كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

 

في دراستنا لحياة يسوع وتعليمه، أخذناه أمراً مسلماً به أنه بمقدورنا أن نتعلم بالفعل شيئاً عنه من الأناجيل العهد الجديد. وقد عرفنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتيه ليسوع. وقد عرفنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتية ليسوع، بقدر ما هي مختارات منتقاة من أقواله وأعماله، جمعت معاً بسبب نفعها في خدمة الكرازة التي قامت بها الكنائس الأولى، ولكننا لم نأخذ هذه الحقيقة كسبب للتشكيك في مصداقيتها العامة بالنسبة ما روته عن حياة يسوع وتعليمه.

وفي غالبية النقاط شعرنا بأنه لدينا ما يبرر قبولنا لهذه السجلات كصورة عما كان عليه يسوع بالفعل، لا أن نعتبرها دراسات للحالة النفسية التي كان عليها المسيحيون الذين كانوا أول من كتبوا عنه.

ومع ذلك، يجب الاعتراف صراحة أن هذا الافتراض كان عرضة للشك من قبل عدد من الاتجاهات المختلفة. ولسنا في حاجة أن نتقبل بجدية أولئك الكتبة الذين يدعون بين آونة وأخرى أنه لم يكن ليسوع وجود على الإطلاق، ذلك أن لدينا دليلاً واضحاً على عكس ذلك من عدد من المصادر اليهودية واللاتينية والإسلامية. إلا أنه حين يدعي أناس درسوا العهد الجديد فترة طويلة أن الأناجيل لا تكشف شيئاً له أهميته عن يسوع، هنا علينا أن نواجه حججهم بك جدية.

ولعل أكثر التعبيرات تطرفاً في جيلنا بالنسبة لهذا الرأي ترتبط باسم رودولف بولتمان. ذلك أنه في كتاب صدر لأول مرة سنة 1934، ذكر قولته اللافتة للنظر: “أعتقد أننا نكاد لا نستطيع أن نعرف الآن شيئاً عن حياة يسوع وشخصيته”. وما يقصده بولتمان على وجه الدقة من قوله هذا يجب أن نقرره على ضوء بعض كتاباته الأخرى، حيث يوضح أنه يؤمن بالفعل بعناصر معينة من تعليم يسوع التي نجد في الأناجيل أن يسوع هو الذي قالها بنفسه. إلا أن بولتمان وحتى آخر يوم في حياته ظل متشككاً من ناحية احتمالية وقيمة المعرفة عن “يسوع التاريخي”.

وليس كل أتباع بولتمان كانوا متشككين مثله تماماً. وبمقدورنا أن نلمس هذا بوضوح كاف من كتاب جونثر بورنكام Gunther Bornkamm “يسوع الناصري” حيث يبين هذا حتى من وجهة النظر المتطرف التي يقول بها نقاد الصيغ. إلا أنه يتبقى مع ذلك الكثير مما يمكن معرفته بثقة عن يسوع. ولكنه، برغم كل هذا، فإن هؤلاء الباحثين الذين كانوا هم أكثر تأثراً ببولتمان وتناوله لنقد صيغة الأناجيل، فإنهم أخذوه أمراً مسلماً به بصفة عامة أن الأناجيل هي بصفة أساسية تعتبر سجلاً لمعتقدات الكنيسة الأولى عن يسوع، أكثر من كونها نوعاً من الروايات عن يسوع بالشكل الذي كان عليه حقيقة.

ومن الواضح أن معرفتنا بيسوع ليست هي نفس معرفتنا ونستون تشرشل Winston Churchill أو مارتن لوثر Martin Luther أو حتى بولس الرسول مثلاً. لأنه بمقدورنا أن نعرف هؤلاء الناس من خلال كتاباتهم وأقوالهم المسجلة. والواقع أنه بالنسبة لحالة لوثر وبولس، فإن المصدر الرئيسي لمعلوماتنا عنهما هي الكتب التي كتباها بنفسيهما. غير أن يسوع لم يكتب كتاباً. فقط أمضى حياته القصيرة كمعلم متجول، يعمل في أنحاء قاصية تقريباً من الإمبراطورية اليونانية، وبين أناس ربما لم يكن لهم أية اهتمامات بالموضوعات الأدبية.

ومن غير المحتمل إطلاقاً أن تكون أقوال يسوع وأعماله قد كتبت سواء بنفسه أو بواسطة أي شخص من معاصريه. وفضلاً عن ذلك نعرف أن يسوع كان يعيش في مجتمع لغته الأساسية هي اللغة الآرامية، ومع ذلك فإن معرفتنا بتعليمه جاءت من مصادر مكتوبة باليونانية. ومن المحتمل أن اللغة اليونانية كانت معروفة لشخص نشأ في الجليل. إلا أنه من المؤكد أن معظم تعاليم يسوع لم تعط أساساً بهذه اللغة، ولذلك فإن الأناجيل كانت ترجمة لأقوال يسوع باللغة التي كانت سائدة في الإمبراطورية الرومانية.

وعلاوة على ذلك، فإنه من نتائج تناقل أقوال يسوع باللغة اليونانية، أنه لدينا الآن في أناجيلنا قصص متباينة مما هو واضح أنه نفس التقليد الأساسي. فعلى سبيل المثال، إذا أخذنا الصلاة الربانية، سنجد أن إنجيلي متى ولوقا يحتفظان بترجمات مختلفة[1]. والتشابهات وثيقة جداً حتى إنه لا يوجد أي شك في أننا نتعامل مع نفس التقليد الأساسي. لكن الاختلافات بارزة ولا يمكن تفسيرها على أنها مجرد أشكال مختلفة من الترجمات. ونفس الملاحظات يمكن أن تقال بالنسبة لنقاط كثيرة أخرى في الأناجيل، وهي الحقائق الجوهرية التي يهتم بها نقاد الصيغ والتنقيح والمصدر.

ولا ينبغي علينا أن نضخم المشاكل. فهناك أجيال كثيرة من قراء الإنجيل ممن لا يعرفون شيئاً عما توصل إليه مفكرو العصر الحديث، لم يجدوا صعوبات كبيرة في التعامل مع هذه الأمور. فعلى الرغم من وضوح القصص المختلفة عن يسوع، أو التقارير الخاصة بتعليمه، فمن الواضح أنه يوجد ترابط منطقي داخلي في الأناجيل ككل. وليس من الصعوبة بمكان أن نجمع معاً قصة مما قدمته لنا الأناجيل مجتمعة من “تعليم يسوع”، ثم إن العناصر الأساسية لهذا التعليم هي نفسها التي نجدها في كل الأناجيل الأربعة.

التعرف على أقوال يسوع الصحيحة

ولكن كيف لنا أن نتأكد من أن الأناجيل تحتوي على تعليم يسوع نفسه، وليس انطباعات الكنيسة الأولى عن يسوع؟ كان هذا السؤال موضوع مناقشة بين باحثي العهد الجديد طوال العقد الماضي أو ما يقرب من ذلك، ولا زال النقاش مستمراً. وكإجابة محتملة صممت بعض الاختبارات والتي اعتبرت وسائل يمكن الاعتماد عليها للتعرف على التعليم الحقيقي ليسوع في الأناجيل.

ولقد طبقت هذه الاختبارات بشكل شامل على الأناجيل المتشابهة بواسطة البروفسور نورمان بيرين Prof. Norman Perrin. وقد حدد ثلاثة اختبارات أو معايير منفصلة، تباحث على أساسها بأن هناك على الأقل ثلاثة مجالات في الإنجيل يمكن بيان مصداقيتها، وهي: الأمثال، التعليم الخاص بملكوت الله، والموضوعات المذكورة في الصلاة الربانية.

اختبار التمييز The test of distinctiveness

اختبار التمييز، سبق أن استعمله بولتمان نفسه في كتابه: “تاريخ تقليد الأناجيل المتشابهة”. وهو يقوم على افتراض أن أي شيء في تعليم يسوع يمكن أن يكون له نظير في التعليم اليهودي، أو في الفكر اللاهوتي للكنيسة الأولى يكون عرضة للشك في مصداقيته، لأنه يكون قد جاء وليد هذين المصدرين وليس من ذكريات حقيقية ليسوع.

وذلك حيث يكون تعليم يسوع فريداً تماماً ومميزاً فهنا نكون على ثقة أننا في اتصال مباشر بيسوع نفسه. ويمكننا أن نقدم أمثلة على ذلك باستعمال يسوع لكلمة “أبا” (أي أب) في مناجاته لله، وأسلوبه المميز في استهلال أقواله الهامة بعبارة الحق…). وعلى قدر علمنا فإن معلمي اليهود أو الكنيسة الأولى لم يستعملا هاتين الوسيلتين.

وهناك مفكرون كثيرون قد يتفقون مع بروفسور بيرن Perrin حين يدعي أن المعلومات التي تستخلص من الأناجيل بهذه الوسيلة تمثل حداً أدنى من المعرفة التاريخية عن يسوع لا يمكن انتقاصه.

لكننا إذا فحصناه بمزيد من العناية، فإنه من المشكوك فيه أنه حتى هذا الادعاء المتواضع يمكن تبريره تماماً على أساس هذه الوسيلة بعينها. لأن استخدامها بنجاح يعتمد بشكل كلي على الافتراض الآخر بأن معرفتنا الحاضرة باليهودية والكنيسة الأولى هي على وجه التقريب معرفة كاملة. ومع ذلك، فالحقيقة هي أننا لا نعرف سوى القليل جداً عن شكل اليهودية أيام يسوع.

فالمعلومات الجديدة تكتشف وتقيم بصفة مستمرة، ومن المؤكد أنه ستظهر معها نظائر جديدة لتعليم يسوع. وعلى ذلك فإن معيار التمييز كوسيلة يعد مشورة يائسة. والأمر لن يحتاج إلا إلى فترة من الوقت حتى يتم التوصل إلى النتيجة المنطقية، وهي أنه لا يمكن أن يعرف شيء مؤكد عن يسوع. إلى جانب ضعف هذه الوسيلة، توجد مشكلتان كبيرتان تتعلقان بهذا المنهج بالذات.

وحتى هذه الصورة المحدودة عن يسوع والتي جاءت وليدة هذه الوسيلة لا بد أن تكون غير واقعية وغير صحيحة في واقع الحياة، لأنها تفترض أن يسوع كان معزولاً تماماً عن الظروف المحيطة به. والقول المأثور: النص بلا قرينة هو نص مزعوم “A text without a content is a pretext” ينطبق هنا، كما هو الحال كثيراً بالنسبة للعظات الحديثة. فلا بد وأن يكون للمسيح سياق أو قرينة. ومن المؤكد أن قرينته كانت يهودية.

ومن المؤكد أيضاً أنه لا بد وأنه كان هناك قدراً من الاستمرارية بين يسوع والكنيسة الأولى. ويسوع الفريد بمعنى أن تعليمه لا علاقة له باليهودية أو بالكنيسة الأولى ليس من المحتمل أن يكون يسوع الحقيقي. وإذا لم يستطع هذا الاختبار الكشف عنه فلا بد وأن يحكم عليه بالفشل.

هناك مساحات كبيرة وهامة في الأناجيل لا تصلح فيها هذه الطريقة إطلاقاً. لنأخذ موضوع تعليم يسوع عن نفسه. فبالنسبة لهذا الموضوع يؤدي اختبار التمييز إلى نتائج سلبية تماماً بالنسبة لكل الألقاب الكبرى التي تمت نسبتها ليسوع. فألقاب (المسيا)، (ابن الله)، (ابن الإنسان)، استعملها كثيرون في الكنيسة الأولى، ومن ثم فإن تطبيق هذا الاختبار سيؤدي إلى استنتاج أن يسوع لم يعط أي تعليم عن مصيره وشخصه.

ونفس الشيء يحدث بالنسبة لموضوعاته الأخروية، لأن هذه يمكن أن يوجد لها مثيل في اليهودية وفي مصادر الكنيسة الأولى. بل أن التعليم المميز الخاص بالموعظة على الجبل سوف يستبعد للسبب نفسه، ذلك أن بولس يظهر أنه على معرفة واضحة بذلك (انظر رو 12-14). وعلى ذلك فإنه توجد غلطة جوهرية في مفهوم هذه العملية كلها. لأنه لا مفر من أن هذا سيؤدي – سواء من الناحية النظرية أو العملية – إلى الادعاء بأنه لا يمكن أن نعرف شيئاً مفيداً عن يسوع من الأناجيل.

 

اختبار الترابط المنطقي The test of coherence

الذين يستخدمون هذه الاختبارات لا يجهلون المشاكل المرتبطة باختبار التمييز. ولذلك يقدم بيرين Perrin اختباراً آخر يمكن استخدامه معها. وهذا هو ما يعرف باسم “اختبار الترابط المنطقي”. وهي يقوم على افتراض أن أية مادة في الأناجيل تتناغم مع التعليم الذي ينجح في اجتياز اختبار التمييز يمكن اعتبارها تصريحاً حقيقياً لما قاله أو علمه يسوع.

ومن الناحية الظاهرية، يبدو هذا الاختبار الآخر واعداً. ولكن هذا بالطبع يعتمد وبشكل كبير جداً على التطبيق الصحيح للاختبار الأول. وسبق لنا أن عرفنا الصعاب التي تحيط به، فإذا لم يؤد إلى نتائج أكيدة، فهنا يكون هذا الاختبار بلا فائدة أيضاً.

وعلى أية حال فإنه من الصعب جداً الحكم على ما هو مترابط منطقياً، وما هو ليس كذلك. وحتى لو افترضنا أنه يمكننا أن نصدر حكمنا في هذا الشأن، فليس من ضمان في أن ما بدا لنا مترابطاً سيبدو كذلك بالنسبة للكنيسة الأولى. وهكذا نواجه مرة ثانية مصاعب عملية بالغة في تطبيق هذا الاختبار على تقاليد الإنجيل.

اختبار أكثر من مصدر The test of more than one source

هناك محك ثالث كثيراً ما استخدم لتقييم التقاليد التي تتحدث عن يسوع، وهو لا يعتمد بصفة مباشرة على المحكمين الآخرين. وكثيراً ما كان يستخدمه مانسون T. W. Manson الذي لم يكن لديه وقت لمنهج نقاد الصيغ.

واستناداً لهذا الاختبار، فالتعليم المذكور في الأناجيل يكون من تعاليم يسوع حقاً إذا لم يوجد في أكثر من مصدر واحد من مصادر الإنجيل. وهذا الاختبار نافع في هذا النطاق، لأنه إذا ما تولد فينا نفس الانطباع من إنجيل مرقص ومن المصدر Q عن مضمون تعاليم يسوع، فإنه من المعقول والحال هذه أن نعتقد أن هذا الانطباع أصيل. ولكن اختبار المصداقية هذا اكتنفته أيضاً عدة مصاعب، ولو أنها ليس كبيرة كتلك التي كانت تواجه تطبيق الاختبارين الآخرين.

ç لا يمكن – بواسطة هذه الوسيلة – أن نقرر شيئاً بالنسبة لأقوال محددة نسبت إلى يسوع، لأنه توجد قصص أو أقوال قليلة جداً متضمنة في أكثر من مصدر واحد من مصادر الإنجيل. والواقع أن هذه الحقيقة تعد من الأسس التي يقوم عليها منهج نقل مصادر الإنجيل بجملته. فإذا كان نفس التعليم مقدماً في كل مكان، لما كان في وسع “ستريتر” أن يصيغ نظريته عن مصادر الإنجيل. وهذا مفاده أن أقصى ما تستطيع أن تكتشفه هذه الطريقة هو اللهجة العامة لتعليم يسوع وليس تقريراً مفصلاً عنه.

ç ثم إن هناك قيد آخر يشكل جزءًا لا يتجزأ من هذا الاختبار، لأنه قد يرفض تلك الأجزاء من تعليم يسوع التي توجد في مصدر واحد فقط من مصادر الإنجيل باعتبار أنها غير حقيقة. ومع ذلك، فهذه هي الحالة بالنسبة لبعض من أكثر أجزاء تعاليم يسوع المميزة. باستخدام هذا الاختبار، سينتج عنه رفض قصص مثل السامري الصالح (لوقا 10: 25-37)، أو الابن الضال (لوقا 15: 11-32) بصفة قاطعة من قصة حياة يسوع وتعليمه، وذلك لأنها لم توجد سوى في إنجيل لوقا فقط.

ç حين طبق مانسون وآخرون هذا الاختبار على الأناجيل استطاعوا أن يفترضوا فرقاً شديداً حقاً بين مصادر الإنجيل المختلفة، لأنه في ذلك الحين كان الباحثون البريطانيون يتبنون نظرية “ستريتر” وعلى نطاق واسع في صيغتها الأصلية تقريباً. إلا أن دراسة أكثر حداثة بينت أن موضوع العلاقات بين الأناجيل ومصادرها أكثر تعقيداً وبدرجة تفوق إلى حد كبير ما كان يعتقده “ستريتر”. فلم يعد بوسعنا الآن أن نفترض أن التقسم البسيط إلى أربعة مصادر مستقلة هي: مرقص والمصادر Q، M، L، على أنه تقسيم طبيعي.

عيب أساسي

من الواضح أنه توجد مشاكل عويصة كثيرة تتعلق باستخدام هذه الاختبارات للتعرف على الأقوال الحقيقية التي فاه بها يسوع، والتي تضمنتها الأناجيل. ولذلك فلربما لا يكون الأمر مدعاة للدهشة أن يكون بعض الباحثين قد توصلوا بالأحرى إلى نتائج سالبة. ومن الصعوبة أن نفهم كيف أنه كان بإمكانهم أن يفعلوا خلاف ذلك.

والواقع أنهي يوجد عيب أساسي في كل النهج الذي تمثله هذه الاختبارات. فكلها تبدأ من الافتراض الجوهري بأن الأناجيل في معظمها تحتوي على معتقدات الكنيسة الأولى، ولا تضم سوى القليل جداً، إن لم يكن لا شيء على الإطلاق مما جاء مباشرة من يسوع نفسه. ويعرض البروفسور بيرين سببين رئيسيين ليبرر بهما هذا التشاؤم.

ç فقد كتب يقول: “إن الكنيسة الأولى لم تبذل أية محاولة للتمييز بين الأقوال التي قالها يسوع كإنسان، وتلك التي قالها الرب المقام بواسطة نبي في المجتمع، أو بين تعليم يسوع الأساسي والفهم الجديد وإعادة الصياغة بالنسبة لذلك التعليم الذي تم التوصل إليه في الكنيسة تحت إرشاد رب الكنيسة.

ونقطة البداية لهذه الحجة تتمثل في حقيقة أن المسيحيين الأولين اعتقدوا بكل وضوح أن يسوع المقام كان حاضراً وعاملاً بين أتباعه في الكنيسة. وهو بالطبع لم يعد بعد حاضراً بالجسد، ومن ثم لا يمكن توصيل كلمته للمسيحيين إلا بطريقة غير مباشرة.

هناك مثال عن كيفية إمكان حدوث ذلك، يقال إنه وجد في الأصحاحات الثلاثة الأولى من سفر الرؤية. حيث نجد أن النبي المسيحي يوحنا يقوم بتسليم رسائل من المسيح السمائي إلى سبع كنائس في أسيا الصغرى، كذلك يذكر بولس أنبياء يعملون في الكنيسة (1كو 12: 27-31)، وكثيراً ما قيل إن عمله الرئيسي كان إصدار “أقوال ليسوع” لمواجهة حاجة معينة في حياة الكنيسة.

وعلى الرغم من أن هذه الحجة لاقت قبولاً على نطاق واسع لدى باحثي العهد الجديد، إلا أنها مشكوك فيها إلى حد كبير. ويمكن أن تقدم ضدها عدد من الاعتراضات الخطيرة.

 أولاً: قامت على دليل مشكوك فيه. وعلى الرغم من أنه كثيراً ما كان يقال بثقة إن دور النبي المسيحي هو أن يخترع أقوالاً عن يسوع، إلا أنه لا يتوافر لدينا في الحقيقة دليل حقيقي لكي نبين ما الذي كان الأنبياء يعملونه في الكنيسة الأولى. فالرسائل إلى الكنائس السبع في سفر الرؤيا كانت خارج الموضوع تماماً، لأنه تم عمل فرق واضح هناك بين اختبار وأقوال كاتب السفر ورسالة المسيح المقام.

وعلى أية حال فقد ادعى أنه تلقاها في رؤية، وليس بمقدورنا القول بأنه اختلقها إلا إذا طرحنا الافتراض الآخر المشكوك فيه وهو أن الرؤى لا يمكن أن تحدث. والدليل الصريح الوحيد في العهد الجديد عن عمل هؤلاء الأنبياء نجده في (أعمال 13: 1-3) حيث يصدرون تعليمات بخصوص العمل المرسلي لبولس وبرنابا. وحتى التعليمات لم تعط باسم يسوع، بل بسلطان الروح القدس. والدليل من هذه النوعية يعد دليلاً ضعيفاً حتى إنه لا يعطينا سوى إشارة واهية إلى عمل الأنبياء على نحو من الدقة في حياة الكنيسة.

ثانياً: القول بأن الأنبياء لهم الحرية في اختلاق “أقوال ليسوع” يفترض أيضاً أن المسيحيين الأوائل لم يفرقوا بشكل واضح بين تعليم يسوع وتعليمهم. ولكن هذا أمر بعيد تماماً عن الصحة. ومما يبدو متناقضاً، أن دليلنا على هذا واضح للغاية في كتابات بولس، ولهذا السبب كان ملفتاً للنظر بشكل متزايد. لأنه، من بين كل كتبة العهد الجديد نجد بولس بالذات هو الذي كثيراً ما يتهم بأنه يتساهل في تعاليم يسوع.

ثم إنه ادعى أيضاً وأكثر من مرة أنه يتمتع بمواهب الله الخاصة بدرجة أعظم من كل معاصرين (1كو 14: 18-19؛ 2كو 12: 1-10) وهاتان الحقيقتان وحدهما تجعلانه مرشحاً مثالياً لأن يكون مورداً لأقوال يسوع. ولنا أن نتوقع أن تكون رسائله عامرة بمثل هذه الأقوال التي صنعها بنفسه بإلهام من الروح القدس من أجل تقديم النصح لقرائه. غير أننا في واقع الأمر نجد النقيض من ذلك. فعلى سبيل المثال، في (1كو 7) يخرج من نهجه ليميز بين آرائه وبين تعاليم يسوع.

ثالثاً: توجد مشكلة أخرى بالنسبة لافتراض أن الكنيسة الأولى كانت تختلق كثيراً من أقوال يسوع، وهي أن هذا افتراض يفتقر إلى المنطق. و”الدليل” الوحيد على أن الأنبياء كانوا يصيغون مثل هذه الأقوال يتمثل في فكرة أن تقاليد الإنجيل كان لها أصلها في الكنيسة الأولى وليس في خدمة يسوع.

وهناك إطار حياة مفترض تم تخيله بالنسبة للأناجيل، تم تفسير الأناجيل على ضوئه. وهذه عمليه مشكوك فيها للغاية، وليس إلى حلقة مفرغة دون أن يكون لها أي دليل خارجي. وليس ما يدعو للدهشة أنه حتى على هذا الأساس يمكن القول إن الأناجيل ما هي إلا نتاج تخيل تقي للكنيسة الأولى، وضع فيها الدليل بعد بداية البحث.

ç أما السبب الثاني لشكوك البروفسور بيرين فله أساس أقوى. فهو يؤكد – وعن صواب تام – أن القصد الأساسي من الأناجيل لم يكن تقديم معلومات تاريخية أو سيرة ذاتية ليسوع، بل بنيان قرائها. وكل شيء في الأناجيل يخدم غرضاً معيناً في حياة الكنيسة. ولكنه يستطرد قائلاً إن هذه الحقيقة في حد ذاتها تستبعد احتمال أن الأناجيل تضم ذكريات تاريخية ليسوع، على هذا النحو الذي كان عليه حقاً. وهذه حجة أخرى كثيراً ما يراد تأكيدها، إلا أنه نادراً ما تلقى التأييد.

ومع ذلك، لا يوجد على الإطلاق سبب منطقي، فما الداعي أن قصة أو جزءًا من تعليم يبلغ رسالة عملية أو لاهوتية أن يوصف بالزيف من الناحية التاريخية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما ألقيت عظات على قول بولس إنه في المسيح “ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر. ليس ذكر ولا أنثى لأنكم جميعاً واحد….” (غلا 3: 28).

ولا شك أن عظات كثيرة ألقيت حول هذا الموضوع، حيث نسبناها إلى مشاكلنا المعاصرة المتعلقة بالظلم وعدم المساواة. ومن المؤكد أنها مناسبة تماماً لهذا الموضوعات. إلا أن حقيقة أنني ألقي عظة تقوم على هذا النص، وأنسبها إلى مشاكل القرن العشرين لن تؤدي عادة بالناس إلى القول إنني وضعت الأقوال بنفسي، وإن بولس الرسول لم يكتب إطلاقاً الرسالة إلى أهل غلاطية، أو إنه حتى لم يكن له وجود على الإطلاق.

ذلك سيكون أمراً سخيفاً. ومع ذلك فإن هذا هو بالضبط من نوعية المبررات التي يطلقها بعض الباحثين على الأناجيل حين يحاجون بالقول إنه بالنظر إلى أن محتوياتها تناسب الحياة في منتصف القرن الأول، فقد لا يكون لها أي سياق تاريخي في حياة يسوع نفسه. إنها ببساطة تأكيد ليس له أي معنى.

مدخل لفهم الأناجيل

كثيرون من الباحثين يرون أن شكوك بولتمان وأتباعه غير مقبولة على الإطلاق. وهم عوضاً عن هذه الشكوك ينادون بأنه يوجد عدد من الأسباب القوية للبدء من الافتراض القائل بأن الأناجيل يعول عليها، وليس العكس، من ناحية اعتبارها سجلات تصف يسوع بالشكل الذي كان عليه فعلاً. وهناك عدد من الحجج الهامة تشير إلى هذا الاتجاه.

إذ نبدأ على المستوى العام، يتعين علينا ألا ننسى أن الكتبة القدامى لم يكونوا على وجه الإجمال حمقى أو مخادعين. فكثيرون من لاهوتي العصر الحديث (ولو أنهم ليسوا مؤرخين) يتحدثون باستخفاف عن مؤرخي العالم الروماني حتى إنه كثيراً ما يتولد لدينا الانطباع بأن مفهوم كتابة التاريخ على نحو صحيح لم يكون معروفاً لهم على الإطلاق. وإنها الحقيقة بالطبع أن المؤرخ في العصر القديم لم يكون تتوافر له كل الوسائل المساعدة الحديثة التي تتوافر لنا في أيامنا هذه.

ولكن هذا ليس معناه القول ببساطة إنه اختلق قصصه. فكل من المؤرخين اللاتين واليونان كانت لديهم معايير عالية، وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا دائماً يلتزمون بها، إلا أنه من المؤكد أن ذلك لم يكن سببه الافتقار إلى المحاولة. والمبادئ التي حددها أناس مثل لوسيان وثوسيديدس Lucian and Thucydides توضح لنا تماماً أنهم كانوا يعملون في إطار خطوط إرشادية لا يزال معمولاً بها حتى يومنا هذا.

وأي شيء آخر قد يقال عن الناس الذين كتبوا الأناجيل، فمن الواضح أنهم كانوا يعتقدون أنهم كانوا يعملون في إطار هذه النوعية من التقليد التاريخي. ولوقا يقول بوضوح إنه تخير كل مصادر معلوماته، وإنه كتب بحرص قصته على هذا الأساس. وبالنظر إلى أن كتبه الأناجيل المتشابهة الآخرين استعملوا أسلوباً مماثلاً تقريباً في التعامل مع مصادرهم، فإنه من الطبيعي افتراض أنهم عملوا أيضاً على نفس هذه الأسس.

ومن المؤكد أنهم جميعاً كانوا يعتقدون أنهم يقدمون معلومات حقيقية عن شخص كان يعيش بالفعل وبالطريقة التي وصفوها. ولم يكونوا يدرون أنهم يكتبون عن أقوال صدرت عن معاصريهم ونسبوها ليسوع. لقد اعتقدوا أن ربهم المقام كان بالفعل معلماً يهودياً من الجليل، وأنه كمعلم متجول فقد عاش وتكلم كما صوروه.

وهذه الحجة ليست بالطبع قوية جداً في حد ذاتها، لأن الإنجيليين ربما كانوا قد أخطأوا أو غرر بهم، ولكنها تكتسب قوة مضافة كبيرة حين نكتشف أن تفاصيل قصصهم تعطي بالفعل صورة صادقة للحياة في فلسطين في الوقت الذي قالوا إنهم كتبوا فيه. وحين نتذكر أنهم جميعاً كتبوا باللغة اليونانية لقراء من غير اليهود تقريباً، وأن اثنين منهم على الأقل لم يكونوا عائشين في فلسطين حين كتبا، فإن هذا يبدو أمراً رائعاً.

وفي نقطة تلو أخرى نكتشف أن خلفية الإنجيل صادقة وحقيقية. وفضلاً عن ذلك، ففي المواضع التي ساد الاعتقاد ذات مرة، أن ما سجلوه فيها جانبه الصواب (كما في حالة إنجيل يوحنا)، فإن الاكتشافات التالية لمعلومات جديدة كثيراً ما بينت أن الأناجيل تحتفظ بكتابات يعول عليها لعدد من التفاصيل الجغرافية والاجتماعية الهامة.

أرجعت أصول الأناجيل إلى سياق وقرينة يهودية بعمل اثنين من المفكرين الاسكندنافيين هما: هيرالد ريزنفلد Herold Riesenfeld وتلميذه بريجر جيرهاردسون Birger Gerhardsson. فقد عرض جيرهاردسون الرأي القائل إن تعليم يسوع كان مماثلاً جداً في الشكل لتعليم معلمي اليهود، وفي تحليل مطول لوسائل تعليمهم بين كيف أنهم يبذلون كل جهد للتأكد من أنه قد تم حفظها جيداً أو أنها انتقلت شفاهة إلى أتباعهم.

ويقول جيرهاردسون Gerhardsson إن يسوع تبنى نفس هذه الطرق، وإنه صاغ تعليمه على أساس أن يحفظها تلاميذه عن ظهر قلب حتى يستطيعوا أن يسلموها لأتباعهم بنفس صيغة الاستظهار السهلة هذه. وقيل إن تعليم يسوع سلم بهذه الطريقة “ككلمة مقدسة” في الكنيسة الأولى، وأن الأناجيل ما هي إلا كتابة التقاليد التي تعود إلى يسوع نفسه.

ومع ذلك، لا يتوافر لدينا دليل على أن المسيحيين الأوائل اعتبروا أنفسهم ناقلي التقليد. فقد كانوا كارزي الأخبار السارة، شارحين كيف أن حياة يسوع ورسالته تناسب احتياجات جيلهم. ولدينا الشهادة التي أجمعت عليها الأناجيل، بأن يسوع كان مختلفاً تماماً عن معلمي اليهود. وكان يعلم “كمن له سلطان”[2]، ولم يقم ببساطة بتسليم أقوال محفوظة عن ظهر قلب من مجموعة من التلاميذ إلى مجموعة أخرى.

ومع ذلك، وعلى الرغم من أن ما ادعاه ريزيفلد وجيرهارسون قد يكون مبالغاُ فيه، إلا أنهما قاما بتذكيرنا أن تعليم يسوع أعطي في سياق وقرينة يهودية، وفي ظل هذا فإنه تعليم قائد صاحب سلطان كان يعامل باحترام عظيم. وحتى لو لم يكن التلاميذ الأوائل قد تعلموا تعاليم يسوع بحفظها عن ظهر قلب، فمن المؤكد أنهم كانوا يقدرونها حق قدرها.

وهناك أيضاً دليل كاف على حفظ القصص شفاهة، وبطرق يعتمد عليها على نطاق العالم الهليني كله. لنأخذ مثلاً: حياة أبولونيوس التياني Apollonuis of Tyana، والتي سبق أن ذكرناها في فصل سابق. كان أبولونيوس هذا من معاصري يسوع، مع أنه عمر طويلاً ومات قرب نهاية القرن الأول. ومع ذلك، فإن قصة حياته لم تتم كتابتها حتى بداية القرن الثالث.

ومع أن الكاتب جمع قصص حياته من عدد من المصادر المختلفة، ومع أنه لم يكن كاتب سيرة غير متحيز، فإن عدداً قليلاً جداً من المؤرخين القدامى هم الذين ستتولد لديهم شكوك خطيرة عن الخطوط الرئيسية لقصته. وبالنسبة للأناجيل، فنحن نتعامل مع مصادر كتبت بعد الأحداث التي تتناولها بفترة قصيرة. وبالنسبة لمعظم الناس العاديين سيبدو أمراً سخيفاً أن يفترض أن أحداثاً كهذه لا فائدة منها من ناحية معرفة شيء ما عن يسوع نفسه.

وطبقاً لما يقوله المفكر الألماني يواقيم جرمياس فإن الأناجيل تجعلنا حقاً على اتصال وثيق بيسوع بالشكل الذي كان عليه بالفعل. وقد فحص جيرمياس النواحي اللغوية وقواعدها بحسب ما وردت في الإنجيل، ويقول بأننا نستطيع أن نسمع صوت يسوع الحقيقي فيها.

وبين آونة وآخرى نصادف كلمات آرامية حقيقية، حتى في النص اليوناني للأناجيل. وفي حالات أخرى كثيرة توجد فقرات نجد أن تراكيب لغوية آرامية قد استعملت في كتابة الأناجيل باللغة اليونانية. كما يحدد جيرمياس أيضاً عدداً من طرق الكلام يقول إن يسوع بصفة خاصة كان يستعملها. وكثير من تعليمه تم كتابته في صيغة الشعر الآرامي، ويمكن التعرف على ذلك حتى في الترجمة الإنجليزية.

وفي نقاط أخرى، كما سبق لنا القول، توضح أنه حين تترجم الأقوال المنسوبة إلى يسوع ثانية إلى اللغة الآرامية، فإنها غالباً ما تأخذ صيغة سامية نمطية، بل وتبين أساليب الجناس والسجع، والتي لا يمكن أن تكون لها معنى إلا في اللغة الآرامية فقط، ثم إن هناك الأمثال، والتي تختلف تماماً عن تعليم معلمي اليهود، واستخدام يسوع الخاص لكلمات مثل أبا (في عبارة أبا الآب) وآمين.

ومثل هذه السمات لا تثبت في حد ذاتها أن تقاليد الإنجيل ترجع إلى يسوع. وإذا حددنا كلامنا بدقة نقول إن أقصى ما تستطيع أن تظهره هو أنها ترجع إلى صيغة أمكن بواسطتها أن تحفظ بواسطة المسيحيين الذي كانوا يتكلمون اللغة الآرامية، إلا أننا حين نعود إلى ذلك السياق، فإننا نعود أيضاً إلى فترة تأتي بعد أحداث حياة يسوع، وموته وقيامته بوقت قصير. وفي ذلك الحين لا بد وأنه كان كثيرون من شهود العيان ما يزالون على قيد الحياة لكي يدحضوا أية أقوال تكون قد جاءت من محض الخيال.

وعلى هذا، فإن هذه الأحداث تؤيد صحة روايات الإنجيل عن تعليم يسوع، وجيرمياس على سبيل المثال لم يكن يساوره شك في أنها تضع عبء الإثبات على عاتق هؤلاء الذين يشككون في صحتها. في التقليد الخاص بالأناجيل المتشابهة، يكون المطلوب هو إثبات عدم صحة أقوال يسوع وليس صحتها.

وثمة اعتبار آخر يعطينا ثقة في قبول الأناجيل على أنها بصفة عامة سجلات صحيحة عن حياة يسوع وتعليمه، يتمثل في حقيقة أنها مختلفة عما نعرفه عن حياة واهتمامات الكنائس الأولى غير اليهودية. ومن الخطأ تصور أنه بالنظر إلى أن الأناجيل قد كتبت لخدمة احتياجات الكنائس، فهي لا تزيد عن كونها مرآة تعكس حياة الكنيسة الأولى. فبقية العهد الجديد تبين أنه كانت للكنيسة احتياجات لم تظهر – ولو من بعيد – في الأناجيل.

فمثلاً، لا يوجد تعليم حقيقي عن الكنيسة نفسها في الأناجيل. فهناك ثغرة واضحة للغاية حتى إننا نجد لزاماً علينا أن نسأل في أصحاح من الأصحاحات الأولى ما إذا كان يسوع مهتماً على الإطلاق بتأسيس الكنيسة. ولقد قيل في هذا الخصوص إن ظهور الكنيسة لم يكن بأي حال متعارضاً مع تعليم يسوع، غير أننا لا زلنا في حاجة إلى الاعتراف أنه لا يوجد في الواقع أي إرشاد محدد بالنسبة لهذا الموضوع في الأناجيل.

وحتى المعمودية، والتي سرعان ما أصبحت طقساً لدخول الشركة المسيحية، لم يذكرها يسوع مطلقاً باستثناء حالة واحة بعينها[3]. ويسوع نفسه لم يعمد أحداً، بل ولم يتخذ من المعمودية جزءًا رئيسياً من تعليمه. ومع ذلك فإن هذا كان موضوعاً له أهميته البالغة بالنسبة للكنيسة الأولى. وإذا كانوا حقاً قد دأبوا على اختلاق أقوال ليسوع لمواجهة احتياجاتهم، فمن المؤكد أنهم فقدوا هنا فرصة هامة.

ونجد نفس الافتقار إلى توجيه صريح بالنسبة لموضوعات هامة أخرى. فعلى سبيل المثال، نجد أن موضوع اليهود وغير اليهود لم تتعرض له الأناجيل في واقع الأمر، على الرغم من معرفتنا من بقية العهد الجديد الذي سرعان ما أصبح أحد الموضوعات الهامة على الإطلاق.

وفي مواضيع أخرى، نجد أن الأناجيل تشدد على أمر يختلف تماماً عما يشدد عليه بقية العهد الجديد. فمصطلح “ابن الإنسان” على سبيل المثال، أكثر الأسماء المستعلمة بالنسبة ليسوع في الأناجيل، لكنه بالكاد يظهر في أي موضع آخر. وهكذا أيضاً مصطلح “ملكوت الله” الذي كان يشكل جوهر تعليم يسوع، بالكاد نجد له ذكراً في بقية العهد الجديد.

والحقيقة هي أنه إذا حاولنا أن نعيد تركيب وضع حياة الكنيسة في الأناجيل، فلن نصل إطلاقاً إلى نوعية الصورة التي نعرف أنها حقيقية من رسائل العهد الجديد. لأنه توجد سمات عديدة جداً في قصص الإنجيل عن يسوع تختلف اختلافاً بيناً عن حياة واهتمامات الكنيسة الأولى.

وعلى هدى حقائق كهذه، يبدو من المعقول أن نستنتج أن هناك أسباباً قوية لافتراض أن الأناجيل تحتفظ بذكريات صادقة عن يسوع بالشكل الذي كان عليه فعلاً. وبالطابع كله الذي تقدمه صورتهم ليسوع جاء على نحو نحتاج معه إلى حجج قوية ومنطقية لنبين أنهم كانوا مخطئين بصفة جوهرية.

وهذا الافتراض لا يعني بالطبع أنه يمكننا أن نتبنى موقفاً ساذجاً لا يتفق مع قواعد النقد النزيه. ولم يكن الإنجيليون مجرد مسجلين للتقليد، بل كانوا مفسرين للحقائق التي سلمت لهم، ونحن في حاجة إلى أن نفحص عملهم بحرص لنتفهم الطبيعة الصحيحة لما كانوا يعملونه.

إلا أنه مما يعطينا ثقة بالفعل هو اعتقادنا أن التقليد الذي فسروه لقرائهم الأوائل كان تقليداً أصيلاً، وأنهم بصفة عامة حفظوا لنا قصة عن حياة يسوع وتعليمه. أما من ناحية ما إذا كانوا قد فعلوا هذا في أمثلة معينة، فهذا ما يجب بالطبع تحديده عن طريق فحص أجزاء معينة من عملهم من الناحيتين الأدبية والتاريخية.

 

الإعلان الإلهي والتاريخ

على ضوء كثير من الأسباب التي حملتنا على افتراض أصالة الأناجيل كسجلات لتعليم يسوع، فقد تأخذنا الدهشة تماماً أن مفكرين كثيرين جداً قد اتخذوا موقفاً سلبياً تجاهها, وثمة سبب جوهري لهذا من المؤكد أن نجده ليس في تناولهم للأناجيل ذاتها من الناحيتين التاريخية والأدبية، بقدر ما نجده في فهمهم الكلي لموضوع الإعلان الإلهي بجملته ومعرفة الله.

وحتى نفهم هذا، نحن في حاجة للرجوع إلى ما كتبه فريدريك شيلرميكر Friedrich Shleiemacher (1768-1834) والذي يطلق عليه “أبو الفكر اللاهوتي الحديث”. وفي محاولته مواجهة حركة التنوير الأوروبية، قال شيلرميكر إنه إذا كان للاعتقاد الديني أن يحتفظ بأية مصداقية بالنسبة للشعوب الغربية في العصر الحديث، فلسوف يتطلب الأمر أن يبعد تماماً عن نطاق البحث العقلاني. لأن العلم التاريخي في أيامنا هذه متشكك تماماً في كل ما يتعلق بفكرة أن الله يستطيع أن يجعل نفسه معروفاً في التاريخ من خلال نوعية الأحداث التي سجلها الكتاب المقدس.

ولذلك استهدف شيلرميكر إنقاذ المعتقد الديني مما شعر بأنه سيكون سبب خنقه لا محالة في جو التشكك هذا. وقد نادى بأن جوهر الإيمان مختلف بالكلية عن جوهر النواحي الأخلاقية التي توجه الجانب العملي في الحياة، أو العلم الذي يهتم بعمليات التفكير العقلاني، وقال إن الإيمان هو شعور خالص، وهذا معناه أن الاعتقاد الديني الذي يمكن أن يكون صحيحاً يجب أن يكون بمعزل عن أي شيء يمكن تفسيره علمياً.

وقام مفكرون في وقت لاحق بتحدي هذه الفكرة وتعديلها في نقاط كثيرة إلا أن تمييز شيلرميكر بوجه عام بين الديانة والأدلة العقلية كان أمراً حاسماً للتطور اللاحق في الفكر اللاهوتي في كثير من أنحاء العالم الغربي. وفي دراسة الأناجيل تم التعبير عن ذلك بقبول مبدأين أساسيين يسيطران على تفكير الكثيرين من المفكرين.

ç إعلان الله والتاريخ: يوجد لاهوتيون كثيرون وخاصة أولئك الذين هم على شاكلة بولتمان، ممن يتبنون التقليد اللوثري، يعتقدون أن الكون هو نظام مغلق، يعمل على أساس “نواميس طبيعية” صارمة لا يمكن كسرها. وهذا الاعتقاد إذا وصل إلى نتيجته المنطقية، فمعناه أنه من المستحيل أن توفق أي نوع من الأحداث المعجزية أو الفريدة في مفهومنا عن التاريخ. وإذا كانت أعمال العلم يمكن التنبؤ بها كلها، فهنا وبالتحديد، لا يمكن وقوع ما لا يمكن التنبؤ به.

ولذا فإنه بناء على هذا الرأي فلا مفر أن ينظر إلى الأناجيل على أنها شيء غير التاريخ، لأنها تتضمن بالفعل قصصاً عن عدد من الأحداث الفريدة التي يبدو أنها انتهكت “نواميس الطبيعة” كما هي معروفة لدينا.

وهناك حجج عديدة يمكن طرحها ضد مثل هذه النوعية من الآراء المتعلقة بالعالم وأحداثه، ويمكن القول إن هذا أمر عفا عليه الزمن. ومن المثير أن نلاحظ أنه عند هذه النقطة، نجد أن افتراضات بعض الفلاسفة واللاهوتيين أقل مرونة من آراء كثيرين من علماء العصر الحاضر. وعلى سبيل المثال فإن الاكتشافات التي توصل إليها علماء الطبيعيات في القرن العشرين، أوضحت في نقاط كثيرة مدى غموض المفهوم الذي ينظر إلى الكون على أنه نظام مغلق، وهناك علماء كثيرون يدركون الآن أن أعماله تتضمن أكثر من مجرد عملية آلية لقوانين العلة والمعلول.

ثم أنه، من وجهة نظر أخرى، فالاعتقاد بأن الكون نظام مفلق يمكن بسهولة أن يصبح وسيلة لتفادي الحاجة إلى اتخاذ الدليل الفعلي المستمد من التاريخ بمأخذ الجد. فإذا سمحنا لأنفسنا أن نتأمل المضامين الكاملة لروايات الإنجيل، أو في الواقع، في التاريخ ككل، علينا من حيث المبدأ أن نكون مستعدين أن نعمل في ظل تحديد أرحب للتاريخ والحقيقة أكثر مما يسمح به كثيرون من لاهوتي العصر الحديث. فالقول بأن الأحداث الاستثنائية لا يمكن أن تقع، أو أنه لا يوجد ما هو خارق للطبيعة، لا يعد إجابة من أي نوع للأسئلة التي طرحها التاريخ. فهذا معناه الاحتياج لأسئلة أكبر وأكثر أهمية.

ç الحقائق والإيمان: وهناك افتراض آخر كثيراً ما يطرحه اللاهوتيون وهو أنه ليس ثمة ارتباط بين الحقائق والإيمان، وأن العقيدة الدينية لا يمكن أن تقوم على حقائق التاريخ. وثمة مشكلة تواجه المسيحية عند هذه النقطة… لأنه أياً كان ما نقوله عن الإيمان المسيحي، فإنه بشكل ما مرتبط بيسوع الذي عاش ومات في القرن الأول في فلسطين. ولذلك، فإنه من جانب، لا بد أن يكون إيماناً “تاريخياً” ولكن ما الذي نعنيه حين نقول هذا؟

حين نتحدث عن “التاريخ” أو “الأحداث التاريخية”، فمن الممكن أن نعني أمرين: فمن ناحية، “التاريخ” يمكن أن يعني “الماضي”. فهو ما وقع في مناسبة معينة. وهو ما يمكن أن نكون قد رأيناه بعيوننا وسمعناه بآذاننا لو كنا نحن هناك. وهذه هي نوعية “التاريخ” الذي كان العقلانيون في القرن التاسع عشر يحاولون اكتشافه في بحثهم عن يسوع التاريخي، إلا أنه بوسعنا أيضاً أن نستخدم كلمة “تاريخ” لنعني بها الإشارة إلى الماضي، ما يمكن أن يطلق عليه “تاريخ – كقصة” وليس “تاريخاً – كحقيقة”.

ففي إحدى الحالتين نحن نتعامل مع الأمور الفعلية التي حدثت، وليس شيئاً آخر. وفي الحالة الأخرى، نتأمل الأحداث في نطاقها الصحيح وفي ضوء مغزاها الأساسي بالنسبة لوجودنا.

تمسك عدد من اللاهوتيين الألمان بهذا الفرق التقني، كوسيلة للفصل بين يسوع الذي هو موضوع الإيمان المسيحي (الرب المقام) عن يسوع التاريخي. وقد استعملوا كلمتين ألمانيتين مختلفتين لوصف نوعيتي التاريخ. فاستخدموا كلمة “Historie” للإشارة إلى “التاريخ كحقيقة” وكلمة “Geschichte” للإشارة إلى “التاريخ كقصة”. ويقولون إن النوع الثاني هو الذي يهم الإيمان المسيحي حقاً. إن مغزى التاريخ من ناحية تأثيره فينا هو الذي يهم، وليس التاريخ نفسه. وهذا معناه أن معرفة يسوع نفسه كشخص تاريخي لا علاقة له بالإيمان.

وهذه النوعية من التأكيد لا تكفي إطلاقاً، سواء كقول عن الفكر اللاهوتي بصفة عامة، أو كتصريح عن قصص الإنجيل التي تتناول حياة يسوع وتعليمه. والفرق الحاج الذي اصطنع بين التاريخ كحقيقة، والتاريخ كقصة، قام على أساس سوء فهم للطبيعة الأصلية للتاريخ كحقيقة، والتاريخ كقصة. لأن الناحيتين مرتبطان بعضهما ببعض برباط وثيق للغاية، ومن المستحيل أن نفكر في أحدهما دون أن نفترض الآخر أيضاً.

وما من أحد يكتب إطلاقاً التاريخ كقصة ما لم يكن مقتنعاً بأن شيئاً ما قد حدث فعلاً وله من الأهمية ما يكفي لأن يستحق الكتابة عنه. وعلى مثال ذلك، بمقدورنا الوصول إلى “ما حدث فعلاً” من خلال القصص والسجلات التي تتحدث عن ذلك في سياقها وفي مغزاها الشامل دون الحاجة إلى أي شيء آخر.

ولذلك فإنه من الناحية المنطقية فإنه لا مفر من أنه حين نتحدث عن “التاريخ”، سواء بصفة عامة أو في علاقته بالعهد الجديد، فإنه يتعين علينا أن نضمن شيئاً من كلا المعنيين. ثم إنه من المرغوب تماماً أن نفعل ذلك أيضاً. وإذا حصرنا انتباهنا في معنى التاريخ فلسوف نكون في موقف مشكوك فيه تماماً، لأنه إذا لم يقع حدث ما فعلاً، فأي تفسير نقيمه على أساسه لا بد وأن يكون بعيداً تماماً عن أي معنى.

وعلى سبيل المثال، سيكون من الحماقة أن أقنع نفسي أن يسوع مات من أجل خطيئتي، إذا لم يكن – كحقيقة تاريخية – قد مات على الإطلاق. وإذا ما قلت إن الإيمان مهم، والحقائق ليست هامة فلسوف تكون ساذجاً. فذلك يقودك بعيداً عن الموضوعية، ويشكل عقيدة دينية وهمية غير منطقية.

وكتبة العهد الجديد لم يكونوا يجهلون هذه الأسئلة، وقد قدموا إجاباتهم عليها. وفي قصة بولس الهامة عن قيامة يسوع ومغزاها، أكد وبقوة على أهمية الحقائق كعنصر لا غنى عنه في إيمانه المسيحي. وعلى الرغم من أنه هو نفسه أصبح مسيحياً نتيجة لقاء مباشر بالمسيح المقام، إلا أنه يضع فكره اللاهوتي بثبات وقوة في سياق حدث تاريخي اعتقد أنه يمكن إثباته بالطريقة العادية بواسطة تقارير الشهود. ولم يتردد إطلاقاً في القول إنه إذا كان الشهود على خطأ، وأنه “إن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم….”[4].

والقصص المختلفة للكرازة المسيحية الأولى تؤكد أيضاً أن التاريخ مهم، والكثير من الكرازة “Kerygma” كما وصفها “دود Dodd” ما هي إلا سرد لحقائق عن يسوع. فالمسيح الذي يقابلنا في العهد الجديد، وكشخص سام في الأناجيل، ليس شبحاً أو خيالاً ليس له أهمية إلا في مغزاه. فهو شخص حقيقي يمكن أن يناسب عالمنا لأنه عاش بالفعل فيه.

لكن الأخبار السارة لا تتطلب منا أن نصبح مؤرخين قدامى لكي نكون مسيحيين. والحقائق تتطلب منا أن نعمل، وأن نمارس الإيمان. وإذ كان يسوع قد قام من الأموات، فعلينا أن نواجه المضامين المترتبة على ذلك، الحاجة إلى الخضوع إلى الرب المقام ومتطلباته بالنسبة لحياتنا. ولكن هذا يؤكد لنا أيضاً أن كلاً من متطلباته ومواعيده معقولة وعادلة وحقيقية لأنه يمكن تبريرها من أحداث التاريخ.

وأخيراً نقول، إن يسوع التاريخي لا يمكن إلا أن يكون يسوع الذي آمنت به الكنيسة، لأنه في أحداث حياة وموت وقيامة هذا الشخص، كان الله يعمل، ويكشف لنا عن طبيعته، مصالحاً العالم لنفسه.

أقوال ليسوع خارج العهد الجديد

وفي مواضع مختلفة من هذا الكتاب أشرنا إلى تقاليد عن حياة يسوع وتعليمه مما لا توجد في العهد الجديد. وثمة عدد من “الأناجيل” التي كتبت في القرن الثاني تزعم أنها تتحدث عن طفولة يسوع المبكرة. ثم ذكرنا أيضاً مجموعات من أقوال يسوع، مثل “إنجيل توما”. وهناك عدد كبير من هذه التقاليد التي تتحدث عن حياة يسوع معروفة لنا.

هذه المصادر ليست الوحيدة التي تحتوي على معلومات عن يسوع لا نجدها في أناجيل العهد الجديد. وبعض آباء الكنيسة يحتفظون بعدد قليل من القصاصات عن تعليم يقولون إن أول ما أعطاه هو الرب يسوع، وبالطبع نجد أحياناً في أجزاء أخرى من العهد الجديد نفسه إشارات إلى أقوال ليسوع لا توجد في الأناجيل. فعلى سبيل المثال، نجد أن بولس في ختام رسالته إلى شيوخ كنيسة أفسس يلخص ما قاله على أنه كلمات يسوع الذي قال “مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ”[5]. ومع ذلك لا توجد أقوال ليسوع كهذه مسجلة في أي موضع آخر في الأناجيل.

والمادة المحفوظة في مصادر القرن الثاني هي من طابع مختلف بشكل ملحوظ. والكثير منها، ولا سيما في قصص الطفولة، من الواضح أنها من الأساطير. وقد كتبت لتسد الثغرة التي تركتها أناجيل العهد الجديد، لأنها لم تذكر لنا شيئاً على الإطلاق عن طفولة يسوع. وكثير من قصص أناجيل الطفولة الأبوكريفية بعيدة عن الحقيقة، ولا هدف لها، ولا يحتاج الأمر إلا إلى قراءتها حتى ندرك أنها من طابع مختلفة تماماً عن قصص العهد الجديد التي يرويها عن يسوع.

ومع ذلك ثارت أسئلة أخرى حول مجموعات أقوال يسوع التي وجدت في مصادر مثل إنجيلي فيلبس وتوما، أو البرديات العديدة التي اكتشفت في البهنسا في صعيد مصر. ومعظم هذه المستندات كتبت لأغراض دينوية، وكثير منها جاء من المجموعات الغنوصية المختلفة التي كانت منتشرة في القرن الثاني، وبعده.

و”إنجيل توما” في صيغته الحالية تم وضعه لدعم حياة المجموعات السرية في الكنيسة. والعلماء غير متأكدين ما إذا كانت هذه جماعة غنوصية، أو نوعية أخرى من الجماعات المرتبطة بالمسيحية اليهودية، ولكنهم متفقون من ناحية اعتباره مصدراً أنتج لتأييد معتقدات شيعة معينة. وكثيراً من أقواله أخذت من العهد الجديد والبعض الآخر ربما أخذت مباشرة من مصدر غنوصي آخر.

إلا إنه إلى جانب هذا توجد أيضاً أقوال أخرى يبدو أنها من مصدر مستقل. فعلى سبيل المثال، القول 82 من إنجيل توما جاء به “قال يسوع: ذاك الذي بالقرب مني هو قريب من الإلهام، ذاك الذي هو بعيد عني هو بعيد عن الملكوت”. وهذا القول بالذات كان معروفاً لأب الكنيسة أوريجانوس (185-245م)، وربما تكون هناك إشارات إليه في كتابات بعض المسيحيين الأوائل الآخرين. ومن المؤكد أنه من سمات نوعية أقوال يسوع المسجلة في العهد الجديد، وعلاوة على ذلك، فإنه يتسم بصيغة الشعر الآرامي، والتي هي أيضاً سمة منتظمة من سمات تعليم يسوع في الأناجيل الأربعة.

ويوجد عدد من أقوال كهذه نجدها في كتابات الكنيسة الأولى. فهي لا تتضمن أي تعليم لعقيدة طائفية، وحين تتفق بشكل عام مع تعاليم يسوع الواردة في العهد الجديد، فلا يبدو أنه لا يوجد سبب للشك في أنها تعود إلى تقاليد صحيحة عن يسوع. أما إذا كانت على نفس المثال الذي أوردناه، تحمل صيغة الشعر السامي، فإن هذا يعد دلالة أخرى على طابعها البدائي. وفي كتابه “أقوال غير معروفة ليسوع” عزل البروفسور جيرمياس عدداً من هذه القصص التي تحوي تعليماً، وعدداً قليلاً من القصص التي قيلت عن يسوع، والتي يعتقد أنها قد تكون ذكريات حقيقية عن حياة يسوع نفسه.

ولا شك أن البعض منها يحمل علامات صحته. وحقيقة أن هذه المعلومات حفظت خارج العهد الجديد لا يجب أن تدهشنا. فكاتب إنجيل يوحنا يشير إلى قصص كثيرة عن حياة يسوع وتعاليمه كانت معروفة له، ولكنه لم يستخدمها في إنجيله. ولكن بوسعنا أن نكون على ثقة من أنها لن تكون معروفة على الإطلاق بالنسبة للكنيسة. ولا شك أنه تم تذكرها، وتم تكرارها، وربما انتهى الأمر ببعض منها إلى أن سجل في السجلات المختلفة السابق ذكرها هنا.

إلا أنه من الأهمية أن نلاحظ أنه بالمقارنة مع العدد الكبير من التقاليد الأبوكريفية عن يسوع، فإن نسبة ضئيلة فقط، هي التي يمكن وعن حياء الادعاء بصحتها. أما الأغلبية الساحقة من المادة لا قيمة لها على الإطلاق كمصدر تاريخي للمعرفة عن يسوع. وليس من شك أن البروفسور جيرمياس كان محقاً حين يعلق قائلاً: القيمة الحقيقية للتقليد الموجود خارج الأناجيل تتمثل في أنه يلقى الضوء على القيمة الحقيقية للأناجيل القانونية نفسها.

وإذا كنا نود أن نتعلم عن حياة يسوع ورسالته، فإننا “لن” نجد ما نبتغيه إلا في الأناجيل الأربعة القانونية. أما الأقوال الربانية المفقودة، فقد تدعم معرفتنا المشتتة هنا وهناك في بعض الأمور الهامة، ولكنها لا تستطيع أكثر من ذلك.

 

[1] متى 6: 9-13؛ لوقا 11: 2-4.

[2] مرقص 1: 22.

[3] متى 28: 19.

[4] 1كورنثوس 15: 17.

[5] أعمال 20: 35.

كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

“العلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى”

“ألبرت أينشتاين” Albert Einstein

 

حقائق “مزعجة”

كان العام 1916 ولم يكن “ألبرت أينشتاين” Albert Einstein  سعيداً بما قادته إليه حساباته. لأنه إن كانت نظريته في النسبية العامة General Relativity  صحيحية، فهي تعني أن الكون ليس أزليًا بل له بداية. وكانت حسابات “أينشتاين” تكشف فعليًا بداية محددة للزمن كله، وللمادة كلها، وللفضاء كله. وهو ما ضرب بعرض الحائط اعتقاده في استاتيكية (أي ثبات) الكون وأزليته.

وقد وصف “أينشتاين” اكتشافه فيما بعد بالاكتشاف “المزعج”، لأنه أراد للكون أن يكون ذاتي الوجود – لا يعتمد على أي مسبب خارجي – ولكن ظهر أن الكون هو أثر عملاق. والحقيقة أن “أينشتاين” ضاق جدًا بتداعيات النسبية العامة، وهى نظرية ثبتت دقتها بدرجة لخمسة أرقام عشرية (واحد من مائة الف)، حتى إنه أدخل ثابتًا كونيًا (أطلق عليه البعض من ذلك الحين “مُعامِل التصحيح” “fudge factor”) في معادلاته ليبيَن أن الكون استاتيكيًا

 وليتجنب فكرة البداية المحددة.

إلا أن معامل تصحيح “أينشتاين” لم يصحِّح طويلاً. ففي عام 1919 أجرى عالم الكون البريطاني “آرثر إدينتون” Arthur Eddington تجربة أثناء كسوف شمسي أكدت فعليًا صحة النسبية العامة، فالكون ليس استاتيكيًا بل له بداية. ولم يسعد “إدينتون” كما لم يسعد “أينشتاين” بالتداعيات. فقد كتب فيما بعد: “من الناحية الفلسفية، أرى أن وجود بداية لنظام الطبيعة الحالي فكرة مُنَفِّرة لي شخصيًا… أتمنى أن أعثر على ثغرة حقيقية”!

وفي سنة 1922 أثبت عالم الرياضيات الروسي “ألكسندر فريدمَن” Alexander Friedman  رسميًا أن معامل تصحيح “أينشتاين” خاطىء وفقًا لقواعد علم الجبر. (الغريب أن “أينشتاين” بكل نبوغه، في محاولاته للهروب من البداية’ قَسَمَ على صفر، وهو ما يعرف حتى تلاميذ المدارس أنه لا يجوز مطلقًا!) وفي الوقت نفسه اكتشف عالِم الفَلَك الهولندي “فيلِم دي سيتَر” Willem de Sitter  أن النسبية العامة تستلزم تمدد الكون. وسنة 1927 لاحظ عالم الفلك “إدوين هَبِل” Edwin Hubble  (الذي سُمِّي التلسكوب الفلكي “هَبِل” باسمه) تمدُّد الكون فعليًا.

فعندما نظر “هَبِل” من التلسكوب البالغ قطره 254 سنتيمترًا الكائن في “مرصد ماونت ويلسون” Mount Wilson Observatory بولاية كاليفورنيا، اكتشف “انزياحًا نحو الأحمر” “red shifty”  في الضوء في كل المجرات التي يمكن ملاحظتها، مما يعني أن تلك المجرات تتحرك بعيدًا عنا. أي أن النسبية العامة تأكَّدت مرة أخرى، ويبدو أن الكون يتمدد من نقطة معينة في الماضي السحيق.[1]

وسنة 1929 شدَّ “أينشتاين” الرِّحال إلى “ماونت ويلسون” لينظر في تلسكوب “هَبِل” بنفسه. وما رآه كان شيئًا لا يقبل الجدل. فالدليل المبني على الملاحظة بيَّن أن الكون يتمدَّد فعلاً كما تنبأَّتْ النسبية العامة.

والآن بعد أن انسحق ثابته الكون نهائيًا تحت وطأة الدليل المضاد، لم يتمكن “اينشتاين” منذ تلك اللحظة أن يدعم أمله في أزلية الكون. ومن ثم، وَصَفَ الثابت الكوني بأنه “أكبر خطأ محرج في حياتي”، وأعاد توجيه جهوده نحو العثور على سطح علبة لغز الحياة. وقال “أينشتاين” إني أريد “أن أعرف كيف خَلَقَ الله العالم. ولا تهمني هذه الظاهرة أو تلك، ولستُ مهتمًا بمدى هذا العنصر أو ذاك. ولكني أريد أن أعرف فِكرَه، أما الباقي تفاصيل”.

ورغم أن “أينشتاين” قال إنه يؤمن بوحدة الوجود (الله والكون واحد)، فتعليقاته التي يعترف فيها بالخلق والفكر الإلهي هي أقرب للإيمان بالإله الخالق الحافظ. ورغم ما تسببه نظريته في النسبية العامة من “إزعاج”، فهي تقف اليوم بوصفها من أقوى الأدلة على وجود إله خالق حافظ. والحقيقة أن النسبية العامة تؤيد واحدة من أقدم الحجج الرسمية على وجود الإله الخالق الحافظ، ألا وهي الحجة الكونية.

الحجة الكونية: بدايةُ نهايةِ الإلحاد

لا تخف من هذا الاسم الاصطلاحي: فكلمة “كوني” “cosmological” مشتقة من الكلمة اليونانية cosmos التي تعني “العالم” أو “الكون”. أي أن الحجة الكونية Argument  Cosmological  هي الحجة المبنية على بداية الكون. فإن كان للكون بداية، إذَن للكون مسبب. وفي القالب المنطقي تظهر الحجة هكذا:

  • كل ما لديه بداية له مسبِّب.
  • الكون له بداية.
  • إذَن الكون له مسبَّب.

وكما بينَّنا في الفصل السابق، لكي تكون الحجة صحيحة، لا بد أن تكون مقبولة منطقيًا، ولا بد أن تكون فرضياتها صحيحة. هذه الحجة مقبولة منطقيًا، ولكن هل المقدمات صحيحة؟ فلنلقِ نظرة على فرضياتها.

فرضية 1: كل ما له بداية له مسبَّب. هذا هو قانون السببية الذي يمثِّل المبدأ الأساسي للعلم. فلولا قانون السببية، لكان العلم مستحيلاً. وقد قال “فرانسيس بيكون” Francis Bacon (أبو العلم الحديث): ” المعرفة الحقيقية هي معرفة المسبِّبات. أي أن العلم هو بحث عن المسببات. وهذا ما يفعله العلماء؛ يحاولون أن يكتشفوا مسببات الأشياء.

وإن كنا قد لاحظنا أي شيء عن الكون، فما لاحظناه هو أن الأشياء لا تحدث بلا مسبب. فعندما يقود رَجُل سيارته في الطريق لا يمكن أن تظهر أمامه سيارة من مكان لا وجود له، بلا سائق، أو بلا مسبب. صحيح نحن نعلم أن الكثيرين من رجال الشرطة يسمعون ذلك، ولكنه ليس صحيحًا. فدائمًا ما يكون هناك سائق أو أي مسبب آخر وراء تلك السيارة التي ظهرت.

وحتى المتشكك العظيم “ديفيد هيوم” لم يقدر أن يذكر قانون السببية. وقد كتب: “لم أؤكد مطلقًا هذه الفرضية شديدة السخافة: أن شيئًا يمكن أن يحدث دون مسبب”.

والحقيقة أن إنكار قانون السببية يعني إنكار العقلانية، لأن عملية التفكير العقلاني نفسها تتطلب منا أن نجمع معًا الأفكار (المسببات) التي تؤدي إلى النتائج (الآثار). فإن قال لك أحد إنه لا يؤمن بقانون السببية، تسأله: “ما السبب الذي وصل بك إلى هذه النتيجة؟”

وبما أن قانون السببية ثابت ومؤكَّد ولا يمكن إنكاره، إذَن الفرضية رقم 1 صحيحة. ماذا عن الفرضية رقم 2؟ هل للكون بداية؟ إن لم يكن كذلك، إذَن لا حاجة لمسبِّب. ولكن إن كان كذلك، إذَن لا بد أن يكون للكون مسبب.

حتى زمن “أينشتاين” تقريبًا، كان الملحدون مستكينين للاعتقاد بأن الكون أزلي، ومن ثم لا يحتاج لمسبب. ولكن منذ ذلك الحين، اكتُشِفَت خمسة فروع من الأدلة العلمية تُثْبِت بما لا يقبل الشك المنطقي أن الكون له بداية بالفعل. وتلك البداية هي ما يُطلِق عليه العلماء حاليًا “الانفجار الكبير”  “The Big Bang”. وأدلة الأنفجار الكبير يمكن تذكرها بسهولة بكلمة SURGE.[2]

في البدء كان الإنفجار الكبير

كل عدة سنوات أو نحو ذلك، تنشر كبرى المجلات الإخبارية، مثل مجلة “تايم” “Time”  ومجلة “نيوزويك” “Newsweek”  وغيرهما، موضوع غلاف عن أصل الكون ومصيره. ومن الأسئلة التي تبحثها هذه المقالات: “متى بدأ الكون؟” “ومتى سينتهي؟” ولكن فكرة أن الكون له بداية وأنه سيموت في النهاية لا تُطرح للمناقشة في هذه الموضوعات. لماذا؟ لأن العلماء اليوم يعلمون أنه لا بد من وجود بداية ونهاية للكون بناءً على واحد من أكثر القوانين الطبيعية المؤكَّدة ألا وهو القانون الثاني في الديناميكا الحرارية.

القانون الثاني في الديناميكا الحرارية (S)

القانون الثاني في الديناميكا الحرارية Second Law of Thermodynamics هو ما سنشير إليه بحرف S في كلمة SURGE. والديناميكا الحرارية هي العلم الذي يدرس المادة والطاقة، ومن الأشياء التي ينص عليها القانون الثاني أن الكون يفقد الطاقة القابلة للاستخدام. فكل لحظة يتناقص مقدار الطاقة القابلة للاستخدام في الكون، مما يؤدي بالعلماء إلى النتيجة الواضحة من أنه يومًا ما كل الطاقة ستنفذ والكون سيموت. فالكون مثل السيارة المنطلقة على الطريق، لا بد أن تفرغ من البنزين.

تقول: “وَلَوْ! كيف يُثْبِت ذلك بداية الكون؟” لتنظر إلى الأمر هكذا: القانون الأول في الديناميكا الحرارية يقول إن أجمالي كمية الطاقة في الكون ثابت.[3] أي أن الكون لا يملك إلا مقدارًا محددًا من الطاقة (مثل سيارتك التي لا تملك إلا مقدارًا محدودًا من الوقود). والآن، إن كانت سيارتك بها مقدار محدود من الوقود (القانون الأول)، وكلما تسير تستهلك الوقود باستمرار (القانون الثاني)، فهل يمكن لسيارتك أن تتحرك الآن لو كنت قد أدرتها منذ الأزل؟ لا، بالطبع لا.

كان وقودها سينتهي. وهكذا لو كان الكون يعمل منذ الأزل، لكان الآن قد فقد كل طاقته. ولكنه مازال يعمل. إذَن لا بد أنه بدأ في وقت ما في الماضي المحدود. أي أن الكون ليس أزليًا، ولكن له بداية.

يمكنك أيضًا أن تتخيل الكون مثل كشاف كهربائي. إن تركت الكشاف الكهربائي مضاء طوال الليل، فكيف ستكون قوة الضوء في الصباح؟ سيكون خافتًا لأن البطاريات استهلكت معظم طاقتها. إن الكون مثل كشاف كهربائي يخفت ضوءه. وهو لا يملك إلا قدرًا محدَّدًا من الطاقة المتبقية المتاحة للاستهلاك. ولكن بما أن بطارية الكون مازال فيها قدر من الطاقة (لم تَمُتْ تمامًا)، إذَن يستحيل أن يكون أزليًا. بل لابد أن له بداية لأنه لو كان أزليًا لكانت البطارية قد فرغت تمامًا من الطاقة.

ويُعرف القانون الثاني أيضًا باسم قانون الإنثروبي Law of Entropy وهو عبارة عن طريقة معقَّدة للتعبير عن ميل الطبيعة لإشاعة حالة من الفوضى. أي أن الأشياء تتهالك بمرور الزمن. فسيارتك تتهالك، وبيتك يتهالك، وجسمك يتهالك. (الحقيقة أن القانون الثاني هو السبب في أننا عندما نشيخ نمشي على ثلاثة بعد أن كنا نمشي على اثنتين!) ولكن إن كان النظام يقل في الكون، فمِن أين أتى النظام الأصلي؟ عالم الفلك “روبرت جاسترو” Robert Jastrow يُشَبِّه الكون بساعة تُدار يدويًا. إن كانت هذه الساعة تعمل، لا بد أن شخصًا أدارها.

وهذا الجانب أيضًا في القانون الثاني يعَرِّفنا أن الكون له بداية. فبما أنه ما زال شيء من النظام متبقيًا عندنا، تمامًا كما أنه عندنا قدر من الطاقة القابلة للاستخدام، إذَن لا يمكن أن يكون الكون أزليًا، لأنه إن كان كذلك لكُّنا الآن قد وصلنا إلى فوضى كاملة (إنتروبي).

منذ عدة سنوات، دعاني (“أنا نورم”) أحد الطلاب الذين يشاركون في خدمة مسيحية في إحدى جامعات رابطة أيفي ليج Ivy League لأتحدث هناك عن موضوع مشابه. وفي المحاضرة التي قدمتها للطلاب كان موضوعي الأساسي ما كتبناه هنا، ولكن بمزيد من التفاصيل الكثيرة. وبعد المحاضرة طلب مني الطالب الذي دعاني أن أتناول الغداء معه ومع الأستاذ الذي يُدَرِّسه الفيزياء.

وعندما جلسنا للأكل، أوضح الأستاذ أنه متشكك في حجتي التي مفادها أن القانون الثاني يستلزم بداية للكون. وقال إنه يؤمن بالفلسفة المادية التي تقول إنه لا يوجد إلا المادة، وإنها موجودة منذ الأزل.

فسألته: “إن كانت المادة أزلية، فماذا تفعل بالقانون الثاني؟”

أجاب: “لكل قاعدة استثناء. وهذا هو استثنائي”.

كان يمكنني أن أسأله إن كان هذا الافتراض علميًا. فهذا الكلام ليس علميًا، بل قد يكون متناقضًا ويفند نفسه. فهو يفند نفسه إن سالت: “هل القاعدة التي تقول “لكل قاعدة استثناء” لها استثناءات؟” إن كان لها إي استثناء، فقد يكون القانون الثاني استثناء من القانون الذي يقول إن كل قاعدة لها استثناءات.

ولكني لم أتخذ هذا النهج لأني لم أُرِدْ أن أحرجه. ولكني وضعت القانون الثاني جانبًا بشكل مؤقت وقررت أن أسأله عن المادية.

فسالته: “إن كانت كل الأشياء مادية، إذَن ما هي النظرية العلمية؟ فمهما كان، النظريات عن كل الأشياء المادية ليست مادية، فالنظرية لا تتكون من جزيئات”.

ودون أن يتردد لحظة واحدة، أجاب بِرَدّ عبقري قائلاً: “النظرية سِحْر”.

فكررت ما قال لأني لم أصدق أذني: “سحر؟ على أي أساس تقول ذلك؟”

فأجاب مسرعًا: “الإيمان”.

ففكرت في نفسي: “الإيمان بالسحر؟ لست أصدق أذني! إن كان الإيمان بالسحر أفضل ما يمكن لدعاة الفلسفة المادية تقديمه، إذَن لست أملك الإيمان الكافي لاعتناق المادية!”

وعندما استرجعتُ الموقف بدا لي أن هذا الأستاذ عاش لحظة وجيزة من الصدق التام؛ فقد عرف أنه لا يستطيع الرد على الأدلة الكاسحة التي تؤيد القانون الثاني. ولذلك، اعترف أن موقفه لا يقوم على أي دليل أو منطق سليم. وبذلك، قَدَّم مثالاً آخر على رفض الإرادة أن تُصَدِّق ما يقبله العقل باعتباره الحق، وهو أيضًا مثال يبيِّن أن موقف الملحد يقوم على إيمان مَحض.

لقد أصاب الأستاذ في شيء واحد، ألا وهو أن عنده إيمانًا. والحقيقة أنه كان يحتاجُ قفزة إيمانية حتى يتجاهل إراديًا أكثر القوانين المؤكَّدة في الطبيعة برمتها. وقد وصف “آرثر إدينتون” القانون الثاني منذ أكثر من ثمانين عامًا قائلاً:

القانون الذي يقول بزيادة الأنتروبي، وهو القانون الثاني في الديناميكا الحرارية، أظن أنه يحتل المكانة العليا بين قوانين الطبيعة. فإن أخبرك أحدهم أن نظريتك المفضلة عن الكون تتعارض مع معادلات “ماكسويل” Maxwell، يمكن ان تُنَّحي معادلات “ماكسويل” جانبًا.

وإن وُجدَت متعارضة مع الملاحظة، لا يهم، فالتجارب أحيانًا ما تفسد الأمور. ولكن أن وُجِدَت نظريتك متعارضة مع القانون الثاني في الديناميكا الحرارية فلا أستطيع أن أعطيك أي أمل، لأنه ليس أمامها إلا أن تهوي إلى أعماق الخزي.

وبما أني أدركت أن البرفسور لم يكن مهتمًا بقبول الحق، لم أسأله أي أسئلة أخرى محرجة. ولكن لأننا لم نتمكن من تجاهل تأثير القانون الثاني على أجسامنا، “طَلَب كلانا الحلوى بعد الغداء. ولم يُرِدْ أي منا أن ينكر أننا نحتاج أن نعوض الطاقة التي فقدناها لتونا!

تمدد الكون (U) The Universe Is Expanding

إن النظريات العلمية الجيدة هي التي تستطيع أن تتنبأ بالظواهر التي لم تخضع للملاحظة بعد. فكما رأينا النسبية العامة تنبأت بأن الكون يتمدد. ولكن العلماء لم يؤكدوا أن الكون يتمدد وأنه يتمدد من نقطة واحدة إلا بعد أكثر من عشر سنوات عندما نظر أسطورة علم الفلك “إدوين هَبِل” في تلسكوبه. (منذ عام 1913 كان عالم الفلك “فستو ملفين سليفَر” Festo Melvin Slipher  على وشك أن يكتشف تمدد الكون، ولكن “هَبِل” هو من وَضَع أجزاء الصورة معًا حتى اكتملت في أواخر العشرينيات). وهذا الكون المتمدد هو الفرع الثاني من الأدلة العلمية على بداية الكون.

كيف يُثْبِت تمدُّد الكون أن له بداية؟ فكِّر فيها هكذا: تَخيَّل أننا نشاهد تسجيلاً بالفيديو لتاريخ الكون ولكن بالعكس، سنرى أن كل مادة الكون تنهار حتى تصل إلى نقطة، ليست في حجم كرة السلة، ولا في حجم كرة الجولف، ولا حتى في حجم رأس الدبوس، ولكنها رياضيًا ومنطقيًا نقطة عبارة عن لا شيء (لا مكان، ولا زمان، ولا مادة). أي أنه كان هناك عدم ثم، انفجار، صار هناك شيء، انفجر الكون كله إلى الوجود! وهو ما شاعت تسميته طبعًا باسم “الانفجار الكبير”.

ومهم أن نفهم أن الكون لا يتمدد في فضاء فارغ، ولكن الفضاء نفسه يتمدد، فلم يكن هناك فضاء قبل الانفجار الكبير. ومهم أيضًا أن نفهم أن الكون لم ينبثق من مادة موجودة، ولكن من لا شيء، فقبل الانفجار الكبير لم يكن هناك مادة. بل الحقيقة أنه من الناحية الزمنية لم يكن هناك “قبل” الانفجار الكبير لأنه بدون الزمن ليس هناك “قبل”، ولم يكن هناك زمن حتى حدوث الانفجار الكبير.[4]

وهذه الحقائق تسبِّب الكثير من الاضطراب للملحدين، كما حدث في ليلة مطيرة في ولاية جورجيا من شهر نيسان/أبريل سنة 1998. في تلك الليلة حضرتُ (أنا “فرانك”) مناظرة في مدينة “أتلانتا” حول سؤال: “هلِ الله موجود؟” وقد اتخذ “وليم لين كريج” William Lane Craig المؤقف المؤيّد، واتخذ “بيترآتكينز” Peter Atkins الموقف المعارض.

وكانت المناظرة حيوية جدًا، بل فكاهية أحيانًا، وهو ما كان يرجع جزئيًا لحَكَم المناظرة “وليم ف. بَكلي” الابن Jr. William F. Buckley (لم يُخفِ “بَكلي” انحيازه لموقف “كريج” المؤيِّد لله، فبعد أن قدَّم “كريج” ومؤهلاته المبهرة، بدأ تقديم “آتكينز” بتعبير فكاهي، فقال: “ومعنا الدكتور “بيتر آتكينز” في صف الشيطان!”).

وكانت الحجة الكونية واحدة من الحجج الخمس التي طرحها “كريج” لإثبات وجودِ الله مؤيَّدةً بدليل الانفجار الكبير الذي تناولناه هنا. وقد أشار إلى أن الكون: كل الزمان، وكل المادة، وكل المكان انفجر من لا شيء، وهي حقيقة اعترف بها “آتكينز” في كتابه وأكدها ثانية فيما بعد تلك المناظرة.

بما أن “كريج” تحدَّث أولاً فقد أخبر الحضور عن محاولة “آتكينز” أن يفسر الكون من منظور إلحادي قائلاً: “يبذل الدكتور “آتكينز” قصارى جهده في كتابه “مراجعة الخليقة” The Creation Revisited ليفسِّر كيفية ظهور الكون إلى الوجود، بلا مسبب ومن العدم. ولكنه في النهاية يجد نفسه وقد سقط في التناقض. فهو ]يكتب[: “والآن نعود بالزمن إلى ما قبل لحظة الخلق عندما لم يكن هناك زمان، وحيث لم يكن هناك مكان”. وفي هذا الزمان الذي قبل الزمان يتخيل ترابًا من النقاط الرياضية التي تتحرك في دوامات وتتصل مرارًا وتكرارًا وأخيرًا عن طريق المحاولة والخطأ تشكل كوننا بزمانه ومكانه.

ثم أشار “كريج” إلى أن موقف “آتكينز” ليس نظرية علمية ولكنه في الواقع ميتافيزيقا شعبية متناقضة. وهو ميتافيزيقا شعبية لأنها تفسير مُفَبرَك، فليس هناك دليل علمي على الإطلاق يؤيده. وهو متناقض لأنه يفترض الزمان والمكان قبل أن يكون هناك زمان ومكان.

وحيث أن “كريج” لم يحصل على فرصة ليتحاور مع “آتكينز” مباشرةً حول هذه النقطة وقفت أنا وكذلك “رافي زكراياس” في صف الأسئلة قرب نهاية المناظرة لنسأل “آتكينز” عن موقفه. ولكن للأسف الوقت انتهى قبل أن يتمكن أيٌّ منا من طرح سؤاله. لذلك ذهبنا إلى “آتكينز” على انفراد بعد المناظرة.

وبدأ “رافي” الحديث قائلاً: “دكتور “آتكينز”، إنك تعترف أن الكون انفجر من لا شيء، ولكن تفسيرك لبدايته يتلاعب بمعنى “اللاشيء”. وذلك لأن النقاط الرياضية التي تتحرك في دوامات ليست لا شيء. ولكنها شيء. كيف تبرر ذلك؟”

وبدلاً من أن يرد “آتكينز” على هذه القضية استسلم حرفيًا للقانون الثاني من الديناميكا الحرارية، وقال: “الحقيقة أنا متعَب جدًا ولا يمكنني أن أجيب عن المزيد من الأسئلة الآن”.

أي أن انخفاض طاقته أثبت أن القانون الثاني سارٍ. والحقيقة ان “آتكينز” لم يكن لديه فعليًا أي شيء يقوله.

وفقاً للأدلة الكونية الحديثة، لم يكن هناك فعليًا أي شيْ انبثق منه الكون. ولكن عندما حاول “آتكينز” أن يقدم تفسيرًا إلحاديًا لذلك لم يبدأ باللاشيء، بل بنقاط رياضية وزمان. وبالطبع لا يستطيع المرء على أي حال أن يتخيل كيف يمكن لمجرد نقاط رياضية وزمان أن يُسَبِّبا الكون. إلا أننا أردنا أن نؤكد أن الملحدين أمثال “آتكينز” عليهم أن يجدوا طريقة ليفسروا كيفية بدء الكون من لا شيء أصلاً.

ما هو اللاشيء؟ قدَّم أرسطو تعريفًا جيدًا حين قال: اللاشيء هو ما تحلم به الصخور! إن اللاشيء الذي نشأ منه الكون ليس “نقاطًا رياضية” كما يرجح “آتكينز”، ولا “طاقة إيجابية وسلبية” كما كتب ذات مرة إسحاق أزيموف” Isaac Asimov ، وهو أيضًا ملحد. اللاشيء هو حرفيًا لا شيء، إنه ما تحلم به الصخور.

وقد وصف الكاتب البريطاني “أنتوني كني”  Anthony Kenny بأمانة المأزق الذي يجد نفسه فيه بصفته ملحدًا في ضوء الأدلة على الانفجار الكبير. فكتب: “وفقًا لنظرية الانفجار الكبير، كل مادة الكون ظهرت في الوجود في وقت معين في الماضي السحيق. ومؤيد هذه النظرية، على الأقل إن كان ملحدًا، لا بد أن يؤمن أن مادة الكون أتت من لا شيء وبواسطة لا شيء”.

الإشعاع المنبعث من الانفجار الكبير (R ) Radiation from the Big Bang

الفرع الثالث من الأدلة العلمية على أن للكون بداية اكتُشِفَ بالصدفة سنة 1965. وكان ذلك عندما التقط كلٌّ من “آرنو بنزياس” Arno Penzias وزميله “روبرت ويلسون” Robert Wilson  إشعاعًا غريبًا على هوائي “مَعامل بل” Bell Labs” في “هولمدل” Holmdel بولاية نيو جيرسي. وحتى عندما أدارا الهوائي في كل الاتجاهات ظل هذا الإشعاع الغامض موجودًا. وفي البداية ظنًا أنه يمكن أن يكون نتيجة تراكم فضلات الحمام المعشش من شاطيء نيو جيرسي على الهوائي. فطلبا إبعاد الحمام وإزالة فضلاته. ولكنهما عندما دخلا ثانية وجدا أن الإشعاع ظل باقيًا، وظل يأتي من كل الاتجاهات.

وما رصده “بنزياس” وزميله “ويلسون” أصبح من أكثر الاكتشافات المدهشة في القرن الماضي، حتى إنه كان سببًا في فوزهما بجائزة نوبل. لقد اكتشف عالِما “مَعامل بل” الشعاع التابع لانفجار كرة النار الكبير!.

وهذا الشعاع التابع للانفجار الذي يُعرف اصطلاحًا باسم إشعاع الخلفية الكونية cosmic background radiation هو فعليًا عبارة عن ضوء وحرارة من الانفجار الأصلي. إلا أن هذا الضوء لم يعُد منظورًا لأن طوله الموجي تَمَدَّد بفعل التمدُّد الكوني حتى وصل إلى أطوال موجية أقصر قليلاً من الموجات الصادرة من فرن الميكروويف. ولكننا مازلنا قادرين على رصد الحرارة المنبعثة.

ومنذ سنة 1948 تنبأ ثلاثة علماء أن الانفجار الكبير، إن كان حقيقيًا، فلا بد أن يوجد إشعاع كهذا. ولكن لسببٍ ما، لم يحاول أحد ان يرصده قبل أن يتعثر فيه “بنزياس” وزميله “ويلسون” بالصدفة بعد ما يقرب من عشرين عامًا. وعندما تأكد الاكتشاف أسكت كل الاقتراحات التي تُلِحّ على أن يكون في حالة أزلية ثابتة. وهو ما عَبَّرَ عنه عالم الفلك اللاأدري “روبرت جاسترو” بهذه الكلمات:

لم يُكتَشَف لإشعاع كرة النار إلا الانفجار الكبير. والفيصل الذي أقنع تقريبًا آخر توما شكاك هو أن الإشعاع الذي اكتشفه “بنزياس” و”ويلسون” له نفس نمط الأطوال الموجية المتوقَّعة للضوء والحرارة الناتجين عن انفجار ضخم. وقد حاول مؤيدو نظرية الحالة الثابتة steady state theory  محاولات مستميتة أن يجدوا تفسيرًا بديلاً. ولكنهم فشلوا. وفي الوقت الحالي، نظرية الانفجار الكبير تقف بلا منافس.

والواقع أن اكتشاف إشعاع كرة النار أحرق أي أمل في الحالة الثابتة. إلا أنه لم يكن آخِر الاكتشافات. وفيما يلي مزيد من أدلة الانفجار الكبير. والحقيقة أنه لو كان عِلم الكون مبارة كرة قدم أمريكية، لَطُلِب من المؤمنين بالانفجار الكبير أن “يقفزوا” فوق لاعبي الفريق المنافس مع ظهور هذا الاكتشاف التالي.

بذور المجرة العظيمة (G) Great Galaxy Seeds

بعد اكتشاف تمدُّد الكون الذي تنبأت به النظريات، والإشعاع التابع للانفجار الكبير، وَجَّهَ العلماء انتباههم لتنبوء آخر من شأنه تأكيد الانفجار الكبير. فإن كان الانفجار الكبير قد حدث بالفعل، رأى العلماء أنه لابد أن نرى تنوعات طفيفة (أو حركات موجية دائرية صغيرة) في درجة حرارة الإشعاع الخلفي الكوني الذي اكتشفه “بنزياس” و”ويلسون”. وهذه الحركات الموجية الدائرية من درجة الحرارة مَكَّنَت المادة من التجمع بفعل الجاذبية في هيئة مجرات. وإن وُجِدَت، ستُشَكِّل الفرع الرابع من الأدلة العلمية على بداية الكون.

وسنة 1989 تَكَثَّف البحث عن هذه الحركات الموجية عندما أطلقت ناسا القمر الصناعي الذي تعادل قيمته 200 مليون دولار، والذي اختير له اسم مناسب جدًا هو “مستكشف الخلفية الكونية” Cosmic Background Explorer  واختصاره “كوب” COBE. وقد تَمَّكَن “كوب” بما حمله من أجهزة شديدة الحساسية أن يرى ما إذا كانت هذه الحركات الموجية الدائرية الصغيرة موجودة بالفعل في الإشعاع الخلفي ومدى دقتها.

وعندما أعلن عالم الفلك “جورج سموت” George Smoot، قائد المشروع، نتائجَ “كوب” سنة 1992 نشرت صحف العالم وصفَه الصادم. فقد قال: “إن كنتَ متدينًا، فالأمر يشبه النظر إلى الله”. ولم يكن “مايكل ترنر” Michael Turner عالم الفيزياء الفلكية بجامعة شيكاغو أقل حماسًا، إذ زعم قائلاً: “إن قيمة هذا ]الاكتشاف[ أعظم من أن توصف.

لقد وجدوا قدس أقداس الكونيات”. وقد اتفق معهما أيضًا “ستيفن هوكينج” عالم الفلك بجامعة  كامبريدج، ووصف النتائج بأنها “أهم اكتشاف في القرن، إن لم يكن في التاريخ كله”. فما الذي اكتشفه “كوب” حتى يستحق كل هذه الأوصاف الرنانة؟

إن “كوب” لم يجد الحركات الموجية الدائرية فحسب، ولكن العلماء ذُهِلوا من دقتها. فالحركات الموجية تُبَيِّن أن انفجار الكون وتمدُّده ضُبِطَا بدقة تتيح إنتاج المادة بكمية تكفي لتَجَمُّعها معًا بما يسمح بتكوين المجرات، ولكنها لا تكفي لتجعل الكون ينهار مرة أخرى على نفسه. ولو حدث تغيير طفيف بأي شكل من الشكال لن يكون أيُّ منَّا حتى يخبر به. وفي الحقيقة الحركات الموجية الدائرية الصغيرة في منتهى الدقة (تصل دقتها إلى جزء من مائة ألف) حتى إن “سموت” أطلق عليها “آثار آلةِ خلق الكون”، ووَصَفَها أيضًا بأنها ” بصمات الخالق”.

ولكن هذه الحركات الموجية الدائرية لدرجة الحرارة ليست مجرد نقط على رسم بياني لأحد العلماء في مكانٍ ما. ولكن “كوب” التقط صورًا تحت الحمراء للحركات الموجية. تَذَكَّر أن ملاحظة الفضاء هي في الواقع ملاحظة للماضي، نظرًا لطول الزمن الذي يستغرقه الضوء القادم من أجسام بعيدة جدًا حتى يصل إلينا. لذا، صور “كوب” هي فعليًا صور من الماضي. أي أن الصور تحت الحمراء التي التقطها “كوب” تشير إلى وجود مادة من الكون الأولي تُشَكِّل في النهاية المجرات والعناقيد المجرِّية.

وقد أطلق “سموت” على هذه المادة “بذور” المجرات كما توجد اليوم (يمكن الاطلاع على هذه الصور على الموقع الإليكتروني للقمر “كوب”: http://imbda.gsfc.nasa.gov)). وهذه “البذور” هي أكبر بِنَى تم رصدها على الإطلاق، وأكبرها يمتد بعرض ثُلث الكون المعروف. وهو ما يعادل 10 مليار سنة ضوئية أو 95 مليار تريليون (95 يتبعها 21 صفر) كيلومتر.

والأن تستطيع أن تفهم سبب الأوصاف المهيبة التي أطلقها بعض العلماء على الاكتشاف. إنه شيء آخر تنبّأت به نظرية الانفجار الكبير، والآن تم اكتشافه، وكان ذلك الشيء عظيم الكِبرَ وشديد الدقة حتى إنه أحدث انفجارًا كبيرًا عند العلماء!

نظرية أينشتاين في النسبية العامة (E) Einstein’s Theory of General Relativity

حرف E  في كلمة SURGE  يشير إلى “أينشتاين” Einstein. وتمثِّل نظريته في النسبية العامة الفرع الخامس في الأدلة العلمية على بداية الكون، وكان اكتشافها بداية النهاية لفكرة أزلية الكون. والنظرية نفسها التي تم التحقُّق من دقتها للرقم العشري الخامس (أي بنسبة واحد من مائة ألف)، تستلزم بداية محددة للزمن، والمكان، والمادة. وهي تبين أن الزمان، والمكان، والمادة ملازِمة لبعضها البعض. أي أنها علاقة تكافيلية، لا يمكن أن يوجد عنصر واحد دون العنصرين الآخَرين.

ومن نظرية النسبية العامة، تنبأ العلماء بتمدد الكون، والشعاع المنبعث عقب الانفجار، وبذور المجرة العظيمة التي ضُبِطَت بدقة تسمح للكون أن يتخد شكله الحالي، ثم اكتشفوا كل هذه الحقائق. أضف هذه الاكتشافات إلى القانون الثاني في الديناميكا الحرارية. وبذلك تتكون لدينا خمسة فروع من الأدلة العلمية القوية على أن الكون له بداية. بداية، إن جاز لنا التعبير، أتت في انفجار كبير أشرنا إلى أدلته بلفظ SURGE.

الله وعلماء الفلك

إذَن الكون له بداية. ماذا يعني ذلك لمسألة وجوِد الله؟ العالِم الذي يشغل حاليًا كرسي “إدوين هَبِل” في “مرصد ماونت ويلسون” يخبرنا ببعض الأمور عن هذا الموضوع. واسمه “روبرت جاسترو”، وهو عالم فلك اقتبسنا من أقواله في هذا الفصل. وهو مدير “مرصد ماونت ويلسون”، ومؤسس “معهد جودار لدراسات الفضاء التابع لناسا” NASA’s Goddard Institute of Space Studies.

ومن الواضح أن مؤهلاته لا تشوبها شائبة. وهو ما جعل لكتابه “الله وعلماء الفلك” God and the Astronomers تأثيرًا كبيرًا على من يبحثون في تداعيات الانفجار الكبير، أي من يطرحون سؤال: “هل الانفجار الكبير يشير إلى الله؟”

ويكشف “جاسترو” في افتتاحية الفصل الول أنه لا يتبنى أي آراء دينية يود إقناع القارئ بها. فهو يقول: “عندما يكتب عالِم فَلَك عنِ الله، يفترض زملاؤه إما أنه شاخ وخَرِف، أو أنه أصيب بالجنون. ولكني أرجو أن يُفْهَم من البداية أني لاأدري في الأمور الدينية”.

في ضوء لاأدرية “جاستو”، تظهر أقواله التي تتعلق بالإيمان بالله الخالق أكثر إثارةً. فبعد أن شرح بعض أدلة الانفجار الكبير التي استعرضناها توًا، كتب: “يمكننا الآن أن نرى أن الأدلة الفلكية تؤدي إلى منظور كتابي[5] لأصل العالم. ورغم اختلاف تفاصيل الرواية الفلكية عن الرواية الكتابية الواردة في سفر التكوين؛ فالعناصر الأساسية في الروايتين واحدة: سلسلة الأحداث التي تؤدي إلى ظهور الإنسان بدأت بداية مفاجئة واضحة في لحظة محدَّدة في الزمن، في ومضة من الضوء والطاقة”.

والأدلة المذهلة على الانفجار الكبير وتوافقها مع الرواية الكتابية في سفر التكوين دفعا “جاسترو” أن يقول في حوار أُجري معه: “يرى علماء الفلك اليوم أنهم وضعوا أنفسهم في مزنق؛ لأنهم أثبتوا بطُرُقِهم العلمية أن العالم بدأ فجأة بفِعْلِ خَلْقٍ يمْكِنك أن تعزي له كل بذور كل نجم، وكل كوكب، وكل كائن حي في هذا الكون وعلى الأرض. وقد وجدوا أن كل هذا حدث نتاجًا لقوى لا يمكنهم حتى أن يحلموا باكتشافها…إني أعتقد أن وجود ما أُطْلِقُ عليه، أنا أو غيري، قوى فوق طبيعية عاملة أصبح الآن حقيقة ثابتة علميًا”.

وإذ يثير “جاسترو” فكرة فوق الطبيعي، يردد الخلاصة التي توصل إليها “آرثر إدينتون” الذي عاصر “أينشتاين”. فكما ذكرنا فيما سبق، أنه رغم أن “إدينتون” وجدها فكرة “منفِّرة”، فقد اعترف أن “البداية يبدو أنها تطرح صعوبات مستعصية إلا إذا اتفقنا أن ننظر إليها بصفتها فوق طبيعية على نحو صريح”.

ولكن لماذا يعترف “جاسترو” وكذلك “إدينتون” بوجود قوى “فوق طبيعية” عاملة؟ ما المانع أن يكون الكون نتاجَ قوى طبيعية؟ لأن هؤلاء العلماء يعلمون، مثلما يعلم أي شخص آخر، أن القوى الطبيعية، بل الطبيعة برمتها، خُلِقَت في الانفجار الكبير. أي أن الانفجار الكبير كان نقطة البداية للكون المادي كله. فالزمان والمكان والمادة أتت إلى الوجود عند تلك النقطة. وقبل الانفجار الكبير لم يكن هناك عالم طبيعي ولا قانون طبيعي.

وبما أن المسبِّب لا يمكن أن يَعْقُب الأثر، إذَن القوى الطبيعية لا يمكن أن تفسِّر الانفجار الكبير. ومن ثم لا بد من وجود شيء خارج الطبيعة يقوم بهذه الوظيفة. وهذا هو بالظبط ما يعنيه تعبير فوق طبيعي.

و”روبرت ويلسون” و”آرنو بنزياس”، مكتشِفا الشعاع التابع للانفجار، لم يكونا من معلمي الكتاب المقدس المتحمسين له. بل كان كلاهما في البداية يؤمن بنظرية الحالة الثابتة. ولكنهما نظرًا لتزايد الأدلة، غيَّرا موقفهما واعترفا بحقائق تتفق مع الكتاب المقدس. ويعترف “بنزياس” قائلاً: “لقد اتضح أن نظرية الحالة الثابتة في منتهى البشاعة حتى إن الناس لفظوها. وأسهل وسيلة لتوفيق الملاحظات على أقل عدد من المعايير تتمثل في تأكيد أن الكون خُلِقَ من لا شيء، في لحظة، وأنه مازال يتمدد”.

وقد قال “ويلسون” الذي درس على يد “فْرِد هويل” Fred Hoyle (الذي روَّج لنظرية الحالة الثابتة ونشرها على نطاق واسع سنة 1984): “لقد أُعجِبْتُ بنظرية الحالة الثابتة من الناحية الفلسفية. ولكن واضح أنه كان لا بد أن أتخلى عنها”. وعندما سأله الكاتب العلمي “فْرِد هيرِن” Fred Heeren عما إذا كانت أدلة الانفجار الكبير تشير إلى وجود خالق، أجاب “ويلسون” قائلاً: “مؤكد أن شيئًا ما أطلق هذه العملية برمتها.

ومؤكد، إن كنتَ متدينًا، أنه لا يمكنني أن أجد نظرية أفضل منها عن أصل الكون تتناسب مع سفر التكوين”. وقد أكد “جورج سموت” تقييم “ويلسون” حينما قال: “لا شك أن هناك تشابهًا بين الانفجار الكبير بصفته حدثًا والفكرة المسيحية المختصة بالخلق من عدم”.

“الإمبراطورية تعيد الضربات”[6] (ولكنها تتلاشى)

ما قول الملحدين في ذلك؟ لقد رأينا ما في تفسيرات “آتكينز” و”إسحق أزيموف” من قصور، فهي تنطلق من شيء وليس من عدم فعلي. فهل هناك أي تفسيرات إلحادية أخرى مقبولة منطقيًا؟ لم نرَ للملحدين تفسيرات مقبولة حتى اللآن. فقد خرجوا بنظريات أخرى، ولكنها جميعًا مشوبة بأخطاء فادحة. فلنلق نظرة سريعة على القليل منها.

نظرية الارتداد الكوني The Cosmic Rebound Theory: ترجِّح هذه النظرية أن الكون كان يتمدَّد وينكمش منذ الأزل. وهو ما يساعد مؤيديها على الهروب من البداية المحدَّدة. ولكن هذه النظرية محاطة بمشكلات عديدة، مما أدى إلى رفضها.

وأول هذه المشكلات وأوضحها هو عدم توافر دليل على وجود عدد لانهائي من الانفجارات (فمهما كان النظرية ليست نظرية الانفجار، الانفجار، الانفجار، الانفجار…الكبير!) بل يظهر أن الكون انفجر مرة واحدة من العدم، وليس مرارًا من مادة موجودة.

ثانيًا، الكون لا يحوي مادة كافية لسحب كل الأشياء معًا مرة أخرى. فيبدو أن الكون محكوم بشكل يجعله يستمر في التمدد إلى ما لانهاية. وهو ما أكَّده سنة 2003 “تشارلز بِنِت” Charles Bennett أحد علماء “مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا” NASA’s Goddard Space Flight Center. فبعد أن فحص قراءات من أحدث مسبار فضائي لوكالة ناسا قال: “الكون سيستمر في التمدد إلى الأبد. فهو لن يرتد على نفسه وينهار محدثًا دويًا عظيمًا” والحقيقة أن علماء الفلك يكتشفون حاليًا أن سرعة تمدّد الكون تتزايد بالفعل، مما يستبعد أيضًا احتمالية الانهيار.

ثالثًا، حتى وإن كانت هناك مادة كافية لجعل الكون ينكمش ثم “ينفجر” ثانيةً، فنظرية الارتداد الكوني تتناقض مع القانون الثاني في الديناميكا الحرارية لأن النظرية تفترض، خطأً، أنه لن يُفقَد أي قدر من الطاقة في كل انكماش وانفجار. إن الكون الذي “ينفجر” مرارًا كثيرة لا بد أن يضعف ويتلاشى كما تضعف الكرة الساقطة. فلو كان الكون يتمدد وينكمش منذ الأزل، لكان قد تلاشى.

وأخيرًا، كان من المستحيل أن نصل إلى يومنا هذا لو كان الكون يتمدد وينكمش منذ الأزل. فحدوث عدد لانهائي من الانفجارات الكبيرة هو استحالة حقيقية (وسوف نتناول ذلك بالتفصيل بعد بضع صفحات). وحتى لو كان هناك عدد نهائي من الانفجارات، فالنظرية لا تستطيع أن تشرح ما سَبَّبَ أول انفجار. فلم يكن هناك شيئ “ينفجر” قبل الانفجار الأول!

الزمن التخيلي Imaginary Time:

أما المحاولات الإلحادية الأخرى التي تحاول تفسير كيفية انفجار الكون إلى الوجود من عدم هي أيضًا محاولات معيبة. فمثلاً في محاولةً لتجنب بداية محددة للكون، طرح “ستيفن هوكينج” Stephen Hawking نظرية تستخدم “الزمن التخيلي”. ويمكننا نحن أيضًا أن نسميها “نظرية تخيلية” لأن “هوكينج” نفسه يعترف أن نظريته “مجرد مقترح ]ميتافيزيقي[” لا يستطيع أن يفسِّر ما حدث في الزمن الحقيقي.

فهو يعترف أنه “في الزمن الحقيقي الكون له بداية…والواقع أن “هوكينج” يرى أن “الجميع تقريبًا اليوم يؤمنون أن الكون والزمن نفسه بدآ في الانفجار الكبير”. ومن ثم، باعتراف “هوكينج” نفسه، نظريته التخيلية تتلاشى عندما تُطَبَّق على العالم الحقيقي. فالزمن التخيلي محض خيال.

انعدام اليقين Uncertainty:

نظرًا لقوة الأدلة على بداية الكون، فإن بعض الملحدين يشكَّكون في الفرضية المنطقية الأولى في الحجة الكونية، ألا وهي قانون السببية. إلا أن هذا التشكيك يمثّل خطورة كبيرة على الملحدين الذين عادة ما يفخرون بأنهم أبطال العقل والعلم. وكما اشرنا آنفًا، قانون السببية هو أساس العلم برمته. فالعلم هو بحث عن المسببات. فإن دَمَّرتَ قانون السببية، دَمَّرتَ العلم نفسه.

ولكن الملحدون يحاولون التشكيك في قانون السببية باللجوء إلى الفيزياء الكمية، وتحديدًا مبدأ عدم اليقين عند هايزنبرج Heisenberg’s Uncertainty Principle. ويصف هذا المبدأ عجزنا عن التنبوء في آن واحد بموقع وسرعة الجسميات الموجودة في الذرة subatomic particles (أي الإلكترونيات). والملحدون هنا مقتنعون بأنه: إن كانت السببية غير ضرورية في عالم الذرة الداخلي، إذَن ربما سببية الكون برمته غير ضرورية أيضًا.

ولكن من حسن حظ العلم ان هذه المحاولة الإلحادية للتشكيك في قانون السببية تبوء بالفشل. لماذا؟ لأنها تخلط بين السببية وإمكانية التنبوء. فمبدأ عدم اليقين عند هايزنبرج لا يُثبت أن حركة الإلكترونات بلا مسبب، ولكنه يصف فقط عجزنا عن التنبؤء بموقعها وسرعتها في وقت بعينه، فعدم قدرتنا على التنبوء بشيء لا يعني أن هذا الشيء بلا مسبب.

والحقيقة أن واضعي نظريات الكم يعترفون أنه قد لا نستطيع التنبوء بسرعة الإلكترونات وموقعها في آن، لأن محاولتنا لملاحظتها هي السبب في تحركاتها التي لا يمكن التنبوء بها! فكما يضع مربي النحل رأسه في خلية النحل، علينا أن نستثيرها حتى نلاحظها. ومن ثم قد تكون الحركة الحادثة هي عبارة عن عالِم يرى رموشه في الميكروسكوب.

وفي النهاية يتضح أنه ليست هناك نظرية إلحادية تُفَنِّد أيًا من فرضيات الحجة الكونية بكفاءة. فللكون بداية، ومن ثم يحتاج إلى مسبب.

ديانة العلم

فلماذا إذَن لا يقبل كل العلماء هذه النتيجة بدلاً من أن يحاولوا تجنب الحقائق ومضامينها بتفسيرات معيبة وغير مقبولة منطقيًا؟ وتعليقات “جاسترو” ثاقبة في هذا الصدد أيضًا (تَذكَّر أن “جاسترو” لاأدري). فهو يقول:

اللاهوتيون عمومًا سعداء بالبرهان على بداية الكون، ولكن الغريب أن الفلكيين متضايقون. وردود أفعالهم تُعَبِّر تعبيرًا مثيرًا عن استجابة العقل العلمي، الذي يُفتَرَض أنه عقل موضوعي جدًا، عندما تؤدّي الأدلة التي كشفها العلم نفسه إلى صدام مع بنود الإيمان في مهنتنا. وينتهي المطاف بالعالِم إلى أن يتصرف كما نفعل جميعًا عندما تصطدم معتقداتنا بالأدلة. فإما أننا ننزعج، أو نتظاهر بعدم وجود صدام، أو نخفيه بعبارات لا معنى لها.

والعبارات التي رأينا “آتكينز” و”أزيموف” يستخدمانها لتفسير بداية الكون مثل “النقاط الرياضية”، و”الطاقة الأيجابية والسلبية” على الترتيب تبدو لنا بالتأكيد بلا معنى. وهي في الواقع لا تفسِّر شيئًا.

أما بخصوص مشاعر “أينشتاين” “المزعجة” تجاه النسبية العامة وتمدد الكون، يقول “جاسترو”: “إنها لغة عاطفية غريبة لا تناسب مناقشة الصيغ الرياضية. ولكني أظن أن فكرة البداية الزمنية ضايقت “أينشتاين” لما لها من مضامين لاهوتية”.

إن الجميع يعلمون أن المؤمنين بالله الخالق لديهم معتقدات لاهوتية. ولكن الحقيقة المهملة غالبًا هي أن العلماء الملحدين والمؤمنين بوحدة الوجود لديهم أيضًا معتقدات لاهوتية. وكما أشرنا آنفًا، يُطْلِق “جاسترو” على بعض هذه المعتقدات “بنود الإيمان في مهنتنا” وهو يؤكد أن بعض هذه المعتقدات تشكل “الديانة العلمية”. فهو يكتب قائلاً:

هناك نوع من الديانة العلمية…كل أثر لا بد أن يكون له مسبب، فليس هناك مسبب أولي…ولكن هذا الإيمان الديني عند العالِم يتأذى باكتشاف أن العالَم له بداية شروطها تُبطل قوانين الفيزياء المعروفة، وأنه نتاجُ قوى أو ظروف لا يمكننا اكتشافها. وعندما يحدثُ ذلك يفقد العالم السيطرة. ولو فَحَصَ مضامين هذه الاكتشافات فحصًا حقيقيًا، لأُصيب بصدمة. وكالعادة عندما يواجه العقل صدمة يكون رد فعله أنه يتجاهل مضامينها، وهو ما يُعرف في العلم باسم “رفض توقع النتائج المتضمنّة”، أو التهوين من أصل العالَم بتسميته الانفجار الكبير، وكأن الكون لعبة نارية.

وسواء كان العلماء مصدومين أم لا، عليهم أن يدركوا ما تنطوي عليه أدلة الانفجار الكبير من مضامين. فقد لا تعجبهم الأدلة أو مضامينها، إلا أن هذا لا يغير الحقائق. وحيث إن الأدلة تبين أن الزمان والمكان والمادة خُلِقَت في الانفجار الكبير، فالخلاصة العلمية الأكثر احتمالاً هي أن الكون سُبِّبَ بفعل شيء خارج الزمان والمكان والمادة (أي مسبب أزلي). وعندما يقصر العلماء عن مواجهة تلك الخلاصة بإخفائها “بعبارات لا معنى لها” أو “برفض توقع النتائج المتضمنة”، يبدو أنهم ببساطة يرفضون قبول الحقائق والخلاصات الأكثر منطقية المترتبة عليها. وهو رفض إرادي، لا عقلي. فالأدلة موضوعية، ولكن العلماء الذين لا يصدقونها غير موضوعيين.

ماذا لو كانت نظرية الانفجار الكبير خاطئة؟

لقد استعرضنا حتى الآن أدلة علمية متينة ( (SURGEعلى حقيقة بداية الكون. ولكن هَبْ أن العلماء استيقظوا ذات يوم واكتشفوا أن كل حساباتهم خاطئة، وأنه لم يكن هناك انفجار كبير. ولكننا إن أخذنا في الاعتبار الأدلة العديدة المتنوعة وقدرة النظرية على التنبوء تنبؤات صحيحة بكمً كبير من الظواهر القابلة للملاحظة، يصبح رفض نظرية الانفجار الكبير أمرًا مستبعدًا تمامًا.

وهو ما يعترف به حتى الملحدين أنفسهم. فمثلاً “فيكتور ستنجر” Victor Stenger، وهو فيزيائي كان يُدَرِّس في “جامعة هاواي” University of Hawaii كتب أن “الكون انفجر من العدم”. واعترف “ستنجر” مؤخَّرًا أن الانفجار الكبير يبدو دائمًا أكثر احتمالاً. وقد قال: “علينا أن نترك المجال مفتوحًا لاحتمالية خطأ ]الانفجار الكبير[، لكننا…كل سنة نكتشف أن البيانات الفلكية المتراكمة تزداد توافقًا على الأقل مع الصورة العامة للانفجار الكبير”.

والواقع أنه في سنة 2003 ظهرت المزيد من الأدلة على صحة الانفجار الكبير. فالقمر الصناعي المسمى “مسبار ويلكينسون لقياس اختلاف الراديوية” (WMAP Wilkinson Microwave Anisotropy Probe) التابع لناسا أكد اكتشافات سابقة “كوب” وأنتج صورًا أوضح خمسًا وثلاثين مرة من صور “كوب” للحركات الموجية الدائرية لإشعاع الخلفية الكونية.

والحقيقة أن ملاحظات الفضاء تؤيِّد، يومًا بعد يوم، المنظور الإيماني حتى إن “جورج ويل” George Will يعلق عليها قائلاً: “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية”Union American Civil Liberties ، أو “أناس من أجل النهج الأمريكي” people for the American Way، أو غيرهما من الفصائل العلمانية المُحِبَّة للتقاضي سترفع دعاوي قضائية قريبًا على ناسا متهمة إياها بأن تلسكوب هَبِل الفضائي ينحاز لذوي الميول الدينية بما يخالف الدستور”.

ومع ذلك دعونا نلعب دور محامي الشيطان للحظات. فلنفترض أنه في نقطة ما في المستقبل اعتُبِرَت نظرية الانفجار الكبير خاطئة. فهل هذا سيعني أن الكون أزلي؟ لا، لعدة أسباب.

أولاً، القانون الثاني في الديناميكا الحرارية (المشار إليه بحرف S  في كلمة SURGE) يؤيّد الانفجار الكبير ولكنه لا يعتمد عليه. فحقيقة أن الكون يستنفذ الطاقة القابلة للاستخدام ويتجه نحو حالة من الفوضى هي حقيقة لا جدال عليها. وهو ما عبَّر عنه “إدينتون” قائلاً إن القانون الثاني “يحتل المكانة العليا بين قوانين الطبيعة”. فهو قانون صحيح حتى إن لم يكن الانفجار الكبير صحيحًا.

ثانيًا، ينطبق هذا الكلام نفسه على نظرية “أينشتاين” في النسبية العامة (المشار إليها بحرف  E في كلمة SURGE). فهذه النظرية، التي تم التحقق منها جيدًا بالملاحظة، تستلزم وجود بداية للمكان، والمادة، والزمان سواء أكان كل هذا قد بدأ بانفجار أم لا.

ثالثًا، هناك أيضًا أدلة علمية جيولوجية تؤكّد أن للكون بداية. وكما دَرَسَ الكثير منا في مادة الكيمياء في المدرسة الثانوية، العناصر المشعة تضمحل بمرور الوقت متحولة إلى عناصر أخرى. فمثلاً اليورانيوم المشع يتحول في النهاية إلى رصاص. وهو ما يعني أنه لو كانت كل ذرات اليورانيوم أزلية، لكانت قد تحولت جميعها إلى رصاص، ولكن ذلك لم يحدث. إذَن لا يمكن أن تكون الأرض أزلية.

أخيرًا، هناك فرع فلسفي من الأدلة على بداية الكون. وهذا الفرع من الدلة منطقي جدًا، على نحو لا يمَكِّننا من التملص منه، حتى إن البعض يعتبرونه أقوى الحجج جميعًا. ويطلق عليه الحجة الكونية من علم الكلام Kalam Cosmological Argument، وهي تقول:

  1. العدد اللانهائي من الأيام لا نهاية له.
  2. ولكن اليومَ هو اليومُ النهائي في التاريخ (التاريخ باعتباره مجموعة من كل الأيام).
  3. إذَن لم يكن هناك عدد لانهائي من الأيام قبل اليوم (أي أن الزمان له بداية).

ولفهم هذه الحجة، انظر الخط الزمني أدناه، وهو مقسَّم إلى أجزاء تمثل أيامًا (شكل 3-1). وكلما تتحرك يسارًا، تتجه تاريخيًا إلى الماضي. والآن تخيَّل لِلَحظة أن هذا الخط يمتد يسارًا إلى ما لانهاية، بحيث لا ترى إن كانت له بداية أصلاً. ولكنك عندما تنظر إلى اليمين ترى نهاية الخط لأن آخر جزء في الخط يمثل اليوم. والغَدّ لم يأتِ بعد، ولكنه عندما يأتي سنضيف جزءًا آخر (أي يومًا) على الطرف الأيمن من الخط.

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

ولنشرح  الآن كيف يُثْبت ذلك أن الزمان له بداية: بما أنه من المؤكَّد أن الخط ينتهي على اليمين، فلا يمكن أن يكون الخط الزمني لانهائيًا لأن اللانهائي ليس له نهاية. علاوة على ذلك، لا يمكنك أن تضيف أي شيء إلى اللانهائي، ولكننا غدًا سنضيف يومًا آخر إلى خطنا الزمني. إذَن لا نستطيع أن ننكر أن خطنا الزمني محدود.

ولننظر إلى هذه الحجة من زاوية مختلفة. لو كان هناك عدد لانهائي من الأيام قبل اليوم، إذَن اليوم لن يأتي أبدًا. ولكنه أتى! إذَن لا بد أنه لم يكن هناك إلا عدد نهائي من الأيام قبل اليوم. أي أننا حتى وإن كنا لا نستطيع أن نرى بداية الخط عندما ننظر يسارًا فنحن نعلم أنه لابد أن يكون قد بدأ عند نقطةٍ ما، لأنه لا بد أن تنقضي مدة نهائية من الزمن حتى يأتي هذا اليوم الحاضر. فلا يمكن لعدد لانهائي من الأيام أن ينقضي. إذَن لا بد أن الزمان له بداية.

وقد يقول البعض إن الأعداد اللانهائية موجودة، فما المانع أن يكون هناك عدد لانهائي من الأيام؟ لأن هناك فرقًا بين سلسلة لانهائية مجردّة وسلسلة محسوسة. فالأولى نظريةٌ بحتة، والثانية فعلية. فمن الناحية الرياضية يمكننا أن ندرك عددًا لانهائيًا من الأيام، ولكن من الناحية الفعلية يستحيل أن نَعُدّ أو نعيش عددًا لانهائيًا من الأيام. يمكنك أن تدرك عددًا لانهائيًا من النقاط الرياضية بين طرفي رف من رفوف المكتبة، ولكنك لا تستطيع أن تضع بينهما عددًا لانهائيًا من الكتب.

وهذا هو الفرق بين المجرد والمحسوس. فالأرقام مجردة. أما الأيام محسوسة. (وبالمناسبة ينسحب هذا الكلام على إجابتنا المذكورة آنفًا عن سبب استحالة وجود عدد لانهائي من الانفجارات في تاريخ الكون. فمن المستحيل وجود عدد لانهائي من الأحداث الفعلية).

إن ما نقصده هنا هو ان الكون، سواء أكان الانفجار الكبير صحيحًا أم لا، له بداية. أي أن الحجة الكونية صحيحة لأن فرضيتييّ الحجة كلتيهما صحيحتان: كل ما يأتي للوجود له مسبِّبن والكون اتى للوجود. بما أن الكون له بداية،لا بد ان له بادئ.

مَنْ صَنَعَ الله؟

في ضوء كل الأدلة على وجود بداية للكون المحدود بالزمكان Space-time universe، لا بد أن يكون البادئ خارجَ كونِ الزمكان. وعندما نقترح أن الله هو البادئ، ينبري الملحدون يسألون السؤال القديم قِدَم التاريخ: “إذَن مَنْ صَنَعَ الله؟ إن كان كل شيء يحتاج لمسبب، فالله أيضًا يحتاج لمسبب!”

كما رأينا قانون السببية هو أساس العلم. فالعلم بحث عن المسببات، وذلك البحث يقوم على ملاحظتنا التي تبين دائمًا أن كل ما له بداية له مسبب. والحقيقة أن سؤال “مَنْ صَنَعَ الله؟” يشير إلى احترامنا لقانون السببية. فإنه من المُسَلَّم به أن كل شيء تقريبًا يحتاج لمسبب.

فلماذا إذَن لا يحتاجُ الله لمسبب؟ لأن قناعات الملحد تسيء فهم قانون السببية. فقانون السببية لا يقول إن كل شيء يحتاج لمسبب. ولكنه يقول إن كل شيء يأتي إلى الوجود يحتاج لمسبب. والله لم يأتِ إلى الوجود. فالله لم يصنعه أحد. إنه غير مصنوع. والله بصفته كائنًا أزليًا لا بداية له، إذَن فهو لا يحتاج لمسبّب.

إلا أن الملحد سيَحتَجّ قائلً: “ولكن مهلاً، إن كان عندك إله أزاي، إذَن يمكن أن يكون عندي كون أزلي! وإن كان الكون أزليًا، إذَن لا يكون له مسبب”. نعم، من الممكن منطقيًا أن يكون الكون أزليًا ومن ثم لا يكون له مسبب. والواقع أن هذا الاحتمال هو واحد من اثنين: إما أن الكون أزلي، أو شيء خارج الكون هو الأزلي. (بما أنه لا شك أن شيئًا ما يوجد اليوم، إذَن لا بد أن شيئًا آخر وُجِدَ أزلاً. وليس أمامنا إلا خياران: الكون، أو شيء سبَّبَ الكون).

ولكن المشكلة التي تواجه الملحد هي أنه رغم أنه ممكن من الناحية المنطقية أن يكون الكون أزليًا، يبدو أنه ليس ممكنًا من الناحية الواقعية. وذلك لأن كل الأدلة العلمية والفلسفية)  (SURGE، واضمحلال النشاط الإشعاعي، والحجة الكونية من علم الكلام) تخبرنا أن الكون يستحيل أن يكون أزليًاز وعليه، باستبعاد أحد الخيارين، ليس أمامنا إلا الخيار الآخر: شيء خارج الكون هو الأزلي.

وعندما تنتبه للأمر جديًا، لا تجد إلا احتمالين لأي شيء موجود: إما أنه (1) موجود أزلاً ومن ثم لا مسبب له، أو (2) له بداية وقد سبَّبَه شيء آخر (لا يمكن أن يكون سبَّبَ نفسه، لأنه في هذه الحالة لا بد أن يكون موجودًا من الأصل حتى يسبّب أي شيء). ووفقًا للأدلة الهائلة، الكون له بداية، إذَن لا بد أن شيئًا آخر سبَّبَه، شيء خارجه. لاحظ أن هذا الاستنتاج يتوافق مع الأديان التي تؤمن بالله الخالق، ولكنه لا يقوم على تلك الأديان، بل يقوم على منطق سليم ودليل صلب.

فما صفات هذا المسبب الأولي؟ قد يظن المرء أنه لا بد أن يعتمد على الكتاب المقدس أو غيره مما يطلق عليه وحي ديني للإجابة عن ذلك السؤال، ولكننا لا نحتاج هنا أيضًا لأي نص مقدس حتى نستنتج صفات ذلك المسبب الأولي. فقد أصاب “أينشتاين” حين قال: “العلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى”. العلم يؤكد الدين ويُطَعِّمه بالمعارف، وهو ما تفعله الحجة الكونية مثلاً. اي أنه يمكننا أن نكتشف بعض سمات المسبب الأولي من الأدلة التي تناولناها في هذا الفصل فحسب. ومن تلك الأدلة فقط نعرف أن المسبب الأولي لا بد أن يكون:

  • ذاتي الوجود، سرمدي غير محدود بزمان، غير محدود بمكان، غير مادي (بما أن المسبب الأولي خلق الزمان، والمكان، والمادة، إذَن لا بد أن يكون المسبب الأولي خارج الزمان، والمكان، والمادة). أي أنه غير محدود أو لانهائي.
  • قويًا بشكل يفوق الخيال، مادام قادرًا على خلق الكون برمته من العدم.
  • ذكيًا ذكاءً فائقًا، مادام قادرًا على تصميم الكون بهذه الدقة المذهلة (سنرى المزيد في هذا الموضوع في الفصل القادم).
  • شخص، مادام قادرًا أن يختار أن يُحَوِّل حالة العدم إلى كون من الزمان والمكان والمادة (القوة اللاشخصية لا تقدر على الاختيار).

سمات المسبب الأولي هذه هي بالضبط السمات التي ينسبها المؤمنون بالله الخالق إلى الله. ونكرِّر إن هذه السمات لا تقوم على ديانة شخصٍ ما أو على خبرة ذاتية. ولكنها مأخوذة من الأدلة العلمية التي استعرضناها توًا، وهي تساعدنا على رؤية جزء جوهري من سطح علبة هذا اللغز الذي نسميه الحياة.

الخلاصة: إن لم يكنِ الله موجودًا، فلماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟

منذ سنوات ناظرتُ (“أنا نورم”) أحد الملحدين في “جامعة ميامي” University of Miami حول سؤال “هلِ الله موجود؟” وبعد أن قَدَّمتُ الكثير من الأدلة التي استعرضناها في هذا الفصل، أتيحت لي الفرصة أن اسأل خصمي بعض السئلة. وأليك ما سألت:

” سيدي، عندي لك بعض الأسئلة: أولاً “إن لم يكنِ الله موجودًا، لماذا أصلاً يوجد شيء بدلاً من العدم؟” ثم سألته بضعة أسئلة أخرى معتقدًا أنه سيجيب عنها بالترتيب.

عادة عندما تناظر شخصًا تحاول أن تقنع الجمهور. ولكنك لا تتوقع أن تجعل خصمك يعترف بأنه مخطئ. فقد استثمر الكثير والكثير في الموقف الذي يتبناه، ومعظم المناظرين لا تسمح لهم كبرياؤهم أن يعترفوا بالخطأ. ولكن هذا الرجل كان مختلفًا. فقد فاجأني بالقول: “السؤال الأول سؤال وجيه. إنه حقًا سؤال وجيه”. ودون أن يضيف أي تعليق آخر انتقل إلى إجابة سؤالي الثاني.

فبعد أن سمع هذا المُناظر الأدلة على وجودِ الله بدأ يشك في معتقداته. بل إنه حضر اجتماع متابعة عقب المناظرة وعبَّر عن أنه يشك في الإلحاد. لقد بدأ إيمانه بالإلحاد يهتز بالفعل.

“أن لم يكنِ الله موجودًا، فلماذا اصلاً يوجد شيء بدلاً من العدم؟” سؤال علينا جميعًا أن نجيبه. وفي ضوء الأدلة ليس أمامنا إلا خياران: إما أنه لا أحدَ خلق شيئًا من العدم، أو أن شخصًا ما خلق شيئًا من العدم. أيّ المنظورين أكثر منطقية؟ العدم خلق شيئًا؟ لا. حتى “جولي أندروز” Julie Andrews  عرفت الإجابة عندما غنَّت قائلة: ” لا شيء يأتي من العدم. لا شيء أبدًا أتى من العدم!” وإن كنت لا تستطيع أن تصدق أن العدم سبَّبَ شيئًا، إذَن أنت لا تملك الإيمان الكافي للإلحاد!

إن المنظور الأكثر منطقية هو الله. وهو مارجحه “روبرت جاسترو” عندما ختم كتابه “الله وعلماء الفلك” بهذه الكلمات الكلاسيكية: “بالنسبة للعالِم الذي عاش على إيمانه بقوة العقل، تنتهي القصة كحُلْم مزعج. لقد تسلق جبال الجهل، وكان على وشك أن يغزو أعلى قممها، وبينما يجذب جسمه على آخر صخرة، يصادف مجموعة من اللاهوتيين يحيّونه وقد جلسوا هناك منذ قرون”.

 

[1] كل المجرات تتجه بعيداً عنا‘ ولكن هذا لا يعني أننا في مركز الكون. ولكي ترسم صورة في ذهنك لهذه الفكرة، تَخَيل بالونة عليها نقط سوداء. وعندما تنفخ البلونة، تنفصل كل النقط عن بعضها البعض سواء أكانت قريبة من المركز ام لا. والنقط التي على جانبي البلونة (الأبعد عن بعضها البعض) تنفصل أسرع من النقط المتجاورة. والحقيقة أن “هَبِل” اكتشف علاقة طردية بين المسافة والسرعة، أظهرت أن مجرة تبعد عنا ضعف المسافة التي تبعدها مجرة أخرى، تسير عنا بمقدار ضعف السرعة. وهو ما عُرِف باسم “قانون هَبِل”.

 تعني زيادة مفاجئة، أو ارتفاع مفاجئ، أو تدفق قوي مفاجئ. (المترجمة)surge الطريف أن كلمة [2]  

[3]  ربما أنك سمعت القانون الأول في الديناميكا الحرارية مصاغًا على هذا النحو: “الطاقة لا تُخلق ولا تُدَمَّر” أو الطاقة لا تفنى ولا تَّستحدث من عدم”. هذه عبارة فلسفية، وليست ملاحظة تجريبية. فكيف لنا أن نعرف أن الطاقة لم تُخلَق لم تستحدث من عدم)؟

لم يكم هناك ملاحظون ليتحققوا من هذا الأفتراض. ولكن التعريف الأدق للقانون الأول بقدر ما تتيحه الملاحظة هو أن “إجمالي كمية الطاقة في الكون (اي الطاقة القابلة للاستخدام وغير القابلة للاستخدام) تظل ثابتة”. لذلك بينما تُستهلك الطاقة القابلة للاستخدام، تتحول إلى طاقة غير قابلة للاستخدام، ولكن مجموع الاثنتين يبقى كما هو. كل ما يتغير هو نسبة الطاقة القابلة للاستخدام إلى الطاقة غير القابلة للاستخدام.

[4]  كلمات مثل “يسبق” و”قبل” عادة ما تنطوي على زمن. ولكننا لا نقصدها بذلك المعنى، لأنه لم يكن هناك زمن “قبل” الانفجار الكبير. لأنه يستحيل أن يكون هناك زمن قبل بدء الزمن. فما الذي يمكن أن يوجد إذَن قبل الزمن؟ الإجابة بمنتهى البساطة هي: الأزلي! أي المسبب الأزلي الذي أوجد الزمان، والمكان، والمادة.

[5]  كلمة “كتابّي” في الفهم المسيحي تعني: وفقًا للكتاب المقدس. (المترجمة)

[6]  الإشارة إلى الجزء الخامس من فيلم “حرب النجوم” Star Wars ، وعنوانه بالإنجليزية The Empire Strikes Back. (المترجمة)

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

 

مرقس

اعتبر إنجيل مرقس أول الأناجيل لأنه أصبح من المعترف به الآن أنه مصدر أساسي للإنجيلين المتشابهين الآخرين. ومع ذلك، فإن إنجيل مرقس لم يلق عناية كافية إلا منذ أزمنة قريبة فقط. وكان قد لاقى إهمالاً بصفة عامة من الكنيسة منذ الأيام الأولى للمسيحية، وذلك لاهتمام الكنيسة بالإنجيلين الذين يحتويان على قصص أطول وهما متى ولوقا. وهذا أمر لا يكاد يبعث إلى الدهشة لأنهما يضمان معظم المعلومات الواردة في إنجيل مرقس بل ويضمان المزيد أيضاً. ولذلك فسرعان ما جاء وقت اعتبر فيه إنجيل مرقس أنه نسخة مختصرة من إنجيل متى. ولكن الوضع قد تغير الآن، حيث عرق أنه يكاد يكون من المؤكد أن إنجيل مرقس هو أول ما كتب من الأناجيل، وبذلك وصل إلى مكانة من المحتمل أنه لم يحظ بها منذ ظهوره لأول مرة.

ومع ذلك، هناك بعض الأدلة التي تفيد أنه كان يلقى التقدير في بعض الدوائر المسيحية المعينة ليس بعد كتابته بوقت طويل، فعلى سبيل المثال نجد أن بابياس Papias الذي كان يكتب حوالي عام 140م، ولكنه كان يقتبس من مصدر سابق، يعرف مرقس بأنه كان “المترجم الخاص ببطرس” ويقول إنه كان يكتب بدقة ولكن بدون ترتيب كل الأمور التي يستطيع تذكرها من أقوال المسيح وأعماله. كذلك إيريناوس وأكليمندس السكندري يربطان بين إنجيل مرقس وكرازة بطرس، وفي عصور قريبة ساد الاعتقاد بأن محتويات الإنجيل تدعم الرأي القائل إن بطرس كان مصدر الكثير مما جاء به.

وقد سرد عدداً من القصص بتفاصيل رائعة فكان من الطبيعي اعتبارها المصادر الأولى للأحداث التي وصفتها[1]. فقصة دعوة بطرس، وقصة أول سبت ليسوع في كفر ناحوم، حيث شفى حماة بطرس[2]، تعد من الأمثلة الجيدة على ذلك. وفضلاً على ذلك، فبعض الإشارات إلى التلاميذ، وإلى بطرس بصفة خاصة، غير مواتية بالنسبة لهم وبدرجة كبيرة. فالتلاميذ كانوا يصورون بصفة دائمة على أنهم جهلة متبلدو الذهن، أخفقوا في فهم ما كان يحاول يسوع أن يعلمهم[3]. وفي إنجيل مرقس لم يكن التلاميذ بأي حال من النوعية التي كانت الكنيسة في وقت لاحق تود أن يكونوا منها. ولذلك فمن غير المحتمل أن يكونوا قد وصفوا بهذه الصورة غير المرضية ما لم يكن لدى مرقس معلومات جيدة، ربما حصل عليها من بطرس نفسه لتدعم هذه الصورة.

الكاتب

ولكن من هو مرقس؟ من الطبيعي أن اسم “مرقس” كان من الأسماء الشائعة، وكان من الممكن أن يكون أي شخص. وفي مناقشتنا هذا السؤال، نحن في حاجة إلى أن نتذكر أنه ليس من بين الأناجيل من يذكر في الواقع اسم كاتبه. وإنجيل يوحنا أقرب الأناجيل إلى ذلك، ولكن حتى هناك لا نجد سوى إشارة غامضة إلى شاهد لصلب المسيح[4]. وعلى الرغم من أن هذا الشخص كثيراً ما يشار إليه بعبارة “التلميذ المحبوب”، إلا أنه ليس من الواضح تماماً من كان هذا. وفي هذه الناحية فإن الأناجيل تختلف تماماً عن معظم بقية العهد الجديد، لأنها قدمت إلينا ككتابات مجهولة الكاتب. ونسبتها التقليدية على متى ومرقس ولوقا ويوحنا أضيفت بالطبع إلى مرحة مبكرة، ولكنها تمثل آراء الكنيسة بالنسبة لكتبة الأناجيل، وليس أي ادعاء من قبل الكاتبين أنفسهم.

وواضح من البرهان أن كاتب الإنجيل الثاني كانت الكنيسة الأولى بصفة عامة تربط بينه وبين شخص اسمه يوحنا الملقب مرقس، والذي يعرف من أجزاء أخرى من العهد الجديد[5]. وطبقاً لما جاء في سفر أعمال الرسل، فإن مجموعة من المسيحيين كانوا يلتقون بصفة منتظمة في بيت أمه في أورشليم[6]، ويوحنا مرقس نفسه ذكر على أنه كان رفيق بولس وبرنابا في أول رحلة تبشيرية قاما بها[7]. وعلى الرغم من أن مرقس لم يذهب معهما[8]، إلا أن بولس يمتدحه في اثنتين من رسائله التالية[9]، ومن ثم فلا بد وأن الرجلين كانا قد سويا خلافاتهما. كذلك ذكر بمحبة في (1بطرس 5: 13)، وأن هذا اعتماداً على وجهة النظر الخاصة بكاتب رسالة بطرس الأولى، يمكن أخذه كدليل للربط بينه وبين بطرس وكذلك ببولس.

وإنه لمن الصعوبة بالأكثر التأكد من أن نفس مرقس هذا هو حقاً كاتب الإنجيل. غير أنه بالنظر إلى ميل مسيحيي القرن الثاني للربط بين أسفار العهد الجديد وشخصيات رئيسية من الكنيسة الأولى، فلربما لا يكون التقليد الذي يربط مرقس بالإنجيل الثاني بعيداً تماماً عن الحقيقة. فيوحنا مرقس الذي تقابلنا معه في العهد الجديد هو شخص لا أهمية كبيرة له، وليس من نوعية الشخص التذي تعزى إليه كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلاً.

القراء

كان الاعتقاد السائد أن إنجيل مرقس كتب في روما، لخدمة احتياجات الكنيسة هناك. ويختلف إيريناوس وأكليمندس السكندري حول الظروف الحقيقية التي أحاطت بكتابته، ولكنهما يتفقان معاً على أنه كتب في روما. وإذا كان كاتب الإنجيل هو حقاً يوحنا مرقس، فإن الإشارات إليه في العهد الجديد تجعله أيضاً في روما.

ومن المؤكد أن الأنجيل كتب لقراء من غير اليهود. وقد ترجمت عبارات مثل “طاليثا قومي” أو “إفثا”[10] إلى اللغة اليونانية لفائدة قراء مرقس. كذلك شرحت أيضاً العادات اليهودية بطريقة توحي أنها لم تكن مألوفة[11]. كذلك هناك عدد من العبارات اللاتينية التقنية في إنجيل مرقس[12]، الأمر الذي يستشف منه أن الإنجيل كتب في جزء من الإمبراطورية الرومانية كانت اللغة اللاتينية مستعملة فيه. وعلى ضوء هذه الأدلة يبدو أنه من المؤكد أن تكون روما المكان المفضل لكتابة الإنجيل.

التاريخ

تحديد تاريخ للإنجيل على الرغم من ذلك لا يعد أمراً سهل، لعدة أسباب:

ç الدليل المستمد من آباء الكنيسة دليل متناقض. ذلك أن أكليمندس السكندري يقول إن مرقس كتب الإنجيل حيث أملاه عليه بطرس، وأن المسودة الأخيرة له وافق عليها بطرس نفسه. غير أن إيريناوس يقول إن الإنجيل لم يكتب إلا بعد موت بطرس وبولس. وهذا معناه أنه علينا أن نحاول من دليل من الإنجيل نفسه معرفة متى كتب، وهذه ليست بالمهمة السهلة.

ç كثيراً ما كان هناك اعتقاد بأن الإشارات إلى محاكمات واضطهادات في إنجيل مرقس توحي بأن قراءه كانوا يلاقون الآلام بسبب إيمانهم بالمسيح. وإذا كان الأمر كذلك[13]، فيمكن أن يرجع تاريخ الإنجيل إلى فترة تقع ما بين 60 و70م، وهي الفترة التي حاول نيرون فيها أن يلقي باللوم على المسيحيين بأنهم السبب في حريق روما. غير أن الاضطهاد كان بالطبع من السمات الشائعة في حياة الكنيسة في القرن الأول. ولذلك فإنه ليس من الضروري بالربط بين إنجيل مرقس وأي من الاضطهادات الشهيرة. فلا بد وأنه كانت هناك كثير من الاضطهادات المحلية التي لا نعرف شيئاً عنها، على الرغم من أنها كانت اضطهادات حقيقية بالفعل.

ç ثم إن هناك السؤال ما إذا كان الجزء الرؤوي في إنجيل مرقس يفترض مقدماً أن أورشليم قد سقطت بالفعل في يد الرومان. وبالنظر إلى أن هذا وقع سنة 70م، فالإجابة على هذا السؤال سوف تجعل تاريخ الإنجيل على الأقل قبل أو بعد هذا الحدث بقليل. ولكن هنا أيضاً انقسمت الآراء. فقد قال روبنسون بأنه من المؤكد أن إنجيل مرقس قد كتب قبل سنة 70م. (مع بقية العهد الجديد)، ومن رأيه أنه كان موجوداً قبل ذلك التاريخ بوقت طويل. ولذلك يُرجع كتابته إلى الفترة ما بين 45-60م. ومع ذلك فهناك مفكرون آخرون يرجعون تاريخه إلى الفترة ما بين 60-70م.

الأسباب التي حملت مرقس على الكتابة

من السهولة تحديد الدافع الذي حمل مرقس على كتابة إنجيله بالشكل الذي كتبه به.

إذا كان إنجيل مرقس له علاقة ما ببطرس – كما توحي التقاليد الأولى – فإن من أسباب كتابته قد تكون رغبته في حفظ ذكريات بطرس كشهادة دائمة للكنيسة. وهذا سيكون أمراً من السهل فهمه إذا كان مرقس قد قام بالكتابة في وقت يسبق موت بطرس أو بعد ذلك مباشرة.

إلا أن هذا الإنجيل كتب في ظل موقف معين كان في الذهن. وهناك عدد من النواحي المميزة والملفتة للنظر بالنسبة لصورة يسوع في إنجيل مرقس[14]. فقد قدم هنا على اعتبار أنه بشر تماماً: فقد غضب يسوع في بعض المناسبات، ولم يكن يقدر على عمل المعجزات إذا لم تتوافر الظروف الإيمانية المماثلة[15]، وكان يعاني آلاماً جسدية وبطريقة يمكن الاعتقاد أنها تتنافى مع وضعه كابن الله[16]. وفي وقت ما، اعتبرت هذه الأشياء على أنها من علامات فكر مرقس اللاهوتي “البدائي”. غير أنه يوجد تفسير آخر لها: هناك فكرة طرحها بروفسور “مارتن R. P. Martin”، مفادها أن كثيرين من المسيحيين وجدوا أنه من الصعوبة التوفيق بين لاهوت يسوع وإنسانيته الحقيقية العاملة. ولذا اقترحوا أن يسوع الإله حل في يسوع الإنسان عند عماده، ثم تركه ثانية قبل صلبه – وهؤلاء هم الدوستيون، الذين يقولون إن يسوع بدا كإنسان فقط (من الكلمة اليونانية Dokeo: ومعناها “يبدو”). ولقد اهتم كاتب رسالة يوحنا الأولى بتصحيح مفاهيم هؤلاء الناس، وربما أخذ إنجيل يوحنا ذلك في الاعتبار. إلا أن إنجيل مرقس ربما جاء مصححاً لهذه الفكرة. وفي الرد على أولئك الذين كانوا يقولون إن بشرية يسوع أمر وهمي، فإن مرقس يؤكد حقيقة بشريته بتقديمه يسوع على أنه المسيح الله الذي أخفى أصله وأهميته ثم أعلن عنهما في شخص إنسان حقيقي.

 

لوقا

التقاليد التي تربط الإنجيل الثالث بشخص لوقا يعود تاريخها إلى بداية القرن الثاني. والقائمة الموراتورية ومقدمة إنجيل لوقا المضادة للماركونية، وكذلك إيريناوس وأكليمندس السكندري، وإوريجانوس وترتليان، كل هؤلاء يذكرون لوقا باعتباه كاتبه. والقيمة الحقيقية لهذه التقاليد، على الرغم من ذلك، غير مؤكدة، لأن معظم ما تتضمنه كان من الممكن استخلاصه من العهد الجديد نفسه، وعلى هذا فليس من الضروري أن تكون لها جدارة في حد ذاتها. والدليل المستمد من العهد الجديد، نراه في الواقع أكثر فائدة من ناحية تعريف كاتب هذه الإنجيل.

ç هناك سمة مميزة لهذا الإنجيل وهي أنه في حد ذاته ليس كاملاً: فهو أحد جزئين يتناولان تاريخ المسيحية الأولى، والجزء الثاني هو سفر أعمال الرسل. وأسلوب هذه السفرين ولغتهما متشابهان بحيث لا يتركان موضعاً للريبة في أنهما إنتاج كاتب واحد[17]. فكلاهما موجه لنفس الشخص الذي ذكر أن أسمه “ثاوفيلس”.

ç هناك فقرات معينة في سفر أعمال الرسل معروفة بأنها التي جاءت بضمير المتكلم بالجمع[18]. وقد كان ذلك نتيجة أن القصة عند هذه النقاط تتغير من استخدام ضمير الغائب للجماعة، أو ضمير الغائب للمفرد، إلى استعمال ضمير الجمع للمتكلم (نحن). وعلى الرغم من أنه لم يوضح إطلاقاً من المقصود بضمير الجمع للمتكلم هذا، إلا أن استخدام هذا الضمير يشير بوضوح إلى أن الكاتب كان موجوداً في هذه المناسبات، وعلى ذلك فقد كان رفيقاً لبولس. وبالنظر إلى أن أسلوب هذه الفقرات مماثل لأسلوب السفر بجملته، فيبدو أن الكاتب قد استخدم مفكرته الخاصة كمصدر للمعلومات. والفحص الدقيق للقصص يبين أن لوقا هو أفضل من ينطبق عليه هذه القصص.

ç لوقا هذا عرفه بولس بأنه طبيب، وكثيراً ما اتجه الفكر إلى أن كاتب لوقا وسفر الأعمال، كان ملماً بلغة طبية، واهتماماً بتشخيص الأمراض، وكثيراً ما تم التأكيد على هذه النقطة، ومن المحتمل أن المصطلحات الطبية المحدودة التي استخدمت ربما كانت مألوفة لأي شخص ذلك في العالم الروماني. إلا أن هناك نقطة أو اثنتان في الإنجيل يبدو أن لوقا يظهر نفسه عندهما أنه أكثر تعاطفاً من مرقس بالنسبة لعمل الأطباء. وهذا يأتي بشكل ملحوظ تماماً في القصة التي تبين كيف أن يسوع شفى امرأة نازفة الدماء التي كان يبدو أن مرضها غير قابل للشفاء. ويذكر مرقس حقيقة أنها عولجت لدى العديد من الأطباء، ثم يعلق بشيء من السخرية: “وأنفقت كل ما عندها ولم تنتفع شيئاً بل صارت إلى حال أردأ”[19]. أما من ناحية أخرى، نجد أن لوقا بكل بساطة يعلق قائلاً: “ولم تقدر أن تشفي من أحد”[20].

وقد ذكر لوقا ثلاث مرات في العهد الجديد. وفي كل مرة قيل إنه كان رفيقاً لبولس، وفي رسالة كولوسي يقول بولس إنه لم يكن يهودياً[21]. وإذا كان هو حقاً كاتب إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل يكون بذلك هو الكاتب الوحيد من غير اليهود في مجموعة كتبة العهد الجديد[22]. ومن المؤكد أن الأسلوب اليوناني لهذه الكتابات يوحي بأن كاتبها لا بد أن يكون مواطناً يونانياً.

وطبقاً لما يقوله يوسابيوس فقد جاء لوقا من إنطاكية في سوريا[23]، وهناك مخطوطة قديمة لسفر أعمال الرسل تشير إلى أنه كان في أنطاكية حين وصلت للكنيسة هناك أنباء عن مجاعة وشيكة[24]. أما نص سفر أعمال الرسل المقبول بصفة عامة، فقد ورد به أن لوقا كان برفقة بولس حين توجه إلى أوربا لأول مرة. كما أنه صاحب بولس أيضاً في رحلته الأخيرة إلى أورشليم، ثم واصل السفر معه إلى روما نفسها. كما يقول “ستريتر” وآخرون، ربما جمع لوقا جزءًا من مادة إنجيله أثناء هذه الفترة من الكنيسة في قيصرية، على الرغم من أن نسخته الأخيرة ربما تكون قد كتبت في روما.

التاريخ

من غير الممكن التأكد على نحو من الدقة التاريخ الذي أنهى فيه لوقا إنجيله. وبالنظر إلى أنه يدمج في قصته مادة مأخوذة من إنجيل مرقس، فلا بد أن يكون قد كتب المسودة الأخيرة لسفره بعد أن تمت كتابة إنجيل مرقس وأصبح متداولاً. وعلى هذا فإن التاريخ الذي نعطيه لإنجيل لوقا يعتمد إلى حد ما على التاريخ الذي ننسبه إلى إنجيل مرقس[25]. وقد قيل إن لوقا أظهر معرفة بسقوط أورشليم على يد الرومان سنة 70م. فإذا كان الأمر كذلك فإن تاريخ إتمام كتابة الإنجيل يرجع إلى ما بعد ذلك بقليل. لكن هناك من يرون أنه لا يوجد مبرر لتأكيد هذه الفكرة، وينسبون إلى الإنجيل تاريخاً مبكراً عن ذلك، والبعض يعطونه تاريخاً يرجع إلى الفترة من 57-60م.

الأسباب التي دعت لوقا لكتابة إنجيله

لماذا كتب لوقا إنجيله؟ كان هذا من أكثر الموضوعات التي تمت مناقشتها بحدة بين باحثي العهد الجديد في الفترة الأخيرة، ولقد طرح عدد كبير من الاقتراحات في هذا الخصوص. وعدد قليل من أهم هذه الاقتراحات يستحق الذكر.

ç يجب ألا ننسى أن لوقا لم يذكر لنا شيئاً عن هدفه في مقدمة إنجيله. وهو يقول إنه يكتب لشخص اسمه ثاوفيلس “لتعرف صحة الكلام الذي علمت به”[26]. كما يقول أيضاً إنه كتب إنجيله بتدقيق وبطريقة أدبية، وقد درس القصص التي كتبها أناس آخرون، وعلى هذا الأساس كتب “على التوالي”. وهذا يوضح لنا عدداً من الأمور. فمن ناحية يبدو واضحاً أن ثاوفيلس (أيا كان هذا الشخص) كان مسيحياً. وقد كتب لوقا إنجيله ليساعده وغيره من المؤمنين كي يحسنوا فهمهم للإيمان المسيحي. لكن الكاتب يوضح أيضاً أنه يرى أن أفضل طريقة لتحقيق ذلك هو أن يبدأ على قدر المستطاع بما عرف عن حياة يسوع نفسه وتعاليمه. ولذلك كان له أيضاً اهتمام تاريخي في اكتشاف الحقائق عن يسوع، وعلى مثال غيره من الإنجيليين لم يبدأ بكتابة سيرة ذاتية عن يسوع بالمعنى التقني. غير أنه في ذات والوقت أدرك أنه إن كان لرسالته إلى ثاوفيلس أن يكون لها ثقل كبير فإن الأمر يتطلب منه التزام بكل دقة بحقائق التاريخ.

ç ولهذا السبب نجد أن لوقا يبدأ قصته عن يسوع باليهودية فيوضح في الأصحاحين الأولين من إنجيله استمرارية المسيحية مع اليهودية والعهد القديم. ثم إنه يؤكد في ذات الوقت على أن يسوع هو تحقيق لكل مواعيد الله، ولذلك فلم تعد هناك حاجة الآن إلى ديان العهد القديم. والعلاقة بين اليهود والمسيحيين كانت تشكل بالطبع موضوعاً هاماً في الكنائس الأولى، وهذا ما نستطيع أن نلمسه من رسائل بولس. ومن بداية إنجيله يؤكد لوقا أن أولئك الذين يتبعون يسوع ليسوا في حاجة في البداية أن يصبحوا يهوداً كي يكونوا بعد ذلك مسيحيين. بل جاء يسوع بالأحرى ليكون “نوراً… للأمم”[27].

ç في الوقت الذي كتب فيه لوقا إنجيله، كانت أحداث حياة المسيح قد أصبحت تنتمي إلى الماضي. وكثيراً ما أدت هذه الحقيقة إلى أن تهتم الأجيال اللاحقة من المسيحيين بتاريخ القرن الأول بأكثر من اهتمامهم بالأحداث الخاصة بأيامهم. غير أن لوقا في قصته عن حياة يسوع وخدمته، يؤكد على أنه توجد علاقة هامة بين أحداث حياة يسوع، والحياة في الكنيسة المعاصرة. وقد فعل هذا، بالتأكيد على أن قوة حياة وجود المسيح في الكنيسة، الروح القدس، كان لها أيضاً دورها الهام في خدمة يسوع. وعند نقاط هامة كثيرة نجد أن لوقا ينطلق بوضوح ويتحدث باستفاضة عما جاء بشكل ضمني فقط في إنجيلي متى ومرقس. وكان للروح القدس دوره في ميلاد يسوع، ومعموديته وخدمته. وفي خاتمة الإنجيل طُلب من التلاميذ أن ينتظروا في أورشليم حتى يقبلوا هم أيضاً عطية الروح القدس[28]. ولعل لوقا كان بهذا يؤكد على استمرارية وجود يسوع مع تلاميذه كتصحيح لأفكار بعض معاصريه الذين تبرموا لأن المجيء الثاني للمسيح لم يتحقق بعد. وهو يذكرهم أنه على الرغم من أن ظهور يسوع الأخير في مجد لا يزال أمراً يخص المستقبل، إلا أنه موجود مع تلاميذه بطريقة حقيقية من خلال حضور الروح القدس في حياتهم.

ç وهناك ملاحظة هامة أخرى في إنجيل لوقا، وهو تأكيده على أن الرسالة المسيحية مقدمة لكل إنسان، وهذا أمر واضح لنا اليوم، ولكنه لم يكن هكذا على الإطلاق بالنسبة للأجيال القليلة الأولى من المسيحيين. ومن بين أعظم إسهامات بولس الرسول أنه بين أن محبة الله تمتد إلى أدنى طبقات المجتمع. وأوضح لوقا في إنجيله أن هذه كانت أيضاً رسالة حياة المسيح وتعليمه. فحين يروي قصة الطفل يسوع، نراه يضمنها القول بأنه سيكون “نور إعلان للأمم”[29]. وفي تتبعه لسلسلة أنساب يسوع، يرجع لوقا إلى آدم[30]، أب البشرية جميعاً، في حين أن متى يتوقف عند إبراهيم فقط أب الجنس اليهودي[31]. وفي قصة لوقا عن العظة في المجمع في الناصرة، كانت رسالة يسوع تركز على الأمم[32]. كما يذكر لوقا أيضاً اهتمام يسوع الخاص حتى بالسامريين، الذين يكرههم اليهود بأكثر حتى مما يكرهون الرومان[33]. وطوال هذا الإنجيل يقدم يسوع بصفة خاصة على أنه صديق المنبوذين في المجتمع[34]. وهؤلاء هم الذين يسر الله بالترحيب بهم، وسروره في قبول أناس كهؤلاء في ملكوته هو سرور يشاركه فيه أيضاً أتباع يسوع[35]. وسعادة كون الإنسان مسيحياً تم التأكيد عليها مراراً وتكراراً. وقصة لوقا تبدأ بالملائكة وهو يبشرون “بفرح عظيم”[36]، وتختتم بالتلاميذ وهو عائدون إلى أورشليم بعد الصعود “بفرح عظيم”[37]. وبين هذين الحدثين نجد أن كثيراً من أروع أمثال يسوع تنتهي بنفس نبرة السعادة هذه. فالخروف الضال، والابن الضال، وأمثال أخرى كثيرة تؤكد الفرح الذي أعطى لتلاميذ يسوع – وهو فرح قائم على أساس محبة الله الغافرة التي أُظهرت لهم حين كانوا هم أنفسهم من المنبوذين والخطاة[38].

وربما لا يوجد سفر آخر في العهد الجديد كله يقدم يسوع بهذه الصورة الرائعة كصديق ومخلص للجميع. وهذا هو تماماً ما استهدفه لوقا. لأنه كان من المهم أن تدرك الكنيسة على أيامه كيف أن رسالتها للعالم كله متأصلة بشكل قوي في تعليم ومثال يسوع نفسه.

 

 

متى

يختلف إنجيل متى عن كل من إنجيل مرقس وإنجيل لوقا. وهناك عدد من السمات الخاصة التي يتطلب الأمر تأملها قبل أن نذكر أي شيء عن أصله، وتاريخه، وكاتبه.

يتميز هذا الإنجيل بترتيب منظم للغاية بالنسبة لمادته، حيث رُتب بحسب الموضوعات. ومن الممكن تقسيمه بعدد من الطرق المختلفة، فهناك هيكل لهذا الإنجيل كان يستعمل في الماضي على نطاق واسع[39]، وكان ينظر إلى الإنجيل كمجموعة من خمسة قوالب أو أنه كُتب من مادة رتبت بين المقدمة التي تضمنت قصص الميلاد[40]. والخاتمة التي تضمنت قصة الآلام. وكل من أجزاء الإنجيل هذه يمكن ملاحظة أنه يضم مجموعة متوازنة بشكل جيد من مادة للقصة والتعليم على النحو التالي:

(1) الناموس الجديد

 

قصة (الخدمة في الجليل

3: 1 – 4: 25

تعليم (الموعظة على الجبل)

5: 1 – 7: 29

(2) التلمذة المسيحية

 

قصة

8: 1 – 9: 34

تعليم

9: 35 – 10: 42

(3) معنى الملكوت

 

قصة

11: 1 – 12: 50

تعليم (أمثال)

13: 1-52

(4) الكنيسية

 

قصة

13: 53 – 17: 27

تعليم (نظام، تأديب، عبادة)

18: 1-35

(5) دينونة

 

قصة (مجادلات في أورشليم)

19: 1 – 22 : 46

تعليم (دينونة على الفريسيين وتعاليم رؤوية

23: 1 – 25: 46

ومن رأي “باكون B. W. Bacon”، أن متى يستعمل هذا المخطط لتقديم يسوع لقرائه كموسى جديد، والتقسيم الخماسي لإنجيله يعد نظيراً ملموساً لأسفار موسى الخمسة في العهد القديم. ولكن هذا أمر يصعب إثباته. فلم يقل متى في أي موضع إن يسوع هو “موسى الثاني”، بل وليس هناك تشابه بين الخمسة التي قسم إليها الإنجيل وبين أسفار موسى الخمسة. فليس هناك شيء مشترك بين الإثنين سوى الرقم خمسة.

والواقع أنه ليس من المؤكد أنه توجد خمسة أقسام في الإنجيل. والسبب الرئيسي لتقسيمه على هذا النحو يرجع إلى حقيقة أن عبارة “فلما أكمل يسوع هذه الأقوال….” وجدت خمس مرات في الإنجيل، وفي نقاط تتناغم مع النهاية المزعومة لهذه الأجزاء. إلا أننا حللنا الإنجيل على أساس محتوياته، بدلاً من استخدام هذا المعيار القائم على الأسلوب الأدبي، سوف نصل إلى استنتاجات مختلفة تماماً. ولقد قال بروفيسور ج. د. كنجسري J. D. Kingsbruy إنه لا توجد خمسة تقسيمات في إنجيل متى بل ثلاث فحسب. وينادي بأن اهتمام متى الرئيسي كان منصباً على أن يبين أن يسوع هو ابن الله والمسيا، وأن الإنجيل مرتب موضوعاً حول هذا الموضوع:

1 – شخص يسوع باعتباره المسيا وابن الله (1: 1 – 4: 16).

2 – إعلان رسالة يسوع (4: 17 – 16: 20).

3 – آلام وموت وقيامة المسيح وابن الله (16: 21 – 28: 20).

لقد بزلت عدد من المحاولات الفكرية أيضاً لتفسير تركيب الإنجيل بواسطة كتب الفصول اليهودية المقدسة، أو صيغ لغوية وحسابية مختلفة. وأنها بالطبع لحقيقة أن تعاليم الإنجيل كثيراً ما تجمع في سلاسل ثلاثية وسباعية، ولكن هذا ربما كان القصد منه مساعدة المسيحيين الذين يريدون أن يحفظوا أقوال يسوع عن ظهر قلب، لا أن يكون بمثابة إشارة خفية لترتيب مادته.

يؤكد متى أيضاً – وبصفة خاصة – على العهد القديم. وقد قدمت حياة يسوع وتعاليمه على أنها تحقيق للمواعيد التي قطعها الله لإسرائيل. وقد ذكر هذا ليس في إطار المعنى العام بأن يسوع هو “ابن داود” فحسب، بل بالأكثر بإشارات واضحة لنصوص العهد القديم. لقد كان الكاتب على قناعة أن يسوع أتم في اختباره كل ما وقع لإسرائيل. ولكي يثبت ذلك نراه كثيراً ما يستشهد بنصوص العهد القديم وبطريقة قد تبدو لنا غريبة إلى حد ما[41]. فعلى سبيل المثال، حين يذكر متى عودة الطفل يسوع من مصر إلى موطنه نراه يقتبس قول هوشع عن خروج إسرائيل من مصر: “من مصر دعوت ابني”. غير أن رسالته واضحة: كل ما كان يعتبر مركزياً في علاقة الله مع شعبه إسرائيل تم حقاً وبشكل نهائي في حياة يسوع.

لذلك فإنه لما يدعو إلى الدهشة إلى حد ما أننا نجد أنه إلى جانب هذا الاهتمام اليهودي القوي، هناك تأكيد عظيم على شمولية الرسالة المسيحية. فأخطاء اليهود لم يتم التغاضي عنها في صمت[42]. ففي متى نجد أقسى الانتقادات لرياء الفريسيين[43]، وهناك دلالات عديدة على أنه قد ولى اليوم الذي كان فيه الإسرائيليون فيه شعب الله. وقد تمت موازنة هذا بتأكيد رائع على العمل المرسلي للكنيسة. وأصبح الأمر في غاية الوضوح في الإرسالية العظمى التي كلف بها يسوع تلاميذه في خاتمة الإنجيل[44]. غير أنه قد لمح إلى ذلك منذ البداية حين انضم المجوس الحكماء، الذين هم من غير اليهود، في السجود للطفل يسوع[45].

نجد هنا أيضاً اهتماماً واضحاً بالأخرويات، والتعليم الخاص بهذا الموضوع الذي تضمنه الأصحاحات 24، 25 جاء على نحو أشمل وأكمل مما جاء في الأجزاء المناظرة في الأناجيل المتشابهة الأخرى. فإنجيل متى يتضمن عدداً من الأمثال تتناول موضوع المجيء الثاني والدينونة الأخيرة، ولا نجد هذه الأمثال في الأناجيل الأخرى. ومعظمها تركز على تشجيع المسيحيين على الحياة في حالة الاستعداد المستمر لعودة يسوع: “لأنكم لا تعرفون اليوم أو الساعة”. ولعل بعضاً من أعضاء كنيسة متى كانوا قد بدأوا يشكون في عودة يسوع ثانية، والأمثال التي على نمط العذارى العشر تؤكد أنه في ظل موقف كهذا لن يكون المسيحيون إطلاقاً في حالة مناسبة للقاء ربهم.

وهناك سمة أخرى هام لإنجيل متى تتمثل في اهتمامه بالكنيسة. والواقع أنه الإنجيل الوحيد الذي استخدمت فيه الكلمة التي تترجم كنيسة “Ekklesia”. وهذه الحقيقة من المؤكد أنها تتضمن إشارة إلى الإنجيل كله. فقد كان متى يضع مجموعة من تعاليم يسوع في شكل يمكن أن يستعمل مباشرة طوال حياة الكنيسة. لقد كانت خلاصة وافية لنصيحة لها سلطانها سواء بالنسبة للمتجددين حديثاً أو المؤمنين القدامى فيما هم يحاولون أن يضعوا إيمانهم المسيحي موضع التطبيق في حياتهم اليومية.

الكاتب

ليس هناك اتفاق عام بالنسبة لمن كتب الإنجيل، وما هو زمن كتابته. وكثيرون من المفكرين لا يجدون الآن أية صعوبة في قبول التقاليد المسيحية القديمة التي تعرف مرقس ولوقا على أنهما قاما بكتابة الإنجيلين المنسوبين إليهما، لكن الوضع مختلف إلى حد ما بالنسبة لإنجيل متى. لأن متى، الذي ربط آباء الكنيسة اسمه بهذا الإنجيل، كان تلميذاً ليسوع، وعلى ذلك كان شاهد عيان بالنسبة للأحداث التي وصفها. وليس من السهل معرفة السبب الذي يجعل واحداً من الاثني عشر معتمداً بدرجة كبيرة جداً على إنجيل مرقس، الذي كتبه شخص لم يكن شاهد عيان للأحداث المتعلقة بحياة يسوع.

وبالطبع فموضوع الكاتب الحقيقي للإنجيل ليس الموضوع المهم بالنسبة لفهمنا له. فالسفر نفسه جاء خلواً من اسم كاتبه، ولا يتضمن أية إشارة على الإطلاق بالنسبة لمن كتبه. وربما كان شخصاً مرتبطاً بمتى الرسول، ولكن في أية مرحلة، أو بأية طريقة، فهذا لم يمكن قوله تحديداً.

تاريخ كتابته

كذلك تاريخ كتابة الإنجيل هو موضوع شك، ويعتمد على الإجابات على عدد من الأسئلة الأخرى.

ç من المفترض أنه لا بد وأن يكون قد كتب بعد إنجيل مرقس وبعد مجموعة الأقوال المعروفة بالمصدر Q. إلا أنه سبق لنا أن لمسنا المشاكل المتعلقة بإعطاء تواريخ ثابتة لهذه المواد.

çكثيرون من الباحثين يعتقدون أن إنجيل متى قد كتب بعد لوقا، لأن الإنجيل يبدو أنه يحتوي على إشارات مباشرة لسقوط أورشليم سنة 70م، وهنا أيضاً نقول إن هذا لا يعني بالضرورة أن الإنجيل كتب بعد هذا الحدث. وذلك الافتراض كان يقوم إلى حد كبير على الاعتقاد بأنه لا يوجد شيء يمكن القول إنه نبوة حقيقية مؤكدة. وعلى هذا فإذا بدا أن يسوع قد تنبأ بحدث في المستقبل فإن هذا معناه أن الكنيسة الأولى لا بد وأنها أعادت كتابة التقليد على ضوء الملابسات التالية. ولكن روبنسون Robinson أشار بحق إلى سذاجة هذا الافتراض، ويضع تاريخاً قبل ذلك بكثير معتمداً بصفة رئيسية على ذلك الأساس.

ç قيل أيضاً إن نمط تنظيم الكنيسة الذي نلمسه في إنجيل متى يعد نمطاً جيد التطور، وعلى هذا فهو يعكس مرحلة متأخرة جداً من القرن الأول. إلا أن هذا أمر ليس من السهل إثباته. وحين نقارن تفاصيل تعليم هذا الإنجيل عن الكنيسة، برسائل بولس مثلاً إلى كنيسة كورنثوس والتي كانت في منتصف خمسينات القرن الأول، فمن الصعوبة بالبالغة أن نرى فروقاً حقيقية بين الحالتين.

واستناداً إلى كيفية إجابتنا على هذه الأسئلة، قد يرجع تاريخ كتابة الإنجيل إلى الفترة من 80-100م (وهذا ما تؤيده غالبية المفكرين)، أو قبل سنة 70م، وربما في تاريخ مبكر يقع بين 40-60م. (حسب رأي روبنسون Robinson ووجوثري Guthrrie وكاتب أو اثنين من الكتبة الألمان).

 

يوحنا

مع استثناء واحد صغير، أو استثنائين، فإن كل ما قيل هنا تقريباً عن الأناجيل المتشابهة، يمثل إجماعاً في الرأي ساد بين باحثي العهد الجديد لفترة طويلة. وفي معظم النواحي الهامة نسبياً لم يتغير سوى القليل منذ كتب “ستريتر” عمله الهام منذ خمسين سنة مضت. وفي مواضع متفرقة، وضعت تأكيدات جديدة متباينة فيما اكتشف النظم الأحدث لنقاد الصيغ ونقاد التنقيح، مع أنه حتى هذا يعد تطوراً طبيعياً من عمل الأجيال السابقة.

أما بالنسبة لعمل الإنجيل الرابع، إنجيل يوحنا، فأصبحت المسائل الآن مختلفة تماماً. فقد كتب “ستريتر” عن هذا الإنجيل أنه يستمد ليس من المصادر الرئيسية، بل من الصورة الحية…. التي رسمها خيال (الكاتب) على أساس اللاهوت الدفاعي المعاصر، وشاركته رأيه هذا غالبية معاصريه، فقد اعتبروا إنجيل يوحنا تفسيراً لاهوتياً لحياة يسوع صدر في القرن الثاني مستخدماً لغة الفلسفة الهلينية ونمط فكرها. وكانوا ينظرون إليه كنوع من عظة ممتدة، ليس له أية علاقة بتقاليد يعول عليها عن المسيح كما عاش وعلم بالفعل.

ففي حين أنه منذ عشرين أو ثلاثين سنة مضت اعتبر إنجيل يوحنا في الغالب على أنه نسخة مختلفة من الأناجيل المتشابهة، إلا أن كثيرين من المفكرين الأكفاء مستعدون الآن لاعتباره مصدراً مبكراً ومستقلاً للمعرفة عن حياة يسوع وتعليمه، وأنه على قدر متساو مع الأناجيل المتشابهة من حيث قيمته. ويمكننا أن نتتبع ثلاثة أسباب رئيسية لهذا التغير الجذري في الرأي.

يوحنا والأناجيل المتشابهة

منذ خمسين سنة مضت كان الاعتقاد السائد أن كاتب إنجيل يوحنا كان على معرفة بالأناجيل المتشابهة synoptic. وهذا يرجع إلى عدد من القصص التي كانت مشتركة بينهما، فقصة إطعام يسوع خمسة آلاف[46]، وقصة دهنه بالطيب في بيت عنيا[47]، هما من الأمثلة على ذلك. ولذلك افترض أن يوحنا كان يكتب نوعاً من التفسيرات “اللاهوتية” للقصص الواقعية التي وردت في الأناجيل المتشابهة. ولا شك أن هذا أدى إلى استنتاج أن الإنجيل الرابع لا بد وأن يكون متأخراً في التاريخ، وأقل في النوعية من الأناجيل المتشابهة.

ومع ذلك فقد تم التشكيك في هذا الافتراض عند نقطتين:

أولاً: من المعترف به وعلى نطاق واسع الآن أنه من غير الممكن أن نضع “تاريخ الأناجيل المتشابهة مقابل “الفكر اللاهوتي” ليوحنا. ذلك أن كتبة الأناجيل المتشابهة كانوا هم أيضاً من اللاهوتيين. فهم لم يكتبوا أناجيلهم لتسجيل سير ذاتية خالصة، بل لأنه كان لديهم رسالة يريدون توصيلها لقرائهم. كما يتضح أيضاً أن الإنجيل الرابع لم يعتمد بالفعل على الأناجيل الثلاثة الأخرى والواقع أن كاتبه ربما كتبه دون أي معرفة بكتابات الإنجيليين الآخرين.

والفحص الدقيق للقصص الموجودة في الأناجيل الأربعة جميعاً ستبين أن هناك تشابهات بينها، كما أنه توجد عدة اختلافات في رواية يوحنا، وهذه الاختلافات ليست من النوعية التي يمكن تفسيرها بسهولة على أسس لاهوتية. فالاختلافات الواردة في قصص يوحنا، يمكن في الواقع فهمها بسهولة أكثر إذا افترضنا أنه كان متاحاً له الاطلاع على تقارير الأحداث التي كانت معروفة أيضاً لكتبة الأناجيل المتشابهة. وحين تفحص هذه الفرضية بالتفصيل، يمكن معرفة ليس أن قصص يوحنا جاءت من مصدر مختلف فحسب، بل أنه توجد بعض المعلومات في إنجيل يوحنا يمكن استخدامها في تأييد المعلومات الواردة في الأناجيل الأخرى. وهذا مما يساعد على جعل قصة حياة يسوع ورسالته أسهل فهماً.

فعلى سبيل المثال، يذكر يوحنا أن بعضاً من تلاميذ يسوع كانوا قبلاً من تلاميذ يوحنا المعمدان[48]. وهذا يوضح لنا الطبيعة الحقيقية لشهادة المعمدان عن يسوع التي وردت في الأناجيل المتشابهة، ولا سيما التأكيد الذي وضع هناك عن دوره في أن يقوم “طريق الرب”. وقصة يوحنا تساعدنا أيضاً على الإجابة على سؤال (غير واضح في الأناجيل المتشابهة) الخاص بما كان يعمله يسوع في الفترة بين عماده والقبض على يوحنا المعمدان. فالأناجيل المتشابهة تقول إن يسوع بدأ خدمته في الجليل بعد القبض على يوحنا المعمدان[49]. وهذه هي الخدمة الوحيدة التي سجلت في الأناجيل المتشابهة. إلا أنه أثناء زيارته الأخيرة لأورشليم، يذكر إنجيل متى ولوقا (المصدر Q) أن يسوع قال عن سكانها: “كم مرة أردت أن أجمع أولادك…”[50]. وهذا ما يوحي بأن يسوع قام بزيارة أورشليم في عدة مناسبات سابقة. ويتحدث يوحنا عن مثل هذه المناسبة بالضبط، في بداية خدمة يسوع تماماً، حين عمل إلى جانب يوحنا المعمدان في اليهودية قبل أن يعود ثانية إلى الجليل حين ألقي القبض على يوحنا[51].

وإنجيل يوحنا يملأ فراغات مادة الأناجيل المتشابهة في نقطة لاحقة حين يسجل زيارة أخرى قام بها يسوع إلى أورشليم قبل دخوله إليها في أحد السعف بستة شهور[52]. ويذكر يوحنا كيف غادر يسوع الجليل وذهب إلى أورشليم في عيد المظال (سبتمبر) ومكث هناك حتى عيد التكريس (ديسمبر).  وبعد ذلك، وبسبب العداوة المتزايدة عاد إلى المنطقة التي سبق وعمل فيها المعمدان[53]، وقام بزيارة خاطفة لبيت عنيا[54]، وذلك لدى سماعه بموت لعازر، وبعد ذلك بزمن قليل، قبل الفصح (أبريل) بستة أيام، عاد لزيارته الأخيرة لأورشليم[55]. وهذه هي الزيارة الوحيدة التي سجلت بقليل من التفصيل في مرقس، على الرغم من أن الزيارات الأخرى لمح إليها بعبارة مرقس الموجزة: “قام من هناك (الجليل) وجاء إلى تخوم اليهودية عبر الأردن”[56].

ثانياً: هناك أيضاً عدداً من التفصيلات البسيطة التي ذكرها إنجيل يوحنا والتي تساعد على شرح وتوضيح بعض النقاط في قصص الأناجيل المتشابهة[57]. فهناك على سبيل المثال إطعام الخمسة آلاف[58]. فقد ذكر في نهاية القصة في إنجيل مرقس أن يسوع أجبر تلاميذه على الهرب إلى السفينة، فيما يقوم هو شخصياً بصرف الجماهير. لكن تقليد يوحنا المستقل يستكمل بعض التفاصيل موضحاً أن يسوع اضطر إلى اتخاذ هذا الإجراء لأن الجماهير كانت متلهفة على خطفة وإقامته ملكاً عليهم. وسبق لنا أن لاحظنا في أصحاح سابق كيف أن قصص العشاء الأخير، وتجارب يسوع في البرية لا يمكن فهمها تماماً إلا على ضوء المعلومات التي ذكرت في إنجيل يوحنا.

وعلى ضوء دليل من هذه النوعية، أصبح هناك إدراك في أن إنجيل يوحنا يعد مصدراً في حد ذاته. فالمعلومات التي يحتويها غير تلك التي نجدها في الأناجيل المتشابهة، ولكن في نقاط هامة كثيرة نجد أن إنجيل يوحنا يكمل الأناجيل الثلاثة الأخرى.

خلفية يوحنا هي اليهودية

من المعروف أيضاً أن خلفية كثير مما ورد في إنجيل يوحنا هي خلفية يهودية وليست يونانية فقط. والتقاليد الأولى تقول إن هذا الإنجيل ولد في أفسس. ولذلك كان من الطبيعي أن يتطلع الباحثون إلى خلفية هيلينية له، ولا سيما أن مقدمة الأناجيل، تشرح التجسد في ضوء الكلمة “لوغوس”[59]، وهذه التقاليد الخاصة بالكنيسة من الطبيعي ألا يعتمد عليها دائماً. وبالنسبة لإنجيل يوحنا، فإنه من المثير أن نلاحظ أنه إذا أغفلنا المقدمة، فإننا لا نجد فيما يتبقى إلا النادر مما يتطلب خلفية يونانية. والواقع أن هذا عكس ما كان منتظراً. والإنجيلي يذكر هدفه كتابة في صيغة يهودية خالصة: “وأما هذه فقط كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله”[60]. ثم إن هناك أيضاً تأكيداً طوال الإنجيل على إتمام أقوال العهد القديم الأمر الذي يوحي أيضاً بخلفية يهودية.

وهذا الانطباع تأكد من تحليل دقيق للغة الإنجيل الفعلية، لأنه عند نقاط كثيرة تبين اللغة اليونانية علاقة وثيقة بمصادر آرامية. فكثيراً ما يستخدم الكاتب كلمات آرامية مثل: صفا، جباثا، أو ربوني[61]، ثم يعود ويفسرها لمنفعة قرائه اليونانيين. حتى كلمة “مسيا”[62] ذكر لها شرحاً دقيقاً. ومما يعطي مغزى أكثر، أنه توجد أيضاً عدة نقاط تتبع فيها اللغة اليونانية للإنجيل قواعد اللغة الآرامية. ونجد مثالاً لهذا في قول المعمدان عن يسوع “لست بمستحق (أن أحل) سيور حذائه”[63]. فالتعبير هنا يتبع النهج الآرامي ولو أن هذا لا يظهر في الترجمات المختلفة. ولكن التعبير غير العادي لهذه العبارة في إنجيل يوحنا هو تعبير عادي في اللغة الآرامية.

ثم إننا نجد أقوال يسوع أيضاً في إنجيل يوحنا وقد تم التعبير عنها في شبه التطابق وهو الأمر المعروف في الشعر في اللغة السامية[64]، وهناك أجزاء أخرى من تعليمه يمكن ترجمتها إلى الآرامية لتكون شعراً آرامياً واقعياً كاملاً[65].

وليس من المحتمل أن يكون إنجيل يوحنا ترجمة مباشرة من مستند آرامي، ولو أن البعض اقترح هذا. غير أن هذه الحقائق توحي بالفعل أن التعليم في إنجيل يوحنا له نفس الخلفية الفلسطينية، مثل مادة الأناجيل المتشابهة، والاستعمال الغريب لقواعد اللغة الآرامية في الكتابة اليونانية قد يستشف منه أن اللغة الآرامية كانت لغة الكاتب الأصلية.

اكتشافات أثرية

وإلى جانب الدليل الداخلي، يوجد أيضاً دليل كاف وهام مستمد من الحفريات الأثرية، ويدحض الآن الفكرة القديمة بأن إنجيل يوحنا كان إنجيلاً هيلينياً قديماً. وثمة ثلاثة عناصر رئيسية في الدليل لها أهميتها هنا.

ç لفائف البحر الميت بينت أن الجمع الغريب بين أفكار يونانية ويهودية والذي نجده في إنجيل يوحنا، كان سائداً ليس فقط في مدن يونانية مثل أفسس في القرن الثاني الميلادي، بل كان كذلك في فلسطين نفسها، في دوائر يهودية خالصة، في الحقبة السابقة للمسيحية. وكثير من العبارات المألوفة في إنجيل يوحنا وجدت أيضاً في اللفائف مثل: “من يفعل الحق”، “الذي يسير في الظلام”، “أبناء النور”، “روح الحق”[66]، وعبارات أخرى كثيرة جاءت في إنجيل يوحنا مطابقة لما كانت عليه في جماعة قمران. وفضلاً عن ذلك فإن المقابلة في إنجيل يوحنا بين النور والظلمة، الحق والباطل نجدها مطابقة أيضاً لما جاء في لفائف قمران. وفي كلا النصين نجد أن هذه الازدواجية بين النور والظلمة، والحق والباطل هي ازدواجية أخلاقية بالمقابلة مع التأكيد التجريدي لمعظم الفلسفات اليونانية والغنوصية.

ç وهناك اكتشاف آخر. على نفس القدر من الأهمية، جاء تقريباً في نفس الوقت مع لفائف قمران، وهي المكتبة القبطية الغنوسية التي وجدت في نجع حمادي في صعيد مصر. وقبل اكتشاف هذه الوثائق كان معرفتنا للغنوسية تقوم إلى حد كبير على معلومات قدمها عدد من مؤرخي الكنيسة واللاهوتيين الذين ألفوا كتباً لدحضها. ومن خلال أقوالهم لم يكن من الصعوبة تخيل أن إنجيل يوحنا ربما يكون قد كتب في القرن الثاني كجزء من المعركة بين الغوسيين و”الارثوذوكس” المسيحيين. غير أنه مع معرفتنا الجديدة المستمدة من كتابات المعلمين الغنوسيين، أصبح من الواضح تماماً أن هناك فرقاً شاسعاً بين عالم إنجيل يوحنا وعالم الغنوسية الكلاسيكية

ç قدمت الاكتشافات الأثرية في أورشليم أيضاً دليلاً يوضح تقاليد إنجيل يوحنا. ومن سمات هذا الإنجيل غير العادية الأسماء وأوصاف الأماكن. وكان الاعتقاد السائد ذات مرة أن هذه الأسماء قد استخدمت إما كوسيلة لاهوتية (كرموز)، أو لتعطي الانطباع بالمصداقية في قصص مختلفة. إلا أنه أصبح من الواضح الآن أن معظم هذه المعلومات الجغرافية تعتمد على معرفة حقيقية للمدينة بالشكل الذي كانت عليه قبل سنة 70م. ففي تلك السنة دمر الرومان أورشليم بشكل تام[67]، وبعد ذلك التاريخ كان من المستحيل أن ننظر إلى الأطلال ونتخيل مسبقاً ما كانت عليه المدينة[68]. وبينت الحفريات في أورشليم الآن أن وصف بركة بيت صيدا، على سبيل المثال أو الموضع الذي “يقال له البلاط” حيث قال يسوع بيلاطس، كان على أساس معرفة وثيقة بالمدينة في زمن يسوع.

الكاتب وتاريخ الكتابة

المحصلة النهائية لكل خطوط البحث المتشعبة هذه تمثلت في إعادة تقدير إنجيل يوحنا كمصدر يعول عليه لحياة المسيح وتعليمه. كما أن ذلك أدى أيضاً إلى إعادة فتح موضوع كاتب هذا الإنجيل وتاريخ كتابته. والسؤال الخاص بمن كتب هذا الإنجيل كان دائماً سؤالاً مربكاً، فضلاً عن أن تقاليد الكنيسة تذكر اثنين باسم يوحنا فيما بتعلق بهذا الإنجيل: الرسول، ويوحنا الذي يطلقون عليه “الشيخ”. ثم أن هناك حقيقة أن “التلميذ المحبوب” يبدو أنه صور في الإنجيل نفسه كمصدر لبعض المعلومات[69]، وهنا أيضاً نجد أن الأمر أبعد ما يكون عن الوضوح بالنسبة لمن كان هذا الشخص. ويعرف إيريناوس التلميذ المحبوب بأنه يوحنا الرسول. غير أن باحثين كثيرين يعتقدون بأنه ربما كان شخصية مثالية ترمز إلى المؤمن الحقيقي بيسوع. بل إنه عرف بأنه لعازر، والذي على أية حال، كان الشخص الوحيد الذي قيل تعه دائماً إن يسوع كان يحبه.

هناك نظرية جذابة قد تشرح الحقائق الجديدة التي ظهرت الآن عن يوحنا، وهو أن هذا الإنجيل كانت له طبعتان. وسبق أن رأينا أنه إذا استثنينا المقدمة يظهر السفر بأكثر ملائمة للعالم اليوناني. ولذلك من المحتمل أن تكون المقدمة قد أضيفت بعد إتمام العمل الأصلي، حتى يروق الإنجيل لنوعية جديدة من القراء.

وهذا الاحتمال تدعمه أيضاً العلاقة الغريبة بين الأصحاحين 20، 21. فالآية الأخيرة من الأصحاح العشرين يبدو أنها الخاتمة المنطقية للسفر، ولكن هذه الخاتمة اتبعت بعد ذلك بالتعليمات التي وجهها يسوع لبطرس بعد القيامة في الأصحاح 21. ومن المحتمل أن هذا الأصحاح الأخير قد أضيف حين أرسل السفر لخدمة احتياجات مجموعة جديدة من الناس، على الرغم من أن أسلوبه ولغته يتشابهان تماماً مع أسلوب بقية الإنجيل ولغته، ولذلك فلا بد وأنه أضيف بواسطة نفس الشخص.

من المحتمل أن الإنجيل كتب أولاً في فلسطين، ليبين أن يسوع هو المسيح. وربما كان في ذهن الكاتب طوائف اليهود الذين تأثروا بأفكار مثل التي كانت عند جماعة قمران. وعلى ذلك، حينما يبدو أن نفس التعليم يصلح للناس في أي مكان من الإمبراطورية الرومانية، هنا أعيد تنقيح الإنجيل، وتم شرح العادات والتعبيرات اليهودية، وأضيفت إليه المقدمة والخاتمة. والنصيحة التي وجهت إلى قادة الكنائس في الأصحاح 21 توحي بأن الصيغة النهائية للإنجيل ربما وجهت إلى كنيسة مسيحية من اليهود في مكان ما في العالم اللاتيني، ربما في أفسس.

أما موضوع تاريخ الإنجيل فلم يفصل في الواقع فيه بعد، لأنه ليس لدينا دليل آخر نقدمه في هذا الشأن. ويلمح آراء الكنيسة أنه كتب بواسطة يوحنا الرسول في نهاية حياته الطويلة، ومعظم الباحثين يستمرون في أن ينسبوا إليه تاريخاً يقع ما بين سنة 70-100م. ومن المؤكد أنه لا يجب أن يعزى إليه تاريخ يقع بعد نهاية القرن الأول، إلا أنه ليس هناك دليل حقيقي لإعطائه تاريخاً قرب نهاية تلك الفترة. ويجادل روبنسون بقوة ويقول إنه من المحتمل أن يكون أول الأناجيل قاطبة، ويجعل تاريخ كتابته في الفترة من 40-56م. وإذا كان هذا صحيحاً، فإن إنجيل يوحنا يحتمل والحالة هذه أن يكون معاصراً للأناجيل المتشابهة، ومثل هذا التاريخ سوف يكون من شأنه أن يزيل تماماً أي عائق يحول دون النظر إلى يوحنا الرسول على أنه كاتب الإنجيل الذي يحمل الآن اسمه.

 

[1] مر 1: 14-20.

[2] مرقس 1: 29-34.

[3] مرقس 4: 35-41؛ 5: 25-34؛ 6: 37-38؛ 8: 14-21؛ 8: 31-33؛ 9: 1-2؛ 9: 32؛ 10: 35-45.

[4] يوحنا 19: 35.

[5] يوحنا 12: 2.

[6] أعمال 12: 12.

[7] أعمال 12: 25.

[8] أعمال 15: 37-41.

[9] كولوسي 4: 10؛ فلمون 24.

[10] مرقس 5: 41؛ 7: 34.

[11] مرقس 7: 3-4.

[12] مرقس 4: 21؛ 12: 42؛ 14: 65؛ 15: 19.

[13] مرقس 8: 34-38؛ 10: 33-34 و45؛ 13: 8-13.

[14] مرقس 1: 43؛ 3: 5؛ 8: 12؛ 8: 33؛ 10: 14؛ 6: 1-6.

[15] مرقس 8: 31-33.

[16] مرقس 9: 31.

[17] لوقا 1: 1-4؛ أعمال 1: 1.

[18] أعمال 16: 10-17؛ 20: 5-15؛ 21: 1-18؛ 27: 1 – 28: 16.

[19] مرقس 5: 26.

[20] لوقا 8: 43.

[21] كولوسي 4: 14.

[22] 2تيموثاوس 4: 11.

[23][23] تاريخ الكنيسة 2، 4، 6.

[24] أعمال 11: 28.

[25] لوقا 21: 5-24.

[26] لوقا 1: 1-4.

[27] لوقا 2: 32.

[28] لوقا 1: 35؛ 3: 22؛ 4: 1-4.

[29] لوقا 2: 32.

[30] لوقا 3: 28-38.

[31] متى 1: 1-17.

[32] لوقا 4: 16-30.

[33] لوقا 9: 51-56.

[34] لوقا 10: 25-37.

[35] لوقا 17: 11-19.

[36] لوقا 2: 10.

[37] لوقا 24: 52.

[38] لوقا 15: 1-7، 11-32.

[39] متى 1: 1 – 2: 23.

[40] متى 26: 1 – 28: 20.

[41] هوشع 11: 1.

[42] متى 23: 1-36.

[43] متى 8: 10-12؛ 21: 43.

[44] متى 28: 16-20.

[45] متى 2: 1-12.

[46] يوحنا 6: 1-15؛ مرقس 6: 30-44؛ متى 14: 13-21.

[47] يوحنا 12: 1-8؛ مرقس 14: 3-9؛ متى 26: 6-13.

[48] يوحنا 1: 35-42.

[49] مرقس 1: 14؛ متى 4: 12؛ لوقا 4: 14-15.

[50] متى 23: 37؛ لوقا 13: 24.

[51] يوحنا 2: 13؛ 4: 3.

[52] يوحنا 7: 1 – 10: 42.

[53] يوحنا 10: 40.

[54] يوحنا 11: 1-54.

[55] يوحنا 12: 1، 12.

[56] مرقس 10: 1.

[57] مرقس 6: 45.

[58] يوحنا 6: 14-15.

[59] يوحنا 1: 1-18.

[60] يوحنا 20: 31.

[61] يوحنا 1: 42؛ 19: 13؛ 20: 16.

[62] يوحنا 1: 41.

[63] يوحنا 1: 27.

[64] يوحنا 12: 25؛ 13: 16، 20.

[65] يوحنا 3: 29-30.

[66] يوحنا 3: 21؛ 12: 36؛ 14: 17.

[67] يوحنا 5: 1-18.

[68] يوحنا 19: 13.

[69] يوحنا 21: 24.

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

هل نستطيع التعامل مع الحق؟

هل نستطيع التعامل مع الحق؟

هل نستطيع التعامل مع الحق؟

هل نستطيع التعامل مع الحق؟

 

“يتعثر الناس في الحق من آن لآخر، ولكن معظمهم ينهضون ويركضون بعيداً عنه وكأن شيئاً لم يكن”.

                                                                      “وينستون تشرتشل”Winston Charchill

في فيلم “القليل من الرجال الصالحين” A Few Good Men يلعب “توم كروزTom Cruise دور محامٍ في البحرية الأمريكية يستجوب عقيد مشاة، يقوم بدوره “جاك نيكولسون Jack Nicholson بخصوص مقتل أحد رجال “نيكولسون”. ويتحول مشهد قاعة المحكمة الدرامي إلى مباراة للصياح عندما يتهّم “كروز” “نيكولسون” بالتورط في جريمة القتل:

كروز: سيادة العقيد، هل أعلنت حالة الطوارئ؟

القاضي: لست مضطراً لإجابة ذلك السؤال!

نيكولسون: سأجيب عن السؤال…. أتريد إجابات؟

كروز: أظنها من حقي.

نيكلوسون: تريد إجابات!

كروز: أريد الحق!

نيكولوسن: لن تستطيع التعامل مع الحق!

ربما كان :نيكولسون” يصيح في أمريكا بأسرها وليس في “كروز”، لأنه يبدو أن الكثيرين في بلدنا لا يستطيعون التعامل مع الحق. فنحن من ناحية نريد الحق في كل مجالات حياتنا تقريباً. فنحن مثلاً نطلب الحق من:

  • أحبائنا (لا أحد يريد أكاذيب من شريكة حياته أو أبنائه).
  • الأطباء (نريدهم أن يصفوا لنا الدواء الصحيح ويُجروا لنا العمليات الصحيحة).
  • سماسرة البورصة (نريدهم أن يخبرونا بالحق عن الشركات التي ينصحون بها).
  • المحاكم (نريدها ألا تحكم إلا على المذنبين حقيقةً).
  • أصحاب الأعمال (نريدهم ان يخبرونا بالحق ويدفعوا أجورنا بالعدل).
  • الخطوط الجوية (نريد طائرات آمنة بحق وطيارين جادين بحق).

ونتوقع كذلك أن نجد الحق عندما نطالع أحد المراجع، أو نقرأ مقالاً، أو نشاهد خبراً. ونريد الحق أيضاً من المُعلِنين، والمدرسين، والساسة. ونحن نفترض ان اللافتات المرورية، وزجاجات الأدوية، والمعلومات المُبيًنة على عبوات الطعام تكشف الحق. إننا في الواقع نطالب بالحق في كل نواحي الحياة تقريباً التي تؤثر على أموالنا، أو علاقاتنا، أو أماننا، أو صحتنا.

ولكننا من ناحية أخرى، لاغم إصرارنا على الحق في تلك المجالات، لا نكترث بالحق في مجال الأخلاق والدّين. بل إن الكثيرين يرفضون رفضاً قاطعاً فكرة أن أي دين يمكن أن يكون حقاً.

ومؤكًد أنك لاحظت ما في هذا الموقف من تناقض كبير. لماذا نطالب بالحق في كل شيء ما عدا الأخلاق والدّين؟ لماذا عندما نتكلم عن الأخلاق أو الدين نقول: “هذا حق بالنسبة لك ولكن ليس بالنسبة لي”، رغم أن هذا الكلام الفارغ لا يخطر لنا ببال عندما نتحدث إلى سمسار في البورصة عن أموالنا أو إلى طببيب عن صحتنا؟

إن رفضنا للحق الديني والأخلاقي غالباً ما يرجع لأسباب إرادية أكثر منها فكرية، وإن كان القليلين هم الذين يعترفون بهذا. فنحن لا نريد أن نحاسَب بمقتضى أي معايير أخلاقية أو عقيدة دينية. وهو ما يجعلنا نقبل كالعميان مزاعم الحق التي تُفنّد نفسها بإثبات عكس ما تريد أن تُثبته self-defeating  التي يطلقها المُفكّرون ذوو الكياسة الاجتماعية عندما يخبروننا أنه لا يوجد حق، كل شيء نسبي، ليس هناك مطْلقات، إنها مسألة رأي، لا تحكم، الدين يختص بالإيمان لا بالحقائق. وربما اصاب أغسطينوس حين قال إننا نحب الحق عندما ينيرنا، ولكننا نكرهه عندما يُبكّتنا. من المحتمل أننا لا نستطيع التعامل مع الحق.

وحتى نعالج هذا الانفصام الثقافي، علينا أن نجيب عن أربعة أسئلة بخصوص الحق:

  1. ما هو الحق؟
  2. هل معرفة الحق ممكنة؟
  3. هل معرفة الحق المختص بالله ممكنة؟
  4. ماذا يعنينا؟ مَن يهتم بالحق؟

سنناقش هذه الأسئلة في هذا الفصل والفصل القادم.

ما هو الحق؟ حقيقة الحق

ما هو الحق؟ الحق بمنتهى البساطة هو “قول الشيء كما هو”. فالوالي الروماني بيلاطس عندما سأل يسوع: “ماهو الحق؟” منذ قرابة ألفي عام، لم ينتظر ليسمع إجابة يسوع، ولكنه سرعان ما تصرّف وكأنه يعرف على الأقل شيئاً من الحق. فقد قال عن يسوع: “أنا لست أجد فيه علة واحدة” (انظر يو18 :38). وبإعلان بيلاطس براءة يسوع كان “يقول الشيء كما هو”.

ويمكن تعريف الحق أيضاً بأنه “ما يتوافق مع موضوعه” أو “ما يصف الواقع”. فقد كان حكم بيلاطس صحيحاً لأنه كان يتفق مع موضوعه، ووصف الواقع وصفاً دقيقاً. فيسوع كان بريئاً بالفعل.

وخلافاً لما يُدَرّس في الكثير من المدارس الحكوميةن الحق مطلق وليس نسبياً. فإن كان شيء ما صحيحاً، فهو يصح لكل الناس، وفي كل وقت، وفي كل مكان. كل مزاعم الحق مطلقة، وضيقة، وإقصائية. خذ مثلاً الزعم القائل بأن “كل الأشياء حق”. إنه زعم مطلق، ضيق، إقصائي. فهو يقصي عكسه (أي أنه يزعم أن الجملة التي تقول إن “ليست كل الأشياء حقاً” جملة خاطئة). والواقع أن أي حق يقصى كل ما هو ضده، حتى الحق الديني.

وهو ما تبين على نحو مضحك منذ عدة سنوات عندما كنتُ (أنا “نورم”) أناظر المفكر الإنساني الديني[1] “مايكل قسطنطين كولندا” Michael Constantine Kolenda . وكان من الملحدين القلائل الذين ناظرتهم ممن قرأوا كتابي “الدفاعيات المسيحية” Christian Apologetics قبل المناظرة.

وعندما حان دوره ليتكلم رفع كتابي قائلاً: “هؤلاس المسيحيون ضيقو الأفق للغاية. لقد قرأت كتاب الدكتور “جايسلر”. أتعرفون ما يؤمن به؟ يؤمن أن المسيحية صحيحة وكل ما يتعارض معها خطأّ هؤلاء المسيحيون ضيقوا الأفق للغاية!”.

“كولندا” أيضاً ألَّف كتاباً قراته قبل المناظرة. وكان عنوانه: “دين بدون الله” Religion without God (مثل قصة حب بدون محبوب!). وعندما حان دوري للكلام رفعت كتاب “كولندا” قائلاً: “هؤلاء الإنسانيون ضيقوا الأفق للغاية. لقد قرات كتاب الدكتور “كولندا”. أتعرفون ما يؤمن به؟ يؤمن أن الإنسانية صحيحة وكل ما يتعارض معها خطأ! هؤلاء الإنسانيون ضيقوا الأفق للغاية!”.

فضحك الجمهور لأنهم فهموا القصد. إن مزاعم الحق الإنسانية ضيقة ضيق مزاعم الحق المسيحية، لأنه إن كانت المسيحية صحيحة، فقك ما يتعارض مع الإنسانية خطأ. وبالمثل، إن كانت المسيحية صحيحة، فكل ما يتعارض مع المسيحية خطأ.

وهناك الكثير من الحقائق الأخرى عن الحق. وإليك بعضها:

  • الحق يُكتشف ولا يُخترع. فهو يوجد بالاستقلال عن معرفة اي شخص به. (الجاذبية كانت موجودة قبل”نيوتن”).
  • الحق يشمل كل الثقافات. أي أنه غن كان شيء ما حقاً، فهو حق عند كل الناس، وفي كل الأماكن، وفي كل الأوقات (2+2=4 عند الجميع، وفي كل مكان، وفي كل وقت).
  • الحق لا يتغير رغم أن معتقداتنا عن الحق تتغير. (عندما بدأنا نعتقد أن الأرض كروية بعد ان كنا نعتقد أنه مسطحة، الحق بخصوص الأرض لم يتغير. ما تغيَّر هو اعتقادنا بخصوص الأرض).
  • المعتقدات لا تستطيع أن تغير حقيقة، مهما كان صدق أصحابها في اعتناقهم لها. (فيمكن أن يعتقد شخص ما بصدق أن الأرض مسطحة، ولكن هذا الاعتقاد لا يفعل شيئاً سوى أنه يجعل الشخص مخطئاً بصدق).
  • الحق لا يتأثر بحالة الشخص الذي يعلنه. (فإن كان الشخص مغروراً، غروره لا يجعل الحق الذي يعلنه خاطئاً. وإن كان الشخص متواضعاً، تواضعه لا يجعل الخطأ الذي يعلنه حقاً).
  • كل الحق هو حق مطلق. وحتى الحق الذي يبدو نسبياً هو في الحقيقة مطلق. (مثلاً جملة “أنا فرانك تورك أشعر بالدفء يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2003” قد تبدو حقاً نسبياً، ولكن شعور “فرانك تورك” بالدفء في ذلك اليوم هو أمر حقيقي بصفة مطلقة بالنسبة لكل شخص في كل مكان).

وإيجازاً نقول إن وجود معتقدات متضادة أمر وارد، ولكن وجود حقائق متضادة مستحيل. يمكننا أن نعتقد أن كل شيء صحيح، ولكننا لا نستطيع أن نجعل كل شيء صحيحاً.

هذه الأفكار تبدو واضحة وضوحاً كافياً. ولكن كيف نتعامل مع الفكر الحديث الذي يدعي أنه لا يوجد حق؟ يمكننا أن نستعين باثنتين من الشخصيات الكارتونية لمساعدتنا.

خطة رود رَنَر

إن قال لك أحدهم: “عندي لك فكرة ستُحدث قطعاً تغييراً جذرياً في قدرتك على سرعة التعرف على العبارات الخاطئة والفسلفات الخاطئة التي تنتشر في ثقافتنا وتُمكّنك من تحديدها بوضوح”، هل ستهتم أن تعرف الفكرة؟ هذا ما سنفعله هنا. والحقيقة اننا إن أردنا أن نختار أقيَم قدرة فكرية تعلمناها أثناء سنوات دراستنا الطويلة في كلية اللاهوت والدراسات العليا، سنختار القدرة على تحديد ودحض الجمل المتناقضة التي تُفنِّد نفسها self-defeating statements ونورد هنا موقفاً من برنامج إذاعي حوراي يوضح ما نعنيه بالعبارات التي تُفَنًّد نفسها.

كان “جيري” Jerry مقدِّم البرنامج الليبرالي يستقبل مكالمات هاتفية في موضوع الأخلاق. وبعد أن سمعه العديد من المتصلين يزعمون بجرأة ان موقفاً أخلاقياص بعينه هو حق، انبرى أحد المتصلين قائلاً: “جيري… جيري، ليس هناك شيء اسمه الحق”.

فأسرعت (أنا “فرانك”) أبحث عن الهاتف وبدأت أطلب الرقم وقد استشطتُ غضباً. مشغول. مشغول. مشغول. أرد أن أتصل بالبرنامج وأقول “جيري، أوجه سؤالي للرجل الذي قال “ليس هناك شيء اسمه الحق” : هل ما تقوله حق؟”.

ولكني لم أتمكن أبداً من إجراء المكالمة. وبالبطبع اتفق “جيري” مع المتصل، دون أن يدرك مطلقاً أن إدعاءه يستحيل أن يكون صحيحاً لأنه يفنَّد نفسه.

العبارة التي تفند نفسها هي عبارة تعجز عن التوافق مع المعيار الذي تحدده. ومؤكد أنك أدركت أن عبارة المتصل التي تقول “لا يوجد شيء اسمه الحق” تدعي أنها حق، ومن ثم تفنَّد نفسها. إنها تشبه من يقول: “لا أتحدث كلمة واحدة بالعربية”. إن قال أحدهم ذلك، لا بد أنك ستجيب قائلاً: “لحضة من فضلك! بالتأكيد عبارتك خاطئة لأنك قلتها باللغة العربية!”.

التصريحات المنتاقضة التي تفند نفسها تُطلق باستمرار في ثقافة ما بعد الحداثة التي نشهدها اليوم، وما إن تشحذ قدرتك على رصدها حتى تتمكن من الدفاع عن الحق بمنتهى الجرأة. فلا شك أنك سمعت أشخاصاً يقولون مثلاً: “كل الحق نسبي”، “ليس هناك مطلقات”. ولكنك الآن ستتسلح بالسلاح اللازم لدحض هذه العبارات السخيفة بسهولة بأن تكشف عجزها عن بلوغ ما وضعتْه من مقاييس. أي أنك عندما تقلب العبارة المتناقضة على نفسها يمكنك أن تكشف خواءها.

ونحن نطلق على عملية قلب العبارة المتناقضة على نفسها خطة “رود رَنَر” Road Runner Tactic لأنها تذكرنا بالشخصيتين الكارتونيتين “رود رَنَر” و”وايل إي. كويوت[2]Qile E. Coyote. وربما تَذْكُر من أفلام الكارتون التي كانت تُعرض صباح السبت أن الكويوت كان شغله الشاغل وهَمَّه الأوحد أن يطارد “رود رَنَر” السريع ويتناوله على العشاء. ولكن “رود رَنَر” شديد السرعة وحاد الذكاء. فحالما يحرز الكويوت نوعاً من الانتصار، يتوقف “رود رَنَر” فجأة على حافة الجُرف ويترك الكويوت الذي يركض وراءه معلقاً في الهواء على لا شيء. وما إن يدرك الكويوت أنه لا أرض تحته يقف عليها حتى يهوي إلى قاع الوادي ويسقط في كومة من الرمال.

وهذا هو بالضبط ما تستطيع خطة “رود رَنَر” أن تفعله مع النسبيين وما بعد الحداثيين في يومنا هذا. إنها تساعدهم أن يدركوا أن حججهم أضعف من أن تحملهم. ولذلك، يهوون إلى القاع ويسقطون في كومة من الرمال. وهو ما يجعلك تبدو في منتهى العبقرية! فلنأخذ خطة “رود رَنَر” إلى الجامعة ونشرح لك ما نقصده.

العدَّاء رود رَنَر يذهب إلى الجامعة

إن اكثر من يحتاجون اليوم لخطة “رود رَنَر” هم طلاب الجامعات. لماذا؟ لنك إن استمعت للكثير من أساتذة جامعاتنا، ستجدهم يقولون لك إنه لا يوجد حق. ولكن المدهش أن الآباء والأمهاب في العالم أجمع ينفقون فعلياً آلاف الدولارات على التعليم الجامعي حتى يتعلم أبناؤهم وبناتهم ولكن المدهش أن الآباء والأمهاب في العالم أجمع ينفقون فعلياً آلاف الدولارات على التعليم الجامعي حتى يتعلم أبناؤهم وبناتهم “الحق” القائل بعدم وجود حق، ناهيك عن غير ذلك من التصريحات المتناقضة التي تفند نفسها مثل: “كل الحق نسبي” (هل هذه الجملة حق نسبي؟)، “ليس هناك مُطْلَقات” (هل أنت متأكد بصفة مطلقة؟)، “إنه حق بالنسبة لك ولكن ليس بالنسبة لي” (هل هذه العبارة حق بالنسبة لك فقط، أم أنها حق بالنسبة للجميع؟)| حق بالنسبة لك ليس بالنسبة لي” هي الشعار الببغائي العصري، ولكن الواقع أن العالم لا يسير هكذا. جرِّب مثلاً أن تردد هذا الشعار لصَرَّاف البنك، أو ضابط الشرطة، أو مصلحة الضرائب وانظر إلى أين يؤدي بك؟

وهذه الشعارات الحديثة خاطئة بالطبع لأنها تفنِّد نفسها بسبب تناقضها. ولكننا نريد أن نوجِّه بضعة أسئلة لمن لا يزالون يقبلونها قبولاً أعمى: إن لم يكن هناك أي حق، فلماذا تحاولون أن تتعلموا أصلاً؟ ما الذي يضطر أي طالب أن يستمع لأستاذه؟ فمهما كان، الأستاذ لا يملك الحق. ما معنى الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة، وبالأحرى دفع مصروفاتها؟ وما معنى الابتعاد عن الممنوعات الأخلاقية التي يحدِّدها الأستاذ من الغش في الامتحانات والسرقة الفكرية في الأبحاث الدراسية؟

الأفكار لها عواقب. الأفكار الصالحة تأتي بعواقب صالحة، والأفكار السيئة تأتي بعواقب سيئة. والحقيقة أن الكثير من الطلاب يدركون تداعيات هذه الأفكار السيئة لما بعد الحداثة ويتصرفون بناءً عليها. فإن علَّمنا طلابنا أنه لا يوجد صواب ولا خطأ، لماذا نندهش عندما يطلق اثنان من الطلاب الرصاص على زملائهم، أو عندما تترك أمٌّ مراهِقةٌ رضيعها في صندوق القمامة؟ لماذا يجب أن يفعلوا “الصواب” ونحن نُعلمِّهم أنه ليس هناك “صواب”؟

لقد كشف “سي. إس. لويس” C.S.Lewis عبثية انتظار الفضيلة من أناس تعلّموا أنه لا توجد فضيلة: “بنوع من السذاجة المقيتة نستاصل العضو ونطالب بأداء وظيفته. نصنع رجالاً بلا قلب وننتظر منهم الفضيلة وحسن السلوك. نستهزئ بالشرف ونُصْدم عندما نكتشف خونة فيما بيننا. إننا كمن يخصي خيله ويتوقع منها أن تتكاثر.

إن حقيقة الأمر أن: الأفكار الخاطئة عن الحق تؤدي إلى أفكار خاطئة عن الحياة. وفي الكثير من الأحيان هذه الأفكار الخاطئة تبرِّر ظاهرياً سلوكيات غير أخلاقية بالمرَّة. لأنك إن قتلت مفهوم الحق، عندئذٍ يمكنك أن تقتل مفهوم أي ديانة صحيحة أو أي أخلاق صحيحة.

وقد حاول الكثيرون في ثقافتنا أن يفعلوا ذلك، والأربعون سنة الماضية من الانحدار الديني والأخلاقي تشهد على نجاحهم. فللأسف أن العواقب الوخيمة التي ترتبت على جهودهم ليست صحيحة بالنسبة لهم فقط، ولكنها صحيحة بالنسبة لنا جميعاً.

إذَن الحق موجود. ولا يمكن إنكاره. ومَن ينكرون الحق يزعمون هذا الزعم المتناقض عن الحق الذي يقول بعدم وجود حق. وهم يشبهون في ذلك “الدب ويني” Winnie the Pooh يجيبون قارع الباب قائلين: “لا أحد في البيت”.

فلنرَ الآن كيف يمكن أن تساعدنا خطة “رود رَنَر” في الرد على الزعم المتشكك في الحق الذي يقول إنه “يستحيل أن نعرف الحق”.

هل معرفة الحق ممكنة؟ قَرَعات على الباب….

يؤمن المسيحون بأن عليهم أن يطيعوا وصية يسوع حين قال: “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (مت28: 19). ولمساعدة المسيحيين في القيام بهذه “المأمورية العظمي”، ابتكر “دي جيمز كينيدي” D.James Kennedy أسلوباً كرازياً يعتمد على قرع أبواب البيوت، يطلق عليه “انفجار الكرازة” Evangelism Explosion (EE). وإن كنت مسيحياً، أسلوب “انفجار الكرازة” يتيح لك أن تحدِّد بسرعة موقع الشخص روحياً. فبعد أن تقدِّم نفسك، تسأل من يفتح لك الباب أسئلة من قبيل:

  1. هل لي أن أسألك سؤالاً روحياً؟
  2. إن انتهت حياتك الليلة ووقفت أمام الله، وسألك الله، “لماذا أُدْخِلك إلى سمائي؟” بم ستجيب؟

معظم الناس لديهم من الفضول ما يجعلهم يرُدّون بالإيجاب على السؤال الأول. (إن قالوا: “ماذا تقصد بالسؤال الروحي؟” تنتقل إلى السؤال الثاني). أما عن السؤال الثاني، فدليل “انفجار الكرازة” يتوقع أن غير المسيحي عادة ما يقدم إجابة “الأعمال الصالحة”. فهو يقول شيئاً مثل: “الله سيقبلني لأني شخص صالح في الأساس. لم أقتل أحداً. أذهب إلى الكنيسة. أعطي الفقراء….” في هذه الحالة يخبرك دليل “انفجار الكرازة” أن تجيبه بالإنجيل (يعني حرفياً “الخبر السار”): أن الجميع (بما فيهم أنت) قَصُروا عن بلوغ مستوى كمال الله، وما من أعمال صالحة يمكنها أن تمحو حقيقة أنك ساقط فعلياً في الخطية، لكن الخبر السار أنه يُمكِنك أن تخلص من العقاب بأن تثق في المسيح الذي تَحَمَّل العقاب نيابةً عنك.

ورغم ما حقَقه هذا الأسلوب من نجاح ملحوظ، بعض غير المسيحيين لا يجيبون عن السؤالين كما هو متوقع. فمثلاً، قررتُّ (أنا “نورم”) ذات ليلة أن أستخدم أسلوب “انفجار الكرازة” في الشوارع مع أحد إخوتي من أعضاء الكنيسة. وإليك ما حدث:

قَرَعنا الباب.

“من الطارق” (فتح رَجُل الباب).

رفعت يدي محيياً وقلت: “مساء الخير. اسمي “نورم جايسلر”، وهذا صديقي رولاند. نحن من الكنيسة الواقعة في نهاية الشارع”.

أجاب الرجل وهو يتفحصنا بعينيه: “أنا “دون” Don“.

فبادرته فوراً بالسؤال الأول: ” “دون” هل عندك مانع أن نسألك سؤالاً روحياً؟”

أجاب “دون” بثقة وكأنه يتوق لتناول لَكْمة كتابية بدلاً من حلوى العشاء: “لا، تفضل”.

فطرحت عليه السؤال الثاني: ” “دون”، إذا انتهت حياتك الليلة ووقفت أمام الله، وسألك الله: “لماذا أُدْخلك إلى سمائي؟” بم ستجيب؟”.

فأجاب “دون” غاضباً: “سأقول لله: “ولماذا لا تُدخلني إلى سمائك؟”

مفاجأة … لا يُفترض أن يقول ذلك! أقصد هذه الإجابة ليست في الكتيب!

بعد لحيظة من الارتباك رفعتُ صلاة سريعة وأجبت: ” “دون”، إن قرعنا بابك وأردنا الدخول إلى بيتك، فقلت لنا: “لماذا أُدخلكم إلى بيتي؟” فقلنا: “ولماذا لا تُدْخلنا؟” ماذا تقول؟”

أشار “دون” بإصبعه نحو صدري وأجاب بحزم: “سأخبركما إلى أين تذهبان!”

فرددتُّ فوراً: “هذا بالضبط ما سيقوله الله لك!”

صُعِق “دون” لحظة ولكنه بعدئذ ضيَّق عينيه وقال: “الحقيقة أنا لا أؤمن بالله. أنا ملحد”.

“أنت ملحد؟”

“بالضبط”.

فسألته: “هل أنت متيقن يقيناً مطلقاً أن الله غير موجود؟”

فصمت ثم قال: “لا لستُ متيقناً يقيناً مطلقاً. أظن أنه من المحتمل أن يكون هناك إله”.

فأخبرته: “إذاً أنت لستَ ملحداً حقيقياً. أنت لا أدري، لأن الملحد يقول “أنا أدري أن الله غير موجود”. واللاأدري يقول: “لستُ أدري إن كان الله موجوداً”.

فاعترف قائلاً: “آه… وهو كذلك. إذاً أظن أني لا أدري”.

يا له من تقدُّم! بسؤال فقط انتقلنا من الإلحاد إلى اللاأدرية! ولكن بقي عليَّ أن أكتشف نوع اللاأدريين الذي ينتمي إليه “دون”.

فسألته: ” “دون”، أي نوع من اللاأدريين أنت؟”

فسألني ضاحكاً: “ماذا تقصد؟” (محتمل أنه كان يقول لنفسه “منذ دقيقة واحدة كنتُ ملحداً. لا أعلم أنا أي نوع من اللاأدريين الآن!”)

فشرحت قائلاً: ” “دون” اللاأدريون نوعان. الأول هو اللاأدري العادي الذي ييقول إنه لا يعرف أي شيء على وجه اليقين، والثاني هو اللاأدري العنيد الذي يقول إنه لا يستطيع أن يعرف أي شيء على وجه اليقين”.

أجاب “دون” واثقاً: “أنا من النوع العنيد. لا تستطيع أن تعرف أي شيء على وجه اليقين”. وهنا رأيت أن زعمه متناقض يفند نفسه، فأطلقت خطة “رود رَنَر” وسألته: ” “دون”، إن كنت تقول إنك لا تستطيع أن تعرف أي شيء على وجه اليقين، فكيف تعرف ذلك على وجه اليقين؟”

فقال متحيراً: “ماذا تقصد؟”

فشرحتُ له باسلوب مختلف قائلاً: “كيف تعرف على وجه اليقين أنك لا تستطيع أن تعرف أي شيء على وجه اليقين؟”

لاحظت بريق الفهم بدأ يطل من عينيه، لكني قرَّرت ان أضيف نقطة أخرى: “ثم إنك يا “دون” لا تستطيع أن تتشكك في كل شيء لآن هذا يعني أنك لابد أن تتشكك في الشك، ولكنك كلما شككت في الشك، ازداد يقينك”.

فبدأ يلين، وقال: “أظن أني فعلاً أستطيع أن أعرف شيئاً على وجه اليقين. مؤكد أني لا أدري عادي”.

وهنا بدأنا فعلاً نصل إلى نقطة محددة. فبالقليل من الأسئلة انتقل “دون” من الإلحاد مروراً باللاأدرية العنيدة إلى اللاأدرية العادية.

فاستطردتُ قائلاً: ” مادمت تعترف الآن أنك تستطيع أن تعرف، لماذا لا تعرف إن كان الله موجوداً؟”

فهز كتفيه قائلاً: “أظن لآنه ما من أحد بيَّن لي أي أدلة”.

وهنا سألته سؤالاً بمليون دولار: “هل ترغب في الاطلاع على بعض الأدلة؟”

فأجاب: “بالتأكيد”.

وهذا هو أفضل نوع من الأشخاص يمكنك أن تتحدث إليه: شخص يريد أن ينظر نظرة صادقة للأدلة. فالإرادة ضرورية لأن الأدلة لا تستطيع أن تقنع مَن لا يريد.

وبما أن “دون” كانت له الإرادة، أعطيناه كتاباً بقلم “فرانك موريسون” بعنوان “من دحرج الحجر” Who Moved the Stone  وقد كان “موريسون” شكوكياً عزم أن يكتب كتاباً يفند فيه المسيحية، ولكنه بدلاص من أن يكتب الكتاب اقتنع بالأدلة أن المسيحية صحيحة بالفعل. (والحقيقة أن الفصل الأول من كتاب “من حرَّك الحجر؟” “عنوانه ” الكتاب الذي أبى أن يُكتب” “The Book That Refused to Be Written” ).

ثم زرنا “دون” بعد فترة قصيرة. ووصف الأدلة التي قدمها “موريسون” بأنها “مقنعة جداً” وبعد عدة أسابيع في دراسة لإنجيل يوحنا، قَبِل “دون” يسوع المسيح رباً ومخلصاً شخصياً.

اليوم “دون” يخدم في إحدى الكنائس المعمدانية بالقرب من “سانت لويس” في ولاية ميزوري. وعلى مدى سنوات وهو يقود حافلة الكنيسة صباح الأحد ليأتي بأطفال الحي الذين لا يذهب آباؤهم وأمهاتهم إلى الكنيسة. وخدمته تُمثِّل لي (أنا “نورم”) قيمة خاصة لأن رَجلين مثل “دون” (مستر “كوستي” Costie ومستر “سويتلاند” Sweetland) أخذاني إلى الكنيسة بالحافلة أكثر من 400 مرة، كل يوم أحد منذ سن التاسعة حتى السابعة عشر. وقبولي للمسيح في سن السابعة عشر يرجع الفضل الأكبر فيه لخدمة الحافلة هذه. أظن أن المثل القائل “كما تزرع تحصد” مثل صحيح، حتى إن كانت حافلة مدرسة الأحد.

هل يمكن أن تكون كل الديانات صحيحة؟

الدرس الذي نستخلصه من قصة “انفجار الكرازة” هو أن اللاأدرية التامة أو الشكوكية التامة تفنِّد نفسها. فاللاأدريون والمتشككون يزعمون زعماً بخصوص الحق يقول إننا لا نستطيع أن نزعم أي شيء بخصوص الحق. وهم يقولون إننا لا نستطيع أن نعرف الحق، ولكنهم بعدئذ يزعمون أن موقفهم هذا حق، ولكن من المستحيل أن يجمعوا بين الاثنين.

لذا فقد أثبتنا أن معرفة الحق ممكنة. بل إن الحق لا يمكن إنكاره. ولكن ألا يمكن أن تكون كل الديانات صحيحة؟ مما يؤسَف له أن اللغط المرتبط بهذا السؤال لا يقتصر على الدوائر العلمانية فحسب، بل حتى بعض قسوس الكنائس متحيرون في هذا السؤال.

وقد سمع البروفسور “رونالد ناش” Ronald Nash الأستاذ بكلية اللاهوت عن مثال جيد على ذلك. فقد أخبرنا عن أحد طلابه منذ بضع سنوات ذهب لقضاء عطلة الكريسماس في بيته في مدينة “بولينج جرين” Bowling Green بولاية كنتاكي. وأثناء العطلة قرّر هذا الطالب الذي يؤمن بالكتاب المقدس أن يغامر ويحضر خدمة الأحد في كنيسة لم يذهب إليها من قبل. ولكن ما إن نطق القس بأول جملة في عظته، حتى أدرك الطالب خطأه، فقد كانت القس يناقض الكتاب المقدس.

وهكذا بدأ  القس: “موضوع عظتي هذا الصباح أن كل المعتقدات الدينية صحيحة!” وأخذ الطالب يتلوى في مقعده، بينما استمرّ القس يؤكِّد لكل شخص في الحاضرين أن كل ما لديه من عقائد دينية “حق”!

وبعد إنتهاء العظة أراد الطالب أن يَنسَل خارجاً دون أن يلحظه أحد، ولكن القس، ضخم الجثة، وقف بردائه على الباب يحتضن كل شخص بقوة عند خروجه.

فحيّا القس الطالب وساله بصوت جهوري: “من أين أنت يا ابني؟”

“أنا من “بولينج جرين”، سيدي. أتيت من كلية اللاهوت لقضاء العطلة مع أسرتي”.

“كلية اللاهوت! ممتاز. إذاً ما هي معتقداتك الدينية يا بُنَيّ؟”

“سيدي، أُفضِّل أن أحتفظ بها لنفسي”.

“لماذا يا بُنَيّ؟”

“لأني لا أريد أن أؤذيك، سيدي”.

“لا يا بُنَيّ. لن تؤذيني. وأياً كاننت معتقداتك فهي صحيحة. بمَ تؤمن إذاً؟”

فأذعن الطالب وقال: “حسناً”. ومال نحو القس وأحاط فمه بيده وهمس: “سيدي، أنا أؤمن أنك ذاهب إلى الجحيم!”.

اشتعل وجه القس حمرة وهو يحاول أن يجد إجابة، ثم قال: “أنا، آه، أظن أني …. أخطأت! لا يمكن أن تكون كل المعتقدات الدينية صحيحة لأنه مؤكد أن معتقداتك لسيت صحيحة”.

بالطبع، كما أدرك القس، يستحيل أن تكون كل المعتقدات الدينية صحيحة لأن الكثير من المعتقدات الدينية متناقضة، أي أنها تُعلِّم مفاهيم عكس بعضها البعض. فمثلاً المسيحيون المحافظون يؤمنون أن من لم يقبل المسيح مخلِّصاً اختار جهنم مصيراً أبدياً له. والكثير من المسلمين أيضاً يؤمنون أن غير المسلمين ذاهبون إلى جهنم، إلا أننا غالباً ما نتجاهل ذلك. والهندوس عموماً يؤمنون أن الجميع، بصرف النظر عن معتقداتهم، محبوسون في دائرة لا نهائية من تناسخ الأرواح حسب أعمالهم. وهذه المعتقدات المتناقضة لا يمكن أن تكون كلها صحيحة.

والحقيقة أن الأفكار المتناقضة في ديانات العالم تزيد عن الأفكار المتوافقة فيها. والفكرة القائلة بأن كل الديانات في جوهرها تُعلّم نفس التعاليم، لذا علينا أن نحب بعضنا بعضاً، تنم عن سوء فهم خطير لديانات العالم. فمعظم الديانات تتشابه في قانونها الأخلاقي نوعاً ما: لأن الله زرع الصواب والخطأ في ضمائرنا (سنناقشُ ذلك في الفصل السابع)، إلا أنها تختلف في كل القضايا الرئيسية تقريباً، بما فيها طبيعة الله، وطبيعة الإنسان، والخطية، والخلاص، والسماء، وجهنم، والخليقة!

فكّر فيها: طبيعة الله، طبيعة الإنسان، الخطية، الخلاص، السماء، جهنم، الخلييقة. تلك هي الموضوعات الكبيرة! وإليك بعضاً من تلك الاختلافات الكبيرة:

  • اليهود والمسيحيون والمسلمون يؤمنون، بصور مختلفة، بالله الخالق الحافظ، بينما يؤمن معظم الهندوس وأتباع العصر الجديد أن كل الموجودات جزء من قوة غير شخصية impersonal متوحجة مع الوجود pantheistic يطلقون عليها “الله”.
  • كثير من الهندوس يعتقدون أن الشر وَهْمٌ محضْ، في حين أن المسيحيين والمسلمين واليهود يؤمنون أن الشر حقيقة.
  • المسيحيون يؤمنون أن الإنسان يخلص بالنعمة في حين أن سائر الديانات جميعاً، إن كانت تؤمن بالخلاص أصلاً، تُعلِّم بنوع خاص من الخلاص على أساس الأعمال الصالحة (وتختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً في تعريف “الصلاح” وفيما يخلص منه الإنسان).

وهي مجرد أمثلاة قليلة على الكثير من الاختلافات الجوهرية. اختلافات أكبر من استيعاب الفكرة القائلة بأن كل الديانات تتفق جوهرياً في تعاليمها.

 

 

الحق مقابل قبول الاختلاف

رغم أن معظم الديانات تحوي بعض المعتقدات الصحيحة، لا يمكن أن تكون كل المعتقدات الدينية صحيحة لأنها تقصي بعضها البعض، أي أنها تحوي تعاليم مضادة لبعضها البعض. وهو ما يعني أن بعض المعتقدات الدينية لا بد أن تكون خاطئة. ولكنك لا يجب أن تقول هذا الكلام في أمريكا اليوم. يجب أن “تقبل الاختلاف” بين كل المعتقدات الدينية. وفي ثقافتنا اليوم لم يعد “قبول الاختلاف” tolerance يعني أن تجبر نفسك على تحمُّل شيء تراه خاطئاً (طبيعي أنك لا تجبر نفسك على تحمُّل ما تتفق معه). ولكن قبول الاختلاف الآن يعني أنك يجب أن تقبل كل معتقد باعتباره صحيحاً! وهو ما يُعرف في المجال الديني باسم العددية الدينية، وتعني الاعتقاد بأن كل الديانات صحيحة، إلا أن هذا التعريف الجديد لقبول الاختلاف ينطوي على عدد من المشكلات.

أولاً، لابد أن نسجِّل امتناننا لما ننعم به من حرية دينية في هذا البلد، وأننا لا نؤمن بفرض ديانة بقوة القانون (انظر كتابنا “تشريع الأخلاق” Legislating Morality ). فنحن واعون تماماً بمخاطر عدم قبول الاختلاف الديني، ونؤمن أنه علينا أن نقبل مَن يختلفون عنا في العقائد الدينية ونحترمهم. إلا أن هذا لا يعني أنه علينا أن نعتنق شخصياً الفكرة المستحيلة القائلة بأن كل المعتقدات الدينية صحيحة. فيما أن المعتقدات الدينية المتضادة، يستحيل أن تكون كلها صحيحة، فلا معنى للتظاهر بأنها صحيحة. والحقيقة أن هذا التظاهر خطير على المتسوى الفردي. فإن كانت المسيحية صحيحة، فعدم إيمانك بها يهدِّد مصيرك الأبدي. وكذلك، إن كان الإسلام صحيحاً، فعدم إيمانك به يهدّد مصيرك الأبدي.

ثانياً، الزعم الذي يقول إنه “يجب ألا تتساءل في صحة المعتقدات الدينية لأي شخص” هو نفسه يمثِّل معتقداً دينياً يعتنقه التعدديون. ولكن هذا المعتقد في حد ذاته يتساوي في إقصائه للمعتقدات الأخرى وفي “رفضه للاختلاف” مع اي معتقد ديني يؤمن به المسيحي أو اليهودي. بمعنى أن التعدديين يرون أن كل المعتقدات غير التعددية خاطئة. لذا، فالتعدديون متصلبو الفكر ومنغلقو العقل، مثلهم مثل غيرهم ممن يطلقون مزاعم عن الحق في سوف الأفكار، ويريدون مِن كل مَن يختلف معهم أن يرى الأمور كما يرونها هم.

ثالثاً، منع التساؤل في صحة المعتقدات الدينية يُعبِّر أيضاً عن موقف أخلاقي مطلق. ما المانع أن نتسائل في صحة المعتقدات الدينية؟ هل هذا الفعل ضد الأخلاق؟ وإن كان كذلك، فمن الذي وضع هذا المعيار؟ هل يملك التعدديون أسباباً وجيهة تؤيد اعتقادهم بأننا يجب ألا نتساءل في صحة المعتقدات الدينية، أم إنه مجر راي شخصي يريدون أن يفرضوه علينا جميعاً؟ فإن لم يتمكنوا من أن يقدِّموا لنا أسباباً وجيهة لهذا المعيار الأخلاقي، لماذا نسمح لهم بفرضه علينا؟ ولماذا يحاول التعدديون فرض ذلك الموقف الأخلاقي علينا بأي حال؟ فهم بهذا لا “يقبلون الاختلاف”.

رابعاً، الكتاب المقدس يأمر المسيحيين أن يتساءلوا في صحة المعتقدات الدينية (مثلاً تث13: 1-5، 1يو4: 1، غل1: 8، 2كو11: 13، وغيرها). وبما أن التساؤل في صحة المعتقدات الدينية يدخل ضمن المعتقدات الدينية للمسيحيين، إذاً التعدديون يجب أن يقبلوا هذا المعتقد المسيحي أيضاً، وفقاً للمعيار الذي وضعوه بأنفسهم. ولكنهم لا يقبلونه طبعاً، فمن المضحك أن التعدديين، أنصار المفهوم الجديد لقبول الاختلاف، لا يقبلون الاختلاف على الإطلاق. فهم لا “يقبلون” إلا مَن يفق معهم، وهو ما لا يُعد قبولاً للاختلاف، أياً كان تعريف قبول الاختلاف.

خامساً، زَعْم التعدديين بأنه يجب ألا نتساءل في صحة المعتقدات الدينية مشتق من الحظر الثقافي الخاطء على إصدار الأحكام. إنَّ حظر إصدار الأحكام هو حظر خاطئ لأنه يعجز عن التوافق مع المعيار الذي يضعه: عبارة “يجب ألا تحكم” هي نفسها حكم! (التعدديون يسيئون تفسير كلام يسوع عن إصدار الأحكام (مت7: 1-5). فيسوع لم يمنع هذا النوع من إصدار الأحكام، ولكنه منَعَ فقط الحكم المرائي). بل الواقع أن الجميع، من تعددييين ومسيحيين وملحدين ولاأدريين، يصدرون أحكاماً. فالقضية ليست في إصدار الأحكام أو عدمه، ولكن في إصدار الأحكام الصحيحة.

وأخيراً، هل التعدديون مستعدون لقبول المعتقدات الدينية التي تعتنقها بعض الجماعات الإرهابية باعتبارها صحيحة، وخاصة عندما تقول تلك المعتقدات إن كل من لا يؤمنون بعقائدهم (ومنهم التعدديون) يجب قتلهم؟ هل هم مستعدون لقبول المعتقدات الدينية لمن يؤمنون بذبائح الأطفال أو غيرها من الأعمال الوحشية باعتبارها صحيحة؟ نتمنى لا.

صحيح أنه يجب علينا أن نحترم حقوق الآخرين في أن يؤمنوا بما يشاؤون، إلا أننا نكون أغبياء وغير محبين للآخرين إن قَبِلْنا ضمناً كل عقيدة دينية باعتبارها صحيحة. لماذا نكون غير محبين إن فعلنا ذلك؟ لأنه إن كانت المسيحية صحيحة، فإن أوحينا لأي شخص أن معتقداته الدينية المخالفة للمسيحية أيضاً صحيحة نكون غير محبين له. فتأكيد ما عنده من خطأ قد يبقيه في طريق الهلاك الأبدي. ولكن إن كانت المسيحية صحيحة، علينا أن نُعَرِّفه الحق بلطف، لأن الحق فقط هو الذي يستطيع أن يحرِّره.

كنت أعمى والآن أبصر

بم تخبرنا التعددية المذهلة للمعتقدات الدينية عن الحق الديني؟ للوهلة الأولى قد يظهر أن تعدد المعقدات المتناقضة يؤكد مَثَل الفيل الذي ذكرناه في المقدمة، أي أن الحق الديني لا يمكن معرفته. ولكن الحقيقة أن العكس هو الصحيح.

وللتذكِرة، نرى في هذا المثل ستة رجال مكفوفين يتفحصون فيلاً. وكل رجل يتحسس جزءاً مختلفاً من الفيل، ومن ثم يتوصل إلى استنتاج مختلف بخصوص الشيء الموجود أمامه. يمسك أحدهم بالناب ويقول: “هذا رمح!” ويمسك آخرُ الخرطومَ ويقول: “إنه ثعبان!” أما مَن يحتضن الساق يقول: “هذه شجرة!” والأعمى الذي يمسك الذيل يقول: “معي حبل!” ومن يتحسس الأذن يقول “إنها مروحة!” ومن ينحني على جانب الفيل يقول واثقاً” “إنه حائط!” ويقال إن هؤلاء الرجال العمليان يمثلون ديانات العالم لأن كلاً منهم يتوصل إلى استنتاج مختلف عما يتحسسه. ويقال لنا إنه ما من دين واحد يمتلك “الحق” بأل التعريف، مثل كل رجل من الستة العمي. فالحق الديني نسبي يختص بالفرد. إنه ذاتي، وليس موضوعاً.”

وقد يبدو هذا الكلام مقنعاً حتى تسأل نفسك سؤالاً واحداً: “ما منظور الشخص الذي يروي هذا المثل؟” حسناً، لنرَ الشخص الذي يروي هذا المثل… يبدو أن منظوره موضوعي للعملية كلها لأنه يدرك أن الرجال العميان مخطئون. بالضبط. والحقيقة أنه ما كان ليَعرف أن الرجال العميان مخطئون إلا إذا كان عنده منظور موضوعي لما هو صائب!

فإن كان راوي المثل يمكنه أن يدرك الأمر من منظور موضوعي، لِمَ لا يستطيع الرجال العمي ذلك؟ بإمكانهم ذلك، فإن تمَكَّن الرجال العمي من أن يروا فجأة، سيتمكنون هم أيضاً من إدراك خطئهم في البداية. سيدركون أن الكائن الموجود أمامهم فيل وليس حائطاً، ولا مروحة، ولا حبلاً.

 ونحن أيضاً نستطيع أن نرى الحق الديني. ولكن للأسف الكثير منَّا ممن ينكرون وجود حق في الدين ليسوا عمياناً فعلياً ولكنهم عميان عمداً. فقد لا نريد أن نعترف بوجود حق في الدين لن ذلك الحق سيُبَكِّتنا. ولكننا إن فتحنا أعيننا وتوقفنا عن الاختباء خلق هذا الكلام الفارغ الذي يفنِّد نفسه زاعماً أن معرفة الحق غير ممكنة، سنتمكن من رؤية الحق. ولن نرى الحق في المجالات التي نريده فيها فقط، كالمال، والعلاقات، والصحة، والقانون…. إلخ، بل الحق الديني أيضاً أيضاً. ونقول مع الأعمى الذي شفاه يسوع:” كنت أعمى والآن أبصر”.

وقد يقول المتشكك: “لحظة من فضلك! من المحتمل أن مَثَل الفيل ليس مُوفَّقاً، إلا أن ذلك لا يُثْبِت أن معرفة الحق الديني ممكنة. لقد أثْبَتَّ أن معرفة الحق ممكنة، ولكن ليس بالضرورة الحق الديني. أوَ لم يدحض “ديفيد هيوم” David Hume وكذلك “إيمانيول كانط” Immanuel Kant  فكرة الحق الديني؟”

بالقطع لا، وسنناقش السبب في الفصل التالي.

المخلص والخلاصة

  1. رغم ما تنضحه ثقافتنا من نسبية، فالحق مطلق، وإقصائي، وقابل للمعرفة. وإنكار الحق المطلق وإمكانية معرفته هو افتراض يفنِّد نفسه بإثبات عكس ما يريد أن يُثْبِت.
  2. خطة “رود رَنَر” تقلب الجملة على نفسها وتساعد في كشف الجُمَل المفنِّدة لنفسها (التي هي بالتالي خاطئة) التي أصبحت واسعة الانتشار اليوم. ومن هذه الجُمَل: “ليس هناك حق” (هل تلك الجملة حق؟)، “كل الحق نسبي” (هل تلك الجملة حق نسبي؟)، “لا يكنك أن تعرف الحق” (فكيف عرفت ذلك إذاً؟). في الأساس أي جملة لا يمكن تأكيدها (لأنها تناقض نفسها) لا بد أن تكون خاطئة. فالنسبيون يهزمون أنفسهم بمنطقهم.
  3. الحق لا يعتمد على مشاعرنا ولا استحساناتنا. فالشيء يكون صحيحاً سواء أعْجَبَنا أم لا.
  4. خلافاً للرأي الشائع، ديانات العالم الرئيسية لا “تُعَلِّم جميعاً تعاليم واحدة”. بل إنها تختلف فيما بينها اختلافات جوهرية ولا تتفق إلا في أمور سطحية. فلا يمكن أن تكون كل الديانات صحيحة لأنها تُعَلِّم تعاليم متناقضة.
  5. بما أنه يستحيل منطقياً أن تكون كل الديانات صحيحة، لا نستطيع أن نقبل التعريف الحديث لقبول الاختلاف الذي يطالبنا بقبول الفكرة المستحيلة القائلة بأن كل المعتقدات الدينية صحيحة. لذا، علينا أن نحترم معتقدات الآخرين، ولكن نخبرهم بالحق بمحبة. فمهما كان، إن كنتَ تحب الناس حقاً وتحترمهم، ستخبرهم بالحق المتعلق بمعلومات قد تَجُرّ عواقب أبدية.

 

[1]  مصطلح “الإنساني” humanist يُستخدم اليوم للإشارة إلى من يسعى ليعيش حياة صالحة دون اعتماد على معتقدات دينية أو خرافية (humanism.org.uk/humanism/humanism-today/non-religious-beliefs)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 13تموز/يوليو2016. (المترجمة).

[2]  Road runner تعني عَدَّاء المسافات الطويلة وهو في هذا الفيلم الكارتون اسم لطائر سريع جداً، أما  “الكويوت” Coyote فهو حيوان من فصيلة الكلاب البرية أو الذئاب ويعيش في أمريكا الشمالية وأحياناً ما يسرق الطعام أو يقتل الحيوانات المنزلية الصغيرة. (المترجمة)

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

المسيح – كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

 

ما هي الأناجيل

في البابين الأولين من هذا الكتاب، ذكرنا الكثير عن حياة المسيح وتعليمه، ولكننا لم نتحدث إلا القليل جداً عن الكيفية التي عرفنا بها يسوع المسيح. ومن الطبيعي أن الصورة التي تخيلناها عنه قامت على أجزاء العهد الجديد التي تحدثت عن حياته وعمله، وهي الأسفار الأربعة التي نطلق عليها “الأناجيل” والتي ترتبط عادة بأسماء: “متى ومرقص، ولوقا، ويوحنا.

إلا أنه يتعين أن يكون واضحاً الآن أنه في فهمنا للأناجيل قمنا بعمل عدة افتراضات، وبشكل أو بآخر، تخيلنا صورة يسوع المسيح التي قدمت هنا. وعلى سبيل المثال، افترضنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتية للمسيح، بقدر ما هي عرض لمختارات من نواحي حياته وتعليمه التي بدت ذات أهمية بالغة لأولئك الذين كتبوها لأول مرة. وعلاوة على ذلك، افترضنا أن هناك الكثير من التداخل والتكرار في الروايات العديدة لحياة يسوع، ولذلك ربما يستخدم إنجيل لتوضيح أو تفسير التعليم الذي ورد في إنجيل آخر.

ثم لمحنا أيضاً إلى أنه من الممكن في الواقع معرفة شيء عن يسوع المسيح من دراسة الأناجيل، وأنه على الرغم من أنها فعلاً من نتاج الكنيسة الأولى، إلا أنها لا تحدثنا عن كاتبيها فقط، بل عن يسوع المسيح نفسه.

وقد حان الوقت الآن لدراسة بعض هذه الافتراضات، بشيء أكثر تفصيلاً لشرح الأسباب التي دفعتنا على افتراضها، ولاستكشاف تداعياتها.

ما هو الإنجيل؟

لماذا ندرس الانجيل

القارئ الحديث الذي يرى أحد الأناجيل لأول مرة قد يعتقد أنه يشبه إلى حد كبير سيرة ذاتية للمسيح. إلا أن لمحة خاطفة لأي منها، ستبين أن الأمر ليس كذلك. فالسيرة الذاتية الجيدة تبدأ عادة برواية عن سنوات طفولة الشخصية التي تتناولها، ثم تعرض بالتوالي إلى مرحلة المراهقة ثم البلوغ، كي تبين كيف نما الشخص الناضج استجابة للتأثيرات المختلفة في بداية حياته والبيئة التي نشأ فيها.

وعلى النقيض من ذلك، نرى أن التأكيد الرئيسي في الأناجيل لا ينصب على مجرى حياة يسوع المسيح، بل على أحداث الأسبوع الأخير منها على وجه التقريب. وهذه سبقتها تقارير عن تعليم يسوع، ورواية عن بعض الأحداث القليلة ترجع إلى فترة الثلاث سنوات السابقة لوفاته، مع عدم أي ذكر في الواقع لطفولته وفترة مراهقته. ولو كانت هذه سيرة ذاته، فإنها لا ريب سيرة ذاتية غير عادية.

وبمقدورنا وبمنتهى السهولة أن نعرف حقيقة الأمر بالرجوع إلى الأناجيل ذاتها. وعوض أن نحاول تصنيفها كما يفعل أي أمين مكتبة الآن، علينا أن نسأل، ماذا اعتقد كاتبوها بخصوص ما يفعلون وهم يكتبونها؟ لنأخذ على سبيل المثال إنجيل مرقص، وهو الإنجيل الذي يعتقد بوجه عام أنه أقدم الأناجيل الأربعة. والكتاب يصف عمله في العبارة الافتتاحية على أنه “بدء إنجيل يسوع المسيح”[1].

وهذا القول يأتي كعنوان أو مقدمة لما سيتبعه، ونجد هنا كلمتين هامتين لفهم الغرض من هذا الإنجيل، والكلمتان هما: “بدء” و”إنجيل”. وكلمة “إنجيل” هي ببساطة ترجمة لكلمة مرقص اليونانية “Evangilion” وقد اختيرت أساساً لأن للكلمتين معنى واحد هو: “أخبار سارة”. إذاً، فقد كان مرقص يكتب عن “بدء الأخبار السارة”.

وماذا يعني هذا؟ لقد سمع مرقص وكتبة الأناجيل الأخرى “الأخبار السارة” عن يسوع المسيح [2]. ولقد تقبلوا مصداقيتها واعترفوا بالمسيح كسيد لحياتهم[3]. ومرقص نفسه أصبح بناء على ذلك منخرطاً بشكل عميق في عمل الكنيسة، وتضمن جزءًا هاماً من عمله كلاً من الكرازة وتعليم الرسالة مما غير مجرى حياته هو شخصياً[4].

والكرازة والتعليم المشار إليهما سجلا في العهد الجديد، وفي صيغته الأساسية الخالصة يتكون من أقوال لخصها “دود” في تعريفه في كتابه “الكرازة الأولى”.

وبالنسبة لمرقص ومعاصريه لم تكن هذه الرسالة مجرد ذكر للحقائق المتعلقة بالإيمان المسيحي، بل كانت بمعنى أهم “الأخبار السارة” لإيمانهم، لأنهم فيما قبلوا دعوتها للتوبة وجودها اختبار تغيير حياة.

ولذلك حين وصف مرقص إنجيله بأنه “بدء الأخبار السارة” فهو بهذا كان يقول إن هدفه هو أن يصف المرحلة الأولى من تطور الرسالة التي استجاب لها هو وآخرون. والقصة التي يرويها تشكل جزءًا هاماً لا يتجزأ من قصتهم واختبارهم كمسيحيين، وكان للوقا غرض مماثل: فهو يكتب ليعرف قراءه المضامين الكاملة للرسالة المسيحية التي كثيراً ما سمعوا عنها[5]. والواقع أن لوقا شعر أنه من الواجب عليه أن يؤكد استمرارية حياة الكنيسة بحياة المسيح، وذلك بكتابة سفر آخر (سفر أعمال الرسل) ليجعل القصة كاملة تماماً.

وحين نطلق على كتبة الأناجيل لقب “إنجيليين” فإننا بذلك نصف قصدهم الحقيقي. لأنهم كانوا مهتمين بالدرجة الأولى بأن يوصلوا رسالتهم عن يسوع المسيح إلى معاصريهم، ثم بعد ذلك – بصفة ثانوية – يتناولون الاهتمامات العادية لكاتب السيرة، ولو أنهم لم يهتموا بهذه النقطة الأخيرة. وهذه الحقيقة لها على الأقل ثلاث نتائج هامة لفهمنا للأناجيل التي كتبوها:

يجب النظر إلى الأناجيل على اعتبار أنها تتضمن أقوالاً أو أحداثاً انتقائية تتعلق بحياة يسوع المسيح وتعليمه. وفي كرازتهم للرسالة لا ريب أن الرسل وآخرين تحدثوا عن أحداث من حياة المسيح بنفس الطريقة التي قد يستخدم بها الكارز الحديث توضيحات ملائمة لتفسير نفس النقاط اللاهوتية التي يعرض لها.

ولا ريب أن مرقص والإنجيليين الآخرين كانوا قد سمعوا عن هذه الأحداث التي استعملت لتوضيح كثير من المواعظ، وضمنوها أناجيلهم لأغراض مماثلة وبشكل أوسع. والواقع أن “بابياس Papias” وهو أباء الكنيسة الأولى زعم أن إنجيل مرقص يتكون من مادة استخلصت من كرازة بطرس نفسه.

وحقيقة أن المعلومات التي تتضمنتها الأناجيل التي استعملت أولاً لتوضيح رسالة الكنيسة تفسر لنا أيضاً بعض الصعاب التي كثيراً ما نستشعرها عما يبدو لنا من عدم اكتمال بعض روايات الإنجيل. وإذا جمعنا بين الأناجيل الأربعة معاً فبالكاد تحوي المعلومات الكافية لتسجيل ثلاث سنوات من حياة أي شخص، فما بال أن يكون هذه الشخص نشيطاً كالمسيح، إلا أنه إذا ما عرفنا أن المعلومات المتوافرة لنا قد حفظت بسبب ارتباطها بحياة أولى الكنائس، سنفهم بسهولة السبب في أن الكثير مما كنا نود معرفته قد ترك دون تدوين.

وهذا يفسر لنا السبب في أننا لا نجد أي ذكر في العهد الجديد لطفولة يسوع المسيح المبكرة، بل ولا أية أوصاف بالنسبة لشبهه أو من أية نوعية من الأشخاص كان. ولو كان الإنجيليون يكتبون لمجرد إشباع فضول الناس ورغبتهم في معرفة كل شيء عن يسوع المسيح، لضمنوا أناجيلهم هذه النوعية من المعلومات. ولكن هذا لم يكن قصدهم، لأنهم كانوا مهتمين بصفة أساسية بربح الناس للإيمان بربهم وسيدهم، ولهذا السبب لم تكن مثل هذه التفاصيل تهمهم من هذه الناحية.

إذا كانت الأناجيل توضيحات للكرازة الرسولية، فهذا معناه أن ليس بوسعنا النظر إلى محتوياتها على اعتبار أنها قصص بسيطة عن يسوع المسيح. فلا بد وأن يكون لها صلة وثيقة بالفكر اللاهوتي لكتاب الإنجيل. وقد جاء وقت انتشرت فيه فكرة افتراض أنه من الممكن أن نستخلص من الإنجيل صورة لمعلم جليلي بسيط، غيرها بولس وآخرون في وقت لاحق إلى رسالة لاهوتية عن ابن الله.

إلا أنه أصبح من المعروف الآن، وعلى نطاق واسع أن الأناجيل نفسها هي بذاتها من بين أكثر الوثائق اللاهوتية الهامة للكنيسة الأولى، وأن الحقيقة هي أنها ليس بوسعنا إطلاقاً اكتشاف صورة للمسيح كمعلم بسيط من الجليل. وبقدر ما استطعنا الرجوع إلى المصادر القديمة، فإن يسوع المسيح الذي وجدناه على صفحات العهد الجديد هو دائماً شخص يزعم لنفسه أموراً عظيمة، ويدلي بأقوال محددة عن علاقة الإنسان بالله. وكل تعاليمه، وكل حدث سجلته الأناجيل يتضمن بصفة خاصة شيئاً لاهوتياً يريد قوله لنا.

ç وكما سبق لنا القول، فإنه إذا كان كتبة الأناجيل قد اختاروا مادة للكتابة ليخدموا أهدافهم الشخصية، فمعنى هذا أنه قد يكون بوسعنا اكتشاف شيء عنهم وعن قرائهم بمقارنة اختيار كل منهم للمعلومات المتعقلة بالمسيح واستخدامه لها. وبالنسبة للأناجيل الثلاثة الأولى بمقدرونا عمل ذلك بكل يسر، لأنها على وجه التقريب تروي لنا نفس القصة وبنفس الترتيب، وكل منها يكرر أجزاء كبيرة من المادة التي نجدها في الأناجيل الأخرى.

وبمقارنة الطرق المختلفة التي استخدم بها كل من متى ومرقص ولوقا أعمال يسوع المسيح وتعليمه في رواياتهم، يمكننا بسهولة أن نعرف شيئاً عنهم والوضع الذي عاشوا وعملوا فيه.

وعلى هذا، فإنه لكي نفهم الأناجيل فهماً تاماً فإن ذلك يشكل عملية معقدة. فنحن نحتاج إلى معرفة السبب في أن الإنجيليين كتبوا بالطريقة التي كتبوا بها، ومتى كان ذلك. فإننا سنحتاج إلى محاولة فهم الطريقة التي جمعوا بها مادتهم، ولماذا استخدموها بطريقة معينة دون أخرى. كما أننا علينا أن نتذكر وبصفة دائمة أن أناجيلهم لم تكتب إلا بقصد المهمة الكرازية للكنيسة: وهي لم تكتب كسيرة ذاتية أو تاريخ، أو حتى كمادة لاهوتية بالمعنى المألوف.

الكرازة والكتابة

هناك سؤال واضح يمكن طرحه فيما يختص بالأناجيل وهو: من أين استقى كُتاب الأناجيل معلوماتهم، وما الذي عملوه بها؟ وللوهلة الأولى قد يبدو هذا سؤالاً خارجاً إلى حد ما عن الموضوع، أو نوعاً من تسلق قمة جبل إفرست بالنسبة للاهوتي، يجب عليه قهرها لا لشيء سوى أنها موجودة. لكنه سؤال مفيد يؤدي إلى فهم مقنع لطبيعة الأناجيل. فتتبع مصادر كاتب ما وفحص أسلوبه في استخدامها يمكن أن يشكل جزءًا هاماً لفهم ما يقوله.

فإذا كنا نعرف ما يعلمه، فبإمكاننا أن نفهم وبوضوح أكثر، ما الذي يهدف إليه. وإذا أسأنا فهم طريقته، فمن المحتمل تماماً أننا سنفشل في فهم رسالته الأساسية.

وبالنظر إلى أنه من المؤكد أن الأناجيل قد كتبت في سياق كرازة الكنيسة الأولى، فلنا أن نتوقع وجود بعض إلماحات إلى أصلها، وذلك بفحص رسالة الكنيسة. وهذا ما يتضمن بالضرورة ثلاثة موضوعات رئيسية، أولاً: الإنجيل المسيحي مرتبط بالمواعيد المذكورة في العهد القديم. ثانياً: سلسلة من الأقوال عن يسوع المسيح وأهميته. وأخيراً: كانت هناك دعوة للناس أن يتوبوا أو يقبلوا الرسالة.

نصوص العهد القديم

بدأت الرسالة بالقول إن المواعيد التي تضمنها العهد القديم قد تحققت في حياة يسوع المسيح. وفي ملخصات العهد الجديد لهذه الكرازة، كثيراً ما يقدم هذا القول بطريقة عامة إلى حد ما. إلا أنه في مواقف الحياة الواقعية لا بد وأنه كان إعلاناً جاء أكثر وضوحاً. فأي شخص ملم بالعهد القديم لن يقتنع إلا بعد أن يعرف تماماً ما هي النبوات التي كان من المفترض أن تتم بالمسيح. ونعرف من دليل آخر من بين الأعمال المفضلة لدى اليهود هي جمع قوائم لفقرات العهد القديم التي سيتممها المسيا حين يأتي.

وعلى سبيل المثال نجد أن أهل قمران كانوا يحتفظون بمثل هذه القوائم، وهكذا فعلت جماعات يهودية أخرى. وهذه القوائم يشير إليها العلماء عادة بكلمة “شهادات”.

وهناك عدد من الإشارات في العهد الجديد بأن قوائم النصوص هذه كان المسيحيون يستعملونها بشكل منتظم منذ البداية. فنجد في إنجيلي متى ويوحنا كثيراً من نصوص العهد القديم قد ذكرت للاستشهاد بها، مع إشارة إلى أنها تحققت في حدث معين في حياة يسوع المسيح. ومع ذلك ومما هو لافت للنظر أنهما بالكاد يستعملان نفس الفقرات. ولعل ذلك يرجع إلى أنهما كانا يستعملان مجموعات مختلفة من الشهادات.

كذلك في بعض رسائل بولس، نجد أيضاً نصوصاً من العهد القديم جمعت معاً في فقرات متصلة فيما يبدو أنها جاءت عشوائية، ومن المعقول أن نعتقد أن بولس وجدها أساساً وهي مجمعة معاً تحت نفس العنوان في مجموعة نصوص العهد القديم الخاص به. ولعل جمع هذه النصوص من العهد القديم كان من أوائل النشاط الأدبي للكنيسة المسيحية. فقد كانت من أجل تسهيل عمل الكارزين المسيحين، حتى يكون بمقدورهم أن يستشهدوا بنماذج معينة منها لدعم أقوالهم بأن يسوع المسيح أكمل مواعيد العهد القديم الخاصة بالمسيا.

 

كلمات يسوع

إن العنصر الرئيسي في الكرازة Kyrgma هو سلسلة الأقوال التي ذكرت عن يسوع المسيح نفسه. ومن المؤكد أنه في الأيام الأولى من وجود الكنيسة لم يكن من المستطاع إعلان الرسالة إلا بإشارة عابرة إلى حياة المسيح وتعليمه. ذلك أن معظم المسيحيين كانوا أصلاً من اليهود، وكانت الكنيسة لا تزال شيعة محلية فلسطينية، ولا بد أن كثيرين في فلسطين قد عرفوا شيئاً عن المسيح، مهما كان قليلاً.

إلا أنه لم يمر وقت طويل إلا وكان المرسلون المسيحيون ينتشرون في أماكن خارج فلسطين، حاملين تعليمهم إلى أجزاء الإمبراطورية الرومانية حيث لم يكن أحد يعرف شيئاً عن يسوع. ولا بد أنه كان من الضروري في هذه المرحلة، بالنسبة للكارزين بالأخبار السارة أن يضمنوا رسالتهم بعض المعلومات الحقيقية عن يسوع المسيح نفسه، حتى وإن اقتصرت على أحداث موته وقيامته.

وما أن يصبح الناس مسيحيين إلى ويحتاجون إلى تعليم بخصوص إيمانهم الجديد. وهذا التعليم يتضمن معلومات عن المعتقدات المسيحية، وكذلك نصيحة عن السلوك المسيحي من النوعية التي كثيراً ما نجدها في رسائل العهد الجديد. ومن مصادر هذا التعليم الواضحة والهامة لا بد وأن تكون الأقوال التي يذكرون أن يسوع المسيح نفسه قالها. وليس من الضروري أن تقدم هذه كمعلومات عن يسوع، وهذا ما نستطيع معرفته من نصيحة بولس إلى أهل رومية (12-13). فالكثير مما يقوله قريب جداً من تعليم يسوع المسيح في العظة على الجبل حتى أنه من الصعب الاعتقاد أن الاثنين لم يستندا إلى نفس المصدر.

ومع ذلك لم يقل بولس مطلقاً إن نصيحته مستمدة من تعليم المسيح نفسه. وهناك أجزاء أخرى من كتابات بولس تبين أيضاً أن تقاليد تعاليم يسوع المسيح كانت معروفة لدى كنائس الأمميين الأولى[6]. لذلك فمن المحتمل جداً أنه قبل كتابة الأناجيل بصورتها الحالية بوقت طويل كانت أقوال يسوع المسيح قد جمعت معاً كدليل لإرشاد المعلمين في الكنيسة الأولى. ولا شك أنه كان هناك عدد من مجموعات تعليم يسوع المسيح هذه، عملت لأغراض ومناسبات مختلفة في حياة الكنيسة، والدارسون كثيراً من يطلقون على هذه المجموعات كلمة “Logia” أي أقوال السيد المسيح.

وعلاوة على الاعتبارات العامة السابق ذكرها، هناك العديد من المبررات الأساسية الهامة للاعتقاد بأن هذه كانت من أول أنماط الكتابة المسيحية عن يسوع المسيح.

ç ونعرف أنه كانت توجد مجموعات لاحقة من هذه النوعية، حتى بعد كتابة أناجيل العهد الجديد بفترة طويلة. وهناك عدد من قصاصات البرديات التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث الميلادي، والتي وجدت في البهنسا في مصر، تحتوي على أقوال للمسيح، بعضها مختلف عن تلك الموجودة في الأناجيل.

وقد وجد كتاب كامل لمثل هذه الأقوال مكتوب باللغة القبطية تم العثور عليه في مصر. وقد عرف باسم “إنجيل توما”. وهو يحتوي على أقوال للمسيح ليست موجودة في العهد الجديد، ومع ذلك قد تكون حقيقية. ومع هذا وسواء كانت حقيقية أم لا، فإن هذه الوثائق لا تظهر بوضوح تام أنه كان من عادة الكنيسة الأولى أن تعمل هذه المجموعات الخاصة بأقوال السيد المسيح.

ç وفي الفترة 130-140م، كتب بابياس أسقف هيرابوليس، Papias the bishop of Hierapolis كتاب “شرح أقوال الرب” من خمسة أجزاء. ومع أن معظم هذا الكتاب مفقود الآن، إلا أنه لدينا بالفعل قصاصات قليلة منه على شكل مقتبسات وردت في كتابات أناس آخرين. وإذا كتب بابياس عن “متى قال إنه جمع أقوال المسيح “Logia” باللغة العبرية، وكل واحد فسرها بحسب ما استطاع. والمقصود بهذا القول على وجه الدقة أمر غير مؤكد، لكن معظم الباحثين يعتقدون أن اللوجيا “أقوال يسوع المسيح ” التي يشير إليها هي مجموعة من أقوال المسيح وليست السفر الذي نعرفه باسم “إنجيل متى”.

ç تنظيم المادة في الأناجيل كثيراً ما تشير إلى أن أقوال يسوع المسيح جمعت معاً قبل أن توضع في سياقها الحالي. وهناك مجموعات كثيرة من الأقوال بينها الصلة ضعيفة، ولا تشكل أي حجة مترابطة منطقياً. على سبيل المثال الأقوال عن الملح في إنجيل مرقص، تبدو في الواقع مختلفة تماماً بعضها عن بعض، ولعلها جمعت معاً لمجرد أنها كلها تذكر الملح[7].

ç ثم أمامنا العظة على الجبل بكاملها[8]. ولو حاول أي شخص في أي عصر أن يكتشف حجة الموعظة سيدرك استحالة المهمة، لأنها لا تتضمن حجة مترابطة منطقية. وما لدينا هو مجموعة تعاليم للمسيح جمعت معاً لأنها كلها تتناول مجموعات أخلاقية. ولكنها لا تتواصل بنفس الطريقة التي يتوقع أن تكون عليها العظة الحديثة. وطبقاً لما يقوله بروفسور جيرمياس Jeremias، أن السبب في ذلك يرجع إلى أن العظة في الأصل كانت تشكل مجموعة من أقوال يسوع المسيح، نظمت على هذا النحو لكي تكون سهلة التناول بالنسبة للمنضمين حديثاً في الإيمان المسيحي.

ç وهناك سبب قوي لافتراض وجود مجموعات من أقوال يسوع المسيح في وقت مبكر من تاريخ الكنيسة، يتمثل في حقيقة أنه كان لدى متى ولوقا كمية كبيرة من المادة المشتركة بين إنجيل كل منهما، ولكنها لا توجد إطلاقاً في إنجيل مرقص[9]. وتكاد هذه المادة تتكون في جملتها من تعاليم يسوع، ولكنها تتضمن أيضاً قصة عماده[10]. كما تتضمن التجربة وقصة معجزة واحدة هي شفاء عبد قائد المئة[11]. والتفسير العام المقبول لهذه المادة المشتركة هو أن متى ولوقا، استعمل كلاهما نفس مجموعة أقوال يسوع وأدمجها كل منهما في إنجيله[12].

والمفسرون يطلقون على هذه الأقوال المصدر (َQ). وربما كانت وثيقة مكتوبة، أو ربما تكون مجموعة من التقاليد الشفهية. ومن المؤكد أن وجودها في شكل ما أمر حقيقي، ولا سيما أن محتوياته تشابه إلى حد كبير مجموعات الأقوال النبوية التي نجدها في العهد القديم. وإلى جانب كلمات النبي التي تجمع معاً ويقوم تلاميذه بتحريرها، فإن الأسفار النبوية كثيراً ما تتضمن أيضاً رواية عن دعوة النبي، وحدثاً أو اثنين من الأحداث البارزة في حياته.

وهذا هو بالضبط ما نجده في التقليد المسمى (Q). فنجد قصة معمودية المسيح وتجربته في البرية (اللتان يمكن القول إنهما بمثابة دعوته)، كما نجد توضيحاً لأكثر أنشطته النمطية: معجزة وشفاء. إلا أن التأكيد الرئيسي إنما يكون على تعليمه.

وبناء على الدليل الذي تم جمعه حتى الآن، بوسعنا الاستنتاج انه من بداية وجود الكنيسة كان اهتمامها الرئيسي منصباً على نوعيتين من الكتابة هما: الشهادة Testimonia وأقوال يسوع المسيح Logia. ولعلهم أيضاً كان لديهم مخطط مشترك متفق عليه بالنسبة لمجرة حياة المسيح وتعليمه. إلا أنه قبل وقت طويل بدأت تبرز الحاجة إلى ضرورة جمع كل هذه المادة معاً في صورة تقبل الاستمراربة بشكل أكثر. وهذه العملية لم تتم بالطبع بين عشية وضحاها.

والواقع أنها ربما لم تكن في الحقيقة منفصلة على الإطلاق، بل كانت مجرد توسع وإكمال للعمل الذي سبق أن بدأ بعمل مجموعات من “الشهادة” و”أقوال يسوع”. غير أن المحصلة النهائية تمثلت في الوثائق الأربع التي نعرفها الآن بأسماء: إنجيل متى وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا.

وضع الأناجيل معاً

الأناجيل الثلاثة الأولى تسمى “المتشابهة Synoptics” لأنها تتشابه إلى حد كبير، والطريقة ذاتها التي حول الكتبة بها “أقوال يسوع” إلى أناجيل هي أساس مشكلة التشابه Synoptic Problem”.

وهذه الأناجيل في الواقع ما هي إلا ثلاث طبعات مختلفة لنفس المادة الأساسية تقريباً. وكثير من هذه التشابهات يمكن بالطبع تفسيره بافتراض أن هؤلاء الإنجيلين كانوا يستعملون نفس مجموعة الأقوال التي كانت متداولة بين مجموعة مختلفة من المسيحيين. ولكن التشابهات أكثر من ذلك تعقيداً، لأنه توجد أمثلة كثيرة جداً، حيث استعملت الأناجيل الثلاثة نفس اللغة بعينها من حيث المفردات اللغوية والتركيبات النحوية، الأمر الذي حمل معظم الباحثين على الاعتقاد بأنه لا بد وأنهم كانوا يستعملون نفس المصادر المكتوبة.

أما التفسير الذي قيل بوجه عام فيما يتعلق بهذه التشابهات فيتمثل في “نظرية المصدرين” والتي تفترض أن متى ولوقا استخدما نفس وثائق المصدرين في كتابة قصتيهما عن حياة يسوع المسيح وتعليمه. وكانت هذه هي المصادر التي نعرفها الآن بإنجيل مرقص والمصدر المفترض (Q). ومن المؤكد بالطبع، أن لوقا على الأٌقل استخدم مصادر متنوعة في كتابة إنجيله، ذلك لأنه يقول صراحة إنه فحص عمل أناس آخرين، واختار منها تلك الأجزاء التي كانت تناسب هدفه من الكتابة. وعلى ضوء العلاقات الأدبية الوثيقة بإنجيلي مرقص ولوقا، يبدو أن متى استخدم نفس الأسلوب في كتابة إنجيله.

وإذ توصل الباحثون إلى استنتاج أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص كمصدر لهما، فقد حللوا نص الأناجيل الثلاثة المتشابهة مستخدمين على الأقل خمس معايير مختلفة:

ç الصياغة: مقارنة الكلمات المستخدمة في نصوص مختلفة تعد طريقة بسيطة جداً لتحديد العلاقة الأدبية بينها. وأكثر من نصف المفردات اللغوية المستخدمة فعلاً في إنجيل مرقص، نجدها متضمنة في إنجيلي متى ولوقا، وكلاهما يحتويان على أجزاء متطابقة لا نجدها في إنجيل مرقص. ولذا فإنه من الواضح أنه كان هناك مصدر واحد معروف لهم جميعاً، كما أن هناك مصدر واحد استخدمه متى ولوقا فقط.

ç الترتيب: إذا اتفقت ترتيب أحداث في قصة موجودة في أكثر من إنجيل واتفقت الأجزاء التي بها نفس الصياغة، نستطيع أن نخطو خطوة إلى الأمام ونفترض وجود مصدر مشترك اتبع ترتيبه واستخدمت كلماته بواسطة الإنجيليين الثلاثة جميعاً. وهنا أيضاً يوجد دليل كاف على هذا. فإن متى ومرقص ولوقا اتبعوا كلهم نفس الترتيب العام للأحداث. فهم يبدأون بخدمة يوحنا المعمدان، ثم ينتقلون إلى الحديث عن معمودية المسيح وتجربته في البرية.

بعد هذا تأتي خدمة عمل المعجزات والتعليم في الجليل، والتي بدأت تثير مقاومة من الرؤساء اليهود. ثم يقوم المسيح برحلات صوب الشمال ليعطي تعليماً لتلاميذه على انفراد. وأخيراً يتوجهون إلى أورشليم، ونجد قصة أيامه الأخيرة هناك، محاكمته، صلبه، ثم قيامته.

وفي هذا الإطار العام، هناك أحداث معينة سجلت أيضاً في كثير من الأحيان بنفس الترتيب.

وسمة الأناجيل المتشابهة هذه، تتضح على أفضل نحو إذا افترضنا أن إنجيلي متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص، كمصدر لهما وليس العكس. لأنه مما يلفت النظر أنه حين يخرج متى عن نهج نظام مرقص، نجد أن لوقا يحتفظ بنفس ترتيب مرقص، وحين يخرج لوقا عن نظام مرقص، نجد أن متى يتبع نهج مرقص. وهناك حدث واحد يضعه كل منهما بنظام يختلف عن ترتيب مرقص وهو: تعيين الاثني عشر[13].

فأحياناً يتخلى متى أو لوقا عن نمط قصة مرقص كي يضيف شيئاً جديداً[14]، غير أنهما بعد هذه الإضافة يعودان إلى النقطة التي في إنجيل مرقص، والتي كانا قد توقفا عندها[15]. وهذه من أقوى الدعامات التي تدعم الاعتقاد أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص وليس العكس.

ç المحتويات: تحليل محتويات القصص كشف أيضاً عن استخدام مصادر مختلفة. فإذا سجل أحد الكتبة نفس القصة بنفس الكلمات والترتيب الذي استخدمهما كاتب آخر، فإنه يكون بوسعنا افتراض إما أن أحدهما استخدم عمل الآخر، وهذا ما حدث بالنسبة للأناجيل المتشابهة، فمن بين 661 آية الموجودة في إنجيل مرقص، نجد في متى منها 606 آيات بنفس صيغتها، ونصفها أيضاً نجده في إنجيل لوقا.

ç الأسلوب: هذا معيار صعب جداً من ناحية استعماله بطريقة مرئية، فأسلوب الكاتب يمكن أن يعتمد على أمور كثيرة، ومنها الوضع الذي يكتب أثناءه، والقراء الذين يقصدهم، وما إذا كان يستخدم سكرتيراً أم لا، وهكذا.

ومن المؤكد أن هناك اختلافات بارزة في الأسلوب بين مرقص والإنجيلين المتشابهين الآخرين. وإنجيل مرقص، على وجه العموم، كتب بلغة يونانية أقل مستوى من اللغة التي كتب بها الإنجيلان الآخران. على سبيل المثال، تراه كثيراً ما يصف الأحداث بالفعل المضارع التاريخي (يستخدم الفعل الحاضر للحديث عن شيء وقع في الماضي). ومع ذلك نجد أن متى ولوقا يستخدمان دائماً الفعل الماضي، وهذه بالطبع هي الصيغة الأدبية الصحيحة.

وكثيراً ما ثار الجدل بأن هذا الاختلاف يبين أن متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص – وليس العكس – وهي حقيقة مؤكدة أنه إذا كان مرقص قد اطلع على إنجيلي متى ولوقا لكان يعد أمراً شاذاً للغاية أن يقوم بتغير قواعد النحو الجيدة بأخرى رديئة.

ولكن هذه الحجة تعتمد على افتراض أن الإنجيليين استخدموا مصادرهم بطريقة خرقاء، حيث كانوا ببساطة ينقلون النص كلمة كلمة. غير أنه ليس هناك باحثون كثيرون ممن يتبعون مصدراً بحذافيره بحيث يسمحوا لأسلوبه بأن يعتم على أسلوبهم. وإذا كان مرقص ضعيف الكتابة باليونانية، فإن قواعد لغته المستعملة ستكون رديئة سواء كان ينقل عن مصدر آخر أم لا.

ولسوف نكون على صواب حقاً حين نلاحظ أنه في ثمان حالات سجل فيها مرقص أقوالاً للمسيح باللغة الآرامية، لا نجد لها مثيلاً في لوقا. ولا نجد سوى مثالاً واحداً لها في متى. والاحتمال الأكيد هو أن متى ولوقا حذفا الأقوال الآرامية، إلا أن مرقص تعمد ذكرها.

ç الأفكار واللاهوت: إذا أمكن بيان أن قصة أحد الأناجيل تتضمن فكراً لاهوتياً أكثر تطوراً من قصة أخرى، هنا يبدو من المعقول النظر إليها على أنها أحدث الاثنين. ويبدو هذا اختباراً بسيطاً، غير أنه من السهل تطبيقه من الناحية العملية، فكثيراً ما يكون من الصعب التأكد من أن ما يبدو أنه اختلاف في الوضع يكون بالفعل اختلافاً حقيقياً. وعلى أي حال، من الذي يحدد ما هو “فكر لاهوتي متطور”، وكيف لنا أن نكون واثقين أن هذا لا بد وأن ينتمي إلى وقت لاحق ولا يرجع إلى نظرة “أولية”؟

وحين نتذكر أن فكر بولس المتطور بدرجة عالية، كان موجوداً بالتأكيد في الوقت الذي كانت تتشكل فيه الأناجيل، وهنا يكون بوسعنا أن ندرك أن تحديد مثل هذه الاختلافات، وعلاقة ترتيبها الزمني بعضها ببعض، لا بد وأن يكون أمراً موضوعياً للغاية.

وهناك بالطبع عدد من التأكيدات المختلفة في الأناجيل. إلا أنه من الصعوبة أن نعرف على وجه اليقين ما هي أهميتها من ناحية كتابة الأناجيل. فعلى سبيل المثال، يبدو أن متى ولوقا عدلاً أو حذفاً أقوالاً معينة جاءت في إنجيل مرقص يمكن الاعتقاد أنها تشين يسوع. فقول مرقص الفظ إن المسيح في الناصرة: “لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة”[16]، جاء في متى على هذا النحو: “ولم يصنع هناك قوات كثيرة”[17]، أما لوقا فقد حذف هذا القول بجملته.

ونفس الشيء يقال عن سؤال المسيح في إنجيل مرقص: “لماذا تدعوني صالحاً”[18]، جاء في متى على النحو التالي: “لماذا تسألني عن الصالح”[19]، بحسب إحدى الترجمات.

وهذه النقاط الخمس ليست جميعها على نفس القدر من الأهمية. فهناك صعبات في تقدير قيمة الاثنتين منها على الأقل. ولكنها إذا أُخذت معاً فإن محصلة الدليل الذي تشكله يمكن تفسيره بسهولة إذا افترضنا أن متى ولوقا استخدما قصة مرقص، إلا أن متى كان الإنجيل الأساسي الذي لخصه مرقص والذي اختار منه لوقا بعض المقتطفات.

مصدران أم أربعة

وما ذكر حتى الآن عن الطريقة التي يمكن أن تكون الأناجيل قد كتبت بها يمكن أخذه على أنه تقريباً الرأي الذي اتفق عليه باحثو العهد الجديد بشكل عام. وعلى الرغم من أنه قد توجد نقاط اختلاف بالنسبة للتفاصيل، إلا أن أغلبية من الخبراء اتفقوا على الخطوط العريضة للحقائق.

وبالإضافة إلى فكرة أن الأناجيل المتشابهة تعتمد بصفة أساسية على مصدرين: إنجيل مرقص والمصدر (Q) فقد قيل إن هذين لم يكونا المصدرين الوحيدين اللذين اعتمدت عليهما أناجيلنا. وكان “ستريتر B. H. Streeter” هو أول دارس بريطاني يقدم الحجج، على أن متى ولوقا استخدم كلاهما إنجيل مرقص، ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، وقال إنه لكي نفهم كل تفاصيل الأناجيل (المتشابهة) فنحن في حاجة إلى نظرية أكثر دقة، لا تتناول مصدرين فحسب بل أربعة مصادر أساسية.

فإلى جانب إنجيل مرقص والمصدر (Q) حدد مصدرين أطلق عليها الحرفين (M) و(L). والواقع أن هذه المادة هي ببساطة ما تبقى من قصص متى ولوقا بعد استبعاد المادة من مرقص ومادة المصدر (Q). غير أن “ستريتر” قال إن مجموعتي المواد هذه كانت هي نفسها تشكل مصدرين منفصلين ولكن مترابطين منطقياً، ومن أصل مستقل.

مسودة لوقا

يبدأ “ستريتر” ملاحظاته من حقيقة أنه يبدو أن متى ولوقا استعملا إنجيل مرقص بطرق مختلفة، فمتى اتبع بشكل دقيق ترتيب إنجيل مرقص وإطاره العام، مع أنه في ذات الوقت كثيراً ما كان يعيد كتابة المادة الفعلية، وغالباً ما كان يوجز المادة المأخوذة من إنجيل مرقص لإفساح المجال لمزيد من المعلومات الإضافية. كان من شأن ذلك أن إنجيل متى بدا بالأحرى مثل طبعة جديدة ومبكرة من إنجيل مرقص. أما بالنسبة للوقا فكان الأمر مختلفاً. ففي حين أن متى انتفع تقريباً بك المادة الموجودة في إنجيل مرقص، نجد أن إنجيل لوقا لا يحتوي إلا على نص مادة إنجيل مرقص.

والأكثر من هذا أن “ستريتر” اكتشف أنه إذا ما نحينا جانباً كل المادة المأخوذة من مرقص من إنجيل متى نجد أن المادة المتبقية غير مترابطة، وينهار السفر إلى قطع متناثرة. ولكننا إذا فعلنا الشيء نفسه بإنجيل لوقا، فلسوف تبقى لنا قصة معقولة متماسكة ومتواصلة. وهذا ينطبق بصفة خاصة على القصص المتعلقة بموت يسوع وقيامته في إنجيل لوقا، والتي يبدو أنها دعمت بمعلومات من إنجيل مرقص، ولم تتخذ قصة مرقص أساساً لها.

ولذلك يرى “ستريتر” أنه قبل أن يكتب إنجيل مرقص كان لوقا قد كتب مسودة أولى لإنجيله، تقوم على أساس مجموعة الأقوال التي تضمنها المصدر (Q)، والمادة التي أطلق عليها الحرف (L) والتي تعلمها من الكنيسة في قيصرية حيث أقام بها حينما كان بولس في السجن (أع 23: 23 – 27: 2).

وأطلق “ستريتر” على هذه المسودة الأولى للإنجيل “مسودة لوقا Porto-Luke”، وقال إنه حين كان لوقا مقيماً في روما في تاريخ لاحق بعد ذلك بقليل، تعرف على إنجيل مرقص الذي كان قد كتب في السنوات التي تخللت ذلك، وقد ضمن مقتطفات منه في مسودة إنجيله التي كانت موجودة معه بالفعل، والتي أطلقنا عليها “مسودة لوقا”. وفي الوقت ذاته، ربما كان قد أضاف أيضاً المقدمة (لوقا 1: 1-4) وقصص ميلاد المسيح في الأصحاحين الأول والثاني.

وهناك عدد من الحقائق تتناسب تماماً وهذه النظرية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما يذكر لوقا قصة مختلفة تماماً عن نص القصة الموجودة في إنجيل مرقص. فقصة رفض يسوع في الناصرة تعد مثالاً طيباً لذلك (مرقص 6: 1-6؛ لوقا 4: 16-30). ومن الواضح أن الإنجيلين كليهما يذكران نفس الحدث، غير أن قصة لوقا أكمل بكثير ومن ثم فمن الواضح أنه لا بد وأن يكون قد استخدم مصدراً مختلفاً للمعلومات التي ذكرها.

ثم إن هناك الطريقة التي وضعت بها أقسام صغيرة من قصة مرقص وبنفس ألفاظها تقريباً في وسط مادة أخرى في إنجيل لوقا، وتظهر كما لو أنها وضعت في وقت لاحق تقريباً، ومما يلفت الانتباه أيضاً أن كماً كبيراً من المعلومات التي تضمنها إنجيل مرقص محذوفة بكل بساطة في لوقا.

وينادي “ستريتر” بأنه إذا كان لوقا قد عرف بأمر عمل مرقص حين قام بعمل أول مسودة لإنجيله، لكان قد أضاف إليها المزيد من مادة مرقص. كذلك كثيراً ما لوحظ أن إنجيل لوقا يبدو وكأن له بدايتين. هناك بدايته الحالية (1: 1-4)، ولكن بعد قصص ميلاد يسوع، يبدو أنه يبدأ من جديد في (3: 1) مع تأريخ لوقا بحرص لخدمة يسوع، التي اتبعها بقائمة أسلافه في (3: 23-38). ويوضح “ستريتر” هذه السمة غير الطبيعية بافتراضه أن (3: 1) كان يشكل البداية الأصلية “لمسودة لوقا”، التي استهلها لوقا بعد ذلك بما يعرف الآن بالأصحاحين 1، 2 من إنجيله.

وأهمية نظرية “ستريتر” فيما يتعلق بالطريقة التي كتب بها لوقا إنجيله تكمن في حقيقة أنه إذا كان هناك بالفعل ما يسمى بمسودة لوقا فإنها ستشكل مصدراً مبكراً مستقلاً آخر لمعرفتنا لحياة يسوع وتعليمه. ومع ذلك فإن هذا لم يلق ما يشبه الموافقة الشاملة على الرغم من أن الكتاب المعاصرين قبلوا وجهة النظر هذه بشكل آو بآخر.

ولعل من أضعف النقاط في هذا الاقتراح هو ما افترضه عن طبيعة تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى. ذلك أن “ستريتر” افترض أننا نتعامل مع عملية أدبية محددة على وجه حسن. وهو يميل إلى النظر إلى الإنجيلين كمحرري صحف، وقد جلسوا وأمامهم عدداً من المصادر المكتوبة يستخرجون منها أجزاء عديدة من الوثائق المختلفة.

وكان هذا يشكل مفهوماً شعبياً في الوقت الذي كتب فيه “ستريتر” اقتراحه (1924)، وكان يطبق على نطاق واسع على دراسة العهدين القديم والجديد، غير أن البحث اللاحق أثبت أن هذا تبسيط مفرط للموضوع، وربما كان لوقا على معرفة بالمادة المأخوذة من مرقص، ولكن ليس من خلال إنجيل مرقص بشكله الحالي.

وهذا أيضاً يشكل نقطة ضعف في اقتراحات أخرى قدمها “ستريتر”، فقد جادل ليس فقط في أنه يمكن تعريف أربعة مصادر تشكل خلفية للأناجيل المتشابهة، بل قال أيضاً إن كل منها قامت بتقديم تقاليد حياة يسوع وتعاليمه، كما حفظت في الأماكن الأربعة الأكثر أهمية في المسيحية الأولى: مرقص كُتب في روما، المصدر (Q) كُتب في أنطاكية، المصدر (M) في أورشليم، والمصدر (L) في قيصرية. ومع ذلك، هناك عدد من الصعاب التي تكتنف هذا الرأي.

افترض “ستريتر” أن المصدرين L وM مصدرين مترابطين منطقياً. ولكن هذا الأمر يصعب التمسك به. فحين أبعدت المادة المرقصة، ومادة المصدر (Q) من إنجيل متى، فما تبقى لم يشكل مجموعة مترابطة بأي شكل كان. ونفس الشيء يقال وبدرجة أقل عن المصدر (L)، والذي هو عبارة عن إنجيل لوقا بعد استبعاد مادة المصدر (Q) والمادة المأخوذة من مرقص.

يبدو أن هذه النظرية تفترض نوعاً من التعاقب الخطي في تطور الأناجيل، والذي بواسطته تقدم التقاليد من أشكال بدائية تقريباً إلى جمع أناجيلنا الأربعة الحالية بتطور أدبي خالص.

إلا أنه أصبح من المعروف الآن وعلى نطاق واسع، أنه ليس بوسعنا أن نتحدث بعد بثقة كبيرة عن هذه النوعية من التطور من قصص بدائية إلى قصص أكثر حنكة.

أضواء جديدة على مشاكل قديمة

ربي والهي – هل آمن توما بلاهوت المسيح حينما قال ربي والهي؟ Trent Horn

كثير من تركيز الدارسين للعهد الجديد الآن ينصب على هجر فكرة التحليل الآلي للأناجيل. ومع أن نظرية المصدرين الخاصة بأصل الإنجيل لا تزال مقبولة على نطاق واسع، إلا أن عدداً من الأسئلة الجديدة بدأ يطرح الآن على الساحة، بعضها قد يكون له تأثير حاسم على فهمنا للطريقة التي تم كتابة العهد الجديد بها.

وبين آونة وأخرى يتواصل طرح الأسئلة حول نظرية المصدرين نفسها، هل كان إنجيل مرقص فعلاً أول ما كتب من الأناجيل؟ وهل من الضروري حقاً افتراض أن المصدر (Q) يمثل مجموعة محددة من أقوال يسوع، أم أنها مجرد مجموعة غير مترابطة من التقاليد التي كانت معروفة لكل من متى ولوقا؟ وبالنظر إلى قوة الدليل لكل من أسبقية المادة المأخوذة من مرقص، والشكل الثابت لمصدر (Q)، فالأمر يتطلب حججاً قوية جداً لدحض وجهة النظر العامة.

والتشابهات اللفظية واللغوية الوثيقة بين الأناجيل المتشابهة الثلاث يبدو أنها تتطلب أن يكون إنجيل مرقص هو الأول، وأن المصدر (Q) له شكل ثابت تقريباً. وإذا تقبلنا الاقتراح القائل أن المصدر (Q) له شكل مماثل لشكل الكتابة النبوية في العهد القديم، إذاً لا بد وأن شكله كان له مادة مكتوبة أيضاً.

والفكرة الأقدم الخاصة بتطور خطى من الشهادة Testimonia وأقوال يسوع Logia والكرازة Kerygma إلى إنجيل تام، أصبحت الآن مصدر تساؤل. وما نعرفه عن الكنائس الأولى يوحي أنها كانت في الغالب مستقلة عن بعضها البعض. ولذلك فإن الكنائس في مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية، كانت تتطور بحسب قدرتها، ومن المحتمل تماماً أن المسيحيين في المواقع الجغرافية المختلفة لن يكونوا في نفس مرحلة التطور في ذات الوقت.

وهذا معناه أنه ليس واقعياً افتراض أنه في مختلف التقاليد عن يسوع كانت هناك فترة كان كل الاهتمام فيها مركزاً على جمع أقوال يسوع، وأن هذه الفترة اتبعت بعد ذلك بفترة نشاط أدبي مكثف تم كتابة الأناجيل أثناءها. ومن المحتمل أن نمط المعلومات المعروفة عن يسوع الآن في أية كنيسة، كان يختلف بحسب احتياجات كل كنيسة على حدة.

وكان لذلك تأثير هام على موضوع تحديد تاريخ الأناجيل. وإذا كانت هناك ضرورة لافتراض تاريخ طويل للتطور من اللوجيا (أقوال يسوع) إلى الإنجيل، هنا يجب أن نأخذ في الاعتبار وقتاً لهذا عند تحديدنا تواريخ الأناجيل. ولكن إذا كانت أقوال يسوع والإنجيل كلاهما تكون في نفس الوقت، لمواجهة متطلبات الكنائس المختلفة، هنا لا يكون هناك سبب يحول دون نسبة تاريخ الأناجيل سابق إلى حد ما عن التواريخ المعتادة.

وثمة نقطة أخرى أثيرت فيما يتعلق “بالتطور اللاهوتي”، الذي يقول البعض إنه يمكن تتبعه في الأناجيل. ولقد أشار د. جون روبنسون Dr. John Robinson في كتابه “إعادة تحديد تواريخ العهد الجديد” أن الفكر اللاهوتي المصقول لا يشير بالضرورة إلى تاريخ أقدم بأكثر مما يشير إلى ذلك الفكر اللاهوتي البدائي.

وعلى سبيل المثال، فإن إنجيل مرقص بلا شك أقل تعقيداً من إنجيل يوحنا، وكان هذا من بين الأسباب (وليس بالطبع السبب الوحيد) التي تم الاستناد إليها في نسبة تاريخ قديم بصفة عامة إلى إنجيل مرقص، واعتبار يوحنا آخر الأناجيل. ولكن هذا يتطلب بالطبع تقدماً متطوراً مباشراً بالنسبة لكل الأناجيل.

ومع ذلك، فإنه إذا ما كانت الأناجيل المختلفة قد كتبت لخدمة احتياجات كنائس مستقلة وفي أماكن مختلفة، فليس من العسير أن الكنائس ذات الفكر اللاهوتي البدائي لابد وأنها كانت موجودة في ذات الوقت إلى جانب كنائس ذات عقيدة راسخة، وعلى هذا فإن تطور الفكر اللاهوتي، لا يشكل بالضرورة مفهوماً نافعاً للغاية في دراسة الأناجيل المتوافرة لنا الآن.

ولذلك يوجد عدد من الأسئلة الجديدة التي طرحت عن الأناجيل في أيامنا هذه، وهو من نوعية أصعب إلى حد ما عن تلك التي طرحتها الأجيال الأولى. فقد صار من المعترف به على نطاق واسع الآن، بغض النظر عن الجهة التي استقيت منها المعلومات، فإن كل إنجيلي كتب ما هو بالضرورة عمل أصلي، مميز من نواح هامة عن عمل أي من الآخرين، وكثير من اهتمامنا مركز الآن على “ما” كان الإنجيليون يعملون، وليس على معرفة كيف كانوا يعملونه. وهذا سؤال يتطلب إجابة لاهوتية لدعم الاكتشافات الأولى لنقاد الأدب.

نقاد الصيغ

ما أن قبلت نظرية المصدرين على نطاق واسع باعتبارها أكثر التفسيرات احتمالاً بالنسبة “للصناع” المختصين بكتابة الإنجيل، إلا وانهالت سلسلة عريضة من الأسئلة الجديدة، لأن عزل المصادر المختلفة التي كان يستخدمها الإنجيليون في كتابة قصصهم عن حياة يسوع وتعليمه، لم يجب إلا على السؤال: من أين جاءت الأناجيل؟ إلا أنه هناك سؤال آخر: من أين جاءت مصادرهم؟ وماذا كان يحدث للتقاليد التي كانت تتحدث عن يسوع خلال الفترة بين موته وقيامته، وحفظها كتابة في الأناجيل؟

لقد خطرت هذه الأسئلة على فكر بعض الباحثين في ألمانيا حتى قبل أن ينشر “ستريتر” كتابه العظيم عن مصادر الإنجيل.

وفي محاولتهم الإجابة عليها، استخدموا طريقة جديدة لتحليل أسفار الكتاب المقدس وأطلقوا عليها عبارة “تاريخ الصيغ” إلا أنه يشار إليها عادة في اللغة الإنجليزية بعبارة “نقاد الصيغ”. تم تطبيق هذا الأسلوب أولاً على العهد القديم بواسطة هيرمان جونكل Herman Gunked وهو مفكر ألماني، وعلى الرغم من أن بعض باحثي العهد الجديد البارزين كانوا الأسرع في معرفة مناسبته لدراسة الأناجيل. وكان أشهر هؤلاء ك. ل. شميدت K. L. Schmidt، م. ديبليوس M. Dibelus، ر. بولتمان R. Bultmann.

ولقد بدأ هؤلاء من ملاحظة أن الأدب القديم بصفة عامة يتطلب صيغة أدبية معينة، تعتمد على نوعية الكتابة. ولقد تم اختبار هذا المبدأ بطريقة متقنة للغاية في دراسة الكتابات الشعبية التقليدية لشمال أوروبا، التي يمكن تصنيفها إلى قصص خرافية، تاريخ، سير ذاتية، حكم وما إلى ذلك، وذلك بكل بساطة بملاحظة الطريقة التي كتبت بها. وقد افترض نقاد الصيغ أن نفس الشيء ينطبق على العهد الجديد.

فوحدات التقليد التي كون الإنجيليون منها أناجيلهم، كما يقولون، تطلبت صيغاً أدبية معينة للموقت الحياتي التي استخدمت فيها في الكنيسة الأولى. وعلى ذلك فبفحص الصيغة الأدبية لقصة ما، ادعوا أنهم قادرون على اكتشاف الاستخدام الأساسي لها من خدمة تعليم الكنائس الأولى.

وإذا أمكن عمل ذلك بنجاح، فلسوف يشكل ذلك عوناً قيماً لفهمنا للأناجيل. لأنه إذا كان بمقدورنا معرفة شيء عن استخدامات تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى، نكون في وضع جيد لفهم علاقتها بحياة الكنيسة، من ثم نكتشف معناها الأساسي.

ومع ذلك، فإنه مما يؤسف له أن الذين درسوا الأناجيل بهذه الطريقة أخفقوا في الاتفاق عند نقطة واحدة حاسمة. فلا يوجد اتفاق مقبول على نطاق واسع عن أي الأنماط الأساسية يمكن أن توجد بالفعل في الأناجيل. ولقد ادعى مارتن ديبليوس أنه قادر على تمييز خمسة أشكال مختلفة، كل منها يتناغم مع موقف معين في حياة الكنيسة الأولى. غير أن اثنين فقط من بين هذه الأشكال الخمسة لم يعترف بهما إطلاقاً على نطاق واسع من قبل مفكرين آخرين وهما: الأمثلة والحكايات.

الأمثلة: وقد أطلق عليها فنسنت تايلر Vincent Taylor – وهو أحد نقاد الصيغ الإنجليز – “قصص إعلان”. وهذا التعبير يشير بشكل أدق إلى محتوياتها، لأنها على وجه العموم قصص صغيرة تصل في ذروتها إلى قول رائع قاله المسيح، أو قيل عنه، وطبقاً لما يقوله ديبليوس يرجع أصل هذا الشكل إلى الكنيسة الأولى التي استخدمت فيها مثل هذه القصص كأمثلة وتوضيحات.

وثمة قصة إعلان نمطية نجدها في الحدث الذي قطف فيه يسوع المسيح بعض سنابل القمح يوم السبت، وفسر عمله لليهود بقوله: “السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت. وابن الإنسان هو رب السبت أيضاً” (مرقص 2: 23-28؛ متى 12: 1-8؛ لوقا 6: 1-5). وقصص من هذا القبيل كثيراً ما كانت تقال في الوعظ قبل أن تكتب في الأناجيل بوقت طويل. ونقاد الصيغ يميزون بشكل عام بين سمتين رئيسيتين في مثل هذه القصص:

ç دائماً تختتم بقول رائع للمسيح، وطبقاً لما يقوله البعض، كان هذا يعد وسيلة مفضلة لدى وعاظ الكنيسة الأولى. وفي حين أن الواعظ الحديث يبدأ عادة بالنص الذي اختاره، وربما احتفظ الرسل بنصهم إلى النهاية كي يستخدموه كذروة طبيعية لما حدث قبلاً.

ç وهذه قصص تحتوي على معلومات وصفية قليلة جداً، مجرد حقيقة بسيطة إلى أقل قدر ممكن لتهيئة الوضع للعنصر البالغ الأهمية وهو قول يسوع المسيح. وحين تقال أية قصة شفاهة فهناك أمران يمكن أن يحدثا لها. إما أنها تبلى من كثرة التكرار حتى إنه لا يتبقى منها إلا أكثر الحقائق ضرورة، ويعبر عنها بطريقة موجزة ورائعة. وإما أن يتم توضيحها أثناء سردها، وذلك حيث يضاف إليها المزيد من التفاصيل حتى تكتسب المزيد من الواقعية والإثارة. وطبقاً لما يقوله معظم نقاد الصيغ، فقد بقيت القصص المتضمنة إعلانات ولم يتبق منها إلا الضروريات عوض أن توضع أثناء تسلمها.

الحكايات: أطلق عليها تايلور Taylor قصص المعجزات، على الرغم من أنها لم تكن جميعاً مهتمة بالمعجزات. وكما يقول ديبليوس فإن الملح المميز لهذه القصص أنها توضحت ولم تبل أثناء تداولها. والواقع إنه يقول إن هذه القصص ربما وضعت في صياغتها الحالية بواسطة شخص من نوعية معينة في الكنيسة الأولى “راوي القصة” والذي كانت وظيفته صياغة قصص عن يسوع المسيح على نفس نمط قصص آلهة اليونان. وكانت قصصاً قصد بها أن تربح متجددين في الإيمان المسيحي بتوضيحها أن المسيح أسمى من الآلهة الأخرى.

ولا يوجد بالطبع أي شيء في العهد الجديد يشير إلى أمثال هذا الشخص. ومما يلفت النظر بوجه خاص أن بولس الذي ذكر أكثر من قائمة بأسماء أناس لهم وظائف خاصة في الكنيسة، لم يذكر إطلاقاً رواة قصص (1كو 12: 1-11؛ 28-30؛ رو 12: 6-8؛ أف 4: 11).

وربما تكون التفصيلات الرائعة في هذه القصص مأخوذة من مصدر مختلف تماماً. ولعلها كانت رواية شهود عيان، كانوا يتذكرون في الواقع تفاصيل كل الأحداث التي كانوا يصفونها، وبالنظر إلى حقيقة أن الأناجيل نفسها لم تكتب إلى بعد مرور ما لا يقل عن جيل على الأحداث التي تصفها، فمن الصعوبة تصديق أي رواة قصص محترفين أمكنهم بكل سهولة أن يخترعوا تفاصيل خيالية في الوقت الذي كان فيه كثيرون من شهود العيان الذين عاصروا يسوع المسيح ما زالوا على قيد الحياة.

ولقد عين ديبليوس ثلاث صيغ أخرى للقصة في الأناجيل، غير أن باحثين كثيرين لم يقبلوا رأيه بشأن هذه النقطة. وهذه الصيغ هي:

الخرافات: يشبهها ديبليوس بالقصص التي كثيراً ما ترتبط بقديسي العصور الوسطى. وعرفها بأنها “قصص دينية عن قديس تم الاهتمام بأعماله ومصيره”… والغرض منها تقديم أساس لتكريم القديس. ولا يحتاج الأمر اختلاق هذه القصص، على الرغم من أن ديبليوس يقول إنها تختلق في معظم الأحيان، ووظيفتها تمجيد الشخص الذي بصفة لا أن تقدم أية معلومات حقيقية عنه.

الأساطير: وهو الاسم الذي خلعه ديبليوس على أية قصص تتضمن شخصيات أو أحداث خرافية. وقصص العماد والتجربة والتجلي تنخرط تحت هذه النوعية.

النصائح التحذيرية: كانت بالضرورة التعليم الذي تضمنته الأناجيل، وكانت تستخدم لتعليم المتجددين في الكنيسة الأولى، وتابع آخرون دراسة قصص الأناجيل بعد العمل الرائد الذي قام ديبليوس، وليس من شك في أن هذا ألقى بعض الضوء على أصل الأناجيل. فهناك عدد من الأفكار الرائعة التي نسلم بها الآن جاءت كنتيجة مباشرة لعمل نقاد الصيغ.

ç وبمقدورنا أن ندرك الآن أنه لم يقصد بالأناجيل أن تكون سيراً ذاتية للمسيح. بل هي رواية منتقاة من أجزاء معينة من حياته وتعليمه حفظت لنفعها لخدمة الكنائس الأولى.

ç وبسبب هذا، أصبح من المعروف الآن أن تفاسير الأناجيل مرتبطة بشكل وثيق بالمفهوم الكلي للكنيسة الأولى. ولكن لنفهم علاقة الأناجيل ومعناها، ترانا في حاجة إلى فهم الأشخاص الذين كتبوها.

ç وهذه العملية أدت بدورها إلى فهم إيجابي مؤقت لما كان يدور في الفترة السابقة على كتابة أي من وثائق العهد الجديد، حيث كان تعليم يسوع المسيح يفسر ويطبق على مواقف جديدة في حياة أتباعه.

ولا شك أن هذه الأفكار لها قيمتها، ولا يجب التقليل من أهميتها – ولا سيما الرأي الأول، والذي أثر بشكل جذري في أسلوب تناولنا للأناجيل من جميع نواحيه. ومع ذلك يوجد عدد من النقاط كان عمل نقاد الصيغ بالنسبة لها أقل فائدة. وهناك ثلاثة انتقادات رئيسية يمكن توجيهها لعملهم. ولا سيما في الفترة المبكرة.

الصيغة والمحتوى: الكثير من تصنيفات ديبليوس كانت تعتمد في الواقع، ليس على الصيغة الأدبية، بل على المحتوى. فعلى سبيل المثال، لا يوجد سبب أساسي لوصع القصص التي تتضمن شخصيات خارقة في نوعية مختلفة عن القصص الأخرى. وإذ كانوا يضعون مثل هذه النوعية من التفريق كان نقاد الصيغ متأثرين بافتراضاتهم المسبقة القائمة على مذهبهم العقلاني.

وكما سبق أن ذكرنا، فإن اثنتين فقط من صيغ ديبليوس تم الاعتراف بهما، بل وأن بعض الباحثين شككوا فيما إذا كانت هاتين الصيغتين واضحتين على هذا النحو. هناك أمثلة عديدة لا نجد فيها فرقاً واضحاً بين الأمثال والحكايات وكثير من مادة الإنجيل يصعب تصنيفها. وحين يكون الاتفاق ضئيلاً بالنسبة لماهية الصيغ بالفعل، لا يمكن أن تتوافر لدينا ثقة كبيرة في التراكيب التي قامت عليها.

التقليد والإنجيل:

هناك مشكلة أساسية أخرى، وهي أن نقد الصياغة أقيم على افتراض أن تطور كتابة العهد الجديد يماثل تطور الفولكلور في شمالي أوربا. غير أنه توجد اختلافات هامة بين الاثنين. ولقد رأت الكنيسة الأولى أن مهمتها الرئيسية هي الكرازة بالأخبار السارة عن يسوع المسيح، وليس تسليم قصص تقليدية. فقد كانوا مهتمين بالحاضر بأكثر من اهتمامهم بالماضي.

وفيما يتعلق بموضوع اهتمامهم بالماضي، فقد كان ذلك ينصب على الماضي القريب، وليس – كما في حالة التقاليد الأوروبية – بالماضي السحيق الذي تم نسيانه منذ أمد طويل. ومعرفة الكنيسة بيسوع لم تأت من قصص تقليدية كانت تسلم من جيل إلى جيل، بل من التجربة المباشرة لبعض أعضائها، وهذا معناه أن المجال الفعلي لتطور التقاليد إلى صيغ معيارية لا بد وأنه كان في الحقيقة محدوداً للغاية.

الصيغ والحقائق:

كثيرون من نقاد الصيغ لم يكتفوا بإبداء ملاحظاتهم على الصيغة الأدبية للأناجيل، بل نزعوا إلى إصدار أحكام تاريخية على محتوياتها، على أساس نقد الصيغ. إذ يشير أرنست كيزمان Ernst Kasemann إلى نقاد الصيغ الأولي فقد كتب يقول إن عملهم الأساسي “كان يستهدف بيان أن رسالة يسوع المسيح كما قدمتها الأناجيل المتشابهة، ليست أصلية في معظم أجزائها بل غلب عليها إيمان المجتمع المسيحي البدائي في مراحله المختلفة.

وهذا الهدف واضح حتى من الأسماء التي أطلقها ديبليوس على بعض الصيغ التي اكتشفها كانت عبارتي “أسطورة” و”خرافة” من الكلمات التي تحمل معان كثيرة – بل أنه حتى في مناقشته ما أسماه “بالحكايات”، تكاد تكون بديهة أساسية عنده أنه بالنظر إلى وجود تشابهات أدبية بالقصص التي قيلت عن آلهة الوثنيين، هي الأصل الأساسي للقصص التي ذكرت على يسوع المسيح.

ولكن نقدين هامين يمكن توجيههما لهذا الإجراء:

ç الدليل المستمد من “صيغة أدبية ليس له قيمة على الإطلاق في صياغة الأحكام التاريخية. وهذا يصبح واضحاً تماماً إذا ما أخذنا مثالاً ما. فنحن في أيامنا هذه لا نفرق بوجه عام بين أنماط مختلفة للقصة بإعطائها صيغاً أدبية خاصة.

وقد عرض بروس F. F. Bruce مثالاً نافعاً بالمكان الوحيد الذي ما يزال القصة صيغة معينة. وهذا يكون في ساحة القضاء. فحين يدلي شرطي بشهادته في المحكمة، فهو لا يدلي بقصة أدبية بليغة عما رآه، بل نراه يلتزم وبشكل وثيق بقدر الإمكان بصيغة محددة – حتى إنه، بغض النظر عن التغيرات الخاصة بتفاصيل مختلفة – فإن وصف حادثة وقعت في الطريق سيبدو على وجه التقريب – كوصف أي حادثة أخرى – والأمل هو أنه باستخدام صيغة قالب Stereotyped، فإن أهم الحقائق يمكن إنجازها على نحو دقيق وبقدر الإمكان.

وما من عاقل يعتقد بأنه نظراً لأن الشرطي يصف حادثين بلغة متطابقة، فإنه كان يدلي بقصة مختلفة لحدث واحد فقط، ناهيك عن القول بأن أي منهما لم يحدث في الواقع، وأن الأقوال مختلفة من صيغة قانونية مألوفة. وسواء كان الحدث قد وقع أم لا، فإن هذا يعتمد على محك من نوعية مختلفة تماماً. ونفس الشيء ينطبق على الأناجيل. فليس بوسعنا أن نصدر ببساطة حكماً عن مصداقيتها التاريخية على أساس صياغتها الأدبية.

هناك أيضاً عدد من الأسباب القوية تدعو للشك في أن الكنيسة الأولى اختلقت قصصاً عن يسوع، كما زعم بعض نقاد الصيغ:

أولاً: هناك موضوع شهود العيان. وكثيرون منهم لا بد وأنهم كانوا على قيد الحياة في الوقت الذي كتبت فيه الأناجيل، والذين كانوا قد عارضوا كل الأحداث المختلفة والتي نسبت إلى حياة يسوع، ثانياً: ثمة افتراض أساسي لديبليوس وبولتمان هو أن الكنيسة الأولى لم تبذل أي جهد للتمييز بين تعليمها وتعليم يسوع المسيح. وعلى أي حال، هم يجادلون، بأن روح يسوع كان عاملاً في الكنيسة، وما قاله الرسل باسمه كان يعد شيء قاله يسوع المسيح أثناء خدمته.

ولكن هذا الاستدلال لا يدعمه العهد الجديد نفسه. لأن هناك أمثلة كثيرة أظهر كتابها أنهم ميزوا بالفعل بين تعليمهم وتعليم يسوع المسيح. وأبرز مثال على هذا نجده في (1كو 7)، حيث خرج بولس عن طريقه ليميز بين آرائه وكلمات يسوع. لكنه حتى في الأناجيل نفسها نجد أمثلة حيث التعليقات التحريرية للإنجيلين قد توضحت تماماً عن تعليم يسوع المسيح (مر 7: 19).

ثانياً: ثمة حقيقة أخرى تشير إلى نفس الاتجاه وهو الفرق بين الأناجيل وبقية العهد الجديد. فعلى سبيل المثال، دعي يسوع المسيح “ابن الإنسان” في الأناجيل، مع استثناء واحد وهو أن هذا اللقب وجد في موضوع آخر في العهد الجديد. وفضلاً عن ذلك فالموضوعات التي تناولتها الأناجيل ليست هي نفس الموضوعات التي أزعجت كتبة الرسائل. لنأخذ على سبيل المثال موضوع العلاقة بين اليهود وغير اليهود.

كانت هذه مسألة ملحة في الكنيسة الأولى، ولكن الأناجيل لم تتعرض لها في أي موضوع منها. وهذه الحقائق تشير إلى أن الكنيسة لم تشعر أنه لها الحرية إطلاقاً أن تضع أفكارها وتنسبها إلى يسوع المسيح، بل كانت إلى حد كبير تهتم بحفظ التقاليد التي تسلمتها من فترة سابقة.

هناك نقاد صيغ أكثر حداثة تعرفوا على هذه المشاكل في عمل أسلافهم وأصبحوا الآن لا يهتمون بالموضوعات الأدبية الشكلية. وموضوع مصداقية الأناجيل يفصل الآن فصلاً تاماً وبشكل تدريجي عن نقاد الصيغ. وبعد ذلك جاء تطور آخر هو من بعض النواحي يعد وريثاً لنقد الصيغ السابق. وهذا هو النظام الذي عرف باسم “نقاد التنقيح”.

ومع معرفتنا أن تاريخ الأناجيل لا يشبه تماماً تاريخ الفولكلور الأوروبي، أصبح من الواضح، أن أفضل سؤال نافع يمكن طرحه عن الأناجيل يجب أن يركز على كيفية استعمال الإنجيليين للمواد التي في مصادرهم. ما الذي كان يفعله هؤلاء الناس فيما كانوا يكتبون أناجيلهم؟

ولماذا احتاجوا أن يكتبوا أربعة أناجيل بدلاً من أن يكتبوا إنجيلاً واحداً متفقاً عليه؟ وما هي الظروف الخاصة التي سادت كنائسهم والتي حملتهم على الكتابة بهذه الطرق المعينة التي اتبعوها؟ هذه هي الأسئلة التي يحاول نقاد التنقيح الإجابة عليها. وهذا تطور حديث نسبياً في دراسة الأناجيل، ولا توجد على أية حال أية نتائج متفق عليها بعد. إلا أن كثيراً من توجهاته سيكون لها قيمة في الفصل التالي، وهو اكتشاف معنى وجود أناجيل مختلفة وأهمية ذلك.

 

 

[1] مرقص 1: 1.

[2] أعمال 12: 25 – 13: 13؛ 15: 36-40.

[3] كولوسي 4: 10.

[4] 2تيموثاوس 4: 11.

[5] لوقا 1: 4.

[6] 1كورنثوس 7: 10-11.

[7] مرقص 9: 49-50.

[8] متى 5-7.

[9] متى 3: 13 – 4: 11.

[10] لوقا 3: 21-22، 4: 1-13.

[11] متى 8: 5-13.

[12] لوقا 7: 1-10.

[13] مرقص 3: 13-19.

[14] متى 10: 1-4.

[15] لوقا 6: 12-16.

[16] مرقص 6: 5.

[17] متى 11: 58.

[18] مرقص 10: 18.

[19] متى 19: 17.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

هل الله موجود؟ لغز الحياة والحصول على الصورة الكاملة

هل الله موجود؟ لغز الحياة والحصول على الصورة الكاملة

هل الله موجود؟ لغز الحياة والحصول على الصورة الكاملة

هل الله موجود؟ لغز الحياة والحصول على الصورة الكاملة

“ من يزعم أنه يشك في مجموعة معينة من المعتقدات هو في الواقع مؤمن حقيقي بمجموعة أخرى من المعتقدات”.

فيليب إي. چونسون Phillip E. Johnson

حذر أستاذ الأديان طلابه المترقبين تحذيراً صريحاً منذ أول يوم في الفصل الدراسي:ِ” من فضلكم، اتركوا معتقداتكم الدينية في البيت. فعندما نتناول العهد القديم، قد أبدي بعض الملاحظات المخالفة تماماً لما تعلمتموه في مدرسة الأحد. ولست أقصد من ذلك إهانة أحد، ولكني أقصد أن أجري تحليلاً موضعياً للنص قدر المستطاع”.

أعجبني الكلام. فعلى أي حال، أنا (فرانك) سجلت فى تلك المادة لأني كنت في رحلة بحث روحي. ولم أرد أن أسمع كلاماً دينياً. كل ما أردته أن أعرف إن الله موجود أم لا. وهل من مكان للحصول على فكر موضوعي عن الله والكتاب المقدس أفضل من معهد علماني مثل”جامعة روتشسير”University of Rochester ؟ هكذا كنت أفكر.

ومن البداية اتخذ الأستاذ نظرة تشككية جداً للعهد القديم. وعلى الفور أكد نظرية أن موسى ليس هو كاتب أول خمسة أسفار في الكتاب المقدس، وأن الكثير من نصوص الكتاب التي يفترض أنها نبوية كتبت بعد وقوع الأحداث. وقد رجح أيضاً أن اليهود كانوا في الأصل يؤمنون بالكثير من الآلهة (الإيمان بتعدد الآلهة)، ولكن إلهاً واحداً فاز بالمنافسة؛ لأن آخر محرري العهد القديم كانوا “موحدين متعصبين دينياً”.

معظم الطلاب لم يجدوا غضاضة في تحليله، عدا شاباً واحداً كان يجلس أمامي بعدة صفوف. وبمرور الفصل الدراسي، اتضح أن ذلك الطالب يزداد غضباً تجاه نظريات الأستاذ التشكيكية. وذات يوم، عندما بدأ الأستاذ ينقد نصوصاً من إشعياء، لم يستطيع الطالب أن يتمالك نفسه.

وانفجر قائلاً: ليس صحيحاً. هذة كلمة الله.

فهمست بصوت خفيض للطالب الجالس بجوراي: ذلك الشاب متدين أكثر من اللازم.

فذكَّر الأستاذ الجميع: اسمعوا. لقد أخبرتكم جميعاً من البداية أنكم يجب أن تتركوا معتقداتكم الدينية في البيت. وإلا لن نكون موضوعيين.

فوقف الطالب ورد: ولكنك لست موضوعياً. إنك مفرط التشكك.

بدأ بعض الطلاب يقاطعونه ويصيحون فيه.

“دع الأستاذ يدرس”.

“اجلس”.

“لسنا في مدرسة الأحد”.

وحاول الأستاذ تهدئة الموقف، ولكن الطالب انطلق غاضباً من قاعة المحاضرات ولم يعد أبداً.

ورغم أنى شعرت بشيء من التعاطف مع الطالب، وأدركت أن الأستاذ متحيز شخصياً ضد الدين، أردت أن أسمع منه المزيد عن العهد القديم، وخاصة عن الله. وعند نهاية الفصل الدراسي، كنت مقتنعاً نوعاً ما أن الأستاذ على صواب، فالعهد القديم لا يجب أن يؤخذ كما يبدو في ظاهره.

الإ أنني لم أحصل بعد على إجابة لسؤالي الأساسي: هل الله موجود؟ فحتى نهاية المحاضرة الأخيرة لم أكن قد حصلت على إجابة شافية، وهذة المسألة الصعبة لم تحسم. فتوجهت إلى الأستاذ الذي تحلق الطلاب حوله يسألونه أسئلتهم الأخيرة.

وانتظرت حتى انصرف الجميع تقريباً، وقلت: أستاذ. شكراً على المادة. أظن أني تعلمت منظوراً جديداً. ولكن لايزال عندي سؤال جوهري.

فأجاب: بكل سرور. تفضل.

  • دخلت هذه المادة لأكتشف ما إذا كان الله موجود حقاً أم لا. فهل…؟

ودون أن يتردد لحظة واحدة انطلق قائلاً: لا أعرف.

  • لا تعرف؟!
  • بلى. ليس لدي أدنى فكرة.

Uni-: بادئة تدخل على بعض الكلمات الإنجليزية وتعني واحد، أو مكون من واحد. (المترجمة)

Plural+: تعني جمع، أو مكون من أكثر من واحد. (المترجمة)

صدمت، وتمنيت لو أمكنني ان أوبخه قائلاً: “لحظة من فضلك. أنت تعلم بأن العهد القديم خاطئ، وأنت لا تعلم إن كان الله موجود أم لا؟ العهد القديم يمكن أن يكون صحيحاً إن كان الله موجود بالفعل”. ولكن بما أننا لم نكن قد أخذنا التقديرات النهائية للمادة. تراجعت، واكتفيت بمغادرة القاعة محبطاً من الفصل الدراسي بأكمله. كنت سأحترم الإجابة بكلمة “نعم” أو “لا” مصحوبة ببعض الأسباب، ولكني لم أقبل “لا أعرف”.

كان يمكنني أن أحصل على تلك الإجابة من شخص في الشارع قليل المعرفة. ولكني كنت أتوقع أكثر من ذلك بكثير من أستاذ دين جامعي.إلا أني عرفت فيما بعد أن توقعاتي كانت أعلى كثيراً من حدود الجامعة الحديثة. إن مصطلح “جامعة” “University” هو في الواقع مركب من كلمة “unity” (وحدة)، وكلمة “diversity”تنوع.

فعندما يذهب المرء إلى الجامعة، يفترض أن يجد من يرشده في مسعاه للعثور على الوحدة في التنوع، أي كيف أن كافة مجالات المعرفة المتنوعة (الفنون، والفلسفة، والعلوم الطبيعية، والرياضيات… إلخ) تتوافق معا لتكون صورة موحدة للحياة. مؤكد أنها مهمة شاقة، ولكن الجامعة الحديثة لم تهجرها فحسب بل فعلت عكسها.

فبدلاً من أن يكون عندنا University أصبح عندنا Pluraversities، مؤسسات تعتبر كل وجهة نظر، مهما كانت تفاهتها، تتمتع بنفس القدر من القبول والمعقولية مثل غيرها من الأفكار، ماعدا الفكرة القائلة بأنه لا يمكن أن توجد إلا ديانة واحدة صحيحة أو منظور worldview واحد صحيح للحياة. فهذة هي وجهة النظر الوحيدة التى تعتبرها معظم الجامعات فكرة متعنتة لا تقبل الاختلاف.

 ورغم الإنكار الذي ينساب من جامعاتنا، فإننا نؤمن بوجود طريقة لاكتشاف الوحدة في التنوع. وإن تمكن المرء من اكتشاف هذه الوحدة، سيكون كمن يرى الصورة الكاملة المبينة على سطح علبة لغز الصور المقطعة Puzzle.

فكما أنه من الصعب تجميع القطع المكونة للغز دون الرجوع للصورة الموضحة على سطح العلبة، هكذا يصعب إيجاد معنى في قطع الحياة الكثيرة المتنوعة دون صورة كاملة توحد هذه القطع. والسؤال: هل هناك من يملك سطح علبة هذا اللغز الذي نسميه الحياة؟ تزعم الكثير من ديانات العالم أنها تملك سطح العلبة. فهل أي منها على صواب؟

الدين وسطح العلبة

أديان العالم تمثل غالباً محاولات لتقديم سطح العلبة الذي يسمح لك أن ترى كيف أن القطع الكثيرة التي يتألف منها لغز الحياة تشكل صورة كاملة متناسقة. وعادة ما تبدأ هذه الصورة بزعم ما عن الله، وهي بداية منطقية. فما يؤمن به المرء عن الله يؤثر في سائر معتقداته الأخرى كافة.

وعندما سئل “مورتيمر آدلر” Mortimer Adler عن السر وراء أن الجزء الذي يتحدث عن “الله” هو أكبر جزء في سلسلة “كتب الغرب العظيمة” Great Books of the Western World (التي حررها)، جاء جوابه عميقاً ثابقاً؛ إذ أشار إلى أن النتائج المترتبة على موضوع الله تتجاوز ما يترتب على أي موضوع آخر. ومؤكد أن أهم خمسة أسئلة في الحياة تترتب على هذا الموضوع هى:

  • الأصل: من أين أتينا؟
  • الهوية: من نحن؟
  • المعنى: ما غرض وجودنا؟
  • الأخلاق: كيف يجب أن نعيش؟
  • المصير: إلى أين نحن ذاهبون؟

وإجابة كل من هذة الأسئلة تتوقف على وجود الله. فإن كان الله موجود، يكون لحياتك معنى وغرض نهائي. وإن كان لحياتك غرض حقيقي، عندئذ يكون هناك بالفعل أسلوب صحيح وأسلوب خاطئ للحياة. واختياراتك اليوم لا تؤثر عليك هنا فحسب، ولكنها تؤثر عليك في الأبدية.

وعلى العكس، إن لم يكن الله موجود، فحياتك يلا معنى. وما دامت الحياة ليس لها غرض نهائي بعيد، فما من أسلوب صحيح وأسلوب خاطئ للعيش. ولا يهم كيف تعيش أو بما تؤمن، فمصيرك إلى التراب.

فإن كان أي دين في العالم يمتلك الأجابة الصحيحة عن سؤال الله، فما هو؟ هل من ديانة تمدنا بسطح العلبة الصحيح للحياة؟ الحكمة الشائعة تقول لا، لعدة أسباب.

أولاً، يقول الكثيرون إنه ليس منطقياً أن تصدق أن ديناً واحداً يمكن أن يكون وحده الدين الصحيح. فلو كان دين بعينه صحيحاً، إذن مليارات المتدينين في سائر الأديان الأخرى جميعاً مخطئون اليوم، وكانوا مخطئين على مدى قرون. (وهي مشكلة كبيرة إن كانت المسيحية صحيحة؛ لأن المسيحية فيما يبدو تعلم بأن غير المسيحيين مصيرهم الجحيم!) هذا بالإضافة إلى الخوف المنطقي من أن مَن يعتقدون أنهم يمتلكون الحق لن يقبلوا آراء من لا يقبلونه.

والأمريكيون المتساهلون أكثر ميلاً للاعتقاد بأنه ليس هناك ديانة واحدة هي “الحق”، بأل التعريف. وهو موقف يعبر عنه غالباً مثل مفضل لدى الكثير من أساتذة الجامعات: مثل الستة رجال العمي والفيل. كل رجل من الستة يتحسس جزءاً مختلفاً من الفيل ومن ثم يتوصل إلى استنتاج مختلف بشأن الشيء الموجود أمامه. فأحدهم يمسك بالناب ويقول: “إنه رمح!” ويتحسس آخر الخرطوم ويقول: “هذا ثعبان!” أما من يحتضن الساق يزعم قائلاً: “هذه شجرة!”

والأعمى الذي يمسك الذيل يقول: “معي حبل!” أما من يتحسس الأذن يظن”أنها مروحة!” ومن ينحني على جانب الفيل يقول واثقاً: “أنه حائط!” ويقال إن هؤلاء الرجال العميان يمثلون ديانات العالم لأن كلاً منهم يتوصل إلى استنتاج مختلف عما يتحسسه. ويقال لنا إنه ما من دين واحد يمتلك”الحق” بأل التعريف، مثل كل رجل من الستة العمي. فما من ديانة واحدة تمتلك سطح العلبة الكامل. ولكن الأديان تمثل ببساطة طرقا مختلفة تؤدي إلى قمة الجبل نفسها. وهو طبعاً موقف جذاب جدا للعقل الأمريكي الذي يقبل الاختلاف قبولاً تاماً.

ففي أمريكا يعتبر الحق الديني تعبيراً متناقضاً. ولكنهم يقولون لنا إنه لا حق فى الدين. فهي مسألة أذواق وآراء أنت تحب الشوكولاتة.أنا أحب الڨانيليا. أنت تحب المسيحية، أنا أحب الهندوسية. إن كانت البوذية تناسبك، فهي صحيحة بالنسبة لك. ثم إنه ينبغي ألا تحكم على بمعتقداتي!

أما ثاني المشكلات الكبرى فى قضية الحق الديني هي أن بعض قطع الحياة يبدو أنها تستعصي على التفسير، يبدو أنها لا تتوافق مع أي سطح علبة ديني. ومنها وجود الشر وصمت الله حياله. وهي ما تمثل اعتراضات قوية لأي شخص يزعم بوجود إله كلي القدرة (يؤمن بوجود الله). فالكثير من المتشككين والملحدين يحاجون بأنه إن كان هناك إله حقيقي قدير، لتدخل لإزالة كل هذا الارتباك.

فإن كان الله موجود بالفعل، فلماذا يحتجب؟ لماذا لا يظهر نفسه ويبين خطأ الديانات الزائفة وينهى كل هذا الجدل؟ لماذا لا يتدخل ويوقف كل الشر المنتشر في العالم، بما فيه كل الحروب الدينية التي تلطخ اسمه؟ ولماذا يسمح بالضرر للأشخاص الصالحين؟ كلها أسئلة صعبة على أي شخص يزعم بأن دينه الذي يؤمن بوجود الله دين صحيح.

الموضوعية هي وجود الشيء مستقلاً عن الأفكار والآراء الشخصية وغير متأثر بها، وتشير في الفلسفة إلى الاعتقاد بأن الموجودات توجد مستقلة عن معرفة البشر بها أو إدراكهم لها. أما الذاتية فهي موقف فلسفي يرى أن المعرفة تتوقف على وجود الذات المدركة وأنه ليس هناك حقيقة موضوعية أو خارجية. (المترجمة)

وأخيراً، يشير الكثير من المفكرين المحدثين إلى أن أي سطح علبة يقوم على الدين يفتقد للمشروعية. لماذا؟ يقولون لأن العلم وحده هو ما يقدم الحق. فهم يقولون إن التطور لم يلغ الحاجة الى الله فحسب، بل ما يمكن اختباره في المعمل هو فقط ما يمكن اعتباره حقيقياً. أي أن العلم وحده هو الذي يتعامل مع الأمور الحقيقية، في حين أن الدين يظل محصوراً في نطاق الإيمان.

فلا معنى لمحاولة حشد الأدلة أو الحقائق لتأييد الدين لأن ذلك يشبه من يجمع حقائق لإثبات أن آيس كريم الشوكولاتة أحلى مذاقا من آيس كريم الڨانيليا. لا يمكنك إثبات الاستحسانات. ولذلك، بما أنهم يصرون على أن الدين ليس مسألة حقيقية موضوعية على الإطلاق ولكنه مجرد ذوق ذاتي، إذن أي سطح علبة مستمد من الدين لا يمكنه تقديم الصورة الموضوعية للحياة التي نبحث عنها.

فإلى أين يأخذنا كل هذا؟ هل البحث عن الله وعن سطح علبة الحياة مهمة ميئوس منها؟ هل يجب أن نفترض أنه ما معنى موضوعي للحياة، وأن كلاً منا يخترع سطح علبته الذاتي؟ هل يجب أن نقنع بإجابة الأستاذ: “ لا أعرف”؟ إننا لا نعتقد ذلك. بل نعتقد بوجود إجابة حقيقية.

وبالرغم مما رصدنا من اعتراضات قوية (سنناقشها في الفصول القادمة)، نؤمن أن الإجابة منطقية للغاية. بل إننا نعتقد حقيقة أن هذه الإجابة أكثر منطقية وتتطلب إيماناً أقل من أى إجابة أخرى من الإجابات المطروحة، بما فيها إجابة الملحد. فهيا بنا نبين لك ما نعني بذلك.

أي نوع من الآلهة؟

قبل أن نتقدم في مناقشتنا، لا بد أولاً أن نفهم المصطلحات. تندرج معظم ديانات العالم الرئيسية تحت واحد من ثلاثة منظورات دينية للحياة religious worldviews: الإيمان بالله الخالق الحافظ theism، وحدة الوجود pantheism، الإلحاد atheism.

المؤمن بوجود الله الخالق الحافظ theist هو من يؤمن بإله شخصي Personal God خلق الكون ولكنه ليس جزءاً من هذا الكون: وهو ما يمكن تمثيله بالرسام واللوحة. فالله مثل الرسام وخليقته مثل اللوحة. الله صنع اللوحة، وصفاته تنعكس فيها، ولكن الله ليس اللوحة. والديانات الرئيسية التي تؤمن بالله الخالق الحافظ هي: المسيحية، واليهودية، والإسلام.

على العكس من ذلك، المؤمن بوحدة الوجود pantheist هو من يؤمن بإله غير شخصي بأن الله صنع اللوحة، بل بأن الله هو اللوحة. وفي الواقع المؤمنون بوحدة الوجود يعتقدون أن الله هو كل الموجودات: الله هو العشب، الله هو السماء، الله هو الشجرة، الله هو هذا الكتاب، الله هو أنت، الله هو أنا…إلخ. والديانات الرئيسية التي تؤمن بوحدة الوجود هي مجموعة الديانات الشرقية مثل الهندوسية، وبعض أشكال البوذية، والكثير من أشكال” العصر الحديث”“New Age”.

أما الملحد atheist هو بالطبع من لايؤمن بأي نوع من الآلهة. وتمشياً مع المشابهة، فالملحد يؤمن أن ما يبدو وكأنه لوحة كان موجوداً باستمرار ولم يرسمه أحد. ويندرج ضمن هذه الفئة “الإنسانيون الدينيون”“ Religious humanists “.

وإليك طريقة سهلة لتذكر هذه المنظورات الدينية الثلاثة: الإيمان بالله الخالق الحافظ: الله صنع كل شيء. وحدة الوجود: الله هو كل شيء. الإلحاد: لا إله على الإطلاق.

والشكل 1-2 يصور الإيمان بالله الخالق الحافظ على هيئة يد تحمل العالم، ووحدة الوجود على هيئة يد في العالم، والإلحاد على هيئة العالم فقط دون سواه.

وسنستخدم كثيراً مصطلحاً أخر وهو لاأدري agnostic. وهو شخص لا يحسم موقفه بخصوص قضية الله.

المقصود الإيمان بوجود إله خلق الكون ويحفظه باستمرار، وغالباً سيشار إلى المصطلح في الفصول التالية بتعبير ’’الإيمان بالله الخالق‘‘ للتخفيف.(المترجمة).

وبعد أن عرفنا مصطلحاتنا، لنعد إلى قضية الإيمان والدين.

الإيمان والدين

الزعم القائل بأن الدين مجرد مسألة إيمان، على ما يبدو فيه من إقناع ظاهري، ليس إلا أسطورة حديثة، فهو زعم خاطئ. فرغم أن الدين يتطلب الإيمان بكل تأكيد، فالدين لا يقتصر على الإيمان. فالحقائق أيضاً تلعب دوراً جوهرياً في كل الأديان لأن كل المنظورات الدينية، بما فيها الإلحاد، تتضمن مزاعم تتعلق بالحق، والكثير من تلك المزاعم المتعلقة بالحق يمكن تقييمها بالفحص العلمي والتاريخي.

فمثلاً المؤمنون بالله الخالق الحافظ (مثل المسيحيين، والمسلمين، واليهود) يقولون إن الكون له بداية، في حينأن الكثير من الملحدين والمؤمنين بوحدة الوجود (مثل أتباع حركة العصر الجديد، والهندوس) يقولون إن الكون لا بداية له (الكون أزلي). وكل زعم منهما يلغي الآخر.

فلا يمكن أن يكون كلاهما صحيحاً. فإما أن الكون له بداية أم لا. وعندما نبحث في طبيعة الكون وتاريخه، يمكننا أن نستنتج منطقياً أن إحدى النظرتين صحيحة والأخرى خاطئة.

وتعتبر قيامة المسيح المزعومة مثالاً آخر على ذلك. فالمسيحيون يزعمون أن يسوع قام من الأموات، بينما يقول المسلمون إن يسوع لم يمت أصلاً. وبالمثل، يجب أن يكون أحد هذين الموقفين صحيحاً والآخر خاطئاً. فكيف نحدد الموقف الصحيح؟ بتقييم كل من هذين الزعمين المتضادين بشأن الحق بناء على الدليل التاريخي.

لاحظ أن الأديان المختلفة ليست الوحيدة التي تحاول أن تجيب عن هذه الأسئلة، ولكن العلماء أيضاً لهم رأي في هذه المسائل. أي أن العلم والدين غالباً ما يتناولون الأسئلة نفسها، من أين أتى الكون؟ من أين أتت الحياة؟ هل المعجزات ممكنة؟ وهكذا. أي أن العلم والدين لا يقصي أحدهما الآخر كما يرجح البعض.

ولكن من المؤكد أنه لا يمكن إخضاع كل المزاعم الدينية للفحص العلمي أو التاريخي. فبعضها يمثل عقائد لا يمكن التحقق منها. إلا أن الكثير منها يمكن إخضاعه للاختبار. فبعض المعتقدات منطقي، أي يمكن إثباته بيقين كبير، ولكن يتضح أن البعض الآخر غير منطقي.

معضلات المسيحية

هل المسيحية منطقية؟ نحن نؤمن أنها كذلك. إلا أنه لم يفحص المرء الأدالة فحصاً دقيقاً وبذهن منفتح، قد يبدو الاعتقاد في المسيحية إشكالياً. فأولاً، هناك الكثير من الاعتراضات الفكرية المفهومة، مثل ما ذكرناه آنفاً (مشكلة الشر، واعتراضات الكثير من العلماء).

وثانياً، هناك عوائق نفسية أحياناً ما تحول دون قبول المسيحية. فاعتقاد المسيحية أنها تنفرد بالحق Christian exclusivism، والاعتقاد في جهنم، ورياء المسيحيين؛ تمثل حواجز نفسية أمام الجميع تقريباً. (الواقع أن الرياء في الكنيسة غالباً ما يمثل أكثر العوامل المنفرة للناس. فقد قال أحدهم إن أكبر معضلة في المسيحية هي المسيحيون!).

وأخيراً، هناك أسباب إرادية لرفض المسيحية، ألا وهي الأخلاق المسيحية التى تبدو وكأنها تحد من خياراتنا في الحياة. فبما أن معظمنا لا يحب أن يحاسب، إذن إخضاع حريتنا لإله غير منظور ليس من الأشياء التى نميل إليها بطبيعتنا.

ولكن بالرغم من هذه العوائق الفكرية، والنفسية، والإرادية، نؤكد أن الإيمان بالمسيحية ليس هو الصعب، بل الصعوبة تكمن في الإيمان بالإلحاد أو بأي دين آخر. بمعنى أنه ما إن يمتحن المرء الأدلة، حتى يكتشف أن ما يحتاجه من إيمان ليعتقد في غير المسيحية يفوق الإيمان المطلوب للمسيحية. وهو ما قد يبدو زعماً مخالفاً للفهم الطبيعي المعتاد، ولكنه متجذر في حقيقة مفادها أن كل منظور ديني religious worldview يتطلب الإيمان، حتى المنظور الذي يقول بعدم وجود إله.

لماذا؟ لأننا بصفتنا بشر محدودين، لا نمتلك نوعية المعرفة التي تزودنا بالبرهان المطلق على وجود الله أو عدم وجوده. فخارج إطار معرفتنا بوجودنا (أنا أعرف أنى موجود لأني لا بد أن أكون موجوداً حتى أتمكن من التفكير في هذه المسألة)، نحن نتعامل مع احتمالات. وأياُ كان استنتاجنا عن وجود الله، يحتمل دائماً أن يكون الاستنتاج المضاد صحيحاً.

وفي الحقيقة، من المحتمل أن تكون استنتاجاتنا في هذا الكتاب خاطئة. ولكننا لا نعتقد أنها خاطئة لما لها من أدلة قوية تؤيدها. بل إننا نعتقد أن اسستنتاجاتنا صحيحة بما يتجاوز أي شك منطقى. (وهذا االنوع من اليقين، الذي ربما يتجاوز 95% هو أفضل ما يمكن لكائنات بشرية ناقصة محدودة أن تبلغه في معظم القضايا، وهو أكثر من كاف حتى في أهم قرارات الحياة.) إلا أنه لا بد من توافر قدر من الإيمان للتغلب على احتمالية أننا على خطإ.

إيمان الملحد

رغم أن قدراً من الإيمان ضروري لتصديق استنتاجاتنا، فالأمر المنسي غالباً أن الإيمان ضروري أيضاً لتصديق أي منظور للحياة، بما في ذلك الإلحاد ووحدة الوجود. وهو ما تذكرناه قريباً عندما التقينا بملحد يدعى “باري” “Barry” فى إحدى حلقاتنا النقاشية. لم يستطيع” باري” أن يصدق أن صديقاً مشتركاً بيننا يدعى “ستيڤ” Steve أصبح مسيحياً.

وقد قال:” لا يمكنني أن أفهم “ستيڤ”. فهو يزعم أنه مفكر، لكنه لا يستطيع أن يرد على كل الاعتراضات التي أطرحها عليه بخصوص المسيحية. وهو يقول أنه لا يعرف كل الإجابات لأنه مستجد وما زال يتعلم”.

فقلت(فرانك): “باري”، إن معرفة كل شيء عن موضوع ما تكاد تكون مستحيلة، وهي بالتأكيد مستحيلة إن كان الموضوع هو الله غير المحدود. لذا، لا بد أن تصل إلى نقطة حيث تدرك أنك امتلكت من المعلومات ما يكفي للوصول إلى استنتاج، حتى لو ظلت لديك أسئلة دون إجابات”.

وافقني “باري”، ولكنه لم يدرك أنه كان يفعل تماماً ما كان ينتقد “ستيڤ” عليه. فقد قرر”باري” أن منظوره الإلحادي صحيح رغم أنه لم يمتلك معلومات كاملة لدعمه. هل هو متيقن من عدم وجود الله؟ هل بحث كل الحجج والأدلة المؤيدة لوجود الله؟ هل يمتلك معلومات شاملة عن قضية الله؟ هل يمكنه الرد على كل اعتراض على الإلحاد؟ بالطبع لا. بل إنه من المستحيل أن يفعل ذلك. وبما أن “باري”، مثله مثل “ستيڤ”، يتعامل في مجال الاحتمالات لا اليقين المطلق، لا بد أن يمتلك قدراً معيناً من الإيمان ليصدق أن الله غير موجود.

ورغم أن “كارل ساجان” Carl Sagan كان يزعم أنه لاأدري، فقد نطق بالتصريح النموذجي عن الإيمان بالمادية الإلحادية عندما زعم أنه”لا ولم ولن يوجد شيء سوى الكون”. كيف علم ذلك علم اليقين؟ لم يعلم. وكيف أمكنه أن يعلم ذلك؟ لقد كان كائناً بشرياً محدوداً ذا معرفة محدودة. لقد كان”ساجان” يتحرك في محيط الاحتمالات تماماً مثل المسيحيين عندما يقولون إن الله موجود، ولكن السؤال هو: أيهما يمتلك مزيداً من الأدلة على استنتاجاته؟ أي الاستنتاجين أكثر منطقية؟ سنرى عندما نتناول الأدلة أن الملحد عليه أن يجمع قدراً من الإيمان يفوق كثيراً ما يحتاجه المسيحي.

وقد تقول في نفسك: “الملحد عليه أن يجمع قدراً من الإيمان يفوق كثيراً ما يحتاجه المسيحي! ترى ماذا يقصد جايسلر وتورك بذلك؟” نقصد أنه كلما تناقص ما لديك من أدلة تدعم موقفك، تزايد ما تحتاج إليه من إيمان لتصديق هذا الموقف (والعكس صحيح).

فالإيمان يسد ثغرة معرفية. وفي النهاية يتضح أن الملحد لديه ثغرات معرفية أكبر لأن الأدلة الداعمة لمعتقداته أقل كثيراً من أدلة المسيحي على معتقداته. أي أن الأدلة التجريبية والشرعية والفلسفية تؤيد بقوة الاستنتاجات المتوافقة مع المسيحية والمخالفة للإلحاد. وإليك بضعة أمثلة على تلك الأدلة التي سيأتي تفصيلها في الفصول القادمة:

  • الدليل العلمي يؤكد بما لايدع مجالاً للشك أن الكون أتى إلى الوجود من لا شيء. فإما أن شخصاً خلق شيئاً من العدم (الموقف المسيحي)، أو أنه ما من أحد خلق شيئاً من العدم (الموقف الإلحادي). فأي الموقفين أكثر منطقية؟ الموقف المسيحي. وأي الموقفين يتطلب مزيداً من الإيمان؟ الموقف الإلحادي.
  • أبسط شكل من أشكال الحياة يحتوي على معلومات تعادل 1000 موسوعة.والمسيحيون يؤمنون أنه لا يمكن إلا لكائن ذكي أن يخلق كائناً حياً يحوي ما يعادل 1000 موسوعة. أما الملحدون يؤمنون أن قوى طبيعية غير ذكية يمكنها لأن تفعل ذلك. ولكن المسيحيون لديهم من الأدلة ما يدعم استنتاجهم. وبما أن الملحدين لا يملكون مثل هذه الأدلة، إذن معتقدهم يتطلب قدراً من الإيمان أكبر بكثير.
  • تنبأت بعض الكتابات القديمة عن قدوم رجل هو الله بالفعل قبل إتيانه بمئات السنين. وقد تنبأت هذه الكتابات بأن هذا الإنسان-الإله سيولد في مدينة بعينها ومن نسب معين، ويتألم بشكل معين، ويموت في وقت معين، ويقوم من الأموات ليكفر عن خطايا العالم. وفور انقضاء الوقت الذي أشارت إليه النبوات أعلن العديد من شهود العيان ثم سجلوا أن تلك الأحداث التي تم التنبوء عنها وقعت بالفعل. وشهود العيان أولئك احتملوا الاضطهاد والموت، رغم أنه كان في قدرتهم أن ينقذوا أنفسهم بإنكار الأحداث. وقد تحول الآلاف من سكان أورشليم إلى الإيمان بهذا الشخص بعد أن رأوا هذه الأحداث أو سمعوا عنها، وسرعان ما اكتسحت هذه العقيدة أرجاء العالم القديم. والمؤرخون والكتاب القدماء يشيرون إلى هذه الأحداث أو يؤكدونها، والدلائل من علم الآثار تؤيدها. وحيث أن المسيحيين رأوا في الخليقة أدلة على وجود الله(نقطة رقم 1 أعلاه)، فقد آمنوا بأن هذه المجموعات العديدة من الأدلة تبين بما لا يدع مجالاً لأي شك منطقي أن الله كانت له يد في هذه الأحداث. ولكن الملحدون يحتاجون لقدر من الإيمان أكبر بكثير لرفض النبوات، وشهادة شهود العيان، واستعداد شهود العيان أن يتألموا ويموتوا، ونشأة الكنيسة المسيحية، وشهادة سائر الكُتَّاب التي تدعم الأحداث، ونتائج الأبحاث الأثرية، وغير ذلك من الأدلة التي سنفحصها لاحقاً.

والآن يحتمل أن هذه النقاط الثلاث أثارت في ذهنك بعض الأسئلة والاعتراضات. من المفترض أن يحدث ذلك؛ لأننا تركنا الكثير من التفاصيل التي سنشرحها على صفحات هذا الكتاب. ولكن ما يهمنا الآن أن تفهم ما نقصده بقولنا إن كل منظور للحياة، بما في ذلك المنظور الإلحادي، يتطلب قدراً من الإيمان.

وحتي المتشككين لديهم إيمان. فهم يؤمنون أن الشك صحيح. وبالمثل اللاأدريون يؤمنون أن اللاأدرية صحيحة. فالمعتقدات لا مكان فيها للمواقف الحيادية. وهو ما عبر عنه “فيليپ چونسون “ Phillip Johnson ببراعة فائقة عندما قال:”من يزعم أنه يشك في مجموعة معينة من المعتقدات هو في الواقع مؤمن حقيقي بمجموعة أخرى من المعتقدات”.

أي أن الملحد الذي يتشكك في المسيحية بطبيعة الحال هو في الواقع يؤمن إيماناً حقيقياً بالإلحاد. وكما سنرى، إن كان الملحد أميناً أمام ما يعرض له من أدلة، فهو يحتاج لمقدار من الإيمان للاحتفاظ بمعتقداته الإلحادية يفوق بمراحل ما يحتاج إليه المسيحي من إيمان للاحتفاظ بمعتقداته.

اكتشاف سطح العلبة

نزعم وجود ادلة قوية تؤيد المسيحية. فكيف سنتقدم في هذه الأدلة؟ منذ حوالي سنة 1996 ذهبنا سوياً إلى مناطق عديدة لإدارة حلقة نقاشية بعنوان “الاثنتا عشرة نقطة التي تثبت صحة المسيحية”“ The Twelve Points Show Christianity Is True‘‘ True Points Show Christianity ثبت صحة المسيحية‘‘ ’’ لإدارة حلقة نقاشية تثبت صحة المسيحيةقيقي بمجموعة أخرى من المعتقدات‘‘. لكن “.

وفي هذه الحلقة ننطلق من مسألة” الحق” ثم نتقدم منطقياً في المناقشة حتى نصل إلى الاستنتاج بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله. وهذا الكتاب يتبع بوجه عام ذلك المنهج المنطقي ذا النقاط الاثنتي عشرة:

  • الحق المتعلق بالواقع، أو حقيقة الواقع، أمر قابل للمعرفة.
  • عكس الحق هو الخطإ.
  • وجود إله خالق حافظ حق. وهو ما يستدل عليه من:

أ) بداية الكون(الحجة الكونيةCosmological Argument )

ب) تصميم الكون (الحجة الغائيةTeleological Argument/ المبدأ الإنساني Anthropic Principle)

ج) تصميم الحياة(الحجة الغائية)

د) القانون الأخلاقي(الحجة الأخلاقية Moral Argument)

  • إن كان الله موجود،إذن المعجزات ممكنة.
  • يمكن استخدام المعجزات لتأكيد رسالة من الله(أي باعتبارها أعمالاً إلهية تؤكد كلام الله).
  • العهد الجديد يتمتع بالمصداقية التاريخية. وهو ما يستدل عليه من:

أ) الشهادة الأولى

ب) شهادة شهود العيان

ج) الشهادة غير المفبركة(الصادقة)

د) شهود العيان الذين لم يكونوا مخدوعين

  • العهد الجديد يقول إن يسوع زعم أنه الله.
  • زعم يسوع أنه الله تأكد معجزياً بما يلي:

أ) تحقيقه للكثير من النبوات المختصة به

ب) حياته الخالية من الخطية وأعماله المعجزية

ج) تنبؤه بقيامته وإتمامه لها

  • إذن يسوع هو الله.
  • كل ما يعلمه يسوع(الذي هو الله)حق.
  • يسوع علم أن الكتاب المقدس كلمة الله.
  • إذن القول بأن الكتاب المقدس كلمة الله هو حق(وكل ما يتعارض مع الكتاب خطأ)

وقبل أن نبدأ في تقديم هذا المنهج الفكري، يرجى ملاحظة خمس نقاط:

أولاً: نحن لا نقول إن النقاط سالفة الذكر صحيحة في ذاتها. ولكن معظم هذه النقاط فرضيات يجب تعليلها بالأدلة. فمثلاً النقطة الثالثة تزعم أن “وجود إله خالق حافظ حق”. وذلك الزعم ليس حقاً لمجرد أننا نقول إنه حق. ولكن ينبغي دعمه بأدلة مقنعة، وبأسباب منطقية وجيهة. وسوف نقدم تلك الأسباب المنطقية عندما نصل إلى تلك النقطة في الكتاب.

ثانياً: لاحظ أننا ننطلق من نقطة شك كامل. أي أننا نبدأ مع شخص يقول إنه حتى لايؤمن بالحق. وينبغي أن نبدأ من هذه النقطة لأنه إن كانت النظرية السائدة في كثير من الثقافة صحيحة، ألا وهي أنه لا يوجد حق، إذن لا يمكن أن يكون حقاً القول بوجود إله خالق حافظ، أو كلمة حقيقة من ذلك الإله. ولكن إن كان الحق موجوداً، وهذا الحق يمكن معرفته، إذن يمكننا أن نتقدم نحو فحص الحق المتعلق بوجود الله وما يلي ذلك من نقاط (مثل إمكانية المعجزات، والمصداقية التاريخية للعهد الجديد، وهلم جراً).

ثالثاً: إن كان هذا المنهج الفكري سليماً(وهو افتراض كبير سيحاول هذا الكتاب إثباته)، فهو يثبت حتما خطأ ما تقوله الديانات الأخرى فيما تختلف فيه مع ما يقوله الكتاب المقدس.(وهو ما يبدو غروراً وكبرياء غير عادي، ولكننا سنتناول ذلك لاحقاً). ولكنه لا يعني أن كل الديانات الأخرى خاطئة تمامً أو أنها خالية من أي حق. فكل الديانات تقريباً تحوي شيئاً من الحق.

ولكن كل ما نقوله إنه إن كان الكتاب المقدس صحيحاً، إذن أي زعم بعينه يتناقض مع الكتاب المقدس لا بد أن يكون خاطئاً. فمثلاً، إن كان الكتاب المقدس صحيحاً، وهو يقول بوجود إله يتجاوز الكون وقد خلق الكون ويحفظه(الإيمان بالله الخالق الحافظ)، عندئذ فإن أي زعم ينكر الإيمان بالله الخالق الحافظ(مثل الإلحاد) لا بد أن يكون خاطئاً.

وبالمثل، إن كان الكتاب المقدس صحيحاً، وهو يزعم أن يسوع قام من الأموات، إذن إنكار تلك الحقيقة(في أي دين) لا بد أن يكون خاطئاً. (بالمناسبة، العكس أيضاً صحيح. فإن تبين بالدليل أن الزعم الآخر صحيح، إذن الكتاب المقدس مخطئ في ذلك).

رابعاً: إننا نقدم أدلة على المسيحية لأننا يجب أن نعيش حياتنا بناء على الحق. وقد قال سقراط ذات مرة إن الحياة التي لا تفحص لا تستحق أن تعاش. ونحن نري أن الإيمان الذي لا يفحص لا يستحق أن يصدق. وخلافاً للرأي الشائع، ليس مطلوباً من المسيحيين أن” يؤمنوا فحسب”. ولكن المسيحيين مأمورون أن يعرفوا ما يؤمنون به ولماذا يؤمنون به.

وهم مأمورون أن يقدموا إجابات لمن يسألهم (1بط15:3)، وأن يهدموا الحجج المضادة للإيمان المسيحي (2كو4:10-5). وبما أن الله منطقي (إش 18:1) ويريدنا أن نستخدم عقولنا، فهو لا يكافئ المسيحيين على غبائهم. بل إن استخدام العقل يمثل جزءاً من الوصية العظمى التي تقول: ((تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك)) (مت37:22) كما علم يسوع.

وأخيراً، غالباً ما نسأل:” إن كان للمسيحية الكثير من الأدلة المؤيدة، فلماذا لا يصدقها عدد أكبر من الأشخاص؟” وإجابتنا: رغم أننا نعتقد أن الأدلة التي سنقدمها بعد قليل تبين أن الكتاب المقدس صحيح بما يتجاوز أي شك منطقي، فالأدلة مهما كثرت لا يمكنها أن تجبر أي شخص على تصديقها. وذلك لأن التصديق يتطلب لا موافقة العقل فحسب، بل موافقة الإرادة أيضاً.

ورغم أن الكثير من غير المسيحيين لديهم أسئلة فكرية صادقة، فقد اكتشفنا أن أعدداً أكثر من هولاء تقاوم المسيحية إرادياً. أي أن المشكلة لا تكمن في قلة الأدلة، بل في أنهم لا يريدون أن يصدقوا. ويمثل الملحد العظيم “فردريك نيتشه”‏ Friedrich Nietzsche نموذجاً على هذا النوع من الأشخاص. فقد كتب: “إن أثبت لنا أحدهم وجود إله المسيحيين هذا، يجب أن نصير أقل قدرة على الإيمان به”؛ وقال أيضاً:”إننا نرفض المسيحية بناءً على استحساناتنا، لا بناءً على الحجج المنطقية”.

وهكذا يتضح أن عدم إيمان “نيتشه” كان مبنياً على إرادته لا على فكره فقط. وعند هذه النقطة قد يعكس المتشكك الحجة ويزعم أن المسيحي هو من يريد أن يؤمن. صحيح، الكثير من المسيحيين لا يؤمنون إلا لأنهم يريدون أن يؤمنوا، ولا يمكنهم تعليل إيمانهم بالأدلة. ولكنهم يؤمنون ببساطة أن الكتاب المقدس صحيح. إلا أن إراداتهم أن يكون الشيء صحيحاً لا تجعله صحيحاً.

ولكننا نقول إن الكثير من غير المسيحيين يفعلون الشيء نفسه: يقفزون “قفزة إيمان عمياء” تتمثل في أن معتقداتهم غير المسيحية صحيحة لمجرد أنهم يريدونها صحيحة. وفي الفصول القدامة سنلقي نظرة فاحصة على الأدلة لنرى أي الفريقين عليه أن يقفز قفزة أكبر.

الكلمات المبرزة بالخط الأسود العريض في كل الآيات الكتابية المذكورة في هذا الكتاب من إضافة الكاتبين.

وعندئذ قد يتساءل المتشكك: “ولكن لماذا يريد أي شخص أن تكون المسيحية خاطئة؟ ما الذي يجعل أي شخص لا يريد هبة الغفران المجانية؟” سؤال وجيه، ولكننا نعتقد أن الإجابة تكمن في العوامل الإدراية التي لمسناها فيما سبق. أي أن الكثيرين يعتقدون أن قبول حق المسيحية يتطلب منهم تغيير تفكيرهم، أو أصدقائهم، أو أولوياتهم، أو أسلوب حياتهم، أو أخلاقهم، وهم لا يريدون أن يتنازلوا عن السيطرة على حياتهم بإجراء تلك التغييرات.

فهم يرون أن الحياة أسهل وأكثر إمتاعاً دون هذه التغييرات. وربما يدركون أنه في حين أن المسيحية تتمحور حول الغفران، فهي تتمحور أيضاً حول إنكار النفس وحمل الصليب. فالواقع أن المسيحية مجانية، ولكنها قد تكلفك حياتك.

هناك فرق بين إثبات فرضية وقبول فرضية. فقد يمكننا أن نثبت صحة المسيحية بما لا يرقى إليه أي شك منطقي، ولكن أنت فقط من تستطيع أن تختار قبولها. نرجو منك أن تفكر في هذا السؤال لتعرف إن كنت منفتحاً على قبولها: إن تمكن أحدهم من تقديم إجابات منطقية على أهم ما لديك من أسئلة واعتراضات بشأن المسيحية، منطقية إلى الحد الذي تبدو معه المسيحية صحيحة بما لايدع مجالاً للشك المنطقي، هل ستصبح مسيحياً؟ فكر في ذلك دقيقة.

إن كانت إجابتك الصادقة هي لا، إذن مقاومتك للمسيحية نفسية أو رإرادية، ولا تقتصر على المقاومة الفكرية. وما من أدلة مهما بلغت كثرتها يمكنها أن تقنعك، لأن الأدلة ليست هي العائق، ولكنك أنت العائق. وفي النهاية، أنت وحدك من يعرف إن كنت بالفعل منفتحاً على الأدلة المؤيدة للمسيحية.

ومن مظاهر جمال خليقة الله هو أنه: إن لم ترد أن تقبل المسيحية، لك الحرية أن ترفضها. وحرية الاختيار هذه التي تجعلنا مخلوقات أخلاقية وتمكن كلاً منا أن يختار مصيره النهائي. وهو ما يلمس غرض وجودنا في الصميم، ويفسر سبب عدم وضوح الله في كشفه عن ذاته لنا بالقدر الذي يتمناه البعض منا. لأنه إن كان الكتاب المقدس صحيحاً، إذن فالله أتاح لكل منا فرصة لاتخاذ قرار أبدي إما بقبوله أو برفضه.

ولكي يضمن أن اختيارنا حر بحق، يضعنا في بيئة زاخرة بأدلة وجوده، ولكن دون حضوره المباشر، وهو حضور شديد القوة حتى إنه يمكن أن يطغى على حريتنا، ومن ثم يلغي قدرتنا على رفضه. أي أن الله قدم أدلة في هذه الحياة كافية لإقناع أي شخص يريد أن يصدق، إلا أنه ترك أيضاً شيئاً من الغموض حتى لا يجبر من لا يريد. وهكذا يتيح الله الفرصة لنا أن نحبه أو أن نرفضه دون أن ينتهك حريتنا.

والحقيقة أن غرض هذه الحياة هو أن نتخذ هذا القرار الحر دون قسر. لأن الحب بطبيعته لا بد أن يعطى مجاناً. ولا يمكن الحصول عليه عنوةً. ولذلك كتب”سي.إس.لويس” C.S.Lewis: “إن طبيعة مخطط [الله] تمنعه من استخدام سلاحين، ألا وهما: ما يستعصي على المقاومة وما يستعصي على الشك.

فمجرد إبطال الإرادة البشرية (الذي لا بد أن يحدث إن شعر الإنسان بأقل وأخف درجة من درجات حضور الله) عديم الفائدة لله. فهو لا يستطيع أن يجبر ويغتصب. ولكنه يستطيع فقط أن يبهر ويجذب”.

ونتمنى أن ما سنقدمه من أدلة في هذا الكتاب يجذبك، ولو بقدر قليل، إلى الله. ولكن ضع في حسبانك أنها ليست أدلتنا، ولكنها أدلته. وكل ما نفعله أننا نجمعها معاً في نسق منطقي. ونحن نقصد من استخدام قصص وتشبيهات واقعية قدر المستطاع أن نقدم كتاباً سلساً ومنطقياً سهلاً مفهوماً.

الملخص والخلاصة

كما رأينا، يمكن فحص الكثير من المزاعم الدينية بشأن الحق وتحديد معقوليتها. وبما أن كل الاستنتاجات المختصة بهذه المزاعم تقوم على الاحتمالات أكثر ما تقوم على اليقين المطلق، إذن جميعها، بما فيها المزاعم الإلحادية، تتطلب قدراً من الإيمان. وبدراستنا للأدلة في الفصول التالية، سنرى أن استنتاجات من قبيل: “الله موجود” أو” الكتاب المقدس صحيح” استنتاجات مؤكدة بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. إذن تصديق ما هو بخلاف المسيحية يتطلب إيماناً يفوق بكثير ما يتطلبه تصديق المسيحية.

إلا أننا نقر أيضاً أن الأدلة وحدها لا تستطيع أن تقنع شخصاً أن يصبح مسيحياً. ولكن بعض الملحدين وغير المسيحيين قد يرفضون المسيحية لا لقلة الأدلة، ولكن لأنهم لا يريدون أن يقبلوها. فالبعض يفضلون أن يحجزوا الحق عن أن يعيشوا به. والحقيقة أننا نحن البشر لدينا ميل قاتل نحو محاولة تكييف الحق على رغباتنا بدلاً من تكييف رغباتنا على الحق.

ولكن مهلاً، أليس من بديل ثالث؟ ما المانع من أن نظل لاأدريين مثل أستاذ العهد القديم المذكور في بداية الفصل؟ قال إنه لا يعلم إن كان الله موجود. قد يعتقد البعض إنه شخص منفتح العقل. ربما. ولكن الفرق شاسع بين انفتاح العقل وفراغ العقل. ففي ضوء الأدلة نعتقد أن اللاأدرية قرار بأن تكون فارغ العقل. فمهما كان أليس الغرض من انفتاح العقل أن نتمكن من التعرف على الحق عندما نصادفه؟ نعم.

إذن ماذا يجب أن نفعل عندما نجد من الأدلة ما يكفي لإرشادنا إلى الحق؟ فمثلاً، ماذا يجب أن نفعل عندما نرى أدلة لا يرقى إليها الشك المنطقي على أن چورچ واشنطن كان أول رؤساء الولايات المتحدة؟ هل يجب أن نظل “منفتحي العقل” بخصوص أول رئيس للولايات المتحدة؟ لا، لأننا في هذه الحالة نكون فارغي العقل. فبعض الأسئلة أغلقت وحسمت. وسنرى أن الأدلة المتعلقة بالمسيحية كافية للتوصل إلى استنتاج مؤكد منطقياً.

وكما أشار”مورتيمر آدلر”، أن استنتاجنا بشأن الله يؤثر على كل جوانب حياتنا. فهو مفتاح العثور على الوحدة والتنوع ومعنى الحياة النهائي. إنه حقاً أهم سؤال ينبغي على كل إنسان أن يجيب عنه. ولحسن الحظ، إن كان منطقنا صحيحاً، سنكتشف سطح علبة لغز الحياة في نهاية رحلتنا. فلنخطُ أول خطوة في تلك الرحلة. وهي تبدأ بمسألة الحق.

هل الله موجود؟ لغز الحياة والحصول على الصورة الكاملة

مجتمع الله الجديد : مجتمع الله في فعله

مجتمع الله الجديد : مجتمع الله في فعله

مجتمع الله الجديد : مجتمع الله في فعله

مجتمع الله الجديد : مجتمع الله في فعله

 

كل مجتمع – سواء كان بدائياً أو متحضراً – وجد أنه من الضروري أن تكون له أحكام وقواعد تحكم سلوك أعضائه. وهذه الأحكام بكل بساطة تأتي نتيجة الخبرة التي اكتسبوها عن أفضل الطرق لعمل الأشياء. وأحياناً، كما هو الحال بالنسبة لقليل من مجموعات قوانين الشرق الأوسط قديماً، تنبع القوانين من المعتقدات الدينية.

وبين آونة وأخرى، كما هو الحال في العهد القديم، نجد خليطاً بين الناحيتين. وليس معنى هذا أن العهد القديم بدا على هذا القدر من البساطة بالنسبة لأولئك الذين حاولوا أن يتبعوه أيام يسوع. لأنه في ذلك الحين كان العهد القديم قد صار معقداً نتيجة إضافات تفسيرات وتطبيقات مفصلة – إلى الدرجة التي كان يتطلب الأمر معها أن يكون الإنسان متخصصاً في الدراسات اللاهوتية. والأصعب من ذلك هو أن يحفظها.

وموقف يسوع من السلوك كان مختلفاً تماماً عن ذلك. وفي مناسبات عديدة تحدي القواعد التي كان يضعها الفريسيون. فعلى سبيل المثال، فإنه بالنسبة لموضوع السبت، أعلن يسوع قناعته بأن “السبت إنما جُعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت” فهو يوم جعل ليستخدمه الناس بحيث يتمتعون فيه، لا لأن يكون يوماً مملاً كئيباً يقضي في محاولة يائسة لعدم تدنيسه. وكان الفريسيون مستاءين طبعاً لتجهل ناموسهم، لأنه على أية حال كان الغرض المعترف به منه هو مساعدة الناس على إرضاء الله، وكيف يتسنى لهم ذلك إلا عن طريق إطاعة متطلباته؟

وفيما نقرأ الأناجيل يتضح لنا أن يسوع كان يقصد أيضاً أن يساعد الناس على معرفة الله. لكن الإله الذي تحدث عنه تم تصويره بشكل مختلف. فلم يكن هو الإله الذي يطلب الالتزام بعدد كبير من التعليمات المستحيلة، بل هو الله الذي يمكن للإنسان أن يكون في علاقة شخصية معه كأب. فأبو يسوع إله غفور، يعتني بالناس حتى وهم في نقصهم الأخلاقي. ولكنه يهتم بأن يعرفوه بشكل أفضل حتى تنطلق قوته لتغيير حياتهم.

سبق أن عرفنا مضامين كل هذا في الأمثال التي قالها يسوع، كما لاحظنا أيضاً بعض النتائج الأخلاقية لتعليمه. فالذين يعيشون في شركة مع الله يجب أيضاً أن يحبوا قريبهم. وعليهم أن يهتموا بالمنبوذين، وأن يهتم كل منهم بخير الآخر. ولكن لماذا ينبغي على شعب الله أن يسلك على هذا النحو؟ ما هو أساس التعليم الأخلاقي؟ أي – التعليم الخاص بالسلوك – الذي علم به يسوع، وكيف يمكننا فهمه؟ هذه هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عليها في هذا الفصل.

ليس من السهل أن نتكلم عن الأخلاقيات التي علم بها يسوع بمعزل عن بقية تعليمه ذلك أن كل تعليمه عن الله وعن مجتمعه الجديد يتضمن بعداً أخلاقياً. والموعظة على الجبل والتي تعد بصفة عامة أكبر مجموعة شاملة من التعاليم الأخلاقية في الأناجيل[1]، تجدها أيضاً عامرة بالفكر اللاهوتي. ومع ذلك، فإن هذه الموعظة تعطينا فكرة طيبة عن وضع الأخلاقيات في المجتمع الجديد الذي جاء يسوع ليفتتحه.

قبل أن نلقي نظرة على المضمون الفعلي للعظة على الجبل، نحتاج أولاً إلى التفكير في أفضل وسيلة لفهم ما يقوله يسوع فيها. وهذا أمر له أهميته، لأنه من الواضح أن الطريقة التي يعطي بها يسوع تعليمه هنا، تختلف تماماً عن نهج كتب الأخلاقيات الحديثة، بل وتختلف بالكلية عن الطرق التي يعبر بها الناس العاديون عن نفس الأفكار. وكمعلم صالح، كان من الطبيعي أن يستخدم يسوع صيغاً من اللغة والتعبيرات التي يفهمها أولئك الذين سمعوه لأول مرة. وهناك على الأقل ثلاث طرق مختلفة استخدمها يسوع في تقديم تعليمه:

ç معظم العظة كُتب شعراً، على الرغم من أنه لو لم يتم لفت انتباهنا إلى ذلك فلربما ما كنا نعرف أنها شعر. والشعر في بعض اللغات يعتمد في تأثيره على القافية ونيرة التوكيد. غير أن الشعر العبري مختلف إلى حد ما، فهو يعتمد في تأثيره على تناغم الفكر، وهناك نوعيتان أساسيتان من الشعر. وهذا يعتمد في تأثيره على تناغم الفكر، وهناك نوعيتان أساسيتان من الشعر. وهذا يعتمد على ما إذا كان التناغم في التماثل أو في الاختلاف. لنأخذ – على سبيل المثال – العبارة التالية من متى. وهذه يمكن ترتبيها شعراً على النحو التالي:

“لا تعطوا القدس للكلاب

ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير”[2].

وأمامنا هنا شعر عبري أصيل، نجد فيه أن الشطر الثاني يكرر فكرة الشطر الأول، ولكن باستعمال تشبيه مختلف. وهذا يسمى “التوازي المترادف”. وهناك أمثلة كثيرة منه في المزامير والأجزاء الشعرية الأخرى في العهد القديم.

وهناك نمط آخر من الشعر العبري نسيمه “التوازي المعكوس” وفي إنجيل متى أيضاَ نموذج منه:

“هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة

وأما الشجرة الردية فتصنع أثماراً رديئة”[3]

وهناك درس مماثل تعلمناه من كل شطر، لكن الفكر تم التعبير عنه باستخدام المفاهيم العكسية تماماً. وهذا الأسلوب نجده كثيراً في العهد القديم.

حتى الصلاة الربانية يمكن ترتيبها شعرياً. وقد وضعها هنتر A. M. Hunter على النحو التالي:

“أبانا الذي في السماوات

ليتقدس اسمك

ليأت ملكوتك

لتكن مشيئتك

كما في السماء

كذلك على الأرض

خبزنا كفافنا

أعطنا اليوم

واغفر لنا ذنوبنا

كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا

ولا تدخلنا في تجربة

لكن نجنا من الشرير”[4]

 

ç هناك ملمح عام آخر في تعليم يسوع، وهو استخدام الصور البلاغية. والتي تأخذ شكل قصص الأمثال، وفي أحيان أخرى تكون مجرد توضيحات رائعة من الحياة اليومية. وكثير من الأمثال تعلم بالطبع دروساً أخلاقية، غير أن العظة على الجبل تستخدم صوراً من الحياة الواقعية. وهذا أمر يختلف عن الطريقة التي تميل إلى رفع المستوى الأخلاقي بها في أيامنا هذه. فنحن نتكلم عن الأخلاقيات بطريقة مجردة، ولكن يسوع كان دائماً يتعامل مع أشياء حقيقية. فعلى سبيل المثال، قد نقول:

“إن المادة يمكن أن تشكل عائقاً أمام النمو الروحي”. أما يسوع فقال:

“لا يقدر أحد أن يخدم سيدين… لا تقدرون أن تخدموا الله والمال”[5].

كان يسوع يتكلم بطريقة حيوية. وكثيراً ما كان يستخدم المبالغة المفرطة لتوضيح هدفه. فقد قال على سبيل المثال: “إنه خير لك أن تقلع عينك من أن تزني، وأن تقطع يدك بدلاً من أن تغضب الله”[6]. ومن الواضح أنه لم يكن يقصد أن نعمل ذلك حرفياً، لكنه استخدم لغة المبالغة هذه لكي يؤثر في سامعيه ويقنعهم بجدية رسالته.

وفيما نقرأ الموعظة على الجبل، نحتاج إلى أن ننتبه إلى هذه الأساليب المختلفة التي اعتاد يسوع أن يستخدمها في رسالته. فمعرفة الصياغات المختلفة تساعدنا على فهم ما الذي كان يسوع يعنيه بما يقوله.

إذاً، ما هي نوعية الأخلاقيات التي نادى بها يسوع؟ ما هي مبادئ العمل التي يجب أن ترشد الذين قبلوا سيادة الله على حياتهم؟ هناك ثلاثة أمور تميز أخلاقيات مجتمع الله الجديد عن معظم النظم الأخلاقية الأخرى.

يسوع يعلن معايير الله

تعليم يسوع الأخلاقي جزء لا يتجزأ من تعليمه عن سيادة الله في حياة البشر. وما لم نفهم هذا، فمن الصعوبة أن نفهم معنى الموعظة على الجبل.

وكل النظم الأخلاقية لها مقدمة منطقية أساسية يقوم عليها كل شيء آخر. وتعليم يسوع الأخلاقي يقوم على أساس الإعلان بأن الله الذي خلق كل الأشياء، والذي عمل في التاريخ في اختبار إسرائيل الذي سجله العهد القديم، يمكن أن يعرف بطريقة واقعية وشخصية. وسلوك أتباع المسيح هو نتاج طبيعي لارتباطهم الشخصي مع الله، أبيهم.

وهذا المبدأ كان له دائماً موضع أساسي في اليهودية. فالعهد القديم نفسه كان قائماً على مقدمتين منطقيتين بسيطتين كانتا أساسيتين أيضاً في تعليم المسيح في العهد الجديد.

صلاح الإنسان يستمد طابعه من الله

يتمثل الجزء الأساسي لأحد أقسام ناموس العهد القديم في عبارة “تكونون قديسين لأني قدوس الرب إلهكم”[7]. والمعايير الأخلاقية التي كان يحتاج إليها شعب الله لم تكن أقل من انعكاس طبيعة الله نفسه عليهم. وقد أوجز أحد الباحثين ذلك بأن وصف الأخلاقيات الكتابية بعبارة “علم السلوك الإنساني، كما حدده السلوك الإلهي”. فالإنسان يجب أن يسلك كما يسلك الله.

ومن أروع سمات أعمال الله كما اختبرته إسرائيل رغبته في العناية بأناس لا يفكرون فيه، فقد دعي إبراهيم من بلاد ما بين النهرين وأعطي وطناً جديداً، ولم يكن ذلك لتميزه من الناحية الأخلاقية أو الروحية، ولكن لمجرد أن محبة الله اتجهت نحوه. ولقد خرجت إسرائيل من تجارب الخروج المحبطة وما تبعها، ليس بسبب كمالهم الأدبي، بل بكل بساطة بسبب عناية إله محب. وعلى أساس أعمال لطف الله هذه التي لم يكونوا يستحقونها، كان لله طلبات معينة من شعبه.

وتبدأ الوصايا العشر بعبارة: “أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية…”[8]. وهذه هي الفرضية المنطقية التي قامت عليها الوصايا. فلأن الله صنع شيئاً لشعبه، فإن عليهم مقابلة ذلك بمحبة وطاعة. ونفس النموذج نجده في موضع آخر في ناموس العهد القديم: “واذكر أنك كنت عبداً في أرض مصر ففداك الرب إلهك “لذلك” أنا أوصيك بهذا الأمر اليوم”[9].

وأخلاقيات العهد الجديد لها نفس أساس هذه القاعدة. فعلى سبيل المثال، فإنه لم يلفت النظر أنه حين أراد بولس أن يوقف النزاع الذي كان قائماً في كنيسة فيلبي[10]، لم يلجأ إلى المنطق العادي لحل هذه المشكلة بل إلى نفس هذه الناحية بالذات من سمات الله التي رأيناها في العهد القديم. لقد أخذ مثال الطريقة التي بذل لها الله نفسه من أجل خلاصنا في المسيح، وأخذ منه الأساس الذي أقام عليه مناشدته الأخلاقية لقرائه. ولأن يسوع تخلى عن كل شيء لأجلنا، فيجب علينا أن نكون مستعدين أن نضحي بأنانيتنا لكي نرضيه.

والحقيقة أن شخصية الله كإله قدوس وكأب محب هي أساس تعليم الكتاب المقدس بالنسبة للسلوك، له على الأقل ثلاث نتائج عمليه هام….

ç هذه النتائج أعطت اليهود والمسيحيين على السواء إحساساً كبيراً بخطورة الخطية. فحين يواجه الناس بإله قدوس مستعد أن يبذل نفسه تماماً بمحبة لمنفعة أولئك الذين لم يهتموا به أو يوقروه، هنا يدركون كيف أن طبيعتهم تختلف عن طبيعة إلههم. فعلى سبيل المثال، حين تأثر إشعياء بالمعنى الحقيقي لقداسة الله كان رد فعله الفوري هو أنه أدرك – وربما للمرة الأولى – المدى الكامل لخطيته[11]. ونفس الشيء لا بد وأنه كان ينطق على معظم الناس الذين تقابلوا مع يسوع. وفي حالات كثيرة غفر يسوع خطايا أولئك الذين أتوا إليه، وهو نفسه يذكرنا أن أولئك الذين يدركون حاجتهم هم فقط الذين يمكن أن يغفر لهم.

ç وصلاح المسيحي له طبيعة روحية غير عالمية تتجاوز متطلبات المنطق العادي. فطبيعة الله كما أعلنها يسوع تبين محبته الباذلة، وهذا ما دأب يسوع على امتداحه بشكل عملي في تعليمه. فقد قال للشاب الغني: “اذهب بع كل ما لك وأعط الفقراء…”. وفي الموعظة على الجبل قال يسوع لتلاميذه أن يذهبوا ميلين إذا سخرهم الرومانيون على حمل حقائبهم لميل واحد. وعليهم أن يحولوا الخد الآخر ويقابلوا الشر بالخير. وكثيراً ما تبدو لنا هذه الأشياء غير معقولة على الإطلاق، بل وقد يعتقد البعض أنها سخيفة. ولكننا إذا ما نظرنا إليها في ضوء ما بذله الله من أجلنا، فلسوف تظهر لنا بشكل مختلف.

ç يجب أن تكون الرغبة العارمة لشعب الله هي إرضاء الله ومقابلة محبته بطرق تعكس طابعه. وهذا هو ما يحفزهم على إطاعة وصايا يسوع. علينا أن نحب أعداءنا ليس من أجل أن نلفت الأنظار إلينا، لكن “لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات”.

الصلاح المسيحي والمجتمع

الموضوع الرئيسي للعهد القديم هو الإيمان بأن الله قد عمل، وبشكل حاسم في تاريخ شعبه إسرائيل، وأنه دخل معهم في علاقة وثيقة من خلال عمل عهد معهم. وهذا معناه أن الفرد الإسرائيلي، لم يكن إطلاقاً مجرد فرد، بل عضواً في شعب الله. ونتيجة ذلك فالصلاح الذي يتطلبه الله يجب أن يظهر ليس في أفراد أتقياء فحسب، بل في مؤسسات الحياة القومية.

وبنفس الطريقة أعلن يسوع أنه جاء ليقيم ملكوت الله في حياة أتباعه[12]. ولكن ليس في حياتهم كأفراد فقط، بل كذلك في حياتهم المشتركة وإحدى الوصيتين العظميين هي أن الإنسان يجب أن يحب قريبه كنفسه[13]. والذين يقبلون سيادة الله على حياتهم[14]، أعطوا وصية جديدة لتكون أساس المجتمع المسيحي: “أن تحبوا بعضكم بعضاً. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إذا كان لكم حب بعضاً لبعض”[15].

الالتزام بوصايا يسوع الأخلاقية

تعليم يسوع قصد به فقط أن يكون أسلوب حياة بالنسبة لأولئك الذين يخضعون حياتهم لسلطان الله. وهذه هي النقطة التي غالباً ما أسيء عندها فهم الأخلاقيات التي نادى بها يسوع. والذين يدعون أنهم يستطيعون تقبل الموعظة على الجبل، ولا يقبلون ما ادعاه يسوع بالنسبة لشخصه يكونون قد أساءوا فهم جوهر تعليمه. وذلك أنه من المستحيل تماماً أن يفصل فكره اللاهوتي عن أخلاقياته، ومن يحاول ذلك يدمرهما معاً.

وفي مقدمته للموعظة على الجبل، يخبرنا متى أن التلاميذ هم الذين كانوا يشكلون جانب المستمعين للعظة، وأن عناصر العظة المختلفة من الواضح أنها موجهة لأناس معنيين ملتزمين وليس لكل الناس. وهذا ما فهمه المسيحيون الأوائل.

ومن المؤكد أن العظة استعلمت بالشكل الذي نعرفها نحن به، لكي تعلم المتجددين حديثاً في الكنائس التي كان متى مرتبطاً بها في القرن الأول. وفي إطار حياة يسوع، وكذلك في إطار الكنيسة الأولى، كانت التعاليم الأخلاقية للموعظة تسبق بالكرازة بالرسالة المسيحية وقبولها.

وقد أوضح “دود”، أنه يمكن التمييز بين خطين من التعليم المسيحي الأول في العهد الجديد، ومن المثير أن نجد أنهما يتناغمان مع النموذج العام الذي لاحظناه في تعليم العهد القديم الأخلاقية. فمن ناحية هناك نوعية التعليم التي يسميها “الكرازة Kerygma” وتمثل هذه في الأساس إعلاناً عما فعله الله للبشر من خلال حياة يسوع وموته وقيامته.

وهذا يماثل الطريقة التي دُعي بها إبراهيم وذريته وأُقيموا كأمة في العهد القديم. ولقد عمل الله من خلال المسيح ليس كنتيجة لأي قيمة أخلاقية في الشعب الذي أصبح من أتباعه، ولكن بدافع من محبته غير المستحقة – وهذا ما يسميه المسيحيون “نعمة”. وكما دعيت إسرائيل لإطاعة الناموس على أساس ما فعله الله، فهكذا أيضاً أعطى المسيحيون الأوائل نصائح وتحذيرات أخلاقية وروحية.

وأطلق البروفسور “دود” على هذا الخط وصف “تعليم: didache”. وبوسعنا أن نرى هذه الخطين بوضوح تام في بعض رسائل بولس، والتي غالباً ما تعرض للمسائل اللاهوتية أولاً ثم تصور مناشدة عملية للمسيحيين على أساس الحجج اللاهوتية. غير أن الفرق ليس مهماً للغاية، والواقع أن الكرازة Kerygma والتعليم Didache يلتقيان في النهاية معاً. لأن أخلاقيات العهد الجديد لم تكن تتمثل في بعض القواعد التي فرضت من خارج، بل في نوعية من الحياة أعطيت للمسيحيين نتيجة ما عمله المسيح من أجلهم.

وبإمكاننا أن نوضح هذا من الأقوال المتعلقة بالإنسان كفرد، والتي وردت في الموعظة على الجبل، والتي لا يمكن فهم أي منها بمعزل عن الإيمان بأنه في المسيح اقتحم الله التاريخ بطريقة حاسمة. فحين قال يسوع لتلاميذه أن يغفروا للآخرين زلاهم، فكان ذلك على أساس أنهم هم أنفسهم نالوا غفران الله[16]. وحين طلب منهم أن يحبوا أعداءهم[17]، فنحن نتذكر فاعلية محبة الله التي أظهرت لهم دون أن استحقاق. وفي كل حالة نجد أن عطية الله، ونعمته المجانية، دائماً تأتي قبل طلب شيء. وحتى العمل المرسلي الذي قام به التلاميذ كان لا بد أن يتم على نفس هذا الأساس. وقد قال لهم يسوع: “مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا”[18].

يسوع يعلم أخلاقيات الحرية

من بين أعظم الإغراءات التي يتعرض لها قراء الموعظة على الجبل، محاولة تفسيرها كمجموعة من القواعد والتعليمات – كناموس جديد للمسيحيين، يحل دائماً بدلاً من ناموس العهد القديم العتيق. وهذا شيء برز في وقت مبكر جداً من تاريخ الكنيسة، ويعتقد بعض الباحثين أنه حتى متى نفسه اعتبرها “ناموساً جديداً” سلمه يسوع على الجبل في الجليل، مثلما سلم “الناموس القديم” بيد موسى على جبل سيناء.

غير أن تعليم يسوع الأخلاقي لم يقصد به إطلاقاً أن يكون ناموساً” بأي حال من الأحوال.

ç تعليم الموعظة على الجبل يختلف تماماً عما نعرفه في العادة بأن “ناموس” فمعظم النواميس تقوم على أساس الكيفية التي يتم بها حساب السلوك المتوقع والذي يمكن قبوله من أغلبية الذين تم وضع القانون من أجلهم، والناموس الذي لا يمكن حفظه هو ناموس سيء، وليس من فائدة في عمل ناموس ليضغط على الناس لكي يصبحوا على ما يخالف حقيقتهم. ولكن هذا بالطبع هو ما يعمله بالضرورة تعليم يسوع. فهو يطلب منا أن نكون مختلفين عما نحن عليه بالطبيعة. ولذلك لا يكفي أن نعتبره كناموس جديد، لأن متطلباته ليست من النوعية التي يمكن لأي إنسان أن يوفيها بمجرد بذل الجهد.

ç طوال مدة خدمته كان يسوع في نزاع مع الفريسيين، وهم مشرعو الأمة اليهودية. فقد كانوا مهتمين بالأعمال التي يمكن التحكم فيها بواسطة القواعد. إلا أن نهج يسوع كان على النقيض من ذلك تماماً. فقد كان يهتم بالأكثر بالناس والمبادئ. وسر الصلاح عنده لا يكمن في إطاعة التعليمات، بل في الأعمال التلقائية للطبيعة التي تغيرت. “لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثماراً ردية ولا شجرة ردية أن تصنع أثماراً جيدة”[19].

وتعليم يسوع ليس ناموساً، بل هو أخلاقيات للحرية. فالذين يقيمون سيادة الله في المجتمع الجديد يتمتعون بحرية أن يعرفوه في إطار علاقة حية كأبيهم. وموعظة يسوع على الجبل لا تقدم أحكاماً وتعليمات بل هي تقدم لنا مبادئ، والمبادئ تهتم بماهية الشخصية أكثر مما تهتم بما يعمله. وليس معنى هذا أنه لا أهمية للأعمال، بل أن يسوع أدرك أن الطريقة التي نسلك بها تعتمد على نوعية الناس التي نحن منها. وبدون الميل والتحفيز الداخلي الصحيح، لن يكون بمقدورنا حتى أن نبدأ في فهم تعليم يسوع الأخلاقي. لأنه كما أوضح “مانسون T. W. Manson” الأمر ببراعة فقال: تعليم يسوع يعد بوصلة وليس خريطة المعدات العسكرية، فهو يقدم لك الاتجاهات لا التوجيهات.

هل ألغى يسوع ناموس العهد القديم

هناك قول ورد في الموعظة على الجبل كثيراً ما أثار بعض المصاعب. وهو القول الذي جاء في: “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكن إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل”.

وقد قدمت عدة تفاسير لهذا القول:

ç أبسطها هو القول بأن هذه العبارة في الواقع لم تصدر عن يسوع، ولكنها جاءت في العظة في وقت لاحق، وهي تعكس موقفاً في كنائس اليهود المسيحيين، والذين كان متى يكتب لهم إنجيله. 

ولعل متى كان يفكر في الفوضى التي حدثت في بعض الكنائس نتيجة سوء فهم تعليم بولس عن الحرية من قيد الناموس، وربما أراد أن يحول دون وقوع أية حركات مماثلة من قبل المسيحيين الذين كان يعرفهم. وربما بدا هذا أنه حل متطرف، لكن هذه الآيات لا تتناغم طبيعتها مع بقية ما جاء في تعليم يسوع بجملته، حتى أن مفكرين كثيرين اعتقدوا أن هذا هو أفضل حل.

ç قيل أيضاً إنه حين تكلم يسوع عن “تكميل الناموس” فربما كان يعني شيئاً مختلفاً إلى حد ما عما اعتقدنا أنه قصده. فالمجتمع الجديد الذي يتحدث عنه يسوع، عادة ما يصور على أنه تكميل للعهد القديم، وكان ثمة عنصر هام في العهد القديم وهو أن شعب الله بمقدوره أن يتمتع بعلاقة حية معه. وعلى الرغم من أن الكتبة والفريسيين فرغوا هذه العلاقة من مضمونها، وضمنوها تشريعاتهم، إلا أنه ربما كان يسوع يشير إلى غايته الأساسية، والتي تطلب بالنسبة لحياة الشخص أن تكون حياة الإنسان مستقيمة أمام الله: “وماذا يطلبه منك الرب إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعاً مع إلهك” (ميخا 6: 8).

ç ومن المحتمل أيضاً أن ما قاله يسوع عن استمرارية الناموس لا يجب فهمه حرفياً ومثل الكثير من تعاليمه، من الممكن أن يكون هذا أسلوب مبالغة للتأكيد على أن إرساليته ورسالته كلها لها أصولها العميقة في الإعلان الإلهي الذي تضمنه العهد القديم.

[1] متى 5-7

[2] متى 7: 6

[3] متى 7: 17.

[4] متى 5: 29.

[5] متى 6: 24.

[6] متى 5: 29.

[7] لاويين 19: 2.

[8] خروج 20: 2.

[9] تثنية  15: 15.

[10] فيلبي 2: 5-11.

[11] إشعياء 6: 1-8.

[12] متى 22: 34-40.

[13] مرقص 12: 28-34.

[14] لوقا 10: 25-28.

[15] يوحنا 13: 34-35.

[16] متى 6: 14-15.

[17] متى 5: 44.

[18]  متى 10: 8.

[19] متى 7: 18.

مجتمع الله الجديد : صور من المجتمع الجديد

مجتمع الله الجديد : صور من المجتمع الجديد

مجتمع الله الجديد : صور من المجتمع الجديد

مجتمع الله الجديد : صور من المجتمع الجديد

 

“الأمثال” هي بعض من قصص يسوع الأكثر شهرة. مثل قصة السامري الصالح[1]، أو الخروف الضال[2]، أو الزارع الذي خرج ليزرع[3]. ولكن إذا تصفحنا الأناجيل وحصرنا الأجزاء المختلفة من تعليم يسوع والتي وصفت بأنها “أمثال”[4] فلسوف نجد أنها تتضمن ليس فقط هذه القصص التي صيغت على هيئة أمثال[5]، بل سنجد أقوالاً أخرى من الطبيعي أن نصنفها بالأكثر على أنها تتضمن كل وسائل البلاغة مثل المجاز والتشبيه والرمز بل والأحجيات أيضاً[6].

الأمثال ومعانيها

والمثل الشعبي مثل “أيها الطبيب اشف نفسك”[7] يسمى مثلاً. وهكذا الحال تقريباً بالنسبة للقول الواقعي “كل ما يدخل الإنسان من الخارج لا يقدر أن ينجسه… إن الذي يخرج من الإنسان ذلك ينجس الإنسان”[8]. وبعض الأقوال في الموعظة على الجبل[9] من نفس هذه النوعية أيضاً، حيث ترسم صورة حية لشيء مألوف: الملح، النور، المدينة، وبواسطتها يفسر يسوع رسالته.

وكثير من الصور التي تناولها يسوع في إنجيل يوحنا تستخدم أيضاً نفس النوعية من التشبيهات المجازية لتوضيح رسالته. حيث يصف يسوع نفسه بأنه “الراعي الصالح”[10] أو “الكرمة الحقيقية”[11]، ثم يشبه عمل تلاميذه بجني الحصاد[12]، ويشبه نفسه الخبز وماء الحياة[13].

وتعليم يسوع مليء بأقوال الأمثال المشابهة لهذا، غير أنه عند مناقشة تعليم يسوع، فإنه من المعتاد ومن المناسب أن نحتفظ بكلمة “مثل” بالنسبة للقصص الحقيقية التي قالها يسوع[14].

أمثال أم تشبيهات مجازية؟

الطريقة التقليدية لفهم قصص الأمثال هذه هي اعتبارها تشبيهات مجازية. والتشبيه المجازي هو قصة مفصلة عن موضوع ما، كتبت بطريقة تبدو معها وكأنها شيئاً مختلفاً تماماً. وكتاب “جون بنيان John Bunyan” “سياحة المسيح” يعد مثالاً شهيراً على هذه النوعية من الكتابة. وفي هذا الكتاب يبدو “بنيان Bunyan” وكأنه يروي قصة رجل في رحلة. ولكن الرحلة غريبة جداً، والشخصيات أكبر بكثير من الحياة، حتى إن هذا لا يحدث إطلاقاً في رحلة. فهو يصف الأمور التي وقعت في حياة شخص مسيحي، منذ أصبح مسيحياً وحتى نهاية حياته.

ونجد مثل هذا التعليم في بعض أجزاء العهد الجديد. ففي إنجيل يوحنا على سبيل المثال، هناك التشبيه المجازي عن الكرمة والأغصان[15]…. وفي هذه القصة يبدو يسوع هنا وكأنه يشرح الوسائل التي من خلالها تثمر الكرمة عنباً، إلا أنه حين بدأ في الكلام عن غصن الكرمة الذي قرر أن يقطع نفسه عن الساق الرئيسي للنبات، أصبح من الواضح أنه لا يعطي درساً عن كيفية زرع العنب، بل كان يتحدث عما يعنيه أن يكون الشخص من تلاميذه.

وعلى الرغم من أنه لا توجد في الأناجيل إلا أمثلة قليلة من الصور المجازية، إلا أن معظم الحالات نجد أن طريقة فهم الناس للأمثال لا هي أمينة بالنسبة للهدف الأساسي الذي قصده يسوع في تعليمه ولا هي مفيدة بالمرة. لنأخذ على سبيل المثال قصة السامري الصالح، فطبقاً لما قاله لوقا فقد قال يسوع هذه المثل في معرض رده على سؤال “من هو القريب؟”[16] وفي النهاية أخبر يسوع صاحب السؤال بأن يفعل كما فعل السامري في القصة. ومع ذلك، ففي غضون فترة قصيرة كان المسيحيون يفسرون هذه القصة تفسيراً مجازياً، ناسين حقيقة أنها كانت رداً على سؤال عملي.

أين تجد أمثلة يسوع؟

 

متى

مرقص

لوقا

مثل الزارع

13: 1-23

4: 1-20

8: 4-15

الزوان في الحقل

13: 24-43

   

حبة الخردل

13: 31-32

4: 30-32

13: 18-19

الكنز المخفي

13: 44-46

   

العبد غير المتسامح

18: 23-35

   

السامري الصالح

   

10: 25-37

صديق منتصف الليل

   

11: 5-8

الغني الغبي

   

12: 13-21

الوليمة العظيمة

   

14: 15-24

الخروف الضائع

18: 12-14

 

15: 1-10

الابن الضال

   

15: 11-14

وكيل الظلم

   

16: 1-13

الغني ولعازر

   

16: 19-31

قاضي الظلم

   

18: 1-8

الفريسي والعشار

   

18: 9-14

الفعلة في الكرم

20: 1-16

   

مثل الأمناء

   

19: 11-27

الكرامين الأشرار

21: 33-46

12: 1-12

20: 9-19

وليمة العرس

22: 1-14

   

العبد الأمين

24: 45-51

   

العذارى العشر

25: 1-13

   

الوزنات

25: 14-30

   

 

الأقوال السبعة في إنجيل يوحنا والتي بدأها يسوع بقوله “أنا هو”، جاءت شبيهة بأمثال وهي:

 

خبز الحياة

يوحنا 6: 35-40

نور العالم

يوحنا 8: 12-13

الباب

يوحنا 10: 7-10

الراعي الصالح

يوحنا 10: 11-18

القيامة والحياة

يوحنا 11: 17-27

الطريق والحق والحياة

يوحنا 14: 1-7

الكرمة الحقيقي

يوحنا 15: 1-11

 

وطبقاً لما قاله أحد مفكري القرن الرابع “أوغسطينوس” فإن الرجل الذي نزل من أورشليم إلى أريحا هو آدم. وأورشليم كانت تمثل مدينة السلام الإلهية التي سقط منها، وأريحا كانت تشير إلى الموت الذي ورثه الجنس البشري نتيجة سقطة آدم. أما اللصوص فكانوا يرمزون إلى الشيطان وملائكته، الذين جردوه من خلوده. أما الكاهن واللاوي اللذان عبرا من الجانب الآخر فيرمزان إلى الكهنوت وخدمة العهد القديم، واللذان لم يقدرا أن يخلصاه. أما السامري الصالح فكان المسيح نفسه، وقيامه بتضميد جروح المسافر يشير إلى كبح الخطية، وأما الزيت والخمر اللذان صبهما على جراحه فيرمزان إلى تعزية الرجاء والتشجيع على العمل بجد. أما الدابة فترمز إلى الجسد الذي جاء به يسوع إلى الأرض، والفندق يشير إلى الكنيسة، وصاحب الفندق هو الرسول بولس. أما الديناران اللذان أعطيا له فهما وصيتا محبة الله ومحبة القريب.

ولا شك أن هذه القصة ترمز إلى قصة الخلاص بأكملها، ومن باب الأمانة، علينا أن نتذكر أن أوغسطينوس يخبرنا أنه تمتع تماماً بتفكيره في هذا الأمر. غير أننا في المحصلة النهائية علينا الاعتراف بأن مثل هذا التفسير لا يتصل تماماً بقصة السامري الصالح. وهذه “المعاني الروحية” خلعت على القصة ولم تأت منها. وفي تفسير أوغسطينوس لها، لا نجد بأية حال إجابة على السؤال الأساسي الذي طرحه ذلك الشخص على يسوع.

القصد من الأمثال

قد تتملكنا الدهشة إلى حد ما حين نكتشف أنه قبل نهاية القرن التاسع عشر لم نكن قد أدركنا تماماً عبثية هذا المنهج من التفسير. وحين بدأ الباحثون يقرأون العهد الجديد كوثيقة تاريخية، أدركوا أنه ربما قد استخدم يسوع الأمثال بنفس الطريقة التي كان يستخدمها معلمون آخرون في العالم القديم. وبعد مقارنة أساليب يسوع في التعليم بالطريقة التي استخدمت فيها الأمثال في الأدب اليوناني، أشار مفكر ألماني هو “أدولف جوليكر Adolf Julcher” أن يسوع استخدم الأمثال مثلما يستخدم الوعاظ في العصر الحديث الرسوم التوضيحية. ولم يكن يقصد أن يصل بها إلى معنى خفي في كل تفصيلة، بل كان بكل بساطة يصور ويوضح نقطة معينة.

وهكذا فإن النقطة الرئيسية في مثل السامري الصالح هي أن الشخص الذي أثبت أنه قريب حقيقي لم يكن أحد المتدينين اليهود بل واحد من السامريين المحتقرين المكروهين. وجميع التفصيلات الأخرى التي تضمنتها القصة مثل الدابة، والفندق، والزيت والخمر، ما كانت إلا تصويراً مجازياً رائعاً للمشهد لإضفاء الواقعية والإثارة على القصة. ولم تكن لها علاقة بالنقطة الأساسية لما كان يسوع يحاول قوله.

وإذا ما أدركنا هذه الحقيقة، فلسوف نتخلص من بعض مشاكل التفسير الحقيقية. ذلك أنه في بعض الأمثال نجد أن الشخصيات الرئيسية ليست في الواقع من نوعية الناس الذين يشعر المسيحيون بأنه ينبغي تقليد تصرفاتهم. فعلى سبيل المثال، هناك وكيل الظلم الذي حصل على ثناء سيده عندما تلاعب في الحسابات لمصلحته. فهل يسوع يمتدح حقاً مثل هذا التصرف؟

الإجابة هي لا بالطبع. وحين ندرك أن الغرض الرئيسي من المثال هو أننا ينبغي أن نتمثل ببعد نظره في أن يكون مستعداً لمواجهة أي كارثة في الحياة، هنا نستطيع أن نعرف أن بقية القصة ما هي إلا مجرد تصوير واقعي لموقف تم تخيله.

وتواصلاً لأفكار جوليكر الهامة بدأ مفكرون آخرون في محاولة اكتشاف المعنى الحقيقي لأمثال يسوع، ومن أشهرهم بروفسور “دود” في إنجلترا، وبروفسور “يواكيم جيرمياس” في ألمانيا، وكلاهما يتفقان مع “جوليكر” في أن الأمثال بوجه عام لا تتضمن سوى درس واحد، على الرغم من أنهم رأوا أيضاً أن موضوع الأمثال لا يتضمن أحد الحقوق الأخلاقية التي يتم تعميمها (كما كان جوليكر يعتقد) بل أن موضع الأمثال هو مجيء مجتمع الله الجديد. ومع ذلك اقتبس “دود” و”جيرمياس” عن “جوليكر” افتراضات معينة كانت عرضة للتشكيك منذ عهد قريب من قبل الباحثين الآخرين للعهد الجديد:

ç رغم أنه صحيح بوجه عام أن كل مثل من أمثال يسوع كان يتضمن نقطة رئيسية واحدة، إلا أن الأمر يكون مضللاً عند الإصرار على القول بأنه لم يكن هناك مثل على الإطلاق كانت له أكثر من نقطة واحدة رئيسية. فمن الواضح تماماً أن بعض الأمثال كانت تتضمن أكثر من درس واحد تعلمه.

ففي مثل الوزنات[17] – على سبيل المثال – يبدو أنه كان على الأقل يتضمن نقطتين بسيطتين. فالقصة تتحدث عن رجل مسافر قسم نقوده بين عبيده بغية الاحتفاظ بها في أمان. وحين يعود يكافئ العبيد بطرق مختلفة طبقاً لاستخداماتهم المتباينة التي استغلوا فيها نقوده. فالنقطة الأساسية لهذه القصة يجب أن تكون على تأكيد الصلة بين المسؤولية الفردية والدينونة الأخيرة. ولكننا نجد تشديداً آخر يمكن أن يكون له أهمية مماثلة، لأن السيد لم يتقيد بالتزامه القانوني أو الأدبي، فقد كان كريماً إذ استأمن عبيده على ممتلكاته. أما مثل وليمة العرس، يبدو أنه يدور تماماً حول نفس هاتين النقطتين، ومن الطبيعي أن كلاً منها كان يشكل جزءاً هاماً من تعليم يسوع عن طبيعة أبيه[18].

ç على الرغم من أنه لا يجب تفسير معظم الأمثال تفسيراً مجازياً، إلا أن كثيرين من المفسرين يدركون الآن أن هذا لا ينطبق على الأمثال كافة. ومثل الزارع يتضمن معنى مجازياً: فنوعيات التربة المختلفة قيل إنها تمثل أنماطاً مختلفة من الناس الذين يسمعون رسالة يسوع[19]. وكثيراً ما يثار جدل بأن هذا التفسير لا يعود إلى يسوع نفسه، بل نشأ في الكنسية الأرضية، في وقت كان المسيحيون يحاولون فيه تفسير السبب في أن أناساً قليلين هم الذين يتجاوبون مع وعظهم. ولا شك أن مَثَل كهذا يساعد في الإجابة على سؤال كهذا[20]. إلا أنه إذا حذفنا تفسير المثال هذا على اعتبار أنه لا يتضمن سوى معنى ثانوي، ربما أضيف في وقت لاحق، فإنه ستظل أمامنا مشكلة تفسير النقطة الرئيسية بحسب ما تحدث عنها يسوع لأول مرة. والحقيقة هي أنه من الصعب جداً معرفة ما هو المعنى الآخر الذي يمكن أن يتضمنه.

وهناك مثل أكثر من هذا يلفت النظر نجده في حالة مثل الكرامين الأشرار[21]. والقصة تتحدث عن رجل قام بتأجير كرمه لكرامين نظير إيجار يتضمن جزءًا من محصول العنب السنوي. ومع ذلك، عندما أرسل عبيده ليتسلموا نصيبه من المحصول قام المستأجرون بضربهم وقتلهم. وبعد أن تكرر حدوث هذا عدة مرات، أرسل الرجل ابنه، معتقداً أنه سيقابل باحترام أكبر. ولكنه لاقى أيضاً نفس المصير. ولذلك حين جاء صاحب الكرم أخيراً إلى الكرم، كان من المحتم أن يهلك هؤلاء الكرامين الأشرار. وفي هذه القصة فإن التفسير المجازي يبدو أنه المعنى الوحيد الممكن. وإذا لم تكن إسرائيل هي الكرم، والأنبياء لم يكونوا هم العبيد الذين أرسلهم سيدهم (الله)، ويسوع نفسه هو الابن، فلسوف لا يكون للمثل كله أي معنى.

وعلى هذا فيبدو أنه من الحكمة تبني موقفاً أكثر مرونة، وندرك أنه برغم أن الأمثلة لا تحتاج عادة إلى تفسير مجازي، إلا أن بعضها قد يحتاج إلى ذلك.

ç يؤكد كل من “دود” و”جيرمياس” أهمية فهم الأمثال في سياقها التاريخي الأساسي. ولأنهما يصران على هذه النقطة فقد بذلا جهداً كبيراً لمحاولة اكتشاف المعنى الحقيقي لأمثال يسوع لسامعيه، وبعد ذلك بالنسبة للمسيحيين الذين كانوا أول من كتبوها. إلا أن مفسرين آخرين بدأوا الآن يدركون أن هناك بعداً مخفياً في الأمثال يعطيها مذاقاً مميزاً لا نجده في بقية العهد الجديد.

وبصفة عامة نستطيع أن نقول إنه قبل أن يكون بمقدورنا أن نتأكد ما الذي يعنيه العهد الجديد بالنسبة لنا في أيامنا هذه، نحن في حاجة إلى معرفة ما الذي كان يعنيه بالنسبة لأولئك الذين قرأوه أولاً. ولكن الأمر في الحقيقة ليس هكذا بالنسبة للأمثال. لأنها تشبه عمل إنسان عظيم بأكثر مما هي عمل لاهوتي واع بذاته. ثم إن سماتها وأوضاعها لها في المقابل طابع شامل يمكن أن يفهمه أي شخص، ذلك أنها تتناول الاحتياجات الضرورية للإنسان. ولسنا بحاجة إلى أي بصيرة خاصة لفهم مثل الابن الضال، أو الوزنات، أو العمال في الكرم. فإن معناها ودعوتها تتضح لنا عند قراءتها.

الأمثال ورسالتها

ولكن ما هي رسالة الأمثال ودعوتها؟ في معناها الأوسع، موضوع الأمثال هو مجيء مجتمع الله الجديد، أو “الملكوت”. وهذا ما تشير إليه بوضوح كثير من الأمثال التي تبدأ بعبارة “يشبه ملكوت السماوات….”[22] وبسبب هذا، فإن المعنى الدقيق الذي نراه في الأمثال يعتمد إلى حد ما على ما نعتقده بالنسبة لما سيكون عليه المجتمع الجديد. فإنا ما اعتقدنا – مع ألبرت شويتزر – أن تدخل الله المثير والعاجل في شؤون المجتمع الإنساني هو أهم شيء فيها، فمن الطبيعي والحالة هذه أننا سنرغب في فهم التعليم التي تقول به الأمثال في هذا السياق. ومن ناحية أخرى، فإننا إذا اتبعنا منهج “دود” فإننا نجد صعوبة في أن نجد في الأمثال آثارً لأمور أخروية قد تحققت.

إلا أن رسالة الأمثال الحقيقية هي أكثر تعقيداً من أي من هذه البدائل. فإذا ما تأملنا معاً كمجموعة فسوف يتضح أن رسالتها تهتم بأربعة موضوعات رئيسية، كل منها يفسر بعض الحقائق الهامة عن مجتمع الله وتأثيره في حياة أولئك الذين يشكلون جزءًا منه.

المجتمع وسيده

معظم المجتمعات تتأثر تأثيراً كبيراً بشخصية قائدها أو قادتها. فالحاكم المستبد لن يجد صعوبة في حمل شعبه على تبني نفس المواقف. أما القدوة التي توجد في حاكم متحرر رحوم فهي دائماً ما تشجع شعبه على أن يشاركوه في وجهة نظر مماثلة. والمجتمع الجديد الذي أقامه الله ينطبق عليه هذا الكلام. فهو يستمد طابعه وشكله من الله الذي هو سيده.

وعلى هذا، فلا تأخذنا الدهشة حين نجد أن عديداً من الأمثال تخبرنا بأمور هامة عن طبيعة الله نفسه. فقصة الخروف الضال[23] تشرح لنا الحقيقة الجوهرية وهي أن الله إله نعمة: فهو يأخذ المبادرة في إيجاد وإعادة أولئك الذين بسبب الخطية أصبحوا في تنافر مع مشيئته. وهو يهتم بكل واحد من مخلوقاته ضل طريقه في الحياة، وتراه يبحث عن هذا الضال حتى يستعيده. والأمثال الأخرى في لوقا 15 – الدرهم المفقود والابن الضال[24] تؤكد أيضاً محبة الله للخطاة. ومحبته التي لا نستحقها عظيمة جداً حتى إن الله يعمل كل ما في وسعه كي يجدنا، ولن يقنع حتى يستعيدنا تماماً، مثل الابن الضال.

ويتضح مدى كرم الله على وجه الدقة في قصة عمال الكرم[25]. حيث يتحدث فيها يسوع عن سيد استأجر رجالاً ليعملوا في كرمه. وقد بدأوا العمل في أوقات مختلفة في النهار. وحين جاء وقت استلام أجورهم لم يكن بعضهم قد عمل سوى ساعة واحدة، في حين أن آخرين قد عملوا النهار كله، ولكن السيد أعطاهم كلهم نفس الأجر. ولم يغش أحداً منهم، لأن أولئك الذين بدأوا العمل من أول النهار وافقوا مقدماً على الأجر الذي سيتقاضونه. لكن السيد كان كريماً مع الذين بدأوا العمل في ساعة متأخرة من النهار. وقال يسوع إن ملكوت السماوات يشبه هذا. والله بالطبع، هو سيد هذا الملكوت، وهو كريم بلا حدود. والذين ينضمون إلى مجتمعه في اللحظة الأخيرة يلقون ترحيباً كبيراً مثل أولئك الذين كانوا أول من طرقوا بابه.

وقد يبدو لنا من هذا أن الله غير عادل إلى حد ما، لأنه من المؤكد أن الذين جاءوا مبكراً يستحقون أكثر من الذين بدأوا العمل في وقت متأخر من النهار.

وهذا هو السؤال الذي حاول جوليكر أن يجيب عليه حين قال إن المثل في العادة لا يدور إلا حول نقطة واحدة – وفي حالة المثل الذي نحن بصدده لا شك أنه كان على حق – لأنه توجد أقوال أخرى كثيرة ليسوع تبين أن الله يستجيب دون حدود لحاجات كل شعبه. وهناك – على سبيل المثال – قصة الصديق الذي جاء ليطلب طعاماُ في منتصف الليل[26]، والتي استخدمها لوقا ليؤكد أن الله راغب تماماً في الاستجابة لصلواتنا. “اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يفتح لكم”[27]. وهناك مثال آخر نجده في قصة قاضي الظلم والتي تؤكد نقطة مماثلة[28].

ثم إن هناك الأقوال التي تضمنتها الموعظة على الجبل، والتي برغم أنها ليست قصة أمثلة، إلا أنها دون شك تعد أمثلة بكل ما في الكلمة من معنى “انظروا إلى طيور السماء. إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها… ولماذا تهتمون باللباس. تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو. لا تتعب ولا تغزل… فإن كان عشب الحقل… يلبسه الله هكذا أفليس بالحري جداً يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان”[29]. فالله يهتم بشعبه، بل ويهتم حتى بأقل التفاصيل. لأنه أبوهم.

وهذا التأكيد على العلاقة الشخصية الوثيقة بين الله والذين يقرون بسيادته على حياتهم، يشكل واحداً من أكثر الأجزاء الرائعة الأساسية في تعليم المسيح. ويسوع نفسه يخاطب الله باعتباره أباه[30]. وفي إنجيل يوحنا، كثيراً ما استخدمت علاقة الله بيسوع، والتي هي علاقة أب بابن لتأكيد طبيعة يسوع الإلهية، غير أنه في الأناجيل الثلاثة الأخرى كثيراً ما يتم التشديد على طبيعة هذه العلاقة[31]. فالله أب ليسوع ولذلك يمكن أن يخاطب ويعرف بنفس الأسلوب الوثيق الذي يخاطب به الابن أباه الجسدي. فيسوع كان يخاطب الله على هذا النحو. وقد بدعاه “أبا” الآب، وهي الكلمة الآرامية بمعنى “أب” والتي تستعمل في البيت، وقد سمح لتلاميذه أن يفعلوا نفس الشيء حين يخاطبون الله في الصلاة[32].

وهذه الطريقة في مخاطبة الله هي طريقة جديدة تماماً. وعلى الرغم من أن اليهود كانوا يخاطبون الله أحياناً “كأب”، إلا أنهم لم يستعملوا اللغة المألوفة التي كان يستعملها يسوع، وكانوا في العادة يبررون ذلك بالإشارة إلى قداسة الله وعظمته. لكن “إله” أمثلة يسوع ليس بعيداً أو خارج نطاق الاتصال بالعالم، ومن المؤكد أنه “قدوس”، وهو مختلف تماماً عن البشر في طبيعته. ولكنه الله الذي نستطيع أن نعرفه في علاقة شخصية كأبينا. والأكثر من ذلك أنه “أب” محب. وهو يسهر على كل الذين ينتمون إليه، ويهتم بأقل التفاصيل في حياتهم.

المجتمع والفرد

وإن نكون جزءًا من المجتمع الجديد الذي تحدث عنه يسوع، لا يعطينا ميزة معرفة الله بطريقة وثيقة وشخصية فقط، بل إن ذلك يضع علينا كذلك بعض المسؤوليات. وهناك عدد من القصص التي قالها يسوع تؤكد على نوعية الاستجابة المطلوبة إذا كان لنا أن “ندخل الملكوت”.

في بداية إنجيل مرقص نجد أن الاتجاه الرئيسي لتعليم يسوع لخص في الشعار “فتوبوا وآمنوا بالإنجيل”[33] ثم إن كثيراً من القصص التي رواها يسوع تؤكد أهمية الابتعاد عن الخطية أي ممارسة التوبة كي تصبح عضواً في مجتمع الله. وقصة الابن الضال[34] – على سبيل المثال – لا تؤكد فحسب على صلاح الآب وكرمه بل أنها تبرز أيضاً أهمية أن يدرك الابن حماقته، وأن يكون راغباً في تغيير أسلوب حياته.

ولم تكن التوبة أبداً فكرة رائجة، لأنها تتطلب منا إقراراً بأننا ارتكبنا خطأ. وتعني وجود قدر معين من الخجل، وفقداناً لشيء من مكانتنا الأدبية. لكن يسوع أوضح تماماً أن أولئك الذين هم ليسوا مستعدين لتقبل هذا لا يمكن أن تكون لهم صلة حية مع الله. وأمامنا قصة الفريسي والعشار[35] اللذين توجها للصلاة في الهيكل في نفس الوقت. وقد أخذ الفريسي يفتخر بإنجازاته الأخلاقية والدينية – قال هذا لله. ومن ناحية أخرى، نجد أن العشار كان مدركاً تماماً لعدم استحقاقه أن يتكلم إلى الله، وكل ما استطاع أن يعمله هو أن يصرخ قائلاً: “اللهم ارحمني أنا الخاطئ”، ولكن يسوع قال إن “العشار” وليس الفريسي، هو الذي “نزل إلى بيته مبرراً” من الله، لأنه أدرك أنه خاطئ، وجاء إلى الله دون أية ادعاءات روحية. وقد وضح يسوع نقطة مماثلة في الغني الغبي، الذي اعتقد أن ثروته ستجعله في موقف طيب أمام الله[36]. وقد جعل تعليم هذه الأمثال واضحاً تماماً في قوله إن سيادة الله على حياتنا يجب أن نتقبلها في ثقة الأطفال “من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله”[37].

لكن التوبة والمغفرة ليستا نهاية المطاف. والواقع أنهما ليسا سوى بداية حياة تقضى تحت سيادة الله نفسه. لأنه في مجتمع الله الجديد نتمتع بنوع جديد من الحياة – “حياة أبدية”[38] – أو الحياة الأفضل كما كان يسوع يطلق عليها في بعض أقواله التي سجلها إنجيل يوحنا. فالحياة في مجتمع الله هي حياة يوجهها الله ويسيطر عليها[39]. والذين دخلوا الملكوت بالتوبة ومغفرة خطاياهم يتوجب عليهم أن يحبوا الله من كل قوتهم[40]. ويجب أن يخدموه على أنه سيدهم الوحيد حتى إلى درجة إعطائه السيطرة المطلقة على حياتهم[41]، لأن هناك نتائج عملية هامة سوف تظهر في طريقة حياتهم اليومية، ذلك أنهم يهتمون برأي الله وليس برأي الناس فيهم[42]. وهذا نراه بصفة خاصة في مواقفهم تجاه الأمور الدينية[43]. وعلى الرغم من أن البعض قد يقبلون سيادة الله على حياتهم على مضض[44]، إلا أن إخلاصهم أفضل من ذاك الذي يأتي أمام الناس بمظاهر كثيرة على عظم عبادته لله مع أنه في الحقيقة هو على خلاف ذلك.

وشعب الله يجب أن يعبده بروح تلك الأرملة التي وضعت في الخفاء فلسها الأخير في صندوق التقدمات في الهيكل[45]، فلا يجب أن يسلك في مظاهر زائفة حتى يراهم الآخرون ويمتدحون صلاحهم[46]. فهم يصلون ويصومون في الخفاء “فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية”.

ç ولكن هذا ليس حجة لئلا تعمل شيئاً[47]. فالذين يقبلون سيادة الله في حياتهم، يجب أن يحسنوا التصرف فيما أعطاه الله لهم[48]. عليهم التصرف كملتزمين، فيستعملون الخير الذي أعطاه الله لهم بطريقة ترضي الله[49]، وعلى مثال وكيل الظلم، عليهم أن يكونوا مستعدين للقاء سيدهم[50].

ç والواقع أن طموحهم الأساسي في الحياة يجب أن يتعلموا المزيد عن الله وطرقه[51]. وهناك اثنان من أقصر الأمثلة يوضحان ذلك، وهما المثلان اللذان يتحدثان عن الكنز المخفي واللؤلؤة كثيرة الثمن[52]. فالإنسان الذي يجد حقلاً فيه كنز مخفي لن يتراجع عن بيع كل سلعة كي يشتري هذا الحقل. وعلى مثال ذلك، إذا كان يبحث عن لآلئ جيميلة، وتصادف أن رأى لؤلؤة رائعة فريدة، فلسوف يضحي بكل شيء كي يحصل عليها، وملكوت الله تشبه ذلك، فهي تستحق التضحية بكل ما نملك حتى نستمتع بعمل الله الحقيقي في حياتنا.

وهذا ما قصده يسوع حينما قال لتلاميذه: “ها ملكوت الله داخلكم”. فقد مارس الله فعلاً سلطانه على حياة أولئك الذين عرفوه كأب[53]، والمجتمع الجديد يمكن أن يكون حاضراً في حياة الشخص الذي يعرف حقوق الله في حياته.

المجتمع والشركة

وفي ذات الوقت نكون مخطئين لو اعتقدنا أن رسالة يسوع قاصرة على النواحي الشخصية من ناحية معتقدات الفرد وحياته الدينية. فإن جزءًا كبيراً من تعليمه يتناول علاقة شعب الله بالعالم ككل، وببعضهم البعض[54]. والواقع أنه في مثل العبد غير المتسامح يبدو أن يسوع يشير إلى أن الطريقة التي يتعامل بها الله معنا تعتمد من ناحية ما على الطريقة التي نعامل بها الآخرين[55]. وهناك أيضاً قول يسوع بأن محبة القريب تأتي في المرتبة الثانية في الأهمية بعد محبة الله.

وهذا معناه أن الذين يقبلون سيادة الله على حياتهم عليهم أن يسلكوا مثل أبيهم الذي في السماوات. وكَرم الله يشمل حتى المنبوذين في المجتمع، ويجب على أتباعه ألا يسلكوا بطريقة مختلفة. عليهم أن يسلكوا مثل السامري الصالح في المثل الذي قاله يسوع[56]. وقد طبق يسوع هذا بنفسه، إذ حمل رسالة الله إلى المنبوذين في المجتمع. وهذا ما جعل التلاميذ يدركون أن ملكوت الله كان في واقع الأمر حالاً في شخصه، وأن بوسعهم أن يتمتعوا ببركاته الآن في الحياة الحاضرة.

وبالنسبة لأولئك الذين قبلوا بالحقيقة سيادة الله على حياتهم، فإن هذا الاختيار الجديد ينتظرهم. فهم لا يشاركون في علاقة جديدة مع الله نفسه، بل أنهم يلتزمون أيضاً كل تجاه الآخر في شركة من الاهتمام والمحبة المتبادلين.

المجتمع والمستقبل

وأخيراً يشير عدد من الأمثال إلى مجيء ملكوت الله في المستقبل. وهي تشير إلى مجيء يسوع كابن الله السمائي ذي القدرة الخارقة للطبيعة، كما تتحدث عن دينونة الإنسان الأخيرة. وقد ظن البعض أن هذه لم تكن سوى طريقة رائعة لتقديم التحدي الذي تمثله رسالة يسوع حين يسمعها الناس لأول مرة. إلا أنه بالنظر إلى اللهجة الرؤوية القوية التي تتسم بها غالبية اللغة التي استعملت، فإنه من الصعب عدم استنتاج أن يسوع كان يفكر في وقت ما في المستقبل حين يباشر الله سلطانه وحقيقته كملك بطريقة مرئية. وفي ذلك الحين، سيكون هناك يوم عظيم للحساب. فالذين يعلنون فقط أنهم يخدمون الله ولكنهم في واقع الأمر لا يفعلون ذلك سوف يفرزون ويبعدون عن أولئك الذين ينفذون حقاً مشيئة الله. وهذا هو الدرس الأساسي الذي نتعلمه من أمثلة شبكة الصيد المطروحة في البحر. مثل الحنطة والزوان، ومثل الخراف والجداء.

وفي أمثال أخرى صورت الذروة المستقبلية للملكوت كوليمة. وهذه نوعية من اللغة المجازية كثيراً ما كان اليهود يستخدمونها لوصف البركات الآتية في العصر المسياني. لكن صور المسيح الخاصة بالملكوت، توضح أنه ليس كل أحد سيستطيع الدخول. والواقع أن مثل العشاء العظيم يشير إلى أن المبتدئين التقليدين لن يكون لهم مكان فيه على الإطلاق[57]. فالذين سيشاركون في بركاته سيأتون من الشوارع وليس من المقادس.

وهناك تأكيد عظيم في إنجيل متى على المسؤولية الملقاة على عاتق أولئك الذين يعلنون أنهم شعب الله. وبالنظر إلى أنه ما من أحد يعرف اليوم أو الساعة التي سيتم فيها ذلك، علينا أن نكون في حالة استعداد دائم مثل العذارى اللواتي انتظر وصول العريس[58].

وهذا العنصر في تعليم يسوع يسمو على الفروق الحادة التي نحب أن نصورها بين ما سيحدث في المستقبل وبين ما هو قائم الآن بالفعل.

وبالنظر إلى أن يسوع قد جاء، فقد أقبل أيضاً مجتمع الله الجديد بالفعل. وأولئك الذين يقبلون سلطان الله يشكلون الآن جزءًا من ملكوته. وأياً كان ما يُكشف عنه في المستقبل من أمور أخرى، فهو لن يكون بداية جديدة، يقدر ما سيكون تنفيذاً نهائياً لمضامين شيء سبق أن وجد هنا بجوهره. وعلى الرغم من أن مجتمع الله الجديد كانت له بدايات صغيرة ضئيلة، إلا أنها هي نفس نوعية البداية التي لا بد وأن تؤدي إلى نمو مذهل، ونموه سيكون على مثال حبة الخردل “وهي أصغر البذور” في العالم، ولكنها متى نمت تكون أكبر البقول[59].

الأمثال وسامعوها

قضى بعض الباحثين وقتاً طويلاً محاولين اكتشاف الموقف الحياتي (Sitz im Leben) لكثير من الأمثال، حيث كانوا يعتقدون أن عملهم هذا سيسهل لهم الوصول إلى معانيها المباشرة. غير أنه في معظم الحالات لم يكن في الإمكان التعرف بدقة على المواقف الحقيقة التي قال فيها يسوع بعض قصص معينة. لأنه، وعلى مثال الأجزاء الأخرى من الأناجيل، سُجلت الأمثال ليس باعتبارها جزءًا من سيرة يسوع الذاتية، تم ترتيبها ترتيباً زمنياً، بل سجلت كرسالة تفسر تعليم يسوع واستمرارية علاقته لاحتياجات العالم والكنيسة.

وفي كثير من الأحيان تأتي الأمثلة وقد تضمنت كل منها قصة، وقد يشلك هذا إشارة ما إلى وضعها الحياتي الأصلي في خدمة يسوع. ولعله لا يتشكك أحد في أن مثل السامري الصالح قد قيل إجابة للسؤال “ومن هو قريبي” والذي وجهه إلى يسوع أحد القادة الدينين اليهود. وهكذا أيضاً نجد أن المثال الذي قيل عن العبد غير المتسامح قاله يسوع رداً على سؤال بطرس عن عدد المرات التي يسامح فيها شخصاً أساء إليه[60]. كما أن يسوع قال أيضاً قصة الغني الغبي رداً على سؤال حول أفضل طريقة لتقسيم الميراث.[61]

وهناك أمثلة قيلت في سياقات مختلفة وأناجيل مختلفة. فمثل الخروف الضال نجده في إنجيل لوقا إلى جانب مثلي الدرهم المفقود والابن الضال[62]، وكان ذلك في معرض الرد على شكاوى الفريسيين من أن يسوع يخالط الأشرار[63]. وفي إنجيل متى ذكر نفس المثال لتشجيع التلاميذ على أن يكونوا “رعاة” أمناء للكنيسة. ومن الطبيعي أن يكون مفهوماً أنه ربما قال يسوع نفس القصة أكثر من مرة، واستخلص دروساً مختلفة في كل مناسبة منها. وكثيرون من الوعاظ يعيدون استخدام التوضيحات الجيدة.

ولكن الحقيقة هي أن هذه الأمثال تتميز بعدم وجود أية معلومات عن خلفيتها. فلا نعرف شيئاً عن الظروف التي قال فيها يسوع معظم الأمثال لأول مرة. وهذا ما تؤكده حقيقة أنها ذكرت في مجموعات في الأناجيل المختلفة. فإنجيل متى يضم أصحاحاً كاملاً خصصه كله للأمثال وإنجيل مرقص يحتوي على مجموعة مماثلة (برغم أنها ليست مطابقة) في حين أن لوقا يخصص جزءًا كبيراً تسود على غالبيته الأمثال[64].

بل وليس من المفيد حقاً، أن نحاول اكتشاف كيفية استخدام الأمثال في الكنيسة الأولى. فطلاب ما يسمى “بنقاد التنقيحات” وهو علم دارسة السبب الذي من أجله كُتبت الأناجيل. فحصوا الطرق التي استخدمت بها الأمثال المتباينة في الأناجيل المختلفة. وعلى سبيل المثال، يمكننا أن نعرف أن إنجيل متى يحتوي على عدد من الأمثال التي تشير إلى مجيء ملكوت الله في المستقبل – وأننا نظن أن هذا الموضوع كانت له بعض الأهمية في الكنائس التي كان متى يكتب لها. ومن ناحية أخرى يحتفظ لوقا بعدد من الأمثال، لا نجدها في الأناجيل الأخرى تتحدث عن مكان الشعوب غير اليهودية (الأمم) في مجتمع الله الجديد. والملاحظات التي من هذا القبيل بوسعنا أن نعرف منها أشياء قيمة عن متى ولوقا وقراء كل منهما. غير أنها تخبرنا القليل من ناحية أصل الأمثال نفسها أو معناها.

والمعنى الحقيقي للأمثال يجب أن يكون مرتبطاً بشكل وثيق بالدعوة التي توجهها لأولئك الذين يقرؤونها أو يسمعونها. فيه تعطينا صورة عن الله ومجتمع الجديد، وهي تدعونا إلى أن نكرس أنفسنا دون قيد أو شرط لتقبل مشيئته. وحين نعرف أننا نشبه الخروف الضال، أو المستأجرين الأشرار، أو الرجل الذي اكتشف كنزاً مخفياً في حقل، هنا فقط نكون قد شعرنا بتأثيره الكامل فينا. وفي التحليل الأخير، نجد أن الأمثال لا تخرج عن أن تكون التعبير عن حق الله في حياة البشر. فهم يحتاجون إلى الميل إلى الفهم، والإرادة للطاعة.

ماذا علم يسوع بالأمثال

هناك قول في إنجيل مرقص (مرقص 4: 11-12) يبدو أنه يوحي بأن يسوع قال الأمثال وكان يتعمد أن يأتي تعليمه في أسلوب غامض بالنسبة لأولئك الذين لم يصبحوا بالفعل تلاميذه، وذلك على مثال ما قاله إشعياء “لكي يبصروا مبصرين ولا ينظروا ويسمعوا سامعين ولا يفهموا لئلا يرجعوا فتغفر لهم خطاياهم”. وهذه الفكرة تأتي على النقيض من كل ما نعرفه عن يسوع، ومن ثم يتطلب الأمر بعض التوضيح. وهناك اقتراحات كثيرة قدمت في هذا الصدد تقتصر على ذكر اثنين منها.

ç طبقاً لما يقترحه “دود” (وآخرون ممن يتبنون آراءه)، هذا القول لم يصدر حقاً عن يسوع. بل أضافته الكنيسة الأولى لبيان سبب رفض الشعب اليهودي ليسوع. وكان – كما يقولون – جزءًا من حكمة الله نفسه، وعنايته الإلهية حيث قصد لهذا أن يحدث دائماً، ومع ذلك هناك حجتان ضد هذا الرأي.

أولاً: من المحتمل أن الجيل الأول من المسيحيين هم فقط الذين كانوا يهتمون اهتماماً بالغاً برفض اليهود ليسوع. ولم تكن المسحة اليهودية ظاهرة في الكنيسة إلا في مرحلة مبكرة جداً من نموها، وبعد دمار أورشليم على يد الرومان سنة 70م، اختفى المسيحيون اليهود تقريباً من الكنيسة. ومن المؤكد أن ذلك لم يكن له إلا تأثير بسيط على الكنيسة بوجه عام. وهذا معناه أن المشكلة كان في أقصى حدتها ليس بعد الأحداث التي شهدها يسوع في حياته بالجسد بوقت طويل. وكلما اقتربنا من فترة حياة يسوع نفسه، قلت الفرصة المتاحة للكنيسة للقيام بإضافات وتغييرات في تعليمه.

ثانياً: يتضمن إنجيل متى قولاً مماثلاً، حيث اقتبس نفس الفقرة من إشعياء، وبالنظر إلى معرفتنا أن متى كان بصفة خاصة مهتماً بالوضع النسبي لليهود والمسيحيين، فكنا نتوقع منه أن يحتفظ بنفس الكلمات تماماً مثل مرقص، إذا كان هذا القول يتعلق بالفعل برفض اليهود ليسوع. ولكن الحقيقة أن هذا القول في إنجيل متى له مضمون مختلف بشكل طفيف. فهنا يقول يسوع: “من أجل هذا أكلمهم بأمثال. لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون”. (متى 13: 13).

ç وهناك تفسير ثان يتناغم مع هذا القول في إنجيل متى. وعلى أساس هذا الفهم لنا أن نفترض أن الكلمة المترجمة “لكي… يبصروا” في إنجيل مرقص، قصد بها في الواقع أن تكون بداية قول حقيقي، تماماً مثلما جاءت في متى. والدليل الذي يؤيد هذا الرأي يمكن استخلاصه من مقارنة اللغة اليونانية التي كتب بها مرقص، بالأقوال الآرامية التي ربما كانت في خلفيتها. وهكذا فإن هذا القول لا يصف “الغرض” من التعليم بأمثال، بل العواقب التي لا بد أن تحدث نتيجة عمل ذلك. فقد كان يسوع يشير إلا أن الأمثال لا بد وأن تفصل بين أولئك الذين ينصتون إليها ببصيرة روحية عن أولئك الذين هم عميان من الناحية الروحية.

وهذا هو التفسير المرجح لأنه يتناغم مع ما رأيناه في أصحاح سابق عن موقف يسوع من حفظ مسيانيته سراً. كان أنه يتسق تماماً مع طبيعة الأمثال نفسها. فعلى الرغم من أنها لا تتطلب مجهوداً ذهنياً كبيراً، إلا أنها تتطلب درجة معينة من الالتزام وذلك لفهم ما يقوله يسوع.

والأمثال ليست أقوالاً فلسفية عن الحقائق المتعلقة بالله. فهناك معنى تخفى فيه الحقيقة، لأن الأمثال تدعو سامعي يسوع إلى أن يفكروا بأنفسهم ما هي مضامين رسالته. وأولئك الذين لم يكونوا مهتمين بصفة خاصة، كان يمكن أن يسمعوا المثل، ثم لا يفهمون منه شيئاً سوى أنه قصة. إلا أنه إذا فكرنا قليلاً، فإن نفس القصة يمكن أن تكون صورة لله ومعاملاته مع البشر في المجتمع الجديد الذي جاء يسوع ليقيمه.

هل قصد يسوع تأسيس الكنيسة

كثيراً ما تساءل الناس ما إذا كان يسوع قد قصد إقامة كنيسة. ونجد بالفعل في إنجيل متى قولين يبدو أنهما يشيران إلى أنه فعل ذلك (متى 16: 18-20؛ 18: 17). غير أن بعض الباحثين يعتقدون أن هذه الأقوال وضعها متى نفسه، ولم تأت مباشرة من تعليم يسوع. “فألبرت شويتزر”، على سبيل المثال، وجد أنه يستحيل عليه التفكير في أن يسوع قصد أن يقيم كنيسة، لأنه كان يعتقد أن يسوع كان يتوقع نهاية سريعة للعالم. لكن، حتى هؤلاء الذين لا يشاطرونه هذا الرأي كثيراً ما عارضوا فكرة أن يسوع كان مصمماً على أن يشرع في تأسيس كنيسة. أما “أدولف فون هارناك Adolf Von Harnack” واللاهوتيون التحرريون، فكانوا يرون أن يسوع مجرد معلم أخلاقي بسيط. ولأنهم يعتبرون أن مفهوم الكنيسة لا يتناغم مع هذا، فقد انتهوا إلى أنها إقحام غريب تم في وقت لاحق على الإنجيل الذي كان في أساسه بسيطاً. وبالرغم من أن قليلين في يومنا هذا هم الذين يوافقون على وجهة النظر هذه، إلا أنها تلفت بالفعل انتباهنا إلى حقيقتين هامتين يتطلب الأمر أن نتذكرهما حينما نتحدث عن يسوع والكنيسة:

ç “الكنيسة” لا تعني بالضرورة نوعية الهيئة الدينية التي برزت في القرن الثاني والتي نألفها اليوم في المسيحية كمؤسسة، ولقد تحدث يسوع عن شخصين أو ثلاثة باسمه (متى 18: 20).

ç وبالمعنى الدقيق، فإن وجود “الكنيسة” أثناء حياة يسوع يشكل مفارقة تاريخية. فالكنيسة في أسفار العهد الجديد ليست مجرد تجمع من أناس لهم فكر متماثل نظموا كمجتمع ديني. إنها شركة حية لأولئك الذين يشاركون في الخلاص الذي أعده الله من خلال حياة وموت وقيامة المسيح نفسه.

ولذلك هناك معنى ظهرت فيه الكنيسة إلى الوجود، ولكن بعد موت يسوع وقيامته.

ويصف العهد الجديد انسكاب الروح القدس يوم الخمسين، على أنه اليوم الحقيقي لتأسيس الكنيسة (أع 1: 8؛ 2: 1-4).

ولذلك نحن في حاجة إلى إثبات صحة أي قول عن قيام يسوع بتأسيس الكنيسة. غير أنه توجد في الوقت ذاته دلائل قوية في الأناجيل بأنه من المؤكد أنه قصد تكوين جماعة من أولئك الذين كانوا يتبعونه.

ç كل الأناجيل تصف يسوع بأنه الشخص الذي تحققت فيه كل الوعود المسيانية التي في العهد القديم، فالمسيا الذي تحدث عنه العهد القديم قد جاء في المسيح. وهناك عنصر له أهميته في تطلعات العهد القديم تمثل في الاعتقاد بأنه حين يأتي المسيا فلسوف يقيم مجتمعاً جديداً، وفي هذا المجتمع يتمتع شعب الله بعلاقة جديدة ووثيقة بسيدهم وببعضهم البعض. وكما سبق ورأينا هناك مبرر قوي للاعتقاد بأن جوهر ادعاءات المسيح على الأقل يمكن أن نرجعه إلى تعليم يسوع نفسه، وإذا كان قد رأي في نفسه أنه المسيح فلسوف يكون من الطبيعي جداً أن يتصور تأسيس ما يمكن أن يطلق عليه صفة “مجتمع” بين أتباعه. والاسم الذي اعتاد يسوع أن يطلقه على نفسه باستمرار وهو “ابن الله” يحتوي أيضاً على هذا المعنى. وقد لا يكون من الصواب القول – كما يفعل البعض – أن كل مرة استخدم فيها يسوع هذا الاسم كان يقصد أن يضم تلاميذه معه. غير أن ليس هناك شك أنه في سفر دانيال في العهد القديم نجد أن “ابن الإنسان” لم يكن فرداً بل كان عضواً يمثل “قديسي العلي” (دانيال 7: 13-18).

ç حين نتأمل طرق وصف يسوع لعمله، وعمل ملكوت الله، كثيراً ما توحي كلماته أنه يتحدث عن جماعة من الناس ارتبطوا ليس بالله فقط، بل ومع بعضهم البعض أيضاً. فهو – على سبيل المثال – يتكلم عن نفسه كراع، الأمر الذي يستشف منه أنه لا بد وأن يكون له قطيع (يوحنا 10: 1-18، لوقا 12: 32). وحين شبه نفسه بالكرمة وتلاميذه بالأغصان كان من الواضح أنه يقصد أن يشير إلى أن الأغصان لها علاقة بين بعضها البعض، وأيضاً مع الساق الرئيسية (يوحنا 15: 1-11). وكثير من الأشياء التي يقولها يسوع عن الملكوت ستكون صعبة الفهم ما لم نفترض أنه كان يدور في ذهنه صورة لمجتمع ما ظاهر مرئي (متى 23: 23؛ لوقا 16: 16). ومن الثابت أن تعليمه الأخلاقي يختص بالحياة بين أتباعه في إطار شركة أو جماعة (متى 5: 22؛ 7: 3-5).

ç أما الأكثر روعة، فهي حقيقة أن بعض الأمثال توحي بأن ملكوت الله لن يكون مجتمعاً جديداً فحسب، بل سيكون مجتمعاً مرئياً أيضاً. فأمثال من قبيل مثل حبة الخردل (مرقص 4: 30-32)، والحنطة والزوان (متى 13: 24-30)، شبكة الصيد (متى 13: 47-50)، العمال في الكرم (متى 20: 1-16)، ووليمة العرس (متى 22: 1-14) من الواضح أنها توحي بمجتمع منظم.

وعلى هذا يبدو من المعقول أن نستنتج أنه كان يدور بفكر يسوع تكوين مجتمع مستمر من أتباعه، وأن نوعية الكنائس التي جاء الحديث عنها في بقية العهد الجديد، أعطت صورة للمجتمع الذي قصد يسوع أن يقيمه.

 

[1] لوقا 10: 25-37.

[2] متى 18: 12-14.

[3] لوقا 15: 1-7.

[4] متى 13: 1-9.

[5] مرقص 4: 1-9.

[6] لوقا 8: 4-8.

[7] لوقا 4: 23.

[8] مرقص 7: 15-16.

[9] متى 5-7.

[10] يوحنا 10: 1-18.

[11] يوحنا 15: 1-11.

[12] يوحنا 4: 31-38.

[13] يوحنا 6: 35.

[14] يوحنا 7: 37-39.

[15] يوحنا 15: 1-11.

[16] لوقا 10: 25-37.

[17] متى 25: 14-30؛ لوقا 19: 11-27.

[18] متى 22: 1-14؛ لوقا 14: 15-24.

[19] متى 13: 1-9؛ مرقص 4: 1-9؛ لوقا 8: 4-8.

[20] متى 13: 18-23؛ مرقص 4: 13-20؛ لوقا 8: 11-15.

[21] متى 21: 33-45؛.مرقص 12: 1-12؛ لوقا 20: 9-19.

[22] متى 13: 24، 31، 33، 44.

[23] متى 18: 12-14؛ لوقا 15: 1-7.

[24] لوقا 15: 8-10؛ 11-32.

[25] متى 20: 1-16.

[26] لوقا 18″ 1-8.

[27] لوقا 11: 5-8.

[28] لوقا 11: 9.

[29] متى 26: 6-30.

[30] مرقص 14: 32-36.

[31] يوحنا 1: 14، 18؛ 5: 43؛ 8: 19.

[32] متى 6: 9؛ لوقا 11: 2

[33] مرقص 1: 15.

[34] لوقا 15: 11-32.

[35] لوقا 18: 9-14.

[36] لوقا 12: 13-21.

[37] مرقص 10: 15؛ لوقا 18: 17.

[38] يوحنا 3: 15؛ 6: 54؛ 10: 28؛ 17: 3.

[39] متى 22: 37-38.

[40] مرقص 12: 29-30.

[41] متى 6: 24؛ لوقا 16: 13.

[42] متى 16: 24-26.

[43] لوقا 9: 23-25.

[44] متى 21: 28-32.

[45] مرقص 12: 41-44؛ لوقا 21: 1-4.

[46] متى 6: 5-6؛ 16-18.

[47] متى 6: 4.

[48] متى 25: 14-30.

[49] لوقا 19: 11-27.

[50] لوقا 16: 1-8.

[51] متى 13: 44.

[52] متى 13: 45.

[53] لوقا 17: 21.

[54] متى 18: 21-35.

[55] متى 22: 39؛ مرقص 12: 31.

[56] لوقا 10: 25-37.

57 متى 13: 24-30؛ 47-50؛ 25: 31-33.

[57] لوقا 14: 15-24؛ متى 22: 1-14.

[58] متى 24: 36-44؛ قارن مرقص 13: 32-37؛ وانظر أيضاً متى 25: 1-13.

[59] متى 13: 31-32؛ مرقص 4: 30-34؛ لوقا 13: 18-19.

[60] متى 18: 21-35.

[61] لوقا 12: 13-21.

[62] لوقا 15: 1-7.

[63] متى 18: 12-14.

[64] متى 13؛ مرقص 4؛ متى 13: 18 – 16: 31.

مجتمع الله الجديد : طبيعة المجتمع الجديد

مجتمع الله الجديد : طبيعة المجتمع الجديد

مجتمع الله الجديد : طبيعة المجتمع الجديد

مجتمع الله الجديد : طبيعة المجتمع الجديد

تحدثنا حتى الآن عن مجيء يسوع في إطار مجتمع جديد كان المعاصرون له يتوقعون حدوثه. وكانوا يتوقعونه على أنه الوقت الذي تتحقق فيه – وبشكل مثير – وعود العهد القديم فيما يتعلق بوضع إسرائيل في خطط الله وطرد الرومانيين من أرضهم إلى غير رجعة.

وليس من عجب إذاً أنه حين ظهر يسوع كنبي متجول بعد عماده وبعد التجربة في البرية[1]، وأعلن أنه “قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله” أن الناس باختلاف اتجاهاتهم أظهروا اهتماماً كبيراً لما قاله. فهذا هو ما كانوا ينتظرونه: مملكة جديدة لله تسحق إلى غير رجعة مملكة الرومان العتيقة. وأنهم كانوا يتوقعون تماماً (أي الشعب اليهودي) أنه سيكون لهم دور هام في هذه المملكة الآتية تحت قيادة مسيحهم (المسيا).

ملكوت الله

ولكن ما الذي عناه يسوع حين تكلم عن “ملكوت الله”؟ وما الذي نقصده نحن بهذا التعبير؟ إن القاموس الخاص بي يحدد “المملكة بأنها “الدولة أو الأرض التي تحكم بواسطة ملك”. وعلى هذا فلعل معاصري يسوع لم يكونوا قد أخطأوا على أي حال فيما ذهبوا إليه: فالله سيقيم دولة جديدة يحكمها بنفسه.

فهل هذا هو ما قصده يسوع حقاً؟ هل تحدث عن دولة جديدة أم مجتمع جديد؟ والفرق واضح تماماً، فإذا كان يسوع يتكلم عن دولة جديدة، فلا بد أنه نظر إلى نفسه كوكيل ملكية سياسية جديدة، أي أنه كان من طائفة الغيورين. أما إذا كان يتحدث عن مجتمع جديد، فلا بد والحال هذه أن يكون قد اعتبر أن عمله يهتم بصفة أساسية بنوعية الحياة التي يتمتع بها شعبه. والدولة الجديدة سيكون من شأنها ببساطة أن تستبدل النظام الاستبدادي العتيق بنظام استبدادي جديد. أما المجتمع الجديد فلسوف يعطي الشعب حقيقة جديدة ولذيذة عن الحرية والعدل ووجود الله في حياتهم.

وعلى هذا، فما الذي كان يتحدث عنه يسوع حقاً؟ اعتقد كثيرون من المسيحيين أنه كان مهتماً بصفة رئيسية ببدء مجتمع يحكمه الله، وذلك كمجتمع مميز عن الدول السياسية التي يحكمها رجال ونساء. وعلى سبيل المثال، كثيرون من رجال الكنيسة في العصور الوسطى، اتبعوا نهج القديس أوغسطينوس في الاعتقاد بأن ملكوت الله الذي كان يتحدث عنه يسوع هو المجتمع المنظم الذي نسميه نحن الكنيسة. وحتى في يومنا هذا، نجد الوعاظ المسيحيين يتكلمون في كثير من الأحيان كما لو أن “الملكوت” هو مجرد كلمة أخرى يقصد بها الكنيسة، وآخرون يتحدثون عن ملكوت الله كما لو كان نوعاً جديداً من إعلان سياسي. غير أنه هناك اعتراف على نطاق واسع الآن يسود أوساط الذين يدرسون العهد الجديد، بأنه أياً كان ما قصده يسوع بتعبير “ملكوت الله” فإنه لم يكن أياً من هذه الأشياء.

الملكوت والمجتمع الجديد

هناك إشارة إلى ما قصده يسوع حقاً بمقدورنا أن نجدها في اللغة التي تحدث بها. وعلى الرغم من أن يسوع ربما كان بالفعل يستطيع أن يتكلم لغتين أو ثلاثة، فمن المرجح أنه كان في معظم الأحيان يتكلم باللغة الآرامية وهي اللغة التي كان معظم الناس في فلسطين يعرفونها على نحو أفضل. ولقد كتبت الأناجيل باللغة اليونانية، مثل بقية العهد الجديد بالطبع، ولذلك ليس لدينا أي مستند مباشر للكلمات التي نطق بها يسوع بالفعل باللغة الآرامية، غير أنه حتى الكلمة اليونانية التي ترجمت “ملكوت Basilea” تعني بالأكثر نشاط الملك وليس الأرض التي يحكمها. والكلمة الآرامية التي يعتقد الباحثون أن يسوع نفسه استعملها وهي “Malkutha” من المؤكد أنه كان لها نفس المعنى. ولذلك نجد أنه لدينا من الأسباب ما يحملنا على افتراض أن يسوع كان يتكلم عما يمكن أن نطلق عليه “حكومة الله الملكية” وليس “ملكوته”.

هذا هو السبب الذي حملنا على التفكير في رسالته هنا في إطار “المجتمع الجديد”. لأن يسوع كان مهتماً – وبأكثر من أي شيء آخر – بنوعية الحياة الإنسانية، وعلاقة الإنسان بالله، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان.

ويساعد هذا على تفسير بعض الأمور الأكثر صعوبة التي قالها يسوع، وعلى سبيل المثال، قال للفريسيين: “لا يأتي ملكوت الله بمراقبة… ها ملكوت الله داخلكم”[2]. وفي مناسبة أخرى قال لتلاميذه: “من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله”[3]. ومن الواضح أن الأراضي السياسية لا يمكن أن تكون جزءًا من حياة الناس كأفراد، فهم لا يستطيعون “أن يكونوا” دولة بل لا يمكن أن تكون “داخلهم”. لكن يسوع كان يقول إنه منذ اللحظة التي يملك فيها الله حياة شخص ما، يكون المجتمع الجديد قد أقبل بالفعل. كان يمكن أن يقول إن ملكوت الله داخل سامعيه، لأنه هو نفسه كان هناك، وكان الله يسيطر تماماً على حياته.

ومن المفيد أن “البروفسور و. ج. كوميل Professor W. G. Dummel” يلفت الانتباه إلى الطريقة التي قال بها يسوع إن “دخول الملكوت” معناه “دخول الحياة”. وهؤلاء الناس الذين يرثون الملكوت يرثون أيضاً “الحياة الأبدية”، والبوابة التي تؤدي إلى الملكوت هو “الطريق الذي يؤدي إلى الحياة”. والقصة الشهيرة عن الابن الضال الذي هرب من البيت تؤكد أيضاً حقيقة أنه كي تكون عضواً في الملكوت معناه أن تشارك في حياة الله، وتعرفه كأب. وكذلك يذكر بولس قراءه المسيحيين في كورنثوس بأن “ملكوت الله ليس بكلام بل بقوة” – قوة الله العاملة في حياة أولئك الذين سلموا أنفسهم لتوجيه الله بإرشاده.

وفي ذات الوقت، سنكون على خطأ إذا ما وضعنا التركيز كله على المجتمع الجديد على أنه جزء من علاقة شخصية بيننا وبين الله. وهناك أقوال كثيرة في الأناجيل تبين أن يسوع كان ينظر إلى ملكوت الله كمجتمع حقيقي ملموس، كما كان ينظر إليه أيضاً كحكم الله الداخلي في حياة أتباعه. فقد قال – على سبيل المثال – إن الناس “يأتون من المشارق ومن المغارب ومن الشمال والجنوب ويتكئون في ملكوت الله”[4]. وفي العشاء الأخير قال يسوع لتلاميذه: “إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتي ملكوت الله”. ويسجل لنا متى قوله إن أتباعه سيرثون “الملكوت المعد لهم منذ تأسيس العالم”[5]. لذلك يبدو أن المجتمع الجديد في مفهوم يسوع كان يتضمن أمرين. من ناحية، إنه حكم الله على حياة الناس الذين يسلمون له أنفسهم. ومن ناحية أخرى، فإنه شيء يمكن بل وسوف يظهر للعالم كله[6].

وكل من هذين المفهومين كان انعكاساً صادقاً لتوقعات العهد القديم. ومن المهم أن نتذكر أنه ليس كل كتبة العهد القديم أدركوا تدخل الله المستقبلي في شؤون البشر في إطار نزعة تتسم بالأنانية والقومية كما كان يفعل البعض من معاصري يسوع. وإنها لحقيقة أنه في بعض أجزاء العهد القديم نجد إدراكاً طاغياً أن سيادة الله على البشر ستظهر في شكل ملكوت منظم سيحل محل إمبراطوريات العالم.

وهذه بصفة خاصة، نظرة الأقسام الرؤوية في العهد القديم. ففي سفر دانيال – على سبيل المثال – أن قديسي “العلى” الذين يمثلهم “مثل ابن الإنسان”[7] تسلموا ملكوت الله وتملكوه إلى الأبد. وهذه نوعية من التطلعات ازدادت وتم تضخيمها ألف ضعف بواسطة آخرين. بمعرفة كتاب رؤويين في وقت لاحق، وكان البعض منهم من معاصرين يسوع. وكانت تطلعات عبر عنها بعض أتباع يسوع حين أرادوا أن يقيموه ملكاً عليهم بعد معجزة إطعام خمسة آلاف شخص[8]. وكان هذا موقفاً وُجد حتى بين التلاميذ. فحين طلب يعقوب ويوحنا أن تكون لهما المراكز الأولى بأن يجلس واحد عن يمين يسوع والآخر عن يساره في مجده، فإنهما كانا يفكران في إطار سياسي خالص[9].

وعلى الرغم من أن يسوع وبخهما حين قالا ذلك[10]، إلا أنه لم يفكر إطلاقاً أن ملكوت الله سوف يؤثر بطريقة ما في المجتمع بالمعنى السياسي، بل أنه في بعض الأحيان كان يقول إن ذلك سيتم بطرق غير مثيرة نسبياً[11]، كما تعمل الخميرة في الخبز، أو مثل حبة الخردل التي تنمو في هدوء إلى شجرة كبيرة، إلا أنه كان أيضاً على قناعة تامة أن الله سوف يعمل بحسم وبصفة مباشرة[12]، ليس في حياة الأفراد فحسب، بل وأيضاً في حياة الأمم السياسية والاقتصادية.

هذا التوتر، أو ما يبدو وكأنه تناقض بين حكم مجتمع الله الجديد في حياة الأفراد والتعبير الخارجي عنه في قوى سياسية ملموسة[13]، كان موجوداً في أيام العهد القديم. فقد كان ينظر إلى الله على أنه “ملك” إسرائيل منذ عصر القضاة، وربما حتى قبل ذلك. والمزامير عامرة بالتعبيرات التي تؤكد سيادة الله على مجرى التاريخ[14].

وكثيرون من الربيين – في زمن يسوع – كانوا يؤكدون على أن سيادة مملكة الله على إسرائيل كانت موجودة بالفعل، حتى أيام الحكم الروماني، وأن الله كان يعمل من خلال الشريعة. وأحياناً كان معلمو اليهود يشيرون إلى أناس “يتثقلون بقيام ملكوت الله” وهم يقصدون بهذا أنهم يقبلون التوراة ويطيعونها كأداة لحكم الله على شعبه.

وإذا تفحصنا بإمعان أجزاء أخرى من العهد الجديد نستطيع أن نلمس أن هذا التوتر موجود دائماً بين ما يستطيع الله أن يفعله الآن في أولئك الذين يقبلون حكمه على حياتهم، وما سيفعله أساساً من خلالهم في المجتمع بصفة عامة. وعلى سبيل المثال، يقول بولس: “لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً. بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس”[15]. وبالنظر إلى أن هذه أمور يمتلكها المسيحيون بالفعل، فأن تكون جزءًا من ملكوت الله، يعني أن نسمح لله بأن يمارس سيادته المطلقة على حياتنا.

وفي ذات الوقت، نجد أن بولس، على الرغم من ذلك يربط بين وصول ملكوت الله والأحداث المرتبطة بنهاية العالم: “وبعد ذلك النهاية متى سلم الملك لله الآب متى أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة”[16]. فقد توقع بكل وضوح أن الله سيدخل التاريخ ويغير مجراه – وهذا كان من ناحية ما مرتبطاً بمجيء مجتمع الله الجديد “الملكوت”. وهذا تم توضيحه تماماً في سفر الرؤيا حيث “صارت ممالك العالم لربنا ومسيحه فسيملك إلى أبد الآبدين”[17] وهذا أيضاً عنصر هام في تعليم يسوع نفسه.

الأخرويات والمجتمع الجديد

موضوعات مختلفة نشير إليها حين نتكلم عن مجتمع الله الجديد يسمى “الأخرويات”. وكلمة “الأخرويات” مأخوذة عن عبارة يونانية ترجمتها “أفكار عن النهاية”. ولكن الأخرويات لا تتعلق فقط بما قد يحدث عند نهاية العالم. بل أنها بالضرورة تتعلق بملكوت الله، حيث يكون الله ملكاً، وبكل السبل المختلفة التي تجعل مجتمع الله الجديد نفسه محسوماً بواسطتها، سواء في حياة الناس كأفراد، أو في المجتمع، أو في النهاية الأخيرة للأمور.

في حوالي السبعين سنة الأخيرة، قدمت اقتراحات تدور حول المعنى الحقيقي لتعليم يسوع عن المجتمع الجديد أو “ملكوت الله”.

الأخرويات المستقبلية

أول هذه الآراء أن تعليم يسوع كجزء من “الأخرويات المستقبلية”. فنحن نقصد بها المستقبل من وجهة نظر الوقت الحاضر. فهناك مسيحيون كثيرون اليوم ممن يأخذون “الأخرويات المستقبلية” بمعنى أنهم يتوقعون مجيء ملكوت الله في شكل محسوس في وقت لا يزال في علم المستقبل. وكثيراً ما يعرّفون مجيء ملكوت الله بهذه الطريقة على أنه “المجيء الثاني (parousia) ليسوع نفسه. إلا أنه حين يتكلم المفسرون عن تقاليد الإنجيل، فإنهم يحجزون تعبير “المستقبلي” لتوقعات يسوع نفسه عن المجتمع الجديد، وليس لتوقعات المسيحين المعاصرين.

وكان “ألبرت شويتزر” المفكر اللاهوتي الألماني، والذي أصبح المرسل الطبي في إفريقيا – هو أول من أضفى الشعبية على الفكرة القائلة إن ليسوع توقعات خاصة بالأخرويات المستقبلية. وكان يعني بهذا أن يسوع يتبنى توقعات مماثلة لتوقعات الكثيرين من الكتاب الرؤويين اليهود الذين كانوا معاصرين له. وقد أشار إلى أن يسوع اعتقد أن الله كان على وشك أن يتدخل، وبشكل عاجل ومثير في شؤون البشر، وأن عمل حياته هو أن تكون الذروة الحاسمة للتاريخ – وهي ذروة سوف تأتي لذلك أثناء حياة يسوع على الأرض – وهذا، كما قال شويتزر هو ما قصده يسوع حين أعلن أن ملكوت الله قريب.

وقد صور يسوع نفسه على أنه المسيا المعين، الذي ستكون له السلطة الكاملة عند مجيء الملكوت، ولكنه مثل كثيرين من الرائيين، سواء قبله أو بعده، وجد أن حقيقة الحياة مختلفة عن هذه الأحلام المثالية. وتدريجياً بينما تواصل الحياة مسيرتها يبدو كما لو أن الحلم ليس سوى وهم. وفي وقت مبكر من مجرى عمله – كما يقول شويتزر – كان يسوع واثقاً بما فيه الكفاية ليقول لتلاميذه إن ابن الإنسان على وشك أن يظهر في مجد، وسيكون ذلك سريعاً حتى إنه بمقدروهم أن يتوقعوا وصوله خلال أيام قليلة (متى 1: 23). ولكن ذلك لم يحدث إطلاقاً، ومن ثم قرر يسوع أن يرغم الله وذلك بالذهاب إلى أورشليم والإلحاح على السلطات هناك فيما يتعلق بهذا الموضوع. وكان من نتيجة ذلك أنه تم القبض على يسوع وحوكم، وبطريقة مأساوية حكم عليه بالموت. وحتى عمل الإيمان المدهش هذا لم يأت بالنتيجة المرجوة. وعوضاً عن ذلك انتهى بهزيمة وبصرخة يأس على الصليب حيث أدرك يسوع أن الذي يخدمه قد تخلى عنه. وكما قال شويتزر في هذا الخصوص: “عجلة القدر لن تدور، ولذلك طرح يسوع نفسه عليها وترك حيث ما زال معلقاً هناك.

ومع ذلك، وبرغم أن آمال يسوع انتهت إلى الفشل إلا أن شويتزر يدعي أن قوة عظيمة قد نتجت عن هذا العمل الذي لا يصدق في الثقة التي لم تكن في محلها إلا أن تأثيرها أعظم مما كان سيحدث لو أن الملكوت الرؤوي كان قد جاء بالفعل. لأن يسوع كمثال لا يزال بمقدوره أن يترك تأثيراً أخلاقياً روحياً كبيراً بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في أن يكونوا مضيفين.

ومن المؤكد أن شويتزر نفسه وضع الدروس التي رآها هنا موضع التطبيق. وليس معنى هذا أنه أخذ تعليم يسوع الفعلي بجدية بالغة، لأنه كان ينظر حتى إلى الموعظة على الجبل على أنها “أخلاقيات فترة فاصلة، لم يقصد لها أن تطبق إلى لفترة وجيزة للغاية أثناء فترة خدمة يسوع. وبدلاً من ذلك كان يولي أهمية عظمى لأمانة يسوع لمعتقداته. ولقد قال إن هذا شيء لا بد وأن يكون له تأثيره على كل من يأخذه بجدية.

ولقد نشرت آراء شويتزر في كتاب رائع ظهر لأول مرة في إنجلترا سنة 1909 تحت عنوان “ضالة يسوع التاريخ المنشودة”. ما زال يعد كواحد من أعظم الكلاسيكيات اللاهوتية. وكثير من بنود حجة شويتزر ما يزال ينظر إليها على أنها صحيحة حتى إلى يومنا هذا. ومن الصعوبة أن نجد من لا يتفق مع رأيه بأن تعليم المسيح عن المجتمع الجديد لا بد وأنه ظهر مماثلاً جداً للتوقعات الرؤوية للشعب في أيامه. ومن المؤكد أنه يشترك في كثير من الأمور مع توقعاتهم بأكثر مما يتفق مع الأفكار التي قال بها رجال الكنيسة في العصور الوسطى فيما يختص بالملكوت والكنيسة، أو مع أنصار اللاهوت المتحرر في العصر الحديث.

ومما لا شك فيه أن شويتزر كان على حق أيضاً في رؤيته أن عمل حياة يسوع، ولا سيما موته، كان بالضرورة جزءًا ضرورياً من تدخل الله في حياة الناس العاديين. ومع ذلك، هناك مصاعب كثيرة تكتنف قبول هذا كتفسير لحياة المسحي كلها وتعليمه. وذلك لسبب واحد وهو أن شويتزر دأب على تجاهل الأقوال التي لا ريب أن يسوع قالها عن أهميته، وأنه اقتصر بشكل يكاد يكون تاماً على أقول يسوع عن ملكوت الله. وسبق أن رأينا أن هذين الجزئيين من تعليم يسوع يجب أن يفهما معاً. ومن المستحيل فهم ما قصده بالنسبة لمجتمع الله الجديد دون أن نأخذ في اعتبارنا تماماً قوله بأن له علاقة خاصة بالله نفسه.

وما لم نكن على استعداد لإنكار كل المصداقية التاريخية لقصص الإنجيل، يكون يسوع كان هو مجيء العهد الجديد بدلاً من الصعوبة الاعتقاد بأن يسوع لم يدرك أهمية موته في أورشليم إلا بعد فشل كل جهوده السابقة لإقامة المجتمع الجديد. بل ولسنا في حاجة لأن نشارك شويتزر اعتقاده أن موت يسوع أخفق أيضاً في غايته المرجوة، ولم ينتج عنه سوى تأثير روحي طفيف على حياة أولئك الذين بذلوا الوقت في التفكير فيه.

وقد استغل شويتزر الكثير من أقوال يسوع لتلاميذه كتلك التي أدلى بها قبل تجليه “إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يرون ملكوت الله قد أتى بقوة” (مرقص 9: 1). وطبقاً لنظرية شويتزر فإن هذا لم يحدث إطلاقاً. ولكنه لم يصل إلى هذا الاستنتاج إلا بسبب موقفه المتشكك في دليل العهد الجديد. لأن كل اعتقاد الكنيسة الأولى هو أن الله قد تدخل حقاً في شؤون البشر بطريقة قوية ومثيرة بقيامة يسوع وعطية الروح القدس لأتباعه، وأن كلاُ من هذين الأمرين كان من النتائج المباشرة لموت يسوع على الصليب، وحين نتذكر أن الكثير من الكتاب المقدس “كتب في أقل من جيل بعد وقوع هذه الأحداث، يكون من الواضح أن الدليل المستمد منه لا يمكن دحضه تماماً وبالسهولة التي تخيلها شويتزر.

الأخرويات التي تحققت

على النقيض تماماً من نظرية شويتزر جاءت فكرة البروفسور “دود” بأن يسوع كان لديه ما نسميه “أخرويات. تحققت”، وطبقاً لما قاله “دود” المجتمع الجديد قد جاء بالفعل في شخصه. ومن ثم بوسعنا القول إن مجيء يسوع هو نفسه مجيء حكم الله. ومع أن المجتمع الجديد قد يحتاج إلى أن ينمو ويتطور، إلا أن العمل الأساسي والحاسم قد تم بالفعل، وهذا رأي له جاذبيته، ولا سيما بالنسبة لمن ينتمون إلى عصر علمي حديث. ونماذج الفكر المألوفة للرؤويين اليهود في القرن الأول تعد غريبة بالنسبة لنا فمعظمنا يجد أنه من الأسهل أن يعتقد أن مجيء يسوع كان هو مجيء العهد الجديد بلاً من الإغراق في التخمينات الغريبة التي لا فائدة منها والخاصة بالمستقبل، والتي حتى يومنا هذا ما تزال تشغل اهتمام بعض الجماعات المسيحية ذات الآراء الغريبة.

وفكرة أن يسوع رأى حياته وعمله على أنها مجيء مجتمع الله الجديد تساعدنا أيضاً على أن نفهم بمزيد من الوضوح طبيعة الأحداث التي سجلتها الأناجيل على نحو من الدقة. فالمعجزات، على سبيل المثال، من الممكن فهمها بشكل أيسر إذا ما اعتبرناها علامات ودلائل على أن الله كان يعمل بالفعل في خلق مجتمع جديد. مما لو كنا ننظر إليها بالطريقة التقليدية على أنها أدلة تثبت لاهوت المسيح.

وبالطبع يدرك “دود” أنه ليس من الممكن فهم كل مواد الإنجيل بسهولة في إطار أخرويات تحققت. فما الذي يمكن أن نفهمه على سبيل المثال، من الصور والأمثلة التي يبدو أنها الدينونة الأخيرة، مثل قصص العذارى العشر أو الخراف والجداء (متى 25: 1-13، 31-46)؟ ويفسر “دود” هذه القصص على أنها صور وليست دينونة أخيرة ستحل في نهاية العالم، بل هي نوع من أنواع التحدي الذي يقابل جميع الناس حينما تقابلهم الرسالة المتعلقة بيسوع والمجتمع الجديد.

ومن المؤكد أنه يوجد دليل كاف على أن يسوع اعتبر إعلان رسالته من ناحية ما كدينونة بالنسبة لأولئك الذين سمعوها ولم يستجيبوا لها. والإطار الذي أدان فيه يسوع الفريسيين يظهر في كثير من الأحيان أنهم أبعد ما يكونوا عن أن يخلصوا (مرقص 3: 28-30؛ متى 23)، وكاتب الإنجيل الرابع من المؤكد انه يعرض بشكل دقيق على الأقل جزءًا من رسالة يوسع حين يعلق قائلاً: “الذي يؤمن به لا يدان والذي لا يؤمن به قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد وهذه هي الدينونة، أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة” (يو 3: 18-19). وعلى ذلك فإنه ليس من الصعب أن تجد فقرات في تعليم يسوع يمكن أن تدعم إلى حد ما نظرية “دود”. غير أنه ليس بمقدور النظرية أن تشرح كل تفصيلة من تفصيلات البرهان. وهناك عائقان كبيران يتمثلان في الآتي:

ç على الرغم من أنه توجد فقرات كثيرة في تعليم يسوع تساند النظرية، إلا أن هناك فقرات كثيرة لا تساندها. وفي كثير من الحالات يشير يسوع إلى ابن الإنسان “آتياً على سحاب السماء” وكل نظرية مصطبغة بلا ريب بنوعية التشبيهات المجازية الرؤوية التي لفت إليها شويتزر الانتباه بطريقة رائعة.

ç علينا أن نضع في الاعتبار أيضاً ما تقوله لنا بقية أجزاء العهد الجديد عن معتقدات المسيحيين الأوائل. ولسوف نجد بها خليطاً من الأخرويات “المستقبلية”، والأخرويات التي تحققت.

وفي الرسالة التي كتبها بولس إلى الكنيسة التي في مدينة تسالونيكي اليونانية في مطلع الخمسينات في القرن الأول، نجد تأكيداً كبيراً على توقعات المسيحيين الأولين بأن يسوع سيجيء ثانية في مجده، ومن الواضح أن بولس نفسه كان يشاركهم هذه التوقعات. ولو أن ذلك ليس بالطريقة المتطرفة مثل التسالونيكيين (1تس 4: 13 – 5: 11؛ 2تس 2: 1-12). وعلى صعيد آخر نجد أن بولس قابل في كورنثوس بعض الناس الذين كانوا يعتقدون أن الأوصاف التقليدية لنهاية الأشياء يجب أن تؤخذ كرموز لاختبارهم الروحي – وقد أكد لهم بولس ثانية اعتقاده أن يسوع سيأتي ثانية في المستقبل (1كو 15: 3-57). ولم يكن بولس متحيزاً تماماً في الموضوع، لأنه في رسالة غلاطية، التي ربما تكون أول رسالاته، اقترح وبمعنى حقيقي جداً أن مجتمع الله قد أتى، وهو يعمل بالفعل في المسيحيين.

وهكذا فإنه إذا كانت نظرية “دود” صحيحة تماماً، وأن يسوع كان يعتقد بالفعل أن المجتمع الجديد قد وصل بالفعل إلى صيغته النهائية، فإنه يكون من الصعب أن نفهم كيف ولماذا نسى المسيحيون الأوائل هذا التأكيد على هذا النحو من السرعة، وتحولوا بدلاً من ذلك إلى تخمينات عن المستقبل. وهذا بصفة خاصة يعد سؤالاً هاماً للغاية لأن كثيرين من هؤلاء المسيحيين لم يكونوا من اليهود، ومن الطبيعي أنهم لا يفكرون في المستقبل في إطار رؤوي يهودي. كما أنه يتعين علينا أن نتذكر أن تقاليد الإنجيل نفسها حفظت في الكنائس من أجل أن نستخدمها، ومن المؤكد أنه من غير المحتمل أن عدم التناغم الواضح بين تعليم يسوع والمعتقدات الفعلية للكنيسة لم يلاحظه أحد.

أخرويات بدأت بالفعل

بسبب الصعاب المتضمنة في كل من الأخرويات المستقبلية، والأخرويات التي تحققت، حسبما يرى يسوع، فإنه يوجد اليوم تأييد كبير لرأي يحاول أن يأخذ أفضل ما في النوعيتين. وهذا الرأي يدرك أنه من ناحية ما قد جاء المجتمع الجديد بالفعل في شخص يسوع لكن اكتماله تماماً لم تتم رؤيته بعد، ولكنه حاضر في شخص يسوع وتعليمه. ولهذا سميت بالأخرويات التمهيدية، وهذا يبدو لي أفضل تفسير للموضوع. وإنه لمن الضروري أن ندرك مع شويتزر أن خلفية يسوع كانت مكونة من يهودية القرن الأول، وأن تعليمه تضمن وجهة نظر كاملة لمجرى الأحداث في المستقبل بما في ذلك الدينونة الأخيرة، والقيامة النهائية كجزء من إتمام مجتمع الله الجديد. وإنه لمن المهم أيضاً أن نعرف أن ما قاله يسوع من ناحية أن المجتمع الجديد قد أتى بالفعل في شخصه، يوجب على الناس جميعاً أن يستجيبوا لمتطلبات الله منهم.

وربما يكون بوسعنا أن نوجز هذا الموضوع الذي يبدو معقداً إلى حد ما، بالقول إنه توجد نقاط هامة لفهم ما تعين على يسوع أن يقوله عن مجيء المجتمع الجديد:

ç من المؤكد أن يسوع استخدم لغة عصره وشارك آراء الذين كانوا يتوقعون المجيء الوشيك للمجتمع الجديد من خلال تدخل الله المباشر في شؤون الناس.

ç اعتقد يسوع أن الطبيعة الأساسية للمجتمع الجديد “أعلنت في حياته وعمله – وواضح في الأناجيل أن توقعاته مختلفة تماماً عن توقعات معظم اليهود، فهو لم يعلن عن مجتمع القوة السياسية المستبدة التي تحل محل روما، بل كشف عن مجتمع محب يتكون من الذين ولاؤهم لله نفسه.

تدخل الله المباشر يرى ليس فقط في حياة يسوع وتعليمه، بل يرى أيضاً في موته، وفي قيامته، وفي عطية الروح القدس لكنيسته. بل ولعله أيضاً في هذه الأحداث التي تحققت فيها بعض تنبؤات يسوع عن الأمور الأخيرة – على سبيل المثال – القول إن بعض تلاميذه سوف يرون المجتمع الجديد آتياً بقوة قبل أن يموتوا (مر 9: 1).

هنا تنوع كبير في اللغة التي استخدمها يسوع في وصف المجتمع الجديد حتى إنه من المستحيل فهمها إلا من خلال النظرة الأكثر شمولاً. فالملكوت يجيء سراً مثل الخميرة التي تعمل في العجين (مت 13: 23)، أو يمكن أن تأتي بظهور مفاجئ للمسيح في مجد مثل المجيء الثاني المتوقع (مرقص 13).

ملكوت الله وملكوت السماوات

من بين السمات البارزة في إنجيل متى أنه يداوم على استخدام تعبير “ملكوت السماوات” ليصف موضوع تعليم يسوع والاستثناءات الوحيدة لهذا نجدها في (متى 12: 28؛ 19: 24؛ 21: 31، 43) حيث نجد فيها تعبير “ملكوت الله” وهو التعبير الذي استخدم بصفة دائمة في إنجيلي مرقص ولوقا.

وعلى أساس هذا الفرق اعتقد البعض أنهم يستطيعون أن يميزوا بين مرحلتين منفصلتين تماماً في تعليم يسوع، وأنه ليس هناك شك في أن التعبيرين يشيران إلى الشيء نفسه. وهذا ما يمكن توضيحه بسهولة تامة بمقارنة نفس الأقوال في إنجيل متى والإنجيلين المتشابهين الآخرين. وعلى سبيل المثال – حيث يلخص مرقص رسالة يسوع فيقول: “اقترب ملكوت الله فتوبوا” (مرقص 1: 15) نجد في متى: “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات” (متى 4: 17).

والعبارتان وردتا في نفس السياق تماماً (بداية خدمة يسوع التعليمية)، ومن الواضح أنه توجد نسخ مختلفة لنفس هذه العبارة. وهناك أمثلة أخرى كثيرة لنفس هذا التناول في بقية الأناجيل.

وتفسير هذا الاختلاف في التعبير يرجع إلى أن متى كان يكتب لقرائه من اليهود، في حين أن مرقص ولوقا كانا يكتبان لغالبية غير يهودية. ولم يكن اليهود يحبون أبداً استخدام اسم “الله” خوفاً من أن يجدوا أنفسهم قد كسروا دون قصد الوصية القائلة: “لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً” (خروج 20: 7)، ولذلك كانوا يستخدمون كثيراً تعبيرات أخرى بديلة. وكلمة “السماء” كانت بديلاً مفضلاً. ولذلك كان متى يتحدث عن “ملكوت السماوات” كي يتجنب مضايقة قرائه. ولكن غير اليهود ليس لديهم هذا التحفظ وتعبير “ملكوت السماوات” كان سيشكل لهم تعقيداً ليس له أية ضرورة، ما لم يعتبرونه بلا معنى على وجه الإجمال. ولهذا يستخدم مرقص ولوقا عوض ذلك تعبير “ملكوت الله”.

ربما يخطر على فكر البعض بأنه نظراً لأن تعبير “ملكوت السماوات” كان التعبير اليهودي، فلا بد أنه التعبير الأساسي الذي استخدمه يسوع نفسه، ثم اقتبسه مرقص ولوقا في وقت لاحق لاستخدامه للقراء من غير اليهود. إلا أن الاحتمال الأرجح أن يسوع كان يستخدم تعبير “ملكوت الله”، وأن متى هو الذي استخدم بدلاً منه تعبير “ملكوت السماوات” لأسباب ترجع إليه. وهناك سببان لهذا الاعتقاد:

ç لم يُظهر يسوع إطلاقاً أي تحفظ عند الحديث عن الله، وأنه لم يقل إنه يعرف الله بطريقة وثيقة وشخصية فحسب، بل وتجرأ وقال إنه “أبوه”.

ç كما سبق ورأينا، أنه توجد أربعة أمثلة في إنجيل متى استخدم فيها تعبير “ملكوت الله”. وهذا يمكن فهمه بسهولة إذا افترضنا أن متى تغاضى عن ورود الكلمة هذه المرات الأربع، غير أنه من غير الممكن أن نعتقد أنه في هذه الحالات الأربع غيّر عبارة أصلية “ملكوت السماوات” إلى “ملكوت الله” من أجل فائدة قرائه اليهود.

ولعل التشكيلة المحيرة التي وصف بها المجتمع الجديد كان تستهدف تعليمنا درساً مهماً للغاية عنه، وهو أن ما يستطيع الله أن يعلمه بين الناس بواسطة يسوع المسيح هو شيء أعظم بكثير مما يقدر أي واحد منا أن يستوعبه تماماً. فحين يعمل الله فهو يفعل ذلك بطريقة بارزة وهو يعمل ذلك أيضاً بطريقة بسيطة حتى يكون بمقدور كل واحد أن يفهم عنه ما فيه الكفاية لكي يستطيع أن يتجاوب مع الدعوة. وهذا هو السبب الذي حمل يسوع أن يقدم الكثير من تعليمه في شكل أمثال أو صور بسيطة. ولكي نذهب إلى أكثر من ذلك في سبيل فهم مجتمع الله الجديد، علينا أولاً أن نتأمل بعضها.

 

[1] مرقص 1: 15.

[2] لوقا 17: 20-21.

[3] مرقص 10: 15.

[4] لوقا 13: 29.

[5] لوقا 22: 18.

[6] متى 25: 34.

[7] دانيال 7: 13-18.

[8] يوحنا 6: 15.

[9] مرقص 10: 35-45.

[10] متى 13: 33.

[11] متى 13: 31-32.

[12] مرقص 13.

[13] قضاة 8: 22-23.

[14] مزمور 96: 10؛ 99: 1؛ 146: 10.

[15] رومية 14: 17.

[16] 1كورنثوس 15: 24.

[17] رؤيا 11: 15.

المخلص الموعود به من الله – القيامة

المخلص الموعود به من الله القيامة

المخلص الموعود به من الله القيامة

المخلص الموعود به من الله القيامة

اتفق جميع كتاب العهد الجديد على أن يسوع أقيم من الأموات في اليوم الثالث بعد موته. وسيعتمد تصرفنا إزاء هذا بالطبع إلى حد كبير على افتراضاتنا الأساسية المسبقة بالنسبة للأمور الخارقة للطبيعة. فإذا اعتقدنا أن أموراً مثل إقامة شخص ميت تعد مستحيلة، علينا إذاً أن نجد تفسيراً آخر لما اعتقد المسيحيون الأوائل بخصوص قيامة يسوع من الأموات. وإذا كنا على استعداد لتوقع أمور خارقة للطبيعة. فبالتالي يستحق أن نفحص بعين الناقد بعض أقوال العهد الجديد.

وفي هذا الكتاب أخذنا الأقوال التي سجلتها الوثائق التي جاءت عليه. وقد اعتبرنا أن تصديق حدوث أمور خارقة للطبيعة يعد أمراً وارداً ومقبولاً. وهذا لا يعني بالطبع أن كل شيء قيل عن يسوع يمكن قبوله على أساس افتراضاتنا. وإنما يعني أنه بمقدورنا أن نفحص الأدلة دون حرج بنتائج بحثنا، مهما كان ما ستظهر عليه هذه النتائج.

وبالنسبة للقيامة، فإن أهم ما يتعلق بها هو أن المسيحيين الأوائل كانوا على قناعة تامة أن حدث القيامة، أو الأحداث المركبة، كانت أمراً حقيقياً، تشكل حدثاً تاريخياً في عالمهم. وكان له تأثير عميق على حياتهم. وسبق أن عرفنا أنه ليس من السهل أن نعرف مدى انتشار الاعتقاد في ولادة يسوع من عذراء. فعلى سبيل المثال، لا نعرف ما الذي كان يعرفه بولس عن هذا. ونحن بكل تأكيد نعرف بالفعل أنه لا هو ولا أي واحد آخر ادعى أن الإيمان بالميلاد العذراوي كان يشكل جزءًا لا غنى عنه في كون الإنسان مسيحياً.

ولكن القيامة كانت شيئاً مختلفاً تماماً. ولقد تحدث بولس للكنيسة الأولى كلها حين أعلن أنه إذا أنكر قيامة يسوع سوف يصبح الإيمان المسيحي بلا معنى: “وإن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم. أنتم بعد في خطاياكم”[1]. وبسبب هذا الاعتقاد يواصل بولس كلامه في نفس الفقرة حيث يقدم قائمة بالشهود الذين يستطيعون تأكيد أن يسوع قد قام من الأموات. ومن الواضح أنه كان ينظر إلى حدث القيامة كأمر يمكن تأكيده بواسطة شهود، وهو حدث عام خارجي، وليس اختياراً دينياً خاصاً.

ومع ذلك فإنه من اللافت للنظر جداً أن العهد الجديد لا يقدم في أي موضع منه شهوداً لواقعة حدث القيامة من الأموات، بل قدم فقط شهوداً لنتائج هذا العمل في ظهورات يسوع المقام. وحقيقة أن قبره وجد فارغاً.

والدليل نفسه يمكن ترتيبه في أربعة أجزاء:

إيمان الكنيسة الأولى

إن أقدم دليل متوافر لدينا عن القيامة يرجع في الأغلب إلى الوقت الذي أعقب الزعم بأن حدث القيامة قد وقع. وهذا هو الدليل الذي تضمنته العظات الأولى الموجودة في سفر أعمال الرسل. وهي موجودة في شكلها الحالي في وثيقة جمعت بعد ثلاثين سنة على الأقل بعد موت يسوع، وربما بعد ذلك خمسين سنة. وبلا شك أنه في الأصحاحات القليلة الأولى من سفر أعمال الرسل، سجل الكاتب مادة من مصادر مبكرة جداً.

فلقد اكتشف الباحثون أن اللغة المستخدمة في الحديث عن المسيح في هذه الأقوال المبكرة في سفر الأعمال تختلف تماماً عن تلك التي استخدمت في الوقت الذي جمع فيه السفر في صيغته الأخيرة. بل هي مختلفة بالكلية حتى عن رسائل بولس، والتي من المؤكد أنها كتبت قبل سفر أعمال الرسل ولذلك قد نكون واثقين أنه لدينا هنا مصادر مبكرة جداً.

تظهر الأقوال الأولى السمة المنتشرة للمسيحية اليهودية، التي تعتنق مجموعة من المعتقدات عن المسيح، وتقدم صورة دقيقة بوجه عام عما حدث فعلاً في الأيام الأولى للكنيسة، وطبقاً لهذه الصورة، فإن الملمح الرئيسي لرسالة الكنيسة المسيحية الأولى هي قصة يسوع نفسه، وكيف أنه أتم مواعيد الله وكيف مات على الصليب وكيف قام ثانية. ورسالة المسيحيين الأوائل كانت متناغمة حتى أن البروفسور “دود” استطاع أن يجد نموذجاً منتظماً من الأقوال التي ذكرت عن يسوع في بداية الأزمنة الأولى. وقد أطلق على هذا النمط من الأقوال اسم “Kerygma” أي الكرازة. وهذه الكلمة يونانية معناها “الإعلان”. وكل قصة حقيقية في الرسالة المسيحية تتضمن هذه الأقوال:

  • أوفي يسوع بمواعيد العهد القديم.
  • كان الله عاملاً في حياته، وموته، وقيامته.
  • رفع يسوع إلى السماء.
  • أعطى الروح القدس للكنيسة.
  • سيعود يسوع قريباً في مجد.
  • كل من يسمع الرسالة من الرجال أو النساء ينبغي أن يستجيب لدعوتها.

وإذا أبعدنا القيامة من هذا الإعلان (أو الكرازة) لن يصبح لها في غالبيتها أي معنى. ووجود الكنيسة الأولى كله قام على اعتقاد بأن يسوع لم يعد ميتاً بعد بل هو حي.

ويبدو أيضاً طبقاً للدليل المأخوذ من رسائل بولس ومن سفر أعمال الرسل أيضاً، أن المؤهل المعترف به للكارز الرسولي هو أن يكون قد رأي يسوع المقام[2]. ومن الواضح أن هذا جعل شرطاً حين شرع الرسل في تعيين واحداً بدلاً من يهوذا الإسخريوطي. وقال بولس أيضاً إن رؤياه ليسوع في الطريق إلى دمشق يعطيه نفس وضع الرسل الأكبر منه[3].

برهان بولس [4]

الجزء الثاني من البرهان الرئيس على قيامة يسوع قدمه لنا بولس نفسه. وإذا كان هناك مجال لآراء مختلفة بالنسبة لأهمية البرهان الموجود في سفر أعمال الرسل، فليس هناك مجال لمثل هذا في برهان بولس. ومن المؤكد أنه كان يكتب هذه الرسالة ليس بعد أكثر من خمس وعشرين سنة من صلب يسوع، وقد شكلت أقواله أول جزء من الدليل الخاص بالإيمان أن يسوع قد قام من الأموات. وإذا قرأنا كورنثوس الأولى 15، وتفحصنا سياقه، سنجد أن قصد بولس الرئيس لم يكن تقديم حجة مبررة للإيمان بقيامة يسوع، بل كان في الواقع يحاول مساعدة قرائه المسيحيين على التغلب على مجموعة من المشاكل كانت قد ظهرت في كنيستهم المحلية.

والمعلومات التي يقدمها لنا عن كيفية قيامة المسيح من الأموات هي معلومات عارضة تقريباً، وهذا ما يجعلها مثيرة بالأكثر، لأنه يذكر أهل كورنثوس أن ما يقوله هو شيء كانوا دائماً يعرفونه. ومع ذلك، فهو يفعل ذلك في عبارات قليلة، ويبين أنه في تاريخ مبكر جداً كان المسيحيون – حتى في اليونان – يعرفون تماماً القصة الكاملة التي تبين كيف مات يسوع ثم قام من الأموات.

وفي هذا الصدد يشير بولس إلى مناسبة رأى فيها يسوع المقام أكثر من خمسمائة أخ دفعة واحدة، ومعظمهم كان على قيد الحياة حين كتب هذا، وبمقدورهم أن يؤكدوا ما ذكره. كما ذكر أيضاً أنه ظهر ليعقوب، ثم يضمن أقواله لقاءه هو مع الرب المقام والذي كان سبب تجديده[5]، وكان ذلك في مجال ذكره بظهورات يسوع الأخرى بعد القيامة. والأناجيل لا تذكر شيئاً عن ظهورات يسوع المقام هذه. ومع ذلك فلربما تكون قد كتبت في وقت سابق رسالة بولس إلى كورنثوس.

ولا بد وأن تكون حقيقة قيامة يسوع كانت حقيقة يؤمن بها الناس على نطاق واسع حتى إن الذين كتبوا قصص الإنجيل لم يروا أنه من المهم ذكر كل الدلائل المتعلقة بها. وكما هو الحال بالنسبة لبقية قصصهم، لم يستخدموا إلا مختارات قليلة من المادة التي كانت متاحة لهم.

تقاليد الإنجيل

حين نفكر في القيامة، من الطبيعي أننا نفكر أولاً في القصص الموجودة في خاتمة كل من الأناجيل الأربعة. وهناك بعض السمات البارزة المعنية تتعلق بهذه القصص.

جميعها تؤكد حقيقتين أساسيتين: أن قبر يسوع وجد فارغاً، وأن يسوع المقام رآه أناس مختلفون، وفي مناسبات مختلفة. وكل من هذين الجزئين من الدليل له أهميته. وحقيقة القبر الفارغ في حد ذاته لا تثبت شيئاً فيما عدا أن جسد يسوع لم يكن هناك. غير أنه بدون القبر الفارغ، لا تثبت الرؤى شيئاً موضوعياً، على الرغم من أنها قد تعطينا بعض المعلومات عن حالة التلاميذ النفسية. إلا أن الجمع بين الحقيقتين، إذا ما كانتا صحيحتين بالفعل، يشكل دليلاً قوياً لتأييد القول بأن يسوع قام من الأموات.

وإذا تصفحنا الأناجيل بشكل صحيح، نلاحظ أنه بالمقارنة بالقصص الكثيرة الأخرى عن يسوع، نجد أن القصص المتعلقة بقيامته قد ذكرت بشكل بسيطة للغاية. فهي لا تحتوي على أية رموز تتطلب بصيرة خاصة لفهمها. ولا نجد فيها إشارات للعهد القديم. بل ولا تبذل أية محاولات لتوضيح المغزى اللاهوتي للأحداث التي تصفها. إذا ما قارناها من هذه الناحية مع القصص التي تبين كيف تعمد يسوع فإن الفرق يكون ملحوظاً حقاً.

لماذا تختلف القصص

على الرغم من حقيقة أن المعلومات الموجودة في الأناجيل ذكرت بطريقة بسيطة، إلا أنه ليس من السهل التوفيق بين قصص الإنجيل المختلفة. ومع أن أناساً كثيرين حاولوا ذلك، إلا أنه في الواقع لم ينجح منهم أحد في تقديم “رأي متفق عليه” عن كيفية حدوث هذا كله. ومن غير المحتمل أن ينجح أحد في ذلك مستقبلاً. فطوال عملهم كان كتبة الأناجيل يميلون إلى الانتقاء، فلم يستعملوا سوى القصص والتعاليم التي تنفع قراءهم الأوائل.

وهذا أحد أسباب وجود أربعة أناجيل. ومن الواضح أن عملية الانتقاء هذه طبقت على قصص القيامة، وهذا ما تستطيع أن تلمسه من حقيقة أن بولس ذكر بعض المعلومات التي لم يتضمنها أي من الأناجيل.

وهذا قد يبدو للوهلة الأولى أنه حجة على أن القيامة لم تحدث على الإطلاق. ولكن الحقيقة هي أن هذه دليل قوي على عكس ذلك. فشهود العيان كثيراً ما تختلف أقوالهم بالنسبة لما رأوا ولا سيما حينما يرون أموراً لا تتفق ومفهوم حياتهم، فالتلاميذ أنفسهم – مثلي ومثلك – لم يكونوا يتوقعون أن يقوم شخص من الأموات. وطبقاً لما ذكره مرقص (9: 9-10) لم تكن لديهم أية فكرة عما يمكن أن تعنيه القيامة، فقد كانت أمراً غريباً على أسلوب تفكيرهم.

ولذلك ليس لنا أن نبدي دهشتنا أن التلاميذ لم يذكروا قصة منطقية متماسكة. وقصة شخص قام من الأموات سيكون تصديقها أكثر صعوبة لو أن الأناجيل الأربعة ذكرت نفس القصة بالضبط. ومع ذلك وبالرغم من بعض الاختلافات البسيطة في التفاصيل، إلا أنها جميعها تتفق في الأجزاء الرئيسية في القصة. فجميعها تقول بأن القبر كان فارغاً وأن يسوع ظهر للتلاميذ.

وفي إنجيل مرقص، وهو أقدم إنجيل، تنتهي القصة عند 16: 8 وما تبع ذلك (كما هو في بعض الترجمات الإنجليزية (مثل 16: 9-20)، يعد بصفة عامة إضافة لاحقة لكتاب مبتور أو غير منته بعد. وفي هذه القصة، نقرأ أن بعض النسوة اللواتي أتين إلى القبر صباح الأحد لإتمام تحنيط جسد يسوع وجدن أن كتلة الحجر التي استخدمت كباب للقبر الصخري – كانت قد دحرجت (مرقص 16: 6-7).

وقد شعرن بالفزع لدى رؤيتهن شاباً جالساً داخل القبر بحلة بيضاء. وقال هذا الشاب: “لا تندهشن. أنتن تطلب يسوع الناصري المصلوب. قد قام ليس هو ههنا. هذا هو الموضع الذي وضعوه فيه. لكن اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس إنه يسبقكم إلى الجليل. هناك ترونه كما قال لكم” وقد هربت النسوة من عند القبر وهن مذعورات وبسبب خوفهن لم تخبرن أحداً بما رأين أو سمعن.

نقرأ في إنجيل لوقا أن تلميذين كانا في الطريق إلى قريتهما “عمواس” قابلا يسوع المقام دون أن يعرفاه. وتحدثا معه عن النسوة اللواتي قمن بزيارة القبر، وأنهن رأين منظر ملائكة أكدوا لهن أن يسوع حيّ (لوقا 24: 22-24). ولا نجد هنا إشارة إلى الرسالة المطلوب إرسالها إلى الجليل. ولعل النسوة لم تسلمن الرسالة الخاصة بالجليل لسبب بسيط كما ذكره مرقص: هو أنهن كن خائفات من الذهاب إلى هناك لأنهم اعتقدن أن ملك تلك الجهة هو هيرودس أنتيباس، سيكون الآن على استعداد للتخلص من أي من أتباع يسوع ممن يجدهم هناك.

أما “متى” فيكرر قصة مرقص مع إضافة بعض التفاصيل، مثل الزلزلة العظيمة التي حدثت صباح الأحد، والرعدة التي تملكت حراس القبر (متى 28: 1-4). وقد تركت النسوة القبر ومشاعرهن ممزقة بين الخوف والفرح، وقد قابلهن يسوع نفسه، حيث كرر لهن الرسالة الخاصة بالذهاب إلى الجليل (متى 28: 5-10). وطبقاً لما ذكره متى، يبدو أن التلاميذ نفذوا هذه الرسالة في الحال، وعلى جبل الجليل كلفهم يسوع بالكرازة بالإنجيل لجميع الأمم وتلمذتهم (متى 28: 16-20).

وظهور يسوع هذا يبدو أنه ليس نفس قصة الصعود التي ذكرها لوقا. وعلى الرغم من أن يسوع ذكر بعض الأقوال المماثلة، إلا أن الصعود لم يتم في الجليل، بل على مقربة من أورشليم (لوقا 24: 44-53؛ أعمال 1: 6-11). ويأتي متى بالقصة التي بدأها مرقص إلى غايتها المنطقية: ظهور يسوع في الجليل وتكليفه التلاميذ بإعلان الأخبار السارة عنه.

وتختلف قصة لوقا عن قصة مرقص في بعض أشياء معينة:

كان هناك ملاكان في القبر. كما جاء ذكر الجليل، ليس على أنه المكان الذي سيتقابل فيه يسوع مع تلاميذه في وقت لاحق، بل على أنه المكان الذي سبق أن تنبأ فيه أساساً عن موته وقيامته (لو 24: 1-11). وحين أخبرت النسوة التلاميذ بقصتهن، لم يصدقوهن. وفي بعض المخطوطات القديمة لإنجيل لوقا، نجد عند هذه النقطة قصة تبين كيف زار بطرس ويوحنا القبر للتأكد من صحة ما قالته النسوة.

إلا أنه ربما كان هذا جهداً تم في وقت لاحق للتناغم بين قصة لوقا والحدث الذي سجل في يوحنا 20: 1-10. وبعد الإشارة إلى كيفية تقابل يسوع مع التلميذين في الطريق إلى عمواس، ثم بعد ذلك مع كل التلاميذ في علية في أورشليم. (لوقا 24: 13-43). ويواصل لوقا كلامه فيسجل الصعود على الطريق إلى بيت عنيا، كما لو كان ذلك بعد القيامة مباشرة (لوقا 24: 44-53). أما في سفر الإعمال فهو يوضح أن الصعود تم بعد فترة بلغت أربعين يوماً (أع 1: 3).

ومن ناحية أخرى نجد أن إنجيل يوحنا يصف ظهورات يسوع سواء في أورشليم أو في الجليل. وبالنسبة للنسوة التي ذكرت في الأناجيل الأخرى أنهم اكتشفن القبر الخالي، فلم يذكر منهم في إنجيل يوحنا سوى مريم المجدلية (يو 20: 1). إلا أن حقيقة أن مريم تكلمت بصيغة الجمع في وصفها الحدث لبطرس توحي بأن الأخريات كن معها (يو 20: 2). لقد وجدن القبر خالياً ثم عدن ليخبرن التلاميذ.

بعد ذلك توجه بطرس ويوحنا إلى القبر ووجدا الأكفان موضوعة دون أن يمسها أحد، وهذا دليل على أن القبر لم يسرق (يوحنا 20: 3-10). وعند هذه النقطة رأت مريم ملاكين في القبر، وحياها يسوع الذي اعتقدت خطأ أنه البستاني (يو 20: 11-18). بعد ذلك تأتي قصة ظهور يسوع مرتين لتلاميذه في أورشليم. وفي أول هذين الظهورين نفخ يسوع في التلاميذ وأعطاهم الروح القدس (يو 20: 19-29).

والأصحاح الأخير من يوحنا، والذي يعتبره كثيرون من الباحثين أنه إضافة لاحقة – أضافها نفس الكاتب – تصف ظهور يسوع للتلاميذ على شاطئ بحيرة الجليل، وكيف أنه تناول طعام الإفطار معهم قبل أن يعيد تكليف بطرس.

التلاميذ

يتمثل الجزء الرابع والأخير من البرهان على صحة حدث القيامة في الحقيقة التي لا تقبل الجدل، وهي أن جماعة صغيرة من التلاميذ خائري الهمة، والذين بحسب كل معايير الاحتمالات التاريخية لا بد وأنهم كانوا حزانى محبطين نتيجة صلب سيدهم، وفي خلال سبعة أسابيع صاروا ضمن جماعة شهود تتميز بالقوة والشجاعة، وتحولوا إلى نواة كنيسة. وجوهر حقيقة شهادتهم هي أن يسوع كان حياً وعاملاً ولم يعتريهم أي تردد في أن ينسبوا التغيير الذي حدث في حياتهم إلى قيامته من الأموات.

ومن الواضح أنهم هم أنفسهم كانوا على قناعة أن هذا هو ما وقع بالفعل. لأن القيامة لم تكن مجرد شيء يتحدثون عنه، بل هو أمر كانوا على استعداد للموت في سبيله. والناس ليسوا على استعداد للموت من أجل شيء إلا إذا كانوا موقنين بصحته.

الحقائق والإيمان بالنسبة للقيامة

وبعد أن ذكرنا الكثير عن الدليل، ما هو موقفنا نحن منه؟ ولكي ندرك أهميته، علينا أن نتذكر ثلاثة أشياء:

  • لا يوجد دليل على أن يسوع المقام ظهر لأي أحد خلاف تلاميذه، مع أنه محتمل أنه فعل ذلك. والذين كتبوا الأناجيل كانوا يكتبون لقراء معينين. وفي كل حالة كانوا يوجهون كلامهم إلى قراء مسيحيين. وكان اهتمامهم الأول مركزاً على ما حدث حين قابل المسيحيون ربهم المقام.
  • الدليل المتعلق بشخص ظهر ثم اختفى في حجرة كانت مغلفة، من الواضح أنه ليس بالدليل الذي يتناوله المؤرخون، وهو لا يتناعم مع القواعد العادية المتعلقة بالأدلة.
  • حقيقة أن مريم المجدلية، والتلميذين الآخرين اللذين كانا في الطريق إلى عمواس، والتلاميذ على شاطئ بحيرة الجليل، قد أخفقوا في التعرف على يسوع، على الرغم من أنهم كانوا يعرفونه جيداً، وكانوا قد رأوه منذ أيام قليلة مضت، توحي بأن مظهره البدني قد تغير، بطريقة من المؤكد أنها كانت مربكة لأي شاهد عادي عند الإدلاء بشهادته.

فما الذي تم تأكيده فعلاً بعد فحص الدليل؟ بمقدورنا القول بتأكيد تام بأن الكنيسة الأولى كانت تؤمن أن يسوع عاد إلى الحياة ثانية. وأدرك التلاميذ وأتباعهم أنه قد حدث شيء غير مجرى حياتهم بعد صلب سيدهم، وقد فسروا هذا التغيير بأنه جاء نتيجة قيامته من الأموات. وكل قارئ للعهد الجديد عليه أن يتقبل هذا، لأن حقيقة التغيير في حياة التلاميذ قد ترسخت بشكل لا يقبل أي شك على الإطلاق.

ولكن الكلام عن “إيمان القيامة” شيء، والكلام عن “حقيقة القيامة” شيء آخر مختلف تماماً. وعلاقة الحقائق بالإيمان نوقشت بمزيد من التفصيل في الفصل الأخير من الباب الثالث. أما هنا فلسنا بحاجة سوى أن نذكر أنه لا بد وأنه كان هناك “شيء” بوسعنا أن نسميه “حقيقة القيامة” الأمر الذي ولّد في التلاميذ “إيمان القيامة”. ولكن ماذا كان هذا الشيء؟ وهنا تخطر على الذهن عدت تفسيرات محتملة.

“حقيقة القيامة” كانت اختباراً شخصياً

رد فعلنا الطبيعي تجاه الدليل الخاص بالقيامة، هو افتراض أن ما أطلق عليه “ظهورات القيامة” لم يكن سوى أمر شخصي تماماً. قد يسميها الأتقياء “رؤى”، أما علماء النفس يميلون أكثر إلى أن يسموها “مجرد هذيان”. وإذا استطعنا افتراض أن هذا هو ما حدث، فإن هذا سيحل لنا المشكلة. غير أنه توجد حقائق كثيرة تدحض هذا التفسير.

حقيقة أن القبر كان خالياً، وأنه لا صديق ولا عدو جاء بجسد يسوع، أكدت الأناجيل وبقوة أن هذا أمر يجب الأخذ به. ومن الواضح أن كل من اليهود والرومان كانت لهم مصلحة كبيرة في وجود الجسد.

“حقيقة القيامة” كانت وليدة فكر لاهوتي

كان هناك من يحتجون بأن “إيمان القيامة” جاء نتيجة أن بعض التلاميذ رأوا أن سبباً لاهوتياً تطلب ذلك، فبالنظر إلى أنهم كانوا يؤمنون أن يسوع هو مسيح الله، فإن يكون من الطبيعي لشخص يدعي لنفسه هذا الوضع أن يقوم من الأموات، ولكن هذا التفسير لا يمكن قبوله أيضاً.

ومن بين أسباب ذلك، أنه لا يتوفر لنا أي دليل من أي مصدر آخر على الإطلاق يشير إلى أن المسيح كان متوقعاً له أن يقوم من الأموات. بل أن اليهود كانوا يتوقعون أن المسيا سيقتل الناس الآخرين! فإذا ما تألم ومات هو نفسه، فهو إذاً ليس من نوعية المسيح الذي كان معظم اليهود يريدون أن يعرفوه.

يعبر العهد القديم عن موقف سلبي للغاية بالنسبة لفكرة القيامة. وكثيرون من اليهود لا يؤمنون ببساطة أن هذا أمر ممكن. ويبدو أن التلاميذ أنفسهم لم يكونوا قد عرفوا ماذا كانت تعنيه القيامة في وقت مبكر من خدمة يسوع[6].

من الصعب أيضاً معرفة كيف يمكن أن تكون فكرة القيامة قد جاءت من تفسير توقعات العهد القديم، بالنظر إلى أن قصص القيامة لا نجدها إطلاقاً في الاقتباسات المأخوذة عن العهد القديم. وبالنسية لهذه النقطة هناك تناقض صارخ مع قصص الصلب، التي نجدها عامرة بهذه الاقتباسات.

وقد قدمت اقتراحات خيالية كثيرة أخرى بين وقت وآخر لتبرير “حقيقة القيامة”. إلا أن الثقل الغالب للدليل بأكمله يشير إلى أنه مهما كان الوصف الذي توصف به اللغة العلمية فإن حقيقة القيامة حدث تاريخي واقعي، وما من نظرية أخرى تعطي دليلاً مناسباً لقصة القيامة.

ماذا تعني القيامة

التحدث عن وصف “حقيقة القيامة” بلغة علمية يأخذنا بعيداً عن نوعية فكر التلاميذ الأوائل. ومن أبرز الأمور المتعلقة بالدليل المستمد من العهد الجديد هو أن التلاميذ لم يكن لهم اهتمام بالمرة في فحص المبررات والأسباب الكامنة وراء “حقيقة القيامة”. وكانوا يعرفون أنها حقيقة واقعة، وذلك بسبب ما اختبروه عن شخص يسوع المسيح والدليل القائم على القبر الخالي. وهذا كل ما احتاجوا أن يعرفوه.

ولذلك لا نجد وصفاً في أي من السجلات عن الكيفية التي تمت القيامة بها فعلاً. وبعض المسيحيين في القرن الثاني اعتبروا هذا نقصاً في العهد الجديد، وقدموا وصفهم الرائع عما كان عليه جسد يسوع، وكيف خرج من القبر، وكيف تأثر أولئك الذين رأوه.

إلا أنه بالنسبة للشهود الأوائل لم تكن هذه التفصيلات موضع اهتمامهم الأساسي. فالقيامة بالنسبة لهم لم تكن مجرد نهاية سعيدة لقصة يسوع، بل كانت الذروة الطبيعية لحياته بكاملها، وتبريراً للأقوال السامية التي قالها عن نفسه أثناء خدمته.

ثم إنها أيضاً كانت تشكل ضماناً على أن حياة يسوع وتعليمه لم تكن مجرد فصل في تاريخ التفكير البشري. بل كانت الطريق الذي يستطيع من خلاله الإنسان أن يأتي إلى معرفة الله. وهذا هو السبب في أن حقيقة قيامة المسيح من الأموات أصبحت الجزء الرئيسي من الرسالة التي أعلنها التلاميذ لجميع أنحاء العالم المعروف.

ولكن لماذا كانت القيامة مهمة للغاية؟ ولماذا قال بولس إنه بدون قيامة يسوع لما كان للرسالة المسيحية بجملتها أي معنى؟ إن أفضل طريقة للإجابة على هذا السؤال هو أن تضعه بالصيغة الإيجابية. علينا أن نسأل ما هو الوضع الإيجابي الذي كانت تتمتع به القيامة في معتقدات المسيحيين الأوائل. فحين نطرح السؤال على هذا النحو نجد أن ثلاثة أمور قد ذكرت عن القيامة في العهد الجديد.

بالقيامة ظهرت صحة كل ما قاله يسوع عن نفسه إنه ابن الله. وقد قال بطرس في يوم الخمسين إن القيامة كانت تشكل دليلاً واضحاً على أن “الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه رباً ومسيحاً”[7]. وكتب بولس إلى أهل رومية “تعين ابن الله من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات”[8].

وعلى الرغم من أن يسوع بلا خطية، وبالرغم من السلطان الذي أظهره في تعليمه وفي أعماله، وبالرغم من معجزاته، وأقواله الواضحة عن دوره الأساسي في خطة الله، فإنه لولا القيامة لربما كان يكتفي بالاعتقاد على أنه رجل تقي وعظيم. ولكن بعد قيامته من القبر عرف أتباعه – وعن يقين انه هو بالفعل حسب ما قاله عن نفسه. فبوسعهم الآن أن يفهموا ويقدروا كل حياته على الأرض بطريقة جديدة وتامة، باعتبارها حياة الله نفسه عائشاً بين الناس.

غير أن القيامة كانت أكثر من مجرد نور جديد على حياة يسوع المصلوب. فقد تم التأكد من العهد الجديد كله. وبصفة خاصة بواسطة بولس، على أن القيامة والصليب أيضاً كانا يشكلان جزءًا لا يتجزأ من عمل الله في إقامته للمجتمع الجديد.

كان المسيحيون الأوائل أناساً عمليين قبل أن يكونوا لاهوتيين. وما كانوا يريدونه هو شيء ينفع في الحياة العادية الحقيقية. وكانوا يتطلعون إلى علاقة مع الله تغيرهم، فهم أرادوا أن يتصالحوا مع الله بطريقة جذرية وأن يتخلصوا من أنانيتهم حتى يكونوا أناساً أفضل.

وأدركوا أنه ليس بمقدورهم تحقيق هذا، سواء بالممارسات الدينية أو بجهودهم الذاتية لتحسين أنفسهم. والشيء الوحيد الذي يمكن أن يغير المسؤولية البشرية هو مركز وقوة حياة جديدة.

ولقد وجد بولس قوة الحياة الجديدة هذه في يسوع – يسوع الذي قام من الأموات – وكان حياً في العالم الحقيقي، ويعيش بفعالية في حياة بولس نفسه. وكانت هذه حقيقة رائعة في حياة بولس اليومية حتى إنه استطاع أن يقول: “فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ”[9]. ولم تكن هذه مجرد تقوى دينية، ذلك أن بولس كان يعني حقاً ما قاله: فيسوع كان حينئذ فيه بكل ما في هذه الكلمة من معنى حرفي. وكان ذلك بدرجة أن حياة بولس بكل تفاصيلها كان يتم توجيهها ليس بواسطته هو بل بربه الحيّ.

وفي محاولته توضيح ما كان يعنيه استخدام بولس صورة شبه فيها المعمودية بموت يسوع وقيامته[10]. وقال إنه حين يغمر الماء المسيحيين في المعمودية، ثم يخرجون من الماء فإن هذه الممارسة تمثل صورة مادية لشيء يجب أن يحدث لهم داخلياً وروحياً. فإن تغطيسهم في الماء يشبه الدفن (مثل يسوع)، وخروجهم من الماء يشبه كونهم قاموا من الموت ثانية (مثل يسوع).

وجوهر فهم بولس لهذه الأحداث هو أنه لكي يكون الإنسان مسيحياً، عليه أولاً أن يكون على استعداد لأن “يموت للتخلص من حياته القديمة التي كانت تتسم بالأنانية. بعد ذلك بمقدورهم أن “يقاموا” ثانية وقد حصلوا على وجود جديد، وهو حياة يسوع المسيح نفسه عائشاً معهم.

وهكذا كانت قيامة يسوع شيئاً جوهرياً. فلو كان يسوع قد مات على الصليب فقط، فإنه ربما قد يكون عمل بالفعل الأشياء التي ادعاها اللاهوتيون وهي أنه ربما كان قد مات بالفعل كعقوبة بسبب الخطية، أو ليدفع فدية حريتنا. غير أنه في هذه الحالة ما كان سيصبح لآلامه أية قوة تؤثر في حياتنا. وكان بولس على يقين تام أنه لولا القيامة لكان الصليب مجرد نقطة لاهوتية مثيرة، ويعجز عن أن يكون له أي تأثير دائم في حياة الناس العاديين.

غير أنه بسبب القيامة، اكتشف بولس حياة جديدة “لأن لي الحياة هي المسيح”[11]. وكان على ثقة من أن هذا سيصبح الاختبار العادي لكل من هو مسيحي: فيسوع المسيح يعيش بالفعل في أولئك الذين يكرسون أنفسهم له.

لكن قيامة يسوع لها تداعيات أخرى بالنسبة لأولئك الذين فيهم حياة المسيح بالفعل. فهناك جزء هام من تعاليم يسوع هو أن تلاميذه يشاركون في “الحياة الأبدية”[12]. وهذه الحياة الأبدية تتضمن أمرين: فمن ناحية تشير العبارة إلى أن المسيحيين يتمتعون بنوعية جديدة من الحياة. “فالحياة الأبدية” هي حياة الله. وحين كتب بولس عن اختباره الشخصي كاختبار المسيح الذي يحيا فيه، كان بكل أمانة يفسر تعليم المسيح نفسه.

إلا أنه لكي تكون لك نوعية الحياة التي لله، فليس هذا معناه أن للمسيحيين فعالية جديدة للحياة في هذا العالم فحسب، بل أن هذا يعني أيضاً أن للمسيحيين حياة لا تنتهي إطلاقاً. وهذا جزء آخر من تعليم يسوع دعمه بولس وأكده بقوله إن يسوع المقام “صار باكورة الراقدين”[13] وهو يقصد بهذا أن قيامة المسيح هي عربون ووعد بأن تلاميذه أيضاً سينقذون من الموت.

فالذين يشاركون آلام المسيح وقيامته بمعنى روحي، لهم يقين حياة بعد القبر، وهي حياة يسيطر عليها وجود الله مثل حياتهم الحاضرة. ولكنها ستكون أيضاً حياة مميزة وجديدة، لأن للمسيحيين أن يتوقعوا المشاركة في الحقيقة الكاملة لنوعية الحياة التي ليسوع الآن – حياة تم فيها قهر الموت والخطية إلى الأبد، واستبدلت بالغلبة التي أعطاها لهم الله “بربنا يسوع المسيح”[14]. ولكي نفهم المضامين الكاملة لذلك، علينا الآن أن نتأمل تعليم يسوع عن طبيعة مجتمع الله الجديد “ملكوت الله”.

 

[1] 1كورنثوس 15: 17.

[2] أعمال الرسل 1: 21-22.

[3] غلاطية 1: 11-17.

[4] 1كورنثوس 15.

[5] 1كورنثوس 15: 6-8.

[6] مرقص 9: 9-10.

[7] أعمال 2: 36.

[8] رومية 1: 4.

[9] غلاطية 2: 20.

[10] رومية 6: 1-11.

[11] فيلبي 1: 21.

[12] يوحنا 3: 15؛ 4: 14؛ 17: 3.

[13] 1كورنثوس 15: 20.

[14] 1كورنثوس 15: 57.

المخلص الموعود به من الله القيامة

Exit mobile version