الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد – الرد على كتاب الأزهري

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد – الرد على كتاب الأزهري

(ردًا على كتاب نقد التقليد الكنسي)

إعداد: خادم بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد

الجزء الثاني: 

ليتورجية الكنيسة القبطية هي حياة – الرد على كتاب الأزهري

التعريف بالكنيسة المصرية

يمتد عمر الكنيسة المصريَّة بطول تاريخ المسيحيَّة منذ تجسد الابن الوحيد  آخذًا جسدًا متأنسًا من العذراء مريم، وحتَّى وقتنا الحالي. الكنيسة في مصر لها اليد العليا في تاريخ الساكنين فيها، بل في بعض الأوقات صارت هي إحدى أسباب الحياة في بلدنا هذا. كان لهذه القيمة العالية ضريبة وثمن يجب أن يُدفع، والثمن كان ولا يزال هو الاضطهاد والتلسُّن والنعت والتقوّل على كنيسة الله. فما كان منا إلا ما عهدنا به منذ نشأة وعينا في حضنها الأموميّ أن نكون حافظين للعهد، مدافعين بالقلب، ناذرين الفكر والمداد والعتاد في رفعة شأنها وإجلال ومجد ربّها.

رأينا على سبيل المتلسنين والمتقولين هنداوي في كتابه المشار له سابقًا، فكان في تمهيده متندَّرًا بثقل اللسان والقلم، فتكلم أولًا عن تعريف الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة واعتقادها إجمالًا، فسرد- بقدر وعيه ونظره- ما وصل إليه من معنى مصطلح كنيسة لغويًّا كمجمع وإصطلاحًا كجماعة المؤمنين وما نعرفه عنها من بناء حجري شكلًا، وأشار أيضًا لتعريف كلمة الأرثوذكسيَّة فغفل نصّ الكلمة بلغته الأصل أي اليونانيَّة فأورد فراغًا بعد كلمة أرثودكسوس، وشرح المعنى بأنه الإيمان المستقيم الذي هو إيمان الكنيسة الجامعة، ولكن عند شرحه لمصطلح الكنيسة الأرثوذكسيَّة قال:

أمّا عن مصطلح الكنيسة الأرثوذكسيَّة: فإنَّه يطلق على إحدى الكناس الرئيسة في النصرانيَّة، وقد انفصلت عن الكنيسة الكاثوليكيَّة الغربيَّة بشكل نهائي عام ألف وأربع وخمسين من الميلاد، وتمثلت في عدة كنائس مستقلة لا تعترف بسيادة بابا روما عليها، ويجمع هذه الكنائس الأرثوذكسية إيمانهم بانبثاق الروح القدس من الأب فقط، ومحل بحثنا كنيسة من هذه الكنائس الأرثوذكسيَّة وهي «الكنيسة القبطيَّة»[1].

يتضح من الاقتباس السابق تخبط الهنداوي في معرفة تصنيف الكنائس المسيحيَّة وتاريخها، فما يشير إليه من حدث انفصال الكنيسة الأرثوذكسيَّة عن الكنيسة الكاثوليكيَّة الغربيَّة هو ما يُعرف بالانشقاق الكبير الذي حدث عام 1054م، وهو ما يقول عنه إيريل كيرينز في كتابه المسيحيَّة عبر العصور:

في سنة 1054، دار الجدل الأخير حول ما بدا أنه أمر ثانوي. فإنّ مايكل سيرولاريوس Michael Cerularius، بطريرك القسطنطينية فيما بين 1043 – 1059، أدان الكنيسة في الغرب لاستخدامها الخبز غير المخمر (الفطير) في الأفخارستيا. وكان مثل هذا الاستخدام للفطير شائعًا في الغرب منذ القرن التاسع. فأرسل البابا ليو التاسع الكاردنال همبرت Humbert واثنين مِن القانونيين إلى الشرق لحسم هذا النزاع، إلَّا إنَّ اختلاف وجهات النظر اتسع واستمرت المناقشات. وفي 16 يوليو 1054 وضع الوفد الروماني (الكاثوليكيّ) مرسومًا بحرمان البطريرك وتابعيه على مذبح كاتدرائية القديسة صوفيا. إلَّا إنَّ البطريرك لم ييأس، فعقد سنودسًا حيث أعلن خروج البابا وتابعيه عن الإيمان القويم ومن ثمّ قطعه مِن الكنيسة. كان هذا أوَّل انشقاق كبير Great Schism يحطم وحدة الكنيسة. ومن ذلك الوقت مضت كلّ مِن الكنيسة الكاثوليكيّة الغربية، والكنيسة اليونانيّة الارثوذكسية (الشرقية) كلّ في طريقها بعيدًا عن الأخرى. وظل حرمهما الواحد للآخر ساريًا حتّى أبطل في 7 ديسمبر 1965، بواسطة البابا بولس السادس والبطريرك أثيناجوراسAthenagoras [2]

وهي ما تعرف بالكنائس الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة الخلقيدونيَّة وليس للكنيسة المصريَّة علاقة بهذا الحدث، بل إنَّ استقلال الكنيسة المصريَّة وانفصالها عن كنيسة روما بدأ مع الصراع الخلقيدونيّ بالقرن الخامس وليس في القرن الحادي عشر كما يشير هنداوي مُصنفًا الكنيسة القبطيَّة من بين الكنائس الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة، وهي بالأساس تعد من بين الكنائس المشرقيَّة Oriental Orthodox Churches، وهو مصطلح يدلل به على العقيدة التي تؤمن بها كنائس مسيحيَّة أرثوذكسيَّة شرقيَّة، والتي لا تعترف إلا بشرعيَّة المجامع المسكونيَّة الثلاث الأولى (نيقية، قسطنطينيَّة، أفسس)، وتعرف برفضها القاطع للعقيدة التي أقرها مجمع خلقيدونيَّة.

 

يستمر هنداوي على هذا المنوال ويعدد في بعض النقاط اعتقاد الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة، فيقول:

1) تؤمن الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة إجمالًا مثل باقي الكنائس الأخرى بإله واحد مثلث الأقانيم: الآب، الابن، الروح القدس على حسب ما ورد في قانون الإيمان النيقاوي 325م.

2) كما تؤمن بربويَّة وألوهيَّة الربّ والمسيح في آن واحد على أنهما من جوهر واحد ومشيئة واحدة، ومتساويين في الأزلية، كما تؤمن بأنَّ الروح القدس منبثق من الآب فقط.

3) وتؤمن بتجسُّد الإله في السيد المسيح من أجل خلاص، البشرية فيعتقدون أنَّه ولد من مريم وصلب ومات فداءً لخطاياهم، ثم قام بعد ثلاثة أيام ليجلس على يمين الربّ ليحاسب الخلائق يوم الحشر.

4) الإيمان بأنَّ السيدة مريم العذراء والدة الإله، ودائمة البتوليَّة، وأنَّ لها شفاعة توسليَّة.

5) تؤمن الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة بالمجامع المسكونيَّة السابقة على مجمع خلقيدونيَّة المنعقد عام 451م[3].

من أكثر النقاط لفتًا للنظر هي النقطة الثاني التي يتحدث فيها هنداوي عن إيمان الكنيسة بربوبية وألوهيَّة الرب والمسيح!! لا أعلم ماذا يقصد بالربّ هنا، ولكن بكلّ الإحوال يتضح من تلك النقطة وجود التباس عند هنداوي في فهم إيمان الكنيسة المصريَّة بألوهيَّة السيد المسيح. فمصطلح الربّ هو مصطلح قديم للغاية ومتجذر في وعي الكنيسة بشكل عام، وقد وردت في العهد الجديد باليونانيَّة بكلمة كيريوس، وتترجم إلى الربّ أو السيد، وقد استخدمت في الترجمة السبعينيَّة للعهد القديم لترجمة اسم الله يهوه. وتستخدم أيضًا في العهد الجديد لتشير إلى الله الآب، إذ دعي بفم يسوع نفسه “رب السماء والأرض” مت 11: 25، كما تشير إلى يسوع المسيح ابن الله، وأشهر العبارات وأقدمها في ذلك هي عبارة “يسوع رب” 1كو 12: 3. وإجمالًا ينطبق مصطلح الربّ بحسب إيمان الكنيسة على الله الآب، والابن، والروح القدس[4].

فهل يعتقد هنداوي أنَّه يوجد شخصين في إيمان الكنيسة الربّ والمسيح ونحن نؤمن بألوهيتهما؟!

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد

وعند حديث هنداوي عن العبادات والشعائر الخاصة بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية تكلم عن الرتب الكنسيَّة ويقول فيما يخص الرهبنة الآتي: “الرهبنة: وهي سبع مقامات روحيَّة، وتنقسم إلى نوعين: رهبنة فرديَّة، رهبنة ديريَّة”[5]. ويتضح أيضًا من مثل هذه العبارات مدى تخبط الكاتب وقصور معرفته بالشأن الداخلي لحياة ومعتقد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إذ لا يوجد ما يعرف بسبع مقامات روحيَّة للرهبنة، فقد عُرفت الرهبنة بصورتها المنتظمة منذ ظهور حركة الرهبنة على يدي القديس أنبا أنطونيوس الكبير، لذا دُعي “أب الرهبنة”؛ تقوم حركة الرهبنة على الأسس التالية: العفة، والطاعة، والفقر الاختياري. وقد ظهرت ثلاثة أنواع رئيسة للرهبنة:

أ) نظام الوحدة (المتوحدون): حيث يعيش الراهب في قلايته (حجرته) في عزلة داخل الدير أو في مغارة خارج الدير، يمارس حياة التأمل مع العبادة والعمل اليدوي.

ب) نظام الشركة: أقامه القديس أنبا باخوميوس أب الشركة، حيث يعيش جماعة الرهبان معًا داخل سور واحد، يشتركون في صلوات يوميَّة وأيضًا في الطعام، كلٍّ يمارس عملًا يناسب إمكانياته أو مواهبه في الدير حسبما يشير رئيس الدير.

ج) نظام الجماعات: أقامه القديس آمون وأيضًا القديس مقاريوس الكبير، حيث يعيش الرهبان في قلالي أو مغاير متقاربة، يجتمعون معًا في السبت والأحد، وهو نظام متوسط بين الوحدة والشركة[6].

مار مرقس الرسول كرازته وإنجيله

يتناول هنداوي شخص القديس مرقس الرسول في القسم الثاني من تمهيده لكتابه، ويشير في الجزء الخاص بتعريف القديس مرقس واسمه وأسرته، ويستهل بعبارة “لا تذكر المصادر التاريخية المسيحية عن مرقس سوى ما يفيد أن اسمه اليهودي يوحنا”[7]، هل تعطينا النتيجة قبل البرهنة عليها يا شيخ هنداوي؟!

على كلّ الأحوال دعونا نعرف من هو القديس مرقس بحسب تقليد الكنيسة. مع بدايات القرن الميلادي الأوّل وُلد الصبي مرقس لعائلة يهوديّة في قيرين. وكان اسم والده أرستوبولس، واسم أمه مريم، ينحدر أصلهم من سبط لاوي. وكانوا متمسكين تمامًا بالعادات اليهوديّة، ويعودون إلى أورشليم، إن أمكنهم هذا، عدة مرات في السنة لحضور الأعياد الموسميّة. أشار اسم الصبي إلى خلفية عائلته المتعددة الثقافات. وكان الاسم هو: يوحنا مرقس. جمع هذا الاسم بين اسم عبريّ (يوحنا) واسم لاتينيّ (مرقس، ماركوس، أو ماركو، أو مارك). وحدث عندما نشبت الحروب، وأعمال السلب والنهب والاضطرابات المدنيّة في قيرين في وقت باكر من القرن الأوّل، فأجبرت الجماعات التي تعيش على السلب والنهب عائلة هذا الصبي إلى مغادرة إفريقيا والذهاب إلى فلسطين[8].

بعد ذلك نسمع عن مرقس وهو في أورشليم، حيث تمكنت والدته من الحصول على مسكن رحب فسيح (أعمال 12: 12) ولعله يتمتع بغرفة علوية (عليّة) بحسب مفهوم الذاكرة الإفريقيّة[9]، وهي نفس العليّة التي ذُكرت في مرقس 14: 15؛ أعمال 1: 13. وبينما كان مرقس شابًا، انضم هو ووالدته إلى أتباع يسوع. صارا جزءًا من حركة مغيرة للثقافة داخل اليهوديّة. وفي وقت لاحق سيكون مرقس أوّل تلميذ للمسيح يكتب الأخبار السارة (إنجيل مرقس) عن مجيء هذا الشخص الذي لا يُقارن والذي غيّر حياته (أيّ حياة مرقس) بشكل تام، أصبحت قصة ق. مرقس عن يسوع أقدم كلّ الجهود المبذولة المتبقية التي كُتبت لتعريف غير اليهود بالأخبار السارة عن بداية المسيحيّة. وقد أصبح مرقس نموذجًا لكلّ مَنْ سطروا بعد ذلك تاريخ يسوع[10].

من المثير للدهشة هو ما أورده هنداوي في بحث نسبة إنجيل مرقس إلى هذا القديس، فيقول:

“غير أنه بالنظر الى ميل مسيحيي القرن الثاني للربط بين أسفار العهد الجديد وشخصيات رئيسية في الكنيسة الأولى، فلربما لا يكون التقليد الذي يربط مرقس بالإنجيل الثاني بعيدًا تمامًا عن الحقيقة. فيوحنا مرقس الذي تقابلنا معه في العهد الجديد هو شخص لا أهمية كبيرة له، وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلًا [12].

وبالرجوع لنصّ الكتاب المُقتبس منه بحسب إشارة هنداوي في الحاشية نجد الاقتباس بعيد تمامًا عما أورده هنداوي في كتابه، فيقول جون درين الآتي:

“غير أنه بالنظر الى ميل مسيحيي القرن الثاني للربط بين أسفار العهد الجديد وشخصيات رئيسية في الكنيسة الأولى، فلربما لا يكون التقليد الذي يربط مرقس بالإنجيل الثاني بعيدًا تمامًا عن الحقيقة. فيوحنا مرقس الذي تقابلنا معه في العهد الجديد هو شخص لا أهمية كبيرة له، وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلًا [12].

ما فعله هنداوي أمرين، الأول هو تحويل الجملة “فلربما لا يكون التقليد..” من النفي إلى الإثبات، مما يبعد الاقتباس عن حقيقته وفكرته الأساسية، وهي إثبات اتفاق التقليد مع شخص ق. مرقس بحسب العهد الجديد؛ الأمر الثاني هو اقتطاع الاقتباس، إذ ينتهي الاقتباس عند هنداوي بعبارة: “وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما”، بعكس النصّ الكتاب الأصلي إذ يقول: “وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلًا“، وشتان بين العبارتين، فالأولى تشير لعدم أهلية ق. مرقس لكتابة أي إنجيل على الإطلاق، والثانية تشير إلى وجود سبب قوي دعى لضرورة كتابة إنجيله الأول بين الأناجيل مما دفع الآخرين غيره لكتابة أناجيلهم. فما أغرب هذا الالتباس الذي وقع فيه هنداوي! هنا تظهر منهجية اقتطاع الاقتباسات من سياقها وتحويل معناها الأصلي من أجل إثبات نتيجة مسبقة، مما يشكك في نزاهة البحث الأكاديمي

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد

وفيما يخص موثوقية نسب إنجيل مرقس إلى القديس مرقس كاروز الديار المصرية، يمكننا الرجوع إلى أحد الباحثين المتخصصين المعتبرين في دراسات العهد الجديد، وهو الباحث الكبير Ben Witherington III، الذي أورد في كتابه (إنجيل مرقس، تعليق اجتماعي بلاغي)[13] قسمًا عن موثوقيَّة نسب إنجيل مرقس، وقد أشار بالفعل إلى عدم وجود إشارة مباشرة في نصّ الإنجيل لصاحبه ولكن أسرد عدة أمور رأينا وجوب إيرادها هنا للنفع.

يشير Witherington إلى وجود أدلة داخلية وخارجية التي تشير لكاتب الإنجيل، فيقول:

” أولاً، نعلم أنَّه كان مسيحيًّا. وهو يكتب هذه الوثيقة باعتباره شخصًا على قناعة ببشارة يسوع الناصري. فهو من مؤيديه، ويسعى لإقناع الآخرين بأن يصبحوا مؤيدين ليسوع. ثانيًا، من المحتمل جدًا أن يكون المؤلف يهوديًّا. وهذا ليس لأنه يعرف الكثير عن العادات والثقافة والطوائف اليهوديَّة فحسب، ولكن لأنه يبدو على معرفة قوية بالعهد القديم أيضًا، أو على الأقل بالترجمة السبعينيَّة، ويأخذ مثل هذه الوثائق كمصادر لإعلان حقّ الله، وكنبوءة حقيقيَّة أيضًا. كما أنَّ لديه معرفة بالأخرويات اليهوديَّة المبكّرة ونهاية العالم [في الفكر اليهوديّ]… فيما يتعلق باستخدام المؤلف للغة الآراميَّة، لم يعلق هينجل على استخدامه الصحيح لتلك اللغة فحسب، بل يضيف: “لا أعرف أيّ عمل آخر باللغة اليونانيَّة يحتوي على العديد من الكلمات والصيغ الآراميَّة أو العبريَّة في مساحة ضيقة جدًا مثل الإنجيل الثاني”. فترجمة المؤلف لكلماته وعباراته الآراميَّة يشير إلى أنَّه من المحتمل أن يكون جمهوره من أصل مختلف عنه. إنَّه بالتأكيد جمهور لا يعرف الآراميَّة”[14].

ويشير أيضًا إلى الوضع الثقافي لكاتب الإنجيل بين شعبه، إذ يُظهر معرفة قوية باليونانيَّة، إلى جانب ذلك يستخدم كاتب إنجيل مرقس العديد من الكلمات اللاتينيَّة، في 12: 42، وفي 15: 46، مما يشير إلى أنَّ الشعب الذي كُتب بينه الإنجيل يعرف المصطلح اللاتينيّ بعكس المصطلح اليونانيّ، وإلا لماذا الحاجة إلى تفسير الأمر بقوله قيمتهما ربع بحسب الآية 12: 42[15]. إلى جانب ذلك نرى العديد من التعبيرات اليهوديَّة الواردةفي حدث محاكمة الربّ يسوع في مر 14: 61-62 والتي أشار لها العالم Darrell L. Bock، في مقاله عن هذا الموضوع أيضًا ردًا على المشككين في موثوقيَّة هذا الجزء من الإنجيل[16].

ما بين صور وصيدا

يتحدث فضيلة الشيخ في نقطة الدليل الداخلي أيضًا على عدم معرفة كاتب الإنجيل بجغرافيا المنطقة التي يتحدث عنها ويستدل على ذلك بالآية التي تقول: “ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيلِ فِي وَسْطِ حُدُودِ الْمُدُنِ الْعَشْرِ” مر 7: 31، ويقتبس مما أورده الدكتور سامي العامري فيقول:

يخبرنا مرقس أنَّ المسيح قد ذهب من «صور» إلى «بحر الجليل» عبر «صيدا،» وهي رحلة ملتوية غير مبررة؛ جعلت النساخ يحرفون النص؛ ليبدو في المخطوطات المتأخرة أن المسيح قد غادر تخوم صيدا وصور معًا إلى بحر الجليل، وهو ما تبنته الترجمة الإنجليزية التقليدية «The King James Version» باختياره قراءة «وصيدا» بعد كلمة «صور»، رغم أن أقدم المخطوطات تقول: «غادر من منطقة صور (و) جاء عبر صيدا..»![17]

وهو بذلك يفترض على السيد المسيح السير على خط مستقيم بين نقطتين وإلا يكون كاتب الإنجيل غير مُلم بجغرفيا المنطقة![18] لننظر خريطة فلسطين في زمن السيد المسيح (شكل 1)، لنتتبع هذه الرحلة بحسب النصّ الإنجيلي لمرقس الرسول:

شكل رقم 1

“ثُمَّ قَامَ مِنْ هُنَاكَ وَمَضَى إِلَى تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَدَخَلَ بَيْتًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لاَ يَعْلَمَ أَحَدٌ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَخْتَفِيَ… (حدث معجزة المرأة الكنعانيَّة وشفاء ابنتها) ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيلِ فِي وَسْطِ حُدُودِ الْمُدُنِ الْعَشْرِ (حدث شفاء الإنسان الأصم والأبكم)” مر 7: 24-31. رسالة السيد المسيح تقوم على خلاص الإنسان وشفائه وهذا من تدبيره الإلهيّ منذ البدء، وهذا أمر يدركه الإنسان المسيحيّ المدرك والواعي بإيمان الكنيسة، وهذا ما نراه في لقاء الرب يسوع مع السامريَّة بالإصحاح الرابع من إنجيل يوحنا، إذ سار لمدة 6 ساعات من أجل هذه المرأة وخلاصها. وبحسب نصّ إنجيل مرقس نرى ذهاب السيد المسيح إلى تخوم صور وصيدا أولًا من أجل شفاء ابنة الكنعانيَّة، ثم رجوعه إلى بحر الجليل وسط العشر مدن من أجل شفاء الإنسان الأصم والأبكم.

نأتي إلى جغرافيَّة الرحلة وهل بالفعل يتعارض النصّ مع الواقع الجغرافيّ للمكان أم لا؟! فيما يخص كلمة تخوم ὅρια الواردة بالنصّ من كلمة ὅριον والتي تعني حسب القاموس[19]: (حدود المكان، من تلك المنطقة: بمعنى المقاطعات والأقاليم)، وسواء ذكرت بعض المخطوطات تخوم صور أو تخوم صور وصيدا فهذا لا يغير في المعنى، فأيّ منطقة بين حدود المدينتين هي تخوم صور أو تخوم صور وصيدا أو تخوم صيدا.

إذًا سواء كانت رحلة السيد المسيح في المنطقة الواقعة بين المدينتين مباشرة أو صعد لأعلى صيدا ثم إلى بحر الجليل، هذا لا يغير من طبيعة الرحلة أو وقتها أو مسافتها.

ثم يورد فضيلة الشيخ اقتباس من بول ج. أكتماير ويقول:

“«ويزعم النص اليوناني أن «بحر الجليل»، يقع في وسط المدن العشر، في حين أنه في الحقيقة يقع في أقصى الشمال الغربي للمدن العشرة» ليخلص إلى أنه: «إما أن مرقس ما كان يعرف بجغرافية فلسطين، أو أنه ببساطة لم يكن يهتم إذا كانت جغرافيته صحيحة أم لا، في كلا الحالين؛ ليس بإمكاننا استعمال الإحالات الجغرافية التي قدمها لنا لتحديد رحلات يسوع»”[20].

ولكن لننظر لنصّ الإنجيل باليونانيَّة ونرى مدى صحة هذا الأمر، إذ نرى في عدة نسخ[21] من إنجيل مرقس باليونانيَّة تقول “تخوم صور مارًا بصيدا” وهي كالآتي:

ΚΑΤΑ ΜΑΡΚΟΝ 7:31 Greek NT: Nestle 1904 “Καὶ πάλιν ἐξελθὼν ἐκ τῶν ὁρίων Τύρου ἦλθεν διὰ Σιδῶνος εἰς τὴν θάλασσαν τῆς Γαλιλαίας ἀνὰ μέσον τῶν ὁρίων Δεκαπόλεως”.

ΚΑΤΑ ΜΑΡΚΟΝ 7:31 Greek NT: Westcott and Hort 1881 “Καὶ πάλιν ἐξελθὼν ἐκ τῶν ὁρίων Τύρου ἦλθεν διὰ Σιδῶνος εἰς τὴν θάλασσαν τῆς Γαλιλαίας ἀνὰ μέσον τῶν ὁρίων Δεκαπόλεως”.

ΚΑΤΑ ΜΑΡΚΟΝ 7:31 Greek NT: Westcott and Hort / [NA27 and UBS4 variants] “Καὶ πάλιν ἐξελθὼν ἐκ τῶν ὁρίων Τύρου ἦλθεν διὰ Σιδῶνος εἰς τὴν θάλασσαν τῆς Γαλιλαίας ἀνὰ μέσον τῶν ὁρίων Δεκαπόλεως”.

ولزيادة التأكيد نقتبس بشكل مباشر من أحد أهم دارسي نصوص العهد الجديد وهو بروس متزجر الذي بالتأكيد يعرفه فضلية الشيخ حق المعرفة. فيقول:

“وفقًا للقراءة التي أيدتها أفضل النصوص السكندريَّة والغربيَّة، وكذلك بواسطة شهادات قيصريَّة جديرة بالملاحظة، سلك يسوع طريقًا غير مباشر، مرورًا شمالاً من صور عبر صيدا ومن ثمَّ إلى الجنوب الشرقي عبر نهر الليطاني، واستمر جنوبًا إلى قيصريَّة فيلبس. شرق نهر الأردن وبالتالي اقترب من بحيرة الجليل على جانبها الشرقي، ضمن أراضي المدن العشر”[22].

كورة الجدريين

يُكمل هنداوي حديثه ويسرد خطأ جغرافيًا آخر- حسب تعبيره- ورد في الإصحاح الخامس من إنجيل مرقس، وهو خاص بحدث شفاء مجنون كورة الجدريين. فيقول:

“وقد اختلفت الترجمات في اسم البلدة اختلافًا فاحشًا، ويكفي أن نلقي نظرة على الترجمات العربيَّة للنص كما هو موضح بالجدول، ونجد اضطراب الترجمات نفسه في النص الموازي لنص مرقس في متى  8/ 28 وهذا الاضطراب ما هو إلا ظلال لتحريف المخطوطات وتغييرها، وعلة ذلك على ما يذكره الأستاذ/ علي الريس: «أن الناسخ وآباء الكنيسة قد وجدوا أنفسهم في مأزق لا يحسدون عليه، فكاتب الإنجيل المنسوب إلى متى- كما يبدو- لا يعرف جغرافية فلسطين، فهو يذكر أن المسيح بمجرد أن عبر بحر الجليل وعلى الشاطىء الآخر في قرية الجدريين خرج له مجنونان فأخرج منهما الشياطين، وأدخل هذه الشياطين في قطيع من الخنازير، فهاجت الخنازير وانطلقت ملقية بنفسها في البحر، والمشكلة هنا هو أن قرية الجدريين تبعد حوالي ستة أميال عن بحر الجليل، مما يعني أن الخنازير قفزت حوالي ستة أميال في الهواء، وهذا أمر «ولا في الأحلام» فلم يجد آباء الكنيسة أمامهم من حل سوى أن يعدلوا في ما فشل فيه الروح القدس وقاموا بتصحيح النص إلى قرية الجرجسيين، وهي القرية الأقرب إلى بحر الجليل”[23].

تبدأ لهجة فضلية الشيخ بالتحول إلى الحدية والتندر بشكل مُجحف، ولكن دعونا ندرس هذا النصّ بشكل أكاديمي أكثر ونرى ما قال عنه الباحثون. يقترح الباحث J. Adna بنية ثلاثيَّة المشاهد لهذه الفقرة[24]:

1) مقدّمة، تتكون من العددين الرئيسيين، 1-2؛

2) المشهد الأوّل (3-9) لقاء بين الربّ يسوع والشيطان؛

3) المشهد الثاني (11-13) ما حدث مع قطيع الخنازير؛

4) المشهد الثالث (14-19) نتيجة طرد الأرواح الشريرة وتأثير هذا على الناس.

وهذه البنية تتوافق بشكل كبير مع نمط إنجيل مرقس الأدبيّ في قصص المعجزات. ويشير Adna أيضًا إلى ملاحظة هامة، وهي أنَّ بحلول زمن السيد المسيح صار الخنزير رمزًا للوثنيَّة، لذلك صار يتم تجنبه سواء كان من جهة تربيته أو استخدامه في الطعام، وكان هذا بالأكثر رد فعل عما فعله السلوقيين في زمن أنطيوخوس الرابع أحد ملوك السلوقيين (حكم 175-163 ق.م)، الذين حاولوا إجبار اليهود على التضحية وأكل الخنازير[25]. بحسب Michael Willett Newheart، أستاذ لغة وآداب العهد الجديد في كلية اللاهوت بجامعة هوارد، يربط مؤلف إنجيل مرقس قراءه باسم لجئون بالتشكيل العسكريّ الرومانيّ، الذي كان في المنطقة ذاتها في 70م تقريبًا[26]. وتاريخيًّا كان يُعد اللجئون (الفيلق) هو رمز للوجه القبيح للمحتل بالنسبة لكلّ فلسطينيّ، وقد كان يُرمز للجئون العاشر (Legio X Fretensis)[27] الذي تسبب في الكثير من التعب لشعب اليهود برمز الخنزير (شكل 2). هؤلاء الجنود

 

شكل رقم 2

الإمبراطوريون كانوا السبب الرئيس لما حدث في منطقة اليهوديَّة في تمرد عام 6م، ومرّة أخرى أثناء مكافحة التمرد في الفترة من 68 إلى 70م، وكانوا مسؤولين أيضًا عن حصار متسادا، وبعد ذلك تمركزوا في أورشليم. وما يرد بعد ذلك في رواية الإنجيل يكشف بوضوح عن هذه الصورة السياسيَّة، إذ يتبع النصّ مصطلحات عسكريَّة الأخرى، حيث يقول في عدد 11 “قطيع كبير من الخنازير” وكلمة قطيع هذه ترد باليونانيَّة ἀγέλη، وهو مصطلح يشير عادةً إلى مجموعة من المجندين العسكريين. الإسقاط هنا واضح للغاية: فمن ناحية، كانت عبادة الخنازير شائعة بين الجنود الرومان، ومن ناحية أخرى، الخنازير نجسة بالنسبة لليهود[28].

نأتي لنقطة كورة الجدريين أو الجرجسيين، وسنستعين هنا بما أورده الباحث والمتخصص في دراسات العهد الجديد Witherington، فيقول:

“في العدد 5: 1 لدينا مشكلة نصّيَّة تستحق الانتباه الشديد. هل اسم المكان الذي زاره يسوع جراسا أو جدارا أو جرجسة؟ كانت جراسا مدينة في منطقة المدن العشر، ومن المحتمل أن تكون مرتبطة بمدينة جرش الحديثة، التي تقع على بعد سبعة وثلاثين ميلاً جنوب شرق بحيرة طبريا. من المؤكد أنَّ الخنازير لم تستطع الركض إلى البحر من هناك! لكن هل يقصد مرقس أنَّ يسوع كان في منطقة جراسا وليس في المدينة نفسها أو بالقرب منها؟ من ناحية أخرى، تقع جدارا على بعد خمسة أميال فقط جنوب شرق بحيرة الجليل وتمتد أراضيها إلى البحر نفسه. فيما يتعلق بنقد النصّ، من الواضح أنَّ النصّ السائد في موازاة إنجيل متّى كان جدارا، لكن هذا أقل تأكيدًا في نصّ مرقس، حيث يبدو أنَّ جراسا هي القراءة الأصليَّة.

من ناحية أخرى، يظهر لو 8:26 و37 في أقدم وأفضل مخطوطاته مشيرًا إلى جرجسة. ومع ذلك، فقد أصبح الأمر أكثر تعقيدًا بسبب حقيقة أن جدارا كانت عاصمة مقاطعة، لذا فإنَّ ما قصده المبشر الأوَّل كان “في منطقة الجدريين”…. قد يكون مناسبًا تعريف المكان بالقرب من مدينة كرسي Kursi الحديثة حيث يوجد منحدر شديد الانحدار يمتد حتَّى أربعين ياردة من البحر، وعلى بعد ميلين من ذلك توجد بعض مقابر الكهوف التي ربما كانت تستخدم كمساكن في وقت ما. تم وصف هذا الموقع من قبل العديد من العلماء على أنَّه المكان الأصلي لهذا الحدث وهو ما يُشار إليه جرجسة.

إذا كنا نتعامل مع ترجمة لأصل آراميّ، فمن السهل أن نرى كيف يمكن لجرجسة وجراسا وربما حتَّى جدرا جميعهم كانوا محاولات للترجمة عن الأصل الساميّ، خاصةً إذا كان لديهم شيء جذري مشترك مثل KRS أو GRS. ويستحق أوريجانوس أن يقتبس منه هنا: “فيما يتعلق بأسماء الأماكن الفلسطينيَّة، غالبًا ما تكون النسخ اليونانيَّة غير دقيقة، وقد يضلل المرء بسببها”[29]. يبدو أنه يعرّف الموقع على أنَّه جرجسة، والذي قد يكون هو نفسه مدينة كرسي الحديثة”[30].

وبالفعل بحسب شهادة العالم Witherington، توجد مدينة كرسي عند هضبة الجولان، حيث نرى موقع أثري لأنقاض دير بيزنطي يرجع للقرن الخامس، حيث يعد هذا الموقع تقليديًا- ها هو التقليد يظهر مرّة أخرى- أنَّه الموقع الذي أقام الرب يسوع فيه معجزة الخنازير[31].

توجد ملاحظة جيدة فيما يخص الاقتباس الذي أورده فضيلة الشيخ فيما يخص أنّه لا توجد بلدات أو قرى على طول الشاطئ الشرقي الضيق للبحيرة، فيقول الآتي:

“وعلى أية حال فإنه: «لا توجد أي بلدات أو قرى على طول الشاطئ الشرقي الضيق للبحيرة (الذي تنسب إليه القصة) لأن المرتفعات القريبة من المياه على ارتفاع الآف الأقدام»”[32].

وقد أشار إلى أنَّ اقتباسه هذا من كتاب للعالم Rademacher، وبالرجوع للنصّ الإنجليزيّ الأصلي نجد الاقتباس كاملًا كالآتي:

“تقع بلاد الجدريين على الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا. تستخدم جرجسيين في مت 8: 28-34 وجدريين في لو 8: 26، 27 وهنا [في مر 5]؛ جرجسيين هو مجرد مصطلح مختلف ولكنه يشير إلى المكان نفسه. لا توجد مدن أو قرى على طول الشاطئ الشرقي الضيق للبحيرة لأن المنحدرات التي يبلغ ارتفاعها عدة آلاف من الأقدام ترتفع بالقرب من حافة المياه. تكون المنحدرات شديدة الانحدار أقل وضوحًا كلما اتجه المرء جنوبًا نحو جدارا، الواقعة على مرتفعات عدة آلاف من الأقدام فوق وادي الأردن”[33].

ومع مقارنة الاقتباسين نجد اختلافًا كبيرًا، إلى لا توجد عبارة “الذي تنسب إليه القصة”، والأسوء هو اقتطاع فضيلة الشيخ- كالعادة دائمًا- هذه الفقرة دون إيراد ما قبلها وبعدها؛ إذ باقتباس كامل للفقرة نجد الكلام لصالح النصّ الإنجيليّ وليس العكس كما يُظهر فضلية الشيخ.

وفي ختام هذه النقطة يقتبس فضيلة الشيخ من كتاب ستيفن ميلر عن تاريخ الكتاب المقدس، فيقول:

“ويشايعه ميلر فيقول: «رغم كون اسم مرقس موجودًا في عنوان الإنجيل في أقدم المخطوطات التي وصلتنا، فليس هناك ما يدل على أي مرقس هو المقصود، فاسم مرقس كان اسمًا شائعًا في القرن الأول»”[34].

من الواضح أنَّ الالتباس والتخبط في الاقتباسات هو من شيمة فضيلة الشيخ، فمع الرجوع للمرجع الذي يشير إليه هنداوي لا نجد ما يقوله في صفحة 176 بل هو في صفحة 72 من الطبعة نفسها التي أشار إليها الشيخ، يبدو أنَّ التوثيق كان به سهوًا من الشيخ أو على غير علم! نورد الاقتباس كاملًا هنا للفائدة وإيضاح الصورة:

“ولا أحد يعرف على وجه اليقين من كتب هذا الإنجيل رغم أن اسم مرقس موجود في عنوان الإنجيل في أقدم المخطوطات التي وصلتنا. ولي هناك ما يدل على أنَّ مرقس هو المقصود، فاسم مرقس كان اسمًا شائعًا في القرن الأول وبناء على تقليد قديم، كان الكاتب هو يوحنا مرقس الذي رافق بولس وبرنابا بعض الوقت، ثم ارتبط بالرسول بطرس الذي دعاه “مرقس ابني” (1بط 5: 13) أي ابنه بالمعنى الروحي، وبناء على ما ذكره بابياس، أحد أساقفة القرن الثاني (الذي يقتبسه يوسابيوس في القرن الرابع في كتابه تاريخ الكنيسة) كتب مرقس إنجيله على أساس ما علمه إياه بطرس. ومع أن هذا قد يبدو مبالغة، فالأرجح أن مرقس استخدم بعضًا مما تعلمه من بطرس في كتابة إنجيله”[35].

على الرغم من تحفظي على بداية الاقتباس، إلَّا أنَّ الكاتب يشير للتقليد أيضًا ويلمح في نهاية الاقتباس إلى استقلالية إنجيل مرقس بالأكثر عما يظهر من شهادة بابياس، فلماذا هذا الاقتطاع يا فضيلة الشيخ، هذا ليس من شيمة الأكاديمية في البحث.

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد

بابياس وإنجيل مرقس

نأتي للأدلة الخارجيَّة، ولنا على فضيلة الشيخ هنداوي عتابٌ كبير سنأتي لذكره عند سرد شهادات الآباء. تأتي شهادات الآباء متنوعة، وكان أوَّل أب للكنيسة، بعد الرسل، يكتب عن مرقس هو ق. بابياس (60-130م)، أسقف هيرابوليس في فريجيا. فكتب يقول:

“وقال الشيخ (يوحنا): صار مرقس مترجمًا لبطرس كلما تذكر (بطرس) كتب (مرقس) بدقة كلّ ما قاله أو فعله الربّ وإن كان بغير ترتيب. كونه لم يسمع الربّ ولا تبعه لكنه جاء لاحقاً حيث قال (الشيخ) مشيرًا لبطرس الذي تعلم كلما دعت الحاجة. لكنه لم يكن يعلم وفقًا لترتيب أقوال الربّ. لذلك لم يخطئ مرقس عندما كتب ما تذكره. حيث حدد هدفًا واحدًا أن لا يترك شيئًا مما سمعه وإلا يشوه أيًّا من كلمات بطرس “[36].

και τούθ’ ό πρεσβύτερος ελεγεν Μάρκος μέν έρμηνεντής Πέτρον γενόμενος, όσα έμνημόνενσεν, ακριβώς εγραφεν, ού μέντοι τάζει, τά ύπό τού κνρίον ή λεχθέντα ή πραχθέντα ούτε γάρ ήκονσεν τού κνρίον ούτε παρηκολούθησεν αύτώ, ύστερον δέ, ώς έφην, Πέτρω, ός προς τάς χρείας έποιεΐτο τάς διδασκαλίας, άλλ’ ούχ ώσπερ σύνταξιν τών κνριακών ποιούμενος λογίων, ώστε ουδέν ήμαρτεν Μάρκος, ούτως ένια γράφας ώς άπεμνημόνενσεν ενός γάρ έποιήσατο πρόνοιαν, τού ρηδέν ών ήκονσεν παραλιπεΐν ή φεύσασθαί τι έν αύτοΐς.

 

يقول العالم Jülicher أنَّه “في جميع الدلائل على المكان والزمان والظروف القريبة لتكوين الإنجيل، يمكننا على الأرجح أن نلاحظ الفرضيات القديمة فقط”[37].

إنَّ تقييم شذرات بابياس أمر صعب للغاية، على الرغم من أنَّ عدم إدراك هذا الأمر والعيب الخطير أثناء فحص الكثير من الاستخدام العلمي لما قاله بابياس. ما هو جدير بالملاحظة أنَّ معظم الباحثين يتعاملون مع بابياس فيما يخص السؤال حول مصداقيته. من الناحية المنهجية، يجب علينا أن نسأل أولاً عمّا يقوله بابياس قبل محاولة التقييم التاريخيّ.

عند تفسير شذرات بابياس، يجب أن نكون مدركين تمامًا للعديد من أوجه عدم اليقين التي تتعلق به. فمن هو المقصود بالشيخ πρεσβύτερος الذي تحدث عن مرقس وبطرس؟ وما الذي تشير إليه كلمة ترتيب σύνταξιν؟ وماذا عن مترجم أو مُفسر έρμηνεντής؟ من هو مرقس؟ لم يخبرنا سواء بابياس ولا يوسابيوس عن تلك الأمور، وكانت الكنيسة الأولى تميل إلى تعريفهم مع الأشخاص الذين يحملون نفس الاسم بحسب تقليد الكنيسة. وما المقصود بتعاليم διδασκαλίας بطرس التي كتبها مرقس بحسب ما تذكر ένια γράφας ώς άπεμνημόνενσεν؟ نحن لا نجرؤ على إهمال الآثار المترتبة على العديد من الاختلافات المتعلقة بتفسير بابياس. تقييم اقتباس بابياس إمَّا كمصدر موثوق به أو كمصدر غير جدير بالثقة يتبين أنَّ الحجة المؤسسة عليه هي تخمين على أساس تخمين لا أكثر.

يجب أن نتذكر أنَّ يوسابيوس يقتبس من بابياس، ولا يمكن التحقق من مدى وموثوقيَّة استشهاده هذا. ربما لم يغير يوسابيوس موقفه تجاه بابياس فقط عندما اقتبس منه فحسب[38]، ولكنه أعاد صياغة ما ورد عن بابياس بأهداف محددة، إذ يقول بابياس ما يريده يوسابيوس أن يقوله فقط. في سياق التاريخ الكنسيّ ليوسابيوس، تعتبر ملاحظات بابياس جزءًا من النقاش حول الكتابات المعترف بها منذ القِدم (HE 3.3.3). الحافز المهم هو الخلافة الرسوليَّة (τας των ιερων απστολων διαδοχας، HE 1.1.1)، الخط المتواصل الذي يحرس تعاليم الرسل. كان لدى يوسابيوس آراء واضحة ومصلحة ذاتية قوية وجهت نتائج “تحقيقاته” حول هذه الأشياء. أو كما يقول العالم Orchard “بالنسبة للباحث المعاصر، من المدهش إلى حدٍ ما، وحتّى الصادم بعض الشيء، رؤية الطريقة التي يستخدم بها يوسابيوس تاريخه الكنسيّ كوسيلة للترويج لوجهة نظره الخاصّة”[39].

فقد كتب بابياس كتبه في وقت مبكر، في السنة الأولى أو الثانية من القرن الثاني[40]، كواحد من قادة الكنيسة المهمين في ذلك الوقت. أشار بعض هؤلاء الأشخاص البارزين في الوسط الغربي إلى أنَّ بطرس هو المرجع الأساسي الذي يقف وراء إنجيل مرقس. ومع ذلك، يجب الاعتراف: “بدون ملاحظة بابياس، لم يكن أحد سيربط إنجيلنا بشكلٍ وثيق مع بطرس”[41].

إذًا شهادة بابياس لا يمكن إقامة حجة قوية عليها إذ هي تعبير عن فكر يوسابيوس القيصريّ وتاريخه الذي كتبه، وعلى رغم من فائدته إلَّا أنَّ أيّ باحث واعٍ يعرف أنَّه لا يمكن إقامة حجة قوية عليه إلَّا بشهادات أخرى.

شهادة يوستينوس الشهيد

نأتي للشهادة التالية بحسب فضيلة الشيخ وهي شهادة يوستينوس الشهيد حيث يقول:

“وكذلك الحال عينه مع يوستينوس الشهيد فقد ذكر هذا الإنجيل تحت عنوان «مذكرات بطرس» فقال: «قيل: إنه غير اسم أحد رسله إلى بطرس، وهذا الحدث مدون في مذكراته»”[42].

الغريب أن فضيلة الشيخ يورد اقتباسه هذا دون مرجع، مما يدعو إلى الشك في اقتباسه هذا، ولنرجع لنصّ القديس يوستينوس الذي ورد فيه هذا الأمر، وهو حواره مع تريفون اليهوديّ، إذ قد ورد في فصلين، فيقول:

“لأن [المسيح] دعا أحد تلاميذه- المعروف سابقًا سمعان- بطرس؛ عندما عرف أنَّه المسيح ابن الله، بإعلان أبيه، وبما أنه مكتوب في مذكرات رسله [أي الأناجيل] أنَّه هو ابن الله، وبما أننا ندعوه الابن، فإننا نفهم أنَّه هو بالحقيقة الذي خرج مِن عند الآب قبل كلّ الخليقة بقوته وإرادته..”.

“For [Christ] called one of His disciples— previously known by the name of Simon — Peter; since he recognised Him to be Christ the Son of God, by the revelation of His Father: and since we find it recorded in the memoirs of His apostles that He is the Son of God, and since we call Him the Son, we have understood that He proceeded before all creatures from the Father by His power and will…” (Chapter 100)[43].

“وعندما قيل إنَّه غيَّر اسم أحد الرسل إلى بطرس؛ وعندما ورد في مذكراته أنَّ هذا قد حدث، وكذلك أنَّه قام بتغيير اسم شقيقين آخرين، ابني زبدي، إلى بوانرجس الذي يعني ابني الرعد”.

“And when it is said that He changed the name of one of the apostles to Peter; and when it is written in the memoirs of Him (kaˆ gegr£fqai ™n to‹j ¢pomnhmoneÚmasin aÙtoà) that this so happened, as well as that He changed the names of other two brothers, the sons of Zebedee, to Boanerges which means sons of thunder” (Chapter 106)[44].

من خلال المقارنة بين الاقتباسين المشار للقديس بطرس فيهما، نستطيع فهم المقصود بما ورد في الفصل (106) من حواره مع تريفون، والذي ورد في النصّ الإنجليزيّ بعبارة “the memoirs of Him” وبالعربيَّة “في مذكراته” والضمير هنا يعود على السيد المسيح وليس على القديس بطرس، وما يثبت هذا هو الضمير الذي يقع في بداية الاقتباس إذ يقول: “عندما قيل إنَّه.. And when it is said that He” نلاحظ أنَّ النص الإنجليزي يكتب الضمير بالحرف الكبير وليس الصغير كما هو معتاد، وذلك إشارة إلى أنَّ الضمير يعود على الربّ يسوع، وبالمثل في عبارة “في مذكراته”، فكيف يفترض فضيلة الشيخ أنَّ هذا الكلام عن مذكرات بطرس!

شهادة القديس إيريناؤس

نأتي هنا للشهادة الأكثر غرابة وهي شهادة القديس إيريناؤس، والتي ينقلها لنا عن يوسابيوس القيصري فيقول:

“وشهادة إيريناؤس ينقلها لنا يوسابيوس القيصري كذلك فيقول: «أما مرقس فقد أصبح ناقلًا لبطرس، كتب بدقة كل ما كان يذكر، لكنه لم يرتب ما قاله الرب أو ما عمله، فهو لم يسمع من الرب ولم يتبعه، لكنه لاحقًا، كما يقول، تبع بطرس وتتلمذ على يديه دون أن يقصد بأن يجعل أحاديث يسوع مرتبطة ببعضها»”[45].

وقد أورد هنداوي في حاشيته بخصوص هذا الاقتباس مرجع: “يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة صـ146″، ويشير له في مسرد المراجع بنهاية الكتاب أنَّها نسخة القمص مرقس داود طبعة المحبة، ولكن رجعنا لهذا المرجع الهام وبحسب ترقيم الصفحة التي يشير لها فضيلة الشيخ، لم نجد ما ذكره ولكن وجدنا شهادة القديس إيريناؤس في الفصل الثامن من الكتاب الخامس بصفحة 253 بنسخة القمص مرقس داود طبعة المحبة، والتي يقول فيها:

“ولقد نشر متى انجيله بين العبرانيين بلغتهم، اذ كان بطرس وبولس يكرزان ويؤسسان الكنيسة في روما. وبعد ارتحالهما نقل إلينا مرقس- تلميذ بطرس ولسان حاله- كتابة تلك الأمور التي كرز بها بطرس. ودون لوقا- الذي كان ملازمًا لبولس- في كتابة الإنجيل الذي أعلنه بولس”[46].

وبحسب مرجع آخر أشار له فضيلة الشيخ لاحقًا وهو للعالم Grabe، حيث قال مقتبسًا عن تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصريّ[47]:

“ذهب متّى شرقًا إلى المنحدرين من أصل عبراني وكرز لهم بلغتهم، ووهي اللغة التي كتب بها الإنجيل، بينما اتجه بطرس وبولس غربًا وبشرا وأسسا الكنيسة في روما. ولكن بعد رحيلهما ([exodon]. وبحسب روفينوس “exitum”) مرقس، التلميذ والمفسر ([hermeneutes]) لبطرس، سلمنا الأشياء التي بشر بها بطرس مكتوبة”.

“Matthew went eastward to those of Hebrew descent and preached to them in their own tongue, in which language he also (had?) published a writing of the gospel, while Peter and Paul went westward and preached and founded the church in Rome. But after the departure ([exodon]. “exitum” in Rufinus) of them, Mark, the disciple and interpreter ([hermeneutes]) of Peter, even he has delivered to us in writing the things which were preached by Peter”.

وفي كلا الاقتباسين لا نرى ما أورده فضيلة الشيخ من كلمات “لكنه لم يرتب ما قاله الرب أو ما عمله، فهو لم يسمع من الرب ولم يتبعه“، فكيف هذا، هل يمكن أن تبني حجتك تلك على كلام لا أساس له من الصحة سواء فيما أشرت له من مرجع، أو ما أتينا به من اقتباس مباشر من أحد المراجع الأجنبيَّة التي أشرت لها لاحقًا في كتابك هذا، يا للعجب!

فحص النقاط الثلاث

نأتي لنقاطه الثلاث في التعليق على الشهادات التسعة، وسنعلق عليها نقطة نقطة، يقول فضيلة الشيخ في النقطة الأولى:

“في جميعها اتفاق على تبعية مرقس لبطرس وأنه مدون مذكراته، على خلاف فيها: هل كتبها بإذن بطرس في حياته أو بعد وفاته، وهل شجعه على الكتابة أم لا؟”[48].

يا فضيلة الشيخ تبعية القديس مرقس للقديس بطرس هي مثل تبعية للقديس بولس وكتبعيته لجميع تلاميذ الرب يسوع- حتَّى لو كان له علاقة خاصّة مع القديس بطرس- التبعية في فكر الكنيسة وتقليدها تأتي تحت مفهوم التلمذة، أي تلك العلاقة القائمة على رعاية وإرشاد من هم متقدمين في كنيسة الله، وليس بمعنى ولاء أعمى كعبد وسيد.

النقطة الثانية:

“في ثلاثة منها أن مرقس لم ير الرب (المسيح) ولا اتبعه، وهي شهادة كل من بابياس وإيريناؤس وجيروم، وشهادة (بابياس وإيريناؤس) هما أقدم شهادتين بحسب التقليد، ثم شهادة ثالثة متأخرة وهي شهادة جيروم ومن ثمَ فلا يتأتى أن يكون مرقس من الرسل السبعين الذين أرسلهم المسيح”[49].

من خلال فحصنا لتلك الشهادات تكلمنا عن عدم إمكانيَّة الأخذ بشهادة بابياس بتلك الدرجة من الثقة بشهادة العديد من العلماء والباحثين المتخصصين، وفيما يخص شهادة إيريناؤس أوردنا تلك الشهادة وعرفنا أنَّ تلك العبارة السلبيَّة عن أنَّ مرقس لم ير الرب ولا اتبعه لم ترد حقيقةً في كلٍّ من يوسابيوس القيصري أو نص القديس إيريناؤس مباشرة، نأتي إذًا لشهادة جيروم التي يقول عنها فضيلة الشيخ أنها شهادة متأخرة، وهي بذلك شهادة وحيدة لا يمكن الاعتداد بها، إذ لا دليل يقاس على برهان أحادي ومتأخر أيضًا!

النقطة الثالثة هي:

“والشهادات الستة الباقية لا ذكر فيها لرؤية مرقس للرب ولا لسماعه منه”[50].

يا فضيلة الشيخ أيمكن أن نقيم دليلًا على غياب الشهادات، وهي إحدى المغالطات المنطقيَّة والتي تسمى (الحجة بالصمت Argument from silence)، وهي طريقة عقيمة تدل على فقر الباحث وضعف حجته، بل بالأكثر تسترسل وتصف الكنيسة بأنَّ تقليدها عن مرقس هو بدون أب تتكئ عليه وترد الأمر إليه. يا فضيلة الشيخ تقليد الكنيسة ليس مجرد عبارات وكلمات مكتوبة مع إسناد العنعنة، تقليد الكنيسة يمتد في حياتها وتاريخها وروحها وصلواتها، وهو ما سنأتي على ذكره في الفصل الثاني الخاص بالتقليد.

 

[1] محمد هنداوي الأزهريّ، نقد التقليد الكنسيّ، الكنيسة المصريَّة أنموذجًا، نشر دار اللؤلؤة، الطبعة الأولى 2021، ص 8.

[2] إيريل كيرينز، المسيحية عبر العصور، تاريخ الكنيسة المسيحية في العشرين قرن، ترجمة عاطف سامي، نشر دار رسالتنا، طبعة أولى 2021، ص 214.

[3] هنداوي، مرجع سابق، ص 8-9.

[4] للمزيد انظر أثناسيوس المقاريّ (الراهب)، معجم المصطلحات الكنسيّة الجزء الثاني، طبعة أولى يوليو 2002، ص 108-110.

[5] هنداوي، مرجع سابق، ص 10.

[6] تادرس يعقوب ملطي (القمص)، قاموس آباء الكنيسة وقديسيها مع بعض شخصيات كنسيَّة، نسخة أليكتورنيَّة.

[7] هنداوي، مرجع سابق، ص 11.

[8] توماس سي. أودين، القديس مرقس في الذاكرة الإفريقية: إعادة تأصيل تقليد الكنيسة المُبكر عن القديس مرقس، ترجمة: نيكلس نسيم سلامة – مينا فؤاد، نشر دار النشر الأسقفية، طبعة أولى 2017، ص 24.

[9] يشرح لنا توماس أودين معنى الذاكرة الأفريقية فيقول: “ما الذي أقصده بعبارة “الذاكرة الإفريقيّة”؟ إنَّها طريقة ذات طابع مميز من النظر إلى التاريخ من خلال أساس الخبرة والمنظور الخاصين بقارة إفريقيا. وكلمة ذاكرة لا تُشير هنا إلى الذاكرة الإفريقيّة “المعاصرة” وحدها، بل إلى أسلوب تَذَكُّر يعود تاريخه الطويل إلى ألفي سنة. وهو أسلوب لا ينسى لأنه يشتمل على تقليد طويل الأمد من الحيويّة الفكريّة. وقد أنجب هذا التقليد ثمارًا أدبيّة ممتدة على مدى قرون كثيرة”. للمزيد انظر

توماس سي. أودين، المرجع السابق، ص 31-44.

[10] من أجل مناقشات حديثة تتعلق بمسائل فنيات إنجيل مرقس، انظر كتاب

Ernest E. Best, The Gospel as Story (Edinburgh: T & T Clark, 1983); John R. Donahue and Daniel J. Harrington, The Gospel of Mark (Collegeville, Minn.: Liturgical, 2002); W. R. Telford, The Theology of the Gospel of Mark, New Testament Theology (Cambridge: Cambridge University Press, 1999); Ben Witherington III, The Gospel of Mark: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids: Eerdmans, 2001).

[11] هنداوي، مرجع سابق، ص 14-15. وبحسب استشهاد هنداوي يُحيل الاقتباس الوارد إلى جون درين، يسوع والأناجيل الأربعة ترجمة نكلس نسيم سلامة ص 249، ط. دار الثقافة، الطبعة الأولى 1999م.

[12] جون درين، يسوع والأناجيل الأربعة، ترجمة نكلس نسيم سلامة، نشر دار الثقافة، الطبعة الأولى 1999م، ص 249.

[13] B. Witherington III, The Gospel of Mark: A socio-rhetorical commentary, Grand Rapids, MI: Wm. B. Eerdmans Publishing 2001.

[14] Ibid.

[15] “فَجَاءَتْ أَرْمَلَةٌ فَقِيرَةٌ وَأَلْقَتْ فَلْسَيْنِ، قِيمَتُهُمَا رُبْعٌ”.

[16] Darrell L. Bock, Jewish Expressions in Mark 14. 61-62 and the Authenticity of the Jewish Examination of Jesus, Journal of the Study of Historical Jesus, 1.2 (2003), p. 147-159

وترجم المقال في: أندرو وهيب، موريس وهيب، التعبيرات اليهودية في إنجيل مرقس 61:14-62، مجلة مدرسة الإسكندرية، العدد السادس والعشرون، السنة الحادية عشر العدد الأول أبريل 2019م، ص 113-132.

[17] هنداوي، مرجع سابق، 17.

[18] اعتمدنا الرد على هذه الإشكالية على ما أورده الراهب نوح الأنبا بيشوي في مقال أليكتروني بتاريخ 16 يوليو 2021، على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، رابط المقال:

https://tinyurl.com/4bb6f75j

[19] بحسب قاموس Strong، تحت كلمة horion أو ὅριον، انظر الرابط التالي:

https://biblehub.com/greek/3725.htm

[20] هنداوي، مرجع سابق، ص 18.

[21] اعتمدنا بشكل أساسي على موقع https://biblehub.com.

[22] Bruce M Metzger, A Textual Commentary on the Greek New Testament (Ancient Greek Edition), United Bible Societies (third edition), p. 95-96.

[23] هنداوي، مرجع سابق، 18-19.

[24] J. Adna, “The Encounter of Jesus with the Gerasene Demoniac,” in Authenticating the Activities of Jesus, ed. B. Chilton and C. A. Evans (Leiden: Brill, 1999), pp. 279–301.

[25] B. Witherington III, op. cit., for Mark 5:1-20.

[26] Michael Willett Newheart, My Name is Legion: The Story and Soul of the Gerasene Demoniac, Collegeville, MN: Liturgical Press 2004, p. 44-45.

[27] فيما يخص هذا الفيلق انظر:

https://www.livius.org/articles/legion/legio-x-fretensis/?

[28] فيما يخص المزيد عن هذا الأمر انظر

Michael Willett Newheart, op. cit.

[29] ورد على هذا في تعليق أوريجانوس على يوحنا 6: 24 كما هو مقتبس في

  1. C. Oden and C. A. Hall, eds., Mark, vol. 2 of The Ancient Christian Commentary on Scripture (Downers Grove, Ill.: InterVarsity, 1998), p. 67.

يمضي أوريجانوس ليضيف رأيه بأنَّ النصّ الأصلي يشير إلى جرجسة، وهي قرية بالقرب من بحيرة طبريا وكان لها تلة مثل تلك الموصوفة في القصّة. ويشير إلى أنَّ اسم تلك القرية يعني “سكن الشخص الذي يخرج” ويقترح أنَّ المدينة ربما سميت بهذا الاسم نبويًّا، أو على الأرجح، أخذت مثل هذا الاسم بعد هذا الحادث، وفي هذه الحالة كان لها اسم آخر قبل ذلك الحين.

[30] B. Witherington III, op. cit., for Mark 5:1-20.

[31] للمزيد انظر

https://en.wikipedia.org/wiki/Kursi,_Sea_of_Galilee

[32] هنداوي، مرجع سابق، ص 20.

[33] Thomas Nelson, Earl D. Radmacher, Nelson’s New Illustrated Bible Commentary: Spreading the Light of God’s Word into Your Life, Thomas Nelson Publishers 1999, Mark 5:1.

[34] هنداوي، مرجع سابق، ص 21.

[35] ستيفن م. ميلر، تاريخ الكتاب المقدس منذ عهد التكوين وحتى اليوم، ترجمة وليم وهبه، وجدي وهبه، نشر دار الثقافة، طبعة أولى 2008، ص 72.

[36] Fragments of Papias, from Eusebius CH 3.39.

[37] A. Jülicher, ’Marcus im NT’, in RE, XII, pp. 288-97 (290).

[38] للمزيد انظر

R.M. Grant, ‘Papias in Eusebius’ Church History’, in A. Bareau (ed.), Melanges d’histoire des religions offerts a Henri-Charles Puech (Paris: Universitaires de France, 1974), pp. 209-13.

[39] J.B. Orchard, ’Some Guidelines for the Interpretation of Eusebius’ Hist. Eccl. 3.34-39’, in W.C. Weinrich (ed.), The New Testament Age: Essays in Honor of Bo Reicke (Macon, GA: Mercer University Press, 1984), pp. 393-403 (399).

[40] وهو ما كان محقًا فيه يوسابيوس، للمزيد انظر

R.W. Yarborough, ‘The Date of Papias: A Reassessment’, JETS 26 (1983), pp. 181-91; U.H.J. Kortner, Papias von Hierapolis: Ein Beitrag zur Geschichte des frühen Christentums (Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1983), pp. 225-26.

[41] Julicher, ’Marcus’, p. 294.

[42] هنداوي، مرجع سابق، ص 26.

[43] https://www.newadvent.org/fathers/01287.htm

[44] Ibid.

[45] هنداوي، مرجع سابق، ص 26.

[46] يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، تعريب القمص مرقس داود، نشر مكتبة المحبة، ص 253.

[47] James Orr General, The International Standard Bible Encyclopedia, Vol 7, the Gospel according to Mark, 5.1.

[48] هنداوي، مرجع سابق، ص 28.

[49] المرجع السابق.

[50] المرجع السابق.

 

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد

مدرسة الاسكندرية اللاهوتية – د. ميشيل بديع عبد الملك (1)

الديداكية – تعاليم الرب للأمم كما نقله الرسل الأثنى عشر – د. سعيد حكيم

الديداكية – تعاليم الرب للأمم كما نقله الرسل الأثنى عشر – د. سعيد حكيم

الديداكية – تعاليم الرب للأمم كما نقله الرسل الأثنى عشر – د. سعيد حكيم

الديداكية – تعاليم الرب للأمم كما نقله الرسل الأثنى عشر – د. سعيد حكيم

تعاليم الآباء الرسل كنموذج لقوانين الكنيسة:

من المفيد بداية تحديد معنى كلمة قانون، بالمعنى العام والمعنى الخاص حسبما ورد في الكتابات المسيحية لتوضيح كيف أن تعاليم الآباء الرسل تُشكل قانون.. لكنه قانون له معنى آخر مختلف عن مفهوم القوانين الأخرى:

كلمة قانون بالمعنى العام: هو كل شيء يستخدم كمقياس أو نموذج أو معيار.

وبالمعنى الخاص: كما ورد بالكتابات المسيحية

(1) الكتب القانونية للكتاب المقدس.

(2) التسبيح الذي يتكون من مقاطع متعددة.

(3) التنظيم الكنسي.

(4) اللوم أو التأنيب الذي يوجهه الأب الروحي تجاه المعترف.

والقانون الكنسي يهدف بشكل عام لتأمين النظام ـ العدل ـ السلام، المساواة والحرية لأعضاء الكنيسة وإلى عودة حقيقية لشركة الإنسان مع الله ومع أخيه الإنسان ومع البيئة المحيطة.

ومن أجل هذا يختلف القانون الكنسي عن القانون الوضعي.. فالقانون الوضعي يشكل الإطار الذي يحدد سلوك البشر في مجتمع ما بعضهم نحو بعض. بمعنى أنه داخل هذا الإطار تتم المعاملات والعلاقات وأيّ تجاوز لهذا الإطار يعنى تجاوز للقانون الذي حدده.. ووقتها يعاقب المتجاوز لحدود القانون.

هذا القانون الوضعي وُضع لاحترام وحماية حرية وممتلكات الأفراد داخل المجتمع وأيضًا المحافظة على النظام العام.

وواضح إذن الفارق بين القانون الوضعي ـ والقانون الكنسي والذي يهدف كما أشرنا إلى إعادة الشركة الحية والحقيقية للإنسان مع الله ومع الناس ومع البيئة المحيطة ـ أيّ أنه لا يهدف للعقاب بقدر ما يهدف إلى تصحيح مسيرة الإنسان.

وهكذا كانت تعاليم الآباء الرسل نموذج لقوانين الكنيسة فتعاليم الآباء الرسل لم تحدد أسس لضبط سلوك البشر في إطار من المحللات والمحرمات.

هؤلاء الآباء قدموا بتعاليمهم وحياتهم الشخصية نموذج حي للمحبة الحقيقية، تلك المحبة التي أقام منها السيد المسيح معيار وحيد كأساس للتلمذة الحقيقية له ” بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضكم نحو بعض ” حتى أن أعمالهم تطابقت تمامًا مع أقوالهم فصاروا نموذج حي بين الناس بأعمالهم وتعاليمهم… صارت هذه التعاليم النموذج أو المعيار التي يصير عليه أعضاء الكنيسة ” وهذا هو مفهوم القانون بالمعنى الخاص السابق الإشارة إليه ” قال القديس أغناطيوس الأنطاكي إني أشتهى الاستشهاد لكى أظهر ذاتي مسيحيًا لا بالقول بل بالفعل.

لأنه إذا اختبرني العمل وظهرت أنى مسيحي فحينئذ يليق بي هذا الاسم المجيد حقًا… فأمر زهيد أن يُظهر الإنسان نفسه مسيحيًا إن لم يكن كذلك حقيقة.. ” فالذي يجعل الإنسان مسيحيًا لا الكلام ولا الظواهر بل شهامة النفس والثبات في الفضيلة.

وواقع الأمر أن هذه المحبة الحقيقية التي ظهرت في أقوالهم وأعمالهم عكست بشكل مباشر محبة الناس التلقائية والحقيقية أيضًا لهم. فقد خرجت جموع كبيرة تستقبل القديس إغناطيوس في كل المدن التي عبر بها وهو في طريقه إلى روما لنوال إكليل الشهادة على أيدي مضطهديه، وبكوا عليه كثيرًا.

والنص الديداكية تم اكتشافه من قِبل المطران فيلوثيوس فريينيوس (FiloqeoV BruennioV) سنة 1883 في مجموعة قوانين 1056. أما عن كاتب هذا النص (الديداكية) فهو غير معروف. وأهمية هذا النص وُجدت في الجزء الثاني منه والتي يؤكد فيها الكاتب أن الكنيسة قد عانت من الأنبياء الكذبة وأنها احتاجت لمعايير محددة لتمييز الأنبياء الحقيقيين والذين صاروا إلى حد كبير قليلون جدًا.

العنصر الهام والشخصي الذي يقدمه الكاتب في هذا العمل هو تلك الوصية ” ارسموا من هؤلاء أساقفة وشمامسة يكونوا مستحقين للسيد الرب لكي يخدمونكم خدمة الأنبياء والمعلمين وعليه فإن الديداكية بهذه الوصية عن رسامة الأساقفة تُظهر أن الكنيسة قد مرت من عصر الرسل إلى عصر الرعاة الثابتين أو المستمرين في أماكنهم وواضح أن هذا الانتقال قد تم بلا شك بصعوبات ومتاعب كثيرة.

أما عن زمن كتابة هذا النص فهناك اختلاف بين الباحثين حول زمن الكتابة، البعض وضعه بين سنة 50 – 70، والبعض الآخر بين 60ـ70، والبعض الآخر بعد سنة 110 م.

وقد وُجدت بعض مقتطفات لهذا العمل باللغة اليونانية وترجمة باللغة الجورجية ومقتطفات قبطية وترجمة أثيوبية.

ونص الكتاب الذي يحمل عنوان تعليم الآباء الرسل ـ من ناحية يهدف إلى لفت نظر المسيحيين لبعض الترتيبات والأحكام الرسولية عن الوعظ ـ أداء الأسرار ـ إدارة الكنيسة ـ ومن ناحية أخرى يساعد بعض التجمعات المسيحية ” koinozteV “

والتي لها ظروف خاصة أن تكتسب ضمير مستقل وترسم لها الإطر العامة التي فيها يمكن لهذه الوحدات المسيحية أن تتحرك بحرية… تعطى صورة حية لحياة الكنيسة الأولى في العصر الذي كان فيه التعليم ـ العبادة ـ التنظيم والحياة يشكلون وحدة شاملة… والباحثون يقسمون الديداكية إلى أربع أقسام:

(1) ملخص تعاليم أخلاقية من فصل 5 ـ 6 يبدأ بوصف عن الطريقين (الحياة والموت) وهو موجه للأمم والموعوظين.

(2) القسم الثاني من فصل 7ـ10 يعرض لإرشادات عن الأسرار ـ الصلاة ـ الطقوس وأهم جزء في الديداكية الفصول 9،10،14 والتي تتحدث عن سر الإفخارستيا.

(3) القسم الثالث من فصل 11 ـ 15 يتحدث عن العلاقات بين الكنائس ويميز المعلمين الحقيقيين من الكذبة وفصل 14 يتحدث عن سر الإفخارستيا يوم الأحد.

(4) القسم الرابع يحتوي على نصائح للتيقظ والسهر وانتظار الدهر الآتى.

النص اللاتينى الذي يحمل عنوان قريب لهذا العمل Doctrin Apostlorum لم يكن ترجمة للقسم الأول عن ” الطريقين ” ولكنه يمثل ترجمة مستقلة للطريقين لكنها ترجمة مغايرة.

 

 

 

+++++++++

المراجع:

(1) بروفيسور بانيوتى خريسوستومس ” البترولوجيا اليونانية ج 3 “.

(2) ,, خريستوس كريكونيس ” الآباء الرسوليون”

(3) بروفيسور فاسيلى بسفتونجاس ” مختارات لأعمال آبائية”

(4) الخريدة النفيسة.

(5) الآباء الرسوليون ـ منشورات النور.

(6) بروفيسور بروذورموس أكانثوبلس ” القانون الكنسي “.

(7) ستليانوس بابا دبلوس ـ باترولوجيا ج 1.

 

موثوقية العهد الجديد – هل يمكن الوثوق بالعهد الجديد؟ التغييرات النصية ونقل المخطوطات

موثوقية العهد الجديد – هل يمكن الوثوق بالعهد الجديد؟ التغييرات النصية ونقل المخطوطات

موثوقية العهد الجديد – هل يمكن الوثوق بالعهد الجديد؟ التغييرات النصية ونقل المخطوطات

مقال مُترجَم من The JDN Blog بتَصرُّف

في هذا المقال أود أن أناقش مدى موثوقية العهد الجديد. العديد من المتشككين المعاصرين الراديكاليين [/المتطرفين] غالبًا ما يتحدَّون المؤمنين، قائلين إننا لا يمكن أن نثق بالكتاب المقدس، لإننا لا نمتلك النصوص الأصلية، بل [نتملك] فقط نُسَخ من النُسَخ. وأيضًا، يقولون إن النصوص التي نمتلكها اليوم تم إفسادها عبر الزمن، فلا يمكن الثقة بها.

 

كشخص مؤمن، أؤمن بالطبع أن كل النصوص (الكتاب المقدس) هي كلمة الله المُوحَى بها، لكن الإيمان بوحيها أو الادِّعاء هو مسألة إيمان شخصي. لذا سيكون التركيز في هذا المقال على إظهار مصداقية نصوص العهد الجديد باستخدام نفس المعايير التي لجميع الوثائق التاريخية، سواء كانت دينية أو مَدنِّية. لاحظ/ي أن بكلمة “موثوقية نصوص العهد الجديد” أعني أن نصوص العهد الجديد التي لدينا اليوم تعكس بدقة ما كتبه الكُتّاب الأصليون.

 

أولاً، صحيح أننا لم نعد نملك المخطوطات الأصلية، بل بدلاً من ذلك نمتلك نُسَخ من النُسَخ. أسباب ذلك، كما هو الحال في العصور القديمة مع كل الوثائق القديمة، فغالبًا ما يتم التخلص من النسخة الأقدم عندما يتم عمل نسخة جديدة. على الرغم من ذلك، فإن اختبار موثوقية الوثائق القديمة لا يعتمد على امتلاك مخطوطة أصلية، بل [يعتمد] على عدد المخطوطات المتاحة وقربها التاريخي من [النص] الأصلي.

 

إذن، كم عدد النسخ القديمة من العهد الجديد التي لدينا اليوم؟

يوجد أكثر من 30000 نسخة: ما يقرب من 6000 نسخة باليونانية وأكثر من 10000 باللاتينية و15000 أخرى بلغات مختلفة (مثل القبطية والسريانية). وبالمقارنة، فإن “الإلياذة” كلاسيكية هوميروس (Homer’s Classic “The Iliad”) هي الوثيقة القديمة الوحيدة التي تقترب [من العهد الجديد]، فلها 643 مخطوطة – و1757 إذا احتسبنا أجزاء البردي. الآن ما مدى قُربها من النصوص الأصلية؟ انظر/ي أدناه على لمحة عامة للأعمال المختلفة من العصور القديمة للاضطلاع على المنظور والسياق.

المؤلف

الكتاب

تاريخ الكتابة

النُسَخ الأولى

الفجوة الزمنية

عدد النُسَخ

هوميروس

الإلياذة

800 ق م

400 ق م

400 عام

1757

أفلاطون

كتاباته

400 ق م

900 م

1300 عام

210

قيصر

الحروب الغالية

58-50 ق م

900 م

950 عام

251

كُتَّاب العهد الجديد

العهد الجديد

50-100 م

114 م (جزء)

200 م (أسفار)

250 م (معظم العهد الجديد)

325 م (العهد الجديد كاملًا)

50 عام تقريبًا

100 عام

150 عام

225 عام

+30000

 

كما يمكن لأي شخص أن يرى إنه لا يوجد أي [مجال] للمقارنة، فلا يوجد مجموعة من النصوص أو الأدب في العالم القديم بأسره مُوثَّقة أكثر من العهد الجديد. المؤلف العادي في العصور القديمة لديه أقل من عشرين نسخة من أعماله التي لا تزال موجودة، وعادةً ما تأتي هذه النُسَخ بعد [مرور] حوالي خمسة إلى عشرة قرون على كتابتها.

في الوقت نفسه، يتمتع العهد الجديد بثروة من المخطوطات لا مثيل لها، ولديه أقصر فجوة زمنية تعود إلى النسخ الأصلية، مقارنةً مع أي نص قديم. في الواقع، حتى لو تم إتلاف جميع مخطوطات العهد الجديد ولم يكن لدينا نسخة واحدة، فلا يزال بإمكاننا إعادة بناء نصوص العهد الجديد بالكامل تقريبًا. كيف؟

آباء الكنيسة القدماء، على سبيل المثال يوستينوس الشهيد، إيرنيئوس، إكليمنضس الإسكندري، أوريجانوس وترتليان (على سبيل المثال لا الحصر)، اقتبسوا كثيرًا من العهد الجديد بحيث يمكن للعلماء المُدرَّبين على النقد النصي إعادة بنائه من اقتباساتهم وحدها. يشهد الراحل بروس ميتزجر (Bruce Metzger)، وهو عالم مشهور ومُرشِد للعديد من علماء العصر الحديث، على هذه الحقيقة:

“إلى جانب الأدلة النصية المستمدة من المخطوطات اليونانية للعهد الجديد ومن النسخ القديمة، فإن الناقد النصي لديه العديد من الاقتباسات الكتابية … التي كتبها آباء الكنيسة الأوائل. في الواقع، هذه الاستشهادات واسعة النطاق لدرجة أنه إذا تم تدمير جميع المصادر الأخرى التي نعرفها لنص العهد الجديد، فستكون كافية وحدها لإعادة بناء العهد الجديد بأكمله عمليًا.” (ميتزجر، نص العهد الجديد). [1]

 

لذلك فإن العهد الجهد الجديد أجتاز أول اختبار للموثوقية بكثير. وليس هناك أي شيء آخر يقترب منه. التحدي التالي للموثوقية، هو الادِّعاء بأن النصوص التي لدينا اليوم قد تم إفسادها. بمعنى أن النص قد تم تغييره بشدة لدرجة أنه لا يمكن للمرء أن يثق بما يقوله [النص]. لكن هذا في الحقيقة هو وصف خاطئ جسيم للحقائق.

ما يشيرون إليه في الواقع كـ “اختلافات” بين المخطوطات القديمة، المصطلح الصحيح له في النقد النصي الأكاديمي هو “مُتغيِّرات” (variants). هذا في الواقع ليس شيئًا جديدًا، وإنه طبيعي جدًا (متوقع) لأي مستندات قديمة مكتوبة بخط اليد. علاوة على ذلك، أي مُتغيِّرات في التدوين كلها موثقة في النصوص التي لدينا اليوم.

ومع ذلك، فإن المشككين المعاصرين الذين تغذيهم الكتب الرائجة بالعناصر الأكثر راديكالية للمدرسة الجديدة New School (طالع مقالي السابق: لماذا لا يتفق العلماء بشأن يسوع؟)[2] قد تمسكوا بهذا الأمر وسموا هذه المُتغيِّرات بـ”فساد” من أجل التشكيك في مصداقية وموثوقية العهد الجديد. لكن هذا الوصف الخاطئ للمُتغيِّرات مُبالَغ فيه بشكل صارخ ويشوه القضية.

 

إذَن، ما هي التغييرات النصية؟

 إذا كان لديكَ/كِ أي مخطوطة بها اختلاف في كلمة واحدة، فإن ذلك يُعتبَر مُتغيِّر نصي. إذَن، كم عدد المُتغيِّرات الموجودة في العهد الجديد؟

حسنًا، العدد الدقيق غير معروف، لكن جميع العلماء يتفقون على أن هناك ما بين 200000 و400000 مُتغيِّر نصي. قد يزعج هذا الرقمُ الكثيرَ من الناس، لكن لا يجب أن يكون كذلك. ضع/ي في اعتباركَ/كِ كما ناقشنا سابقًا، أن عدد نسخ العهد الجديد باللغة اليونانية الأصلية يتضمن حاليًا ما يقرب من 6000 مخطوطة قديمة. باختصار، كلما زاد عدد النسخ لديكَ/كِ، زاد عدد المُتغيِّرات التي ستحصل/ين عليها.

في الواقع، إذا أخذنا الحد الأقصى من المُتغيِّرات وهو (400000) والعدد الإجمالي للمخطوطات اليونانية وحدها (5800)، فإن هذا من شأنه أن يصل في المتوسط ​​إلى حوالي 68 مُتغيِّر مُتفرِّد لكل نسخة. الآن، هذا لا يعني، ولا أنا أقول، أن الـ 68 مُتغيِّرًا تم نسخهم 5800 مرة لـيصلوا إلى 400000 مُتغيِّر.

في الواقع، المخطوطة الواحدة يمكن أن تحتوي على 1000 مُتغيِّر ومخطوطة ثانية [تحتوي على] 1000 آخر، ولكن إذا كان 500 مُتغيِّر من [المخطوطة] الثانية مماثلين لما في [المخطوطة] الأولى، فسيكون الإجمالي [لدينا] هو 1500 مُتغيِّر. إلا إن كل [مخطوطة واحدة] منهما بها 1000 [مُتغيِّر].

ثم تتقدم/ين إلى المخطوطة الثالثة والرابعة والخامسة وما إلى ذلك – فستحصل/ين على مُتغيِّرات متفرِّدة من 200000 إلى 400000، بعد الاطلاع على جميع المخطوطات اليونانية.

 

إذَن، كيف تبدو هذه المُتغيِّرات [النصية التي] للعهد الجديد؟

  • حسنًا، ما بين 70 إلى 80 بالمائة [من المُتغيِّرات النصية]، ليست أكثر من اختلافات إملائية. لذا، إذا كانت مخطوطة من القرن التاسع تحتوي على كلمة واحدة بها خطأ إملائي، فإن ذلك يُعَد مُتغيِّرًا واحدًا. أيضًا، يمكن تهجئة يوحنا [ Ἰωάννης يُنطَق: يؤنِّس] بشكل صحيح باستخدام حرف “ن” [ν]واحد أو اثنين -مع هذا، في أي مرة يستخدم الناسخ التهجئة الأخرى- يكون هذا مُتغيِّر [نصي]. الآن قم/قومي ببعض العمليات الحسابية الذهنية السريعة، هذا يعني أن 280000 إلى 320000 من هذه المُتغيِّرات غير مهمة (inconsequential).
  • إذن ماذا عن البقية؟ في أي مرة يقوم الناسخ بتكرار سطر أو تخطِّي سطر، يكون هذا مُتغيِّر [نصي].
  • في العديد من المقاطع، المُتغيِّرات ليست أكثر من مُرادِفات، على سبيل المثال قد يكتب أحدهم “فلان ناح” وآخر يكتب “فلان بكى”، فلا يوجد تغيير في المعنى، ومع ذلك لا يزال يُعتبَر مُتغيِّر [نصي].
  • على سبيل المثال، هناك أكثر من اثنتي عشرة طريقة مختلفة في اللغة اليونانية لقول إن “يسوع يحب فلان” وكلها ستتُرجَم إلى الإنجليزية بنفس الطريقة، ولكن بالنسبة لكل سَرد يوناني مختلف مُستخدَم، يُعتبَر هذا مُتغيِّر [نصي].
  • يتضمن عدد من المُتغيِّرات أيضًا الممارسة القديمة لاستخدام التعريف “الـ ” [قبل الاسم العَلَم]، مثل “الـمريم تقول” أو “الـيوسف يقول” وبمجرد أن أصبحت هذه الممارسة غير معاصرة، حذف النُسَّاخ [أداة التعريف] “الـ”، لتكون مَكتوبة في المخطوطات “مريم تقول” أو “يوسف يقول”، وكل مرة سيتم احتسابها كمُتغيِّر نصي مُنفصِل.

هذه الأمثلة هي من ضمن المُتغيِّرات الأكثر شيوعًا، وتمثل ما يقرب من 99٪ من جميع المُتغيِّرات [3]، وكما يمكن للمرء أن يرى، فهي غير مهمة تمامًا ولا تؤثر على محتوى النص أو معناه على الإطلاق.

على وجه الإجمال، أقل من 1٪ من المُتغيِّرات تؤثر على معنى النصوص بطريقة ما، و[هي] حول قضايا ثانوية إلى حد كبير.

  • على سبيل المثال، (1يوحنا1: 4)، تقول: ” ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحـنا [ἡμῶν] [4] كاملًا”، بينما تقول المخطوطات الأخرى: “… لكي يكون فرحـكم [4] [ὑμῶν] كاملًا”. إن المُتغيِّر يؤثر على المعنى، لكن بطريقة بسيطة وثانوية.
  • أيضًا من ضمن فئة الـ1 % هناك استيفاءات محتملة (إضافات) للنصوص. لكنها نادرة جدًا، وكلها ليست ذات أهمية تقريبًا، ولا تزيد عن بضع كلمات أو آية أو اثنتين في الطول، مع استثناءين. في هذا الصدد، لا يوجد سوى مُتغيِّرين رئيسيين في نصوص العهد الجديد بأكملها يتخطَّيان التهجئة المعتادة والصياغة واختيار الكلمات، ولهما طول ملحوظ.
    • [المُتغيِّر] الأول يقع في نهاية [إنجيل] مرقس؛ حيث يعلن يسوع للتلاميذ أنهم يستطيعون الآن التحدث بألسنة وحَمل الأفاعي وإخراج الشياطين باسمه. هذا ليس في أقدم مخطوطات [إنجيل] مرقس… ويستند على سفر أعمال الرسل. [5]
    • [المُتغيِّر] الثاني هو المرأة التي تم القبض عليها في الزنا من [إنجيل] يوحنا. على الرغم من أن الأسباب معقدة للغاية للتطرُّق في هذا هنا، إلا أن العديد من العلماء (بعضهم من كلتا المدرستين) لديهم أسباب ليجادلوا في صالح تاريخية الحدث المُسجَّل في هذا المقطع. على الأرجح، لم يكن هذا جزءًا من إنجيل يوحنا فحسب، ربما أكتُب عن ذلك لاحقًا. [6]

ومع ذلك، إذا نظر أي شخص إلى حواشي كتابه المقدس [الكاتب يتحدث هنا عن بعض النُسَخ باللغة الإنجليزية] فسوف يرى أن القراءات المهمة المختلفة مُسجَّلة بالفعل، هذا ليس بجديد.  [أما] وصف هذه المُتغيِّرات من قِبَل المُشكِكين المعاصرين بأنها “فساد” لنصوصنا الحديثة، وبالتالي اعتبار العهد الجديد “غير جدير بالثقة” و “مَنقوص [/كُشِفَت مَساوِئه]” يعد تشويهًا جسيمًا للحقائق.

إن نزاهة [/سلامة] نصوص العهد الجديد راسخة، ونصوصنا الحديثة تتضمن القراءات المُتغيِّرة التي تستحق الاهتمام [لكي نلاحظها] على أي حال. [أما المُتغيِّرات غير المهمة التي أشار الكاتب إليها سابقًا، وهي مثل تكرار نَسخ سطر أو حذف أداة التعريف “الـ” أو غيرها، لا تتضمَّنها نصوصنا الحديثة.]

 

في الواقع عندما تضع/ي في الحسبان العدد الإجمالي لنُسَخ مخطوطات العهد الجديد، فإن العدد المُحتَمَل للمُتغيِّرات يجب أن يكون حوالي عشرات الملايين. إنه لأمر صادم في الحقيقة -حتى لكثير من العلماء- أن لدينا القليل جدًا [من المُتغيِّرات]. العالِم دانيال ب.

والاس (Daniel B. Wallace)، أستاذ دراسات العهد الجديد في معهد دالاس اللاهوتي والمدير التنفيذي لمركز دراسة مخطوطات العهد الجديد، يُعتَبَر أحد أبرز العلماء في العالَم فيما يتعلق بالنقد النصي، ويتم النشر له على نطاق واسع في الوَسَط الأكاديمي. لقد قال ما يلي في مقابلات أجراها معه لي ستروبل (Lee Strobel)، وتم اقتباس ذلك في كتاب قضية يسوع الحقيقي (The Case for the Real Jesus):

“لا تتأثر العقائد الأساسية بأي من المُتغيِّرات المُمكِنة”[7]

 “الحقيقة هي أن العلماء عبر الأطياف اللاهوتية يقولون إنه في كل المبادئ الأساسية، تعود المخطوطات التي نملكها للعهد الجديد إلى النُسَخ الأصلية” (والعلماء الذين يقولون عكس ذلك هم) “جزء من أقلية صغيرة جدًا من ُنقَّاد النص،” [8]

“كمية و جودة مخطوطات العهد الجديد لا مثيل لها في العالم اليوناني الروماني القديم. _ لا توجد أي مقارنة تمامًا بالآخرين”[9]

“بالنسبة لي، الشيء الأكثر لفتًا للنظر هو الضَجَر [/المَلَل] من النظر إلى مخطوطةٍ بعد مخطوطةٍ بعد مخطوطةٍ لا تتغير. نعم، هناك اختلافات، لكنها ضئيلة جدًا. كل عام، عندما أقوم بتدريس النقد النصي، يقضي طلابي حوالي ثُلث حجم [/عبء] عملهم في نَسْخ المخطوطات_ وهم دائمًا يندهشون من مدى ضآلة اختلاف المخطوطات.” [10]

نورمان جيزلر (Norman Geisler) عالِم وخبير في الكتاب المقدس نُقِل عنه قوله،

“عند مقارنة القراءات المُتغيِّرة للعهد الجديد، مع تلك [المُتغيِّرات] الخاصة بالكتب الأخرى التي نَجَت من العصور القديمة، فإن النتائج تكاد تكون مُذهِلة_ إن أدلة نزاهة [/سلامة]  العهد الجديد لا تقبل الشك.” [11]

 

ملاحظة أخيرة، يبدو أن العديد من المشككين المعاصرين يخضعون للافتراض الخاطئ أن مخطوطات العهد الجديد تَتبع خط انتقال طولي واحد، أي أن شخص يمرر رسالة إلى الثاني الذي يعطيها إلى الثالث وهكذا. ومع ذلك، هذا [الادِّعاء] يفترض طريقة مشابهة للانتقال الشفوي، حيث سيكون من الصعب بالفعل إعادة بناء رسالة أصلية من خلال خط انتقال واحد يبعد عن الأصل بعدة أجيال. لكن الواقع هو أن أيًا من الافتراضين لا ينطبق على العهد الجديد، لماذا؟

لأنه مُخلَّد [/يُنسَخ أو يتم الاقتباس منه طوال الوقت] في الكتابات، والمخطوطات المكتوبة يمكن التحقق منها بوضوح، وذلك لا ينطبق على التواصل الشفوي. مرة أخرى، مخطوطات العهد الجديد لا تُمثِّل خط انتقال طولي واحد يبعد عن الأصل بعدة أجيال، ولكن بدلاً من ذلك تُظهِر خطوط انتقال متعددة، مع أقصر فجوة تعود إلى النسخ الأصلية مقارنةً بأي عمل قديم.

 فماذا يعني وجود خطوط انتقال متعددة؟

على سبيل المثال، قد يوزع أحدُ المؤلفين عشرَ نسخٍ من عمله، ويتم نسخ كل نسخة منها خمسين مرة، ثم يتم نسخ كل واحدة من الخمسين أكثر بواسطة ناسخ لاحق، وهلم جرا. بمعنى آخر، لديكَ/كِ خطوط انتقال متعددة جميعها تشهد لنفس النص. لذلك، نظرًا لوجود الآلاف من المخطوطات المُتبَقّية للعهد الجديد والتي تمثل خطوط انتقال متعددة والغالبية العظمى من المُتغيِّرات فيها غير جوهرية  تمامًا، بالإضافة إلى العديد من الشهود القدامى على انتقال النص (أي آباء الكنيسة)، فالنتيجة النهائية هي أن نص العهد الجديد يتَّسِم بنزاهة [/سلامة] لا تشوبها شائبة.

في الواقع، معظم نُقَّاد النص يقولون إن نص العهد الجديد أصيل بنسبة 98-99%. هذا يعني أن نزاهة [/سلامة] نص العهد الجديد راسخة بحيث لا مجال للشك فيها، ولن يجادل بخلاف ذلك إلا فقط أكثر المتشككين تطرفًا.

 

في الختام، يتمتع العهد الجديد بدعم غير مسبوق لدقته النصية. لهذا، فإنه يجتاز بكثير الاختبار الثاني [اختبار إفساد النصوص] من قِبَل المتشككين الذين يتحدون موثوقيته. بعبارة أخرى، العهد الجديد الذي تقرأه/تقرأيه اليوم، هو ترجمة جديرة بالثقة  للكتابات الأصلية. باختصار، العهد الجديد يمكن الوثوق به. العهد القديم يحظى أيضًا بدعم مُمَاثل، لذلك يمكن أن يُقال نفس الشيء عن موثوقية الكتاب المقدس بأكمله. إنني تحدثت كثيرًا عن هذا الموضوع بما فيه الكفاية، سأختتم باقتباس قول يسوع في إنجيل مرقس:

“السماء والأرض تزولان، ولكن كلامي لا يزول.” (إنجيل مرقس13: 31)

شكرًا لقراءتُكَ/لقراءتُكِ. أرجو أن يكون البعض قد وجد هذه المقالة مُفيدة.

ليباركنا الله!

جاي. دي. إن. (JDN)

رابط المقال الأصلي:

https://thejdnblog.wordpress.com/2015/04/19/is-the-new-testament-reliable/

 

الحواشي:

[1] Metzger and Ehrman, TNT, p.126.

[2] https://thejdnblog.wordpress.com/2015/04/10/part-1-of-2-did-paul-invent-christianity/

[3] wallace, “Gospel According to Bart,” p. 330.

[4] https://www.bibletranslation.ws/trans/1john.pdf   p.3.

[5] “إخراج الشياطين”: (أعمال الرسل8: 6)، (أعمال الرسل16: 16- 18)  و”التكلم بألسنة”: (أعمال الرسل2: 3- 4)، (أعمال الرسل10: 45- 46)، (أعمال الرسل19: 6) و”حَمل الحيَّات”: (أعمال الرسل28: 3- 4) و”وضع الأيدي على المرضى”: (أعمال الرسل28: 8)

[6] https://thejdnblog.wordpress.com/2015/08/07/the-story-behind-john-753/

[7] Lee Strobel, The Case for The Real Jesus, p.90.

[8] Ibid., p.71-72.

[9] Ibid., p.83,85.

[10] Ibid., p.98.

[11] Norman Geisler and William Nix, From God to Us: How We Got Our Bible (Chicago: Moody, 1980), p.180.

موثوقية العهد الجديد – هل يمكن الوثوق بالعهد الجديد؟ التغييرات النصية ونقل المخطوطات

تناقضات القيامة – كم عدد زيارات النساء للقبر؟ هل كان الحجر مدحرجاً؟ رجل ام ملائكة؟ – كارلو بروسارد

تناقضات القيامة – كم عدد زيارات النساء للقبر؟ هل كان الحجر مدحرجاً؟ رجل ام ملائكة؟

مقال لـ “كارلو بروسارد” (Karlo Broussard) مُترجَم بتصرف

تناقضات القيامة – كم عدد زيارات النساء للقبر؟ هل كان الحجر مدحرجاً؟ رجل ام ملائكة؟

يقول بارت إيرمان الباحث في العهد الجديد اللاأدري [/ملحد][1]، إنه لا يمكننا الوثوق في روايات الأناجيل حول قيامة يسوع. حجته الأساسية هي أن الأناجيل “متناقضة بشكل ميؤوس منه” (يسوع التاريخي). (The Historical Jesus) [2].

في مناظرته مع ويليام لين كريج(William Lane Craig)  عام 2006 [3] ، قدم إيرمان (Ehrman) خمسة تناقضات يعتقد أنها تدعم ادعائه. سوف أناقشها كلها أدناه.

تناقضات القيامة: كم عدد النساء في القبر؟

التناقض الأول: يقول إن يوحنا سجل فقط ذهاب مريم المجدلية إلى القبر (يوحنا20: 1)، بينما (متى28: 1-2)، (مرقس16: 1-3) و(لوقا24: 10) يسجلون أنها ذهبت مع نساء أخريات.

يفترض هذا الاعتراض عن طريق الخطأ، أن يوحنا كان ينوي القول بأن مريم المجدلية كانت وحدها. ببساطة، يوحنا كان يعرض قصة مريم المجدلية دون أن يذكر النساء الأخريات. ولأن القصة غير مكتملة، فهذا لا يعني أن بها أخطاء. وحتى لوقا لا يقدم القصة كلها عن النساء اللواتي ذهبن إلى القبر (لوقا24: 10).

علاوة على ذلك، فإن رواية يوحنا عمّا قالت مريم لبطرس ويوحنا، تشير إلى أنه كان يعرف أن هناك نساء أخريات معها، فكتب: “فركضت… وقالت لهما… ولسنا نعلم أين وضعوه” (يوحنا20: 2، التوكيد بالخط المائل مُضاف).

“she ran . . . and said to them . . . we do not know where they have laid him” (John 20:2, emphasis added).

يستخدم لوقا أسلوبًا مشابهًا فيعرض أولًا بطرس وهو ذاهب إلى القبر (لوقا24: 12)، لكنه أخبر قارئه لاحقًا أن الآخرين ذهبوا أيضًا، “ومضى قوم من الذين معنا إلى القبر، فوجدوا هكذا كما قالت أيضا النساء” (لوقا24: 24).

تناقضات القيامة: هل رأين الحجر مُدحرَجًا؟

التناقض الثاني: يقول إن متى يسجل أن النساء رأين الملاك يدحرج الحجر (متى28: 2)، بينما (مرقس16: 3-4) و(لوقا24: 2) يسجلان أن النساء وجدن الحجر قد تدحرج بالفعل.

مرة أخرى، يقوم الاعتراض بافتراض خاطئ – فهو يفترض أن متى أراد التأكيد على أن النساء شهدن الملاك وهو يدحرج الحجر. لكن الفحص الدقيق للنص يثبت عكس ذلك.

أولاً، كما يجادل أ. جونز (A. Jones) في التعليق كاثوليكي على الكتاب المقدس (A Catholic Commentary on Holy Scripture)، أن المقطع بأكمله المتعلق بالملاك والحجر والحراس الذين ارتعدوا “وصاروا كأموات” (متى28: 2-4) يظهر كتعليق اعتراضي [4]. فمن غير المحتمل أن تتحدث النساء مع الملاك أثناء سقوط الحراس هناك كأموات.

علاوةً على ذلك، التفاصيل التي تخص الملاك والحجر يتقدمها العطف باليونانية [ γὰρ، تُنطَق: جار]: “وإذا زلزلة عظيمة حدثت لأن [باليونانية γὰρ ]  ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه” (متى28: 2، التوكيد بالخط المائل مُضاف).

“And behold, there was a great earthquake; for [Greek, gar] an angel of the Lord descended from heaven and came and rolled back the stone, and sat upon it” (28:2, emphasis added).

يُستخدَم هذا العطف التفسيري ليقدم توضيح للجزء السابق من الجملة. تبعًا لمتى، دحرجة الملاك للحجر أدت إلى الزلزلة، لكنه لا يذكر أن النساء رأين مشهد تحريك الحجر.

يمكن دعم هذه الإجابة بشكل أكبر من خلال استخدام متى للأسلوب الخبري في زمن الماضي للفعل [ γίνομαι، يُنطَق: جينوماي وتصريفه ἐγένετο ]: ” وإذا زلزلة عظيمة حَدَثَت [ باليونانية ἐγένετο ] ” (متى28: 2، التوكيد بالخط المائل مُضاف).

“And behold, there was [Greek, egeneto] a great earthquake” (28:2, emphasis added).

زمن الفعل (aorist verb tense) هنا يشير إلى الماضي البسيط (simple past)، لذا تكون الترجمة “زلزلة عظيمة حَدَثَت”، مما يعني أن النساء لم يشهدن ذلك.

حتى نزول الملاك يمكن وصفه بأنه قد حدث سابقًا، لأن تَصريف الفعل καταβὰς (أي نَزَلَ) يمكن أن يترجم في الإنجليزية إلى الماضي التام (past perfect): “لأن ملاك الرب قد نزل” (متى 28: 2؛ الإصدار القياسي الدولي، التوكيد بالخط المائل مُضاف).

“for an angel of the Lord had descended” (28:2; ISV, emphasis added).

لكن انتظر/ي دقيقة. كيف عرف متى عن هذه الأشياء إذا لم ترها النسوة؟ من المحتمل أن يكون متى قد تلقى التفاصيل من نفس المصدر الذي تلقى منه معلومات حول المؤامرة التي اختلقها الحراس ورؤساء الكهنة [إذ اتفقوا على ادعاء سرقة التلاميذ للجسد والحراس نيام] (متى28: 11-15).

 فإذا كان القبر الفارغ جزءًا من قصة الحراس لـ”كل ما كان” (متى28: 11)، فمن الممكن أن تكون التفاصيل الواردة في الجملة الاعتراضية (الآيات 2-4) جزءًا من قصة الحراس أيضًا.

تناقضات القيامة: رجال أم ملائكة؟ وكم عددهم؟

التناقض الثالث: يقول إن (مرقس16: 5-6) يذكر رجلًا و(لوقا24: 4) يذكر رجلين جالسين في القبر، ومتى يقول إنه ملاك واحد (متى28: 5) وأن ذلك يناقض وصف يوحنا لوجود ملاكين (يوحنا20: 11-13).

شهادة بعض الروايات لوجود رجلين وشهادة الروايات الأخرى لوجود ملاكين، لا تُعد تنتقضًا بأي حال. فمرقس ولوقا يصفان ما رأته النساء (“رجلين”)، بينما يعطي متى ويوحنا تفسيرًا (ربما تفسير النسوة الخاص بهن) لما رأين (“ملاكين”).  فلنتذكر أن الملائكة تظهر في هيئة رجال كما في (تكوين18: 1-2) و(عبرانيين13: 2).

بالنسبة لعدد الموجودين، يذكر متى ومرقس الواحدَ الذي كلم النسوة وببساطة لا يتطرقون إلى ذِكر الآخر. كما ذكرنا سابقًا، عدم تطرُّق الشهادة إلى بعض التفاصيل لا يعني أنها تنكر حدوث تلك التفاصيل.

تناقضات القيامة: هل رأوا يسوع في أورشليم أم رأوه فيما بعد؟

التناقض الرابع: ينص على أن (متى28: 16) و(يوحنا21: 1) يذكران أن التلاميذ ذهبوا إلى الجليل كما أمر يسوع (متى28: 10)، لكن مرقس ولوقا لم يذكروا ذلك، إذا كتبا أن يسوع ظهر لهم في أورشليم، وبعد ذلك صعد إلى السماء.

لكي يَثبُت التناقض، كان يجب أن يقول لوقا ومرقس شيئًا مثل، ” لم يظهر يسوع أو ظهر للرسل في الجليل فقط “. لكن لوقا ومرقس لا يقولان هذا. ببساطة، كل واحد منهم لا يتطرق إلى ذكر بعض التفاصيل من خلال روايته. دعونا نؤكد مرة أخرى، أن عدم التطرق إلى بعض التفاصيل يختلف تمامًا عن إنكار تلك التفاصيل.

قد لا يزال أحد المتشككين يعترض على أن الطريقة التي يسرد بها لوقا ومرقس الأحداث تشير إلى أن قيامة يسوع وظهوره وصعوده حدثت كلها في أورشليم يوم الأحد الفصح. فكيف يمكننا حل هذا؟

يتمثل أحد الحلول في أن لوقا ومرقس استخدما الأسلوب الأدبي القديم لضغط الوقت – أي ما نشره متى ويوحنا على مدى فترة من المواقع والوقت، ضغطه لوقا ومرقس في يوم واحد. تبدو فرضية ضغط الوقت منطقية بالنسبة للوقا، لأن إنجيله، مثل متى، يبلغ طوله لفافة (scroll) واحدة كاملة. فربما كان هدف لوقا من عم التطرق لبعض التفاصيل هدفًا اقتصاديًا، حيث لم يتبق الكثير من المساحة على اللفافة ليكمل ما يرويه بالتفصيل الكامل. تصبح هذه الفرضية مقبولة أكثر، عندما يأخذ المرء بعين الاعتبار، أن لوقا يذكر صراحةً ظهور يسوع للرسل في مناسبات متعددة على مدى أربعين يومًا، ثم صعد (أعمال الرسل1: 3).

وفيما يتعلق بمرقس، فإن طول إنجيله يدعم استخدامه لضغط الوقت. علاوة على ذلك، فإن استخدام مَرقُس لكلمة “للوقت/ في الحال” (باليونانية، εὐθὺς ) يشير إلى رغبته في التأكيد على حماس وضرورة خدمة يسوع وأنه كان رجل أفعال. وهذا تباين واضح[في طريقة السرد]، حيث استُخدِمت كلمة εὐθὺς عشرة مرات في إنجيل متى ولوقا ويوحنا وسفر أعمال الرسل مجتمعين.

تناقضات القيامة: هل تحدثت النساء؟

التناقض الخامس: ينص على إن مرقس يسجل أن النساء “لم يقلن لأحد شيئا لأنهن كن خائفات” (مرقس16: 8)، ويقول لوقا إن النساء أخبرن التلاميذ بما رأوه وسمعوه (لوقا24: 10-11).

القراءة المنطقية لما رواه مرقس، هي أن النساء ركضن مباشرة إلى حيث تَجمَّع التلاميذ، دون التوقف للتحدث مع أي شخص في الطريق. وهذا ما يؤيده توضيح مرقس أن النساء هربن من القبر وأن ” الرعدة والحيرة أخذتاهن ” وأنهن “كن خائفات” (مرقس16: 8). مثل هذا الخوف من شأنه أن يفسر سبب عدم ميلهن للتحدث مع أي شخص أثناء فرارهن.

علاوة على ذلك، يخبرنا مرقس أن مريم “ذهبت … وأخبرت الذين كانوا معه” (مرقس16: 10).

على الرغم من أن الردود المذكورة أعلاه لا تطرَّق إلى الأدلة المباشرة على إمكانية الوثوق في تقارير كُتَّاب الإنجيل عن قيامة يسوع، إلا إنها تُظهر أنه لا يمكن رفض تلك تقارير منطقيًا أو الادعاء بأنها “متناقضة بشكل ميؤوس منه”.

تناقضات القيامة – كم عدد زيارات النساء للقبر؟ هل كان الحجر مدحرجاً؟ رجل ام ملائكة؟ – كارلو بروسارد

المذيع المسلم محمود داود يعترف: المسيح مات وقام من الأموات

رابط المقال الأصلي:

https://www.catholic.com/magazine/online-edition/biblical-resurrection-reports-are-not-hopelessly-contradictory

المصادر:

[1] https://ffrf.org/outreach/awards/emperor-has-no-clothes-award/item/21383-ffrf-s-emperor-honor-to-truth-telling-bible-scholar

[2]https://www.amazon.com/gp/product/B00DTNW2II

[3] https://www.reasonablefaith.org/media/debates/is-there-historical-evidence-for-the-resurrection-of-jesus-the-craig-ehrman

[4] A Catholic Commentary On Holy Scripture, page 904, paragraph 723a

تناقضات القيامة – كم عدد زيارات النساء للقبر؟ هل كان الحجر مدحرجاً؟ رجل ام ملائكة؟

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

المذيع المسلم محمود داود يعترف: المسيح مات وقام من الأموات

تاريخ النور المقدس والرد على الأسئلة والتشكيكات المُثارة ضده | بيشوي مجدي

كتاب الراعي لـ هرماس – هل يجب اعتباره جزءًا من الكتاب المقدس؟

كتاب الراعي لـ هرماس – هل يجب اعتباره جزءًا من الكتاب المقدس؟

كتاب الراعي لـ هرماس – هل يجب اعتباره جزءًا من الكتاب المقدس؟

مقال لِـ لوك واين (Luke Wayne) مُترجَم فريق اللاهوت الدفاعي

الجواب

لا، فكتاب “الراعي لـ هرماس” لم يكن أبدًا جزءًا من العهد الجديد ولا ينبغي اعتباره جزءًا من الكتاب المقدس. في الكنيسة الأولى، كان هناك كتاب شائع جدًا يُعرَف باسم “الراعي” كتبه رجل يُدعى هرماس (يُشار اليوم إلى الكتاب باسم “الراعي لـ هرماس”). سجل هذا الكتاب سلسلة من التعاليم والأمثال التي، حسب سرد ​​الكتاب، أُعطيَت لـ هرماس خلال رؤى لشخصية سماوية في هيئة راعٍ.

كُتِب هذا الكتاب في وقت ما في منتصف القرن الثاني وقد تمت قراءته ونسخه وترجمته على نطاق واسع من قبل المسيحيين الأوائل. لدينا حوالي 11 مخطوطة باقية من كتاب الراعي تعود إلى القرن الثاني / الثالث الميلادي (خلال 150 عامًا من كتابته).[1]

هذه ثروة مدهشة من الشهود الأوائل وتدل عن شعبية الكتاب. أقدم نسخة مُجلَدة للكتاب المقدس بأكمله ككتاب واحد، هي المخطوطة السينائية للقرن الرابع، تحتوي على كتاب الراعي لـ هرماس في نهاية المجلد. ليس من المفاجئ أن يقود ذلك بعض النقاد إلى استنتاج أن كتاب الراعي اعتُبِر ذات يوم كتابًا مقدسًا من قبل المسيحيين الأوائل وأنه كان في الأصل جزءًا من قانون العهد الجديد قبل إزالته لاحقًا. على سبيل المثال، يوضح أحد العلماء:

“كان كتاب الراعي شائعًا بين المسيحيين في القرون الأربعة الأولى. كتبه هرماس، شقيق بيوس أسقف روما، خلال النصف الأول من القرن الثاني، واعتبرته بعض الكنائس كتابًا مقدسًا قانونيًا. في النهاية ومع هذا، تم استبعاده من الأسفار القانونية، ربما لأنه كان معروفا أنه لم يُكتَب من قِبَل أحد الرسل.

على الرغم من ذلك، فقد تم تضمينه كواحد من أسفار العهد الجديد في المخطوطة السينائية للقرن الرابع وذكره مؤلفون آخرون في ذلك الوقت على أنه يُعتبَر من ضمن الأسفار القانونية.” بارت إيرمان (Bart Ehrman)، النصوص الُمقدَسة المفقودة (مطبعة جامعة أكسفورد، 2003)، ص. 251

يبدو أنها حجة قوية جدًا. فيمكن للمرء أن يفهم بوضوح لماذا قد يقفز الناس إلى مثل هذا الاستنتاج، ومع ذلك، فإن الحقائق تشير إلى الاتجاه الآخر. عند الفحص الدقيق، يتضح أن الكتاب كان ذا قيمة عالية عند المسيحيين الأوائل ولكن تم تمييزه بحرص شديد عن الأسفار المقدسة القانونية ولم تتم قراءته أو الوعظ به علنًا في الكنائس كـرؤيا أصيلة في الكتاب المقدس.

كتاب الراعي لـ هرماس في قوائم الأسفار القانونية المبكرة

العديد من القوائم المسيحية المبكرة للأسفار القانونية ناقشت بطريقة مباشرة علاقة كتاب الراعي بالأسفار القانونية. يشرح ” القانون الموراتوري” (Muratorian Canon)، وهو عبارة عن قائمة لأسفار العهد الجديد تعود إلى القرن الثاني ولا تبعد بفترة زمنية طويلة عن بدء تداول كتاب الراعي:

“لكن هرماس كتب كتاب الراعي مؤخرًا في عصرنا، في مدينة روما، بينما كان الأسقف بيوس شقيقه، يشغل كرسي كنيسة روما. ولذلك يجب أن يُقرَأ حقًا، لكن لا يمكن قراءته للناس في الكنيسة علنًا سواء بين الأنبياء الذين اكتمل عددهم أو بين الرسل لأنه بعد زمانهم.” بارت إيرمان (Bart Ehrman)، النصوص الُمقدَسة المفقودة (مطبعة جامعة أكسفورد، 2003)، ص. 333

بمعنى آخر، كتاب الراعي مصدر يحظى بالتقدير، ويستحق القراءة، لكنه ليس جزءًا من العهد القديم أو الجديد. فهو قيِّم لكن لا يمتلك سلطة كتابية. إنه ليس نصًا مقدسًا.

يوسابيوس – المؤرخ مسيحي من القرن الرابع وعالم اللاهوت – وضع الكتاب في فئة غالبًا ما تُتَرجَم “مَنحُولة”(spurious)، مدرجًا إياه إلى جانب كتب مثل “ديداخي” و “رسالة برنابا”. وأوضح أن مثل هذه الكتب تعتبر بشكل عام أرثوذكسية ومفيدة، ولكن لا ينبغي اعتبارها موحى بها أو قراءتها في التجمعات الكنسية الرسمية.

فهو لم يميز الكتب المذكورة سابقًا عن الكتاب المقدس فحسب، بل ميزها أيضًا عن الكتب “المتنازع عليها” (disputed) التي اعتبرها البعض نصًا مقدسًا، بينما لم تكن جميع الكنائس قد قبلتها بعد كـنص مقدس في ذلك الوقت (مثل بطرس الثانية ويوحنا الثالثة).

لقد وضع كتاب الراعي في فئة ثالثة باعتباره كتابًا مفيدًا ولكنه بالتأكيد ليس نصًا مقدسًا. [2] وهذا يوضح أنه بينما كانت هذه الكتب شائعة بين المسيحيين، لم تُعتبَر جزءًا من الكتاب المقدس. لم يكن هذا حتى محلًا للجدال، حيث يعتبره البعض نصًا مقدسًا والبعض الآخر يرفض. ببساطة، لم يكن هناك نقاش حول كون كتاب الراعي جزءًا من الأسفار القانونية.

تم تأكيد هذا أيضًا في رسالة لأثناسيوس السكندري تعود إلى القرن الرابع. بعد أن وضع قائمة بأسفار العهد الجديد الـ27 “بدون تردد”، تابع أثناسيوس ليكتب: “هناك أسفار غير هذه لم يتم إدراجها في القانون من ناحية، لكن تم تمييزها من قبل الآباء ككتب يجب قراءتها لأولئك الذين اعتنقوا الإيمان مؤخرًا والذين يرغبون في الحصول على تعليم كلمة التقوى.” تم وضع كتاب الراعي لـ هرماس مرة أخرى في هذه الفئة، إلى جانب الديداخي وأسفار أخرى.[3]

حقيقة أن هذه الكتب تُعتبَر مفيدة ليقرأها المتحولين حديثًا [للإيمان]، قد تكون سببًا لضمها في المخطوطة السينائية بعد العهد الجديد. نظرًا لأن امتلاك الفرد للكتاب المقدس الشخصي لم يكن شائعًا في هذا العصر، فمن المحتمل أن يمثل المجلد شيئًا يشبه ما نعتبره اليوم كمكتبة كنيسة محلية. احتوت على الأسفار المقدسة لتُقرأ للعامة وللتعليم، وأيضًا كتب أخرى مفيدة لخدام الكنيسة لاستخدامها في التلمذة والقراءة التعبدية والدراسة.

كتاب الراعي لـ هرماس وإيريناؤس

غالبًا ما يُقال إن أحد أبرز المسيحيين المدافعين واللاهوتيين في القرن الثاني، إيريناؤس من ليون، يشير مباشرةً إلى كتاب الراعي باعتباره سفرًا مقدسًا. الترجمة المثالية لما كتبه إيريناؤس ستكون كذلك:

“بالحقيقة، أعلن الكتاب (scripture) الذي يقول:” آمن قبل كل شيء، أنه يوجد إله واحد، الذي أسس جميع الأشياء، وأكملها، وجعل كل الأشياء تأتي إلى الوجود مما لم يكن له وجود. الذي يحوي على كل الأشياء، وهو ذاته لا يحتويه شيء”. بصواب أيضًا قال ملاخي أحد الأنبياء: ” أليس إله واحد هو الذي أنشأنا جميعًا؟ أليس لنا جميعًا أب واحد؟” ويتفق الرسول مع هذا الكلام أيضًا، إذ يقول: ” إله وآب واحد للكل. الذي على الكل وفينا كلنا.”

وبالمثل، يقول الرب ” كل شيء قد دفع إليّ من أبي “. وظاهر أنه هو الذي خلق كل الأشياء. لأنه لم يدفع إليه أشياء خاصة بأجد غيره بل أشياءه هو” إيريناؤس، ضد الهرطقات، الكتاب 4، الفصل 20، القسم 2

في حين لم يتم ذكر أي من هرماس ولا كتابه بالاسم هنا، فإن الاقتباس الأول في النسق مأخوذ من كتاب الراعي ويسبقه عبارة “أعلن الكتاب الذي يقول …”

(“the scripture declared, which says …”)

عند ترجمتها بهذه الطريقة، يبدو لنا أن إيريناؤس يدعو كتاب الراعي بوضوح “نصًا مقدسًا” (scripture)، كما نفهم هذا المصطلح اليوم.  ومع ذلك، فإن الكلمة اليونانية المُترجَمة هنا هي “graphe” والتي تعني “كتابة”(writing). هي غالبًا ما تستخدم لتعني “نص مقدس”(scripture)  بالمعنى المُصطلَحي، ولكنها أيضًا تستخدم في كثير من الأحيان في أي مستند مكتوب.

 على سبيل المثال، يصلي إيريناؤس بخصوص كتابه إلى الله قائلًا “أعط لكل قارئ لهذا الكتاب (graphe) أن يعرفك أنك أنت وحدك الله، ويتقوى فيك، ويتجنب كل عقيدة هرطوقية وإلحادية وشريرة “. [4]

يسمي إيريناؤس كتابه “كتابة/نص” (graphe)، لكن لا أحد يؤمن أنه اعتقد أن كتابه يجب أن يكون جزءًا من الأسفار القانونية. لذا علينا أن نطرح السؤال: هل يدعو إيريناؤس كتاب الراعي “نصًا مقدسًا” (scripture)  بالمعنى المُصطلَحي أم أنه يستخدم كلمة “كتابة/نص” (graphe) بمعنى أكثر عمومية.

غالبًا ما يُشار إلى أن الاقتباس موجود في سياق يتضمن أيضًا ملاخي وأفسس ومتى، وبالتالي يجب أن الكلمة تعني “نص مقدس”، ولكن إذا نظرنا عن كثب إلى كيفية الاستشهاد بكل من هذه الاقتباسات، فسنحصل على صورة مختلفة. لا يُطلق هنا على المجموعة بأكملها “كتابة/نص” (graphe). يتم الاستشهاد بـكتاب الراعي فقط كـ”النص” أو “الكتابة”  .(“the scripture” or “the writing”) فعندما يُستشهَد بملاخي ، يقول: ” بصواب أيضًا قال ملاخي أحد الأنبياء…” فيتم الاستشهاد بملاخي بالاسم ويُدرَج على أنه ” أحد الأنبياء…”.

كما يتم الاستشهاد بأفسس على النحو التالي: ” ويتفق الرسول مع هذا الكلام أيضًا، إذ يقول …” فلا يدعو أفسس “نصًا” أو “كتابةً” (“the scripture” or “the writing”)، ولكن يدعوها بأنها كلمات الرسول. مرة أخرى، عندما يتم الاستشهاد بمتى، فإن الصيغة التي يستخدمها إيريناؤس هنا هي، ” وبالمثل، يقول الرب…”.

إذا كانت كلمة “graphe” تعني نصًا مقدسًا، فإنها كانت ستُستعمَل مع هذه الاستشهادات وسـيُطلق عليهم جميعًا “نصًا مقدسًا”. بدلاً من ذلك، يستشهد إيريناؤس بأربع سلطات مختلفة في هذا الشأن: الكتابة والأنبياء والرسول والرب. يبدو أن إيريناؤس يستشهد بتصاعد مستويات السلطة. حيث تذهب حجته كذلك:

1- كتاب موثوق يقول هذا.

2- علاوة على ذلك، أنبياء العهد القديم قالوا هذا.

3- بل أكثر من ذلك، رسل يسوع علَّموا بهذا.

4- في الحقيقة، يسوع نفسه علَّم بهذا.

إنه يتصاعد بالحجة من الأصغر إلى الأعظم في أذهان السامعين.  إذن، يشير إيريناؤس ضمنيًا إلى أن هرماس جدير بالثقة، لكنه ليس على مستوى الأنبياء أو الرسل أو الرب. بالنظر إلى ما قرأناه في مصادر مبكرة أخرى، يبدو هذا متسقًا مع المنظور الذي تبنته الكنيسة الأولى على نطاق واسع: أن الراعي كان كتابًا جيدًا ومفيدًا وجديرًا بالثقة ولكنه لم يكن على مستوى الأسفار المقدسة القانونية. فحقيقة استخدام كلمة “كتابة” (graphe) هنا، لا تتطلب بأي حال من الأحوال أن يعتبر إيريناؤس كتاب الراعي نصًا مقدسًا.

حتى لو أمكن الإثبات، على عكس شهادة المصادر المبكرة الأخرى، أن إيريناؤس اعتبر كتاب الراعي نصًا مقدسًا، فلن يكون ذلك بأي حال من الأحوال سببًا للقول إن الكتاب قانوني حقًا.  مع ذلك، من المفيد أن نلاحظ، أن إيريناؤس ربما لم ينظر إلى الكتاب بهذه الطريقة على الإطلاق. فإن تصريحه يتناسب جيدًا مع منظور الكتاب الآخرين الذين نظرنا إليهم سابقًا.

كتاب الراعي لـ هرماس والآباء الإسكندريين في القرن الثالث

غالبًا ما يُشار إلى أن المعلمين المسيحيين الأوائل المشهورين مثل إكليمنضس الإسكندري وأوريجانوس اقتبسوا وأعادوا الصياغة من كتاب الراعي في كثير من الأحيان وبصورة إيجابية للغاية. ما يتم تجاهله كثيرًا في هذا، هو أن أوريجانوس أيضًا ناقش موضوع القانون بشكل مباشر، بما في ذلك تحديد أسفار العهد الجديد الـ27، بل و ناقش أيضًا تلك [الأسفار] التي كانت لا تزال متنازع عليها، من قبل بعض الكنائس في أيامه. لم يذكر أوريجانوس ولو مرة واحدة أن كتاب الراعي تحيط به الاحتمالية في هذا السياق [أن يكون نصًا مقدسًا]. هو واضح بخصوص الأسفار القانونية التي يؤمن بها هو وقُرَّاءه، وهرماس ليس جزء منها.

شهرة كتاب الراعي بين مسيحيي الإسكندرية، حيث كان يدرس هؤلاء الرجال، أمرًا لا يرقى إليه الشك. كما رأينا أعلاه، فإن أثناسيوس الزعيم السكندري، بعد ذلك، قد أوصى بالكتاب كقراءة مفيدة للمتحولين الجدد [للإيمان] على الرغم من أنه لم يكن نصًا مقدسًا مُوحَى به.

وبالمثل، يستشهد إكليمنضس وأوريجانوس بهذا الكتاب، بنفس الطريقة التي قد يستشهد بها الواعظ الحديث بكلمات مارتن لوثر أو يقتبس بشغف سطورًا من ترنيمة مشهورة كترنيمة “ما أعجب النعمة” (Amazing Grace). هذه المصادر يحترمها القس والرَعيّة ويثقون بها ويجدون صدى معها، على الرغم من أنهم لا يعتقدون أنها معصومة من الخطأ أو أنها جزء من أسفار العهد الجديد القانونية.

كتاب الراعي لـ هرماس وترتليان

ترتليان (أواخر القرن الثاني / أوائل القرن الثالث) أحد آباء الكنيسة الأوائل الذين كانوا أكثر انفتاحًا على فكرة استمرار المواهب النبوية والإعلان الإلهي من خلال الروح [القدس]. لو كان هناك أي شخص سيقبل كتاب الراعي باعتباره وحيًا إلهيًا متساويًا مع الكتاب المقدس، فمن المتوقع أن يكون ترتليان معه. لكن ترتيليان لم يكن كذلك. في الواقع، كان ترتليان أكثر من مرة قاسيًا إلى حد ما مع خصومه الذين كانوا يدافعون عن مواقفهم أحيانًا باقتباس من كتاب الراعي، دون دعم الموقف فعليًا باستخدام الأسفار المقدسة القانونية.[5]

يتناسب هذا السيناريو تمامًا مرة أخرى مع الموقف الموصوف بوضوح في النصوص أعلاه. كان كتاب الراعي يُقرأ على نطاق واسع ويحظى باحترام جزيل بين المسيحيين الأوائل، ولكنه لم يُعتبر جزءًا من الكتاب المقدس القانوني. من المفيد أن نلاحظ أن ترتليان كان كاتبًا من الغرب اللاتيني. عندما نضيف ذلك إلى [ما قاله] كُتّاب شمال إفريقيا والشرق الناطق باليونانية الذين نظرنا إليهم سابقًا، نحصل على صورة واضحة جدًا، أن الوضع كان كذلك في جميع أنحاء العالم المسيحي.

الخاتمة

من بين كل الكتب التي يزعم الناس أنها “يجب أن تكون في الكتاب المقدس”، ربما يكون لدى كتاب الراعي لـ هرماس ادِّعاء أقوى منها جميعًا. ومع ذلك، نرى هنا بصراحة ووضوح أن كتاب الراعي، على الرغم من شعبيته واعتباره مفيدًا إلى حد كبير من قبل الكنيسة الأولى، لم يكن جدال أبدًا ليحصل على مكان في العهد الجديد. إنها ليست إهانة للكتاب، فهو لم يكن من المُفترَض أن يكون نصًا مقدسًا.

هذه ليست إهانة لترنيمة “ما أعجب النعمة” (Amazing Grace) أننا لا نضيفها إلى سفر المزامير. لا إهانة لمارتن لوثر لأننا لا نضيف عظاته إلى العهد الجديد بجانب رسائل بولس. وجدت الكنيسة في العديد من الأحيان، أن بعض الكتابات مفيدة، لكن الكتاب المقدس يتكون فقط من تلك الأسفار التي ألهمها الروحُ القدس بطريقة لا يشوبها خطأ، ويمكننا أن نكون على ثقة من أن كتابنا المقدس لا ينقصه أي شيء.

المراجع

[1] Larry Hurtado, The Earliest Christian Artifacts: Manuscripts and Christian Origins (William B. Eerdmans Publishing, 2006) 23

[2] Bart Ehrman, Lost Scriptures (Oxford University Press, 2003), p. 338

[3] Bart Ehrman, Lost Scriptures (Oxford University Press, 2003), p. 340

[4] Irenaeus, Against Heresies, Book III, Chapter 10, section 4

[5] See, for example, Tertullian, On Modesty, Chapter X

رابط المقال الأصلي:

https://carm.org/bible-general/should-the-shepherd-of-hermas-be-considered-scripture/

كتاب الراعي لـ هرماس – هل يجب اعتباره جزءًا من الكتاب المقدس؟

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحثر

ائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

هل كان النساخ المسيحيون الأوائل هواة عديمي الخبرة؟ – مايكل كروجر

هل كان النساخ المسيحيون الأوائل هواة عديمي الخبرة؟ – مايكل كروجر

هل كان النساخ المسيحيون الأوائل هواة عديمي الخبرة؟ – مايكل كروجر

مقال لـ Michael J. Kruger [1] مترجم فريق اللاهوت الدفاعي

في النقاشات الجارية بشأن مصداقية المخطوطات المسيحية المبكرة، وما إذا نُقلت بأمانة، غالبًا ما يُزعم أن النساخ المسيحيين الأوائل كانوا هواة وغير محترفين، وربما لم يستطع بعضهم أن يقرأ.

يظهر هذا الادعاء في كتاب مايكل ساتلو (Michael Satlow)، كيف أصبح الكتاب المقدس مقدسًا (ييل 2014)، (لعرض نقد مايكل ج. كروجر للكتاب، أضغط هنا[2]). يجادل كتاب ساتلو بأن أسفار العهد القديم والعهد الجديد القانونية لم تظهر إلا مؤخرًا، ولم يكن لها أي سلطة حقيقية حتى القرن الثالث أو الرابع الميلادي. وجزء من أدلة على هذا الادعاء يأتي في تقييم ساتلو لمخطوطات العهد الجديد. حيث يصرح:

“خلال القرن الثاني الميلادي تقريبًا، كانت نُسخ المخطوطات المسيحية المبكرة نفعية [عملية أكثر من كونها جذابة]. فَفي معظم الأحيان كانوا يكتبون على ورق البردي بدلاً من رقوق الجلد التي كانت أغلى ثمناً وأكثر متانةً. وكانت تفتقر إلى علامات تدل على أن كاتبها محترف أو أنها مخصصة لكي يقرأها العامة (كيف أصبح الكتاب المقدس مقدسًا، صفحة 255) [3].”

هناك الكثير من الادعاءات في هذه الجمل الموجَزة. لسوء الحظ، كل ادعاء منهم مخطئ بشكل شبه تام. لنفحصهم واحدًا تلو الآخر:

الخطأ الأول: المخطوطات المبكرة للعهد الجديد كانت نفعية/غير احترافية

هذا الادعاء، على الرغم من انتشاره، كان موضع تساؤل بجدية في السنوات الأخيرة. على الرغم من أن بعض أقدم البرديات المسيحية (في القرنين الثاني والثالث) لم تتميز بخط كتابة رسمي – الذي كان شائعًا في كتب التوراة اليهودية والنصوص الأدبية اليونانية الرومانية – إلا أن باقي المخطوطات الأخرى في كثير من الأحيان، كانت أقرب بكثير إلى قمة المقياس الأدبي أكثر مما نتصور. في الواقع، تُظهِر العديد من النصوص المسيحية في القرن الثاني / الثالث أسلوبًا أدبيًا وخط كتابة رفيعي المستوى، مثل بردية 77 (متى) [4] وبردية 46 (رسائل بولس) [5] وبردية4، بردية64، بردية67 (لوقا ومتى) [6]، [7]،[8] وبردية 66 (يوحنا) [9].

مثل هذه الأدلة قادت جراهام ستانتون (Graham Stanton) إلى التصريح، “إن الادعاء المتكرر في كثير من الأحيان بأن الأناجيل اعتُبرَت في البداية كتيبات نفعية يحتاج إلى تعديل” (يسوع والإنجيل، صفحة 206) [10]. وبالمثل، صرحت كيم هاينز-أيتزين (Kim Haines-Eitzen) مباشرة، “كان النساخ الأوائل للأدب المسيحي كتبة محترفين مدربين” (حراس الرسائل، صفحة 68) [11].

الخطأ الثاني: المخطوطات الهامة كُتبَت على رقوق الجلد وليس على البردي

هذه الحجة أيضًا مضللة بعض الشيء. خلال القرون الأربعة الأولى، كُتبَت معظم المخطوطات المسيحية على ورق البردي، لكن هذا لا يعني أنها ذات قيمة أقل أو أن تم اعتبارها شيئًا آخر مختلف عن النصوص المقدسة. بالطبع كُتبَت الأناجيل على ورق البردي خلال هذه الفترة الزمنية، ولكن يخبرنا الشهيد يوستينوس أنها كانت تُقرأ كنصوص مقدسة بجانب أسفار العهد القديم. (الدفاع الأول، الفصل 67) [12]. علاوة على ذلك، فقد نُسخَت العديد من مخطوطات العهد القديم على ورق البردي خلال تلك الفترة الزمنية! وهذا بالتأكيد لا يُعني تقليل صلاحية أو مكانة تلك المخطوطات.

بالإضافة إلى ذلك، فكرة أن رقوق الجلد أكثر متانة من ورق البردي قد تم الاعتراض عليها من قبل كل من ث. ك. سكيت (T.C. Skeat) (“إنتاج الكتاب المسيحي المبكر،” صفحتي 59-60) [13] وهاري جامبل (الكتب والقراء، صفحة 45) [14]. انظر أيضًا تعليقات بلينيوس الأكبر على ورق البردي (التاريخ الطبيعي، مجلد 13، فقرات 74-82) [15].

الخطأ الثالث: لم تكن مخطوطات العهد الجديد مخصصة لكي يقرأها العامة

هذه الفكرة أيضًا تم الاعتراض عليها بشدة من قبل العلماء المعاصرين. لاحظ كل من لاري هورتادو (Larry Hurtado) وسكوت تشارلزورث (Scott Charlesworth) أن مخطوطات العهد الجديد – مقارنة بالنصوص الأدبية الخاصة بالصفوة في العالم اليوناني الروماني- لديها عدد هائل من المساعدات للقراء، ومسافات واسعة بين السطور، وعدد أقل من الأحرف في كل سطر. هذه كلها مصممة لكي تُسهِّل قراءة عامة الشعب لها. يبدو أن هذا أيضًا يتناسب مع تصريح يوستينوس الشهيد – المُشار إليه سابقًا – بأن النصوص المسيحية المبكرة كانت تُقرأ علنًا في العبادة.

علاوة على كل هذا، فإن استخدام النساخ المسيحيين لاختصارات الكلمات الرئيسية مثل الله، والرب، والمسيح، ويسوع – التي تسمى “الأسماء المُقدَسة” (nomina sacra) – يشير إلى أن ثقافة الكِتابة/ النَساخ كانت منظمة ومتطورة بدرجة هائلة.

لم تكن “الأسماء المُقدَسة” (nomina sacra) منتشرة بين المخطوطات المسيحية المبكرة فقط (فبصعوبة نستطيع أن نجد نصًا بدونها) بل كانت لها أيضًا جذور عميقة تعود إلى القرن الأول الميلادي.

فكيف يظهر مثل هذا التقليد الكتابي المبكر والواسع الانتشار من ثقافة كتابة غير منظمة لهواة غير محترفين؟ باختصار، لم يكونوا كذلك. فعلى العكس ذلك الادعاء، يجادل سكيت (T.C. Skeat) بأن الأسماء المُقدَسة “تشير إلى درجة من التنظيم والتخطيط الواعي وتوحيد الممارسة بين المجتمعات المسيحية التي لا يوجد لدينا سبب للشك فيها حتى الآن” (“إنتاج الكتاب المسيحي المبكر،” صفحة 73) [16].

باختصار، فإن الادعاء المتكرر بأن الكتبة المسيحيين الأوائل كانوا غير محترفين وغير مدربين لا يتناسب مع ما نعرفه عن المخطوطات المسيحية المبكرة ولا مع الثقافة الأدبية للمسيحية المبكرة. تقدم لنا لافداي ألكساندر (Loveday Alexander) تلخيصًا مثاليًا،

من الواضح أننا نتعامل مع مجموعة [المسيحيين الأوائل] كانت تستخدم الكتب بشكل مكثف ومهني منذ وقت مبكر جدًا من وجودها. تشير أدلة البرديات من القرن الثاني فصاعدًا … إلى التطوير المبكر لتقنية كتابة رفيعة المستوى ومُميَزة. (إنتاج الكتب القديمة وتداول الأناجيل، صفحة85) [17].

Were Early Christian Scribes Untrained Amateurs?

[1] https://www.michaeljkruger.com/were-early-christian-scribes-untrained-amateurs-3/

[2] https://www.thegospelcoalition.org/themelios/review/how-the-bible-became-holy-michael-satlow/

[3] Michael Satlow, How the Bible Became Holy (Yale, 2014), p. 255.

[4] http://www.csntm.org/manuscript/View/GA_P77 م

[5] http://www.csntm.org/Manuscript/View/GA_P46 م

[6] http://www.csntm.org/Manuscript/View/GA_P4 م

[7] http://www.csntm.org/manuscript/View/GA_P64 م

[8] http://www.csntm.org/Manuscript/View/GA_P67 م

[9] http://www.csntm.org/Manuscript/View/GA_P66 م

[10] Graham Stanton, Jesus and Gospel, p. 206

[11] Kim Haines-Eitzen, Guardians of Letters, p. 68, emphasized by Michael J. Kruger.

[12] Justin Martyr, 1 Apol. 67.3

[13] T.C. Skeat, Early Christian Book Production, p. 59-60

[14] Harry Gamble, Books and Readers, p.45

[15] Pliny the Elder, Nat. 13.74-82

[16] T.C. Skeat, Early Christian Book Production, p. 73

[17] Loveday Alexander, Ancient Book Production and the Circulation of the Gospels, p. 85

 

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

مدرسة الاسكندرية اللاهوتية – د. ميشيل بديع عبد الملك (1)

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

هل كان النساخ المسيحيون الأوائل هواة عديمي الخبرة؟ – مايكل كروجر

ربي والهي – هل آمن توما بلاهوت المسيح حينما قال ربي والهي؟ Trent Horn

ربي والهي – هل آمن توما بلاهوت المسيح حينما قال ربي والهي؟ Trent Horn

ربي والهي – هل آمن توما بلاهوت المسيح حينما قال ربي والهي؟ Trent Horn

يوم الأحد الماضي، سمعنا القصة المألوفة في الإنجيل عن “شك توما” الذي عندما رأى المسيح القائم من الأموات، تغير من متشكك إلى مؤمن وصرَّح قائلًا ليسوع “ربي والهي” (يوحنا20 :28). بالفعل، هذا أحد أقوى الأدلة وأكثرها مباشرة على عقيدة ألوهية المسيح، أو الإيمان بأن يسوع هو إله بشكل كامل وإنسان بشكل كامل.

لكن بالنسبة للجماعات التي تنكر ألوهية المسيح، مثل شهود يهوه وإغليشا ني كريستو (Iglesia ni Cristo) لا يعتبرون هذا النص كافيًا لأقناعهم. لن يذهب معظم هذه المجموعات إلى حد القول إن توما كان مخطئًا عندما دعا يسوع إلهًا (كما فعل راعي إغليشا ني كريستو ذات مرة عند مناقشة كارل كيتنج)، إلا إنهم سيقدمون تفسيرات أخرى غير منطقية لهذا النص.

هل قال توما متعجبًا “يا إلهي!”(OMG!) أم قال “ربي والهي”؟

يقول بعض النقاد أن توما ببساطة كان يغمره الفرح لدرجة أنه لم يكن يعرف ما يقوله. يُزعم أن كلمات توما تتساوى مع كلمات شخص يصرخ قائلًا “يا إلهي!” بعد رؤية شخص عزيز عليه بالكاد تجنب الاصطدام بسيارة. بالإضافة إلى حقيقة أن النطق باسم الرب باطلًا كان خطية جسيمة في الديانة اليهودية أثناء القرن الأول الميلادي، فإن هذا التفسير غير قابل للتصديق لسببين آخرين.

 – أولاً، يخبرنا الكتاب المقدس بوضوح عندما يقول الرسل شيئًا لا يقصدونه. فبعد تجلي يسوع، قال بطرس باندفاع أنه سيبني مَظالًّا [خيامًا] ليسوع وموسى وإيليا. رداً على هذا التعجب، يشير لوقا أن بطرس [في هذا الموقف] “لا يعلم ما يقول” (لوقا9: 33). بينما يقول مرقس عن بطرس “لم يكن يعلم ما يتكلم به إذ كانوا مرتعبين” (مرقس6: 9).

 – ثانيًا، لم يقل توما بدون تفكير “يا إلهي!” بنفس الطريقة المراهق الذي قد يرسل “OMG!” [يا إلهي!] لصديق. تقول النسخة اليونانية حرفيًا في (يوحنا20: 28)

(ho kurios mou kai ho theos mou)

“The Lord of me and the God of me”

“ربي والهي”

أخيرًا، لا يستطيع شهود يهوه أن يقولوا إن توما لم يتحدث إلى يسوع، لأنه في ترجمتهم الرسمية للعالم الجديد للكتاب المقدس (New World Translation of the Bible) تقول آية (يوحنا20: 28)،

“In answer Thomas said to him: “My Lord and my God!”

“ردًا على ذلك قال له توما: “ربي والهي”

لم يقل توما “ربي والهي!” فحسب، بل قالها ليسوع.

إساءة قراءة النص اليوناني ربي والهي

يدعي نقاد آخرون أن كلام توما لم يكن موجه ليسوع بل كان صلاة أو هتاف لله الآب. فيقولون إنه يمكننا معرفة ذلك؛ لأن يوحنا لا يذكر أن توما استخدم “صيغة المُنادى” الخاصة بالخطاب المباشر في اليونانية.

في اللغة الإنجليزية، ترد صيغة المُنادى ضمنيًا في سياق النص، بينما في اليونانية يمكنك التعرف عليها من خلال التهجئة. هذه الصيغة هي التي تجعل سرد [نُطق] بسيط لاسم شخص مثل “فريد” يختلف عن توجيه الحديث إليه أو مناداته “فريد!”

يدعي هؤلاء النقاد أنه إذا أراد يوحنا مننا الاعتقاد بأن توما وجه خطابه مباشرةً ليسوع، لكان قد استخدم صيغة المُنادى. وبما أن توما يستخدم “صيغة الجملة الاسمية” الأكثر شيوعًا، فلا بد أنه كان ببساطة يعترف بالله الآب ويمدحه على عودة الرب يسوع. فهو لم يكن يدعو يسوع بلقب “الرب” أو “الله”.

حتى لو تجنبنا حقيقة أن توما كان على الأرجح يتحدث باللغة الآرامية وليس اليونانية، فإن هذا الادعاء لا يزال يفشل؛ لأنه من الشائع في قواعد اللغة اليونانية في العهد الجديد مخاطبة شخص باستخدام صيغة الجملة الاسمية. في الواقع، توجد آية واحدة فقط في العهد الجديد بأكمله (متى27: 46) حيث يُخاطب الله باستخدام صيغة المُنادى (انظر دانيال والاس، القواعد النحوية اليونانية ما وراء الأساسيات، 58). في باقي الأماكن في العهد الجديد يتم مخاطبة الله باستخدام نفس صيغة الجملة الاسمية الموجودة في (يوحنا20: 28).

على سبيل المثال، في سفر (رؤيا يوحنا اللاهوتي4: 11)، يقول الأربعة والعشرون شيخًا مخاطبين الله الآب، “ho kurios kai ho theos hemon” أو “ربنا وإلهنا”. نلاحظ أن الكلمات اليونانية لـ “الرب” و “الله” (kurios and theos) هي نفس الكلمات الموجودة في (يوحنا20: 28). لا يستطيع أحد نفي أن الشيوخ كانوا يخاطبون الآب في هذا النص. وهذا يدل على أن استخدام صيغة الجملة الاسمية، لا ينفي كون الحديث موجه مباشرةً إلى شخص آخر.

المسيح له إله!

أخيرًا، يدعي بعض النقاد اعتراف يسوع بأنه ليس هو الله في الآيات السابقة، لذلك لا يمكن لتوما أن يؤمن من حيث المبدأ أن يسوع هو الله. فيشيرون إلى لقاء يسوع بمريم المجدلية بعد قيامته عندما قال لها ” لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ” (يوحنا20: 17).

فيقولون كيف يمكن ليسوع أن يكون هو الله إذا كان له إله؟ الافتراض الرئيسي وراء هذه الاعتراضات، هو أن الله لا يمكن أن يكون إلا أقنومًا واحدًا. وفقًا للناقد، لا يمكن أن يكون يسوع هو الله لأن يسوع يدعو أقنومًا آخر بأنه الله. لذلك يجب أن يكون ذلك الأقنوم أو الآب هو فقط الله. لكن في حالة أن الله أكثر من أقنوم [ثلاثة أقانيم]، فيمكن للابن أن يعترف بالآب كإله بينما يظل هو أيضًا الله نفسه.

فلنتذكر أن يسوع لم تكن له طبيعة إلهية كاملة وحدها، بل كانت له أيضًا طبيعة بشرية كاملة. وجزء مما يعنيه أن تكون إنسانًا هو الاعتراف بالله وتبجيله. قدم يسوع في طبيعته البشرية الشكر والتسبيح للآب باعتباره إلهه. في الواقع، يجب أن نلاحظ أن يسوع في حديثه مع مريم المجدلية، ميز بين “أبي” و “أبيكم” و “إلهي” و”إلهكم “. فلم يقل يسوع أبدًا “إلهنا” أو “أبانا”.

هذا يعني أن تبني الله الآب لمريم المجدلية والرسل الآخرين يختلف عن بنوة يسوع للآب. فعلى وجه التحديد، الله أب لهم (ولنا) بالتبني (رومية8: 15) بينما يسوع وحده هو ابن الله الوحيد الذي يشاركه طبيعته كإله (يوحنا1: 18).

يسوع ترك توما يقصد ما قاله ولم يصحح له

لدينا الآن سبب وجيه للاعتقاد بأن خطاب توما لم يكن اندفاعًا عشوائيًا ولا صلاة إلى الله الآب. قصد توما أن يدعو يسوع بأنه ربه وإلهه. ما يجعل هذا المقطع دليلًا قويًا على ألوهية المسيح هو أن يسوع لم يصحح توما ما قاله. في العهد الجديد، كلما يُدعى أنسان أنه إلهًا عن طريق الخطأ، فهو دائمًا يصحح خطأ من أدعوا ذلك وحاولوا عبادته. فعندما ظن اليونانيون في ليسترا عن طريق الخطأ أن بولس وبرنابا هما الإلهان زفس وهرمس، مزق الرجلان ثيابهما وعرَّفا الجموع أنهما بشريان مثلهم وطلبا منهم أن يعبدوا الإله الحقيقي الذي صنع السماء والأرض (أعمال الرسل14: 14-15).

في (سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي19: 10) سقط يوحنا الرسول عند قدمي الملاك ليسجد له، فقال له الملاك بحدَّة “لا تفعل”. في سفر أعمال الرسل، قَبِل الملك أغريباس تسبيح الجموع له على أنه هو الله، ولأنه لم يعط هذا المجد إلى الله، “فصار يأكله الدود ومات” (أعمال الرسل12: 23).

على الرغم من كل هذا، لم يصحح يسوع لتوما ما قاله.

وهذا يجب أن يقودنا إلى استنتاج أنه لم يكن هناك خطأ يجب تصحيحه في حديث توما ليسوع داعياً إياه، “ربي والهي”.  وبما أن الأمر كذلك، فعلينا أن نقتدي بتوما ولا نخاف من أن ندعو يسوع بنفس العبارة.

المقال الأصلي:

Did Thomas Think Jesus Was God? Trent Horn

نبوات العهد القديم عن ميلاد المسيح تفصيلًا (18 نبوة)

نبوات العهد القديم عن ميلاد المسيح تفصيلًا – 18 نبوة من نبوات العهد القديم عن ميلاد المسيح

نبوات العهد القديم عن ميلاد المسيح تفصيلًا – 18 نبوة من نبوات العهد القديم عن ميلاد المسيح

صور عيد الميلاد 2024 Christmas Pictures

 

حددت نبوات العهد القديم، وبكل دقة، أنساب المسيح الذين تناسل منهم من آدم وحتى داود النبي، كما حددت ميلاده من عذراء ومكان ميلاده في بيت لحم، وحددت، وبكل دقة، زمن مجيئه وتجسده وصلبه (قطعه حسب تعبير الملاك جبرائيل لدانيال النبي)، سواء بالحكم الذي سيتجسد في زمنه أو بعدد سنوات محددة تبدأ من تاريخ معلوم وتنتهي بتاريخ معلوم وترتبط بأحداث معلومة لم يخطئها لا علماء اليهود (الراباي – الرابيين – Rabbi) ولا آباء الكنيسة المسيحية وعلمائها، من بعدهم، بل عرفها علماء اليهود وعلى ضوئها انتظروه وكانوا متوقعين مجيئه أثنائها، كما سنبين حالا من أقوال علماء اليهود (الربيين):

1- مجيئه كنسل المرأة:

النبوّة

إتمامها

” فقال الرب الإله للحيّة لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية. على بطنك تسعين وترابا تأكلين كل أيام حياتك. وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه ” (تكوين 3: 14و15).

 

” ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس ” (غل4: 4).

” وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع … الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو1 :34و35).

وعبارة ” نسلها =  seed (offspring) “، في النبوّة تشير إلى نسل يأتي من المرأة فقط دون مشاركة من الرجل، أي من عذراء وبدون زرع بشر، كما تنبأ بذلك اشعياء النبي، بعد ذلك (اش7 :14). حيث تقول النبوّة أن نسل المرأة سيولد، فقط، من المرأة من دون الرجل، وهذا النسل هو الذي سيسحق رأس الحية، والحية هي إبليس نفسه؛ فيقول القديس بولس: ” ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة مولودا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني ” (غل4 :4و5).

ويشرح عملية التجسد بقوله: ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفا من الموت كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية ” (عب2 :14و15). ويقول القديس يوحنا: ” من يفعل الخطية فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطئ. لأجل هذا أظهر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس ” (1يو3 :8)

ويشرح لنا الإنجيل القديس متى كيفية الحبل بالمسيح من المرأة، العذراء، من دون الرجل، وبدون زرع بشر، فيقول بالروح: ” أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان بارا ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سرّا. ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك. لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس ” (مت1 :18-20).

كما يقدم لنا سفر الرؤيا وصفا تصويرياً لتطبيق هذه النبوّة في شخص الرب يسوع المسيح، فيقول: ” وظهرت آية عظيمة في السماء امرأة (إسرائيل = العذراء مريم) متسربلة (مُلتَحِفَةٌ) بالشمس (المسيح شمس البر) والقمر تحت رجليها وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبا (أسباط إسرائيل) وهي حبلى (بالنبوات والمسيح) تصرخ متمخضة (مِن أَلَمِ المَخاض) ومتوجعة لتلد. وظهرت آية أخرى في السماء.

هوذا تنين عظيم احمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى رؤوسه سبعة تيجان. وذنبه يجر ثلث نجوم السماء فطرحها إلى الأرض. والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتى يبتلع ولدها متى ولدت. فولدت ابنا ذكرا عتيدا أن يرعى جميع الأمم بعصا من حديد. واختطف ولدها إلى الله والى عرشه … فطرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان (الَّذي يُقالُ لَه إِبْليسُ والشَّيطان) الذي يضل العالم كله طرح إلى الأرض وطرحت معه ملائكته. وسمعت صوتا عظيما قائلا في السماء الآن صار خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه لأنه قد طرح المشتكي على أخوتنا الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهارا وليلا ” (رؤ12 :1-10).

والمرأة المتسربلة بالشمس هنا هي رمز لمملكة إسرائيل التي كانت تحمل نبوات العهد القديم وسيأتي منها المسيح المنتظر، شمس البر ” شمس البرّ والشفاء في أجنحتها ” (ملا4 :2)، كما ترمز للعذراء التي تجسد منها الرب يسوع المسيح وولدته، والتنين هو الشيطان أو الحية القديمة الذي سحقه المسيح وطرده من السماء، كقول الكتاب: ” واله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعا ” (رو16 :20)،

 وقد أكد علماء اليهود (الراباي – Rabbi)، خاصة في ترجوم يوناثان المنحول وترجوم أورشليم، أن هذه النبوة، نبوة نسل المرأة، خاصة بالمسيح المنتظر، ويسبقها ما جاء في (تك1 :2) ” وروح الله يرف على وجه المياه “، والتي ربطوها بقول النبوة في اشعياء عن المسيح ” ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب ” (اش11 :2)، وقالوا أن روح الله يتحرك على وجه عمق التوبة. ويقولون أنها روح الملك المسيا. كما يربطون نبوة نسل المرأة بما جاء (راعوث4 :18) ” وهذه مواليد فارص. فارص ولد حصرون “. ويركزون على فارص باعتباره أحد أجداد المسيح من راعوث الموآبية لدرجة أن سفر راعوث له كتاب كبير يسمى مدراش راعوث.

 ويقول ترجوم يوناثان (Jonathan Ben Uzziel): ” الملك المسيا (المسيح) الذي جرح ليشفي “، ويربط الرابي ديفيد كيمي (rabbi David Kimchi) هذه البنوة بالمسيح الذي من نسل داود ويقول: ” أنت جلبت الخلاص لشعبك بالمسيا (المسيح)، بيد ابن داود الذي سيجرح الشيطان الذي هو رأس وملك وأمير الشر “.

وفي مدراش شيموت راباه (Shemot Rabbaa 30) يوضح أن مجيء المسيح من فارص من سبط يهوذا بعد سقوط الإنسان وفساد كل الشعوب سيصحح حالة الإنسان النهائية ويدمر الموت للأبد، كما قال القديس بولس: ” آخر عدو يبطل هو الموت ” (1كو 15 :26)، وما جاء في رؤيا ” وسمعت صوتا عظيما من السماء قائلا هوذا مسكن الله مع الناس وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعبا والله نفسه يكون معهم إلها لهم.

وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم والموت لا يكون فيما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد لان الأمور الأولى قد مضت ” (رؤ21 :3و4)، فيقول ” هذا هو تاريخ فارص وله مغزى عميق (…) عندما خلق روح الله عالمه، لم يكن هناك ملاك الموت بعد (…)، ولكن عندما سقط آدم وحواء في الخطية، فسدت كل القبائل. وعندما نهض فارص بدأ التاريخ يكون صحيحا بواسطته، لأنه منه سيتناسل المسيا (المسيح)، وأثناء أيامه سيختطف الله القدوس الموت، كما قيل: أنه سيدمر الموت إلى الأبد “.

ويقول ترجوم يوناثان أيضاً: ” وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. وعندما يحفظ نسل المرأة وصايا الناموس فإنهم يصوبون نحوك تصويباً صحيحاً، ويضربونك على رأسك، ولكن عندما يتركون وصايا الناموس فإنك تصوبين نحوهم تصويباً صحيحاً وتجرحين عقبهم. لكن هناك علاجاً لهم، أما لك أنت فلا علاج. وفي المستقبل يصنعون سلاماً مع العقب، في أيام الملك المسيح[1].

ويقول ترجوم على التوراة: ” وسيكون عندما يدرس نسل المرأة التوراة باجتهاد ويطيعون وصاياها، سيضربونك على الرأس ويقتلونك؛ ولكن عندما يهجر نسل المرأة وصايا التوراة ولا يطيعون أوامرها، فستوجهين نفسك للدغهم في العقب وتؤلميهم، وعلى أية حال فهناك علاج لأبناء المرأة، ولكن بالنسبة لك، أيتها الحية، فلا علاج، سيعملون سلام مع احد آخر في النهاية، في نهاية الأيام، في أيام الملك المسيا[2].

ويقول ترجوم أونكيلوس على (تكوين 3: 15): ” وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين ابنك وابنها وهو سيذكر ما فعلته معه منذ البدء، وأنت ستراقبينه حتى النهاية “[3].

مريم العذراء

2 – ولادته من عذراء:

النبوّة

إتمامها

” ولكن يعطيكم السيد نفسه آية ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل ” (أش7:14). وعذراء في العبرية هنا (עלמה- عُلماْه)، وتعني عذراء بكر وفتاه. وقد ترجمت في اليونانية السبعينية (παρθενος -Parthenos)،أي عذراء.

” فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست اعرف رجلا. فأجاب الملاك وقال لها. الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو1 :34و35).

  يقول القديس متى بالروح: أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان بارا ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سرّا. ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك.لان الذي حبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت1 :18-23).

والنبوة هنا تركز على أربعة نقاط هامة:

1 – آية ” يعطيكم السيد نفسه آية “.

2 – العذراء .. من هي؟

3 – العذراء تحبل وتلد ابناً.

4 – المولود هو عمانوئيل.

1 – الآية: والآية المقصودة في هذا الفصل الإلهي أو المعجزة مزدوجة، فهي أولا: تعنى أن ” عذراء ” أو ” العذراء ” ستحبل وتلد ومع ذلك تظل ” عذراء ” لأنه يتكلم عنها كعذراء سواء قبل الحبل أو إثناؤه أو بعد الميلاد ” ها العذراء تحبل وتلد ” فالآية تنص على أن العذراء ستحبل وان العذراء ستلد وبذلك تنص ضمناً على أنها ستظل بعد الحبل والولادة عذراء أيضاً لأنه يدعوها ” بالعذراء ” معرفة بأداء التعريف.

والآية ليست معطاة من بشر أو بواسطة بشر ولكن معطاة من الله ذاته ” ولكن السيد نفسه يعطيكم آية “، السيد نفسه وليس مخلوق هو معطى الآية. ولكن كيف تتم هذه الآية؟ وهذا ما سألته العذراء مريم نفسها للملاك قائله: ” كيف يكون لي هذا وأنا لست اعرف رجلاً “؟ (لو1 :34). أي كيف أحبل وأنا عذراء وقد نذرت البتولية وليس في نيتي التراجع؟ ويجيب الملاك أن هذا الحبل لن يمس بتوليتك ولن يضطرك للتراجع عما نذرتيه وسوف تظلين بتول إلى الأبد. وأما عن الكيفية فهذا عمل الله وحده: ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو1 :35).

  الروح القدس هو الذي سيتولى هذه المهمة الإلهية لأن المولود هو القدوس ذاته. وقوه الله هي التى تظللها أي تحل عليها، تسكن فيها، لذلك لن تحتاج إلى رجل، لن يكون المولود من زرع بشر لأنه القدوس، بل لابد أن يولد من عذراء بحلول الروح القدس على العذراء. وكان برهان المعجزة، معجزة حبل العذراء، هو حبل اليصابات العاقر المتقدمة في الأيام وزوجها الشيخ (لو1 :18) والتي لم تنجب في شبابها ولكن أراد الرب أن تحبل وتنجب في شيخوختها عبر هنا على قدرته التى ليست لها حدود.

2 – العذراء: وكلمه ” العذراء ” المستخدمة هنا فضلاً عن أنها تشير إلى دوام البتولية جاءت في اللفظ العبري ” hm’ªl.[;h’ = ها عُلماه = Alma ” وال –  ” h’ = ها = ال = the “، أي أداة التعريف، أي العذراء، وتعنى فتاه ناضجة، وهي مشتقة من أصل بمعنى ” ناضج جنسياً ” كما يعنى عذراء كاملة الأنوثة، كما تشير إلى امرأة في سن الزواج (of marriageable age) ويرادفها في اليونانية (neanis) نيانيس = فتاه)[4]. وقد تكررت هذه ألكلمه سبع مرات في الكتاب المقدس وكلها ترجمت بمعنى فتاه (أو عذراء) غير متزوجة. وهى كالأتي:

(1) جاء في (تك24 :43و44) ” فها أنا واقف على عين الماء وليكن أن الفتاه (عُلماه = hm’ªl.[;h’ = of marriageable age) التى تخرج … هي المرأة التى عينها الرب لأبن سيدي “. والفتاه المقصودة هنا هي التى ستكون عروس لأسحق، أي أنها عذراء غير متزوجة.

(2) وجاء في (نش1: 3) ” 00 أسمك دهن مهراق لذلك أحبتك العذارى “، والعذارى هنا جمع (عُلماه = tAmïl'[] = عُلموت).

(3) وجاء في (نش8 :5) ” أحلفكنّ يا بنات (tAmïl'[] = عالموت = al-maw) أورشليم أن وجدتنّ حبيبي “. وبنات هنا جمع (عُلماه = tAmïl'[] = عُلموت)  والمقصود عذارى في مرحله الحب قبل الزواج.

(4) وقيل عن أخت موسى العذراء ” فذهبت الفتاه (عُلماه = hm’ªl.[;h’) ودعت أم الولد ” (خر8:2) والفتاه هنا (عُلماه).

(5) وجاء في (أم 30: 19) ” وطريق رجل بفتاة (hm'(l.[;. = عُلماه) “، والفتاه هنا (عُلماه) والمقصود بها العروس التى أحضرت توا[5]  ولم يدخل بها العريس ” أي ما زالت عذراء.

(6) وجاء في مزمور(68 :25) عن ضاربات الدفوف أثناء التسبيح للرب ” في الوسط فتيات (tAmªl'[]÷ = عالموت = al-maw) ضاربات الدفوف ” والفتيات هنا جمع (عُلماه) والمقصود بهن العذارى[6] أو الفتيات غير المتزوجات.

والكلمة السابعة هي ما جاء عن العذراء نفسها في نبوّة أشعياء النبي. وهذا يدل على أن كلمة ” hm’ªl.[;h = عُلماه ” المقصود بها في اللغة العبرية على الأقل في زمن الآيات المذكورة والتي يرجع تاريخ أحداثها إلى ما قبل سنة 1… قبل الميلاد – الفتاة العذراء غير المتزوجة ولكنها في سن النضوج والزواج كرفقة عروس اسحق وعذارى سفر النشيد وأخت موسى العذراء التى لم تكن قد تزوجت بعد وعروس النشيد وضاربات الدفوف في فريق التسبيح للرب.

وهناك لفظ عبري أخر هو ” בּתוּלה =  بتوله ” وهو مشتق من لفظ عبري بمعنى يفصل، وتعنى عذراء منفصلة لم تعرف رجلاً قط، ومرادفها باليونانية ” παρθένος = parthenos  = بارثينوس “[7]. ولكن استخدمت عدة مرات لتعبر عن امرأة متزوجة، أو غير عذراء، مثلما جاء في ” نوحي يا ارضي كعروس (hl’îWtb.Ki) مؤتزرة بمسح من اجل بعل صباها ” (يوئيل1 :8)، والتي ترجمت في اليونانية السبعينية (nu,mfhn) كعروس، متزوجة من بعل صباها، عذراء لم تتزوج.

وقد اختار الوحي الكلمة الأولى ” عُلماه ” للعذراء مريم في سفر اشعياء النبي للدلالة على أنها كانت فتاة ناضجة وفي سن الزواج، كما إنها كانت ستكون تحت وصاية خطيب – وذلك حسب الترتيب الإلهي – لحمايتها عند الحمل والولادة.

ولكن الوحي الإلهي أيضاً ألهم مترجمي الترجمة السبعينية فترجموا كلمة ” ها العذراء (hm’ªl.[;h = عُلماه) ..” إلى ” ها العذراء (παρθένος =parthenos  = بارثينوس) ..” أي ترجموها ” παρθένος = بارثينوس ” أي عذراء منفصلة لم تعرف رجلاً قط ولم يترجموها ” نيانيس ” للدلالة على أنها ستكون عذراء دائماً ولن تعرف رجلاً قط لأن محتوى الآية يدل ويؤكد على هذا المعنى وأن الفتاة المقصودة وإن كانت ستكون ناضجة وتحت وصايا خطيب إلا إنها ستكون عذراء لم ولن تعرف رجلاً قط ” παρθένος = بارثينوس ” رغم خطبتها ليوسف.

3 – العهد الجديد والعذراء: وقد سار العهد الجديد على هذا النهج وأطلق على العذراء لقب ” بارثينوس ” واقتبس القديس متى فصل نبوّة اشعياء النبي وكتبها هكذا: ” هوذا العذراء (παρθένος = بارثينوس) تحبل وتلد ” (مت1 :23). وكذلك القديس لوقا لم يستخدم عن العذراء مريم سوى ” العذراء = παρθένος = بارثينوس “، فيقول بالروح: ” أرسل جبرائيل إلى عذراء (παρθένος = بارثينوس) مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف. وأسم العذراء (παρθένος = بارثينوس) مريم ” (لو1 :27).

  وهكذا أيضاً دعا آباء الكنيسة القديسة مريم بالعذراء ” παρθένος = بارثينوس ” والدائمة البتولية ” إيبارثينوس “. وهذا يبطل ما زعمه اليهود ومن سار على دربهم بقولهم لم يكتب في نبوّة اشعياء ” عذراء ” بل كتب ” فتاة ” محاولين النيل من بتولية العذراء سواء قبل الحبل أو بعده.

والدة الإله العذراء – د. سعيد حكيم (2)

3 – عمانوئيل، الله معنا:

النبوّة

إتمامها

” ولكن يعطيكم السيد نفسه آية ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل (עמּנוּאל – עמנו  אל) ” (أش7:14). وعمانو (עמנו) = معنا، و (إيل- אל) = الله، وفي اليونانية (Εμμανουηλ = Immanuel). (اش7 :14).

” فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. هوذا العذراء (παρθενος -Parthenos) تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت1 :21-23).

  وقد كان الرب يسوع المسيح هو الله معنا كقول الكتاب: ” والكلمة صار جسدا وحلّ بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا ” (يو1 :14). وقد يعترض البعض ويقول أن الرب يسوع المسيح دعي ” يسوع ” وليس ” عمانوئيل “! والإجابة هي أن اسم يسوع يعبر عن كينونته ” كيهوه المخلص ” والذي يحمل اسم يهوه والذي هو اسم الله الوحيد الدال على كينونته كالموجود خالق كل وجود، بينما عمانوئيل هو لقب للمسيح ” الله معنا = عمانو (עמנו) = معنا، و (إيلאל) = الله “، ويتكون من لقب يعبر عن كون الله إله ليعني الخالق والمعبود والذي سيكون معنا بحلوله وسطنا. اسم يسوع يدل على لاهوته كالموجود الدائم الوجود والواجب الوجود وعمله الخلاصي، واسم عمانوئيل يدل على كونه المعبود الذي حل وسط شعبه.

4 – دعي باسمه وهو في بطن أمه:

النبوّة

” اسمعي لي أيتها الجزائر وأصغوا أيها الأمم من بعيد. الرب من البطن دعاني من أحشاء أمي ذكر اسمي ” (اش49 :1). والذي يذكره الرب من أحشاء أمه يكون قد تسمى قبل أن حبل به في البطن. وهذا ما حدث مع المسيح.

 

إتمامها

” ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك. لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم ” (مت1 :20و21).

  وهنا تعلن لنا النبوّة أن المسيح المنتظر والآتي سيدعى باسمه من البطن، ويقول الإنجيل للقديس لوقا: ” ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع كما تسمى من الملاك قبل أن حبل به في البطن ” (لو2 :21). وكان الملاك قد بشر العذراء قائلاً: ” فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع ” (لو1 :30و31).

 

5 – سيكون من نسل سام:

النبوّة

إتمامها

” وقال مبارك الرب اله سام. وليكن كنعان عبدا لهم. ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام ” (تك9 :26و27).

” يسوع … بن إبراهيم … بن سام بن نوح ” (لو3 :36).

 

  لم يبق بعد الطوفان على الأرض سوى نوح وأولاده الثلاثة سام وحام ويافث، وحددت النبوّة أن نسل المرأة الآتي سيأتي من نسل سام بن نوح: وقال مبارك الرب اله سام. وليكن كنعان عبدا لهم. ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام(تك9 :26و27). وكان سام جدا لإبراهيم الذي جاء المسيح من نسله، كما يقول الكتاب: ” هذه مواليد سام.

لما كان سام ابن مئة سنة ولد ارفكشاد بعد الطوفان بسنتين. وعاش سام بعدما ولد ارفكشاد خمس مئة سنة وولد بنين وبنات … وعاش تارح سبعين سنة وولد إبرام وناحور وهاران ” (تك11 :9-26)، وإبرام هو إبراهيم: ” إبرام وهو إبراهيم ” (1أخ1 :27)، لأن الله غير اسمه من إبرام إلى إبراهيم ” فلا يدعى اسمك بعد إبرام بل يكون اسمك إبراهيم. لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم ” (تك17 :5).

 

6 – نسل إبراهيم:

النبوّة

إتمامها

” وقال الرب لإبرام اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي اريك. فأجعلك امة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة. وأبارك مباركيك ولاعنك العنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض ” (تك12 :1-3)، وحدد الله الوعد لإبراهيم بقوله: ” ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض ” (تك22:18)

” والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم … لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح … وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول وفي الانسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد وفي نسلك الذي هو المسيح ” (غل3 :8و14و16).

طلب الله من إبراهيم أبي الآباء أن يترك أرضه وعشيرته، في أور الكلدانيين فيما بين النهرين، ويذهب إلى أرض كنعان ليكوّن فيها أمة ويأتي منه نسل تتبارك به جميع الأمم ويرد العالم إلى عبادة الله الحي ويعود به إلى الفردوس الذي سبق أن خرج منه ” وقال الرب لإبرام اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك. فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة. وأبارك مباركيك ولاعنك العنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض ” (تك1:12-3).

وكان مرتبا في علم الله السابق ومشورته الأزلية أن يأتي النسل الآتي والمسيح المنتظر من ابن وعد الله به إبراهيم وفي الوقت المعين، ولكن لما شاخ إبراهيم وسارة دون أن ينجبا أشارت سارة على إبراهيم أن ينجب من هاجر فأنجب إسماعيل، ولكن هذا كان رأي سارة ومشورتها البشرية وليس ترتيب المشورة الإلهية الأزلي، وفي الوقت المعين قال الله لإبراهيم: ” سارة امرأتك تلد لك ابنا وتدعو اسمه اسحق. وأقيم عهدي معه عهدا أبديا لنسله من بعده. وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا. اثني عشر رئيسا يلد واجعله أمة كبيرة. ولكن عهدي أقيمه مع اسحق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية ” (تك19:17-21).

ثم أمتحن الله إبراهيم وطلب منه أن يصعد ابنه اسحق محرقة على جبل المريا وأطاع إبراهيم الله ومد يده وأخذ السكين ليذبح أبنهُ اسحق ظهر له ملاك الرب وقال له لا تمد يدك إلى الغلام وقدم له كبشا فدية عن اسحق ” وقال بذاتي أقسمت يقول الرب. أني من  اجل انك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيرا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر. ويرث نسلك باب أعدائه. ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض. من اجل انك سمعت لقولي ” (تك15:22-18). وهنا يتكلم الله عن اسحق باعتباره ابن الموعد وحامل مواعيد الله: بالإيمان قدم إبراهيم اسحق وهو مجرب. قدم الذي قبل المواعيد وحيده الذي قيل له انه باسحق يدعى لك نسل ” (عب17:11و18).

 وأكد العهد الجديد أن هذا النسل الآتي هو الرب يسوع المسيح فقال القديس بطرس بالروح لشيوخ وعامة اليهود: ” انتم أبناء الأنبياء والعهد الذي عاهد به الله آباءنا قائلا لإبراهيم وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض. إليكم أولا إذ أقام الله فتاه يسوع أرسله يبارككم برد كل واحد منكم عن شروره ” (اع25:3و26).

وقال القديس بولس بالروح ” والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم. إذا الذين هم من الإيمان يتباركون مع إبراهيم المؤمن … لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح. أيها الأخوة بحسب الإنسان أقول ليس أحد يبطّل عهدا قد تمكن ولو من إنسان أو يزيد عليه. وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول وفي الانسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد وفي نسلك الذي هو المسيح. وإنما أقول هذا أن الناموس الذي صار بعد أربع مئة وثلاثين سنة لا ينسخ عهدا قد سبق فتمكن من الله نحو المسيح حتى يبطّل الموعد ” (غل8:3-17).

 

7 – نسل اسحق: 

  ” ولكن عهدي اقيمه مع اسحق الذي تلده لك سارة ” (تك17 :21).

النبوّة

إتمامها

” فقال الله بل سارة امرأتك تلد لك ابنا وتدعو اسمه اسحق. واقيم عهدي معه عهدا ابديا لنسله من بعده ” (تك17 :19). وقال لإسحق: ” وتتبارك في نسلك جميع أمم الأرض ” (تك2:26 – 4).

” يسوع … ابن اسحق ” (لوقا 3: 23و34).
  ما أنطبق على إبراهيم من جهة النسل الموعود أنطبق على إسحق ومن بعده يعقوب.

  كان الوعد وكانت المواعيد الإلهية، بحسب ترتيب الله الإلهي ومشورته الأزلية وعلمه السابق، خاصة بإسحق ابن الموعد والذي أعطاه الله لإبراهيم في سن وزمن لم يتوقع فيه الإنجاب وليس لابن الجسد والمشورة الإنسانية التي ظنت أن الله لن يحقق وعوده!! يقول الكتاب: ” فانه مكتوب انه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد.

وكل ذلك رمز لان هاتين هما العهدان إحداهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعا فهي حرة. لأنه مكتوب افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. اهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض فان أولاد الموحشة أكثر من التي لها زوج. وأما نحن أيها الأخوة فنظير اسحق أولاد الموعد ” (غل4 :22-28).

  وبعد وفاة إبراهيم أكد الله هذا الوعد عينه لإسحق حيث يقول الكتاب: ” وكان بعد موت إبراهيم أن الله بارك اسحق ابنه ” (تك11:25)، وأكد له الوعد من جديد: ” وظهر له الرب وقال لا تنزل إلى مصر اسكن في الأرض التي أقول لك. تغرب في هذه الأرض فأكون معك وأباركك لأني لك ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد وأفي بالقسم الذي أقسمت لإبراهيم أبيك وأكثر نسلك كنجوم السماء وأعطي نسلك جميع هذه البلاد وتتبارك في نسلك جميع أمم الأرض ” (تك2:26-4).

 

8 – نسل يعقوب:

  ومن نسل إسحق اختار الله يعقوب:

النبوّة

إتمامها

  وقد جدد الله الوعد ليعقوب قائلاً: ” أنا الرب اله إبراهيم أبيك واله اسحق … ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض ” (تك 28 :13و14).

قال الملاك للعذراء: ” هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية ” (لو1:32و33).

وأنجب أسحق يعقوب وعيسو من رفقة في بطن واحدة وكان الله في سابق علمه  ومشورته الأزلية قد أختار يعقوب وحدة ليأتي منه النسل الموعود وتمتد في ذريته النبوة، ومن ثم قال لرفقة وهي حامل بيعقوب وعيسو: ” في بطنك أمّتان. ومن أحشائك يفترق شعبان. شعب يقوى على شعب. وكبير يستعبد لصغير ” (تك25 :23)،

وأيضا يقول الكتاب: ” أليس عيسو أخا ليعقوب يقول الرب وأحببت يعقوب وأبغضت عيسو ” (ملا1 :2و3)، ” رفقة أيضا وهي حبلى من واحد وهو اسحق أبونا. لأنه وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرا أو شرا لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو. قيل لها أن الكبير يستعبد للصغير. كما هو مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسو ” (رو9 :10-13). ومن ثم فقد جدد الله الوعد ليعقوب قائلاً: ” أنا الرب اله إبراهيم أبيك واله اسحق الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك. ويكون نسلك كتراب الأرض وتمتد غربا وشرقا وشمالا وجنوبا ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض ” (تك28 :13، 14).

 

9 – كوكب يعقوب:

وبعد يعقوب بعدة أجيال تنبأ بلعام بن بعور عن هذا النسل الموعود والفادي المنتظر قائلاً بالروح القدس: ” أراه ولكن ليس الآن أبصره ولكن ليس قريبا يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفي موآب ويهلك كل بني الوغى ” (عد17:24). ورأى علماء اليهود أن هذا الكوكب هو المسيح المنتظر، فيقول ترجوم أونكيلوس: ” أراه وليس الآن، أنظره ولكن ليس قريباً. يبرز ملك من يعقوب، ويقوم المسيح من إسرائيل “.

النبوّة

إتمامها

ثم قالت البنوة عن مجيء المسيح من يعقوب أيضاً: ” أراه ولكن ليس الآن. أبصره ولكن ليس قريبا. يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفي موآب ويهلك كل بني الوغى ” (عدد24 :17).

” وعندنا الكلمة النبوية وهي اثبت التي تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم ” (2بط1 :19).

 

  ويؤكد لنا العهد الجديد أن المسيح هو هذا الكوكب: ” وعندنا الكلمة النبوية وهي اثبت التي تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم ” (2بط1 :19)، ” أنا يسوع أرسلت ملاكي لأشهد لكم بهذه الأمور عن الكنائس. أنا أصل وذرية داود. كوكب الصبح المنير ” (رؤ22 :16).

 

10 – نسل يهوذا الذي تخضع له الشعوب:

النبوّة

إتمامها

” لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلوه وله يكون خضوع شعوب ” (تك49 :10).

 

” ربنا قد طلع من سبط يهوذا ” (عب7 :14)، ووصف في سفر الرؤيا بـ ” الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ” (رؤ5 :5).

في نهاية أيام يعقوب أجتمع بأبنائه الأثني عشر وباركهم وتنبأ عن مستقبل نسل كل واحد منهم وعندما جاء إلى يهوذا قال: ” يهوذا إياك يحمد إخوتك. يدك على قفا أعدائك يسجد لك بنو أبيك. يهوذا جرو أسد. من فريسة صعدت يا ابني. جثا وربض كاسد وكلبوة. من ينهضه. لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلوه وله يكون خضوع شعوب ” (تك49 :8-10).

وتعني النبوّة هنا أن الحكم والتشريع سيستمران في  يهوذا وفي إسرائيل إلى أن يأتي المسيح المنتظر، فكلمة القضيب هنا هو الصولجان، عصا الحكم، والمشترع هو الذي يطبق الشريعة، ومن بين رجليه أي من صلبه، صلب يهوذا، وشيلوه هو الذي له، أي الذي له الصولجان والتشريع والحكم. وقد تم ذلك حرفيا بعد ميلاد المسيح بسبع سنوات (أنظر الفصل التالي).

وقد بدأ الإتمام الحرفي لهذه النبوة منذ أيام داود النبي والملك كأول حاكم وملك لبني إسرائيل من سبط يهوذا فقد ” رفض (الله) خيمة يوسف ولم يختر سبط افرايم. بل اختار سبط يهوذا جبل صهيون الذي أحبه ” (مز78 :67 و68)، ومن ثم فقد بدأ تطبيق هذه النبوة من داود النبي الذي هو من سبط  يهوذا ” وداود هو ابن ذلك الرجل الافراتي من بيت لحم يهوذا الذي اسمه يسّى ” (1صم17 :12). واستمر بعد ذلك حتى جاء المسيح وانتهى الحكم من يهوذا وإسرائيل نهائيا منذ ذلك الوقت.

وقد أعتقد كل علماء اليهود الرابيين القدماء أن شيلوه هو لقب المسيا الآتي: وعلى سبيل المثال قال ترجوم أونكيلوس تفسيرا لهذه النبوّة: ” أن انتقال الحكم من يهوذا لن يتوقف من بيت يهوذا ولا الكاتب من أبناء أبنائهم حتى يأتي المسيا(3). وقال ترجوم يوناثان المنحول ” الملك والحكام لن يتوقفوا من بيت يهوذا … حتى يأتي الملك المسيا(5). ويقول ترجوم أورشليم: ” لن يتوقف الملوك من بيت يهوذا … حتى مجيء الملك المسيا … الذي ستخضع له كل سيادات الأرض(6).

وأكد العهد الجديد أن الرب يسوع المسيح هو هذا الآتي من سبط يهوذا: ” ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي … بن داود بن يسّى … بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ” (لو3 :23-34)، ” فانه واضح أن ربنا قد طلع من سبط يهوذا ” (عب7 :14)، ” هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ” (رؤ5 :5).

 

11 – أصل يسىَّ وغصن البر:

النبوّة

إتمامها

” ويخرج قضيب من جذع يسىَّ وينبت غصن من أصوله … ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسىّ القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ويكون محله مجدا ” (اشعياء 11: 1و10).  

” يسوع … ابن داود ابن يسَّى ” (لوقا 3: 23و32 ومت1: 6).

وأيضا يقول اشعياء ” سيكون أصل يسّى والقائم ليسود على الأمم عليه سيكون رجاء الأمم ” (رو15 :12).

” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب. ولذته تكون في مخافة الرب فلا يقضي بحسب نظر عينه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه. بل يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالأنصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه. ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معا وصبي صغير يسوقها. والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معا والأسد كالبقر يأكل تبنا.

ويلعب الرضيع على سرب الصل ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان. لا يسوؤون ولا يفسدون في كل جبل قدسي لان الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر. ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ويكون محله مجدا ويكون في ذلك اليوم أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه التي بقيت من أشور ومن مصر ومن فتروس ومن كوش ومن عيلام ومن شنعار ومن حماة ومن جزائر البحر ” (اش11 :1-11).

وهذا النبوّة تتكلم عن المسيح كالقضيب الذي سيخرج من نسل يسى والد داود وكونه الغصن، غصن البر، الذي سيحل عليه روح الرب ويقوم بعمله المسياني (المسيحي) سواء من جهة التعليم والمعرفة والمعجزات ومن جهة السلام الروحي الذي سيحل في قلوب المؤمنين به، والذي فهمه بعض علماء اليهود ومن شايعهم من أمثال السبتيين وشهود يهوه خطأ وظنوا أن المقصود به هو ما سيكون على الأرض في الملك الألفي!! وأن كان بعضهم فهموه بالمعنى الصحيح للفكر المسياني للمسيح المنتظر فيقول ترجوم اشعياء: ” يخرج ملك من نسل يسَّى، ومسيح من ذريته يقوم. وعليه يستقر روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب “[8]

كما تنبأ العهد القديم عدة مرات عن هذا الغصن، المسيا، الذي سيخرج من نسل داود ويحل عليه روح الرب ليجري الحق والعدل: ” في ذلك اليوم يكون غصن الرب بهاء ومجدا وثمر الأرض فخرا وزينة للناجين من إسرائيل ” (اش4 :2)، ” ها أيام تأتي يقول الرب وأقيم لداود غصن بر فيملك ملك وينجح ويجري حقا وعدلا في الأرض ” (ار23 :5)، ”

في تلك الأيام وفي ذلك الزمان انبت لداود غصن البر فيجري عدلا وبرا في الأرض ” (ار33 :15)، ” لأني هأنذا آتي بعبدي الغصن ” (زك3 :8)، ” هوذا الرجل الغصن اسمه ومن مكانه ينبت ويبني هيكل الرب ” (زك6 :12). وقد وصف بالعبد لأن الرب يسوع المسيح ” أخلى نفسه أخذ صورة عبد ” (في2 :7)، ظهر في الجسد (1تي3 :16)، ” صار جسدا ” (يو1 :14). كما أن هذا الغصن هو أيضاً ” أصل يسى “، أي خالقه كما قال الكتاب عن المسيح أنه ” من سبط يهوذا أصل داود ” (رؤ5 :5)، وكما قال المسيح عن نفسه ” أنا أصل وذرية داود ” (رؤ22 :16).

 

12 – نسل داود ورب داود وابن الله:

النبوّة

إتمامها

أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك واثبت مملكته هو يبني بيتا لاسمي وأنا اثبت كرسي مملكته إلى الأبد. أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا … ويأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك. كرسيك يكون ثابتا إلى الأبد ” (2صم13:7، 14و16مع 1أخ17 :11-13).

” يسوع  … ابن داود ” (لو3: 23و31 ومت 1: 1). ” أنا أصل وذرية داود ” (رؤ22 :16). ” لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا. وأيضا متى ادخل البكر إلى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله ” (عب1:1 – 6).

أختار الله داود بن يسى من أبناء سبط يهوذا الذي قال عنه ” وجدت داود بن يسى رجلا حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي ” (أع22:13)، ويقول الله لداود بالروح ” اقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه. من ثمرة بطنك اجعل على كرسيك … هناك انبت قرنا لداود. رتبت سراجا لمسيحي ” (مز132 :11و17)، ” قطعت عهدا مع مختاري حلفت لداود عبدي إلى الدهر اثبت نسلك وابني إلى دور فدور كرسيك … وجدت داود عبدي بدهن قدسي مسحته … إلى الدهر أحفظ له رحمتي وعهدي يثبت له واجعل إلى الأبد نسله وكرسيه مثل أيام السموات … مرة حلفت بقدسي أنى لا اكذب لداود نسله إلى الدهر يكون وكرسيه كالشمس أمامي مثل القمر يثبت إلى الدهر والشاهد في السماء أمين ” (مز3:89، 4، 20، 28، 29، 35، 37، 38).

وأيضا: ” متى كملت أيامك واضطجعت  مع آبائك أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك واثبت مملكته هو يبني بيتا لاسمي وأنا اثبت كرسي مملكته إلى الأبد. أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا … ويأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك. كرسيك يكون ثابتا إلى الأبد ” (2صم13:7، 14و16مع 1أخ17 :11-13). هذا الابن أو النسل الآتي ليس مجرد بشر بل يقول عنه الروح القدس لداود ” يكون اسمه إلى الدهر قدام الشمس يمتد اسمه ويتباركون به كل أمم الأرض يطوبونه ” (مز17:72).

وقد تحقق هذا الوعد جزئيا في سليمان الحكيم ابن داود الذي جلس على كرسيه بعده مباشرة، ولكنه تحقق فعليا وعمليا في شخص الرب يسوع المسيح كقول القديس بولس بالروح ” الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثا لكل شيء الذي به أيضا عمل العالمين.

الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي صائرا أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسما أفضل منهم. لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا. وأيضا متى ادخل البكر إلى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله “ (عب1:1 – 6).

فمن هذا الذي تسجد له جميع ملائكة الله؟ أنه الذي تنبأ عنه أيضا قائلاً ” فيثبت الكرسي بالرحمة ويجلس عليه بالأمانة في خيمة داود قاض ويطلب الحق ويبادر بالعدل ” (اش5:16)، وأيضا ” واجعل مفتاح بيت داود على كتفه فيفتح وليس من يغلق ويغلق وليس من يفتح ” (اش22:22)، ويقول الكتاب بالروح أن الذي له مفتاح داود هو ” القدوس الحق الذي له مفتاح داود الذي يفتح ولا أحد يغلق ويغلق ولا أحد يفتح ” (رؤ7:3)، وأيضا ” أميلوا آذانكم وهلموا إليّ اسمعوا فتحيا أنفسكم واقطع لكم عهدا أبديا مراحم داود الصادقة ” (اش3:55). كما تنبأ عنه أيضا كابن يسى والد داود.

وكان اشعياء النبي قد سبق وتنبأ عن مضمون هذه النبوّات بقوله عن المسيح: ” لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد ” (اش9:7)، ” ويسكن شعبي في مسكن السلام وفي مساكن مطمئنة وفي محلات أمينة ” (اش32:17).

ويمتلئ التلمود بالإشارات عن المسيا باعتباره ” ابن داود “. وفي كتابه ” عالم موسى بن ميمون ” يقدم چاكوب مينكين وجهة نظر هذا العالم اليهودي: ” إن في رفضه للأفكار الصوفية عن المسيا وأصله وعمله والقوات العجيبة الفائقة المنسوبة إليه، يؤكد موسى بن ميمون أنه ينبغي النظر إلى المسيا كبشر قابل للموت، لكنه يختلف عن باقي الناس في أنه سيكون أوفر حكمة وقوة وبهاء منهم. وينبغي أن يكون من نسل داود وينشغل مثله بدراسة التوراة وحفظ الشريعة “[9].

 

13 – جلوسه على عرش داود كالإله القدير:

النبوّة

إتمامها

” لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا أبا أبديا رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد ” أش9 :6و7).

قال الملاك للعذراء: ” وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية ” (لو1 :31-33). 

وهنا في هذه النبوة التي سنشرحها تفصيليا لاحقاً يؤكد الوحي الإلهي بفم اشعياء النبي أن ابن داود هذا هو المسيا الذي سيجلس على عرشه لا كإنسان بل كالإله القدير الآب الأبدي.

 

14 – ميلاده في بيت لحم مدينة داود:

النبوّة

إتمامها

” أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (مي 5: 2).

” ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم … فقالوا له في بيت لحم اليهودية. لأنه هكذا مكتوب بالنبي. وأنت يا بيت لحم ارض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا. لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل ” (مت2 :1و5و6).

وهنا يوضح لنا الكتاب أن رؤساء اليهود، بل وهيرودس الملك الآدومي، كانوا يعرفون بل ومتأكدون أن المسيح المنتظر سيولد في تلك الأيام، أيام هيرودس وهؤلاء الرؤساء، لذا سأل هيرودس: ” أين يولد المسيح؟ “، مما يدل على أنه كان يعرف أنه سيولد في تلك الأيام، وهم بدورهم كانوا يعرفون أنه سيولد في بيت لحم، فقالوا لهيرودس: ” في بيت لحم اليهودية. لأنه هكذا مكتوب بالنبي. وأنت يا بيت لحم ارض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا.

لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل ” (مت2 :5و6). وهكذا بقية اليهود الذين كانوا يعرفون الكتاب فقالوا: ” ألم يقل الكتاب انه من نسل داود ومن بيت لحم القرية التي كان داود فيها يأتي المسيح ” (يو7 :42).

 

15 – مجيء المجوس وتقديمهم له الهدايا:

وتنبأ العهد القديم عن مجيء المجوس للخضوع للمسيح رمزا لخضوع جميع الأمم له.

النبوّة

إتمامها

” ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة، ملوك شبا وسبأ يقدمون هدية ” (مز72 :10).

 ” تغطيك كثرة الجمال بكران مديان وعيفة كلها تأتي من شبا. تحمل ذهبا ولبانا وتبشر بتسابيح الرب “(اش60 :6).

” ولما ولد يسوع في بيت لحم … إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين أين هو المولود ملك اليهود. فإننا رأينا نجمه في المشرق واتينا لنسجد له … وأتوا إلى البيت ورأوا الصبي مع مريم أمه. فخروا وسجدوا له. ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا ذهبا ولبانا ومرّا ” (مت2 :1و2و11).

وقد طبقت هذه النبوّة تاريخيا وبشكل مباشر على سليمان الحكيم وتم تطبيقها نبويا على المسيح، خاصة أن الآيات من مزمور72 :12-14 لا تنطبق إلا على المسيح فقط: ” ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة. ملوك شبا وسبإ يقدمون هدية. ويسجد له كل الملوك. كل الأمم تتعبد له. لأنه ينجي الفقير المستغيث والمسكين إذ لا معين له. يشفق على المسكين والبائس ويخلص أنفس الفقراء. من الظلم والخطف يفدي أنفسهم ويكرم دمهم في عينيه ” (مز72 :12-14).

فكل هذه الصفات لا تنطبق إلا على المسيح وليس على غيره فهو الذي تتعبد له جميع الشعوب والأمم والألسنة (دا7 :14) وهو الفادي الوحيد الذي قدم الفداء للبشرية؛ ” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ” (في2 :10).

 

16 – وجوده الأزلي وميلاده في بيت لحم:

النبوّة

” أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (مي5 :2).

  وهنا يعلن الوحي الإلهي أنه برغم أن بيت لحم مجرد قرية صغيرة من ضمن ألوف القرى التي تضمها يهوذا إلا أنه سيأتي منها المخلص الموجود منذ القدم الأزلي بلا بداية.

إتمامها

” الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل ” (كو1: 17)، ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله ” (يو1:1).

ويقول ترجوم اشعياء على اشعياء (44: 6): ” هكذا يقول الرب، ملك إسرائيل، ومخلِّصه رب الجنود. أنا هو، أنا هو القديم الأيام، والأزمنة الأزلية عندي، ولا إله غيري “[10].

 

17 –  قتل هيرودس لأطفال بيت لحم:

النبوّة

إتمامها

” هكذا قال الرب. صوت سُمع في الرامة نوح بكاء مر. راحيل تبكي على أولادها وتأبى أن تتعزى عن أولادها لأنهم ليسوا بموجودين ” (ار31 :15).

 

” حينئذ لما رأى هيرودس أن المجوس سخروا به غضب جداً. فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس  حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل. صوت سمع في الرامة نوح وبكاء وعويل كثير. راحيل تبكي على أولادها ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين ” (مت2: 16و17).

يتحدث ارميا النبي هنا عن أحزان السبي التي عاشها إسرائيل في بابل ” ويوجد رجاء لآخرتك يقول الرب. فيرجع الأبناء إلى تخمهم سمعا سمعت أفرايم ينتحب. أدبتني فتأدبت كعجل غير مروض ” (ار31 :17و18). فما صلة هذا بقتل هيرودس لأطفال بيت لحم؟ وما الذي قصده الوحي في الإنجيل للقديس متى؟ وهل يرى أن قتل الأطفال يشبه قتل أبرياء يهوذا وإسرائيل؟

يقول أحد الدارسين ويدعى لايتش: ” كلا بكل يقين! إن الحديث في أرميا 30: 20 إلى 33: 26 حديث نبوي عن المسيا، تتحدث الإصحاحات الأربعة عن اقتراب خلاص الرب، وعن مجيء المسيا الذي سيقيم مملكة داود على عهد جديد أساسه مغفرة الخطايا (31: 31- 34). وفي هذه المملكة ستجد كل نفس حزينة متعبة تعزيتها (أعداد 12- 14 و25). وكنموذج لهذا يعطي الله تعزية للأمهات اللاتي فقدن أطفالهن لأجل المسيح. (Laetsch, BCJ, 250)

 

18 – لجوءه لمصر وعودته منها:

النبوّة

إتمامها

” لما كان إسرائيل غلاما أحببته ومن مصر دعوت ابني ” (هو11 :1).

 

” فقام واخذ الصبي وأمه ليلا وانصرف إلى مصر. وكان هناك إلى وفاة هيرودس. لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني ” (مت2 :14و15).

تكلم هوشع النبي عن خروج بني إسرائيل من مصر بعد أن تركهم هناك حوالي 210 سنين حتى يحين الوقت المعين حسب المشورة الأزلية لخروجهم من مصر، حيث يقول: ” لما كان إسرائيل غلاما أحببته ومن مصر دعوت ابني ” (هو11 :1).

وهنا استخدمها الوحي الإلهي كنبوّة لعودة المسيح من مصر بعد أن مات هيرودس الذي كان يريد أن يقتله: ” وبعدما انصرفوا (المجوس) إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك. لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه. فقام واخذ الصبي وأمه ليلا وانصرف إلى مصر. وكان هناك إلى وفاة هيرودس. لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني ” (مت2 :12-15).

وهكذا يؤكد لنا الوحي الإلهي أن الله أعلن مسبقاً وجعل أنبياءه يعلنون بروح النبوة عن كل ما يختص بسلسلة نسب المسيح وأمه ومكان ميلاده وما سيحدث وقت ميلاده بكل دقة وتفصيل!!

 

 

1 Bowker, TRL, 122 – Webster, William. “Behold Your King: Prophetic Proofs that Jesus is the Messiah.” Christian Resources Inc. 2003.

2 Fragmentary Targum to the Pentateuch; emphasis added) [Webster (4): 156.

3 Ethridge, TOJ,41

4 The new Bible Dic. P. 1312.

5 Theo. Dic. Of The New Test. Vol. 5:831.

6 أنظر قض 34:11.

7 The New B. Dic. P. 1312.

(3) Chuck Missler, The Creator Beyond Time and Space, Until Shiloh Come.

(5) Chuck Missler, The Creator Beyond Time and Space, Until Shiloh Come.

(6) Ibid.

[8] Stenning, TI, 40.

[9] Minkin, WMM, 63.

[10] Stenning, TI, 148.

نبوات العهد القديم عن ميلاد المسيح تفصيلًا – 18 نبوة من نبوات العهد القديم عن ميلاد المسيح

ميلاد المسيح – متى ولد المسيح؟

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري

الروح القدس يخلق ويُجدّد:

إن كان الروح يستطيع أن يُؤله وأن يهب المخلوقات رتبة أسمى من الخليقة فهو أسمى من حيث الطبيعة، والكرامة، فإذا كان يستطيع أن يؤله النفس، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا وليس إلهًا، طالما أنه يؤله؟

إن كنا نؤمن بأن الله قد أتى إلينا، بواسطة سكنى الروح القدس داخلنا، فكيف يمكن أن يكون (الروح) مخلوقًا؟ لأنه من غير الممكن أن يُقيم الله داخلنا بواسطة مخلوق، إذ أن الله يسمو على الكون (المخلوق). لأنه كما انه بسكنى الله داخلنا، نصبح شركاء الطبيعة الإلهية، وليس شركاء الطبيعة المخلوقة، هكذا فإذا سكن داخلنا مخلوق، فلن نكون بعد شركاء الطبيعة الإلهية، بل شركاء الطبيعة المخلوقة. إذًا فالروح هو إله، طالما أن الله يسكن فينا بالحقيقة من خلاله.

فكل شيء يأتي من العدم إلى الوجود، يعتبر عبد للذي خلقه، ويكون في مكانة الخادم، بينما نحن إذ قد صرنا شركاء الروح القدس وصرنا أحرارًا، وهذا معناه على كل حال أن الروح القدس بحسب طبيعته حر، وليس بمخلوق، ولا عبدًا، كما في حالة الخليقة، بل هو الطبيعة التي هي فوق كل نير وكل حرية.

إن كان الروح يعمل فينا المواهب الإلهية كما يشاء، لأن هذا ما يقوله المطوب بولس: ” الله واحد الذي يعمل الكل في الكل[1]، إذًا فالروح إله، إذ أنه ينبثق من الله بالطبيعة.

والمطوب داود يُرنم لله مخلص الجميع، من اجل كل ما هو موجود على الأرض قائلاً: ” تُرسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض[2]، لكن هذا الذي تجّدد، قد تجّدد هكذا كما كان في البداية، وهذا هو فعل القوة ذاتها، التي أتت به إلى الوجود منذ البدء، وعندما فسد هذا المخلوق، أعادته تلك القوة مرة أخرى إلى حالته الأولى. الروح يُجدد الخليقة، لأن الخليقة لم تُخلق من قِبل مخلوق، وعندما فسدت لم تتجدد بمخلوق، بل من الله. إذًا فالروح القدس إله، ويأتي من الله بحسب الطبيعة.

إن كانت المخلوقات في مجموعها قد خُلقت بنسمة فم الله، كما يُصلي داود[3]، وان كان الروح مخلوق (كما يدّعي البعض)، فليقل لنا هؤلاء الذين يُؤمنون بذلك، إلى أي شيء يستند هذا الإيمان. وإن كان الروح حقًا طبيعة مخلوقة، وهو الذي يُثبت الخليقة، فهذا معناه أن الخليقة تُثبّت نفسها، وليس لها احتياج لله على الإطلاق. لكن حين تؤمن بهذا الكلام، وتتحدث به، فهذا أمر يدعو للدهشة والغرابة، لأننا نتحد بالله عن طريق الروح القدس، وكلام المزمور كلام حقيقي: ” بكلمة الرب صُنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها[4].

إذًا فالروح من طبيعة الله، ويأتي من الله، وعلى أية حال فهو ذو طبيعة مختلفة عن الخليقة، التي تعتمد في وجودها عليه. فذاك الذي هو أسمى من الخليقة، ومن طبيعة مختلفة عن المخلوقات، هو بالتأكيد إله، وليس شيئًا آخر.

روح الحكمة والقوة:

لقد جعلنا الله حكماءً، بل وأقوياءً، عن طريق الابن، بالروح القدس. لأنه يُدعى روح الحكمة، وروح القوة. إذًا كيف يمكن أن يكون روحًا مخلوقًا؟ لأنه لو كان ذلك أمرًا صحيحًا، فمن الواضح أنه لا يوجد شيء يمكن أن يُعوقنا عن أن نفكر على هذا النحو: أن الله حكيم وقوي من خلال المخلوقات، وحكمته حكمه مخلوقة. وفي هذه الحالة يكون الكون هو الذي يضفي جمالاً على الله وليس العكس. لكن أن تؤمن بهذا، أو تقوله فهذا كفر. وبناءً على ذلك فإن الروح إله، وينبثق من الله بحسب الطبيعة، وبواسطته يعطي الله الحكمة للخليقة ويشدّدها. وعن الابن قال المطوب بولس: ” وأما الرب فهو الروح[5]. أيضًا الابن نفسه قال: ” الله روح[6].

إذًا عندما يُدعى الروح القدس بالآب مرةً، وأيضًا بالابن مرة أخرى، فكيف لا يكون واحد في الجوهر معهما؟ كما أن الخليقة في طبيعتها غير مؤلهة. إذًا فإن كان من غير الممكن أن نشترك في طبيعة الله أو نصير شركاء الطبيعة الإلهية، إلاّ فقط من خلال الروح القدس، فكيف يُعتبر الروح خارج الألوهه، ذاك الذي بذاته يجعل أولئك الذين يأتي إليهم، شركاء الطبيعة الإلهية؟

أن نقول بأن الخليقة، أو أي مخلوق من المخلوقات، هو مساو في العمل والقوة مع الله، فهذا يُمثل دليلاً واضحًا على الكفر. لكن لأن الروح القدس له نفس الطاقة أو العمل مع الآب والابن، فمن الواضح أنه إله من إله من حيث طبيعته، حتى أنه يستطيع أن يعمل ما يعمله الله.

والدليل على كل ما يُقال، هو هذا الذي طرحه القديس بولس بكل وضوح، قائلاً: ” فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد. وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل[7]. ولأن الآب يُعطي حياة، والابن أيضًا بنفس القدر يُعطي حياة، الروح القدس هو أيضًا يُحيي. يكتب إذًا المطوب بولس: ” أوصيك أمام الله الذي يُحيي الكل[8]. بل إن الابن نفسه قال: ” خرافي تسمع صوتي وأنا اعرفها فتتبعني وأنا أعطيها حياة أبدية [9].

وأما أن الروح يُحيي، سيُبرهن على ذلك المخلص نفسه بقوله: ” الروح هو الذي يُحيي. أما الجسد فلا يفيد شيئًا. الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة[10]. بل والمطوب بولس يكتب ” وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم[11]. إذًا فذاك الذي يمكنه أن يعمل أعمال مساوية في الكرامة للأعمال التي يعملها الله، هو بالحقيقة إله، ويأتي من الله بحسب الطبيعة.

لقد وبّخ ربنا يسوع المسيح جموع اليهود قائلاً: ” أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أي عمل منها ترجمونني[12]. وأيضًا ” الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال[13]. بل إنه أقر، بأنه بروح الله يُخرج الشياطين.

إذًا طالما أن أعمال الروح هي أعمال الآب، ومن الواضح أنها أعماله هو أيضًا، فكيف يكون من الممكن أن يكون الروح مخلوقًا؟ لأنه لو كان هذا الأمر حقيقي (أى أن الروح مخلوق)، فعندئذ يتمجد الآب من خلال المخلوق، بل والابن يتمجد بالمخلوق، طالما أن المعجزات يصنعها بواسطة الروح، إلاّ أن هذا أمرًا غير معقول. إذًا فالروح إله، وهو من طبيعة الله، طالما أنه يعمل أعمال الآب والابن.

الروح القدس يملأ كل المسكونة:

حين يعرض المطوب بولس للعهد الجديد الذي للمسيح، يعرضه بصورة أكثر مجدًا من العبادة الناموسية، قائلاً: ” إن كانت خدمة الدينونه مجدًا فبالأولى كثيرًا تزيد خدمة البر في مجد[14]. إذًا الناموس كان لخدمة الدينونة، بينما البشارة الإنجيلية كانت لخدمة البر. لكن خدام العهد القديم، الذين أدانهم، كانوا يتحدثون بعبارات مثل ” يقول الرب “، وخدام العهد الجديد، الذين بررهم، قالوا: ” الروح القدس يقول “.

إذًا هل خدام العهد الذين أدانهم أسمى من خدام العهد الثاني (أي الجديد)؟ لأن خدام العهد القديم خدموا بكلام الله، فلو أن الروح القدس هو مخلوق فهذا معناه أن خدام العهد الجديد خدموا بكلام المخلوق. وكيف تكون بعد، خدمة البر في مجد؟ لأنه ما هو الأكثر مجدًا، أن يخدموا بكلام الله أم بكلام المخلوق؟ لكن خدام العهد الأول (القديم) ليسوا أسمى ولا هم أكثر بهاءً من خدام العهد الجديد.

وبناء على ذلك فعندما قالوا إن: ” الروح القدس يقول “، فهم أيضًا يُخدَمون بكلام الله، لأن روح الله، هو إله، ويأتي من الله بحسب طبيعته. أما أن خدمة خدام العهد الثاني (الجديد) هي أكثر بهاءً من خدمة خدام العهد الأول (القديم). فهذا ما أكده المخلص، قائلاً للرسل القديسين: ” الحق أقول لكم إن أنبياء وأبرارًا كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا ” لكن أنتم ” طوبى لعيونكم لأنها تُبصر ولأذانكم لأنها تسمع[15].

وقال لتلاميذه القديسين: ” وتساقون أمام ولاة وملوك من اجلي… فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون لأنكم تُعطَون في تلك الساعة ما تتكلمون به. لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم[16].

أيضًا يقول المطوب بولس: ” إذًا أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم فيّ[17]. إذًا عندما يتكلم المسيح في القديسين، فالروح هو الذي يتكلم، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا ذاك الذي يوجد داخلنا ويتكلم المسيح من خلاله، والذي من الله بحسب الطبيعة، وواحد في الجوهر مع الابن؟ والمطوب موسى قال في سفر التكوين: ” فخلق الله الإنسان على صورته[18]. بل وخالق الجميع قال بفم إشعياء: “ أنا صنعت الأرض وخلقت الإنسان عليها[19].

وطالما أن هذا صواب، فإن المطوب أيوب يقول: ” روح الله صنعني[20]. فإن كان روح الله مخلوقًا، فهذا معناه أننا خُلقنا من مخلوق. وإذا كان كذلك فلماذا يقول الكتاب: ” وجبل الرب الإله ادم ترابًا من الأرض[21]. وبناء على ذلك فمن الأمور الأكثر غرابة أن ننسب مجد الخالق للمخلوق، فالروح خالق، إذًا فهو إله وهو من الله بحسب طبيعته.

فلو أن الأصغر يُبَارك من الأكبر[22]، وفقًا لكلام القديس بولس، ولو أن الخليقة المدركة تتبارك، وتتقدس من الله بواسطة الروح، فإنها تتبارك وتتقدس من ذاك (أي الروح) الذي هو أسمى بحسب طبيعته من كل شيء. وإن كان هذا صحيحًا، إذًا فالروح القدس ليس مخلوقًا. لأن الأكبر لا يتبارك من الأصغر.

 

الروح يُحيي إذ هو الحياة:

فإن كانت المخلوقات تُدرك في مكان محدد، ومن خلال بعض الصفات، وإن كان الروح القدس لا يُدرك هكذا، لأنه مكتوب: ” روح الرب ملأ المسكونة[23]، بل وداود يُرنم قائلاً: ” أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب[24]، فكيف يمكن أن يكون ذاك الذي يملأ المسكونة، مخلوقًا، لأنه بالنسبة للابن، كتب ” الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات لكي يملأ الكل[25]. والآب نفسه قال لليهود في موضع ما ” السموات كرسيّ والأرض موطئ قدميّ أين البيت الذي تبنون وأين مكان راحتي[26]، وأيضًا: ” أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب [27].

وفي موضع آخر قال الله لليهود الذين تحرروا من بابل ” واعلموا فإني معكم … وروحي قائم في وسطكم[28]، أي انه في وسطكم قائم الله بحسب الطبيعة والحقيقة. كيف يمكن أن يُعد مخلوقًا، وليس إلهًا، إنه من الله بحسب الطبيعة، طالما أنه بذاته يحقق الحضور الإلهي؟

مكتوب: “ بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها[29]. والمؤكد أن قوة الخلق تليق بالله، وليس بالمخلوق، فكيف يمكننا أن نتشكك في ذلك؟ لكن لو أن الروح حقًا مخلوق، وهو الذي يثبّت الخليقة، فحينئذٍ تكون الخليقة هى التي تحفظ ذاتها لكي تكون في حالة حسنة، دون أن تحصل أو تأخذ أي شيء من الله لأجل هذا الأمر، وإن كان يجب أن أقول شيئًا غير لائق، فإن الخليقة بهذه الرؤية لها طبيعة سامية، طالما إنها تعمل من تلقاء ذاتها، وبهذا تصير موضع إعجاب لدى المرء.

لكن هذا أمر غريب، لأن الروح يُثبت السموات، ويُشدّد الخليقة. إذًا فهو طبيعة أسمى من الخليقة، إذ هو إله. فإن كان الروح يُحيي، وهو الحياة، وفقًا لكلام المخلص[30]، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا؟ ولهذا فلو لم يكن موجودًا قبلاً، فليس هو حياة، أي لو أنه خُلق مع أشياء أخرى، أي تلك التي أتت للوجود من العدم. إن الكلام عن خلق الروح، بهذه الطريقة هو كلام غير لائق، لأن الروح هو بالحقيقة حياة، ويُحيي. إذًا فهو لم يُخلق، بل كان موجودًا قبل الدهور، لأنه من الله بالطبيعة، وهو إله.

الطبيعة الإلهية غير المائتة، طبيعة بسيطة وغير مركبة، وهى التي تأتي بكل المسكونة إلى الوجود، وتكملّها بالروح. فلو أن الروح القدس هو مخلوق، كما يدّعي المضادون، فستكتمل عندئذٍ أعمال الألوهة عن طريق مخلوق. ولأن الله من جهة طبيعته بسيط، فكيف يمكن لروحه أن يكون مُركبًا؟ لأنه ليس هناك بين المخلوقات ما هو بسيط من حيث طبيعته. نعم، كما قال هؤلاء الذين يشتكون على مجد الروح القدس، الروح القدس هو من الله، ويُقدس الخليقة من الله. لأن المخلص قال عنه: ” يأخذ مما لي[31].

إن ما يُمنح ويأتي من خارج، من آخر، يمكن على أية حال أن يُنزع، وما ليس لنا بالطبيعة، يمكن أن يُفقد. إذًا هل سيفقد الروح القدس ذات مرة قوة التقديس؟ برغم أنه من المؤكد أن له صفة تدل على جوهره، والذي يؤكد على أنه كائن، وليس مجرد رتبه ما، أو امتياز، كما هو الحال بالنسبة للسلطة والعرش، والسيادة. لأن هذه الألقاب لا تعبر عن جوهر هؤلاء الذين يحملونها، بل تُعلن درجة كرامة كل رتبة على حدة. ولكن في الثالوث القدوس اسم الآب والابن والروح القدس، لا يُظهر امتيازًا ما، بل يُوضح ماهية كل واحد من هذه الأسماء.

قدوس بطبيعته:

فإن كان اسم الروح القدس يُعلن عن جوهره، أي يُعلن عن ماهيته من جهة طبيعته (لأنه دُعي قدوس)، فالله قدوس أيضًا[32]، (إذ هكذا تُسبّحه القوات السمائية لا كأنه اكتسب القداسة، بل لأنه قدوس بطبيعته، وبحسب الجوهر)، ولن يكون الروح غريبًا عنه من حيث جوهره. لأنه هو بطبيعته قدوس، طالما أنه يأتي من قدوس، ومتحد بالله القدوس بحسب طبيعته.

هؤلاء الذين يقولون إن الروح القدس مخلوق لا يدركون، إذ هم عميان، أن كل خدمه تتصف بالعبودية، هي اقل أو أدنى من الخدمة الذاتية أو الشخصية. مثلما حدث على سبيل المثال عندما أُعطى الناموس للقدماء، والذي أُخبر به بترتيب ملائكة، وبواسطة موسى، الكامل في الحكمة.

لكن الذي أعلن الناموس قديمًا، هو نفسه أرسل لنا النعمة بواسطة الإيمان. ولهذا فإن خدمة المسيح نفسه هي أكثر مجدًا، من خدمة موسى. إذًا لو أن الروح يُقدسنا كخادم، فمن الذي تقدّس أكثر من قِبل الآب؟ إنه ذاك الذي لا يتقدس، إلاّ عن طريق الروح القدس فقط. إن أعلى وأسمى درجات البركة الإلهية هو التقديس بواسطة الروح. وبناء على ذلك فالروح لا يُقدس الخليقة كعبد، ولا كواهب غريب (عن طبيعة الله)، بل إن الله ذاته بروحه هو الذي يصنع هذا بطريقة ما.

يهبنا شركة الطبيعة الإلهية:

المسيح له المجد يقول في موضع ما: ” إن أحبني احد يحفظ كلامي ويحبه أبي واليه نأتي وعنده نصنع منزلاً[33]. وبأي طريقة يتحقق فينا هذا الوعد، الكلمة الإلهية تعلّمنا ذلك بوضوح. بالحقيقة يقول المطوب يوحنا البشير: ” وبهذا نعرف أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا[34]. والكامل في الحكمة بولس يقول: ” أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم[35]. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا طالما صرنا بواسطته شركاء مع الآب والابن؟ لأنه لم يكن ممكنًا بواسطة مخلوق، أو واحد من الملائكة القديسين، أن نصير شركاء الطبيعة الإلهية. وهكذا فإن الله يوجد داخلنا عن طريق الروح الذي هو إله.

الكتاب يقول، إن الروح القدس كان حاضرًا في شمشون، طالما كان غير حليق الشعر، ثم يقول الكتاب ” الرب قد فارقه[36]، وذلك عندما حلق شعره بطريقة سيئة. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، طالما أنه بطبيعته هو الرب؟ لأن ذاك الذي هو حر، وسيد حقًا، لا ينتسب أو ينتمي للمخلوقات.

عندما قرر ربنا يسوع المسيح أن يصعد إلى السماء، عزى رسله القديسين قائلاً: ” لا أترككم يتامى. إني أتي إليكم[37]. وتمم وعده، وأرسل لنا المعزي من السماء، أو من الأفضل أن تقول، إنه أتى إلينا بواسطة الروح. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، وهو الذي بواسطته تُقيم بيننا الطبيعة غير المخلوقة، “الكلمة” الذي خلق المسكونة؟

الروح القدس واحد في الجوهر مع الآب والابن:

إن الذين يتجرأون على أن يقولوا أو يؤمنوا، بأن الروح القدس مخلوق، يكفرون كثيرًا. لأنه كما أن الإنسان، ليست روحه غريبة عن ماهيته. هكذا فإن الروح ليس غريبًا عن الله بالطبيعة وبالحقيقة، وإن كان يُدرك كموجود بذاته، أي مثل الآب ذاته، وبالطبع مثل الابن، فمن المؤكد انه عندما يكون الروح داخلنا، يكون الابن داخلنا أيضًا، بسبب وحدة الجوهر بينهما ولأن الروح هو روحه بالطبيعة، وهذا ما يؤكده لنا المطوب بولس قائلاً:

الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله. وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح إن كان روح الله ساكنًا فيكم. ولكن إن كان احد ليس له روح المسيح فذلك ليس له. وإن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية. وأما الروح فحياة بسبب البر[38]. إذًا فهو يؤكد أن الروح يُدعى روح الله، ويُشير أيضًا إلى المسيح، بسبب وحدة الجوهر بينهما.

إذًا عندما يوجد المسيح داخلنا، فكيف يمكن أن يكون روحه مخلوقًا، طالما أن الابن من حيث طبيعته هو إله، وواحد في الجوهر مع الآب؟ المطوب بولس، تكلّم عن أولئك الذين يتنبأون في الكنيسة متّبعين النظام الخاص بذلك، أى كل واحد بمفرده، يقول إن مَن ينظر إليهم، يقول إن الله داخلهم بالحقيقة. لكن من جهة هؤلاء الذين يتكلمون بألسنة غير مفهومة، يقول عنهم إنهم لا يُكلمون الناس، بل الله[39].

ها هو إذًا يقول بكل وضوح، إن هؤلاء يتنبأون ملهمين بالروح، والله يوجد داخلهم، وان هؤلاء الذين يتكلمون بلسان غير مفهوم، يتحدثون مع الله[40]. إذًا فالروح القدس هو إله.

كل شيء مخلوق، هو على كل الأحوال اقل من سمو الله، ويأتي في مرتبة أقل بكثير من المجد الأسمى. لأنه لا يمكن أبدًا لمَن هو عبد، أن يكون له نفس استحقاقات السيد، ولا المخلوق له نفس استحقاق الخالق أو نفس القيمة مع الخالق.

وبناء على ذلك فإن إله الجميع يُبرر أولئك الذين يخطئون، مادام له السلطان على غفران الخطايا. بل والروح القدس أيضًا يُبرر بنفس الدرجة. لأن القديس بولس يقول:” لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا [41]. إذًا طالما أن الروح يُبرر بنفس القدر مع الله، فكيف لا يكون واحدًا معه في الجوهر؟ لأن المخلوق لا يمكن أن يبررنا. ذلك الذي له نفس القدرة مع الله الآب، هو على كل الأحوال واحد في الجوهر معه. إذًا مادام الله الآب مُحيي، فإن الروح القدس وبنفس القدر هو روح مُحيي.

أو من الأفضل أن نقول إن الآب يُحييّ بواسطة الروح القدس. هذا ما يؤكده القديس بولس وهو يكتب لتلميذه تيموثاوس: ” أوصيك أمام الله الذي يُحيّ الكل والمسيح يسوع… أن تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم [42].

لكن في موضع أخر يقول: ” وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائته أيضًا بروحه الساكن فيكم[43]. إذًا من المؤكد أن الله الآب يُعطي حياة للأموات، كما قلت، لكنه يعطيهم هذه الحياة بواسطة الروح القدس. إذًا كيف يكون مخلوقًا؟ فالآب لا يُعطي حياة عن طريق مخلوق، بل بالروح القدس الذي هو واحد معه في الجوهر.

قال الله ذات مرة لموسى: ” من صنع للإنسان فمًا؟ أو من يصنع اخرسًا أو أصمًا أو بصيرًا أو أعمى؟ أما هو الرب؟ فالآن اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به[44]. بل أيضًا ربنا يسوع المسيح وعد رسله القديسين، عندما كانوا يذهبون إلى ولاة، أنه سيعطيهم فمًا وحكمة[45].

أيضًا كُتب في سفر أعمال الرسل: ” وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا[46]. إذًا ها هو مرة أخرى يُعطي فمًا للإنسان، وبنفس الطريقة يُعطيه الروح القدس أيضًا. إذًا فذاك الذي له نفس الطاقة والقوة، والسلطة مع الله بالطبيعة، كيف لا يكون واحدًا معه في الجوهر وليس مخلوقًا؟

فإن كان يُسجد لطبيعة واحدة للثالوث القدوس الواحد في الجوهر، كيف يكون الروح القدس مخلوقًا؟ لأنه لا يكون ثالوثًا بعد، وكمال الثالوث سيكون ناقصًا، إن كان الروح القدس يُحصى مع المخلوقات، وإن كان المطوب بولس يعد الروح القدس مع الآب والابن بالضرورة. لأنه يكتب لأهل كورنثوس قائلاً: ” نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم[47]. لأنه لا يُصلي لأجل الذين امنوا، لكي يصيروا شركاء لمخلوق، بل لكي يتقدسوا مشتركين في الطبيعة الإلهية.

يقول النبي المطوب إشعياء: ” رأيت السيد جالسًا على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل. السيرافيم واقفون … وهذا نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس[48]. ثم يُضيف ” ثم سمعتُ صوت السيد قائلاً من أُرسل؟ ومن يذهب من اجلنا؟ فقلت هاأنذا أرسلني فقال اذهب وقل لهذا الشعب اسمعوا سمعًا ولا تفهموا وأبصروا إبصارًا ولا تعرفوا[49]. لكن المطوب بولس يقول أن هذا الكلام يأتي من الروح القدس.

وقد كُتب في سفر الأعمال ما يلي عن الروح القدس، في إشارة لليهود ” فانصرفوا وهم غير متفقين بعضهم مع بعض لما قال بولس كلمة واحدة انه حسنًا كلّم الروح القدس آبائنا بإشعياء النبي. قائلاً اذهب إلى هذا الشعب وقل ستسمعون سمعًا ولا تفهمون وستنظرون نظرًا ولا تبصرون[50]. إذًا حين تكلم رب الصباؤوت، كان الروح القدس هو المتكلم، فكيف يكون مخلوقًا؟ هذا الرأى (بأن الروح مخلوق) ليس له أية علاقة بالحقيقة. بل هو روح رب الصباؤوت وهو واحد معه بالطبيعة، وتكلّم بما لله.

وعندما يقول الله الآب: ” أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب[51]، بل والمطوب بولس يكتب عن الابن قائلاً: ” الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات[52]، وهذا الذي يملأ المسكونة هو الروح، لأنه مكتوب: ” روح الرب ملأ المسكونة[53]، إذًا فالروح القدس ليس غريبًا عن طبيعة الله الآب، ومن المؤكد أنه ليس غريبًا عن طبيعة الابن، بل إن حفظ الخليقة يتم من الآب بالابن في الروح القدس، الذي هو فوق الخليقة. لأن الخليقة لا تشترك في ذاتها، بل هي تشترك في ذاك الذي هو بحسب الطبيعة فوق الخليقة، أي الله بواسطة الروح.

الروح يُدعى ربًا وإلهًا:

المطوب إشعياء قال ذات مرة للإسرائليين: ” كبهائم تنزل إلى وطاء روح الرب أراحهم. هكذا قدت شعبك لتصنع لنفسك اسم مجد[54]، وموسى أيضًا يقول في سفر التثنية: ” هكذا الرب وحده اقتاده وليس معه إله أجنبي[55]. إذًا ها هو الروح القدس، يُدعى الرب وبوضوح، ويدعى إلهًا وليس غريبًا. أما لو كان مخلوقًا وغريبًا عن طبيعة الله، فلن يكون له المجد الحقيقي، وسيكون إلهًا غريبًا. إلاّ أنه من غير اللائق أن تؤمن بهذا وان تقوله. لأنه دُعي ربًا وإلهًا، وليس غريبًا. إذًا فهو إله وهو من الله بحسب الطبيعة.

وأما أن الروح هو رب وإله، فهذا ما سنعرفه أفضل من خلال كلمات نشيد موسى، لأنه قال: ” اذكر لا تنسى كيف أسخطت الرب إلهك في البرية[56]. والمطوب إشعياء يقول: ” في كل ضيقهم تضايق. وملاك حضرته خلّصهم. بمحبته ورأفته هو فكهم ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة. ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه. فتحول لهم عدوًا وهو حاربهم[57]. إذًا ها مرة أخرى، بينما يقول الكامل في الحكمة موسى “أسخطت الرب إلهك”، يقول إشعياء النبي إن الروح حزن. لأنه ليس غريبًا عن الرب، وروحه هو بحسب طبيعة الله، أي قدوس.

وهؤلاء الذين لهم إيمان مستقيم، يقولون إن الروح القدس إله. لأنه مكتوب، أن روح الله جبلني. أما الذين لهم رؤية ملتوية، ويقولوا إن الروح مخلوق، فقد اظهروا بدعًا كثيرة بطرق مختلفة، وقالوا، نعم الروح يُدعى (لاهوت)، ليس لأنه هو بالحقيقة من الله، أو لأنه إله، بل أنه هكذا مثلما يمكن أن يُقال عن الإنسان أنه إلهي. وفي هذا الشأن نقول الأتي: إن المطوب بولس دعا إله الجميع، لاهوت، فقد كتب إلى أهل أثينا، قائلاً:

” فإذ نحن ذرية الله لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعه أو اختراع إنسان”[58]. قائلاً “اللاهوت” بدلاً من “الله”. بل في رسالته إلى أهل رومية، يكتب عن الله: ” لأن أمور غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركه بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر[59]. إذًا فإن ما يقوله المعارضون، إن الروح القدس يُدعى (لاهوت)، مثلما يمكن لأحدنا أن يُدعى إنسانًا إلهيًا أو من طبيعة إلهية، يعتبر كلامًا باطلاً.

يقول ربنا يسوع المسيح: ” إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي[60]. ثم بعد ذلك يُضيف المطوب يوحنا البشير: ” قال هذا عن الروح القدس الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه[61].

إذًا فالروح حيّ، وفقًا لكلام المخلص. لكننا نرى أن إله الجميع يقول بفم إرميا أيضًا: ” أبهتي أيتها السموات من هذا واقشعري وتحيري جدًا يقول الرب. لأن شعبي عمل شَرّين. تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لأنفسهم أبارًا مشققة لا تضبط ماء[62]. إذًا عندما يُسمي إله الجميع نفسه “ينبوع المياه الحية”، ويُسمي الروح القدس “ماء حيّ”، كيف لا يكون إلهًا بالطبيعة، ذاك الذي له مع الله نفس الطاقة المحييّة؟

يكتب المطوب بولس: ” تطلبون برهان المسيح المتكلم فيّ[63]. وربنا يسوع المسيح نفسه، يتوجه إلى رسله القديسين قائلاً: ” لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم[64]. إذًا طالما أنه عندما يتكلم المسيح، يتكلم الروح، فكيف يمكن أن يكون روح الكلمة الذي خلق المسكونة، مخلوقًا؟ لأن: ” كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان[65]. لكن ذاك الذي خلق كل المسكونة، هو على كل الأحوال مُختلف بحسب طبيعته عن كل الأشياء، ويتميز عن الخليقة لأنه إله.

وأما أن الروح القدس إله، وينبثق من الله بالطبيعة، فهذا ما يُعلمنا إياه المطوب بطرس قائلاً: ” لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس وتختلس من ثمن الحقل… أنت لم تكذب على الناس بل على الله[66]. إذًا طالما أن الذي يكذب على الروح القدس يكذب على الله، فكيف لا يكون الروح إلهًا بطبيعته؟

المطوب بولس دعا نفسه عبدًا ليسوع المسيح، والمدعو رسولاً، وقال أنه تعيّن لخدمة إنجيل الله[67]. وأيضًا يُعلن نفس الأمر بطريقة أخرى، عندما كتب عن الله ” الذي جعلنا لأن نكون خدام عهد جديد لا الحرف بل الروح[68]. إذًا طالما أنه يُسمي إنجيل الله، عهد الروح، الذي تعيّن لخدمته، فكيف لا يكون الروح القدس إلهًا؟

يقول أيضًا: ” لأنه من عرف فكر الرب فيُعلمه. وأما نحن فلنا فكر المسيح[69]. إذًا عندما يُدعى (أي الروح)، فكر المسيح، فكيف يكون واحدًا من المخلوقات، طالما أن الطبيعة الإلهية غير المائتة، لا تقبل أن يكون فيها شيئًا من تلك الأمور التي هي خارج جوهرها؟

يكتب الرسول بولس إلى أهل غلاطية، قائلاً: ” يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضًا حتى يتصور المسيح فيكم[70]. إذًا طالما أن المسيح يتصور داخلنا، ويُعيد صياغتنا على شبهه بعمل الروح، ويجعلنا روحيين بواسطة كل فضيلة، إذًا فروح المسيح هو إله. وقد ورد في الأناجيل، أن شخصًا أتى إلى ربنا يسوع المسيح وقال له: ” أيها المعلم الصالح “. أجابه المسيح وقال له: ” لماذا تدعوني صالحًا. ليس احد صالحًا إلا واحد وهو الله[71].

إذًا بينما يقول المسيح، إن الصالح بالحقيقة وبحسب الجوهر هو واحد، يقول المرنم ” روحك الصالح يهدي في ارض مستوية[72]. إذًا فبما أن الصالح هو واحد، والروح هو صالح، فمن الواضح جدًا أن الروح من طبيعة الله، المتحقق فيها الصلاح.

المطوب بولس حدد النواميس من جهة المرأة، قائلاً: ” المرأة مرتبطة بالناموس مادام رجلها حيًا. ولكن إن مات رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تُريد في الرب فقط. ولكنها أكثر غبطة إن لبثت هكذا بحسب رأيي وأظن إني أنا أيضًا عندي روح الله[73]. إذًا ما هي النتيجة التي نخرج بها من هذا؟ النتيجة هي إن كان يليق بالله وحده أن يُشرّع، لكن بولس أيضًا يُشرّع، لأن عنده روح الله، إذًا فالروح الذي في داخله هو إله، والذي يُقنعه أن يُحدد النواميس أيضًا.

الروح هو الحق:

في الأناجيل يقول المخلص عن نفسه في موضع ما: ” أنا هو الحق[74]. بل والمطوب يوحنا يساوي بين الروح وبين الآب والابن من جهة الجوهر، ويقول: “روح الحق الذي من عند الآب ينبثق[75]. بينما في رسالته الأولى يقول: ” الروح هو الحق[76]. إذًا فذاك الذي ينبثق من الآب، وهو روح الحق، وله كل هذا القدر من التساوي مع الابن، بسبب وحدة الجوهر، حتى أنه يُدعى أيضًا “الحق”، كيف يكون مخلوقًا؟ هذا كلام غير لائق. إذًا الروح هو إله، طالما أنه “الحق” وينبثق من الآب.

ناموس موسى يفرض عقابًا لا مفر منه على أولئك الذين يجدفون على الله. هكذا أعطى الله أمرًا أن يُرجم ابن الإسرائيلية في البرية، من كل الجماعة. لأنه أورد اسمه، كما هو مكتوب، وتجرأ أن يقول عليه شيئًا ممنوعًا[77]. بل إن ربنا يسوع المسيح ذاته، يصون كرامة الطبيعة الإلهية، قائلاً: ” من قال كلمة على ابن الإنسان يُغفر له. وأما من قال على الروح القدس فلن يُغفر له لا في هذا الدهر ولا في الآتي[78].

فإن كان الروح مخلوقًا، وليس واحد مع الله في الجوهر، ولم يكن إلهًا مع الآب والابن، فكيف يكون التجديف عليه، يحمل هذا القدر الكبير من العقاب، الذي يُعاقب به الذين يجدفون على الله؟ إذًا من الواضح أنه إله، وينبثق من الله، وهو مع الله ويُكرّم في الكتب المقدسة كإله، وهو هكذا بحسب الطبيعة.

فإن كان كما يقول المخلص: ” المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح[79]. إذًا فالروح بحسب الطبيعة إله، الذي يلد القديسين مرة ثانية، باتحادهم مع الله، بأن يسكن فيهم، ويجعلهم شركاء في طبيعته. وهذا الذي هو قديس بسبب الشركة (مع الروح)، يُشبه إناءً للقداسة قد أصبح يمتلكه (الروح)، بينما هو قائم بطبيعته كإنسان.

إذًا فليقولوا لنا هؤلاء الذين يتجرأون على القول، إن الروح قدوس بسبب شركته مع الله الآب، وليس بحسب طبيعته، مَن هو الروح في ذاته، بعيدًا عن الآب والابن. لكننا لم نسمع شيئًا أخر من الكتب المقدسة. إذًا فهو قدوس ليس عن طريق الشركة، بل لأنه قدوس بحسب طبيعته وجوهره، ولكي أتكلم عنه أقول إنه فعل الألوهة الذي لله الآب، مثل الحلاوة لعسل النحل، ومثل الرائحة الذكية للأزهار.

كتب القديس بولس إلى أهل رومية عن المسيح مخلصنا يقول: ” وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات. يسوع المسيح ربنا[80].

قوة الله تستعلن بالروح:

إذًا إن كان قد قام من الأموات، وبقوة الروح القدس المحييّة قد فك قيود الموت، وتعيّن المسيح حقًا ابن الله، وهو كذلك، فلا يمكن أن يكون مخلوقًا ذاك الذي بواسطته صار إعلان القوة الإلهية، أي الروح، لكي لا يظهر أن المسيح قد تعين بطريقة ما، بواسطة مخلوق، بل بالأحرى استخدم قوته، تلك التي للروح الواحد في الجوهر. ويقول: ” إذ أُخضعت كل الخليقة للبطل. ليس طوعًا بل من اجل الذي أخضعها على الرجاء[81]. إذًا لو أن الروح القدس مخلوق، فيلزم أن نعترف بالضرورة أن الروح أيضًا خضع للبطل، ويئن مع الخليقة ويتمخض، والآن هو يوجد كما لو كان في حالة عبودية، وسيتحرر لكي يصل إلى حرية مجد أولاد الله[82].

ويقول أيضًا القديس بولس في حالة أخرى: ” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب[83]. فلو كان الروح القدس عبدًا، كمخلوق، فكيف نصرخ به “يا أبا الآب”؟ لكنه حرر الذين حل فيهم من العبودية، وبالأحرى جعلهم أبناءً أحرارًا، مُظهرًا إياهم شركاءً في طبيعته. فذاك الذي ليس بمخلوق، والذي لا ينتمي لنظام أو طبقة العبيد، هو خاص بالجوهر الإلهي في كل الأحوال.

وعن الإنجازات أو العطايا التي صارت من مخلصنا لمنفعة الأمم، بواسطة الروح، يفتخر الرسول بولس قائلاً: ” فلي افتخار في المسيح يسوع من جهة ما لله. لأني لا أجسر أن أتكلم عن شيء مما لم يفعله المسيح بواسطتي لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل. بقوة وآيات وعجائب بقوة روح الله[84].

إذًا طالما أن المسيح يصنع الآيات والعجائب بواسطة بولس، بقوة الروح القدس، كطاقة طبيعية وحية، وكفعل لألوهية الابن، فكيف يكون ذاك الذي هو في الله، وينبثق من الله بطريقة طبيعية، مخلوقًا؟ وكيف يكون مخلوقًا ذاك الذي بقوته يعمل الابن (في القديسين)، الأمر الذي يعد كفرًا بمجرد النطق به؟ يُعلّم القديس بولس عن الكرازة المخلّصة، أنها لا تحتاج إلى الكلمة القاسية أو المفزعة، إذ يكتب في رسالته إلى أهل كورنثوس: ” وأنا كنت عندكم في ضعف وخوف ورعدة كثيرة. وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح والقوة. لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله[85].

ها هو يسمى برهان الروح، أي عمل الروح، قوة الله. لأنه من الله ومع الله، الروح يصنع كل شيء بطريقة طبيعية، كيف إذًا يكون مخلوقًا، ذاك الذي هو واحد في الجوهر مع الله، والذي يُعرف أو يُستعلن لنا على قدر استيعابنا، كما لو كنا ننظر في مرآه في لغز[86].

أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله[87]. إذًا عندما نصير مسكن وهيكل لله، بسكنى الروح القدس فينا، فكيف لا يكون للروح طبيعة إلهية، وكيف سيُحصى بين المخلوقات، في اللحظة التي يتضح فيها، أنه لا يوجد بين الأشياء المخلوقة، ما يُقال عنه أنه يسكن في هيكل كإله، بل إن هذه الصفة مع صفات أخرى، هي الخاصية التي تُُميز الطبيعة الإلهية وحدها؟

فبكل سرور افتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل علىّ قوة المسيح[88]. فإن كان الروح هو الذي يحل ويسكن فينا، ومن خلاله يسكن المسيح فينا، إذًا فالروح القدس هو قوة المسيح. وإن كان الأمر هكذا، فكيف يكون مخلوقًا مَن هو بالطبيعة كائن في الابن؟ ويمكنهم أيضًا أن يقولوا إن الله الكلمة الذي ليس فيه ازدواجية أو ثنائية، هو مُركب من اثنين، أى من طبيعة مولودة ومن طبيعته الذاتية (الإلهية).

لكن إن كان كل هذا هو أمر غير لائق، فإن الروح ليس مخلوقًا، لكنه من الجوهر الإلهي غير المُدرك، كقوة له، وبمعنى ما كطاقة طبيعية. والرسول بولس يتكلم عن المسيح مخلّصنا، فيقول: ” الذي فيه أيضًا انتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم الذي فيه أيضًا إذ أمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتني لمدح مجده[89].

يوزع المواهب الإلهية:

فإن كنا قد خُتمنا بالروح القدس، وأُعيد تشكيلنا لله، فكيف يمكن اعتبار الذي بواسطته حُفرت في داخلنا أيقونة الجوهر الإلهي، وبقيت فينا علامات الطبيعة غير المخلوقة، مخلوق؟ لأن الروح بالطبع عندما يكون محددًا للصورة فقط فهو لا يرسم فينا جوهر الله، لو أنه كان مختلفًا عن جوهر الله، ولا بهذه الطريقة يقودنا لنصير على شبه الله.

ولكن هذا ما يحدث، فهو لأنه إله وينبثق من الله، لذلك ينطبع في قلوب أولئك الذين قبلوه كختم كما على شمع، وبالشركة معه، والتشبه به، تُستعلن الصورة مرة أخرى، في الطبيعة بحسب جمالها الأول. إذًا كيف يكون مخلوقًا، ذاك الذي بواسطته تتجلى الطبيعة، بأن تصير لها شركة مع لله؟ ” تعقلوا واصحوا للصلوات. ولكن قبل كل شيء لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا. كونوا مُضيفين بعضكم لبعض بلا دمدمة. ليكن كل واحد بحسب ما أخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعض كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة [90].

لاحظ من فضلك أنه بينما يوزع الروح القدس المواهب الإلهية، ويقسّمها لكل قديس، بسلطان وكما يُريد، فإن القديس بطرس يؤكد بكل ثقة أن أنواع هذه النعمة، والهبات تصير من الله، وأن الروح ليس غريبًا عن الطبيعة الإلهية. إذًا طالما أن القديس بطرس يدعو الروح، إلهًا، فكيف لا يكون كافرًا ومختل العقل من يجعله في عداد المخلوقات، ويتجرأ ويخاطر بأن يناقض بشارة الرسل القديسين؟

من هو الذي يغلب العالم إلاّ الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله هذا هو الذي أتى بماء ودم يسوع المسيح. لا بالماء فقط بل بالماء والدم. والروح هو الذي يشهد لأن الروح هو الحق. فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد. والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم واحد. إن كنا نقبل شهادة الناس فشهادة الله أعظم لأن هذه هي شهادة الله التي شهد بها عن ابنه[91].

لاحظ إذًا مرة أخرى، أن الكارز بالحقيقة، يُسمي الروح، إلهًا، ومنبثقًا من الله بالطبيعة. لأنه قال، إن الروح هو الذي يشهد، ويتقدم قليلاً، قائلاً: ” شهادة الله أعظم “. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، وهو منبثق من الله بالطبيعة، ومُتمم للثالوث القدوس؟

يعيد ولادتنا للخلاص:

أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس[92]. من حيث إنه يستطيع أن يخلق، فهذا أمر يتعلق بالطبيعة الإلهية وحدها، وهذا الأمر بالإضافة إلى جوانب أخرى، يؤكد على ما للروح القدس من رتب إلهية موقرة، ومتميزة تمامًا، وأن الروح الإلهي يخلق داخل هيكل العذراء، وفقًا للكتب، إذًا من يقول أن الروح مخلوق، ألا يُعد هذا كفرًا وهوسًا؟

لأنه يوجه إتهامًا للجوهر الاسمي من كل شيء، ويتدني به، ويحسبه في عِداد المخلوقات، والتي هى حديثة العهد في وجودها، وليس منذ البدء. لكن الله بالنسبة لنا، ليس حديث العهد، بحسب ما كُتب في المزامير[93]. إذًا لم تخلق الطبيعة الإلهية النقية، لكن بالأحرى هي موجودة منذ البدء. فإن كان الأمر هكذا، فكيف يمكن أن يقال إن الروح القدس، الروح الإلهي، قد خُلق، بينما هو موجود في الله الآب؟

وأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله[94]. فإن كان الروح هو الذي يُعيد ولادتنا للخلاص بالإيمان بالمسيح، حتى أنه بواسطته نصير مولودين من الله، فكيف يكون ممكنًا ألا يكون الروح إلهًا؟ بل إننا نحن الذين آمنا، قد صرنا مولودين من الروح. وهذا ما أكده المخلص لنيقوديموس قائلاً: ” الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب.

هكذا كل من ولد من الروح[95]. ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أن إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي[96]. فإن كان الروح القدس ينبثق من الله الآب، وواحد معه في الجوهر، وإن كان الآب غير مولود ولا مخلوق، فكيف يمكن أن يكون الروح الذي ينبثق من الآب، مولودًا؟ وكيف صرنا نحن هيكل الله، بسكنى الروح القدس، إن لم يكن إلهًا؟

 

[1] 1كو 12: 6.

[2] مز 4: 1- 30.

[3] مز 32: 6.

[4] مز 32: 6.

[5] 2كورنثوس 3: 17.

[6] يوحنا 4: 24.

[7] 1كو 12: 7.

[8] 1تيمو 6: 13.

[9] يوحنا 10: 27 – 28.

[10] يوحنا 6: 63.

[11] رو 8: 11.

[12] يوحنا 10: 32.

[13] يوحنا 14: 10.

[14] 2كورنثوس 3: 9.

[15] متى 13: 17,16.

[16] متى 10: 19 – 20.

[17] 2كورنثوس 13: 3.

[18] تك 1: 27.

[19] أش 45: 12.

[20] أيوب 33: 4.

[21] تك 2: 7.

[22] عب 7:7.

[23] حكمة سليمان 1: 7.

[24] مز 139: 7.

[25] أف 4: 10.

[26] أش 66: 1.

[27] أر 23: 24.

[28] حجي 2: 4 – 5.

[29] مز 33: 6.

[30] يوحنا 6: 36.

[31] يوحنا 16: 15.

[32] أش 6: 3.

[33] يوحنا 14: 23.

[34] 1يوحنا 3: 24.

[35] 1كو 3: 16.

[36] قض 16: 20.

[37] يوحنا 14: 18.

[38] رو 8: 8 – 10.

[39] 1كو 14: 23 – 26.

[40] 1كو 2: 1.

[41] 1كو 6: 11.

[42] 1تيمو 6: 13 – 14.

[43] رو 8: 11.

[44] خر11:4.

[45] متى 10: 19 – 20.

[46] أعمال الرسل 2: 2 – 4.

[47] 2كورنثوس 13: 14.

[48] إش 6: 1 – 3.

[49] إش 6: 8 – 9.

[50] أعمال الرسل 28: 25 – 26.

[51] أر 23: 24.

[52] أف 4: 10.

[53] حكمة سليمان 1: 7.

[54] أش 63: 14.

[55] تث 32: 12.

[56] تث 9: 7.

[57] أش 63: 9 – 10.

[58] أعمال الرسل 17: 29.

[59] رو 1: 20.

[60] يوحنا 7: 37 – 38.

[61] يوحنا 7: 39.

[62] أر 2: 12 – 13.

[63] 2كورنثوس 13: 3.

[64] متى 10: 20.

[65] يوحنا 1: 3.

[66] أعمال الرسل 5: 4.

[67] رو 1: 1.

[68] 2كورنثوس 3: 6.

[69] 1 كو 2: 16.

[70] غل 4: 19.

[71] متى 19: 16.

[72] مز 143: 10.

[73] 1كو 7: 39 – 40.

[74] يوحنا 14: 6.

[75] يوحنا 15: 26.

[76] 1يوحنا 5:7.

[77] لا 24: 10 – 23.

[78] متى 12: 32.

[79] يوحنا 3: 6.

[80] رو 1:4.

[81] رو 8: 20.

[82] رو 8: 21.

[83] رو 8: 15.

[84] رو 15: 17 – 19.

[85] 1كو 2: 3 – 5.

[86] 1كو 13: 12.

[87] 1كو 6: 19.

[88] 2كورنثوس 12: 9.

[89] أف 1: 13 – 14.

[90] 1بط 4: 7 – 10.

[91] 1يوحنا 5: 5 – 9.

[92] متى 1: 18.

[93] مز 81: 7.

[94] يوحنا 1: 12 – 13.

[95] يوحنا 3: 8.

[96] يوحنا 15: 26.

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم

كتاب لا إله إلا واحد – الله أم المسيح؟ – نبيل قريشي – ترجمة: مريم عزرا No God but One: Allah or Jesus

كتاب لا إله إلا واحد – الله أم المسيح؟ – نبيل قريشي – ترجمة: مريم عزرا No God but One: Allah or Jesus

كتاب لا إله إلا واحد – الله أم المسيح؟ – نبيل قريشي – ترجمة: مريم عزرا No God but One: Allah or Jesus

كتاب لا إله إلا واحد – الله أم المسيح؟ – نبيل قريشي – ترجمة: مريم عزرا No God but One: Allah or Jesus

للقراءة أيضًا: كتاب طلبت الله فوجدت يسوع – نبيل قريشي – ترجمة: مريم عزرا Seeking Allah, Finding Jesus

للمساهمة في استمرار خدمة فريق اللاهوت الدفاعي وفي تطوير خدماته:

https://www.patreon.com/difa3iat

يمكنكم المساهمة عن طريق أي فيزا/ماستر كارد أو أي أكونت باي بال، كما يمكن المساهمة لمرة واحدة فقط أو تحديد مبلغ شهري (برجاء ألا يزيد المبلغ عن 5$ = 80 جنية مصري).

[اضغط هنا للقراءة والتحميل]

كتاب لا إله إلا واحد – الله أم المسيح؟ – نبيل قريشي – ترجمة: مريم عزرا No God but One: Allah or Jesus

Exit mobile version