دور التقوى في حفظ الإيمان

دور التقوى في حفظ الإيمان

دور التقوى في حفظ الإيمان

دور التقوى في حفظ الإيمان

وعبر تاريخ الكنيسة، قُدِّمت مرارًا وتكرارًا أفكار عن الله ناتجة عن تجاسر وعدم توقير، وقد رفضتها الكنيسة بصورة بديهية بسبب احترامها العميق لسر الله وجلاله، هذا الاحترام العميق الذي كان قد تأسس ونما داخل نسيج الإيمان بواسطة الصلاة والعبادة. وكان هذا هو بالضبط ما حدث بسبب الهرطقة الأريوسية في فترة حرجة من تاريخ الكنيسة، حيث شككت هذه الهرطقة في وحدانية الثالوث القدوس بإصرارها على أن الابن مخلوق، وبالتالي فصله عن جوهر الآب وإدخال نوع من التضارب في الألوهية.

وكان رد فعل الأساقفة بنيقية هو الفزع الشديد لتلك الإهانة التي إنما تنم عن “عدم التقوى” و”عدم الورع” (ασέβεια) الأريوسي، وهذا قد جعلهم يقدمون ضد تلك البدعة “مجادلات تتسم بالتقوى” (απόδειζις ευσεβείας)[1].

وقد أخبر ق. أثناسيوس أساقفة مصر بأنه عندما كان يدوِّن تعبيرات الأريوسيين المنحرفة والعديمة التقوى، كان يتعين عليه أن يطهر نفسه بالتفكير في عكس هذا الاتجاه تمامًا، وأن يتمسك “بذهن التقوى” (τὴν τη̃ς ευσεβείας διάνοιαν)[2].

وبالإشارة إلى حقيقة أن مجمع نيقية اضطر إلى استخدام التعبير غير الكتابي (أي الذي لم يرد في الكتاب المقدس) “هوموأووسيوس” (μοούσιος) لشرح ما كان يعنيه الكتاب المقدس في حديثه عن المسيح (بكونه كابن) “لـ الله” أو “من الله”، أوضح ق. أثناسيوس أنه لا يهم إذا استخدم المرء أو لم يستخدم تعبيرًا غير كتابي طالما أن له “ذهن تقوّي” (ευσεβη̃ τὴν διάνοιαν)، كما أوضح ق. أثناسيوس أيضاً حقيقة أن الآباء بنيقية كانوا بعيدين كل البعد عن التحدث عن المسيح بدون توقير، فهم تحدثوا عنه بوقار “وبذهن متسامٍ وتقوى تنم عن محبة للمسيح”  (υψηλὴ διάνοια καὶ φιλόχριστος ευσέβεια). [3]

وفي فترة لاحقة، عندما تجاسر بعض رجال الكنيسة من دعاة الأريوسية على القول بأن الروح القدس مخلوق، وتجرأوا على إخضاع العلاقات الداخلية للثالوث القدوس ـ حيث “يبسط الشاروبيم أجنحتهم للتغطية” ـ للفحص الوقح، قدَّم ق. أثناسيوس حججًا مضادة بنفس أسلوب نيقية (الورع)، وكان يفعل هذا بروح التقوى المتمركزة حول المسيح. فالتعليم الذي سبق أن سُلِّم يجب أن يُقبَل بخبر الإيمان، ويجب أن يُشرَح “بنمط فكري يتسم بالتقوى” (ευσέβει̃ λογισμω̃ μετ ̉ ευλαβείας)[4] وليس بمجادلات لغوية تفتقر للوقار.

وكان ق. أثناسيوس يصرُّ دائمًا على أن إطاعة الإيمان تؤدي إلى أسلوب شرعي في التفكير والتحدث عن الله، وذلك بفضل الاتزان الداخلي الذي يتولد نتيجة عبادة الله. ففي كل محاولة للفهم وإعطاء تعبير عن أسرار الإيمان، يكون المطلوب هو انضباط خشوعي وترتيب للعقل وصل إلى حالة الانسجام “بواسطة صلاة دائمة لله، ومعرفة تتسم بالتقوى، وتضرعات مقدمة ليس بشكل عرضي ولكن بتسليم كامل للقلب”.

هكذا يمكن أن يكون الدخول إلى الله، والذي فيه الإيمان والتقوى كل منهما يحكم الآخر في معرفتنا لله “لأن (كلمتي) الإيمان والتقوى مرتبطتان، وهما أختان: فمن يؤمن بالله لا ينفصل عن التقوى، ومَن يملك التقوى فهو حقًّا يؤمن”[5].

دور التقوى في حفظ الإيمان

وقد لعب نفس مبدأ (lex orandi – lex credendi) أي ’قانون التقوى ـ قانون الإيمان‘ دورًا هامًّا في فكر ق. هيلاري، وكما قد رأينا فإن ق. هيلاري كانت تزعجه بالأكثر الطريقة التي استغل بها الهراطقة ’المجال المفتوح‘ للإيمان لإقحام أفكارهم الخاصة الوقحة في معرفة الله، كما أقلقه أيضًا ـ في الرد على الهراطقة ـ الحاجة إلى فكر لاهوتي مستقيم (أرثوذكسي)، لصياغة اعترافات محددة ـ أبعد من تصريحات الكتاب المقدس ـ عن أمور هي في الأساس تفوق الوصف.

واعتقد ق. هيلاري أنه في هذه الظروف، ينبغي علينا أن نعتمد على ذلك النوع من الإدراك والفهم لله، المتضمَّن في الإيمان الذي يزداد بالعبادة، كما نعتمد على تلك العبادة التي يدخلنا فيها الله بنفسه؛ إذ إننا قد أُعطينا قدومًا إلى الآب من خلال الابن[6]. فإننا مهما حاولنا تطويع لغتنا لتعرب عن عظمة الله، فهي تبقى قاصرة بصورة لا حد لها في التعبير عن ’ماهية الله‘ في كيانه وطبيعته السرمدية. ولكن رغم هذا فإن لغتنا يمكن توجيهها والتحكم فيها من جانبنا بواسطة أعمال العبادة الرئيسية التي يطلبها الله منا، من خلال إعلانه عن ذاته في الإنجيل.

وهكذا فإن ق. هيلاري عمل بمفهوم للإيمان مؤسس على التقوى الإنجيلية، وبمفهوم للتقوى التي تتسع بالإيمان بحقيقة الله التي لا تستنفذ. وفي هذا يقول ق. هيلاري: “ينبغي علينا أن نصدِّقه وندركه ونعبده وأن نسمح لأعمال العبادة هذه أن تكون الطرق الأساسية التي نتحدث بها عن الله”[7].

وبهذا الأسلوب لم يكن ق. هيلاري يعني أن نرتد في ذعر أمام جلال الله الفائق الإدراك، ونتراجع تمامًا إلى التوقير القلبي الصامت (فقط)، ولكن بالأحرى كان يعني أننا يجب أن نفكر في الله، فقط بالطريقة التي بها ندرك أنه يفوق بصورة لا نهائية إمكانيات الفكر والكلام البشرى؛ إذ يجب أن نجعل عبادتنا لله من خلال الابن ـ والذي فيه ينكشف سر الآب غير المدرك ـ هي التي تحكم كل ما نعترف به في الإيمان أو ما نعبِّر عنه في صياغات لاهوتية[8].

لأن الفكر اللاهوتي، كما سعى فيه ق. هيلاري نفسه، لا بد أن يمتزج ويتشابك مع الصلاة بصفة دائمة، حتى إنه في كل محاولاتنا للتعبير عن إيماننا واعترافنا بإله واحد الآب، ورب واحد يسوع المسيح ـ حسب ما قد تعلمناه بالأنبياء والرسل ـ فإن الله سوف يهبنا ما نريده من معنى في اللغة، ونور في الفهم، ووقار في التعبير والعرض، وإخلاص وأمانة للحق[9].

دور التقوى في حفظ الإيمان

[1] Athanasius, De decr., 1-3; cf. Ep. Enc., 1 (ευ̉σέβεια α̉πό α̉σεβείας διώκεται)

وهنا تكلم ق. أثناسيوس عن التقوى التي تُضطهد بواسطة عدم التقوى

[2]  Athanasius, Ad episc. Aeg., 13; cf. 4, 9, 12.

[3] Athanasius, De syn., 39.

[4] Athanasius, Ad Ser., 1.17, 20; 4.4.

[5] Athanasius, Ep., 11.9-11.

[6] Hilary, De Trin., 5.18, 20.

[7] Hilary, De Trin., 2.6f, 11.

[8] Hilary, De Trin., 2.2, 5-8, 10-11.

[9] Hilary, De Trin., 1.38.

دور التقوى في حفظ الإيمان

وديعة الإيمان في فكر ق. إيرينيوس

وديعة الإيمان في فكر ق. إيرينيوس

وديعة الإيمان في فكر ق. إيرينيوس

وديعة الإيمان في فكر ق. إيرينيوس

لقد كان لدى ق. إيرينيوس إحساس قوي بوجود ’حق الإنجيل‘ (مجسمًا) داخل الأساس الرسولي للكنيسة، كما كان لديه أيضًا إحساس قوي بطبيعة بناء الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين والمنقول بواسطة التقليد الرسولي. وقد فهم تعبير “وديعة الإيمان” فهمًا عميقًا، فلم يكن يعتبرها مجرد مجموعة مقولات عقائدية، بل الحق الإنجيلي الموضوعي (المُعــاش) الذي يعيـد للكنيسة شبابها باستمرار ـ من خلال قوة الروح القدس ـ وهكذا تتجدد روابطها بالمصدر الخلاَّق لكيانها.

كما أن وديعة الإيمان تُشكِّل أيضًا حياة الكنيسة المتواصلة ورسالتها لتكون وفقًا لصورة المسيح ابن الله المتجسِّد وطبقًا لنموذج ’الحق‘ الإلهي المجسَّد فيه[1]. ولذلك فكنيسة يسوع المسيح استلمت إيمانًا ’واحدًا وثابتًا على الدَّوام‘، لأنه مؤسس على حقيقة المسيح غير المتغيرة، وعلى إعلان الله فيه الذي أُعطي مرة واحدة وللكل[2].

إننا لا نستطيع على الإطلاق أن ندرك الله أو نصفه، لأن عظمته الفائقة وجلاله السامي يفوقان ـ بما لا يُقاس ـ قدرة البشر على معرفته ووصفه كما هو في طبيعته الذاتية. غير أن الله ـ بغير انتهاك لسر جوهره الذاتي ـ قد اختار أن يجعل نفسه معروفًا لنا، وذلك من خلال حركة حب وتنازل فائق اقترب بها إلينا من خلال ظهوره في الجسد في المسيح يسوع، وهكذا جعل نفسه في نطاق المعرفة البشرية[3].

وديعة الإيمان في فكر ق. إيرينيوس

وبهذا المعنى فإن يسوع المسيح يُمثِّل الطريق الموصل بين الله والإنسان، بين غير المرئي والمرئي، بين غير المُدرَك والمُدرَك، بين غير المحدود والمحدود. إذن ففي يسوع المسيح ومن خلال الاتحاد و’الشركة‘ معه في الحب، فإننا نستطيع أن نعرف الله بطريقة راسخة ومؤكدة، لأن هذه المعرفة تكون مثبتة ومستقرة في حقيقة الله الأزلي[4].

ولم يكن هذا الأمر ممكنًا بدون الدور الذي يقوم به روح الله، حيث في الرب يسوع المسيح ومن خلاله، ’عوَّد‘ الله روحه القدوس أن يسكن في الطبيعة البشرية، وفي نفس الوقت هيأ الطبيعة البشرية لقبول الروح القدس، ومن خلال عطية الروح القدس نستطيع أن نشارك في علاقة المعرفة المتبادلة بين الآب والابن وبالتالي نشارك في معرفة الله وفقًا لما هو في ذاته[5].

وفي الشركة مع الله بالمسيح في الروح القدس، كما فهمها ق. إيرينيوس ـ والتي صارت بالمصالحة وشفاء بشريتنا بواسطة اتحاده بجسدنا ـ تأخذ الكنيسة بالضرورة دورًا هامًّا في تحقيقها، لأن الكنيسة هي التي ائتمنها الله على وديعة الإيمان، وقد أعطى روحه القدوس للكنيسة، وفي الكنيسة منحنا الله خدمة الإنجيل وجميع الوسائط الأخرى التي يعمل الروح من خلالها.

ولذلك استطاع ق. إيرينيوس أن يقول “حيثما توجد الكنيسة فهناك يوجد روح الله، وحيثما يوجد روح الله فهناك توجد الكنيسة وتوجد كل نعمة: لأن الروح هو الحق”[6]. وبينما أشار ق. إيرينيوس إلى الكنيسة على أنها مكان المعرفة الراسخة ’للحق‘، إلاّ أنه كان يؤكد على أن إعلان الله عن ذاتـه بواسطـة المسيـح وفي الـروح القـدس هـو المصـدر الحقيقي لمعرفتنــا ’للحــق‘[7]. وجــاء تأكيده القــاطع هـذا واضحًا، عندما ـ وبالإشارة إلى كلمة القديس بولس عن الكنيسة بكونها “عمـود الحق وقاعدتـه”[8] ـ تكلَّم بقصد عن “الإنجيل وروح الحياة” على أنه “عمود الكنيسة وقاعدتها”: (στύλος δέ κα στήριγμα κκλησίας, τ εγγέλιον κα πνεμα ζως)[9].

ومن ناحية أخرى، كان إيرينيوس يعتقد أنه فقط في إطار الإيمان الذي استؤمنت عليه الكنيسة والمتضمَّن في التقليد الرسولي، يمكن ’للكلمة‘ الخاصة بالإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، أن تُفسَّر بأمانة بدون انحراف أو تجاوزات متجاسرة أو عديمة التقوى، وحينئذٍ يمكن للمسيح ذاته ـ الكنز المخفي في هذه الكتب ـ أن يُعرف معرفة حقيقية[10].

وديعة الإيمان في فكر ق. إيرينيوس

إن معرفة ’الحق‘ الإلهي أو ’الحق‘ الإنجيلي بالنسبة للقديس إيرينيوس لا تُعطى بشكل مجرد أو بشكل منفصل، ولكن تُعطى بشكل واقعي ملموس في داخل الكنيسة، حيث إن هذا ’الحق‘ يجب أن يُفهم داخل إطار الإيمان المُسلَّم للكنيسة من خلال تعليم الرسل، وبالتالي يجب أن يُفهم فقط في الوحدة والعلاقة غير المنفصلة مع الإيمان والعبادة وحياة التقوى لكل من هم متَّحدون (متضمَّنون) في المسيح كأعضاء في جسده.

وقد اعتبر ق. إيرينيوس ’الحق‘ المعلن في الكتب المقدسة على أنه تركيب عضوي أسماه “جسم الحق”، والذي تتمايز في داخله حقائق ومعتقدات متنوعة (كأعضاء هذا الجسم)، ولكنها تكوِّن ’كلاًّ متماسكًا‘ (أي وحدة كاملة متماسكة) ولا يمكن لإحدى هذه الحقائق والمعتقدات أن تنفصل عن هذا الكل، بالضبط كما أنه لا يمكن لأطراف الجسد الحي أن تنفصل عن الجسد دون أن تسبب تدميرًا وتمزيقًا لوحدة هذا الجسد[11].

وبالرغم من ذلك فان المهمة الأساسية التي كلَّف ق. إيرينيوس نفسه بها، كانت إظهار وكشف النظام المتضمَّن في داخل ’وديعة الإيمان‘ وتوضيح الترتيب الداخلي لـ “جسم الحق والتوافق المتناغم بين أعضائه”، وذلك بما يتفق مع ’قانون الحق‘ المسلَّم بالتقليد في المعمودية[12]، ليكون كل هذا مرشداً في تفسير الكتب المقدسة. ومن ثم يكون إيرينيوس قد قدَّم عرضًا واضحًا للكرازة الرسولية (kerygma) في مواجهة انحراف وضلال الهراطقة[13].*

وفي هذا الصدد، كان عمل ق. إيرينيوس يعكس بوضوح نشاط الكنيسة العام في القرنين الثاني والثالث في محاولتها لتوضيح المضمون العقيدي للإيمان في ضوء نظامها الخاص القائم على أسس موضوعية، حيث إنه في سياق هذه المحاولة ظهرت صيَغ محددة للإيمان وهي التي أخذت ـ في وضعها النهائي ـ شكل قوانين الإيمان الأولى[14].

ومن الطريقة التي تناول بها ق. إيرينيوس نفسه هذه الصيغ القانونية الأولية للإيمان، يتضح أنها لم تكن افتراضات عقائدية مرتبطة معًا من خلال نظام ’منطقي استنتاجي‘ للتفكير، بل كانت تأكيدات إيمانية منظومة معًا بصورة فائقة لذاتها، بفضل أساسها المشترك في وديعة الإيمان الرسولي، وبالأحرى بفضل إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح، ’الحق‘ الإلهي الواحد المتجسِّد والذي تنبع منه كل الحقائق الإنجيلية.

وبالتالي فإن هذه الصيغ القانونية للإيمان لم يكن الحق الذي فيها نابع منها، بل من ذلك ’الحق‘ الأعلى الذي تشير هي إليه والذي فيه أيضًا تنحصر. وبينما تحدث ق. إيرينيوس عن تلك الصيغ (القانونية) على أنها مرتبطة بـ “قانون الحق”، إلاّ أنه أوضح أن قانون الحق الفعلي أو المركز الذي يمكن الرجوع إليه هو ’الحق‘ ذاته[15].

وكان يُنظر إلى هذه التأكيدات (الصيغ) الإيمانية، على أنها تملك قوة ضابطة في ذاتها بقدر صحة انتمائها لذلك ’الحق‘ وبقدر خضوعها لسلطانه الأسمى؛ إذ إن كل معرفتنا عن الله (theology) هي فقط “معرفة جزئية” لأن هناك الكثير الذي يخص الله لا بد أن ندعه له بخشوع، بل إن مجرد التفكير في اقتحامه يعتبر من عدم التقوى[16].

وتكمن أهمية هذه الصيغ ليس في ’نوع الكلمات الصحيحة‘ المستخدمة فيها، بل في إسهامها في إخضاع ذهن الكنيسة لما يستوجبه الحق الإلهي، وفى إرشادها للكنيسة في رسالتها لحماية “الإيمان الرسولي والإنجيلي”، والدفاع عن هذا الإيمان الذي ائتُمنت عليه، لتسلِّمه للآخرين وفقًا “لسر التقوى”.

62 Irenaeus, Adv. haer. (edit. By Harvey, 1897), 3. praef., 1-5, vol. 2, pp. 22ff; 3.38.1, pp. 131f; 4.40.2, p. 236. for this and what follows see, T.F. Torrance, ‘The Deposit of Faith’, Scottish Journal of Theology, 1983, vol. 36.1, pp. 1-28.

63 Irenaeus, Adv. haer., 1.3, vol. 1, p.94; 3.1-4, vol. 2, pp. 1ff; 3.11.1, p.47; 3.12.9, p.62; 4.4ff, pp. 234ff; 5.20, pp. 377ff.

64 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.4, vol. 1, pp. 282f; 2.39.1f, pp. 345f; 2.40-43, pp. 349-358; 3.38.1f, vol. 2, pp. 131f; 4.22.2, p. 178; 4.34.4, pp. 215-219.

65 Irenaeus, Adv. haer., 3.11f, vol. 2, pp. 43f; 3.17.6, p. 87f; 4.6, p.153; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.1, 4-6, pp. 212, 215f; 4.6.1, p. 291; 5.praef., 1-2, pp. 313ff; 5.27.2, pp. 398f.

66 Irenaeus, Adv. haer., 2.3.7, 1-4, vol. 1, pp. 342-344; 3.6.2, vol. 2, pp. 22f; 3.18.1, p. 92; 3.19.6, pp. 100f; 3.21.2, p. 107; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.5, 7, pp. 210, 218f.

67 Irenaeus, Adv. haer., 3.38, vol. 2, p. 132.

68 Irenaeus, Adv. haer., 3.38.1-2, vol. 2, pp. 131f; 4.53.1f, pp. 261ff; 5.20.1, pp. 378ff.

[8] اتي 15:3.

70 Irenaeus, Adv. haer., 3.11.11, vol. 2, p. 47.

71 Irenaeus, Adv. haer., 1. praef., vol. 1, pp. 1ff; 1.15, p. 67; 1.1.19-4.1, pp. 80-97; 2.7-9, pp. 271-274; 2.40-43, pp. 349-358; 3.1-5, vol. 2, pp.1-20; 3.38, pp. 131-3; 4.40-42.1, pp. 234-238; 4.53-54, pp. 261-264; 5. praef., pp. 313f; 5.20.1f, pp. 377ff.

72 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.15, vol. 1, pp. 66f; 1.18, pp. 80ff; 2.40-45, pp. 347-358.

73 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.14, vol. 1, p. 67; cf. 1.1.20, pp. 87ff; 1.3, pp. 93f; and Tertullian, De virg. vel., 1.

74 Irenaeus, Adv. haer., 1.19f, vol. 1, pp. 80-90; 2.37-43, pp. 342-358; 3.12.11, vol. 2, p. 65; 3.38, pp. 131f; Dem., 1-6.

* كان للهراطقة منهج مخالف لهذا المنهج في تفسير الكتاب المقدس. (المترجم)

75 Irenaeus, Adv. haer., 1.2, vol. 1, pp. 90f; 3.1f, 4, vol. 2, pp. 2ff, 25ff; 4.1, pp. 146ff; 4.53. 1, pp. 261f; 5.20.1, pp. 377f; Dem., 6.

76 Irenaeus, Adv. haer., 2.41, p. 349.

وهذه النقطة ذاتها كان ق. كليمندس السكندري قد طرحها عندما تكلم عن “النفاذ إلى الحق عن طريق أخذ قانون الحق من داخل الحق ذاته” – Strom, 7.16.

77 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.3f, vol. 1, pp. 282f; 2.41ff, pp. 349-358.

وديعة الإيمان في فكر ق. إيرينيوس

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة: ” نؤمن … “

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

 

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة*

يحتل مجمع نيقية 325م مكانًا فريدًا في تاريخ الكنيسة المسيحية باعتباره ’المجمع الكبير والمقدس‘ أو ’المجمع المسكوني الكبير‘، الذي اتخذته كافة المجامع اللاحقة كمعيار رئيس لها. وهذا لأن قانون الإيمان الذي وضعه الآباء في نيقية قد حمى بشكل حاسم الإيمان الرسولي الجامع من أي تحريف مخرِّب للإنجيل، مما أدى في آخر الأمر إلى ضبط وتوحيد فكر الكنيسة كلها وتثبيتها بشكل لا لبس فيه في الإيمان بأن الله الآب كشف عن ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح وفي روح واحد[1].

كذلك فإن الارتباط الجوهري بين نص الإنجيل وبين “الإيمان المُسلَّم مَرَّةً للقديسين”[2]، قد ظهر بوضوح في نيقية بطريقة بسيطة وموجزة، حتى إنه صار يُنظر إلى ما حدث في نيقية فيما بعد، برهبة ووقار بكونه عملاً من الروح القدس، الأمر الذي يدعو للدهشة في ظل ما كان قائمًا ـ في ذلك الوقت ـ من تباين كبير في الآراء وفي الصيّغ الإيمانية.

ومع انقضاء القرن الرابع وبقاء وصمود الكنيسة رغم الهجمات الشرسة من قِبل الهراطقة ـ والتي كادت تهدد لب الرسالة الإنجيلية التي اؤتمنت عليها ـ فإن التقليد أخذ يكرِّم قانون إيمان نيقية بصورة متزايدة على أنه هو ’التحديد الكنسي غير القابل للتغيير‘ (imperturbata constitutio)، أو ’الحدث العظيم الذي لا رجعة فيه في حياة الكنيسة‘[3]، والذي يأتي مباشرةً بعد الأساس الواحد الذي وضعه المسيح نفسه في الرسل والأنبياء[4]، بل إن قانون الإيمان نفسه، كان يخدم ذلك الأساس ويبني عليه ويشاركه ـ بشكل ما ـ في طبيعته غير القابلة للتكرار.

ومما يذكر أن القديس غريغوريوس النزينزي الذي رأس الجلسة الافتتاحية لمجمع القسطنطينية عام 381م كرئيس أساقفة، كتب إلى كليدونيوس أحد كهنة نزينزا يقول: “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مفضَّل على إيمان الآباء القديسين الذين اجتمعوا بنيقية لهدم الهرطقة الأريوسية، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مكمِّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القدس”[5].

وكان القديس غريغوريوس النزينزي يُعبِّر عن التقليد السائد، عندما تحدث في ’عظته عن أثناسيوس الكبير‘ ذاكرًا ’مجمع نيقية المقدس‘ واجتماع الثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً ’المختارين‘ بكونهم قد “وحَّدهم الروح القدس”[6]. كما كان القديس غريغوريوس يمثل رأي الكثيرين أيضًا، في إعطائه القديس أثناسيوس الدور الحاسم في أعمال المجمع؛ إذ قال: “وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في ترتيب صفوف الأساقفة، إلاّ أنه احتل الترتيب الأول بين أعضاء المجمع، لأن الأفضلية كانت للتميّز بنفس القدر الذي كانت به للمنصب.

وكرجل الله الذي نطق بقوة للحق، حافظ القديس القديس أثناسيوس بلباقة على وحدة اللاهوت إذ علَّم بإخلاص عن الثالوث تعليمًا اشتمل على العلاقات الأقنومية: بغير ضياع للأقانيم الثلاثة في داخل الوحدة، ولا تقسيم للجوهر فيما بين الأقانيم الثلاثة؛ بل ظل القديس أثناسيوس داخل حدود التقوى متجنبًا الميل الزائد أو المعارضة الزائدة لأحد الرأيين”[7].

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين

كان القديس أثناسيوس يعتبر أن الآباء في مجمع نيقية لم يبتكروا شيئًا جديدًا، بل إنهم تنفَّسوا روح الكتب المقدسة واعترفوا بالإيمان الإلهي والرسولي بدقة شديدة، حتى إنه (أي القديس أثناسيوس) استطاع بعد سنوات كثيرة أن يكتب إلى أساقفة إفريقيا قائلاً: “إن كلمة الرب التي جاءت عن طريق مجمع نيقية المسكوني باقية إلى الأبد”[8]، ولم يكن يعني بهذا أن الله قد أعطى أساقفة نيقية كشفًا جديدًا، بل إنهم كانوا فقط أداة في يد الله، وذلك بتسليمهم (لمن بعدهم) ـ بشكل صادق وأمين ـ كلمة الله ذاتها، وهي عينها التي كانوا قد تسلَّموها بأنفسهم من تعاليم الرسل في الكتب المقدسة فيما يتعلق بالله الآب والابن والروح القدس.

وفي الواقع كان التقليد الرسولي، والتعاليم المعطاة في الكتب المقدسة، بالنسبة للقديس أثناسيوس شيئًا واحدًا تمامًا، حيث لا يوجد عدة تقاليد “للحق” سواء مكتوبة أو غير مكتوبة، بل هو التقليد الواحد المتضمَّن في الكتب المقدسة المُعترف بها، وهو إيمان الكنيسة الحقيقي الذي تسلَّموه، والذي كان عليهم أن يحافظوا عليه ويسلِّموه مرة أخرى[9].

هكذا فهم القديس أثناسيوس عمل الآباء بمجمع نيقية المسكوني، لذلك كتب لأساقفة إفريقيا في خطابه المجمعي لهم يقول: “إن الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرسل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين اجتمعوا في نيقية من كافة أنحاء العالم”[10].

وعندما أُثير التساؤل حول التعليم الرسولي التقليدي عن الروح القدس، أصر القديس أثناسيوس على ضرورة وضع تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة في الاعتبار من البداية، هذا الذي أعطاه الرب، وأعلنه الرسل، وحافظ عليه الآباء. وقد استطاع القديس أثناسيوس، وهو يتحدث عن نفسه، أن يقول: “طبقًا للإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الآباء بواسطة التقليد، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتكار أي شيء خارجًا عنه. وما تعلَّمته هذا قد سجلته وفقًا للكتب المقدسة”[11]. فالمهم كان هو تقديم الكتب المقدسة بدقة وبإخلاص، بالإضافة إلى تناول التقليد بأمانة[12].

وكان القديس أثناسيوس دائم الإشارة إلى قانون إيمان نيقية على أنه “الإيمان الذي اعترف به الآباء بنيقية” طبقًا للكتب المقدسة وتقليد الكنيسة السليم، وكان يقول عنه إنه هو هو “الإيمان المسلَّم من مخلِّصنا بواسطة رسله”، وقد اعتبر أن صياغة قانون الإيمان كانت في الأساس عملاً إيمانيًّا ورعًا ومخلصًا قام به المجمع المسكوني “باعتباره في حضرة الله”[13].

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

إقرأ أيضًا: الشك ف الكمين – هل مجمع نيقية هو من قرر أن المسيح هو الله وأهم العقائد المسيحية؟

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة

لقد كان هناك سببان لانعقاد مجمع نيقية: أولاً التوصل إلى اتفاق مسكوني حول يوم الاحتفال بعيد القيامة، وثانيًا الحكم على الهرطقة الأريوسية التي كانت تخل بتناغم الكنيسة، إلاّ أن نوع القرار الذي اتخذه المجمع في كل حالة ـ كما أوضح القديس أثناسيوس ـ كان مختلفًا تمامًا. فبالنسبة لعيد القيامة، كتب الآباء: “يبدو حسنًا ما يلي”، لأنه كان بالفعل يبدو حسنًا أن يكون هناك اتفاق عام. ولكن بالنسبة للإيمان فإنهم لم يكتبوا “يبدو حسناً”، بل كتبوا: “هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة”، ليؤكدوا بذلك أنهم إنما كانوا يعترفون بما يؤمنون به، ولكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست جديدة بل هي تعاليم رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم، بل كان هو نفسه ما علَّم به الرسل[14].

بل والأكثر من ذلك، أن آباء نيقية عبَّروا عن هذا التعليم بدقة شديدة لدرجة أن كل من يقرأ هذه النصوص بأمانة، فإنها لا بد وأن تعيده إلى التقوى والإيمان بالمسيح (ες Χριστν εσέβειαν) المُعلَن عنه في الكتب المقدسة[15]. أي أن قانون إيمان نيقية ينبغي أن يُفهم كصياغة كرازية للإيمان، حسب مبادئ الإنجيل الأولى البسيطة، لأن الإيمان الذي سُلَّم للكنيسة مرة واحدة يمكن تسليمه فقط بالإيمان، من إيمانٍ إلى إيمان[16].

ومن الواضح أن القديس أثناسيوس كان يرى أن مجمع نيقية ـ من خلال اعترافه بالإيمان بشكل موجز وبسلطان مسكوني ـ قد حقق الغرض الذي كان قد تصوره هو نفسه قبل المجمع، والذي ذكره في بيانه عن”أساس الإيمان” (κεφάλαιον τς πίστεως)، ألا وهو إدراك العمل الخلاصي لابن الله المتجسِّد[17]، مرتبطًا بدراسة الكتب المقدسة وبفهم أعمق لرسالتها[18].

 

علاقة الإيمان بالتقوى

ومن العلامات المميِّزة لتوجه مجمع نيقية، أنه ربط بين الإيمان وبين الخشوع أو التقوى (εσέβεια / θεοσέβεια)، والذي يعني استخدام أسلوبٍ ورعٍ للعبادة والسلوك والفكر، يليق بالله الآب والابن والروح القدس. وكان هذا الارتباط بين الإيمان والتقوى طريقًا مسيحيًّا مميزًا للحياة، حيث كان فكر الكنيسة (διάνοια / φρόνημα) مختومًا بختم الثالوث القدوس الذي لا يُمحى، فلم يكن هناك فصل بين التقوى والتعليم اللاهوتي، أو بين العبادة والإيمان، حيث كان الاهتمام الثابت موجهًا: لتفسير الكتب المقدسة بوقار، ولاستخدام المنطق بوقار ولاتباع طرق للمناقشة بوقار، وفي كل ذلك بغير تدخلٍ حادٍّ في سر الله وبغير تعليمٍ خارج عن الوقار في الأمور التي تخص الله.

وحتى حين يتناول علم اللاهوت العلاقات الداخلية للثالوث في الله نفسه، كانت الكنيسة تُصرّ على التحفظ والخشوع سواء في الأسلوب أو في صياغة الفكر أو في اللغة المستخدمة؛ إذ كان ينبغي أن يتم كل شيء بتقوى أمام وجه صاحب الجلال والمجد الإلهي مثل ما يفعل الشاروبيم الذين يغطون وجوههم أمام عرش الله بشكل يليق بقداسة الله الفائقة.

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

إقرأ أيضًا: آباء الكنيسة الأولى (ما قبل مجمع نيقية) وحقيقة إيمانهم بلاهوت المسيح

الإيمان الذي حفظه الآباء في نيقية

إن إدراك آباء مجمع نيقية لمضمون التعليم الرسولي، بالإضافة إلى التقوى الإنجيلية في الاعتراف بالإيمان، قد أدّيا معًا إلى ظهور أسلوب مميَّز للتعبير ترك بصمته الدائمة على ذهن الكنيسة. وكان هذا الأمر واضحًا للغاية في مجمع القسطنطينية عام 381م حيث أُعيد التأكيد بشكل نهائي وحاسم على قانون الإيمان النيقي، مما جعله قانون الإيمان المسكوني الأسمى في العالم المسيحي. فالتعليم اللاهوتي الخاص بمجمع نيقية لم ينل فقط قوة داخلية وحركة دفع ذاتي في عصره، ولكنه ترسَّخ ضمن الأساسات الإنجيلية للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، بحيث صار القاعدة التي انطلقت منها المجامع الأخرى ـ الواحد تلو الآخر ـ لتكمل عملها في القرون اللاحقة، بالرجوع دائمًا إلى “مجمع الثلاثمائة وثمانية عشر”.

وهكذا كان يُنظر لقانون إيمان نيقية، على أنه المحور الرئيس والمتحكم في الرسالة المتنامية للكنيسة، وكإعلان إنجيلي يؤدي إلى الإيمان بالمسيح، كما كان يُنظر إليه أيضًا بكونه صياغة تعليمية لكبرى حقائق الإنجيل، لذلك يمكن أن يُعتبر كمرشد موثوق به وذو سلطان في قراءة وتفسير الكتب المقدسة. أي أنه في قانون الإيمان النيقي وبواسطته، عقدت الكنيسة العزم على الدفاع عن جوهر الإيمان والحفاظ عليه، كأمانة مقدسة تسلَّمتها لكي تسلِّمها إلى الآخرين متكاملة إنجيليًّا، وبالتالي تستطيع أن تعطي الله حساب وكالتها على سرائر الله[19].

وكان هذا هو قصد الكنيسة الذي أوضحه القديس أثناسيوس في خطابه إلى أساقفة إفريقيا عندما قال: “ليكن فقط الإيمان، الذي اعترف به الآباء بنيقية، قانونًا ساريًا بينكم، حتى يستطيع الرسول أن يقول عنا أيضًا: ’فأمدحكم أيها الإخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء، وتحفظون التعاليم كما سلَّمتها إليكم‘”[20].

إقرأ أيضًا:  ايمان الاباء بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – القمص عبد المسيح بسيط

 

نؤمن …

وبتعبير “نؤمن”، الذي استهلت به الكنيسة الجامعة نص اعترافها ـ في نيقية عام 325م ـ فإنها أوضحت أن ما كان يهمها هو أن تعترف بحقائق الإنجيل الأساسية، داعية إلى الالتزام بالإيمان (نؤمن)، أكثر من مجرد وضع مراسيم (قوانين للإيمان) (δόγματα) مطلوب إطاعتها كأنها قرارات رسولية[21] أو أوامر إمبراطورية[22].

ولكن بالطبع قدَّم آباء نيقية بعض الدلالات التي توضح كيف يجب أن تُفهم المصطلحات التي استخدموها، كما أشاروا أيضًا إلى “الحدود الفاصلة” (ρισθέντα) في اعتراف (قانون) الإيمان، والتي لا يجوز تعديها وإلاّ انحرف المرء إلى ضلال الهرطقة أو إلى خطورة التناقض[23].

وقد حدد الآباء أيضًا عددًا من “القوانين” أو “القواعد” الكنسية التي يجب أن تُراعى من أجل الحفاظ على الوحدة في الكنيسة كلها في تعليمها وتوجيهها المنتظم، وفي تنظيم الخدمة الكنسية[24]. غير أن هذه الأوامر “الناهية” والقواعد الرسمية، قد تم وضعها فقط كملحقٍ لنص قانون الإيمان، ولم تدخل في صلب التعبير عن الإيمان ذاته. وهكذا كان حرص الآباء ينصب كله على الحفاظ على سمة قانون الإيمان “كإعلان إنجيلي” للإيمان الخلاصي، الذي اضطرت الكنيسة إلى وضعه بإلزام من الحق الإلهي الذي وصل إليها من خلال الكتب المقدسة.

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

نظرة الآباء إلى ’الإيمان‘

ومن هنا، فإن الأولوية القصوى التي أعطاها مجمع نيقية ’للإيمان‘ على هذا النحو كانت لها دلالة كبيرة للغاية، لأنها تمثِّل التحوُّل الجذري في فهم شعب الكنيسة ـ حيث استنارت عقولهم بحقيقة الله الحي وتحرروا من الأسر في ظلمة التحيُّزات الشخصية والتخمينات والأوهام التي لا أساس لها ـ وهو تحول من أن يكون مركز الفكر في داخل المنطق البشري (πίνοια) الشخصي (الغريب عن الله)، إلى أن يكون هذا المركز هو في إعلان الله (عن ذاته)، وفي فعل المصالحة الذي تم في يسوع المسيح ’كلمته‘ المتجسِّد داخل حيز الزمان والمكان في عالمنا المخلوق.

هذه الاستنارة بحقيقة الله كانت هي السبب وراء الثقة الراسخة في ’إيمان‘ الكنيسة بالله، لأن الكنيسة قد أدركتها محبة الله الثابتة والأمينة، وقد أمسكت الكنيسة بهذه المحبة من خلال “كلمة حق الإنجيل”[25]، كما أن الله ذاته كان على الدوام يسند الكنيسة ويقويها. وهذه الأهمية القصوى التي أولاها قانون نيقية، ’للإيمان‘ إنما تعكس الفكر الآبائي الراسخ عن ’الإيمان‘ بأنه اقتناع للعقل لا يقوم على أساس منظور ’شخصي‘ بل على أساس ’موضوعي‘، وهذا الاقتناع تسنده ـ أبعد من حدوده نفسه ـ ’الحقيقة‘ الموضوعية أو الأقنومية (πόστασις) التي لله ذاته، كما أعلن لنا عن نفسه في يسوع المسيح.

ويعبِّر القديس هيلاري عن ذلك بقوله “في الإيمان، يتخذ الإنسان موقفه على أساس كيان الله ذاته (in substantia dei)”[26].

إقرأ أيضًا: مجرد إله؟ القضية الحقيقة في مجمع نيقية

 

علاقة ’الإيمان‘ بالمعرفة

وكان الآباء ’اليونان‘ (الذين كتبوا باليونانية) ينظرون إلى المعرفة العلمية (πιστήμη)، على أنها وقوف أو رسوخ العقل (διάνοια) على الحقيقة الموضوعية، وعلى أنها أيضًا الفهم اليقين والمؤكد. ولتعضيد هذا الرأي من الكتاب المقدس، كثيرًا ما كان الآباء يستشهدون بما جاء في الترجمة السبعينية “إن لم تؤمنوا فلن تفهموا” أو “فلن تثبتوا”[27]، حيث كانوا يؤكدون على أنه بالإيمان، تتلامس عقولنا مباشرة مع الحقيقة مستقلة عن ذواتنا، لأنه من خلال الإيمان تتقبل عقولنا الإدراك الباطني (البديهي) للأشياء وتخضع لقوتها الشاهدة لذاتها، كما تتكيَّف وتتهيأ لتعرف هذه الأشياء في طبيعتها الذاتية (الخاصة بها) (κατά φύσιν)[28].

وعلى هذا النوع من الاتصال الأساسي (المباشر) مع الحقيقة، ترتكز كل معرفة مؤكدة ويرسخ كل فهم صادق أصيل، كما أنه هو أيضًا الطريق الصحيح لكل بحث جديد ولكل محاولة لتعميق فهمنا للأمور. وكما أن هذه العلاقة بين الإيمان والفهم تنطبق على كل معرفة علمية، فهي تنطبق بنفس القدر بل وبأكثر تحديد على معرفتنا لله، الذي هو الأساس والمصدر المطلق لكل قدرة على المعرفة والإدراكٍ وكل حق[29]، مثلما كان القديس أغسطينوس يقول دائماً: “نحن لا نسعى لفهم ما نؤمن به، ولكننا نؤمن لكي يمكننا أن نفهم”[30].

إذن ينبغي أن يكون واضحًا الآن، أن ’الإيمان‘ حسب الفكر اللاهوتي النيقي، لم يكن نوعًا من علاقة غير مدركة أو غير مفهومة مع الله، بل كان إيمانًا يتضمن عمليات المعرفة والفهم والإدراك، إيمانـــًا له طـــابع فطـرى (بديهي) للغــاية في تقبـــل العقـــل ـ بشكل مسئول ـ ’للحق‘ الكامن في إعلان الله لذاته للجنس البشري. فالإيمان ينشأ فينا نتيجة التأثير الخلاَّق لشهادة الله لذاته، ولكشف الله عن ذاته في “كلمته”، كما أنه ينشأ كذلك كاستجابة لمطالب ’الحقيقة‘ الإلهية علينا، والتي لا نقدر أن نقاومها بمنطق العقل أو الضمير[31].

ويأخذ الإيمان شكل الطاعة (πακοή τς πίστεως)[32] المنصتة لدعوة ونداء “كلمة” الله، كما أن المعرفة التي تتولد داخلنا، تتطلب في صميمها قبول ذهني وإدراكي (πιστημονική συγκατάθεσις) ’للحق‘ الإلهي، وتصبح مغلقًا عليها في داخل هذا الحق[33].

وقد أكد القديس هيلاري أنه حقًّا بهذه الطريقة عينها فقط، يتشابك الإيمان والفهم (الإدراك) وهو ما قد حدث في حالة الرسل أنفسهم، عندما “التحم ’الحق‘ الذي سمعوه لأول مرة مع يقينهم الداخلي”[34]، وحين تحدث القديس هيلاري عن اعتراف الرسل ’بأن المسيح هو ابن الله‘ على أن ذلك هو ’صخرة الإيمان‘ التي بنيت عليها الكنيسة[35]، كان فهمه لهذه الحقيقة فهمًا موضوعيًّا، لأن الكنيسة بنيت على ’الحق‘ الإلهي الذي اعترف به الرسل، وليس على اعترافهم في حد ذاته، هذا ’الحق‘ الذي لا تزال الكنيسة تعتمد عليه في إيمانها.

وبالطبع كان من الأمور المُسلَّم بها أن اعتراف الرسل ’بالإيمان‘ وفهمهم ’للحق‘ محفوظ في الكتب المقدسة التي سلَّمها لنا الرسل، ولذا ينبغي أن نقول إن “الإيمان وكل جزء منه مُنطبع فينا بواسطة برهان الأناجيل وتعليم الرسل”[36].

إقرأ أيضًا: مجمع نيقية، هل إخترع عقائد جديدة أم أكَّدَ على العقائد المستقرة من عصر الرُسل؟ عرض ونقد ورد

 

الله هو الذي يعلن عن ذاته

وفي نهاية الأمر، فإننا لا بد أن نتعلم من الله ذاته، ما الذي يجب أن نفتكره عنه “لأن الله لا يمكن أن يُفهم إلاّ من خلاله هو ذاته”[37]. كما أن إيماننا يجب أن يرتكز على نفس ’الحق‘، الذي بنى عليه الرسل الأولون إيمانهم وفهمهم، مما يعنى أننا حينما نلجأ إلى أقوال الكتاب المقدس فعلينا أن نخضع عقولنا مباشرةً ’للحق‘ الذي تشهد له الكتب المقدسة، لأن نصوص (dicta) الكتاب المقدس يجب أن تُفسَّر في ضوء الأمور أو الحقائق (res) التي تشير إليها والتي بسببها كُتبت هذه الأقوال وليس العكس؛ إذ إن هذه الأقوال تحقق الغرض الإلهي المقصود منها عندما تنقل شهادة الله عن ذاته.

وبالتالي تمكِّننا من الإيمان بالله والتفكير فيه بالطريقة الوحيدة المتاحة، والتي تتمشى مع الطريقة التي يقدِّم هو بها نفسه لنا[38]. ومن هنا يتضح أن الأهمية القصوى المعطاة ’للإيمان‘ في معرفتنا لله، تعكس الأفضلية المطلقة لدور الله (حين يعلن هو عن ذاته و يجعلنا ندرك شيئًا عنه) على كل فكر بشري عن الله (نعتمد فيه على ذواتنا)، بل وحتى على الوسائط البشرية التي أوجدها الله لتخدم إعلانه عن ذاته[39].

إقرأ أيضًا: الثالوث قبل مجمع نيقية – الأدلة الآبائية

 

البعد المزدوج للإيمان

إن الإيمان الذي ينشأ بالتزام واعٍ بما أوجبه الله في إعلانه عن ذاته في يسوع المسيح، والمرتبط بأولوية الله المطلقة على كل فكر أو حديث عنه، هذا الإيمان له سمة ذات شقين: الشق الأول يظهر فيه الإيمان بأنه مقيد ومحدد وملتزم بشكل دقيق بما أعلنه ’الحق‘ الإلهي في تجسد ’الكلمة‘ (أي بما أعلنه الابن المتجسِّد)، ومع ذلك يظهر الإيمان في الشق الآخر بأنه غير مقيَّد وغير محدَّد من خلال علاقته بحقيقة الله اللانهائية والتي تفوق كل فهم محدود.

إذن فمن جانب، يتميز الإيمان باليقين الثابت الذي يستمد قوته من حقيقة الله ذاته الكامنة في هذا الإيمان، ولكن من الجانب الآخر هذا الإيمان يتميز بوجود مجال مفتوح دائم الاتساع ليستجيب مع سر الله غير المدرك وطبيعته التي لا تُحدّ[40]. وهذه بلا شك هي القوة المزدوجة التي تكمن في كلمة “نؤمن” (πιστεύομεν) الواردة في اعتراف الإيمان النيقي بالله الآب والابن والروح القدس، وهي التي تحكم أيضًا الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها كل عبارات هذا الاعتراف (القانون)، تلك القوة المزدوجة تعني كلاًّ من التحديد والقصر (exclusiveness) من جهة، بجانب اتساع المجال (open range) من الجهة الأخرى، وهذان الأمران معًا هما اللذان يميزان الإيمان.

 

التحديد والالتزام في الإيمان المؤسس على الحق

وفي التزامه بالإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، يمنع قانون (إيمان) نيقية، الإيمان بأي إله آخر غير الله الآب، كما يمنع الإيمان بأي إعلان آخر عن هذا الإله الواحد غير ابنه الوحيد المولود منه. مما يعبِّر بوضوح عما أكده الكتاب المقدس بجزم، بأن الإيمان بإله واحد يلغي إمكانية وجود أية آلهة أخرى، وأن الإيمان بأن يسوع المسيح هو “الطريق والحق والحياة” يستبعد الوصول إلى الآب بأية طريقة أخرى غير تلك التي قدَّمها الله ذاته في تجسد ’كلمته‘ في يسوع المسيح، أي في ’ما هو‘ يسوع المسيح في كيانه الأقنومي الخاص.

وكان من العسير أن يصبح الأمر هكذا، لو أن الإيمان كان قد تأسس فقط ـ وبشكل شخصي وغير موضوعي ـ على القناعة الداخلية للعقل البشري، وليس كما هو الحال من أنه مؤسس بشكل موضوعي على ’حقيقة‘ الله ـ الملزمة كليًّا ـ المجسمة في المسيح بكونه عطاء الله الذاتي الفريد واتصاله الذاتي الفريد بالجنس البشرى كرب وكمخلِّص. وفي طاعة غير مشروطة لهذا الإعلان الإلهي، نجد أن الإيمان المسيحي قد تبنى مدخلاً إلى الله يطرح جانبًا أي مدخل بديل، وأصدر حكمًا يستبعد به أي معتقد منحرف، وصدَّق على إقرار ’للحق‘ رافضًا بذلك أي ادعاءات أخرى معتبرًا إياها باطلة.

ومن هنا كان الأمر الجوهري في إيمان الكنيسة، هو ’الحق‘ الإلهي الذي أدركته الكنيسة في المسيح وفي إنجيله ولم ولن تفرط فيه. هذا الحق ليس تحت تصرف وتحكم الكنيسة، ولكنه هو (أي الحق) الذي يحررها ويثبتها في محبة الله، ولهذا فإن الكنيسة لا تستطيع إلاّ أن تعترف بإيمانها بالله، أمام الله، وتقر بغير تحفظٍ بتصديقها ويقينها في ’الحق‘ الخاص بالمسيح وإنجيله، حيث إن هذا الحق هو الذي ترتبط به بصميم كيانها باعتبارها الكنيسة، جسد المسيح الواحد.

إن ما حدث في مجمع نيقية، كان اعترافًا مسكونيًّا بالإيمان، أعلنه الآباء في مواجهة إنكار الهراطقة للوحدة المطلقة بين الله وبين إعلانه عن ذاته في شخص يسوع المسيح. فقانون الإيمان النيقي كان عملاً مهيبًا للكنيسة مجتمعة، وفي حضور الله، وتم بالتزام ثابت ’للحق‘ الخاص بالإعلان الإلهي الذي من الآب بالابن في الروح القدس، وبإدراكٍ تام بأن صميم وجود الكنيسة المسيحية وصحة رسالتها الإنجيلية الداعية للخلاص الإلهي كانت معرضة للخطر.

ولو لم تكن هناك علاقة الوحدة في الجوهر والعمل، بين ما هو الله الآب ـ في ذاته ـ وبين ما هو نحونا في نعمة ربنا يسوع المسيح، لصارت الكرازة بالإنجيل (kerygma κήρυγμα) مفرغة من مضمونها الخلاصي، ولكانت تعاليم (διδαχή) الرسل مجردة من شرعيتها الإلهية. لكن إذا كانت نعمة الرب يسوع المسيح هي بعينها نعمة الله ذاته، وإذا كان في المسيح يسوع العطية الإلهية والمعطي هما واحد، فليس للكنيسة ـ أمانة منها للإنجيل ـ إلاّ أن تكرس نفسها لتأكيد هذه النعمة بشكل إيجابي وأن تستبعد أي احتمال آخر[41].

وكانت هذه هي القضية الحاسمة التي دعا القديس بولس كنيسة غلاطية لمواجهتها في القرن الأول، حيث كانوا مهدَّدين بتعاليم تفسد إنجيل المسيح وتحوله إلى ’إنجيل آخر‘ والذي ليس هو إنجيلاً بالمرة، وولذلك كتب يقول “إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما”[42]. وكان هذا هو النموذج الرسولي الذي اتبعه آباء نيقية في موقفهم الحاسم، عندما ألحقوا باعتراف الإيمان عبارة تحرم هؤلاء الذين يعلِّمون بأن ابن الله لم يكن منذ الأزل واحداً مع الآب، بل له ’جوهر‘ مختلف عن الذي للآب، فينكرون بذلك لب الإيمان الجامع ذاته[43].

إذن فمجمع نيقية قد عبَّر عن العقائد الرئيسية ـ التي رأى ضرورتها حسب الإنجيل ـ في قانون إيمان، تم الاعتراف به لاحقًا في الكنيسة في كل العالم، وهو القانون الذي يستبعد ببنائه الداخلي أية عقيدة بديلة (نتيجة لاستنتاجات عقلية منحرفة)، في مقابل إعلان الله الوحيد عن ذاته في يسوع المسيح، أو بمعنى آخر هو الذي يمنع أي انحراف هرطوقي عن ’الحق‘[44].

 

المجال المفتوح والمتسع للإيمان

وهناك وجه آخر لما سبق أن ذكرناه (أي غير الوجه المقيد والمحدد للإيمان)، لأنه في حين يعبِّر قانون الإيمان النيقي عما ينبغي علينا أن نعترف به ـ داخل الإطار العام لالتزام الكنيسة تجاه ’حقيقة‘ إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح ـ فإن كل هذا قد جاء مسبوقًا بكلمة “نؤمن” (πιστεύομεν)، مما يعني أن كل ما تم إقراره في هذا القانون يقع داخل دائرة ’الإيمان‘ ومرتكزًا على ’الحقيقة‘ الموضوعية لله التي تسمو تمامًا فوق كل ما يمكننا أن نفتكره أو نقوله عنها.

وتحديدًا، بما أن هذا الإيمان مستمد من إعلان الله في يسوع المسيح ومؤسس فيه ـ والذي يتطابق مع ما هو الله أزليًّا في جوهره الذاتي ـ فإن الإيمان يكون ’مفتوحًا‘ لما يمكن أن يُعرف، من خلال روح المسيح المُرسل من الآب باسم الابن، ليقودنا على الدوام إلى فهم أعمق ’للحق‘. إذن فالإيمان المسيحي في صميم طبيعته يحاول باستمرار استقصاء الأعماق السحيقة التي لا تستقصى ’للحق‘، والذي تفوق دائمًا ما يمكن أن ندركه من إعلانات هذا الحق لنا؛ غير أن الإيمان الذي يمتد بهذا الشكل إلى أبعد من ذاته بغير حدود، يتسم بالضرورة بأن له رؤية ’ذات مجال مفتوح ومتسع‘ (open range in its focus ‘σκοπός’) وهذا الإيمان لا يمكن أن يختصر دون أن يتحول إلى شيء آخر.

وقد أكد على مفهوم ’مجال الإيمان المفتوح‘ كل من القديس أثناسيوس والقديس هيلاري بالإضافة إلى القادة البارزين الآخرين من شارحي الفكر اللاهوتي النيقي. وأوضح القديس أثناسيوس أنه كان كلما تقدم إلى الأمام في سعيه لإدراك الله، كلما وجد أن معرفة الله تفوق إدراكه، ولم يستطع أن يعبِّر كتابةً عما بدا له أنه يفهمه، وما كتبه كان يقل بكثير حتى عن الظل العابر للحقيقة في ذهنه[45].

فالأمر الوحيد الثابت، وموضوع الإيمان كله، بل وهدف الكتب المقدسة أو ’الحق‘ الذي نؤمن به، كان هو يسوع المسيح ذاته، لأنه في إعلان الله الفريد عن ذاته في المسيح ومن خلال هذا الإعلان، يصبح الإيمان راسخًا في حقيقة كيان الله ذاته، وأيضًا يتوفر للإيمان ’الضابط المعياري‘ الذي يحتاجه في علاقته بما يفوق طاقة الإدراك البشري[46]. إن إيمانًا من هذا النوع هو الذي يسبق ويرشد كل بحث أو تفسير لاهوتي، لأنه يشكل الأساس المعرفي السليم الذي يعطى القوة لكل حجة صحيحة[47].

ولم يكن القديس هيلاري أقل من القديس أثناسيوس في تأكيده حقيقة أنه بالإيمان علينا أن ندرك الله بطريقة لا تحصره داخل الحدود الضيقة لما يمكننا أن نفهمه أو نعبر به عنه، بل إن هذا الإيمان عليه أن يمتد باستمرار ليكون تحت سلطان قدرة الله على إعلان ذاته[48]. إذن فالإيمان بالله ـ في صميم طبيعته ـ يتميز بنوع من ’اللانهائية‘، لأنه في حين أن الله “ككل” يفوق إدراكنا، فإن ما يسمح لنا بإدراكه عن نفسه لا ينفصل عما هو “ككل”، وبذلك فإن الإيمان يخترق الحدود الضيقة لإدراكنا، وهذا ما يفسر أنه في صميم عملية فهم ’شيء‘ عن الله، فإن الإيمان يجعلنا نعترف بالعجز عن الإدراك الكليّ لله.

وهكذا في حين يفوق الله قدرات العقل البشري بشكل لانهائي، فإنه بالرغم من ذلك يمكن أن يُعرف عن طريق حركة ’إيمان‘، حيث ينفتح العقل على لانهائية الله وسموه الذي لا يوصف[49]. وهذا يعني أنه من خلال الإيمان تكون لنا صلة بالله بطريقة تمكِّننا من أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نعبِّر عنه بشكل واضح بالأفكار أو بالكلام، وأنه في الإيمان ومن خلال الإيمان ننشغل بالله في بحث لا يسبر غوره، لأن ’الحق‘ الذي نسعى إلى معرفته له من العمق ما لا نستطيع أن نصل إلى نهايته، وهذا ما يقلل من قدرتنا على تحديد معرفتنا له في صيغة وافية ملائمة[50].

 

الهرطقات هي التي دفعت الآباء للتعبير ـ بكلام بشري ـ عن ’الحق‘ الذي لا يُنطق به

إن المعنى المعرفي المتضمَّن في هذا المجال ’المفتوح والمتسع بلا حدود‘ للإيمان، كان واضحًا تمامًا أمام لاهوتيي نيقية، وذلك في إدراكهم أن البحث اللاهوتي يُحمل من خلال الإيمان إلى ما هو أبعد من النطاق القاصر للمنطق العادي ـ الذي يُعرف بالأشياء المرئية والملموسة في الواقع المخلوق ـ وحتى إلى ما هو أبعد من العبارات الصريحة في الكتب المقدسة، أي يُحمل إلى ’الحق‘ الإلهي الذي تشير إليه تلك العبارات بغير اعتماد على ذاتها. ولذا نجد أن مجال الإيمان ’المفتوح‘ قد ترتب عليه ظهور حالة خطيرة، حيث صار الباب وكأنه مفتوح لكل شكل من أشكال النظريات المفتقرة للوقار والتفكير السليم[51].

ولهذا السبب عينه، لم يستطع لاهوتيّو الكنيسة أن يظلوا صامتين، بل في خوف ورعدة وصلاة إلى الله، وجب عليهم أن يسعوا للتعبير ـ على قدر ما تسمح به إمكانيات اللغة البشرية الضعيفة ـ عن ’الحق‘ الإلهي الذي ترشدهم الكتب المقدسة إليه، وحتى ولو كان ذلك لمجرد مقاومة الأثر المدمر لدخول أنماط من الفكر البشري ـ التعسفي والاعتباطي ـ غير المتدين في طريقة ’معرفة‘ الله.

هذا بالتحديد كان الموقف الذي وجد آباء نيقية أنفسهم فيه عندما اضطروا لاستخدام مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (μοούσιος) من خارج الكتاب المقدس ليعطوا تعبيرًا واضحًا ولا لبس فيه عن ’الحقيقة‘ الكتابية والإنجيلية. وكان هذا الحدث الخطير في ذهن القديس هيلاري عندما قال: “نحن مضطرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدفين، لأن نعمل ما هو غير مُباح، وأن نتسلق المرتفعات، وأن نُعبِّر عن الأشياء التي لا يُنطق بها، وأن نتناول أمورًا محظورة.

ومع أنه ينبغي علينا أن ننفِّذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للابن معه وفرحين في الروح القدس، فنحن مضطرون لتوسيع قدرة لغتنا الضعيفة، للتعبير عن الحقائق التي لا تُوصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر حين نضع في كلام بشري ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مقدسة … إن عدم أمانتهم قد جرتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب حيث قد تعين علينا أن نضع عبارات محدَّدة تذهب أبعد مما قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفية في الأعماق”[52].

 

أهمية التقوى مع الإيمان

وإلى جانب الإيمان الذي أولاه الفكر اللاهوتي النيقي أهمية قصوى، كان هناك عنصر رئيس آخر ـ له نفس الأهمية التي للإيمان ومرتبط به ومتداخل معه بغير انفصال ـ يجب علينا أن نأخذه أيضًا في الاعتبار، ألا وهو ’التقوى‘ (θεοσέβεια, εσέβεια). فالإيمان في حد ذاته هو عمل من أعمال التقوى داخل العبادة والطاعة المقدمة لله بكل تواضع وخضوع. والتقوى هي العلاقة السليمة مع الله، من خلال الإيمان الذي يعطي اتجاهًا مميزًا للعقل ويُشكِّل الفكر والحياة وفقًا “لكلمة وحق الإنجيل”[53].

التقوى إذن تعتبر من المكونات الجوهرية في التقليد الحيّ للكنيسة الملتزمة بالإيمان بإعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح. والتقوى ومعرفة ’الحق‘ ينتميان كلاهما إلى البناء الإنجيلي الذي “للإيمان المسلَّم مرة للقديسين”.

إن التقوى التي من هذا النوع هي التي تُشكِّل القوة التي توجِّه كل “تعليم صحيح”، وهى التي يجب أن يُسمح لها بتوجيه فهمنا اللاهوتي خاصةً في مجال الإيمان ’المفتوح‘، حيث نكون مضطرين أن نكوِّن مفاهيم وننطق بعبارات عن ’الحق‘ تتجاوز العبارات الصريحة التي وردت في الكتب المقدسة.* لذلك وفي هذا المجال بعينه ـ حيث تحوي الكتب المقدسة سر الله الذي لا يُوصف، والذي يظل سرًّا حتى في صميم إعلانه عن ذاته ـ فإنه ينبغي علينا أن نحذر من الوقوع في الاقتحام بلا توقير وبغير ورع فيما أبقاه الله سرًّا في جوهره الأزلي الذاتي.

 

التقوى في الفكر الكنسي

والتقوى (εσέβεια) كما نجدها واضحة في الفكر اللاهوتي النيقي، كانت تشير إلى الفهم الأرثوذكسي القويم ’للحق‘ الذي في الإيمان والعبادة المسلَّمة من الرسل. ويتعين علينا أن نقتفي أثر التقوى من خلال العودة إلى الرسائل الرعوية في العهد الجديد، حيث كانت ’التقوى‘ كلمة تدل نوعًا ما إلى ما كان يُشار إليه بـ “الطريق” في سفر أعمال الرسل[54]، أي ’طريق‘ الإيمان والعبادة الذي ميَّز الذين اتبعوا المسيح الذي من أجله كان لا بد لهم أن يتألموا.

وكانت السمة المميّزة للتقوى، أنها تجسيد للإيمان أو معرفة ’لحق‘ الإنجيل، في تطابقٍ مع أسلوب الحياة والعبادة في خدمة الله بورع[55]. ومما كان له دلالة هامة، هذا التأكيد الشديد على العلاقة الثابتة (المتلازمة) والمتبادلة بين ’التقوى‘ و’الإيمان‘ و’الحق‘، أي التأكيد على “التعليم الذي هو حسب التقوى”[56]، أو على “التعليم الصحيح”[57] والذي جاء كرد فعل حاد لظهور تحريف للإنجيل على أساس خرافات وظنون عقلية[58].

فبينما اعتُبرت ’التقوى‘ كمرادف ’للإيمان‘ و’الحق‘، اعتُبر عدم التقوى مرادفاً لعدم الإيمان والضلال، وكان هذا التباين هو الذي حدد الاسلوب والنمط لصراع الكنيسة مع الهراطقة على مدى الأربعة قرون الأولى.

ومن الواضح أن ما ذكره القديس بولس الرسول من علاقة بين ’السر العظيم للتقوى‘ وبين التجسد، كان هو النص الكتابي الذي تحكَّم في فهم التقوى في الكنيسة الأولى. وكان الرسول يكتب لتيموثيئوس ليُعرِّفه كيف يجب أن يتصرف في بيت الله “الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته. وبالإجماع عظيم هو سر التقوى εσεβείας μυστήριον) (τό τς: الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كُرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رُفع في المجد”[59].

فمن جانب نجد في هذا النص الكتابي، أن التقوى تُعَرَّف على أنها النفاذ إلى السر الداخلي للإيمان، وإلى الحقيقة الموضوعية ’لإعلان الله لذاته‘ بالتجسد، في حين على الجانب الآخر نجد أيضًا في النص الحديث عن الكنيسة على أنها تؤيد ’الحق‘ الإلهي وتتمسك به. وإذا عبَّرنا عن هذا المعنى بطريقة عكسية فإننا نقول إن ’الحق‘ الإلهي المُعلن، هو مؤسس وراسخ في حياة البشر وفي المجتمع، بحسب ما يُكشَف ويُؤمَن به وبحسب ما يُعرَف ويُعلّم بوَاسطة الكنيسة، وذلك بأسلوب يدعو إلى التقوى ويقود إليها.

ولذلك (وبحسب هذا النص الكتابي) فإن السر العظيم الذي للتقوى والظاهر جليًّا في يسوع المسيح ونعمته الخلاصية، صار مجسَّدًا ومتضمَّنًا في الكنيسة كقرينها، وهو ما يتمشى مع ما أشار إليه القديس بولس على أنه السر العظيم من نحو المسيح وكنيسته التي هي جسده[60]. وعلى هذا فإن إعلان الله الخلاصي في يسوع المسيح، وقبول وفهم الرسل لهذا الإعلان بإيمان، قد ساهما معًا في تأسيس الكنيسة، حتى أنه ـ وحسب قصد الله ’التدبيري‘ ـ صار ’الحق‘، كما استُعلن في يسوع، في متناول أيدي الناس من خلال تعليم ووعظ الرسل الخاص بالإنجيل، وبتواصل حي لتقليدهم ’التقويّ‘ في الكنيسة عبر التاريخ.

إقرأ أيضًا: مجمع نيقية – المجامع المسكونية المقدسة

 

’وديعة الإيمان‘ المسلَّمة هي ’حياة التقوى حسب الإيمان‘ أو هي ’الحياة حسب جوهر الإيمان أو حسب الحق‘

هذا بالتأكيد ما كانت تعنيه الرسائل الرعوية بـ “وديعة الإيمان” (παραθήκη)، التي استؤمنت عليها الكنيسة لحفظها والدفاع عنها ونقلها في تقوى إلى الآخرين[61]. إن ’الإيمان‘ الذي استؤمنت عليه الكنيسة، في معناه الأَوَّلي، هو الإيمان بيسوع المسيح واستعلانه لنا وعمله الخلاصي من أجلنا، هذا العمل الذي يفسِّر نفسه ويكشف عن نفسه داخل الكنيسة.

غير أن ’الإيمان‘ في معناه الثانوي يشير إلى المضمون الإنجيلي للرسالة الرسولية والتقليد، كما هو منقول إلينا من خلال كتاب العهد الجديد ومن خلال الاشتراك في ’سر التقوى‘ في وسط الكنيسة، حيث يستمر المسيح في التعريف بذاته وفي عمله الخلاصي من خلال القوة المنيرة لروحه القدوس.

لذلك ففقط بالاعتماد على الشهادة الرسولية والتعليم الرسولي، وبالاعتماد على المعنى الثانوي الذي ذكرناه ’لوديعة الإيمان‘ (أي الحياة حسب الإيمان)، والذي يعترف ويشير دائمًا إلى يسوع المسيح كرب ومخلِّص، تمكن البشر عبر التاريخ من فهم واقتناء الجوهر (المضمون) العقيدي للإيمان، وهو ما كانت تعنيه منذ البداية كلمة ’الوديعة‘. وعلى أية حال، فإن كل هذا يحدث فقط داخل التكامل البنياني بين ’الحق‘ و’الإيمان‘ و’التقوى‘ في تقليد الكنيسة الحي بكونها جسد المسيح أو بكونها الشكل الأرضي-التاريخي لوجوده في العالم.

وإذا قمنا بمحاولة لتقدير علاقة وتأثير هذا التعليم الإنجيلي على الفكر اللاهوتي النيقي، فإن ذلك سوف يساعدنا على أن ندرك كيف استفادت الكنيسة الأولى منه في الفترة ما بين عصر الرسل ومجمع نيقية، وهو ما نراه منعكسًا على فكر كل من القديس إيرينيوس والعلاّمة أوريجينوس.

إقرأ أيضًا: لاهوت الروح القدس عند اباء ما قبل نيقية أ/ أمجد بشارة

 

وديعة الإيمان في فكر القديس إيرينيوس

لقد كان لدى القديس إيرينيوس إحساس قوي بوجود ’حق الإنجيل‘ (مجسمًا) داخل الأساس الرسولي للكنيسة، كما كان لديه أيضًا إحساس قوي بطبيعة بناء الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين والمنقول بواسطة التقليد الرسولي. وقد فهم تعبير “وديعة الإيمان” فهمًا عميقًا، فلم يكن يعتبرها مجرد مجموعة مقولات عقائدية، بل الحق الإنجيلي الموضوعي (المُعاش) الذي يعيـد للكنيسة شبابها باستمرار ـ من خلال قوة الروح القدس ـ وهكذا تتجدد روابطها بالمصدر الخلاَّق لكيانها.

كما أن وديعة الإيمان تُشكِّل أيضًا حياة الكنيسة المتواصلة ورسالتها لتكون وفقًا لصورة المسيح ابن الله المتجسِّد وطبقًا لنموذج ’الحق‘ الإلهي المجسَّد فيه[62]. ولذلك فكنيسة يسوع المسيح استلمت إيمانًا ’واحدًا وثابتًا على الدَّوام‘، لأنه مؤسس على حقيقة المسيح غير المتغيرة، وعلى إعلان الله فيه الذي أُعطي مرة واحدة وللكل[63].

إننا لا نستطيع على الإطلاق أن ندرك الله أو نصفه، لأن عظمته الفائقة وجلاله السامي يفوقان ـ بما لا يُقاس ـ قدرة البشر على معرفته ووصفه كما هو في طبيعته الذاتية. غير أن الله ـ بغير انتهاك لسر جوهره الذاتي ـ قد اختار أن يجعل نفسه معروفًا لنا، وذلك من خلال حركة حب وتنازل فائق اقترب بها إلينا من خلال ظهوره في الجسد في المسيح يسوع، وهكذا جعل نفسه في نطاق المعرفة البشرية[64].

وبهذا المعنى فإن يسوع المسيح يُمثِّل الطريق الموصل بين الله والإنسان، بين غير المرئي والمرئي، بين غير المُدرَك والمُدرَك، بين غير المحدود والمحدود. إذن ففي يسوع المسيح ومن خلال الاتحاد و’الشركة‘ معه في الحب، فإننا نستطيع أن نعرف الله بطريقة راسخة ومؤكدة، لأن هذه المعرفة تكون مثبتة ومستقرة في حقيقة الله الأزلي[65].

ولم يكن هذا الأمر ممكنًا بدون الدور الذي يقوم به روح الله، حيث في الرب يسوع المسيح ومن خلاله، ’عوَّد‘ الله روحه القدوس أن يسكن في الطبيعة البشرية، وفي نفس الوقت هيأ الطبيعة البشرية لقبول الروح القدس، ومن خلال عطية الروح القدس نستطيع أن نشارك في علاقة المعرفة المتبادلة بين الآب والابن وبالتالي نشارك في معرفة الله وفقًا لما هو في ذاته[66].

وفي الشركة مع الله بالمسيح في الروح القدس، كما فهمها القديس إيرينيوس ـ والتي صارت بالمصالحة وشفاء بشريتنا بواسطة اتحاده بجسدنا ـ تأخذ الكنيسة بالضرورة دورًا هامًّا في تحقيقها، لأن الكنيسة هي التي ائتمنها الله على وديعة الإيمان، وقد أعطى روحه القدوس للكنيسة، وفي الكنيسة منحنا الله خدمة الإنجيل وجميع الوسائط الأخرى التي يعمل الروح من خلالها.

ولذلك استطاع القديس إيرينيوس أن يقول “حيثما توجد الكنيسة فهناك يوجد روح الله، وحيثما يوجد روح الله فهناك توجد الكنيسة وتوجد كل نعمة: لأن الروح هو الحق”[67]. وبينما أشار القديس إيرينيوس إلى الكنيسة على أنها مكان المعرفة الراسخة ’للحق‘، إلاّ أنه كان يؤكد على أن إعلان الله عن ذاتـه بواسطـة المسيـح وفي الـروح القـدس هـو المصـدر الحقيقي لمعرفتنــا ’للحــق‘[68].

وجاء تأكيده القــاطع هـذا واضحًا، عندما ـ وبالإشارة إلى كلمة القديس بولس عن الكنيسة بكونها “عمـود الحق وقاعدتـه”[69] ـ تكلَّم بقصد عن “الإنجيل وروح الحياة” على أنه “عمود الكنيسة وقاعدتها”: (στύλος δέ κα στήριγμα κκλησίας, τ εγγέλιον κα πνεμα ζως)[70].

ومن ناحية أخرى، كان إيرينيوس يعتقد أنه فقط في إطار الإيمان الذي استؤمنت عليه الكنيسة والمتضمَّن في التقليد الرسولي، يمكن ’للكلمة‘ الخاصة بالإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، أن تُفسَّر بأمانة بدون انحراف أو تجاوزات متجاسرة أو عديمة التقوى، وحينئذٍ يمكن للمسيح ذاته ـ الكنز المخفي في هذه الكتب ـ أن يُعرف معرفة حقيقية[71].

إن معرفة ’الحق‘ الإلهي أو ’الحق‘ الإنجيلي بالنسبة للقديس إيرينيوس لا تُعطى بشكل مجرد أو بشكل منفصل، ولكن تُعطى بشكل واقعي ملموس في داخل الكنيسة، حيث إن هذا ’الحق‘ يجب أن يُفهم داخل إطار الإيمان المُسلَّم للكنيسة من خلال تعليم الرسل، وبالتالي يجب أن يُفهم فقط في الوحدة والعلاقة غير المنفصلة مع الإيمان والعبادة وحياة التقوى لكل من هم متَّحدون (متضمَّنون) في المسيح كأعضاء في جسده.

وقد اعتبر القديس إيرينيوس ’الحق‘ المعلن في الكتب المقدسة على أنه تركيب عضوي أسماه “جسم الحق”، والذي تتمايز في داخله حقائق ومعتقدات متنوعة (كأعضاء هذا الجسم)، ولكنها تكوِّن ’كلاًّ متماسكًا‘ (أي وحدة كاملة متماسكة) ولا يمكن لإحدى هذه الحقائق والمعتقدات أن تنفصل عن هذا الكل، بالضبط كما أنه لا يمكن لأطراف الجسد الحي أن تنفصل عن الجسد دون أن تسبب تدميرًا وتمزيقًا لوحدة هذا الجسد[72].

وبالرغم من ذلك فان المهمة الأساسية التي كلَّف القديس إيرينيوس نفسه بها، كانت إظهار وكشف النظام المتضمَّن في داخل ’وديعة الإيمان‘ وتوضيح الترتيب الداخلي لـ “جسم الحق والتوافق المتناغم بين أعضائه”، وذلك بما يتفق مع ’قانون الحق‘ المسلَّم بالتقليد في المعمودية[73]، ليكون كل هذا مرشداً في تفسير الكتب المقدسة. ومن ثم يكون إيرينيوس قد قدَّم عرضًا واضحًا للكرازة الرسولية (kerygma) في مواجهة انحراف وضلال الهراطقة[74].*

وفي هذا الصدد، كان عمل القديس إيرينيوس يعكس بوضوح نشاط الكنيسة العام في القرنين الثاني والثالث في محاولتها لتوضيح المضمون العقيدي للإيمان في ضوء نظامها الخاص القائم على أسس موضوعية، حيث إنه في سياق هذه المحاولة ظهرت صيَغ محددة للإيمان وهي التي أخذت ـ في وضعها النهائي ـ شكل قوانين الإيمان الأولى[75].

ومن الطريقة التي تناول بها القديس إيرينيوس نفسه هذه الصيغ القانونية الأولية للإيمان، يتضح أنها لم تكن افتراضات عقائدية مرتبطة معًا من خلال نظام ’منطقي استنتاجي‘ للتفكير، بل كانت تأكيدات إيمانية منظومة معًا بصورة فائقة لذاتها، بفضل أساسها المشترك في وديعة الإيمان الرسولي، وبالأحرى بفضل إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح، ’الحق‘ الإلهي الواحد المتجسِّد والذي تنبع منه كل الحقائق الإنجيلية. وبالتالي فإن هذه الصيغ القانونية للإيمان لم يكن الحق الذي فيها نابع منها، بل من ذلك ’الحق‘ الأعلى الذي تشير هي إليه والذي فيه أيضًا تنحصر.

وبينما تحدث القديس إيرينيوس عن تلك الصيغ (القانونية) على أنها مرتبطة بـ “قانون الحق”، إلاّ أنه أوضح أن قانون الحق الفعلي أو المركز الذي يمكن الرجوع إليه هو ’الحق‘ ذاته[76]. وكان يُنظر إلى هذه التأكيدات (الصيغ) الإيمانية، على أنها تملك قوة ضابطة في ذاتها بقدر صحة انتمائها لذلك ’الحق‘ وبقدر خضوعها لسلطانه الأسمى؛ إذ إن كل معرفتنا عن الله (theology) هي فقط “معرفة جزئية” لأن هناك الكثير الذي يخص الله لا بد أن ندعه له بخشوع، بل إن مجرد التفكير في اقتحامه يعتبر من عدم التقوى[77].

وتكمن أهمية هذه الصيغ ليس في ’نوع الكلمات الصحيحة‘ المستخدمة فيها، بل في إسهامها في إخضاع ذهن الكنيسة لما يستوجبه الحق الإلهي، وفى إرشادها للكنيسة في رسالتها لحماية “الإيمان الرسولي والإنجيلي”، والدفاع عن هذا الإيمان الذي ائتُمنت عليه، لتسلِّمه للآخرين وفقًا “لسر التقوى”.

إقرأ أيضًا: المعمودية علي إسم الثالوث القدوس قبل مجمع نيقية

 

معرفة الحق والتقوى في فكر أوريجينوس

هذا العرض لما أسهم به القديس إيرينيوس، في كشف البعد اللاهوتي لـ ’اعتراف الإيمان‘ الخاص بالكنيسة، يحتاج إلى تكملته بعرض آخر لبعضٍ من مساهمة أوريجينوس الواسعة النطاق في الفهم اللاهوتي والكتابي، والذي كان له أثره البالغ على الكنيسة وحتى مجمع نيقية.

لقد كان أوريجينوس عالِمًا فذًا ودارسًا إنجيليًّا لا يُضاهى في الكنيسة الأولى، ولكنه كان لاهوتيًّا صاحب فكر مُفرط في التأمل ـ رغم إخلاصه ـ ويشعر بضرورة نقل فكره إلى ما هو أبعد من المضمون الحرفي للأقوال الإنجيلية، أي إلى الحقائق الإلهية التي تدل عليها هذه الأقوال.

ورغم أنه كان يشارك القديس إيرينيوس الرأي بأن المرجع الذي يمكن الاستناد إليه في معرفتنا لله هو في النهاية ’الحق‘ ذاته ـ كما هو معلن في يسوع المسيح، وليس في أية صيَغٍ بشرية لمعرفتنا نحن ’للحق‘[78] ـ إلاّ أنه وبخلاف القديس إيرينيوس عمل من خلال إطار ثنائي للفكر، وهو الفصل الأفلاطوني بين عالم الحسيّات (الأشياء المحسوسة) κόσμος) (ασθητς وعالم المدرَكات (الأشياء التي تُدرك بالعقل) κόσμος) (νοητς [79]، وكان لهذا المنهج الثنائي في التفكير، تداعيات بعيدة المدى لدى أوريجينوس إلى درجة قوله بأن: “الأشياء غير المرئية وغير المادية في السماء هي حقيقية، أما الأشياء المرئية والمادية على الأرض فهي نسخ من تلك الأشياء الحقيقية وليست هي حقيقية بذاتها”[80].

وقد أثرت وجهة النظر هذه بشدة في فهمه للكتب المقدسة، فرأى أنها وسائط وفرتها العناية الإلهية داخل عالم الحسيّات، والتي بواسطتها يُهيئ ’اللوغوس‘ الإلهي اتصاله بالضعف البشرى ويغلف أسرار الإعلان الإلهي في صورة أشكال وأرقام يسهل فهمها، وهذا فقط حتى يمكنه ـ من خلالها (الكتب المقدسة) ـ أن يرفع العقول المؤمنة إلى مستوى أعلى حيث تستطيع فهم الحقائق الروحية أو الإلهية في العالم العقلاني (عالم الأمور الحقائق) البعيد عنهم[81].

ولقد اعتقد أوريجينوس أن المصطلحات البشرية الموجودة في الوحي الإلهي في الكتاب المقدس، تحكمها طبيعة (φύσει) ’الحقائق‘ التي تدل عليها هذه المصطلحات، وأنها ليست مجرد متصلة بها فقط بصورة تقليدية (θέσει). ومن هنا فإن هذه المصطلحات ينبغي أن تُفهم من خلال القبول الإيماني لما تفرضه (καταληπτικός) تلك ’الحقائق‘ على عقل المفسِّر، مما يعني أنه لا بد له من أن ينهمك في بحث دقيق للتأكد من أن هذا القبول الإيماني (لمعاني المصطلحات) يتفق بالفعل مع الحقيقة[82].

هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فقد أصرَّ أوريجينوس على أن التفسير الروحي للكتب المقدسة طبقًا للطبيعة الروحية لهذه ’الحقائق‘، لا بد وأن يَعبر في الفكر من مستوى أدنى للمعنى ’المادي‘ أو الحرفي إلى مستوى أعلى للمعنى ’الروحي‘ أو السري حيث تشرق الحقيقة بنورها العقلاني والشاهد لذاته[83]. إلاّ أن هذا (العبور) يحتاج إلى قدر كبير من التدريب الروحي للعقل علي البصيرة اللاهوتية (θεωρία) ونوع من الحس الإلهي (θεία ασθησις) يتناسب مع معرفة الله[84].

هذا الجمع بين البحث الدقيق والتدريب الروحي كان سمة مميزة جدًّا لأوريجينوس، رغم علمه بالمخاطر التي ينطوي عليها هذا الاتجاه، والذي قاده للفصل بين الإنجيل “الجسدي ـ الحسي” وبين الإنجيل “الروحي ـ الفكري”، أو بين ما يُسمى بالإنجيل “الزمني” وما يُسمى بالإنجيل “الأبدي”, والذي اعتقد أوريجينوس أنه يوازي الفرق بين مجيء المخلِّص في حالة ’التواضع‘ عندما أخذ شكل العبد من أجلنا، وبين مجيء المسيح في المجد في المستقبل عندما ستفسح ظلال “الإنجيل الزمني” المجال للحقائق المطلقة التي “للإنجيل الأبدي”[85].

وينتج عن هذا، اعتبار المسيح الذي جاء في التاريخ على أنه هيئة مشروطة بفترة زمنية محددة، والذي فيها ينتقل ’الحق‘ الأبدي إلى المخلوقات الساقطة، ولكن بمجرد أن تتم معرفة هذا ’الحق‘ الأبدي، فإن ذلك الوسيط ’التاريخي‘ سوف يكون وجوده نسبيًّا[86]. وكان هذا هو السبب وراء تأكيد أوريجينوس على أهمية ’التفسير المجازي‘ وعلى غرس ’الإحساس‘ الروحي نحو الله، والذي قد يساعد المؤمن على اختراق قشور وظلال الإعلان ’التاريخي ـ الزمني‘ والوصول إلى حقائق الله الأبدية ’غير المرئية‘ والتي يمكن فهمها فقط بأسلوب بسيط ومباشر ولا يمكن التعبير عنها بكلمات بشرية[87].

هذا الامتداد التأملي للعقل الروحي، إلى ما وراء مجال المعرفة ـ الذي يخضع لمعايير الحقيقة التي عملت بها العلوم والفلسفة اليونانية[88] ـ كان بدون شك أمرًا خطيرًا، ولكن بالرغم من ذلك كان أوريجينوس منبهرًا به وبالأخص لأنه ارتبط برجال الله في العهد القديم مثل ملكي صادق رائد العبادة السماوية، أو موسى الذي تكلم مع الله وجهًا لوجه، أو حين ارتبط باختبار التلاميذ على جبل التجلي أو ما كتبه القديس بولس عن اختباراته المجيدة، والتي تشير جميعها إلى نوع من الرؤية السامية لله والتي من الممكن أن تكون مفتوحة أمام “البصيرة الصوفية التي تفوق التعبير”[89].

وثمة جانب آخر لاسلوب أوريجينوس ضمن لفكره اللاهوتي (θεολογεν) الحماية ضد التحول للفكر الأسطوري الخيالي (μυθολογεν)، كما وفَّر إطارًا معياريًّا للإيمان والعبادة يساعد على جعل ’معرفة الله‘ كمركز للحياة وللتقليد الحي الذي “للكنيسة العظيمة”، وهذا (الجانب الآخر) هو الذي كان يفرض على أوريجينوس أن يعمل بالأسلوب الذي فيه يؤثر ’البحث الدقيق‘ و’التدريب على التقوى‘ كل منهما على الآخر.

وطبقًا لمفهوم ’المعرفة العلمية‘ (πιστήμη) الذي قد ساد طويلاً في الإسكندرية، وهو أن المعرفة الصحيحة هي التي تكون وفقًا لطبيعة (κατά φύσιν) الشيء الذي تجري معرفته، فقد ركز أوريجينوس على تطوير طريقة لمعرفة الله تكون متمشية تمامًا مع طبيعة الله كما قد أعلنها لنا بنفسه، أي طريقة تتسم بالتقوى؛ فقد هيأ نفسه لتنمية التقوى الشخصية بالاعتماد على نعمة المسيح وقوة روحه القدوس، حتى يستطيع أن يعوِّد العقل على التقوى التي تلائم معرفة الله.

إذن فإن “معرفة الله” والتي في معناها الدقيق هي ’معرفة الثالوث القدوس‘، و “التقوى الإلهية التي تُحدد بواسطة يسوع المسيح ابن الله المتجسِّد، قد اعتبر أوريجينوس أن كلاًّ منهما متوقف على الآخر، وذلك في مجال (عملية) تعميق البحث اللاهوتي[90]. فكلما عُرف الله بحق وفقًا لطبيعته، زاد مستوى التقوى؛ وكلما زاد مستوى التقوى، زادت إمكانية معرفتنا لله بصورة تقوية تليق بطبيعة الله[91]. وعمومًا فإن “الهدف هو أن نقترب من ’الحق‘ على قدر المستطاع وأن نشكِّل إيماننا طبقًا لقاعدة التقوى”[92]. وهكذا صارت ’التقوى‘ و ’قانون الحق‘ متكافئين عمليًّا.

ولقد كان أوريجينوس يفكر ويعمل في إطار احترامه البالغ للكتب المقدسة وإخلاصه ’الكهنوتي‘ لكلمة الله وحق الله اللذين تنقلاهما لنا هذه الكتب[93]، والتي رأى أوريجينوس أنها يجب أن تُبحث على أنها من نتاج وحي الروح القدس، كما يجب أن تُفسَّر وفقًا “لسمتها الإلهية” بطريقة ورعة ووقور إدراكًا منا أن لها من عمق المعنى ما يفوق إدراك البشر مما لا يدع مجالاً للفهم المتسرع[94].

فالكتب المقدسة في صميم طبيعتها تستلزم الدراسة العميقة والتأمل والصلاة والجهد الشاق[95]، وهذا هو بالضبط ما أظهره أوريجينوس نفسه في إنتاجه الضخم من التفاسير الإنجيلية، التي تشهد شهادة رائعة على معالجته للنص بضمير حي في كل تفاصيله اللغوية والنحوية الدقيقة، كما تشهد أيضًا على بحثه الدؤوب لتوضيح الملابسات والخلفيات التاريخية التي قد تؤثر على المعنى، ولكنه سعى أيضًا لتوضيح مدى تأثير الإعلان الإلهي الكتابي بأكمله وكل تقليد الإيمان والفهم المسيحي في الكنيسة، مدى تأثير كل هذا على كل سفر وكل فقرة في الكتاب، وبذلك يمكن أن تُفهم الكتب المقدسة ـ بقدر المستطاع ـ خارجًا عن نفسها في ضوء القصد الإلهي الذي احتوته هي وأظهرته في ترابطها وتواصلها الداخلي[96].

وبما أن الكتب المقدسة هي نتيجة وحي الروح القدس بإرادة من الآب وبواسطة يسوع المسيح*، وبما أن ’كلمة‘ الله الذي يتكلم في كل الكتب المقدسة قد تجسَّد في شخص يسوع المسيح، لذلك فإن يسوع المسيح ذاته هو الذي يشكِّل المحور الحاكم لكافة التفسيرات الصحيحة للكتاب المقدس.

وقد ذهب أوريجينوس إلى القول بأن تفسير الكتاب المقدس، وحتى الأناجيل، بهذه الطريقة ـ أي من خلال وجود وحضور “فكر المسيح” ـ يعني الحفاظ على “قانون كنيسة يسوع المسيح السماوية متمشيًا مع التعاقب الرسولي”[97]، فيسوع المسيح هو نفسه الذي أعطى للمسيحيين تعريفًا للتقوى الحقيقية[98] لأنه هو نفسه “سر التقوى العظيم الظاهر في الجسد” والذي في نفسه ومن خلال نفسه حقَّق التلاقي بين تنازل الله الكريم إلينا واقترابنا نحن إلى الله، أي بين كُلٍّ من إعلان الله عن ذاته لنا ومعرفتنا نحن لله وعبادتنا له[99].

إذن ففي كل بحث عن ’الحق‘ ينبغي علينا أن نجاهد أكثر وأكثر لكي نحافظ بكل الطرق على موقف التقوى نحو الله ومسيحه[100]. ولكي نكون أمناء “لفكر المسيح” في كل تفسيرنا للكتب المقدسة “فإننا لا بد أن نحافظ على قانون التقوى”[101].

ومن المهم جدًا أن نلاحظ أنه بالنسبة لأوريجينوس، كانت ’التقوى‘ تُعرَّف وتتحدد ليس فقط بكونها ’بحسب يسوع المسيح‘ (κατ Іησον Хριστόν) بل أنها ’من خلال يسوع المسيح نفسه‘ (δι Іησο Хριστ)، من جهة علاقته الفريدة بالآب كابن الله وأيضًا من جهة علاقته الفريدة بنا كرئيس كهنتنا الذي فيه ومن خلاله نعبد الآب[102].

وإذ هو بذبيحته يشفينا، ويطهرنا بقدرته الإلهية الذاتية، لذلك نحن نعبده كما نعبد الآب، لأنه هو والآب واحد. ولكن لأنه هو أيضًا في نفس الوقت واحد معنا كما هو واحد مع الآب، فنحن نصلي له “كوسيط لنا وكرئيس كهنة وكشفيع” طالبين منه أن يقدِّم رغباتنا وتوسلاتنا وتشفعاتنا التي نرفعها إليه إلى الآب، وهكذا فإننا نعبد الآب ونحن في اتحاد به ومن خلاله. وكابن الله المتجسِّد وكرئيس كهنة، فإن يسوع المسيح قد عرَّف الجنس البشري الطريقة النقية لعبادة الله ـ وهذه هي التقوى الحقيقية التي بها يثبت إيماننا وفهمنا في الله[103].

ومما لا شك فيه أن ما كتبه أوريجينوس عن عبادة الآب التي مركزها المسيح والتي يتوسط فيها المسيح، إنما يعكس الفكر السائد للكنيسة في إيمانها القائم على التقليد الحي، وفي خدمتها لأجل خلاص الجنس البشري: حيث كان الانبهار المصحوب بالتوقير في معرفة الله، والشكر والتسبيح لأجل أعمال الله الخلاصية في تجسد يسوع المسيح وموته وقيامته، وأيضًا التقوى في القول والفعل، كل هذه مُضفَّرة معًا وملتحمة بغير انفصال في عبادة الكنيسة كما يتضح ذلك في ليتورجية المعمودية والإفخارستيا[104].

وكان تقديس اسم الله، والتفكير فيه والتكلم عنه بصورة لائقة، وكذلك التوقير العميق لكشف الله لذاته كآب وابن وروح قدس هذه كلها كانت من العلامات الجوهرية ’للفكر المسيحي‘ ـ بل وكما اعتقد أوريجينوس ـ ’للفكر الكنسي‘، وذلك نتيجة البصمة التي تركها الرسل عليه. لذلك فعندما شرع أوريجينوس في إعداد وطبع مؤلف عن المبادئ الأساسية للإيمان، بقصد زيادة الترتيب والتناغم في فهم العقيدة المسيحية، وضع أولاً ’خطًّا محددًا وقاعدة واضحة‘، وهى أن شرح الإيمان ينبغي أن يبقى داخل حدود تعليم الكنيسة المتفق عليه بالإجماع كما تسلَّمته من الرسل، وذلك في ضوء العقائد التي اعتبرها الرسل ضرورية للغاية.

ولكن بالنظر لاحتمال حدوث الخطأ والاختلاف في الرأي فيما بعد، شعر أوريجينوس أنه يتعين عليه المزيد من البحث في “دوافع وخلفيات الأقوال التي وعظ بها الرسل عن الإيمان بالمسيح” أملاً في تأسيس القاعدة الأولية للإيمان المسيحي، ومن ثم يحدد الارتباطات المنطقية ’للحق‘ المعلَّن، وذلك لبناء كيان متماسك وثابت للعقيدة المسيحية[105].

وفي خلال مشروعه هذا والذي كان الأول من نوعه، سعى أوريجينوس لإدراك ’الحق‘ الإلهي بكل ما أوتي به من إخلاص، وكان يحرص خاصةً بالنسبة “للنقاط الأكثر صعوبة” على أن يسترشد بقانون التقوى، أي قاعدة البر. وكان يسمح فقط باستخدام المفاهيم اللاهوتية التي يشعر أنها تليق بالله والمصوغة طبقًا لما يتطلبه ويحتِّمه كيان الله وطبيعته الفائقة الإدراك.

ونتيجة لشدة افتراضاته الفلسفية المسبقة، والتي لم يخضعها بصورة كافية للنقد ـ وعلى الرغم من التزامه بما أعلنه الكتاب المقدس ـ فإن فكر أوريجينوس التأملي تجاوز قاعدة التقوى في عدد من النقاط الحاسمة، مما أدى إلى اصطدام تعليمه مع فكر الكنيسة الجامعة. ومع ذلك فإن أوريجينوس، بجمعه بين البحث العلمي لأسس الإيمان الموضوعية والإصرار على مراعاة مبدأ التقوى(εσέβεια / θεοσέβεια) في معرفة الثالوث القدوس، كان له تأثير بالغ على اللاهوتيين في نيقية وما بعد نيقية، حيث أصبح المبدأ الفعَّال فيما بينهم هو ما عُرف فيما بعد بقانون التقوى-قانون الإيمان (lex orandi – lex credendi)[106].

إقرأ أيضًا: هل أسس مجمع نيقية قانونية أسفار الكتاب المقدس؟ ترجمة: زاهي جندي

 

دور التقوى في حفظ الإيمان

وعبر تاريخ الكنيسة، قُدِّمت مرارًا وتكرارًا أفكار عن الله ناتجة عن تجاسر وعدم توقير، وقد رفضتها الكنيسة بصورة بديهية بسبب احترامها العميق لسر الله وجلاله، هذا الاحترام العميق الذي كان قد تأسس ونما داخل نسيج الإيمان بواسطة الصلاة والعبادة. وكان هذا هو بالضبط ما حدث بسبب الهرطقة الأريوسية في فترة حرجة من تاريخ الكنيسة، حيث شككت هذه الهرطقة في وحدانية الثالوث القدوس بإصرارها على أن الابن مخلوق، وبالتالي فصله عن جوهر الآب وإدخال نوع من التضارب في الألوهية.

وكان رد فعل الأساقفة بنيقية هو الفزع الشديد لتلك الإهانة التي إنما تنم عن ’عدم التقوى‘ و’عدم الورع‘ (ασέβεια) الأريوسي، وهذا قد جعلهم يقدمون ضد تلك البدعة “مجادلات تتسم بالتقوى” (πόδειις εσεβείας)[107].

وقد أخبر القديس أثناسيوس أساقفة مصر بأنه عندما كان يدوِّن تعبيرات الأريوسيين المنحرفة والعديمة التقوى، كان يتعين عليه أن يطهر نفسه بالتفكير في عكس هذا الاتجاه تمامًا، وأن يتمسك “بذهن التقوى” (τν τς εσεβείας διάνοιαν)[108].

وبالإشارة إلى حقيقة أن مجمع نيقية اضطر إلى استخدام التعبير غير الكتابي (أي الذي لم يرد في الكتاب المقدس) “هوموأووسيوس” (μοούσιος) لشرح ما كان يعنيه الكتاب المقدس في حديثه عن المسيح (بكونه كابن) “لـ الله” أو “من الله”، أوضح القديس أثناسيوس أنه لا يهم إذا استخدم المرء أو لم يستخدم تعبيرًا غير كتابي طالما أن له “ذهن تقوّي” (εσεβ τν διάνοιαν)، كما أوضح القديس أثناسيوس أيضاً حقيقة أن الآباء بنيقية كانوا بعيدين كل البعد عن التحدث عن المسيح بدون توقير، فهم تحدثوا عنه بوقار “وبذهن متسامٍ وتقوى تنم عن محبة للمسيح” (υψηλ διάνοια κα φιλόχριστος εσέβεια). [109]

وفي فترة لاحقة، عندما تجاسر بعض رجال الكنيسة من دعاة الأريوسية على القول بأن الروح القدس مخلوق، وتجرأوا على إخضاع العلاقات الداخلية للثالوث القدوس ـ حيث “يبسط الشاروبيم أجنحتهم للتغطية” ـ للفحص الوقح، قدَّم القديس أثناسيوس حججًا مضادة بنفس أسلوب نيقية (الورع)، وكان يفعل هذا بروح التقوى المتمركزة حول المسيح. فالتعليم الذي سبق أن سُلِّم يجب أن يُقبَل بخبر الإيمان، ويجب أن يُشرَح “بنمط فكري يتسم بالتقوى” (εσέβε λογισμ μετ ̉ ελαβείας)[110] وليس بمجادلات لغوية تفتقر للوقار.

وكان القديس أثناسيوس يصرُّ دائمًا على أن إطاعة الإيمان تؤدي إلى أسلوب شرعي في التفكير والتحدث عن الله، وذلك بفضل الاتزان الداخلي الذي يتولد نتيجة عبادة الله. ففي كل محاولة للفهم وإعطاء تعبير عن أسرار الإيمان، يكون المطلوب هو انضباط خشوعي وترتيب للعقل وصل إلى حالة الانسجام “بواسطة صلاة دائمة لله، ومعرفة تتسم بالتقوى، وتضرعات مقدمة ليس بشكل عرضي ولكن بتسليم كامل للقلب”.

هكذا يمكن أن يكون الدخول إلى الله، والذي فيه الإيمان والتقوى كل منهما يحكم الآخر في معرفتنا لله “لأن (كلمتي) الإيمان والتقوى مرتبطتان، وهما أختان: فمن يؤمن بالله لا ينفصل عن التقوى، ومَن يملك التقوى فهو حقًّا يؤمن”[111].

وقد لعب نفس مبدأ (lex orandi – lex credendi) أي ’قانون التقوى ـ قانون الإيمان‘ دورًا هامًّا في فكر القديس هيلاري، وكما قد رأينا فإن القديس هيلاري كانت تزعجه بالأكثر الطريقة التي استغل بها الهراطقة ’المجال المفتوح‘ للإيمان لإقحام أفكارهم الخاصة الوقحة في معرفة الله، كما أقلقه أيضًا ـ في الرد على الهراطقة ـ الحاجة إلى فكر لاهوتي مستقيم (أرثوذكسي)، لصياغة اعترافات محددة ـ أبعد من تصريحات الكتاب المقدس ـ عن أمور هي في الأساس تفوق الوصف.

واعتقد القديس هيلاري أنه في هذه الظروف، ينبغي علينا أن نعتمد على ذلك النوع من الإدراك والفهم لله، المتضمَّن في الإيمان الذي يزداد بالعبادة، كما نعتمد على تلك العبادة التي يدخلنا فيها الله بنفسه؛ إذ إننا قد أُعطينا قدومًا إلى الآب من خلال الابن[112]. فإننا مهما حاولنا تطويع لغتنا لتعرب عن عظمة الله، فهي تبقى قاصرة بصورة لا حد لها في التعبير عن ’ماهية الله‘ في كيانه وطبيعته السرمدية. ولكن رغم هذا فإن لغتنا يمكن توجيهها والتحكم فيها من جانبنا بواسطة أعمال العبادة الرئيسية التي يطلبها الله منا، من خلال إعلانه عن ذاته في الإنجيل.

وهكذا فإن القديس هيلاري عمل بمفهوم للإيمان مؤسس على التقوى الإنجيلية، وبمفهوم للتقوى التي تتسع بالإيمان بحقيقة الله التي لا تستنفذ. وفي هذا يقول القديس هيلاري: “ينبغي علينا أن نصدِّقه وندركه ونعبده وأن نسمح لأعمال العبادة هذه أن تكون الطرق الأساسية التي نتحدث بها عن الله”[113].

وبهذا الأسلوب لم يكن القديس هيلاري يعني أن نرتد في ذعر أمام جلال الله الفائق الإدراك، ونتراجع تمامًا إلى التوقير القلبي الصامت (فقط)، ولكن بالأحرى كان يعني أننا يجب أن نفكر في الله، فقط بالطريقة التي بها ندرك أنه يفوق بصورة لا نهائية إمكانيات الفكر والكلام البشرى؛ إذ يجب أن نجعل عبادتنا لله من خلال الابن ـ والذي فيه ينكشف سر الآب غير المدرك ـ هي التي تحكم كل ما نعترف به في الإيمان أو ما نعبِّر عنه في صياغات لاهوتية[114].

لأن الفكر اللاهوتي، كما سعى فيه القديس هيلاري نفسه، لا بد أن يمتزج ويتشابك مع الصلاة بصفة دائمة، حتى إنه في كل محاولاتنا للتعبير عن إيماننا واعترافنا بإله واحد الآب، ورب واحد يسوع المسيح ـ حسب ما قد تعلمناه بالأنبياء والرسل ـ فإن الله سوف يهبنا ما نريده من معنى في اللغة، ونور في الفهم، ووقار في التعبير والعرض، وإخلاص وأمانة للحق[115].

إقرأ أيضًا: الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

 

كيف تشكَّلت البصيرة اللاهوتية في الكنيسة في القرن الرابع؟

في كل ما سبق، كنا نفحص بعمق في الطريقة التي يجب بها البحث في جذور قانون الإيمان النيقي، في محاولة للعودة إلى ما كانت عليه الأمور عند التأسيس الرسولي للكنيسة، حين صار الإيمان الخلاصي بالله الآب والابن والروح القدس مصوغًا (مجسمًا) فيها مرة وإلى الأبد. وأيضًا كنا نبحث في الطريقة التي بدأ فيها هذا الإيمان يكشف عن محتواه اللاهوتي وهو في طريقه للوصول إلى قانون نيقية، مسترشدًا بالأساس الإنجيلي للتقليد الرسولي العامل في حياة الكنيسة الجامعة في القرون الأولى ـ وفي رسالتها وعبادتها ـ حيث اتضح هذا الأساس في طريقة تفسير الكنيسة للكتب المقدسة وفي طريقة تعبيرها عن التعليم المسيحي.

ولقد وجدنا في هذه القرون تقليدًا متواصلاً يتميز بكون الإيمان والتقوى والفهم والعبادة مضفَّرة معًا بعمق، تحت التأثير الخلاَّق للقناعات الإنجيلية التي انطبعت في ذهن الكنيسة، في التزامها بإعلان الله عن ذاته بواسطة الابن المتجسِّد وفي الروح القدس. وهذه القناعات المصحوبة بتنسيق وترتيب للعقل مركزه المسيح، ظلت تتولد وتُغذَّى معًا داخل الحياة والشركة المتنامية للكنيسة من خلال التأمل المنتظم في الكتب المقدسة والمشاركة في العبادة الليتورجية.

وهذا هو الذي كوَّن القالب الذي تشكَّلت داخله البصيرة اللاهوتية والرأي الذي يتصف بالتقوى، واللذان ساهما في تحديد صياغة أكثر رسمية للمعتقدات في داخل حدود ما طالب به المسيح الكنيسة من طاعة وخدمة.

ومن هنا برز إطار فهم عام للحياة والتقوى، وإطار خاص تحددت فيه المعتقدات التي نشأت من المعمودية المقدسة ومن خلالها، و”المتضمَّن فيها كل جوهر الإيمان بالثالوث” على حد تعبير القديس أثناسيوس[116]. وفي إطار هذا الفهم وعمله المعياري، ومع الرجوع المستمر للإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، فإن فهم الكنيسة وصياغتها ’للحق‘ الإنجيلي أخذ يتسع ويتعمق.

ولذلك حدث في الكنيسة الجامعة في فترة ما قبل نيقية، تعمق متزايد داخل بناء مفاهيم الإيمان المسيحي، والذي بالرغم من أنه أخذ يتزايد في الفهم والدقة إلاّ أنه كان لا يزال في نطاق ’المقدمات‘ لمعتقدات الكنيسة النهائية المتضمنة في وديعة الإيمان الرسولي.

إقرأ أيضًا: دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية بقلم اثناسيوس الرسولي

 

تطابق ’العقيدة الداخلية‘ و’العقيدة المعلَنة‘ في مجمع نيقية

ومن الجدير بالذكر أنه عندما بدأت تظهر صياغات صريحة للعقيدة نابعة من ’كيان متكامل‘ للإيمان الرسولي، فإنها عادة ما كانت تحتوي على ’عبارات عن “الكنيسة”‘، وهو ما نجده قد ترسَّخ نهائيًّا في الصورة الناضجة لـ “قانون الرسل” و”قانون نيقية”[117]، وهذا يعبِّر عن حقيقة أنه عندما تبلورت القوانين الرسمية، فإنها ظلت مرتبطة بالتركيب الضمني الداخلي للإيمان و’المجسم‘ في الأساس الرسولي للكنيسة، وبالتالي كانت هذه القوانين ستصبح معيبة للغاية لو أنها جُردت من هذا الارتباط.

وهكذا فإن التكامل العميق بين العقيدة الداخلية (الحياة التقوية الداخلية التي بحسب جوهر الإيمان) والعقيدة الصريحة المعلنة (الصياغة المحددة للإيمان) لم يكن منسيًّا أبدًا، بل أن هذا التكامل قد تم تحويله إلى اعتراف كامل للإيمان الجامع. ورغم أنه في مجمع نيقية نفسه لم تُدرج عبارة صريحة عن الكنيسة في قانون الإيمان، إلاّ أن إعطاء الشكل القانوني الواضح والمحدد للإيمان، كان معروفًا أنه اعتمد على ما كانت تؤمن به الكنيسة الجامعة على الدوام، وما عرفته بالبديهة أنه “حق”[118].

ومن خلال هذا النوع من الصياغة الرسمية، فإن كل جسم ’الإيمان الداخلي‘ المضمر في التقليد الرسولي للكنيسة قد تم تدعيمه وإمداده بالشكل ’النظامي‘ الذي وسّع في قوته الضابطة داخل حياة الكنيسة ورسالتها. وكان هذا كله يعتمد على مبدأ “معرفة الحق بحسب التقوى”[119] الذي تضمَّنه ميراث الكنيسة، والإحساس الفطري بالله الذي انطبع في ذهن الكنيسة بواسطة الإعلان الإلهي؛ كما اعتمد أيضًا على بصيرة معطاة ـ كعطية إلهية ـ لإدراك العلاقات الفائقة في الله بكونه آب وابن وروح قدس، وهو الذي ينبغي له السجود والتعبد أكثر مما ينبغي التعبير عنه.

إقرأ أيضًا: بارت إيرمان حبيب الإخوة المسلمين، يرد على إدعاء الإخوة المسلمين بشأن مجمع نيقية وألوهية المسيح

 

* العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[1] أف 18:2.

[2] يهوذا 3.

3 Hilary, Con. Const., 27. See also Athanasius, De syn., 9; Ad Ant., 15; Ad Afr., 10; Ep., 55, 56; Basil, Ep., 125.1; 127.2; 140.2; 159.1; 204.6; 251.4; Theodoret, Hist. eccl., 2.15, 18.

 [4] 1كو10:3-11؛ أف 20:2.

 5 Gregory Naz., Ep. ad Cled., 102.

6 Gregory Naz., Or., 21.14; Ep. ad Cled., 102.1; Theodoret, Hist. eccl., 2.15; Socrates, Hist. eccl., 1.9; Eusebius, Vita Const., 3.20.

7 Gregory Naz., Or.,21.13, 14; cf. also 19.33-35.

8 Athanasius Ad Afr., 1f; cf. 4-6, 9-11; De syn., 5f, 9, 43; Ad Adel., 6; Ad Ser., 1.28, 33; Ep. 55 & 56.

9 Athanasius Ad Adel., 6; cf. Ep., 2.6f; 39.1-7.

10 Athanasius Ad Afr., 1.

11 Athanasius Ad Ser., 1.28, 33.

12 Athanasius De decr., 4f, 18ff, 31ff; Con. Ar., 1.8, 10; 2.33f, 40; De syn., 3, 6, 7, 33f, 39ff, 45f; Ad Afr., 4ff; Ep., 2.4-7, 59; Ad Epict., 3; cf. also Con. gent., 1; De inc., 5.

13 Athanasius Ap. Con. Ar., 23f; Ad Ep. Aeg., 5, 18, 20, 21; De syn., Ad Ant., 3.5; Ad Afr., 10f; Ep., 51; 55; 56.1-4; 59.1; 61.5; 62.

14 Athanasius De syn., 5 ; cf. 3f.

15 Athanasius De syn., 6 ; cf. De decr., 18-22 ; 31f.

16 Athanasius Ad Ser., 1.17, 20 ; De vita Ant., 16, 77-80, etc.

17 Athanasius De inc., 19.3 ; cf. Exp. Fidei ; Con. Ar., 4.21 ; and Socrates, Hist. Eccl., 2.30.

18 Athanasius De inc., 56.1.

[19] 1كو1:4؛ انظر كذلك: Athanasius, Ep. Enc. 1.

 [20] 1كو2:11؛ انظر كذلك: Athanasius, Ad Afr., 10.

 [21] انظر أع 28:15 وما بعدها؛ وكذلك 4:16.

 [22] انظر لو 1:2؛ وكذلك أع 7:17.

 [23] Athanasius De decretis ـ العنوان اللاتيني المتداول هو ترجمة خاطئة للكلمة: (ο̉ρισθέντα) . انظر كذلك Cf. De syn., 5, and Hilary, De Trin., 4.1-7.

[24] بعد مجمع نيقية، أصبح استخدام مصطلح ’قانون‘ يرتبط بالتأديبات الكنسية. وقد استخدم ق. أثناسيوس هذا المصطلح ليشير إلى القوانين التي ترجع إلى الرسل. انظر:

Athanasius Ep. Enc., 1.6 ; Ap. con. Ar., 25, 29, 31f ; Hist. Ar., 36, 51.

[25] كو 5:1.

26 Hilary, De Trin., 1.18

[27] إش 9:7. ولذلك نجد ق. إيرينيئوس يقول في (Dem., 3) “والإيمان ينتج عن الحق؛ لأن الإيمان يقف أو يرتكز على الأشياء الحقيقية (أو التي هي بالحقيقة كائنة). ونحن نؤمن في أشياء حقيقية (أو بالحقيقية كائنة)، وبالإيمان في أشياء حقيقية، نظل واثقين بشدة فيها”؛ انظر أيضاً: Clement of Alex., Strom., 1.1; 2.2, 4; 4.21; Cyril of Jer., Cat., 5.4, etc.

[28] انظر استخدام مصطلح ’طبيعة‘ (φύσις) في الفكر الإسكندري:

See my Theology in Reconciliation, 1975, pp. 241f, 247ff; Archbishop Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

29 Cf. Hilary, De Trin., especially books 1-4,

وفي هذه الكتب الأربعة، يعرض ق. هيلاري المعرفة اللاهوتية بشكل مميز جداً.

30 Augustine, De Trin., 7.5; In Jn. Ev., 27.9; 29.6; 40.9; De lib. arb.,

2.2.6; De div. quaest., 48; In Ps., 118, 18.3; Ep., 120.1, 3, etc.

31 Hilary, De Trin., 1.18; 2.6f; 3.9f, 23; 4.14, 36; 5.20f; 6.13-16; 8.52.

[32] رو 5:1؛ 26:16.

33 Cf. Clement Alex., Strom., 2.2ff, 6, 11f; 8.3; and Augustine, De spir. et litt., 21.54; 34.60.

34 Hilary, De Trin., 6.34; see also 4.6.14.

35 Hilary, De Trin., 6.36f; cf. 2.22f; 6.20f; and ‘The Liturgy of St James’

E. Brightman, Liturgies of Eastern and Western Churches, 1896, p. 54:

حيث إن ’الكنيسة الجامعة الرسولية‘ هي أيضاً تقول أنها تأسست على ’صخرة الإيمان‘.

36 Hilary, De Trin., 2.22.

37 Hilary, De Trin., 5.20f.

38 Hilary, De Trin., 4.14; 5.4, 7; 8.52.

39 Hilary, De Trin., 1.6, 16; 2.2ff, 12, 24ff, 52ff.

40 Cf. Clement Alex., Strom., 7.16.

41 Athanasius, Con. Ar., 4.12:

“لأن ما يُعطى إنما يُعطى من خلال الابن؛ ولا يوجد شيء ما يعمله الآب إلاّ من خلال الابن؛ ولهذا فإن النعمة محفوظة (ومؤمنة) لذاك الذي يقبلها”.

[42] غل 9:1.

43 Athanasius, Ap. con. Ar., 49; De decr., 2.5; Ad Ep. Aeg., 2; Ep., 2.6; Theodoret, Hist. eccl., 1.3; 2.6; 5.10.

44 Hilary, De syn., 61-64.

45 Athanasius, Ad. mon., 1.1-3.

46 Athanasius, Con. Ar., 2.15; 3.28, 35, 58; cf. also my discussion of this in Reality and Evangelical Theology, 1982, pp. 106ff.

47 Athanasius, De vit. Ant., 77-80.

48 Hilary, De Trin., 1.7-16; 2.5-11; 3.1-6, 18-26.

49 Hilary, De Trin., 1.8, 12; 2.5ff, 11.

50 Hilary, De syn., 65; De Trin., 3.18; 10.53; 11.44-47; 12.24-37.

51 Hilary, De Trin., 2.1-5; 10.51-53.

52 Hilary, De Trin., 2.2, 5.

53 Cf. G. Florovsky, Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox View, 1972, on ‘the scriptural mind’ and ‘the catholic mind’, pp. 9ff, 57f.

* إن الإيمان المسلَّم للكنيسة لم يكن مجرد مقولات عقيدية، ولكن كان هو الحياة الجديدة في المسيح، أي الحياة التقوية بحسب الحق المؤسس عليه هذا الإيمان، وهو ما سُمي ’وديعة الإيمان‘. إذن ففي الإيمان الصحيح تكون هناك المعرفة الصحيحة والتقوى السليمة، وهذه التقوى بدورها تقوم بحفظ الإيمان السليم والتعليم الصحيح من أي انحراف. (المترجم)

[54] أع 2:9؛ 9:19، 23؛ 4:22؛ 14:24، 22.

[55] 1تي 2:2؛ 16:3؛ 7:4، 8؛ 3:6، 5؛ 2تي 5:3؛ تي 1:1؛ 2بط 3:1، 6؛ 11:3.

[56] 1تي 3:6؛ تي 1:1؛ 2 تي 7:3.

[57] 1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2.

[58] 1تي 4:1؛ 7:4؛ 3:6-6؛ 2تي 4:4؛ تي 14:1؛ 2بط 16:1.

[59] 1تي 15:3-16؛ وعلى سبيل المثال: Hilary, De Trin., 11:9.

[60] أف 32:5.

[61] 1تي 20:6؛ 2تي 12:1؛ 2:2، 4؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 2تس 15:2؛ 6:3؛ غل 9:1؛ 2:2، 9؛ 1كو 23:11؛ 3:15؛ 2كو 3:11؛ رو 17:6؛ 1تي 6:4؛ عب 1:3؛ 14:4؛ 23:10.

62 Irenaeus, Adv. haer. (edit. By Harvey, 1897), 3. praef., 1-5, vol. 2, pp. 22ff; 3.38.1, pp. 131f; 4.40.2, p. 236. for this and what follows see, T.F. Torrance, ‘The Deposit of Faith’, Scottish Journal of Theology, 1983, vol. 36.1, pp. 1-28.

63 Irenaeus, Adv. haer., 1.3, vol. 1, p.94; 3.1-4, vol. 2, pp. 1ff; 3.11.1, p.47; 3.12.9, p.62; 4.4ff, pp. 234ff; 5.20, pp. 377ff.

64 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.4, vol. 1, pp. 282f; 2.39.1f, pp. 345f; 2.40-43, pp. 349-358; 3.38.1f, vol. 2, pp. 131f; 4.22.2, p. 178; 4.34.4, pp. 215-219.

65 Irenaeus, Adv. haer., 3.11f, vol. 2, pp. 43f; 3.17.6, p. 87f; 4.6, p.153; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.1, 4-6, pp. 212, 215f; 4.6.1, p. 291; 5.praef., 1-2, pp. 313ff; 5.27.2, pp. 398f.

66 Irenaeus, Adv. haer., 2.3.7, 1-4, vol. 1, pp. 342-344; 3.6.2, vol. 2, pp. 22f; 3.18.1, p. 92; 3.19.6, pp. 100f; 3.21.2, p. 107; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.5, 7, pp. 210, 218f.

67 Irenaeus, Adv. haer., 3.38, vol. 2, p. 132.

68 Irenaeus, Adv. haer., 3.38.1-2, vol. 2, pp. 131f; 4.53.1f, pp. 261ff; 5.20.1, pp. 378ff.

[69] اتي 15:3.

70 Irenaeus, Adv. haer., 3.11.11, vol. 2, p. 47.

71 Irenaeus, Adv. haer., 1. praef., vol. 1, pp. 1ff; 1.15, p. 67; 1.1.19-4.1, pp. 80-97; 2.7-9, pp. 271-274; 2.40-43, pp. 349-358; 3.1-5, vol. 2, pp.1-20; 3.38, pp. 131-3; 4.40-42.1, pp. 234-238; 4.53-54, pp. 261-264; 5. praef., pp. 313f; 5.20.1f, pp. 377ff.

72 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.15, vol. 1, pp. 66f; 1.18, pp. 80ff; 2.40-45, pp. 347-358.

73 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.14, vol. 1, p. 67; cf. 1.1.20, pp. 87ff; 1.3, pp. 93f; and Tertullian, De virg. vel., 1.

74 Irenaeus, Adv. haer., 1.19f, vol. 1, pp. 80-90; 2.37-43, pp. 342-358; 3.12.11, vol. 2, p. 65; 3.38, pp. 131f; Dem., 1-6.

* كان للهراطقة منهج مخالف لهذا المنهج في تفسير الكتاب المقدس. (المترجم)

75 Irenaeus, Adv. haer., 1.2, vol. 1, pp. 90f; 3.1f, 4, vol. 2, pp. 2ff, 25ff; 4.1, pp. 146ff; 4.53. 1, pp. 261f; 5.20.1, pp. 377f; Dem., 6.

76 Irenaeus, Adv. haer., 2.41, p. 349.

وهذه النقطة ذاتها كان ق. كليمندس السكندري قد طرحها عندما تكلم عن “النفاذ إلى الحق عن طريق أخذ قانون الحق من داخل الحق ذاته” – Strom, 7.16.

77 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.3f, vol. 1, pp. 282f; 2.41ff, pp. 349-358.

78 Origen, De prin., praef., 1.2, 6.

وكان أوريجينوس قد تكلم عن المسيح بكونه ’الحق الذاتي‘ أو ’الحق ذاته‘ انظر:

In Jn., 6.6; cf. 1.27; 2.4; and Con. Cel. 8.12.

79 See especially Origen, In Jn. 1.25-28 with 1.8.

80 Origen, In Cant. 2; Con. Cel., 7.31, 376.

81 Origen, In Jn. 1.7; In Matt., 10.1; In Deut., 1.21; In Jer., 18.6; Con. Cel., 4.71, etc.

82 Origen, Con. Cel., 1.2, 9f, 13, 24f, 42, 71; 3.23, 39, 42, 86; 4.2; 5.45; 6.27; 7.10; De prin., 4.3.16.

83 Origen, De prin., 1.1.1f; 1.3.3; 2.2.2; 2.4.4; 2.5.2; 2.7.2; 2.11.2ff; 3.5.1; 3.12.4; 4.2.1ff, 15. Origen sometimes distinguished between three meanings – cf. 4.2.4.

84 Origen, Con. Cel., 1.48; 6.23; 7.34; De prin., 1.1.9; 4.4.10; LXX Prov. 2.5.

85 Origen, In Jn., 1.8-10; 2.6; De prin., 3.6.8; 4.2.6; 4.3.13.

86 Cf. Origen, In Matt., 1.14. See also In Jn., 10.4, 18, 22; 20.3, 10, etc.

87 Origen, De prin., 4.3.15.

88 Origen, Con. Cel., 1.2; 8.32.

89 Origen, In Jn., 13.24; 32.25-29.

90 Cf. Origen, In Luc., 14.28.

91 Origen, Con. Cel., 3.8, 34, 60, 78; 5.33; 7.40, 49; 8.13, 75.

92 Origen, De prin., 1.5.4

93 Origen, In Jn., 1.3.

94 Origen, De prin., 4.1.1f; 4.2.2.

95 Origen, Ep. ad Greg., 3; Ep. ad Afr., 2-5.

96 Origen, Con. Cel., 7.11; De prin., praef.; 4.2.4, 7-9; 4.3.5.

* حيث إن كل ما يعمله الله يكون من الآب بالابن في الروح القدس. (المترجم)

97 Origen, De prin., 4.2.3; cf. praef. 1-2; In Jer., 3.22-4.

98 Origen, Con. Cel., 1.27; 3.60, 81; 5.33; 7.46; 8.20; De prin., 4.1.2, 5;

In Jn., 28. 23.

99 Origen, In Jn., 6.5f; De prin., 4.1.2, 5; Con. Cel., 2.4; 3. 34, 81; 5.4;

 8.13, 26, 59.

100 Origen, De prin., 3.1.17.

101 Origen, De prin., 1.5.4; 2.6.2; 3.1.17, 23; 3.5.3; 4.3.14; cf. Praef. 2;

 3.3.4; 4.2.2, 4; 4.3.15.

102 Origen, Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.46; 8.13; De or., 10.2; 13.1; 15.1-4.

103 Origen, In Jn., 1.33, 35; 2.34; Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.41, 46, 49; 8.12f, 26, 75; De prin., 1.3.4.

104 Origen, Con. Cel., 3.60; 5.4; 7.46; 8.57; 75; De or., 14-16, 20, 31; In Jn., 32.24; In Mat., 11.14. See also Origen’s Dialogue with Herakleides, SC, 67, ed. By J. Scherer, 1960, pp. 62, 64.

105 Origen, De prin., praef., 2, 3, 10; cf. 1.4.4; 4.4.5.

106 See Prosper of Aquitaine, De gratia Dei et libero voluntatis arbitrio, 8: legem credendi lex statuat supplicandi, MPL, 8, 209. Lex orandi-Lex credendi represents a telescoped form of Prosper of Aquitaine’s thought, found in the Ineffabilis Deus of Pius IX, and the Munificentissimus Deus of Pius XII, AAS, 1947, pp.540f.

107 Athanasius, De decr., 1-3; cf. Ep. Enc., 1 (ευ̉σέβεια α̉πό α̉σεβείας διώκεται)

وهنا تكلم ق. أثناسيوس عن التقوى التي تُضطهد بواسطة عدم التقوى

108 Athanasius, Ad episc. Aeg., 13; cf. 4, 9, 12.

109 Athanasius, De syn., 39.

110 Athanasius, Ad Ser., 1.17, 20; 4.4.

111 Athanasius, Ep., 11.9-11.

112 Hilary, De Trin., 5.18, 20.

113 Hilary, De Trin., 2.6f, 11.

114 Hilary, De Trin., 2.2, 5-8, 10-11.

115 Hilary, De Trin., 1.38.

116 Athanasius, Con. Ar., 4.21.

117 See the Der Balyzeh papyrus, cited by J.N.D. Kelly, Early Christian

 Creeds, 1950, p.89; or Epistola Apostolorum, ibid., p.82.

[118] ارجع إلى الحروم التي أُلحقت بقانون نيقية والتي ذُكرت باسم “الكنيسة الجامعة”.

[119] 1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2 وما بعدها.

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

هل كان هناك خليقتان، أولهما عبَر عنها الكتاب بقوله “في البدء خلق الله السموات والأرض” (تك 1: 1) وهذه تعرضت للفناء والاندثار، وهذا ما أشار إليه الكتاب بقوله “كانت الأرض خربة وخالية” (تك 1: 2) والثانية هي الخليقة الحالية والتي خلقها الله في ستة أيام (راجع وليم كلى – في البدء والأرض الأدمية)؟

ج:

يصعب قبول القول بخلقتين الأولى تعرضت للفناء والاندثار، ثم جاءت الثانية وهي مازالت قائمة للآن، وذلك للأسباب الآتية:

1- لماذا خلق الله الخليقة الأولى في أحقاب زمنية تمتد إلى ملايين السنين، بينما خلق الخليقة الثانية في ستة أيام..؟! هل قدرات الله قد زادت أم أنه طوَر أسلوبه في الخلق؟!

2- لماذا أفنى الله الخليقة الأولى؟ هل لأنه اكتشف نقصها وعدم نفعها، أو لأنها تعدت أوامره، أم لأنه يهوى التغيير؟!! وإن قالوا أن الله خلق الخليقة الأولى وسمح بانقراضها تهيئة للخليقة الثانية، فربما هذا يصح بالنسبة للكائنات الضخمة التي تحوَلت فيما بعد إلى بترول أو فحم، ولكن لماذا أفنى الكائنات الصغيرة والدقيقة؟!

3- قول الكتاب “وكانت الأرض خربة وخالية” تعبير عن أنها كانت جسمًا منصهرًا تحيط به الأبخرة الكثيفة المتصاعدة مما منع وصول الضوء إليها ” وعلى وجه الغمر ظلمة ” فهذه بداية الأرض، بينما لو كانت الأرض معمَرة بالخلقة الأولى ثم آلت إلى الخراب لأوضح الكتاب هذا بقوله ” وصارت الأرض خربة وخالية”، وليس ” وكانت”.

4- كثير من الكائنات التي ظنوها أنها خلقت في الخلقة الأولى مازالت مستمرة ليومنا هذا.

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

الإيمان الحقيقي القديس باسليوس الكبير

الإيمان الحقيقي القديس باسليوس الكبير

الإيمان الحقيقي القديس باسليوس الكبير

 

فكر الرب في عقولنا وقلوبنا

يقول داود النبي: “الرسول: أفكارك يا الله عندي، ما أكثر جملتها ” ( مز139: 17 ). ويقول معلمنا بولس الرسول : ” لأنه من عرف فكر الرب فيعلمّه، وأما نحن فلنا فكـر المسيح ” (1كو 2 : 16 ).

إنه حقاً شيء جيد إن نحتفظ بفكر الله العلىّ في عقولنا، وأي إنسان مسيحي حقيقي لا يتوقف عن أن يفعل هذا. ولكن لكى نعبّر عن هذا الفكر في كلمات، فهذه مخاطرة صعبة جداً، لأن ذكاؤنا غير كاف ليتعامل مع هذا الموضوع، واللغة التي نستطيع أن نعبر بها هي قاصرة وفقيرة عن وصف ذلك. لكن الرغبة في تمجيد الله هي طبيعة موجودة في كل مخلوق عقلاني، إلا أن القدرة للتعبير عن هذا الموضوع بكفاءة ليست متساوية. لا يوجد إنسان إلا ويرى في نفسه أنه قاصر وعاجز تماماً عن إدراك هذا، وكلما تعمق في الفهم في هذا الاتجاه فإنه يشعر أكثر بالجهل.

فبالرغم من أن الاثنان إبراهيم وموسى وصلا إلى أعلى قامة ممكن أن يصل إليها فهم البشر، إلا أنهما شعرا بضآلتهما أمام وجه الله، فقال إبراهيم ” أنى فقط تراب “، وموسى فكّر في أن صوته ضعيف ولسانه متلعثم، لأنه وجده غير قادر على التعبير عن كنه القوة العقلية. ولكن لأن جمهور المستمعين لي قد جاءوا ليسمعوا ما أتكلم به عن الله، ولأن الكنيسة دائما مستعدة أن تسمع، كما هو مكتوب ” لا توجد نهاية للسمع ” ( جا 1: 8 )، أنا أشعر إنني مرغم أن أتكلم بأكبر قدر من قدراتي، وسوف لا أتكلم عن الله كما هو، بل سأتكلم عن الله كما نفهم نحن فقط.

ولذلك فإذا أردنا أن نتحدث، يعتبر هذا فوق طاقة قدرتنا، لأنه حتى لو كان لدينا لسان الملائكة في كل طبيعتهم الذكية، فلا نستطيع أيضا أن نقدم إلا جزيئات صغيرة في هذا الموضوع لو أردت أن تتكلم عن الله أو تستمع إلى الله فلابد أن تسمو بجسدك وحواسك، وتعلو بعيدا فوق الأرض والبحر، وتترك الغلاف الجوى السفلى ورائك وتسافر فيما وراء الزمن والإيقاع الطبيعي للأرض ونظامها،

وتحلّق في الجو فوق الكواكب مع أشكالهم وأحجامهم المذهلة، وكل شيء يجعلها تسير في انسجام، وضوءها والوضع والحركة في التجاذب والتنافر مع بعضهم البعض، وعندما تذهب فيما وراء هذا ارتفع فوق في السماء وزد ارتفاعا وانظر حولك، وعقلك يفكر في هذا الجمال الذي هناك. الجموالله:ائية وجموع المرنمين من الملائكة ورؤساء الملائكة، ومجد هذه المنطقة، صفوف العروش، القوة، السلطة، الكرامة، وبعد أن مررت بكل هذا تأمل كل واحد منهم بعقلك.

في النهاية ستصل إلى الطبيعة الإلهية التي مازالت ثابتة، وهادئة، لا تتغير، بسيطة، نقية، واحدة لا تتجزأ، قوة تفوق الوصف، ومقدار غير محدود من المجد الذي لا يعبّر عنه، جمال لا يمكن أن تتصوره، الذي هو أداة جذابة حقيقية لأرواحنا المجروحة، ولكن لا تعبر عنها بالكلمات.

جمال الله :

 الآن ما هو أعظم من الجمال الإلهي؟ ما هو أبهج من التفكير في روعة الله؟ ما هو أقوى من اشتياقات النفس التي تحل عليها نعمة من الله؟ تلك التي تنقيها من الشرور، وهى صارخة بالحب الحقيقي ” أنا مجروح بالحب “! بريق الجمال الإلهي يفوق كل عبارات ووصف، فالكلمات لا تستطيع أن تعبر عنه، وقوىّ السمع لا يستطيع أن يستقبلها، فلا تستطيع أن تقارنه بإشعاعات كوكب الصبح أو القمر المضيء أو ضوء الشمس في نصف النهار، كل هذه المقارنات بالتأكيد تفشل في أن تعبر عن الطبيعة الحقيقية لهذه الإضاءة السمائية. كمثل مقارنة ظلام الليلة الغير قمرية الدامس مع شمس ساطعة في منتصف النهار.

الجمال الحقيقي لا يرى بالعين البشرية، ولكن يلتقط فقط بالروح والعقل، عندما يحدث ويشع في واحد من القديسين، ويترك وراءه اشتعالا من الحنين الذي لا يحتمل، والقديسون الذين يدركون حقيقة هذه الحياة الحاضرة يصرخون دائما ” وحسرتاه لقد طالت حياتي هنا “، أو ” متى أجيء وأتراءى أمام حضرة الله ؟ “، أو ” لأنطلق وأكون مع المسيح هذا أفضل جداً ” أو ” عطشت روحي لله القـوى الحي “، أو ” الآن يا سيدي تطلق عبدك بسلام “.

لأن هذه الحياة تظهر وكأنها سجن لأرواحهم، التي تلامست بالإشتياقات الإلهية، فأصبحوا نادراً ما يستطيعون أن يتحكموا في رغبتهم الملحّة للانطلاق، ورغبتهم ليروا جمال السماء الذي لا يشبعوا منه، ويتضرعون أن يستمر تفكيرهم في محبة الله بدون انقطاع في الحياة الأبدية. طبيعتنا البشرية تحب الجمال، والصلاح دائما جميل، ويستحق الحب، الله هو الصلاح وكل الأشياء تحتاج إلى الصلاح وبالتالي كل الأشياء تحتاج لله…

معونات الرب يسوع المسيح

من خلال الابن الوحيد جاءت كل أنواع المعونات للإنسان، وكل واحدة منها أخذت اسما خاصا بها. فعندما يجتذب إليه النفوس الطاهرة، التي لم يشوبها شائبة ولا نجاسة، مثل عذراء عفيفة، فهو عندئذ يدعى ” عذراء النفوس “. وعندما يؤدب ويعالج النفوس التي إنجرحت من ضربات الشيطان الذي أسقطها في الخطية، ففي هذه الحالة يدعى ” طبيب النفوس “. إن كل اهتماماته العظيمة بنا لا تجعلنا نستهين بقوته العظيمة أو بمحبته الكاملة للبشرية، تلك التي جعلت مخلصنا له المجد يعانى معنا أسقامنا، وأن ينزل إلى حالتنا التي في الضعف.

لأنه لا السماء ولا الأرض ولا كل البحار والمحيطات ولا المخلوقات التي تعيش في الماء أو على الأرض، ولا أي من النباتات، ولا النجوم ولا الهواء ولا كل الفصول، ولا كل الموجودات المختلفة التي في الكون، تستطيع أن تظهر جيداً سمو جبروته. لأنه بالحقيقة هو الإله الغير محدود، الذي استطاع بغير استحالة أن يقابل الموت من خلال جسده، وبآلامه الخاصة، منحنا الحرية من المعاناة كما قال معلمنا بولس الرسول ” لكن في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا ” ( رو 8: 37 ).

هذه العبارة لا توحي ببساطة هذه المهمة التي قام بها ربنا له المجد، ولكن على العكس تبين لنا عظم المساعدة التي أعطيت لنا بقوة لاهوته، حتى نحصل على انتصارنا. إن كلمة الله الخالق وحيد الجنس، هو مانح المعونة، وهو موزع مساعداته المتنوعة والكثيرة لكل الخليقة كل حسب احتياجه: فالمحبوسون في ظلام الجهل يعطيهم النور، لذلك هو يدعى ” النور الحقيقي “. عندما يقبل التائبين فهو عندئذ الديان، ولذلك يدعى ” الديان العادل “، لأن ” الآب لا يدين أحداً، بل قد أعطى كل الدينونة للابن ” ( يو 5: 22 ).

عندما يقيم الساقطين من الحياة إلى أسفل الخطية، فهو يدعى ” القيامة “، لأنه هو الذي قام من الموت وبعث الحياة، هو ” الخالق ” لكل الأشياء بلمسة من قوته وإرادته الإلهية، هو ” الراعي “، هو ” المنير”، هو ” المغذى “، هو “المقوي”، هو ” المرشد “، هو ” الشافي “، هو ” المقيم “، هو الذي ” دعي الأشياء التي لم تكن “، وهو الذي ” يثبت الأشياء الكائنة “.

لذلك كل المعونات الجيدة تأتينا من الله خلال ابنه الوحيد الجنس، الذي يعمل في كل حالة بسرعة عظيمة أسرع من أن ينطقها اللسان، فلا البرق، ولا سرعة الضوء في الهواء، ولا لمحة العين، ولا حتى حركة الفكر، تماثل سرعة استجابته، لأن القدرة الإلهية تفوق كل هذا.

الباراكليت

الروح القدس لا يستريح في النفس البشرية إلا بعدما تبتعد هذه النفس عن المؤثرات والأهواء التي أتت عليها نتيجة مرافقتها للجسد، والتي أدت بالتالي على انتزاعها من صداقتها لله.

فعندما يتنقى الإنسان من العار الذي أصابه بوقوعه في الرذيلة، ويرجع إلى الجمال الأصلي لطبيعته، التي هي الصورة الملوكية النقية، وترجع النفس إلى شكلها الأصلي، بعد هذا يمكن لها أن تقترب إلى ” الباراكليت “، الذي هو مثل الشمس، يجعل عينيك النقية ترى الصورة الحقيقية، صورة الله الغير مرئي، وتنظر الصورة المباركة لله، وتقترب من صورة الجمال الغير منطوق به ” للباراكليت “.

من خلال ” الباراكليت ” ترتفع القلوب إلى أعلى، والضعيف يقوده من يديه إلى الطريق السليم، والذين يحاولون أن يتقدموا في حياتهم الروحية يصل بهم إلى حالة الكمال. هو يشع على الذين نقّوا أنفسهم من كل دنس، ويجعلهم روحانيين بمرافقته لهم، تماما مثل الأشياء اللامعة والبراقة، التي عندما تسقط عليها أشعة الشمس، تظهر وكأنها أكثر لمعانا وبريقا، كذلك كل النفوس التي تحمل الروح القدس، تصبح مضيئة بالروح القدس، وهم أنفسهم يصبحوا روحانيين، ويشعوا على الآخرين بنعمتهم.

” الباراكليت ” هو القدوس: لاء النبوة وفهم الأسرار، وإدراك الأشياء الخفية، والحصول على العطايا السماوية، ومواطنة السماء، هذا المكان الذي فيه جنود الملائكة، والسعادة التي لا تنتهي، الإتحاد بالله، ونصبح شبه الله، بل والأعلى من كل هذا هو أن نصبح آلهة، هذه فقط بعض من أفكارنا التي تتعلق بالروح القدس، التي تعلمنا أن نتمسك بها، فيما يخص عظمته وعزته وجلاله وأفعاله، التي ننطق بها بنعمة الروح القدس.

إنعامات روح الله القدوس :

من هم الذين لا تنتعش أنفسهم عندما يسمعون كلمة ” الروح القدس ” ؟!، ومن هم الذين لا يرتفع تفكيرهم إلى الكائن الأسمى؟!، لأنه يدعى ” روح الله “، ” روح الحق “، الذي ” ينبثق من الآب “، ” روح الاستقامة “، ” الروح المرشد “. إن كل هذه الصفات المقدسة هي مندمجة ومتحدة ولا تتجزأ، فإن المرأة السامرية التي كانت تعتقد أننا سنسجد لله في مكان معين، فإن مخلصنا الصالح – لهذا الاندماج الغامض – قال لها ” الله روح ” ( يو 4: 24 ).

عندما نسمع عن الروح القدس، فإننا من المستحيل أن نعتبره طبيعة محدودة، ويتعرض للتغيير والتبديل، مثل أي مخلوق، ولكننا لابد أن نعلوا بعقولنا إلى العلو التام، ونؤمن بكل قوة على اعتباره جوهر عاقل لقوة غير محدودة، وعظمة لا نهائية، لا تقاس بالأوقات ولا العصور. إن الروح القدس هو كريم في عطاياه لكل المواهب الحسنة، إن لجأ إليه أحد يطلب منه المعونة التي يحتاجها للقداسة، أو يطلب منه أن يعيش في حياة الطهارة والفضيلة، فإنه يهبهم كلهم بعطاياه وهباته ومساعداته، حتى يصلوا إلى الطبيعة التي يريدونها، والنهاية الحسنة التي يرغبونها.

إن الروح القدس يكمل كل الأشياء، ولكنه هو بنفسه لا ينقص شيئا، لا يحتاج إلى إعادة حياة، وهو الذي يهب الحياة، لا ينمو بالتدريج، ولكنه كامل وثابت، ويوجد في كل مكان، هو منبع القداسة، وضوء العقل، ينير بذاته لكل عقل يطلبه بعد الإيمان به. يتعذر الوصول إليه بالطبيعة الجسدية، وصلاحه يشمل كل الخليقة، يحتوى كل الأشياء بقوته ويحل فقط في الذين هم مستحقين، لا يوزع هباته بمكيال واحد، ولكنه يوزعها بقدرته حسب درجة إيمان كل واحد.

هو روح بسيط، ولكنه يهب هبات مختلفة، كله موجود في كل واحد، وكله موجود في كل مكان. هو يُقسّم بدون أن يشعر بألم، يوزع على الكل بدون أن ينتهي، ولكنه يبقى كاملا إلى الأبد، مثل أشعة الشمس التي تلقى بخيراتها على كل شخص فيتمتع بها، كما لو كانت الشمس قد وُجدت له وحده، وفى نفس الوقت هي تضيء على الأرض والبحار وتخترق الأجواء.

هكذا أيضا يكون الروح القدس لكل الذين يستقبلونه، كأنه قد أعطى لهم وحدهم، وبهذا يسكب قوة كافية ونعمة غير ناقصة على الكل، ويتمتع به كل الذين يشتركون فيه، ليس حسب قدرة الروح القدس، فهو قادر على كل شيء، ولكن بقدرة طبيعة هؤلاء الأشخاص واستعدادهم ونموهم.

الامتلاء بالروح القدس:

بالروح القدس يتم رجوعنا إلى الفردوس وصعودنا إلى الملكوت السمائي، وتعود بنوتنا الحقيقية كأولاد وبنات الله[2]، وتكون حريتنا كاملة لندعوا الله أبانا[3]، وتتم مشاركتنا في نعمة المسيح، ويطلق علينا مرة أخرى أولاد النور، لنشارك في المجد السماوي. وباختصار امتلاؤنا بالنعمة في هذا الدهر، والدهر الآتي، ونحظى بالأشياء الجميلة المعدة لنا بالوعد، والتي ننظر نعمتها كما في مرآة، ونحن بشوق ننتظرها بالإيمان، كما لو كانت موجودة بالفعل. إذا كان هذا هو العربون فما أعظم المكافأة النهائية؟! وإذا كانت هذه هي الثمار الأولى فما أعظم الامتلاء؟!

قوة الروح القدس:

ما هي أعمال الروح القدس التي لا توصف في عظمتها، ولا تحصى في عددها لكثرة تعددها؟ كيف نستطيع أن نكوّن فكرة على هذا الذي يمتد عبر الأزمان ؟ ما هي مقدار القوة التي سيصنعها عبر الأزمان التي تأتى ؟

هو كائن، وقد كان، وسيكون فيما بعد، مع الآب والابن من قبل كل العصور. لو استطعت أن تكوّن فكرة عما يمتد فيما وراء الزمان ؟! فأنك ستجد الروح القدس فيما وراء هذا !. لو فكّرت في الخليقة فإن القوات السمائية قد أقسمت بالروح القدس، وإقامتهم في الحقيقة يكمن في أنهم لا يستطيعون أن يتركوا الصلاح. لأنه بالروح القدس، هذه القوات ترافق الله على الدوام، وهى هناك لا تستطيع أبداً أن تتجه إلى الشر، بل تثبت في القداسة إلى الأبد.

حينما تجسد ربنا يسوع المسيح، حيث الروح القدس كان هو الفاعل، ومجيئه كان بالجسد، ولكن الروح القدس لم ينفصل عنه. أعمال المعجزات ومواهب الشفاء كانت تصنع بالروح القدس، الشياطين كانت تخرج بروح الله، الشيطان أنحدر إلى الجحيم في حضرة الروح القدس، الخطايا غفرت بنعمة الروح القدس، أنت أيضاً اغتسلت وتقدست وتبررت في اسم الرب يسوع المسيح، وفى الروح الذي لإلهنا، الروح القدس هو الذي يعطى التبعية لله، ” الله أرسل روح ابنه في قلوبكم صارخا يا أبا الآب ” ( غلا 4: 6 )، إقامة الموتى هي عملية الروح القدس ” عندما ترسل روحك تخلق، وتجدد وجه الأرض ” ( مز 104: 30 ).

لو فهمنا عملية الخلق بأنها تعنى أن ترجع الحياة للذين كانوا قد ماتوا، إذاً كم هو عظيم عمل الروح القدس، الذي يمنحنا الحياة في القيامة، ويجعل النفس تعيش في انسجام مع الحياة الروحية ( التي هي عتيدة في القيامة ).

إن نفوسنا ترتفع متعجبة بشدة من أن عملية الخلق هذه تعنى التغيير إلى الأفضل، لهؤلاء الذين سقطوا في الخطية، كما يقول معلمنا بولس الرسول: ” هكذا إذا كان أي أحد في المسيح فهو يكون خليقة جديدة ” ( 2كو 5: 17 )، التغيير في هذه الحالة يعنى التجديد في هذه الحياة، والتحول من الشهوات العالمية إلى الطريق السمائى الذي يحدث بفعل الروح القدس.

بالنظر إلى كل هذه الأشياء، بالحقيقة أخشى إن أكون قد تعديت الحدود في شرح الشرف العظيم الذي للروح القدس، أو أكون قد أنقصت منه، لأن أفكارنا البشرية هي قاصرة عن أن تفهم ذلك الذي هو أعظم الأسماء ( الروح القدس ).

الروح القدس يغيرنا:

ليتنا نعود للموضوع الأساسي، عندما ننقى العقل من كل الاهتمامات العالمية، ونترك وراءنا كل أشكال الحياة المحسوسة ونرتفع بأنفسنا مثل سمكة من الأعماق إلى السطح، الآن ومن خلال خليقة نقية، نستطيع أن نرى الروح القدس والآب والابن الذي في نفس الطبيعة والجوهر، يظهر نفس الخير والصلاح والقداسة والوجود. فقد قال داود النبي ” روحك صالح ” ( مز 143 : 10)، وقال أيضاً ” روحك مستقيم ” ( مز 51: 10 ) وقال معلمنا بولس الرسول ” المعطى الحياة بفعل الروح ” ( رو 8: 11 ).

كل هذا ليس مستحدثاً أو جاء في الوجود متأخراً، لأن الدفيء لا ينفصل عن النار، ولا التألق عن الضوء، وأيضا قوة التقديس وإعطاء الحياة، مع صفة الخير والصلاح لا يمكن أن تنفصل عن الروح، لأن هنا تسكن الروح في الكيان الإلهي، وبالتالي لا نستطيع أن نحصيها في صيغة الجمع ولكن تظهر فقط في وحدانية الثالوث، وبدون انقسام. فبما أن الآب واحد والابن واحد كذلك الروح القدس أيضا واحد.

الملائكة القديسين الذين يسهرون على خدمة الروح القدس يظهروا لنا بشكل خاص أنهم يفوقوا العدد، ولكننا لا يجب أن ننظر إلى الخليقة بهذه الطريقة، بما يحدث خارجها، ونحكم على القداسة بالذين يُقدّسون، لأن الروح يملأ الملائكة ورؤساء الملائكة وهو يقدس قوتهم ويعطى كل شيء الحياة. فالروح القدس ينتشر من خلال كل الخليقة، ويعطى من جوهره بدون أن ينقص بمضي الزمان، ويوزع نعمته لكل شيء ولكن هو بالذات لا يتشتت، ولكن باستمرار يعيد امتلاء كل الذي يزوره

( المؤمنين به ) بدون أن يفقد أي شيء من نفسه، بالضبط مثل الشمس يشع ضوءها على كل شيء، وتعطى من نفسها،، ولكن لا يمكن أن تنقص بمرور الوقت، فالروح يجود بعطاياه ويبقى كاملاً غير منقسم، هو يضيء طريق الله لكل الذين يطلبونه، يلهم الأنبياء يعطى الحكمة للمشرعين، وروح الإرشاد للكهنة، يعطى القوة للملوك والثقة للنبلاء والحكام، يشفى المرضى ويقيم الموتى، يعتق الذين في القيود، يعول الذين لا عائل لهم .

إذا وجد عشاراً يجعله تلميذاً، وإذا قابل صياد سمكٍ يجعله ناطقا بالألوهيات، وإذا وجد مضطهدا للكنيسة يصيّره رسولاً ينشر الإيمان ويكون أداته المختارة. وهكذا يعمل الروح الضعيف يصير إلى القوة، والفقير يصبح غنيا، والجاهل يتحول إلى حكيم. رغم أن بولس كان ضعيفا، ولكن وجود الروح القدس بداخله أعطاه قوة، حتى ثيابه كانت تشفى الأمراض. وعندما كان بطرس محاطاً بالمرضى، كان ظله إذا وقع على أي مريض شفى في الحال من أسقامه.

بطرس ويوحنا كانا رجلان فقيران لا يملكا ذهبا أو فضة، ولكنهما أعطيا عطية شفاء الأمراض التي تعتبر ذات قيمة أفضل من أكوام من قطع الذهب. فقد كان هناك رجل مقعد، الذي أخذ مالاً من كثيرين، ولكنه استمر يعطى، ولكن بمجرد أن أخذ عطية بطرس قفز مثل الغزال يمجد الله ولم يعد يستعطى مرة أخرى. يوحنا الذي كان يجهل حكمة العالم كان قادرا وشاكرا على قوة الروح حتى أظهر الحكمة التي تفوق حكمة الحكماء.

الروح في السماء ولكنه يملأ الكون، وحاضر في كل مكان، ولا يمكن أن يكون مقيداً، هو كله موجود في كل شيء وكله أيضا موجود مع الله. يوزع العطايا ولكنه يختلف عن أي أحد آخر يعطى، لأنه يعطى بكامل سلطته، كما قال ربنا يسوع له المجد : ” لأن كل من له يعطى فيزداد ” (مت 25: 29). فإنه يجعل توزيعه بإرادته وبرغبته الحرة، ليتنا نصلى أن يكون دوما فينا، ولا يتركنا إلى الأبد، بنعمة إلهنا يسوع المسيح له القوة والمجد إلى الأبد آمين…

إيماننا ثابت:  

أصدقائي الأعزاء رغم أننا صغار وضعفاء، إلا أننا كلنا متساويين أمام نعمة الله، التي لا يمكن أن تتغير بالظروف أو الأحداث، لأنه لا يوجد إيمان في سيلوكيا، وآخر في القسطنطينية، واحد في زيلا، واحد في لامبساكيوس وواحد في روما، والذين في المناطق المحيطة لا يختلفوا عن ذلك، لأن كل الإيمان واحد وغير مختلف، كلنا تعمدنا كوصية الرب يسوع، ولدينا إيمان ثابت لأننا تعمدنا على اسم الثالوث ونعبد الله كما نؤمن به.نحن لا نفصل الروح القدس عن الآب أو الابن، ولا ندّعى أنه أكثر أهمية من الآب أو الابن كبعض الهراطقة، الذين يحاولون أن يدّعو ذلك، من يتجاسر أن يرفض قوانين الله أو يقدر أن يرتب أسماؤه بالأوليات ؟! وأيضا لا ندّعى أن الروح القدس وُجد بعد الآب والابن، ولا أن دوره في الإرشاد بطريقة أو بأخرى أقل أهمية.

أننا نتأكد بالكلمات التي قالها الله ” كل خطية وتجديف يغفر للناس، أما التجديف على الروح القدس فلن يغفر لا في هذا العالم ولا في الآتي ” ( مت 12: 31 ).

احترس من التجديف على الروح القدس. استمر ثابتا على إيمانك وعندما تنظر حول الكنيسة تأكد أن جزءاً فقط منها هو المريض، أما الباقين كلهم استقبلوا الأخبار الجيدة إلى أبعد مدى وقبلوا هذا الإيمان الجيد والصحيح الذي نعلمّه.

نحن نصلى ألا نلقى خارجاً معهم في يوم الدينونة، عندما يوزع إلهنا يسوع المسيح مصيرنا كلّ حسب أعماله.

الإيمان الحقيقي القديس باسليوس الكبير

الإيمان والأعمال – هل حقا ناقض يعقوب بولس؟

الإيمان والأعمال – هل حقا ناقض يعقوب بولس؟ – ترون أنه بالأعمال يبرر الإنسان أم الإنسان يبرر دون الأعمال؟

الإيمان والأعمال – هل حقا ناقض يعقوب بولس؟ – ترون أنه بالأعماليبرر الإنسان أم الإنسان يبرر دون الأعمال؟

واحدة من الأكثر الشبهات المعروفة هي التناقض الظاهر بين بولس ويعقوب فبولس يقول: “إذا نحسب أن الإنسان يبرر بالإيمان دون أعمال الناموس” رو 3: 28 بينما يقول يعقوب: “ترون إذا أنه بالإعمال يبرر الإنسان لا بالإيمان وحده” يعقوب 2: 24.

 

الإجابة

إن كنت اطلعت على نص العهد الجديد لابد أنك انتبهت للنصين. المسيحيون على مر العصور كانوا قد أمعنوا النظر فيها. وخصوصًا في فترة الإصلاح البروتستانتي كان هناك جدل في فهم الفرق بين ما يقوله بولس وما يقوله يعقوب. إذا ماذا يجري هنا؟ إذا أقرينا بسُلطة ووحي الكتاب المقدس، فإنَّ جوابنا التلقائي سيكون أن كلا الحواريين لا يمكنهما مناقضة بعضهما البعض لكن ماذا حقا هم قائلون، إن كنا صادقين بالفكر هل علينا أن نعترف بالتناقض؟

فما هو نوع الإيمان المقصود إذا قرأنا يعقوب 2: 24 بشكل منعزل عن فهم سياقه سنكون أمام مشكلة حقيقيّة. لأنه إذا كان يعقوب يقصد نفس ما قصده بولس بالإيمان في رو 3: 28 افس 2:8-9 عندئذ سيكون يعقوب مناقضاَ بشكل قاطع مع عقيدة التبرير بالإيمان ووحده فقط.

 على كل الأحوال واحدة من أكثر القوانين الجوهرية أنه على كل نص أن يفسر في مضمونه لنفهم بشكل صحيح ما عناه يعقوب بالإيمان وحده يجب إن يقرأ في مضمونه. كان الجدل المركزي في الإصلاح البروتستانتي متوقفا ولو بشكل جزئي على الأقل لكيفية فهم الفرق بين بولس ويعقوب في يعقوب 2:14 أشار الرسول إلى أن الإيمان لا يحتاج أعمال وبعدها سأل هل يمكن لهذا الإيمان أن ينجيك؟

هو يشرح أيضاَ ماذا يعني “هذا الإيمان” في الآية 19 أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ! رسالة يعقوب

الشياطين تؤمن أن الله واحد بسفر التثنية 6: 4 اسمع يا إسرائيل. الرب الهنا رب واحد. على أنها حقيقة، يؤمنون أن إله إسرائيل هو الإله الحقيقي الوحيد الذي سيحاسب العالم ونتيجة لذلك فهم يرتعدون. لكن هذا لا يبرر الإيمان. فعلى سبيل المثال شخصية إبراهيم يذهب يعقوب لشرح هذا النوع من الإيمان بالإشارة إلى مثال إبراهيم وهذا المثال ربما يمكننا من الرؤية بوضوح الفرق بين الرسولين يعقوب وبولس بشأن صيغة تبرير الإيمان بين بولس ويعقوب فكلاهما اقتبسا نفس الآية “فآمن بالرب فحسب له برًا” التكوين 15:6

ولكن من المهم ملاحظة السياق في حياة إبراهيم والذي كلا الكاتبين يفكران به في يعقوب 2 نحن نقف عند التكوين 22 عندما كان إبراهيم يقدم ابنه إسحاق كذبيحة للرب. مهما كانت الحساسية التي قد تنتجها هذه القصة فينا فان التضحية بإسحاق هي فعل أساسي في طاعة إبراهيم.

إن ذبيحة إسحاق هي فعل الطاعة الأساسي في حياة إبراهيم لكن آيات التكوين 22 تأخذ مكانا متقدما في الزمان عقوداَ بعد التكوين 15. إبراهيم كان عمره قرابة 75 عامًا عندما كلمه الله تكوين 12:4 وفي التكوين 15 كان على الغالب بعد التكوين 12 بسنوات قليلة ولم يكن ليولد إسحاق بعدها بعقود عديدة إي حتى أصبح عمر إبراهيم 100عام التكوين 21:4. كان إسحاق بعمر المراهقة على الغالب عندما ذهب به إبراهيم إلى الجبل من أجل التضحية في الحقيقة في التقليد اليهودي إسحاق كان عمره حوالي 37 سنة في التكوين 22.

على الأقل نحن نعرف أن إسحاق كان كبيراَ لحد القدرة على حمل الخشب للتضحية على قمة الجبل. عندما نضع كل ذلك معًا نرى أن طاعة إبراهيم في التكوين22 أخذت مكانها بعد عقد من الإيمان وانتظار وعود الله ويعقوب يشير إلى أن هذه الطاعة عندما يقول “وتم الكتاب “يعقوب2: 23 وَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا» وَدُعِيَ خَلِيلَ اللهِ. (Goodman, 130-131).

فعندما نفهم الإيمان بشكل سليم. نجد أن إبراهيم تبرر بالإيمان وحده ولكن لم يستمر الأمر بالإيمان وحده هذا ما عناه يعقوب في يعقوب 2: 21 فان دور الإعمال في التبرير يختلف عن دور الإعمال في التبرير. فتم تبرير إبراهيم ومنحه لقب بار عندما امن بوعود الله وعهوده. ومع ذلك يجب أن يتحقق هذا من خلال إعمال بارة وأمينة.

يؤكد يعقوب على أن هذا النوع من الإيمان الذي يبرر ينتج عنه تبرير. هو الإيمان الذي يتخطى المعتقدات وحثي العاطفة. إنه الإيمان الذي يرتكز على وعود الله ويتصرف على أساس تلك الوعود. إن العقيدة لا تنفصل في النهاية عن الأعمال الجيدة

الاختلاف عن بولس؟

يجادل يعقوب بان الإيمان المزعوم لا ينتج عنه أعمال صالحة ليس إيمانا خالصاَ على الإطلاق فهل هذا يختلف في الواقع عما يقوله بولس في أماكن مثل رومية 3-4 غلاطية 2-3 وأفسس 2؟

على عكس يعقوب الذي كان تناول وجهة نظر خاطئة عن الإيمان. حارب بولس وجهة النظر الخاطئة عن الأعمال. بغض النظر عن كيفية تعريف المرء ل “أعمال الناموس يبدو أن البعض قد جادل بأنه يجب القيام ببعض الأعمال لكي يعلن الله إن شخصا ما صالح. أجاب بولس بشكل قاطع أن التبرير يتم بالأيمان وحده بمعزل عن أعمال الناموس.

لكن هذا لا يعني تجاهل ضرورة القيام بالأعمال الصالحة الصادقة. تأمل ما يقوله بولس في رومية 4 حيث يقتبس أيضاَ من التكوين 15:6 على عكس يعقوب الذي ينظر في التكوين 22 إلى إيمان إبراهيم، ينظر بولس في التكوين 15 إلى بقية حياة إبراهيم ويتطلع إلى تلك اللحظة التي تم فيها تبرير إبراهيم ماذا كانت النتيجة بعد ذلك؟

عندما يتم فهمها بسياقها الصحيح فمن الواضح أن يعقوب لا يناقض بولس على العكس فهم يكملون بعضهم البعض بشكل جيد. لاحقا في ذا الفصل كتب بولس أن إبراهيم “ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله بل تقوى بالإيمان معطياَ مجدا لله. وتيقن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضاَ” رومية 4:20-21 أصبح إيمان أقوى مع تزايد اقتناعه بقدرة الله على الوفاء بما وعد.

يبدو هذا بالتأكيد زيادة في القداسة والأعمال الصالحة. وكما يؤكد في بقية رسائل رومية (ناهيك ع رسائل بولس الأخرى) فان الطاعة المسيحية كانت بالتأكيد متوقعة لمن لهم حق التبرير (انظر إلى رومية6:1-14).

عندما يقول يعقوب أننا لسنا مبررين بالإيمان وحده فمن الواضح أنه لا يشير إلى نوع الإيمان المبرر الذي يوجهنا بولس إليه في رومية 3-4.عندما يقول بولس أننا مبررون بصرف النظر عن أعمال الناموس فمن الواضح أنه لا يشير إلى نوع الأعمال الصالحة التي يراها يعقوب. عندما يتم فهمها في سياقها الصحيح فمن الواضح أن يعقوب لا يناقض بولس عل العكس تماماَ فهم يكملون بعضهم البعض بشكل جيد.

Does James Really Contradict Paul? Chris Bruno

الإيمان والأعمال – هل حقا ناقض يعقوب بولس؟ – ترون أنه بالأعمال يبرر الإنسان أم الإنسان يبرر دون الأعمال؟

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

هذا ليس حقيقي – هل يمكن ان يكون شيء حقيقي لك و ليس حقيقي لي؟ | ترجمة: ريمون جورج

كتاب المنطق والايمان – م. هـ. فنلي

كتاب المنطق والايمان – م. هـ. فنلي

المنطق والايمان – م. هـ. فنلي

المنطق والايمان – م. هـ. فنلي

 

لتحميل الكتاب

كتاب المنطق والايمان – م. هـ. فنلي

من الإلحاد إلى الإيمان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

من الإلحاد إلى الإيمان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

من الإلحاد إلى الإيمان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

من الإلحاد إلى الإيمان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

كتاب لغة الإله PDF – فرانسيس كولينز – للتحميل

 

الفصل الأول: من الإلحاد إلى الإيمان

لم تكن بداية حياتي تقليدية في عدة جوانب، ولكن كابن لمفكر حر كانت نشأتي حديثة تقليدية تماماً في موقفها من أن الإيمان ليس أمراً مهماً. لقد نشأت في مزرعة وحلة في منطقة Shenandoah Valley بولاية فرجينيا. لم يكن في المزرعة مياه جارية، وكان هناك القليل من وسائل الراحة. ولكن مقابل هذه الأمور حظيت بخليط من تجارب محفزة وفرص وفرها لي والداي من خلال مجموعة من الأفكار المميزة.

لقد التقى والداي في كلية الدراسات العليا في جامعة ييل Yale في عام 1931 وقد أخذا معهما مهارات التنظيم السائدة هناك وحب الموسيقى إلى منطقة Arthurdal في ولاية فرجينيا الجنوبية حيث عملا مع آنا الينور روزفلت[1] Eleanor Roosevelt على تطوير مناطق التنقيب عن الفحم المعلمة التي كانت تبعث على الاكتئاب.

ولكن بقية المستشارين في إدارة روزفلت كانت لديهم أفكار أخرى، وسرعان ما جف التمويل. تفكيك منطقة Arthurdal بسبب الطبقة السياسية في واشنطن جعل والداي لا يثقان بالحكومة طوال حياتهما. انتقل والداي إلى الحياة الأكاديمية في كلية ألون Elon College في بيرنلغتون Burlington في ولاية كارولاينا الشمالية. هناك تعرفوا على ثقافة الفن الشعبي الجميل في أرياف الجنوب، وأصبح والدي مولعا بجمع الموسيقى الريفية، مسافراً بين الهضاب والأودية محاولاً إقناع أبناء الولاية الكتومين لتسجيل أغانيهم في آلة التسجيل الخاصة به. هذه التسجيلات إضافة إلى مجموعة أكبر من تسجيلات ألن لوماکس Alen Lomax شكلت جزءًا مهماً مجموعة تسجيلات غناء الريف الأمريكي في مكتبة الكونغرس الأمريكية.

عندما وقعت الحرب العالمية الثانية، تراجع اهتمام والدي بتجربته الموسيقية إلى المقعد الخلفي ليفسح المجال أمام أمور طارئة تتعلق بالأمن القومي، فاتجه للعمل في مجال صنع القنابل لأغراض الحرب، وانتهى به المطاف إلى أن يصبح مستشاراً في صناعة الطائرات في لونغ أيلاند Long Island.

في نهاية الحرب، توصل والداي إلى قناعة بأن ضغوط بيئة التجارة لا تناسبهما. ولأنهم سبقوا عصرهم في الأربعينات قرروا أن يذهبوا إلى منطقة Shenandoah Valley في فرجينيا ليشتروا مزرعة بمساحة 59 هكتار وقاموا بتكوين نمط حياة زراعي دون استخدام أدوات زراعة. ولكنهم اكتشفوا بعد أشهر قليلة أن ذلك لن يساعدهم في تربية أثنين من أبنائهم المراهقين (وكنت أنا ثالثهم بعد فترة قصيرة). وهذا ما دفع والدي إلى العمل كمدرس للدراما في كلية محلية للبنات. لقد قام باستئجار ممثلين من البلدة، ومعاً قام هؤلاء الطلبة مع التجار المحليين بتمثيل مجموعة من المسرحيات وكانوا مستمتعين بذلك. وبسبب ضجر الأهالي من طول الصيف وشعورهم بالملل قام والداي بتأسيس مسرح في بستان من أشجار البلوط يقع بالقرب من مزرعتنا. وقد استمر هذا المسرح دون انقطاع لمدة خمسين سنة لاحقة.

لقد ولدت في مزيج مبهج من الجمال الريفي وطبيعة العمل القاسية والمسرح الصيفي والموسيقى وترعرعت فيه. باعتباري أصغر أربعة أخوان لم أستطع أن … لقد ترعرعت بانطباع أن عليّ أن أتحمل مسؤولية سلوكي واختياراتي لأنه لن يهتم أحد غيري بهذه الاختيارات سواي.

كما هو الحال مع بقية أخواني، فقد تلقيت تعليمي في البيت على يد والدتي التي كانت معلمة بارعة. لقد منحتني هذه السنوات الأولى من حياتي هدية لا ثمن لها وهي حب التعلم. على الرغم من أن أمي لم تكن تخصص جدولا محددا لتدريسي إلا أنها كانت تمتلك إدراكاً عجيباً في تشخيص المواضيع التي تأسر عقل شاب صغير، وكانت تقدم المواضيع بطريقة جادة حتى تصل إلى الهدف المطلوب، ثم تنتقل إلى موضوع جديد وفي الوقت نفسه يكون مشوقاً. التعليم لم يكن أمراً يجب أن تفعله، بل أن تقوم به لأنك تحبه.

لم يكن الإيمان جزءًا مهماً في طفولتي. لقد كانت لدي فكرة ضبابية عن الإله، وكان تعاملي معه منحصراً في لحظات طفولية عابرة عندما كنت أريد منه أن يحقق لي شيئا ما. على سبيل المثال، أتذكر عن أنني عقدت اتفاق مع الإله (في عمر التاسعة) أنه إذا منع سقوط المطر أثناء عرض المسرحية والحفلة الموسيقية مساء السبت والتي كنت استمتع بها بشكل خاص سوف لن أدخن. وبالتأكيد هذا ما حصل، لم يسقط المطر ولم أعد إلى التدخين مطلقا. وفي وقت سابق قرر والدي أن يرسلاني وأخي الأكبر مني لنصبح أعضاء في فرقة الإنشاد في كنيسة Episcopal. لقد كانوا واضحين معنا في أن هذه فرصة عظيمة لتعلم الموسيقى، وأن علينا ألا نأخذ التعاليم اللاهوتية على محمل الجد. وقد اتبعت تعليماتهم، فقد تعلمت عظمة التناسق والألحان، في حين أن المفاهيم اللاهوتية التي كان يلقيها علينا الواعظ تمر على مخيلتي من دون أن تترك أي أثر واضح.

عندما كنت في العاشرة من عمري انتقلنا إلى البلدة للبقاء مع جدتي المريضة، ودخلت المدرسة. وفي سن الرابعة عشرة تفتحت عيناي على عظمة ومتعة المناهج العلمية. ومن خلال شخصية معلم الكيمياء صاحب الكاريزما والذي كان يتقن الكتابة على السبورة بكلتا يديه، اكتشفت لأول مرة الاكتفاء الفائق للطبيعة المرتبة لهذا العالم. لقد كانت حقيقة أن كل ما هو موجود في الكون المكون من ذرات وجزيئات وفق مبادئ رياضية أمرا غير متوقعة، كما أن القدرة على استخدام أدوات العلم الاكتشاف أشياء جديدة جعلتني أدرك أنني أريد أن أكون جزءًا من هذه البيئة. في ظل الحماس لهذا التحول قررت أن هدفي في الحياة أن أصبح عالم كيمياء. على الرغم من أنني لا أعرف إلا القليل عن العلوم الأخرى إلا هذا الحب الصغير تبين أنه سيغير حياتي.

على العكس من ذلك فإن تجربتي مع الأحياء جعلتني بارداً تماماً. على الأقل من خلال عقل المراهق اعتقدت أن أساسيات الأحياء تميل إلى التعليم الروتيني للحقائق الجافة أكثر منها شرحاً للمبادئ. لم أكن على مهتماً بحفظ أجزاء جراد البحر، ولا كنت مهتماً بمعرفة الفرق بين الشعبة والصنف عند الحيوانات. التعقيد المذهل للحياة قادني للاستنتاج بأن الأحياء تشبه الفلسفة الوجودية[2]: إنها ببساطة لا معنى لها. بالنسبة لعقلي اليافع لم يكن هناك شيء مقنع يجذبني له. عندما تخرجت من الثانوية في سن السادسة عشرة دخلت جامعة فيرجينيا وقررت أن أتخصص في الكيمياء وأن أكمل طريقي في المجال العلمي. كما هو الحال مع غالبية طلبة السنة الأولى وجدت أن البيئة الجديدة منعشة عبر الكثير من الأفكار التي تطرح على جدران قاعات الدراسة وفي غرف السكن الجامعي في نهاية اليوم. بعض هذه الأسئلة كان يناقش مسألة وجود الله. عندما كنت في سنوات عمري الأولى كانت تمر عليّ لحظات من تجربة من الشوق نحو شيء ما خارج ذاتي، وكثيرا ما كان هذا الشوق موجهاً نحو جمال الطبيعة، أو بشكل خاص نحو تجربة الموسيقى الآسرة. ومع ذلك فإن إحساسي الروحي لم يكن ناضجاً وكان من السهولة تحديه بواسطة واحد أو أثنين من الملاحدة الشرسين الذين كانوا موجودين في كل مكان من السكن الجامعي. بعد مرور بضعة أشهر من حياتي الجامعية بدأت أقتنع أنه على الرغم من أن المعتقدات الدينية كانت سببا في تكوين تراث فني وثقافي إلا أن هذه المعتقدات لا تستند إلى الحقيقة.

على الرغم من أنني لم أكن أعرف معنى هذا المصطلح في ذلك الوقت إلا أنني أصبحت “لا أدريا” وهو المصطلح الذي ظهر على يد عالم القرن التاسع عشر هكسلي[3] T. H Huxly للإشارة إلى الشخص الذي لا يعرف ما إذا كان الإله موجوداً أو لا. هناك أنواع من اللا أدريين، فمنهم من وصل إلى هذا الموقف بعد تحليل معمق للأدلة، في حين أن البعض الآخر وجد أنه الموقف المريح الذي يسمح له بتجنب التفكير في الحجج التي يجدها مزعجة في الجهتين. أنا بالتأكيد من النوع الثاني. قولي بأنني “لا أدري” كان أقرب إلى القول بأنني لا أريد أن أدري”. كوني شاب في مقتبل العمر مع عالم مليء بالمغريات كان من الأنسب تجاهل الحاجة إلى الاستجابة لسلطة روحية عليا. لقد مارست نوعا من التفكير ونمط من سلوك “العمى الطوعي” وهو التعبير الذي استخدمه الكاتب لويس C. S. Lewis.

بعد تخرجي التحقت ببرنامج الدكتوراه في الفيزياء الكيميائية في جامعة ييل Yale متطلعاً إلى أناقة الرياضيات التي جذبتني إلى العلم منذ البداية. حياتي العلمية كانت متعلقة بفيزياء الكم[4] والمعادلات التفاضلية من الدرجة الثانية، وكان عمالقة الفيزياء ألبرت آينشتاين[5] Einstein ونیلس بور Niels Bohr وويرنر هیزنبرغ Werner Heisnberg وبول ديراك Paul Dirac هم أساطير بالنسبة لي. تدريجيا بدأت أقتنع أن كل شيء في الكون يمكن تفسيره على أساس المعادلات ومبادئ الفيزياء. قراءتي لسيرة آينشتاين واكتشافي أنه مع كونه صهيونياً متعصباً بعد الحرب العالمية الثانية إلا أنه لم يؤمن إله اليهود يهوه Yahweh، مما أكد استنتاجي بأنه لا يوجد عالم مفكر يتقبل بصدق فكرة وجود الإله إلا ويكون قد ارتكب نوع من الانتحار الفكري.

وبذلك بدأت أتحول تدريجيا من اللا أدرية إلى الإلحاد. ووجدت راحة كبيرة في تحدي المعتقدات الدينية لأي شخص يذكر هذه المعتقدات في حضوري، وكنت انتقص من وجهات النظر هذه باعتبارها خرافات باطلة.

بعد مضي سنتين على انضمامي لبرنامج الدكتوراه بدأت خطة حياتي المنظمة تتفكك. على الرغم من استمتاعي اليومي بمتابعة بحث الدكتوراه في ميكانيكا الكم النظرية إلا أنني بدأت بالشك فيما إذا كان هذا هو الطريق الذي سوف أسلكه في حياتي. بدا أن أغلب التطور الذي حدث في مجال نظرية الكم حدث قبل خمسين سنة وأن حياتي العملية سوف تقتصر على تطبيق عمليات تبسيط ومقایسة متتابعة للوصول إلى معادلات أنيقة ولكنها غير قابلة للحل ولن تكون سوى قدر قليل من تبسيط هذه المعادلات. وبصورة عملية بدا أن طريقي سوف يقودني لا محالة إلى أن أصبح أستاذاً جامعياً يقوم بتقديم سلسلة من المحاضرات الكثيرة في الميكانيكا الحيوية والميكانيكا الإحصائية Statistical mechanics أمام طلبة بكالوريوس يشعرون إما بالملل أو الخوف من هذه المواضيع.

في الوقت نفسه وفي محاولة لتوسيع مداركي قمت بالتسجيل في مقرر الكيمياء الحيوية، حيث قمت أخيراً بالبحث في العلوم الحياتية التي طالما تجنبتها في الماضي. لقد كان المقرر رائعاً. لم تكن مبادئ الحمض النووي DNA والحمض الريبوزي RNA والبروتين واضحة بالنسبة، ولكن بدت لي الآن بكل تألقها الرقمي المقنع. كنت أعتقد أن القدرة على تطبيق المبادئ العقلانية الصارمة لفهم الأحياء أمر مستحيل، ولكن بدا الآن بشكل واضح للعيان كاشفاً عن الشفرة الوراثية. مع بدء اكتشاف إمكانية لصق مكونات الحمض النووي المبعثرة مع بعضها البعض بدا أن إمكانية تطبيق هذه المعرفة لمصلحة البشرية أمر ممكن تماماً. لقد كنت مشدوهاً. أخيراً أصبح لعلم الأحياء أناقة رياضية. الحياة أصبح لها معنى.

وفي الوقت نفسه، وفي سن الثانية والعشرين فقط أصبحت متزوجاً ولدي بنت ذكية وفضولية، وأصبحت اجتماعياً بصورة أكبر. عندما كنت صغيراً كنت أفضل أن أبقى وحيداً. أما الآن فإن التواصل الإنساني والرغبة في تقديم شيء ما للبشرية بدأ أكثر أهمية. ومع هذه التجليات المتسارعة مجتمعة بدأت في مراجعة كل اختباراتي السابقة بما في ذلك الانخراط في الحقل العلمي والقيام ببحوث مستقلة. كنت على وشك الانتهاء من برنامج الدكتوراه ولكن بعد جهد كبير من التفكير الروحي المعمق تقدمت بأوراقي للقبول في كلية الطب. ومن خلال كلمة محضرة بعناية حاولت إقناع لجنة القبول بأن الانعطافة الجديدة في مساري العلمي عبارة عن تحول طبيعي لتدريب أحد أطباء المستقبل. ولكن في داخلي لم أكن متأكدة. ألم أكن أنا الشاب الذي كان يكره علم الأحياء لأنها تتطلب الكثير من الحفظ؟ أليس الطب هو أكثر تخصص تتطلب دراسته الحفظ؟ لكن الأمر مختلف الآن، فالأمر يتعلق بالبشرية وليس بجراد البحر، فالمبادئ التي تحكم هذه التفاصيل يمكن أن تغير بشكل جذري حياة الناس.

لقد تم قبولي في جامعة كارولينا الشمالية. وخلال عدة أسابيع اقتنعت بأن كلية الطب هي المكان المناسب لي. لقد أحببت الحافز الفكري والتحديات الأخلاقية والعنصر الإنساني والتعقيد المذهل لبدن الإنسان. في ديسمبر في العام الأول لي تعلمت كيف أوفق بين الحب الجديد للطب وحبي للرياضيات. طبيب الأطفال المتزمت الانعزالي الذي يقوم بتدريس ما مجموعه ست ساعات لطلبة السنة الأولى بكلية الطب بين لي مستقبلي. لقد أحضر إلى الفصل الدراسي مرضى مصابين بفقر الدم المنجلي ومصابين بجالاكتوز الدم (الذين لديهم حساسية قاتلة من منتجات الألبان ومصابين بالمتلازمة وجميعها أمراض ناتجة عن خلل في الجينوم، بعضها نتيجة لتغير بسيط كما لو أن حرفة واحدة تحرك من مكانه.

لقد ذهلت من إبداع شفرة الحمض النووي للإنسان، ومن التداعيات الكبيرة للحالات النادرة لعدم الدقة في نسخ آلية عمله. وعلى الرغم من أن القدرة الحقيقية على مساعدة الكثيرين ممن أصيبوا بالأمراض الوراثية تبدو بعيدة المنال، إلا أنني بصورة فورية أنسقت إلى هذا الاتجاه. وعلى الرغم من أنه في ذلك الوقت لم يكن يدور في خلد أحد إمكانية مشروع جبار مثل مشروع الجينوم البشري، إلا أن الطريق الذي بدأته في عام 1973 أنتهى لحسن الحظ ليؤدي بي إلى المشاركة في أحد أكبر التحولات التاريخية للبشرية.

هذا الطريق قادني أيضا وأنا في السنة الثالثة بكلية الطب إلى تجربة غنية متعلقة بالاهتمام بالمرضى، كأطباء متدربين، يجد طلبة الطب أنفسهم مندمجين بعلاقة حميمية مع أناس كانوا غرباء عنهم إلى حين دخولهم في تجربة المرض. الموانع الثقافية عادة ما تمنع من تبادل معلومات شخصية جدا، ولكن هذه الموانع تتساقط عبر التواصل المستمر بين المريض والمعالج. لقد وجدت أن العلاقات التي تطورت مع المرضى المشرفين على الموت عميقة، ولقد حاولت جاهداً الحفاظ على وجود مسافة مهنية بيني وبين المرضى والبعد عن التفاعل العاطفي الذي حرص عدد من أساتذتي على التأكيد عليه.

لقد شكلت لي الحوارات الجانبية مع المرضى من سكان نورث کارولینا صدمة عميقة بخصوص الحالة الروحية التي يمر بها العديد منهم. لقد شهدت الكثير من الحالات لأشخاص وفر لهم الإيمان شعوراً قوياً بالطمأنينة الكاملة إما في البقاء في هذا العالم أو العالم الأخر، على الرغم من معاناتهم الشديدة التي لم يكونوا يستطيعون عمل شيء حيالها.

إذا كان الإيمان هو العصا النفسية التي يتكئون عليها فإن عليّ أن أستنتج بأنه لابد أن تكون هذه العصا من القوة بمكان. إذا كانت مجرد مظهرة خادعة لعادات ثقافية فلماذا لا يهز هؤلاء المرضى قبضاتهم بوجه الإله ويطلبون من أصدقائهم وعوائلهم التوقف عن الحديث حول الحب وقوة الخير الخارقة.

أشد لحظات الضعف التي مرت علي حدثت عندما سألتني امرأة مسنة تعاني يوميا من حالة متقدمة من مرض الخناق عن ما أؤمن به. لقد كان سؤالاً مستحقاً، وقد ناقشنا العديد من المواضيع المهمة عن الحياة والموت، وقد عبرت لي عن معتقداتها المسيحية. لقد شعرت أن وجهي محتقن وتلعثمت في جوابي قائلا “أنا لست متأكدا”. لقد كان تعجبها مبعث راحة كبيرة لي، وهو ما كانت أتجنبه لستة وعشرين سنة من عمري: لم أفكر مطلقاً في البراهين التي تؤكد أو تنفي وجود الإله.

هذه اللحظة شغلتني لعدة أيام؟ ألم أكن أعتبر نفسي عالم؟ هل يصل العالم إلى نتائجه من دون تمحيص في بياناته؟ هل يوجد في وجود الإنسان أسئلة أهم من السؤال “هل يوجد إله؟”، وها أنا لم أجد نفسي حتى الآن بسبب مزيج من “العمى الإرادي” وشيء آخر يمكن وصفه بأنه غطرسة بحيث أتجنب التفكير جدياً بأن الإله يمكن أن يكون حقيقة ممكنة. فجاءة وجدت أن كل حججي بدت ضعيفة، وتولد لدي شعور بأن الجليد تحت قدمي بدأ يتصدع.

هذا الإدراك كان تجربة مرعبة. في النهاية، إذا كنت أستطيع التعويل على متانة موقفي الإلحادي هل أستطيع تحمل مسؤولية الأفعال التي أفضل أن تظل دون تمحيص؟ ألم أكن أجيب على أسئلة الآخرين وأهمل نفسي؟ أصبح السؤال الآن أكثر إلحاحا بحيث لا يمكن تجاهله.

في البداية، كنت أعتقد أن البحث الشامل للأساس العقلي للإيمان سوف يفقد الإيمان ميزته ويقوي إلحادي. ولكنني قررت أن أبحث في الحقائق مهما تكن النتائج. وبذلك بدأت بدراسة سريعة عن الأديان الرئيسية في العالم. أغلب ما وجدته في كتاب CliffNotes عن الأديان المختلفة جعلني حائراً، ولم أجد دافعاً للاقتناع بأي منها. كان لدي شك بأنه لا يوجد أي أساس عقلي للقناعات الروحية لأي من هذه المعتقدات. ولكن هذا الشعور سرعان ما تغير. ذهبت لزيارة أحد رعاة الكنيسة الذي كان يسكن بالقرب مني لأسأله إن كان للإيمان أي أساس عقلي. لقد استمع بصبر إلى تساؤلاتي المشتتة ثم أعطاني كتيباً صغير ونصحني بقراءته.

 كان عنوان الكتاب “Mere Christianity” للفيلسوف لويس C. S. Lewis. قضيت الأيام التالية في تصفح الكتاب في محاولة لاستيعاب عمق وشمولية الحجج الفكرية لأحد أشهر مفكري أكسفورد، وأخيراً أدركت أن موقفي ضد عقلانية الإيمان لا يعدو عن كونه أفكار طفل في المدرسة. كان من الواضح أن عليّ أن أفتح صفحة جديدة للتفكير في أهم الأسئلة التي تشغل الإنسان. بدا أن لويس يعرف كل اعتراضاتي، وأحيانا حتى قبل أن أصيغها بشكل كامل. لقد كان يتناولها بشكل متقن في صفحة أو صفحتين. عندما علمت أن لويس نفسه كان ملحداً، وأنه كان يحاول أن يبرهن منطقية على عدم صحة الإيمان أدركت كيف يمكن أن يكون مفيداً لي في طريقه للبحث عن الحقيقة. لقد كان طريقه هو طريقي أيضا.

أكثر حجة شدت انتباهي وحطمت أفكاري عن العلم والإيمان من أساسها متضمنه في الفصل الأول “الصحة والخطأ كمدخل لمعنى الكون”. مع أن “القانون الأخلاقي” الذي وصفه لويس من عدة جوانب عبارة عن صفة كونية للوجود الإنساني إلا أنه بدا وكأنني أتعرف عليه لأول مرة.

من المفيد لفهم القانون الأخلاقي أن نفكر -كما أشار لويس -بمئات المواقف التي تمر علينا وتستدعي القانون الأخلاقي من دون أن نتساءل عن الأساس الذي يقوم عليه هذا القانون. الاختلاف هو جزء من حياتنا اليومية. بعض الاختلافات معتادة مثل انتقاد الزوجة لزوجها لأنه لم يتكلم بطريقة لائقة مع صديق، أو اعتراض طفل بقوله “هذا ليس عدلا” عند توزيع كمية كبيرة من الأيس كريم في حفلة عيد ميلاد. البعض الأخر من الاختلافات له أهمية أكبر. على سبيل المثال، على الصعيد الدولي هناك من يجادل بأن من مسؤولية الولايات المتحدة أن تنشر الديمقراطية في العالم حتى لو تطلب ذلك التدخل العسكري، في حين أن البعض الأخر يعتقد العكس بالقول إن الاستخدام المنفرد للقوة العسكرية والاقتصادية يفتقد للشرعية الأخلاقية.

وفي المجال الطبي، هناك نقاشات محتدمة حالية حول السؤال ما إذا كان من المقبول القيام بأبحاث على خلايا الأجنة أم لا. البعض يعتبر بأن هذه الأبحاث تنتهك قدسية الحياة الإنسانية، في حين أن البعض الأخر يعتبر أن إمكانية رفع معاناة البشر يستحق المضي في هذه الأبحاث (هذا الموضوع وإشكاليات أخرى في مجال الأخلاق الحيوية سوف تناقش في ملحق هذا الكتاب).

من الملفت أنه في جميع هذه الأمثلة نجد أن كل طرف يستند إلى معايير متعالية غير مذكورة. ويمكن تسمية هذه المعايير بأنها “قانون السلوك الصحيح”، ووجوده في هذه الحالات يبدو أمرا مسلما به. ما كان محلاً للنقاش هو ما إذا كان هذا الفعل أو غيره أقرب نسبية لاشتراطات ذلك القانون. الذين يقعون في مثل هذه الأمور، كما هو الحال مع الزوج الذي يرتبط بعلاقة عاطفية مع صديقة زوجته سوف يتذرع بعدة أسباب للتخلص من هذه الورطة. من النادر أن نسمع أحدا من هؤلاء يقول “فليذهب تصورك عن السلوك الصائب إلى الجحيم”.

ما هو مميز هنا أن مفهوم الصواب والخطأ يبدو شاملاً لكل أفراد الجنس البشري (مع أن تطبيقاته قد ينتج عنها نتائج مختلفة تماماً). ولذلك فهذا المفهوم يبدو مقاربة ظاهرية لذلك القانون، كما هو الحال مع قانون الجاذبية وقانون النسبية الخاصة. وفي مثل هذه الحالة فإننا حين نكون صادقين مع أنفسنا لابد أن نقول إننا قمنا بانتهاك القانون بصورة منتظمة.

على أحسن الأحوال، يبدو أن القانون أنه ينطبق على البشر. ومع ذلك فإن الحيوانات الأخرى يمكن في بعض الأحيان أن تظهر لمحات من الحس الأخلاقي، ولكن ذلك ليس شائعة، وفي العديد من الحالات يبدو سلوك الكائنات الأخرى متناقضة تماماً مع هذا الادعاء. الشعور بالصواب والخطأ، واكتساب اللغة، والوعي بالذات، والقدرة على تصور المستقبل هو ما يشير إليه العلماء عادة عندما محاولتهم تعداد الصفات الخاصة للإنسان.

لكن هل هذا الإحساس بالصواب والخطأ صفة جوهرية للإنسان، أم أنها نتيجة للعادات الثقافية؟ البعض يجادل بأن الثقافات تختلف اختلافاً كبيراً في معايير السلوك مما يجعل الاستنتاج بوجود قانون أخلاقي مشترك لا أساس له. لويس، وهو تلميذ لعدة ثقافات يسمي ذلك “كذبة، كذبة ذات نغمة جميلة. إذا ذهب شخص للمكتبة وقضى عدة أيام يقرأ موسوعة الأديان والأخلاق فإنه سوف يكتشف إجماعاً شاملاً للعقل العملي للإنسان. في ترانيم البابليين إلى جزيرة ساموس، وقوانین  مانو Manu، وكتاب الأموات، والمختارات، والرواقيون، والأفلاطونيون، وسكان أستراليا الأصليين، والهنود الحمر، سيجد الشخص توافق كبير جداً على إدانة الظلم والقتل والخيانة والكذب، وفي المقابل الحرص على الشفقة على كبار السن والأطفال والضعفاء والتصدق على الفقراء والنزاهة والأمانة. في بعض الثقافات غير المألوفة نجد القانون يأخذ شكلاً غريباً، مثل إحراق الساحرة في القرن السابع عشر في أمريكا. ولكن عند التدقيق في مثل هذه الانحرافات الصارخة نجد أنها ناتجة عن استنتاجات مضللة عن مفهوم الخير والشر. إذا كنت متأكداً بشكل قاطع أن الساحرة هي تجسيد للشر على الأرض، وأنها مرسلة من قبل الشيطان ذاته، ألا يصبح مبرراً أن تقوم بمثل هذا العمل القاسي.

دعوني أتوقف هنا لأشير إلى أن الاستنتاج الذي يقول إن القانون الأخلاقي يتعارض بشكل صارخ مع الفلسفة الحديثة التي تدعي أنه لا يوجد خير أو شر مطلق، وأن كل القرارات الأخلاقية نسبية. هذه القناعة التي تبدو منتشرة بين الفلاسفة المعاصرين والتي تعتبر خادعة لعامة الناس تواجه سلسلة من الإشكاليات المنطقية. إذا لم تكن هناك حقيقة مطلقة، فهل يمكن أن تكون فلسفة ما بعد الحداثة -modernism Post صحيحة؟ في الحقيقة، إذا كان لا يوجد شيء مطلق صحيح أو خاطئ فإنه لا معنى لعلم الأخلاق من البداية.

سوف البعض يعترض قائلاً إن القانون الأخلاقي هو ببساطة نتاج للضغط التطوري Revolutionary Pressure. هذا الاعتراض منبثق من حقل الأحياء الاجتماعية Sociobiology محاولا إيجاد تفسيرات للسلوك غير الأناني، وهو ينطلق من موقف مؤيد لفكرة الانتخاب الدارونية. إذا كان يمكن لهذه الحجة أن تصمد فإن تفسير عدد من اشتراطات القانون الأخلاقي على أنها إشارة إلى الإله فإن ذلك سوف يفتح الباب على إشكاليات، وعليه لابد من التدقيق بشكل أكبر في وجهة النظر هذه.

لنأخذ مثال رئيسي للدافع القوي الذي نشعر به نتيجة للقانون الأخلاقي -دافع الإيثار وصوت الضمير الذي يدعونا لمساعدة الآخرين حتى لو لم نكن نتوقع منفعة في المقابل. لا يمكن إرجاع كل اشتراطات القانون الأخلاقي إلى الإيثار. فعلى سبيل المثال فإن تأنيب الضمير الناتج عن الإخلال البسيط في إقرار الضريبة يصعب إرجاعه إلى إحساس بإلحاق الأذى بشخص غير معلوم.

في البداية لابد أن نكون واضحين حول الموضوع الذي نتكلم عنه. أنا لا أقصد بالإيثار “أن تحك ظهري الآن مقابل أن أحك ظهرك في المستقبل”، فهذا نوع من السلوك الذي يتم فيه إسداء المعروف للآخرين مقابل توقع فائدة منه. الإيثار أكثر إمتاعا من ذلك، هو أن تعطى للآخرين من دون أي دافع أخر. عندما نصادف مثل هذا السلوك فإننا نشعر إزاءه بالتوقير والتبجيل. لقد عرض أوسكار شنلدر Oskar Scandler حياته لخطر شديد نتيجة لإيوائه أكثر من ألف يهودي أثناء بحث النازيين عنهم خلال الحرب العالمية الثانية وفي النهاية مات وهو مفلس -ونحن نشعر باحترام بالغ لما قام به. الأم تريزا تعد باستمرار واحدة من أكثر الأشخاص احتراماً في العصر الحديث ومع ذلك فإن فقرها الاختياري وعطائها للمرضى والمشرفين على الموت من مواطني كلكتا يتعارض بشكل صارخ مع نمط الحياة المادي الطاغي في الثقافة السائدة.

في بعض الحالات، يمكن أن يصل هذا الإيثار إلى أن يكون فيها المستفيد هو العدو. الراهبة البندکتية Joan Chittister تقص لنا القصة التالية.

 

” كان هناك امرأة كبيرة في السن تعمل كصائد للزبائن ضمن شبكة عصابات. وفي صباح أحد الأيام وعندما كانت تسعى لاصطياد زبون شاهدت عقرب يطفو بلا حول ولا قوة في تيار ماء قوي، وفي أثناء دفع تيار الماء للعقرب علق في الحشائش التي نمت على جانب النهر ولم يستطع التخلص منها. حاول العقرب التخلص جاهداً ولكنه علق بصورة أكبر. وسريعاً اقترب الأخت جوان من العقرب لتخليصه من ورطته، ولكنه بمجرد أن لمسته لسعها. سحبت السيدة المسنة يدها بسرعة ولكن بعد أن استعادت توازنها حاولت أن تنقذ العقرب مرة أخرى، وفي كل مرة كانت تفعل ذلك كان العقرب يلسعها بذيله إلى درجة أن يدها تلطخت بالدم وتغيرت ملامح وجهها من شدة الألم. وعندما شاهد عابر سبيل ما يحدث للمرأة المسنة مع العقرب صرخ بها “ماذا دهاك أيتها الغبية! هل تريدي أن تقتلي نفسك من أجل هذا الكائن المؤذي؟” التفتت جوان إلى الشخص الغريب وأجابت “لأن من طبع العقرب أن يلسع فلماذا أتخلى عن طبعي في محاولة إنقاذه؟”.

قد يبدو هذا المثال متطرف، لا يوجد هناك الكثيرون المستعدون التعريض حياتهم للخطر من أجل عقرب. ولكن من المؤكد أن كثيرين شعروا في وقت ما بشعور داخلي يدفعهم لمساعدة أناس غرباء في حاجة للمساعدة مع عدم وجود منفعة شخصية تعود عليهم من ذلك. وإذا قمنا بمثل ذلك فإننا في الغالب نشعر بإحساس عاطفي “بأننا قمنا بالعمل المطلوب”.

في كتابه المميز أنواع الحب الأربعة The Four Loves يتابع لويس البحث في طبيعة حب البذل والتي يسميها “agape” وهو تعبير مأخوذ من اليونانيين. يقول لويس أن هذا الحب يمكن تمييزه عن أنواع الحب الثلاثة الأخرى (التعلق، الصداقة، الحب الرومانسي) والتي من السهولة فهم ارتباطها بنوع من المنفعة المتبادلة، والتي يمكن أن نجدها في بقية الحيوانات إلى جانب الإنسان.

يشكل العطاء الإيثاري agape تحديا كبيرا للتطوريين. من العار الصريح إرجاع العطاء الإيثاري إلى أساس عقلي. لا يمكن تصديق إمكانية إرجاعه إلى جين الأنانية الذي يجعل الناس يحبون أنفسهم. على العكس من ذلك تماما: فالإيثار ربما يقود الناس إلى القيام بتضحيات يمكن أن تتسبب لهم في أصابات أو حتى تودي بهم إلى الموت دون أي دليل على إمكانية الاستفادة من هذا السلوك. حينما ندقق في الصوت الداخلي الآتي من أنفسنا والذي في بعض الأحيان نسميه الضمير فإننا نجد أن الدافع للقيام بذلك هو نوع من الحب الموجود في كل واحد منا، على الرغم من أننا كثيرا ما نحاول تجاهله. لقد حاول علماء الاجتماع من أمثال ولسون E. 0. Wilson تفسير سلوك الإيثار على أنه نوع من المنفعة المتبادلة لمن يمارس هذا الفعل، ولكن سرعان ما تواجه هذه الحجة صعوبات. إحدى صيغ هذه الحجة أن سلوك الإيثار المتكرر للفرد يفسر على أنه نوع من الاستجابة الإيجابية للشريك المضاد. ولكن هذه الفرضية تتعارض بشكل صريح مع مشاهدات للقرود على نحو مخالف تماماً، مثل قيام القردة المتحكمة حديثاً بوأد صغار القردة لتمهيد الطريق لنسلها المستقبلي للسيطرة.

الحجة الأخرى تقول إن هناك منفعة متبادلة غير مباشرة للأنانية حيث أنها توفر أفضلية لمن يقوم بها مع مرور الوقت، ولكن ذلك لا يفسر ممارسة أفعال بدافع من الضمير حيث لا أحد يعلم عنها. ويمكن أن نأخذ مثال من مستعمرات النمل، حيث يجهد النمل العقيم لتوفير البيئة التي تمكن أمهاتها من إنجاب نمل أكثر. ولكن هذا النوع من الإيثار “النملي” يمكن تفسيره بسهولة بتعابير تطورية على أن الجينات التي تحرك النمل العقيم لتوفير البيئة المناسبة هي ذاتها الجينات التي سوف تنقلها أمهات النمل إلى بقية نسلها. الارتباط الوراثي غير المألوف لا ينطبق على تجمعات أكثر تعقيداً، حيث يتفق التطوريون على أن الانتخاب يتم على مستوى فردي وليس على مستوى جماعي. ولذلك فإن سلوك النمل يختلف بشكل جوهري عن الصوت الداخلي الذي يدفعني إلى الشعور بالمسؤولية للقفز في النهر لمحاولة إنقاذ شخص غريب مشرف على الغرق حتى لو كنت لا أحسن السباحة مما يجعل احتمال موتي محتملا في سعيي لإنقاذه. وزيادة على ذلك ولكي تصح فرضية المنفعة المتبادلة بين أفراد المجموعة الواحدة فإن ذلك يتطلب أن يكون لدي سلوك عدائي تجاه الأفراد الذين ينتمون إلى مجموعات خارج مجموعتي. مواقف مثل أوسكار شندلر والأم تريزا تكذب هذا النوع من التفكير. المدهش أن القانون الأخلاقي يدعوني لإنقاذ الغريق حتى لو كان عدوي.

إذا كان القانون الأخلاقي لا يمكن تفسيره إلا كونه خاصية ثقافية أو منتج ثانوي للتطور فكيف إذن يمكن الاعتماد عليه؟ من الواضح أن هناك شيء غير اعتيادي بهذا الخصوص. وهنا أقتبس من لويس قوله “إذا كانت هناك قوة تتحكم بالكون من الخارج، فإن هذه القوة لا يمكن أن تظهر ذاتها كأحد حقائق هذا الكون، كما أنه لا يمكن لمصمم البيت أن يظهر نفسه على شكل حائط أو غرفة الدرج أو المدخنة الموجودة في ذلك البيت. الطريقة التي يمكن أن نتوقع أن هذه القوة تظهر نفسها هو داخل أنفسنا على شكل تأثير أو أمر يدفعنا للسلوك على نحو معين. وهذا ما نشاهده في ذواتنا. وبالتأكيد يجب أن يثير ذلك شكوكنا”.

عندما صادفت هذه الحجة وأنا في عمر السادسة والعشرين أصبت بالدهشة من المنطق الذي تستند إليه. لقد كانت هذه الدهشة مختفية داخلي كما هو الحال مع أمور حياتية أخرى، ولكن بدأت هذه الحجة تتجلى أمامي لأول مرة باعتبارها مبدأ مفسر، هذا القانون الأخلاقي أظهر لمعانه الأبيض في فجوات طفولتي الإلحادية، وهو يحتاج إلى تفكير جاد في أساسه. هل كان ذلك هو الإله وهو ينظر إلي؟

وإذا كان ذلك صحيحا، ما نوع هذا الإله؟ هل هو الإله الربوبي، هل هو الذي خلق الفيزياء والرياضيات وبدأ تحريك الكون قبل 14 مليون سنة، ثم قرر أن يتعامل مع الكائنات الأخرى باعتبارها كائنات أكثر أهمية كما كان يقول آينشتاين؟ لا، هذا الإله إذا كنت قد أدركته حقا يجب أن يكون إله الإيمان، والذي يرغب بنوع من العلاقة مع هذه الكائنات المتميزة التي تسمى بشر، والتي تبعا لذلك غرس فيها لمحة في كل واحد منا. قد يكون هو إله إبراهيم، ولكنه بالتأكيد ليس إله آينشتاين.

هناك تبعات أخرى للشعور بوجود إله إذا كان بالفعل موجوداً. الحكم وفقا للمعايير العالية للقانون الأخلاقي والتي أعترف أنني كنت أنتهكها-تقتضي وجود إله مقدس وخير. لابد لهذا الإله أن يجسد هذا الخير. لابد لهذا الإله أن يمقت الشر. وليس هناك مدعاة للشك بأنه عطوف ومتسامح. بداية اتضاح تصوري عن إمكانية وجود الإله خلق لدي مشاعر متناقضة: من جهة شعور بالعمق والشمولية بوجود مثل هذا العقل، ومن جهة أخرى شعور بضياع عميق من خلال إدراك نقصي مقارنة به.

لقد بدأت رحلتي الفكرية في البحث لتأكيد إلحادي. هذا الهدف تلاشى کون حجة القانون الأخلاقي (وأمور أخرى كثيرة أجبرتني على الاعتراف بعقلانية فرضية وجود الله. اللا أدرية والتي كانت تبدو كملجأ آمن بدت وكأنها هي الملامة. لقد بدا وكأن الإيمان بالإله أكثر عقلانية من عدمه.

لقد أصبح واضحا بالنسبة لي بأن العلم ورغم قوته التي ليست محلاً للشك -في الكشف عن غموض العالم الطبيعي لن يوصلني إلى حل سؤال الإله. إذا كان الإله موجودا فلابد أنه موجود خارج العالم الطبيعي، وبالتالي فإن أدوات العلم لن تفيد في التعرف عليه. وبدلا من ذلك، وبالعودة إلى قلبي بدأت أقتنع بأن البرهان على وجود الإله يجب أن يأتي من طريق أخر، وأن القرار النهائي يجب أن يستند إلى الإيمان. التدقيق المزعج في الطرق المحتملة التي عليّ أن أسلكها، على أن أعترف بأنني وصلت إلى عتبة إمكانية القبول بالوجود الروحي بما في ذلك وجود الإله.

بدا لي أنه من المستحيل التقدم إلى الأمام أو التراجع إلى الخلف. بعد سنوات من ذلك، قرأت قصيدة لشيدلون فانوكن Sheldon Vanauken تصف بشكل دقيق حيرتي. نهاية القصيدة تقول:

ما بين ما هو محتمل وما هو مؤكد هناك فجوات

أنا خائف من القفز والوقوف أمر سخيف

رأيت ما خلفي يغرق، والأسوأ أن ما تحتي يتفكك

الفجر هو أملنا الوحيد للانتقال نحو الوعد

الذي يفتح الكون المغلق

 

الوقت طويل وقفت أتأرجح على حافة هذه الفجوات. وفي النهاية لم أجد بداً من القفز. كيف لعالم أن يعتنق هذه المعتقدات؟ ألا يدعي الكثيرون بأن الدين لا يتوافق مع العلم بالقول “أرني البيانات” وهو موقف شخص كرس وقته لدراسة الكيمياء والفيزياء والأحياء والطب؟ بفتح لعقلي أمام الاحتمالات الروحية، ألا أكون بدأت حرباً تستنزفني بحيث أواجه خيارين: إما الانتصار الكامل أو العكس.

إلى الفصل السابق: طبيعة العقل البشري

إلى الفصل التالي: حرب وجهات النظر

[1] زعيمة سياسية أمريكية كان لها تأثير نشط، كما أنها السيدة الأولى في الفترة من 1933 إلى 1945. عملت لتعزيز سياسات جديدة للتعامل مع الزنوج، زوجة الرئيس فرانكلين روزفلت، وكذلك أخذت دورا بارزا كداعية للحقوق المدنية.

[2] تيار فلسفي يميل إلى الحرية التامة في التفكير بدون قيود ويؤكد على تفرد الإنسان، وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى موجه. وهي جملة من الاتجاهات والأفكار المتباينة، وليست نظرية فلسفية واضحة المعالم. ظهرت كحركة أدبية وفلسفية في القرن العشرين.

[3] توماس هنري هاکسلي (4 مايو 1825-29 يونيو 1895) عالم أحياء بريطاني. هو ابن المعلم ریاضیات. وهو جد جوليان هكسلي (1887 -1975) الأخصائي في علم الحيوان والفيلسوف والمربي والكاتب، ولجولیان دور كبير في تأسيس اليونسكو. وهو أيضا جد الروائي والشاعر الإنجليزي ألدوس هكسلي.

[4] ميكانيكا الكم هي مجموعة من النظريات الفيزيائية التي ظهرت في القرن العشرين، وذلك لتفسير الظواهر على مستوى الذرة والجسيمات دون الذرية وقد دمجت بين الخاصية الجسيمية والخاصية الموجية ليظهر مصطلح ازدواجية الموجة -الجسيم، وبهذا تصبح ميكانيكا الكم مسؤولة عن التفسير الفيزيائي على المستوى الذري كما أنها أيضا تطبق على الميكانيكا الكلاسيكية ولكن لا تظهر تأثيرها على هذا المستوى، لذلك ميكانيكا الكم هي تعميم للفيزياء الكلاسيكية لإمكانية تطبيقها على المستويين الذري والعادي.

[5] البرت أينشتاين (بالألمانية: Albert Einstein) (14 مارس 1879 – 18 أبريل 1955) عالم فيزياء ألماني المولد، سويسري وأمريكي الجنسية، من أبوين يهوديين ،[1] وهو يشتهر بأبو النسبية كونه واضع النظرية النسبية الخاصة والنظرية النسبية العامة الشهيرتين اللتان كانت اللبنة الأولى للفيزياء النظرية الحديثة، ولقد حاز في عام 1921 على جائزة نوبل في الفيزياء عن ورقة بحثية عن التأثير الكهروضوئي ضمن ثلاثمائة ورقة علمية أخرى له في تكافؤ المادة والطاقة وميكانيكا الكم وغيرها، وأدت استنتاجاته المبرهنة إلى تفسير العديد من الظواهر العلمية التي فشلت الفيزياء الكلاسيكية في إثباتها.

الشك ف الكمين – علاقة العلم بالإيمان

الشك ف الكمين – علاقة العلم بالإيمان

الشك ف الكمين – علاقة العلم بالإيمان

الشك ف الكمين – هل هناك تعارض بين العلم والإيمان 2

الشك ف الكمين – هل هناك تعارض بين العلم والإيمان 2

الشك ف الكمين – هل هناك تعارض بين العلم والإيمان 2

Exit mobile version