نبوات العهد القديم عن ميلاد المسيح تفصيلًا (18 نبوة)

نبوات العهد القديم عن ميلاد المسيح تفصيلًا – 18 نبوة من نبوات العهد القديم عن ميلاد المسيح

نبوات العهد القديم عن ميلاد المسيح تفصيلًا – 18 نبوة من نبوات العهد القديم عن ميلاد المسيح

صور عيد الميلاد 2024 Christmas Pictures

 

حددت نبوات العهد القديم، وبكل دقة، أنساب المسيح الذين تناسل منهم من آدم وحتى داود النبي، كما حددت ميلاده من عذراء ومكان ميلاده في بيت لحم، وحددت، وبكل دقة، زمن مجيئه وتجسده وصلبه (قطعه حسب تعبير الملاك جبرائيل لدانيال النبي)، سواء بالحكم الذي سيتجسد في زمنه أو بعدد سنوات محددة تبدأ من تاريخ معلوم وتنتهي بتاريخ معلوم وترتبط بأحداث معلومة لم يخطئها لا علماء اليهود (الراباي – الرابيين – Rabbi) ولا آباء الكنيسة المسيحية وعلمائها، من بعدهم، بل عرفها علماء اليهود وعلى ضوئها انتظروه وكانوا متوقعين مجيئه أثنائها، كما سنبين حالا من أقوال علماء اليهود (الربيين):

1- مجيئه كنسل المرأة:

النبوّة

إتمامها

” فقال الرب الإله للحيّة لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية. على بطنك تسعين وترابا تأكلين كل أيام حياتك. وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه ” (تكوين 3: 14و15).

 

” ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس ” (غل4: 4).

” وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع … الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو1 :34و35).

وعبارة ” نسلها =  seed (offspring) “، في النبوّة تشير إلى نسل يأتي من المرأة فقط دون مشاركة من الرجل، أي من عذراء وبدون زرع بشر، كما تنبأ بذلك اشعياء النبي، بعد ذلك (اش7 :14). حيث تقول النبوّة أن نسل المرأة سيولد، فقط، من المرأة من دون الرجل، وهذا النسل هو الذي سيسحق رأس الحية، والحية هي إبليس نفسه؛ فيقول القديس بولس: ” ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة مولودا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني ” (غل4 :4و5).

ويشرح عملية التجسد بقوله: ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفا من الموت كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية ” (عب2 :14و15). ويقول القديس يوحنا: ” من يفعل الخطية فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطئ. لأجل هذا أظهر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس ” (1يو3 :8)

ويشرح لنا الإنجيل القديس متى كيفية الحبل بالمسيح من المرأة، العذراء، من دون الرجل، وبدون زرع بشر، فيقول بالروح: ” أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان بارا ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سرّا. ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك. لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس ” (مت1 :18-20).

كما يقدم لنا سفر الرؤيا وصفا تصويرياً لتطبيق هذه النبوّة في شخص الرب يسوع المسيح، فيقول: ” وظهرت آية عظيمة في السماء امرأة (إسرائيل = العذراء مريم) متسربلة (مُلتَحِفَةٌ) بالشمس (المسيح شمس البر) والقمر تحت رجليها وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبا (أسباط إسرائيل) وهي حبلى (بالنبوات والمسيح) تصرخ متمخضة (مِن أَلَمِ المَخاض) ومتوجعة لتلد. وظهرت آية أخرى في السماء.

هوذا تنين عظيم احمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى رؤوسه سبعة تيجان. وذنبه يجر ثلث نجوم السماء فطرحها إلى الأرض. والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتى يبتلع ولدها متى ولدت. فولدت ابنا ذكرا عتيدا أن يرعى جميع الأمم بعصا من حديد. واختطف ولدها إلى الله والى عرشه … فطرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان (الَّذي يُقالُ لَه إِبْليسُ والشَّيطان) الذي يضل العالم كله طرح إلى الأرض وطرحت معه ملائكته. وسمعت صوتا عظيما قائلا في السماء الآن صار خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه لأنه قد طرح المشتكي على أخوتنا الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهارا وليلا ” (رؤ12 :1-10).

والمرأة المتسربلة بالشمس هنا هي رمز لمملكة إسرائيل التي كانت تحمل نبوات العهد القديم وسيأتي منها المسيح المنتظر، شمس البر ” شمس البرّ والشفاء في أجنحتها ” (ملا4 :2)، كما ترمز للعذراء التي تجسد منها الرب يسوع المسيح وولدته، والتنين هو الشيطان أو الحية القديمة الذي سحقه المسيح وطرده من السماء، كقول الكتاب: ” واله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعا ” (رو16 :20)،

 وقد أكد علماء اليهود (الراباي – Rabbi)، خاصة في ترجوم يوناثان المنحول وترجوم أورشليم، أن هذه النبوة، نبوة نسل المرأة، خاصة بالمسيح المنتظر، ويسبقها ما جاء في (تك1 :2) ” وروح الله يرف على وجه المياه “، والتي ربطوها بقول النبوة في اشعياء عن المسيح ” ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب ” (اش11 :2)، وقالوا أن روح الله يتحرك على وجه عمق التوبة. ويقولون أنها روح الملك المسيا. كما يربطون نبوة نسل المرأة بما جاء (راعوث4 :18) ” وهذه مواليد فارص. فارص ولد حصرون “. ويركزون على فارص باعتباره أحد أجداد المسيح من راعوث الموآبية لدرجة أن سفر راعوث له كتاب كبير يسمى مدراش راعوث.

 ويقول ترجوم يوناثان (Jonathan Ben Uzziel): ” الملك المسيا (المسيح) الذي جرح ليشفي “، ويربط الرابي ديفيد كيمي (rabbi David Kimchi) هذه البنوة بالمسيح الذي من نسل داود ويقول: ” أنت جلبت الخلاص لشعبك بالمسيا (المسيح)، بيد ابن داود الذي سيجرح الشيطان الذي هو رأس وملك وأمير الشر “.

وفي مدراش شيموت راباه (Shemot Rabbaa 30) يوضح أن مجيء المسيح من فارص من سبط يهوذا بعد سقوط الإنسان وفساد كل الشعوب سيصحح حالة الإنسان النهائية ويدمر الموت للأبد، كما قال القديس بولس: ” آخر عدو يبطل هو الموت ” (1كو 15 :26)، وما جاء في رؤيا ” وسمعت صوتا عظيما من السماء قائلا هوذا مسكن الله مع الناس وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعبا والله نفسه يكون معهم إلها لهم.

وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم والموت لا يكون فيما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد لان الأمور الأولى قد مضت ” (رؤ21 :3و4)، فيقول ” هذا هو تاريخ فارص وله مغزى عميق (…) عندما خلق روح الله عالمه، لم يكن هناك ملاك الموت بعد (…)، ولكن عندما سقط آدم وحواء في الخطية، فسدت كل القبائل. وعندما نهض فارص بدأ التاريخ يكون صحيحا بواسطته، لأنه منه سيتناسل المسيا (المسيح)، وأثناء أيامه سيختطف الله القدوس الموت، كما قيل: أنه سيدمر الموت إلى الأبد “.

ويقول ترجوم يوناثان أيضاً: ” وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. وعندما يحفظ نسل المرأة وصايا الناموس فإنهم يصوبون نحوك تصويباً صحيحاً، ويضربونك على رأسك، ولكن عندما يتركون وصايا الناموس فإنك تصوبين نحوهم تصويباً صحيحاً وتجرحين عقبهم. لكن هناك علاجاً لهم، أما لك أنت فلا علاج. وفي المستقبل يصنعون سلاماً مع العقب، في أيام الملك المسيح[1].

ويقول ترجوم على التوراة: ” وسيكون عندما يدرس نسل المرأة التوراة باجتهاد ويطيعون وصاياها، سيضربونك على الرأس ويقتلونك؛ ولكن عندما يهجر نسل المرأة وصايا التوراة ولا يطيعون أوامرها، فستوجهين نفسك للدغهم في العقب وتؤلميهم، وعلى أية حال فهناك علاج لأبناء المرأة، ولكن بالنسبة لك، أيتها الحية، فلا علاج، سيعملون سلام مع احد آخر في النهاية، في نهاية الأيام، في أيام الملك المسيا[2].

ويقول ترجوم أونكيلوس على (تكوين 3: 15): ” وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين ابنك وابنها وهو سيذكر ما فعلته معه منذ البدء، وأنت ستراقبينه حتى النهاية “[3].

مريم العذراء

2 – ولادته من عذراء:

النبوّة

إتمامها

” ولكن يعطيكم السيد نفسه آية ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل ” (أش7:14). وعذراء في العبرية هنا (עלמה- عُلماْه)، وتعني عذراء بكر وفتاه. وقد ترجمت في اليونانية السبعينية (παρθενος -Parthenos)،أي عذراء.

” فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست اعرف رجلا. فأجاب الملاك وقال لها. الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو1 :34و35).

  يقول القديس متى بالروح: أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان بارا ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سرّا. ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك.لان الذي حبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت1 :18-23).

والنبوة هنا تركز على أربعة نقاط هامة:

1 – آية ” يعطيكم السيد نفسه آية “.

2 – العذراء .. من هي؟

3 – العذراء تحبل وتلد ابناً.

4 – المولود هو عمانوئيل.

1 – الآية: والآية المقصودة في هذا الفصل الإلهي أو المعجزة مزدوجة، فهي أولا: تعنى أن ” عذراء ” أو ” العذراء ” ستحبل وتلد ومع ذلك تظل ” عذراء ” لأنه يتكلم عنها كعذراء سواء قبل الحبل أو إثناؤه أو بعد الميلاد ” ها العذراء تحبل وتلد ” فالآية تنص على أن العذراء ستحبل وان العذراء ستلد وبذلك تنص ضمناً على أنها ستظل بعد الحبل والولادة عذراء أيضاً لأنه يدعوها ” بالعذراء ” معرفة بأداء التعريف.

والآية ليست معطاة من بشر أو بواسطة بشر ولكن معطاة من الله ذاته ” ولكن السيد نفسه يعطيكم آية “، السيد نفسه وليس مخلوق هو معطى الآية. ولكن كيف تتم هذه الآية؟ وهذا ما سألته العذراء مريم نفسها للملاك قائله: ” كيف يكون لي هذا وأنا لست اعرف رجلاً “؟ (لو1 :34). أي كيف أحبل وأنا عذراء وقد نذرت البتولية وليس في نيتي التراجع؟ ويجيب الملاك أن هذا الحبل لن يمس بتوليتك ولن يضطرك للتراجع عما نذرتيه وسوف تظلين بتول إلى الأبد. وأما عن الكيفية فهذا عمل الله وحده: ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو1 :35).

  الروح القدس هو الذي سيتولى هذه المهمة الإلهية لأن المولود هو القدوس ذاته. وقوه الله هي التى تظللها أي تحل عليها، تسكن فيها، لذلك لن تحتاج إلى رجل، لن يكون المولود من زرع بشر لأنه القدوس، بل لابد أن يولد من عذراء بحلول الروح القدس على العذراء. وكان برهان المعجزة، معجزة حبل العذراء، هو حبل اليصابات العاقر المتقدمة في الأيام وزوجها الشيخ (لو1 :18) والتي لم تنجب في شبابها ولكن أراد الرب أن تحبل وتنجب في شيخوختها عبر هنا على قدرته التى ليست لها حدود.

2 – العذراء: وكلمه ” العذراء ” المستخدمة هنا فضلاً عن أنها تشير إلى دوام البتولية جاءت في اللفظ العبري ” hm’ªl.[;h’ = ها عُلماه = Alma ” وال –  ” h’ = ها = ال = the “، أي أداة التعريف، أي العذراء، وتعنى فتاه ناضجة، وهي مشتقة من أصل بمعنى ” ناضج جنسياً ” كما يعنى عذراء كاملة الأنوثة، كما تشير إلى امرأة في سن الزواج (of marriageable age) ويرادفها في اليونانية (neanis) نيانيس = فتاه)[4]. وقد تكررت هذه ألكلمه سبع مرات في الكتاب المقدس وكلها ترجمت بمعنى فتاه (أو عذراء) غير متزوجة. وهى كالأتي:

(1) جاء في (تك24 :43و44) ” فها أنا واقف على عين الماء وليكن أن الفتاه (عُلماه = hm’ªl.[;h’ = of marriageable age) التى تخرج … هي المرأة التى عينها الرب لأبن سيدي “. والفتاه المقصودة هنا هي التى ستكون عروس لأسحق، أي أنها عذراء غير متزوجة.

(2) وجاء في (نش1: 3) ” 00 أسمك دهن مهراق لذلك أحبتك العذارى “، والعذارى هنا جمع (عُلماه = tAmïl'[] = عُلموت).

(3) وجاء في (نش8 :5) ” أحلفكنّ يا بنات (tAmïl'[] = عالموت = al-maw) أورشليم أن وجدتنّ حبيبي “. وبنات هنا جمع (عُلماه = tAmïl'[] = عُلموت)  والمقصود عذارى في مرحله الحب قبل الزواج.

(4) وقيل عن أخت موسى العذراء ” فذهبت الفتاه (عُلماه = hm’ªl.[;h’) ودعت أم الولد ” (خر8:2) والفتاه هنا (عُلماه).

(5) وجاء في (أم 30: 19) ” وطريق رجل بفتاة (hm'(l.[;. = عُلماه) “، والفتاه هنا (عُلماه) والمقصود بها العروس التى أحضرت توا[5]  ولم يدخل بها العريس ” أي ما زالت عذراء.

(6) وجاء في مزمور(68 :25) عن ضاربات الدفوف أثناء التسبيح للرب ” في الوسط فتيات (tAmªl'[]÷ = عالموت = al-maw) ضاربات الدفوف ” والفتيات هنا جمع (عُلماه) والمقصود بهن العذارى[6] أو الفتيات غير المتزوجات.

والكلمة السابعة هي ما جاء عن العذراء نفسها في نبوّة أشعياء النبي. وهذا يدل على أن كلمة ” hm’ªl.[;h = عُلماه ” المقصود بها في اللغة العبرية على الأقل في زمن الآيات المذكورة والتي يرجع تاريخ أحداثها إلى ما قبل سنة 1… قبل الميلاد – الفتاة العذراء غير المتزوجة ولكنها في سن النضوج والزواج كرفقة عروس اسحق وعذارى سفر النشيد وأخت موسى العذراء التى لم تكن قد تزوجت بعد وعروس النشيد وضاربات الدفوف في فريق التسبيح للرب.

وهناك لفظ عبري أخر هو ” בּתוּלה =  بتوله ” وهو مشتق من لفظ عبري بمعنى يفصل، وتعنى عذراء منفصلة لم تعرف رجلاً قط، ومرادفها باليونانية ” παρθένος = parthenos  = بارثينوس “[7]. ولكن استخدمت عدة مرات لتعبر عن امرأة متزوجة، أو غير عذراء، مثلما جاء في ” نوحي يا ارضي كعروس (hl’îWtb.Ki) مؤتزرة بمسح من اجل بعل صباها ” (يوئيل1 :8)، والتي ترجمت في اليونانية السبعينية (nu,mfhn) كعروس، متزوجة من بعل صباها، عذراء لم تتزوج.

وقد اختار الوحي الكلمة الأولى ” عُلماه ” للعذراء مريم في سفر اشعياء النبي للدلالة على أنها كانت فتاة ناضجة وفي سن الزواج، كما إنها كانت ستكون تحت وصاية خطيب – وذلك حسب الترتيب الإلهي – لحمايتها عند الحمل والولادة.

ولكن الوحي الإلهي أيضاً ألهم مترجمي الترجمة السبعينية فترجموا كلمة ” ها العذراء (hm’ªl.[;h = عُلماه) ..” إلى ” ها العذراء (παρθένος =parthenos  = بارثينوس) ..” أي ترجموها ” παρθένος = بارثينوس ” أي عذراء منفصلة لم تعرف رجلاً قط ولم يترجموها ” نيانيس ” للدلالة على أنها ستكون عذراء دائماً ولن تعرف رجلاً قط لأن محتوى الآية يدل ويؤكد على هذا المعنى وأن الفتاة المقصودة وإن كانت ستكون ناضجة وتحت وصايا خطيب إلا إنها ستكون عذراء لم ولن تعرف رجلاً قط ” παρθένος = بارثينوس ” رغم خطبتها ليوسف.

3 – العهد الجديد والعذراء: وقد سار العهد الجديد على هذا النهج وأطلق على العذراء لقب ” بارثينوس ” واقتبس القديس متى فصل نبوّة اشعياء النبي وكتبها هكذا: ” هوذا العذراء (παρθένος = بارثينوس) تحبل وتلد ” (مت1 :23). وكذلك القديس لوقا لم يستخدم عن العذراء مريم سوى ” العذراء = παρθένος = بارثينوس “، فيقول بالروح: ” أرسل جبرائيل إلى عذراء (παρθένος = بارثينوس) مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف. وأسم العذراء (παρθένος = بارثينوس) مريم ” (لو1 :27).

  وهكذا أيضاً دعا آباء الكنيسة القديسة مريم بالعذراء ” παρθένος = بارثينوس ” والدائمة البتولية ” إيبارثينوس “. وهذا يبطل ما زعمه اليهود ومن سار على دربهم بقولهم لم يكتب في نبوّة اشعياء ” عذراء ” بل كتب ” فتاة ” محاولين النيل من بتولية العذراء سواء قبل الحبل أو بعده.

والدة الإله العذراء – د. سعيد حكيم (2)

3 – عمانوئيل، الله معنا:

النبوّة

إتمامها

” ولكن يعطيكم السيد نفسه آية ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل (עמּנוּאל – עמנו  אל) ” (أش7:14). وعمانو (עמנו) = معنا، و (إيل- אל) = الله، وفي اليونانية (Εμμανουηλ = Immanuel). (اش7 :14).

” فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. هوذا العذراء (παρθενος -Parthenos) تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت1 :21-23).

  وقد كان الرب يسوع المسيح هو الله معنا كقول الكتاب: ” والكلمة صار جسدا وحلّ بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا ” (يو1 :14). وقد يعترض البعض ويقول أن الرب يسوع المسيح دعي ” يسوع ” وليس ” عمانوئيل “! والإجابة هي أن اسم يسوع يعبر عن كينونته ” كيهوه المخلص ” والذي يحمل اسم يهوه والذي هو اسم الله الوحيد الدال على كينونته كالموجود خالق كل وجود، بينما عمانوئيل هو لقب للمسيح ” الله معنا = عمانو (עמנו) = معنا، و (إيلאל) = الله “، ويتكون من لقب يعبر عن كون الله إله ليعني الخالق والمعبود والذي سيكون معنا بحلوله وسطنا. اسم يسوع يدل على لاهوته كالموجود الدائم الوجود والواجب الوجود وعمله الخلاصي، واسم عمانوئيل يدل على كونه المعبود الذي حل وسط شعبه.

4 – دعي باسمه وهو في بطن أمه:

النبوّة

” اسمعي لي أيتها الجزائر وأصغوا أيها الأمم من بعيد. الرب من البطن دعاني من أحشاء أمي ذكر اسمي ” (اش49 :1). والذي يذكره الرب من أحشاء أمه يكون قد تسمى قبل أن حبل به في البطن. وهذا ما حدث مع المسيح.

 

إتمامها

” ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك. لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم ” (مت1 :20و21).

  وهنا تعلن لنا النبوّة أن المسيح المنتظر والآتي سيدعى باسمه من البطن، ويقول الإنجيل للقديس لوقا: ” ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع كما تسمى من الملاك قبل أن حبل به في البطن ” (لو2 :21). وكان الملاك قد بشر العذراء قائلاً: ” فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع ” (لو1 :30و31).

 

5 – سيكون من نسل سام:

النبوّة

إتمامها

” وقال مبارك الرب اله سام. وليكن كنعان عبدا لهم. ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام ” (تك9 :26و27).

” يسوع … بن إبراهيم … بن سام بن نوح ” (لو3 :36).

 

  لم يبق بعد الطوفان على الأرض سوى نوح وأولاده الثلاثة سام وحام ويافث، وحددت النبوّة أن نسل المرأة الآتي سيأتي من نسل سام بن نوح: وقال مبارك الرب اله سام. وليكن كنعان عبدا لهم. ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام(تك9 :26و27). وكان سام جدا لإبراهيم الذي جاء المسيح من نسله، كما يقول الكتاب: ” هذه مواليد سام.

لما كان سام ابن مئة سنة ولد ارفكشاد بعد الطوفان بسنتين. وعاش سام بعدما ولد ارفكشاد خمس مئة سنة وولد بنين وبنات … وعاش تارح سبعين سنة وولد إبرام وناحور وهاران ” (تك11 :9-26)، وإبرام هو إبراهيم: ” إبرام وهو إبراهيم ” (1أخ1 :27)، لأن الله غير اسمه من إبرام إلى إبراهيم ” فلا يدعى اسمك بعد إبرام بل يكون اسمك إبراهيم. لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم ” (تك17 :5).

 

6 – نسل إبراهيم:

النبوّة

إتمامها

” وقال الرب لإبرام اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي اريك. فأجعلك امة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة. وأبارك مباركيك ولاعنك العنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض ” (تك12 :1-3)، وحدد الله الوعد لإبراهيم بقوله: ” ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض ” (تك22:18)

” والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم … لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح … وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول وفي الانسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد وفي نسلك الذي هو المسيح ” (غل3 :8و14و16).

طلب الله من إبراهيم أبي الآباء أن يترك أرضه وعشيرته، في أور الكلدانيين فيما بين النهرين، ويذهب إلى أرض كنعان ليكوّن فيها أمة ويأتي منه نسل تتبارك به جميع الأمم ويرد العالم إلى عبادة الله الحي ويعود به إلى الفردوس الذي سبق أن خرج منه ” وقال الرب لإبرام اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك. فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة. وأبارك مباركيك ولاعنك العنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض ” (تك1:12-3).

وكان مرتبا في علم الله السابق ومشورته الأزلية أن يأتي النسل الآتي والمسيح المنتظر من ابن وعد الله به إبراهيم وفي الوقت المعين، ولكن لما شاخ إبراهيم وسارة دون أن ينجبا أشارت سارة على إبراهيم أن ينجب من هاجر فأنجب إسماعيل، ولكن هذا كان رأي سارة ومشورتها البشرية وليس ترتيب المشورة الإلهية الأزلي، وفي الوقت المعين قال الله لإبراهيم: ” سارة امرأتك تلد لك ابنا وتدعو اسمه اسحق. وأقيم عهدي معه عهدا أبديا لنسله من بعده. وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا. اثني عشر رئيسا يلد واجعله أمة كبيرة. ولكن عهدي أقيمه مع اسحق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية ” (تك19:17-21).

ثم أمتحن الله إبراهيم وطلب منه أن يصعد ابنه اسحق محرقة على جبل المريا وأطاع إبراهيم الله ومد يده وأخذ السكين ليذبح أبنهُ اسحق ظهر له ملاك الرب وقال له لا تمد يدك إلى الغلام وقدم له كبشا فدية عن اسحق ” وقال بذاتي أقسمت يقول الرب. أني من  اجل انك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيرا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر. ويرث نسلك باب أعدائه. ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض. من اجل انك سمعت لقولي ” (تك15:22-18). وهنا يتكلم الله عن اسحق باعتباره ابن الموعد وحامل مواعيد الله: بالإيمان قدم إبراهيم اسحق وهو مجرب. قدم الذي قبل المواعيد وحيده الذي قيل له انه باسحق يدعى لك نسل ” (عب17:11و18).

 وأكد العهد الجديد أن هذا النسل الآتي هو الرب يسوع المسيح فقال القديس بطرس بالروح لشيوخ وعامة اليهود: ” انتم أبناء الأنبياء والعهد الذي عاهد به الله آباءنا قائلا لإبراهيم وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض. إليكم أولا إذ أقام الله فتاه يسوع أرسله يبارككم برد كل واحد منكم عن شروره ” (اع25:3و26).

وقال القديس بولس بالروح ” والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم. إذا الذين هم من الإيمان يتباركون مع إبراهيم المؤمن … لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح. أيها الأخوة بحسب الإنسان أقول ليس أحد يبطّل عهدا قد تمكن ولو من إنسان أو يزيد عليه. وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول وفي الانسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد وفي نسلك الذي هو المسيح. وإنما أقول هذا أن الناموس الذي صار بعد أربع مئة وثلاثين سنة لا ينسخ عهدا قد سبق فتمكن من الله نحو المسيح حتى يبطّل الموعد ” (غل8:3-17).

 

7 – نسل اسحق: 

  ” ولكن عهدي اقيمه مع اسحق الذي تلده لك سارة ” (تك17 :21).

النبوّة

إتمامها

” فقال الله بل سارة امرأتك تلد لك ابنا وتدعو اسمه اسحق. واقيم عهدي معه عهدا ابديا لنسله من بعده ” (تك17 :19). وقال لإسحق: ” وتتبارك في نسلك جميع أمم الأرض ” (تك2:26 – 4).

” يسوع … ابن اسحق ” (لوقا 3: 23و34).
  ما أنطبق على إبراهيم من جهة النسل الموعود أنطبق على إسحق ومن بعده يعقوب.

  كان الوعد وكانت المواعيد الإلهية، بحسب ترتيب الله الإلهي ومشورته الأزلية وعلمه السابق، خاصة بإسحق ابن الموعد والذي أعطاه الله لإبراهيم في سن وزمن لم يتوقع فيه الإنجاب وليس لابن الجسد والمشورة الإنسانية التي ظنت أن الله لن يحقق وعوده!! يقول الكتاب: ” فانه مكتوب انه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد.

وكل ذلك رمز لان هاتين هما العهدان إحداهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعا فهي حرة. لأنه مكتوب افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. اهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض فان أولاد الموحشة أكثر من التي لها زوج. وأما نحن أيها الأخوة فنظير اسحق أولاد الموعد ” (غل4 :22-28).

  وبعد وفاة إبراهيم أكد الله هذا الوعد عينه لإسحق حيث يقول الكتاب: ” وكان بعد موت إبراهيم أن الله بارك اسحق ابنه ” (تك11:25)، وأكد له الوعد من جديد: ” وظهر له الرب وقال لا تنزل إلى مصر اسكن في الأرض التي أقول لك. تغرب في هذه الأرض فأكون معك وأباركك لأني لك ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد وأفي بالقسم الذي أقسمت لإبراهيم أبيك وأكثر نسلك كنجوم السماء وأعطي نسلك جميع هذه البلاد وتتبارك في نسلك جميع أمم الأرض ” (تك2:26-4).

 

8 – نسل يعقوب:

  ومن نسل إسحق اختار الله يعقوب:

النبوّة

إتمامها

  وقد جدد الله الوعد ليعقوب قائلاً: ” أنا الرب اله إبراهيم أبيك واله اسحق … ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض ” (تك 28 :13و14).

قال الملاك للعذراء: ” هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية ” (لو1:32و33).

وأنجب أسحق يعقوب وعيسو من رفقة في بطن واحدة وكان الله في سابق علمه  ومشورته الأزلية قد أختار يعقوب وحدة ليأتي منه النسل الموعود وتمتد في ذريته النبوة، ومن ثم قال لرفقة وهي حامل بيعقوب وعيسو: ” في بطنك أمّتان. ومن أحشائك يفترق شعبان. شعب يقوى على شعب. وكبير يستعبد لصغير ” (تك25 :23)،

وأيضا يقول الكتاب: ” أليس عيسو أخا ليعقوب يقول الرب وأحببت يعقوب وأبغضت عيسو ” (ملا1 :2و3)، ” رفقة أيضا وهي حبلى من واحد وهو اسحق أبونا. لأنه وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرا أو شرا لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو. قيل لها أن الكبير يستعبد للصغير. كما هو مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسو ” (رو9 :10-13). ومن ثم فقد جدد الله الوعد ليعقوب قائلاً: ” أنا الرب اله إبراهيم أبيك واله اسحق الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك. ويكون نسلك كتراب الأرض وتمتد غربا وشرقا وشمالا وجنوبا ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض ” (تك28 :13، 14).

 

9 – كوكب يعقوب:

وبعد يعقوب بعدة أجيال تنبأ بلعام بن بعور عن هذا النسل الموعود والفادي المنتظر قائلاً بالروح القدس: ” أراه ولكن ليس الآن أبصره ولكن ليس قريبا يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفي موآب ويهلك كل بني الوغى ” (عد17:24). ورأى علماء اليهود أن هذا الكوكب هو المسيح المنتظر، فيقول ترجوم أونكيلوس: ” أراه وليس الآن، أنظره ولكن ليس قريباً. يبرز ملك من يعقوب، ويقوم المسيح من إسرائيل “.

النبوّة

إتمامها

ثم قالت البنوة عن مجيء المسيح من يعقوب أيضاً: ” أراه ولكن ليس الآن. أبصره ولكن ليس قريبا. يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفي موآب ويهلك كل بني الوغى ” (عدد24 :17).

” وعندنا الكلمة النبوية وهي اثبت التي تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم ” (2بط1 :19).

 

  ويؤكد لنا العهد الجديد أن المسيح هو هذا الكوكب: ” وعندنا الكلمة النبوية وهي اثبت التي تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم ” (2بط1 :19)، ” أنا يسوع أرسلت ملاكي لأشهد لكم بهذه الأمور عن الكنائس. أنا أصل وذرية داود. كوكب الصبح المنير ” (رؤ22 :16).

 

10 – نسل يهوذا الذي تخضع له الشعوب:

النبوّة

إتمامها

” لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلوه وله يكون خضوع شعوب ” (تك49 :10).

 

” ربنا قد طلع من سبط يهوذا ” (عب7 :14)، ووصف في سفر الرؤيا بـ ” الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ” (رؤ5 :5).

في نهاية أيام يعقوب أجتمع بأبنائه الأثني عشر وباركهم وتنبأ عن مستقبل نسل كل واحد منهم وعندما جاء إلى يهوذا قال: ” يهوذا إياك يحمد إخوتك. يدك على قفا أعدائك يسجد لك بنو أبيك. يهوذا جرو أسد. من فريسة صعدت يا ابني. جثا وربض كاسد وكلبوة. من ينهضه. لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلوه وله يكون خضوع شعوب ” (تك49 :8-10).

وتعني النبوّة هنا أن الحكم والتشريع سيستمران في  يهوذا وفي إسرائيل إلى أن يأتي المسيح المنتظر، فكلمة القضيب هنا هو الصولجان، عصا الحكم، والمشترع هو الذي يطبق الشريعة، ومن بين رجليه أي من صلبه، صلب يهوذا، وشيلوه هو الذي له، أي الذي له الصولجان والتشريع والحكم. وقد تم ذلك حرفيا بعد ميلاد المسيح بسبع سنوات (أنظر الفصل التالي).

وقد بدأ الإتمام الحرفي لهذه النبوة منذ أيام داود النبي والملك كأول حاكم وملك لبني إسرائيل من سبط يهوذا فقد ” رفض (الله) خيمة يوسف ولم يختر سبط افرايم. بل اختار سبط يهوذا جبل صهيون الذي أحبه ” (مز78 :67 و68)، ومن ثم فقد بدأ تطبيق هذه النبوة من داود النبي الذي هو من سبط  يهوذا ” وداود هو ابن ذلك الرجل الافراتي من بيت لحم يهوذا الذي اسمه يسّى ” (1صم17 :12). واستمر بعد ذلك حتى جاء المسيح وانتهى الحكم من يهوذا وإسرائيل نهائيا منذ ذلك الوقت.

وقد أعتقد كل علماء اليهود الرابيين القدماء أن شيلوه هو لقب المسيا الآتي: وعلى سبيل المثال قال ترجوم أونكيلوس تفسيرا لهذه النبوّة: ” أن انتقال الحكم من يهوذا لن يتوقف من بيت يهوذا ولا الكاتب من أبناء أبنائهم حتى يأتي المسيا(3). وقال ترجوم يوناثان المنحول ” الملك والحكام لن يتوقفوا من بيت يهوذا … حتى يأتي الملك المسيا(5). ويقول ترجوم أورشليم: ” لن يتوقف الملوك من بيت يهوذا … حتى مجيء الملك المسيا … الذي ستخضع له كل سيادات الأرض(6).

وأكد العهد الجديد أن الرب يسوع المسيح هو هذا الآتي من سبط يهوذا: ” ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي … بن داود بن يسّى … بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ” (لو3 :23-34)، ” فانه واضح أن ربنا قد طلع من سبط يهوذا ” (عب7 :14)، ” هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ” (رؤ5 :5).

 

11 – أصل يسىَّ وغصن البر:

النبوّة

إتمامها

” ويخرج قضيب من جذع يسىَّ وينبت غصن من أصوله … ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسىّ القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ويكون محله مجدا ” (اشعياء 11: 1و10).  

” يسوع … ابن داود ابن يسَّى ” (لوقا 3: 23و32 ومت1: 6).

وأيضا يقول اشعياء ” سيكون أصل يسّى والقائم ليسود على الأمم عليه سيكون رجاء الأمم ” (رو15 :12).

” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب. ولذته تكون في مخافة الرب فلا يقضي بحسب نظر عينه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه. بل يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالأنصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه. ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معا وصبي صغير يسوقها. والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معا والأسد كالبقر يأكل تبنا.

ويلعب الرضيع على سرب الصل ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان. لا يسوؤون ولا يفسدون في كل جبل قدسي لان الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر. ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ويكون محله مجدا ويكون في ذلك اليوم أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه التي بقيت من أشور ومن مصر ومن فتروس ومن كوش ومن عيلام ومن شنعار ومن حماة ومن جزائر البحر ” (اش11 :1-11).

وهذا النبوّة تتكلم عن المسيح كالقضيب الذي سيخرج من نسل يسى والد داود وكونه الغصن، غصن البر، الذي سيحل عليه روح الرب ويقوم بعمله المسياني (المسيحي) سواء من جهة التعليم والمعرفة والمعجزات ومن جهة السلام الروحي الذي سيحل في قلوب المؤمنين به، والذي فهمه بعض علماء اليهود ومن شايعهم من أمثال السبتيين وشهود يهوه خطأ وظنوا أن المقصود به هو ما سيكون على الأرض في الملك الألفي!! وأن كان بعضهم فهموه بالمعنى الصحيح للفكر المسياني للمسيح المنتظر فيقول ترجوم اشعياء: ” يخرج ملك من نسل يسَّى، ومسيح من ذريته يقوم. وعليه يستقر روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب “[8]

كما تنبأ العهد القديم عدة مرات عن هذا الغصن، المسيا، الذي سيخرج من نسل داود ويحل عليه روح الرب ليجري الحق والعدل: ” في ذلك اليوم يكون غصن الرب بهاء ومجدا وثمر الأرض فخرا وزينة للناجين من إسرائيل ” (اش4 :2)، ” ها أيام تأتي يقول الرب وأقيم لداود غصن بر فيملك ملك وينجح ويجري حقا وعدلا في الأرض ” (ار23 :5)، ”

في تلك الأيام وفي ذلك الزمان انبت لداود غصن البر فيجري عدلا وبرا في الأرض ” (ار33 :15)، ” لأني هأنذا آتي بعبدي الغصن ” (زك3 :8)، ” هوذا الرجل الغصن اسمه ومن مكانه ينبت ويبني هيكل الرب ” (زك6 :12). وقد وصف بالعبد لأن الرب يسوع المسيح ” أخلى نفسه أخذ صورة عبد ” (في2 :7)، ظهر في الجسد (1تي3 :16)، ” صار جسدا ” (يو1 :14). كما أن هذا الغصن هو أيضاً ” أصل يسى “، أي خالقه كما قال الكتاب عن المسيح أنه ” من سبط يهوذا أصل داود ” (رؤ5 :5)، وكما قال المسيح عن نفسه ” أنا أصل وذرية داود ” (رؤ22 :16).

 

12 – نسل داود ورب داود وابن الله:

النبوّة

إتمامها

أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك واثبت مملكته هو يبني بيتا لاسمي وأنا اثبت كرسي مملكته إلى الأبد. أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا … ويأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك. كرسيك يكون ثابتا إلى الأبد ” (2صم13:7، 14و16مع 1أخ17 :11-13).

” يسوع  … ابن داود ” (لو3: 23و31 ومت 1: 1). ” أنا أصل وذرية داود ” (رؤ22 :16). ” لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا. وأيضا متى ادخل البكر إلى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله ” (عب1:1 – 6).

أختار الله داود بن يسى من أبناء سبط يهوذا الذي قال عنه ” وجدت داود بن يسى رجلا حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي ” (أع22:13)، ويقول الله لداود بالروح ” اقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه. من ثمرة بطنك اجعل على كرسيك … هناك انبت قرنا لداود. رتبت سراجا لمسيحي ” (مز132 :11و17)، ” قطعت عهدا مع مختاري حلفت لداود عبدي إلى الدهر اثبت نسلك وابني إلى دور فدور كرسيك … وجدت داود عبدي بدهن قدسي مسحته … إلى الدهر أحفظ له رحمتي وعهدي يثبت له واجعل إلى الأبد نسله وكرسيه مثل أيام السموات … مرة حلفت بقدسي أنى لا اكذب لداود نسله إلى الدهر يكون وكرسيه كالشمس أمامي مثل القمر يثبت إلى الدهر والشاهد في السماء أمين ” (مز3:89، 4، 20، 28، 29، 35، 37، 38).

وأيضا: ” متى كملت أيامك واضطجعت  مع آبائك أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك واثبت مملكته هو يبني بيتا لاسمي وأنا اثبت كرسي مملكته إلى الأبد. أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا … ويأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك. كرسيك يكون ثابتا إلى الأبد ” (2صم13:7، 14و16مع 1أخ17 :11-13). هذا الابن أو النسل الآتي ليس مجرد بشر بل يقول عنه الروح القدس لداود ” يكون اسمه إلى الدهر قدام الشمس يمتد اسمه ويتباركون به كل أمم الأرض يطوبونه ” (مز17:72).

وقد تحقق هذا الوعد جزئيا في سليمان الحكيم ابن داود الذي جلس على كرسيه بعده مباشرة، ولكنه تحقق فعليا وعمليا في شخص الرب يسوع المسيح كقول القديس بولس بالروح ” الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثا لكل شيء الذي به أيضا عمل العالمين.

الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي صائرا أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسما أفضل منهم. لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا. وأيضا متى ادخل البكر إلى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله “ (عب1:1 – 6).

فمن هذا الذي تسجد له جميع ملائكة الله؟ أنه الذي تنبأ عنه أيضا قائلاً ” فيثبت الكرسي بالرحمة ويجلس عليه بالأمانة في خيمة داود قاض ويطلب الحق ويبادر بالعدل ” (اش5:16)، وأيضا ” واجعل مفتاح بيت داود على كتفه فيفتح وليس من يغلق ويغلق وليس من يفتح ” (اش22:22)، ويقول الكتاب بالروح أن الذي له مفتاح داود هو ” القدوس الحق الذي له مفتاح داود الذي يفتح ولا أحد يغلق ويغلق ولا أحد يفتح ” (رؤ7:3)، وأيضا ” أميلوا آذانكم وهلموا إليّ اسمعوا فتحيا أنفسكم واقطع لكم عهدا أبديا مراحم داود الصادقة ” (اش3:55). كما تنبأ عنه أيضا كابن يسى والد داود.

وكان اشعياء النبي قد سبق وتنبأ عن مضمون هذه النبوّات بقوله عن المسيح: ” لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد ” (اش9:7)، ” ويسكن شعبي في مسكن السلام وفي مساكن مطمئنة وفي محلات أمينة ” (اش32:17).

ويمتلئ التلمود بالإشارات عن المسيا باعتباره ” ابن داود “. وفي كتابه ” عالم موسى بن ميمون ” يقدم چاكوب مينكين وجهة نظر هذا العالم اليهودي: ” إن في رفضه للأفكار الصوفية عن المسيا وأصله وعمله والقوات العجيبة الفائقة المنسوبة إليه، يؤكد موسى بن ميمون أنه ينبغي النظر إلى المسيا كبشر قابل للموت، لكنه يختلف عن باقي الناس في أنه سيكون أوفر حكمة وقوة وبهاء منهم. وينبغي أن يكون من نسل داود وينشغل مثله بدراسة التوراة وحفظ الشريعة “[9].

 

13 – جلوسه على عرش داود كالإله القدير:

النبوّة

إتمامها

” لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا أبا أبديا رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد ” أش9 :6و7).

قال الملاك للعذراء: ” وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية ” (لو1 :31-33). 

وهنا في هذه النبوة التي سنشرحها تفصيليا لاحقاً يؤكد الوحي الإلهي بفم اشعياء النبي أن ابن داود هذا هو المسيا الذي سيجلس على عرشه لا كإنسان بل كالإله القدير الآب الأبدي.

 

14 – ميلاده في بيت لحم مدينة داود:

النبوّة

إتمامها

” أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (مي 5: 2).

” ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم … فقالوا له في بيت لحم اليهودية. لأنه هكذا مكتوب بالنبي. وأنت يا بيت لحم ارض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا. لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل ” (مت2 :1و5و6).

وهنا يوضح لنا الكتاب أن رؤساء اليهود، بل وهيرودس الملك الآدومي، كانوا يعرفون بل ومتأكدون أن المسيح المنتظر سيولد في تلك الأيام، أيام هيرودس وهؤلاء الرؤساء، لذا سأل هيرودس: ” أين يولد المسيح؟ “، مما يدل على أنه كان يعرف أنه سيولد في تلك الأيام، وهم بدورهم كانوا يعرفون أنه سيولد في بيت لحم، فقالوا لهيرودس: ” في بيت لحم اليهودية. لأنه هكذا مكتوب بالنبي. وأنت يا بيت لحم ارض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا.

لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل ” (مت2 :5و6). وهكذا بقية اليهود الذين كانوا يعرفون الكتاب فقالوا: ” ألم يقل الكتاب انه من نسل داود ومن بيت لحم القرية التي كان داود فيها يأتي المسيح ” (يو7 :42).

 

15 – مجيء المجوس وتقديمهم له الهدايا:

وتنبأ العهد القديم عن مجيء المجوس للخضوع للمسيح رمزا لخضوع جميع الأمم له.

النبوّة

إتمامها

” ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة، ملوك شبا وسبأ يقدمون هدية ” (مز72 :10).

 ” تغطيك كثرة الجمال بكران مديان وعيفة كلها تأتي من شبا. تحمل ذهبا ولبانا وتبشر بتسابيح الرب “(اش60 :6).

” ولما ولد يسوع في بيت لحم … إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين أين هو المولود ملك اليهود. فإننا رأينا نجمه في المشرق واتينا لنسجد له … وأتوا إلى البيت ورأوا الصبي مع مريم أمه. فخروا وسجدوا له. ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا ذهبا ولبانا ومرّا ” (مت2 :1و2و11).

وقد طبقت هذه النبوّة تاريخيا وبشكل مباشر على سليمان الحكيم وتم تطبيقها نبويا على المسيح، خاصة أن الآيات من مزمور72 :12-14 لا تنطبق إلا على المسيح فقط: ” ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة. ملوك شبا وسبإ يقدمون هدية. ويسجد له كل الملوك. كل الأمم تتعبد له. لأنه ينجي الفقير المستغيث والمسكين إذ لا معين له. يشفق على المسكين والبائس ويخلص أنفس الفقراء. من الظلم والخطف يفدي أنفسهم ويكرم دمهم في عينيه ” (مز72 :12-14).

فكل هذه الصفات لا تنطبق إلا على المسيح وليس على غيره فهو الذي تتعبد له جميع الشعوب والأمم والألسنة (دا7 :14) وهو الفادي الوحيد الذي قدم الفداء للبشرية؛ ” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ” (في2 :10).

 

16 – وجوده الأزلي وميلاده في بيت لحم:

النبوّة

” أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (مي5 :2).

  وهنا يعلن الوحي الإلهي أنه برغم أن بيت لحم مجرد قرية صغيرة من ضمن ألوف القرى التي تضمها يهوذا إلا أنه سيأتي منها المخلص الموجود منذ القدم الأزلي بلا بداية.

إتمامها

” الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل ” (كو1: 17)، ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله ” (يو1:1).

ويقول ترجوم اشعياء على اشعياء (44: 6): ” هكذا يقول الرب، ملك إسرائيل، ومخلِّصه رب الجنود. أنا هو، أنا هو القديم الأيام، والأزمنة الأزلية عندي، ولا إله غيري “[10].

 

17 –  قتل هيرودس لأطفال بيت لحم:

النبوّة

إتمامها

” هكذا قال الرب. صوت سُمع في الرامة نوح بكاء مر. راحيل تبكي على أولادها وتأبى أن تتعزى عن أولادها لأنهم ليسوا بموجودين ” (ار31 :15).

 

” حينئذ لما رأى هيرودس أن المجوس سخروا به غضب جداً. فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس  حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل. صوت سمع في الرامة نوح وبكاء وعويل كثير. راحيل تبكي على أولادها ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين ” (مت2: 16و17).

يتحدث ارميا النبي هنا عن أحزان السبي التي عاشها إسرائيل في بابل ” ويوجد رجاء لآخرتك يقول الرب. فيرجع الأبناء إلى تخمهم سمعا سمعت أفرايم ينتحب. أدبتني فتأدبت كعجل غير مروض ” (ار31 :17و18). فما صلة هذا بقتل هيرودس لأطفال بيت لحم؟ وما الذي قصده الوحي في الإنجيل للقديس متى؟ وهل يرى أن قتل الأطفال يشبه قتل أبرياء يهوذا وإسرائيل؟

يقول أحد الدارسين ويدعى لايتش: ” كلا بكل يقين! إن الحديث في أرميا 30: 20 إلى 33: 26 حديث نبوي عن المسيا، تتحدث الإصحاحات الأربعة عن اقتراب خلاص الرب، وعن مجيء المسيا الذي سيقيم مملكة داود على عهد جديد أساسه مغفرة الخطايا (31: 31- 34). وفي هذه المملكة ستجد كل نفس حزينة متعبة تعزيتها (أعداد 12- 14 و25). وكنموذج لهذا يعطي الله تعزية للأمهات اللاتي فقدن أطفالهن لأجل المسيح. (Laetsch, BCJ, 250)

 

18 – لجوءه لمصر وعودته منها:

النبوّة

إتمامها

” لما كان إسرائيل غلاما أحببته ومن مصر دعوت ابني ” (هو11 :1).

 

” فقام واخذ الصبي وأمه ليلا وانصرف إلى مصر. وكان هناك إلى وفاة هيرودس. لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني ” (مت2 :14و15).

تكلم هوشع النبي عن خروج بني إسرائيل من مصر بعد أن تركهم هناك حوالي 210 سنين حتى يحين الوقت المعين حسب المشورة الأزلية لخروجهم من مصر، حيث يقول: ” لما كان إسرائيل غلاما أحببته ومن مصر دعوت ابني ” (هو11 :1).

وهنا استخدمها الوحي الإلهي كنبوّة لعودة المسيح من مصر بعد أن مات هيرودس الذي كان يريد أن يقتله: ” وبعدما انصرفوا (المجوس) إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك. لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه. فقام واخذ الصبي وأمه ليلا وانصرف إلى مصر. وكان هناك إلى وفاة هيرودس. لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني ” (مت2 :12-15).

وهكذا يؤكد لنا الوحي الإلهي أن الله أعلن مسبقاً وجعل أنبياءه يعلنون بروح النبوة عن كل ما يختص بسلسلة نسب المسيح وأمه ومكان ميلاده وما سيحدث وقت ميلاده بكل دقة وتفصيل!!

 

 

1 Bowker, TRL, 122 – Webster, William. “Behold Your King: Prophetic Proofs that Jesus is the Messiah.” Christian Resources Inc. 2003.

2 Fragmentary Targum to the Pentateuch; emphasis added) [Webster (4): 156.

3 Ethridge, TOJ,41

4 The new Bible Dic. P. 1312.

5 Theo. Dic. Of The New Test. Vol. 5:831.

6 أنظر قض 34:11.

7 The New B. Dic. P. 1312.

(3) Chuck Missler, The Creator Beyond Time and Space, Until Shiloh Come.

(5) Chuck Missler, The Creator Beyond Time and Space, Until Shiloh Come.

(6) Ibid.

[8] Stenning, TI, 40.

[9] Minkin, WMM, 63.

[10] Stenning, TI, 148.

نبوات العهد القديم عن ميلاد المسيح تفصيلًا – 18 نبوة من نبوات العهد القديم عن ميلاد المسيح

ميلاد المسيح – متى ولد المسيح؟

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

ما هي صورة القديسة مريم العذراء في الكتاب المقدس خصوصاً في العهد الجديد؟

هل توجد ملامح خاصة لهذه الصورة كما صوّرها العهد الجديد، ولماذا يختلف المسيحيون في تكريمها إن كانت لمريم العذراء صورة محددة في الكتاب؟

ما هي صورة القديسة مريم العذراء في الكتاب المقدس خصوصاً في العهد الجديد؟

القديسة مريم العذراء أم المسيح مذكورة في العهد الجديد صراحة ومُشار إليها في العهد القديم في أكثر من موضع. سنستعرض هنا دراسة مختصرة لمريم العذراء في العهد الجديد(16). لكن في البداية يجب الانتباه إلى ملاحظتين هامتين:

1- الغاية من كتابة العهد الجديد لم تكن التبشير بمريم أو الكلام عنها أو مدحها. هذا لا يعني أن العهد الجديد لم يذكرها أو لم يمدحها أو يمجدّها. لكن الغاية الرئيسية لكتابة العهد الجديد كانت ما قاله يوحنا 20: 30 “وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تُكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه”.

2- مريم قُدِّمت لنا في العهد الجديد من خلال البشارة بيسوع. الإيمان بمريم (أو العلم المتعلق بها Mariology) متعلّق بالعلم المتعلق بشخص المسيح (Christology).

لن أتبع هنا أسلوب علماء الكتاب المعاصرين في مناقشة هذا الموضوع. بل سأستعمل أسلوباً أنطاكياً مغايراً إن صح التعبير: أسلوباً يعتمد على عناصر تاريخية ولاهوتية وكتابية وروحية للوصول إلى المعنى المقصود من قبل الإنجيلي.

إنجيل القديس لوقا كان أكثر إنجيل ذكر القديسة مريم العذراء، لهذا سنبدأ به باختصار.

القديسة مريم العذراء في إنجيل لوقا:

في إنجيل البشارة (لوقا 1) نجد معلومات قيّمة انفرد بقصّها علينا القديس لوقا.

مريم كانت “عذراء” مخطوبة ليوسف (لوقا 1: 27). الأناجيل كلها متفقة على أن حبل مريم بيسوع المسيح كان بالروح القدس وبطريقة عجائبية لا مثيل لها. فعاقرات العهد القديم حبلن بعد معاشرة زوجية طبيعية وبتدخل إلهي في الوقت نفسه. تنشد الكنيسة الأرثوذكسية: “يا مَن بغير فساد ولدت كلمة الله”. الفساد الناجم عن سقوط آدم وحواء والذي دخل الطبيعة البشرية كان غريباً عن حبل مريم بيسوع وعن ولادتها له.

“سلام عليكِ أيتها الممتلئة نعمة. الرب معك. مباركة أنت في النساء” (لوقا 1: 28). في اليونانية “المنعَم عليها دائماً”. بالمقارنة مع لو 1: 13: “لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سُمعت…”، نجد أن سلام جبرائيل لمريم يختلف كثيراً عن سلامه لزكريا. فجبرائيل ألقى “السلام” على مريم بينما قال لزكريا: “لا تخف”. زكريا كان “يكهن” في نوبته في الهيكل. مريم كانت تصلّي عند الظهور الملائكي. كانت تقوم بعمل أعظم من زكريا الكاهن.

“نعمة عند الله… تحبلين بيسوع… عظيماً وابن العلي يُدعى… كرسي داود أبيه… يملك على بيت يعقوب إلى الأبد… لا يكون لملكه نهاية.” (لوقا 1: 30-33): فحوى كلام جبرائيل هو أمرٌ فائق الطبيعة: كلمة “يسوع” تعني “الله يخلّص”. و”ابن العلي” هو “العلي ذاته”.

ومَن يملك إلى الأبد على بيت يعقوب ومَن لا يكون لملكه نهاية سوى الله وحده؟ من الواضح أن الألقاب المُسبغة هنا على يسوع الذي سيولَد من مريم لا تليق إلى بالله وحده، بيهوه العظيم. لهذا يكون المولود من مريم هو الله نفسه وليس مجرد إنسانٍ. هذا سيبرّر اللقب الخالد الذي دوّنه لوقا لنا على لسان أليصابات “أم الرب” (لوقا 1: 43).

“كيف يكون هذا وأنا لستُ أعرف رجلاً” (لوقا 1: 34): لو كانت مريم تنوي إتمام الزواج من خطيبها يوسف لما استغربت أن تحبل لاحقاً، ولما سألت الملاك “كيف يكون هذا وأنا لستُ أعرف رجلاً؟”. فالملاك لم يحدّد موعد حبلها. مريم تسأل الملاك عن الكيفية لتنفّذ. هي لم تشكّك مثل زكريا. هذه الآية إشارة غير مباشرة وإنما قوية للبتولية الدائمة لمريم.

“الروح القدس يحلّ عليك، وقوة العلي تظلّلك، فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يُدعى ابن الله” (لوقا 1: 35): لاحظ الحضور الثالوثي هنا: الروح القدس، العلي (أي الآب)، ابن الله. الحلول والظلّ تعبيران من العهد القديم لحضور الله في تابوت العهد؟ فمريم هي الآن تابوت عهد الله ومكان حلوله وحضوره. وتابوت العهد في العهد القديم كان رمزاً لمريم. هنا يحلّ الثالوث القدوس له المجد على مريم بصورة فريدة لا مثيل لها في التاريخ البشرية.

“لأنه ليس شير غير ممكن لدى الله” (لوقا 1: 37): كل المسيحيين يؤمنون (أو يظنّون أنهم يؤمنون) بهذا القول. أما عندما نأتي إلى الحياة العملية نجدهم لا يؤمنون به حقاً.

إن كنّا نؤمن أن الله قادرٌ على كل شيء فلماذا نتعجّب من أن العذراء حبلت بالروح القدس؟

ولماذا نتعجّب من أن مريم بقيت عذراء قبل الولادة وأثناءها وبعدها؟ ولماذا نتعجّب من أن يوسف لم يجرؤ على معرفتها معرفة جسدية بسبب المولود منها؟ إن كان كل شيء ممكناً لدى الله فيجب أن نطيع ونتعجّب لا أن نشكك!

“هوذا أنا أمَة الرب، فليكن لي كقولك” (لوقا 1: 38): قبول مريم للتدبير الإلهي هو قبول البشرية له. لم يقادرها الملاك إلا بعد أن وافقت على الخطة الإلهية. مريم كانت حرّة في القبول وحرّة في الرفض. تقواها وضميرها وحياتها مع الله لم تسمح لها إلا أن تكون “أمَة للرب”، للذي نذرت له كل كيانها منذ نعومة أظفارها. الملاك شرح لها كيفية الحبل لكي تقبل به. فالله لا يستطيع أن يُجبر مريم على قبول الحبل بيسوع. مريم ليست أداة منفعلة بل فاعلة. لو كانت مريم أداة منفعلة ومجرد “جسد” أو “مستودع” أو “قناة” عبر منها الرب كما توهّم البعض لما أعلنت موافقتها ولما انتظر جبرائيل أن توافق.

“لمّا سمعت أليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها” (لوقا 1: 41): ارتكض الجنين في بطن أليصابات بسبب سلام مريم. لوقا يربط بين سلام مريم وابتهاج الجنين بصورة مباشرة. الارتكاض حركة قد تكون منفعلة (حدثت عفواً كما هو حال الأجنّة) أو حركة فاعلة (وهو أمر غير مألوف لدى الأجنّة).

لوقا (الطبيب) يؤكّد هنا أن ارتكاض الجنين في بطن أليصابات كان حركة فاعلة لسببين. أولاً: لأن لوقا ربط بين سلام مريم وارتكاض الجنين، كما لو كان الجنين قد سمع هذا السلام وابتهج به، وحلّت عليه بركة خاصة. وثانياً: لأن لوقا يؤكد أن الجنين ارتكض ابتهاجاً (لوقا 1: 44). الابتهاج حركة فاعلة (تنمّ عن وعي وفهم) لا حركة منفعلة.

كيف يرتكض الجنين في بطن أليصابات ابتهاجاً بسلام مريم؟ لوقا أجاب المشكّكين سلفاً إذ سبق وقال كما أشرنا: “لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله” (لوقا 1: 37). فإما أن تؤمن أو لاتؤمن. نلاحظ هنا أن حضور مريم وسلامها كانا سبب بركة كبيرة لأليصابات ولجنينها.

“وامتلأت أليصابات من الروح القدس” (لوقا 1: 41): لوقا يربط بين سلام مريم وامتلاء أليصابات من الروح القدس. مريم هي شفيعة بواسطتها حلَّ الروح القدس على أليصابات وعلى جنينها. مريم لعبت دور كاهن، بواسطتها، حلَّ الروح القدس على الآخرين. مريم لم تطلب أن يحلّ الروح القدس على أليصابات (على غرار حلول الروح القدس على المعتمَدين في الكنيسة الأولى. مثلاً أع 8: 14…). الحالة المماثلة لحالة لوقا 1: 41 هي أع 10: 44… (حلول الروح القدس على الذين كانوا يسمعون بطرس): مريم لم تكن أقل من بطرس بسبب تقواها وإيمانها وبسبب الذي كان في بطنها.

“مباركة أنت في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك” (لوقا 1: 42): كيف عرفت أليصابات بحبل مريم؟ الروح القدس ألهمها وهو روح معرفة. كيف عرفت أليصابات بأن ثمرة بطن مريم هي أمر عجيب ومتميّز عن سائر الأجنة؟ أيضاً الروح القدس الذي حلَّ على أليصابات بسبب حضور مريم وسلامها هو نفسه الذي ألهم أليصابات وعلّمها ما لم تعلم. لوقا هنا يقدّم لنا مريم على أنها نبع بركة وسلام وحلول للروح القدس.

العذراء كل حين – للقديس جيروم ضد هلفيديوس

“فمن أين لي هذا: أن تأتي أمُّ ري إليَّ؟ (لوقا 1: 43):

ليست هذه الزيارة الأولى لمريم إلى إليصابات نسيبتها. لماذا إذاً اعتبرت أليصابات أن زيارة مريم لها هذه المرة بالذات هي شرف عظيم لأليصابات؟ ولماذا اعتبرت أليصابات نفسها أنها غير مستحقة لزيارة مريم لها هذه المرة؟

الجواب هو أن حالة مريم هذه المرة تختلف عن حالتها في المرات السابقة التي تزاورت فيها مريم وأليصابات. بالطبع مريم اليوم حاملٌ بيسوع في بطنها. هذا الجواب تقدّمة أليصابات بقولها: “أمُّ ربّي”.

كيف عرفت أليصابات أن الجنين هو “رب” أليصابات نفسه؟ “الرب” لليهودي (أي لأليصابات ومريم ولوقا كاتب الإنجيل) هو “الله” نفسه. فمريم هي إذاً أمً الله، لأن الجنين هو الله المتجسد نفسه، لهذا اعتبرت أليصابات نفسها غير مستحقة لزيارة مريم لها.

لو رأي لوقا (ومعه الكنيسة الأولى) أن لقب “أم الله” (ثيؤتوكوس) هو لقب خاطئ لاهوتياً لما كان وتجرأ على استعمال تعبير “أم ربي” هنا، لأن “أم الرب” وأم الله” تعبيران متماثلان.

إذا كانت مجرد زيارة مريم هي شرف عظيم لا يستحقه أيٌ كان، فكم بالأكثر مريم نفسها: هي أم الله وتابوت عهده وهيكل قدسه؟

لهذا فمريم “مباركة في النساء” بطريقة فريدة عن أية بركة أخرى. بركة مريم تجعلها شخصاً لا يستحقه أيٌ كان إلا إذا كان قريباً جداً من الله.

لهذا تنشد الكنيسة الأرثوذكسية: “يا مَن هي أكرم من الشيروبيم وأرفع مجداً بغير قياس من السرافيم. يا مَن بغير فسادٍ ولدت كلمة الله؛ حقاً إنكِ والدة الإله إياكِ نعظّم”

مريم أعظم من الملائكة ومن البشر جميعاً. لأن مريم وحدها صارت تابوت الله وهيكل قدسه ومكان حلول الثالوث القدوس.

الكنيسة الأرثوذكسية (ومعها الكاثوليكية) تؤكد أن لقب “والدة الله” أو “والدة الإله” لمريم العذراء هو ليس لقب تكريم، وإنما يقع في صلب عقيدة التجسد، ومَن ينكره على القديسة مريم العذراء إنما يطعن في صحة التجسد الإلهي. لهذا السبب يقول القديس يوحنا الدمشقي: “إن اسم أم الله Theotokos يحوي كي سرّ التدبير (الإلهي)، لأنه إن كانت التي حبلت به هي أم الله فالمولود منها هو بالتأكيد إله وأيضاً إنسان” (الإيمان الأرثوذكسي 12: 3).

“الرب”: “الرب معك”، “ويعُطيه الرب الإله”،”هوذا أمَة الرب”، “أمّ الربي”، “ما قيل لها من قبل الرب”، “تعظّم نفسي الرب”…. كل هذا له معنى واحد: “الرب” هو واحد لليهودي، وهو الله نفسه: يهوه. لهذا “أم ربي” لا يمكن أن تُفهم إلى بمعنى واحد: أم الله، أم يهوه.

“فهوذا حين صار صوت سلامك في أذنيَّ ارتكض الجنين بابتهاج في بطني” (لوقا 1: 44):

إليصابات تفسّر لمريم ماذا حدث: صوت سلام مريم جعل الجنين يرتكض ابتهاجاً في بطن أليصابات، كما أن صوت سلام مريم جعل الروح القدس يحلّ على أليصابات.

“فطوبى للتي آمنت أن يتمّ ما قيل لها من قبل الرب” (لوقا 1: 45):

مريم تستحق التطويب لأنها آمنت.

القديسة مريم العذراء آمنت: أي بذلت جهداً وقبولاً وعملاً فاعلاً نحو المبادرة الإلهية نحوها.

القديسة مريم العذراء آمنت: أي مريم لم تكن أداةً منفعلة، بل فاعلة في التجسد الإلهي.

القديسة مريم العذراء آمنت: لم تكن مريم قنا عبَرَ الربُ منها.

القديسة مريم العذراء آمنت: لأن مريم كانت أفضل امرأة في التاريخ اختارها الله أمّاً لابنه.

القديسة مريم العذراء أمنت: كانت أتقى امرأة، فاختارها الله، فاستحقّت التطويب لا لأن الله اختارها، بل لأنها أمنت وصارت أمّة للرب. لهذا يقول يسوع: “مَن أمّي وأخوتي؟…. لأن مَن يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي” (مر 3: 33-35).

القديسة مريم العذراء تستحق التطويب، لا لأنها صارت أم الله. بل تستحق التطويب لأنها كانت مؤمنة وأفضل امرأة في التاريخ بسبب إيمانها وتقواها، ولأنها كانت تفعل مشيئة الله. بسبب هذا كله تستحق التطويب، وبسبب هذا كله اختارها الله أمّاً لابنه. فلو وجدت امرأة أفضل من مريم لتكون أماً للمسيح، الله المتجسد، لما كان الله عادلاً في اختياره!

“تعظّم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلّصي” (لوقا 1: 46-47):

الله مخلّص مريم. لهذا ترفض الكنيسة الأرثوذكسية تعليم “الحبل بلا دنس” الكاثوليكي. الله اختار مريم لأنها الأفضل في إنسانية الساقطة التي تحتاج إلى مخلّص. “الحبل بلا دنس” يجعل مريم أداة منفعلة جعلها الله صالحة لتكون أمّه بدون إيمان منها أو جهد أو تقوى. هذا كله يعاكس جميع الآيات السابق ذكرها في لوقا.

“فهوذا منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال” (لوقا 1: 48-49):

جميع الأجيال تطوّب مريم. لم يقل أي أنسان من قبل إن جميع الأجيال تطوّبه. جميع الأجيال: أي الأجيال المؤمنة. لا يوجد مؤمن لا يطوّب مريم. فقط غير المؤمنين لا يطوّبون مريم!

لماذا تطوّب جميع الأجيال مريم؟ ذُكرت الأسباب: فهي “الممتلئة نعمة”، و”المباركة بين النساء”، وهي “أم يسوع: يهوه المخلّص”، “أم ابن العلي” و”أم الرب”، وعليها يحلّ الثالوث القدوس، وبواسطة مريم يحلّ الروح القدس حتى على الأجنّة، وسلام مريم مصدر ابتهاج وفرح وبركة ونعمة. يسوع صنع بمريم عظائم بأن تجسّد منها. فمريم هي أم عظائم القدير، عظائم الله. “لأن القدير صنع بي عظائم” (لو 1: 49): القدير هو الله، ويسوع هو الله.

“واسمه قدوس” (لو1: 49): أسم الله قدوس، فاسم يسوع قدوس، ومريم أم القدوس الساكن في حشاها والمولود منها. وبما أن القدوس لا يسكن إلا في قدوس ولا يولد إلا من قدوس: فمريم إذاً قدوس (صارت هكذا بحلول الروح القدس عليها).

“ورحمته إلى جيل فجيل للذين يتّقونه” (لو 1: 50):

رحمة الله هنا أنه أرسل يسوع لخلاصنا من مريم: فمريم أم مراحم الله. هذه الرحمة هي للذين يتّقون الله، لهذا مريم تتقي الله، لهذا هي فاعلة، لا منفعلة، في دورها لقبول التجسد.

“ابنها البكر” (لوقا 2: 7): يشير لوقا إلى أن يسوع هو ابن مريم البكر وليس ابن يوسف أو ابنهما البكر. هذه إشارة أخرى إلى بتولية الحبل بيسوع.

يسوع هو “المسيح الرب” (لوقا 2: 11)، لا “مسيح الرب”، أي يهوه نفسه، فمريم هي أم المسيح الرب، أم يهوه.

“وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به في قلبها” (لوقا 2: 19؛ ولو 3: 51):

لوقا هنا يقول صراحة إن لمريم رؤية مختلفة عن الآخرين، وإيماناً مختلفاً وتأمّلاً مختلفاً، لأنها كانت تعرف أكثر وتحب أكثر وتطيع أكثر وتؤمن أكثر. مريم فهمت أكثر كلَّ شيء بعد العنصرة: حلول الروح القدس الأول عليها (البشارة) كان لتقديسها وتهيئتها للحبل بيسوع. حلول الروح القدس الثاني (العنصرة) كان لقداستها الشخصية.

لوقا يربط بين الحوادث التي مرّت بالعائلة المقدسة وبين حفظ مريم لها في ذاكرتها وبين تفسير مريم له فيما بعد، بعد العنصرة. إشارة لوقا ههنا مهمّة لتفسير دور مريم في إنشاء الأناجيل، إذ كان لها دورٌ فاعل، فالكثير من المعلومات المدوّنة لنا أتت منها.

“أمّي وأخوتي هما الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها” (8: 19-21)(17)، وأيضاً: “بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه” (لو 11: 27-28): تعريف العائلة الإسكاتولوجية هنا: مَن يسمع كلام الله ويحفظه. مريم استحقت أن تطوبها جميع الأجيال لأنها سمعت كلام الله وحفظته. مريم استحقت أن تُطوَّب لأنها أيضاً أم الله.

و”كان جميع معارفه ونساءٌ كنَّ قد تبعنه من الجليل وافقين من بعيد ينظرون ذلك” (لو 23: 49): جميع معارف يسوع كانوا عند الصليب وهذا يشمل مريم.

القديسة مريم العذراء في إنجيل متى:

القديسة مريم العذراء

“ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” (متى 1: 25):

هذه المرة الثالثة في هذا الأصحاح الذي يذكر فيها متى أن الحبل بيسوع هو من الروح القدس(18). متى يدفع القارئ إلى استنتاج سبب عدم معرفة يوسف لمريم معرفة جسدية: سبب عدم معرفة يوسف لمريم قبل الولادة هو نفسه سبب عدم معرفته لها جسدياً بعد الولادة. هذا السبب هو: ابنها البكر، يسوع المسيح، مسيح الرب، عمانوئيل، المخلّص، يسوع. إذاً لا توجد علاقة زوجية بعد معرفة أن يسوع هو الله(19).

“قم وخذ الصبي وأمّه واهرب إلى مصر” (متى 2: 13؛ 14؛ 20؛21): الملاك (والإنجيلي متّى) يدعو مريم “أم يسوع” وليس زوجة يوسف. إذاً: لا يعرف الإنجيل مريم إلا من خلال يسوع، وليس من خلال أية علاقة أخرى. بيسوع قُدِّمت مريم لنا، وبيسوع نعرف مريم، ونحو يسوع تقودنا مريم بصلواتها وشفاعاتها.

“ها أمي وأخوتي. لأن مَن يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي” (متى 12: 46-50):

هذا المشهد يقدّمه متّى لنا لغاية واحدة تلخصها كلمات يسوع في نهايته. فالحدث مهمّ بأهمية التعليق الإلهي الآتي من الرب. وباختصار نقول إن هذا التعليق الإلهي على هذا الحث هو أن العائلة الإيمانية أهم بكثير من العائلة الجسدية. الإيمان رابطة أقوى وأعمق من الدم واللحم. هذا لا يعني أن العائلة الجسدية مرفوضة. يسوع قال: “أكرم أباك وأمك” (متّى 19: 19)، ولكنه قال: “وكلّ مَن ترك… أو أباً أو أماً… من أجل اسمي يأخذ مائة ضعف ويرث الحياة الأبدية” (متى 19: 29).

القديسة مريم العذراء في هذا المشهد هي النموذج الذي تحقّق فيه كلام الرب: مريم فعلت مشيئة الآب: “ليكن لي بحسب قولك”. وبالتالي هي أخو الرب وأخته وأمّه. لا بل هي أم كل مؤمن. وإن أوصى المسيح بالأم الجسدية فكم بالأكثر أن يوصي بأمّ الإيمان؟ لهذا السبب لا مفر لأي “مسيحي” أن يتخذ مريم أمّاً له. لا يمكنك أن تؤمن بالمسيح “فقط” ولا تبالي بمريم. المسيح لم ينزل من السماء مباشرة. أتانا من مريم وبمريم وعبر مريم.

“أليست أمّه تُدعى مريم وأخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا؟” (متّى 13: 53-58):

يسوع أتى إلى المجتمع من عائلة حقيقية (فيها الأب والأم والأخوة والأخوات). هذا أعثر الكثيرين الذين لم يستطيعوا مشاهدة أي شيء أعظم من الإنسان في يسوع. أيضاً إيمان الكنيسة بمريم ومعاينتها لمريم “أمّاً لله” أعثر الكثيرين الذين رفضوا أن يروا فيها أكثر من مجرد امرأة، مجرد إنسان.

موضوع أخوة الرب مذكور من مكان آخر(20).

مريم في إنجيل مرقس:

في مرقس 3: 31-35 نجد موضوع العائلة الإيمانية يتكرر كما في متّى 12: 46-50. وفي مرقس 6: 1-4 نجد موضوع أخوة الرب السابق ذكره.

مريم في إنجيل يوحنا:

إنجيل يوحنا يذكر مريم في مناسبتين رئيسيتين: عرس قانا الجليل وعند الصليب. هل توجد علاقة لاهوتية بين هذين المشهدين؟ طبعاً توجد وعلاقة قوية جداً.

الملاحظة الثانية هي أن يوحنا لا يدعو مريم باسمها بل فقط بلقبها “أم يسوع”: إنه لا يريد معرفتها إلا من خلال يسوع.

القديسة مريم العذراء في عرس قانا الجليل: (يوحنا 2: 1-11)

مريم مذكورة قبل يسوع وتلاميذه بسبب دورها البارز في هذا المشهد(21). مريم تتحسّس نضوب الخمر في العرس، والعرس هو العلاقة بين الله وشعبه. والخمر هو الفرح. إذاً مريم تتحسّس أن علاقة الله بشعبه في “ملء الزمان” صارت بدون “خمر”، بدون فرح، بدون بركة فقالت ليسوع “ليس لهم خمر”.

يسوع يعرف أن الخمر نضبت، لكن مريم تُخبره بهذا لأنها أمّه ولها دالّة عنده. مريم إذاً تتشفّع لنا عند ابنها وإلهها، أي تصلّي من أجلنا. يسوع أجاب مريم: “يا امرأة”: ليس هذا توبيخاً، ولا تعبيراً غير مهذّب من يسوع وهو القائل: “أكرم أباك وأمّك فهذه أول وصيةٍ بوعدٍ”. لكن يسوع خاطب نسوة أخريات بهذا اللقب مثل: الكنعانية (متّى 15: 28)، والمنحنية (لو 13: 12) والسامرية (يو 4: 21، 23)، والزانية (يو 8: 10)، والمجدلية (يو 20: 15).

العنصر المشترك بين هذه المشاهد كلها هو: أن يسوع استعمل لقب “يا امرأة” عندما كان على وشك أن يُظهر ألوهيته. استعمل يسوع لقب “يا امرأة” عندما كان على وشك القيام بمعجزة (الكنعانية والمرأة المنحنية)، وعندما أصدر دينونةً وحُكماً لامرأة أدانتها الشريعة اليهودية (الزانية). وعندما أعلن طريقة العبادة الحقيقية لله الآب (السامرية). وعندما وقف كإلهٍ ناهضٍ من الأموات (المجدلية). أخيراً استعمل لقب “يا امرأة” عندما كان على معلّقاً على الصليب يحتضر، فخاطب أمّه: “يا امرأة، هوذا ابنك” (يو 17: 26)، وخاطب تلميذه قائلاً: “هوذا أمّك” (يو 17: 27)

علاقة مشهد الصلب مع عرس قانا الجليل واضحة. فهما المشهدان الوحيدان في يوحنا حيث تظهر أم يسوع. لقد خاطبها يسوع بالعبارة نفسها: “يا امرأة”. عرس قانا الجليل حدث قبل “الساعة” (2: 4)، أي قبل ساعة الصلب والموت والتمجيد، يحدث هذا المشهد بعد أن أتت الساعة (19: 26).

إذاً، عندما يستعمل يسوع لقب “يا امرأة” فإنه يستعمله لا كمجرد إنسانٍ أو معلّم، بل كإلهٍ يُعلن شفاءً أو حُكماً أو شريعةً أو كشفاً عن علاقة جديدة بين الإله المصلوب والقائم من الأموات وبين الإنسان المدعو إلى الإيمان به والتلمذة له. في استعماله تعبير “يا امرأة” يكون يسوع في موقف خاص يعلن اعلاناُ خاصاً، اعلاناً يتعلّق بألوهيته وربوبيته. فما هو هذا الإعلان الذي جاء في كلامه لأمّه هنا عندما قال: “مالي ولك يا امرأة، لم تأت ساعتي بعد”؟

حتى نفهم لماذا استعمل الرب تعبير “يا امرأة” في عرس قانا علينا أن نفهم معنى قوله “مالي ولك يا امرأة، لم تأتِ ساعتي بعد”. “مالي ولكِ”: هو تعبير سامي معناه باختصار: “ما علاقتي بك؟” عندما يُطلب من طرف التدخل في مسألة، يشعر أن لا علاقة له بها، يستطيع أن يقول لمَن يطلب منه التدخل: “مالي ولك؟”، أي هذا شغلك، كيف أتدخّل أنا هنا؟(22)

فالرب في قوله: “لم تأتٍ ساعتي بعد” يفسّر لأمّه ماذا يقصد بجملة: “مالي ولك يا امرأة”. وكي نفهم معنى قوله “مالي ولكِ يا امرأة” علينا أن نفهم المقصود بقوله: “لم تأتِ ساعتي بعد”. فما المقصود من “الساعة” هنا؟

ما هي “الساعة” إذاً في إنجيل يوحنا؟ الساعة هي ساعة الآلام والصلب والموت: فيها الموت يؤدّي إلى حياة كما أن حزن الماخضة يؤدي إلى ولادة جديدة وحياة جديدة(23).

الآن نستطيع فهم لغز هذا الحوار بين مريم ويسوع في قانا. مريم تقول ليسوع: “ليس لهم خمر”. بالنسبة ليسوع الخمر هي رمز الدم. بما أن خمر العهد القديم قد نضبت وخسرت بركتها، احتاج الشعب إلى عهد جديد مختوم بدم جديد هو دم المسيح، والخمر هنا رمز لدم المسيح. وبما أن “الساعة”، ساعة الآلام والصلب لم تأتِ بعد عندما سيقدّم يسوع للشعب “الخمر الجديدة”، “الخمر الحقيقية” التي هي دمه، لهذا قال لمريم: “مالي ولك يا امرأة، لم تأتِ ساعتي بعد”. لأن يسوع وحده هو مَن يحدّد ساعة الصلب، ساعة إهراق دمه “الخمرة الحقيقية”.

مريم طلبت خمراً ويسوع فهم طلبها على مستوى آخر، أعمق. مريم فهمت قول الرب لها فقالت للخدام: “افعلوا كلَّ ما يقوله لكم”. لم تفهم قول الرب لها رفضاً لطلبها أو إهانة لا سمع الله. ويسوع فهم طلب مريم منه لكنه أراد التلميح إلى أن الخمر الحقيقية هي الوحيدة المستحقة أن تُطلب. هذه الخمر الحقيقية هي دمه القدوس.

“فآمن به تلاميذه” (يو 2: 11).

يوحنا لا يقول إن مريم آمنت بيسوع، لأنها كانت مؤمنة به سلفاً حتى قبل أول الآيات. قد يسأل سائل: من أين تعلم أن مريم كانت مؤمنة بيسوع قبل أول الآيات؟ سأجيب على هذا السؤال هنا لأنه سؤال الكثيرين من غير الأرثوذكس.

قال الإنجيلي يوحنا إن تلاميذه هم الذين آمنوا به ولم يذكر أمَّ يسوع. حقاً لم يكن في العذراء أيُّ شكٍ بيسوع أو بمقدرة يسوع. كيف سيدخل إليها أيُّ أثرٍ من شك وهي التي حبلت بالروح القدس بحسب قول جبرائيل نفسه، وأنجبت عمانوئيل، يسوع، يهوه المخلِّص، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم؟ يكف تشكُ وهي التي سمعت من أليصابات أن يوحنا المعمدان الجنين قد ارتكض ابتهاجاً في بطن أليصابات لدى سماعه صوت مريم، أمّ الرب؟

كيف سيداخلها أيُّ شكٍ وهي التي رأت المجوس الغرباء يأتون إليه ليسجدوا له سجودهم لملكٍ وإلهٍ؟ كيف يداخلها أيُّ شكٍ وهي التي رأت الرعاة يزورون الطفل الإلهي بعد أن سمعوا رسالةً ملائكية سماوية تسبّح الله في الأعالي؟

كيف يساورها أيُّ شكٍ وهي التي سمعت سمعان البارّ يقول عن الطفل الإلهي، عن مسح الرب، إنه خلاص يهوه ونور إعلان للأمم ومجداً لشعب يهوه (لو 2: 26-32)؟ كيف ستشكّ وهي التي سمعت من ابنها يسوع نفسه أن الله هو أبوه (لو 2: 49)، “فكانت أمّه تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها” (لو 2: 51)؟ من الواضح أن يوحنا الإنجيلي يضع مريم على حدة بالنسبة لتلاميذ يسوع. كان أمُّ يسوع متميّزة عنهم.

لكن الرب وهو على الصليب أراد أن يُظهر أن أمّه هي التلميذ المثالي، فقام بإيداعها لتلميذه الذي يحبّه، ليوحنا، مُظهراً أن التلمذة ليسوع أهمّ من العائلة الطبيعية. فمريم صارت أمّ الرب منذ الحبل بيسوع، لكنها كان تلميذته قبل ذلك لأنها كانت أفضل مَن كان يصلح ليكون أمّاً لابن الله وإلا لما عَدَلَ الله في اختياره لها.

” يا امرأة هوذا ابنك…. هوذا أمّك…” (يو 19: 25-27):

أم يسوع لم تغادره عند الصليب. الإنجيليين الإزائيين لم يذكروا وجودها عن الصليب. من يوحنا نعلم أنها كانت موجودة. إذا قاعدة: عدم ذكر مريم في مناسبة ما لا يعني عدم وجوده.

يسوع يؤسّس العائلة الإسكاتولوجية التي سبق وعرّفها سابقاً: التلميذ الذي كان يسوع يحبّه هو ابن مريم. كل تلميذ يحبّه يسوع هو ابن مريم وبالتالي مريم أمه. مريم جزء لا يتجزأ من العائلة المسيحية لا يمكن أن نتجاهله. يسوع كإلهٍ مصلوبٍ يؤسس العائلة الإسكاتولوجية. لهذا السبب يسوع يخاطب أمه “يا امرأة” وليس “يا أمّي”. هذا لا يعني أم مريم ليس ام يسوع أو أنه ينكرها, إنما يعني أن علاقة يسوع بمريم من الآن فصاعداً هي علاقة أهم وأعظم: علاقة إلهٍ بخليقته، ومعلّم بتلميذه. ولأن يوحنا هو التلميذ المثالي والذي كان يسوع يحبّه، فمريم هي التلميذة المثاليّة التي كان يسوع يحبّها.

إذاً: يسوع يعطي التلميذة المثالية إلى التلميذ المثالي. هذا يفسّر تعريف العائلة الإسكاتولوجية، ويفسّر “يا امرأة”.

“ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصته” (يو 19: 27). لو كان لمريم أبناء غير يسوع لما كانت قد سكنت مع يوحنا. حتى لو كان أخوة غير مؤمنين به آنذاك، فهذا لا يسمح ليسوع بتسليم مريم ليوحنا، لأن مريم، في تلك الحالة لو وجدت، كانت تسكن معهم (حتى لو كانوا غير مؤمنين).

أيضاً: “إلى خاصته” تعني إلى بيته، إلى حياته: كل مؤمن يجب أن يدعو مريم للدخول إلى بيته وحياته أي إلى خاصته كما فعل يوحنا: هذه وصية إلهية من الرب يسوع، لأن كل مؤمن مدعوٌ أن يكون “التلميذ المثالي” وبالتالي ينال شرف أن يكون ابن مريم، وأن تكون مريم أمّه، وبالتالي يأخذها إلى “خاصته”، إلى حياته.

مريم في أعمال الرسل:

“هؤلاء كلهم كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة (والطلبة) مع النساء ومريم أم يسوع ومع اخوته” (أعمال 1: 14):

مريم أم يسوع منفصلة ومتميّزة عن “النساء” لأنها لا تُقاس بهن: “تطوبني جميع الأجيال” الخ…

مريم أم يسوع منفصلة عن “اخوته” لأنها جزء من العائلة الإيمانية وليس بحسب الجسد بعد الآن.

مريم العذراء

مريم في سفر الرؤيا:

“وظهرت آيةٌ عظيمة في السماء، امرأة متسربلةٌ بالشمس… وعلى رأسها إكليلٌ… والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتى يبتلع ولدها…” (رؤ 12: 1-6): المرأة هنا تتمخض لتلد ابناً.

كثيرون من المفسّرين يعتبرون “المرأة” في رؤيا 12 أنها الكنيسة. لكن الكنيسة ليس أمّ المسيح، بل عروسه. إذاً المرأة في رؤيا 12 يمكن أن ترمز أيضاً إلى القديسة مريم العذراء أم المسيح. القديسة مريم العذراء لها إكليل على رأسها فهي الملكة. مريم متسربلة بالشمس: دلالة على مكانة مريم في الكنيسة. توجد وجهات نظر متباينة تؤيد التفسيرّين معاً.

في هذه اللمحة السريعة تناولنا مناقشة النصوص الكتابية التي تذكر القديسة مريم العذراء في العهد الجديد. نلخص النقاط المهمّة التي وجدناها كما يلي:

  1. الحبل بيسوع المسيح كان حبلاً عجائبياً من الروح القدس وبدون علاقة زوجية مع يوسف، مما يميّز حبل القديسة مريم العذراء عن حبل العاقرات في العهد القديم. بالحري، إن القديسة مريم العذراء هي أعظم مخصبة لأنها ولدت المسيح، الحياة الأبدية.
  2. مريم “الممتلئة نعمة” هي أفضل امرأة وأصلح نساء الكون لتكون أمّاً ليسوع وإلا لكان الله قد أجحف في اختياره لها. قداستها ومحبتها وغيرتها جعلتها موضع اختيار الله.
  3. مريم لم تكن منفعلة في التجسد الإلهي، ولم يستعملها الله كأداة أو قناة أو مجرد “رحم” ليلد منه المسيح. كان دورها فاعلاً لدرجة تطلب أن توافق على الخطة الإلهية.
  4. يوسف لم يعرف مريم قبل زواجها بسبب يهوه المخلّص الموجود في بطنها. هذا السبب دفع يوسف لعدم معرفة القديسة مريم العذراء معرفة جسدية بعد ولادة المسيح الرب.
  5. مريم هي تابوت الله وهيكله ومكان حلول الثالوث القدوس. “لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله”.
  6. مريم نبع سلام وبركة ونعمة وبواسطتها يحلّ الروح القدس حلولاً عجائبياً وصانعاً للعجائب.
  7. مريم هي أم الرب أي أم الله لأن المولود منها هو نفسه الرب، عمانوئيل، المسيح الرب. هي أم المولود منها وليس أم جزء منه.
  8. يجب أن نكون مستحقين لحضور القديسة مريم العذراء في حياتنا، فهي ليست إنساناً عادياً، علاقتنا بمريم هي علاقة إيمانية، مبنية على العائلة الأخروية أو الإيمانية. جميع الأجيال مطالبة بتطويب مريم وبصنع علاقة إيمانية خاصة معها.
  9. مريم تتشفّع من أجلنا إلى ابنها وإلهها. إنها تتحسّس حاجاتنا وضعفاتنا فتقول لابنها: “ليس لهم خمرٌ”، أي نضبت النعمة لديهم. وابنها يستجيب لطلباتها من أجلنا.

إيمان الكنيسة الأرثوذكسية بالقديسة مريم العذراء، هو إيمان مبني على الكتاب المقدس في كل تفاصيله. لهذا السبب لا يستقيم الإيمان بالمسيح بدون الإيمان الصحيح بالقديسة مريم العذراء بدون مغالاة، سواء برفضها كلياً أو بنسبة أمور غير صحيحة لها. (د. عدنان طرابلسي)

“ومن ثمّ فإنه لعدلٌ وحق أن نسمّي القديسة مريم العذراء والدة الإله، لأن هذا الاسم يوطّد سرّ التدبير كله. فإذا كانت الوالدة والدة الإله. فالمولود منها إلهٌ بكامله وإنسان أيضاً بكامله.” (القديس يوحنا الدمشقي)

“خلّصي عبيدك من الشدائد يا والدة الإله، لأننا كلنا بعد الله إليكِ نلتجئ، كمثل حصن لا ينشق ولا ينصدع، وشفيعة” (خدمة الباراكليسي)

 

(16) ستصدر لاحقاً دراسة عن “القديسة مريم العذراء في العهد الجديد”.

(17) قارن مع متى 12: 46-50 ومرقس 3: 31-35 (تعريف العائلة الإسكاتولوجية: الأخروية).

(18)  متى 1: 18؛ 20: 23.

(19) راجع دراسة “ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” في شرح إنجيل متى، الجزء الأول، ص 283 (ترجمة د. عدنان طرابلسي).

(20) راجع دراسة “اخوة الرب” في الجزء الثاني من شرح إنجيل متى، ص 369، ترجمة د. عدنان طرابلسي.

(21) سننشر دراسة لاحقة مستقلة عن “عرس قانا الجليل”. سأستعرض هنا بعض النقاط مختصرة تجنباً للتكرار (المحرر).

(22) 2ماو 3: 13؛ هوشع 14: 8.

(23) راجع يوحنا 16: 4؛ 16: 21؛ 17: 1؛ متى 26: 45؛ مر 14: 35؛ 14: 41؛ يو 12: 23؛ يو 13: 1؛ الخ.

ما هي صورة القديسة مريم العذراء في الكتاب المقدس خصوصاً في العهد الجديد؟

أهم رموز التجسد في العهد القديم، وما هي دلالتها؟ رموز المسيح في العهد القديم

أهم رموز التجسد في العهد القديم، وما هي دلالتها؟ رموز المسيح في العهد القديم

أهم رموز التجسد في العهد القديم، وما هي دلالتها؟ رموز المسيح في العهد القديم

 صفحة : المسيح في التراث اليهودي

عشرة رموز للتجسد الإلهي وهي:

1- شجرة الحياة:

“وشجرة الحياة في وسط الجنة” (تك 2: 9) وكانت هذه الشجرة رمزًا للكلمة المتجسد ” قال له يسوع أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو 14:6).

2- ملكي صادق:

كاهن الله العلي الذي استقبل إبراهيم بعد انتصاره على كدر لعومر والملوك الذين معه، فبارك ملكي صادق إبراهيم، وقدم إبراهيم له العشور، فكان ملكي صادق رمزًا للإله المتأنس واهب البركات وقابل العشور، والذي يقدم ذبيحته من الخبز والخمر (تك 14: 17-20) ويعلق بولس الرسول قائلًا عنه انه شبَّه بابن الله المتجسد الذي بلا أب من حيث الجسد، وبلا أم من حيث اللاهوت، أزلي أبدي. “المُترجَم أولًا ملك البر ثم أيضًا ملك ساليم أي ملك السلام. بلا أب بلا أم بلا نسب. لا بداءة أيام له ولا نهاية حياة بل هو مشبَّه بابن الله..” (عب 7: 2، 3).

3- العليقة (خر 3: 2، 3):

كما إن النار لم تحرق العليقة إنما كانت تتآلف تلاطف اللاهوت مع الناسوت ليس على سبيل التقارب أو المصاحبة ولكن على مستوى الإتحاد الكامل، ويقول القديس أثناسيوس الرسولي:

“أن المسيح الواحد هو من شيئين، نار جوهر الكلمة الخالق وجوهر الناسوت، المتحدين معًا بغير اختلاط ولا تحول، على قياس العليقة المشتعلة، فقد أورى الله لموسى نارًا تلتهب في شجرة عليق على جبل سيناء.. خلطة بين نار تحرق وشجرة تقبل الاحتراق، من غير أن تتحول النار عن نورها وحرقتها، ولا تتحول الشجرة عن ثقلها.. ليس لأن النار فقدت خاصيتها وتحوَّلت عن جوهرها. بل لأنها منعت نفسها بقوة قدرتها أن تحرق، وصارت مشتعلة في الشجرة، والشجرة قائمة على حالها في الخضرة لا تحترق ولا تتغير” (1)

وقال القديس كيرلس الكبير:

“إن الله نزل في البرية بمنظر النار، وكان يضئ في العوسج ولا يحرقه، وكان موسى يتعجب من هذا المنظر لأن الخشب لا يحتمل النار فكيف استطاعت هذه المادة القابلة للاحتراق أن تحتمل اشتعال النار فيها بدون أن تحترق. لقد كان هذا مثالًا للسر الذي فيه استطاعت طبيعة اللوغوس الإلهية أن تخضع نفسها لحدود البشرية، وكما كانت النار تضئ العليقة دون أن تحرقها هكذا أيضًا اللوغوس لما تجسد لم يحرق الجسد الذي اتحد به بل على العكس جعله جسدًا محييًا” (1).

4- تابوت العهد:

“فيصنعون تابوتًا من خشب السنط. وتغشّه بذهب نقي من داخل ومن خارج تغشّه” (خر 25: 10، 11) فخشب السنط الذي لا يسوس يشير للناسوت الخالي من سوس الخطية، والذهب النقي يشير للاهوت، وهكذا اتحد اللاهوت بالناسوت، فصار الناسوت غنيًا بمجد اللاهوت من الداخل ومن الخارج.

5- خيمة الاجتماع:

أوصى الرب موسى ليقدم بنو إسرائيل تقدماتهم لعمل خيمة الاجتماع ومحتوياتها ليحل فيها وليسكن في وسطهم قائلًا ” فيصنعون لي مَقدِسًا لأسكن في وسطهم. بحسب جميع ما أنا أُريك من مثال المسكن ومثال جميع آنيته هكذا تصنعون” (خر 25: 8، 9).

6- المن (خر 16: 13-16):

وقد أوضح رب المجد ذاته أن المن الذي نزل من السماء كان رمزًا له قائلًا: لأن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم.. فقال لهم يسوع أنا هو خبز الحياة. من يقبل إلىَّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا” (يو 6: 33-35).

7- الصخرة:

عندما عطش بنو إسرائيل وتعرضوا للهلاك قال الرب لموسى “ها أنا أقف أمامك على الصخرة في حوريب فتضرب الصخرة فيخرج منها ماء ليشرب الشعب” (خر 17: 6) وقال الرب يسوع “من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد” (يو 4: 14) وأوضح معلمنا بولس أن هذه الصخرة كانت تشير للمسيح قائلًا “وجميعهم شربوا شرابًا واحدًا روحيًّا. لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح” (1 كو 10: 4).

8- جمرة أشعياء:

“فطار إلىَّ واحد من السارافيم وبيده جمرة قد أخذها بملقطٍ من على المذبح” (اش 6: 6) وقال القديس أثناسيوس :

إن الجوهر الإلهي الخالق قد اتحد بجوهر الناسوت في نسيج واحد، بلا خلط بين الجوهرية ولا تحوُّل ولا فساد ولا فرقة بينهما، على مثال جمرة إشعياء المتألقة من طبيعتين وجوهرين أحدهما النار والأخرى العود (الخشب) الذي تجسَّمت فيه النار، ولولا ذلك ما رؤيت النار بمفردها لكونها لطيفة، وان السارافيم إنما أخذها من فوق المذبح بملقط لكي لا يحترق بنارها، ومع أن النار قد التحمت بالعود في جمرة واحدة فلم يختلط احدهما في الآخر، ولا تحوَّل أحد الجوهرين عن طبيعته، فلم تتحول النار عن خاصية النور والإحراق، ولا العود عن غلظه وثقله” (1)

وقال البابا كيرلس الكبير:

“السيد المسيح يشبه جمرة أشعياء لأنه يمثل شيئين قد أُجمعا إلى واحد، وكما إن النار حينما تتصل بالخشب تحوله بنوع ما إلى مجدها الخاص ومع ذلك يبقى الخشب على ما كان عليه، هكذا الله المتحد بالناسوت بصورة لا ينطق بها قد حفظ لناسوته صفاته الخاصة (الصفات البشرية) وهو نفسه بقى إلهًا كما كان (قبل تجسده)” (2).

وقال البابا كيرلس الكبير أيضًا:

“فكما أن النار عندما تتحد بالفحم تستحوذ على كيانه وتحوله إلى مظهر النار وقوتها وتضع فيه جميع صفاتها حتى انه يعتبر واحد معها هكذا في المسيح الله المتحد بالناسوت.. وهو نفسه قد بقيّ إلهًا كما كان.. غير انه من بعد الإتحاد يعتبر واحدًا مع ناسوته لأنه اقتنى لنفسه ما لهذا الناسوت كما أشاع في هذا الناسوت أيضًا قوة طبيعته الإلهية الخاصة “(3)

9- حجر دانيال (دا 2: 44، 45):

وهو الحجر الذي رآه نبوخذ نصر وقد قطع بدون يدين فسحق التمثال العظيم المصنوع من الذهب والفضة والنحاس والحديد والخزف ثم صار جبلًا ضخمًا ملأ الأرض كلها (دا 2: 31-35) هو إشارة لمولود العذراء الذي وُلدِ بدون زرع بشر.

10- كلمة الله:

التي تجسمت كتابةً على لوحي العهد بيد الله كانت إشارة لتجسد كلمة الله في ملء الزمان كقول بولس الحكيم “الله بعدما كلَّم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة. كلَّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه” (عب 1: 1، 2) وكما صام موسى أربعين يوما قبل أن يستلم كلمة الله.

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

أهم رموز التجسد في العهد القديم، وما هي دلالتها؟ رموز المسيح في العهد القديم

Exit mobile version