حسب الجسد – ابن الله، ثم يصير قائد كنيسة أورشليم. ثم يستشهد على يد رئيس الكهنة. (جميعنا يعرف أن أفراد الأسرة قد يكونون أصعب من يمكن إقناعهم بموقفنا الديني. في البداية كان يعقوب هو أخو يسوع غير المقتنع به [يوحنا 7: 5]. فلو لم تكن القيامة حقيقة، إذن لماذا آمن يعقوب فجأة أن أخاه هو فعلاً المسيا، وقد أطلق عليه مؤرخا القرن الثاني أكليمندس وهيجيسيبوس Hegesippus لقب يعقوب “البار”؟ لو لم يكن يعقوب قد رأى المسيح المقام، فلماذا يصبح قائد كنيسة أورشليم ويموت شهيداً؟)
أعداء المسيحية من اليهود لا ينكرون الأدلة، ولكنهم يطرحون لها تفسيرات طبيعية معيبة.
د – تأكيدات إضافية: إن مجموعة من مراجع المؤرخين والكتاب القدامى الآخرين تؤكد هذه القصة الرئيسية التي ترويها وثائق العهد الجديد، وعدد من الكشوف الأثرية يؤكد التفاصيل التي تصفها تلك الوثائق.
وعندما تضع الأدلة في الإطار الصحيح، يمكنك أن تفهم لماذا لسنا نملك الإيمان الكافي للشك فيها. ولكن الشك في الشكوكية هو الخيار الأكثر منطقية!
إن الشكوكيين الذين ينظرون إلى النقاط ب – د أعلاه (ونقاطها الفرعية) قد يخلصون إلى أن يسوع لم يقم من الأموات. ولكنهم إن فعلوا ذلك، ينبغي عليهم أن يقدموا أدلة النظرية البديلة التي يمكنها أن تفسر كل هذه النقاط. ولكنهم فشلوا كما رأينا، بل فشلوا فشلاً ذريعاً. فالقيامة هي أفضل تفسير لكل الأدلة.
وبما أنه يوجد إله قادر على الفعل، إذن يمكن أن تكون هناك أفعال يفعلها الله. وعندما يعلن قصد الله مسبقاً، ثم تجد شهادات شهود عيان محكمة وأدلة داعمة تؤكد حقيقة وقوع هذه الأحداث، فإن إنكار هذه الأحداث يتطلب مقداراً من الإيمان أكبر بكثير مما يتطلبه تصديقها.
مزاعم غير عادية وأدلة تنفي نفسها
هناك اعتراضان آخران غالباً ما يطرحهما الشكوكيون ضد القيامة والمعجزات. أولهما يتمثل في المطالبة بأدلة غير عادية.
الأدلة غير العادية: بعض الشكوكيين قد يعترفون أن القيامة ممكنة، ولكنهم يقولون إن تصديقها يتطلب أدلة غير عادية. أي أنه بما أن العهد الجديد يزعم مزاعم غير عادية، كالمعجزات، يجب أن نعطى أدلة غير عادية لنصدق تلك المزاعم. ويبدو هذا الاعتراض منطقياً إلى أن تسأل «ما المقصود بتعبير “غير عادية”؟»
إن كان يعنى أعلى من الطبيعي. إذن الشكوكي يطلب تأكيد القيامة بمعجزة أخرى. كيف يتم ذلك؟ حتى يؤمن الشكوكي بالمعجزة الأولى (القيامة)، يحتاج معجزة ثانية لتأييدها. وآنذاك سيطالب بمعجزة ثالثة لتأييد الثانية، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية. وبناء على هذا المعيار، لن يؤمن الشكوكي أبداً بالقيامة حتى إن كانت حقيقة. إن مقياس البرهان الذي يجعل تصديق الحدث الحقيقي أمراً مستحيلاً هو مقياس خاطئ.
وإن كان تعبير “غير عادية” يعني قابلاً للتكرار في المعمل، إذن يستحيل تصديق أي حدث تاريخي لأن الأحداث التاريخية غير قابلة للتكرار. ولا يمكن التحقق من إمكانية تصديق الأحداث التاريخية إلا بفحص جودة أدلة شهود العيان وطبيعة الأدلة الجنائية في ضوء مبدأي النمطية والسببية (استعرضنا هذين المبدأين في الفصل الخامس). فضلاً عن ذلك، الملحدون الذين يطالبون بتكرار “المعجزات” الكتابية متناقضون لأنهم لا يطالبون بتكرار “المعجزات” التاريخية التي يؤمنون بها. كالانفجار العظيم، والتولد التلقائي لأول حياة، والماكرو تطور لأشكال الحياة اللاحقة.
وإن كان “غير عادية” يعنى أكثر من “معتادة”، فهذه هي بالضبط نوعية الأدلة المتوافرة عندنا على القيامة. فنحن عندنا وثائق شهود عيان على القيامة أكثر وأقرب لتاريخ القيامة من أي شيء آخر في العالم القديم. فضلاً عن ذلك، هذه الوثائق تشتمل على تفاصيل وشخصيات تاريخية أكثر من أي شيء في العالم القديم. وكما رأينا، لدينا كذلك ما هو أكثر من الأدلة الظرفية العادية التي تؤيد القيامة.
وأخيراً، يمكن تحدي الافتراض المسبق للشكوكي. فنحن لا نحتاج أدلة “غير عادية” لتصديق شيء ما. وهو ما يؤكده الملحدون من منظورهم الفلسفي. فهم يؤمنون بالانفجار الكبير لا لأنهم يملكون أدلة “غير عادية” عليه ولكن لأن هناك أدلة قوية على أن الكون انفجر إلى الوجود من العدم. فالأدلة القوية هي كل ما تحتاجه لتصديق شيء. إلا أن الملحدين ليس عندهم أدلة قوية حتى على بعض معتقداتهم الثمينة. فمثلاً الملحدون يعتقدون في التولد التلقائي والماكرو تطور بناء على الإيمان فقط. ونقول الإيمان فقط لأن التولد التلقائي والماكرو تطور ليس لهما إلا أدلة قليلة أو ربما ليس لهما أدلة على الإطلاق، كما رأينا في الفصلين الخامس والسادس، ومن ناحية أخرى هناك أدلة قوية ضد تلك الاحتمالات.
بالإضافة إلى ذلك، الشكوكيون لا يطالبون بأدلة “غير عادية” على سائر الأحداث التاريخية “غير العادية”. فمثلاً، إنجازات الإسكندر الأكبر (356-323ق.م) من أبرز أحداث التاريخ “غير العادية”. وذلك لأنه رغم أن الإسكندر لم يعش إلى 33 سنة، حقق نجاحاً منقطع النظير. فقد غزا الكثير من العالم المتحضر آنذاك. بدءًا من اليونان، وشرقاً حتى الهند، وجنوباً حتى مصر. ولكن كيف نعرف هذا عن الإسكندر؟ ليس عندنا مصادر من زمن حياته ولا بعد وفاته مباشرة.
وليس لدينا إلا أجزاء من مؤلفين بعد وفاته بنحو 100 سنة. والحقيقة هي أننا نؤسس كل معرفتنا تقريباً عن حياة الإسكندر الأكبر “غير العادية” على ما كتبه المؤرخون بعد موته بثلاثمائة إلى خمسمائة عام! وفي ضوء الأدلة الصلبة على حياة المسيح، أي شخص يشك في تاريخية المسيح عليه أيضاً أن يشك في تاريخية الإسكندر الأكبر. ففي الحقيقة، حتى يكون هذا الشكوكي متسقاً مع نفسه عليه أن يشك في التاريخ القديم كله[10].
لماذا يطالب الشكوكيون بأدلة “غير عادية” على حياة المسيح ولكنهم لا يطالبون بأدلة كهذه على حياة الإسكندر الأكبر؟ لأنهم مرة أخرى منزعجون من المعجزات. فرغم أن المعجزات ممكنة لأن الله موجود، ورغم أن المعجزات تم التنبؤ بها ثم شوهدت عياناً. فالشكوكيون لا يحتملون أن يعترفوا أن المعجزات حدثت بالفعل. ومن ثم فهم يرفعون مقياس التصديق إلى ارتفاعات شاهقة. وكأن بعض الشكوكيين يقولون: «لن أؤمن بالمعجزات لأني لم أر معجزة. فإن ظهر لي يسوع المقام سأؤمن به». وهذا هو الدليل غير العادي.
مؤكد أنه غير عادي، ولكن هل هو ضروري حقاً؟ هل ينبغي على يسوع أن يظهر لكي شخص في العالم حتى يضفي مصداقية على مزاعمه؟ ولماذا يفعل ذلك؟ لسنا بحاجة لرؤية كل شيء رؤى العين حتى نصدق أن الحدث وقع بالفعل. وفي الحقيقة هذا شيء مستحيل الحدوث مادياً. ولكننا نصدق شهادة الآخرين إن كانوا أهل ثقة، وخاصة إن كانت شهادتهم مؤيدة ببيانات أخرى. وهو ما ينطبق تماماً على شهادة كُتاب العهد الجديد.
فضلاً عن ذلك، كما أشرنا في الفصل الثامن، إن كان الله شديد الانكشاف بسبب فرط تكرار تجلياته المعجزية، فقد يجور على حرية إرادتنا في بعض الحالات. وإن كان غرض هذه الحياة أن نختار اختيارات حرة تعدنا للأبدية، فالله سيزودنا بأدلة مقنعة على وجوده ومقاصده ولكنها ليست أدلة قهرية. إذن من يريدون أن يتبعوا الله يمكنهم أن يتبعوه بثقة، ومن لا يريدون يمكنهم أن يخمدوا الأدلة أو يتجاهلوها ويعيشوا حياتهم كما لو كانت هذه الأدلة غير موجودة.
معجزات تنفي نفسها: جادل الشكوكي الكبير ديفيد هيوم بأن المعجزات لا تستطيع أن تؤكد أي دين لأن المعجزات تقوم على شهادة ضعيفة وهي موجودة في كل الأديان. هو ما يعني أن المزاعم المؤيدة للمعجزات تنفي نفسها. ولكن من سوء حظ هيوم أن اعتراضه لا يصف الواقع الفعلي.
أولاً، هيوم يطلق تعميماً متسرعاً بقوله إن المعجزات المزعومة في كل الأديان متماثلة. فكما رأينا في الفصل التاسع، المعجزات المتصلة بالمسيحية لا تقوم على شهادة ضعيفة. ولكنها تقوم على شهادة شهود عيان مبكرة من مصادر متعددة لا منافس لها في أي ديانة أخرى من ديانات العالم. وهو ما يعني أنه ما من ديانة أخرى في العالم تحتوي على معجزات تم التحقق من صحتها مثل معجزات العهد الجديد.
ثانياً، اعتراض هيوم يسبق اكتشافات العلم الحديث التي تؤكد أن هذا الكون مخلوق (الفصول 3-6). بما أن هذا العالم قد خلقه الله. فالديانات التي تؤمن بالله الخالق الحافظ هي التي يمكن أن تكون صحيحة. والمعجزات التي تؤكد العهد القديم اليهودي تؤكد المسيحية بالتبعية.
أخيراً، تفرد معجزات العهد الجديد، وعددها، وجودتها، لا يمكن تفسيرها بأي شيء إلا بمسبب فائق للطبيعة. لقد صنع يسوع أكثر من ثلاثين معجزة فورية، وفريدة، وناجحة دائماً. بل إن بعضها جاءت نبوات عنه. إن صناع المعجزات المزعومين الذين لا يحققون إلا نجاحاً جزئياً لا يمكنهم سوى إحداث شفاء نفسجسمي، أو استخدام الخداع، أو الإتيان بآيات شيطانية، أو الاعتماد على أحداث يمكن تفسيرها طبيعياً.
الحقيقة أنه ما من شاف معاصر يزعم حتى أنه قادر على شفاء كل الأمراض (بما فيها الأمراض “المستعصية”) فورياً بنسبة نجاح مائة في المائة. ولكن يسوع ورسله فعلوا ذلك. وهو ما يبين طبيعة معجزات العهد الجديد من حيث تفردها وعمل الله فيها مقابل كل ما عداها من مزاعم فائقة للطبيعة. وباختصار، لا شيء “يبطل” معجزات العهد الجديد.
الخلاصة: حياة وحيدة فريدة
في بداية الفصل التاسع قلنا إن هناك سؤالين يجب أن نجيب عنهما لنتحقق من تاريخية العهد الجديد:
1 – هل لدينا نسخ دقيقة من الوثائق الأصلية التي كتبت في القرن الأول؟
2 – هل تلك الوثائق تقول الحق؟
كما رأينا في الأربعة فصور الأخيرة، لدينا أدلة قوية على أن إجابة هذين السؤالين هي: نعم. وهو ما يعني أنه يمكننا أن نتيقن بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن العهد الجديد موثوق تاريخياً.
ونحن في هذه النقطة لا نقول إن العهد الجديد خال من الأخطاء. فسوف نبحث هذا السؤال لاحقاً. ولكن كل ما نستطيع أن نستخلصه الآن هو أن الأحداث الرئيسية في العهد الجديد حدثت بالفعل منذ ما يقرب من 2000 سنة. فيسوع عاش على أرضنا فعلاً، وعلم، وصنع المعجزات، ومات مصلوباً، ثم قام من الأموات.
إن لم تكن مقتنعاً حتى الآن، فكر في دليل آخر يؤيد ما نقول: تأثير حياة المسيح المذهل الذي يعبر عنه هذا المقطع الصغير من عظة عادة ما تعرف بعنوان “حياة وحيدة فريدة” One Solitary Life:
ولد في قرية مجهولة، ابناً لامرأة ريفية. ونشأ في قرية أخرى حيث عمل في ورشة نجارة حتى بلغ الثلاثين. وبعدئذ صار واعظاً متجولاً لمدة ثلاث سنين.
لم يكتب كتاباً. لم يتقلد منصباً. لم يكون أسرة ولم يكن له بيت. لم يذهب إلى الجامعة. لم يعش في مدينة كبيرة. لم يسافر حتى 300 كيلومتر بعيداً عن محل ميلاده. لم يفعل شيئاً واحداً من تلك الأشياء التي عادة ما تصاحب العظمة. لم تكن عنده أي مؤهلات إلى نفسه.
كان عمره 22 سنة فقط عندما انقلب عليه تيار الرأي العام. ففر أصدقاؤه. وواحد منهم أنكره. وأسلم لأعدائه وتحمل مهانة المحاكمة. وقد سمر على صليب بين لصين. وفي ساعاته الأخيرة، اقترع قاتلوه على ثيابه التي كانت كل ما يملك على الأرض. وبعد موته، وضع في قبر مستعار، بفضل شفقة أحد الأحباء.
[عشرون] قرناً مضت وانطوت، وهو اليوم الشخصية المركزية في التاريخ البشري. ولست مخطئاً عندما أقول إن كل الجيوش التي حاربت على مر التاريخ ولك الأساطيل التي مخرت عباب البحار، وكل البرلمانات التي اجتمعت. وكل الملوك التي ملكت، كل هؤلاء مجتمعين، لم يؤثروا في حياة إنسان على هذه الأرض كما أثرت تلك الحياة الوحيدة، الفريدة.
لو لم تكن القيامة حقيقة، كيف تستطيع هذه الحياة أن تكون الأكثر تأثيراً على مر التاريخ كله؟ لسنا نملك الإيمان الكافي لتصديق أن هذه الحياة الوحيدة الفريدة النابعة من قرية نائية قديمة يمكن أن تكون الأكثر تأثيراً على مر التاريخ كله…. إلا إذا كانت القيامة حقيقة.
[1] رغم عدم إجماع الباحثين على القبر الفارغ. معظمهم (حوالي 75٪) يعتقدون أن القبر كان فارغاً، أما الإحدى عشرة حقيقة الأخرى المذكورة هنا تتمتع بتأييد كل الدارسين.
[2] سنة 1968 اكتشف موقع دفن قديم في أورشليم يحوي نحو خمساً وثلاثين جثة. وقد تبين أن معظمهم عانوا ميتات بشعة في ثورة اليهود على روما سنة 70م. ومنهم رجل يدعى يوحانان بن هجالجول Yohanan Ben Ha’galgol. وكان يبلغ من العمر حوالي أربعة وعشرين عاماً، وكان مشقوق الحنك، وكان مسمار طوله ثمانية عشر سنتيمتراً تقريباً لا يزال في كلتا قدميه. وقد أديرت القدمان للخارج بحيث يمكن دق المسمار المربع في الكعب داخل وتر أخيل. وهو ما يؤدي لتقوس الساقين للخارج أيضاً، بحيث لا يمكن أن يحملا المصلوب. وقد أدخل المسمار في إسفين من خشب السنط، ثم في الكعبين، ثم في عمود من خشب الزيتون.
ووجدت دلائل تبين وضع مسامير مشابهة بين عظمتي الجزء السفلي من الذارعين. وهو ما يؤدي إلى تهرؤ العظام العلوية بينما يرفع الضحية جسمه وينزله باستمرار للتنفس (رفع الذراعين لأعلى يمنع التنفس). فكان على ضحايا الصلب أن يرفعوا أنفسهم لأعلى لفك عضلات الصدر، وعندما تستنزف قواهم ولا يتمكنون من ذلك كانوا يموتون بالاختناق. انظر Norman Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1999). 48.
[3] يزعم بعض الشكوكيين أن هذا لم يكن إلا ظهوراً ذاتياً في عقل بولس لأن رفقاءه لم يروا أحداً (أعمال 9) ولا فهموا ما قاله الصوت (أعمال 9: 22). إلا أن هذا الاستنتاج خاطئ لأن رفقاء بولس شهدوا ظاهرة موضوعية: 1) رأوا نوراً حقيقياً، ولكنهم لم يروا شخصاً. 2) سمعوا صوتاً حقيقياً، ولكنهم لم يفهموا ما قاله.
[4] اقتبسها أوريجانوس (185؟-254؟). انظر Habermas. Historical Jesus. كتابات فليجون ليست باقية حتى الآن ولكن أوريجانوس ويوليوس أفريكانوس Julius Africanus اقتبسا منه. وقد يعترض الشكوكيين على استخدام مقولات اقتبسها مسيحيون مثل أوريجانوس، إلا أنه اعتراض غير منطقي. فرغم أننا لا نستطيع أن نتأكد من دقة اقتباس أوريجانوس من فليجون، يمكننا أن نفترض أنه كان دقيقاً في اقتباسه لأن كتابات فليجون كانت غالباً متاحة لقراء أوريجانوس في عصره. ومن ثم لا يعقل أن يبتدع أوريجانوس مقولة فليجون أو يحرفها طالما أنه كان يسهل التحقق منها آنذاك.
[5] ترجمة كتاب الحياة (أعمال 17: 5). (المترجمة)
[6] إن بعضاً ممن يتبنون هذه الفرضية يستندون على “إنجيل برنابا” الذي ثبت أنه إنجيل مزيف. انظر Norman Geisler and Abdul Saleeh, Answering Islam. 2nd cd (Grand Rapids: Mich.: Baker. 2002). Appendix 3.
[7] أدلة تستنتج من الظروف ليست مبنية على معرفة شخصية أو على مشاهدة الوقائع.
[8] مدينة في جنوب غرب فرنسا تعتبر مزاراً كاثوليكياً مقدساً منذ 1858 لأنه يقال إن فتاة صغيرة رأت فيها مجموعة رؤى للعذراء مريم، ويقال أيضاً إن الكثير من معجزات الشفاء تتم فيها.
[9] تذكر مثال الفصل الخامس عن ضرورة توافر إطار للدليل: الرجل الذي يفتح بطن امرأة إما مجرم أو بطل بناء على إطار الحدث. فإن حدث في زقاق وكان الرجل ينوي إيزاءها، فهو مجرم. وإن حدث في غرفة الولادة بأحد المستشفيات، فهو بطل.
[10] طرحت حجة مشابهة بخصوص إنجازات نابليون بونابرت غير العادية في الكتاب الساخر “شكوك تاريخية حول نابليون بونابرت” Historical Doubts Relative to Napoleon Bonaparte بقلم ريتشادر واتليRichard Whately انظر Morely. Ed, Famous Pamphlets (New York: Routledge, 1890).
“إنا الأدلة التاريخية تقودنا إلى تأكيد اعتقادنا؛ والنتيجة أن الإيمان اللازم لملء الفجوة المتبقية إيمان معقول”.
كريج بلومبرج Craig Blomberg
الإنجيل حسب غير المسيحيين
سنة 66م قام اليهود في فلسطين بثورة ضد الحكم الروماني، وإن أردنا أن نعطيها وصفاً مخففاً، نقول إن الرومان لم يتوقعوها. ومن ثم أرسل الإمبراطور قوات بقيادة الجنرال فسبزيان Vespasian لقمع التمرد واستعادة السيطرة على مناطق المتمردين. وسنة 67 ضرب فسيزيان الحصار على مدينة يودفات Jotapata المتمردة في الجليل. وفي اليوم السابع والأربعين من ذلك الحصار، فضل أحد شباب الثورة أن يستسلم للجيش الروماني الأقوى على أن ينتحر، وهو المصير الذي اختاره الكثير من اهل بلده. ونال ذلك الشاب رضا فسيزيان ثم أخذه بعد ذلك الجنرال تيطس، ابن فسيزيان، إلى روما بعد أن دمر تيطس أورشليم والهيكل اليهودي سنة 70.
وكان ذلك الشاب فلافيوس يوسيفوس Flavius Josephus (حوالي 37 – حوالي 100) الذي أصبح أعظم مؤرخ يهودي في عصره. وقد بدأ يوسيفوس كتاباته التاريخية في روما أثناء عمله مؤرخاً للإمبراطور الروماني دوميتيان Domitian. وهناك كتب سيرته الذاتية وعملين تاريخيين كبيرين. وأحدهما عمله المشهور حالياً، وعنوانه “آثار اليهود” Antiquities of the Jews الذي انتهى منه حوالي سنة 93م. وفي الكتاب الثامن عشر من هذا العمل، في القسم الثالث من الفصل الثالث كتب يوسيفوس، الذي لم يكن مسيحياً، هذه الكلمات:
في ذلك الوقت [زمن بيلاطس] كان هناك رجل حكيم يدعى يسوع. كان سلوكه طيباً وعرف بفضيلته. والكثير من اليهود ومن الأمم الأخرى صاروا له تلاميذ. إلا أن بيلاطس حكم عليه بالصلب والموت. ولكن من صاروا له تلاميذ لم يهجروا تتلمذهم له. وقد رووا أنه ظهر لهم بعد صلبه بثلاثة أيام، وأنه كان حياً؛ وبناء عليه من المحتمل أنه كان المسيا الذي روى عنه الأنبياء الأعاجيب. وهذه ليست المناسبة الوحيدة التي يشير فيها يوسيفوس[1] إلى يسوع.
ففي فقرة أخرى من كتاب “الآثار”، كشف يوسيفوس كيف استغل رئيس كهنة اليهود الجديد (حنان الصغير) الفراغ في الحكم الروماني لقتل يعقوب أخي يسوع. ففي سنة 62م مات الحاكم الروماني فستوس فجأة وهو لم يزل في منصبه. ولم يصل خليفته ألبينوس Albinus إلى اليهودية إلى بعد ثلاثة شهور. مما أتاح لحنان وقتاً كافياً للقيام بعمله الدنيء. ويصف يوسيفوس الحادثة على هذا النحو:
مات فستوس، وكان ألبينوس في الطريق لم يصل بعد، فجمع [حنان رئيس الكهنة] سنهدريم القضاة، وأحضر أمامهم أخا يسوع الذي يدعى المسيح، واسمه يعقوب، وأناساً آخرين [أو بعض رفاقه]، وعندما حَبَكَ تهمة ضدهم باعتبارهم خارجين على القانون، سلمهم للرجم.
لذا، هذه ليست مجرد إشارة أخرى إلى يسوع من القرن الأول، ولكنها أيضاً تأكيد أن يسوع كان له أخ يدعي يعقوب واضح أنه لم يكن محبوباً من السلطات اليهودية. هل من المحتمل أن يعقوب استشهد لأنه كان قائد كنيسة أورشليم كما هو متضمن في العهد الجديد؟[2]
ولكن كم عدد المصادر غير المسيحية التي تذكر يسوع؟ هناك عشرة كتاب غير مسيحيين معروفون، منهم يوسيفوس، يذكرون يسوع في غضون 150 سنة من حياته[3].
وخلافاً لذلك، نجد أنه على مدار هذه المائة والخمسين سنة هناك تسعة مصادر غير مسيحية تذكر طيباريوس قيصر، الإمبراطور في زمن يسوع. لذا، باستثناء كافة المصادر المسيحية، نجد أن المصادر التي تذكر يسوع تزيد عن التي تذكر الإمبراطور الروماني بمصدر. وإن أضفت المصادر المسيحية، تجد أن الكتاب الذين يذكرون يسوع يزيدون علن الذين يذكرون طيباريوس بنسبة 43 إلى 10![4]
وبعض هذه المصادر غير المسيحية، مثل سيلسوس Celsus، وتاسيتس Tacitus، والتلمود اليهودي يمكن أن تعتبر مصادر ضد المسيحية. ورغم أن هذه الأعمال لا تتضمن أي شهادة شهود عيان تتناقض مع الأحداث الموصوفة في وثائق العهد الجديد، فهي أعمال ألفها كتاب ضد المسيحية على خط مستقيم. فماذا نستنتج من مصادرهم ومن المصادر غير المسيحية الأكثر حيادية؟ نستنتج أنهم يعترفون بحقائق معينة عن المسيحية المبكرة تساعدنا على تجميع أحداث قصة تتوافق بشكل مدهش مع العهد الجديد. وإن جمعنا كل المراجع العشرة غير المسيحية، نرى أن:
يسوع عاش أثناء حكم طيباريوس قيصر.
عاش حياة فاضلة.
صنع عجائب.
كان له أخ يدعى يعقوب.
أُعْلِنَ أنه المسيا.
صلب على عهد بيلاطس البنطي.
صلب ليلة الفصح اليهودي.
عند موته حدثت ظلمة وزلزلة.
آمن تلاميذه أنه قام من الأموات.
كان تلاميذه على استعداد أن يموتوا في سبيل عقيدتهم.
المسيحية انتشرت بسرعة حتى وصلت إلى روما.
تلاميذ يسوع أنكروا الآلهة الرومانية وعبدوا يسوع بصفته الله.
في ضوء هذه المراجع غير المسيحية يتضح أن النظرية التي تقول بأنه لم يكن هناك شخص اسمه يسوع، غير منطقية على الإطلاق. فكيف يكشف كُتاب غير مسيحيين مجتمعين أحداث قصة تتفق مع العهد الجديد لو لم يكن هناك شخص اسمه يسوع؟ ولكن هذه الحقيقة تنطوي على مضامين أعمق. فماذا تعني بخصوص العهد الجديد؟ واضح أن المصادر غير المسيحية تؤكد العهد الجديد. فبالرغم من أن الكتاب غير المسيحيين لا يقولون إنهم يؤمنون بالقيامة. فهم يسجلون أن التلاميذ آمنوا بها دون شك.
وبما أن الإعلان الطبيعي يؤكد وجود الله وإمكانية المعجزات كما أوضحنا، وبما أن مصادر غير مسيحية تؤكد الأحداث الرئيسية في قصة المسيح والكنيسة الأولى، فهل معجزات المسيح حدثت بالفعل كما يزعم التلاميذ؟ هل وثائق العهد الجديد تسجل تاريخاً حقيقياً؟ هل من الممكن ألا تكون كتابات دينية متحيزة مليئة بالأساطير والحكايات كما يفترض الكثيرون في عالمنا الحديث. بل تصف أحداثاً وقعت بالفعل منذ حوالي ألفي عام؟ إن كان كذلك، فنحن في طريقنا إلى اكتشاف الدين الصحيح من بين الأديان التي تؤمن بالله الخالق.
وحتى نتأكد مما إذا كان العهد الجديد سجلاً لتاريخ حقيقي، ينبغي أن نجيب عن سؤالين بخصوص الوثائق التي تشكل العهد الجديد:
هل لدينا نسخ دقيقة للوثائق الأصلية التي كتبت في القرن الأول؟
هل تلك الوثائق تقول الحقيقة؟
حتى نصدق رسالة العهد الجديد، لا بد أن تكون إجابة كل من هذين السؤالين بالإثبات. فلا يكفي تقديم أدلة على أنه لدينا نسخة دقيقة من وثائق القرن الأول الأصلية (السؤال الأول) لأنه من المحتمل أن تلك الوثائق تسجل أكاذيب. ولكن يجب أن تتوافر لدينا نسخة دقيقة من الوثائق وأن يكون لدينا سبب لتصديق أن تلك الوثائق تصف ما حدث حقاً منذ ما يقرب من ألفي عام (السؤال الثاني). فلنبدأ بالسؤال الأول.
السؤال الأول: هل لدينا نسخة دقيقة؟
مؤكد أنك تتذكر لعبة الأطفال “التليفون”. في هذه اللعبة يعطى أحد الأطفال رسالة شفهية ليوصلها للطفل المجاور له، وهكذا دواليك. وعندما تصل الرسالة إلى آخر طفل في السلسلة تكون قد اختلفت عن الرسالة التي أعطيت لأول طفل. ويبدو للملاحظ غير المدقق أن هذا النوع من التشوه يمكن أن يطول الوثائق التي انتقلت من جيل إلى جيل على مدى ألفي عام.
ولكن من حسن الحظ أن العهد الجديد لم ينتقل بتلك الطريقة. فيما أنه لم يقال لشخص واحد أخبر به شخصاً أخر وهكذا، إذن مشكلة لعبة التليفون لا تنطبق على العهد الجديد. ولكن أعداداً كبيرة من البشر، كلاً منهم على حدة، شهدوا لأحداث العهد الجديد. والكثيرون منهم احتفظوا بها في الذاكرة، وتسعة من شهود العيان/ المعاصرين أولئك سجلوا ملاحظاتهم كتابة.
وهنا يجب أن نزيل مفهوماً خاطئاً شائعاً عن العهد الجديد. عندما نتحدث عن وثائق العهد الجديد لا نقصد كتاباً واحداً، بل حوالي 27 كتاباً. فوثائق العهد الجديد عبارة عن 27 وثيقة مختلفة كتبت على 27 درجاً مختلفاً بقلم تسعة كتاب مختلفين في فترة زمنية حوالي من عشرين إلى خمسين عاماً. وهذه الكتب الفريدة جمعت منذ كتابتها في كتاب واحد نطلق عليه اليوم الكتاب المقدس. إذن العهد الجديد ليس مجرد مصدر واحد، بل مجموعة مصادر.
ولكن أمامنا مشكلة واحدة: حتى الآن لم تكتشف ولا واحدة من وثائق العهد الجديد المكتوبة الأصلية. وليس لدينا إلا نسخ من الكتابات الأصلية يطلق عليها مخطوطات. فهل يمنعنا ذلك من معرفة ما تقوله الأصول؟
إطلاقاً. فالحقيقة أن كل كتابات العالم القديم القيمة أعيد إنشاؤها بما يطابق الشكل الأصلي عن طريق المقارنة بين المخطوطات الباقية. ولإعادة إنشاء الأصل. من المفيد أن يتوافر لدينا عدد كبير من المخطوطات التي كتبت بعد الأصل بفترة ليست طويلة. وكلما ازداد عدد المخطوطات وكلما كانت أقدم، عادة ما توفر لنا شهادة أكثر موثوقية وتمكننا من إعادة الإنشاء بمزيد من الدقة.
فما مدى مطابقة وثائق العهد الجديد لهذه القواعد؟ إنها تتطابق معها بدرجة كبيرة جداً، بل بدرجة تفوق بكثير أياً من وثائق العالم القديم. فالحقيقة أن مخطوطات وثائق العهد الجديد أكثر وأقدم ولها أدلة أوفر مقارنة بأفضل عشرة أعمال كلاسيكية مجتمعة. وإليك ما نعنيه:
مخطوطات أكثر: بين آخر إحصاء أن مخطوطات العهد الجديد اليونانية المكتوبة بخط اليد تصل إلى ما يقرب من 5700 مخطوطة. علاوة على ذلك هناك أكثر من 9000 مخطوطة بلغات أخرى (مثل السريانية، والقبطية، واللاتينية، والعربية). وبعض هذه المخطوطات التي تبلغ زهاء 15000 مخطوطة عبارة عن كتاب مقدس كامل، والبعض الآخر عبارة عن أسفار أو صفحات، والقليل منها مجرد قصاصات غير مكتملة.
وكما هو مبين في الشكل التالي، ليس هناك شيء من العالم القديم يقترب من هذا المستوى من تأييد المخطوطات لصحة النص. فأول عمل يقترب من هذا المستوى بعد العهد الجديد هو إلياذة هوميروس التي يبلغ عدد مخطوطاتها 643 مخطوطة. ومعظم الأعمال القديمة الأخرى تستند على أقل من اثنتي عشرة مخطوطة، ومع ذلك قليل من المؤرخين يشككون في تاريخية الأحداث التي تصفها تلك الأعمال.
شهادات مبكرة عن يسوع – فحص الأدلة
مخطوطات أقدم:
إن العهد الجديد لا يتمتع بالتأييد نتيجة لوفرة مخطوطاته فحسب، بل يتمتع أيضاً بمخطوطات كتبت بعد الأصول بفترة وجيزة. وأقدم مخطوطة لا خلاف عليها عبارة عن جزء من يوحنا 18: 31-33، 37، 38 وتعرف باسم قصاصة جون ريلاندز John Rylands Fragment (لأنها محفوظة في مكتبة جون ريلاندز John Rylamds Library في مانشستر بإنجلترا). ويحدد الدارسون تاريخها فيما بين 117-138م، ولكن البعض يقولون إنها أقدم من ذلك. وقد وجدت في مصر على البحر المتوسط مقابل المكان الذي يتوقع أنها كتبت فيه في آسيا الصغرى. مما يبين أن إنجيل يوحنا نسخ وانتشر في مساحة شاسعة بحلول مطلع القرن الثاني.
ولكن هناك تسع قصاصات عليها خلاف أقدم من قصاصة جون ريلاندز يترواح تاريخها من 50 إلى 70م، عثر عليها مع مخطوطات البحر الميت. ويعتقد بعض العلماء أن هذه القصاصات عبارة عن أجزاء من ستة أسفار من العهد الجديد تتضمن إنجيل مرقص، وسفر الأعمال، ورسالة رومية، ورسالة تيموثاوس الأولى، ورسالة بطرس الثانية، ورسالة يعقوب. ورغم أن علماء آخرين يعترضون على هذا الاستنتاج (ربما لأن الاعتراف به يقوض ميلهم الليبرالي إلى الاعتقاد بأن العهد الجديد كتب في مرحلة متأخرة عن ذلك)، فلم يمكنهم العثور على أي نصوص أخرى بخلاف العهد الجديد تتطابق مع هذه المخطوطات[5].
وقد وجدت القصاصات في كهف عرف فيما سبق أنه يحوي مادة من سنة 50ق. م إلى 50م. وأول عالم رصد هذه القصاصات المبكرة باعتبارها أسفاراً من العهد الجديد هو هوسية أوكالاهان Jose O’Callahan وهو عالم اسباني مشهور في خطوط الكتابة Paleographer. وقد أقرت مجلة نيويورك تايمز بتداعيات نظرة أوكالاهان إذ اعترفت أنها إذا كانت صحيحة «ستثبت أن واحداً من الأناجيل على الأقل، ألا وهو إنجيل القديس مرقص، كتب عقب موت يسوع ببضع سنوات قليلة”.
ولكنها حتى إن لم تكن قصاصات حقيقية من العهد الجديد وقصاصة جون ريلاندز هي فعلاً الأقدم، فالفاصل الزمني بين الأصل وأول نسخة باقية ما زال أقصر بكثير من أي شيء آخر من العالم القديم[6]. فثاني أقصر فاصل هو الذي يفصل بين أصل الإلياذة وأقدم نسخها، ويبلغ حوالي 500 سنة، ومعظم الأعمال القديمة الأخرى يبلغ عمرها 1000 سنة أو أكثر بعد الأصل. ولكن فجوة العهد الجديد حوالي 25 سنة وربما أقل. (وهذا لا يعني عدم وجود مخطوطات أخرى بين الأصل والنسخة الأولى، بل المؤكد أنه كان هناك مخطوطات. ولكنه يعني ببساطة أن تلك المخطوطات فنيت، أو دمرت، أو لم تكتشف بعد).
ما عمر أقدم المخطوطات الباقية لأسفار كاملة من العهد الجديد؟ المخطوطات التي تمثل أسفاراً كاملة من العهد الجديد باقية من حوالي سنة 200م. وماذا عن أقدم مخطوطات العهد الجديد كاملاً؟ معظم العهد الجديد، بما فيه كل الأناجيل، باق من سنة 250، وهناك مخطوطة للعهد الجديد كله (وتتضمن عهداً قديماً يونانياً) يطلق عليها المخطوطة الفاتيكانية Codes Vaticanus باقية من حوالي سنة 325. وما زال عدد من المخطوطات الأخرى الكاملة باقياً من ذلك القرن. وتتميز تلك المخطوطات بسمات في الهجاء وعلامات الترقيم ترجح أنها تنمي لعائلة من المخطوطات يمكن إرجاعها إلى سنة 100-150م.
فإن كان هذا العدد الضخم من المخطوطات المبكرة كل ما يملكه العلماء، يمكنهم إعادة إنشاء العهد الجديد الأصلي بقدر كبير من الدقة. ولكنهم أيضاً يملكون أدلة داعمة وفيرة من العالم القديم تزيد من درجة اليقين في إعادة إنشاء العهد الجديد. فلنتناول هذه الفكرة فيما يلي.
مخطوطات مؤيدة بأدلة وفيرة:
منذ شباط/ فبراير 303م أصدر الإمبراطور الروماني دقلديانوس ثلاثة مراسيم تقضي باضطهاد المسيحيين لأنه اعتقد أن وجود المسيحية يكسر العهد بين روما وآلهتها. وقد دعت المراسيم إلى تدمير الكنائس، والمخطوطات، والكتب، وقتل المسيحيين.
وهو ما أدى إلى تدمير مئات، إن لم يكن آلاف، المخطوطات في أنحاء الإمبراطورية الرومانية أثناء هذا الاضطهاد الذي استمر حتى سنة 311م. ولكن حتى إن كان دقلديانوس قد نجح في مسح كل المخطوطات الكتابية من على وجه الأرض، إلا أنه لم ينجح في تدمير قدرتنا على إعادة إنشاء العهد الجديد. لماذا؟ لأن آباء الكنيسة الأوائل الذين عاشوا في القرنين الثاني والثالث مثل يوستينوس الشهيد، وإيريناوس، وأكليمندس السكندري، وأوريجانوس، وترتليان وغيرهم، اقتبسوا من العهد الجديد بغزارة (36289 مرة بالضبط) حتى إنه يمكن إعادة إنشاء العهد الجديد كله ما عدا 11 آية من اقتباساتهم فقط.
أي أنه يمكنك أن تزور مكتبتك العامة المحلية، وتستعير أعمال آباء الكنيسة الأوائل وتقرأ العهد الجديد كله تقريباً من اقتباساتهم منه فقط! إذن لسنا نملك آلاف المخطوطات فقط، بل آلاف الاقتباسات من تلك المخطوطات وهو ما يجعل إعادة إنشاء النص الأصلي عملية تكاد تكون يقينية. ولكن ما مدى يقينيتها؟ كيف يعاد إنشاء الأصول، وما مدى دقة هذا العهد الجديد الذي أعيد إنشاؤه؟
كيف يعاد إنشاء الأصل؟
هذه الحقائق الثلاث: مخطوطات كثيرة، مبكرة، مدعمة بالأدلة؛ تيسر على العلماء إعادة إنشاء مخطوطات العهد الجديد الأصلية. فعملية مقارنة العدد الضخم من النسخ والاقتباسات تسمح بإعادة إنشاء الأصل بمنتهى الدقة حتى وإن حدثت أخطاء أثناء النسخ. كيف تسير هذه العملية؟ خذ المثال التالي، هب أن عندنا أربع مخطوطات مختلفة تحوي أربعة أخطاء مختلفة في آية واحدة مثل فيلبي 4: 13(«أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني»). إليك النسخ الافتراضية:
أ#تطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني.
أس#طيع كل شيء في المسيح الذي يقويني.
أست#يع كل شيء في المسيح الذي يقويني.
أستط#ع كل شيء في المسيح الذي يقويني.
هل من غموض حول ما يقوله الأصل؟ لا غموض على الإطلاق. فبمقارنة المخطوطات ومطابقتها ببعضها البعض يمكن إعادة إنشاء العهد الجديد الأصلي بدقة متناهية. بل إن إعادة إنشاء العهد الجديد أسهل من ذلك لأن الأخطاء في مخطوطات العهد الجديد الحقيقية أقل بكثير من المبينة في هذا المثال.
ولنفترض لحظة أن العهد الجديد فعلاً كلمة الله. وعندئذ قد يسأل الشكوكيون: «إن كان العهد الجديد فعلاً كلمة الله، فلماذا لم يحفظ الله الأصل؟» لا يمكننا هنا إلا أن نخمن، ولكن أحد الاحتمالات هو أن كلمته يمكن أن تحفظ في النسخ أفضل مما تحفظ في الوثائق الأصلية. كيف؟
لأنه لو كان الأصل بحوزة أحد الأشخاص. قد يحرفه. ولكن إن كانت النسخ منتشرة في كافة أنحاء العالم القديم، فمن المستحيل أن يغير واحد من الكتبة أو الكهنة كلمة الله. وكما رأينا، عملية إعادة الإنشاء تسمح بتحديد التغييرات والتنوعات بين النسخ وتصحيحها بسهولة كبيرة. لذا من المدهش أن عدم وجود الأصول قد يحفظ كلمة الله على نحو أفضل مما لو كانت الأصول موجودة.
ما مدى دقة إعادة الإنشاء؟
لتناول قضية الدقة، علينا أن نجلو بعض المفاهيم الخاطئة عند الكثير من النقاد بخصوص “الأخطاء” في المخطوطات الكتابية. فقد قدر البعض أن هناك حوالي 200 ألف خطأ في مخطوطات العهد الجديد.
أولاً، هذه ليس “أخطاء” ولكنها قراءات متنوعة، وغالبيتها العظمى لغوية صرف (أي علامات ترقيم وهجاء).
ثانياً، هذه القراءات موزعة على ما يقرب من 5700 مخطوطة، بحيث إن التنوع في هجاء حرف واحد في كلمة واحدة في آية واحدة في 2000 مخطوطة يحسب 2000 “خطأ”.
وقد قدر عالما الدراسات النصية Textual Scholars وسكوت Westcott وهورت Hort أن التنوعات ذات الأهمية تعادل فقط واحداً من ستين. وهو ما يعني نقاء النص بنسبة 98,33٪. وقد حسب فيليب شاف Philip Schaff أنه، من بين التنوعات المائة والخمسين ألفاً المعروفة في أيامه، 400 فقط هي التي غيرت معنى النص، وخمسون فقط من هذه الأربعمائة ذو قيمة حقيقية، وليس هناك ولا حتى واحد منها أثر على «أحد أركان الإيمان أو إحدى الوصايا؛ حيث إنها مؤيدة بالعدد من النصوص الأخرى التي لا يرقى إليها الشك، وبروح التعليم الكتابي ككل».
ما من كتاب آخر من العالم القديم يتمتع بهذا القدر من الدقة. وقد قدر أستاذ العهد الجديد البارز والأستاذ بجامعة برينستون، بروس متسجر Bruce Metzger أن نسخ كتاب المهابهاراتا Mahabharata الهندوسي دقيق بنسبة حوالي 90٪ فقط، وإلياذة هوميروس بنسبة حوالي 95٪. وبالمقارنة، قدر أن العهد الجديد دقيق بنسبة حوالي 99,5٪. وأيضاً الـ 0,5٪ المشكوك فيها لا تؤثر على تعليم واحد من تعاليم الإيمان المسيحي.
فردريك كنيون Fredric Kenyon الذي يعد حجة في المخطوطات القديمة، أوجز ببراعة وصع العهد الجديد في هذه السطور: إن الكلمات تعجز عن تأكيد مدى دقة نص الكتاب المقدس في جوهره. وخاصة العهد الجديد. فعدد مخطوطات العهد الجديد، وترجماته المبكرة، واقتباسات أقدم كُتاب الكنيسة منه كبير جداً حتى أننا نكاد نجزم أن القراءة الصحيحة لكل نص مشكوك فيه محفوظة في واحدة أو أخرى من هذه المراجع القديمة الموثوقة. وهو ما لا يمكن أن يقال عن أي كتاب آخر من كتب العالم القديم.
إذن نحن نعلم أن العهد الجديد الذي بين أيدينا هو نفسه الذي كتب من 2000 سنة تقريباً. ولكن السؤال التالي أهم: هل هو نسخة دقيقة من الحق، أم أنه كذبة؟ أي هل العهد الجديد موثوق تاريخياً؟
السؤال الثاني: هل العهد الجديد موثوق تاريخياً؟
عندما نطرح سؤال: «هل العهد الجديد موثوق تاريخياً؟» نحن نحاول أن نكتشف ما إذا كانت الأحداث الكبرى التي تصفها وثائق العهد الجديد حدثت بالفعل أم لا. وتحديداً، هل كان هناك فعلاً رجل يهودي منذ 2000 عام تقريباً يدعى يسوع علم حقائق عميقة، وصنع معجزات، وصلب على يد السلطات الرومانية واليهودية لأنه زعم أنه الله، وظهر للكثير من الشهود عقب قيامته من الأموات بعد ثلاثة أيام؟
من المهم أن نلاحظ أننا هنا لا نحاول أن نكتشف ما إذا كان العهد الجديد خالياً من الأخطاء أو ما إذا كان “كلمة الله”. كل ما نحاول أن نكتشفه هو ما إذا كانت أحداث القصة الأساسية حقيقة، وليست خيالاً. وحتى نكتشف ذلك، يجب أن نتثبت من نوعية السجلات التي تؤلف العهد الجديد. هل هي وثائق كتبها شهود عيان عقب الأحداث بفترة وجيزة (أو كتبها أناس التقوا بشهود العيان شخصياً وتحدثوا معهم)، أم أنها وثائق كتبها أتباع متحيزون بعد الأحداث بفترة طويلة وأضافوا تفاصيل تجميلية عن حياة شخصية تاريخية حقيقية؟
ولكي نكتشف، سنفحص وثائق العهد الجديد في بضعة الفصول القادمة بمعايير غالباً ما يستخدمها المؤرخون ليحددوا صدق أو كذب أي وثيقة تاريخية. وسنشير إلى هذه المعايير باسم “الاختبارات التاريخية”. وهي تتكون من:
1 – هل عندنا شهادة مبكرة؟ بوجه عام، كلما كانت المصادر أقدم، كانت الشهادة أدق.
2 – هل عندنا شهادة شهود عيان؟ عادة شهادة شهود العيان أفضل وسيلة للتأكد مما حدث بالضبط.
3 – هل عندنا شهادة من شهود عيان متعددين ومستقلين عن بعضهم البعض؟ شهود العيان المتعددون والمستقلون عن بعضهم البعض يؤكدون أن الأحداث حدثت بالفعل (إنها ليس خيالاً)، ويدلون بتفاصيل إضافية قد تفوت المصدر الواحد. (المصادر الصادقة المستقلة عن بعضها البعض عادة ما تتفق في القصة الأساسية ولكنها تختلف في التفاصيل. وهو ما يطلق عليه المؤرخون أحياناً “الاتساق مع عدم التماثل” Coherence with dissimilarity).
4 – هل شهود العيان مصادر موثوقة؟ هل يجب أن تصدقهم؟ شخصية الإنسان الأخلاقية مهمة.
5 – هل لدينا أدلة داعمة من علم الآثار أو كتابات أخرى؟ هذا يقدم مزيداً من التأكيد.
6 – هل لدينا شهادات من أعداء؟ إن كان خصوم شهود العيان يعترفون بأشياء معينة يقول شهود العيان إنها صحيحة فهي غالباً صحيحة فمثلاً إن كانت أمك تقول إنك شجاع، قد يكون قولها صحيحاً، ولكنه غالباً يكون أكثر مصداقية إن كان عدوك اللدود يعترف به).
7 – هل الشهادات تتضمن أحداثاً أو تفاصيل محرجة للكُتاب؟ بما أن معظم الناس لا يحبون أن يسجلوا معلومات سلبية عن أنفسهم، فأي شهادة تسيء إلى صورة الكاتب غالباً تكون صحيحة.
وفي معظم الحالات، الوثائق التي تجتاز معظم هذه الاختبارات التاريخية، أو كلها، تعتبر موثوقة بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. فما مستوى وثائق العهد الجديد بالنسبة لهذه الاختبارات؟ سنكتشف في هذا الفصل والفصول الثلاثة القادمة. ولكن قبل أن نبدأ في الاختبار التاريخي رقم 1 (الشهادة المبكرة)، يجب أن نرد على بعض الاعتراضات التي تمنع الكثير من الشكوكيين حتى من التفكير في صحة العهد الجديد.
اعتراضات شائعة على صحة العهد الجديد
التاريخ لا يمكن أن يعرف: أحدث حجة صيغت ضد حتى مجرد التفكير في صحة وثائق العهد الجديد هي التي تؤكد أننا لا نستطيع أن نعرف التاريخ. والمضحك أن هذا الاعتراض عادة ما يصدر من نفس الأشخاص الذين يقولون إنهم يعرفون أن الحياة الأولى تولدت تلقائياً من كيماويات غير حية، وأن كل الحياة اللاحقة تطورت من تلك الحياة الأولى دون تدخل ذكي. إنهم على يقين مطلق بشأن ذلك التاريخ رغم عدم وجود شهود عيان أو بيانات داعمة لتلك الأحداث. ومع ذلك فهم يؤكدون أن قيامة يسوع المسيح، وهي حدث يؤكده شهود عيان وبيانات داعمة، لا يمكن أن يعرف!
والتأكيد الذي يقول باستحالة معرفة التاريخ ضد الحس السليم تماماً. فهل نحن لسنا متأكدين أن جورج واشطن كان أول رؤساء الولايات المتحدة؟ وأن لينكون كان السادس؟ وأن اليابان ضربت بيرل هاربور Pearl Harbor يوم 7 كانون الأول/ ديسمبر 1941؟
وأن فريق نيويورك متس New York Mets لكرة البيسبول فاز ببطولة ورلد سيريز World Series سنة 1969؟ طبعاً متأكدون. إن الشكوكي مخطئ. فنحن نستطيع أن نعرف التاريخ، بل نعرفه بالفعل. والحقيقة أننا إن لم نكن قادرين على معرفة التاريخ، فيستحيل أن نرصد التحريف التاريخي Historical Revisionism أو الدعاية التاريخية الزائفة Historical Propaganda وكلتاهما تفترضان وجود تاريخ موضوعي يمكن معرفته.
لماذا لا يستطيع الشخص أن يعرف حدثاً من الماضي؟ قد يقول الشكوكي: «لأنك لا تمتلك كل الحقائق». وهو ما نرد عليه بالقول: «إذن العلماء أيضاً لا يستطيعون أن يعرفوا أي شيء لأنهم لا يملكون كل الحقائق». واضح أنه كلام عبثي. فرغم أننا لا نملك كل الحقائق، يمكننا أن نجمع ما يكفي منها حتى نصل إلى يقين معقول بشأن ما وقع من أحداث.
وينطوي هذا التشوش جزئياً على الفشل في تعريف كلمة “المعرفة”. فبما أننا لا نستطيع أن نعود بالزمن ونشهد الأحداث التاريخية مجدداً، فمعرفتنا التاريخية تقوم على الاحتمالية. وهو ما يعني أننا نستخدم نفس المقاييس التي تستخدمها هيئة المحكمة للجزم بما إذا كان المدعى عليه هو مرتكب الجريمة بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. فإن كانت معرفة التاريخ مستحيلة، إذن لا يمكن لأي محكمة أن تصدر أي حكم!
ففي كل الأحوال، هيئة المحكمة تحكم بإدانة المتهم أو براءته بناء على معرفتها بحدث ماض. والمؤرخون عليهم أن يكتشفوا أحداث الماضي مثلما يفعل رجال الشرطة وعلماء الأدلة الجنائية، أي بجمع الأدلة معاً والتحدث مع شهود العيان. وعندما يفعلون ذلك، غالباً ما يستخدمون الاختبارات التاريخية السبعة التي سردناها أعلاه.
وأخيراً، إن كنا لا نستطيع أن نعرف التاريخ، إذن الشكوكيون لا يستطيعون أن يزعموا أن المسيحية ليس صحيحة. فحتى يقول الشكوكي بأن المسيحية ليس صحيحة، عليه أن يعرف التاريخ. لماذا؟ لأن كل نفي يتضمن إثباتاً. فحتى يقول الشكوكي بأن يسوع لم يقم من الأموات (النفي)، يجب عليه أن يعرف ما حدث له فعلاً (الإثبات).
في النهاية يتضح أن الشكوكيين واقعون في مأزق. فإن قالوا إن معرفة التاريخ مستحيلة، لا يستطيعون أن يقولوا إن التطور صحيح والمسيحية خاطئة. وإن اعترفوا بأن معرفة التاريخ ممكنة، عليهم أن يتعاملوا مع العديد من أنواع الأدلة التاريخية على الخلق والمسيحية.
وثائق العهد الجديد تحتوي على معجزات:
عادة ما يتعرض الشكوكيون قائلين: «العهد الجديد يحتوي على معجزات، إذن جزء كبير منه لا بد أن يكون أساطير». لقد أجبنا على ذلك الاعتراض. بما أن الله موجود، إذن المعجزات ممكنة. وكما سنرى في الفصل الثالث عشر، أحداث العهد الجديد تتم في إطار لم تكن فيه المعجزات ممكنة فحسب بل جاءت عنها نبوات. إذن وجود المعجزات لا ينفي تاريخية وثائق العهد الجديد، بل بالعكس قد يقوي تاريخيتها (لأنها تسجل أحداثاً تم التنبؤ بها).
كتاب العهد الجديد متحيزون: قال الشكوكي الكبير ديفيد هيوم إن الشهود لا بد أن يكونوا محايدين حتى يكونوا جديرين بالثقة. لذا، عندما ينظر الشكوكيون إلى وثائق العهد الجديد، غالباً ما يسألون: «كيف تستطيع أن تقول إنها جديرة بالثقة وقد كتبها المتحولون إلى المسيحية؟ إنها روايات منحازة كتبها أشخاص منحازون».
صحيح أن كتاب العهد الجديد كانوا أشخاصاً متحيزين ومتحولين إلى المسيحية. إلا أن هذا لا يعني أنهم كانوا يكذبون أو يبالغون. بل الحقيقة أن تحولهم للمسيحية وتحيزهم غالباً ما دفعاهم بالفعل لتحري المزيد من الدقة. فلنر سبب ذلك.
منذ بضع سنوات، على إحدى الفضائيات بدأ فيلم وثائقي مفترض أنه عن يسوع بهذا التعليق بصوت الراوي: «معظم ما نظن أننا نعرفه عن يسوع يأتي من أناجيل العهد الجديد: متى، ومرقص، ولوقا، ويوحنا. ولكننا لا نستطيع أن نثق في دقة المعلومات التي تقدمها تلك الأسفار لأن كتابها كانوا ممن تحولوا إلى المسيحية».
ما الخطأ في ذلك المنطق؟ الخطأ في ذلك المنطق أنه ينقصه طرح أهم سؤال: لماذا تحولوا إلى المسيحية؟ فالحقيقة أن أول وأهم سؤال ليس: «ماذا كانت عقائد كُتاب العهد الجديد؟» بل أول وأهم سؤال: «لماذا تحولوا إلى هذه العقائد الجديد؟» أي لماذا هجر كُتاب العهد الجديد موارد رزقهم بغتة وتقاليدهم الدينية التي كانوا يجلونها من أجل هذه العقائد الجديدة؟
طرحت (أنا فرانك) ذلك السؤال، أثناء مناظرة إذاعية من وقت ليس ببعيد، على اثنين ممن لا يؤمنون أن يسوع صلب، ومن ثم مستحيل أن يكون قد قام. وبناء على ذلك، سألتهما: «لماذا تحول كُتاب العهد الجديد فجأة من اليهودية إلى الإيمان بقيامة يسوع؟» فقال أحدهما: «لأنهم أرادوا أن يكتسبوا سلطة على الشعب».
قلت: «ما السلطة التي اكتسبها كُتاب العهد الجديد بتأكيدهم أن يسوع قام من الأموات الإجابة أنهم “لم يكتسبوا أي سلطة على الإطلاق”. الحقيقة أنهم اكتسبوا ما هو عكس السلطة تماماً: الخضوع، والخدمة، والاضطهاد، والتعذيب، والموت”. فلم يجدا إجابة. ثم سألتهما السؤال بطريقة مختلفة: «لو لم تكن قصة القيامة حقيقية، ترى ما الدافع الذي جعل كُتاب العهد الجديد يختلقونها؟»
ولم تكن عندهما إجابة أيضاً. لماذا؟ لأنهما بدأ يدركان أن كل الدوافع الأرضية كانت تدفع كُتاب العهد الجديد إلى إنكار القيامة لا إلى إعلانها. فلم يكن هناك أي دافع أو حافز يغريهم باختلاق قصة العهد الجديد. والحقيقة أننا دائماً ما نجد أن الوعد بالخضوع، والخدمة، والاضطهاد، والتعذيب، والموت لا يدفع أي شخص لاختلاق مثل هذه القصة.
مؤكد أن كُتاب العهد الجديد لم يكن عندهم سبب لاختراع دين جديد. بل علينا أن نتذكر أن جميعهم (ربما باستثناء لوقا) كانوا يهوداً آمنوا إيماناً راسخاً أن اليهودية هي الدين الوحيد الصحيح. وهذا الدين الذي بلغ عمره آنذاك زهاء ألفي عام أكد أنهم، أي اليهود، شعب الله المختار. فلماذا يخاطر اليهود الذين تحولوا إلى المسيحية بالاضطهاد، والموت، وربما الهلاك الأبدي، لأنهم أسسوا شيئاً 1) لم يكن صحيحاً، 2) رفع مكانة غير اليهود إلى العلاقة الوحيدة الصحيحة التي زعموا أنهم يتمتعون بها مع خالق الكون؟
ولو لم تكن القيامة قد حدثت بالفعل، لماذا يهجرون بشكل شبه فوري حفظ السبت، والختان، وناموس موسى، ومركزية الهيكل، والنظام الكهنوتي، وغير ذلك من تعاليم العهد القديم؟ لا شك أن كُتاب العهد الجديد شهدوا أدلة قوية جداً دفعتهم إلى إدارة ظهروهم لتلك العقائد والممارسات القديمة التي ميزتهم وآباءهم لمدة ما يقرب من ألفي عام.
الأشخاص المتحولون إلى إيمان آخر غير موضوعيين: هنا قد يعترض الشكوكيون قائلين: «ولكن بما أن كُتاب العهد الجديد كانوا أشخاصاً متحولين إلى المسيحية، يستحيل أن يكونوا موضوعيين». كلام فارغ. فالناس يمكن أن يكونوا موضوعيين حتى إن لم يكونوا محايدين. الطبيب مثلاً يستطيع أن يشخص تشخيصاً موضوعياً حتى إن كان يشعر بعواطف قوية تجاه المريض. أي أنه يقدر أن يكون موضوعياً رغم أنه غير محايد. فالحقيقة أن مشاعره نحو المريض قد تدفعه لمزيد من الدقة في التشخيص ثم معالجة المرض على النحو الصحيح.
وفي كتابتنا لهذا الكتاب، رغم أننا طبعاً غير محايدين، فنحن نقدم حقائق موضوعية. وكذلك الملحدون غير محايدين، ولكنهم أيضاً يستطيعون أن يقدموا حقائق موضوعية إن أرادوا. وكُتاب العهد الجديد أيضاً يقدرون أن يفعلوا ذلك.
وحقيقة الأمر أن كل الكتب تكتب لغرض، ومعظم الكُتاب يؤمنون بما يكتبون. إلا أن هذا لا يعني أن ما يكتبونه خطأ أو لا يحتوي على عنصر موضوعي. ولكن كما ذكرنا في تمهيد هذا الكتاب، الناجون من الهولوكوست الذين كتبوا خبراتهم، مؤكد أنهم لم يكونوا متفرجين محايدين. فقد آمنوا بكل قلوبهم بضرورة تسجيل تلك الأحداث لأنهم أرادوا ألا ينسى العالم أبداً الهولوكوست وتمنوا ألا يكرره أبداً. فرغم أن الولع بموضوع معين قد يدفع البعض إلى المبالغة، قد يدفع البعض الآخر إلى مزيد من الدقة والحرص حتى لا يفقد مصداقية وقبول الرسالة التي يبغي توصيلها.
وهذا التمييز بين الحياد والموضوعية عند كُتاب العهد الجديد نقطة في منتهى الأهمية. ففي أغلب الأحيان الوثائق التي تكوّن العهد الجديد ينظر إليها تلقائياً على أنها متحيزة وغير جديرة بالثقة. وهو أمر يثير السخرية لأن أصحاب هذا الموقف غالباً ما يكونون هم أنفسهم متحيزين. وهم متحيزون لأنهم لم يفحصوا أولاً وثائق العهد الجديد ولا الإطار الذي كتبت فيه حتى يمكنهم أن يبنوا تقييمهم لمصداقيتها على معلومات سليمة.
وكما سنرى بعد قليل، وثائق العهد الجديد ليست “دعاية كنيسية زائفة” ولا مجموعة كبيرة من الكتابات قصد بها الترويج للاهوت من صنع الكنيسة. فما هي إذن؟ هذا هو السؤال الذي سنتناوله في بقية هذا الفصل والفصول الثلاثة القادمة. فلنبدأ. نعرف أن عندنا نسخة دقيقة مما كتبه كُتاب العهد الجديد. ولكن هل تلك الوثائق جديرة بالثقة؟ سؤالنا الأول يتناول الاختبار التاريخي: 1 – هل وثائق العهد الجديد من تاريخ مبكر؟
هل وثائق العهد الجديد من تاريخ مبكر؟ نعم. منذ متى؟
كل أسفار العهد الجديد كتبت قبل سنة 100م (بعد موت وقيامة يسوع بحوالي 70 سنة): كما يبين الجدول التالي ثلاثة من آباء الكنيسة الأوائل وهم أكليمندس وإغناطيوس وبوليكاريوس اقتبسوا نصوصاً من 25 سفراً من أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين في رسائل مكتوبة بين سنة 95 وسنة 110م. والسفران الوحيدان اللذان لم يقتبسوا منها هما رسالة يهوذا ورسالة يوحنا الثانية، وهما من أصغر الأسفار، ولكن مؤكد أنهما كانتا قد كتبتا.
(كان يهوذا قد كتب رسالته الصغيرة قبل هذا التاريخ لأنه حيث أنه كان أخاً ليسوع، نكاد نكون متأكدين أنه توفي قبل 100م، ويوحنا الثانية كانت قد كتبت لأنها تسبق يوحنا الثالثة التي كانت ضمن الخمسة والعشرين سفراً التي اقتبس منها آباء الكنيسة).
وثائق العهد الجديد اقتبسها:
أكليمندس
كتب من روما (حوالي سنة 95م)
إغناطيوس
كتب من سميرنا في آسيا الصغرى (حوالي سنة 107م)
بوليكاريوس
كتب من سميرنا في آسيا الصغرى (حوالي سنة 110م)
متى
مرقص
لوقا
رومية
كورنثوس الأولى
أفسس
تيموثاوس الأولى
تيطس
العبرانيين
يعقوب
بطرس الأولى
متى
مرقص
لوقا
يوحنا
أعمال الرسل
رومية
كورنثوس الأولى
كورنثوس الثانية
غلاطية
أفسس
فيلبي
كولوسي
تسالونيكي الأولى
تيموثاوس الأولى
تيموثاوس الثانية
تيطس
فليمون
العبرانيين
يعقوب
بطرس الأولى
بطرس الثانية
يوحنا الأولى
يوحنا الثالثة
رؤيا يوحنا
متى
مرقص
لوقا
يوحنا
أعمال الرسل
رومية
كورنثوس الأولى
كورنثوس الثانية
غلاطية
أفسس
فيلبي
كولوسي
تسالونيكي الثانية
تيموثاوس الأولى
تيموثاوس الثانية
العبرانيين
بطرس الأولى
يوحنا الأولى
بما أن أكليمدنس كان في روما وكان إغناطيوس وبوليكاريوس على بعد مئات الأميال في سميرنا، مؤكد أن وثائق العهد الجديد الأصلية كتبت قبل ذلك بوقت طويل، وإلا لما انتشرت عبر العالم القديم قبلما اقتبس منها آباء الكنيسة الثلاثة. ومن ثم يمكننا أن نقول بثقة إن العهد الجديد كله كُتب قبل سنة 100م وعلى الأقل الأسفار الموضحة في العمود الأيمن كتبت قبل سنة 95 بعدة سنوات.
ولكن هذا هو أحدث تاريخ يمكن أن تكون أسفار العهد الجديد قد كتبت فيه. فغالباً أن معظمه كتب في فترات مبكرة قبل ذلك بكثير. قبل ذلك بكم عام؟ معظمه، إن لم يكن كله، قبل سنة 70م.
معظم هذه الأسفار، إن لم يكن كلها، كُتب قبل سنة 70م (بعد موت وقيامة يسوع بحوالي 40 سنة): تخيل ذلك، أنت يهودي تقي في القرن الأول. وأورشليم، ولا سيما الهيكل يمثلان مركز حياتك القومية والاقتصادية والدينية. وقد ظل الحال هكذا في أمتك وعائلتك وكل العائلات اليهودية تقريباً على مدى ألف عام منذ أن بنى سليمان الهيكل الأول. وأحدث هيكل الذي بناه الملك هيرودس اكتمل معظمه عندما كنت طفلاً، ولكن أجزاء منه لا تزال تحت الإنشاء منذ سنة 19ق.م.
وقد حضرت طيلة حياتك خدمات في الهيكل وقدمت ذبائح هناك للتكفير عما ارتكبت من خطايا ضد الله. لماذا؟ لأنك أن وأهل بلدك تعتبرون هذا الهيكل المسكن الأرضي لإله الكون صانع السماء والأرض، الإله الذي يحمل الاسم الكلي القداسة حتى إنك لا تجرؤ أن تنطقه.
وفي شبابك تبدأ في اتباع رجل يهودي يدعى يسوع يزعم أنه المسيا الذي طال انتظاره والذي تنبأت عنه الكتب المقدسة. وهو يصنع المعجزات، ويعلم حقائق عميقة، ويوبخ الكهنة المسؤولين عن الهيكل ويحيرهم. والغريب أنه يتنبأ عن موته وقيامته. وهو يتنبأ أيضاً أن الهيكل نفسه سيهدم قبل أن يمضي جيلك (مرقص 13: 2، 30).
ولكن المشين حقاً أن كهنة الهيكل يدينونه بتهمة التجديف ويصلب ليلة الفصح. أحد أقدس أعيادك. ويدفن في قبر يهودي، ولكن أنت وأتباع يسوع الآخرون ترونه حياً مثلما تنبأ. فتلمسونه، وتأكلون معه، ويستمر في صنع المعجزات، وآخرها صعوده إلى السماء. وبعد أربعين عاماً، يهدم هيكلك كما تنبأ يسوع، وتخرب المدينة بكاملها ويموت الآلاف من أبناء بلدك.
سؤال: إن كتبت أنت ورفاقك من أتباع يسوع روايات عن يسوع بعد خراب الهيكل والمدينة سنة 70م، ألن تذكروا على الأقل تلك المأساة القومية والإنسانية والاقتصادية والدينية غير المسبوقة، خاصة أن يسوع المقام تنبأ بها؟ طبعاً. وهنا تكمن المشكلة أمام من يقولون إن العهد الجديد كتب بعد سنة 70، والمشكلة هي أنه لا ذكر على الإطلاق لتحقيق هذه المأساة التي تنبأ عنها يسوع في أي موضع من وثائق العهد الجديد. وهو ما يعني أن معظم الوثائق إن لم يكن كلها كتبت قبل سنة 70م.
وقد يعترض البعض قائلين: «إنها حجة مبنية على الصمت[7] Argument from silence، وهي لا تثبت أي شيء». ولكن الحقيقة أنها ليست حجة مبنية على الصمت لأن وثائق العهد الجديد تتحدث عن أورشليم والهيكل، أو الأنشطة المرتبطة بهما كما لو أنهما ظلا في أمان دون أن يمسهما سوء أثناء زمن الكتابة[8]. ولكنها حتى لو كانت حجة مبنية على الصمت، فهذا لا يعني أنها خاطئة. خذ مثلاً هذه الأمثلة المشابهة من التاريخ الحديث.
هب أن بحاراً سابقاً على متى السفينة يو إس إس أريزونا USS Arizona كتب كتاباً عن تاريخ تلك السفينة والكتاب ينتهي دون أي ذكر لغرق السفينة وموت 1177 من بحاريها في بيرل هاربور، فهل يخالجك أي شك أن الكتاب لا بد أن يكون قد كتب قبل 7 كانون الأول/ديسمبر 1941؟ أو لو أن أحد المستأجرين السابقين في مركز التجارة العالمي كتب كتاباً عن تاريخ تلك المباني، والكتاب ينتهي بأن هذه الأبراج لا تزال قائمة، دون أي ذكر على الإطلاق لتدمير الأبراج ومقتل 3000 شخص تقريباً على يد الإرهابيين، فهل يخالجك أي شك في أن الكتاب لا بد أن يكون قد كتب قبل 11 أيلول/سبتمبر 2001؟ بالطبع لا.
إن الكارثة التي وقعت سنة 70م كانت أكبر بما لا يقاس من كارثة بيرل هاربور وكارثة 11 سبتمبر من حيث حجم الخسائر في الأرواح، والممتلكات، والأثر القومي. لقد أنهت حرباً شعواء وصفها يوسيفوس بأنها “أعظم” حروب التاريخ كله، حتى أنه هو نفسه استسلم للرومان سنة 67. فاليهود لم يفقدوا مجرد سفينة واحدة ولا بضعة مبان عظيمة، ولكنهم فقدوا بلادهم بالكامل، وعاصمتهم، وهيكلهم الذي كان مركز حياتهم الدينية والسياسية والاقتصادية على مدار الألف سنة الأخيرة. وعلاوة على ذلك عشرات الآلاف من أبناء بلادهم لقوا حتفهم ومئات من قراهم حرقت حتى سويت بالأرض.
لذا، إن كنا نتوقع ذكر كوارث مثل هزيمة بيرل هاربور، وأحداث 11 سبتمبر في كتابات اليوم المتصلة بهذه الأحداث، مؤكد أنه يجب أن نتوقع الإشارة إلى أحداث سنة 70م في أي موضع من العهد الجديد (خاصة أن يسوع تنبأ بهذه الأحداث). ولكن بما أن العهد الجديد لا يذكر هذه الأحداث في أي موضع، ويوحي بأن أورشليم والهيكل كانا في مأمن من أي تخريب، فمن المنطقي أن نستنتج أن معظم وثائق العهد الجديد، إن لم يكن كلها، كتبت قبل سنة 70م.
قبلها بكم سنة؟
الكثير من أسفار العهد الجديد كتب قبل سنة 62م (بعد موت وقيامة يسوع بحوالي 30 سنة): تخيل هذا: أنت طبيب بشري تعيش في القرن الأول، وقد بدأت مشروعاً بحثياً لتسجيل أحداث الكنيسة الأولى. وهذا البحث يتطلب منك أن تجري لقاءات مع شهود عيان من الكنيسة الأولى وأن تسافر مع الرسول بولس في زياراته للكنائس الجديدة في أنحاء العالم القديم.
وأنت تسجل الأحداث البارزة في حياة الكنيسة مثل الأعمال المبكرة التي قام بها يوحنا وبطرس، وكذلك استشهاد استفانوس ويعقوب (أخي يوحنا). وتسجل كل شيء في حياة بولس بدءًا بالعظات، والضربات، والمحاكمات، وانتهاءً بحوادث انكسار السفن والسجن عدة مرات. وتسجل أيضاً المجمع اللاهوتي الذي عقده مع بطرس ويعقوب أخي يسوع قائد كنيسة أورشليم.
وإذ تصف الكثير من هذه الأحداث، تعج روايتك بتفاصيل يفهم منها كل قارئ مُطَّلع أنك إما تستند على شهادة شهود عيان أو أنك أنت نفسك شاهد عيان. فمثلاً، بينما تتبع بولس في رحلاته تنتقل من استخدام الضمير “هم” إلى الضمير “نحن”، وتسجل بدقة أسماء الساسة المحليين، واللغة العامية المحلية، وأنماط الطقس المحلي، والتضاريس المحلية، والممارسات التجارية المحلية، بل إنك تسجل كذلك عمق المياه بدقة إذ تقول نحو ربع ميل من مالطة بينما كانت سفينتكم على وشك الرسو أثناء هبوب العاصفة! والحقيقة أنك تسجل ما لا يقل عن 84 من هذه التفاصيل في النصف الأخير من روايتك.
سؤال: بما أنه يتضح أنك مهتم بتسجيل كل هذه التفاصيل الفرعية، فلو كان موضوعك الرئيسي، ألا وهو الرسول بولس، قد أعدم على يد الإمبراطور الروماني نيرون، هل تظن أنك كنت ستسجل هذا الحدث؟ أو لو كان أخو يسوع، قائد كنيسة أورشليم، قد قتل على يد السنهدريم، وهو نفس المجمع اليهودي الذي حكم بموت يسوع، أتظن أنك كنت ستسجل هذا الحدث؟ بالطبع. وإن لم تدون هذه الأحداث الكبرى، نكون محقين عندما نفترض أنك كتبت روايتك قبل موتهما.
وهذا هو الوضع الذي نجده في العهد الجديد. فلوقا الطبيب يدون بمنتهى الدقة كافة التفاصيل في سفر الأعمال الذي يسجل تاريخ الكنيسة الأولى (في الفصل التالي قائمة تضم 84 معلومة تفصيلية ثابتة تاريخياً). إن لوقا يسجل موت شهيدين مسيحيين (استفانوس، ويعقوب أخي يوحنا)، ولكن روايته تنتهي باثنين من أبرز القادة (بولس، ويعقوب أخي يسوع) على قيد الحياة.
وينتهي سفر أعمال الرسل فجأة بالرسول بولس قيد الإقامة الجبرية في روما، دون ذكر لموت يعقوب. ونعرف من أكليمندس الروماني Clement of Rome الذي كتب في أواخر القرن الأول، ومن غيره من آباء الكنيسة الأوائل، أن بولس أعدم أثناء حكم نيرون الذي انتهي سنة 68م. ونعرف من يوسيفوس أن يعقوب قتل سنة 62م. إذن يمكننا أن نستنتج بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن سفر الأعمال كتب قبل سنة 62م.
إن كنت غير مقتنع حتى الآن، خذ هذا المثال المشابه من تاريخنا الحديث: هب أن شخصاً كتب كتاباً يسجل الأحداث المرتبطة بالشخصيات الرئيسية في حركة الحقوق المدنية التي انطلقت في ستينات القرن العشرين. يبدأ الكتاب باغتيال الرئيس جون كنيدي ويتضمن تشريع الحقوق المدنية لسنة 1964، والمسيرات والاحتجاجات التي قادها مارتن لوثر كينج، وكذلك إلقاء القبض عليه وسجنه، وخطبته العظيمة “عندي حلم” I have a dream التي ألقاها في حديقة مول Mall في العاصمة واشنطن.
سؤال: إن انتهى الكتاب بمارتن لوثر كينج، قائد الحركة شخصياً، على قيد الحياة، فما الاستنتاج الذي ستتوصل إليه بخصوص زمن كتابة الكتاب؟ واضح أنه قبل اغتياله في نيسان/أبريل 1968. وهو ما ينطبق على رواية لوقا. فكتابه ينتهي بالقادة الأساسيين على قيد الحياة، وهو ما يعني أنه انتهى من كتابته سنة 62 على أقصى تقدير (يسوق كولين همر Colin Hemer الباحث في اليونانية واللاتينية القديمة ثلاثة عشر سبباً إضافياً تعلل أن سفر الأعمال كتب سنة 62 على أقصى تقدير).
إن كان سفر الأعمال قد كتب سنة 62 على أقصى تقدير، إذن إنجيل لوقا كتب قبل ذلك. كيف نعرف هذا؟ لأن لوقا يذكر ثاوفيلس (الذي كان غالباً من كبار المسؤولين الرومان)، المتلقي الأصلي لسفر الأعمال أنه كتب له فيما سبق. فأول آية في سفر الأعمال تقول: «الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس، عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به». “الكلام الأول” لا بد أن يكون إنجيل لوقا لأن لوقا يوجهه إلى ثاوفيلس أيضاً (لوقا 1: 1-4، انظر الشاهد أدناه).
فما الفارق الزمني بين إنجيل لوقا وسفر الأعمال؟ من المنطقي أن يكون تاريخ إنجيل لوقا سنة 60م أو قبلها. لماذا؟ لأن سنة 62 هي أقصى تقدير لتاريخ كتابة سفر الأعمال، ولا بد من وجود قارق زمني بين كتاب لوقا الأول إلى ثاوفيلس وكتابه الثاني. فإن كان سفر الأعمال كتب سنة 62م على أقصى تقدير (وغالباً قبل ذلك)، إذن من الواقعي أن يكون إنجيل لوقا قد كتب سنة 60 أو قبلها.
وهذا التاريخ منطقي أيضاً نظراً لأن بولس يقتبس من إنجيل لوقا. فبولس، وهو يكتب فيما بين سنة 62 وسنة 65م، اقتبس من لوقا 10: 7 وسماه “الكتاب” (1تيموثاوس 5: 18) إذن لابد أن إنجيل لوقا كان متداولاً قبل ذلك الوقت بفترة كافية تسمح لكل من بولس وتيموثاوس أن يعرفا محتواه ويعتبراه جزءًا من الكتاب المقدس. (بالمناسبة هذا الزعم الذي يقوله بولس ليس بالأمر الهين. فهو يعني أن بولس يؤكد تأكيداً جريئاً مفاده أن إنجيل لوقا موحى به تماماً مثل الكتاب المقدس اليهودي، أي العهد القديم الذي كان يقدره أيما تقدير).
فإن كان لوقا قد كتب سنة 60م على أقصى تقدير، إذن مرقص لا بد أن يكون قد كتب فيما بين منتصف وأواخر الخمسينات إن لم يكن قبل ذلك. لماذا؟ لأن لوقا يقول إنه جمع الحقائق من مصادر منسوبة لشهود عيان:
إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزير ثاوفيلس لتعرف صح الكلام الذي علمت به (لوقا 1: 1-4).
يعتقد معظم الباحثين أن إنجيل مرقص كان أحد هذه المصادر المنسوبة لشهود عيان. وإن كانت قصاصات البحر الميت التي ذكرناها سلفاً تنتمي فعلاً للفترة بين سنة 50 وسنة 70م، إذن مؤكد أن مرقص أقدم من لوقا. ولكن حتى إن لم يكن مرقص قبل لوقا، فبما أننا نعرف بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن لوقا قبل سنة 62 وأنه غالباً قبل سنة 60م، إذن نحن عندنا شهادة شهود عيان مسجلة بمنتهى الدقة ومكتوبة في غضون 25 أو 30 سنة من موت يسوع ودفنه وقيامته.
وهو وقت مبكر جداً بحيث يستحيل أن تكون الرواية مجرد أسطورة تقليدية. وهو ما يعني أيضاً أن المصادر المنسوبة لشهود العيان ترجع إلى تاريخ أقدم من ذلك. أقدم منه بمقدار كم سنة؟
بعض أسفار العهد الجديد كتب في الأربعينيات والخمسينيات، وبعض المصادر من الثلاثينيات (عقب موت يسوع بسنوات قليلة): على قدر يقيننا بخصوص تاريخ سجلات لوقا، فما من باحث، بما فيهم أكثر الباحثين ليبرالية، يشك أن بولس كتب رسالته الأولى إلى كنيسة كورنثوس (التي تقع في اليونان الحالية) بين عامي 55 و56م. ويتحدث بولس في هذه الرسالة عن مشكلات أخلاقية في الكنيسة. ثم ينتقل إلى مناقشة خلافات حول الألسنة والنبوات وعشاء الرب. وهو ما يبين طبعاً أن كنيسة كورنثوس كانت تختبر نوعاً من النشاط المعجزي وكانت تمارس عشاء الرب في غضون 25 سنة من القيامة.
ولكن أهم جانب في هذه الرسالة أنها تحوي أقدم وأصدق شهادة عن القيامة نفسها. ففي الأصحاح الخامس عشر من كورنثوس الأولى، يسجل بولس الشهادة التي تلقاها من الآخرين والشهادة التي تأكد صدقها عندما ظهر له المسيح:
فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنه دفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب. وأنه ظهر لصفا ثم للاثني عشر. وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمس مئة أخ أكثرهم باقٍ إلى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين. وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا (1كورنثوس 15: 3-8).
من أين أتى بولس بما “قبله”؟ محتمل أنه قبله من بطرس ويعقوب عندما زارهما في أورشليم بعد تحوله للإيمان بثلاث سنوات (غلاطية 1: 18). ما أهمية ذلك؟ كما يشير جاري هابرماس Gary Habermas، معظم الباحثين (حتى الليبراليين) يعتقدون أن هذه الشهادة كانت جزءًا من قانون إيمان مبكر يعود تاريخه إلى القيامة نفسها، أي عقب القيامة بما يتراوح بين ثمانية عشر شهراً وثماني سنوات، ولكن البعض يقولون إنها أقدم من ذلك[9].
فمن المستحيل بأي حال أن تصف هذه الشهادة أسطورة لأنها تعود مباشرة إلى زمان ومكان الحدث نفسه[10]. فإن كان هناك مكان يستحيل أن تحدث فيه قيامة خيالية أسطورية، فهذا المكان هو أورشليم؛ لأن اليهود والرومان كانوا يتوقون إلى سحق المسيحية وكان يمكنهم أن يفعلوا ذلك بسهولة بأن يطوفوا شوارع المدينة بجسد يسوع.
لاحظ، بالإضافة إلى ذلك أن بولس يستشهد بأربعة عشر شاهد عيان معروفين بالاسم: الرسل الاثني عشر، ويعقوب، وبولس نفسه (“صفا”) وهو الترجمة الآرامية لبطرس)، ثم يشير إلى ظهور شهده أكثر من 500 آخرين دفعة واحدة. وكان من بين تلك الجماعات أحد الشكوكيين وهو يعقوب، وعدو لدود هو بولس نفسه. وإذ يعدد بولس كل هؤلاء الأشخاص الذين يثبتون ما يقول، يتحدى القراء الكورنثيين للتحقق من كلامه. هو ما يعبر عنه وليم ليلي William Lillie أستاذ الكتاب المقدس قائلاً:
ما يجعل من هذه القائمة حجة مرجعية خاصة باعتبارها دليلاً تاريخياً هو الإشارة إلى أن معظم الخمسمائة آخ باق إلى الآن. وكأن القديس بولس يقول: إن كنتم لا تصدقونني، يمكنكم أن تسألوهم”. إن هذا التصريح المذكور في رسالة أصلية دون أدنى شك، كتبت في غضون ثلاثين عاماً عقب الحدث، يمثل أقوى دليل يتمنى المرء الحصول عليه على حدث وقع ما يقرب من ألفي عام.
لو أن القيامة لم تحدث، لماذا يسرد بولس قائمة كهذه من شهود عيان افتراضيين؟ لو فعل ذلك لفقد مصداقيته فوراً عند قرائه الكورنثيين بسبب كذبة متبجحة كهذه.
وبالإضافة إلى كورنثوس الأولى، هناك العديد من وثائق العهد الجديد الأخرى التي كتبت في الخمسينات أو قبلها. غلاطية (48م)، وتسالونيكي الأولى (50-54)، ورومية (57-58) تدخل كلها ضمن هذه الفئة. والحقيقة (ونحن نعلم أننا قد نكون الآن في موقف خطير وليس أمامنا فرصة للتراجع) أن كل أعمال بولس لا بد أن تكون قد كتبت قبل موته الذي حدث نحو منتصف الستينيات.
ولكن ليس الباحثون المحافظون فقط هم من يعتقدون في هذه التواريخ المبكرة. بل حتى بعض النقاد الأشداء مثل الملحد جون أ. ت. روبنسون John A. T. Robinson يعترفون أن أسفار العهد الجديد كتبت مبكراً. ورغم أن روبنسون معروف بالدور الذي لعبه في إطلاق حركة “موت الله” Death of God، فقد كتب كتاباً ثورياً بعنون “إعادة تأريخ العهد الجديد”Redatingthe New Testament حيث قال بأن معظم أسفار العهد الجديد، بما فيها الأناجيل الأربعة جميعاً، كتبت بين سنة 40 وسنة 65م.
وعالم الآثار العظيم والليبرالي السابق وليم ف. أولبرايت William F. Albright بعد أن رأى مدى توافق العهد الجديد مع البيانات الأثرية والتاريخية، كتب: «يمكننا أن نؤكد فعلياً أنه لم يعد هناك أي أساس متين لتأريخ أي سفر من أسفار العهد الجديد بعد نحو سنة 80م». وقد قال أولبرايت في مناسبة أخرى «في رأيي كل سفر من أسفار العهد الجديد كتبه أحد اليهود الذي تحولوا إلى المسيحية بعد الأربعينيات والثمانينيات من القرن الأول (غالباً فيما بين نحو سنة 50 وسنة 75م)».
إذن نحن نعلم بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن معظم أسفار العهد الجديد، إن لم يكن كلها، ترجع لتاريخ مبكر. إلا أن الشكوكيين ما زالت عندهم بعض الاعتراضات.
محامي الشكوك
الوثائق ليست مبكرة بما يكفي
بعض الشكوكيين قد يعتقدون أن فجوة زمنية من 15 إلى 40 سنة بين حياة المسيح والكتابات التي تتحدث عنه واسعة جداً بحيث لا نستطيع أن نثق في مصداقية الشهادة. ولكنهم مخطئون.
فكر في الأحداث التي وقعت منذ 15 إلى 40 عاماً. عندما يكتب المؤرخون عن تلك الأحداث، لا نقول: «هذا مستحيل! لا يستطيع أحد أن يتذكر أحداثاً من هذا الزمن البعيد!» واضح أن هذه الشكوكية لا مبرر لها. فالمؤرخون اليوم يكتبون بدقة عن أحداث وقعت في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين بالرجوع إلى ذاكرتهم، وذاكرة غيرهم من شهود العيان، وأي مصادر مكتوبة من هذا العصر.
وهي العملية نفسها التي استخدمها كُتاب العهد الجديد لتسجيل وثائقهم. فلوقا أجرى حوارات مع شهود عيان، مثل أي صحفي ماهر[11]. وكما سنرى في الفصل التالي، بعض كُتاب العهد الجديد كانوا هم أنفسهم شهود عيان. ومن ثم تمكنوا أن يتذكروا أحداثاً عمرها 15 إلى 40 سنة بسهولة شديدة، مثلك تماماً. لماذا تستطيع أن تتذكر جيداً أحداثاً معينة منذ 15 إلى 40 سنة، بل أكثر (إن كنت أكبر سناً)؟ قد تستطيع أن تتذكر أحداثاً معينة لأنها تركت فيك أثراً نفسياً كبيراً. (الحقيقة أن كبار السن منا يستطيعون أن يتذكروا بعض الأحداث منذ 30 سنة أفضل مما يتذكرون أحداثاً منذ 30 دقيقة).
أين كنت وماذا كنت تفعل عندما اغتيل الرئيس كنيدي؟ عندما انفجر المكوك الفضائي تشالنجر Challenger؟ عندما صدمت الطائرة الثانية البرج؟ لماذا تقدر أن تتذكر تلك الأحداث جيداً؟ لأنها تركت فيك أثراً نفسياً عميقاً. وبما أنه من المؤكد أن حدثاً مثل القيامة ترك أثراً نفسياً عميقاً في كُتاب العهد الجديد وغيرهم من شهود العيان الذين ربما استشارهم الكتاب. إذن من السهل أن نفهم لماذا يمكن تذكر تاريخ يسوع بسهولة بعد سنوات كثيرة. خاصة في ثقافة اعتمدت لزمن طويل على الشهادة الشفهية (مزيد حول هذا الموضوع أدناه).
علاوة على ذلك، إن كانت الأعمال الكبرى في العهد الجديد عبارة عن روايات شهود عيان كتبت في غضون جيلين من وقوع الأحداث، إذن ليس من المحتمل أن تكون حكايات أسطورية. لماذا؟ لأن البحث التاريخي يبين أن الأسطورة لا تقوى على إزاحة الحقائق التاريخية طالما شهود العيان باقون على قيد الحياة. ولذلك، يصف المؤرخ الروماني أ. ن. شروين-وايت A. N. Sherwin-White المنظور الأسطوري للعهد الجديد بأنه «غير قابل للتصديق».
ويكتب وليم لين كريج قائلاً: «تبين الاختبارات أن جيلين وقت قصير جداً لا يسمح للميول الأسطورية أن تكتسح جوهر الحقيقة التاريخية الصلب». ففي هذين الجيلين، لا يزال شهود العيان أحياء مما يمكنهم من تصحيح أخطاء المحرفين التاريخيين.
ونحن نرى هذا الميل حالياً بخصوص الهولوكوست. ففي مطلع القرن الحادي والعشرين بدأنا نرى البعض يزعمون أن الهولوكوست لم يحدث مطلقاً. لماذا يحاول المحرفون أن يقولوا ذلك الآن؟ لأن معظم شهود العيان ماتوا. ولكن لحسن الحظ أننا سجلنا شهادة شهود العيان عن الهولوكوست كتابةً، وبذلك لم ينجح المحرفون في نشر أكاذيبهم على أنها الحقيقة. وهو ما ينطبق على العهد الجديد. إن كان العهد الجديد قد كتب خلال 60 سنة من الأحداث التي يسجلها، فمن المستبعد تماماً أن تكون تلك الأحداث أسطورية. وكما رأينا، كل وثائق العهد الجديد كتبت في خلال 60 سنة من الأحداث، والكثير منها كتب قبل ذلك بكثير.
لماذا لم تكتب قبل ذلك؟
وهنا قد يقول الشكوكي: «جميل. العهد الجديد يرجع لتاريخ مبكر، ولكنه ليس مبكراً كما كنت تتوقع. فلماذا لم يكتبوا شهادتهم قبل ذلك؟ لو رأيت ما يقولون إنهم رأوه، لما انتظرت 15 أو 20 سنة حتى أدونه». هناك عدد من الأسباب المحتملة للانتظار:
أولاً، بما أن كتاب العهد الجديد كانوا يعيشون في ثقافة الغالبية العظمى من أهلها أميون، لم تظهر حاجة ولا فائدة في البداية لتدوين الأحداث. فأهل فلسطين في القرن الأول تدربوا بالضرورة على تقوية ذاكرتهم حتى يتذكروا المعلومات وينقلوها. وفي هذا الصدد يكتب كريج:
في ثقافة شفيهة مثل ثقافة فلسطين في القرن الأول كان القدرة على حفظ واختزان كميات ضخمة من التقليد الشفهي مهارة قوية وتحظى بتقدير كبير. فمنذ الصغر كان الأطفال في البيت، والمدرسة الابتدائية، والمجمع يتعلمون أن يحفظوا التقليد المقدس بأمانة. وهو ما فعله التلاميذ مع تعاليم يسوع.
وفي مثل هذه الثقافة الشفهية، من المتوقع أن الحقائق المختصة بيسوع حفظت في قالب يسهل تذكره. ولدينا من الأدلة القوية ما يؤكد ذلك. فقد رصد جاري هابرماس واحداً وأربعين جزءًا صغيراً في العهد الجديد يبدو أنها إقرارات إيمان، أي مقولات موجزة يسهل تذكرها، وأغلب الظن أنها كانت تتداول شفهياً قبل أن تدون (ومنها ما ذكرناه آنفاً في 1كورنثوس 15: 3-8).
ثانياً، حيث أنه غالباً أن بعض كتاب العهد الجديد كانوا يأملون آمالاً كبيرة في أن يسوع سيأتي ثانية في حياتهم، لم يروا حاجة ملحة لكتابة أسفار العهد الجديد. ولكنهم عندما بدأوا يتقدمون في العمر، ربما رأوا أنه من الحكمة أن يدونوا ملاحظاتهم على البردي.
ثالثاً، عندما أخذت المسيحية تنتشر في أنحاء العالم القديم، أصبحت الكتابة أكثر الوسائل فاعلية في التواصل مع الكنيسة التي كانت تمتد سريعاً. وهو ما يعني أن الزمن والمسافة أجبرا كتاب العهد الجديد على كتابته.
ومن ناحية أخرى، من المحتمل أنه لم تكن هناك فجوة زمنية في حالة إنجيل واحد على الأٌقل. فإن كانت تلك القصاصات التي عثر عليها في مخطوطات البحر الميت فعلاً من إنجيل مرقص (والاحتمال الأكبر أنها كذلك)، إذن من المحتمل أن ذلك الإنجيل كتب في الثلاثينيات. لماذا؟ لأن القصاصات عبارة عن أجزاء من نسخ، وليست من الأصل. فإن كان عندنا نسخ من الخمسينيات، إذن لا بد أن الأصل أقدم[12].
فضلاً عن ذلك، يعتقد الكثير من الدارسين أنه كانت هناك مصادر قبل الأناجيل، ففي الحقيقة لوقا في الأعداد الأربعة الأولى من إنجيله يقول إنه رجع لمصادر أخرى، وإن كان من المحتمل أن بعضها أناجيل أسبق (مثلاً متى ومرقص)[13]. فهل كان إنجيل مرقص أحد مصادره؟ لسنا نعلم على وجه اليقين.
ولكن من المؤكد أن لوقا يتحدث عن عدة مصادر أخرى مكتوبة، لأنه يقول «إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا» (لوقا 1: 1). فمن المحتمل أن لوقا رجع إلى إنجيل مرقص وغيره من الشهادات المكتوبة بما فيها سجلات المحكمة العامة المختصة بمحاكمة يسوع.
وفي النهاية، ليس المهم ما إذا كانت هناك مصادر مكتوبة تسبق العهد الجديد. ولا المهم ما إذا كان مرقص قد كتب في الثلاثينيات من القرن الأول. لماذا؟ لأن الوثائق المعروفة لدينا على وجه اليقين ترجع لتاريخ مبكر بما يكفي وتحتوي على مادة من مصادر مبكرة. وكما سنرى في الفصل التالي، الكثير من وثائق العهد الجديد إن لم يكن كلها كتبت بيد شهود عيان أو معاصريهم في خلال 15 إلى 40 سنة من حياة يسوع، وبعضها يتضمن شهادات أخرى مكتوبة أو شفهية تعود إلى تاريخ القيامة نفسها. أي أن القضية الأهم ليست تاريخ الكتابات، بل تاريخ المصادر المستخدمة في الكتابات.
لماذا لا نجد وثائق أكثر؟
قد يتساءل الشكوكيون: «إن كان يسوع قد قام حقاً من الأموات، أما كان يجب أن يكتب عنه أكثر من ذلك؟» ورداً على ذلك نقول إن عندنا بالفعل شهادات أكثر مما نتوقع، ومؤكد أنها أكثر من كافية لتأكيد ما حدث بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. وكما رأينا، عدد الكتاب الذين يشيرون إلى يسوع يتجاوز بكثير عدد الكتاب الذين يشيرون إلى الإمبراطور الروماني في عصره (الكتاب الذين أشاروا إلى يسوع 43 مقابل 10 أشاروا إلى طيباريوس في غضون 150 سنة من حياتهما).
وتسعة من أولئك الكتاب كانوا شهود عيان أو معاصرين للأحداث، وقد كتبوا 27 وثيقة، ومعظمها تذكر القيامة صراحة أو ضمناً. وهو أكثر من كاف لتأكيد تاريخية يسوع.
أما للذين ما زالوا يعتقدون أنه كان يجب أن يوجد المزيد من الوثائق المكتوبة عن يسوع، يقدم أستاذ العهد الجديد كريج بلومبرج أربعة أسباب تبين عدم منطقية هذا التوقع:
البدايات المتواضعة للمسيحية.
موقع فلسطين النائي على الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية.
ضآلة أعمال المؤرخين اليونانيين الرومان القدماء التي ظلت باقية (وقد يرجع ذلك إلى الفقد، أو الفناء، أو التدمير، أو كل ما سبق).
قلة اهتمام الوثائق التاريخية الباقية بالشخصيات اليهودية عموماً.
ومع ذلك، لا يزال بعض الشكوكيين يعتقدون أنه يجب أن تكون هناك شهادة من الخمسمائة الذين يقال إنهم رأوا المسيح المقام. ومنهم الشكوكي فارك تيل Farrell Till. فأثناء مناظرة عن القيامة كان لي (أنا نورم) معه سنة 1994، طالبني قائلاً: «اعرض لنا شهود العيان الخمسمائة أولئك أو أعطنا شيئاً كتبوه، وسنقبل ذلك باعتباره برهاناً أو دليلاً صادقاً».
إنه مطلب غير منطقي لعدة أسباب.
أولاً، كما أشرنا سابقاً، فلسطين في القرن الأول كان ثقافة شفهية. فمعظم السكان كانوا أميين وكانوا يتذكرون المعلومات وينقلونها شفهياً.
ثانياً، كم من شهود العيان أولئك الذين كان معظمهم من الأميين كان سيكتب شيئاً حتى إن كان قادراً على الكتابة؟ وحتى اليوم، مع ارتفاع نسبة القراءة والكتابة وكل وسائل الكتابة الحديثة وأدوات البحث اليسيرة، كم شخصاً تعرفه كتب كتاباً أو حتى مقالاً في أي موضوع؟ كم شخصاً تعرفه كتب كتاباً أو مقالاً في أي حدث تاريخي معاصر، حتى وإن كان حدثاً جللاً مثل 11 سبتمبر؟ غالباً ليسوا كثيرين، ومؤكد أنهم أقل من 1 من 500. (هل كتب فارل تيل طيلة حياته مقالاً في حدث تاريخي كبير شهده؟)
ثالثاً، حتى إن كان بعض هؤلاء الخمسمائة شخص العاديين قد كتبوا ما رأوا، لماذا يتوقع الشكوكيين أن تبقى شهاداتهم لمدة 2000 سنة؟ العهد الجديد ظل باقياً بفضل آلاف المخطوطات التي نسخها الكتبة للكنيسة النامية على مر القرون. فالمؤلفات التاريخية لأعظم المؤرخين القدماء مثل يوسيفوس، وتاسيتس، وبلينيوس لم ييق منها إلا حفنة من النسخ، وتلك النسخ أحدث من الأصول بمئات السنين. فلماذا يظن الشكوكيون أن مجموعة من الفلاحين الجليليين الأميين القدماء يجب أن تكتب أي شيء، ناهيك عن أن يظل هذا الشيء باقياً؟[14]
وأخيراً، نحن نعلم على وجه اليقين أسماء الكثير من الخمسمائة، وشهادتهم مسجلة في العهد الجديد. فمنهم متى، ومرقص، ولوقا، ويوحنا، وبطرس، وبولس، ويعقوب، بالإضافة إلى تسعة مذكورين بالاسم في مواضع أخرى بصفتهم رسلاً (متى 10، أعمال 1).
إذن يجب ألا نتوقع شهادة أكثر مما عندنا عن يسوع. وما عندنا أكثر من كاف لإثبات تاريخيته.
الملخص والخلاصة
لدينا أمور أكثر من ذلك بكثير يجب فحصها بخصوص تاريخية العهد الجديد. ولكن يمكننا حتى الآن أن نتوصل إلى استنتاجين رئيسيين:
1 – لدينا نسخة دقيقة من وثائق العهد الجديد الأصلية:
رغم أن وثائق العهد الجديد الأصلي ليست باقية، أو لم تكتشف حتى الآن. فلدينا نسخ وفيرة ودقيقة من وثائق العهد الجديد الأصلية، أكثر بكثير من النسخ الباقية لأفضل عشرة أعمال مجتمعة من الكتابات القديمة. إضافة إلى ذلك، يمكن إعادة إنشاء الأصول بدقة تكاد تكون تامة وذلك عن طريق مقارنة آلاف النسخ من المخطوطات التي لا تزال باقية. وقد اكتشفنا قصاصات من المخطوطات ترجع إلى مطلع القرن الثاني وربما إلى منتصف القرن الأول، وليس هناك أي من كتابات العالم القديم يقترب من العهد الجديد من حيث قوة تأييد المخطوطات.
تتأكد صحة إعادة الإنشاء بعنصر آخر، ألا وهو آلاف الاقتباسات في كتابات آباء الكنيسة الأوائل. والحقيقة أن العهد الجديد كله، فيما عدا إحدى عشرة آية، يمكن إعادة إنشائه من اقتباساتهم منه فقط.
2 – وثائق العهد الجديد مبكرة وتحتوي على مادة من مصادر أسبق:
بما أن كتاباً آخرين استشهدوا بوثائق العهد الجديد قبل حوالي سنة 100م، إذن مؤكد أن هذه الوثائق كتبت قبل ذلك.
بما أن وثائق العهد الجديد تتحدث عن الهيكل والمدينة على أنهما ما زالا باقيين في زمن الكتابة، وليس هناك ذكر لاندلاع الحرب اليهودية ولا لتدمير الهيكل وأورشليم، إذن الاحتمال الأكبر أن معظم وثائق العهد الجديد كتبت قبل سنة 70م.
لدينا أدلة قوية جداً على أن سفر الأعمال كتب سنة 62 على أقصى تقدير، وهو ما يعين أن إنجيل لوقا أقدم.
لدينا مواد من مصادر يرجع تاريخها إلى الثلاثينيات. وكل المتخصصين تقريباً يتفقون على أن الشهادة الواردة في 1كورنثوس 15 عن موت يسوع ودفنه وقيامته ترجع إلى زمن تلك الأحداث أو في غضون بضع سنوات من وقوعها. بالإضافة إلى ذلك، هناك ما لا يقل عن 40 إقراراً آخر في العهد الجديد يبدو أن أصلها يرجع إلى تاريخ مبكر جداً.
إذن الوثائق من تاريخ مبكر والمصادر أسبق منها. ولكن هذا لا يكفي لإثبات التاريخية بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. ولإثبات التاريخية علينا أن نتأكد أن هذه الوثائق تحوي فعلاً شهادة شهود عيان. فهل هذا هو الحال؟ هذا هو السؤال الذي سنبحثه فيما يلي.
[1] لماذا لم يشر يوسيفوس إلى يسوع أكثر من ذلك؟ يمكننا أن نخمن أن يوسيفوس بصفته مؤرخاً للإمبراطور كان لا بد أن يختار موضوعاته وكلماته بعناية. فقد كان دوميتيان شديد الارتياب من أي شيء قد يكون له ارتباط بالفتن. وهذه الطائفة الجديدة المسماة بالمسيحية ربما اعتبرت مثيرة للفتن؛ لأن المسيحيين كان عندهم هذه المنظومة العقائدية الجديدة الغريبة من رفض عبادة القيصر والآلهة الرومانية. ولذلك، من المؤكد أن يوسيفوس لم يرد إزعاج رئيسه أو مضايقته بالإفراط في كتابة الكثير من التعليقات الإيجابية عن المسيحية. ومع ذلك، هاتان الإشارتان تؤكدان وجود يسوع ويعقوب وتؤيدان روايات العهد الجديد.
[2] انظر أعمال 21: 17؛ 18؛ قارن 15: 13.
[3] المصادر العشرة غير المسيحية هي: يوسيفوس، والمؤرخ الروماني تاسيتس، والسياسي الروماني بلينيوس الأصغر Plins the Younger، وفليجون Phlegon وهو عبد معتق له مؤلفات تاريخية، وثالوس Thallus وهو مؤرخ من القرن الأول، والمؤرخ الروماني سويتونيوس Seutonius، ولوقيان Lucian الكاتب اليوناني الساخر، الفيلسوف الروماني سيلسوس، ومارابار سرابيون Mara Bar-Serapion وهو مواطن كتب لابنه، والتلمود اليهودي. وللاطلاع على قائمة كاملة بكل النصوص التي ذكرت المسيح من هذه المصادر، انظر Norman L.Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics (Grand Rapids. Mick: Baker, 1999) 381-385. انظر أيضاً Gary Habermas, The Historical Jesus (Joplin, Mo.: College Prees, 1996) Chaper 9.
[4] بما أن لوقا ذكر طيباريوس، يكون مجموع الكتاب الذين ذكروا طيباريوس هو 10، انظر Habermas and Licona. Case for the Resurrection of Jesus. أضفنا التلمود اليهودي لقائمة Habermas and Licona لأنه الأرجح كتب في مطلع القرن الثاني، في غضون 150 سنة من موت يسوع. لذا فنحن نعتبرهم 43 إلى 10 بدلاً من 42 إلى 9 التي اقترحوها.
[5] قليل من النقاد اقترحوا بدائل محتملة بخلاف العهد الجديد. ولكن حتى ينجحوا في ذلك كان عليهم أن يغيروا عدد الحروف التي يسعها السطر في النص القديم من العشرينات إلى الستينات في بعض الحالات. ولكن هذا العدد الكبير من الحروف غير محتمل بالمرة. انظر Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics, 547.
[6] لاحظ أن هذا ليس فاصلاً بين الأحداث والكتابات الأصلية. فالفاصل بين الأحداث والكتابات الأصلية أقصر من الفاصل بين النصوص الأصلية والمخطوطات كما سنرى لاحقاً في هذا الفصل.
[7] مغالطة منطقية تستخدم في التاريخ، وهي تحاول أن تثبت خطأ زعم ما لعدم وجود أدلة تثبته. مثال: بما أنه ليس هناك ذكر للحثيين في المصادر اليونانية والرومانية، إذن لا بد أن إشارات الكتاب المقدس إلى الحثيين محض خيال Lange, John “The Argument form Silence” History and Theory, vol 5. No. 3. 1966. Pp. 288-301 (www.jstor.org/stable/2504447) تم الاطلاع عليه بتاريخ 27/ 11/2016 (المترجمة).
[9] معظم الباحثين، إن لم يكن كلهم، يرجعون أصل هذه المادة إلى ما قبل سنة 40م. انظر Gary Habermas, The Historical Jesus (Joplin, Mo: College Press, 1996), 152-157. انظر أيضاً Havermas and Licona, Case of the Restriction of Jesus, forthcoming). Chapter 7.
[10] فضلاً عن ذلك، عندما يكتب بولس “فإنني سلمت إليكم”، فهذا يعني أن يذكرهم بأنه أعطاهم تلك الشهادة من قبل. فرغم أنه كتب إليهم ريما سنة 56، لا بد أنه قالها شفاهة في زيارة سابقة له لكورنثوس، ربما سنة 51م. وهو ما يعني أيضاً أن بولس لابد أنه تسلمها قبل سنة 51 أي أن هذه المعلومة كانت موجودة قبل ذلك الوقت.
[11] إن كان لوقا قد تحاور فعلاً مع شهود عيان كما يزعم، إذن إنجيله يحوي شهادة شهود عيان مبكرة يجب أن نثق بها كما لو كان لوقا قد شهد الأحداث بنفسه. فشهادة شهود العيان تعتبر مادة من مصدر أساسي حتى لو سجلت فيما بعد على يد شخص آخر.
[12] يعتقد بعض الدارسين بوجود دليل عرضي آخر على أن مرقص كتب في الثلاثينيات. فمرقص يذكر رئيس الكهنة خمس مرات ولكنه لا يذكر اسمه. ولكن الأناجيل الثلاثة الأخرى تذكر أن اسمه قيافا. فلماذا لا يذكره مرقص بالاسم؟ ربما لأن قيافا كان رئيس الكهنة أثناء كتابة مرقص لإنجيله، لذا لم تكن هناك ضرورة لذكر اسمه. إن كان ذلك صحيحاً، إذن مرقص كتب قبل سنة 37م لأن هذا هو وقت انتهاء رئاسته للكهنوت (يوسيفوس، الآثار، 18: 3، 4).
[13] يعتقد بعض الدارسين أن كتاب العهد الجديد استخدموا سجلات مكتوبة تسبق الأناجيل. ويبدو أن لوقا 1: 1 يؤكد ذلك. إلا أن الكثير من الباحثين الليبراليين يرجحون أن الأناجيل ليس روايات شهود عيان ولكنها اشتقت من مصدر لم يكتشف بعد يعرف باسم “Q”. ولكننا سنرى في الفصل القادم ما يؤكد أن كتبة العهد الجديد كانوا بالفعل شهود عيان. للاطلاع على تحليل نقدي مهم للنقد الكتابي وفكرة وجود مصدر “Q” اقتبس منه كتاب العهد الجديد، راجع هذا الكتاب بقلم إتا لينمان Eta Linnemann أحد مؤيدي المصدر “Q” سابقاً Eta Linnemann, Biblical Criticism on Trial (Grand Rapids. Mich.: Kreged, 2001) انظر أيضاً Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics, 618-621.
[14] على سبيل المصادفة أنه بالرغم من عدم وجود وثائق من الخمسمائة شخص، فإدراجهم مع شهود العيان الأربعة عشر المذكورين بالاسم يجعل رؤيتهم للمسيح المقام ليس اختراعاً من بولس. وسنناقش ذلك بمزيد من التفصيل في الفصل العاشر.
الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد
الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد
من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان؟
“في المدرسة الثانوية علَّموني أن الضفدع الذي يتحول إلى أمير قصة خيالية.
وفي الجامعة علَّموني أن الضفدع الذي يتحول إلى أمير قصة حقيقية.”
“رون :كارلسون” Ron Carlson
في فيلم “اتصال” Contact، تلعب جودي فوستر Jodie Foster دور عالِمة ضمن فريق برنامج “البحث عن ذكاء من خارج الأرض” (“ستي”) Search for Extra-Terrestrial Intelligence (SETI). وبرنامج “ستي”، الذي هو عبارة عن منظمة حقيقية، يضم علماء يمكنهم مسح الفضاء للعثور على علامات صريحة تبين وجود حياة ذكية. فممَّ تتألف العلامة الصريحة على وجود حياة ذكية؟ من رسالة. هذا صحيح. شيء من قبيل “أَخْرِج القمامة-ماما”.
وفي الفيلم تشتعل جودي حماسةً عندما يلتقط الهوائي موجات راديو يبدو أنها تتسم بنمط ذكي، وتقول مندهشة: “واحد، اثنان، ثلاثة، خمسة، سبعة،11…أولية!” (تقصد أعدادًا أولية). “مستحيل أن تكون ظواهر طبيعية!”
فعلاً، موجات الراديو العشوائية يمكن إنتاجها طبيعيًا، ولكن الموجات التي تحوي رسالة دائمًا ما تأتي من مصدر ذكي. والأعداد الأولية، من واحد إلى 101 بالترتيب، تشكل رسالة لا تصدر إلا من كائن ذكي.
وجودي الآن واثقة أنها عثرت على شيء من خارج الأرض، فتعلن عن اكتشافها. ومن ثم يتجه مسؤولون من الحكومة والجيش إلى مكان عملها. ويسألها أحدهم بنبرة ساخرة: “لو كان هذا مصدرًا ذكيًا، فلماذا لا يتحدث الإنجليزية؟”
فتجيب جودي بحزم: “لأن الرياضيات هي اللغة العالمية الوحيدة!”
وهي بالطبع على صواب. ففي الحقيقة الأبجديات، وبالتالي اللغة نفسها، يمكن اختزالها نهائيًا إلى أعداد. ولذلك الأبجدية الإنجليزية متماثلة رياضيًا مع الأبجدية الوراثية للـDNA ، وتشبيه معلومات الخلية بالموسوعات يمثل علاقةٌ تامةُ التطابِق وليس مشابهة جزئية.
ورغم أن جودي وزملاءها يكتشفون فيما بعد رسالة أكثر تعقيدًا متضمَّنة في موجات الراديو، فهم على يقين تام أن الأعداد الأولية وحدها تبرهن على أن الرسالة صادرة من حياة ذكية. ولكن ما سِرُ يقينهم؟ السر هو أن الملاحظات المتكررة تخبرنا أن الكائنات الذكية فقط هي مَنْ تخلُق رسائل، وأن القوانين الطبيعية لا تفعل ذلك أبدًا. فعندما نرى سلسلة من العداد الأولية، ندرك أنها تتطلب مسببًا ذكيًا تمامًا مثل رسائلك “أَخْرج القملمة-ماما”،” ماري تحب سكوت”.
ومن المضحك أن فيلم “اتصال” مأخوذ عن رواية للراحل كارل ساجان Carl Sagan، وهو تَطَوُّري متشدد آمن بالتوليد التلقائي ولعب دورًا فعالاً في إطلاق برنامج “سيتي” في الواقع. والمضحك في الأمر أن ساجان كان مقتنعًا تمامًا أن سلسلة بسيطة من الأعداد الأولية تبرهن على وجود كائن ذكى، ولكن ما يعادل 1000 موسوعة في الحياة الأولى وحيدة الخلية لا يبرهن على ذلك. إن عدم الاعتقاد في الله يتطلب قدرًا كبيرًا من الإيمان. أكبر مما نملك!
المحتوى المعلوماتي للمخ البشري مُعبَّرًا عنه بوحدات البِت[1] غالبًا ما يعادل مجموع عدد الاتصالات فيما بين العصبونات (الخلايا العصبية أو النيورونات neurons)، حوالي مائة تريليون بِت. ولو كُتِبَت هذه المعلومات بالإنجليزية لملأت حوالي عشرين مليون مجلدًا، وهو ما يعادل ما تحويه أكبر مكتبات العالم. إن ما يعادل عشرين مليون كتابًا يسكن داخل رأس كلٍّ منا. فالمخ هو مكان كبير جدًا في مساحة صغيرة جدًا. … والكيمياء العصبية للمخ مشغولة على نحو يثير الإندهاش. إنها عبارة عن مجموعة دوائر كهربية لماكينة تفوق في روعتها كل ما هو من صُنْع البشر.
من المحتمل أن تقدير ساجان لمحتوى المخ المعلوماتي بعشرين مليون كتابًا هو تقدير أقل من الواقع. ومع ذلك حتى هذا الرقم مذهل. وحتى تُكوِّن عنه تصورًا، تخيل نفسك في الصالة الرئيسية لمُجَمَّع ماديسون سكوير جاردن Madison Square Garden قبل بدء مباراة كرة سلة بعد ساعات. وليس هناك أحد غيرك في الساحة، وأنت تنظر إلى ما يقرب من 20 ألف مقعد فارغ تحيط بك جميعًا. فكم عدد الكتب التي يجب أن تضعها فوق بعضها البعض على كل مقعد بحيث تضع عشرين مليون كتاب في تلك الساحة؟
يجب أن تضع 1000 كتاب فوق بعضها على كل مقعد على حدة حتى تستطيع أن تُدخل عشرين مليون كتاب في ماديسون سكوير جاردن. فكِّر فيها. فارتفاع السقف لا يكفي هذا العدد من الكتب. لذان ستضطر لتفجير السقف حتى تستمر في تكويم الكتب فوق بعضها! هذه هي كمية المعلومات المحددة والمعقدة الموجودة فيما بين أذنيك. وبالحقيقة أصاب ساجان في قوله إن المخ مكان كبير جدًا في مساحة صغيرة جدًا، وهو شيء أكثر تعقيدًا بما لا يقاس من كل ما هو من صُنع البشر.
فلنراجع الحقائق: أدرك ساجان أن المخ البشري يضم محتوى من المعلومات يبلغ عشرين مليون كتاب. وقد أدرك أيضًا أن هذا المحتوى أكثر تحديدًا وتعقيدًا بما لا يقاس من سلسلة أعداد أولية. إذَن لماذا اعتقد أن الرسالة الأبسط تتطلب كائنًا ذكيًا ولكن رسالة طولها عشرين مليون كتاب لا تتطلب ذلك؟ ويمكننا أيضًا أن نسأل ساجان وإخوانه الداروينيين سؤالاً آخر بنفس الأهمية تقريبًا: إن كان البشر الأذكياء لا يستطيعون أن يصنعوا أي شيء يقترب من المخ البشري، فلماذا نتوقع من القوانين الطبيعية غير الذكية أن تفعل ذلك؟
عادةً ما تشتمل إجابة الداروينيين على فكرة “الانتخاب الطبيعي”. فهل هذا يكفي لتفسير الشكال الجديدة من الحياة؟ فمهما كان، المسافة بين خلية واحدة والمخ البشري مسافة طويلة.
ماذا عن الأشكال الجديدة من الحياة؟
قبل أن نناقش أصل الأشكال الجديدة من الحياة، يجب أن نراجع مشكلة أصل أول حياة. مؤكد أن المسافة طويلة بين خلية واحدة والمخ البشري، ولكن المسافة بين المواد الكيميائية غير الحية وأول خلية قد تكون أطول بكثير. وهذه هي أصعب مشكلة تواجه الداروينيين. فمن أين أتت أول حياة؟
هل ترى ضخامة هذه المشكلة التي تواجه الداروينيين؟ فإن لم يكن عند الداروينيين تفسير لأول حياة، فما الفائدة من الحديث عن أشكال جديدة من الحياة؟ فعملية الماكرو تطور، إن كانت ممكنة أصلاً، لا يمكنها حتى أن تبدأ إلا إذا كانت هناك حياة سابقة الوجود.
ولكن كما رأينا في الفصل السابق، هذه المشكلة لا تثني الداروينيين. فهم يسيرون عكس كل الأدلة التجريبية والجنائية، ويختلقون قصة “بلا دليل” عن التولد التلقائي أو “البانسبرميا” تعطيهم، بشكل سحري، الحياة الأولى التي يحتاجونها. وهذا ليس علمًا، بل نكتة. وهو فعليًا يُذَكِّرنا بنكتة، فقد اعتاد ستيف مارتن Steve Martin أن يقول: “أَعْرِف كيف يمكنك أن تصبح مليونيرًا دون أن تدفع ضرائب أبدًا! أولاً، احصل على مليون دولار، والآن…”.
بل إن موقف الداروينيين ينطوي على إشكالية أكبر عندما تأخذ في اعتبارك أنهم لا يملكون حتى تفسيرًا لمصدر المواد الكيميائية غير الحية، فما بالك أن يجدوا تفسيًرا للحياة. وكما رأينا في الفصل الثالث، من أعمق الأسئلة التي يمكننا أن نطرحها: “إن لم يكن الله موجودًا، فلماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟” وقد رأينا أن الملحدين لا يملكون إجابة معقولة على هذا السؤال. فاقتراحهم لبعض الاحتماليات الممكنة ليس كافيًا، ولكن عليهم أن يقدِّموا دلائل إن أرادوا أن يكونوا علميين.
إلا أنه من الواضح أنهم لا يعلمون من أين أتى الكون. وسطح العلبة (المنظور الفلسفي للحياة) يجب أن يتمكن من تقديم تفسير معقول لكل البيانات. فإن لم يتمكن من الإجابة عن الأسئلة الأساسية المختصة بأصل العالم أو صل الحياة، فهو لا يصلح أن يكون سطح علبة. وعندئذٍ يجب البحث عن بديل.
ورغم أننا نرى أن سطح العلبة الدارويني معيب في أساسه، يجب أن ننظر في بضعة مزاعم يطلقها الداروينيين بخصوص أصل الأشكال الجديدة في الحياة. ونظريتهم هي الماكرو تطور.
الميكرو تطور مقابل الماكرو تطور
لعلك تتذكر الماكرو تطور: من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان. وهو يتلخَّص في الاعتقاد بأن كل أشكال الحياة انحدرت من سَلَف مشترك، هو الكائن الأول وحيد الخلية، وكل هذا حدث بعمليات طبيعية دون أي تدخل ذكي. فالله لا يدَّ له في هذا الموضوع. ولكنها عملية عمياء تمامًا.
ويقول الداروينيون إن هذا حدث بالانتخاب الطبيعي. ولكن مصطلح “الانتخاب الطبيعي” تسمية خاطئة. فبما أن عملية التطور تخلو من الذكاء بطبيعة الحال، فهي لا تنطوي على أي “انتخاب” على الأطلاق. إنها عملية عمياء. ولكن مصطلح “الانتخاب الطبيعي” يعني ببساطة أن أصلح الكائنات هي التي تبقى على قيد الحياة.
ما الجديد الذي أتت به هذه الفكرة؟ هذا صحيح بطبيعة الحال، فالأصلح هو الذي يبقى على قيد الحياة (وهذا ما نسميه تكرارًا مخلاً؛ حجة دائرية لا تُثبت أي شيء). فمنطقيًا، هذه الكائنات مجهَّزة جيدًا من الناحية الوراثية أو البنيوية للتعامل مع الظروف البيئية المتغيرة (ولذلك تبقى على قيد الحياة).
ومن أمثلة “الانتخاب الطبيعي” ما يحدث للبكتيريا التي تهاجمها المضادات الحيوية. عندما تنجو البكتيريا من إحدى هجمات المضادات الحيوية وتتكاثر، وهذه المجموعة الناجية من البكتيريا قد تكون مقاوِمة لذلك المضاد الحيوي. والبكتيريا الناجية مقاوِمة لذلك المضاد الحيوي لأن البكتيريا الأم كانت تمتلك القدرة الوراثية على المقاومة، أو طفرة بيوكيميائية نادرة ساعدتها بشكل ما على البقاء (نقول “نادرة” لأن الطفراتِ ضارة في كل الأحوال تقريبًا). وبما أن البكتيريا الضعيفة تموت، فالبكتيريا الناجية تتكاثر وتسود.
ويقول الداروينيون عن البكتيريا الناجية إنها تطورت. فبما أن البكتيريا الناجية تكيَّفت على البيئة، فهي تقدِّم لنا مثالاً للتطور. موافقون، ولكن أي نوع من التطور؟ الإجابة التي سنقدِّمها حرجة جدًا. فالحقيقة أنه بصرف النظر عن الافتراضات الفلسفية التي رفعنا عنها الستار، نجد أن تعريف “التطور” قد يمثل أكثر الأفكار إرباكًا في مجادلة الخلق والتطور.
وهنا تبدأ الأخطاء والمزاعم الداروينية الزائفة في التكاثر مثل البكتيريا لو لم يوقفها مَن يؤمنون بأهمية الملاحظة للعلم. وإليك ما تخبرنا به الملاحظة: البكتيريا الناجية تظل دائمًا بكتيريا. فهي لا تتطور إلى كائن من نوع آخر، وإلا أصبح هذا ماكرو تطور. ولكن الملاحظة لم تُثْبِت أبدًا أن الانتخاب الطبيعي خلق أشكالاً جديدة من الحياة.
ومع ذلك فالماكرو تطور هو بالضبط ما يزعمه الداروينيون من البيانات المتاحة. فهم يقولون إن هذه التغيرات الدقيقة micro القابلة للملاحظة يمكن تعميمها لإثبات حدوث الماكرو تطور غير القابل للملاحظة. فهم لا يميزون بين الميكرو تطور microevolution والماكرو تطور، ومن ثم يستخدمون أدلة الميكرو لإثبات الماكرو. وإذ يتجاهل الداروينيون هذا الفرق الحيوي، يمكنهم أن يخدعوا العامة للاعتقاد بأن أي تغير قابل للملاحظة في أي كائن حي يبرهن على أن كل الحياة تطورت من الكائن الأول وحيد الخلية.
ولذلك من الضروري أن نميز جيدًا بين الأمور وأن نكشف كل الافتراضات الخفية عند مناقشة الجدل بين الخلق والتطور. لذا إن سألك أحد: “ها تؤمن بالتطور؟” عليك أن تسأله: “ماذا تقصد بالتطور؟ هل تقصد الميكرو أم الماكرو تطور؟” الميكرو تطور ثَبَتَ بالملاحظة، ولكن لا يمكن استخدامه دليلاً على الماكرو تطور الذي لم يَثْبُت بالملاحظة أبدًا.
والداروينيون خبراء في تعريف مصطلح “التطور” تعريفًا عامًا يسمح باعتبار الأدلة في مجالٍ ما أدلة في مجال آخر. ولكن من سوء حظهم أن العامة بدؤوا يدركون هذه الخطة. ويرجع معظم الفضل في ذلك للأعمال الشهيرة لفيليب جونسون أستاذ القانون في بركلي Berkeley. فقد فضح جونسون أولاً هذا النوع من خفة اليد الداروينية بكتابه غير المسبوق “داروين أمام المحكمة” Darwin on Trial.
وهو يشير في هذا الكتاب إلى أنه: “ما من “برهان” واحد ]على الانتخاب الطبيعي[ يقدِّم أي سبب مقنع للاعتقاد بأن الأنتخاب الطبيعي قادر على إنتاج أنواع بيولوجية جديدة، أو أعضاء جديدة، أو غيرها من التغيرات الكبرى، أو حتى التغيرات الصغرى الدائمة”. ويتفق معه عالِم الأحياء جوناثان ولز Johnathan Wells عندما يكتب قائلاً: “الطفرات البيوكيميائية لا تستطيع أن تفسر التغيرات واسعة النطاق التي تحدث في الكائنات الحية التي نراها في تاريخ الحياة.
فلماذا لا يستطيع الانتخاب الطبيعي أن يقوم بهذه الوظيفة؟ إليك خمسة اسباب تمنعه من ذلك:
الحدود الوراثية Genetic Limits: يقول الداروينيون إن الميكرو تطور الذي يتم داخل شكل واحد من أشكال الحياة يُثْبِت حدوث الماكرو تطور. فإن كانت هذه التغيرات الصغيرة يمكن أن تحدث على مدار فترة قصيرة من الزمن، تَخيَّل ما يستطيع الانتخاب الطبيعي أن يفعله على مدار فترة طويلة من الزمن.
ولسوء حظ الداروينيين، يبدو أن الحدود الوراثية جزء أصيل في بنية الأشكال الأساسية للحياة. فمثلاً، المتخصصون في تربية الكلاب يصطدمون دائمًا بالحدود الوراثية عندما يستخدمون ذكاءهم لتخليق سلالات جديدة من الكلاب. فقد تتباين الكلاب في الحجم من التشيواوا إلى الكلب الدنماركي الكبير، ولكن بالرغم مما يقوم به المربون الأذكياء من محاولات مستميتة، تظل الكلاب دائمًا كلابًا.
وبالمثل، رغم أفضل ما يبذله العلماء الأذكياء من جهود للتحكم في ذبابة الفاكهة، فتجاربهم لم تسفر مطلقًا عن شيء سوى المزيد من ذباب الفاكهة (وعادةً ما تكون معوَّقة أيضًا). وهو أمر ذو أهمية خاصة لأن حياة ذبابة الفاكهة القصيرة تتيح للعلماء أن يختبروا سنوات كثيرة من التنوع الوراثي في فترة زمنية قصيرة.
الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد
والأهم من ذلك كله أن مقارنة الانتخاب الطبيعي بالانتخاب الصناعي الذي يقوم به المتخصصون في تربية الحيوانات مقارنة لا تصلح إطلاقًا، كما يتبين من الجدول 6-1. والفرق الأكبر هو أن الانتخاب الطبيعي يتم توجيهه بالذكاء، وهو ما لا ينطبق على الانتخاب الطبيعي.
الفروق الجوهرية
الانتخاب الصناعي
الانتخاب الطبيعي
الهدف
الهدف (الغاية) معروف
ليس هناك هدف (غاية) معروف
العملية
عملية موجَّهة بالذكاء
عملية عمياء
الاختيارات
اختيار ذكي لسلالات معينة
لا اختيارات ذكية للسلالات
الحماية
السلالات محمية
من العمليات المدمِّرة
السلالات ليست محمية
من العمليات المدمرة
الصفات الغريبة
يحتفظ بالصفات الغريبة المرغوبة
يقضي على معظم الصفات الغريبة
المقاطعات
مقاطعات مستمرة
لتحقيق الغاية المرجوة
ليس هناك مقاطعات مستمرة
لتحقيق أي غاية
البقاء
بقاء تفضيلي
بقاء غير تفضيلي
إن الخلط بين العمليات الذكية وغير الذكية خطأ شائع عند الداروينيين. وهو ما حدث عندما ناظرتُ (نورم) الفيلسوف الإنساني بول كرتس Paul Kurtz سنة 1986 في موضوع التطور. والمناظرة التي كان يديرها المدافع التليفزيوني جون آنكربرج John Ankerberg أسفرت عن هذا الحوار بخصوص الماكرو تطور:
جايسلر: قال ]تشاندرا[ ويكراماسينغ ]الملحد[: “الاعتقاد بأن الحياة أتت بالصدفة كالاعتقاد بأن طائرة بوينج 747 نتجت من إعصار هَبَّ على ساحة خردة”. إن تصديق هذا الأمر يتطلب المثير من الإيمان.
كرتس: حسنًا، طائرة البوينج 747 تطورت. يمكننا أن نعود إلى الأخوين رايت Wright brothers ونرى أول نوع خلقاه من الطائرات…
جايسلر: خلقاه؟
كرتس: نعم، لكن …
آنكربرج: بالذكاء أم بالصدفة؟ ]ضَحِكْ[
كرتس: كان هناك فترة من الزمن تغيرت فيها هذه الأشكال…
آنكربرج: ولكن ألم يخلقا تلك الطائرات باستخدام الذكاء؟
كرتس: كنتُ أستخدم المشابَهة التي استخدمها الدكتور جايسلر.
جايسلر: حسنًا، أنت تساعدني في حجتي! ] ضحك [عليك أن تجد لنفسك مشابَهة أخرى!
كرتس: لا، لا، أظن أن المعنى الذي أقصده مهم لأنه حدثت تغيرات في الطائرات من الأبسط إلى الأعقد.
جايسلر: نعم، ولكن تلك التغيرات تَمَّتْ بتدخل ذكي!
مؤكد أن التغيير الاتجاهي الذي يسير في اتجاه محدد directional change في الطائرات بواسطة الذكاء لا يُثبت أي شيء عن إمكانية حدوث تغيير اتجاهي في الكائنات الحية دون ذكاء. وكما سنرى في الجزء التالي، التغيير الاتجاهي في الكائنات الحية بواسطة الانتقاء الطبيعي لم يَثْبُت بالملاحظة. واستخدام الذكاء لإحداث تغيير اتجاهي في الكائنات الحية يصطدم بالحدود الوراثية. لذا، حتى إن كان التطور موجَّهًا بالذكاء، فهو يصطدم بحوائط.
أي أنه حتى عندما يتحكم العلماء بذكاء الكائنات لتحقيق غاية محددة، ألا وهي الأطروحة المضادة للعملية الداروينية العمياء، لا ينجح الماكرو تطور! فإن كان العلماء الأذكياء لا يستطيعون اختراق الحدود الوراثية، فكيف نتوقع الانتخاب الطبيعي غير الذكي أن يفعل ذلك؟
التغير التكراري Cyclical Change: لا يقتصر الأمر على وجود حدود وراثية للتغيير داخل النوع الواحد، بل التغيير داخل النوع الواحد يبدو تكراريًا. اي أن التغيرات لا تتجه نحو تكوين أشكال جديدة من الحياة، كما تتطلب نظرية الماكرو تطور، ولكنها تتحرُك جيئة وذهابًا في نطاق محدود. فمثلاً، عصافير داروين كانت تتفاوت في أحجام مناقيرها طبقًا لحالة الطقس. فالمناقير الكبيرة كانت تساعد على تكسير بذور أكبر حجمًا وأشد صلابًة أثناء مواسم الجفاف، والمناقير الصغيرة كانت مناسبة عندما كانت الأمطار تأتي بكمية وفيرة من البذور الصغيرة اللينة. فعند حلول موسم الجفاف، كانت نسبة العصافير ذات المناقير الكبيرة تنمو مقارنةً بالعصافير ذات المناقير الصغيرة. ولكن النسبة كانت تنعكس بعد حلول موسم ممطر طويل. لاحظ أنه لم تظهر للوجود أي أشكال جديدة من الحياة (العصافير ظلت عصافير)، كل ما تَغَيَّر هو نسبة العصافير كبيرة المناقير إلى العصافير صغيرة المناقير. لاحظ أيضًا أن الانتخاب الطبيعي لا يستطيع أن يفسِّر كيف أتت العصافير إلى الوجود أصلاً. أي أن الانتخاب الطبيعي قد يتمكن من تفسير بقاء النوع، ولكنه لا يستطيع أن يفسر مجيء النوع.
التعقيد غير القابل للاختزال Irreducible Complexity: سنة 1859 كتب تشارلز داروين “إن ثَبَت وجود أي عضو معقَّد لم يتكون بالعديد من التغيرات الطفيفة المتوالية، فنظريتي ستنهار لا محالة”. ونحن الآن نعرف أن هناك الكثير من الأعضاء، والأجهزة، والعمليات في الحياة تتناسب مع ذلك الوصف.
ومنها الخلية. وقد كانت الخلية في أيام داروين “صندوقًا أسود”، جزءًا صغيرًا غامضًا في الحياة لم يتمكن أحد من رؤية ما فيه. ولكننا الآن بعد أن تمكنَّا من النظر في أعماق الخلية، نرى أن الحياة على المستوى الجزيئي أكثر تعقيدًا بما لا يقاس مما كان يحلم به داروين. فهي في الحقيقة معقّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال. والجهاز المعقد تعقيدًا لا يقبل الاختزال ” يتركب من عدة أجزاء متفاعلة ومتناسقة تساهم في الوظيفة الأساسية، بحيث إن نَزْعَ أي من هذه الأجزاء يوقف وظيفة الجهاز فعليًا”.
وهذه هي كلمات مايكل بيهي أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة ليهاي Lehigh University صاحب الكتاب الثوري “صندوق داروين الأسود: التحدي البيوكيميائي للتطور” Darwan’s Black Box: The Biochemical Challenge to Evolution. ويؤكد بحث بيهي أن الكائنات الحية مملوءة حَرْفيًا بماكينات جزيئية تؤدي العديد من وظائف الحياة. وهذه الماكينات الجزيئية معقّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، وهو ما يعني أن كل أجزاء كل ماكينة لا بد أن تتكون بالكامل، في الأماكن الصحيحة، وبالأحجام الصحيحة، وبنظام قابل للعمل، وفي وقت واحد حتى تعمل الماكينة.
ويُعَدّ محرك السيارة مثالاً لجهاز معقد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. فإن حدث تغيير في حجم المكبس، سيتطلب ذلك تغييرات موازية في عمود الكامات، والبلوك، والمبرد، وحجرة المحرك، وغيرها، وإلا لن يعمل المحرك الجديد.
ويبين بيهي أن الكائنات الحية معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال مثل محرك السيارة. فهو يبين بالتفصيل الممل أن وظائف عديدة في الجسم مثل تجلَط الدم، وأهداب الخلايا (الأجزاء المحرِّكة للخلية)، والبصر، كلها تتطلب أجهزة معقدة تعقيدًا غير قابل للاختزال، فلا يمكن أن تتكون بالطريقة الداروينية المتدرجة. لماذا؟ لأن المراحل المتوسطة intermediates لن تتمكن من أداء الوظيفة.
وكما هو الحال في محرك السيارة، يجب أن تكون كل الأجزاء الصحيحة في أماكنها، وبالأحجام الصحيحة، في وقت واحد، حتى تتمكن من القيام بوظيفة أصلاً. فيمكنك أن تُكَوِّن المحركَ جزءًا جزءًا (وهو أمر يتطلب ذكاء)، ولكن لا يمكنك أن تقود السيارة إلى مكان عملك بجزء من المحرك. ولا يمكنك أن تقود السيارة إلى مكان عملك إذا أجريت تعديلات على جزء أساسي من المحرك، ولم تُجْر هذه التعديلات على باقي الأجزاء. وهكذا الأجهزة الحية تتعطل فورًا عن أداء وظيفتها إن أُجْرِيَت عليها تعديلات قطعة قطعة.
إن درجة التعقيد غير القابل للاختزال في الكائنات الحية تُذهب العقل. تَذَكَّر أن أبجدية الـDNA الوراثية تتكون من أربعة حروف: أ، ث، س، ج. في كل خلية بشرية يوجد حوالي 3000 مليون زوج من تلك الحروف. فجسمك يحتوي على تريليونات الخلايا، وينتج ملايين الخلايا الجديدة كل ثانية، وعلاوة على ذلك كل خلية معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال وتحتوي على أجهزة فرعية معقدّة تعقيدًا لا يقبل الاختزال!
إن اكتشافات بيهي تسدِّدُ ضربة قاضية للداروينية. فالتعقيد غير القابل للاختزال يعني أنه لا يمكن أن تأتي حياة جديدة إلى الوجود بالطريقة الداروينية التي تتكون من تغيرات طفيفة متتالية على مدار فترة طويلة من الزمن. والداروينية تشبه القوى الطبيعية التي تُنتج دون أي ذكاء محرك سيارة يعمل (أي الأميبا) ثم تُعَدَّل ذلك المحرك المعقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال وتحوّله إلى محركات متوسطة متتالية حتى تُنتجُ تلك القوى الطبيعية أخيرًا المكوك الفضائي (أي الإنسان).
ولكن الداروينيون لا يستطيعون أن يفسروا مصدر المواد اللازمة لصنع المحرك، فما بالك بتفسير كيفية وجود أي محرك معقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. ولا يمكنهم كذلك أن يبينوا العملية غير الذكية التي تطوَّر بها أي محرك حتى وصل إلى مكوك الفضاء وهو يُنتجُ قوة دافعة في كل خطوة من الخطوات المتوسطة. وهذا واضح من الغياب التام للتفسيرات الداروينية لكيفية نشوء الأجهزة المعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال نشوءًا تدريجيًا. وقد كشف بيهي مزاعم الداروينيين الفارغة عندما كتب قائلاً:
فكرة التطور الجزيئي الدارويني لا تقوم على العلم. فليس هناك أي منشورات في الكتابات العلمية، كالصحف المتخصصة أو الكتب، تقدّم وصفًا مؤكَّدًا لكيفية حدوث تطور جزيئي لأي جهاز بيوكيميائي حقيقي معقَّد، أو حتى وصفًا احتماليًا غير مؤكد. إنهم يؤكدون حدوث هذا التطور، ولكن ولا واحد من كل تأكيداتهم مدعوم بتجارب أو حسابات. وبما أنه لا مرجعية لهذه المزاعم المعرفية، يمكننا أن نقول بحق إن تأكيد التطور الجزيئي الدارويني محض استعراض فارغ.
إن محاولات الداروينيين الواهنة للتعامل مع التعقيد غير القابل للاختزال تكشف ضخامة المشكلة التي تواجه نظريتهم. وقد قال الدارويني كِن ميلر Ken Miller بأن التعقيد غير القابل للاختزال غير صحيح لأنه يستطيع أن يُثْبِت أن مثال بيهي على التعقيد غير القابل للاختزال-ألا وهو مصيدة الفئران- ليس بالفعل معقَّدًا بما لا يقبل الاختزال. وفقًا لما يقوله بيهي جميع الأجزاء الخمسة لمصيدة الفئران التقليدية يجب أن تكون في مكانها وفي وقت واحد وبنظام قابل للعمل حتى تعمل. فلا يمكنك أن تصطاد الفئران بالقاعدة والزنبرك مثلاً. ولكن ميلر يعتقد أنه يستطيع أن يفند فكرة بيهي بصنع مصيدة مشابهة بأربعة أجزاء فقط. (طَرَحَ ميلر هذه الفكرة فعليًا أثناء مناظرة تليفزيونية على محطة بي.بي.إس PBS في أواخر التسعينيات).
ولكن نقد ميلر يخفق فعليًا في إصابة الهدف. فهو أولاً، مِثْل أي دارويني، يتجاهل أن صُنْع مصيدته يتطلب ذكاء. ثانيًا، بيهي لا يقول إنك تحتاج خمسة أجزاء لأي مصيدة فئران، ولكنه يتحدث عن المصيدة التقليدية. وهكذا يتضح أن مصيدة ميلر ليست مرحلة مادية سابقة تطورت منها مصيدة بيهي التقليدية. أي أن تحويل مصيدة ميلر إلى مصيدة بيهي يتطلب أكثر من خطوة عشوائية (أي داروينية)، فهو يتطلب إضافة جزء آخر محدَّد جدًا وعدة تعديلات محدّدة للأجزاء الموجودة (وهذا يتطلب ذكاء). ثالثًا، وحتى لو أمكن بشكل ما إجراء تلك التغييرات بعمليات عديمة العقل، فالمصيدة لن تعمل أثناء المرحلة الإنتقالية.
ولكن حتى تكون الدراوينية صحيحة، لا بد من الحفاظ على الأداء الوظيفي في كل المراحل لأن الكائنات الحية لا تستطيع أن تبقى على قيد الحياة لو، مثلاً، لم تؤدِ أعضاؤها الأساسية وظيفتها المعتادة أثناء المراحل الانتقالية الداروينية البطيئة التي تقوم على المحاولة والخطأ.[2] وفي النهاية مصيدة الفئران ليست سوى مثال توضيحي. ولكن الأنظمة الحية أعقد بما لا يقاس من مصيدة الفئران. لذا، واضح أن ميلر يفنِّد فكرة بيهي، ولم يفندها أي دارويني غيره.
وفي مؤتمر عن التصميم الذكي عُقِدَ في تموز/يوليو 2002 تحدَّثت فيه أنا (فرانك) وبيهي، كان أحد الداروينيين عنيفًا نوعًا ما في فقرة الأسئلة والأجوبة بعد المحاضرات. لذلك أردت أن أقلب الطاولة وأساله بضعة أسئلة، فحرصتُ أن أجلس بجواره على الغداء. فسألْتُه فيما بين شرائح البيتزا: “ماذا تفعل بحجة بيهي عن التعقيد غير القابل للاختزال؟” فدار بعينيه مستاءً وقال: “هذه ليست مشكلة كبيرة. هناك سقالات بيوكيميائية تُبنى حول الجهاز لتسمح له بالتطور التدريجي”.
وعندما رأيت بيهي بعدئذٍ في اليوم نفسه، أخبرته بتفسير الدراويني. فاوضح قائلاً، وكان محقًا: 1) ليس هناك دليل على هذه “السقالات”، 2) وهي فعليًا تُعَقِّد الأمور على الدراوينيين، بمعنى أنه إن وُجِدَت هذه ” السقالات” بحق، فمَن الذي يبنيها باستمرار في أماكنها الصحيحة؟ إنها عملية تتطلب ذكاء. لقد حاول آخرون أن يجدوا طرقًا داروينية للتهرب من التعقيد غير القابل للاختزال، ولكنهم فشلوا جميعًا. وهو ما يؤكده بيهي عندما يقول قطعيًا: “ليس لدينا حاليًا أي دليل تجريبي يبين أن الانتخاب الطبيعي يستطيع أن يتهرب من التعقيد غير القابل للاختزال”.
ويبيِّن بيهي الأهمية الجوهرية التي يتضمنها التعقيد غير القابل للاختزال وغيره من الاكتشافات بخصوص تعقيد الحياة. فهو يكتب قائلاً: “إن نتيجة هذه الجهود المتراكمة لفحص الخلية، أي لفحص الحياة على المستوى الجزيئي، هي صرخة عالية مدوية تعلن عن “التصميم”! إن النتيجة في غاية الوضوح وفي غاية الأهمية حتى إنه لا بد من احتسابها ضمن أعظم الإنجازات في تاريخ العلم. إنه اكتشاف ينافس اكتشافات نيوتن وأينشتاين”.
عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة Nonviability of Transitional Forms:
هناك مشكلة أخرى تهاجم معقولية الفكرة القائلة بأن الانتخاب الطبيعي يخلق أشكالاً جديدة من الحياة. وتتمثل هذه المشكلة في أن الأشكال الانتقالية لا تقدر أن تبقَ على قيد الحياة. فكِّر مثلاً في تأكيد الداروينيين أن الطيور تطوَّرت تدريجيًا من الزواحف على مدار فترات زمنية طويلة. وهو ما يتطلب مرحلة انتقالية من الحراشف إلى الريش.
فكيف يمكن لكائن أن يعيش بلا حراشف ولا ريش؟ إن الريش معقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. فكائن بأنصاف ريش لا يقدر أن يطير، مما يجعله فريسة سهلة على الأرض، وفي المياه، وفي الهواء. وفي منتصف الرحلة بين مرحلتي الزواحف والطيور، غالبًا لن يتمتع بالمهارة اللازمة للعثور على الغذاء أيضًا. إذَن يواجه الدراوينيون مشكلة مزدوجة: أولاً، ليس عندهم آلية صالحة للانتقال من الزواحف إلى الطيور. ثانيًا، حتى إن اكتُشِفَت آلية صالحة، فعلى أي حال لا يُحتَمَل للأشكال الانتقالية أن تعيش.
الانعزال الجزيئي Molecular Isolation: غالبًا ما يقول الدراوينيون إن دليل الانحدار من سلف مشترك يكمن في أن كل الكائنات الحية تحتوي على DNA . فمثلاً ريتشارد دوكينز يقول: “السبب الذي يجعلنا موقنين أن هناك صلة تجمع بيننا جميعًا، بما في ذلك البكتيريا، هو شمولية الشفرة الوراثية وغيرها من الأساسات البيوكيميائية”. يعتقد الدراوينيون أن نسبة تشابه الـDNA بين القردة العليا والبشر مثلاً، التي يُقَدِّر البعض أنها تتراوح بين 85 وأكثر من 95%، تشير بقوة إلى سلف مشترك.
ولكن هل هذا دليل على سلف مشترك أم على خالق مشترك؟ يمكن تفسيره بالطريقتين. فقد يكون الداروينيون محقّين، وقد يكون لنا شفرة وراثية genetic code مشتركة لأننا جميعًا انحدرنا من سلف مشترك. ولكن يمكن أن يكونوا أيضًا مخطئين بالقدر نفسه، فربما الشفرة الوراثية المشتركة بيننا جميًعا ترجع إلى خالق مشترك صمَّمَنا أن نعيش في نفس الغلاف الحيوي. فلو كان كل كائن حي مختلفًا عن غيره من الناحية البيوكيميائية، ربما لن توجد سلسلة غذائية. ومن المحتمل أنه لا يمكن وجود حياة بتكوين بيوكيميائي مختلف. حتى إن كان ذلك ممكنًا، فربما لا يمكنها أن تستمر في هذا الغلاف الحيوي.
فكِّر في الشكل 6-3. هل التشابه والتدرج يُثبِتان أن الغلاية تطورت من ملعقة الشاي؟ لا. إن التشابه والتدرج لا يعنيان أوتوما تيكيًا سلفًا مشتركًا. وفي هذه الحالة نعرف أنهما يعنيان خالقًا أو مصممًا مشتركًا. وهو ما ينطبق على الكائنات الحية الحقيقة.
كما ذكرنا آنفًا، قدرة أبجدية الـDNA الوراثية على احتواء رسالة تساوي قدرة الأبجدية الإنجليزية على احتواء رسالة (الفرق الوحيد هو أن أبجدية الـDNA لا تضم إلا أربعة حروف مقابل ستة وعشرين حرفًا في الأبجدية الإنجليزية). فبما أن كل الكائنات الحية تحوي DNA بقواعده الأربعة التي تحتوي على النيتروجين (الممثَّلة بالحروف أ، ث، س، ج)، من الطبيعي أن نتوقع درجة عالية من التشابه في المعلومات بين الكائنات سواء أكانت متصلة بسلف واحد أم لا.
ولنستخدم مثالاً من اللغة الإنجليزية لتوضيح ما نقصده. إليك جملتين مكونتين من الحروف نفسها:
Charles Darwin was a scientific god. كان تشارلز داروين إلهاً علميًا.
Charles Darwin was a scientific dog. كان تشارلز داروين كلبًا علميًا.
رغم أن حروف الجملتين متماثلة وترتيب الحروف يكاد يكون متماثلاً (بدرجة تزيد عن 90%)، فالفرق الضئيل في الترتيب يؤدي إلى معنيين متضادين. وهكذا أي فرق ضئيل في ترتيب الحروف (أ، ث، س، ج) في الكائنات الحية قد يؤدّي إلى كائنات بعيدة جدًا عن بعضها البعض على شجرة التطور الافتراضية. فمثلاً بينما تبين بعض الدراسات أن تشابه الـDNA بين البشر والقردة العليا الأقرب شبهًا بالإنسان قد يصل إلى حوالي 90% تبين دراسات أخرى أن تشابه الـDNA بين البشر والفئران يبلغ أيضًا حوالي 90%.
ولكن هذه التشابهات محل خلاف وليست مفهومة على نحو كامل. فيجب القيام بمزيد من البحث في هذا المجال. ولكن إن كان التشابه الوراثي بين الفئران والبشر يعادل التشابه بين القردة العليا والبشر، فإن هذا من شأنه أن يُعَقَّد أي تفسير دارويني تعقيدًا كبيرًا.
ولكن نفترض أن مزيدًا من الدراسات سيُظهر يومًا ما أن DNA القردة العليا أكثر شبهًا بالبشر من DNA سائر الكائنات. فهذا لن يُثبِت ما يخلص إليه الدراوينيون بخصوص السلف المشترك. فقد يرجع التشابه إلى خالق مشترك لا إلى سلف مشترك. لذا علينا أن نجد دليلاً آخر على المستوى الجزيئي يساعدنا في اكتشاف ما إذا كانت الشفرة الوراثية المشتركة دليلاً على سلف مشترك أم خالق مشترك.
وقد وُجِدَ ذلك الدليل الآخر بمقارنة سلاسل البروتين. البروتينات هي الوحدات الأساسية لبنية الحياة. وهي تتكون من سلاسل طويلة من الوحدات الكيميائية التي يُطلَق عليها الأحماض الأمينية. ومعظم البروتينات تحوي في بنيتها أكثر من 100 حمض أميني يجب أن يكون لها ترتيب محدد جدًا. والـDNA هو ما يحتوي على تعليمات الأحماض الأمينية في البروتينات، والترتيب مسألة حرجة لأن أي تغيير عادةً ما يؤدي إلى خلل في وظيفة البروتين.
وإليك أين تنشأ المشكلة أمام الدراوينيين. لو كانت كل الأنواع تشترك في سلف واحد، يجب أن نتوقع أن نجد سلاسل برويتينية في شكل انتقالي transitional form، أي مثلاً أثناء المرحلة الانتقالية من الأسماك إلى البرمائيات، أو من الزواحف إلى الثدييات. ولكن ليس هذا ما نجده على الأطلاق. بل نجد أن الأشكال الأساسية منعزلة جزيئيًا عن بعضها البعض، وهو ما ينفي أي نوع من الصلة بسلف واحد. ويقول مايكل دنتون:
ليس هناك أي أثر على المستوى الجزيئي للانتقال التطوري من الأسماك البرمائيات الزواحف الثدييات. فالبرمائيات، التي دائمًا ما تُعتبر تقليديًا شكلاً متوسطًا بين الأسماك وغيرها من الفقاريات البرية، تبعد جزيئيًا عن الأسماك بُعْد أي مجموعة من الزواحف أو الثدييات عن الأسماك! إن النتيجة مدهشة حقًا للعارفين جيدًا بالصورة التقليدية لتطور الفقاريات.
لذا، رغم أن كل الكائنات الحية تشترك في شفرة وراثية واحدة بدرجات متفاوتة من التشابه، فتلك الشفرة رتبت الأحماض الأمينية في البروتينات على نحو يجعل الأشكال الأساسية منعزلة جزيئيًا عن بعضها البعض. فليس هناك من مراحل انتقالية داروينية، كل ما هنالك فجوات جزيئية متمايزة. والدراوينيون يعجزون عن تفسير وجود هذه الفجوات الجزيئية باستخدام الانتخاب الطبيعي، تمامًا كما يعجزون عن تفسير وجود فجوات ضخمة في سجل الحفريات وهو ما سنتحدث عنه في الجزء التالي).
ماذا عن سجِلّ الحفريات؟
لنراجع سريعًا ما رأيناه حتى الآن. إليك الأدلة الخمسة التي تبين أن الانتخاب الطبيعي ما كان ليمكنه أن يُنتج أشكالاً جديدة من الحياة:
الحدود الوراثية
التغير التكراري
التعقيد غير القابل للاختزال
عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة
الانعزال الجزيئي
ولكن ألا يؤيد سجلُ الحفريات النظريةَ الدراوينية؟ لنلقِ نظرة.
نظرًا لعدم توافر التكنولوجيا الحديثة في عصر تشارلز داروين، لم يتمكَّن من إدراك المشكلات التي تواجه نظريته على مستوى الخلية. إلا أنه أدرك أن سجل الحفريات يمثل مشكلة كبيرة لنظريته لأنه لا يُظهِر تدرجًا. وهو ما دفعه أن يكتب: “فلماذا لا يزخر كل تكوين جيولوجي وكل طبقة جيولوجية بمثل هذه الحلقات المتوسطة؟ مؤكَّدٌ أن الجيولوجيا لا تكشف عن أي سلسلة عضوية متدرجة. ويبدو أن هذا هو أوضح وأخطر الاعتراضات التي يمكن أن تثار ضد نظريتي”.
إلا أن داروين اعتقد أن مزيدًا من الاكتشافات الأحفورية سيكشف عن صحة نظريته. ولكن الزمن أثبت أنه مخطئ. وعلى عكس ما تسمع في وسائل الإعلام العامة، سجل الحفريات اتضح أنه سبب إحراج هائل للداروينيين. فإن كانت الداروينية صحيحة، لوجدنا حتى الأن آلاف، إن لم يكن ملايين الحفريات الانتقالية. ولكن كما يقول الراحل ستيفن جاي جولد Stephen Jay Gouldعالم الحفريات في جامعة هارفارد (وهو تطوري):
يتميز تاريخ معظم الأنواع البيولوجية المتحجَرة بخاصيتين تتعارضان بشكل خاص مع فكرة التطور التدريجي لهذه الأنواع: 1) السكون Stasis: معظم الأنواع البيولوجية لا يحدث فيها تغير يسير في اتجاه معين اثناء وجودها على الأرض. ويظل شكلها كما هو تقريبًا منذ أن تظهر في سجل الحفريات وحتى تختفي، أي أن التغير التركيبي عادة ما يكون محدودًا ولا يسير في اتجاه محدد. 2) الظهور المفاجئ Sudden appearance: في أي منطقة لا ينشأ النوع البيولوجي تدريجيًا بحدوث تغير مطرد في أسلافه، ولكنه يظهر بغتةً ويكون “مكتمل التكوين”.
أي أن جولد يعترف أن الأشكال الأحفورية تظهر فجأة، مكتملة التكوين، وتظل كما هي حتى تنقرض دون أي تغير اتجاهي، وهو تمامًا ما يتوقع المرء أن يجده إن كان الخلق صحيحًا.
ولكن بدلاً من أن يتبنى جولد نظرية الخلق، رفض التطور التدريجي الدارويني وصاغ نظرية أطلق عليها “التوازن المتقطع” Punctuated Equilibria (PE). وترجّح نظرية التوازن المتقطع أن الأنواع البيولوجية تطورت أسرع على مدار فترة زمنية أقصر، وهو ما يفسّر الفجوات الأحفورية الكبيرة. ولكن جولد لم يبين أي ألية طبيعية لحدوث هذا الأمر، ولكن بما أنه كان ملحدًا كان عليه أن يفسر سجل الحفريات بأي شكل. وهو ما يمثل نموذجًا كلاسيكيًا على السماح للتحيزات بالتشويش على الملاحظات.
ولكن هذا يخرجنا عن موضوعنا. فنقطتنا الأساسية هنا هي أن سجل الحفريات أقرب للخلق فوق الطبيعي منه للماكرو تطور. فالحقيقة أن المفقود من السجل ليس حلقات، بل سلسلة كاملة!
ليس هناك سلسلة؛ لأن كل المجموعات الرئيسية من الحيوانات المعروفة تقريبًا تظهر في سجل الحفريات فجأة وكاملة التكوين في طبقات العصر الكامبري Cambrian period (الذي يُقَدِّر الكثير من العلماء أنه وُجِدَ منذ حوالي 600 إلى 500 مليون سنة). ويكتب جوناثان ولز قائلاً: “الدليل الأحفوري قوي جدًا، والحَدَث مفاجئ وضخم جدًا، حتى إنه عُرِفَ باسم “الانفجار الكامبري” the Cambrian explosion، أو “الانفجار البيولوجي الكبير” biology’s big bang”.
وهذا الدليل بالطبع يتعارض تمامًا مع الداروينية. فكل المجموعات الحيوانية تظهر منفصلة عن بعضها البعض، مكتملة التكوين، وفي وقت واحد. وهو ما لا يدل على تطور تدريجي بل على خلق لحظي. إذَن الشجرة الداروينية التي اعتدنا أن نراها كثيرًا لا تمثل سجل الحفريات الحقيقي تمثيلاٍ صحيحًا. والحقيقة أنه كما يشير ولز: “لو كانت هناك أي مشابَهة نباتية مناسبة، لكانت حوض نباتات، لا شجرة”. ولكان ذلك الحوض يحتوي على رُقَع من الحشائش أو النباتات المختلفة التي تفصلها عن بعضها البعض مساحات شاسعة لا شيء فيها سوى التراب.
والآن لعلك تفكِّر: “ولكن ماذا عن تدرج الجمجمة الذي اعتدنا دائمًا أن نراه؟ ألا يبدو أن الإنسان تطور من القردة العليا؟” منذ عدة سنوان ناظرتُ (أنا نورم) داروينيًا رصَّ جماجم بجوار بعضها على منضدة ليبين أن التطور حدث بالفعل. وصرح قائلاً: “السيدات والسادة، إليكم الدليل على التطور”. أمرك غريب، كيف تتجاهل الحفريات؟ الجماجم تبدو متدرجة. يبدو أنها متصلة بسلف واحد. هل هذا دليل جيد على الداروينية؟ لا، إنه ليس أفضل من الدليل على أن الغلاية الكبيرة تطورت من ملعقة الشاي.
مشكلة الداروينيين أن سجل الحفريات لا يستطيع أن يُثْبِت أي ارتباط بسلف واحد. لمَ لا؟ لأنه كما يقول مايكل دنتون: “99% من التكوين البيولوجي لأي كائن حي يكمن في تشريح أنسجته soft anatomy، وهو ما يستحيل عمله في الحفرية”. أي أنه من الصعب جدًا اكتشاف التكوين البيولوجي للكائن بالنظر إلى بقاياه الأحفورية. ويشير جوناثان ولز إلى أن “الدليل الأحفوري يقبل الكثير من التفسيرات لأن النوع البيولوجي الواحد يمكن أن يُعاد بناؤه بطرق متنوعة، ولأن سجل الحفريات لا يمكنه إثبات سلف مشترك يربط بين كل الكائنات”.
إلا أن هذا لا يردع الداروينيين. فبما أن الداروينية ينبغى أن تكون صحيحة نظرًا لولائهم الفلسفي المسبق، إذَن ينبغي أن يجدوا أدلة تؤيدها. فبدلاً من ان يعترفوا بأن الحفريات لا تستطيع أن تُثبت ارتباط الكائنات بسلف مشترك، يأخذون الواحد في المائة الذي تخبرهم به الحفريات ويستخدمون التسعة والتسعين في المائة من هامش الحرية المتبقي لهم لتصوير اكتشافاتهم الأحفورية على أنها تسد كل الثغرات كما يحلو لهم .
ومع هذا الهامش الفسيح وغياب الحقائق التي تقيّدهم، توفرت لهم الحرية في ابتداع “حلقات مفقودة” بأكملها من بقايا أحفورية في منتهى التفاهة. ولذلك، الكثير مما يسمى “حلقات مفقودة” انكشف فيما بعد أنه مزيف أو خاطئ. وقد كتب هنري جي Henry Gee أحد الكُتَّاب العلميين الرئيسيين في جريدة نيتشر Nature: “إن أخذ تسلسل معيَّن من الحفريات والزعم بأنه يمثِّل سلالة واحدة ليس فرضية علمية قابلة للاختبار، ولكنه تأكيد تتساوى صلاحيته مع قصص قبل النوم، مسلٍّ، وقد يقدّم معلومات مفيدة، ولكنه ليس علميًا”.
إن سجل الحفريات لا يكفي لإثبات العلاقة بسلف مشترك، وفي ضوء ما نعرفه حاليًا عن طبيعة الأنظمة البيولوجية المعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، يتضح أن سجل الحفريات لا يمت بصلة للقضية. وتَشابُه البنية أو التشريح بين الأشكال (يطلق عليه أحيانًا التماثل homology) لا يخبرنا أيضًا بأي شيء عن وجود سلف مشترك. فمايكل بيهي يكتب قائلاً:
التشريح ببساطة لا يمت بصلة لمسألة ما إذا كان حدوث التطور على المستوى الجزيئي ممكنًا أم لا. وهو ما ينطبق على سجل الحفريات أيضًا. فلم يُعد مهمًا ما إذا كان هناك فجوات كبيرة في سجل الحفريات أم أن السجل متصل مثل سجل رؤساء الولايات المتحدة. وإن كانت هناك فجوات، لا يهم ما إذا كان يمكن تفسيرها تفسيرًا معقولاً. فسجل الحفريات ليس عنده ما يخبرنا به عما إذا كانت التفاعلات بين الريتينال-سي تي إس-11 11- cts-retinalوالرودبسين rhodopsin والترانسدوسين transducin والفوسفودايسترس ]phosphodiesterase أنظمة معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال[ قد تكونت خطوة خطوة أم لا.
إذَن وفقًا لما يقوله بيهي، البيولوجيا تتفوق بامتياز على التشريح في تحديد معقولية الماكرو تطور. فكما أن محتويات الكتاب تقدِّم معلومات تتجاوز كثيرًا ما يقدمه غلاف الكتاب، هكذا التكوين البيولوجي للكائن يزودنا بكمية معلومات تزيد كثيرًا عن المعلومات التي يوفرها لنا تكوينه العظمي. ومع ذلك طالما حاجَّ الدارويبنيون بأن تشابه التكوين بين القردة العليا مثلاً والإنسان دليل على السلف المشترك (أو الانحدار من أصل واحد).
فهل يخطر على بالهم ابدًا أن تشابه البنية قد يدلل على مصمم مشترك لا سلف مشترك؟[3] فمهما كان، في عالم محكوم بقوانين فيزيائية وكيميائية معينة، ربما أن عدد البنى التشريحية التي ستسفر عن حيوانات مصمَّمة لتمشي على ساقين سيكون محدودًا جدًا، وبما أننا جميعًا يجب أن نعيش في نفس الغلاف الحيوي، ينبغي أن نتوقع تشابه بعض الكائنات في التصميم.
علاوة على ذلك، رغم أن بنية القردة العليا قد تتشابه مع بنية البشر، الحقيقة المهملة غالبًا هي أنه ليس هناك أي وجه شبه بين القردة العليا والبشر من ناحية والثعابين، والفطريات، والأشجار من ناحية أخرى. ولكن وفقًا للداروينية كل الكائنات الحية تطورت من سلف واحد. وإن قَبِلتَ الداروينية، يجب عليك أن تتمكن من تفسير الاختلاف الشاسع بين الكائنات الحية.
يجب عليك أن تفسّر مثلاً كيف أن النخلة، والطاووس، والأخطبوط، والجرادة، والخفاش، وفرس النهر، والقنفد، وفرس البحر، وخَنَّاق الذباب، والإنسان، وفطر العفَن؛ انحدرت جميعًا من أول حياة معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، دون تدخل ذكي. وعليك أيضًا أن تفسر كيف أتت أول حياة وكيف أتى الكون إلى الوجود. فبلا تفسيرات مقبولة منطقيًا، وهو ما يفشل الداروينيون في تقديمه، فإن الاعتقاد في الداروينية يتطلب إيمانًا مفرطًا. ولذلك لسنا نملك الإيمان الكافي للتحول إلى الداروينية.
هل التصميم الذكي بديل ذكي؟
يمكننا أن نقول المزيد والمزيد عن الماكرو تطور، ولكن المجال لا يسمح لنا أن نتوسع أكثر من ذلك. إلا أنه يمكننا استخلاص استنتاج معقول من البيانات التي بحثناها في هذا الفصل. ففي ضوء سجل الحفريات، والانعزال الجزيئي، واستحالة حدوث مراحل انتقالية، والتعقيد غير القابل للاختزال، والتغير التكراري، والحدود الوراثية (وعجز الداروينيين عن تفسير أصل الكون أو أول حياة)، قد تظن أن الداروينيين سيعترفون أخيرًا أن نظريتهم لا تتفق مع ما لوحظ من أدلة.
ولكن الداروينيون ما زالوا يقدمون قصصًا “بلا دليل” وبلا أساس، وتتناقض فعليًا مع الملاحظة العلمية. فهم ما زالوا يصرّون أن التطور حقيقة، حقيقة، حقيقة! إننا نتفق أن التطور حقيقة، ولكن ليس بالمعنى الذي يقصده الداروينيون. فإن كنت تُعَرِّف التطور بأنه “تغيُّر”، عندئذٍ من المؤكد أن الكائنات الحية قد تطوَّرت. ولكن هذا التطور حدث على المستوى الميكرو، لا الماكرو. وكما رأينا لا يوجد دليل على الماكرو تطور، بل إن عندنا أدلة تؤكد أنه لم يحدث.
فإن لم يكن الماكرو تطور صحيحًا، ما البديل؟ إن لم يكن هناك تفسير طبيعي لأصل الأشكال الجديدة من الحياة، إذَن لا بد من وجود تفسير ذكي. هذا هو الخيار الوحيد المتبقي. فليس هناك مرحلة انتقالية بين الذكاء واللاذكاء. إما ذكاءً تدخل في الأمر أو لا. ولكن الداروينيون لا يحبون هذا الخيار. فما إن تنفذ قدرتهم على الدفاع عن موقفهم بكفاءة باستخدام أدلة علمية محايدة (وهو ما يحدث بسرعة شديدة)، حتى يصوبوا عادةً أسلحتهم على أنصار التصميم الذكي، نحن المؤمنين بذكاء وراء الكون والحياة. وإليك اعتراضاتهم المعتادة وردودنا:
الاعتراض: التصميم الذكي ليس علمًا.
الرد: كما رأينا، العلم بحث عن المسببات، وليس هناك إلا نوعان من المسببات: الذكية وغير الذكية (الطبيعية). وزَعْم الداروينيين بأن التصميم الذكي ليس علمًا مبني على تعريفهم للعلم، وهو تعريف متحيز. ولكن هذه حجة دائرية![4] فإن كان تعريفك للعلم يستبعد المسببات الذكية مسبقًا، إذَن لن تعتبر أبدًا التصميم الذكي علمًا. إلا أن المضحك في أمر الداروينيين هو أنه: إن لم يكن التصميم الذكي علمًا، فالداروينية مثله. لماذا؟ لأن كلاً من الداروينيين وعلماء التصميم الذكي يحاولون اكتشاف ما حدث في الماضي.
والأسئلة المختصة بالأصل أسئلة أدلة جنائية، ومن ثم تتطلب استخدام مبادئ علم الأدلة الجنائية التي ناقشناها. والحقيقة أن استبعاد الداروينيين للتصميم الذكي من مجال العلم يعني أنهم يستبعدون أنفسهم ويستبعدون علم الآثار، وعلم الشفرة السرية، والأبحاث الجنائية المستخدمة في الجرائم والحوادث، والبحث عن ذكاء من خارج الأرض. كل هذه علوم أدلة جنائية مشروعة تفحص الماضي للتوصل إلى مسببات ذكية. إذَن لا بد أن التعريف الدارويني للعلم ينطوي على خطإً ما.
جدول 6-2 يبين الفرق بين العلم التجريبي وعلم الأدلة الجنائية:
العلم التجريبي
(الذي يدرس العملية الحالية Operation)
علم الأدلة الجنائية
(الذي يدرس الأصل Origin)
يدرس الحاضر
يدرس الماضي
يدرس الأحداث المنتظمة regularities
يدرس الأحداث الانفرادية singularities
يدرس المتكرِّر
يدرس غير المتكرِّر
يمكن إعادة الحدث
يستحيل إعادة الحدث
يدرس كيف تعمل الأشياء
يدرس كيف بدأت الأشياء
يُختبَر بتكرار التجريب
يُختبَر بالنمطية
يسأل: كيف يعمل الشيء؟
يسال: ما أصل الشيء؟
أمثلة:
كيف تسقط المياه؟
كيف تتآكل الصخور؟
كيف يعمل المحرك؟
كيف يلتصق الحبر بالورق؟
كيف تعمل الحياة؟
كيف يعمل الكون؟
أمثلة:
ما أصل المحطة الكهرومائية؟
ما أصل جبل رَشمور؟
ما أصل المحرك؟
ما اصل هذا الكتاب؟
ما أصل الحياة؟
ما أصل الكون؟
الجدول 6-2
الاعتراض: التصميم الذكي يرتكب مغالطة إله الفجوات.
الرد: تحدث مغالطة إله الفجوات عندما يعتقد المرء خطأً أن الله سبَّب الحدث رغم أنه في الواقع نتج بسبب ظاهرة طبيعية لم تُكتشَف. فمثلاً، كان الناس يعتقدون أن الله هو المسبب المباشر للبرق. فقد كانت هناك فجوة في معرفتنا بالطبيعة، فنَسَبْنا الأثر لله. ويؤكد الداروينيون أن المؤمنين بالله الخالق يفعلون الشيء نفسه عندما يزعمون أن الله خلق الكون والحياة. فهل هم على صواب؟ لا، لعدة اسباب.
أولاً، عندما نخلص إلى أن ذكاءً خلق أول خلية أو المخ البشري، لا نقول ذلك لمجرد إننا نفتقر لأدلة تشير إلى تفسير طبيعي؛ ولكن لأننا أيضًا نمتلك أدلة إيجابية يمكن رصدها تجريبيًا على وجود مسبب ذكي. فالرسالة (التعقيد المحدد) يمكن رصدها تجريبيًا. وعندما نرصد رسالة، مثل “أَخْرِج القمامة-ماما” أو 1000 موسوعة، نعرف أنه من المؤكد أنها أتت من كائن ذكي لأن كل خبراتنا القائمة على الملاحظة تخبرنا أن الرسائل لا تأتي إلا من كائنات ذكية.
فكلما نلاحظ رسالة، نجد أنها آتية من كائن ذكي. ونحن ندمج هذه البيانات مع حقيقة أننا لا نلاحظ أبدًا قوانين طبيعية تنشيء رسائل، ونعرف أنه لا بد أن يكون المسبب كائنًا ذكيًا. وهذا استنتاج علمي مقبول بناءً على الملاحظة والتكرار. فهي ليست محاجة تقوم على الجهل، ولا تقوم على أي “فجوة” في معرفتنا.
ثانيًا، علماء التصميم الذكي يقبلون كلاً من المسببات الطبيعية والذكية. فهم لا يعارضون البحث المستمر عن تفسير طبيعي لأول حياة. ولكن كل ما في الأمر أنهم يلاحظون أن كل التفسيرات الطبيعية المعروفة تبوء بالفشل، وكل الأدلة التي يمكن رصدها تجريبيًا تشير إلى مصمم ذكي.
والآن يمكننا أن نتساءل عن الحكمة وراء الاستمرار في البحث عن مسبب طبيعي للحياة. وسأل وليم دمبسكي الذي نشر أبحاثًا موسعة في التصميم الذكي قائلاً: “متى يتحول الإصرار ]على إيجاد مسبب طبيعي[ إلى صلابة دماغ حمقاء؟ … إلى متى يجب أن نستمر في البحث حتى يحق لنا أن نتوقف عن البحث ونعلن أنه لا جدوى من استمرار البحث، بل أيضًا أن موضوعَ البحثِ نفسَه لا وجود له؟”
فكِّر في مضامين سؤال دمبسكي. هل يجب أن نستمر في البحث عن مسبب طبيعي لظواهر مثل جبل رَشمور أو رسائل مثل “أَخْرِج القمامة-ماما”؟ متى يُغلَق هذا الملف؟
والتر برادلي Walter Bradley، المشارك في تأليف كتاب الأثر بعنوان “سر أصل الحياة” The Mystery of life’s Origin يعتقد أنه “لا يبدو أن هناك أي إمكانية للعثور على ]تفسير طبيعي[” لأصل الحياة. وهو يضيف قائلاً: “أظن أن مَن يعتقدون أن الحياة نشأت طبيعيًا يحتاجون إلى قدر من الإيمان يفوق بكثير إيمان من يستدلون منطقيًا على مصمم ذكي”.
بصرف النظر عما إذا كنت تعتقد أنه علينا أن نستمر في البحث عن تفسير طبيعي أم لا، فالنقطة الرئيسية هي أن علماء التصميم الذكي يقبلون كلاً من المسببات الطبيعية والذكية. ولكن اتضح أن المسبب الذكي هو أكثر ما يتفق مع الأدلة.
ثالثًا، استنتاج التصميم الذكي يمكن تخطيئه. أي أن التصميم الذكي يمكن إثبات خطئه إذا اكتُشِف يومًا ما أن القوانين الطبيعية خلقت التعقيد المحدد. إلا أن هذا لا يمكن أن ينطبق على الموقف الدارويني. فالداروينيون لا يسمحون بتخطيء “قصة الخلق” الخاصة بهم لأنهم، كما أشرنا، لا يسمحون بالتفكير في أي قصة خلق أخرى. وذلك لأن “عِلمهم” ليس مبدئيًا يقبل المراجعة أو التصحيح، ولكنه أضيق أفقًا من تعاليم الكنيسة المتصلبة التى يحلو للداروينيين انتقادها.
وأخيرًا، الحقيقة أن الداروينيين هم من يرتكبون مغالطة إله الفجوات. فداروين نفسه اتُّهِم ذات مرة بأنه يعتبر الانتخاب الطبيعي “قوة عاملة أو الله” (انظر الفصل الرابع من كتاب “أصل الأنواع” Origin of Species). ولكن يبدو ان الانتخاب الطبيعي هو فعلاً الله أو “إله الفجوات” عند الداروينيين اليوم. فعندما يفشلون تمامًا في معرفة كيف وًجِدَت الأنظمة البيولوجية الغنية بالمعلومات والمعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، يسدون فجوتهم المعرفية بأن يزعموا أن الانتخاب الطبيعي، والزمن، والصدفة فعلت ذلك.
إن قدرة هذه الآلية على خلق أنظمة بيولوجية غنية بالمعلومات تناقض الأدلة التي ثبتت بالملاحظة. فالطفرات ضارة في كل الحالات تقريبًا، والزمن والصدفة ليسا في صالح الداروينيين كما شرحنا في الفصل الخامس. والانتخاب الطبيعي في أحسن الأحوال قد يكون مسؤولاً عن تغيرات طفيفة في الأنواع الحية، ولكنه لا يستطيع أن يفسر أصل الأشكال الأولى من الحياة.
فالانتخاب الطبيعي لكي يحدث أصلاً يحتاج إلى كائن حي يبدأ به عمله. ولكن، بالرغم مما يتضح من مشكلات في الآلية الداروينية، يصر الداروينيون على أنها تسد أي فجوة في معرفتهم. وإضافة إلى ذلك، يتجاهلون عمداً الأدلة الإيجابية المرصودة بالتجريب على وجود كائن ذكي. أن هذا ليس علمًا بل عقيدة جامدة لدين علماني. فالداروينيون مثل معارضي جاليليو يسمحون لديانتهم أن تتغلب على الملاحظات العلمية!
الاعتراض: التصميم الذكي مدفوع بالدين.
الرد: هذا الاعتراض له شقان. الأول هو أن بعض أنصار التصميم الذكي قد يكونون مدفوعين بالدين. وما العيب في ذلك؟ هل هذا يجعل التصميم الذكي خاطئًا؟ هل الدافع الديني عند بعض الداروينيين يجعل الداروينية خاطئة؟ لا، الحق لا يكمن في دوافع العلماء، بل في جودة الأدلة. فدافع العالِم أو تحيزه لا يعني بالضرورة أنه مخطئ. فمن الممكن أن يكون متحيزًا ومع ذلك صائبًا. التحيز أو الدافع ليس هو القضية الأساسية، ولكن الحق هو القضية.
واحيانًا ما يقال الأعتراض بهذه الطريقة: “لا يمكنك أن تصدق أي شيء يقوله عن الأصول لأنه خَلْقيّ”. على أي حال، إن كان السيف يقطع، فهو يقطع على الجانبين. أي أنه يمكننا أيضًا أن نقول: “لا يمكنك أن تصدق أي شيء يقوله عن الأصول لأنه دارويني”.
لماذا تُعتبَر الاستنتاجات الخَلْقية فورًا متحيزة وتُعتبَر الاستنتاجات الداروينية تلقائيًا موضوعية؟ لأن الأغلبية لا تدرك أن الملحدين لديهم منظور فلسفي للحياة مثلهم مثل الخَلْقيين. وكما نرى منظور الملحدين الفلسفي ليس محايدًا وهو يتطلب فعليًا قدرًا من الإيمان يزيد عن إيمان الخلقيين.
وكما ذكرنا آنفًا، إن التحيزات الفلسفية او الدينية تمنع المرء من تفسير الأدلة تفسيرًا صحيحًا، عندئذٍ يحق لنا أن نشك في استنتاجاته. وفي الموضوع الذي نحن بصدده، يبدو أن الداروينيين هم أكثر من يواجهون تلك المشكلة. إلا أن النقطة الرئيسية هي أنه حتى إن كان المرء مدفوعًا بالدين أو الفلسفة، يمكنه تصحيح استنتاجاته بنظرة مخلصة للأدلة. فالعلماء على الجانبين قد يصعب عليهم أن يكونوا محايدين، ولكنهم إن كانوا أمناء، يمكنهم أن يكونوا موضوعيين.
أما الشق الثاني في هذا الأعتراض هو الاتهام القائل بأن مؤيدي التصميم الذكي ليس لديهم أدلة على موقفهم، كل ما في الأمر أنه يرددون كلام الكتاب المقدس ترديدًا ببغائيًا. وهذا الشق من الاعتراض لا ينجح أيضًا.
فمعتقدات التصميم الذكي قد تتوافق مع الكتاب المقدس، ولكنها لا تقوم على الكتاب المقدس. ولكن كما رأينا، التصميم الذكي استنتاج يقوم على أدلة مرصودة تجريبيًا، لا على نصوص مقدسة. وكما أشار بيهي “الحياة على الأرض أساسها، وفي مكوناتها الجوهرية نتاج نشاط ذكي. واستنتاج التصميم الذكي ينبع تلقائيًا من البيانات نفسها، لا من كتب مقدسة أو معتقدات دينية”.
التصميم الذكي ليس “عِلمًا خَلْقيًا” أيضًا. علماء التصميم الذكي لا يزعمون مزاعم المدعوين “علماء الخلق”. فهم لا يقولون أن البيانات تؤيد بكل وضوح منظور سفر التكوين ذا الأيام الستة التي يتكون كل منها من أربع وعشرين ساعة، ولا طوفانًا غطى العالم كله. ولكنهم يعترفون أن البينات المؤيدة للتصميم الذكي لا تقوم على عمر أو تاريخ جيولوجي محدد للأرض.
وعلماء التصميم الذكي يدرسون في الطبيعة نفس الأشياء التي يدرسها الداروينيون، وهي الحياة والكون نفسه، ولكنهم يتوصّلون لاستنتاج أكثر منطقية بخصوص مسبِّب تلك الأشياء. باختصار، بصرف النظر عما يقوله الكتاب المقدس في هذا الموضوع، الداروينية مرفوضة لأنها لا تتوافق مع البيانات العلمية، والتصميم الذكي مقبول لأنه متوافق مع البيانات.
الاعتراض: التصميم الذكي خاطئ لأن المدعو تصميمًا لا يتسم بالكمال.
الرد: طالما حاجَّ الداروينيون أنه لو وُجِد مصمِّم، لصمَّم المخلوقات على نحو أفضل. وهو ما أشار إليه ستيفن جاي في كتابه “إبهام الباندا” The Panda’s Thumb حيث استشهد بالتصميم غير المثالي للبروز العظمي الذي يقوم مقام الإبهام عند حيوان الباندا.
إن مشكلة الداروينيين أن هذا ينقلب إلى حجة لمصلحة المصمم لا حجة ضده. أولاً، وصف جولد لشيءٍ ما بأنه تصميم غير مثالي يعني ضمنيًا أنه يعرف التصميم المثالي. لأنه لا يمكنك أن تعرف شيئًا ما غير مثالي إلا إذا كنت تعرف المثالي. إذَن ملاحظة جولد لتصميم غير مثالي تمثل اعترافًا ضمنيًا بأنه يمكن رصد تصميم في إبهام الباندا. (بالمناسبة، هذا سبب آخر يجعل الداروينيين مخطئين عندما يؤكدون أن التصميم الذكي ليس علمًا.
فعندما يزعمون أن شيئًا ما ليس مصممًا بشكل صحيح، يقصدون ضمنًا أنهم يستطيعون أن يحددوا التصميم الصحيح. وهو ما يثبت ما يقوله علماء التصميم الذكي منذ زمن بعيد، ألا وهو أن التصميم الذكي علمًا لأنه يمكن رصده تجريبيًا).
ثانيًا، التصميم غير المثالي لا يلغي وجود تصميم. وهو ما يعني أنه حتى إن حَكمْتَ أن شيئًا ما ليس مصممًا بالشكل المثالي، لا يعني هذا أنه ليس مصمَّمًا على الإطلاق. فسيارتك ليست مصممة بالشكل المثالي، ومع ذلك فهي مصممة، مؤكد أنها لم تتكون بالقوانين الطبيعية.
ثالثًا، حتى تقول إن شيئًا غير مثالي، لا بد أن تعرف أهداف المصمم أو أغراضه.فإن كان جولد لا يعرف ما كان يقصده المصمم، فلا يمكنه أن يقول إن التصميم يَقْصُر عن بلوغ تلك المقاصد. فكيف يعرف جولد أن إبهام الباندا ليس هو بالضبط ما كان في عقل المصمم؟
جولد يفترض أن إبهام الباندا يجب أن يكون مجاورًا للسبابة كما هو الحال في الإنسان. ولكن ربما أن المصمم أراد إبهام الباندا بالشكل الذي هو عليه. وبالرغم من كل شيء، فإبهام الباندا يؤدي غرضه بامتياز في مساعدة الباندا على تقشير نباتات البامبو حتى يصل إلى جزئه الداخلي الذي يمكن أكله. من المحتمل أن الباندا لا يحتاج إبهامًا مجاورًا للسبابة لأنه لا يحتاج أن يكتب كتابًا مثل جولد، ولكن كل ما يحتاجه هو تقشير البامبو. لذا، لا يمكن لجولد أن يخَطِّئ مصمم ذلك الإبهام إن كان الغرض منه لا يزيد عن تقشير البامبو.
أخيرًا، في عالم مقيَّد بالواقع الفيزيائي، يتطلب التصميم كله تحقيق نوع من التوازن. فحسابات اللاب توب لا بد أن تُوازِن بين الحجم، والوزن، والأداء. والسيارات الكبيرة قد توفر مزيدًا من الأمان والراحة، ولكن التحكم فيها أصعب وتستهلك كمية أكبر من الوقود. السقوف العالية تُزيد الغرف فخامةً، ولكنها تستهلك أيضًا مزيدًا من الطاقة. ونظرًا لاستحالة التخلص من التوازنات في هذا العالم، على المهندسين أن يبحثوا عن حلول وسطية تحقق الأغراض المرجوة بأفضل ما يمكن.
فمثلاً، لا يمكنك أن تعيب على تصميم سيارة صغيرة لأنها لا تكفي خمسة عشر راكبًا. فالهدف هو أن تحمل أربعة ركاب لا خمسة عشر راكبًا. وذلك لأن مصنع السيارات ضحى بالحجم في سبيل توفير الوقود وحَقَّقَ الغرض المرجو. وهكذا، ربما يُعَدّ تصميم إبهام الباندا حلاً وسطًا يحقق الأغراض المرجوة. فالإبهام مناسب جدًا لتقشير البامبو. ربما لو صُمِّمَ الإبهام بأي شكل آخر، لأعاق الباندا في مجال آخر. فنحن لا نعرف إلا إذا عرفنا أهداف المصمم. ولكن ما نعرفه بالتأكيد أن انتقادات جولد لا تنجح دون معرفة تلك الأهداف.
إذَن لماذا يوجد داروينيون حتى الآن؟
إن كانت أدلة التصميم الذكي بهذه القوة، إذَن لماذا يوجد داروينيون حتى الآن؟ فمهما كان، هؤلاء الأشخاص ليسوا سُذَّجًا، بل أسماؤهم عادةً ما تكون مسبوقة بلقب دكتور!
أول ما يجب ملاحظته أن المسألة ليست مجرد قضية فكرية حيث ينظر الداروينيون إلى الأدلة نظرة متجردة من المشاعر الشخصية ثم يتوصلون إلى استنتاج عقلاني. فقد كتب ريتشارد دوكينز هذه الكلمات المشهورة: “إن التقيتَ بشخص يزعم أنه لا يؤمن بالتطور، تستطيع أن تقول بكل إرتياح وثقة إنه جاهل، أو غبي، أو مجنون (أو شرير، وإن كنت لا أفضل أن آخذ هذا الوصف في الحسبان)”. وطبعًا تعليق دوكينز خاطئ بكل بساطة.
وذلك لأن هناك عباقرة حملة دكتوراه يؤمنون بالتصميم الذكي. ولكن السؤال الحقيقي هو: لماذا الإهانات؟ لماذا الانفعال؟ لماذا العداوة؟ كنت أظن أن الموضوع علمي. لا بد أن هناك شيئًا آخر. نعم. لنرجع إلى كلام ريتشارد ليونتِن الذي اقتبسناه في الفصل السابق. تَذَكَّر تأكيده أن الداروينيين يؤمنون بما يؤمنون به من عبث لأن “المادية مطلقة لأننا لا نستطيع أن نسمح بدخول قَدَم إلهية من الباب”. هذه هي القضية الحقيقية! إبقاءُ الله خارجًا. ولكن لماذا لا يريد الداروينيين “قدمًا إلهية في الباب”؟ نقترح أربعة أسباب رئيسية.
أولاً، اعتراف الداروينيين بالله يعني الاعتراف بأنهم ليسوا السلطة المرجعية العليا للحق. فحاليًا في هذا العالم المتقدِّم تكنولوجيًا، تنظر العامة إلى العلماء باعتبارهم السلطة المرجعية الموقَّرة، إنهم الكهنة الجدد الذين بِيَدِهم إمكانية تحسين الحياة والذين يشكلون المصدر الوحيد للحق الموضوعي. ولكن السماح بإمكانية وجودِ الله يعني التنازل عن زعمهم بأنهم أصحاب السلطة العليا.
ثانيًا، اعتراف الداروينيين بالله يعني الاعتراف أنهم ليسوا أصحاب السلطة المرجعية المطلقة في تفسير المسببات. بمعنى أنه إن كان الله موجودًا لا يمكنهم أن يفسروا كل حدث باعتباره نتيجة لقوانين طبيعية يمكن التنبؤ بها. وهو ما عَبَّرَ عنه ريتشارد ليونتن على هذا النحو: “الاحتكام إلى إله كلي القدرة يعني السماح بخرق منتظِمات الطبيعة في أي لحظة، والسماح بالمعجزات”. وكما أشار جاسترو أنه عندما يحدثُ ذلك “يفقد العالِم السيطرة” ويتركها لله بالتأكيد، وربما للاَّهوتي.
ثالثًا، اعتراف الداروينيين بالله يعني المخاطرة بأمانهم المادي وإعجاب الناس بهم على المستوى المهني. كيف؟ بسبب الضغط الشديد من المجتمع الأكاديمي لنشر مواد تؤيد التطور. هات موضوعًا مهمًا، وقد تجد نفسك على غلاف مجلة ناشونال جيوجرافك National Geographic أو موضوع حلقة خاصة على محطة بي. بي. إس PBS. وإن لم تجد شيئًا مهمًا، قد تجد نفسك خارج وظيفتك، أو قد تفقد الأموال الممنوحة لك، أو تفقد على الأقل رضا زملائك المؤمنين بالفلسفة المادية. إذَن المال، والأمان الوظيفي، والمركز الاجتماعي كلها دوافع لتأييد المنظور الدارويني.
أخيرًا، وربما الأهم، اعتراف الداروينيين بوجودِ الله يعني الاعتراف بأنهم لا يملكون سلطةَ تعريفِ الصواب والخطإ بأنفسهم. فاستبعاد الداروينيين لما هو فائق للطبيعة يُمَكِّنهم من تجنب إمكانية وجود ممنوعات أخلاقية. لأنه إن لم يكن هناك إله، يكون كل شيء مشروعًا، كما قالت إحدى الشخصيات في رواية للكاتب دوستويفسكي. (سنتناول الارتباط بين الله والأخلاق في الفصل القادم).
والحقيقة أن الراحل جوليان هَكسلي Julian Huxleyأحد قادة الداروينيين في إحدى الفترات، اعترف أن الحرية الجنسية دافع شائع وراء العقيدة التطورية. وعندما سأله مرف جريفن Merv Griffin مضيف البرامج الحوارية: “لماذا يؤمن الناس بالتطور؟” أجاب بصدق قائلاً: “سبب قبولنا للداروينية، حتى دون برهان، هو أننا لم نُرِدْ أن يتدخل الله في أعرافنا الجنسية”. لاحظ أنه لم يستشهد بأدلة على التولد التلقائي ولا من سجل الحفريات. والدافع الذي لاحظ انتشاره بين التطوريين يقوم على استحسانات أخلاقية، لا أدلة علمية.
ويكشف الملحد السابق لي ستروبِل Lee Strobel أن إيمانه بالداروينية يرجع إلى هذا الدافع. فهو يكتب: “كنتُ سعيدًا أن أتعلق بالداروينية كذريعة للتخلص من فكرِة الله حتى أتمكن من تحقيق أغراضي في الحياة بلا خجل دون أي محاذير أخلاقية”.
وقد اعترف بعض الداروينيين أيضًا بذلك للكاتب والمحاضر رون كارلسون. ففي إحدى المناسبات، بعد أن ألقى محاضرة في جامعة كبرى عن مشكلات الداروينية وأدلة التصميم الذكي، تناول العشاء مع أستاذ علم الأحياء حَضَرَ عَرْضَه.
فسأله كارلسون: “ما رأيك في محاضرتي؟”
فبدأ الأستاذ كلامه قائلاً: “رون، كلامك صحيح ومعقول جدًا. ولكني سأستمر في تدريس الداروينية على أي حال”.
فتحير كارلسون وسأله: “لماذا؟”
أجاب الأستاذ: “بصراحة يا رون لأن الداروينية مريحة أخلاقيًا”.
فسأل كارلسون بإلحاح: “مريحة أخلاقيًا؟ ماذا تقصد؟”
أجاب الأستاذ: “أقصد إن كانت الداروينية صحيحة، أي أن لم يكن الله موجودًا وكلنا تطورنا من طحالب خضراء لزجة، يمكنني أن أنام مع من أريد. في الداروينية لا مُساءلة أخلاقية”.
إنها لحظة صدق تام. طبعًا هذا لا يعني أن كل الداروينيين يفكرون بهذه الطريقة أوأن كل الداروينيين غير أخلاقيين، فلا شك أن البعض يعيشون حياة أخلاقية أفضل من الكثيرين ممن يُدْعَون مسيحيين. ولكنه يكشف ببساطة أن بعض الداروينيين مدفعون لا بالأدلة بل برغبة في أن يظلوا أحرارًا مما يضعه الله من محاذير أخلاقية معروفة.
وهذا الدافع قد يؤدي بهم إلى إخماد الأدلة على وجود خالق حتى يواصلوا حياتهم بالطريقة التي تحلو لهم. (وبهذا المعنى لا تختلف الداروينية عن الكثير من أديان العالم الأخرى من حيث إنها تقدم طريقة للتعامل مع الذنب الذي ينتج من السلوك غير الأخلاقي. الفرق هو أن بعض الداروينيين بدلاً من أن يُقِرَوا بالذنب ويقدموا طرقًا للتكفير عنه أو قواعد لتجنبه، يحاولون أن يتجنبوا أي إشارة للذنب بتأكيد أنه ليس هناك سلوك غير إخلاقي حتى نكون مذنبيين بارتكابه).
هذه الدوافع الأربعة التي اقترحناها يجب ألا تدهشنا. فالجنس والسلطة هما الدافعان اللذان يشكلان أساس الكثير من مناقشتنا الثقافية الأشَدّ حدةً، مثل تلك المختصة بالإجهاض والمثلية الجنسية. ففي أغلب الأحيان يتخذ الناس في تلك المجادلات المواقف التي تتماشى مع رغباتهم الشخصية فحسب بدلاً من أن يفكروا في الأدلة.
وكذلك الاعتقاد في الداروينية غالبًا ما يكون مسألة إرادية أكثر منه مسألة عقلية. وأحيانًا يرفض الناس ما يعرفون أنه حقيقي بسبب ما سيُحدثه من تأثير على حياتهم الشخصية. وهو ما يفسر اقتراح بعض الداروينيين لهذه التفسيرات العبثية “المناقضة لما هو واضح”، التفسيرات التي “تخالف الحس العام”. فالبرغم من الأدلة الصريحة على التصميم، هؤلاء الداروينيون يخشون تدخل الله في حياتهم الشخصية أكثر مما يخشون أن يكونوا مخطئين في استنتاجتهم العلمية.
وهو ما لا يعني أن كل الداروينيين لديهم هذه الدوافع وراء معتقداتهم. فالبعض قد يعتقدون فعلاً أن الأدلة تؤيد نظريتهم. ونظن أنهم يكَوِّنون هذا المفهوم الخاطئ لأن معظم الداروينيين نادرًا ما يدرسون أبحاثًا في مجالات أخرى. والنتيجة أن عددًا قليلاً جدًا هو من يرى الصورة كاملة.
وهو ما ينطبق بوجه خاص على علماء الأحياء. فعالِم الأحياء الخلوية والجزيئية جوناثان ولز يشير إلى أن “معظم علماء الأحياء أمناء ومجتهدون وحريصون على تقديم الأدلة بدقة، ولكنهم نادرًا ما يغامرون بالخروج من مجالاتهم”. وهو ما يعني أنه بالرغم من أنهم أمناء في عملهم، فهم لا يرون إلا قطعة اللغز التي تخصهم.
وبما أن معظم علماء الأحياء تعلموا أن سطحَ علبة اللغزِ الداروينيَّ صحيح بوجه عام (فقط تلك التفاصيل المزعجة هي التي لم يوجد لها حل حتى الآن)، إذَن هم يفسرون قطعة اللغز التي تخصهم بناءً على سطح العلبة الذي في عقولهم، مفترضين صدق المنظور الدارويني ومفترضين أن أقوى الأدلة على الداروينية موجودة في مجال آخر من مجالات علم الأحياء.
لذا، حتى إن كانوا لا يرون أدلة على التولد التلقائي أو الماكرو تطور في قطعة اللغز التي تخصهم، فمن المؤكد أن الدليل موجود في مجال آخر في علم الأحياء لأن سطح العلبة الدارويني يستلزم أن تكون الأمور صحيحة. وهذه الظروف تجعل علماء الأحياء لا يَشُكّون في النموذج التطوري.
ما اهمية عمر الكون؟
لا نستطيع أن نترك مناقشة التطور والخلق دون أن نذكر على الأقل عمر الكون. وبما أن الآراء تتعدد حول هذا الموضوع، وخاصةً في الدوائر المسيحية، فالمجال هنا لا يسمح بتناول كل هذه الآراء (ولكنها مشروحة بالتفصيل في “موسوعة بيكر للدفاعيات المسيحية واللاهوت النظامي، الجزء الثاني” Baker Encyclopedia of Christian Apologetics and Systematic Theology, Volume 2).
إلا أننا نريد أن نؤكّد أنه رغم أن عمر الكون مسألة لاهوتية مهمة، فالأهم ليس متى خُلِقَ الكون ولكن أنه خُلِقَ. وكما رأينا الكون انفجر إلى الوجود من العدم، وقد ضُبِطَ ضبطًا دقيقًا ليدعم الحياة على الأرض. وبما أن هذا الكون، بما فيه مُتَصَّل الزمكان time-space continuum كله، له بداية، إذَن يتطلب بادئًا بغضِّ النظر عن الوقت الذي حدثت فيه هذه البداية. وهكذا، بما أن هذا الكون مصمَّم، إذَن هو يتطلب مصمِّمًا بغض النظر عن الوقت الذي تم فيه هذا التصميم.
يمكننا أن نناقش مدة أيام سفر التكوين، أو ما إذا كانت الافتراضات التي تقوم عليها أساليب تحديد عمر الأرض افتراضات صحيحة. ولكننا عندما نفعل ذلك، لا بد أن نحترس من التشويش على الفكرة الأهم، ألا وهي أن هذه الخليقة تتطلب خالقًا.[5]
الملخص والخلاصة
والآن نصل إلى فصل القول. ليس هناك فعليًا إلا احتمالان: إما أن الله خَلَقَنا، أو أننا خَلَقْنا الله. إما أن الله موجود فعلاً، أو أنه من نسجِ عقولنا. وكما رأينا الداروينية حيث لا إله هي نتاج العقل البشري. ولا بد أن تتمتع بقدر كبير من الإيمان حتى تصبح داروينيًا. وعليك أن تؤمن أنه بدون تدخل ذكي:
1- شيء نشأ من لا شيء (أصل الكون).
2- النظام نشأ من الفوضى (تصميم الكون).
3- الحياة نشأت من اللاحياة (أي أن الذكاء نشأ من اللاذكاء، والشخصية من اللاشخصية).
4- الأشكال الجديدة من الحياة نشأت من أشكال حياة موجودة رغم الأدلة التي تُثْبت العكس مثل:
(1) الحدود الوراثية
(2) التغير التكراري
(3) التعقيد غير القابل للاختزال
(4) الانعزال الجزيئي
(5) عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة
(6) سجل الحفريات
أذَن الأدلة ليست في صالح الماكرو تطور. ولكن ماذا عن الماكرو تطور الخَلقي؟ ربما ما لا يمكن تفسيره طبيعيًا يصبح له معنى إن أدخلت الله في الصورة.
لماذا هذا الاقتراح؟ لأنه إن وُجِدَت أدلة على الله وعلى الماكرو تطور، إذَن قد نجد سببًا لدمج الاثنين معًا. ولكن كما رأينا، ليس هناك أدلة على الماكرو تطور. فالأمر ليس أن عندنا أدلة متضاربة: بعضها يشير إلى الماكرو تطور، وبعضها يدحضه.
فإن كان عندك مثلاً سجل حفريات يحوى ملايين الأشكال الانتقالية من ناحية، وعندك من ناحية أخرى مخلوقات معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، ربما يمكنك أن ترجح أن الله وَجَّهَ التطور أثناء تلك الفجوات التي لا يربط بينها ارتباط. ولكن بما أن الحال ليس هكذا، يبدو أنه لا حاجة أن يوجِّه الله الماكرو تطور لأنه ليس هناك دليل على حدوث الماكرو تطور أصلاً!
أخيرًا نلقي نظرة على الأدلة من منظور سؤال آخر: ما نوعية الأدلة المطلوبة لإثبات صحة الخلق (التصميم الذكي)؟ ماذا عن:
1- الكون انفجر إلى الوجود من العدم
2- الكون الذي يحوي أكثر من 100 ثابت مضبوطة ضبطًا دقيقًا وتُمَكِّن الحياة من الوجود على هذا الكوكب النائي شديد الصغر الذي يُطلَق عليه الأرض
3- الحياة التي:
لوحظ أنها لا تنشأ من حياة موجودة (لم يُلحَظ أبدًا أنها نشأت تلقائيًا)
تتكون من آلاف بل ملايين الموسوعات من التعقيد المحدد المرصود تجريبيًا (ومِن ثم فالحياة أعظم من المواد الكيميائية غير الحية التي تحويها)
تتغير تكراريًا وفي نطاق محدود
لا يمكن بناؤها أو تعديلها تدريجيًا (أي أنها معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال)
منعزلة جزيئيًا فيما بين الأشكال الأساسية (ليس هناك تدرج ينحدر من سلف واحد على المستوى الجزيئي)
تترك سجل حفريات يحوي كائنات مكتماة التكوين تظهر فجأة، ولا تتغير، ثم تختفي فجأة.
إن نظرة متجردة إلى الحقائق ترجِّح أن الخلق هو الصحيح، وليس الماكرو تطور. وكما رأينا الملحدون عليهم أن يبذلوا جهدًا كبيرًا حتى ينكروا الواضح. ولذلك فهم يحتاجون إلى إيمان أكبر بكثير مما نحتاج إليه.
أخيرًا، نقدم مقترحًا في حل الجدل الدائر في هذا البلد بشأن ما يجب تدريسه في المدارس الحكومية عن الخلق والتطور. ما الخطأ في تدريس ما تناولناه من الفصل الثالث إلى السادس؟ لاحظ أننا لم نقتبس آيات من الكتاب المقدس لإثبات أفكارنا. ولكننا استشهدنا بأدلة علمية. إذَن فهي ليست معركة بين العلم والدين، ولكنها معركة بين العلم السليم والعلم الركيك. وحاليًا معظم أبنائنا يدرسون علمًا ركيكًا لأنهم يدرسون إلا التطور. ولكن الأمور يجب ألا تسير هكذا.
فما هو ضد الدستور في تدريس أدلة SURGE، أو تعريف الأطفال بتعقيد أبسط أشكال الحياة، أو إظهار الفرق بين الميكرو والماكرو تطور وبين علم الأدلة الجنائية والعلم التجريبي، أو كشف المشكلات التي تشوب الماكرو تطور؟ لا شيء. فلماذا نستمر في حقن أبنائنا بنظرية معيبة متهرئة تقوم على افتراضات فلسفية مسبقة أكثر مما تقوم على الملاحظات العلمية؟ لماذا لا نطرح على أبنائنا كل الأدلة العلمية، المؤِّيدة والمضادة، ونترك لهم الاختيار؟
ألا يجب أن نعلِّمهم أن يفكِّروا بأنفسهم تفكيرًا نقديًا؟ بالطبع، علينا أن نفعل ذلك. ولكن الداروينيون سيفعلون كل ما بوسعهم للحيلولة دون هذا الأمر. فالداروينيون يفضلون إخماد الدليل على تقديمه بشكل منصف. لماذا؟ لأن هذا هو المجال الوحيد الذي يفتقر فيه الداروينيون للإيمان، فهم لا يملكون الإيمان بأن أبناءنا سيستمرون في تصديق نظريتهم إذا رأوا كل الأدلة.
[1] Bit اختصار binary digit وتستخدم كوحدة قياس للمعلومات الرقمية. (المترجمة)
[2] يتفق ميلر مع بيهي في أن الانتخاب الطبيعي لا يستطيع أن يفضّل تطور جهاز لا يعمل. ولكنه يفند الحجة باقتراحه أن المصيدة في المرحلة الإنتقالية، عندما لا تقدر على اصطياد الفئران، يمكن أن تعمل كمشبك ربطة عنق أو سلسلة مفاتيح (انظر !).
وهو ما يخطئ الهدف طبعًا. فالكائنات الحيّة المعقدة لا يمكنها أن تستبدل عشوائيًا وظيفة بوظيفة آخرى وتظل على قيد الحياة. ولكن الكائن الحي يموت لو فشلت أجزاؤه الأساسية في أداء وظيفتها الأولية، حتى إن كانت تؤدي وظيفة أخرى أثناء مرحلته الانتقالية الداروينية. أي أن المهم هو فقدان الوظيفة الأساسية، وليس أن الجهاز المتوسط قد يتمكن من فعل شيء آخر في المرحلة المتوسطة!
[3] كما رأينا، ينطبق ذلك على تشابه الـDNA الذي يمكن أن يكون أيضًا نتيجة لمصمم مشترك تمامًا كما يمكن أن يكون نتيجة لسلف مشترك.
[4] انظر الحاشية السفلية ص 144. (المترجمة)
[5] بعض المسحيين يخشون من أن التسليم بفترات زمنية طويلة يُزيد من معقولية الماكرو تطور. ولكن هذا ليس صحيحًا كما رأينا في الفصل الخامس.
الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد
’’ الجاهل الذي لا يعرف شيئاً عن العلم هو فقط من يقول إن العلم يقلل من الإيمان. لأنك إن درست العلم بحق يقربك العلم من الله‘‘.
’’چيمز تور‘‘James Tour عالم نانو
لا بد أن الأدلة الفلكية على وجود الله قوية طالما أن الفيزيائيين الملحدين يعترفون أن’’الكون انفجر من العدم‘‘، وعلماء الفلك اللاأدريين يزعمون أن’’قوى فوق طبيعية‘‘ عملت في البداية، حتى إن العلماء يجدون أنفسهم يعودون إلى’’مجموعة من اللاهوتيين… وقد جلسوا هناك منذ قرون‘‘(انظر الفصل الثالث). إلا أن الأدلة العلمية على وجود الله لا تنتهي عند الحجة الكونية. فالكثيرون يرون أن الدقة التي انفجر بها الكون إلى الوجود تزودنا بدليل أكثر إقناعاً على وجود الله.
وهذا الدليل يعرف اصطلاحاً باسم الحجة الغائية Teleological Argument، اسمه مشتق من الكلمة اليونانية telos التي تعني ’’تصميم‘‘. وتقول الحجة الغائية:
لكل تصميم مصمِّم.
الكون له تصميم شديد التعقيد.
إذن الكون له مصمِّم.
وقد أكد’’إسحاق نيوتن‘‘(1642-1727) ضمناً صحة الحجة الغائية عندما عبر عن اندهاشه من تصميم مجموعتنا الشمسية، وكتب’’إن هذا النظام الأخاذ الذي يحكم الشمس، والكواكب، والنيازك لا يمكن أن ينبثق إلا من مشورة وسيادة كائن ذي ذكاء وقوة‘‘.1إلا أن ’’وليم پبلي‘‘ William Paley(1743-1805) هو من أعطى الحجة شهرة واسعة عندما صرح تصريحاً بديهاً مفاده أن كل ساعة تتطلب صانعاً.
تخيل أنك تسير في الغابة ووجدت في الأرض ساعة ماركة’’رولكس‘‘ مرصعة بالألماس. فما الذي تظن أنه مسبب تلك الساعة: الريح والمطر؟ عوامل التعرية؟ مزيج من القوى الطبيعية؟ بالطبع لا! لن تشك لحظة أن كائناً ذكياً صنع تلك الساعة، وأنها سقطت صدفة من شخص سيء الحظ في تلك الغابة.
والعلماء اليوم يكتشفون أن الكون الذي نعيش فيه يشبه تلك الساعة’’رولكس‘‘ المرصعة بفصوص الألماس، فيما عدا أن الكون مصمَّم بدقة تتجاوز دقة تصميم الساعة. والحقيقة أن الكون مصمم بدقة تسمح تحديداً بوجود الحياة على الأرض، وهي كوكب يحوي المئات من الظروف المتكافلة التي يعتبر وجودها أمراً غير محتمل الحدوث، وهذه الظروف تدعم الحياة وتجعل الأرض واحة شديدة الصغر وسط كون شاسع عدائي.
وهذه الظروف البيئية المتكافلة متناهية الدقة (التي يطلق عليها’’الثوابت الإنسانية‘‘ ’’anthropic constants‘‘) تشكل ما يعرف باسم’’المبدأ الأنساني‘‘’’Anthropic Principle‘‘. وكلمة’’Anthropic‘‘ مشتقة من كلمة يونانية تعني ’’إنساني‘‘أو’’إنسان‘‘. والمبدأ الإنساني هو مجرد تسمية جذابة للأدلة المتراكمة التي تجعل الكثير من العلماء يعتقدون أن الكون مضبوط ضبطاً في منتهى الدقة(مصمَّم) بحيث يدعم الحياة البشرية هنا على الأرض.
وفي هذا الكون الشاسع العدائي، نحن البشر سكان كوكب الأرض نشبه كثيراً رواد الفضاء الذين لا يمكنهم البقاء على قيد الحياة إلا بين جدران سفينتهم الفضائية الصغيرة. وأرضنا مثل سفينة الفضاء، تدعم الحياة بينما تنطلق وسط فضاء بلا حياة. ولكنها مثل سفينة الفضاء أيضاً من حيث أنه إذا حدث أي تغير طفيف أو خلل في أي من العوامل، سواء في الكون أو في الأرض نفسها، يمكنه أن يحدث تغييراً قاتلاً في الظروف البيئية المحسوبة حساباً دقيقاً اللازمة لبقائنا على قيد الحياة.
والمهمة ’’أپولو13‘‘ Apollo13 التي تعد من أصعب المهام في تاريخ ناسا وأشهرها سوف تساعد في كشف هذه النقطة بمزيد من الجلاء. وسوف نقضي بضع الصفحات القادمة على متن’’أپولو13‘‘. وأثناء رحلتنا سنشير إلى بعض الثوابت الإنسانية التى تجعل حياتنا ممكنة.
هيوستن عندنا مشكلة
اليوم هو 13 نيسان/أبريل 1970 بعد مرور أكثر من يومين على انطلاق رئيس المهمة’’چيم لڨل‘‘ Jim Lovell ورائدي فضاء آخرين خارج الغلاف الجوي للأرض على متن سفينة الفضاء ’’أپولو13‘‘. وهم الآن يطيرون عبر الفضاء بسرعة تزيد عن 3200 كيلومتر في الساعة، ويترقبون بشوق تمشية لم يقم بها إلا عدد قليل من الرجال، تمشيه على سطح القمر. وكل شيء يسير حسب الخطة على مركبتهم الفضائية ذات التصميم الرائع. وقد قال’’لڨل‘‘ بالحرف الواحد إنه وطاقمه’’منتفخون، مدهوشون، سعداء‘‘. ولكن هذه الحالة ستتغير سريعاً.
ففي الساعة الخامسة والخمسين والدقيقة الرابعة والخمسين من بدء المهمة بعد وقت قصير من إنهاء بث تليفزيوني للأرض، يعيد’’لڨل‘‘ الأسلاك إلى مكانها حينما يسمع صوتاً مدوياً، فيظن في البداية أنه الطيار’’چاك سويجرت‘‘ Jack Swigert يمزح بتشغيل صمام مرتفع الصوت خفيةً. ولكنه عندما يلمح علامات القلق على وجه’’سويجرت‘‘، وكأنه يريد أن يقول ’’لست أنا‘‘، سرعان ما يدرك’’ لڨل‘‘ أنها ليست مزحة.
والحوار الذي يدور بين رواد الفضاء’’لڨل‘‘ و’’سويجرت‘‘ و’’فرد هيز‘‘ Fred Haise و’’تشارلي دوك‘‘Charlie Duke (الذي كان على الأرض في مدينة هيوستن) يسير كالتالي:
’’سويجرت‘‘: هيوستن، عندنا مشكلة هنا.
’’دوك‘‘: هنا هيوستن. كرر من فضلك.
’’لڨل‘‘: هيوستنن عندنا مشكلة. انخفاض في فولت الموصل العمومي B.
’’دوك‘‘: ’’روچر‘‘. انخفاض في فولت العمومي B.
’’هيز‘‘: هيوستن الفولت الآن… يبدو جيداً. كان عندنا صوت عال جداً من الإنذار والتحذير. وعلى قدر ما أتذكر، العمومي B هو الذي حدث فيه من قبل ارتفاع مفاجئ في الأمبير.
’’دوك‘‘: ’’روچر‘‘، ’’فرد‘‘.
’’هيز‘‘: أكيد هذه الحركة العنيفة هزت جهاز إحساس كمية الأكسجين رقم 2، فهبط وأخذ يتذبذب من 20إلى60%. ولكنه الآن ارتفع إلى الحد الأقصى.
وعند هذه النقطة رواد الفضاء ليسوا متأكدين تماماً مما يحدث. فأجهزة إحساس أنبوبة الأكسجين متذبذبة. تارة تبين أن الأنابيب تحوي فقط 20% وتارة أكثر من 100% وهو شيء مستحيل. وفي الوقت نفسه رغم ملاحظة ’’هيز‘‘ الأولى أن ’’الفولت يبدو جيداً‘‘، فإن إشارة الإنذارات المتعددة على الأجهزة الكهربية في السفينة تحكي قصة عكسية.
وفي غصون بضع دقائق، تتضح حقيقة المشكلة الخطيرة. ’’أپولو13‘‘ ليس فيها مجرد مشكلة جهاز إحساس. ولكن فيها مشكلة فعلية. إن مركبتهم الفضائية التي تبعد حالياً قرابة 370 ألف كيلومتر عن الأرض وتتجه بعيداً عن موطنها، تفقد الأكسجين والطاقة بسرعة. لقد فرغت اثنتان من خلايا الوقود الثلاث، والثالثة تنضب سريعاً. ويخطر ’’هيز‘‘ هيوستن بحالة الطاقة:
’’هيز‘‘: قراءة AC 2 صفر… وعندنا الآن انخفاض في فولت الموصل العمومي A… قراءته حوالي 25 ونصف. وقراءة العمومي B الآن صفر.
ثم يبلغ’’لڨل‘‘ عن مشكلة الأكسجين:
’’لڨل‘‘: وأنبوبة رقم 2 لكمية الأكسجين قراءتها صفر. سمعت؟
هيوستن: كمية الأكسجين رقم 2 صفر.
وبيما ينظر’’لڨل‘‘ من زجاج إحدى النوافذ يرى شيئا كأنه تسريب غاز إلى الفضاء من جانب مركبتهم الفضائية.
’’لڨل‘‘: ويظهر لي وأنا أنظر من زجاج النافذة أن شيئاً ما يتسرب من عندنا.
هيوستن:’’روچر‘‘.
’’لڨل‘‘: نعم…نحن نسرب شيئاً إلى، إلى الفضاء.
هيوستن:’’روچر‘‘. نحن نسمعكم هنا، أنتم تسربون.
’’روچر‘‘: إنه غاز من نوع ما.
اتضح فيما بعد أن هذا الغاز هو الأكسجين. لقد انفجرت أنبوبة الأكسجين رقم 2 وأضرت أنبوبة الأكسجين رقم 1 بسبب انفجارها، وهو ما لم يكن يعلمه الطاقم حتى هذه اللحظة. فالقائد’’لڨل‘‘لايستطيع رؤية الضرر الذي حدث للأنبوبة ولكنه يرى الغاز المتسرب فقط.
الثابت الإنساني 1(مستوى الأكسجين): يشكل الأكسجين على الأرض 21% من الغلاف الجوي. وهذا الرقم هو ثابت إنساني يجعل الحياة على الأرض ممكنة. فلو كان الأكسجين 25%، لاندلعت الحرائق تلقائياً، ولو كان 15% لاختنق البشر. والآن يتعين على ’’لڨل‘‘ وطاقمه أن يجدوا طريقة للحفاظ على مستوى الأكسجين الصحيح في سفينتهم.
ولكن الأكسجين ليس مشكلتهم الوحيدة. فكما هو الحال في الغلاف الجوي للأرض، تغيير ثابت واحد على المركبة الفضائية يمكن أن يؤثر على عدة ثوابت أخرى لازمة للحياة أيضاً. وذلك لأن الانفجار يؤدي إلى نقص في الأكسجين، وفي الكهرباء والماء أيضاً. وعلى’’أپولو13‘‘ يتم إنتاج الماء والكهرباء بخلط الأكسجين مع الهيدروجين في خلايا الوقود. ودون الأكسجين يستحيل تصنيع الهواء، أو الماء، أو الطاقة. وبما أنهم في فرراغ الفضاء. ليس هناك مصدر خارجي للأكسجين.
إن المشكلة تفوق الخيال حتى إن’’چاك سويجرت‘‘ قال فيما بعد’’لو أن أحداً فعل ذلك معنا في المحاكي‘‘، يقصد افتعل إخفاقاً رباعياً في خليتي الوقود رقم 1 ورقم3. وأنبوبتي الأكسجين رقم 1 ورقم2، ’’لقلنا له:”هذا ليس واقعياً”.‘‘
ولكن للأسف هذا ليس المحاكي، بل حالة طوارئ حقيقة في مركبة فضاء قطعت ثلثي الطريق إلى القمر. فماذا يفعلون؟ من حسن الحظ معهم قارب نجاة اسمه المركبة القمرية Lunar Module(LM)، وتعرف أيضاً باسم’’اللم‘‘the lem. وهي مزودة بإمدادات يمكن استخدمها في حالات الطوارئ. والمركبة القمرية تكون متصلة بسطح مركبة القيادة Command Module(CM) ليهبط بها اثنان من رواد الفضاء على سطح القمر بينما يدور الثالث في فلكه عالياً. وبالطبع الهبوط على القمر سيلغى، لأن إنقاذ حياة رواد الفضاء أصبح الآن مهمة’’أپولو13‘‘ الجديدة.
وفي محاولة لتوفير الطاقة للعودة إلى الغلاف الجوي للأرض، يفصل رواد الفضاء الكهرباء بسرعة عن مركبة القيادة ويصعدون إلى المركبة القمرية. ولكنهم حتى داخل مركبة الفضاء ليسوا في مأمن من الخطر على الإطلاق، لأنهم يجب أن يستمروا في الدوران حول القمر حتى يعودوا إلى الأرض. وهو ما سيستغرق وقتاً، وقتاً ليس متوفراً لديهم. والمركبة القمرية مجهزة بطريقة تمكنها من الحفاظ على حياة رجلين لمدة حوالي أربعين ساعة، ولكنهم ينبغي أن يحافظوا على حياة ثلاثة رجال لمدة أربعة أيام!.
لذلك، فهم يبذلون كل جهدهم للحفاظ على الماء، والأكسجين، والكهرباء، كل الأجهزة غير الضرورية أغلقت بما فيها جهاز التدفئة، ورواد الفضاء يخفضون استهلاكهم للمياه إلى كوب واحد صغير في اليوم. ولكن ’’هيز‘‘ يشعر بالإعياء ويصاب بالحمى، ورواد الفضاء الثلاثة يصابون تدريجياً بالجفاف، فيصعب عليهم التركيز.
ولسوء الحظ، مع إيقاف معظم الأجهزة الأتوماتيكية يكون كل الأعتماد على تركيز أفراد الطاقم. فيجب عليهم، بالإضافة إلى الدوران حول القمر، أن يجروا يدوياً عدة تعديلات في المسار ليضموا أنهم يدخلون الغلاف الجوي للأرض من الزاوية الصحيحة، وليسرعوا من رحلة العودة.
وحتى يتمكنوا من ذلك، عليهم أن يوجهوا السفينة يدوياً بين النجوم. ولكن بما أن الحطام الناتج من الأنفجار ما زال يغلف السفينة في فراغ الفضاء، فهم لا يستطيعون تمييز النجوم من ضوء الشمس المنعكس من الحطام. ومن ثم، ليس أمامهم إلا أن يستخدموا الأرض والشمس نقاطاً مرجعية لتوجيه السفينة بمحاذاتهما معاً في إحدى نوافذ مركبة الفضاء.
وباستخدام هذه الوسيلة البدائية، يراجعون حساباتهم مرة ومرات ليتأكدوا أنهم على صواب، لأن مساحة الخطإ المسموحة ضئيلة جداً، لأنهم لا بد أن يبحروا بالسفينة للعودة إلى الأرض عند نقطة لا تقل عن 5,5 درجة ولا تزيد عن 3,7 درجة تحت أفق الأرض(من منظور مركبة الفضاء). وأي انحراف عن ذلك المدى سيؤدي بالسفينة إلى الخروج عن الغلاف الجوي للأرض أو السقوط بعمق كبير جداً يتسبب في احتراقها.
الثابت الإنساني 2(شفافية الغلاف الجوي): النافذة الصغيرة التي يجب على رواد الفضاء التوصل إليها تعكس المعايير بالغة الدقة التي صمم الكون على أساسها. فبينما يمثل الغلاف الجوي مشكلة لرواد الفضاء في عودتهم إلى الأرض، خواصه الحالية تمثل ضرورة مطلقة للحياة هنا على الأرض. إن درجة شفافية الغلاف الجوي هي أحد الثوابت الإنسانية. فلو كان الغلاف الجوي أقل شفافية، لما وصل سطح الأرض قدر كافٍ من الأشعاع الشمسي. ولو كان أكثر شفافية، لهبط علينا قدر هائل من الأشعاع الشمسي.(بالإضافة إلى شفافية الغلاف الجوي، فإن المستويات الدقيقة للعناصر المكونة للغلاف الجوي من النيتروجين، والأكسجين، وثاني أكسيد الكربون، والأوزون تعتبر في حد ذاتها ثوابت إنسانية).
الثابت الإنساني 3(تفاعل الجاذبية بين القمر والأرض): عندما يبدأ رواد الفضاء في الدوران حول القمر، يلتقون بثابت إنساني آخر*. وهذا الثابت يختص بتفاعل الجاذبية بين الأرض والقمر. فلو كان التفاعل أكبر من مقداره الحالي، لكان تأثير المد على المحيطات والغلاف الجوي وفترة الدوران حاداً للغاية. ولو كان أقل، لتسببت تغيرات المدارات الفلكية في اضطرابات مناخية. وفي أي من الحالتين تصبح الحياة على الأرض مستحيلة.
وبعد أن يواجه رواد الفضاء القمر عن قرب يتجهون أخيراً إلى موطنهم. ولكنهم يواجهون مشكلة أخرى، لأن ظروف الحياة الحساسة داخل مركبة الفضاء بدأت تتلوث. فمع استهلاك الأكسجين بدأ رواد الفضاء في خلق مشكلة أخرى بالزفير. أي أن ثاني اكسيد الكربون بدأ يصل إلى مستويات خطيرة داخل السفينة. وإن لم يتمكنوا من إيجاد وسيلة لتغيير مرشحات ثاني أكسيد الكربون في المركبة القمرية، سيتسمم رواد الفضاء الثلاثة من أنفاسهم!
وطاقم التحكم في المهمة يخبر رواد الفضاء أن يفتحوا المرشحات المصممة لمركبة القيادة (جزء السفينة الذي أخلاه رواد الفضاء وفصلوا عنه الكهرباء) ليجربوا استخدامها في المركبة القمرية. ولكن بدلاً من أن يتلقى رواد الفضاء أخبار سارة هم في أمس الحاجة إليها سرعان ما يكتشفون أن مرشحات مركبة القيادة لا تتناسب في حجمها ولا شكلها مع المركبة القمرية! يبدو أن المورد(أ) لم ينسق مع المورد(ب)! ومدير الرحلة المحبط’’چين كرانس‘‘Gene Krantz الذي اشتهر بمقولته ’’الفشل ليس خياراً‘‘ التي ألتهمت فريق التحكم في المهمة، يصيح غاضباً:’’قولوا لي إنه ليس مشروعاً حكومياً!‘‘
وفي محاولة للعثور على حل، يبدأ مهندسو ناسا على الأرض في ’’التحايل على المشكلة‘‘، فهم يعصرون أذهانهم للعثور على طريقة لتعديل مرشحات مركبة القيادة المربعة لتتناسب مع فتحة المركبة القمرية المستديرة باستخدام مواد يمكن العثور عليها على مركبة الفضاء، فيصممون حلاً يعتقدون أنه سيفي الغرض، ثم يشرحون للطاقم كيفية عمل التعديل خطوة خطوة. ويتضمن الحل العبقري الذي توصلوا إليه هو استخدام الورق المقوى، وخراطيم بدل الفضاء، وحقائب التخزين، والشريط اللاصق(نعم، يستخدم لإصلاح أي شيء حتى في الفضاء، لاتخرج من بيتك بدونه!).
الثابت الإنساني 4(مستوى ثاني أكسيد الكربون): طبعاً هذا التعديل ليس مطلوباً هنا على الأرض؛ لأن ثاني أكسيد الكربون محفوظ في مستواه الصحيح طبيعياً في الغلاف الجوي للأرض. وهو ثابت آخر من الثوابت الإنسانية. فلو كان مستوى ثاني أكسيد الكربون أعلى من مستواه الحالي، لحدث أحتباس حراري شديد(واحترقنا جميعاً). ولو كان المستوى أقل مما هو عليه الآن، لما تمكنت النباتات من الاستمرار في عملية البناء الضوئي بكفاءة(ولاختنقنا جميعاً، وهو المصير الذي يحاول رواد الفضاء الهروب منه).
ولحسن الحظ تنجح عملية تعديل المرشحات وتكسب الطاقم وقتاً ثميناً(وهواءً صالحاً للتنفس). وسريعاً يحين الوقت للتخلص من وحدة الخدمة المعطلة. وعندما تنفصل وحدة الخدمة، يرى الطاقم لأول مرة حجم الدمار: انفجار أنبوبة الأكسجين أطاح بلوحة حجمها حوالي 5,3×2متر من جانب وحدة الخدمة، وأمال خلايا الوقود، وأفسد الهوائي. ولو حدث انفجار حجمه أقل من نصف ذلك الحجم بالقرب من الدرع الحراري لمركبة القيادة، لأدى إلى خلل كارثي في مركبة الفضاء وفقدان الطاقم.
وعندما يقترب أفراد الطاقم من الغلاف الجوي للأرض يصعدون مرة أخرى إلى مركبة القيادة ليحاولوا توصيلها بالكهرباء. فهذا هو أملهم الوحيد للعودة إلى موطنهم(لأن المركبة القمرية ليس فيها درع حراري). ولكن مع فراغ خلايا الوقود الثلاث ولم تبق إلا كهرباء البطارية،لا يمكن توصيل الكهرباء لمركبة القيادة بالإجراءات الطبيعية. فلا يمكن تشغيل كل الأجهزة لعدم توافر طاقة كافية في البطاريات. وبالتالي عليهم أن يعتمدوا على إجراء جديد للحصول على الكهرباء انتهى من تصميمه حالاً رواد فضاء ناسا ومهندسوها الموجودون على الأرض.
إلا أن ما زاد الأمر تعقيداً أن المياه المكثفة بدأت تقطر من لوحات تحكم مركبة القيادة حيث درجة الحرارة أقل من 5,3 درجة مئوية. فهل سيحدث ماس كهربائي في لوحات التحكم؟ هل ستعمل الأجهزة الضرورية؟ من الخطورة استخدام الكهرباء في هذه البيئة، ولكن ليس أمامهم خيار آخر.
ورغم الخطورة، ينجح إجراء توصيل الكهرباء الجديد، ويربط رواد الفضاء أحزمتهم للعودة إلى الأرض. وأثناء رحلة عودة الرجال الثلاثة إلى الأرض تتطلع أنظار العالم كله إلى مصيرهم. فنشرات الأخبار والمؤتمرات الصحفية تنقل الأخبار أولاً بأول. والكونجرس يصدر قراراً للشعب الأمريكي أن يصلي، والبابا يحث العالم على الصلاة بينما يتجه الأبطال الأمريكيون الثلاثة نحو الغلاف الجوي للأرض بسرعة هائلة في كبسولة فضاء معطوبة. وبعد وقت قصير ستسحبهم الجاذبية الأرضية بأقصى سرعة تصل إلى ما يقرب من 40 ألف كيلومتر في الساعة، أي ما يعدل 11 كيلومتر في الثانية!
الثابت الإنساني 5 (الجاذبية): الجاذبية التي تسحب رواد الفضاء إلى موطنهم الأرض هي أيضاً من الثوابت الإنسانية. وهي ذات قوة مريعة، ولكنها لا يمكن أن تكون غير ذلك لكي توجد حياة على الأرض. فإن تغيرت قوة الجاذبية بمقدار 0000000000000000000000000000000000000000000000000001, 0% لما وجدت شمسنا، وبالتالي لما وجدنا نحن2. تخيل مدى الدقة!
وعندما يهوي رواد الفضاء إلى الأرض بمركبتهم الفضائية المضارة، لا أحد يعرف يقيناً إن كانوا سينجون من هذه العودة العنيفة شديدة الحرارة. وتبقى أسئلة عديدة بلا إجابات: هل الدرع الحراري سليم تماماً؟ هل السفينة فعلاً على الزاوية الصحيحة لدخول الغلاف الجوي؟ هل بطاريات العودة على مركبة القيادة ستعمل؟ هل المظلات ستبسط على النحو الصحيح؟ ومما يزيد الطين بلة صدور تحذير من حدوث إعصار استوائي في منطقة دخول مركبة الفضاء إلى الغلاف الجوي recovery area.
وفي ضوء كل هذا المجهول يتواصل رواد الفضاء مع الطاقم الأرضي قبل انقطاع الاتصال الذي استمر ثلاث دقائق عند العودة إلى الغلاف الجوي للأرض:
’’سويجرت‘‘: مرحى! أريد أن أقول لكم إنكم تبلون بلاءً حسناً يا رجال.
هيوستن: وأنتم أيضاً يا’’چاك‘‘.
’’سويجرت‘‘: أعرف أن كلنا نريد أن نشكركم جميعاً على العمل الرائع الذي قمتم به.
’’لڨل‘‘: أكيد يا’’چو‘‘.
هيوستن: أؤكد لكم أننا استمتعنا بالعمل.
’’لڨل‘‘: أنتم كالطبيب الماهر الذي يعتني بالمريض.
هيوستن: هذا أجمل ما سمعت.
هيوستن: سنفقد الإشارة بعد دقيقة…أهلاً بكم في وطنكم.
’’سويجرت‘‘: شكراً.
وأثناء العودة إلى الأرض، تحلق طائرة C-135 في منطقة عودة مركبة الفضاء إلى الغلاف الجوي لإعادة الاتصال اللازم إلى وحدة التحكم في المهمة. ولكن بعد ثلاث دقائق ينقطع الاتصال مع رواد الفضاء. ويزداد التوتر.
هيوستن: يجب عودة الاتصال إلى’’أپولو13‘‘ هذه المرة. ونحن مستعدون لأي أخبار عن التقاط طائرة معدات مدى أپولو13ARIA(Apollo Range Instrumentation Aircraft) لأى إشارة.
الرحلة: شبكة، ليس هناك اتصال مع ARIA بعد؟
الشبكة: الآن ليس عندنا اتصال يا رحلة.(فترة صمت طويلة)
انقضت أربع دقائق على عودة المركبة إلى الغلاف الجوي، وما زال الاتصال منقطعاً. لم يحدث ابداً أن العودة إلى الأرض استغرقت كل هذا الوقت.
هيوستن: مستعدون لأى أخبار عن التقاط إشارة.(صمت)
أخيراً، تتلقى الطائرة إشارة من الكبسولة:
هيوستن: وصلنا إخطار أن طائرة ARIA 4 التقطت إشارة.
ولكن لم يصلنا تأكيد بأن أياً منهم حي.
هيوستن: مركبة القيادة’’أوديسي‘‘، هنا هيوستن. مستعدون. حول. وأخيراً يلتقط الجميع أنفاسهم عند سماع صوت ’’سويجرت‘‘.
’’سويجرت‘‘: حسناً يا’’چو‘‘.
هيوستن: نسمعكم يا’’چاك‘‘!
رواد الفضاء أحياء، ولكن يبقى آخر عائق: مرحلتان من المظلات لا بد أن تعملا وإلا ضاع كل شيء، أولاً المظلة الابتدائية ثم المظلة الأساسية. فإن لم تبسط المظلات جيداً، يتلاشى رواد الفضاء عند ارتطام كبسولتهم بالمحيط بسرعة 480 كيلومتراً في الساعة.
هيوستن: باقي أقل من دقيقتين على بسط المظلات الابتدائية.
انتظار…
هيوستن: إخطار عن مظلتين ابتدائيتين نشرتا بنجاح. والآن يقترب وقت المظلات الرئيسية. (صمت) مستعدون لتأكيد خبر بسط المظلات الرئيسية.
تنبسط المظلات الرئيسية حسب الخطة، وتتمكن هيوستن من رؤيتهم.
هيوستن:’’أوديسي‘‘، هنا هيوستن. نحن نعرضكم وأنتم على المظلات الرئيسية. المنظر رائع!
أخيراً، بعد أربعة أيام من الترقب القلق، رواد الفضاء، وطاقم وحدة التحكم في المهمة، والعالم كله يتنفسون الصعداء:
هيوستن: تصفيق حاد جداً هنا في وحدة التحكم في المهمة!… تصفيق حاد بينما تظهر ’’أپولو13‘‘ في المظلات الرئيسية بكل وضوح على شاشات التليفزيون هنا.
تهبط مركبة الفضاء على المحيط الساعة 1:07 مساءً بالتوقيت الشرقي القياسي لأمريكا الشمالية ESt يوم 17 نيسان/أبريل 1970.
المبدأ الإنساني: التصميم في التفاصيل
عندما بدأ بعض أفراد وحدة التحكم في المهمة يعبرون عن شكوكهم في أن رواد الفضاء سيعودون أحياء، واجه مدير الرحلة’’چين كرانس‘‘ تشاؤمهم بقوله: يا سادة. أظن أن هذه ستكون أسعد لحظاتنا‘‘. وقد كانت هكذا بالحقيقة. وعرفت ’’أپولو13‘‘ باسم ’’الإخفاق الناجح‘‘. لقد فشل رواد الفضاء في السير على القمر، ولكنهم نجحوا في العودة إلى الأرض رغم الظروف التي كان يمكن أن تودي بحياتهم.
وكما نجا الطاقم رغم كل المصاعب من تلك الظروف المميتة، نحن أيضاً نبقى على قيد الحياة، رغم كل الظروف المعاكسة، على هذا الكوكب الصغير الذي يطلق عليه الأرض. فمركبات ’’أپولو‘‘ الفضائية صممت، مثل أرضنا، بحيث تحافظ على الحياة البشرية في بيئة الفضاء المعادية. وبما أن البشر لا يمكنهم أن يظلوا على قيد الحياة إلا في غلاف ضيق جداً من الظروف البيئية، لا بد من تصميم هذه السفن بدقة فائقة وبآلاف المكونات. وإن حدث خطأ واحد صغير، تعرضت الحياة البشرية للخطر.
والشيء الصغير الذي عرض حياة طاقم’’أپولو13‘‘ للخطر يبدو أمراً تافهاً: أنبوبة الأكسجين رقم 2 سقطت بالصدفة من ارتفاع 2 بوصة (5 سم) قبل تركبيها. وذلك السقوط من على ارتفاع بوصتين فقط فقد أفسد جدار الأنبوبة الرفيع وأطلق سلسلة من الأحداث التي أدت في النهاية إلى انفجارها.
ونظراً للعلاقة التكافلية بين المكونات، أدى الخلل في جهاز الأكسجين إلى خلل في سائر الأجهزة وكاد يقضي على مركبة الفضاء وطاقمها. تخيل! ذلك السقوط البسيط من على ارتفاع بوصتين فقط تسبب في كل المشكلات التي كان لا بد لرواد الفضاء أن يتغلبوا عليها حتى ينجوا. فقد أدى إلى تقليص كمية الأكسجين، والماء، والطاقة بشكل مفرط، وزيادة ثاني أكسيد الكربون زيادة مفرطة، وخلل في توجيه السفينة في الفضاء.
وكما هو الحال في حالة حدوث تغيير بسيط في سفينة الفضاء، هكذا أى تغيير بسيط في الكون يتسبب لنا أيضاً في مشاكل هائلة. وكما رأينا، اكتشف العلماء أن الكون، مثل مركبة الفضاء، مصمم بدقة بحيث ينشئ غلافاً ضيقاً جداً من الظروف الداعمة للحياة هنا على الأرض. وأي انحراف ضئيل في أي من العوامل البيئية والفيزيائية (التي أطلقنا عليها’’الثوابت‘‘) من شأنه أن يمنع وجودنا أصلاً. وهذه الثوابت تكافلية مثل المكونات الموجودة على’ ’أپولو13‘‘, أى أن تغييراً صغيراً في أحدها يمكن أن يؤثر على الثوابت الأخرى ويمنع الظروف الازمة للحياة أو يدمرها.
إن مدى الضبط الدقيق في الكون قد يجعل المبدأ الإنساني أقوى حجة لوجود الله. فليس هناك مجرد بضعة ثوابت محددة بشكل عام قد تكون نشأت بالصدفة. لا، بل هناك أكثر من 100 ثابت محددة بمنتهى الدقة تشير بقوة إلى مصمم ذكي. وقد تعرفنا بالفعل على خمسة منها. وإليك عشرة أخر:
لو لم تكن قوة الطرد المركزي في حركة الكواكب متوازنة بدقة مع قوى الجذب لما بقي شيء في مداره حول الشمس.
لو انخفضت سرعة تمدد الكون بمقدار واحد على مليون من السرعة التي تمدد بها، لتوقف التمدد وانهار الكون على نفسه قبل تكون أي نجم من النجوم.
أي من قوانين الفيزياء يمكن تعريفه بأنه دالة في سرعة الضوء(تحدد حالياً بمقدار 299792458 متر في الثانية). وأقل تغير في سرعة الضوء من شأنه أن يغير سائر الثوابت ويمنع إمكانية الحياة على الأرض.
لو أرتفعت مستويات بخار الماء في الغلاف الجوي عن معادلاتها الحالية، لحدث احتباس حراري شديد يؤدي إلى ارتفاع كبير في درجة الحرارة لا تتحمله الحياة البشرية. ولو انخفضت مستويات بخار الماء، لانخفض الاحتباس الحراري على نحو يتسبب في برودة الأرض بشكل مفرط لا يلائم الحياة البشرية.
لو لم يكن المشترى في مداره الحالي، لانهالت المواد الفضائية على الأرض، وذلك لأن مجال جاذبية المشترى يعمل مثل مكنسة كهربائية كونية تجذب الكويكبات والنيازك فلا تضرب الأرض.
لو زاد سمك القشرة الأرضية، لانتقلت كمية ضخمة جداً من الأكسجين إلى القشرة لدعم الحياة. ولو كانت أقل سمكاً، لتسبب النشاط البركاني والتكتوني في استحالة الحياة على الأرض.
لو طالت دورة الأرض عن أربع وعشرين ساعة ،لاتسعت الفروق بين درجتي حرارة الليل والنهار اتساعاً مفرطاُ. ولو قصرت، لازدادت سرعة رياح الغلاف الجوي زيادة مفرطة.
الميل المحوري للأرض بمقدار 23 درجة هو الميل الصحيح الدقيق. فلو تغير تغيراُ طفيفاً، لارتفعت درجات حرارة سطح الأرض ارتفاعاً هائلاً.
لو ارتفع معدل تفريغ الغلاف الجوي(البرق)، لاندلعت الحرائق المدمرة بمعدلات عالية جداً. ولو انخفض، انخفضت معدلات تثبيت النتيروجين في التربة انخفاضاً حاداً.
لو ازداد النشاط الزلزالي، لارتفعت معدلات الوفيات الناتجة عن الزلازل. ولو انخفض، لما عادت العناصر الغذائية من قيعان البحار والمياه الجارية من الأنهار إلى القارات عن طريق الزيادة التكتونية.(نعم، حتـى الزلازل ضرورية للحفاظ على هذه الحياة في صورتها الحالية!)
وجدير بالذكر أن ’’هيو روس‘‘ Hugh Ross عالم الفيزياء الفلكية حسب احتمال وجود هذه الثوابت وغيرها (تبلغ جميعا 122 ثابت) اليوم على أي كوكب في الكون بالصدفة (أي بلا تصميم إلهي). فقد افترض أن هناك 2210 كوكب في الكون(رقم ضخم جداً 1 وأمامه 22 صفراً)، وبناء على هذا الافتراض جاءت النتيجة صادمة: الاحتمال هو واحد إلى 13810 ،أي احتمال واحد لواحد أمامه 138 صفر!!5 وليس في الكون كله سوى 7010 ذرة. وهو ما يعني أن احتمال أن يحوي أي كوكب في الكون الظروف الداعمة للحياة المتوافرة على كوكب الأرض هو احتمال مقدره صفر، إلا إذا وجد وراء كل هذا مصمم ذكي.
وهو ما عبر عنه’’آرنو پنزياس‘‘ الحائز على جائز نوبل لمشاركته في اكتشاف الإشعاع التابع للانفجار قائلاً:’’علم الفلك يقودنا إلى حدث فريد، ألا وهو كون خلق من عدم ووضع في حالة من التوازن الدقيق ليوفر الظروف اللازمة بالضبط لدعم الحياة. وفي غياب فكرة الصدفة الساذجة غير المحتملة، يبدو أن ملاحظات العلم الحديث ترجح وجود خطة فوق طبيعية، إن جاز التعبير، تكمن وراء كل شيء‘‘.6
ويستخدم عالم الكون’’إد هاريسون‘‘Ed Harrison كلمة’’برهان‘‘ عندما يتناول تداعيات المبدأ الإنساني على مسألة الله. فهو يكتب قائلاً:’’إليك البرهان الكوني على وجود الله، أي حجة التصميم التي وضعها’’پيلي‘‘ بعد التحديث والتجديد. إن الضبط الدقيق للكون يزودنا بأدلة صريحة على التصميم الإلهي‘‘.7
البرهان على وجود الله!ما هو رد الملحدين؟
كيف يرد الملحدون على هذا’’البرهان على وجود الله‘‘؟ يعترف بعض الملحدين بوجود مصمم ما في مكان ما. فقد اهتز إلحاد عالم الفلك ’’فرد هويل‘‘ بفعل المبدأ الإنساني وبما رآه في الحياة من تعقيد (وهو ما سنتناوله في الفصلين القادمين). وخلص ’’هويل‘‘ إلى أن’’تفسير الحقائق القائم على الحكم السليم يرجح أن’’عقلاً أعلى قد تدخل في الفيزياء، وفي الكيمياء، وفي الأحياء وأنه ليس هناك قوى عمياء في الطبيعية تستحق أن نتحدث عنها‘‘. 8ورغم أن’’هويل‘‘ لم يوضح من هو هذا’’العقل الأعلى‘‘، فقد اعترف أن الضبط الدقيق للكون يتطلب ذكاءً.
ولكن غيره من الملحدين يعترفون بالتصميم ولكنهم ينكرون وجود مصمم، ويرجعون كل هذا إلى الصدفة. ولكن كيف يمكنهم أن يقترحوا فكرة الصدفة فعلياً رغم أن احتمال بقاء الثوابت التي تزيد عن 100كما هي، هو احتمال مقداره صفر تقربياً لو لم يكن هناك ذكاء؟ الأمر ليس بهذه السهولة. لذا اضطر الملحدون للجوء إلى استنتاج غريب ليتيحوا للصدفة فرصة أكبر. ويطلق على استنتاجهم هذا نظرية الأكوان المتعددة.
وتقول نظرية الأكوان المتعددة بوجود عدد لا نهائي من الأكوان، وكل ما في الأمر أن حسن حظنا هو ما وضعنا في كون يحوي الظروف المناسبة. وبناءً على وجود عدد لانهائي من الأكوان يقول هؤلاء الملحدون إن كل مجموعة من الظروف سوف تحدث، بما فيها الظروف الداعمة للحياة الموجودة على كوكبنا.
ولكن تفسير الأكوان المتعددة هذا مليء بمشكلات متعددة. أولها وأهمها أنه لا دليل عليه! فالأدلة تبين أن كل الواقع المحدود النهائي أتى إلى الوجود في الانفجار الكبير. وهذا الواقع النهائي هو تحديداً ما نطلق عليه’’الكون‘‘. فإن وجود أي واقع نهائي آخر، فهو خارج نطاق ملاحظتنا. فلم يلحظ أحد أي أدلة على وجود هذه الأكوان. لذلك فكرة الأكوان المتعددة هذه ليست أكثر من فبركة ميتافيزيقية، قصة خيالية من قصص الجينات تقوم على إيمان أعمى، وهي منفصلة عن الواقع مثل’’الزمن التخيلي‘‘ عند’’ستيڤن هوكينج‘‘.
ثانياً، كما ذكرنا في الفصل السابق، عدد لانهائي من الأشياء”المحدودة” سواء أكانت أياماً، أم كتباً، أم انفجارات، أم أكواناً؛ يمثل استحالة فعلية. يستحيل أن يكون هناك عدد غير محدود من أكوان محدودة.
ثالثاً، حتى لو أمكن وجود أكوان أخرى، ستطلب ضبطاً دقيقاً لكي تبدأ مثلما بدأ كوننا(تذكر الدقة المتناهية للانفجار الكبير التي استعرضناها في الفصل السابق). لذلك افتراض وجود أكوان متعددة لا يلغي ضرورة وجود مصمم، بل يزيد من ضرورة وجود مصمم!
رابعاً، نظرية الأكوان المتعددة واسعة جداً حتى إنه يمكن استخدامها للتهوين من أي حدث. فمثلاً، إن سألنا:’’لماذا صدمت الطائرات النتاجون ومركز التجارة العالمي؟‘‘ يجب ألا نلوم الإرهابيين، لأن النظرية تسمح لنا أن نقول إننا موجودون بالصدفة في هذا الكون حيث تلك الطائرات واقعياً تصدم المباني بالصدفة، ولكن يبدو ظاهرياً هو أن الطائرات صدمت المباني عمداً. ومع نظرية الأكوان المتعددة يمكننا أن نبرئ حتى هتلر.
فربما أننا موجودون بالصدفة في هذا الكون الذي فيه يبدو ظاهرياً أن الهولوكوست قتل، ولكن واقعياً اليهود تآمروا سراً مع الألمان وأرسلوا أنفسهم إلى الأفران. في الحقيقة نظرية الأكوان المتعددة واسعة جداً لدرجة أنها يمكن حتى أنها يمكن حتى أن تستخدم لالتماس العذر للملحدين الذين اخترعوها. لعلنا وجدنا بالصدفة في هذا الكون الذي فيه الناس يفتقرون للعقلانية لدرجة أنهم يرون أن هذا الكلام الفارغ هو الحق!
وفي النهاية نظرية الأكوان المتعددة هي مجرد محاولة يائسة لتجنب تداعيات التصميم. وهي لا تزيد الصدف، بل تزيد العبث. إنها تشبه رواد فضاء’’أپولو13‘‘ إذا أنكروا أن ناسا صممت مركبتها الفضائية وصنعتها، لصالح النظرية التي لا دليل عليها والتي تقول بوجود عدد لانهائي من مركبات الفضاء التي تحدث طبيعياً، ورواد الفضاء محظوظون أن يكونوا على المركبة التي تدعم الحياة بالصدفة. وهذه النظرية طبعاً كلام فارغ وعبثيتها الواضحة تكشف قوة الأدلة على التصميم. ولكن الأدلة غير العادية تتطلب نظريات غير عادية لتقلل من شأنها.
الله؟’’ارفعوا إلى العلاء عيونكم‘‘
في الأول من شباط/فبراير2003 نظر الرئيس چورچ و.بوش بعينين حزينتين في عدسة الكاميرا وخاطب الشعب الأمريكي عبر شاشات التليفزيون قائلاً:’’إخوتى الأمريكيين، هذا اليوم حمل لبلادنا خبراً مزعجاً وحزناً عميقاً. في التاسعة من صباح اليوم فقدت وحدة التحكم في هيوستن الاتصال مع مكوكنا الفضائي’’كولومبيا‘‘. وبعد وقت قصير شوهد الحطام ساقطاً من سماء مدينة تكساس. لقد فقد’’كولومبيا‘‘، ولم ينج أحد‘‘.9
لما كان ’’كولومبيا‘‘ يسير بسرعة 20 ألف كيلومتر في الساعة، تفكك عند محاولته للدخول إلى الغلاف الجوي للأرض. وهذه المأساة المكوكية الثانية الكبرى هزت الأمة ولكنها لم تثنها. فقد تعهد الرئيس قائلاً:’’القضية التي ماتوا فيها ستستمر. فالجنس البشري يخترق الظلام القابع خلف عالمنا بإلهام الاكتشاف والتوق إلى الفهم. ورحلتنا إلى الفضاء ستستمر‘‘.
ولكن أي رحلة بشرية إلى الفضاء لن تخترق إلا جزءاً يسيراً منه. فمجرتنا تحوي 100 مليار نجم، ومتوسط المسافة بين تلك النجوم يبلغ 30 تريليون ميل (48تريليون كم).( بالمناسبة، هذه المسافة هي ثابت إنساني آخر. فلو قصرت المسافة بين النجوم أو طالت، لتأثرت مدارات الكواكب).
ما مقدار الثلاثين تريليون ميل؟ لنشرحها بهذه الطريقة: عندما يكون المكوك الفضائي في المدار، يتحرك بسرعة حوالي17000 ميل في الساعة، أي ما يقرب من 5 أميال في الثانية. فلو تمكنت من الدخول إلى مكوك الفضاء وأبحرت في الفضاء بسرعة خمسة أميال في الساعة تقريباً، ستأخذ 201450 سنة لكي تقطع 30 تريليون ميل! أي أنك لو ركبت المكوك الفضائي في زمن المسيح وبدأت تتحرك من شمسنا تجاه نجم آخر يبعد عنها مسافة متوسطة، ستكون الآن قد قطعت واحد على مائة من الطريق. شيء مذهل.
لاحظ أن هذه المسافة تقع بين اثنين فقط من المائة مليار نجم الموجودة في مجرتنا. فكم عدد النجوم في الكون كله؟ عدد النجوم في الكون يعادل حوالي عدد حبات الرمال التي تغطي كل شواطئ الأرض بأسرها. فلو سافرت بسرعة 5 أميال في الساعة ستستغرق أكثر من 200 ألف سنة لتنتقل من حبة رمل إلى الأخرى! ما أبهى العلاء.
يوصينا الكتاب المقدس أننا إن أردنا أن نعرف شيئاً من صفات الله علينا أن نرفع إلى العلاء عيوننا. وفي مزمور 19 يعبر داود عن الحجة الغائية قبل ’’نيوتن‘‘وقبل’’پيلي‘‘ بآلاف السنين قائلاُ:”السموات تحدث بمجد الله. والفلك يخبر بعمل يديه”. وبعد بضعة قرون يطرح النبي إشعياء سؤالاً من الله:”فبمن تشبهونني فأساويه؟ يقول القدوس”(25:40). وتأتي الإجابة في العدد التالي:”ارفعوا إلى العلاء عيونكم وانظروا”(ع26). ويستطرد إشعياء قائلاً إن الله يعرف كل نجوم السماء بأسمائها!
لماذا يخبرنا الله أن نشبهه بالسماوات؟ لأن الله لا حدود له، وهكذا السماوات من منظورنا. الله هو اللامحدود الذي يضع حدوداً لكل شيء، هو اللامخلوق الذي يخلق كل شيء. إنه الكائن اللانهائي، ذاتي الوجود، الذي خلق هذا الكون الفسيح الجميل من عدم، والذي يحفظه معاً اليوم. وليس هناك إلا كيان واحد في خبرتنا يمكن أن يزودنا بمشابهة للامحدودية الله، فرسم صورة تعبر عن الله لن يجدي*، بل إنها تحد جلاله. ولكن السماوات فقط هي التي تصيح وتنادي بلا محدوديته.
إن اللامحدودية هي السمة المميزة لكل صفة من صفات الله بما فيها قوته، ومعرفته، وعدله، ومحبته. ولذلك يستخدم الكتاب المقدس السماوات ليساعدنا على إدراك ارتفاع محبة الله اللامحدود. فمزمور11:103 يقول:”لأنه مثل ارتفاع السماوات فوق الأرض قويت رحمته† على خائفيه”. فما ارتفاع السماوات فوق الأرض؟ عندما تفكر أن المسافة بين النجوم تصل إلى 30 تريليون ميل وأن هذه النجوم تساوي في كثرتها عدد حبات الرمال التي تغطي الشطئان، وأيضاً تقول:’’السماوات مرتفعة بلا حدود‘‘. صحيح، وهذا هو ارتفاع محبة الله.
ولعل محبة الله غير المحدودة هي ما دفعت الرئيس بوش ليقتبس من إشعياء في تكريمه لطاقم ’’كولومبيا‘‘:’’لقد رأينا في السماوات اليوم دماراً مأساوياً. ولكن خلف هذا المنظور الذي تراه عيوننا يوجد عزاء ورجاء، كما قال إشعياء النبي”ارفعوا إلى العلا عيونكم وانظروا من خلق هذه. من الذي يخرج بعدد جندها يدعو كلها بأسماء. لكثرة القوة وكونه شديد القدرة لا يفقد أحد”. إن الخالق نفسه الذي يدعو النجوم بأسماء يعرف أيضاً أسماء النفوس السبع التي ننوح عليها اليوم. إن طاقم المكوك’’كولومبيا‘‘ لم يعد إلى الأرض بسلام، ولكننا نستطيع أن نصلي أن يكونوا جميعاً قد وصلوا إلى الوطن الأبدي بسلام‘‘.10
الخلاصة
منذ ما يقرب من 2000 سنة كتب بولس في بداية رسالته إلى المؤمنين في رومية “لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر”. ومؤكد أن الدليل على وجود مصمم واضح في الخليقة، ولكننا دائماً ما نعتبره شيئاً عادياً.
ويقدم’’سي.إس.لويس‘‘ في كتابه الكلاسيكي’’رسائل خربر‘‘The screwtape letters فهماً ثاقباً لميلنا أن نرى العالم المبهر المحيط بنا وكأنه شيء عادي. فالشيطان الكبير’’خربر‘‘ يكتب نصيحة للشيطان الأصغر’’علقم‘‘Wormwood عن كيفية منع الناس من أن يصبحوا مسيحيين. فيكتب’’خربر‘‘ قائلاً:’’اطبع في داخله باستمرار أن الأشياء عادية. وأهم شيء ألا تحاول أن تستخدم العلم(أقصد العلوم الحقيقة) للهجوم على المسيحية.
لأنه سيشجعه على التفكير في الحقائق التي لا يمكنه أن يلمسها ويراها. وقد رأينا حالات مؤسفة بين علماء الفيزياء المحدثين‘‘11.’’الحالات المؤسفة‘‘ هي طبعاً علماء فيزياء كانوا أمناء للأدلة التي رأوها فأصبحوا مسيحيين.
لقد رصد’’لويس‘‘ ميلاً عند الكثير منا. ففي حياتنا السريعة نادراً ما نتوقف ونلاحظ العالم المحيط بنا، ومن ثم نميل أن نعتبر كل وجه مبهر لهذا الكون الجميل شيئاً عادياً. ولكن كما رأينا، هذا الكون أبعد من أن يكون عادياً. واليوم يبين لنا العلم، أكثر من أي وقت مضى في التاريخ، أن الكون يمتاز بتصميم وتعقيد مذهلين. فهو يزودنا بمنظور جديد للعالم الذي غالباً ما نعتبره نحن أيضاً شيئاً عادياً.
ورواد الفضاء يرون العالم من منظور جديد من سفنهم الفضائية يساعدهم أن يدركوا أن هذا الكون يمكن أن يكون أي شيء إلا أن يكون عادياً. فعندما سار رواد الفضاء الأوائل على سطح القمر ورأوا الأرض تشرق*، وهو منظر لم يشهده إنسان من قبل، قرؤوا في خشوع من سفر التكوين”في البدء خلق الله السماوات والأرض”. وهل من شيء آخر يناسب تلك اللحظة؟ فتلاوة نظرية الأكوان المتعددة ما كانت-طبعاً- لتعبر عما اجتاح رواد الفضاء من مشاعر المهابة.
لقد شهدوا تصميماً من زاوية لم يشهدها أحد قبلهم وبهتوا بفكرة أن الخليقة المبهرة تستلزم خالقاً مبهراً. وقد ردد’’چون جلن‘‘John Glenn هذه القناعة عينها عندما نظر من مكوك الفضاء’’ديسكڨري‘‘Discovery وهو في السابعة والسبعين من عمره وقال:’’أن تنظر إلى خليقة كهذه ولا تؤمن بالله أمر مستحيل في نظري‘‘.
إن تأثير خبراتهم العميق يكشف أن الحجة الغائية أمر بديهي يدركه الإنسان بالحدس. فأنت لا تحتاج لمن يخبرك أن الشيء المصمم تصميماً جميلاً يتطلب مصمماً. فهو أمر واضح في ذاته. ومع ذلك، لنطرح الحجة في شكلها المنطقي ثانية مع التركيز على ما اكتشفناه في هذا الفصل:
لكل تصميم مصمم.
بناءً على المبدأ الإنساني، نعرف بما لايدع مجالاً للشك المنطقي أن يكون الكون مصمم.
إذن الكون له مصمم.
ليس هناك تفسير مقبول منطقياً للمبدإ الإنساني إلا وجود مصمم كوني. وعلى الملحدين أن يشطحوا بمزاعهم لكي يتمكنوا من إنكار الواضح. فعندما يخترعون نظريات افتراضية بلا أدلة تساندها، بل بالفعل نظريات مستحيلة، يكونون قد خرجوا من عالم المنطق والعقلانية ودخلوا إلى عالم الإيمان الأعمى. فقد كتب عالم الفيزياء’’پول ديڨيز‘‘ Paul Davies:’’ربما يجد المرء أن الاعتقاد في مجموعة لا نهائية من الأكوان أسهل من الأعتقاد في إله لانهائي، ولكن هذا العتقاد لا بد أن يقوم على الإيمان وليس على الملاحظة‘‘.12
والاعتقاد في شيء دون ملاحظته هو عين الاتهام الذي يوجهه الملحدون للأشخاص ’’المتدينين‘‘. ولكن المضحك أن الملحدين هم من يرجون لدين يقوم على الإيمان الأعمى. ولكن المسيحين يستندون على أسباب وجيهة تقوم على الملاحظة (مثل الأنفجار الكبير والمبدأ الإنساني) تبرر ما يعتقدون فيه. إلا أن الملحدين ليس عندهم أسباب. ولذلك لسنا نملك الإيمان الكافي للإلحاد.
وهذا الإيمان الأعمى الذي يتسم به الملحد يكشف أن رفض المصمم لا يمثل مشكلة عقلية، فهو لا يرجع إلى قلة الأدلة أو المبررات العقلية التي تؤيد وجود مصمم. بل العكس هو صحيح، فالأدلة مبهرة. ولكن المشكلة التي نحن بصددها مشكلة إرادية، فكل ما في الأمر أن البعض لا يريدون أن يعترفوا بوجود مصمم رغم الأدلة. وقد اعترف أحد نقاد المبدأ الإنساني لمجلة’’نيويورك تايمز‘‘New York Times أن رفضه الحقيقي ’’عاطفي محض‘‘ لأنه’’ يشم رائحة الدين والتصميم الذكي‘‘. 13إذن وداعاً للموضوعية العلمية.
وسوف نتناول في الفصل السادس مزيداً من هذه الدوافع وراء إنكار الأدلة القوية على وجود الله. ولكننا سنبحث أولاً في الفصل الخامس مزيداً من الأدلة المقنعة على المصمم، وهي أدلة موجود في الحياة نفسها.
* كما هو الحال مع معظم الثوابت، هذا الثابت يعتمد على ثوابت أخرى. فمثلاً تفاعل الجاذبية هو أيضاً دالة function من حجم القمر الذي هو أكبر بالنسبة لكوكبه من معظم الأقمار الأخرى.
* ربما هو سبب منع الوصية الثانية صنع الصور. فالصور تحد جلال الله. ولكن الأوثان أوثان سواء أكانت معدنية أم عقلية.
† ترد في ترجمةNIV (التي يستخدمها الكاتبان)”محبته” his love.(المترجمة)
* المقصود ارتفاع الأرض فوق الأفق كما ترى من القمر(https://www.ahdictionary.com/word/search.html?q=earthrise)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 29/9/2016.(المترجمة)
“إن اعترفنا بالله، هل لا بد أن نعترف بالمعجزات؟ بالتأكيد. بالتأكيد. لا مناص من ذلك. هذه هي الصفقة الكاملة”.
سي. إس. لويس
من المؤهل للفوز النهائي؟
يجب أن نتوقف برهة ونجمع قطع اللغز التي اكتشفناها حتى الآن. وتذكر أننا نبحث عن الوحدة في التنوع. إننا نحاول أن نرتب قطع الحياة المتنوعة في صورة متسقة. وصورتنا المتسقة حتى الآن تبين لنا أن الحق موجود ويمكن معرفته. وأي إنكار للحق يفترض الحق مسبقاً. إذن لا مهرب من وجود الحق. وإن كنا لا نستطيع أن نعرف معظم الحق معرفة مطلقة نظراً لمحدوديتنا البشرية، إلا أننا نستطيع أن نعرف الكثير من الحقائق بدرجة كبيرة من اليقين (أي “بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي”).
ومن هذه الحقائق وجود الله وطبيعته. وطبقاً لما تناولنا من فروع الأدلة. أي الحجج الكونية، والغائية، والأخلاقية، يمكننا أن نعرف بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أنه يوجد إله خلق الكون ويحفظه وله صفات معينة.
من الحجة الكونية نعرف أن الله:
ذاتي الوجود، وخارج حدود الزمان والمكان، وغير مادي (فبما أنه[1] خلق الزمان والمكان والمادة، لا بد أن يكون خارج الزمان والمكان والمادة). وهو ما يعني أنه غير محدود، أي أنه لا نهائي.
قوته تفوق الخيال، بما أنه خلق الكون كله من العدم.
شخص، بما أنه اختار أن يحول حالة من العدم إلى كون مادية زمكاني (القوة اللاشخصية لا تقدر أن تختار).
من الحجة الغائية نعرف أن الله:
يتصف بذكاء فائق بما أنه صمم الحياة والكون بهذا التعقيد والدقة المذهلين.
له غرض، بما أنه صمم أشكال الحياة الكثيرة بحيث تعيش في هذه البيئة المحددة والمنظمة.
من الحجة الأخلاقية نعرف أن الله:
يتصف بالنقاء الأخلاقي المطلق (هو المقياس الثابت للأخلاق الذي تقاس عليه كافة الأفعال. وهذا المقياس يشتمل على عدالة ومحبة بلا حدود).
إن منظور الله الخالق الحافظ Theism هو المصطلح الدقيق الذي يصف مثل هذا الإله. والآن إليك الحقيقة المذهلة بخصوص هذه النتائج: الله الخالق الحافظ الذي اكتشفناه يتطابق مع إله الكتاب المقدس، إلا أننا اكتشفناه دون اللجوء للكتاب المقدس.
وقد بينا أنه بالمنطق السليم، والعلم، والفلسفة يمكن معرفة الكثير عن إله الكتاب المقدس. والحقيقة أن هذا هو ما يقوله الكتاب المقدس عن نفسه (مثلاً مزمور 19؛ رومية 1: 18-20؛ 2: 14، 15). ويطلق اللاهوتيون على إعلان الله عن نفسه بهذه الصورة مصطلح الإعلان الطبيعية أو العام (الذي يرى بوضوح بالاستقلال عن أي نص). أما إعلان الكتاب المقدس يطلق عليه الإعلان الخاص.
ومن ثم، نعرف من الإعلان الطبيعي أن الإيمان بالله الخالق الحافظ صحيح. ويساعدنا هذا الاكتشاف أن نعرف شكل سطح العلبة الصحيح، بل يساعدنا أيضاً أن نعرف الأشكال التي لا يمكن أن تمثل الشكل الصحيح. وبما أن عكس الصحيح هو الخاطئ (الفصل الثاني)، فإننا نعرف أن أي منظور للحياة يناقض الإيمان بالله الخالق الحافظ منظور خاطئ.
أن يمكننا التعبير عن ذلك بطريقة أخرى: لا يمكن أن يكون هناك دين صحيح إلا واحد فقط من بين أديان العالم الرئيسية التي تؤمن بالله الخالق الحافظ، أي اليهودية أو المسيحية أو الإسلام. وسائر الديانات العالم الرئيسية جميعاً لا يمكن أن تكون صحيحة لأنها لا تؤمن بالله الخالق الحافظ.
يمكن أن تكون صحيحة
(تؤمن بالله الخالق الحافظ)
لا يمكن أن تكون صحيحة
(لا تؤمن بالله الخالق الحافظ)
1 – اليهودية
1 – الهندوسية (تؤمن بوحدة الوجود وتعدد الآلهة)
2 – المسيحية
2 – البوذية (تؤمن بوحدة الوجود أو الإلحاد)
3 – الإسلام
3 – العصر الجديد (يؤمن بوحدة الوجود)
4 – الإنسانية العلمانية (إلحادية)
5 – المورمونية (تؤمن بتعدد الآلهة)
6 – الويكا Wicca (تؤمن بوحدة الوجود أو تعدد الآلهة)
7 – الطاوية (تؤمن بوحدة الوجود أو الإلحاد)
8 – الكونفوشيوسية (إلحادية)
9 – الشنتو Shinto (تؤمن بتعدد الآلهة)
وقد يبدو هذا الكلام زعماً متكبراً ينكر وجود الحق في العديد من ديانات العالم في هذه المرحلة. ولكن بالمنطق البسيط، وفقاً لقانون عدم التناقض، لا يمكن لديانات مضادة لبعضها البعض أن تكون جميعاً صحيحة. فكما يستبعد بعض لاعبي كرة القدم من سجل المرشحين للعب لأنهم يفتقدون للقدرات اللازمة، وهو إجراء عادل، هكذا تستبعد ديانات معينة في العالم من سجل الديانات التي يمكن أن تكون صحية، لأنها تفتقد للمؤهلات اللازمة.
لذا منطقياً، إن كان الإيمان بالله الخالق صحيحا، إذن كل الأديان التي لا تؤمن بالله الخالق خاطئة. إلا أن هذا لا يعني أن كل تعاليم الديانات التي لا تؤمن بالله خاطئة أو أن تلك الديانات تخلو تماماً من أي صلاح، بل من المؤكد أن هناك شيئاً من الحق والصلاح في معظم ديانات العالم. ولكنه يعني ببساطة أن الديانات التي لا تؤمن بالله خاطئة من حيث كونها طريقة لرؤية العالم (أي منظوراً فلسفياً للحياة)، فرغم أن بعض تفاصيلها قد تكون صحيحة، فهي خاطئة في جوهرها. وذلك لأنها منظومات بنيت على أساس خاطئ حتى إن كانت تشتمل على قدر من الحق.
فمثلاً يعلم الهندوس بأنك تحصد ما تزرع، وهو تعليم صحيح، إلا أن المنظور الهندوسي للحياة، ألا هو “أنك” لا توجد وجوداً حقيقياً لأن كل شيء يمثل جزءًا من واقع واحد لا يمكن التمييز بين أجزائه واسمه البراهمان Brahman، هو منظور خاطئ. والفلسفة الإنسانية العلمانية تؤكد حقيقة الشر، وهو تأكيد صحيح، إلا أن المنظور الإنساني للحياة الذي ينكر وجود مقياس موضوعي لتحديد الشر هو منظور خاطئ. والمورمون يعلمون أن هناك مقاييس أخلاقية يجب أن نتبعها، وهو تعليم صحيح، إلا أن المنظور المروموني للحياة الذي يقول بتعدد الآلهة منظور خاطئ.
وهذه النقطة الأخيرة بخصوص المورمونية تطرح سؤالاً، ألا وهو: لماذا يدحض وجود إله خالق فكرة تعدد الآلهة؟ إنه يدحض تعدد الآلهة لأن الله لا متناه، ولا يمكن أن يوجد أكثر من كائن واحد لامتناه. وذلك لأن التمييز بين كائن وآخر يستلزم وجود اختلافات بين الكائنات. ولكنهم لو اختلفوا في أي ناحية، فهذا يعني أن أحدهم ينقصه شيء موجود عند آخر. وإن كان أحد الكائنات يقصه شيء موجود عند آخر، إذن الكائن الناقص ليس لا متناه لأن الكائن اللامتناه لا ينقصه شيء بطبيعة الحال. لذا، يستحيل أن يوجد إلا كائناً واحداً لا متناهياً.
وهنا يمكن لأحدهم أن يقول إنه توجد كائنات متناهية (أو “آلهة”) أقوى من البشر. ففي الواقع، اليهودية والمسيحية والإسلام تعلم جميعاً بوجود ملائكة وشياطين. إلا أن هذا يختلف عن تعدد الآلهة الذي ينكر وجود كائن أعلى لامتناه سرمدي تدين له كل المخلوقات بوجودها ويكون كل البشر مسؤولين أمامه في النهاية. وبما أن الإيمان بالله الخالق الحافظ صحيح، إذن الإيمان بتعدد الآلهة خاطئ مثله مثل الإلحاد، ووحدة الوجود، وغيرها من المنظورات التي لا تؤمن بالله الخالق.
ولكننا ابتعدنا عن موضوعنا. فالنقطة الرئيسية هي أن سطح العلبة الصحيح للكون يظهر إلهاً خالقاً. وهو ما يعني أن واحدة فقط من ديانات العالم الرئيسية الثلاث هي المؤهلة للفوز النهائي: إما اليهودية، أو المسيحية، أو الإسلام. والآن، لا يمكن منطقياً أن تكون كل ديانات العالم هذه التي تؤمن بالله الخالق صحيحة، لأنها تزعم مزاعم تنفي بعضها البعض. فضلاً عن ذلك، من المحتمل أيضاً أن ليس هناك ديانة واحدة صحيحة تماماً من بين ديانات العالم هذه.
فربما أن إيمانها بالله الخالق هو الصحيح، وفيما عدا ذلك لا تحو من الحق إلا القليل. فهذا ممكن. إلا أنه بما أننا نعلم بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن الله موجود وأنه يتصف بالصفات التي عددناها أعلاه، وهي صفات تشتمل على التصميم، والغرض، والعدالة، والمحبة، إذن يجب أن نتوقع منه أن يكشف المزيد من نفسه وغرضه لحياتنا. وهو ما يتطلب منه أن يتواصل معنا. والاحتمال المتوقع أن واحدة من هذه الديانات الرئيسية الثلاث التي تؤمن بالله الخالق تحتوي على ذلك التواصل.
كيف يتواصل الله؟
كما رأينا، الله تواصل معنا من خلال الخليقة والضمير (الإعلان الطبيعي أو العام) الذي يزودنا بأفكار أولية عن وجوده وقوته ومتطلباته الأخلاقية. ولكن كيف يمكن أن يعلن الله نفسه بحيث نصل إلى فهم أكثر تفصيلاً لغرضه النهائي لنا؟ لماذا لا يستطيع أن يظهر لكل منا؟ يستطيع، ولكن هذا الأسلوب قد يقهر إرادتنا الحرة. سي. إس. لويس له أفكار ثاقبة في هذا الموضوع. ففي كتابه “رسائل خربر” يكتب الشيطان الكبير “خربر” الرسالة التالية لتلميذه “علقم”:
لا شك أنك تساءلت لماذا لا يزيد العدو [الله] من استخدام قوته حتى يكون حضوره محسوساً لنفوس البشر بالدرجة التي يبغيها وفي أي لحظة. ولكنك الآن فهمت أن طبيعة خطته في صميمها تمنعه من استخدام هذين السلاحين: ما يستعصي على المقاومة، وما يستعصي على الشك. فقهر الإرادة البشرية (الذي ينتج حتماً عن حضوره المحسوس في أبهت وأخف درجاته) عديم الفائدة له. فهو لا يستطيع أن يغتصب. ولكنه يستطيع فقط أن يبهر.
إن لم يستخدم الله هذا الخيار القاهر بأن يتعامل وجهاً لوجه مع كل شخص على الكوكب. إذن ربما أنه اختار طريقة للتواصل أكثر استتاراً. (والحقيقة أن الكتاب المقدس يقول إن الله ليس ظاهراً باستمرار على النحو الذي نتمناه [إشعياء 45: 15]). فمن المحتمل أن الله أظهر نفسه بطريقة ما لفئة منتقاة من البشر على مر قرون كثيرة وأوحى لهم أن يكتبوا ما شهدوه وسمعوه منه. واللغة المكتوبة واسطة دقيقة للتواصل يسهل نسخها بدقة ونقلها للأجيال المتعاقبة، وفي الوقت نفسه من يقرر بإرادته الحرة أنه لا يريد أن يزعج نفسه بالله يستطيع أيضاً أن يتجاهلها.
لذا فالكتاب وسيلة مناسبة للتواصل الإلهي ولكنها ليس قاهرة. ولكن كتاب من يا ترى؟ هل تواصل الله من خلال كتاب اليهود، أم كتاب المسيحيين، أم كتاب المسلمين؟ فإن كان أي من هذه الكتب يمثل بحق رسالة من الله، فكيف يمكننا أن نحدد هذا الكتاب؟
ختم الملك
قبل عصر الاتصالات الجماهيرية عندما كانت كل الرسائل التي ترسل إلى مسافات بعيدة تسلم باليد، كان الملك يضع ختمه على الرسالة. وهذا الختم هو علامة تبين لمتلقي الرسالة أنها أصلية، أي أنها مرسلة فعلاً من الملك لا من شخص ينتحل شخصية الملك. وطبعاً لإنجاح العمل بهذا النظام، كان لا بد للختم أن يتخذ شكلاً فريداً أو غير مألوف، ويسهل التعرف عليه، وكان يجب ألا يكون بحوزة أحد إلا الملك.
وقد تمكن الله من استخدام نظام مشابه ليؤكد أصالة رسائله، وهذا النظام هو المعجزات. فالمعجزات فريدة وغير مألوفة، ويسهل التعرف عليها، ولا أحد يستطيع أن يفعلها إلا الله. حتى المتشككون عندما يطالبون الله بآية يعترفون ضمناً أن المعجزات تثبت وجوده.
ما هي المعجزة؟ المعجزة هي فعل خاص يقوم به الله يقطع مجرى الأحداث الطبيعي. وهو ما عبر عنه الملحد أنتوني فلو Antony Flew تعبيراً جيداً حين قال: «المعجزة شيء ما كان ليحدث أبداُ لو تركت الطبيعة هكذا لأدواتها الخاصة». ومن ثم يمكننا أن نقول إن القوانين الطبيعية تصف ما يحدث بانتظام بواسطة المسببات الطبيعية، أما المعجزات، إن كانت تحدث أصلاً، تصف ما يحدث نادراً بالمسببات فوق الطبيعية.
فبالمعجزات استطاع الله أن يخبر العالم أي كتاب أو أي شخص يعبر عنه. لذا، إن أراد الله أن يبعث رسالة من خلال موسى، أو إيليا، أو يسوع، أو بولس، أو أي شخص آخر، كان باستطاعته أن يصب المعجزات من خلال ذلك الشخص. فإن كان الله يعمل فعلياً بهذه الطريقة، إذن المعجزة تؤكد الرسالة، والآية تؤكد العظة. أو يمكننا التعبير عن هذا المعنى بشكل آخر: المعجزة فعل يقوم به الله ليؤكد كلمة الله بواسطة رسول من الله.
السؤال هو: هل الله يعمل بهذه الطريقة؟ هل ملك الكون يستخدم هذه الآيات؟ هل المعجزات ممكنة أصلاً؟ عالمنا العلماني يقول لا. ولكنه مخطئ خطأً فادحاً كما سنرى.
هل الصندوق مفتوح أم مغلق؟
منذ قريب واجه أستاذ كلية اللاهوت رونالد ناش تحدياً كبيراً وهو في زيارة إلى روسيا ليتحدث إلى المعلمين الروس. فقد أراد أن يتحدث إليهم عن الله، ولكنه كان يعرف أنه لن يصل إلى أي شيء مهم معهم إلى إذا نجح في التغلب على تحيزاتهم القديمة المتأصلة ضد الإيمان بالله. فالروس تعلموا على مدى أكثر من سبعين عاماً منظوراً فلسفياً للحياة يستبعد الله مسبقاً. وكان الإلحاد الدين الرسمي للدولة، والمنظور الإلحادي للحياة يؤكد أنه لا يوجد سوى العالم الطبيعي المادي. وطبقاً لمعتقدات الملحدين، المعجزات مستحيلة لأنه ليس هناك عالم فوق طبيعي. ومن يؤمن بغير ذلك كمن يؤمن بقصص الجنيات.
فبدأ ناش بأن عرض أمامهم صندوقين صغيرين من الورق المقوى. كان أحدهما مفتوحاً، وكان الآخر مغلقاً. وبدأ كلامه قائلاً: «إليكم الفرق بين منظوركم الفلسفي للحياة ومنظوري». وقال مشيراً إلى الصندوق المغلق: “أنتم تعتقدون أن الكون المادي مغلق؛ أي أنه لا يوجد سوى الكون ولا شيء خارج الكون”. ثم انتقل إلى الصندوق المفتوح وواصل كلامه قائلاً: «أنا أيضاً أعتقد أن الكون المادي موجود، ولكني أعتقد أن الكون مفتوح، أي أن هناك شيء خارج الكون نسميه الله». ثم توقف ناش لحظة وأضاف: «والله خلق الصندوق!»
ثم أدخل يده في الصندوق المفتوح وقال: «كما أستطيع أن أدخل يدي في هذا الصندوق لأتحكم في محتوياته، كذلك الله يستطيع أن يدخل في كوننا ويجري ما نسميه معجزات». ولسبب ما كان هذا التشبيه عميقاً في نظر الروس. وبدأت المصابيح تضيء في عقول المعلمين في القاعة كلها. فقد افترض هؤلاء المعلمون أن منظورهم الفلسفي الطبيعي للحياة صحيح ولم يفكروا في أي بدائل. ولكن ناش ساعدهم أن يفكروا في أنه من المحتمل أن بديلاً آخر كالإيمان بالله الخالق أدلته أقوى.
وكما رأينا من الفصل الثالث إلى السابع، الإيمان بالله الخالق أدلته أقوى فعلاً. فنحن نعرف بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أنه يوجد إله خالق. وبما أن الله موجود، فالكون الذي يمثله الصندوق المغلق خطأ. إن الصندوق مفتوح وقد خلقه الله. إذن من الممكن أن يتدخل الله في العالم الطبيعي بصنع معجزات. والحقيقة أن المعجزات ليست ممكنة فحسب، بل المعجزات فعلية، لأن أعظم المعجزات جميعاً، ألا وهي خلق الكون من العدم، حدثت بالفعل. لذا، بخصوص الكتاب المقدس، إن كان تكوين 1: 1 صحيحاً «في البدء خلق الله السماوات والأرض»، إذن من السهل تصديق سائر المعجزات الأخرى الواردة في الكتاب المقدس.
فهل الإله الذي خلق الكون كله من عدم يستطيع أن يشق البحر الأحمر؟ وينزل ناراً من السماء؟ ويحفظ رجلاً داخل حوت لمدة ثلاثة أيام؟[2] ويتنبأ بأحداث مستقبلية بدقة؟ ويحول الماء إلى خمر؟ ويشفي الأمراض في لحظة؟ ويقيم الموتى؟ طبعاً. كل تلك الأحداث المعجزية مهام بسيطة بالنسبة لكائن قوي بلا حدود خلق الكون أصلاً.
إلا أن هذا لا يعني أن الله صنع تلك المعجزات الكتابية. فهذا ما سنراه لاحقاً. ولكنه يعني فقط أنه باستطاعته أن يفعل ذلك، أي أن تلك المعجزات ممكنة. ففي ضوء حقيقة أننا نعيش في عالم خلقه الله، يتضح بجلاء أن استبعاد المعجزات مسبقاً (كما يفعل الكثير من الملحدين) موقف غير مشروع. كما قال سي. إس. لويس: «إن اعترفنا بالله، هل لا بد أن نعترف بالمعجزات؟ بالتأكيد، بالتأكيد، لا مناص من ذلك. هذه هي الصفقة الكاملة”.
لذلك، لماذا يقول العديد من الناس اليوم إن المعجزات مستحيلة أو إنه لا يجب تصديقها؟ كيف يمكن للمتشككين ألا يؤمنوا بالمعجزات والكون كله يبدو معجزة مذهلة؟ يجب أن نتناول تلك الأسئلة قبل أن نبحث ما إذا كان الله قد أكد حق اليهودية أو المسيحية أو الإسلام بالمعجزات.
الاعتراضات على المعجزات
منذ أواخر القرن السابع عشر ظهر اعتراضان رئيسيان على المعجزات يجب أن نتناولهما بالفحص. أتى أولهما من بنيديكت سبينوزا Benedict Spinoza، وثانيهما من ديفيد هيوم. وسنبدأ باعتراض سبينوزا.
القوانين الطبيعية ثابتة لا تتغير Immutable:
كان بيندكيت سبينوزا، وهو يهودي يؤمن بوحدة الوجود، أول من نشر الحجة القائلة بأن القوانين الطبيعية ثابتة لا تتغير في سبعينيات القرن السابع عشر. وتقول حجة سبينوزا المضادة للمعجزات ما معناه:
المعجزات خرق للقوانين الطبيعية.
القوانين الطبيعية ثابتة لا تتغير.
يستحيل خرق قوانين ثابتة لا تتغير.
إذن المعجزات مستحيلة.
إن كان سبينوزا على حق، أي أنه إن كان مستحيلاً التغلب على القوانين الطبيعية، أو توقيفها مؤقتاً، أو التدخل فيها، إذن المعجزات مستحيلة. إلا أن مشكلة هذا الاعتراض أنه يصادر على المطلوب. فإن عرفت القوانين الطبيعية بأنها ثابتة، إذن المعجزات مستحيلة طبعاً. ولكن هذا هو السؤال الذي نبحث عن إجابته! فمن قال إن القوانين الطبيعية ثابتة؟
إن سبينوزا، تمشياً مع منظور وحدة الوجود، استبعد مسبقاً الإله الخالق دون وجه حق، ومن ثم استبعد المعجزات. ولكن إن كان الله موجوداً، المعجزات ممكنة. وكما رأينا أعظم المعجزات جميعاً، وهي خلق الكون من عدم، حدثت بالفعل. والخليقة نفسها تبين أن القوانين الطبيعية ليس ثابتة. فليس من الطبيعي أن ينشأ شيء من لا شيء. ولكن هذا ما حدث.
ونحن نعرف أيضاً أن القوانين الطبيعية ليست ثابتة لأنها توصيفات لما يحدث. وليست تعليمات تحدد ما يجب أن يحدث. إن القوانين الطبيعية لا تسبب فعلياً أي شيء. ولكنها تصف فحسب ما يحدث بانتظام في الطبيعية. فهي تصف آثار القوى الطبيعية الأربع المعروفة: الجاذبية، والمغناطيسية، والقوى النووية القوية والضعيفة. وما إن تدخل كائنات ذكية في الصورة، حتى يمكن التغلب على القوى الطبيعية. فنحن نعلم أن تلك القوى يمكن التغلب عليها لأننا نحن أنفسنا نفعل ذلك يومياً.
فمثلاً، عندما يمسك لاعب البيسبول الكرة وهو تسقط، فهو يتغلب على قانون الجاذبية. وهو ما نفعله كلما نقود طائرة أو نطلق صاروخاً في الفضاء. ففي هذه الحالات نحن لا نغير الجاذبية ولكننا نتغلب عليها. فإن كانت كائنات متناهية مثلنا تستطيع أن تتغلب على القوى الطبيعية، إذن من المؤكد أن الكائن اللامتناهي الذي خلق تلك القوى يستطيع أن يفعل ذلك[3].
المعجزات عديمة المصداقية:
منذ عدة سنوات، دعيت (أنا نورم) لأتحدث في كلية لاهوت جامعة هارفارد، وهي من أكثر كليات اللاهوت ليبرالية في البلاد. وكان موضوعي بعنوان “وداع هارفارد للإنجيلية المحافظة قبل الأوان” “Harvard’s Premature Farewell to Evangelicalism“. صدق أو لا تصدق، هارفارد مثل معظم الجامعات في عصرها تأسست على يد مسيحيين إنجيليين محافظين لتعليم الطلاب معرفة يسوع المسيح. وميثاق هارفارد سنة 1646 ينص صراحة على الغرض منها (مع الاحتفاظ بالشواهد الكتابية المذكورة فيه):
ليتعلم كل طالب صراحة ويستحث جدياً أن يعتبر فعلياً أن الغاية الأساسية من حياته ودراساته هي معرفة الله ويسوع المسيح التي هي الحياة الأبدية (يوحنا 17: 3)، ومن ثم يجعل المسيح قاعدة حياته. باعتباره الأساس الوحيد لكل المعرفة والتعليم السليم. وإذ يدرك كل طالب أن الرب وحده واهب الحكمة، يوجه نفسه جدياً لطلب الحكمة منه بالصلاة السرية (أمثال 2: 3).
فكيف ابتعدت هارفارد كل هذا البعد عن ميثاقها؟ لأنها صدقت واحدة من أقوى الحجج التي صيغت ضد المعجزات. ولكنها ليست حجة سبينوزا. فنتيجة للتطورات التي شهدها العلم الحديث وفهمنا للعالم الطبيعي بشكل أفضل، ليس كثيرون اليوم يؤمنون فعلياً بثبات القوانين الطبيعية. ولكن الحجة المضادة للمعجزات المقبولة اليوم، والتي حظيت بالقبول في هارفارد، طرحها الشكوكي الكبير ديفيد هيوم (1711-1776) بعد سبينوزا بحوالي قرن من الزمان.
ولعلك تتذكر هيوم من الفصل الثاني. فهو الذي قال إن أي كلام عن الله عديم المعنى لأن هذا الكلام لا يشتمل على ملاحظة تجريبية ولا حقائق واضحة في ذاتها. وقد رأينا أن زعمه يفند نفسه.
إلا أن حجة هيوم ضد المعجزات أعقد قليلاً، ولا يسهل دحضها كما هو الحال في الحجة ضد الكلام عن الله. ولعل هذا هو أحد الأٍسباب التي تجعل الناس يصدقونها حتى اليوم. والحقيقة أن حجة هيوم ضد المعجزات تمثل واحداً من أعمدة المذهب المدعو التنوير Enlightenment (فعند هذه المرحلة يفترض أننا استنرنا بما يكفي للتخلي عن إيماننا الخرافي بالمعجزات، والإيمان بالعقل والحقائق التجريبية التي يكتشفها المنهج العلمي). وقد ساعدت حجة هيوم في تقدم المنظور الطبيعي الذي تفشى فيما بعد مع نظرية داروين في التطور.
وفيما يلي مجمل المادة التي قدمتها للحضور في هارفارد في ذلك اليوم. بدأت بتوضيح حجة هيوم المضادة للمعجزات ثم انتقلت إلى نقدها. إليك حجة هيوم في شكل قياس منطقي:
القانون الطبيعي بطبيعته توصيف لحدث متكرر.
المعجزة بطبيعتها حدث نادر.
الأدلة على الأحداث المتكررة دائماً ما تكون أكثر من الأدلة على الأحداث النادرة.
الحكيم دائماً ما يؤسس معتقداته على الأدلة الأكثر.
إذن الحكيم يجب ألا يؤمن أبداً بالمعجزات.
إن كانت تلك المقدمات المنطقية الأربع صحيحة، فالنتيجة تتبع المقدمات بالضرورة. الحكيم يجب ألا يؤمن أبداً بالمعجزات. ولكن لسوء حظ هيوم ومن صدقوه على مر السنين أن حجته تشتمل على مقدمة خاطئة، لأن المقدمة الثالثة ليست بالضرورة صحيحة. فالأدلة على الأحداث المتكررة ليست دائماً أكثر من الأدلة على الأحداث النادرة.
للوهلة الأولى قد يهيأ لنا أن الأمر ليس هكذا. ففي العصر الذي يمكننا فيه مشاهدة اللقطة معادة في المباريات الرياضية في التو واللحظة. تبدو المقدمة الثالثة منطقية. فمثلاً، حكم مباراة كرة القدم يرى لعبة ما من زاوية واحدة بكامل سرعته. بينما نتمكن نحن من رؤيتها من عدة زوايا بالتصوير البطيء. وبذلك تتوفر لنا أدلة أكثر لأننا نرى اللعبة مراراً (الحدث المتكرر) أكثر من الحكم الذي لا يراها إلا مرة (الحدث النادر).
ولكن ما ينطبق على مباراة كرة قدم مصورة بالفيديو لا ينطبق بالضرورة على كل أحداث الحياة. وحتى ندحض المقدمة الثالثة ليس علينا إلا أن نأتي بمثال واحد مضاد. والحقيقة أن لدينا عدة أمثلة، وكلها من المنظور الطبيعي الذي ينتهجه هيوم:
1 – نشأة الكون لم تحدث إلا مرة واحدة: لقد كانت حدثاً نادراً غير متكرر: إلا أن كل أنصار المذهب الطبيعي تقريباً يعتقدون أن أدلة الانفجار الكبير تثبت أن الكون انفجر إلى الوجود.
2 – نشأة الحياة لم تحدث إلا مرة واحدة: وهي أيضاً حدث نادر غير متكرر: إلا أن كل من يتبع المذهب الطبيعي يؤمن أن الحياة نشأت تلقائياً من اللاحياة في مكان ما على الأرض أو في مكان آخر في الكون.
3 –نشأة أشكال جديدة من الحياة لم تحدث أيضاً إلا مرة واحدة: ولكن معظم أتباع المذهب الطبيعي يؤمنون إيماناً قاطعاً بتلك الأحداث النادرة غير المتكررة، ويقولون إن كل هذا حدث بعمليات من الماكرو تطور غير قابلة للملاحظة (أي نادرة).
4 –في الواقع تاريخ العالم بأكمله يتكون من أحداث نادرة غير متكررة: فمثلاً مولد ديفيد هيوم نفسه لم يحدث إلا مرة واحدة ولكنه لم يواجه صعوبة في تصديق الحدث!
في كل من هذه الأمثلة المضادة من منظور هيوم الطبيعي نفسه، نرى أنه لا بد من رفض مقدمته الثالثة أو اعتبارها خاطئة. فلو آمن هيوم فعلاً بتلك المقدمة، لما آمن بمولده ولا بمنظوره الطبيعي!
وهكذا نفهم من هذه الأمثلة المضادة أن مقدمة هيوم الثالثة، ومن ثم حجته بأكملها، لا يمكن أن تكون صحيحة. ولكن المشكلات المحددة التي ينطوي عليها هذا النوع من التفكير الطبيعي؟
أولاً، هذا التفكير يخلط بين إمكانية التصديق Belivability وإمكانية الحدوث Possibility. فحتى لو كانت المقدمة الثالثة صحيحة، الحجة لا تدحض إمكانية حدوث المعجزات، ولكنها فقط تشكك في إمكانية تصديقها. فحتى لو شهدت بنفسك مثلاً يسوع المسيح يقوم من الأموات كما تنبأ، أي أنك لو كنت في القبر، وتحققت أن الجسد كان ميتاً، ثم رأيته يقوم ويخرج من القبر، ففي هذه الحالة تقول حجة هيوم إنك (بصفتك شخصاً “حكيماً”) يجب ألا تصدق هذا الحدث. إن الحجة التي تخبرك بأن تُكذِّب ما تحققت من صحته حجة خاطئة.
ثانياً، هيوم يخلط بين الاحتمالية Probability والدليل Evidence. فهو لا يزن الدليل على كل حدث نادر، بل يضيف الأدلة على كل الأحداث المنتظمة إلى بعضها البعض ويستخلص أن كثرة هذه الأدلة تجعل كل الأحداث النادرة غير جديرة بالتصديق. ولكن هذا التفكير أيضاً معيب. فهناك الكثير من الأحداث غير المحتملة (النادرة) في الحياة نصدقها عندما تتوفر أدلة قوية عليها.
فمثلاً سقوط كرة الجولف في الحفرة من أول مرة حدث نادر، ولكننا عندما نراه لا نجد صعوبة في تصديقه. ومؤكد أننا لا نقول للاعب: «بما أن الأدلة على الأحداث المتكررة دائماً أكثر من الأدلة على الأحداث النادرة، فلن أصدق ضربتك إلا إذا وضعت الكرة على الحامل وكررت الضربة خمس مرات متتالية!» وكذلك من المؤكد أننا لا نقول للفائز بورقة اليانصيب الذي يفوز بنسبة 76 مليون إلى واحد أنه لان يحصل على المبلغ إلا إذا فاز به خمس مرات متتالية! لا، في هذه الحالات الدليل على الحدث النادر أقوى من الدليل على الحدث المتكرر.
فشهود العيان اليقظون العقلاء يقدمون دليلاً أقوى من سقوط الكرة من أول مرة بصرف النظر عن مدى تكرار خطأ اللاعب في إصابة الهدف في الماضي. وكذلك الورقة الفائزة تقدم دليلاً أقوى على أن شخصاً بعينه فاز باليانصيب عكس الاحتمالات المتوقعة بصرف النظر عن مدى تكرار خسارة ذلك الشخص في الماضي[4].
إذن القضية ليست تكرار الحدث أو ندرته، بل القضية هي قوة الأدلة على الحدث. لذا، علينا أن نزن الدليل على الحدث المعنى، لا أن نضيف الأدلة على كل الأحداث السابقة.
ثالثاً، الحقيقة أن هيوم يقدم حجة دائرية. فبدلاً من أن يقيم صدق الأدلة على كل زعم يقول بالمعجزات، يستبعد الاعتقاد في المعجزات مسبقاً لأنه يعتقد أن هناك خبرة عامة Uniform Experience ضد المعجزات. وكالعادة سي. إس. لويس عنده فكرة عبقرية:
والآن ينبغي طبعاً أن نتفق مع هيوم أنه إن كانت هناك “خبرة عامة” موحدة ضد المعجزات، أي إن كانت المعجزات لم تحدث مطلقاً، فلماذا؟ لسوء الحظ أننا نعرف أن الخبرة المضادة لها لا يمكن أن تكون عامة إلا إذا عرفنا أن كل روايات المعجزات خاطئة. ولا يمكننا أن نعرف أن كل الروايات خاطئة إلا إذا كنا نعرف أصلاً أن المعجزات لم تحدث أبداً. وفي الواقع نحن نحاج حجة دائرية.
إن هيوم يرتكب أخطاء الداروينيين نفسها، فهو يخفي النتيجة في مقدمة حجته بطرح افتراضات فلسفية مسبقة خاطئة. وافتراضه المسبق الخاطئ هو أن كل الخبرات البشرية مضادة للمعجزات. كيف يستطيع أن يعرف ذلك؟ لا يستطيع. لذلك، يفترضه مسبقاً. وكما رأينا، المعجزات ممكنة لأن الله موجود. ومن ثم، محتمل أن يكون البشر قد اختبروا معجزات حقيقية. والسبيل الوحيد للتحقق هو أن نفحص الأدلة على كل زعم يقول بحدوث معجزة. ومن ثم، يتضح أن الافتراض بأن كل زعم يقول بمعجزة خاطئ، كما يفترض هيوم، افتراض غير مشروع.
أخيراً، رغم أن هيوم يعرف المعجزة تعريفاً صحيحاً بأنها حدث نادر. فهو بعد ذلك يعاقبها على ندرتها! وكأن هيوم يقول: «لو تكرر حدوث المعجزات، لصدقناها». ولكن لو تكرر حدوث المعجزات على نحو منتظم مثلاً (حسب مصطلحات هيوم)، لما كانت معجزات (أحداث نادرة)، وقد نعتبرها قوانين طبيعية أو جزءًا من ظواهر طبيعية لا تفسير لها. ولكن ما إن نعتبرها طبيعية من حيث أصلها، حتى تتوقف عن لفت انتباهنا باعتبارها أفعالاً خاصة يقوم بها الله.
فندرة المعجزة تمثل واحدة من سماتها التي تميزها عما عداها. وللتعبير عن الفكرة بطريقة أخرى نقول إن ما يجعل المعجزات تلفت انتباهنا هو أننا نعرف أن هذا الحدث لا يمكن أن ينتج من القوانين الطبيعية.
لذا بناءً على منطق هيوم، حتى إن وجد أله يصنع معجزات، يجب ألا نصدق أي معجزات يصنعها لأنها ليست أحداثاً منتظمة. وهنا أيضاً نكرر أن الحجة التي تخبرك أن تكذب ما حدث بالفعل ححة معيبة. والحجة التي تطالب بألا تكون المعجزة معجزة حتى نستطيع أن نصدقها هي أيضاً حجة معيبة.
والخلاصة أن هيوم يصرح ببساطة، دون مبرر، أن الأحداث القابلة للتصديق هي فقط الأحداث المنتظمة، وبما أن المعجزة ليست حدثاً منتظماً، فهي تقصر عن بلوغ هذا المعيار المصطنع. وكما ذكرنا سلفاً، إن كنا لا نستطيع أن نؤمن بالأحداث النادرة، فلا نستطيع أن نصدق أي شيء من التاريخ. لأن التاريخ يتألف من أحداث نادرة متتالية غير متكررة. فمن الواضح أن هذا الموقف غير منطقي.
وبعد أن قدمت هذه المعلومات في جامعة هارفارد، لم أتلق أي أسئلة ولا تحديات لنقدي لهيوم، بل ساد المكان صمت رهيب. وأثناء هذه الفترة نفسها (ثمانينيات القرن العشرين) دعاني أحد الأساتذة في جامعة أخرى من جامعات رابطة “أيفي ليج”، وهي جامعة برينستون لمناظرته في هذا الموضوع. وطلب الأستاذ نسخة من المادة التي سأقدمها قبل المناظرة، وهو طلب غير معتاد بالمرة.
فعنصر المفاجأة في المناظرة ميزة لا يتنازل عنها معظم المناظرين. إلا أني كنت واثقاً تماماً من صحة نقدي لهيوم حتى أني أرسلته للبروفسور مسبقاً. وبعد أن استلم البروفسور نقدي لهيوم، اتصل بي ليقول إنه يفضل أني أقدم محاضرة لطلابه على أن أناظره، على أن يكون حاضراً حتى “يقود الأسئلة المضادة” أثناء فترة الأسئلة والإجابة. فوافقت.
وعندما وصلت إلى الحرم الجامعي في التاريخ والموعد المحددين، لم أعثر للبروفسور على أثر. وقال مساعده إن “ظرفاً شخصياً طارئاً” حدث وإن الاجتماع قد ألغي. وانتهى بي الأمر أني قدمت نقدي لمجموعة من الطلاب كان رافي زكراياس قد أحضرهم من كلية Nyack College. ومحاولتي للاتصال بالبروفسور فيما بعد باءت بالفشل.
وقد تلقيت استجابة مشابهة من أنتوني فلو الذي يعد حالياً واحداً من أبرز الفلاسفة الملحدين[5]. ففي أواخر الثمانينيات طلبت منه أن يعلق على كتابي “المعجزات والفكر الحديث” Miracles and Modern Thought الذي تناول بالنقد العديد من الحجج المضادة للمعجزات بما فيها حجته (وهي شديدة الشبه بحجة هيوم). فقبل أنتوني فلو أن يقدم نقداً مكتوباً في العدد التالي لإحدى الصحف الإنسانية الكبرى.
إلا أنه، في ذلك المقال، بدلاً من أن يحاول تفنيد الحجج التي قدمتها، مدحها بشكل غير مباشر بأنه أوصى أنه على الملحدين أن يأتوا بحجج أفضل ضد المعجزات حتى يردوا على المؤمنين بالله الخالق المعاصرين.
إن التقاعس عن التعامل مباشرة مع العيوب التي تشوب حجة هيوم يبين لنا أن عدم الإيمان بالمعجزات غالباً مسألة إرادية أكثر منه مسألة فكرية. فيبدو كما لو أن البعض يتمسكون بسذاجة بحجة ديفيد هيوم لأنهم ببساطة لا يريدون أن يعترفوا بوجود الله. ولكن بما أننا نعرف أن الله موجود، إذن المعجزات ممكنة. وأي حجة ضد المعجزات يمكن تلفيقها، ومنها حجة ديفيد هيوم، تسقط بهذه الحقيقة الواحدة. لأنه أن كان هناك إله قادر على الفعل، إذن يمكن أن يكون هناك أفعال إلهية (معجزات).
إذن، في النهاية، ليست المعجزات هي التي يصعب تصديقها، بل حجة ديفيد هيوم هي التي يصعب تصديقها! حتى إنه يمكننا أن نقول إن تصديق الكثير من الناس لها حتى الآن يعد “معجزة”.
ليس كل من يصنع معجزة هو الله: ما المعجزة، وما هو ليس بمعجزة؟ إذن الصندوق مفتوح، أي أن المعجزات ممكنة. ولكن إذا رأينا معجزة كيف نعرف أنها معجزة؟ للإجابة عن هذه السؤال، مهم أن نعرِّف المعجزة وما ليس معجزة حتى نعرف عما نبحث. كما هو مبين في الجدول، هناك على الأقل ستة أنواع مختلفة من الأحداث غير العادية وواحد منها فقط هو الذي ينطبق عليه وصف معجزة.
هناك على الأقل ست فئات مختلفة من الأحداث غير العادية:
الأحداث الشاذة
السحر
التأثير النفسجسمي
الآيات الشيطانية
العناية الإلهية
المعجزات
الوصف
أحداث غريبة في الطبيعة
خفة يد
القدرة على التحكم في المواقف أو المشكلات المادية بالعقل والإرادة
قوة شريرة
أحداث مرتبة مسبقاً
فعل إلهي
القوة
مادية
بشرية
عقلية
نفسية
إلهية
فوق طبيعية
السمات
حدث طبيعي ذو نمط موحد
غير طبيعية وتحت سيطرة الإنسان
تتطلب إيماناً؛ تفشل مع أمراض معينة
شر، زيف، قوى سحرية خارقة للطبيعة، قوى محدودة
تفسر طبيعياً؛ إطار روحي
لا تفشل أبداً، فورية، تستمر، تمجد الله
مثال
النحل الطنان
أرنب في القبعة
العلاجات النفسجسمية
التأثير الشيطاني
ضباب في نورماندي
إقامة الموتى
فلنلق نظرة سريعة على كل من هذه الأحداث غير العادية. وسنبدأ بالمعجزات لأننا إذا عرفنا ماهيتها، سنفهم بشكل أفضل لماذا لا تعتبر سائر الأحداث غير العادية معجزات.
المعجزة: حتى يكون الفعل الإلهي آية من الله لا تخطئها عين، لا بد أن تتوافر فيه معايير معينة، وهي معايير تميز أفعال الله عن أي حدث آخر غير عادي. فآية الله مثل ختم الملك، يجب أن تكون فريدة، ويسهل التعرف عليها، ولا يستطيع أحد أن يفعلها إلا الله. وهو ما يعني أنها تتسم بسمات لا يمكن تفسيرها بالقوانين الطبيعية، ولا القوى الطبيعية، ولا أي شيء آخر في الكون المادي. فما هي هذه المعايير؟
كما رأينا من الحجج الكونية، والغائية، والأخلاقية، الله وحده عنده قوة لا متناهية (قوة تفوق القوة الموجودة في العالم الطبيعي)، وغرض وتصميم أعلى، ونقاء أخلاقي كامل. لذا، من المنطقي أن نفترض أن أفعاله تعكس أو تشتمل على عناصر من هذه الصفات. إذن معايير المعجزات الحقيقية تتضمن:
بداية فورية لفعل قوي، وتدلل عليها الحجة الكونية (بداية الكون).
تعزير السلوك الصالح أو الصحيح، وتدلل عليه الحجة الأخلاقية (القانون الأخلاقي المطبوع فينا).
إن عنصر القوة في المعجزات (أ) يعني أن الآية لا يمكن تفسيرها طبيعياً. لأنه إن كان من المحتمل وجود مسبب طبيعي، إذن الآية لا يمكن طبعاً أن تعتبر معجزة. فالمعجزة لها مسبب فوق طبيعي لا لبس فيه، إنه مسبب يتجاوز حدود الطبيعة.
وعنصر التصميم (ب) يعني أن أي آية تفعل دون غرض واضح، أي لتأكيد حق أو رسول يأتي بالحق أو لتمجيد الله، غالباً ليست آية من الله. أي أن الله لن يصنع معجزات بغرض التسلية. فكما أن معظم ملوك الأرض لن يستخدموا أختامهم لأغراض تافهة، كذلك ملك الكون. لن يستخدم ختمه لأغراض تافهة. وإن استخدم المعجزات لمجرد التسلية، سيصعب علينا التعرف على قصده عندما يريد أن يؤكد حقاً جديداً أو رسولاً جديداً. فحتى لا تكون المعجزات كالولد الذي أخذ ينادي كذباً “ذئب في حقلنا”، يجب أن تركز على تثبت زعم يختص بالحق، ولا بد أن تكون نادرة نسبياً حتى تكون مؤثرة.
والعنصر الأخلاقي في المعجزات (ج) يعني أن أي آية تنطوي على خطأ أو انحراف أخلاقي لا يمكن أن تكون آية من الله. فالخطأ والانحراف الأخلاقي ضد طبيعة الله لأنه المقياس الثابت للحق والأخلاق. فهو لا يستطيع أن يثبت الخطأ أو الانحراف الأخلاقي.
وبناء على هذه المعايير: القوة الفورية، والتصميم الذكي، والأخلاق، يمكننا أن نحدد الأحداث غير العادية التي تمثل آيات حقيقية من الله. لاحظ أننا استنتجنا هذه المعايير مما تعلمناه عن الله من العالم الطبيعي وما تعلمناه عن حدود الطبيعة نفسها. والكتاب المقدس يتفق مع تقديرنا بتوصيفه للأحداث التي تطابق هذه المعايير بأنها معجزات. وكل من الكتاب المقدس والقرآن يعلمان بأن المعجزات استخدمت لتثبيت كلمة من الله[6].
لذا الحدث المرتبط بزعم يختص بحق إلهي ويتسم بهذه السمات يسمى “معجزة”، أي فعل يقوم به الله ليثبت كلمة من الله. فمثلاً، إن كان يسوع قد قام فعلاً من الأموات، وهو رجل تنبأ بقيامته من الأموات، نقول إن معجزة قد حدثت. وهذا الحدث يعكس قوة فورية تتجاوز القدرات الطبيعية، وتخطيطاً مسبقاً وتصميماً ذكياً. وغرضاً أخلاقياً بتأكيد أن يسوع من الله (لذلك يجب أن نصغي لما يقول). وليس هناك قوة طبيعية أو أي مصدر آخر للقوة يمكن أن يفسر هذا الحدث.
علاوة على ذلك، إن كانت القيامة قد حدثت بالفعل، فهي لم تحدث “في فراغ” بل في محيط معين. وهو ما يعني أن القيامة كانت حدثاً تم في محيط كون يؤمن بالله الخالق، حيث تنبأ بها رجل يزعم أنه من الله ويصنع معجزات. وهذا المحيط يرجح أنها معجزة وليست مجرد حدث طبيعي لم يظهر له تفسير بعد. وباختصار، إن كانت القيامة قد حدثت بالفعل (وسوف نتناول هذه القضية بالفحص فيما بعد)، فإن “بصمات” الله تغطيها بالكامل.
العناية الإلهية:
إن المتدينيين، وخاصة المسيحيين، يستخدمون مصطلح “معجزة” استخداماً فضفاضاً نوعاً ما، فهم غالباً ما يسمون أحداث العناية الإلهية معجزات.
إن أحداث العناية الإلهية هي الأحداث التي يسببها الله بشكل غير مباشر، ولا بشكل مباشر. أي أن الله يستخدم القوانين الطبيعية لتنفيذها. ومن أمثلتها استجابة الصلوات والأحداث المفيدة غير المحتملة الحدوث. وعادة ما تكون هذه الأحداث لافتة جداً للنظر وتقوي الإيمان، ولكنها ليست فائقة للطبيعة. فمثلاً، الضباب في نورماندي كان من أعمال العناية الإلهية لأنه حجب جيوش الحلفاء أثناء استعدادها للهجوم على النظام النازي الشرير. فهو لم يكن معجزة، لأنه يمكن أن يفسر بالقوانين الطبيعية، ولكن من المحتمل أن الله كان وراء حدوثه. ولكن على النقيض من ذلك، المعجزة تتطلب حدوث شيء مثل خروج الرصاص من صدور شبابنا في هجومهم على الشاطئ.
الآيات الشيطانية:
تعتبر الكائنات الروحية الأخرى من المسببات المحتملة للأحداث غير العادية. فإن كان الله موجوداً. من الوارد أن توجد أيضاً كائنات روحية أخر. ولكن إن كان الشيطان والأرواح الشريرة موجودين، فقدراتهم محدودة. لماذا؟ لأنه كما ذكرنا آنفاً في هذا الفصل، مستحيل وجود كائنين لا متناهيين. وبما أن الله لا متناه، يستحيل أن يوجد كائن آخر لا متناه.
فضلاً عن ذلك، فإن الثنائية dualism المحضة – أي وجود قوة صالحة لا متناهية مقابل قوة شريرة لا متناهية – أمر مستحيل. ولذلك لأنه لا يوجد شر محض. ولكن الشر هو غياب الخير، أو هو طفيل على الخير، أي أنه لا يقدر أن يوجد بمفرده. فالشر كالصدأ للسيارة. إن نزعت كل الصدأ، تصبح السيارة أفضل. وإن نزعت كل السيارة، لا يتبقى شيء. لذا، لا يمكن أن يكون الشيطان هو الشر المعادل لله. والشيطان في الواقع يتمتع بصفات جيدة مثل القوة، وحرية الإرادة، والتفكير العقلاني، ولكنه يستخدمها لأغراض شريرة.
والخلاصة أن الله ليس له معادل. إنه الكائن الواحد اللامتناهي الذي يعلو فوق الخليقة كلها. وعليه، فالكائنات الروحية المخلوقة، إن وجدت، الله يضع لها حدوداً ولا تستطيع أن تؤدي نوعية الأفعال الفائقة للطبيعة التي لا يفعلها إلا الله.
لذا، نعرف من الإعلان الطبيعي فقط، دون إعلان من أي كتاب ديني، أنه إن وجدت كائنات روحية أخرى فهي محدودة القوة. وبالمصادفة، هذا هو بالضبط ما يعلم به الكتاب المقدس.
ولكن ما مدى محدودية هذه الكائنات الروحية الأخرى؟ هنا نحتاج إعلاناً خاصاً. فرغم أننا لم نثبت حتى الآن صحة الكتاب المقدس بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي، فلنفترض أن هذه الكائنات حقيقية وتستطيع أن تتفاعل مع العالم الطبيعي كما يبين الكتاب المقدس.
وفقاً لتعليم الكتاب المقدس، لا يمكن إلا لله فقط أن يخلق الحياة ويقيم الموتى (تكوين 1: 21؛ تثنية32: 39). فسحرة فرعون الذين قلدوا أول ضربتين، لم يقدروا أن يقلدوا الثالثة التي خلقت حياة (في شكل بعوض). وقد اعترف هؤلاء السحرة أن الضربة الثالثة هي “أصبع الله” (خروج 8: 19).
إن الشيطان يقدر أن يأتي بخدع أفضل من أحسن السحرة، والكتاب المقدس يحوي أمثلة كثيرة على ذلك، إلا أن تلك الخدع لا تتوفر فيها سمات المعجزة الحقيقية. وكما رأينا، المعجزات الحقيقية تقود المرء إلى تعظيم الله. وتخبر بالحق، وتعلي شأن السلوك الأخلاقي. أما الآيات الكاذبة التي يأتي بها الشيطان لا تفعل ذلك. ولكنها تمجد الشخص الذي يؤديها في الظاهر، وهي غالباً ما ترتبط بالخطأ والسلوك غير الأخلاقي. وقد لا تكون فورية، ولا لحظية، ولا مستديمة.
وبإيجاز، الله وحده يصنع المعجزات الحقيقية، ولكن الشيطان يصنع معجزات كاذبة. وهذا هو بالضبط الاسم الذي يطلقه عليها الكتاب المقدس في 2تسالونيكي 2: 9 عندما يكتب بولس: «الذي مجيئه بعمل الشيطان بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة». وطبعاً إن لم يكن المرء مميزاً، يمكن أن ينخدع بهذه الآيات ويظنها معجزات (متى 24: 24).
ويلخص الجدول التالي الاختلافات بين المعجزة والآية الشيطانية:
المعجزة الإلهية
الآية الشيطانية
– فعل فائق للطبيعة بحق
– تحت سيطرة الخالق
– لا ترتبط إطلاقاً بالقوى السحرية الخارقة
– مرتبطة بالإله الحقيقي
– مرتبطة بالحق
– مرتبطة بالخير
– تتضمن نبوات حقيقية
– تمجد الخالق
– مجرد فعل فائق للعادة Supernormal
– تحت سيطرة المخلوق
– مرتبطة بالقوى السحرية الخارقة
– غالباً ما ترتبط بالإيمان بوحدة الوجود أو تعدد الآلهة
– مرتبطة بالخطأ
– مرتبطة بالشر
– تتضمن نبوات كاذبة
– تمجد المخلوق
التأثير النفسجسمي: منذ سنوات كثيرة، أصبت (أنا نورم) بما ظننته حساسية الربيع أثناء تفتح الزهور. فبدأت أتناول عقاراً قوياً في ربيع ذلك العام لتخفيف الأعراض. وفي صباح يوم أحد هذا الربيع دعيت لأعظ في كنيسة محلية، فذهبت قبل الموعد لألتقي بالشيوخ. وعندما اقتربت من المنبر رأيت بعض الزهور على منضدة بالقرب من المنبر. فبدأت على الفور أعطس وبدأت عيناي تدمع.
فقلت لأحد الشيوخ: «لن أقر أن أعظ في وجود هذه الزهور لأنها تهيج حساسيتي. فهل يمكن أن تنقلها من هنا؟»
فنظر إليّ وقال: «إنها زهور بلاستيكية!»
فقلت لنفسي: «جايسلر، أنت تعطس من زهور بلاستيكية. لقد أصبحت تلك الحساسية في عقلك فقط!» فأقلعت عن تناول الأدوية ولم أعد أعاني من تلك المشكلة إلى اليوم.
إلا أن هذا لا يعني أن أي حساسية نفسجسمية صرف. ولكن من المؤكد أن بعض الأمراض والعلاجات نفسجسمية، وهي حالات موثقة جيداً. فمثلاً نورمان كزينز Norman Cousins يصف بالتفصيل في كتابة “تشريح مرض” Anatomy of an Illness، كيف ساهم ضحكه حرفياً في شفائه من السرطان. لا شك أن التوتر العقلي يمكن أن يؤثر على الصحة البدنية تأثيراً سلبياً، في حين أن التوجه العقلي الإيجابي، أو الإيمان، أو السعادة يمكن أن تأتي بتأثير إيجابي يؤدي للشفاء (انظر أمثال 17: 22).
إلا إن بعض الحالات المرضية، مثل إصابة النخاع الشوكي أو بتر الأطراف، لا يمكن شفاؤها بسيطرة العقل على المادة لأنها ليست أمراض نفسجسمية. ولكن شفاء تلك الحالات يتطلب معجزة حقيقية. والخلاصة أن العلاجات النفسجسمية طبيعتها نفسية، وليست فائقة للطبيعة. وهي تدل على أن تأثير العقل على الجسم محدود ولكنه كبير. ويجب ألا نخلط بينها والمعجزات.
السحر: ربما يعتبر السحر أكثر الأحداث غير العادية المألوفة لنا. ويقوم السحر على خفة اليد البشرية أو تضليل العقل. فالساحر الماهر يستطيع أن يجعلك تظن أن شطر امرأة إلى نصفين، أو أخرج أرنباً من قبعة، أو أخفى فيلاً. ولكن كلها خدع ذكية. وعندما تعرف السر تقول: «كيف لم يخطر ذلك ببالي؟» والسحر، من حيث إنه خدعة تحت سيطرة البشر، ليس معجزة. الله وحده هو من يستطيع أن يصنع المعجزات.
الأحداث الشاذة: الحدث الشاذ هو حدث غير في الطبيعة لا تفسير له. فمثلاً، في فترة معينة لم يستطع العلماء أن يفهموا كيف يمكن للنحل الطنان أن يطير. فأجنحته صغيرة جداً بالنسبة لجسمه. واعتبر العلماء أن طيران النحل الطنان حدث شاذ، حتى اكتشفوا فيه نوعاً من “المصدر الكهربائي” الذي يعوض صغر الأجنحة. وقد عرفوا أنها ليست معجزة لأنها تتضمن نمطاً موحداً قابلاً للملاحظة، ألا هو أن كل النحل الطنان يطير. وهو ما دفعهما للاستمرار في البحث عن تفسير طبيعي حتى وجدوه.
وقد يتساءل المتشكك: «إذن لماذا لا نعتبر قيامة يسوع حدثاً شاذاً؟» لأن القيامة تم التنبؤ بها. وكان رواءها تصميم ذكي، أي أن بصمات الله تغطيها بالكامل. ولكن الأحداث الشاذة لا ترتبط بمزاعم عن الذكاء تدعي أنها حق، وهي لا تتضمن أبعاداً أخلاقية ولاهوتية. لذا، إن كانت قيامة المسيح قد حدثت بالفعل، فهي ليس حدثاً طبيعياً شاذاً.
لماذا لا نرى المعجزات الكتابية اليوم؟
الكثير من الناس اليوم ينظرون نظرة ضيقة جداً للتاريخ وللخبرة البشرية. فهم يقولون: «إن لم أر شخصياً أحداثاُ معينة تحدث اليوم، فمن المحتمل أنها لم تحدث أبداً». والمعنى الذي تنطوي عليه هذه الجملة بخصوص المعجزات واضح. فالمقصود إنه «طالما أنه ليست هناك معجزات علنية معجزات الكتاب المقدس تحدث اليوم (ولو كانت تحدث، لرأيناها على قناة فوكس نيوز Fox News)، فلماذا يجب أن أصدق أنها حدثت في الماضي؟» سؤال في محله.
إلا أن هذا السؤال يكمن وراءه مفهوم خاطئ شائع، وهو الاعتقاد بأن الكتاب المقدس مملوء بمعجزات تحدث باستمرار عبر تاريخ الكتاب المقدس. إن هذا الاعتقاد صحيح جزئياً. فصحيح أن الكتاب المقدس مليء بالمعجزات التي حدثت في حوالي 250 مناسبة[7]. إلا أن معظم تلك المعجزات تحدث في أوقات قصيرة جداً في التاريخ، وذلك أثناء ثلاث فترات زمنية محددة: أثناء مدة حياة موسى وإيليا وأليشع، ويسوع، والرسل. لماذا؟ لأن هذه هي الأوقات التي كان الله يؤكد فيها حقاً جديداً (إعلاناً إلهياً) ورسلاً جدداً يحملون ذلك الحق[8].
فإن كانت معظم المعجزات تتركز في هذه الفترات الثلاث، فما الأحداث المعجزية التي تقع أثناء الفترات الأخرى التي يغطيها الكتاب المقدس؟ لا شيء. ففي الحقيقة هناك فجوات زمنية شاسعة في الكتاب المقدس (تصل إلى مئات السنين) لا تسجل فيها أي معجزات من الله. لماذا؟ لأن هذه الفترات لم يكن فيها كلمة جديدة من الله، ومعظم المعجزات كانت تؤكد كلمة جديدة من الله.
إذن لماذا لا نرى معجزات كتابية اليوم؟ لأنه إن كان الكتاب المقدس صحيحاً ومكتملاً، فالله لا يؤكد أي إعلان جديد، ومن ثم فلا محل عنده لهذا الغرض الرئيسي من صنع المعجزات اليوم. ليس هناك كلمة جديدة من الله يريد أن يؤكدها.
ولكن لا تسيء فهمنا في هذه اللحظة. فنحن لا نقول إن الله لا يستطيع أن يصنع معجزات اليوم، أو إنه لا يصنعها أبداً. بل بصفته خالق الكون وحافظه وله السلطان، يمكنه أن يصنع معجزة وقتما يريد. ولكن كل ما في الأمر أنه قد لا يكون عنده سبب ليظهر قوته علانية كما فعل في أزمنة الكتاب المقدس؛ لأن كل الحقائق التي أراد أن يكشفها كشفت فعلياً وتأكدت فكما هو الحال في بناء بيت، الأساس لا يوضع إلا مرة واحدة. والمعجزات الكتابية كانت أفعالاً إلهية خاصة وضعت أساس إعلانه الدائم للبشر.
الملخص والخلاصة
1 – يمكن اكتشاف السمات الجوهرية لإله الكتاب المقدس دون الكتاب المقدس عن طريق الإعلان الطبيعية، كما يتضح من الحجج الكونية والغائية والأخلاقية. وتلك الحجج المؤيدة بأدلة قوية جداً تظهر لنا أن هذا الكون خلقه إله ويحفظه. وبما أن الحال هكذا، إذن الديانات التي تؤمن بالله الخالق الحافظ فقط، هي “المؤهلة للفوز بنهائي” الحق حتى الآن. ولكن كل الديانات التي لا تؤمن بالله الخالق الحافظ مبنية على أساس مزيف لأنها خاطئة في مفهومها عن وجود الله وطبيعته.
2 – بما أن الله موجود، إذن المعجزات ممكنة. والحقيقة أن أعظم المعجزات جميعاً، أي خلق الكون من عدم، قد حدثت بالفعل، وهو ما يعني أن تكوين 1: 1 وسائر المعجزات الكتابية كلها قابلة للتصديق. والحجج المضادة للمعجزات فاشلة لأنها تقوم على افتراضات فلسفية خاطئة لا على أدلة قابلة للملاحظة. والنتيجة أنها تعجز عن نفي المعجزات. فالله يستطيع أن يتدخل في الكون الذي خلقه رغم ما يقوله ديفيد هيوم.
3 – المعجزة الحقيقية عمل لا يستطيع فعله إلا الله، وهو ما يعني أنها تتضمن سمات تتناسب مع الله، مثل القوة الفائقة للطبيعة، والتصميم الذكي، وتوكيد السلوك الأخلاقي. وبهذه السمات يمكن تمييز المعجزات عن غيرها من الأشكال الأخرى للأحداث غير العادية مثل أحداث العناية الإلهية، والآيات الشيطانية، والشفاء النفسجسمي، والسحر، وشواذ الطبيعة.
4 – نحن نتوقع من الله، بناءً على طبيعته الأخلاقية، أن يوصل لنا غايته المحددة بمزيد من التفصيل (أي بما يتجاوز الإعلان الطبيعي وصولاً إلى الإعلان الخاص). وقد استطاع الله أن يستخدم المعجزات كعلامة تؤكد لنا إعلانه الخاص. والمعجزة عندما تستخدم على هذا النحو تعد فعلاً إلهياً لتأكيد رسالة من الله.
[1] هذا الكائن شخص عاقل، لا جماداً غير عاقل. ونحن نعلم أن هذا الكائن له شخصية لأنه فعل شيئاً لا يفعله إلا الأشخاص، أي أنه اختار. لقد اختار أن يخلق.
[2] كثيراً ما نسمع مسيحيين يحاولون شرح قصة يونان المعجزية بالاستناد إلى قصص يفترض أنها حقيقية عن صيادين عاشوا فترة معينة داخل حيتان. وحتى إن كانت تلك الأحداث صحيحة، فهي لا تمت بصلة لقصة يونان على الإطلاق. فالقصد من قصة يونان أن تكون قصة معجزية، أي أنها شيء لا يستطيع أن يفعله سوى الله. فمؤكد أنه ليس هناك رجل يستطيع أن يعيش في بطن سمكة عملاقة لمدة ثلاثة أيام ثم تتقيؤه السمكة على بقعة معينة من اليابسة.
إلا إذا كان ذلك عملاً إلهياً. وإن كان يبدو شيئاً يستحيل تصديقه لأن العالم لا يسير بتلك الطريقة عادة، فالهدف من الحدث هو أن يبدو بهذا الشكل الذي يصعب تصديقه! فالمعجزة التي يمكن تفسيرها بالوسائل الطبيعية ليست معجزة. والمحصلة النهائية هي أن الله الذي صنع أعظم المعجزات جميعاً، أي خلق الكون بما فيه من حيتان وبشر. لا يجد أدنى صعوبة في تصميم معجزة يونان.
[3] القوانين الطبيعية تختلف عن القوانين الأخلاقية من حيث أنها لا تقوم على طبيعة الله. ومن ثم فهي قابلة للتغير. فرغم أن الله لا يستطيع أن يخرق القوانين الآخلاقية. لأنه هو المقياس الثابت للأخلاق. يستطيع أن يغير القوانين الطبيعية أو يوقفها مؤقتاً كما يشاء. فالواقع أن الله كان يمكنه أن يخلق واقعاً مادياً. بما فيه القوانين الطبيعية والبيئية الطبيعية والكائنات الحية. بسمات تختلف كلية عن سماته الحالية.
[4] معظم الناس يعتقدون خطأ أنهم كلما لعبوا اليانصيب في الماضي. زادت فرص الفوز هذه المرة. ولكن ليس المهم عدد مرات لعب الشخص لليانصيب في الماضي لأن كل ورقة يانصيب حدث فريد من نوعه لا يتأثر بأحداث اللعب الماضية. فالنسبة كل مرة 76 مليون إلى واحد (أو أياً كانت النسبة). وهيوم كان سيقترح أن تكرار خبرة الخسارة في الماضي يجب أن يجعلك تكذب الفوز إذا فزت. ولكنك إذا فزت يوماً ما، فأنت فزت بالفعل، رغم أنك خسرت ألف مرة فيما سبق. وهكذا، يمكن أن تحدث المعجزة بصرف النظر عن عدد المرات التي لم تحدث فيها هذه المعجزة في الماضي.
[5] صدرت النسخة الإنجليزية من كتابنا هذا سنة 2004، إلا أنه في العام نفسه اعترف أنتوني فلو بأنه تحول إلى الإيمان بالخالق. وفي سنة 2007 أصدر كتابه الأشهر “يوجد إله: كيف غير أعتى ملحدي العالم رأيه” There Is a God: How the World’s Most Notorious Atheist Changed His Mind قبل أن يرحل عن عالمنا سنة 2010 (http://www.bethinding.org/atheism/professor-antony-flew-reviews-the-god-delusion)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 5/11/ 2016 (المترجمة – المحرر)
[6] الكتاب المقدس: خروج 4: 1-5؛ عدد 16: 5 وما بعده؛ 1ملوك 18: 21، 22؛ متى 12: 38، 39؛ لوقا 7: 20-22؛ يوحنا 3: 1، 2؛ أعمال 2: 22؛ عبرانيين 2: 3، 4؛ 2كورنثوس 12: 12. القرآن سورة آل عمران (3): 184؛ الإسراء (17): 102؛ قارن سورة المؤمنون (23): 45.
[7] بعض هذه المناسبات تضمنت معجزات عديدة. فمثلاً يذكر عدة مرات أن يسوع شفى “كثيرين” عادة عندما كان أهل المدينة يجتمعون حوله (مثلاً مرقص 1: 3-4؛ 3: 10؛ 6: 56؛ لوقا 5: 15؛ 6: 18؛ 9: 11). وكان الرسل أيضاً يصنعون عدة معجزات في مناسبة واحدة (أعمال 5: 16؛ 8: 7؛ 19: 11، 12).
[8] من الناحية اللاهوتية تشترك الفترات الثلاث الكبرة للمعجزات في سمات معينة: كان موسى يحتاج للمعجزات ليخلص إسرائيل ويعول هذا الشعب الكثير في البرية (خروج 4: 8). وإيليا وأليشع صنعا المعجزات لتخليص إسرائيل من عبادة الأصنام (انظر 1ملوك 18). ويسوع والرسل صنعوا المعجزات ليؤكدوا تأسيس العهد الجديد وما يقدمه من خلاص من الخطية (عبرانيين 2: 3، 4).
الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟
الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟
“إننا نعتبر هذه الحقائق واضحة في ذاتها، ألا وهي أن كافة البشر مخلوقون سواسية، وأنهم منحوا من خالقهم حقوقاً راسخة معينة غير قابلة للتصرف، ومنها الحق في الحياة، والحرية، والسعي نحو السعادة”.
إعلان الاستقلال الأمريكي
هل من مقياس للأخلاق؟
بينما كنت أنا وصديقي ديف Dave ننتهي من تناول العشاء في مطعم يطل على المحيط في مدينة بورتلاند بولاية مين، تحول الحديث إلى موضوع الدين. فقد قال ديف: “لا أظن أنه من الممكن أن يكون دين واحد صحيحاً والباقي كله خطأ. ولكن يبدو أنك يا فرانك وجدت مركزاً لحياتك. وجدت شيئاً صحيحاً بالنسبة لك، وأظن أن هذا عظيم”.
فبدأت أساير فرضيته من أن شيئاً قد يكون صحيحاً لشخص وليس صحيحاً لشخص آخر، وسألته: «ديف ما الصحيح بالنسبة لك؟ ما الذي يعطي حياتك معنى؟»
فأجاب: «كسب المال ومساعدة الناس». ديف رجل أعمال ناجح جداً، فحاولت أن أستثيره لأعرف منه المزيد.
وقلت: «ديف، أعرف رؤساء تنفيذيين بلغوا قمة النجاح المهني، خططوا لأمور عظمية في حياتهم المهنية وحققوها، ولكنهم لم يخططوا لحياتهم الشخصية ولم يحققوا فيها إلا القليل. وهم الآن على وشك التقاعد، ويسألون أنفسهم: “ثم ماذا؟»
فوافق ديف وأضاف: «نعم، وأعرف أن معظم أولئك الرؤساء التنفيذيين مروا بخبرات طلاق بشعة، غالباٌ لأنهم أهملوا أسرهم سعياً وراء الدولار. ولكن لست كذلك. لن أضحي بأسرتي من أجل المال، وفي عملي أريد أن أساعد الناس أيضاً».
مدحته على التزامه بأسرته ورغبته في مساعدة الناس، ولكن الأسئلة لم تنته. فلماذا يجب أن نخلص لعائلاتنا؟ من قال إنه ينبغي أن “نساعد الناس”؟ هل “مساعدة الناس” واجب أخلاقي عام، أم أنه صحيح لك وليس صحيحاً لي؟ وما نوعية مساعدتك لهم: مالية؟ نفسية؟ مادية؟ روحية؟
فقلت: «ديف، إن لم يكن هناك مقياس موضوعي، فالحياة ليست إلا لعبة “بنك الحظ” Monopoly. يمكنك أن تحصل على الكثير من الأموال والكثير من الممتلكات، ولكن عندما تنتهي اللعبة، يرجع كل شيء إلى العلبة. هل هذه هي الحياة؟»
وإذ شعر ديف بعدم ارتياح لاتجاه الحوار، غير الموضوع بسرعة. ولكن إحساسه بأنه يجب أن “يساعد الناس” كان صحيحاً، ولكنه لم يجد له مبررات. لماذا يعتقد أنه يجب أن “يساعد الناس”؟ من أين أتى بهذه الفكرة؟ ولماذا أنا وأنت نتفق معه في أعماقنا؟
توقف وتعمق برهة في هذه الفكرة؟ ألست مثل ديف؟ ألا تشعر بهذا الإحساس العميق بواجبنا جميعاً نحو “مساعدة الناس”؟ كلنا نشعر بذلك لماذا؟ ولماذا يبدو أن معظم البشر لديهم ذلك الحس الحدسي بأنه ينبغي أن يفعلوا الخير وينبذوا الشر؟
ووراء إجابات تلك الأسئلة يكمن المزيد من الأدلة على وجود الله الخالق الحافظ. ولكن هذه الأدلة ليس علمية، فقد تناولنا الأدلة العلمية في الفصول السابقة، ولكنها أدلة ذات طبيعة أخلاقية، وهي مثل قوانين المنطق والرياضيات: غير مادية ولكن حقيقية. إن ما يجعلنا نعتقد أنه علينا أن نفعل الخير لا الشر، ما يجعلنا نعتقد مثل ديف أنه علينا أن “نساعد الناس” هو وجود قانون أخلاقي كُتب على قلوبنا. أي أن هناك “تشريعاً لعلم الخير أعطي للبشرية جمعاء.
والبعض يسمون هذا التشريع الأخلاقي “الضمير”، والبعض الآخر يسمونه “القانون الطبيعي”، ولكن آخرون (مثل الآباء المؤسسين للولايات المتحدة) يطلقون عليه “قانون الطبيعة”. ونحن نطلق عليه “القانون الأخلاقي”. ولكن أياً كان الاسم الذي تطلقه عليه، وجود مقياس أخلاقي منقوش في عقول البشر أجمعين يشير إلى مشرع لهذ القانون الأخلاقي. فكل قانون له مشرع. والقانون الأخلاقي كذلك. لا بد أن شخصاً كلفنا بهذه الواجبات الأخلاقية.
هذا القانون الأخلاقي هو حجتنا الثالثة لوجود إله خالق حافظ (بعد الحجة الكونية والحجة الغائية). وهي كالتالي:
لكل قانون مشرع.
هناك قانون أخلاقي.
إذن هناك مشرع للقانون الأخلاقي.
إن كانت المقدمتان الأولى والثانية صحيحتين، فالنتيجة تترتب عليهما بالضرورة. وطبعاً كل قانون له مشرع. لا يمكن أن يوجد تشريع إلا إذا وجدت سلطة تشريعية. بالإضافة إلى أنه إذا كان هناك التزامات أخلاقية، لا بد من وجود شخص نكون ملتزمين تجاهه.
ولكن هل حقاً يوجد قانون أخلاقي؟ هذا ما اعتقده الآباء المؤسسون للولايات المتحدة. فكما كتب توماس جفرسون Thomas Jefferson في إعلان الاستقلال «”قانون الطبيعة” واضح في ذاته». فأنت لا تستخدم العقل حتى تكتشفه، ولكنك تعرفه هكذا. وربما هذا ما جعل صديقي ديف يصطدم بحائط سد في تفكيره. فهو يعرف أن “مساعدة الناس” فعل صائب، ولكنه لم يستطع تعليل هذا الصواب دون الاحتكام إلى مقياس خارج نفسه. فبلا مقياس موضوعي من المعنى والأخلاق، تخلو الحياة من المعنى وينتفي الصواب المطلق والخطأ المطلق. ويصبح كل شيء مجرد رأي.
فعندما نقول إن القانون الأخلاقي موجود، نعني أن كل الناس مطبوعون بحس جوهري للصواب والخطأ. فالكل مثلاً يعلم أن الحب أسمى من الكره وأن الشجاعة أفضل من الجبن. ويكتب ج. بودجيشفسكي الأستاذ بجامعة تكساس في أوستن University of Texas at Austin: “الجميع يعرفون مبادئ معينة.
فما من بلد يعتبر القتل فضية والعرفان رذيلة”. وسي. إس. لويس الذي تناول هذا الموضوع بعمق في كتابه الكلاسيكي “المسيحية المجردة” Mere Christianity عبر عن الفكرة قائلاً: “تخيل بلداً حيث يحظى الناس بالإعجاب عندما يفرون من المعركة، أو حيث يشعر الرجل بالفخر عندما يخون كل من أحسن إليه. إن استطعت أن تتخيل ذلك يمكنك أن تتخيل أن اثنين زائد اثنين يساوي خمسة”.
وهو ما يعني أن الجميع يعرفون بوجود واجبات أخلاقية مطلقة. والواجب الأخلاقي المطلق هو شيء ملزم للجميع، في كل زمان، وفي كل مكان، والقانون الأخلاقي المطلق يتضمن مشرعاً مطلقاً للقانون الأخلاقي.
إلا أن هذا لا يعني أن كل قضية أخلاقية لها إجابات يسهل التعرف عليها. أو أنه لا أحد ينكر وجود أخلاق مطلقة. ولكن الأخلاق تضم مشكلات عسيرة، والناس ينكرون القانون الأخلاقي كل يوم. ولكنه يعني أن هناك مبادئ أساسية للصواب والخطأ يعرفها الجميع، سواء اعترفوا بها أم لا. ويطلق بودجيشفسكي على هذه المعرفة الأساسية بالصواب والخطأ “ما لا نستطيع أن نجهله” What We Can’t Not Know في كتاب له تحت ذلك العنوان.
فنحن مثلاً لا نستطيع ألا نعرف أن قتل الأبرياء بلا سبب خطأ. البعض قد ينكرون ذلك ويرتكبون جرائم قتل، ولكنهم في أعماق قلوبهم يعرفون أن القتل خطأ. وحتى السفاحون يعرفون أن القتل خطأ، ولكنهم قد لا يشعرون بالندم. والقتل خطأ عن الجميع، وفي كل مكان: في أمريكا، والهند، وزيمبابوي، وسائر البلدان جميعاً، الآن وكل أوان، مثل غيره من سائر القوانين الأخلاقية المطلقة. هذا هو ما يقوله القانون الأخلاقي لكل قلب بشري.
كيف نعرف أنه يوجد قانون أخلاقي؟
تتعدد أسباب معرفتنا بوجود قانون أخلاقي، وسنستعرض ونناقش ثمانية منها. وبعض هذه الأسباب متداخل، ولكننا سنناقشها بهذا الترتيب:
القانون الأخلاقي لا يمكن إنكاره.
نعرفه من ردود أفعالنا.
إنه أساس حقوق الإنسان.
إنه مقياس العدالة الثابت.
يفصل فصلاً حقيقياً بين المواقف الأخلاقية (مثل الأم تريزا مقابل هتلر).
بما أننا نعرف الخطأ المطلق، لا بد أن هناك مقياساً مطلقاً للصواب.
القانون الأخلاقي هو أساس الخلافات السياسية والاجتماعية.
لو لم يكن هناك قانون أخلاقي، لما كنا نبحث عن أعذار عندما نخرقه.
1 – القانون الأخلاقي لا يمكن إنكاره:
النسبيون عادة ما يزعمون زعمين بخصوص الحق:
ليس هناك حق مطلق.
ليس هناك قيم أخلاقية مطلقة.
وخطة “رودرنر” تساعدك على تفنيد زعمهم الأول: إن لم يكن هناك حق مطلق، إذن زعمهم المطلق بأنه “ليس هناك حق مطلق” لا يمكن أن يكون صحيحاً. وهكذا ترى أن عبارة النسبيين غير منطقية لأنها تؤكد ما يحاولون إنكاره.
حتى جوزيف فلتشر Joseph Fletcher أبو أخلاق الموقف الحديثة وقع في هذا الفخ. فقد أصر في كتابه “أخلاق الموقف” Situation Ethics أن «من يؤمن بأخلاق الموقف يتجنب كلمات من قبيل “أبداً”، “تام”، “دائماً”… كمن يتجنب شيئاً ضاراً، كما يتجنب كلمة “مطلقاً”». وهو ما يعني طبعاً أن «المرء يجب ألا يقول أبداً كلمة “أبداً”» أو «يجب أن نتجنب دائماً استخدام كلمة “دائماً”». إلا أن تلك العبارات عينها لا تتجنب ما تطلب منا تجنبه. فالنسبيون متأكدون بصفة مطلقة أنه ليس هناك مطلقات.
والقيم المطلقة كالحق المطلق، لا يمكن إنكارها. ففي حين أن الزعم الذي مفاده أنه “لا يوجد قيم مطلقة” لا يفند نفسه، لا يمكننا عملياً أن ننكر وجود قيم مطلقة. وذلك لأن من ينكر كل القيم، يعطي قيمة لحقه في إنكارها. وهو علاوة على ذلك يريد من الجميع أن يعطوه قيمة بصفته شخصاً، بينما ينكر أن هناك قيمة لجميع الأشخاص. وهو ما تم التعبير عنه بوضوح منذ عدة سنوات عندما كنت (أنا نورم) أتحدث إلى مجموعة من سكان ضواحي شيكاغو من ذوي الثروة والتعليم الراقي.
وبعد أن قلت إن هناك قيماً أخلاقية موضوعية ملزمة لجميعنا، وقفت سيدة واعترضت بصوت مرتفع قائلة: «ليس هناك قيم حقيقية. المسألة كلها أذواق أو آراء!» فقاومت إغراء الرغبة في توصيل فكرتي بأن أصرخ فيها قائلاً: «اجلسي واخرسي، يا متعلمة يا صاحبة الشهادات، لا أحد يريد أن يسمع رأيك!» وطبعاً لو كنت بهذه الوقاحة والفظاظة، لكان من حقها أن تشكو من أني انتهكت حقها في أن يكون لها رأي وحقها في التعبير عنه. وهو ما كان يمكنني أن أرد عليه بالقول «ليس لك هذا الحق، فقد أخبرتني تواً أن هذه الحقوق لا وجد لها!»
فشكواها كانت ستثبت أنها تؤمن فعلياً بقيمة حقيقية مطلقة، فهي تعطي قيمة لحقها في أن تقول إنه ليس هناك قيم مطلقة. أي أن حتى من ينكرون كل القيم، يعطون قيمة لحقهم في ذلك الإنكار. وهنا يكمن التناقض. فمن المستحيل عملياً إنكار القيم الأخلاقية.
2 – رود أفعالنا تساعدنا على اكتشاف القانون الأخلاقي (الصواب من الخطأ):
في السيناريو المذكور أعلاه، كان رد فعل السيدة سيذكرها بوجود قيم أخلاقية موضوعية. وأحد الأساتذة في واحدة من كبرى الجامعات في ولاية إنديانا عرض أحد طلابه ممن يؤمنون بالنسبية للخبرة نفسها من وقت ليس ببعيد. وكان الأستاذ يُدَرِّس مادة في الأخلاق، وكلف طلابه بكتابة بحث للفصل الدراسي. وطلب من كل دارس أن يكتب في أي موضوع أخلاقي من اختياره، بشرط أن يدعم أطروحته جيداً بالأسباب والمراجع الموثقة.
وكتب طالب ملحد بحثاً بليغاً في موضوع النسبية الأخلاقية. وكانت حجته تقول إن «كل الأخلاق نسبية؛ ليس هناك مقياس مطلق للعدالة أو الصواب الأخلاقي؛ إنها مسألة رأي؛ “أنت تحب الشوكولاتة، أنا أحب الفانيليا”، وهكذا». وقد دعم بحثه بالأسباب والمراجع. وكان مستوفياً للشروط من حيث الحجم، وموعد التسليم، وقدمه في غلاف أزرق أنيق.
وبعد أن قرأ الأستاذ البحث كله كتب على الغلاف الأمامي «راسب، لا أحب الأغلفة الزرقاء». وعندما استلم الطالب بحثه استشاط غضباً واندفع على مكتب الأستاذ محتجاً: «”راسب، لا أحب الأغلفة الزرقاء” هذا ليس إنصافاً. ليس صواباً. ليس عدلاً. لم تقيم البحث بناء على ما يستحق».
فأجاب الأستاذ بهدوء وهو يرفع يده ليهدئ الطالب الفصيح: «تمهل لحظة. لقد قرأت أبحاثاً كثيرة. انتظر… أليس بحثك هو الذي يقول إنه ليس هناك شيء اسمه الإنصاف، والصواب الأخلاقي، والعدالة؟».
فأجاب الطالب: «نعم».
فسأله الأستاذ: «إذن ما هذا الذي تقوله عني إني لست منصفاً، لا صائباً، ولا عادلاً؟ ألم تكن حجة بحثل أن الأمر كله مسألة ذوق؟ “أنت تحب الشوكولاتة، أنا أحب الفانيليا؟”»
فأجاب الطالب: «نعم هذا رأيي».
فأجاب الأستاذ: «عظيم. إذن أنا لا أحب الأزرق. وأنت تحصل على تقدير راسب».
وفجأة أضاء المصباح في دماغ الطالب. لقد أدرك أنه يؤمن فعلياً بالمطلقات الأخلاقية. فهو على الأٌقل يؤمن بالعدالة. ومهما كان من أمر، فهو يتهم أستاذه بالظلم لأنه أعطاه تقدير راسب بسبب لون الغلاف. وهذه الحقيقة البسيطة دحضت كل القضية التي قدمها دفاعاً عن النسبية.
والدرس الذي يكمن في القصة هو أن هناك أخلاقيات مطلقة. وإن أردت حقاً أن تدفع النسبيين للاعتراف بها. كل ما يجب أن تفعله أن تعاملهم معاملة ظالمة. وردود أفعالهم ستكشف القانون الأخلاقي المكتوب على قلوبهم وعقولهم. ففي هذه القصة أدرك الطالب وجود مقياس موضوعي للصواب الأخلاقي من رد فعله لمعاملة الأستاذ له. وهكذا قد لا أظن أن السرقة خطأ عندما أسرق منك. ولكن لاحظ الغضب الذي سيشتعل بداخلي عندما تسرق مني.
وردود أفعالنا تبين أيضاً أن النسبية في النهاية لا تصلح للعيش. فقد يزعم الناس أنهم نسبيون، ولكنهم مثلاً لا يريدون زوجاتهم أن تخلصن لهم نسبياً. فكل الرجال النسبيين تقريباً يتوقعون من زوجاتهم أن تعشن على أساس أن الزنا خاطئ على نحو مطلق. وسيكون رد فعلهم سلبياً إن مارسن النسبية عملياً بارتكاب الزنا. وحتى إن كان هناك القليل من النسبيين لا يعترضون على الزنا، هل تظن أنهم لن كانوا مهددين بالقتل أو الاغتصاب سيعتبرون القتل أو الاغتصاب عملاً أخلاقياً؟ طبعاً لا. إن النسبية تتناقص مع ردود أفعالنا وحسنا العام.
وردود الأفعال تساعدنا كأمة في تحديد الصواب والخطأ. فعندما اخترق الإرهابيون مبانينا بطائراتنا التي كانت تحمل أحباءنا الأبرياء، كان رد فعلنا العاطفي مناسباً لبشاعة الجريمة. فرد فعلنا أكد أن الفعل خاطئ على نحو مطلق. وقد يقول البعض: «ولكن ابن لادن ورفاقه المجرمين رأوا أن الفعل صحيح أخلاقياً». إن هذا يرجع جزئياً إلى أن الجريمة لم تكن موجهة ضدهم. في رأيك ماذا يكون رد فعل ابن لادن لو اخترقنا مبانيه بطائراته التي تحمل أحباءه الأبرياء؟ كان سيعرف فوراً أن هذا الفعل خاطئ على نحو لا يمكن إنكاره.
لذا فالقانون الأخلاقي لا يظهر دائماً من أفعالنا، كما يتضح من الفظائع التي يرتكبها البشر تجاه بعضهم البعض. ولكنه ينكشف بجلاء في ردود أفعالنا، أي ما نفعله عندما نتعرض شخصياً للظلم. وهو ما يعني أن القانون الأخلاقي ليس هو دائماً المقياس الذي نعامل به الآخرين، ولكنه في كل الحالات تقريباً المقياس الذي نتوقع من الآخرين أن يعاملونا به. فهو لا يصف سلوكنا الفعلي، بل ينص على السلوك الواجب.
3 – دون القانون الأخلاقي تنتفي حقوق الإنسان:
تأسست الولايات المتحدة الأمريكية على الاعتقاد في القانون الأخلاقي وحقوق الإنسان الممنوحة من الله. فقد كتب توماس جفرسون في إعلان الاستقلال:
إننا نعتبر هذه الحقائق واضحة في ذاتها، ألا وهي أن كافة البشر مخلوقون سواسية، وأنهم منحوا من خالقهم حقوقاً راسخة معينة غير قابلة للتصرف، ومنها الحق في الحياة، والحرية، والسعي نحو السعادة. ولضمان هذه الحقوق، تتأسس الحكومات بين الناس، وتكتسب صلاحياتها العادة من موافقة المحكومية.
لاحظ عبارة «منحوا من خالقهم حقوقاً راسخة معينة غير قابلة للتصرف». أي أن الآباء المؤسسين آمنوا أن حقوق الإنسان ممنوحة من الله، ومن ثم فهي عامة ومطلقة، أي أنها حقوق تشمل كل البشر، في كل مكان، وفي كل زمان، بصرف النظر عن جنسيتهم أو دينهم.
لقد أدرك جفرسون وسائر الآباء المؤسسين أن هناك سلطة أعلى أي “الخالق” يمكنهم الاحتكام إليها لإرساء أسس أخلاقية موضوعية لاستقلالهم. فلو بدأوا إعلان الاستقلال بعبارة «إننا نعتبر أن هذه الآراء أراؤنا…» (بدلاً من «حقائق واضحة في ذاتها»)، ما قدم ذلك مبرراً أخلاقياً موضوعياً لإعلان استقلالهم. ولكنه كان فقط سيعبر عن رأيهم المضاد لرأي الملك جورج.
لذا احتكم المؤسسون إلى “الخالق” لأنهم آمنوا أن قانونه الأخلاقي هو المقياس المطلق للصواب والخطأ الذي يبرر قضيتهم. وكانت قضيتهم إنهاء حكم الملك جورج في المستعمرات الأمريكية. لقد اقتنعوا بضرورة إنهاء حكم جورج لأنه كان ينتهك حقوق الإنسان الأساسية لمستوطني المستعمرات.
ومن جهة ما، كان موقف الآباء المؤسسين مثل موقف دول الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية. فعندما مثل مجرمو الحرب النازيون أمام محكمة في نورمبرج Nuremburg، أدينوا بتهمة انتهاك حقوق الإنسان الأساسية كما يعرّفها القانون الأخلاقي (الذي ينعكس في القانون الدولي). إنه القانون الذي يفهمه كافة البشر بالفطرة والذي تخضع له كل الأمم.
ولو لم تكن هناك هذه الأخلاق الدولية التي تتجاوز حدود قوانين الحكومة الألمانية العلمانية، لما وجد الحلفاء أساساً لإدانة النازيين. وهو ما يعني أنه لما أمكننا أن نقول إن النازيين كانوا مخطئين على نحو مطلق ما لم نعرف الصواب المطلق. ولكننا موقنون أنهم مخطئون على نحو مطلق، إذن مؤكد أن القانون الأخلاقي موجود.
4 – دون القانون الأخلاقي لا نميز بين العدل والظلم:
ربما تعد أشهر حجة ضد وجود الله هي وجود الشر واستمراره في العالم. فإن كان هناك إله صالح وعادل، لماذا إذن يسمح بالسوء للأخيار؟ لطالما أكد الملحدون أن الإيمان بعدم وجود هذا الإله أكثر منطقية من محاولة تفسير وجود الشر والله معاً.
وكان سي. إس. لويس أحد هؤلاء الملحدين. فقد رأى أن كل ما في العالم من ظلم يؤكد إلحاده، حتى بدأ يفكر في الوسيلة التي مكنته من معرفة الظلم أصلاً، فقد كتب: «”بصفتي ملحداً” كانت حجتي ضد الله هي أن الكون يبدو في منتهى القسوة والظلم. ولكن من أين أتيت بفكرة العدل والظلم؟ فالمرء لا يسمي الخط منكسراً إلا إذا كان يعرف الخط المستقيم. فبم كنت أقارن هذا الكون عندما سميته ظالماً؟» وهذا الإدراك أخرج لويس من الإلحاد وأتى به أخيراً إلى المسيحية.
إن لويس مثلك مثلي، لا يمكنه أن يحدد الظلم إلا عن طريق وجود مقياس ثابت للعدل مكتوب على قلوبنا. فحقيقة، لا يمكنك أن تعرف الشر ما لم تعرف الخير. ولا يمكنك أن تعرف الخير لولا وجود مقياس ثابت للخير خارجك. ودون ذلك المقياس الموضوعي يعد أي اعتراض على الشر المحض رأي شخصي لك.
أنا (نورم) أحب مناظرة الملحدين اليهود. لماذا؟ لأني لم ألتق أبداً بيهودي يعتقد أن الهولوكوست كان مجرد مسألة رأي. ولكن جميعهم يؤمنون أنه كان خطأً حقيقياً، بصرف النظر عن رأي أي شخص آخر. وفي إحدى هذه المناظرات مع ملحد يهودي، سألته: «على أي أساس تقول إن الهولوكوست كان خطأ؟» فأجاب: «بإحساسي الأخلاقي الطيب».
وماذا عساه يقول غير ذلك؟ فدون أن يعترف بقانون أخلاقي موضوعي، وهو ما يعني الاعتراف بالله، يستحيل أن يجد أساساً موضوعياً للاعتراض على الهولوكوست. وبذلك اعتراضه لا يزيد عن كونه رأياً شخصياً.
ولكن جميعنا نعرف أن الوضع الأخلاقي للهولوكوست ليس مجرد مسألة رأي. ورد فعلك على أي تعليق يختص بالهولوكوست يجب أن يزودك بمؤشر على وجود شيء خطأ حقاً في قتل الأبرياء. فمهما كان رد فعلك على شخص يقول: «كانت الوجبة رائعة» سيختلف عن رد فعلك عندما يقول الشخص: «كان الهولوكوست رائعاً». فأنت تعرف حدسياً أن ذوق الشخص في الطعام شيء وذوقه في الشر شيء آخر. فهناك اختلاف أخلاقي حقيقي بين الوجبة والقتل، فأحدهما مجرد استحسان والآخر ظلم حقيقي. وردود أفعالك على تلك التعليقات تساعدك على إدراك ذلك.
وسنناقش المزيد عن وجود الشر والله معاً في الملحق الأول. ولكن الآن نقطتنا الأساسية هي: لو لم يوجد قانون أخلاقي، لما أمكننا التعرف على أي نوع من الشر أو الظلم. فبلا عدل، يصبح الظلم بلا معنى. وكذلك ما لم يكن هناك مقياس ثابت للخير، لما كان هناك شر موضوعي. ولكن بما أننا جميعاً نعرف أن الشر موجود، إذن القانون الأخلاقي موجود أيضاَ.
5 – دون القانون الأخلاقي، لما كان هناك طريقة لقياس الاختلافات الأخلاقية:
فكر في خريطتي اسكتلندا في الشكل. أيهما أفضل؟ كيف يمكنك أن تعرف الخريطة الأفضل؟ السبيل الوحيد لتحديد الأفضل أن ترى شكل اسكتلندا الحقيقية. أي أنك لا بد أن تقارن الخريطتين بمكان حقيقي ثابت اسمه اسكتلندا. فلو لم توجد اسكتلندا، تصبح الخريطتان بلا معنى. ولكن بما أن اسكتلندا موجودة، يمكننا أن نرى أن الخريطة (أ) هي الأفضل لأنها أقرب للمقياس الثابت، أي اسكتلندا الحقيقية.
الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟
وهذا ما نفعله بالضبط عندما نقيم سلوك الأم تريزا مقابل سلوك هتلر. إننا نحتكم إلى مقياس ثابت مطلق أعلى من كليهما. وذلك المقياس هو القانون الأخلاقي. وهو ما عبر عنه سي. إس. لويس قائلاً:
في اللحظة التي تقول فيها إن مجموعة معينة من الأفكار الأخلاقية أفضل من غيرها، فإنك في الواقع تقيس الاثنتين بمقياس وتقول إن إحداهما تتفق مع ذلك المقياس أكثر من الأخرى. إلا أن المقياس الذي يقيس شيئين يختلف عن أي منهما. فأنت في الواقع تقارنهما بأخلاق حقيقية، معترفاً بوجود صواب حقيقي بصرف النظر عن آراء الناس، وبأن أفكار بعض الناس تقترب من ذلك الصواب الحقيقي أكثر من غيرها.
أو يمكنك أن تعبر عن ذلك بطريقة أخرى: إن كانت أفكارك الأخلاقية أصح، وأفكار النازيين أقل صحة، فلا بد من وجود شيء، أي نوع من الأخلاق الحقيقية تحدد صحة هاتين المجموعتين من الأفكار.
لو لم يوجد قانون أخلاقي، إذن ليس هناك اختلافات أخلاقية بين سلوك الأمر تريزا وسلوك هتلر. وكذلك عبارات من قبيل “القتل شر”، أو “العنصرية خطأ”، أو “يجب ألا تسيء إلى الأطفال” تصبح بلا معنى موضوعي. ولكنها تعبر فقط عن آراء شخص، مثل “الشوكولاتة ألذ من الفانيليا”. فالواقع أنه ليس القانون الأخلاقي لأصبحت التعبيرات القيمية البسيطة مثل “جيد”، “سيء”، “أفضل”، “أسوأ” بلا معنى موضوعي عندما تستخدم في سياق أخلاقي.
ولكننا نعلم بالتأكيد أن لها معنى. فمثلاً عندما نقول إن “المجتمع يتحسن” أو “المجتمع يسوء” فنحن نقارن المجتمع بمقياس أخلاقي أعلى منا. وذلك المقياس هو القانون الأخلاقي المكتوب على قلوبنا.
وباختصار، الاعتقاد في النسبية الأخلاقية يعنى القول بعدم وجود اختلافات أخلاقية حقيقية بين الأم تريزا وهتلر، أو الحرية والعبودية، أو المساواة والعنصري، أو العناية والإساءة، أو الحب والكراهية، أو الحياة والقتل. ونحن جميعاً نعلم أن مثل هذه الاستنتاجات عبثية. إذن لا بد أن تكون النسبية الأخلاقية خاطئة. وإن كانت النسبية الأخلاقية خاطئة، إذن يوجد قانون أخلاقي موضوعي.
6 – دون القانون الأخلاقي لا يمكنك أن تعرف الصواب والخطأ:
عندما أجريت مناظرة في موضوع الدين في المجال العام بين آلن درشويتس Alan Dershowit الذي يصف نفسه بأنه ملحد وآلن كيز Alan Keyes الكاثوليكي في أيلول/سبتمبر 2000 سأل أحد الحضور درشويتس قائلاً: «ما الذي يجعل الشيء صواباً؟»
أثنى درشويتس على السؤال ثم قال: «نحن نعرف الشر. فقد رأيناه». واستشهد بأمثلة واضحة على الشر مثل الهولوكوست والحروب الصليبية. ثم رمق درشويتس الحضور، ورفع صوته، وأعلن بنبرة واثقة: «الصواب ما هو الصواب! ولكني أعرف ما هو الخطأ!»
ثم بدأ يتحدث إلى الجمهور وكأنه يوبخهم قائلاً: «ولكن عندي شيء آخر أخبركم به يا جماعة. أنتم لا تعرفون ما هو الصواب! ففي اللحظة التي تظنون فيها أنكم تعرفون الصواب، لحظة ما تظنون أن عندكم إجابة لسؤال ما هو الصواب، تفقدون بعداً ثميناً جداً للنمو والتطور. فأنا لا أتوقع أبداً أن أعرف على وجه الدقة ما هو الصواب، ولكني أتوقع أن أكرس بقية حياتي لمحاولة اكتشافه». وهنا صفق بعض الحاضرين.
ولكن لم تتح الفرصة لكيز ليرد على إجابة دوشويتس. ولو أتيحت له الفرصة، لأطلق خطة “رودرنر” ليفضح حجة درشويتس التي تفند نفسها، فكان سيسأل درشويتس: «كيف تعرف الخطأ إلا إذا عرفت الصواب؟» فبالفعل لا يمكنك أن تعرف أن 5 هي الإجابة الخاطئة لمسألة 2+2 إلا إذا كنت تعرف الإجابة الصحيحة! وهكذا لا يستطيع درشويتس أن يعرف الخطأ الأخلاقي إلا إذا كانت عنده فكرة عن الصواب الأخلاقي.
وأثناء المناظرة لم يجد درشويتس مشكلة في التعبير عن غضبه الشديد تجاه أشياء يرى أنها خطأ أخلاقياً (أي القوانين المضادة للمثلية الجنسية، والقوانين المضادة للإجهاض، والعنصرية، والعبودية، والميثاق الأخلاقي للكشافة، والخلط بين الكنيسة والدولة…. إلخ). ولكنه عندما يزعم أن أشياء معينة خاطئة، يثبت بطبيعة الحال أن أشياء معينة صحيحة. فكل نفي يتضمن إثباتاً. فعندما يقول درشويتس بأن حظر الإجهاض خطأ (نفي)، لا بد أنه يعرف أن النساء لهن حق أخلاقي في الإجهاض (إثبات). ولكن دون القانون الأخلاقي، لا يستطيع درشويتس أن يبرر ذلك الموقف الأخلاقي ولا أي موقف أخلاقي آخر. فهو لا يزيد عن كونه رأيه الشخصي.
وإنه لخطأ فادح وغرور سافر أن يزعم بأنه ما من أحد في الحاضرين يعرف الصواب. فالمسيحيون غالباً ما ينتقدون لأنهم يقولون إن “عندهم الحق” ولكن ها هو درشويتس يقول إن عنده الحق الذي يقول إن لا أحد عنده الحق. ولكن حتى يعرف درشويتس أنه لا أحد عنده الحق، لا بد أن يعرف هو نفسه الحق.
وبعض النسبيين مشهورون بهذا النوع من الغرور الذي يفند نفسه. فهم يزعمون أنه ليس هناك حق، ولكنهم بعدئذ يطلقون مزاعمهم الخاصة بشأن الحق. فهم يزعمون أنهم لا يعرفون الصواب، ولكنهم بعدئذ يزعمون أن قضاياهم السياسية صائبة. وهم ينكرون القانون الأخلاقي في جملة ثم يفترضونه في الجملة التالية.
7 – دون القانون الأخلاقي، تنتفي الأساسات الأخلاقية للاختلافات السياسية أو الاجتماعية:
إن الليبراليين السياسيين مثل آلن درشويتس والكثيرين في هوليوود مشهورون بمعارضتهم الأخلاقية للحرب، والقوانين المناهضة للإجهاض، والقوانين المناهضة للمثلية الجنسية، وخفض الضرائب، وتقريباً كل القضايا التي يؤيدها “اليمين الديني المحافظ”. ومشكلتهم أن الكثير منهم ملحدون، ومن ثم ليس عندهم أسس أخلاقية موضوعية للمواقف التي يؤيدونها بقوة. وذلك لأنه إن لم يوجد قانون أخلاقي، إذن ليس هناك موقف صائب أو خاطئ موضوعياً بخصوص أي قضية أخلاقية، بما في ذلك المواقف التي يتخذها الملحدون.
وبلا قانون أخلاقي، ليس هناك خطأ موضوعي في فرض أحدهم دينه بالقوة على الملحدين. ولا يكون هناك خطأ في اعتبار الإلحاد خروجاً على القانون، ومصادرة أملاك الملحدين وإعطائها لكل من بات روبرتسون[1] Pat Robertson وجري فولول[2] Jerry Falwell ولن يكون هناك خطأ في كراهية المثليين والاعتداء عليهم، أو العنصرية، أو الحروب الاستعمارية.
ولن يكون هناك خطأ في منع الإجهاض، وتنظيم النسل، والجنس بين الراشدين! أي أنه دون القانون الأخلاقي لا يكون عند الملحدين أسس أخلاقية يبنون عليها حججهم المؤيدة لقضاياهم السياسية المفضلة. فليس هناك حق في الإجهاض، ولا المثلية الجنسية.
ولا أي من مقدساتهم السياسية الأخرى لأنه في عالم لا يؤمن بالله ليس هناك حقوق. فما لم يعترف الملحدون بوجود الله وبأن قانونه الأخلاقي يبيح هذه الأنشطة أو يأمر بها. فمواقفهم لا تزيد عن استحسانات ذاتية. وليس هناك التزام أخلاقي على أي شخص ليتفق مع محض استحسانات، أو ليسمح للملحدين أن يفرضوها علينا تشريعياً[3].
فمما يثير السخرية أن الملحدين بتمردهم على القانون الأخلاقي يقوضون الأساس اللازم للتمرد على أي شيء. فالحقيقة أنه دون القانون الأخلاقي، لا يجد أي شخص أساساً موضوعياً لتأييد شيء أو مناهضته. ولكن بما أننا جميعاً نعرف أن القضايا التي تتضمن الحياة والحرية ليست مجرد استحسانات، أي أنها تتضمن حقوقاً أخلاقية فعلية، إذن القانون الأخلاقي موجود.
8 – لو لم يكن هناك قانون أخلاقي، لما كنا نبحث عن أعذار عندما نخرقه:
هل لاحظت أبداً أن الناس يوجدون أعذاراً للسلوك غير الأخلاقي؟ إن تقديم الأعذار هو اعتراف غير مباشر بوجود القانون الأخلاقي. فما الداعي لتقديم الأعذار إن لم يكن هناك سلوك غير أخلاقي؟
حتى قمة الفضائل في ثقافتنا اللاأخلاقية، ألا وهي قبول الآخر، تكشف عن القانون الأخلاقي لأن قبول الآخر نفسه مبدأ أخلاقي. فإن لم يكن هناك قانون أخلاقي، لماذا يجب على أي شخص أن يقبل الآخر؟ والحقيقة أن القانون الأخلاقي يدعونا أن نتجاوز قبول الآخر وصولاً إلى المحبة. فقبول الآخر ضعيف جداً، وذلك لأن قبول الآخر يقول سد مناخيرك واحتمله. ولكن المحبة تقول اذهب وساعده. فقبول الشر ليس من المحبة، إلا أن هذا ما يريدنا الكثير من أبناء ثقافتنا أن نفعله.
فضلاً عن ذلك، الدعوة للتقبل والاحتمال تمثل اعترافاً غير مباشر بأن السلوك الذي نحتمله هو سلوك خاطئ. لماذا؟ لأنك لا تحتاج أن تدعو الناس لتحمل السلوك الجيد، بل السيء فقط[4]. فأنت لا تحتاج أن تقنع أحداً بأن يتقبل سلوك الأم تريزا، ولكنك تحتاج أن تقنعه بتقبل سلوك بعض النسبيين. وكذلك، لا أحد يقدم أعذاراً عندما يتصرف مثل الأم تريزا، ولكننا لا نقدم الأعذار إلى عندما نتصرف عكس القانون الأخلاقي. ولو لم يوجد لما فعلنا ذلك.
المطلق مقابل النسبي: لماذا الخلط؟
إن كان هناك فعلاً قانون أخلاقي مطلق كما بينا بالحجة، فلماذا يؤمن العديد من الناس بنسبية الأخلاق؟ ولماذا يبدو أن العديد من الناس يتبنون قيماً مختلفة؟ منطقياً، يكمن السبب في العجز عن التمييز بين بعض الأمور المختلفة. فلنلق نظرة على تلك الاختلافات لإزالة الخلط:
الخلط 1: الأخلاق المطلقة مقابل السلوك المتغير
من الأخطاء الشائعة عن النسبيين أنهم يخلطون بين السلوك والقيمة. أي أنهم يخلطون بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. فما يفعله الناس عرضة للتغير، ولكن ما يجب أن يفعلون لا يتغير. وهذا هو الفرق بين علم الاجتماع والأخلاق. فعلم الاجتماع وصفي descriptive، في حين أن الأخلاق توجيهية Prescriptive.
وهو ما يعني أن النسبيين غالباً ما يخلطون بين الموقف السلوكي المتغير والواجب الأخلاقي الثابت. فمثلاً، عند مناقشة موضوع أخلاقي مثل الجنس قبل الزواج أو عيش رجل وامرأة معاً دون زواج، غالباً ما تسمع الناس المؤيدين له يقولون شيئاً من قبيل «لاحظوا أننا في القرن الحادي والعشرين»، وكأن السلوكيات الحالية تحدد الصواب والخطأ.
وحتى تبين عبثية التفكير النسبي، ليس عليك إلا أن تحول المناقشة إلى قضية أخلاقية أخطر مثل القتل، الذي ازدادت معدلاته أيضاً في أمريكا اليوم عنها منذ خمسين سنة. فكم عدد النسبيين الذين سيؤيدون القتل بأن يقولوا لنا «لاحظوا أننا في القرن الحادي والعشرين». إن هذا ما يوصلهم إليه تفكيرهم عندما يخلطون بين ما يفعله الناس وما يحب أن يفعلون.
ويتضح جانب آخر من مغالطة ما هو كائن وما يجب أن يكون عندما يقول الناس إنه ليس هناك قانون أخلاقي لأن الناس لا يطيعونه. طبعاً الجميع يعصون القانون الأخلاقي بنسبة ما، بدءًا من الكذب الأبيض وانتهاءً بالقتل. إلا أن هذا لا ينفي وجود قانون أخلاقي ثابت. ولكنه يعني ببساطة أننا جميعاً ننتهكه. فالجميع يرتكبون أخطاء في الرياضيات، إلا أن هذا لا ينفي وجود قواعد رياضية ثابتة.
الخلط 2: الأخلاق المطلقة مقابل الفهم المتغير للحقائق
هناك خطى آخر بين وجود قيمة أخلاقية مطلقة وفهم الحقائق المستخدمة في تطبيق تلك القيمة. فمثلاً أشار سي. إس. لويس إلى أنه في أواخر القرن الثامن عشر كان يحكم على الساحرات كالقتلة. ولكن هذا لا يحدث الآن. والنسبي ستكون حجته: «أرأيت؟ قيمنا الأخلاقية تغيرت لأننا لم نعد نقتل الساحرات. الأخلاق النسبية حسب الزمن والثقافة».
إلا أنه زعم خاطئ. فما تغير ليس المبدأ الأخلاقي الذي مفاده أن القتل خطأ بل إدراك أو فهم الحقائق بخصوص ما إذا كانت “الساحرات” تستطعن فعلاً أن تقتلن الناس بلعناتهن أم لا. فالناس لم يعودوا يعتقدون أن الساحرات قادرات على ذلك. ومن ثم فالناس لم يعودوا يتعبرونهن قتلة. أي أن إدراك الموقف الأخلاق نسبي (ما إذا كانت الساحرات قاتلات فعلاً أم لا)، ولكن القيم الأخلاقية المتضمنة في الموقف ليست نسبية (القتل كان دائماً خطأ وسيظل دائماً خطأ).
والعجز عن التفريق بين الإثنين يؤدي بالناس أيضاً إلى الاعتقاد بأن الاختلافات الثقافية تعكس اختلافات جوهرية في القيم الأخلاقية. فمثلاً، يعتقد البعض أنه بما أن الهندوس يقدسون البقر والأمريكيين يأكلونه. إذن هناك اختلاف جوهري بين القيم الأخلاقية عند الأمريكيين والهندوس. ولكن سبب تقديس الهندوس للبقرة لا يمت بصلة لقيمة أخلاقية جوهرية، ولكنه مرتبط باعتقادهم الديني المختص بتناسخ الأرواح. فالهنود يعتقدون أن البقر قد يحمل أرواح بشر موتى، لذلك لا يأكلونه.
ولكننا في الولايات المتحدة لا نؤمن أن أرواح موتانا قد تسكن في البقر. لذلك نأكل البقر بحرية. وفي التحليل النهائي، ما يظهر أنه اختلاف أخلاقي هو في الواقع اتفاق، فكلانا يؤمن أن أكل الجدة خطأ! فالقيمة الأخلاقية الجوهرية التي تقول إنه من الخطأ أن تأكل جدتك يعتبرها أبناء الثقافتين قيمة مطلقة. ولكنهم يختلفون فقط فيما إذا كانت روح الجدة في البقرة أم لا! فأهل الثقافتين يختلفون في إدراكهم للحقائق المتصلة بالقيمة الأخلاقية، ولكنهم يتفقون جوهرياً على ضرورة احترام القيمة الأخلاقية.
الخلط 3: الأخلاقيات المطلقة مقابل تطبيقها على مواقف بعينها
كما رأينا ردود أفعال الناس تعرفهم الصواب من الخطأ أكثر من أفعالهم. فعندما يقع الناس ضحايا سلوك سيء، لا يجدون صعوبة في فهم أن السلوك خاطئ على نحو مطلق. ولكن حتى إن انتهت ضحيتان إلى الاختلاف على أخلاقية فعل بعينه. هذا ما يعنى أن الأخلاق نسبية. لأنه يمكن أن يوجد قانون أخلاقي مطلق حتى إن عجز الناس عن معرفة الفعل الصائب الذي يجب عمله في موقف بعينه.
فكر في المعضلة الأخلاقية التي غالباً ما يستخدمها أساتذة الجامعات ليجعلوا طلابهم يؤمنون بالنسبية: هناك خمسة أشخاص على قارب نجاة لا يكفي إلا لأربعة. فإن لم يلق أحدهم في الماء، سيموت الجميع. ويبذل الطلاب قصارى جهدهم لحل المعضلة ويتوصلون لقرارات مختلفة، وأخيراً يستخلصون أن اختلافهم يثبت أن الأخلاق لا بد أن تكون نسبية.
إلا أن المعضلة في الواقع تثبت العكس، ألا وهو أن الأخلاق مطلقة. كيف؟ لأنه لو كانت الأخلاق نسبية لما كانت هناك معضلة أصلاً! لو كانت الأخلاق نسبية ولو لم يكن هناك حق مطلق في الحياة، لقلت: «ليكن ما يكون! ارموا الجميع من القارب! لا يهم». إن سبب صعوبة المعضلة هو أننا نعلم قيمة الحياة.
ورغم أن الناس يخطئون فهم المواقف المعقدة، فهم لا يخطئون في الأساسيات. فمثلاً، الجميع يعرفون أن القتل خطأ. هتلر كان يعرف ذلك. لذلك كان عليه أن ينزع صفة الإنسانية عن اليهود حتى يبرر قتله لهم. وحتى آكلو لحوم البشر يبدو أنهم يعرفون أن قتل البشر الأبرياء خطأ.
صحيح أنهم قد يعتقدون أن أفراد القبائل الأخرى ليسوا بشراً. ولكن الاحتمال الأكبر أنهم يعتبرونهم بشراً. وإلا، كما يشير ج. بودجنشفسكي. لماذا يؤدي “آكلو لحوم البشر” طقوساً تكفيرية معقدة قبل قتل الناس؟ فما كانوا ليؤدوا هذه الطقوس إلا إذا كانوا يعتقدون أن هناك خطأ ما فيما سيفعلون.
إذن الأساسيات واضحة، حتى وإن كانت بعض المشكلات الصعبة ليست بهذا الوضوح. علاوة على ذلك، وجود مشكلات صعبة في الأخلاق لا ينفي وجود قوانين أخلاقية موضوعية، تماماً كما أن المشكلات الصعبة في العلم لا تنفي وجود قوانين طبيعية موضوعية. فعندما يواجه العلماء مشكلة صعبة في العالم الطبيعي (أي عندما يصعب عليهم معرفة الإجابة) لا ينكرون وجود عالم موضوعي. ويجب ألا ننكر وجود الأخلاق لمجرد أننا نجد صعوبة في معرفة الحل في بضعة مواقف صعبة.
فكما أن العلم يحوي مشكلات سهلة وأخرى صعبة، كذلك الأخلاق. والإجابة عن سؤال علمي بسيط مثل “لماذا تسقط الأشياء إلى الأرض؟” تثبت وجود قانون طبيعي واحد أو قوة طبيعية واحدة على الأقل (أي الجاذبية).
وكذلك الإجابة الصادقة على سؤال أخلاقي بسيط مثل “هل القتل مبرر؟” تثبت وجود قانون أخلاقي واحد على الأقل (أي: لا تقتل). فإن وجد واجب أخلاقي واحد فقط (مثل لا تقتل، أو لا تغتصب، أو لا تعذب الرضع)، إذن القانون الأخلاقي موجود. وإن كان القانون الأخلاقي موجوداً، إذن مشرع القانون الأخلاقي موجود.
الخلط 4: أمر مطلق (ما) مقابل ثقافة نسبية (كيف)
هناك فارق آخر مهم، غالباً ما يتجاهله دعاة النسبية الأخلاقية بين الطبيعة المطلقة للأمر الأخلاقي والطريقة النسبية التي يتكشف بها ذلك الأمر في الثقافات المختلفة. فمثلاً، كل الثقافات عندها نوع من التحية، وهو تعبير عن المحبة والاحترام. إلا أن الثقافات تختلف اختلافاً كبيراً فيما بينها في شكل تلك التحية. ففي الثقافات تكون قبلة، وفي ثقافات أخرى حضن، وفي ثقافات أخرى مصافحة أو انحناءة. فما يجب فعله مشترك بين كل الثقافات، ولكن كيف يجب فعله يختلف بين الثقافات. والعجز عن إدراك هذا الفرق يضلل الكثيرين فيعتقدون أن اختلاف ممارسات الناس يعني اختلاف قيمهم. إلا أن القيمة الأخلاقية مطلقة، ولكن كيفية ممارستها نسبية.
الخلط 5: الأخلاق المطلقة مقابل الاختلافات الأخلاقية
غالباً ما يشير النسبيون إلى قضية الإجهاض، وهي قضية خلافية ليبينوا أن الأخلاق نسبية. فالبعض يرى أن الإجهاض مقبول، في حين أن البعض الآخر يعتبره قتلاً. إلا أن اختلاف الآراء حول الإجهاض لا يعني نسبية الأخلاق.
وفي الحقيقة أن الخلاف حول قضية الإجهاض برمته، لا يعتبر مثالاً على نسبية القيم الأخلاقية، بل إن الخلاف يرجع أساساً إلى أن كل جانب يدافع عما يرى أنه قيمة أخلاقية مطلقة: ألا وهو حماية الحياة والسماح بالحرية (أي السماح للمرأة أن “تتحكم في جسدها”). ولكن الجدل يدور حول أي القيمتين تمس (أو لها الأولوية في) قضية الإجهاض. فلو لم يكن الجنين كائناً بشرياً، إذن يجب أن يطبق التشريع القيمة المناصرة للحرية.
ولكن بما أن الجنين هو فعلاً كائن بشري، يجب أن يطبق التشريع القيمة المناصرة للحياة؛ لأن حق الشخص في الحياة يَجُبّ حق شخص آخر في الحرية الشخصية. (فالجنين ليس مجرد جزء من جسد المرأة، ولكن هو أيضاً له جسده بشفرته الوراثية الفريدة، وفصيلة دمه، ونوعه). حتى إن كنا في شك بشأن الوقت الذي فيه تبدأ الحياة، يجب أن هذا الشك يرجح كفة حماية الحياة، فالعقلاء لا يطلقون النيران إلا إذا كانوا متأكدين على نحو مطلق أنهم لا يقتلوا إنساناً بريئاً.
تذكر أن رد فعلنا لممارسة بعينها يكشف معتقداتنا الحقيقية عن أخلاقية الممارسة. قد ذكر رونالد ريجان Ronald Reagan ملاحظة ذكية قائلاً: «لقد لاحظت أن كل من يؤيدون الإجهاض هم من المولودين». فعلاً، كل مناصري الإجهاض سيتحولون فوراً إلى مناصرين للحياة لو عادوا إلى الرحم. فرد فعلهم لاحتمالية تعرضهم للقتل سيذكرهم أن الإجهاض خاطئ تماماً.
وبالطبع معظم الناس يعرفون في أعماق قلوبهم أن الطفل الذي لم يولد بعد هو إنسان، ومن ثم يعرفون أن الإجهاض خطأ. وحتى بعض النشطاء المؤيدين للإجهاض يعترفون أخيراً بذلك[5]. ولذا، في النهاية هذا الخلاف الأخلاقي لا يرجع إلى نسبية الأخلاق ولا إلى غموض القانون الأخلاقي.
ولكن هذا الخلاف الأخلاقي موجود لأن البعض يخمدون القانون الأخلاقي ليبرروا ما يريدون فعله. وهو ما يعني أن تأييد الإجهاض مسألة إرادية أكثر منه مسألة عقلية (للاطلاع على تناول أكثر تفصيلاً لهذا الموضوع وغيره من الموضوعات الأخلاقية، رادع كتابنا بعنوان “تشريع الأخلاق”).
الخلط 6: غايات مطلقة (قيم) مقابل وسائل نسبية
غالباً ما يخلط النسبيون الأخلاقيون بين الغاية (القيمة نفسها) ووسيلة بلوغ تلك الغاية والكثير من النزاعات السياسية تقع في هذه الفئة. ففي بعض القضايا (لا كلها طبعاً) الليبراليون والمحافظون يريدون أشياء واحدة، أي غايات واحدة، ولكنهم يختلفون في أفضا الوسائل لإدراك تلك الغايات.
فمثلاً، بخصوص الفقراء، يعتقد الليبراليون أن المعونات الحكومية أفضل وسيلة لمساعدتهم. ولكن بما أن المحافظين يعتقدون أن هذه المعونات تخلق نوعاً من الاعتمادية، فهم يفضلون خلق فرص اقتصادية حتى يساعد الفقراء أنفسهم. لاحظ أن الغاية واحدة (مساعدة الفقراء)، ولكن الوسيلة مختلفة.
وكذلك كل من مؤيدي الحرب ومؤيدي السلم يرغبون في السلام (الغاية)؛ ولكنهم ببساطة يختلفون حول ما إذا كان الجيش القوي هو أفضل وسيلة لتحقيق هذا السلام أم لا. فكلاهما يتفقان على الغاية المطلقة، ولكنهما يختلفان في الوسيلة النسبية لتحقيقها.
القانون الأخلاقي: ماذا يقول عنه الداروينيون؟
إذن الدليل على القانون الأخلاقي معقول، والاعتراضات عليه تخطئ الهدف. فكيف يتعامل الداروينيون إذن مع مسألة الأخلاق؟ في الواقع معظم الداروينيين يتجنبون الموضوع نهائياً. لماذا؟ لأنه ليس من السهل أن يفسروا وجود صواب وخطأ موضوعيين (وهو ما يعرفه حتى الداروينيين في قلوبهم) إلا إذا كان هناك مشرع للقانون الأخلاقي.
إلا أن الدارويني إدوارد أو. ويلسون Edward O. Wilson يعد استثناء لافتاً للنظر. فهو يزعم أن حسنا الأخلاقي تطور كما تطورنا نحن، أي بالانتخاب الطبيعي. وبينما يعترف ويلسون أن «التقدم الذي تحقق لاستكشاف الحس الأخلاقي بطرق بيولوجية ضعيف جداً»، يؤكد أن العملية البيولوجية لانتقال الجينات من الآباء إلى الأبناء «عبر آلاف الأجيال أنشأت حتماً الأحكام الأخلاقية». أي أن الأخلاق تتحدد مادياً ووراثياً. وهي تقوم على مشاعر أو نزعات فطرية موروثة، لا على مقياس موضوعي للصواب والخطأ. ولكننا رأينا عجز الانتخاب الطبيعي عن تفسير الأشكال الجديدة من الحياة (الفصل السادس). وسنرى بعد قليل أن الانتخاب الطبيعية عاجز كذلك عن تفسير “الأحكام الأخلاقية” الكامنة في تلك الأشكال الجديدة من الحياة.
أولاً، الداروينية تؤكد أنه ليس هناك إلا المادة، ولكن المادة لا تحوي أخلاقاً. فما وزن الكراهية؟ وهل الحب له ذرة؟ وما التركيب الكيميائي لجزيء القتل؟ إنها أسئلة بلا معنى لأن الجسيمات الفيزيائية ليست مسؤولة عن الأخلاق. فإن كانت المواد هي المسؤول الوحيد عن الأخلاق، إذن هتلر لم تكن عليه أي مسؤولة أخلاقية عما فعل، كل المشكلة أن جزيئاته كانت رديئة. هذا كلام فارغ، والجميع يعلم ذلك.
فالأفكار البشرية والقوانين الأخلاقية التي تتجاوز حدود الزمان والمكان ليس أشياء مادية، مثلها مثل قوانين المنطق والرياضيات. فهي كيانات غير مادية لا يمكن أن توزن ولا أن تقاس فيزيائياً. ونتيجة لذلك، لا يمكن تفسيرها بلغة مادية عن طريق الانتخاب الطبيعي أو غيره من الوسائل الإلحادية.
ثانياً، لا يمكن أن تكون الأخلاق مجرد فطرة كما يرجح ويلسون لأن: 1) لدينا نزعات فطرية متصارعة، 2) غالباً ما يكون هناك شيء آخر يقول لنا أن نتجاهل الفطرة الأقوى حتى نفعل شيئاً أنبل. فمثلً، إن تعرض شخص لسرقة بالإكراه وسمعته يستغيث طالباً النجدة، قد تكون فطرتك الأقوى أن تظل في الأمان ولا “تورط نفسك”، وفطرتك الأضعف (إن جاز أن نسميها هكذا) تميل إلى المساعدة. وهو ما يعبر عنه سي. إس. لويس قائلاً:
ولكنك ستجد بداخلك، إضافة إلى هاتين النزعتين، شيئاً ثالثاً يخبرك بأنه ينبغي عليك أن تتبع النزعة إلى المساعدة، وأن تقمع النزعة إلى الهروب. هذا الشيء الذي يحكم بين النزعتين، الذي يقرر أي النزعتين يجب تعزيزها، لا يمكن أن يكون هو نفسه أياَ منهما. وإلا نقول أيضاً أن النوتة الموسيقية التي تخبرك في لحظة معينة أن تعزف نغمة معينة على البيانو دون غيرها، هي نفسها إحدى النغمات الموجودة على أصابع البيانو. إن القانون الأخلاقي يخبرنا بالنغمة التي يجب أن نعزفها، ونزعاتنا الفطرية هي مجرد أصابع البيانو.
ثالثاً، يقول ويلسون إن الأخلاق الاجتماعية تطورت لأن تلك الأخلاق “المتعاونة” ساعدت البشر على أن يبقوا على قيد الحياة معاً. إلا أن هذا يفترض غاية للتطور، ألا وهي البقاء، في حين أن الداروينية بطبيعتها لا غاية لها لأنها عملة غير ذكية.
وحتى إن قبلنا أن البقاء هو الغاية، لا يمكن للداروينيين أن يفسروا ما يقوم به الناس من سلوكيات تدمرهم رغم معرفتهم بذلك (مثل التدخين، وإدمان الخمور والمخدرات، والانتحار…. إلخ) ولا يمكن للداروينيين أيضاً أن يفسروا قمع الناس غالباً لنزعتهم الفطرية نحو البقاء في سبيل مساعدة الآخرين، حتى إن تطلب الأمر التضحية بحياتهم في بعض الأحيان[6]، وكلنا نعرف أن هناك أنبل من مجرد البقاء على قيد الحياة: الجنود يضحون بأنفسهم من أجل بلادهم، والآباء والأمهات من أجل أبنائهم، وإن كانت المسيحية صحيحة، فالله ضحى بابنه من أجلنا.
رابعاً، ويلسون وغيره من الداروينيين يفترضون أن البقاء شيء “خير”، ولكن ليس هناك خير حقيقي دون القانون الأخلاقي الموضوعي. وفي الواقع هذه هي مشكلة الأنظمة الأخلاقية البراجماتية والنفعية التي تقول “افعل ما ينفع” أو “افعل ما يجلب الخير الأعظم” افعل ما ينفع في تحقيق غاية مَنْ، غاية الأم تريزا أم غاية هتلر؟ افعل ما يجلب الخير الأعظم بناء على تعريف من للخير، الأم تريزا أم هتلر؟ إن هذه الأنظمة الأخلاقية لا بد أن تختلس لنفسها خفية القانون الأخلاقي لتعريف الغايات التي يجب أن نعمل على تحقيقها ولتعريف “الخير” الأعظم.
خامساً، الداروينيون يخلطون بين كيفية معرفة المرء للقانون الأخلاقي ووجود القانون الأخلاقي. حتى إن كنا نعرف بعض “أحكامنا الأخلاقية” نتيجة للعوامل الوراثية أو البيئية، هذا لا يعني عدم وجود قانون أخلاقي موضوعي خارجنا.
برز هذا الموضوع في المناظرة بين بيتر آتكينز ووليم لين كريج. فقد زعم آتكينز أن الأخلاق تطورت من الوراثة ومن “أمخاخنا الضخمة”. ولكن كريج أصاب في إجابته قائلاً: «إن هذا الكلام يبين، في أفضل الأحوال، كيف تكتشف القيم الأخلاقية، ولكنه لا يبين أن تلك القيم مخترعة». مؤكد أنه من الممكن أن أرث قدرات رياضية من أمي وأتعلم منها جدول الضرب، ولكن قوانين الرياضيات موجودة بغض النظر عن كيفية معرفتي بها. وكذلك، الأخلاق موجودة بصرف النظر عن الكيفية التي نعرفها بها.
وأخيراً، الداروينيون لا يستطيعون أن يفسروا لماذا يجب على أي شخص أن يطيع أي “حكم أخلاقي” يقوم على البيولوجيا. لماذا يجب على الناس ألا يقتلوا، أو يغتصبوا، أو يسرقوا ليحصلوا على ما يريدون إن لم يكن هناك أي شيء أبعد من هذا العالم؟ لماذا يجب على القوي أن “يتعاون” مع الضعيف رغم أن القوي يستطيع أن يبقى على قيد الحياة مدة أطول باستغلال الضعيف؟ وعلى أي حال، التاريخ زاخر بمجرمين ودكتاتوريين أطالوا حياتهم لأنهم تحديداً عصوا كل “الأحكام الأخلاقية” بقمع خصومهم القضاء عليهم.
الأفكار لها عواقب
إن كان الداروينيون على حق في أن الأخلاق تنبع من مصدر طبيعي، إذن الأخلاق ليست موضوعية ولا مطلقة، لأنه إن لم يكن هناك إله وإن كان البشر قد تطوروا من مادة لزجة، إذن وضعنا الأخلاقي لا يرقى عن المادة اللزجة؛ لأنه ليس هناك شيء أبعد منا يغرس فينا أخلاقاً موضوعية أو كرامة.
وقد أدرك الداروينيون وأتباعهم مضامين هذه الفكرة. وفي الواقع استخدم أدولف هتلر Adolf Hitler نظرية داورين كتبرير فلسفي للهولوكوست. وقد سطر في كتابه المنشور سنة 1924 بعنوان Mein Kampf “كفاحي” هذه الكلمات:
إن كانت الطبيعة لا ترغب في أن الضعفاء يخالطون الأقوياء، فهي ترفض أن جنساً أرقى يختلط بجنس أدنى. وذلك لأنه في هذه الحالة كان ما بذلته من جهود على مدى مئات الآلاف من السنين لتأسيس مرحلة تطورية أعلى في الكينونة سيذهب أدراج الرياح.
إلا أن هذه الحماية تسير جنباً إلى جنب مع القانون الجارف الذي يقضى بانتصار الأقوى والأفضل وبحقه في البقاء. فمن أراد العيش عليه أن يحارب. ومن لا يرغب في أن يحارب في هذا العالم، حيث الكفاح المستمر هو قانون الحياة، لا حق له في الوجود.
هتلر، مثل غيره من الداروينيين، يشخصن الطبيعة دون وجه حق بأنه ينسب لها الإرادة (أي “الطبيعة لا ترغب”). وفكرته الرئيسية هي أن هناك أجناساً أرقى وأجناساً أدنى. واليهود بما أنهم جنس أدنى، لا حق لهم في الوجود إن كانوا لا يرغبون في الحرب. أي أن العنصرية ثم الإبادة الجماعية هي التداعيات المنطقية للداروينية. ومن ناحية أخرى، المحبة ثم التضحية بالذات هي التداعيات المنطقية للمسيحية. الأفكار لها عواقب.
لقد انكشفت العنصرية المرتبطة بالتطور أثناء “محاكمة سكوبس في قضية القرد” الشهيرة سنة 1925. فكتاب الأحياء المقرر على المدرسة الثانوية الذي تسبب في المحاكمة كان يتكلم عن خمسة أجناس من البشر، وخَلُص إلى أن الجنس “القوقازي” هو “أرقى الأنواع جميعاً[7]”. وهو يتناقض طبعاً بشكل مباشر مع تعليم الكتاب المقدس (تك 1: 27؛ أع 17: 26، 29؛ غل 3: 28). وهو يتناقض أيضاً مع ما يؤكده إعلان الاستقلال (“كافة البشر مخلوقون سواسية”).
وفي زمن أقرب، استخدم بيتر سينجر Peter Singer الدارويني والأستاذ في جامعة برينستون Princeton الداروينية ليؤكد أن «حياة المولود الجديد أقل قيمة من حياة الخنزير، أو الكلب، أو الشمبانزي». نعم ما قرأته قيل بالفعل.
ما عواقب أفكار سينجر الداروينية الصادمة؟ إنه يعتقد أن الآباء والأمهات يجب أن يمكنهم قتل أطفالهم حديثي الولادة حتى سن 28 يوماً! وهذه المعتقدات تتفق اتفاقاً تاماً مع الداروينية. فإن كنا جميعاً نشأنا من مادة لزجة، فلا أساس للقول بأن البشر أفضل أخلاقياً من أي سلالة أخرى. ولكن السؤال الوحيد هو لماذا نُحد قتل الأطفال بسن 28 يوماً، أو 28 شهراً، أو 28 سنة؟ إن لم يكن هناك مشرع للقانون الأخلاقي، فليس هناك خطأ في القتل في أي عمر.
وطبعاً الداروينيون أمثال سينجر قد يرفضون هذه النتيجة، ولكنهم لا يملكون أساساً موضوعياً للرفض إلا إذا تمكنوا من الاحتكام إلى مقياس أعلى منهم، ألا وهو مشرع القانون الأخلاقي.
وجيمز ريتشلز James Rachels مؤلف كتاب “مخلوقون من الحيوانات: المضامين الأخلاقية للداروينية” Created from Animals: The Moral Implication of Darwinism يدافع عن الموقت الدارويني الذي مفاده أن النوع البشري ليس له قيمة في ذاته تفوق أي نوع آخر. وقد كتب ريتشلز عن ذوي الإعاقة الذهنية قائلاً:
ماذا نقول عنهم؟ الاستنتاج الطبيعي وفقاً للتعليم الذي نحن بصدده [الداروينية] يقول إن مركزهم يتساوى مع الحيوانات. وريما يجب أن نستخلص أيضاً أنه يمكن استخدامهم كما نستخدم الحيوانات غير البشرية. ربما كفئران تجارب، أو كغذاء؟
على قدر بشاعة هذا الكلام، أي استخدام ذوي الإعاقة الذهنية كفئران تجارب أو غذاء، إلا أن الداروينيين لا يستطيعون أن يقدموا سبباً أخلاقياً لعدم جواز استخدام أي كائن بشري على هذا النحو. فالداوينيون لا يستطيعون أن يدينوا التجارب التي تشبه التجارب النازية لأن العالم الدارويني لا يحوي مقياساً أخلاقياً موضوعياً.
ومؤخراً كتب داروينيان آخران، هما راندي ثورنهيل Randy Thornhill وكريج بالمر Craig Palmer كتاباً يؤكد أن الاغتصاب عاقبة طبيعية للتطور. فهما يعتقدان أن الاغتصاب “ظاهرة طبيعية بيولوجية ناتجة عن الإرث التطوري البشري” بالضبط مثل “رقط النمر وعنق الزرافة الطويل”.
ورغم أن هذه الاستنتاجات الداروينية عن القتل والاغتصاب صادمة بحق، يجب ألا تكون مفاجئة لأي شخص يفهم التداعيات الأخلاقية للداروينية، لماذا؟ لأنه طبقاً للداروينيين كل السلوكيات تحدد وراثياً. ورغم أن بعض الدارونيين قد يختلفون مع فكرة أن القتل والاغتصاب ليسا خطأ (تحديداً لأن القانون الأخلاقي يخاطبهم في ضمائرهم). فتلك الاستنتاجات هي النتيجة الحتمية لمنظورهم الفلسفي للحياة.
لأنه إن كان كل ما هنالك هو الأشياء المادية، إذن القتل والاغتصاب ليسا إلا نتائج التفاعلات الكيميائية في مخ الجاني التي تنشأ عن الانتخاب الطبيعي. علاوة على ذلك، القتل والاغتصاب لا يمكن أن يكونا خطأ موضوعياً (أي ضد القانون الأخلاقي) لأنه إن لم يكن هناك إلا المواد الكيميائية. فليس هناك قوانين. فالقوانين الأخلاقية الموضوعية تتطلب مشرعاً للقانون متجاوزاً لحدود الزمان والمكان، ولكن المنظور الدارويني للحياة استبعده مقدماً.
لذا، الداروينيون المتسقون مع هذا المنظور لا يمكنهم إلا أن يعتبروا أن استهجان القتل والاغتصاب مجرد رأي شخصي، وأنها لا يمثلان أخطاء أخلاقية حقيقية.
ولفهم ما يكمن وراء التفسير الدارويني للأخلاق، علينا أن نميز بين التأكيد assertion والحجة argument. التأكيد يقرر استنتاجاً، أما الحجة تقرر الاستنتاج ثم تؤيده بالدليل. والداروينيون يقدمون تأكيدات، لا حججاً. فليس هناك أدلة تجريبية ولا جنائية على أن الانتخاب الطبيعي يمكنه أن يفسر الأشكال الجديدة للحياة، فكم بالحري الأخلاق. والداروينيون يؤكدون ببساطة أن الأخلاق تطورت طبيعياً لأنهم يعتقدون أن الإنسان تطور طبيعياً.
وهم يعتقدون أن الإنسان تطور طبيعياً، لا لأن عندهم أدلة على هذا الاعتقاد. ولكن لأنهم استبعدوا المسببات الذكية مقدماً. لذلك، التفسير الدارويني للأخلاق يضاف إلى سلسلة القصص التي “بلا دليل” التي تقوم على القياس الدائري والافتراضات الفلسفية المسبقة الخاطئة.
الملخص والخلاصة
عندما نقدم حلقتنا النقاشية بعنوان “الاثنتا عشرة نقطة التي تثبت صحة المسيحية”، نجد أن العبارتين التاليتين عن الأخلاق تجذب انتباه الحاضرين فوراً:
إن لم يكن هناك إله، فما فعله هتلر كان مجرد مسألة رأي!
إن كان شيء واحد على الأٌقل خطأ حقيقياً من الناحية الأخلاقية، كأن نقول إن تعذيب الرضع خطأ، أو إن اختراق المباني عمداً بالطائرات التي تقل أبرياء خطأ، إذن الله موجود.
هاتان الجملتان تساعدان الناس على إدراك أنه بدون مصدر موضوعي للأخلاق، كل ما ندعوه قضايا أخلاقية ليس إلا استحسان شخصي. هتلر كان يحب أن يقتل الناس، والأم تريزا كانت تحب أن تساعدهم. فإن لم يكن هناك مقياس أعلى من هتلر والأم تريزا، إذن ليس هناك مصيب ولا مخطئ بحق، ولكنها آراء شخصية عكس بعضها البعض.
ولحسن الحظ أنه، كما رأينا، هناك مقياس أخلاقي حقيقي أعلى من البشر. وقد كتب سي. إس. لويس «البشر في جميع أنحاء البسيطة يعرفون هذه الفكرة الغريبة التي مفادها أنه يجب عليهم أن يسلكوا وفقاً لهذه الطريقة. فهم يعرفون قانون الطبيعة ولكنهم يكسرونه. هاتان الحقيقتان هما أساس كل تفكيرنا الواضح عن أنفسنا وعن الكون الذي نعيش فيه».
ونتمنى أن نكون قد قمنا بشيء من التفكير الواضح في هذا الفصل. وإليك ملخص ما تناولناه:
هناك مقياس مطلق للصواب والخطأ مكتوب على قلوب كافة البشر. الناس قد ينكرونه وقد يخمدونه، وأفعالهم قد تناقضه، ولكن ردود أفعالهم تكشف أنهم يعرفونه.
النسبية خاطئة. فالبشر لا يحددون الصواب والخطأ، ولكننا نكتشف الصواب والخطأ. فلو كان البشر يحددون الصواب والخطأ، لكان “على صواب” أي شخص يؤكد أن الاغتصاب والقتل والهولوكوست أو أي شر آخر ليس خطأ. ولكننا نعرف حدسياً أن تلك الأفعال خاطئة من خلال ضمائرنا التي تعكس القانون الأخلاقي.
هذا القانون الأخلاقي لا بد أن يكون له مصدر أعلى منا لأنه أمر توجيهي منقوش على قلوب جميع البشر. وبما أن الأوامر دائماً ما يكون لها آمر يصدرها، أي أنها لا تنشأ من الفراغ، فالآمر الذي أصدر القانون الأخلاقي (الله) لا بد أن يكون موجوداً.
هذا القانون الأخلاقي هو مقياس الله للصواب، وهو يساعدنا أن نحكم في الآراء الأخلاقية المختلفة التي يتبناها الناس. ودون مقياس الله، لا يبقى لنا إلا هذه الآراء البشرية. ولكن القانون الأخلاقي هو المقياس النهائي الذي يقاس به كل شيء. (في اللاهوت المسيحي القانون الأخلاقي هو طبيعة الله نفسها. وهو ما يعنى أن الأخلاق ليست اعتباطية، إنها ليست “افعل هذا ولا تفعل ذاك لأني أنا الله وأنا أقول ذلك”. لا، الله لا يخترع قواعد بقرارات فجائية. ولكن مقياس الصواب هو ذات طبيعة الله نفسه: عدالة بلا حدود ومحبة بلا حدود.
رغم أن الاعتقاد الشائع هو أن كل الأخلاق نسبية، فالقيم الأخلاقية الجوهرية مطلقة. وهي تتجاوز الثقافات. والتشوش حول هذا الأمر غالباً ما يقوم على سوء فهم أو سوء تطبيق المطلقات الأخلاقية، لا على رفض حقيقي لها. وهو ما يعني أن القيم الأخلاقية مطلقة حتى إن كان فهمنا لها أو للظروف التي يجب تطبيقها فيها ليس مطلقاً.
الملحدون لا يملكون أساساً حقيقياً للصواب والخطأ الموضوعيين. وهو ما لا يعني أن الملحدين ليس أخلاقيين أن أنهم لا يعرفون الصواب من الخطأ. بل على العكس، الملحدون يستطيعون أن يعرفوا الصواب من الخطأ، وهم يعرفونه بالفعل لأن القانون الأخلاقي منقوش على قلوبهم كما على قلوب سائر البشر أجمعين. ولكنهم بينما يعتقدون في الصواب والخطأ الموضوعيين، لا يجدون وسيلة لتبرير هذا المعتقد (إلا إذا اعترفوا بمشرع للقانون الأخلاقي، وعندئذ لا يكونون ملحدين).
وفي النهاية لا يمكن للإلحاد أن يبرر صواب أو خطأ أي شيء من الناحية الأخلاقية. فهو لا يستطيع أن يضمن حقوق الإنسان ولا العدالة النهائية في الكون. فلكي تكون ملحداً، ملحداً متسقاٌ مع مبادئه، عليك أن تؤمن أنه لا خطأ حقيقي في القتل، ولا الاغتصاب، ولا الإبادة الجماعية، ولا التعذيب، ولا غير ذلك من سائر الأفعال الوحشية. ولكنك بالإيمان عليك أن تصدق أنه لا فرق أخلاقي بين القاتل والمرسل.
ولا بين المدرس والإرهابي، ولا بين الأم تريزا وهتلر. أو بالإيمان عليك أن تصدق أن المبادئ الأخلاقية الحقيقية نشأت من لا شيء. وبما أنه واضح أن هذه المعتقدات غير منطقية، فلسنا نملك الإيمان الكافي للإلحاد.
[1] مؤسس إذاعة مسيحية باسم “الشبكة الإذاعية المسيحية” Christian Broadcasting Network وهو رجل أعمال وسياسي وكاتب وناشط في العمل الإنساني (http://www.patribertson.com/index.asp)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 23/10/2016 (المترجمة).
[2] مؤسس منظمة سياسية باسم “الأغلبية الأخلاقية” Moral Majority لدعم القيم الأخلاقية المحافظة، ومبشر تلفزيوني توفي 2007 (http://www.britannica.com/biography/Jerry-Falwell)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 23/10/2016 (المترجمة).
[3] خلافاً للفكرة الشائعة، فإن الملحدين كغيرهم من العاملين بالسياسة يحاولون تشريع الأخلاق. وكتابنا “تشريع الأخلاق” يتناول هذا الموضوع بالتفصيل Frank Turek and Norman Geisler, Legislating Morality [Eugene. Ore.: Wipf & Stock, 2003. صدر سابقاً عن دار نشر Bethany, 1998.
[4] الكلمة الإنجليزية التي ترجمناها في هذا الكتاب إلى “قبول الآخر” (وهي ترجمة شائعة لها) هي tolerance ومن معانيها اللغوية: القدرة على احتمال شيء غير مسر دون التضرر منه. لذلك فضلنا ترجمتها هنا إلى “تقبل واحتمال” لتناسب المعنى المقصود في هذا السياق. (المترجمة).
[5] تعد نعمي وولف Naomi Wolf الناشطة النسائية مثالاً بارزاً على هذه الحالة. فهي تعترف أن الجميع يعلمون أن الطفل قبل ولادته إنسان. وأن الإجهاض خطية حقيقية تستلزم كفارة. ولكن نعمي بداً من أن تقترح القضاء على الإجهاض، تقترح أن النساء اللاتي تجهضن تنظمن سهرة بالشموع في مراكز الإجهاض الطبية تعبيراً عن حزنهن! هو ما يشبه طقساً تكفيرياً مثل طقوس أكلي لحوم البشر – معذرة لهذا التشبيه.
[6] يقول جفري شلوس Jeffrey Schloss الحاصل على دكتوراه في علم البيئة وعلم أحياء التطور بأنه رغم من أن بعض السلوكيات التي تتسم بالغيرية والتضحية بالذات قد يمكن تفسيرها تفسيراً داروينياً، هناك سلوكيات أخرى لا يمكن تفسيرها بهذه الطريقة؛ ويركز شلوس بوجه خاص على السلوكيات التي ساعدت من كان يمكن أن يقعوا ضحية للهولوكوست وخبأتهم. انظر فصلاً بقلم جفري شلوس بعنوان Evolutionary Account of Altruism and the Problem of Goodness by Design, in William Dembski, ed,. Mere Creation Downers Grove, I11.: InterVarsity Press, 1998, 236-261.
[7] إليك النص كاملاً: «أجناس البشر – يوجد في الوقت الحالي خمسة أجناس أو تنوعات من البشر على وجه الأرض. وكل منها يختلف عن الآخر اختلافاً كبيراً في النزعات الفطرية. والعادات الاجتماعية، وإلى حد ما في البنية. فهناك النوع الإثيوبي أو الزنجي الذي نشأ في أفريقيا، وجنس الملايو أو البني وهو من جزر الهادي، والهنود الحمر. والجنس المنغولي أو الأصفر ومنهم السكان الأصليون للصين واليابان والأسكيمو، وأخيراً الجنس القوقازي أرقى الأنواع جميعاً الذي يمثله سكان أوروبا وأمريكا البيض المتحضرون» (جورج وليم هنتر George William Hunter، “أسس علم الأحياء: مقدمة في صورة مشكلات” Essentials of Biology: Presented in Problems [New York, Cincinnati, Chicago: American Book, 1911], 230.
الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟