الرد على شبهة سفر استير المغضوب عليه أم المفترى عليه – أثيناغوراس
الرد على شبهة سفر استير المغضوب عليه أم المفترى عليه – أثيناغوراس
الرد على شبهة سفر استير المغضوب عليه أم المفترى عليه – أثيناغوراس
يُعد سفر استير من الأسفار المتفق عليها بين اليهود والمسيحيين برغم الاختلاف العقيدي بين الديانتين. ونذكر هنا مثالا بالرغم من العداء المتبادل بين العرب والإسرائيليين إلا أن كلاهما لا يستطيع إنكار إعلان دولة إسرائيل عام 48.
بالرغم من عدم وجود مخطوطة واحدة لنص سفر استير بكهوف قمران الذي يحتوي على اكثر من 960 لفافة إلا انه يوجد بالكهف الرابع لفافة لترجوم (تفسير) يحكي قصة استير ومردخاي مما يثبت معرفة الأسينيين لسفر استير والذين عاشوا بالقرن الثاني والأول قبل الميلاد.
تعتبر هذه اللفافة أحد الأدلة الخارجية التي تثبت قانونية السفر وتأخذ هذه اللفافة رقم 550 بالكهف الرابع ويرمز بالرمز 4QProto-Esther وذلك إشارة لقصة استير بهذه اللفافة وهى بذلك تنفي عدم معرفة الأسينيين بسفر استير.
يوجد أيضا دليل داخلي يثبت أن كاتب هذا السفر هو مردخاي نفسه حيث يُذكر في سفر استير الأصحاح التاسع العدد 20 “وكتب مردخاي هذه الأمور وارسل رسائل الى جميع اليهود الذين في كل بلدان الملك أحشويروش القريبين والبعيدين” (اس 9: 20).
يلاحظ من الدليل السابق أن مردخاي لم يكتب الأحداث واحتفظ بها لنفسه فقط بل علم بها جميع الشعب في كل أنحاء المملكة وعليك أن ترجع إلى مدى حدود الإمبراطورية الفارسية في ذلك الوقت لتعرف مدى انتشار سفر استير بين يهود الشتات.
يوجد أيضا دليل أخر من داخل العهد القديم بالأسفار القانونية الثانية وبالتحديد سفر المكابين الثاني الأصحاح الخامس عشر العدد 37 يقول “بل يكون عيدا وهو اليوم الثالث عشر من الشهر الثاني عشر الذي يقال له أذار بلسان ارأم قبل يوم مردخاي بيوم واحد” (2مك15: 37)
ويلاحظ هنا انه لم يكن عيد الفوريم المذكور في سفر استير معروفا فقط عند المكابين في القرن الثاني قبل الميلاد بل انهم قد نسبوه الى مردخاي نفسه “يوم مردخاي” ومعروفا بتاريخ محدد كل عام في 14 أذار.
وقد وضع اليهود سفر استير في الأدراج الأربعة المعروفة باسم (مجلوث) التي كانوا يقرأونها في المناسبات القومية حتى حينما كانوا يقرأون السفر ويصلون الى كلمة “هامان” أثناء القراءة يبدأون بالفرح بالانتصار والسخرية من هامان (لذلك يسمى أيضا عيد المساخر).
وبالرجوع الى الأدلة الخارجية نجد أن سفر استير موجود في الترجمة اليونانية لأسفار العهد القديم والمعروفة بالسبعينية ولكن في عشرة أصحاحات مدمجة للنصوص العبرية ولليونانية تتضمن عشرة أصحاحات مترجمة من العبرية أما باقي الأصحاحات (تتمة استير) فتوجد باللغة اليونانية فقط.
وقد كُتبَت هذه التتمة اليونانية (11-16) في عام 114 ق. م. كما نقرأ هذا في الأصحاح الحادي عشر العدد الأول “كان في السنة الرابعة من ملك تلماي وكلوبطرا” (اس 11: 1).
وقد وردت تتمة استير (11-16) في الترجمة اليونانية السبعينية لسفر استير في خمسة أجزاء تبلغ في مجموعها 107 من الأعداد ولأنه لا يوجد لهذه نصوص في الأصل العبري فوضعت في نهاية السفر في الترجمة اللاتينية (الفولجاتا) حسب القديس جيروم وعنه انفصلت الأسفار القانونية الثانية بمجلد خاص.
ويتضح من دراسة سفر استير بالترجمة السبعينية أن التتمة (11-16) لم تكن ملحقة بالسفر ولكن هي أصلا أعداد ومقاطع في وسط السفر وقد أدمجت بمهارة في مكانها في الترجمة السبعينية وقد ترجم سفر استير الى اللغة السريانية والقبطية أيضًا.
وقد جاء في التلمود أن كاتب هذا السفر هو المجمع العظيم الذي يرأسه عزرا الكاتب والكاهن أثناء جمعه للأسفار المقدسة بعد العودة من السبي في أصحاحات العشر الأولى بالعبرية في القرن الخامس قبل الميلاد ثم أضيفت التتمة لاحقا باليونانية مدمجة بالنص في القرن الثاني قبل الميلاد.
وبقراءة سفر استير في أصحاحاته العشر الأولى (ص1-10) لا يرد لفظ الجلالة “يهوه” ويعلل عدم ذكر اسم الله أن القصة التي كتبها مردخاي قد اُستخرجت من مستندات القصر الفارسي (2: 3).
ويؤكد ما سبق ما قاله المؤرخ اليهودي الشهير يوسيفوس الذي قال أن كاتب سفر استير هو عزرا عن مردخاي Josephus, Antiquities, book 11, Chapter 6.
اقتبس أباء الكنيسة من سفر استير منذ القرون الأولى المبكرة للمسيحية حيث اقتبس منه القديس إكليمندس الروماني من آباء الجيل الأول (في رسالته الأولى إلى كورنثوس – الفصل 55).
كما اقتبس منه العلامة أوريجانوس من آباء الجيلين الثاني والثالث (في رسالته إلى يوليوس الأفريقي وفى كتابة الصلاة ف14).
ولما وُجد سفر استير بجميع أصحاحاته مدمجين بالترجمة السبعينية والتي قام بها مترجمين يهود بالأساس وذلك باعتباره احد أسفار الكتاب المقدس فقد صار من الخطأ انكار قانونية السفر. ومنه صدر لفظ “الأسفار القانونية الثانية”
ومن الأدلة التي تشير الى أسلوب عزرا في نسخ سفر استير نقلا عن مردخاي هو تتطابق العديد من مرادفات سفر استير مع سفري عزرا (عزرا + نحميا).
أخيرا لا يمكن المتاجرة بأقوال البابا أثناسيوس في أسواق الحقد والضغينة فما ذكره القديس أثناسيوس خاص فقط بتتمة استير المدمجة بين أصحاحات السفر هذه التي فصلها القديس جيروم لاحقا في ترجمته اللاتينية (الفولجاتا) وأن هناك أسفار صالحة للتعليم وخاصة للمنتمين الجدد للمسيحية منها تتمة استير ويهوديت وغيرها.
البابا أثناسيوس لم يقل على الإطلاق ولو لمرة واحدة أن سفر استير مزيف بل وضع هذه الأسفار في درجة ثانية تحت الأسفار القانونية الأولى فيما يعرف بالأسفار القانونية الثانية!
ملخص:
مقاطع تتمة استير المدمجة في أصحاحات السفر كما يلي:
التتمة ص10: 4-11: 1
مدمجة بالسبعينية ص10
التتمة ص11: 2-12: 6
مدمجة بالسبعينية ص1
التتمة ص13: 1-7
مدمجة بالسبعينية ص3
التتمة ص13: 8-14: 19
مدمجة بالسبعينية ص4
التتمة ص15: 1-19
مدمجة بالسبعينية ص5
التتمة ص16: 1-24
مدمجة بالسبعينية ص8
انتهى..
الرد على شبهة سفر استير المغضوب عليه أم المفترى عليه – أثيناغوراس
السؤال هُنا، هل تخلّى الله عن المسيح على الصليب أو الآب حجب وجهة عن الابن؟ بكل تأكيد لا.. ولا يمكن أن نفسر النص هكذا (كما فسره المطوب أغسطينوس، كما ذكره توما الإكويني في تعليقاته على الأناجيل الأربعة Catena Aurea)
هل هو تلاوة للمزمور على أذان صالبيه؟ دا مش صحيح..
فما معنى النص؟
1- إنّ الكلمة اليونانيّة المستخدمة هُنا للتعبير عن الصُراخ هي ἀνεβόησεν وجدير بالذكر أنّها لم تُستخدم في كلّ العهد الجديد سوى في هذا الموضع،( ١) وهذا هو المعنى الرئيسيّ للكأس في بستان جثيماني (مر14: 35).( ٢)
2- كان ذكر للمزمور 22 لداود، لكنه لم يكن ليعرِّف صاليبيه هذا المزمور، فهم لم يفهموه كما رأينا، بعضهم اعتقده يناجي إيليا، والبعض الآخر لم يفسر الكلمات من الأصل. لكنه تذكرة وتقوية له هو، كي يستمد من هذا المزمور الذي يبدأ بالألم وينتهي بالقيامة قوته. وجدير بالذكر أنّ كلمة (إيلي) التي استخدمها القديس متّى هُنا هي الترجمة الشائعة والتي وردت في ترجوم على المزامير.(٣ ) ويرى العالم الكتابيّ رايموند براون أنّ المسيح هُنا كان يستمد من صلاته بالمزمور شجاعة وقوة وسط أحلك لحظات حياته وأشدها قسوة وظُلمة.(٤ )
3- وربما لا ننكر حالة التخلي التي حدثت للمسيح هُنا، ولكن أي نوع من التخلي عاناه المسيح؟ إنّه الترك، لا حجب الآب وجهه عنه كما قال بعض المفسرين، ولا ترك اللاهوت له ليعاني الآلام، كما اعتقد البعض، وهو رأي الهرطقة النسطوريّة.
بل حالة الترك هُنا هي أن يُترك ليُسلَّم ويصلب ويتألم ويحمل خطايا البشريّة ليموت. لكنه شعور من يعرف النهاية، من يعرف أنّه لهذه الساعة قد أتى (مت26: 45؛ مر14: 41؛ يو12: 23، 27؛ 17: 1). فقد تُرِك ليطيع بكلّ هذه الآلام التدبير الإلهيّ الموضوع أمامه (عب5: 8؛ 12: 2)، وهو تدبير شارك فيه وخطط له بكلّ تأكيد، ولكن لحظة التنفيذ هذه صعبة على النفس البشريّة، وقد كان المسيح إنسان كامل كما نعلم أنّه إله كامل، ولم تنتقص أي من طبيعتيه من الأخرى.
هذا ما يقول به العلَّامة أوريجانوس، حين يكتب:
”نفهم بوضوح قوله لماذا تركتني حين نقارنه مع المجد الذي للمسيح عند الآب بالاحتقار الذي كابده على الصليب، ذاك الذي عرشه كان الشمس ومثل القمر يكون للأبد ثابتًا وشاهدًا“.(٥)
٤- وهذا أهمّ من جميع النقاط السابقة، أنّ المسيح هُنا يتحدث لا بلسانه كالابن الوحيد، ولا بلسانه حال إنسانيّته، بل بلسان البشريّة، فنحن من خرجنا من معيّة الآب، وهُنا يصرخ يسوع بلساننا طالبًا عودة وجه الآب علينا، وإحاطته برحمة إلهيّة بنا، كما يقول الآباء:
قال القديس غريغوريوس النيزنزيّ: “وظهر في التعبير “إلهي إلهي لماذا تركتنى؟” أنَّه لم يكن هو الذي تُرك سواء من الآب أو من لاهوته كما ذكر البعض، كما لو أنَّه كان خائفًا من الألم… ولكن كما قلت كان في شخصه ممثلًا لنا، لأنّنا نحن الذين كنا متروكين ومحتقرين من قبل ولكن الآن ارتفعنا ونجينا بمعاناة ذاك (المسيح) الذي كان يمكن أن لا يعانى (يتألم) فقد جعل عصياننا وخطأنا خاص به هو”.(٦)
وكتب يوحنا الدمشقيّ:
“ومن المقولات ما هى التماس للعون والنجدة. مثلًا: “إلهي إلهي، لماذا تركتني” و”إنَّ الذي لم يعرف الخطية جعله خطيئة لنا”. و”صار لعنة لأجلنا” (غلا 13: 3). و”يخضع الابن نفسه للذي أُخضِعَ له كلّ شيء” (1كو 28: 15). والحال أنّ الآب لم يترك ابنه قط لا من حيث هو إله، ولا من حيث هو إنسان. ولم يكن الابن قط خطيئة ولا لعنة، ولم يكن بحاجة أن يخضع للآب. فمن حيث هو إله، وهو مساو للآب وهو ليس معاديًا له ومن حيث هو إنسان، فلم يكن قط مقاومًا لأبيه كي يضطر إلى تقديم الخضوع له. وإنَّما قال هذا لإنَّه أختصّ بشخصنا وجعل ذاته بمستوانا، لأنَّنا كُنَّا خاضعين للخطية واللعنة. ولذلك كُنَّا متروكين”.( ٧)
“أما قول المسيح: “إلهي إلهي لماذا تركتني؟” فمعناه أن المسيح أختص شخصيًا، فإنَّ الآب لا يكون إلهه إلَّا إذا فصل العقل بتصوُّرات دقيقة بين ما يرى وما يعقل جاعلًا المسيح معنا في صفنا دون أن يفصله البتة عن لاهوته الخاص، لكننا كُنَّا نحن المهملين والمنسيين، حتّى أنّه وقد أختص شخصنا صلى الصلاة المذكورة”.( ٨)
والقديس كيرلس السكندريّ يكتب:
“إذا أعتبرنا أن الابن الوحيد تأنس، فهذا الإعتبار هو الذي يجعلنا نفهم لماذا صدرت عنه هذه الكلمات، لأنه صار كواحد منا ونائب عن كلّ الإنسانية، وقال هذه الكلمات لأنّ الإنسان الأوَّل تعدى وسقط في عدم الطاعة ولم يسمع الوصية التي أعطيت له وإنما تعداها بمكر التنين، فصار أسيرًا للتعدي ولذلك بكلّ حقّ أُخضِعَ للفساد والموت. ولكن الابن صار البداية الجديدة على الأرض ودعيَّ آدم الثاني.
وكان الابن الوحيد يقول: “أنت ترى فيَّ أنا الجنس البشريّ وقد وصل إلى عدم الخطأ وقدوس وطاهر” فأعطه الآن البشارة المفرحة الخاصّة بتعطفك وأزل تخليك، وأنتهر الفساد وليصل غضبك إلى نهايته. لقد غلبت الشيطان نفسه الذي نجح قديمًا ولكنه لم يجد فيَّ شيئًا يخصَّه. هذه معاني كلمات المخلِّص التي كان يستدعي بها تعطُّف الآب، ليس عليه هو، بل على الجنس البشريّ الذي كان يمثله”.( ٩)
________________________________ 1 James Swanson, Dictionary of Biblical Languages With Semantic Domains : Greek (New Testament), electronic ed. (Oak Harbor: Logos Research Systems, Inc., 1997), DBLG 331.
2 R. T. France, vol. 1, Matthew: An Introduction and Commentary, Tyndale New Testament Commentaries (Nottingham, England: Inter-Varsity Press, 1985), 404. R. Alan Cole, vol. 2, Mark: An Introduction and Commentary, Tyndale New Testament Commentaries (Nottingham, England: Inter-Varsity Press, 1989), 327.
إنجيل برنابا الأبوكريفي – ما الذي تعرفة عنه؟ جيمس بيشوب – ترجمة أ/ كارتيير
إنجيل برنابا الأبوكريفي – ما الذي تعرفة عنه؟ جيمس بيشوب – ترجمة أ/ كارتيير
ما الذي تعرفة عن إنجيل برنابا الأبوكريفي؟ الباحث جيمس بيشوب – ترجمة أ/ كارتيير
إنجيل برنابا هو نص أبوكريفي يرجع تاريخيه الي فترة العصور الوسطى تم نسبه إلى برنابا الذى يعتبر أيقونة في وقته لدوره في مناهضة الإمبراطورية الرومانية في زمن بزوغ المجتمع المسيحي في أعقاب موت المسيح. هذه المقالة تتناول بعضاً من التعاليم الرئيسية لنص الإنجيل الأبوكريفي وأقواله الخاصة بيسوع تاريخيا بالإضافة إلى زمن كتابة نصه ومصداقيته.
أولا: من هو برنابا الرسول؟
هذا النص منسوب الي برنابا الرسول المذكور في كتابات العهد الجديد انه كان من ضمن الرسل عقب فترة صعود المسيح الي السماء بحسب سفر الاعمال 4 : 36 “وَيُوسُفُ الَّذِي دُعِيَ مِنَ الرُّسُلِ بَرْنَابَا، الَّذِي يُتَرْجَمُ ابْنَ الْوَعْظِ، وَهُوَ لاَوِيٌّ قُبْرُسِيُّ الْجِنْسِ، “. بحسب ما وصلنا تاريخياً عن سيرة برنابا نجد أن هناك مصدرين اساسيين وهم يصنفان انهم مصدران مستقلان.
وهما سفر أعمال الرسل والآخر في رسائل بولس الرسول التي تناولت دور برنابا البارز في بداية تأسيس الكنيسة المسيحية المبكرة. يعتبر برنابا عضو فعال وله دور بارز في الحركة المسيحية. بالرجوع لسفر الاعمال 11 : 20ولكن كان منهم قوم وهم رجال قبرسيون وقيروانيون الذين لما دخلوا انطاكية كانوا يخاطبون اليونانيين مبشرين بالرب يسوع. 21 وكانت يد الرب معهم فآمن عدد كثير ورجعوا إلى الرب”.
فنجد أن برنابا له دورهام في هذه الفترة.وتمحور هذا الدور بشكل بارز في اورشليم بحسب أعمال الرسل 36.ونعرف عنه انه تقابل مع القديس بولس وتعرف عليه وعلي باقي الرسل بحسب سفر الأعمال 9 : 27 فأخذه برنابا واحضره الى الرسل، وحدثهم كيف ابصر الرب في الطريق وانه كلمه، وكيف جاهر في دمشق باسم يسوع.
فالقديس بولس يذكر مصاحبة برنابا له في رحلاته التبشيرية في غلاطية 2 : 1 وغلاطية 2 : 9 وكولوسي 9 : 6 وكلوسي 9 : 11.
كل هذا يؤكد بشكل تاريخي لا يقبل الجدل أن برنابا رسول.الاختلاف يكمن في نص الإنجيل الأبوكريفي الذي اتخذ اسمه.فهو اتخذ اسم إنجيل برنابا ولا ينبغي أن نخلط بين إنجيل برنابا ورسالة برنابا.فمحور حديثنا اليوم عن إنجيل برنابا الأبوكريفي.
ماذا عن مخطوطات إنجيل برنابا الأبوكريفي؟
ما نملكه من مخطوطات لهذا الكتاب الأبوكريفي هم اثنان فقط. مخطوطة ايطالية من القرن السادس عشر الميلادي. والأخرى اسبانية من القرن الثامن عشر الميلادي، (1)
المخطوطتان ليسوا في حالة جيده فلم يكن لدارسي النقد النصي العديد من الخيارات سوي استخدامهم لكي يصلوا الي اعادة بناء الشكل المحتمل التي كانتا عليه لإنجيل برنابا.
برغم ان الإنجيل منسوب الي برنابا، هناك إجماع أكاديمي على أن الرسول برنابا الحقيقي لم يكتب هذا النص. مما يبدو أنه قد تم كتابته في وقتاً لاحق ما بين 1000 إلى 1300 سنة أي انه تم كتابة نصه في القرن الرابع عشر الميلادي على يد مسلم فالسياق الداخلي لنص الإنجيل يؤكد معرفة الكاتب بنص الكتاب المقدس ووانه كان يرغب في اختراع إنجيلاً إسلاميا يمكن أن يكون له استخدام في مناقشات ضد المسيحية.. (2)
ما هو تأريخ كتابة إنجيل برنابا؟
هناك أسباب قوية أن هذا الإنجيل يرجع إلى القرن الرابع عشر الميلادي، لعل أقواها هو الجزء الذى سجله هذا الإنجيل بخصوص اليوبيل، وهو الذى نعلم عنه مما ذكر في العهد القديم بحسب نص لاويين 25 : 11 يُوبِيلاً تَكُونُ لَكُمُ السَّنَةُ الْخَمْسُونَ. لاَ تَزْرَعُوا وَلاَ تَحْصُدُوا زِرِّيعَهَا، وَلاَ تَقْطِفُوا كَرْمَهَا الْمُحْوِلَ. فاليوبيل معروف انه يتم حسابه كل خمسين سنة.غير انه حوالي سنة 1300 اعلن البابا بونيفاس الثالث عشر.
ان سنة اليوبيل بدلاً من كل خمسين سنة ستكون كل مئة سنة. الامر تغير مره اخري في عام 1343 باحتساب اليوبيل كما كان كل خمسين سنة. ومن هنا ينبغي ان نركز أعيننا على ذكر برنابا وقوع اليوبيل كل مائة عام الامر الذي يرجح بسببه الباحثين ان زمن كتابة هذا الإنجيل الأبوكريفي هو ما بين سنة 1300 الي سنة 1343 ميلادية.
نجد أن السرد التاريخي لهذا الإنجيل يشير الي زمن كتابته في العصور الوسطي طبقا للتقويم الأوروبي، على سبيل المثال نجد ان اسم محمد في هذا الإنجيل عل النحو التالي ماكوميتو Machometo وهو الهجاء الذى كان مستخدما في أوروبا حتى زمن ليس ببعيد هناك أيضا إشارات إلى النظام الإقطاعي النمطي لأوروبا في العصور الوسطى (3). حيث نقرأ في إنجيل برنابا كلمة (بارونات) التي مفردها بارون بالإضافة لأسماء شخصيات من العهد الجديد مثل لعازر (و أخواته) الموصوفين بأصحاب أراضي أثرياء.
نجد أيضا قصة في هذا الإنجيل تذكر أن المسيح حينما أعلن عن اسمه في الهيكل قال (آدوناى صبائوت) والتي معناها رب الجنود وكان واقع الكلمة على الجنود أنهم سقطوا على الأرض وتدحرجوا خارجين من الهيكل كالبراميل الخشبية الفارغة التي يتم غسلها تجهيزاً لإعادة ملئها بالنبيذ. حتى أن رؤوسهم وأقدامهم كانت ترتطم بالأرض في آن واحد كل هذا بدون أن يلمسهم أحد.
هذا التشبيه ببراميل النبيذ الخشبية يقترح انه يعود الي زمن العصور الوسطى الأوروبية، ويقترح أيضا على أبسط التقديرات بأن الكاتب لم يكن ملما بعادات القرن الأول في فلسطين (أي الزمان والمكان المقر بهما لحدوث بشارة المسيح تاريخيا) حيث كان النبيذ يحفظ في أوعية من جلود الحيوانات.
وايضاً تعبير الكاتب في هذا الإنجيل عن الملك هيرودس بأنه يعبد آلهة مزيفة وكاذبة إنما هو تعبير نجده مستخدما في أعمال “دانتى” وهو مؤلف إيطالي من القرن الرابع عشر الميلادي. الأكثر من ذلك حسب ما جاء في إنجيل برنابا، نجد أن اسم مريم أم المسيح مصحوب بلقب العذراء في حين أن هذا اللقب صار مستخدما بشكل عام خلال القرن الرابع الميلادي يلازمه بشكل متكرر ذكر بكورية مريم (4).
إنجيل برنابا يدعى أيضا أن طرد آدم وحواء خارج الجنة نهائيا وادانة ن جميع نسلهما حتى أن الطفل ابن اليوم الواحد ليس بطاهر، بل أن الجسد يمتص الإثم كما الإسفنج الأمر الذى يتشابه بشكل صارخ مع العقيدة اللاهوتية المسيحية كما شكلت عن أغسطينوس الذى من هيبو في القرن الرابع الميلادي.
ولا يمكن ان نتجاهل المشاكل التي تقع بين سفر أعمال الرسل من جهة وإنجيل برنابا من جهة أخرى، على سبيل المثال سفر الأعمال يقول أن الرسول برنابا كان له اسم يوسف مسبقا ثم أعيد تسميته من قبل باقي الرسل إلى برنابا والذى يعنى ابن الوعظ، إعادة التسمية هذه من الواضح أنها حدثت بعد قيامة المسيح من الاموات وصعوده الي السماوات بينما نجد في ذكر إنجيل برنابا حدث غريب وهو أن المسيح هو من تكلم مع برنابا مناديا إياه باسم برنابا.
ليس فقط أن سفر الأعمال يقترح أنه لم يكن نهائيا للمسيح وبرنابا أي تبادل حوارى بل يؤكد أن هذا الاسم قد أعطى له من قبل الرسل الآخرين في زمن لم يكن فيه المسيح متواجداً على الأرض وليس قبل صعوده، وهنا يبدو أن إنجيل برنابا وسفر الأعمال في العهد الجديد لا يتوافقا. على ضوء هذه المفارقات التاريخية يتضح أن إنجيل برنابا لا يمكن أن يكون قد كتب بواسطة الرسول الحقيقي لكن الكاتب استخدم اسمه ونسب الإنجيل إليه. كما أيضا أنه لم يكتب في المنطقة التي كان كانت تنتشر فيها البشارة بالمسيح.
الكاتب هو مسلم مناهض للحركة المسيحية
رغم أن الكاتب قدم مواداً غريبة، فإنه يبدو أن إنجيل برنابا قد اتبع خيط القصة الأساسية التي نجدها في محتوى كتابات العهد الجديد المعترف بها والتي تخبر بميلاد المسيح وأحداث أخر تقودنا إلى صلبه، في هذا النص نجد بعض المعجزات والأحداث المألوفة لقراء الأناجيل، على سبيل المثال وليس الحصر شفاء الأبرص، اختيار التلاميذ الاثني عشر، تحويل الماء إلى خمر، محاولة السلطات الدينية في الإمساك بالمسيح بسبب كلامه، بكاء المسيح من أجل عدم إيمان الآخرين، إرسال المسيح لتلاميذه للتبشير بالإضافة إلى تغلبه على مكر الفريسيين، وأمور أكثر.
بينما يغير إنجيل برنابا تفاصيل مهمة متعددة موجودة في أناجيل سابقة معتمدة، وبشكل خاص وبارز من هذه الناحية واقعة القبض على المسيح، فأثناء القبض على المسيح غير الله المظهر البدني ليهوذا فيبدو شبيها للمسيح فتم القبض على يهوذا بدلاً عن المسيح وأخذ وصلب، مثل هذه التفاصيل وغيرها تقترح بقوة أن إنجيل برنابا ما هو إلا عمل لمؤلف مسلم، كما أنها تقوم بدور إسلامي جدلي ودفاعي.
وبرغم أن ليس جميع المدافعين المسلمين المعاصرين يستخدموا هذا الإنجيل في أعمالهم إلا أن تفاصيل هذا الكتاب ما زالت مثيره وباقية كمصدر للشبهات بعض المسلمين يستخدمون هذه النصوص في النقاشات ويزعمون تقديم شخصية يسوع الحقيقية في التاريخ الأمر من خلال ذكر ادعاءات قرآنية في زمن متأخر، وواشهرها “و ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ” (سورة النساء 157).
التأشير الإسلامي واضح في مواضع أخرى أيضا من هذا الإنجيل الأبوكريفي، لعل أشدها وضوحا التى فيها ينكر هذا الإنجيل أن المسيح هو ابن ألله أو ألله وهي التعاليم التي وردت في القرآن في سورة المائدة :116
مؤلف إنجيل برنابا يحاول أن يشرح الإيمان المسيحي في قوله عن لاهوت المسيح إنما هو من “عمل الشيطان” الفكر الذى تم ترويجه بواسطة الجنود الرومانيين بحسب الفصل 91 في هذا الإنجيل، أحد الأسباب التي ترفض أن يكون المسيح إبن الله هو أن الله ليس له جسد لكى يلد.
كما أن الله ليس كمثله شيء ووبالتبعية لا يلد أبناء، هذه الرؤية التي تنظر الي الإيمان المسيحي في وصفة ان المسيح ابن الله كبنوه حرفية من ولاده جنسية. وبالتالي يكون هذا تجديفا على الله.
فكان هذا الإنجيل الأبوكريفي يريد القول أن الموقف المسيحي خاطئ. إلا أنه ليس إلا ادعاء من القرآن كما في سورة مريم 19:35″ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَه إِذَا قضى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ”
أيضا في نص هذا الإنجيل الأبوكريفي نجد أن المسيح يتنبأ بمجيء النبي محمد زعما بقوله” أنا بالفعل اُرسلت إلى بيت إسرائيل كنبي للخلاص ولكن سيأتي من بعدى المسيا مرسل من الله إلى العالم أجمع، وهو الذى من أجله خلق الله العالم، هذا أيضا هو نفسه الفصل الذى ينوه فيه المؤلف عن حدوث عام اليوبيل كل مائة عام، الفصل 82 وسوف يشهد المستقبل مجيء محمد رسول الله المقدس، وهذا ما يعلمه القرآن في سورة الصف 6 ” وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ “
بل يذهب الكاتب الي أبعد من ذلك فإن المسيح سوف يصعد من الأرض إلى السماء أما الشخص الذى خانه والذى نوهنا عنه المدعو بيهوذا فسوف يذبح بدلا عنه، وهكذا سيتجنب المسيح مصير الصلب من خلال صعوده إلى السماء ‘ تلك الرؤية التي اقترحها القرآن في سورة النساء157
وبرغم هذه التأثيرات الإسلامية الواضحة فإنه يبدو أن إنجيل برنابا يتعارض مع ادعاءات قرآنية متعددة، على سبيل المثال ادعاء القرآن أن هناك سبع سماوات في سورة البقرة29 ” هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ استوى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْع سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ “و التي تناقض رواية إنجيل برنابا الذي يقول أن السموات تسعه، أيضاً يذكر القرآن أن مريمَ تألمت حين ولدت يسوع المسيح في سورة مريم23
متعارضا مع ما جاء في إنجيل برنابا من أن مريم لم تختبر أي ألم في وقت الولادة، من الغريب أيضا رغم وجود تفسير محتمل وبسبب قصور إدراك المؤلف باللغويات ألا وهو أن إنجيل برنابا يرفض أن المسيح كان هو المسيا في الوقت الذى دأب على استخدام تعبير ” المسيح” اليوناني في مناسبات متعددة، المسيح هو الكلمة اليونانية للمسيا التي يبدو أن المؤلف ليس على دراية بها.
هذه التفاصيل تقترح بشدة أن إنجيل برنابا لم يكتب بواسطة يهودي متكلم اليونانية والذى يحمل عنوان الكتاب اسمه في القرن الأول الميلادي، إن ما يتضح جلياً هو أن هذا الكتاب ما هو الا مسلم مناهض للمسيحية يحاول أن يقدم يسوعا تاريخيا يوائم رؤية قرآنية والرؤية الاسلامية التقليدية
هل يمكن الاعتماد على نصة في تاريخية يسوع وهل لنصة موثوقية؟وما قيمة نصه؟
مما لا شك فيه أن إنجيل برنابا لا يمكن أن يستخدم كمصدر مستقل لحياة وتعاليم يسوع التاريخي، إن المجمع عليه هو أن المسيح مات بالصلب سنة 30ميلادية تقريبا، ولكن إذا كان إنجيل برنابا كان بالفعل قد كتب في القرن الرابع عشر فهذا يعنى أن زمنا قدره 1300 عام قد بعدته عن يسوع التاريخي، ولذا فإنه من المتأخر جدا أن يعتبر على الإطلاق مصدرا له قيمته كشاهد على أحداث كانت قد وقعت في القرن الأول الميلادي.
على سبيل المقارنة فإن معظم العلماء يتجنبون حتى استخدام كتبا أبوكريفية مبكرة مثل إنجيل يهوذا كمصدر ليسوع التاريخي لسبب أنه قد تغيب عنه ما لا يقل عن مائة وخمسون عاما منذ موت المسيح بالإضافة إلى أحداث مختلقة لتجعل يسوع التاريخي في تلاحم مع أيديولوجية لاحقة، تلك الأيديولوجية اللاحقة كونها الغنوصية في حالة إنجيل يهوذا إلا أنها هي الإسلام في حالة إنجيل برنابا.
أبعد من ذلك أن إنجيل برنابا كان فد تم تأليفه في موضع أوروبي (إسبانيا احتمالا) المبعدة كثيرا عن فلسطين، وهذا واضحاً من خلال القصور في دقة الوصف للمعلومات التي كان يجب ان يكون ملم بيها كساكن للأراضي المقدسة في القرن الأول. من الواجب أيضا ذكر أن هذا النقد لا يقترح انعدام قيمة إنجيل برنابا، بل لها قيمة تقع في استخدامه في النقاش الإسلامي ضد المسيحيين، على ما يبدو أنه كان مكتوباً لبث التوترات بين المسيحيين والمسلمين والتي ربما تكون قد وقعت بين الطرفين، قد يكون إنجيل برنابا قد تم تأليفه كموقف معارض للمسيحية غضون زمن محاكم التفتيش الإسبانية.
الكاتب: جيمس بيشوب من جنوب أفريقيا، حاصل على درجة البكالوريوس في علوم الاتصالات وتسويق المنتج المبتكر. وفي علم اللاهوت (بشكل رئيسي علم النفس) حصل بيشوب على درجة بكالوريوس في اللاهوت بتقدير فئة Cum Laude تسمى-“كوم لاودى” التي تقابل الحصول على 75%من مجموع الدرجات. جيمس بيشوب حاليا له طموحاته في استكمال درجة علمية أعلى في دراسات الأديان.
ديلى ميل : شهود عيان أكدوا حقيقة ظهور السيدة العذراء لمساندة العالم في أزمة كورونا – شاهد
ديلى ميل : شهود عيان أكدوا حقيقة ظهور السيدة العذراء لمساندة العالم في أزمة كورونا – شاهد
ديلى ميل : شهود عيان أكدوا حقيقة ظهور السيدة العذراء لمساندة العالم في أزمة كورونا – شاهد
ظهرت صورة بألوان من الأحمر والأزرق والأصفر في السماء تبدو وكأنها السيدة العذراء مريم وكأنها ظهرت لتخفف وتساند العالم في ظل تفشي فيروس كورونا التاجي.
وتداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي صورة هلامية تظهر فيها السماء وتزينت بصورة السيدة العذراء مريم، وبين التأكيد على أنها صورة حقيقية وغير مفبركة تداولها عدد أكبر في الوطن العربي.
ونشرت صحيفة ديلي ميل البريطانية، حقيقة ظهور السيد مريم واتضح أنها ظهرت في سماء الأرجنتين اليوم حوالي الساعة الخامسة، في مدينة سان كارلوس في مقاطعة كوريينتس شمال شرق الأرجنتين، وقال أحد سكان المنطقة إن ابنته التقطت الصورة للسيدة مريم في السماء.
وتابع شاهد العيان أنها ظهرت في البداية وكأنها أشعة قوس قزح ولكنها تشكلت في منطقة واحدة بالألوان المعروفة للسيدة العذراء، ويظن أهل الأرجنتين أن ظهورها مساندة لهم في ظل تفشي الوباء العالمي.
وتحركت وسائل الإعلام المحلية لتصوير الحدث الذي نادرا ما يتكرر، حتى أن سكان بلدة كانديلاريا القريبة من سان كارلوس قالوا أنهم شاهدوها أيضا، فمدينة سان كارلوس تعد من واحدة من أقدم المدن اليسوعية في المقاطعة.
وقالت إحدى ساكني المدينة أنه حتى لو كان الظهور ليس ألا ألوان قوس قزح، نحن الآن في فترة حساسة جدا، ونستحق القليل من الأمل، خاصة مع تزايد عدد الإصابات والوفيات وبداية الحجر الصحي في الأرجنتين.
ديلى ميل : شهود عيان أكدوا حقيقة ظهور السيدة العذراء لمساندة العالم في أزمة كورونا – شاهد
مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟
مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟
مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟
خرج علينا أستاذهم محمود داود، الملقب بـ ميمو ، بكلام قديم قد عفى عليه الزمن، لكن أضاف إليه محمود عنصر التعامي والتغابي، ومفاد كلامه كله أن المسيحي يؤمن أن الله مات. حسنا، سنرد بالطريقة التي لربما يكون محمود يفهم بها، فقد يحار العاقل في كيفية فهم هذا الإنسان، فهو يقرأ الكلام المناقض له صراحة ثم يفهمه كأنه يقول ما يقول. فعندما سُئل المسيح من تلاميذه عن سبب كلامه مع الناس بالأمثال، فرد عليهم المسيح وقال:
فعلاج من هم في مثل ذلك المستوى أن نتكلم معهم بأمثال، أما من هم دون هذا المستوى؟ فبماذا نكلمهم؟ وكيف نشرح لهم وهم قد وصلوا لدرجة أنهم يقرأون الكلام الذي يدينهم ولا يفهمونه! يقرأون كلامًا مناقضًا لما يريدون، ثم يفهمونه كأنه يعاضد فكرتهم السخيفة؟! سنحاول أن نشرح بطرق أقرب إلى أفهامهم في هذا الموضوع.
وقبل أن نشرع في عرض الرد المختصر ثم الرد المطول، نشرح فكرة محمود باختصار كما يفهمها هو. هدف محمود من هذا الفيديو كله أنه يدعي على المسيحيين أنهم يؤمنون بأن الله مات. حسنا، لدينا هنا أربع احتمالات، يمكن بأي منهم أن نفهم كلمة “الله” الموجودة في عبارة “الله مات” فمن هو “الله” المقصود هنا والذي يحاول محمود أن يقول إننا نؤمن بأنه مات؟ لدينا أربع احتمالات، مع ملاحظة أن هذه الإحتمالات تنزلا لأقل درجة ممكنة في أفهام البشر، لأن النزول لما هو دونها، سيجعلنا نعتقد أن محمود لا ينتمي للبشر في فهمه.
الأول: أن الله = اللاهوت فقط.
الثاني: أن الله = الناسوت فقط.
الثالث: أن الله = اللاهوت والناسوت معًا.
الرابع: أن الله = الناسوت متحدا باللاهوت.
الرد المختصر
يتفق المسيحيون أن الله كلاهوت فقط، لا يموت، ويعرف محمود هذا عن المسيحيين. ويتفق أيضا المسيحيون العارفون أن الناسوت فقط لم يكن وحده بل كان في إتحاد من لحظة الحمل المقدس في أحشاء السيدة العذراء مريم، فلا يوجد مفهوم “الناسوت فقط” بعد الإتحاد. ويتفق المسيحيون أيضًا أن اللاهوت والناسوت معًا لا يموتا، بمعنى أن اللاهوت لا يموت مع موت الناسوت المتحد به. أي أنه بموت الناسوت لم يمت اللاهوت معه. وأما الخيار الرابع، فهو ما يقوله المسيحيون العارفون لإيمانهم، إذ أن وقوع الموت كان على الناسوت، لكن هذا الناسوت لم يكن منفصلا عن الناسوت بل كان متحدا باللاهوت، لكن فعل الموت نفسه لا يؤثر في اللاهوت وليس من خواص اللاهوت أصلا التأثر بالموت كما أنه ليس من خواصه التعب والأكل والشرب ..إلخ.
إذن، أين المشكلة لدى محمود؟ مشكلة محمود أنه يظن أنه بالفهلوة، وبالقراءة المتحيزة البغيضة سيفهم ما يقوله المسيحيون! ومشكلة من يقرأ اللاهوت المسيحي بهذه السطحية المعتادة لدى محمود، أن اللاهوت المسيحي ألفاظه دقيقة جدًا ومدلولاته حاسمة وصريحة. وبلغة أهل الإسلام، فأن لهذا الفن ألفاظ، لابد أن تعرفها ثم تدرك معانيها عند المتكلمين بها لتفهم ما يقصدونه بها، فأقل خطأ في فهمها، ولا سيما لو كنت مغرضًا، سيجعلك تهرطق إن كنت مسيحيًا، أو يجعل منك أضحوكة ومصدر سخرية أمام المسيحيين الفاهمين لعقيدتهم، كما بدا محمود داود في ذلك الفيديو.
مشكلة محمود داود التي تمتلك عقله منذ أكثر من عشر سنوات نعرفه فيها، أنه -رغم طول هذه السنوات والتي كان يمكن أن يستغلها في فهم عقيدة المسيحيين- لا يفرق بين “إتحاد الطبيعتين” وبين “تأثير الفعل الواحد على الطبيعتين”، فيظن أن كل من يقول أن الطبيعتين غير منفصلتين، أنه يقول أن الموت أثر على اللاهوت وعلى الناسوت معًا، بينما يكون قائل العبارة يقصد أن الموت عندما وقع على المسيح تأثر به الناسوت وهو متحدا باللاهوت. أي أنه في وقت الأكل والشرب والنوم والحزن والتعب …. إلخ، كانت هذه الأفعال تقع كلها على الناسوت، لكن أي ناسوت؟ انه الناسوت المتحد دائمًا باللاهوت. فبمجرد ان يسمع محمود كلمة “متحد” يظن أنها تعني “وقوع الفعل على الطبيعتين المتحدتين”، فهذه هي مشكلته الكبيرة.
كيف كان أمام هذا الشاب أن يدرك الخطأ الجسيم الذي وقع فيه؟ ببساطة، بأنن يقرأ كلام من أتى بكلامهم هم أنفسهم عن وقوع الموت على الناسوت وليس اللاهوت. فلن يجد محمود داود أي شخص من هؤلاء يقول إنه وفقًا لأن الطبيعة الناسوتية متحدة بالطبيعة اللاهوتية، فاللاهوت قد مات مع موت الناسوت. لماذا لن يجدهم يقولون هذا؟ لأنهم وببساطة يعرفون معنى “متحد” التي يقولوها إنها من ناحية تؤكد على الوحدة بين الطبيعتين، ومن ناحية أخرى لا تعني وقوع تأثير الفعل على الطبيعتين! لذلك سيجد هؤلاء الآباء أنفسهم يقولون إن المسيح هنا كان يتكلم بحسب طبيعته البشرية وكان يأكل بحسب طبيعته البشرية وكان لا يعلم بحسب طبيعته البشرية …إلخ. لكن، لقد زيَّن الشيطان لمحمود فهمه لأنه شخص متكبر ولا يريد الحق ولا يقرأ حتى ليفهم عقيدة المسيحيين بدلا من إطلاق الاتهامات عليهم.
كانت هذه مشكلة محمود داود كاملة هنا، وايضاحها والرد عليها باختصار. ولنبدأ الرد المطول..
الرد المطول
في هذا الرد المطول، سيتم سرد الفكرة الرئيسية لمحمود داود، وهي فكرة واحدة ركيكة، ثم الطرق التي حاول تدعيمها بها. لكن سنضع الأساس من البداية هنا، والأساس هنا نظرًا لضعف فهم محمود داود سنلخصه من البداية في سؤالين فقط: هل يقول هذا الذي استشهدت به بأن اللاهوت مات؟ سواء متحدًا بالناسوت أو حتى منفصلًا عنه! أما السؤال الثاني وهو بذات المعنى لكن من زاوية مختلفة (لأننا لا نعرف كيف تتم عملية الفهم لدى محمود داود): هل يقول هذا الذي استشهد به أن اللاهوت نظرًا لاتحاده مع الناسوت، قد مات معه؟ أي: هل مات اللاهوت مع الناسوت المتحد به؟
هذان السؤالان هما ما حاول محمود داود التهرب منهما، لأنه يعرف أن جوابهما المباشر: لا! لا يقول المسيحيون بهذا أبدًا. وقبل أن نبدأ، في الرد السابق عليه والذي كان بعنوان [هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء] والذي كان يتكلم فيه محمود داود عن الفكرة المعاكسة لهذه الفكرة الموجودة في الفيديو الآن، وهي أن المسيحيون يقدمون العبادة للجسد. ففي الفيديو السابق، أصاب عينه الحَوَل، حيث اعتقد ان العبادة المقدمة للمسيح إنما هي مقدمة للناسوت، بينما العبادة للاهوت المتحد بالناسوت، وفي هذا الفيديو اعتقد ان الموت منسوب للاهوت بينما الموت منسوب للناسوت المتحد باللاهوت. فمشكلة محمود وعدد كبير من المعترضين انهم يصيبهم الحول عندما يقرأون في كتبنا او يسمعون عن عقيدتنا، فينسبون ما هو أصلا للاهوت إلى الناسوت، ثم يقولون: حاشا وكلا! أيعقل؟ يا للهول!، بينما هو للاهوت (مثل العبادة) وعلى النقيض، ينسبون ما هو أصلا للناسوت إلى اللاهوت، ثم يقولون: حاشا وكلا! أيعقل؟ يا للهول! بينهما هو للناسوت (مثل الموت). مما يؤكد أنهم إما لا يفهمون أي شيء، أو أنهم يفهمون ومع ذلك يتعمدون الخلط على من يسمعونهم لكي يضلونهم. وسنبدأ بشرح الأفكار الفرعية التي عرضها الشاب ميمو.
الفكرة الأولى
في البداية نسأل:
هل يؤمن المسيحيون أن المسيح هو الله؟ الإجابة: نعم، وسبب هذه الإجابة هي أن المسيح هو لاهوت متحد بناسوت، وكونه “لاهوت” فهو الله بسبب هذا “اللاهوت”.
هل المسيح مات؟ الإجابة نعم، وسبب هذه الإجابة هي أن المسيح هو لاهوت متحد بناسوت، وكون ان “تأثير الموت” قد أثر على الناسوت الذي هو متحد باللاهوت، فيمكن أن نقول أن المسيح مات.
بما أن المسيح هو الله، فهل الله مات؟ هنا يبدأ عقل محمود داود يضرب أخماسًا في أسداس لأن مستوى تفكيره ومعرفته لم تتجاوز مستوى طفل صغير في مدارس الأحاد. وقبل الإجابة على هذا السؤال لابد أن نستوضح معنى كلمة “الله” الموجودة في هذا السؤال لأنه بناءً عليها ستتغير الإجابة رأسًا على عقب، فنقول:
إن كنت تقصد بكلمة “الله” هنا، أي “اللاهوت”، أي أن فعل “تأثير” الموت قد أثر على اللاهوت المتحد بالناسوت، فالإجابة: لا، الله لم ولن ولا يموت.
إن كنت تقصد بكلمة “الله” هنا، أي “الناسوت”، فالإجابة: نعم، الله مات بناسوته وهو متحدًا بلاهوته.
فكما رأينا أنه بفهم بسيط لعقيدة المسيحية نستطيع أن نجيب بنعم وبلا على ذات السؤال بناء على مفهوم السائل لسؤاله. ولأوضح لمحمود داود الفكرة البسيطة التي لم يفهمها، سأوضحها له بمثال يفهمه جيدًا، ونقول: هل الله في الإسلام له يد وقدم وينزل ويصعد؟ سيرد محمود ويقول: نعم، لقد أخبرنا القرآن بهذا. وهذا جيد، لكن ماذا إن قال له أحد الأشخاص، إذن فهو له يد كيدنا وقدم كقدمنا؟ فهنا سيقول له محمود: لا، ليس لله يد كيدنا وقدم كقدمنا. وهنا تظهر أهمية سؤال الشخص عن مفهوم سؤاله الأول الذي قال فيه [هل الله في الإسلام له يد وقدم وينزل ويصعد؟] فكان السائل يقصد باليد والقدم والنزول والصعود، هو اليد كيد البشر والقدم كقدم البشر والنزول والصعود كنزول وصعود البشر، فلما أجابه محمود وقال: نعم له كل هذا، اعتقد السائل أن لله يد وقدم وينزل ويصعد مثل البشر لأن هذا كان مفهومه عن اليد والقدم والنزول والصعود أثناء سؤاله.
وبنفس المنطق البسيط، فإن كان السائل يفهم كلمات سؤاله بمعنى يخالف معنى كلمات السؤال الذي يفهمه الشخص الموجه إليه السؤال، فيجب أولا توحيد المفاهيم ثم الإجابة بنعم أو بلا. فالإجابة هنا تعتمد على ما يسأل عنه السائل. وهذه فكرة بسيطة لا تحتاج عناء التفكير الذي لا يريد محمد بذله، ورغم ذلك ربما لا يفهمها. فإجابة سؤال: من الذي مات على الصليب؟ هي: الناسوت المتحد باللاهوت.
الفكرة الثانية
يقول الشاب ميمو أن الله في المسيحية لا يموت، ولكي يموت الله ويقدم كفارة غير محدودة، كان يجب أن يقدم الفداء للإنسان، لكن الله لا يموت، فاتخذ الله جسدًا، لكي يضيف له إمكانية الموت، ومات الله به. وهذا الكلام كسابقه، يمكن فهمه بشكل صحيح فيكون الكلام صحيحًا، ويمكن فهمه بشكل خاطئ -كما فهمه محمود- ويكون هو نفسه ذات الكلام خاطئ. فما هو الفهم الصحيح والفهم الخاطئ لهذا الكلام؟
الفهم الصحيح لهذا الكلام أن الله اتخذ جسدًا، لكي يموت هذا الجسد وهو متحدا باللاهوت، فيعطي اللاهوت غير المحدود الفداء والغفران غير المحدود لكل البشر الذين يقبلون المسيح. فدور الناسوت هنا هو القيام بخصائصه، ومن ضمنها الموت. ودور اللاهوت هنا أنه باتحاده بهذا الناسوت، إعطاء هذا الفداء صفة اللامحدودية في التأثير الخلاصي لجنس البشر لمن يقبله خلاص الرب.
الفهم الخاطئ لهذا الكلام أن الله اتخذ جسدًا، لكي يموت اللاهوت ويموت الناسوت معًا، وإلا لن يكون للفداء قيمة لأن قيمة الفداء غير المحدود في موت اللاهوت غير المحدود. وهذه الفهم هو فهم سقيم عقيم لا يقل به من المجاذيب أحد فضلا عن العقلاء، لأنك ستجد كل مسيحي فاهمًا لعقيدة يقول إن اللاهوت لم ولن ولا يموت، وستجد ذات الأشخاص الذين استشهد بهم محمود لا ينسبون الموت وحده للاهوت، بل لا ينسبون إليه أيضًا كل أعمال الناسوت الأخرى، مثل النوم والصحو والأكل والشرب والتعب والجوع …إلخ، فإن كان كل هؤلاء لا ينسبون للاهوت -الذي يعرفون انه متحد بالناسوت- الأكل والشرب وهما أفعال أقل من الموت للناسوت، فكم بالأحرى الموت!! وإمعانًا في إحراج محمود داود أمام نفسه، يستطيع أن يسأل نفسه أو يسأله متابعوه بعد كل اقتباس من الكتب المسيحية سؤالاً: هل يقول هذا الذي اقتبست منه: أن اللاهوت مات مع الناسوت؟ فإن أجاب ميمو “نعم” فقد أثبت جهله بمباديء المباديء التي يعرفها كل مسيحي، ويكون مطالبًا بإستخراج عبارة واحدة لأي شخص معتبر يقول إن اللاهوت مات! وإن قال “لا” فيكون قد رد على كل كلامه بهذين الحرفين “لا” فطالما ان اللاهوت لم يمت! فما الذي ظللت تهذي به في الفيديو الخاص بك طوال هذا الوقت؟ أليس هو في النهاية أن “اللاهوت” مات؟
فيقول ميمو [أي حد مسيحي يقول أن الإله مامتش فهو كدا خرب وبوظ كل الخطة وكل الكلام اللي أنا قلته ده، لأن لو اللي مات على الصليب مجرد إنسان واحد فقط يبقى مش هايتم التكفير عن الخطية اللي احنا قلنا عليها “غير محدودة” اللي توارثها أولاد آدم من آدم]
وهنا، من الذي قال أن عدم موت الله يعني أن “مجرد إنسان واحد فقط هو الذي مات على الصليب”؟ ما علاقة هذه بتلك؟ محمود داود يربط دائما الذي لا يرتبط بعضه ببعض! ويحاول أن يحصرك في خيارين في فهمه هو وليس لهما دليل! فعدم موت الإله ليس معناه موت الناسوت منفصلا عن اللاهوت. بل معناه ان تأثير الموت قد كان على الناسوت وحده، لأنه من صفات الناسوت وليس اللاهوت، لكن في نفس الوقت، هذا الناسوت الذي مات كان متحدًا باللاهوت الذي لا يموت، وتأثير اللاهوت هنا هو إعطاء موت الناسوت وفداؤه للعالم صفة اللامحدودية في الخلاص. لذلك فلا يلزم موت اللاهوت (الذي لا يموت أصلا) لكي يكون هناك فداء غير محدود، بل يلزم فقط أن يكون اللاهوت متحدا بالناسوت وقتما مات الناسوت.
يقول محمود ما معناه أن [المسيحي سيعترض ويقول أن الله لا يموت لأنه روح] فيرد عليه محمود ويقول له، أن كلامك صحيح، ولهذا أخذ الإله جسدا لكي يموت الإله.
وهذا الكلام صحيح إن كان محمود يفهم كلمة “الإله” هنا بمعنى “الناسوت المتحد باللاهوت” أي أن تأثير الموت قد كان على الناسوت وهو متحد باللاهوت. أما إن كان يفهمها بمعنى أن اللاهوت قد مات والناسوت قد مات، فهو فهم طفولي ساذج. ثم عرض محمود داود كلام لأخ يوسف رياض يناقض كلامه، ويرد في جملة واحدة على كل ما سيقوله محمود في هذا الفيديو، حيث يسأل الأخ يوسف رياض ويقول [لو كان الله ممكن يموت، يبقى إية لزوم التجسد؟] فهذا السؤال الاستنكاري لم يفهمه ميمو على الإطلاق. فمقصد الأخ يوسف هو أن اللاهوت لو كان ممكنا أن يموت فما كان تجسد، فكان قد مات هو (أي اللاهوت) ولهذا، فقد أخذ اللاهوت ناسوتًا لكي يموت هذا الناسوت وهو متحدا به.
إلا أن محمود قد فهم هذا الكلام بفهم كوميدي، فقد فهم كلامه هذا بمعنى أن اللاهوت قد إتخذ ناسوتًا لكي يموت اللاهوت مع موت الناسوت!! فهل قال أحد هذا الكلام؟ فهذا الفهم ظاهر السقم، إذ يتهم اللاهوت بأنه عاجز عن الموت إلا بمساعدة الناسوت! فلا أعرف، ما فائدة السنوات التي أفناها محمود في فهم عقيدة المسيحيين وهو بهذا المستوى العلمي الضحل والذي يجعل كلامه أقرب إلى السخرية عنه إلى العقيدة!؟
وبسبب تكرار سوء فهمه لكل الاقتباسات التي جاء بها، سنقوم بإدراج مقاطع صوتية من كلامه كاقتباسات ثم يعقبها الرد عليها، وبداية من أول مقطع صوتي سيتضح مستوى فهمه لما يقرأه وسنقوم بالرد عليه، أما بقية الاقتباسات والردود فستكون مكررة بناء على ما سيقوله في نفس الفكرة، فيستطيع القارئ أن يكتفي بالاقتباس والتعليق القادمين فقط منعا للتكرار.
ثانيًا: عندما يقول المسيحي أن المسيح مات على الصليب بالجسد، فهو لا يكون يقول أن هذا الجسد منفصل عن اللاهوت أثناء الصلب والموت، بل أن اللاهوت متحد بالناسوت منذ اللحظة الأولى للحبل المقدس وحتى الآن بلا افتراق مطلقًا. فهناك فارق كبير في اللاهوت المسيحي بين تأثير وقوع فعل ما على الناسوت فقط مثلاً، وبين أن نقول أن هذا الناسوت منفصلًا عن اللاهوت. فكلمة “فقط” هنا لا تعني الانفصال، بل تعني ان هذا الفعل هو من أفعال هذه الطبيعة.
ثالثًا: مشكلة محمود في هذا الفيديو كله أنه لا يعتقد أن الإتحاد بين الطبيعتين يؤدي إلى تأثير الفعل على الطبيعتين، بمعنى، أنه طالما أن الناسوت متحد باللاهوت، فيكون الموت قد أثر في الناسوت فأماته، وأثَّرَ في اللاهوت أيضًا وأماته. وإلا سيفهم أن هناك إنفصال!!!، فمحمود واقع بين خطأين كلاهما مرفوض في العقيدة المسيحية، الأول هو تأثير الفعل الواحد في الطبيعتين، والثاني هو التأثير في الطبيعة الواحدة يعني الانفصال، فهو يتأرجح بين هذا الفهم وذاك، وكلاهما خطأ كما بينّا وسنبين. ولهذا ستجد كل الاقتباسات التي أتى بها تتكلم عن الوحدانية ومع ذلك يقول كاتبوها بأن الموت يقع على الناسوت وليس اللاهوت! فكل هؤلاء الذين اقتبس منهم ميمو يقولون بعكس ما يفهم من أنصاف أقوالهم، فهم يقولون بالإتحاد وأيضًا يقولون بعدم موت اللاهوت وهو متحد بالناسوت الذي مات.
رابعًا: الإقتباس الذي أتى به محمود هنا يقول حرفيًا فيه البابا شنودة “نحن لا نفصل” فالاقتباس كله يتكلم عن الاتحاد والانفصال وليس عن عبادة الجسد التي لم يقولها البابا شنودة. فنجد أن اقتباس البابا شنودة من القديس أثناسيوس (لم يعط البابا شنودة مصدر الاقتباس بشكل دقيق) يقول فيه البابا أثناسيوس “نسجد له مع جسده” وليس “نسجد لجسده”، لأن غرض القديس أثناسيوس هنا أن يقول أننا عندما نسجد للمسيح فنحن لا نكون نفصل في وقت السجود بين طبيعتيه. ولم يقل البابا أثناسيوس أن شعائر العبادة “تقدم للناسوت” بل قال أن “شعائر العبادة لا تقدم للاهوت وحده دون الناسوت” فكلامه هنا يعني أن شعائر العبادة تقدم للاهوت وهو متحدا بالناسوت، ولذلك أتبع مباشرة وقال “إذ لا يوجد فصل” ولم يقل أبدا “تقدم شعائر العبادة للناسوت”.
خامسًا: يقول محمود داود “الإله المتجسد اللي كان على الصليب، مات”، وتظهر هنا مشاكل محمود مع هذا الفهم، فهو يفهم أنه طالما أن الإله المتجسد كان على الصليب، فقد أثر الصليب والموت في اللاهوت، وأثر أيضًا في الناسوت! تلك الكلمة التي لا تجد شخص محدود الذكاء والمعرفة فضلا عن غيره يقولها! لكن يفهمها محمود داود بهذا الشكل! فنعم كان المسيح بطبيعته الواحدة من طبيعتين على الصليب، لكن تأثير الصليب كما تأثير كل الأفعال البشرية الأخرى في طوال حياته الأرضية، كان تأثيرها على الجسد فقط وهو متحدا باللاهوت. فليس معنى الإتحاد أن اللاهوت يموت، بل معنى الإتحاد أن اللاهوت كان متحدا بالناسوت الذي مات. فهل يعقل ميمو؟!!
سادسًا: يقول محمود داود، موجها كلامه لنا “معبودك مات”، وكما قلنا في بداية الرد، فهذه الجملة يمكن ان يكون المقصود بها شيء صحيح، وبالتالي فهي صحيحة ويمكن أن يكون مقصود منها شيء خاطيء وبالتالي تصير هي نفسها بنفس حروفها خطأ! إذ أن غرض محمود داود منها أن يقول أن “اللاهوت المتحد بالناسوت” قد مات! وهو مما يعرف الأطفال المسيحيون بل وميمو نفسه أنه خطأ وأنَّا لا نؤمن بهذا! لكنه يلفق!
سابعًا: نعم الله لا يموت، وقد إتخذ جسداً لكي يموت هذا الجسد الذي هو جسده، ولم يمت اللاهوت مع موت الناسوت. لكن هذا الفطحل يعتقد أن اللاهوت الذي لا يموت قد إتخذ ناسوتا لكي يموت الناسوت ويموت اللاهوت! ? فالمسيحيون يعبدون الإله الحقيقي الذي لا يموت، ألا وهو اللاهوت، أما الناسوت فقد مات وهو متحدا به اللاهوت.
لا أعرف، لماذا يقحم محمود داود نفسه في أمور لا يعرف كيف يقرأ فيها فضلا عن فهمها. ففكرة محمود داود هنا أنه يعترض على الرد الشهير من المسيحيين والذي يقولون فيه “أن المسيح كان يأكل وينام ويتعب وووو بجسده وليس بلاهوته” فيقول محمود داود أن هذا الرد لم يقدم جديد، فكأننا نقول أن محمود داود يأكل بيده وبيمشي بقدمه ويرى بعينه!
ولا أعرف صراحة، هل كان محمود في كامل قواه العقلية في هذا الفيديو أم أنه أصابه شيء. فمحمود داود يطابق هنا بين “جسده وأعضاءه” من جانب، ومن جانب آخر بين “لاهوت وناسوت المسيح”! فما علاقة هذا بذاك؟ إن هذا المثال يختلف تمامًا عن تلك، بل لا علاقة له بطبيعة المسيح:
أولاً: أعضاء الجسد هي جزء من الجسد، فهي أيضًا جسد، لكن الناسوت ليس جزء من اللاهوت ولا الناسوت لاهوت، فلهذا تجسد الله في الأساس. فالله قد اتخذ ووحد لنفسه ناسوتًا كاملًا عاقلًا، وهذا الجسد هو ما يفعل أفعال الجسد.
ثانيًا: اليد والعين والقدم، هي أجزاء مخلوقة من الجسد المخلوق أيضًا. لكن اللاهوت ليس مخلوقًا بل أن الطبيعة الناسوتية مختلفة تمامًا عن الطبيعة اللاهوتية. بل أن الطبيعة اللاهوتية لا يماثلها ولا يقترب منها أي كائن آخر مخلوق مثل الملائكة حتى.
ثالثًا: الجسد يمكن تجزيئه وفصله وستبقى بعض الأعضاء تعمل بشكل صحيح، فالذي يفقد ذراعه يستطيع أن يسمع ويرى ويمشي، والذي يفقد رجله يستطيع أن يرى ويسمع ويمسك بالأشياء، وهكذا يمكن فصله، وهكذا إن أصاب بعض أعضاء الجسد بعض المشكلات الصحية. لكن، ناسوت المسيح لا يُفصل عن لاهوت المسيح بعد اتحاده ولا تجزئة الجسد عن اللاهوت حتى بالقطع المباشر.
رابعًا: الجسد نفسه يتكون من أعضاء متصلة بعضها ببعض، لكنها ليست متحدة جميعًا، فاليد غير متحدة مع القدم أو العين أو الأذنين مثلا. نعم الأعضاء متصلة بعضها ببعض لكنها ليست متحدة. بينما لاهوت وناسوت المسيح بينهما إتحاد، وهذا لأن اللاهوت غير محدود والناسوت محدود.
خامسًا: مقصد المسيحي دائمًا بقوله “إلهي لا يموت” أي “اللاهوت لا يموت”، فموت الناسوت وهو متحد باللاهوت لا يعني موت اللاهوت. هذا من جانب، أما من آخر، فالمسيحي بقوله هذا لا يكون قد أفشل ما فعله الله، بل أكد على نجاح خطة الله، كيف؟ لأن دور الناسوت هو الموت ودور اللاهوت هو إعطاء عدم محدودية في تأثير الفداء لكل البشر. لكن الشاب ميمو، أذكى إخوته، يعتقد أنه يجب على اللاهوت أن يموت لكي يكون هناك فداء! وهذا أمر مثير للسخرية والشفقة، فبئس الفكر!
وهناك أسباب أخرى لن يفهمها محمود فسكتُ عن تقديمها. فالفكرة العامة له هنا أن المسيحي عندما يقول هذا يكون قد حدد العضو الذي فعل هذا! وفكر محمود هذا باطل تمامًا. فالمسيحي عندما يقول هذا يقصد أن يقول لك، أن المسيح بجسده هذا هو الذي يفعل هذه الأشياء وليس اللاهوت، على الرغم من اتحاد اللاهوت به، لكن لأن هذه الأفعال ليست من أفعال اللاهوت بل من أفعال الناسوت فالناسوت معني بها دون انفصال الناسوت نفسه عن اللاهوت. ولهذا -يا ميمو– لن تجد مسيحي يقول لك أن اللاهوت قد مات، مع معرفتهم التامة أن هذا اللاهوت متحدا تماما مع الناسوت على الصليب. فالمعلومات الأولية التي يعرفها كل طفل مسيحي تقريبًا، يجهل أساسها محمود داود، ورغم ذلك يكابر بها ويطرح الأسئلة فيها. بئس الفكر!
وهنا سؤال: ألم تسأل نفسك لماذا لم تسمع أو تقرأ لمسيحي واحد يقول أن اللاهوت أكل أو شرب أو مات؟! فهنا لا نخصص أفعال الجسد لنفصله عن اللاهوت، بل ننسب أفعال الجسد له وافعال اللاهوت للاهوت، وهذا ما قاله تقريبا كل آباء الكنيسة. فليس الجسد “عضوًا” في المسيح كما أن قدمك عضو في جسدك.
أولا: هل لاحظتم قول البابا شنودة عن المسيح أنه “ليجعل بلاهوته الكفارة غير محدودة”؟ هل قال بموت اللاهوت المتحد بالناسوت رغم أنه يؤكد على الإتحاد ونحن معه نؤكد؟ فمشكلة ميمو الرئيسية أنه يعتبر أن طالما أن وجود اللاهوت هو أمر لازم للفداء، فيكون المقصد بوجود اللاهوت هنا، هو أن يموت اللاهوت وهو متحدا مع الناسوت! ولا يقل بهذا مجنون فضلا عن عاقل! لكن ميمو يفهم بهذا الأسلوب!
ثانيًا: هل قرأتم قول البابا شنودة “فلو تكلمنا عن طبيعتين منفصلتين وقامت الطبيعة البشرية بعملية الفداء وحدها لما كان ممكنا على الإطلاق أن تقدم كفارة غير محدودة”؟ فالبابا شنودة يتكلم هنا عن “الإتحاد” بدليل أنه نص على كلمة “طبيعتين منفصلتين” ونص على كلمة “وحدها” فهو يقصد بكلمة “وحدها” هنا، أي “الإنفصال” لكن محمود يفهم من هذا الكلام أن البابا شنودة يقول بموت اللاهوت طالما أنه متحدا بالناسوت! وعلى الرغم من أن هذا الكلام سيعرف خطأه المسلم والمسيحي، وعلى الرغم من تصريح البابا شنودة نفسه بعدم موت اللاهوت رغم تصريحه بالإتحاد بينهما، إلا أن ميمو لا يفهم هذا الكلام إلا بأن اللاهوت قد مات! فبئس التفكير وبئس الفهم!
ثالثا: هناك فارق كبير بين الإعتقاد بأن الذي كان على الصليب هو الناسوت المتحد باللاهوت، وبين ان نظن أنه مادام الذي كان على الصليب هو الناسوت المتحد باللاهوت، فقد مات اللاهوت مع الناسوت! فالأولى عقيدة صحيحة، والثانية خبل صريح! فالبابا شنودة ذكر أكثر من مرة تعبير الإنفصال، وذكر أكثر من مرة تعبير “وحدها” مشيرا إلى الإنفصال، لكنه لم يقل ولا مرة واحدة أن معنى كلامه هذا أن اللاهوت قد مات! بل أنه يؤكد حرفيا على دور اللاهوت المتحد بالناسوت الذي مات، بأن اللاهوت أعطى موت الناسوت قيمة خلاصية غير محدودة. لكن ميمو يظن أنه لكي يحدث فداء فلابد أن يموت الإله أي اللاهوت المتحد بالناسوت.
أولا: من قال أن الناسوت كان منفصلا عن اللاهوت عند الصليب؟ الذي يقول أن الناسوت هو الذي مات على الصليب لا يكون ينفي وحدة الناسوت مع اللاهوت في هذا الوقت، بل كل ما يقصده أن اللاهوت لم يمت رغم اتحاده بالناسوت الذي مات.
ثانيًا: نعم، الذي كان على الصليب هو المسيح رب المجد، لكن لا يعني هذا أن التعليق والتسمير والآلام والجلد كانت تؤثر على “اللاهوت” بل هذا يعني أن الذي كان على الصليب لم يكن الناسوت منفصلا عن اللاهوت. وهذا ما كان دائما في حياة المسيح وليس في صلبه فقط، فعندما أكل المسيح فهو كان رب المجد، لكن تأثير الأكل لم يكن على اللاهوت الذي لرب المجد، بل كان للناسوت الذي لرب المجد، فتعبير “رب المجد” هو توصيف لكينونة المسيح، وليس للإدعاء بأن لاهوت رب المجد – المسيح – قد مات!
ثالثا: يعترض ميمو على مقولة أن المسيح مات أو أكل أو شرب أو نام ..إلخ بالجسد، فهل لا يعرف ان الذي قال هذا هو الكتاب المقدس ذاته حرفيًا؟
1Pe 3:18 فإن المسيح أيضا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمة، لكي يقربنا إلى الله، مماتا في الجسد ولكن محيى في الروح،
1Pe 4:1 فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد، تسلحوا أنتم أيضا بهذه النية. فإن من تألم في الجسد كف عن الخطية،
فإن كان الكتاب المقدس نفسه يقول هذا حرفيًا، فكيف يظن هذا الشاب ميمو أن البابا شنودة يعارض هذا؟
أولا: ها هو البابا بنفسه يقول “صلب بالجسد” التي كان ميمو قبلها بثوان معدودة كان يستنكر أن يقولها المسيحي! فوجد الكتاب الذي يقرأ منه يقولها بنفسه! ورغم هذا لم يلحظ خطأ فكره كله، بل كابر لكي لا يرى الحق.
ثانيًا: ها هو البابا يقولها لميمو حرفيا، فيقول “ولكن الجسد كان متحدا باللاهوت في طبيعة واحدة”، فهذا الذي قلناه حرفيا، أن الإتحاد بين الطبيعتين لا يعني أن اللاهوت قد مات، ولا أن الناسوت أصبح إله مثلا!
أولا: نعم بالطبع كان هو رئيس الحياة دائما، كما كان هو رب المجد دائما، لكن ما علاقة هذا أن اللاهوت قد مات؟ نحن كمسيحيين نقول دوما أن المسيح هو الله، ونقول دوما أن المسيح مات، فهل يعني هذا أن اللاهوت المتحد بالناسوت مات؟ لا يقول بهذا إلا الميمو!
ثانيًا: ميمو لا يفرق بين إطلاق اللقب على الملقب به، وبين وقوع التأثير على الطبيعة التي من خواصها التأثر بالتأثير. ولكي نحاول ان نقيم عقل ميمو من موته بعد ان مات وأنتن، سنضرب مثال قد أعطاه الآباء، وهو الحديد المحمى بالنار، فالحديد المحمى بالنار به هنا (مجازا) طبيعتين متحدتين (مجازا)، والطبيعتان هما الحديد والنار، فعندما نطرق على الحديد فالذي يتأثر هو الحديد فقط وليس النار، لأن من خواص الحديد التأثر بالطرق، أما النار فليس من خواصها التأثر بالترك، فعلى الرغم من اتحاد الحديد بالنار (مجازا) إلا أن هذا لا يمنع أن تتأثر طبيعة واحدة (وهي متحدة بالأخرى) بتأثير الفعل، ألا وهو الطرق. هكذا في المسيح (مع الفارق) فإن الطبيعتان متحدتان، ولكن يقوم الناسوت بالتأثر بالأفعال التي من شأنه التأثر بها، مثل النمو والنوم والأكل والشرب والتعب …إلخ، ولا يتأثر اللاهوت بكل هذا، رغم اتحاده به.
ثالثا: تعبير “وليس الجسد فقط” لا يعني “بل اللاهوت مات معه” بل يعني بكل وضوح “أن اللاهوت كان متحدا به وهو (أي الناسوت) يموت”. فلا نعرف كيف يفهم ميمو، إن كان يفعل!
أولاً: لم يكن الناسوت وحده (أي منفصلا عن اللاهوت) هو الذي على الصليب، لكن كان الناسوت وحده هو المتأثر بفعل الموت. ووجود اللاهوت متحدا بالناسوت أعطى لموت الناسوت عدم محدودية في التأثير.
ثانيًا: لم يكن الإنسان وحده هو الملقى للآلام، بل كان متحدا بهذا الإنسان -الذي تأثر وحده بالآلام- اللاهوت الذي لا يتألم.
أولاً: فيديو محمود داود كله قائم على فكرة واحدة، وهي أن اللاهوت، وهو الإله والمعبود، قد تألم، وها هو البابا شنودة يرد على كل كلام محمود داود الذي حاول التدليس عليه، فرد عليه بكلمات صريحة وقال: حقًا إن اللاهوت غير قابل للآلام! وهنا نسأل محمود داود ونقول له: إن كان اللاهوت قبل التجسد أو بعد التجسد غير قابل للآلام، فما المشكلة في تألم الناسوت وهو متحد باللاهوت؟!! فالفيديو الخاص به كله يلف ويدور حول هذه النقطة أن المسيحيين يعبدون الإله الذي مات! وقد أوضحنا في بداية الرد كيفية الرد على هذه الكلام.
ثانيًا: اقتبس محمود داود تقريبا كل الأجزاء التي تكلم فيها البابا شنودة في كتيب “طبيعة المسيح” عن مسألة الإتحاد، وهذا الجزء الذي سمعتموه أعلاه، جاء بعده كلام هام، وقد إقتبس محمود الكلام السابق له، واقتبس أيضا الكلام التالي له، لكن لم يقتب الكلام الموجود بينهما، ترى لماذا؟ الأمر بسيط! لأن الكلام الموجود بين هذا الكلام وذاك الذي اقتبسهما محمود، ينقض كل ما قاله محمود، ويقول البابا شنودة فيه بكل ما رفضه ميمو مشنعًا على المسيحيين قولهم! فصفعه البابا شنودة بشكل حرفي وصريح وواضح! وللتوضيح سأعرض كلام البابا شنودة في هيئة صورة:
فهل رأيتم كيف أوضح البابا شنودة، الذي يقول بالإتحاد تمامًا مثلما نقول نحن، كيف أنه رغما عن ذلك، ينفي تألم اللاهوت مع تألم اللاهوت؟ فلأن الكلام يدينه ويهدم كل ما حاول ان يكذب به علينا، فقد اقتبس ما سبق وما تلى هذا الموجود في منتصف الصفحة! فيا للكذب والتدليس!
ثالثًا: نعم، يمكن نسب الفعل للمسيح، وهذا ما يفعله فعلا يوميًا، فنقول إن المسيح مات، ونحن نعرف ان المسيح هو طبيعة واحدة من طبيعتين هما اللاهوت والناسوت، ومع ذلك فهذا النسب لا يعني ان اللاهوت مات! بل يعني أن الإتحاد يجعلنا ننسب كل الأفعال للمسيح بلا فصل في طبيعتيه.
رابعًا: وهي الطامة الكبرة والتي توضح أن محمود يهرف بما لا يعرف، فقد قال نصًا بالحرف الواحد [هو أه، اللاهوت ده أصلا مابيتألمش بس أخذ جسد عشان يدي لنفسه إمكانية أنه يتألم” والهاء، هنا في كلمة “نفسه” هي ضمير يعود على كلمة “اللاهوت” التي ذكرها ميمو في كلامه، فمحمود داود يعتقد أن اللاهوت قد أخذ جسد لكي يعطي الجسد للاهوت إمكانية أن يتألم اللاهوت! هل تصورتم مدى الجهل والقبح الذي يعشش في عقول هؤلاء! هكذا يفهم واحد من قدامى المهاجمين للمسيحية عقيدتها! لا يفهم شيء ولا يعرف شيء عنها! فبدلا من ان يعرف أن اللاهوت قد أخذ ووحد له الناسوت لكي بإتحاده بالناسوت الذي سيموت يعطيه عدم المحدودية في الفداء، لا، هو تخيل أن الجسد أعطى للاهوت إمكانية الموت! فهو يعتقد ان اللاهوت لم يكن له إمكانية الموت لكن بالاتحاد أصبح اللاهوت يموت وقد مات! يا لجهل هؤلاء!
يمكن ان ينسب للاهوت فقط بإعتبار أن الناسوت كان متحدا باللاهوت، ولا يعني هنا موت اللاهوت! فكما أننا نقول أن المسيح مات، ولا نقصد موت لاهوته، هكذا ننسب الموت للمسيح وهذا هو مقصد البابا شنودة بالطبع. فالبابا شنودة قد قال هذه العبارة مباشرة بعد النص الذي لم يجرؤ محمود أن يقتبسه، فهو يكمل كلامه بعدما قال بأن اللاهوت لا يموت ولا يتألم ..إلخ، بأن هذا الفعل يمكن فقط أن “يُنسب” بسبب الاتحاد.
إن هذا المثال لهو دليل على عدم فهم محمود لما يقرأه! لأن هذا المثال هو دليل ضد ما يريده محمود، فأقصى ما يمكن فهمه من هذا المثال هو أن الروح لا تموت ولكن فقط الجسد، ولكن لأن الروح والجسد متحدتان في إنسان واحد، فقد اعتاد البشر ان يقولوا ان هذا الانسان مات. فإن كان هؤلاء الناس يعرفون ان الروح لا تموت، وأن اللاهوت لا يموت، فما المشكلة في موت الناسوت فقط، وهو متحدا باللاهوت؟! أغريبٌ هو موت الجسد؟ أغريبٌ هو موت الناسوت؟!
أولاً: نعم، لا يصلح إنسان فقط أن يتمم الفداء، وإلا لكان قام به أي إنسان آخر أو نبي. لكن لابد أن يتحد الله بهذا الإنسان لكي يعطي لموت الإنسان خاصية التأثير غير المحدود للفداء. فمن الذي يقول أن الإنسان فقط هو الذي تمم الفداء؟ بل نقول أن الناسوت واللاهوت معا تمما الفداء، فالناسوت مات واللاهوت اعطى لموت الناسوت تأثير غير محدود في الفداء والغفران والخلاص. وهكذا، وهكذا فقط تمم كل من اللاهوت والناسوت المتحدان عملية الفداء، وليس معنى هذا الكلام بالطبع أن اللاهوت مات، بل دور الناسوت معروف ودور اللاهوت معروف أيضًا.
ثانيًا: لماذا لا يحاول محمود ان يأتي بقول لأحد الآباء يقول فيه ان اللاهوت قد مات على الصليب؟ أو أن اللاهوت المتحد بالناسوت قد مات؟ أو أن بموت الناسوت قد مات اللاهوت؟ إلخ، ببساطة، لأن المسيحية لا تقول بما يريده محمود داود! فما كان له طريق سوى القص واللصق وتحريف الكلم عن مواضعه لأغراضه الخبيثة!
أولاً: ها هو البابا شنودة يقول حرفيًا “مع أنه مات على الصليب بالجسد” وهذه العبارة هي بحروفها التي يرفضها محمود داود ويطلب من المسيحيين عدم قولها وهو بنفسه يقرأها بنفسه من الكتيب الذي يقرأ منه!
ثانيًا: هذا الشاب ميمو لا يفرق بين كون المسيح مات على الصليب بالجسد، وبين أن الناسوت متحد باللاهوت وقت الصلب والموت! فإن كان لا يفهم الفارق بين العبارتين وهو كبعد المشرق عن المغرب، فكيف يخوض في أمر كهذا؟
ثالثًا: حسنا، مللنا من كثرة التكرار، فنريد أن نسأل محمود، فإن كان الابن المقصود هنا هو اللاهوت، فلماذا لم يقل البابا شنودة او أي أب من آباء الكنيسة أن اللاهوت مات؟! ميمو لا يفرق بين اللون الأبيض والأسود! فكيف نشرح له؟!
ولعدم التكرار، نقول: نعم، من خلق الإنسان بلاهوته مات بناسوته المتحد بلاهوته عندما تجسد، فما المشكلة؟ ألم نشرح لك أن الإتحاد لا يعني أن الجسد يخلق ولا أن اللاهوت يموت؟! متى يتعلم هؤلاء مبادئ الفهم فضلا عن الفكر فضلا عن مبادئ المسيحيية؟! فعندما حدث الإتحاد لم تنتقل خواص اللاهوت للناسوت ولا خواص الناسوت للاهوت، فلم يصبح اللاهوت يموت لانه متحد بالناسوت الذي يموت، بل ظل اللاهوت لا يموت، ولم يصبح الجسد غير محدود أو خالقًا لأنه متحد باللاهوت غير المحدود والخالق، بل صار للمسيح له المجد صفات الطبيعتين معًا مع عدم انتقال صفات طبيعة لأخرى.
نفس الخطأ السابق، الخالق باللاهوت مات بالناسوت المتحد به، فلأن المسيحي له اللاهوت الكامل الخالق، فهو “الخالق” ولأنه بعدما تجسد مات، لم يفقد لاهوته صفة “الخالق” بل ظل هو الخالق. لكن بجسده الذي مات أصبح لجسده صفة الموت. فما الصعوبة في أن يتخيل المرء منا أن للمسيح طبيعتين، لكل واحدة منهما صفات، وبالتالي فالمسيح يحمل صفات الطبيعتين معا، فنستطيع أن نفهم أنه يغفر الخطايا وأنه يموت أيضًا، فالذي يغفر الخطايا بلاهوته يموت ناسوته وهو متحدا بلاهوته. الغريب أن محمود داود الذي لم يفهم كلام البابا شنودة أو كلام المسيحيين، ذهب لمن؟ للبابا أثناسيوس لكي يجد ضالته عنده! وهذا وحده يعد من الخبل، ولسوف نقتبس من القديس أثناسيوس في نفس ذات الكتاب الذي استشهد منه محمود لنريكم كيف أنه لا يفهم عندما يقرأ:
يقول البابا أثناسيوس:
وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدّمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفَذ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب). ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد، الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تُبيد النار القش. (تجسد الكلمة 8: 4 – الطبعة الخامسة)
وإذا لم يكن ممكنًا أن يوقف الفساد إلاّ بالموت، أخذ الكلمة جسدًا قابلاً للموت. وإذ اتحد الكلمة بالجسد أصبح نائبًا عن الكل، وباشتراك الجسد في عدم موت الكلمة أُوقف فساد الجنس البشرى. ولكونه فوق الجميع فقد جعل جسده ذبيحة لأجل الجميع ولكونه واحدًا معنا ألبسنا عدم الموت. تشبيه لإيضاح هذا. (تجسد الكلمة 9: 0– الطبعة الخامسة)
فلقد أدرك الكلمة جيدًا أنه لم يكن ممكنًا أن يُقضى على فساد البشرية بأى طريقة أخرى سوى الموت نيابة عن الجميع. ومن غير الممكن أن يموت الكلمة لأنه غير مائت بسبب أنه هو ابن الآب غير المائت. ولهذا اتخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت حتى إنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يصبح جديرًا ليس فقط أن يموت نيابة عن الجميع، بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به. ومن ذلك الحين فصاعدًا يُمنع الفساد من أن يسرى في جميع البشر بنعمة القيامة من الأموات. لذلك قَدّم للموت ذلك الجسد الذي اتخذه لنفسه كتقدمة مقدّسة وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمة مناسبة، فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر. (تجسد الكلمة 9: 1– الطبعة الخامسة)
وفى الحقيقة، إن هذا العمل العظيم هو لائق بدرجة فائقة بصلاح الله. لأنه إذا أسس مَلِك منزلاً أو مدينة ثم بسبب إهمال سكانها حاربها اللصوص، فإنه لا يهملها قط، بل ينتقم من اللصوص ويخلّصها لأنها صنعة يديه وهو غير ناظر إلى إهمال سكانها، بل إلى ما يليق به هو ذاته. هكذا وبالأكثر جدًا فإن كلمة الآب كلّي الصلاح، لم يَتَخَل عن الجنس البشري الذي خُلق بواسطته، ولم يتركه ينحدر إلى الفناء. بل أبطل الموت الذي حدث نتيجة التعدي، بتقديم جسده الخاص. ثم قوّم إهمالهم بتعاليمه، وبقوته الخاصة أصلح كل أحوال البشر. (تجسد الكلمة 10: 1– الطبعة الخامسة)
فها هو القديس أثناسيوس بنفسه، والذي يقتبس منه محمود دون أن يفهم ما يقوله القديس أثناسيوس، فهو يقول أن الكلمة “قدم جسده” للموت، وأن الجسد الذي مات كان متحدا باللاهوت (الكلمة) الذي لا يموت، وبقيّ الجسد الذي مات في عدم فساد بسبب اتحاده بالكلمة (اللاهوت). فإن كان القديس أثناسيوس يقول أن الجسد الذي مات فعلا لم يتعرض للفساد بسبب اتحاده بالموت، فكيف يعتقد أشخاص مضطربين العقل، أن اللاهوت نفسه بسبب إتحاده بالناسوت قد مات اللاهوت معه؟ ألا يُعد هذا دليلاً على جهل هؤلاء وعدم فهمهم للكلام؟!
نفس الخطأ، نعم يمكننا نحن المسيحيين أن نقول أن الله مات لأننا، نحن، متأصل فينا المفهوم الصحيح لهذا التعبير، أن الله بلاهوته عن طريق إتحاده بناسوت بشري إنساني، قد مات هذا الناسوت وهو متحدا باللاهوت، دون أن يمس هذا اللاهوت وهو متحدا بالناسوت أي تأثير من موت الناسوت، فلم يمت اللاهوت مع موت الناسوت المتحد به. لكن أنت بهذا التفكير الساذج، تعتقد أن قولنا “الله مات” يعني، أن اللاهوت بفعل اتحاده بالناسوت، فقد مات معه. وهذا ما نفاه المطران يوسف ريا نفسه الذي تنقل منه حيث قال:
لقد أعلن آباء المجمع أمرين هاميّن: الأمر الأوّل هو أنّ اتّحاد الله بالجسد البشريّ هو اتّحاد حقيقيّ في صُلب الطبيعة، به اتّحدت طبيعة الله بطبيعتنا البشريّة؛ والأمر الثاني هو أنّ هذا الاتحاد بين الألوهيّة هو اتّحاد من نوع خاصّ، بحيث لا تسيطر طبيعة على أخرى ولا تغيّرها. فالطبيعة الإلهيّة تبقى إلهيّة، والطبيعة البشريّة تظلّ بشريّة، ومع ذلك فالاتّحاد هو في تمام الكمال. فالمسيح هو معاً إله تامّ وإنسان تامّ. وهذا الاتّحاد الخاص بين الألوهيّة والبشريّة يجعل ما هو بشريّ يصير، بنعمة من الله، ما اللهٌ عليه بالطبيعة.
الأمر الأوّل يؤكّده القدّيس بولس بقوله: “في المسيح يحلّ كلّ ملءِ اللاهوت جسديّاً” (كو 2: 9).
لا تتغير في طبيعة المسيح الإلهيّة ولا صيرورة. لا انتقال للطّبيعة من نوع إلى آخر. فإنّ شخصَ “كلمة” الله، الأقنومَ الثّاني من الثّالوث الأقدس، باتّخاذه الطبيعة البشريّة، بقي إلهاّ كما كان منذ الأزل وكما سيبقى إلى الأبد. ولكن في الوقت نفسه كان في جسد حقيقي، وصار شريكاً لنا في اختباراتنا البشريّة. لذلك يمكننا القول حقّاً إنّ الله تجسّد، وإنّ الله وُلد وعطش وجاع، وإنّ الله تألّم ومات وقام، وإنّ الله صعد إلى السماوات.
فبفعل التجسد والاتحاد بين الطبيعتين صار الفعل كله منسوبًا لله، لكن ليس معنى هذا أن الفعل يؤثر في طبيعتي الله المتحدتان في طبيعة واحدة. فاللاهوت الذي كان لا يموت ولا يتعب ولا يأكل ولا يشرب ولا يحزن ولا يفرح. بقيّ كما هو بنفس هذا الصفات عندما تجسد، فلم يمت لأنه متحدا مع ناسوت يمكنه الموت، بل بقيّ كما هو لا يموت حتى في اتحاده مع الناسوت الذي يمكنه الموت.
ففارق كبير جدًا بين أن تقول “الله مات” معتقدا أن اللاهوت مات مع موت الناسوت، وبين أن تقول ذات العبارة بمعنى أن الجسد الذي اتخذه اللاهوت وجعله جسده الخاص قد مات وهو متحدا بهذا اللاهوت. فالمسيحي عندما يرفض عبارة “الله مات” يكون، في الحقيقة، رافضًا للمفهوم الأول وقابلًا للمفهوم الثاني. فيمكن للمسيحي القبول ورفض ذات العبارة حسب ما يفهم منها، أو بحسب ما يعرف أن السائل يفهم تلك العبارة بمفهوم معين.
هذا الكلام صحيح فعلا، فالكتاب يقول “كأنه” ويقول أيضًا “نستطيع أن ننسب”. فهذه الألفاظ تدل دلالة واضحة، حتى للأعمى، أن هذه الأمور هي على سبيل الإنساب وليس على سبيل التأثير، فبسبب الإتحاد نقول اليوم أن المسيح (الذي نقول أنه الله) نقول أنه مات، ولا يعني أيً منا أن اللاهوت الذي في المسيح مات. بل لأننا نعرف أن الإتحاد هو اتحاد حقيقي، فيمكن ان نقول أن المسيح (الله) مات، ونحن نعرف أن المقصود أنه مات بجسده وهو متحدًا باللاهوت. فلا مشكلة في هذا الكلام إن فُهِمَ بشكل صحيح، أي ليس كما يحاول أن يفهم ميمو بالطبع.
لا تعليق سوى تكرار الكلام السابق بنقاطه وحروفه وكلماته. فالله يصح أن نقول إنه مات إن كان المقصود هو الموت بحسب الجسد كما قال الآباء. تمامًا مثلما يقول اليوم المسلمون أن الله استوى على العرش وهم لا يقولون ان الله يستوي (يجلس) كما يجلس الإنسان على كرسي. ويقولون ان لله ساق ويد وقدم ووجه، وهم يقولون إن ليست هذه الأوصاف كما يفهمها البشر عن البشر أو عن أي مخلوقات أخرى. فمع قولهم بألفاظها إلا أن ما يقصدونه منها ليس هو ما يطرأ على العقل في البداية من أن هذا الاستواء يفعله كل انسان يوميًا تقريبًا. وأن يد الله كيدنا، وأن قدمه كقدمنا، او ساقه كساقنا، وأن وجهه كوجهنا.
فلا مشاحة في الاصطلاح إن كانت المعاني واحدة، لكن عندما يكون الفهم لهذا المصطلح مختلف بين واحدٍا والآخر، فهنا يجب أولا تحرير المصطلحات في الحوار ثم البناء عليها. ويكون المصطلح خاطئ بهذا المفهوم الذي يفهمه الآخر بشكل خاطئ ويظل صحيحة عند من يفهمه بشكل صحيح.
أولاً: نعم نستطيع الرد، وهذا الرد يعرفه القديس مار إسحق السرياني تلقائيًا، فإن الكون قد إظلم وحجاب الهيكل قد إنشق لأجل موت جسد المسيح وهو متحدا بلاهوت المسيح، وليس لأجل موت اللاهوت. الغريب ظان محمود أكمل كلام مار إسحق الذي يقول فيه “ولو أنه إنسان، فمن الذي احتمل السياط وبمن غرست المسامير”، فعندما يفرق القديس مار إسحق بين الإتحاد وبين تأثير الفعل على طبيعة دون الأخرى، فعندما تكلم عن الإتحاد قال “فلماذا إظلمت الشمس؟” وهذا لأن الذي مات كان جسد الله الخاص المتحد به اللاهوت، وعندما تكلم عن تأثير الفعل على الطبيعة، تكلم عن “الإنسان” وقال “ولو أنه إنسان” أي “وإن لم يكن إنسانًا” فهنا يتكلم عن الناسوت، فعندما تكلم عن تأثير المسامير والسياط، تكلم عن الناسوت لأنه المتأثر وحده بالمسامير والصلب والجلد والموت إلخ. فمحمود داود يقرأ ولا يفهم ما يقرأه عندما يقرأ!
ثانيًا: نعم، لم يكن الجسد وحده على الصليب! ومن قال هذا؟! هل أزدك من الشعر بيتا؟ ولا كان الجسد وحده في رحم العذراء مريم ولا كان في أي لحظة الناسوت وحده من بعد لحظة الإتحاد! فلم يكن الناسوت وحده حين كان يأكل أو يشرب او يجوع او يعطش أو يبكي …إلخ، فالناسوت متحد تمامًا مع اللاهوت. ألم تقرأ أنت بنفسك أن ناسوته لم يفارق لاهوته لحظة واحدة ولا طرفة عين؟ ألا تفهم ما تقرأه وما تقوله أيضًا؟ فمسألة عدم إنفصال الجسد عن اللاهوت محسومة، إذ لم يفارق اللاهوت الناسوت أبدا، لا عند الصليب ولا بعده، ولا من بداية الاتحاد. لكن هذا لا يعني أن اللاهوت يتم تعليقه، ففعل التعليق، كما فعل الموت، والاكل والشرب والعطش والتعب والنوم، لهي أفعال بشرية خاصة بالناسوت فقط وكانت تؤثر في الناسوت ققط مع اتحاد هذا الناسوت مع اللاهوت.
ثالثًا: هناك فارق كبير، بين الذي تم تعليقه على الصليب، وبين اتحاد أو إنفصال ذلك الجسد الذي عُلق على الصليب باللاهوت الذي يملأ الزمان والمكان وغير الزمان وغير المكان. فعدم وحدانية الناسوت وهو على الصليب لا تعني ان اللاهوت تألم مع آلام الناسوت على الصليب. الغريب أن الشاب ميمو قرأ عبارة “فلم يكن الله يتألم بدون الجسد” وفهمها أن اللاهوت يتألم مع الجسد، وهذا فهم نكون قد كرمناه لو دعيناه بالفكر الساذج، إذ هو ليس فكرًا بل قيئ فكري! فكلام الكتاب هنا عن يرتكز على كلمة “بدون” أي “منفصلا” عن هذا الجسد، فالله لا يمكن أن يتألم، أما وقد صار له جسدًا خاصًا، فقد صار نسب آلام الجسد له بفعل ان هذا الجسد له. كما أننا نقول اليوم أم فلانا قد مات ونحن نعرف أن روحه لم تمت في حقيقة الأمر، لكن نُسب الأمر كله للإنسان لأن ما نراه هو جسده الذي مات وكان متحدا بروحه التي لم تمت.
إن العجب العجاب، وسود السواد، لهو في عقل ميمو! هذا الشاب صار بمقدوره أن يفهم، بشكل كامل ما ينفيه الكلام الذي يقرأه بحذافيره! “فالنص أمامه يقول “فإذا شاء أن يموت تجسد” ثم يفهم هذه العبارة أن اللاهوت قد مات على الصليب مع موت الناسوت!
ويقرأ عبارة “لولا أن رآه الموت متجسدا لخاف أن يقترب منه”، فالعبارة توضح ما هو أبعد وأسمى وأرقى من موت الناسوت، بل تقول أن الموت نفسه لولا أنه رأى الله متجسدا، أي رأى جسده، لخاف أن يقترب منه لأنه لولا التجسد لكان هو فقط لاهوت، فالموت كان سيخاف أن يقترب من رئيس الحياة والذي لا يموت، لكن لأنه اتخذ جسدا ورأى الموت هذا الجسد فإقترب منه.
فكيف يظن محمود أن الموت الذي كان سيخشى الإقتراب من اللاهوت، قد تمكن من اللاهوت فعلًا وقتله مع موت الناسوت؟ المشكلة ان محمود يظن أن اللاهوت لم تكن له إمكانية الموت، ثم أصبح لهذا اللاهوت إمكانية الموت عندما أخذ جسدًا واتحد به، فلا يفهم من هذا محمود أن الناسوت هو الذي يموت مع اتحاد اللاهوت به، بل يفهم ان خواص اللاهوت قد تغيرت وأصبح يموت لأنه متحد بالناسوت الذي يموت.
والأغرب أن هذا الشخص يقرأ بنفسه [فمحرومٌ من يفصل اللاهوت عن الجسد” ثم بدلا من أن يفهم من هذا أن الموت أثر على الجسد وهو متحدا باللاهوت، يفهم أن بهذا الإتحاد مات اللاهوت مع الناسوت!
لا أحد من العارفين يتشكك، إذ نعرف أن الإله قد مات بجسده وليس بلاهوت بينما بقي لاهوته غير مائت. الغريب والعجيب أن محمود يقرأ بنفسه المثال “لما يموت شخص فلا يقال إن جسده مات، ومع أن نصفه لم يذق الموت، يقول عارفوه أن فلانا لم يمت” فالمثال نفسه يقول حرفيا أن “نصفه لم يذق الموت”، أي – مع الفارق- اللاهوت لم يذق الموت! فهذه هي الفكرة التي يدور حولها محمود طوال الفيديو، ان اللاهوت قد تعرض للموت بشكل ما!
لأنه لو لم يكن يقصد هذا فلا مشكلة في موت الناسوت، أو في تسمية أن الله مات بناسوته، أو أن الله مات والمقصود أن جسده الشخصي قد مات وهو متحد باللاهوت. فلا يناقش محمود في الاصطلاح بل في فحواه ومعناه، والمعنى ترفضه كل الكتب المسيحية بل وكل المسيحيين، العارفين وغير العارفين! ومع ذلك يظن أننا نؤمن به ولا يفهم ما يقرأه.
يكرر محمود فكرته المغلوطة بأن الإله قد إتخذ جسدا لكي يعطي نفسه إمكانية الموت، ويقصد هنا بكلمة “الله” أي “اللاهوت” فهو يظن أن اللاهوت لم يكن له إمكانية الموت ثم بتجسده صار اللاهوت يموت عن طريق اتحاده بالجسد! وهذا سخف صافي، إذ أن اللاهوت قبل وبعد التجسد ليس له خاصية الموت، فالموت هو فعل لا يؤثر في الموت، تمامًا كما لا يمكن إبتلال الماء، ولا إحراق النار. فهذا الإله الواحد المتجسد قد ضُرب على جسده لأن اللاهوت لا يُضرب بل لا يُدنى منه، فكيف يُضرب؟ فكل هذه التعبيرات عندما ينسبها العاقلون لله، فإنما يقصدون تأثيرها على جسده فقط دون لاهوته.
كل هذه الأوصاف يقصد بها ناسوت الإله المتجسد وليس لاهوته، فالديان قد دانوه في الجسد، وغير المائت قد مات في الجسد، وغير المتألم قد تألم في الجسد ..إلخ، فهنا يتم نسب هذه الأفعال لله بإعتبار أن هذا الجسد هو جسد الله، وليس إلى اللاهوت. فمحمود لا يجيد التفريق بين الإتحاد والإختلاط.
إن الغباء صفة، أما الاستغباء فهي موهبة، نحيي محمود عليها وعلى تفانيه في اثباتها لنا. الحاضرون أجابوا بـ”لا” بسبب المفهوم الذي يرفضونه، ألا وهو موت اللاهوت، ولم يقصد الأنبا رافائيل أن “الله كلاهوت مات” بدليل أنه نفسه قال جزء من الليتورجيا المكملة لهذه الليتورجيا الأولى، فالليتورجيا الأولى تقول “آمين آمين آمين بموتك يا رب نبشر”، والليتورجيا الثانية تقول “يا من ذات الموت بالجسد” وبعدها قال التقديسات:
قدوس الله قدوس القوي قدوس الحي الذي لا يموت، الذي صلب عنا، إرحمنا. فبلاهوته هو لا يموت، وبناسوته قد صلب عنا. فها هما التعبيران يأتيان في نفس السطر لكن محمود يشدد على كونه لا يفهم. والأنبا رافائيل بنفسه يقول “تشرحها له وتقول له [يا من ذاق الموت بالجسد]” فالذي لا يموت بلاهوته قد مات بناسوته. فالمسيحيون يعدون الإله الحقيقي الذي لا يموت ولا قبل التجسد ولا بعد التجسد. ولا يعبدون آلهه وثنية كان العرب يعبدونها.
ولبيان كيف أن محمود لا يفهم كلام من يسمعه، نجعل الأنبا رافائيل نفسه يخبره بأنه لا يفهم:
في هذا الفيديو سنجد الأنبا رافائيل يؤكد على عدم موت اللاهوت وعدم تأثره بالموت مطلقًا على الرغم من إتحاده بالناسوت الذي مات.
وهنا، ولوهلة، أفاق ميمو من غفلته بعد كل هذا القيء الذي تقيأهُ، وبدأ يشعر أنه بالفعل، الأباء المسيحيين لا يقولون أن اللاهوت مات، أو ان الله مات بلاهوته، أو أن الله مات بلاهوته مع ناسوت، أو ان الله مات بلاهوته المتحد بلاهوته، فأراد أن ينفي أن قولنا “الله مات” هو مجرد قول لا يدل على “موت اللاهوت”، فبدلا من أن يعطي دليل يدل على هذا، فقال: طب إزاي؟ مستنكرًا! هذا الميمو يقول لنا نحن المسيحيين: طب إزاي! فقد نسى فجأة أن الآباء مجمعون ان اللاهوت لا يموت وأنه منذ بداية الفيديو قد سلك الطريق الخطأ بإستغفال متابعيه بأن يوهمهم أن الإتحاد يعني موت اللاهوت والناسوت معًا!
ثم أعطى ميمو مثال، وقال: محمود مابيطيرش، لكن اخذ الطيارة عشان تدي له إمكانية الطيران. وهذا المثال خاطيء من وجوه:
أولًا: محمود يتغير، أما اللاهوت فلا يتغير، فإن كان اللاهوت لا يموت، فهو لا يموت أزلًا وأبدًا، وليس أنه كان لا يموت ثم أصبح بالاتحاد يموت! فهذا خرف صريح!
ثانيًا: في هذا المثال، محمود فعلا لم يطر، فمحمود نفسه لم يطر، بل طارت الطائرة وهو على متنها، فهل محمود نفسه طار؟ الحقيقة لا، لكن يمكننا ان نقول ان محمود طار إلى دولة أمريكا، لأنه ركب الطائرة التي تطير، وليس معنى ان محمود ركب الطائرة التي تطير، أن محمود نفسه أصبح يطير كما الطير بأجنحة! وهذا المثال نطبقه (ولو من بعيد) على اللاهوت، فاللاهوت لا يموت، لكن أخذ الجسد لكي يموت الجسد المتحد به اللاهوت فيكون الجسد الذي مات قد قدم فداء غير محدود بفعل اللاهوت غير المحدود المتحد به. لكن اللاهوت نفسه لم يمت.
ثالثًا: أن الجديد في أن محمود سافر أمريكا بالطائرة، هو أن محمود نفسه لم يطر، ولم يتحول إلى طائرة، ولا أخذ صفات الطيران من الطائرة الت ركبها وطارت به. هكذا اللاهوت (نسبيا) فإنه وحد لنفسه جسدا، جعله جسده الخاص، وعن طريق هذا الجسد الذي مات، فدى اللاهوت البشرية. ولم يتحول اللاهوت إلى ناسوت أو أخذ صفة الموت التي هي للناسوت الذي مات. فكما ان محمود لم يتحول إلى طائرة ولم يكتسب منها صفاتها، هكذا اللاهوت لم يتحول إلى ناسوت ولم يتخذ منه صفاته.
أولًا: يا للضحك! محمود داود يحذر المسيحيين من الوقوع في هرطقة! ذلك غير المسيحي يخشى على المسيحيين الوقوع في الهرطقة وهو منغمس برأسه فيها.
ثانيًا: يمكن فهم عبارة “الله لم يمت، والذي مات هو مجرد جسد دون الله، جسد فقط بدون الله” بمعنيين وليس بمعنى واحد. فالمعنى الأول هو أن اللاهوت لا يموت، وأن الذي أثر عليه تأثير الموت ومات هو فقط الناسوت وهو متحدا باللاهوت. وها المعنى صحيح، إذ أن اللاهوت لا يموت والذي يموت هو كل مخلوق، وهنا المخلوق هو الجسد. فاللاهوت لا يموت لكن الجسد هو الذي مات وهو متحدا به. أما المعنى الثاني، فهو الفصل بين الطبيعتين عند موت الناسوت، فمن قصد أن اللاهوت كان منفصلا عن الناسوت عند موت الناسوت، فهذه هي الهرطقة، وأكبر من هذه الهرطقة هي القول بأن اللاهوت قد مات عندما كان متحدا بالناسوت! فهذه هرطقة الهرطقات، وهو ما يفهمه ميمو!
ثالثًا: وفهم ميمو هذا لا علاقة له بهرطقة نسطور من قريب أو من بعيد. فهرطقة نسطور كانت تفصل بين الطبيعتين، كما فهم ميمو نفسه وقال هذا نصًا، فهل نحن عندما نقول إن اللاهوت لم يمت فنكون نفصل اللاهوت عن الناسوت؟ إذن فانت بقولك إن الله مات في المسيحية تعتقد أننا نقول أن اللاهوت قد مات مع الناسوت! وهي مزحة جيدة! ولهذا كان تأكيد الكنيسة الجامعة أن الوحدة بين الطبيعتين هي وحدة حقيقية ودائمة ولا ينتج عنها الاستحالة أو التغيير أو الامتزاج. لكن ما يفهمه ميمو هذا لهو من الخبل المحض.
أولاً: محمود بنفسه قال أن هرطقة نسطور تتلخص في أنه فصل بين الطبيعتين، وهذا لا يقل به أي مسيحي. إذن فقد عرفنا من هنا أن لا أحد منا يقول بفصل الطبيعتين، وأن محمود يتخذ من الهرتلة سبيلا للكلام والفهم. فلا من يقولون أن الله مات يقصدون الفصل بين الطبيعتين، ولا من يقولون انه لم يمت يقصدون الفصل بين الطبيعتين.
ثانيًا: هل معنى حرم الكنيسة لنسطور أن الكنيسة تقول أن اللاهوت قد مات؟ فنسطور يقول أن اللاهوت لا يموت ولم يمت، وهكذا تقول الكنيسة ان اللاهوت لا ولم ولن يمت، فهل هذا يعني أن إيمان الكنيسة هو نفسه إيمان نسطور؟! بئس الغثاء الفكري!
ثالثًا: إن مشكلة نسطور تكمن في انه فصل بين الطبيعتين، حتى أنه كان يظن أنه عندما كان الناسوت على الصليب لم يكن اللاهوت متحدا به وقت موت الناسوت. وليس أن اللاهوت لم يمت مع الناسوت، فيكون أن رد الكنيسة عليه هو إعتراف منها بموت الناسوت واللاهوت معًا! فهذا خبل! فبسبب الفصل بين الطبيعتين، ظن نسطور أن اللاهوت قد فارق الناسوت ولم يعد متحدا به عند آلامه (أي آلام الناسوت)، وبهذا لا يمكن أن نقول -نتيجة الفصل- أن الله مات. بل أن الجسد وهو منفصلا عن اللاهوت قد مات. وهكذا كان يظن في ميلاد المسيح، فقد ظن أن العذراء لم تلد إلا ناسوتًا مجردًا، وليس ناسوتًا متحد باللاهوت. وعلى هذا فلم يدعوها بوالدة الإله لأن الذي ولدته ليس هو الناسوت المتحد باللاهوت، بل الناسوت فقط.
أولًا: ماذا يقصد هذا الشاب بكلمة “الإله المتجسد بأكمله”؟ فالإله لا يتجزأ لكي يكون له “أكمله”! ألم يجف لساننا ونحن نقول أن الناسوت متحد مع اللاهوت؟ فإن كان هذا ما يقصده ميمو بتعبيره الصبياني “الإله المتجسد بأكمله” فليس معنى إتحاد الطبيعتين أن كلا الطبيعتان قد ماتتا. بل يعني هذا أن الطبيعتين كانا في حالة اتحاد حقيقي أثناء موت الطبيعة الواقع عليها فعل الموت، ألا وهو الناسوت.
ثانيًا: المسيحي يقول “الله مات بالجسد” ولا يقول “جسد الله كان منفصلا عن اللاهوت عند الموت” فميمو يمارس مغالطة رجل القش، يخترع عبارات لا يقولها المسيحي، ويخترع عقائد لا يؤمن بها المسيحي، ثم يرد عليها! فنحن نعبد الإله المتجسد لأن هذا الإله المتجسد طبيعته الواحدة هي طبيعة من طبيعتين، أحدهما اللاهوت الذي نعبده، لكن ونحن نعبد اللاهوت لا نفصل عنه الناسوت المخلوق. ولا يعني هذا عبادتنا للجسد أو للناسوت، بل نحن نعبد خالق هذا الناسوت.
خطأ، فمن يقول إن الناسوت فقط هو الذي مات يقصد أن فعل الموت قد أثر فقط في الناسوت. وليس أن الناسوت كان وحده أي منفصلا عن اللاهوت عند الصلب والموت. فهذا الذي يقوله نسطور، وليس أن الموت قد أثر على اللاهوت فمات اللاهوت. فلا نسطور يقول هذا ولا الكنيسة تقول بهذا. ونحن نشكر الله أن نسطور واريوس وهؤلاء المهرطقين العظام قد ماتوا ليتركوا لنا هؤلاء الكائنات البرفهمية التي لا تقرأ، وإن قرأت لا تفهم، وإن فهمت فتنسى ما قرأته وما فهمته وتعود لجهلها الأول.
أما عن تكفير الخطيئة، فقد تم بإعطاء اللاهوت غير المحدود، الفداء غير المحدود من موت الناسوت المحدود. ولا يستلزم موت اللاهوت غير المحدود.
الإله، أي اللاهوت، لم يتخذ جسدا لكي يموت اللاهوت به، بل لكي يموت هذا الجسد وهو، أي اللاهوت، متحدا به. وبذلك تتحقق الكفارة غير المحدودة. فمشكلة فهمك – إن جاز لنا أن ننعت هذا الخبل الذي تفهمه فهمًا- أنك تفهم أن اللاهوت جلس يفكر، ويقول في نفسه أنا لا يمكنني الموت، ثم بعد تفكير مضنٍ، قال لنفسه: وجدتها! سآخذ جسد لأتمكن من الموت (أي موت اللاهوت) وهذا لا يقل به مجنون فضلا عن عاقل. ولهذا تقله أنت.
خطأ، فلم يكن الناسوت مجرد أداة أو وسيلة، بل كان ناسوته الخاص الذي وحده مع طبيعته اللاهوتية. هذا أولاً، أما ثانيًا: فاللاهوت لم يمت عن طريق الناسوت، بل اللاهوت كان متحدا بالناسوت الذي مات. وبهذا يحدث الفداء. وبهذا لا يكون معبودنا، اللاهوت، مات وصلب. اللهم إلا لو تقول أن المسيح هو معبودنا عاملاً بمبدأ الإتحاد الذي جف لساننا من القول به في هذا ا لملف وغيره. فمعبودنا لم يمت، إلا بناسوته، أما لاهوته فلا يموت.
هنا وصل ميمو إلى الذروة في الكلام الفارغ! فكيف أن جملة “الله لا يموت” تديننا؟ فالإله قد إتخذ جسدا لكي بموت هذا الجسد وهو متحدا به يكون قد فدانا، فظل الإله كلاهوت لا يموت بينما كان متحدا بالناسوت الذي له الموت. فهذا هو الإله الذي لا يموت وهذا هو الذي نعبده.
فجملة “الله لا يموت” تدينك أنت، فنحن نعبد إله إتخذ جسد لكي يموت هذا الجسد وهو متحدا به، وليس أنه أخذ جسدا لكي يموت اللاهوت بهذا الجسد. بل أن نسب الموت لله هو بفعل موت جسده فقط وهو متحدا بلاهوته وليس بفعل موت الله كلاهوت، فحاشاه الذي يعطينا الحياة أن يموت. فهذا هو الإله الذي لا يموت الذي نبعده، كما قال الأنبا رافائيل بنفسه الذي استشهد به، أننا نقول في صلاتنا “قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت”، فانت تستشهد بمن يناقض فكرتك ثم تفهم كلامه بشكل معكوس.
فبالطبع سيظهر هذا الفهم أنه غير عقلاني وغير منطقي، لأنه فهمك أنت وحدك وليس فهمنا نحن. فأنت قد حكمت في الحقيقة على فهمك لما قرأته وليس على ما قرأته، وهي شهادة في محلها إذ أنك لو تملك العقل لفهمت ما قالوه وقرأته وسمعته ورأيته. لكن ماذا نقول؟ إنها تعمى القلوب!
وهذا الكلام خاطيء، إذ أن الآب أو الإبن أو الروح القدس ليس لهم صفة الموت، سواء إن تجسدوا أم لا، فالذي تجسد ليس هو “جزء من اللاهوت” فاللاهوت لا يتجزأ، فكلامك هذا يدل أنك تحتاج أن تتعلم مبادئ العقيدة المسيحية التي يعرفها الأطفال، لا أن تكابر فيما لا تحسن فهمه. فاللاهوت هو الذي تجسد، وليس جزء منه أسمه الإبن مثلاً. ونحن نعبد هذا اللاهوت الذي هو الآب والإبن والروح القدس. فمشكلة محمود أنه يظن أننا نعبد ثلاثة آلهه، أحدهم تجسد، والآخران لم يتجسدا، ونحن نعبد هؤلاء الثلاثة وهذا الجسد! بئس الفهم!
مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟
عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث
عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث
يوجد اعتراض حول ترتيب أحداث تجربة المسيح أريد التعليق عليها في عُجالة شديدة وبصورة مُوجزة، مُشكلة الاعتراض هو إنه ليس مُترابطاً، فمثلاً يقول بما ان متى ولوقا اختلفوا في الترتيب إذن يوجد تناقض، وحينما يتعامل مع الأطروحة التي تقول ان متى كتب هذه الحادثة بتسلسل زمني لكن لوقا كتب هذه الحادثة بترتيب موضوعي، يعترض قائلاً ان انجيل لوقا كتاب دقيق تاريخياً ولا يُمكن أن يكون غير مُرتب زمنياً!، وهذه مُغالطة منطقية، لكن في النهاية، سأترك جانباً أي جدل جانبي وسأقدم نظرتي لهذه الحادثة، ويكون محور كتابتي هل تناقض متى ولوقا وليس هل فلان جاهل ام لا؟
تعريف بالمُشكلة
قد وردت قصة تجربة المسيح في كلً من إنجيل متى وإنجيل لوقا، وكلا من الإنجيلين مُتفقين في كل التفاصيل تقريباً، لكننا نجد ان بحسب الرواية الإنجيلية للقديس متى إنه يروي ثلاث تجارب يبتدأ أولا بتجربة تحويل الحجارة إلى خبز لأن المسيح بعد صيام أربعين نهار وليل قد جاع “فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً جَاعَ أَخِيراً. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزاً». فَأَجَابَ: «مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللَّهِ».” (متى 4: 2 – 4) وبعد هذه المُحاولة الفاشلة قد أخذ ابليس يسوع وأوقفه على جناح الهيكل وجربه ثانيةً إن كان هو ابن الله فيُلقي نفسه إلى أسفل ” ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ» (متى 5-7: 4). ثم المُحاولة الثالثة ” ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضاً إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدّاً وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا وَقَالَ لَهُ: «أُعْطِيكَ هَذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي». حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ». ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ. ” (متى 4: 8 – 11)، إذن الرواية بحسب متى تقول، (1) تجربة تحويل الخبز، (2) تجربة جناح الهيكل، (3) تجربة الجبل.
أما رواية لوقا تقول ان أول تجربة كانت تحويل الخبز “أَرْبَعِينَ يَوْماً يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ. وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئاً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيراً. وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ لِهَذَا الْحَجَرِ أَنْ يَصِيرَ خُبْزاً». فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «مَكْتُوبٌ أَنْ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ».” (لوقا 4: 2 – 4) وهنا تبدأ المُشكلة بحسب فهم ” الباحث ” حيث ان التجربة الثانية ليست تجربة جناح الهيكل ولكن التجربة الثانية هي تجربة الجبل التي وردت في إنجيل متى انها التجربة الأخيرة وليست الثانية ” ثُمَّ أَصْعَدَهُ إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْمَسْكُونَةِ فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَانِ. وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «لَكَ أُعْطِي هَذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ لأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ. فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ». فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! إِنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ». (لوقا4: 5 – 8))، والتجربة الثالثة بالطبع هي تجربة جناح الهيكل بحسب رواية لوقا “ثُمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَأَقَامَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ مِنْ هُنَا إِلَى أَسْفَلَ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ وَأَنَّهُمْ عَلَى أَيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ». فَأَجَابَ يَسُوعُ: «إِنَّهُ قِيلَ: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ». وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ.” (لوقا 4: 9 – 13)، إذن بحسب رواية لوقا (1) تجربة تحويل الخبز، (2) تجربة الجبل، (3) تجربة جناح الهيكل.
لكن المُشكلة حقاً التي أراها إن السائل [1] لم يتعرض إلى مُقارنة حقيقية بين الروايتين! صحيح إنه عرض الروايتين، الرواية بحسب متى والرواية بحسب لوقا، ثم وضع العقدة بالمُنشار وقال تناقض صارخ!، هذا حقاً عبث وأمر مُضحك ومُبكي في نفس الوقت، مُضحك لأن هذه ليست طريقة عقلية أبداً في دراسة أي شيء ومُحزن إن هذا السائل له من يُجله ويعتبره صاحب علم.
لا إشكال انت صاحب علم فقدم علم، لكن ما هو العلم في عدم البحث؟ هل ينزل عليك وحياً فتعرف ان هذا خطأ وذاك تناقض؟، هل قدم السائل تحليل لما ورد في كل من رواية متى ولوقا من الناحية اللغوية على الأقل؟ فإن كان على الادعاءات فلدي الكثير لكن هل من إثبات!؟، فبما ان السائل أفترض ان الروايتان مُتناقضتان فكان عليه دراستهما وتحليلها هما الإثنين، ومن الملحوظ ان السائل لم يقترب من قريب او بعيد إلى التعبيرات اليونانية المُستخدمة في رواية التجربة في إنجيل متى! رغم إنه بنفسه استخدم كتاب “تحليل لغة إنجيل متى” للدكتور موريس تواضروس! فهل أنت تأخذ ما يعجبك وما يُخالف قضيتك تتركه!، هل هذا هو البحث؟ هل هذا هو الحياد!؟
هل كتب متى القصة بتسلسل زمني؟
حينما نُريد ان نعرف هل كتب متى هذه القصة بتسلسل زمني أم لا، فعلينا ان نفحص التعبيرات التي استخدمها، هل هي تعبيرات يونانية مُبسطة مُمكن ان تُعني التسلسل الزمني او ربما الموضوعي، ام متى قد كتب بتسلسل زمني، فما يجب ان نقوم به هو تحليل المُصطلحات التي إستخدمها متى في روايته لحادثة التجربة، فمتى في روايته استخدم تعبيرين في العدد الخامس والثامن فيقول
“ثُمَّ [Τότε]أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ ” (متى 4:5)، ثُمَّ [πάλιν]أَخَذَهُ أَيْضاً إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدّاً وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا (متى 4:8). والتعبيران يُستخدمان للظرف الزماني، فبالتالي نحن نقول ان متى كتب هذه القصة بترتيب زمني، اي حادثة تحويل الخبز أولا، وتجربة جناح الهيكل ثانياً وتجربة الجبل ثالثاً وأخيراً.
تحليل كلمة Τότε
τότε an adverb of subsequent time, correlated to ὅτε (when, while, as long as); (1) used correlatively withὅτε when … then (MT 13.26); (2) as a time marker at that time, then (MT 2.17); (3) in narration to introduce what follows in time then, thereupon (MT 2.7) [2]
τότε adv. then, at that time (ἀπό τότε from that time on, after that; ὁ τ. κόσμος the then-existing world 2 Pe 3:6); thereupon, next, after that[3]
5538 τότε (tote): adv.; ≡ Str 5119—LN 67.47 then, when, at that time (Mt 24:23; Heb 9:17 v.r.)[4]
τότε tote at that time; then, thereupon
This correlative adv. of time occurs 160 times in the NT and is esp. preferred by Matthew (90 occurrences; 21 in Acts, 15 in Luke, 10 in John, 6 in Mark). Two kinds of usage can be distinguished.
Τότε refers to far off, more distant time. a) The past (at that time): Matt 2:17; 4:17; 16:21; 26:16; 27:9, 16; Luke 16:16; Gal 4:8, 29; Heb 12:26; 2 Pet 3:6. b) The future (then): Matt 13:43; 1 Cor 13:12 (bis). c) Time defined by a condition (then): 2 Cor 12:10.
Τότε in the sense of thereafter introduces that which (immediately) follows temporally (BDF §459: nonclassical): Matt 2:7, 16; 3:13, 15; 4:1, 5, 10, 11; 8:26; 12:22, and elsewhere; Luke 11:26; 14:21; 21:10; 24:45; Acts 1:12; 4:8. Καὶ τότε occurs in Matt 7:23; 16:27; 24:10, 14, 30 (bis); Mark 13:21, 26, 27; Luke 21:27; 1 Cor 4:5; Gal 6:4; 2 Thess 2:8. Τότε οὖν (“so then”) occurs in John 11:14; 19:1, 16; 20:8. Often ὅταν(with aor. subjunc.) is used in conjunction with τότε (“when … then”): Matt 24:16; 25:31; Mark 13:14; Luke 5:35; 21:20; John 8:28; 1 Cor 15:28, 54; 16:2; Col 3:4.[5]
τότε tote; from the neut. of 3588 and 3753; then, at that time:— then(146), time(10).[6]
TOTE (τότε , (5119)), a demonstrative adverb of time, denoting at that time, is used (a) of concurrent events, e.g., Matt. 2:17; Gal. 4:8, “at that time;” ver. 29, “then;” 2 Pet. 3:6, “(the world) that then was,” lit., ‘(the) then (world);’ (b) of consequent events, then, thereupon, e.g., Matt. 2:7; Luke 11:26; 16:16, “[from (A.V., since)] that time;” John 11:14; Acts 17:14; (c) of things future, e.g., Matt. 7:23; 24:30 (twice), 40; eight times in ch. 25; 1 Cor. 4:5; Gal. 6:4; 1 Thess. 5:3; 2 Thess. 2:8. It occurs 90 times in Matthew, more than in all the rest of the N.T. together.[7]
τότε, demonstr. adv. of time, (fr. the neut. art. τό, and the enclit. τέ [q. v.]; answering to the relative οτε[Kühner § 506, 2 c.]), fr. Hom. down, then; at that time;
then i. e. at the time when the things under consideration were taking place, (of a concomitant event): Mt. 2:17 (τότε ἐπληρώθη); 3:5, 13; 12:22, 38; 15:1; 19:13; 20:20; 27:9, 16; Ro. 6:21; foll. by a more precise specification of the time by means of an added participle, Mt. 2:16; Gal. 4:8; opp. to νῦν, Gal. 4:29; Heb. 12:26; ὁ τότε κόσμος, the world that then was, 2 Pet. 3:6.
then i. e. when the thing under consideration had been said or done, thereupon; so in the historical writers (esp. Matthew), by way of transition from one thing mentioned to another which could not take place before it [W. 540 (503); B. § 151, 31 fin.]: Mt. 4:1, 5; 26:14; 27:38; Acts 1:12; 10:48; 21:33; not infreq. of things which took place immediately afterwards, so that it is equiv. to which having been done or heard: Mt. 2:7; 3:15; 4:10 sq.; 8:26; 12:45; 15:28; 17:19; 26:36, 45; 27:26 sq.; Lk. 11:26; τότε οὖν, Jn. 11:14 [Lchm. br.οὖν]; 11:1, 16; 20:8; εὐθέως τότε, Acts 17:14; τότε preceded by a more definite specification of time, asμετά τὸ ψωμίον, Jn. 13:27; or by an aor. ptcp. Acts 28:1. ὅτε … τότε, etc., when … then: Mt. 13:26; 21:1; Jn. 12:16; ὡς … τότε, etc., Jn. 7:10; 11:6; preceded by a gen. absol. which specifies time, Acts 27:21. ἀπό τότε from that time on, see ἀπό, I. 4 b. p. 58b.
of things future; then (at length) when the thing under discussion takes place (or shall have taken place):τότε simply, Mt. 24:23, 40; 25:1, 34, 37, 41, 44 sq.; opp. to ἄρτι, 1 Co. 13:12; καὶ τότε, Mt. 7:23; 16:27; 24:10, 14, 30; Mk. 13:21, 26 sq.; Lk. 21:27; 1 Co. 4:5; Gal. 6:4; 2 Th. 2:8; καὶ τότε preceded by πρῶτον, Mt. 5:24; 7:5; Lk. 6:42. ὅταν (with a subjunc. pres.) … τότε, etc. when … then, etc. [W. § 60, 5], 2 Co. 12:10; 1 Th. 5:3; ὅταν (with an aor. subj. i. q. Lat. fut. pf.) … τότε, etc., Mt. 9:15; 24:16; 25:31; Mk. 2:20; 13:14; Lk. 5:35; 21:20 sq.; Jn. 2:10 [T WH om. L Tr br. τότε]; 8:28; 1 Co. 15:28, 54; 16:2; Col. 3:4. of the N. T. writ. Matthew uses τότε most frequently, ninety-one times [(so Holtzmann, Syn. Evang. p. 293); rather, eighty-nine times acc. to R T, ninety times acc. to G L Tr WH]; it is not found in [Eph., Phil., Philem., the Past. Epp., the Epp. of Jn., Jas., Jude], the Rev.[8]
[5538] τότε tote 160x Mt 2:17; 3:5; 11:20; then, Mt 12:29; 13:26; 25:31; ἀπὸ τότε, from that time, Mt 4:17; 16:21; ὁ τότε, which then was, 2 Pet. 3:6 [5119][9]
تحليل كلمة παλιν
πάλιν adverb; (1) with verbs of going, sending, turning, etc., denoting backward direction back (JN 11.7); (2) denoting a return to a previous state or activity again (JN 4.13); (3) denoting repetition again, once more, anew (MT 26.43, 44); (4) denoting continuation furthermore, again, often used in series of quotations or sayings introduced by a formula (MT 13.45; HE 1.5); (5) denoting a turn of thought on the other hand, in turn, again (1J 2.8)[10]
πάλιν adv. again, once more (εἰς τὸ πάλιν͂πάλιν 2 Cor 13:2); back; furthermore; on the other hand, yet [11]
4099 πάλιν (palin): adv.; ≡ Str 3825—1. LN 89.97 also, furthermore, again; a marker of adding to an idea, involving repetition (Ro 15:10–12; Jn 8:2, 8 v.r.); 2. LN 89.129 on the other hand; a marker of contrast (Mt 4:7; 2Co 10:7); 3. LN 67.55 εἰς τὸ πάλιν (eis to palin), again (2Co 13:2+)[12]
πάλιν palin; a prim. word; back (of place), again (of time), further:— again(127), again*(1), another(1), back(4), once more(4), other hand(3).[13]
πάλιν, adv., fr. Hom. down;
anew, again, [but the primary meaning seems to be back; cf. (among others) Ellendt, Lex. Soph. s. v. ii. p. 485];
joined to verbs of all sorts, it denotes renewal or repetition of the action: Mt. 4:8; 20:5; 21:36; 22:1, 4; Mk. 2:13; 3:20; Lk. 23:20; Jn. 1:35; 4:13; 8:2, 8, 12, 21; 9:15, 17; 10:19; Acts 17:32; 27:28; Ro. 11:23; 1 Co. 7:5; 2 Co. 11:16; Gal. 1:9; 2:18; 4:19; 2 Pet. 2:20; Phil. 2:28; 4:4; Heb. 1:6 (where πάλιν is tacitly opposed to the time when God first brought his Son into the world, i. e. to the time of Jesus’ former life on earth); Heb. 5:12; 6:1, 6; Jas. 5:18; Rev. 10:8, 11; πάλιν μικρόν sc. ἔσται, Jn. 16:16 sq. 19; εἰς τὸ πάλιν, again (cf. Germ. zum wiederholten Male; [see εἰς, A. II. 2 fin.]), 2 Co. 13:2; with verbs of going, coming, departing, returning, where again combines with the notion of back; thus with ἄγωμεν, Jn. 11:7; ἀναχωρεῖν, Jn. 6:15 [where Tdf. φεύγει and Grsb. om. πάλιν], (cf. ib. 3); ἀπέρχεσθαι, Jn. 4:3; 10:40; 20:10; εἰσέρχεσθαι, Mk. 2:1; 3:1; Jn. 18:33; 19:9; ἐξέρχεσθαι, Mk. 7:31; ἔρχεσθαι, Jn. 4:46; 14:3; 2 Co. 1:16; 12:21 [cf. W. 554 (515) n.; B. § 145, 2 a.]; ὑπάγειν, Jn. 11:8; ἀνακάμπτειν, Acts 18:21; διαπερᾶν, Mk. 5:21; ὑποστρέφειν, Gal. 1:17;ἡ ἐμὴ παρουσία πάλιν πρὸς ὑμᾶς, my presence with you again, i. e. my return to you, Phil. 1:26 [cf. B. § 125, 2]; also with verbs of taking, Jn. 10:17 sq.; Acts 10:16 Rec.; 11:10.
with other parts of the sentence: πάλιν εἰς φόβον, Ro. 8:15; πάλιν ἐν λύπῃ, 2 Co. 2:1.
πάλιν is explained by the addition of more precise specifications of time [cf. W. 604 (562)]: πάλιν ἐκ τρίτου, Mt. 26:44 [L Tr mrg. br. ἐκ τρ.]; ἐκ δευτέρου, Mt. 26:42; Acts 10:15; πάλιν δεύτερον, Jn. 4:54; 21:16;πάλιν ἄνωθεν, again, anew, [R. V. back again (yet cf. Mey. ad loc.)], Gal. 4:9 (Sap. 19:6; πάλιν ἐξ ἀρχῆς, Arstph. Plut. 866; Plat. Eut. p. 11 b. and 15 c.; Isoc. areiop. 6 p. 338 [p. 220 ed. Lange]; cf. W. u. s.).
again, i. e. further, moreover, (where the subject remains the same and a repetition of the action or condition is indicated): Mt. 5:33 (πάλιν ἠκούσατε); 13:44 (where T Tr WH om. L br. πάλιν), 45, 47; 19:24; Lk. 13:20; Jn. 10:7 [not Tdf.]; esp. where to O. T. passages already quoted others are added: Mt. 4:7; Jn. 12:39; 19:37; Ro. 15:10–12; 1 Co. 3:20; Heb. 1:5; 2:13; 4:5; 10:30; Clem. Rom. 1 Cor. 15, 3 sq. and often in Philo; cf. Bleek, Br. a. d. Hebr. 2:1 p. 108.
in turn, on the other hand: Lk. 6:43 T WH L br. Tr br.; 1 Co. 12:21; 2 Co. 10:7; 1 Jn. 2:8, (Sap. 13:8; 16:23; 2 Macc. 15:39; see exx. fr. prof. auth. in Pape s. v. 2; Passow s. v. 3; [Ellendt u. s. (ad init.); L. and S. s. v. III.; but many (e. g. Fritzsche and Meyer on Mt. 4:7) refuse to recognize this sense in the N. T.]). John uses πάλιν in his Gospel far more freq. than the other N. T. writ., in his Epp. but once; Luke two or three times; the author of the Rev. twice.[14]
[4099] πάλιν palin 141x pr. back; again, back again, Jn 10:17; Acts 10:16; 11:10; again by repetition, Mt 26:43; again in continuation, further, Mt 5:33; 13:44, 45, 47, 18:19; again, on the other hand, 1 Jn. 2:8 [15]
πάλιν palin, pal´-in; prob. from the same as 3823 (through the idea of oscillatory repetition); (adv.)anew, i.e. (of place) back, (of time) once more, or (conj.) furthermore or on the other hand:—again.
παμπληθεί pamplēthĕi, pam-play-thi´; dat. (adv.) of a comp. of 3956 and 4128; in full multitude, i.e.concertedly or simultaneously:—all at once.[16]
هل كتب لوقا القصة بتسلسل زمني؟
بما أن لوقا يختلف في السرد من ناحية الترتيب مع إنجيل متى فمن الطبيعي ان يكون هناك سبباً لهذا الإختلاف، ما أقصده ان هناك منهج مُختلف تم إتباعه من متى ومن لوقا، فإننا أستفضنا في التعبيرات التي استخدمها إنجيل متى، فهي تعبيرات زمنية فبالتالي متى يَكتب القصة بترتيب زمني، وهنا يأتي السؤال الهام هل لوقا إتبع نفس الطريقة في كتابته نفس القصة؟ في الواقع الإجابة، لا، فكما قلنا ان متى إستخدم تعبير Τότε وتعبير πάλιν، لكننا نجد هنا في رواية لوقا يستخدم مُصطلحات بسيطة في سرد القصة مثل και، والتي تعني ببساطة “و” أي أنها أداة عطف الأحداث وليست أداة لترتيبها.
وهنا لنا أضحوكة، فقد أورد السائل إعتراض ان لوقا لم يستخدم مُصطلح και لكن بحسب أقدم المخطوطات والنسخ اليونانية النقدية استخدم لوقا في العدد التاسع كلمة أخرى وهيδε، فهل كلمة δε تنفي القول بأن لوقا لم يكتب هذه الحادثة بترتيب زمني!؟، بالطبع لا، فـ και، أو δε هما حروف عطف!، فكنت أنتظر ان يثبت من خلال الدليل الداخلي لرواية لوقا إنه كتبها بترتيب زمني، ولكن هذا ما لم ولن يثبته.
ونُقدم بعض القواميس حول كلمة δέ، رغم إنه من المُسلم به إن لا تغيير في أي شيء فلوقا لم يستخدم أي مُصطلحات زمنية.
تحليل كلمة δέ
δέ conjunctive particle; (1) most commonly to denote continuation and further thought development, taking its specific sense from the context and; contrast but; transition then, now (with no temporal sense); (2) to emphasize contrast; as a correlative with μέν (on the one hand) … but (on the other hand) (MT 3.11); after a negative but rather, instead (HE 4.13); (3) to introduce background material into a narrative now (with no temporal sense) or left untranslated (JN 11.18; this use is especially characteristic of John’s Gospel); (4) to resume an interrupted discourse and, then, or left untranslated (LU 4.1); (5) used with other particles: δὲ καί but also, but even (MT 10.30); καὶ … δέ and indeed, and also, but also (1J 1.3) [17]
δέ but, to the contrary, rather; and; now, then, so; δὲ καί but also, but even; μὲν… δέ on the one hand …on the other hand [18]
1254 δέ (de): pt. and cj.; ≡ Str 1161—1. LN 89.94 and, a marker of an addition, sometimes implying a contrast (Tit 1:1); 2. LN 89.87 and then, a marker of closely related events (Mt 1:2); 3. LN 89.124 but, a marker of contrast (Mt 22:14; Jn 7:10); 4. LN 91.4 νυνὶ δέ (nyni de), and so, but now; a marker of a summary statement (1Co 13:13), see BAGD and grammars for more in-depth analysis[19]
δέ (Hom.+; inscr., pap., LXX) one of the most commonly used Gk. particles, used to connect one clause w. another when it is felt that there is some contrast betw. them, though the contrast is oft. scarcely discernible. Most common translations: but, when a contrast is clearly implied; and, when a simple connective is desired, without contrast; freq. it cannot be translated at all.
to emphasize a contrast—a. gener. Mt 6:1, 6, 15, 17; 8:20; 9:17; 23:25; Mk 2:21f; Lk 5:36f; 10:6; 12:9f; 13:9; 1 Cor 2:15 and oft.
for the correlative use μέν—δέ see μέν.
in lists of similar things, to bring about a clearer separation betw. the things listed Mt 1:2-16; 2 Pt 1:5-8; relating one teaching to another Mt 5:31; 6:16; Ro 14:1; 1 Cor 7:1; 8:1; 12:1; 15:1; 16:1.
introducing an apodosis after a hypothetical or temporal protasis, and contrasting it with the protasis (Kühner-G. II 275f; Epict. 1, 4, 32; 1 Macc 14:29; 2 Macc 1:34; Act. Thom. 98) Ac 11:17 t.r.; 2 Pt 1:5 (for the protasis vs. 3f); Col 1:22 (where the participial constr. vs. 21 represents the protasis; Ep. Arist. 175; 315).
very freq. as a transitional particle pure and simple, without any contrast intended now, then Mt 1:18, 24; 2:19; 3:1; 8:30; Mk 5:11; 7:24; 16:9; Lk 3:21; 12:2, 11, 13, 15f, 50; 13:1, 6, 10; 15:1, 11 al.; Ac 4:5; 6:1, 8; 9:10; 12:10, 17, 20; 23:10; 24:17; Ro 8:28; 1 Cor 16:12, 17; 2 Cor 4:7; 8:1; Gal 3:23. Esp. to insert an explanation that is (Aeschyl., Choeph. 190) Ro 3:22; 9:30; 1 Cor 10:11; 15:56; Eph 5:32; Phil 2:8. So in parentheses (Thu. 1, 26, 5 ἔστι δὲ ἰσθμὸς τὸ χωρίον) ἦσαν δὲ ἡμέραι τῶν άζύμων Ac 12:3.
resuming a discourse that has been interrupted Mt 3:4; Lk 4:1; Ro 5:8; 2 Cor 10:2
used w. other particles—a. δὲ καί but also, but even (2 Macc 12:13; 15:19; Ep. Arist. 40 al.) Mt 3:10 t.r.; 10:30; 18:17; Mk 14:31; Lk 11:18; 16:22; J 2:2; 3:23; 18:2, 5; Ac 22:28; 1 Cor 15:15.—ἔτι δὲ καί and (even) (EpJer 40; 2 Macc 10:7; Ep. Arist. 35; 151) Lk 14:26 v.l.; Ac 2:26 (Ps 15:9).
καὶ… δέ and also, but also (Kühner-G. II 253; Wsd 7:3; 11:20; 1 Esdr 1:47; 1 Macc 12:23; 2 Macc 11:12; 4 Macc 2:9; Ep. Arist. index) Mt 10:18; 16:18; J 6:51; 8:16f; 15:27; Ac 3:24; 22:29; 1 Ti 3:10; 2 Ti 3:12; 1J 1:3. Cf. Hatch 141f.—Usually δέ comes second in its clause, somet. third (Lucian, Tim. 48, Dial. Mar. 4, 2; Alex. Aphr., Fat. 36, II 2 p. 208, 20; 209, 6) Mt 10:11; 18:25; Mk 4:34; Lk 10:31; Ac 17:6; 28:6 al., occasionally fourth (Menand., Epitr. 64; 309; Archimed. II 150, 10 Heib.; Lucian, Adv. Ind. 19 p. 114; PHib. 54, 20 [245 bc]; Wsd 16:8; 1 Macc 8:27) Mt l0:18; J 6:51; 8:16; 1 Cor 4:18; 1J 1:3, or even fifth (Lucian, Apol. 12 p. 722; Alex. Aphr., An. II 1 p. 34, 8; 57, 15; 1 Esdr 1:22; 4 Macc 2:9) J 8:17; 1J 2:2; IEph 4:2.—Epict. index p. 542 Sch.; HGMeecham, The Letter of Aristeas ’35, 136; 154f.[20]
δέ+ X 1554-155-259-1620-1298=4887
Gn 1,2; 2,6.10.12.14
connecting part., often it cannot be translated Gn 2,12; and Gn 1,2; but Gn 2,6; rather (after neg.) Wis 2,11; introducing an apodosis after hypothetical or temporal protasis 2 Mc 1,34
… μὲν… δὲ… on the one hand… on the other hand… Gn 38,23; δὲ καί but also, but even 2 Mc 12,13; ἔτιδὲ καί and (even) LtJ 40; καὶ… δέ and also, but also Wis 7,3
Cf. Aejmelaeus 1982 34-47.139.151-152[21]
الترتيب في سرد إنجيل لوقا وعلاقته بحادثة التجربة
قد حاول السائل ان يؤكد ان إنجيل لوقا كتابا مُرتباً في سرده للغاية[22]، مما يُعني ان كتابته لحادثة التجربة كانت مرتبة زمنياً مُستخدماً افتتاحية انجيل لوقا في العدد الثالث ” رَأَيْتُ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيقٍ أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ “(لوقا 1:3) وبالتالي يكون متى ولوقا كتبوا بترتيب زمني فبالتالي يكون هناك تناقض.
ولا اعلم هل اعتبر هذا بمثابة رفع الراية البيضاء من السائل ان يُقدم أي شيء في رواية لوقا للتجربة تؤكد ترتيبه الزمني في كتابة حادثة التجربة أم انها مُحاولات للخروج من هذا المأزق الذي وضع نفسه فيه بنفسه؟ واستشهد السائل ببعض الترجمات العربية وغيرة التي تُفيد ان لوقا كتب بشكل مُنظم ومُرتب ومتسلسل. لكن ما هي المُشكلة في ذلك!؟ فليس معنى ان لوقا قد قام بسرد مُرتب من ناحية الأحداث ذاتها ان يكون كل حدث مُرتب زمنياً بشكل صارم، فبما انه لا يوجد ما يجعلنا نقول ان لوقا لم يكتب حادثة التجربة بشكل مُرتب زمنياً بصرامة فلماذا نفترض إنه كتبها بشكل مُرتب زمنياً إذن!؟
فهل إذا قُلنا ان عمارة المُستشار (س) عمارة مساحتها ضخمة، هل هذا يُعني ان كل شقة في هذه العمارة تكون مساحتها ضخمة!؟ بالطبع هذا هو السخف المنطقي الذي وقع فيه هذا السائل فهو يُعمم الخاص! وعجبي على العقول، فكلام السائل خير دليل ان للصمت قيمة عُظمى.
والعجيب أنه بنفسه إستشهد بالترجمة اليسوعية لنص لوقا ١ : ٣ للتدليل على أن لوقا كتب بترتيب زمني ، ولكنه في نفس الوقت تجاهل عن عمد أو عن جهل ما تقوله الترجمة اليسوعية في هامش التعليق على نفس هذا النص !!
حيث تقول : ” سنرى في كتاب لوقا أن المقصود [أي المقصود من قول لوقا] ليس ترتيباً زمنياً في الدرجة الأولى، بل ترتيباً أدبياً وتعليمياً “. [23] فما عذر هذا الباحث إذن؟؟!
إستشهد السائل أيضاً بقول الدكتور القس إبراهيم سعيد في مقدمة تفسيره لإنجيل لوقا، مُقتطعاً القول من سياقه.
حيث يقول الدكتور إبراهيم : ” بشارة لوقا هي بشارة الدقة والنظام في تسجيل الحوادث ، بالترتيب التاريخي، مصداقاً لقوله ” تتبعت من الأول كل شئ بتدقيق” . فهو يؤرخ الحوادث الدينية بمناسبات مدنية سياسية . كأن يقول مثلاً : ” كان في أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا “ ( ١ : ٥ ) ، ” وهذا الاكتتاب الأول جرى إذ كان كيرينيوس والي سورية “ ( ٢ : ٢ )، ” وفي السنة الخامسة عشرة من سلطنة طيباريوس قيصر، إذ كان بيلاطس البنطي واليا على اليهودية … في أيام رئيس الكهنة حنان وقيافا، كانت كلمة الله على يوحنا “ ( ٣ : ١-٢ ) .” [24]
مُعلقاً عليه هذا السائل : ” دقة ونظام في تسجيل الحوادث بحسب الترتيب التاريخي، وليس كما زعم القس منيس عبد النور… “.
بالطبع هذا فهْم ضحل وعقيم جداً لكلام القس إبراهيم . فما أراد القس تأكيده مختلف تماماً عما فهمه هذا السائل.
الدكتور كان يبرهن على أن لوقا كتب هيكلة إنجيله بطريقة تاريخية أي بربط أحداث حياة يسوع مع الأحداث التاريخية السياسية. مُدللاً على ذلك ببعض الأعداد والتي تعرض ذلك . على سبيل المثال ، قول لوقا البشير : ” في أيام هيرودس الملك… إذ كان كيرينيوس والي سورية… في السنة الخامسة عشرة من سلطنة طيباريوس…إلخ”.
فهنا نجد محاولة الرسول لوقا لربط الأحداث “الدينية” بأحداث “مدنية وسياسية” . فلم يقل القس نهائياً أن لوقا كتب كل الأحداث بتسلسل زمني بالمعنى الذي فهمه هذا السائل والذي يقتضي بموجبه وجود تناقض مع إنجيل متى!
بالطبع الآن إتضح لماذا إقتطع السائل كلام القس إبراهيم دون قراءة الأمثلة التي أوردها الدكتور بنفسه لتثبيت كلامه !! ولمزيد من التوضيح ، نقرأ تعليق الدكتور القس إبراهيم سعيد في نفس الكتاب الذي إستشهد منه الباحث .
حيث يقول الدكتور مُعلِقاً على أحداث التجربة : ” يذكر متى التجارب حسب وضعها التاريخي ويذكرها لوقا حسب ترتيبها المنطقي والاختباري… ولا يبعد أن لوقا باعتبار كونه “الطبيب” قد ذكر هذه التجارب بترتيبها النفسي ”السيوكولوجي“ .” [25]
فالأن إتضح كلام القس إبراهيم، يقول صراحةً أن لوقا كتب بترتيب منطقي وليس زمني كما ادعى السائل وتَقَوَّل على الدكتور بما لم يقله! فهل أفلس هذا “الباحث” إلى هذه الدرجة؟؟!!
يقول ماير: ان التسلسل يُعني السرد المُنظم وليس المُرتب زمنياً ” [26]
ويقول إلفريد بلامر: لوقا لا يُعطي مُجرد قصص وأقوال مُنفصلة عن بعضها البعض، ولكنه يُقدم رواية مُنظمة ومُرتبة، تعبير على التوالي (καθεξῆς) لا يُعني بالضرورة الترتيب الزمني، بل مُجرد نوع ما من الترتيب وعلى الرغم من ذلك ربما يوجد سرد مُرتب زمنياً بشكل مركزي [27]
كما يرى داريل بوك ان لوقا كتب بترتيب زمني بشكل عام، لكن هناك حالات مُنفردة مُستبعد منها هذا الترتيب الزمني بصورته الصارمة، فهناك ترتيب زمني عام[28]
وييقول هنري ألفورد: لا يجب ان نفهم من خلال كلمة على التوالي καθεξῆςان لوقا يدعي أي دقة زمنية خاصة في الكتابة والتي لم يتم العثور عليها في إنجيله [29]
ويقول ويليام هندريكسن وسيمون كيستميكر: كما ذكر لوقا ان الأحداث مُرتبة زمنياً فإلى حد كبير يوجد تسلسل للأحداث ومن ناحية أخرى بما يتعلق بالتفاصيل الفردية، لا يكون هذا هو الحال بشكل دائم [30]
تعليق ESV يقول: يُشير التنظيم إلى الترتيب المنطقي (راجع أعمال الرسل 4:11)” [31] فلوقا رتب السرد بمعنى حبل مريم ثم ميلاد يسوع ثم صباه ثم معموديته ثم مُعجزاته ثم كرازته ثم موته ثم قيامته ثم صعودة ثم فترة الرسل، لكن هذا لا يمنعه إنه في بعض الأحيان يسرد بعض الأحداث المُنفصلة عن بعضها البعض في وقت كل منها [32]
ويقول تعليق NLT: بعض النُسخ تُترجم هذه العبارة إلى in consecutive order، ولكنها تُشير إلى سرد مُنظم أو مكتوب بعناية وليس إلى التسلسل الزمني. [33]
ويقول تعليق NET: هذا التعبير لا يُعني ان السرد لجميع الأحداث يكون بالضرورة مُسجل في تسلسل زمني دقيق للذي حدثت فيه، ولكن سرد وُضع بشكل مُنظم وهذا ممكن ان يشمل السرد الموضوعي بدلاً من الترتيب الزمني الصارم. [34]
ويقول لينسكي: لوقا يقول إنه كتب بطريقة مُرتبة καθεξῆς هذا القول لا يُعني ان لوقا يُقدم سرد مرتب ترتيب صارم، لإنه في بداية إنجيله يذكر حادثة الناصرة التي بدأ بها خدمة يسوع (16-32: 4) ومع ذلك لم تكن خدمة يسوع بدأت.[35]
يقول كيلنتون أرلوند: هذا التعبير لا يُشير بالضرورة إلى ترتيب زمني صارم (بعض الأحداث في إنجيل لوقا ليست كرونولوجية)، بل هو عبارة عن سرد مُنظم أو سرد منطقي للأحداث ” [36]
ويقول هلال أمين: لوقا يقول لثاوفيلس أنه يكتب على التوالي أي كل شيء بترتيب ونظام، وإذ يستعرض البشير أمامنا المناظر المُختلفة فإنه لا يستعرضها كيفما أتفق أو بحسب ترتيبها التاريخي بل كل صورة في مكانها المُناسب. [37]
هل تناقض متى ولوقا؟
في نظري يبدو هذا السؤال قمة في السخافة لأن لا يوجد استدلال واحد صحيح استدل به هذا السائل، فقال ان المخطوطات تختلف في قراءة نص لوقا 4: 9 فقلنا ربما يثبت بذلك ان لوقا كتب الحادثة بترتيب زمني، ثم يقول ان المخطوطات لا تقول KAI لكنها تقول DE ! فهل أثبت بذلك دعوتك؟ لا، ثم قال كاتب الإنجيل نفسه يقول إنه يكتب بترتيب زمني، فرددنا على ذلك أعلاه، ففي الواقع هذا يُنتج أفكار وأطروحات ركيكة بل وشديدة الركاكة، فأي شخص يفحص تعبيرات ومُصطلحات إنجيل متى في سرد الحادثة وسرد لوقا للحادثة يجد ان لوقا يتحدث بشكل ضمنى ومتى يتحدث بشكل زمني.
إذن نُلخص النقاط السابقة في الاتي: متى قد أستخدم تعبيرات مثل TOTE، PALIN في سرده للقصة، لوقا يستخدم مُصطلحات بسيطة KAI\DE ولوقا لم يكتب إنجيله بشكل زمني صارم حتى نقول يجب ان تكون حادثة التجربة مُرتبة زمنياً.
يقول نورمان جيسلر: قد يكون متى يسرد هذه التجارب بترتيب زمني، لكن لوقا يسردها من الناحية الإقليمية، أي موضعياً، قد يكون هذا للتعبير عن الذروة التي يرغب في التأكيد عليها، يبدأ متى (متى 4:5) بكلمة then وفي العدد الثامن again في اللغة اليونانية تُشير هذه الكلمات إلى الترتيب الأكثر تسلسلاً للأحداث، ومع ذلك فإن السرد الذي سرده لوقا، يبدأ كل من العددين الخامس والتاسع بكلمة بسيطة and(أنظر NASB)، وفي اللغة اليونانية لا يُشير سرد لوقا بالضرورة إلى الترتيب التسلسلي للأحداث[38].
فموجز فكرة الاختلاف بين السردين هو ان متى يتحدث بترتيب زمني لكن لوقا كتبها بصورة موضوعية، وبحسب نظرية المصادر المُشتركة.
يقول جوزيف فيتزماير: ان متى احتفظ بالتقليد الأصلي [39]
لكن لماذا يكتبها لوقا بهذه الصورة؟ هل مثلا أراد شيئاً من هذا الترتيب الموضوعي؟ من الواضح ان لاهوت انجيل لوقا عموماً يربط ويُوضح علاقة يسوع بالهيكل فلذلك يضع إنجيل لوقا تجربة الهيكل التجربة الثالثة.
يقول كريج بلومبيرج: من المُحتمل ان يكون ترتيب متى مُرتب زمنياً أكثر (راجع τότε-then، متى 4/5)، والسرد موضوعي أكثر في لوقا 1-13: 4، حيث تظهر تجربة الهيكل في النهاية بإعتبارها الذروة للتأكيد على تَميز لوقا بعلاقة يسوع بالهيكل[40]
يقول تعليق Believer’s: يَختلف ترتيب لوقا لتجارب يسوع عن متى (متى 1-11:4) عن طريق عكس التجربة الثانية والثالثة (متى 1-3:4) يبدو ان لوقا يُقدم سرده بشكل موضوعي أو حتى جغرافي، فينتقل من مكان لمكان لإعطاء تركيز خاص، ومن الجدير بالذكر أنه يُنهي السرد في القدس والهيكل، وهذا يتماشى مع حقيقة انجيل لوقا الي يُركز بشكل أكثر من الأناجيل الأخرى [41]
يقول جون بيتر لانج: التجربة الثانية بحسب إنجيل متى هي التجربة الثالثة بحسب إنجيل لوقا، هذا الاختلاف ليس سببه أبداً عدم دقة تاريخية، بل سببه وجهه نظر رمزية ربطها كل من الإنجيلين في هذه التجارب. [42]
[1] لقب السائل هو لقب أنا قد وضعته لأني لا أريد ذكر اسم شخص بعينه في متن البحث كما هو مذكور في العنوان، ولم أريد ان استخدم تعبير ” معترض ” لأني ما أعرفه عن أي مُعترض هو إنه يكون له أسباب اعتراضية وحجج في الطرح وليس سوء فهم لكل شيء من البداية للنهاية، فهو ليس مُجرد شخص يسأل لكنه يظن في نفسه إنه على قدر كبير من العلم ويُقدم حقائق مُطلقة، وعجبي!
[2] Friberg, T., Friberg, B., & Miller, N. F. (2000). Vol. 4: Analytical lexicon of the Greek New Testament. Baker’s Greek New Testament library, Page. 383
[3] Newman, B. M. (1993). A Concise Greek-English dictionary of the New Testament., Page. 183
[4] Swanson, J. (1997). Dictionary of Biblical Languages with Semantic Domains: Greek (New Testament) (electronic ed.) (DBLG 5538).
[5] Balz, H. R., & Schneider, G. (1990-c1993). Exegetical dictionary of the New Testament. Translation of: Exegetisches Worterbuch zum Neuen Testament. Vol.3: Page. 367
[6] Thomas, R. L. (1998, 1981). New American Standard Hebrew-Aramaic and Greek dictionaries: Updated edition (H8674).
[7] Vine, W., & Bruce, F. Vine’s Expository dictionary of Old and New Testament words Vol.2:
[8] Thayer, J. H. (1889). A Greek-English lexicon of the New Testament: Being Grimm’s Wilke’s Clavis Novi Testamenti. Originally published: New York: Harper & Brothers, 1889.; Numerically coded to Strong’s Exhaustive concordance of the Bible., Page.629
[9] Mounce, W. D. (2006). Mounce’s Complete Expository Dictionary of Old & New Testament Words, Page. 1293
[10] Friberg, T., Friberg, B., & Miller, N. F. (2000). Vol. 4: Analytical lexicon of the Greek New Testament. Baker’s Greek New Testament library, Page.292
[11] Newman, B. M. (1993). A Concise Greek-English dictionary of the New Testament., Page.131
[12] Swanson, J. (1997). Dictionary of Biblical Languages with Semantic Domains: Greek (New Testament) (electronic ed.) (DBLG 4099, #3).
[13] Thomas, R. L. (1998, 1981). New American Standard Hebrew-Aramaic and Greek dictionaries: Updated edition (H8674
[14] Thayer, J. H. (1889). A Greek-English lexicon of the New Testament: Being Grimm’s Wilke’s Clavis Novi Testamenti. Originally published: New York: Harper & Brothers, 1889.; Numerically coded to Strong’s Exhaustive concordance of the Bible. (475). New York: Harper & Brothers.
[15] Mounce, W. D. (2006). Mounce’s Complete Expository Dictionary of Old & New Testament Words, Page.1231
[16] Strong, J., S.T.D., LL.D. (2009). A Concise Dictionary of the Words in the Greek Testament and The Hebrew Bible 1, Page.54
[17] Friberg, T., Friberg, B., & Miller, N. F. (2000). Vol. 4: Analytical lexicon of the Greek New Testament. Baker’s Greek New Testament library, Page.104
[18] Newman, B. M. (1993). A Concise Greek-English dictionary of the New Testament., Page39
[19] Swanson, J. (1997). Dictionary of Biblical Languages with Semantic Domains: Greek (New
[20] Arndt, W., Gingrich, F. W., Danker, F. W., & Bauer, W. (1996, c1979). A Greek-English lexicon of the New Testament and other early Christian literature: A translation and adaption of the fourth revised and augmented edition of Walter Bauer’s Griechisch-deutsches Worterbuch zu den Schrift en des Neuen Testaments und der ubrigen urchristlichen Literatur, Page.171
[21] Lust, J., Eynikel, E., & Hauspie, K. (2003). A Greek-English Lexicon of the Septuagint: Revised Edition. Deutsche Bibelgesellschaft: Stuttgart.
[22] اُريد ان اشكره حقيقةً فقد وفر علينا التحدث عن موثوقية إنجيل لوقا فهو يراها رواية تاريخية في مُنتهى الدقة، فهذه الرواية ” الدقيقة تاريخياً ” تقول ان يسوع قد صُلب ومات وقام، إلا تتذكر شيء؟! – ابتسامة -.
[23] الكتاب المقدس: نسخة الرهبنة اليسوعية، الطبعة الثالثة، تعليق على لو ١ : ٣ .
[24] الدكتور القس إبراهيم سعيد، شرح بشارة لوقا، الطبعة الرابعة، ص ف .
[25] نفس المرجع السابق، ص ٨٤-٨٥ .
[26] Meyer, H. A. W. Critical and Exegetical Handbook to the Gospels of Mark and Luke, Volume 1 (W. P. Dickson, Ed.) (R. E. Wallis & W. P. Dickson, Trans.). Critical and Exegetical Commentary on the New Testament, Page. 277
[27] Plummer, A. A critical and exegetical commentary on the Gospel According to S. Luke, Page.5
[28] Bock, D. L. Luke Volume 1: 1:1-9:50. Baker exegetical commentary on the New Testament, Page. 62
[29] Alford, H. (2010). Alford’s Greek Testament: An exegetical and critical commentary, vol.1: Page.441
[30] Hendriksen, W., & Kistemaker, S. J. (1953-2001). Vol. 11: New Testament commentary: Exposition of the Gospel According to Luke. Accompanying biblical text is author’s translation. New Testament Commentary, Page. 57
[31]Crossway Bibles. (2008). The ESV Study Bible Page.1942
[32] Bengel, J. A. Gnomon of the New Testament, Volume 2, Page.3
[33] New Living Translation Study Bible. 2008 (Lk 1:3). Carol Stream, IL: Tyndale House Publishers, Inc.
[34] Biblical Studies Press. (2006; 2006). The NET Bible First Edition Notes (Lk 1:3). Biblical Studies Press.
[35] Lenski, R. C. H. The Interpretation of St. Luke’s Gospel, Page.32
[36] Arnold, C. E. (2002). Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary Volume 1: Matthew, Mark, Luke., Page.324
[37] تفسير إنجيل لوقا جمع وتقديم هلال أمين موسى، صــــ14
[38] Geisler, N. L., & Howe, T. A. When critics ask: A popular handbook on Bible difficulties, Page.329
[39] Fitzmyer, J. A., S.J. (2008). The Gospel according to Luke I-IX: Introduction, translation, and notes, Page.506
[40] Blomberg, C. Vol. 22: Matthew The New American Commentary, Page. 84
[41] Believer’s Study Bible. Criswell Center for Biblical Studies. (electronic ed.) (Lk 4:1). Nashville: Thomas Nelson.
[42] Lange, J. P., & Schaff, P. (2008). A commentary on the Holy Scriptures: Matthew, Page.84.
صلب المسيح – إزاي بعد 600 سنة المسلمين يقولوا “شبه لهم”؟ – الجزء الأول
صلب المسيح – إزاي بعد 600 سنة المسلمين يقولوا “شبه لهم”؟ – الجزء الأول
المسيح إتصلب – إزاي بعد 600 سنة المسلمين يقولوا “شبه لهم” – الجزء الأول
ردا على محمود داود ومحمد شاهين (التاعب)
أذاع محمود داود، فيديو جديد له يتكلم فيه عن قضية صلب المسيح وقول القرآن عنه “وما صلبوه وما قتلوه وما شبه لهم” وركز أكثر على القول “شبه لهم” وتبنى محمود داود التفسير الشائع بين العامة أن معنى “شبه لهم” هي أن “شبه المسيح أُلقي على شخص آخر فصار هذا الآخر يشبه المسيح وتم صلبه مكانه”. وبدأ الفيديو الخاص به بأن أحضر شهادات من أشخاص وجماعات كانت قبل الإسلام كانت تقول بهذه الفكرة عينها.
ومن هنا انتهى إلى فكرة إلى أن الإسلام لم يقل شيئًا جديدًا، أو خاطئًا بل أنه أقر بصحة ما قاله هؤلاء الناس وتلك الجماعات المبكرة في مسألة صلب المسيح. ثم بعدها، بدأ بافتراض الاعتراضات، التي أسماها إشكالات، التي يمكن أن يعترض بها أي شخص على وجهة نظر محمود داود، وبدأ في الرد عليها واحدة تلو الأخرى، ظنًا بأنه قد أحكم طرح فكرته بل وأحكم الرد على معارضيه قبل أن يعترضوا، وأنه أفحمهم.
ولما كانت فكرته الأساسية أكثر هشاشة من أفكاره الفرعية، ارتأينا أن نرد على هذا الموضوع بشمول، حيث سيشمل هذا الموضوع مناقشة هذه الفكرة قرآنيًا ومنطقيًا، ثم نعرج على ما قاله محمود ونرد عليه.
لكن، بسبب أن محمود داود بدأ الفيديو الخاص به، بإفتراض أن قضية صلب المسيح وقتله محسومة قرآنيًا، وأن القرآن قد نفى صلب المسيح وقتله، وأثبت مسألة الرفع وأنه قد ألقى الله شبه المسيح على غيره فصُلب بدلا عنه، فنحن سنقسم البحث إلى قسمين رئيسيين:
الأول سيكون عن إثبات أن القرآن لم ينف صلب المسيح أو قتله ومعنى “شبه لهم” والإختلافات الكثيرة حولها. ثم سنبدأ في طرح أدلة وقوع الصلب والقتل على المسيح من مصادر مختلفة لأن هذا ما لم يتطرق إليه محمود داود من الأساس، على الرغم من أنه جزء رئيسي في هذا الموضوع، فإن كان الكتاب المقدس قد أكد موت المسيح وصلبه قبل وبعد صلب المسيح، وقد أنبأ العهد القديم عن هذا كله، وقد أكد التاريخ هذا، ويعترف اليهود والرومان بذلك، وبعد هذا كله لم ينف القرآن عن المسيح الصلب والقتل، فلما الفيديو الخاص به إذن؟ فهو يدافع عن ماذا ضد ماذا؟! فالإسلام يمنعه من تكذيب المسيحين مادام ليس معه دليل شرعي صريح صحيح. وفي نهاية القسم الأول سأعرض حجج محمد شاهين التاعب، وسأرد عليها، راجيًا من الله أن يعرف كل من محمود داود ومحمد شاهين للرد سبيل.
أما القسم الثاني: فسنخصصه للكلام عما جاء في الفيديو الخاص به، محللين كل فكرة جاء بها ونرد عليها ردًا مستفيضًا.
الفهرس العام للبحث:
القسم الأول (هذا الجزء):
هل قال القرآن بعدم صلب المسيح؟ وماذا عن الرفع؟
هل قال القرآن بإلقاء شبه المسيح على آخر وصلب الآخر بدلا عن المسيح؟
وفقًا، للكتاب المقدس، هل يمكن أن يكون المسيح لم يصلب؟
القسم الثاني (قريبا):
الفرق التي كانت تؤمن بخيالية جسد المسيح، وسبب إيمانها.
من أين استقى علماء الإسلام فكرة “إلقاء شبه المسيح على آخر”؟
هل اختارت الكنيسة أناجيلاً وتركت أخرى؟!
الرد على ردود محمود على الاشكالات التي طرحها هو على لسان المعترض.
طرح الإشكالات كلها مجمعة مع بيان رأينا فيها.
+ هل قال القرآن بعدم صلب المسيح؟ وماذا عن الرفع؟
إن من بين الأمور الشائعة بدرجة فائقة بين المسلمين بل والمسيحيين أيضًا أن القرآن قد نفى قتل وصلب المسيح. حتى أنك ربما تجد أن مسيحي يقرأ هذه المقالة يعتقد أني أتكلف لأثبت من القرآن أنه لم ينف صلب أو قتل المسيح. لكن، ستكون حجتنا هي النصوص. فمن يقرأ النصوص وحدها بلا خلفية إيمانية مؤيدة او معارضة، سواء أكان مسيحي أو مسلم، ٍسيصل حتمًا إلى نتيجة مفادها أن القرآن لم ينف مطلقًا صلب المسيح أو قتله.
وقبل أن نستعرض النصوص، يجب أن نعرف أن القرآن لم يتكلم عن قضية صلب المسيح إلا في نص وحيد فقط، فهذا النص قد ورد بلا سياق لقصة الصلب نفسها. فإذ فجأة تجد أن القرآن يعرض قول اليهود أنهم قتلوا المسيح، ثم يرد عليهم قولهم هذا، ثم ينتهي كل شيء. بلا تفاصيل ولا سياق أكثر من هذا. ليس هذا فحسب، بل أن هذا النص قد وضع علماء الإسلام في خلافات تفسيرية ضخمة جدًا، فتراهم قد اختلفوا في “شبه لهم” ماذا تعني؟ ومن المشبه؟ ومن المشبه به؟ إن فرضنا أن المقصود هو القاء شبه المسيح على شخص.
فقبل أن نستعرض النص، سنأتي بالسياق الذي أتى به لنفهم عمَّ كان يتكلم النص:
ربما لا يختلف إثنان في أن المقصود هنا هم اليهود من أهل الكتاب. فهم الذين سألوا موسى ولم يكن بعد مسيحي، وهم الذين اتخذوا العجل ورُفع فوقهم الطور، وكانوا لا يعملون في السبت وقتلوا الأنبياء واتهموا مريم (حسبما يقول القرآن). فلا يمكن لعاقل أن يعتقد أن هذه الصفات تنسحب على المسيحيين.
وبداية من النص رقم 157، تجد نقل القرآن لاعتراف اليهود أنفسهم أنهم قتلوا يسوع، ثم يرد عليهم القرآن قولهم هذا بأنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكن شبه لهم. وبغض النظر عن عدم جواز قولهم هذا عقلًا، فاليهود لا يمكن أن يقولوا هذا النص حرفيًا، لأنهم ينتظرون المسيح إلى اليوم، ولا يعتقدون أنه جاء أصلا، بل يعتقدون أنهم قتلوا يسوع الذي ادعى انه المسيح، فاليهود إلى اليوم يُقدرون ويوقرون المسيا، المسيح. لكن هذه ليست نقطة البحث الآن[1].
ولكي نعرف بدقة: هل نفى القرآن صلب المسيح وقتله أم لم ينف، يجب أن نتذكر ما الفارق بين العبارة “وما قتلوه” وبين “وما قُتِل” من جانب، وبين “وما صلبوه” وبين “وما صُلب” من جانب آخر. فببعض المعلومات البدائية في اللغة العربية ستعرف أن لفظي “قتلوه” و”صلبوه” هو لفظ يعبر عن الفاعل لوجود حرف الواو الذي يعبر هنا عن الفاعل الجمع، والمسماة واو الجماعة. فعبارة “وما قتلوه وما صلبوه” تنفي عن الفاعل قيامه بالفعل، ولا تنفي الفعل نفسه. ففارق كبير بين عبارة “وما قتلوه وما صلبوه” وعبارة “وما قُتِلَ وما صُلِبَ” فالأولى تنفي الفاعل، والثانية تنفي الفعل بعض النظر عن فاعله.
بكلمات أُخر، إن قلتُ عن أخي “ما شَرِبَ الماء”، فسيفهم كل شخص عاقل أني هنا أقصد أن أخي لم يشرَب الماء، لكني لو قلت “ما شُرِبَ الماء” فسيفهم كل شخص أن الماء لم يُشرَب (لم يتم شربه)، سواء من أخي أو من غيره، لأني هنا قد نفيت الفعل نفسه. هكذا قال القرآن [وما قتلوه وما صلبوه] متحدثا بهذه الواو عن اليهود، فهذا من الواضح نحويًا، وأيضًا من السياق، فالقرآن ينقل كلام اليهود [إنَّا قتلنا المسيح]، فمن المنطقي أن يرد عليهم هم كلامهم ويقول لهم “وما قتلوه وما صلبوه”. فالنفي هنا محصور في اليهود ولم يخرج عنهم. أما لو كان النص قد قال “وما قُتل وما صُلب” فكان المنفي هنا هو الفعل نفسه، أي فعلي الصلب والقتل، أي كان فاعلهما، سواء كانوا يهودًا أم غيرهم. فالفعل لم يقع مطلقًا فليس له فاعل.
وقد يقول قائل إن القرآن كرر مرة أخرى وأكد حيث قال [وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا] ليؤكد على عدم قتله. فنرد ونقول إن هذا خطأ في الفهم، فهذا النص كرر فعلا النص السابق الذي قيل فيه “وما قتلوه” لكنه أضاف لها كلمة “يقينًا”، فأما بالنسبة للمسلم، فاليقين متحقق بمجرد العبارة الأولى، فلا يحتاج المسلم عدد معين من التكرارات لكي يعرف أن كلام القرآن يقيني، وأما بالنسبة لغير المسلم فهو لا يؤمن بالقرآن ابتداءً، سواء أقال يقينًا أو لم يقل، أو قال إن المسيح صُلب وقُتل أو لم يقل، أو حتى إن نفى. فهذه الكلمة لم تضف جديد، إذ يظل ما سبقها هو “وما قتلوه” وليس “وما قُتل”، فيظل مدار الكلام كله في فلك نفي الفاعل وليس الفعل نفسه. وحيث أن القائل والفاعل هم اليهود، فالنفي جاء عنهم فقط ولم يجيء عن غيرهم.
وقد يقول آخر، أن النص القرآني أورد أن الله رفعه إليه، فهذا يعني أن المسيح لم يمسه أحد بسوء. ونقول لهذا الآخر، أنك على خطأ. حيث أن الرفع لا ينفي القتل والصلب، فإليك ما يؤمن به المسيحي كمثال لجواز وقوع الصلب والقتل مع الرفع. فالمسيحي يؤمن أن المسيح بعدما صُلب وقُتل، قام وصعد إلى السماء. فمع إيمانه بقتل المسيح إلا أن هذا لم يمنع المسيح من الصعود.
بل وأكثر من هذا، فإنه وفقًا للقرآن، فأنه يجوز أن يُسمَّى المقتول في سبيل الله، بأنه حي، وليس هذا فقط، بل “حي عند ربه”. فالنص القرآني يقول [وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) آل عمران]، وفي نصٍ آخر يقول [وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) البقرة] فمع إقرار القرآن نفسه بأنهم “قتلوا” إلا أنه ينهى من يدعوهم “أمواتًا”، ويؤكد أنهم “أحياء عند ربهم”. وهذا النص يشرح النص الخاص بسورة النساء بوضوح أكثر. فحتى إن تنازلنا جدلًا، وقلنا إن القرآن قال “وما قُتل وما صُلب” عن المسيح، وهو في الحقيقة لم يقلها، فإن معناها لن يكون أن المسيح لم يُقتل أو يُصلب في الحقيقة، بل ربما أنه صُلب وقُتل، ولكن لأنه نبي وقتل في سبيل الله، فلا يسميه القرآن “ميت” بل “حي”. ونجد أيضًا تقارب كبير بين عبارة سورة النساء وسورة آل عمران، حيث قال في سورة النساء [بل رفعه الله إليه] ومثلها في سورة آل عمران [أحياء عند ربه]. فتعبير “رفعه الله إليه” يساوي تمامًا “عند ربه” حيث أنه من المعروف أن الله يُنسب له العلو، فيكون أن كل شهيد عند ربه في العلو.
هذا كله إن تجاوزنا عن صريح النص القرآني الذي لا ينفي موت المسيح أو صلبه، بل ينفي عن اليهود، تاركًا كل فاعل آخر محل احتمال ان يقوم بالصلب. وهو الذي يقول به المسيحيون حقًا. فالمسيحي يؤمن أن من قام بفعل الصلب نفسه، أي الجلد والتسمير ورفع الصليب هم الرومان بأيديهم على الحقيقة لا المجاز. وأن اليهود أسلموه حسدًا وكرهًا لهم ولبيلاطس لكي يقتلوه، لكن من نفذ العقوبة هم الرومان. فيجوز أن يُفهم كلام القرآن بهذا المعنى، أن المنفي عنهم هم اليهود لأن المنفذ كان الفاعل الروماني، وليس اليهودي حقُا بيده. فإن كان هناك نص واحد فقط، وهذا النص لا يصرح حرفيًا بعدم صلب أو قتل المسيح، وهناك قرينة قرآنية أخرى يمكن فهم النص من خلالها فهما تكامليًا منضبطا، ومع إيمان المسلم أن اليهود قتلوا الرسل، ومع اعتراف اليهود أنفسهم أنهم قتلوا يسوع، وإقرار المسيحيون أن الرومان قتلوا المسيح بوشاية اليهود وتسليمهم إياه، فما الداعي للاعتقاد بعدم صلب المسيح وقتله إذن؟ أي ما المشكلة التي يقابلها المسلم لو كان المسيح لديه قد قُتل وصُلب؟
ولربما يقول قائل، أنه لم يقم بين الناس من يقول إنهم قتلوا المسيح إلا اليهود، فنفي الفعل عن اليهود لهو بمثابة نفس الفعل نفسه عن سواهم. ولهذا القائل نقول:
أولًا: عدم ذِكر القرآن لآخرين غير اليهود ممن قالوا بصلب المسيح لا ينفي قول غير اليهود بهذا، فعدم وجود دليل ليس دليلًا على العدم. اللهم إلا لو اشترط القرآن على نفسه أن يذكر فقط من قالوا بهذا.
ثانيًا: عدم قول آخرين أنهم قتلوا المسيح، جدلا، لا يستلزم عدم قتلهم إياه. فمن يقتل شخصًا لا نلزمه بأن يصيح في الشوارع “أنا قتلت فلانا، أنا قتلت فلانا”، فليس واجبًا عليهم أن يصرحوا أنهم قتلوا المسيح.
ثالثًا: القرآن كان يتكلم عن اليهود وما قالوه وما فعلوه ورد عليهم فيهم، بأي دليل جعلت القرآن قد شمل غير اليهود في كلامه عن اليهود وحدهم؟!
كان الكلام السابق ولم نبدأ في تناول الجزء الأكثر حيرة في النص لعلماء الإسلام أنفسهم، ألا وهو “شبه لهم”، فنجد أن الفخر الرازي قد عرض إشكالات في هذه الجزئية من النص، ثم حاول الرد عليها، فسنعرض اشكالاته ثم نعرض ردوده مع ردودنا عليها لبيان وهنها.
ونلاحظ هنا أن الرازي بنفسه يقول إن الروايات في مسألة “شبه لهم” قد اختلفت، وكل هذه الروايات ليست ذات مصداقية أو موثوقية، بل يقصد الرازي هنا أنها مجرد آراء مختلفة كما سيأتي بيانه. ويقول الرازي أن مهما كان التفسير، فتفسير إلقاء الشبه على آخر فيه إشكالات كما عرضها بنفسه. والآن نأتي إلى ردود الرازي على هذه الإشكالات فنقتبسها ونعلق عليها:
الرد: أين الرد؟! يقول الرازي ما معناه أن الله قادر أن يخلق انسانا آخر على صورة زيد. وهل نفى أحد هذا؟ لكن ما الدليل على أن هذا حدث أصلاً؟ فقدرة الله معروفة، لكن الرازي يفترض حدوث خلق لإنسان آخر بصورة أخرى بغير دليل، رجمًا بالغيب. وحقًا قال إنه إذا قبلنا القاء شبه شخص على آخر لأي سبب، فيبطل هنا كل شيء من الموثوقية في أي شيء. فليس ثمة تأكد من أي إنسان أنه هو على الحقيقة، بل ربما يكون ألقى الله شبهه على آخر، وهذا الآخر نراه الآن. ومن هنا يَبطُل كل شيء لعدم وجود موثوقية، فالشك واقع في كل إنسان، فالابن ربما لا يكون هو، والزوجة ربما لا تكون هي وهكذا كل إنسان قد وقع الشك فيه. ومع مجهولية السبب الذي لأجله يفعل الله هذا، لن يشك أحدٌ أن من يراه ليس هو من يعرف أنه يراه هو.
الرد: يقول الرازي هنا أن الله لو جعل جبريل يدافع عن المسيح ضد الأعداء أو جعل المسيح يدافع عن نفسه، لكانت معجزته قوية لدرجة الإضطرار والإكراه. ثم يقول إن هذا غير جائز! ولست أعلم لماذا غير جائر أن يدافع المسيح عن نفسه أو يدافع عنه جبريل! أليس هو المؤيد بروح قدس؟ أوَجائز أن يقتل اليهود الأنبياء والرسل وغير جائز أن يدافع المسيح عن نفسه أو جبريل عنه؟! ثم أن “الجائز” و”غير الجائز” هو ما يجوزه او لا يجوزه الله بنفسه، لا العبد على ربه!
الرد: مرة أخرى، ما المشكلة أن تكون المعجزة قوية لنبي من أولي العزم في موقف سيتم قتله فيه مع أُناس يقتلون الأنبياء والرسل؟ فحقًا كان في مقدور الله رفعه وإماته من حاولوا قتله بكلمة “كن” دون إلقاء شبه على بريء، أو إن كان غير بريء فيمكن أن يعاقبه الله فيميته في الحال. فما الداعي لكل هذا؟!
الرد: من أين عرف تلامذة المسيح أن المصلوب لم يكن هو المسيح؟ ومن أين علم الرازي أن التلاميذ كانوا يعرفون؟ هل يتنبأ الرازي ويكتب بوحي؟! ومن أين علموا أنهم كانوا يزيلون هذا التلبيس؟ وما دام هذا قد حسبه الرازي تلبيسًا، فما لزومه؟ أيجوِّز الرازي على الله التلبيس ولا يجوز عليه عمل المعجزة وإنقاذ نبيه بها؟ حقًا غريب!
الرد: نفس المشكلة، الرازي يتكلم من رأسه ومن كيسه! فمن الذي قال له أن الحاضرين كانوا قلة؟ من أين عرف الرازي هذا؟ أكان معهم؟ أم أنه نبي يوحى إليه؟! الحقيقة أن الرازي يقول هذا للهروب من فخ نقض التواتر، فتعريف التواتر أنه نقل الجمع الكثير عن الجمع الكثير مما تمنع العادة كذبهم. فماذا فعل الرازي؟ قال بافتراض من رأسه أن الموجودين كانوا قلة لا يحققوا شرط التواتر لكي يتهرب، وما لتلك المعرفة من سبيل لديه. ثم أنه لو كانوا كثيرين، لوقع فيهم التلبيث والاشتباه أيضًا، فهذا ما فعله الله، أفلا يتقن الله إلقاء شبه شخص على آخر، فيكتشفه الكثير ويعجز عن كشفه القليل؟ أم أن العدد لا يهم هنا لأن المصلوب أمامهم له شبه المسيح؟ وأيضًا، فلم يعرف لنا ما هو الحد العددي للتواتر، فهناك أحداث كثيرة في الإسلام سمعها أو عرفها العدد اليسير، فحسب كلام الرازي ان هذا العدد لن يكون مفيدا للعلم.
الرد: هنا يقول الرازي، أن المسيح نفسه يحتمل أن يكون قد اتفق مع أحد أتباعه المؤمنين به، أن يلقي الله عليه شبهه، وسكت المسيح عن كشفه فلم يعرفه أحد. فهنا يزيد الرازي الطينة بلة! فبدلا من أن يحل الإشكالات، أضاف اشتراك المسيح وضلوعه فيها! الغريب والعجيب أن الرازي هنا يحاول اسكات صوت عقله ويقول لنفسه أن كل هذه الإشكالات التي ذكرها هو بنفسه وما أجاب عنها بكلمة لها من المنطق حتى رائحته، لهي لا تسوى شيء أمام النصوص القاطعة التي قالها رسول الإسلام، فأصبحت كل هذه الشكوك لا قيمة لها أمام النصوص القاطعة، وأني لأسأل، أين هي تلك النصوص القاطعة؟ فلا النص قال بعدم صلب أو عدم قتل المسيح، ولا النص قال بوجود إلقاء شبه إنسان على إنسان! فعلى أي نصوص تعتمد؟! والملاحظ ان الرازي قد أفاض في شرح الإشكالات، وكأنه بعده وجد نفسه وقد كتبها، ثم راح يكتب ردودا وهمية لا يقتنع هو نفسه بها فضلا عن غيره، لمعادلة ما ارتكبه من اثم حين وضع هذه الإشكالات.
وبعد سردنا لكلام الرازي وردنا على ردوده على الإشكالات الواضحة، نأتي لتفسير علماء الإسلام في تفسير [ولكن شبه لهم]، فقد جاء في تفسير الماوردي:
{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنهم كانوا يعرفونه فألقى شبهه على غيره، فظنوه المسيح فقتلوه، وهذا قول الحسن، وقتادة، ومجاهد، ووهب، والسدي.
والثاني: أنهم ما كانوا يعرفونه بعينه، وإن كان مشهوراً فيهم بالذكر، فارتشى منهم يهودي ثلاثين درهماً، ودلهم على غيره مُوهِماً لهم أنه المسيح، فشُبِّهَ عليهم.
والثالث: أنهم كانوا يعرفونه، فخاف رؤساؤهم فتنة عوامِّهم، فإن الله منعهم عنه، فعمدوا إلى غيره، فقتلوه وصلبوه، ومَوَّهُوا على العامة أنه المسيح، ليزول افتتانهم به.[3]
والناظر المتتبع لما قاله علماء الإسلام في معنى “شبه لهم” فسيرى اختلافهم في المعنى الأولي للعبارة، ماذا تعني؟ واختلافهم حول من هو الشخص الذي وقع عليه شبه المسيح، إذا كان معنى العبارة أن هناك شخصًا أُلقي عليه شكل المسيح. ولن تجد أي دليل صحيح، متعلق بطريقي الوحي الإسلامي، أي الوحي القرآني والوحي الحديثي المتمثل في حديث صريح عن رسول الإسلام نفسه، ومع ذلك تجد الآراء هنا وهناك دون دليل يؤيد أو يعارض أي رأي منهم. إنه الهوى فقط الذي يحكم هنا.
ففي التأويل الأول الذي عرضه الماوردي أعلاه، ما دليل الحسن والسدي وقتادة ومجاهد ووهب؟ هل نقلوا بدليل صحيح عن رسول الإسلام حديث يقول هذا الرأي؟ بالطبع لا، لأنه لو كان هناك مِثل هذا الدليل، لأنتفت الآراء الأخرى تلقائيًا ولم يعد لها وجود. وعن التأويل الثاني، فهو دليل خائب، فبأي دليل يعرفون أن المسيح كان غير ذائع الصيت، مغموراً؟ إنه دليل الهوى والمزاج. فكيف لشخص يفعل كل هذه المعجزات في وسط عوام الناس في الشوارع لدرجة أنهم يتشاورون لقتله ألا يكون معروفا لدى أي منهم، لدرجة انهم يعتمدوا على تسليم شخص آخر له، فهل لا يعرفه أحد؟!
أما عن التأويل الثالث، فهو تأويل مثير للشفقة بحق، فهذا التأويل يقول إن اليهود كانوا يعرفونه حق المعرفة، ويريدون قتله، لكنهم يخافون من عوامهم، فماذا فعلوا؟ جلبوا شخص آخر وقتلوه! نعم، هم يقولون هذا! ولست أعرف كيف يمكن لعاقل أن يضع هذا الكلام كمجرد احتمال؟ فهل لو قتلوا شخص آخر سيكونون قد تخلصوا من المشكلة الأولى التي تزعجهم لدرجة أنهم يريدون قتله هو (المسيح)؟ فإن قتلوا العشرات والعشرات، فلن يتغير شيء، فالمسيح الذي يجلب عليهم المشاكل –حسبما يزعمون- مازال حي، ويمكنه الظهور لهؤلاء العوام في اليوم التالي ويكمل ما كان يفعله ويقول لهم أنه لم يتم قتله بل انهم قتلوا شخص آخر بدلا عنه!
الغريب والعجيب، أن النص القرآني هنا، نعم في نفس ذات النص وليس في نصٍ آخر، يقول [إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ]، فتحقق هذا النص في المسلمين أنفسهم، فهم إلى الآن يختلفون حول كل قضية تقريبًا تخص هذه الحادثة! وذلك لأن النص القرآني نص وحيد، بل ويمكن تأويله، كما حدث فعلا، بأكثر من وجه، ويحتوي النص نفسه على أكثر من مقطع ظني الدلالة، ما يزيد الموضوع صعوبة للوقوف على تفسير واحد صحيح عقلا ونقلا. ثم يأتي مسلم ليقول لنا أننا نحن الذين نختلف فيه!
وللوقوف على مدى اختلاف المسلمين فيما حدث سننقل لكم ما قاله أبو جعفر الطبري إمام المفسرين، لنوضح لكم حال إمام المفسرين أمام هذه المعضلة التي وضعوا أنفسهم بها بغير داع لهذا، ولك عزيزي القارئ أن تتخيل حال بقية المفسرين في الحيرة إذا كان هذا حال إمامهم، وسننقل لكم رأي الطبري نفسه، فالطبري من عادته أن ينقل من الآثار (الأخبار الواردة له حول القضية محل التفسير) الآراء المختلفة والمتضاربة ثم يختار لنفسه رأيًا ويوضح سبب اختياره هذا، فلعدم الاطالة سننقل لكم رأيه هو نفسه[4]:
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب، أحدُ القولين اللذين ذكرناهما عن وهب بن منبه:[5] من أن شَبَه عيسى ألقي على جميع من كان في البيت مع عيسى حين أحيط به وبهم، من غير مسألة عيسى إياهم ذلك. ولكن ليخزي الله بذلك اليهود، وينقذ به نبيه عليه السلام من مكروهِ ما أرادوا به من القتل، ويبتلي به من أراد ابتلاءه من عباده في قِيله في عيسى، وصدق الخبر عن أمره. = أو: القول الذي رواه عبد الصمد عنه.[6]
وإنما قلنا ذلك أولى القولين بالصواب، لأن الذين شهدوا عيسى من الحواريين، لو كانوا في حال ما رُفع عيسى وأُلقي شبهه على من ألقي عليه شَبَهه، كانوا قد عاينوا وهو يرفع من بينهم،[7] وأثبتوا الذي ألقي عليه شبهه، وعاينوه متحوِّلا في صورته بعد الذي كان به من صورة نفسه بمحضَرٍ منهم، لم يخفَ ذلك من أمر عيسى وأمر من ألقي عليه شبهه عليهم، مع معاينتهم ذلك كله، ولم يلتبس ولم يشكل عليهم، وإن أشكل على غيرهم من أعدائهم من اليهود أن المقتول والمصلوب كان غير عيسى، وأن عيسى رفع من بينهم حيًّا.
وكيف يجوز أن يكون كان أشكل ذلك عليهم، وقد سمعوا من عيسى مقالته: “من يلقى عليه شبهي، ويكون رفيقي في الجنة”، إن كان قال لهم ذلك، وسمعوا جواب مُجيبه منهم: “أنا”، وعاينوا تحوُّل المجيب في صورة عيسى بعقب جوابه؟ ولكن ذلك كان= إن شاء الله= على نحو ما وصف وهب بن منبه: إما أن يكون القوم الذين كانوا مع عيسى في البيت الذي رفع منه من حواريه، حوَّلهم الله جميعًا في صورة عيسى حين أراد الله رفعه، فلم يثبتوا عيسى معرفةً بعينه من غيره لتشابه صور جميعهم، فقتلت اليهود منهم من قتلت وهم يُرَونه بصورة عيسى، ويحسبونه إياه، لأنهم كانوا به عارفين قبل ذلك. وظنّ الذين كانوا في البيت مع عيسى مثل الذي ظنت اليهود، لأنهم لم يميِّزوا شخصَ عيسى من شخص غيره، لتشابه شخصه وشخص غيره ممن كان معه في البيت. فاتفقوا جميعهم= يعني: اليهود والنصارى[8] = من أجل ذلك على أن المقتول كان عيسى، ولم يكن به، ولكنه شُبِّه لهم، كما قال الله جل ثناؤه: “وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم”.
= أو يكون الأمر في ذلك كان على نحو ما روى عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه: أن القوم الذين كانوا مع عيسى في البيت، تفرقوا عنه قبل أن يدخل عليه اليهود، وبقي عيسى، وألقي شبهه على بعض أصحابه الذين كانوا معه في البيت بعد ما تفرق القوم غيرَ عيسى، وغيرَ الذي ألقي عليه شَبهه. ورفع عيسى، فقتل الذي تحوّل في صورة عيسى من أصحابه، وظن أصحابُه واليهود أن الذي قتل وصلب هو عيسى، لما رأوا من شبهه به، وخفاء أمر عيسى عليهم. لأن رفعه وتحوّل المقتول في صورته، كان بعد تفرق أصحابه عنه، وقد كانوا سمعوا عيسى من الليل ينعَى نفسه، ويحزن لما قد ظنَّ أنه نازل به من الموت، فحكوا ما كان عندهم حقًّا، والأمر عند الله في الحقيقة بخلاف ما حكوا. فلم يستحق الذين حكوا ذلك من حواريّيه أن يكونوا كذبة، إذ حكوا ما كان حقًّا عندهم في الظاهر،[9] وإن كان الأمر كان عند الله في الحقيقة بخلاف الذي حكوا.[10]
وبكلمات أخر، فإن الطبري يتبني رأيين وليس رأي واحد لعدم مقدرته هو نفسه أن يقوم بتفضيل رأي على آخر، وذلك كله لأن كل الآراء بما فيهم هذين الرأيين الذين اختارهما الطبري، كلهم بلا دليل واحد! فكلها كلام يعتريه أي دليل إسلامي صحيح حتى! وليس مسيحي أو تاريخي! ما هي الآراء التي يقولها الطبري بغير الدليل؟
الرأي الأول، أن التلاميذ كانوا مع المسيح وقت هجوم اليهود عليهم في البيت (العلية)، وفجأة، تغير شكل كل تلميذ من التلاميذ لشكل المسيح، وأما المسيح فقد رفعه الله، فلما دخل اليهود على التلاميذ، وجدوهم كلهم لهم شكل المسيح، فلم يعرفوا من هو المسيح بالضبط بينهم، فقتلوا عدد كبير منهم! فظن اليهود وبقية التلاميذ الذين لم يُقتلوا أن المسيح تم قتله فيمن قتلوا من التلاميذ، فذاع هذا الخبر!
واما الرأي الثاني، فهو أن التلاميذ لما وجدوا أن اليهود قادمين ليقتلوا المسيح، هربوا كلهم وتركوا المسيح وحده في البيت (العلية) وفي أثناء هروبهم، ألقى الله شبه المسيح عليهم أو على بعضهم، ورفع المسيح إليه. فلما اقترب اليهود ووجدوا أكثر من إنسان عليه شكل المسيح، قتلوهم، وبقيّ عدد من التلاميذ لم يقتلهم اليهود، وبسبب أن التلاميذ كانوا قد سمعوا من المسيح في الليلة قبل هجوم اليهود عليهم أن المسيح سيُقتل من اليهود، وبعدما حدث ما حدث بعد هجومهم على البيت، فظن التلاميذ أن ما سمعوه في الليل قد حدث فعلا، وان المسيح مات، وظن اليهود كذلك أيضًا، فذاع هذا الخبر!
ومع أن كل هذه الروايات بلا سند من التاريخ أو من المسيحين أو من الكتاب المقدس او حتى من مصدري الوحي الإسلامي، إلا أن الكتاب المقدس يردها جميعًا، فكل التفاصيل التي جاءت في الكتاب المقدس تنقض كل هذه الروايات، وليس هذا فقط، بل تقريبا تنقض كل نقطة فرعية فيها. لكن هذا ليس مجال لعرض الروايات الإنجيلية كما سيأتي في الجزء الثاني من البحث. النقطة الأهم هنا هي الثغرات المنطقية في كلام الطبري نفسه، فلأن الروايات كلها لا تمثل أي قصة صحيحة فستجد في أي منها ثغرات لا يقبلها العقل السليم. لكن لأن هذه الروايات لا دليل عليها أو فيها او منها، فلا نريد إيضاح الأخطاء المنطقية الموجودة بها.
ولربما يقول قائل، أن فكرة قتل المسيح غير واردة وفقًا للقرآن، ويكون دليله هو قول القرآن [إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ … وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) المائدة]، فها هو الله يقول للمسيح أنه قد كفَّ بني إسرائيل عنه فكيف أقول إن المسيح قد قُتل؟ والرد يأتي من وجوه:
أولًا: عرفنا أن النص القرآني [وما قتلوه وما صلبوه] ينفي عن المسيح قتل اليهود له، ولا ينفي قتل غير اليهود له، ولا ينفي فِعل القتل، وهنا في نص سورة المائدة يقول الله (حسب القرآن) أنه كفَّ بني إسرائيل عنه، وهذا حدث فعلاً إذ أنه لم يقتله بني إسرائيل بل الرومان عمليًا، فكل ما فعله بني إسرائيل هو تسليمهم إياه للرومان ليقتلوه، وهم في ذلك لمخطئين مذنبين.
ثانيًا: يمكن فهم النص الخاص بسورة المائدة أن الله قد كف بني إسرائيل عنه إلى أن جاءت وقت صلبه وموته كما فعلوا هم أنفسهم مع الرسل الآخرين الذين يشهد القرآن نفسه أنهم قتلوهم [(86) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) البقرة] وأيضًا [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) البقرة] فالقرآن فنسه يشهد بقتل اليهود للأنبياء والرسل وعدم حماية الله لهم من القتل رغم أنهم رسل وأنبياء مثل المسيح حسب الفهم القرآني. فلما جاء وقت صلب المسيح كان هذا الوقت معلنًا نهاية حياة المسيح التي حماة الله فيها من القتل قبل ذلك، والآن أعطاه الله الشهادة.
ثالثًا: ما يؤكد النقطة السابقة، هو ما قاله الرازي ونقلناه سابقًا، فالله قد أيد المسيح بروح قدس، أي جبريل (حسب الفهم الإسلامي)، وقد قال الرازي هذا نصًا فيما نقلنا أعلاه، وعندما جاء ليرد على هذا الاشكال قال [وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَوْ دَفَعَ الْأَعْدَاءَ عَنْهُ أَوْ أَقْدَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى دَفْعِ الْأَعْدَاءِ عَنْ نَفْسِهِ لَبَلَغَتْ مُعْجِزَتُهُ إِلَى حَدِّ الْإِلْجَاءِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.] فنجد هنا الرازي قد استساغ بلا غضاضة عدم حماية جبريل له وهو القادر أن يحميه وقد كُلف بهذا أصلًا، فلماذا لا يقبل العامة من المسلمين عدم دفع الله القتل عن المسيح لكي لا يبلغ ذلك حد الإلجاء كما قال الرازي؟
رابعًا: هذا الفهم لهذه العبارة لهو فهم خاطئ، كيف؟ لدينا نص مشابه آخر يخص رسول الإسلام، حيث جاء في القرآن [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) المائدة] لكنَّا نُفاجئ حين نقرأ حديثًا صحيحًا، من فم رسول الإسلام نفسه يقول فيه أن سبب موته هو السم الذي أعطته إياه اليهودية في الشاة يوم خيبر، فأدى ذلك إلى إنقطاع أبهره (عرق مرتبط بالقلب، إذا انقطع مات الإنسان) حيث جاء في صحيح البخاري 4165 [4165 – وقال يونس عن الزهري قال عروة قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه و سلم يقول في مرضه الذي مات فيه ( يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت إنقطاع أبهري من ذلك السم )]، فهذا دليل صريح، من الوحي (لأن المسلم يعتبر ان كل حديث صادر عن رسول الإسلام، وقد صح، هو وحي اعتمادًا على [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) النجم])، فهذا وحي صريح صحيح في أن سبب قتله هو ذلك السم الذي أكله في غزوة خيبر من الشاة التي قدمتها له اليهودية.
وإذا راجعت كيف جمع علماء الإسلام بين النص القرآني [الله يعصمك من الناس] وبين أن رسول الإسلام مات مقتولا بأثر السم، ستجد ردودهم لا تخرج عن كون الله حماه من الموت الفوري عندما أكل من الشاة المسموة، أي في وقت الأكل، وقد مات صحابي فورًا، ولكنه بعد إكتمال رسالته، أعطاه الله الشهادة فمات مقتولاً. هكذا يقولون، ولسنا هنا في معرض مناقشة ما قالوه، لكن بيت القصيد هنا أن الله مع عصمته له من الناس قد سمح بعد إتمام رسالته بأن يموت من أثر ذلك السم. وهو الذي يمكن فهم كلام القرآن عن المسيح به، فالمسيح رغم أن الله كفَّ عنه بني إسرائيل، إلا أن هذا لا يتعارض أن يسمح له الله بنوال الشهادة متى تمم دعوته كاملة تمامًا كما فعل مع رسول الإسلام. فمعنى النص القرآني إذن محصور في وقت تبليغ الرسالة، فقط.
ونضع هنا بعض الروابط للتأكد من كل كلمة جاءت في كلامنا:
ونأتي إلى نهاية هذه النقطة تمامًا، حيث أن لرسول الإسلام حديث صحيح يقول فيه:
4485- كانَ أهْلُ الكِتَابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بالعِبْرَانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَهَا بالعَرَبِيَّةِ لأهْلِ الإسْلَامِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ، وقُولوا: {آمَنَّا باللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنَا} الآيَةَ.
وهذا الحديث معناه أن المسلم مأمور ألا يصدق أو يكذب المسيحيين أو اليهود، مادام ليس لديه نص قرآني او حديثي صحيح يصادق أو ينافي ما مع المسيحيين فإذا كان لا يوجد نص من القرآن او من الحديث ينفي موت المسيح، فلماذا يؤمن المسلمون بعدم موت المسيح؟ هذا حتى بخلاف اتفاق اليهود والمسيحيين أن المسيح قد قٌتل واعتراف اليهود أنفسهم بقتلهم يسوع. فما دليل المسلم للرفض؟ فالمسلم ليس لديه مشكلة في عقيدته مع قتل الأنبياء والرسل، فما مشكلته مع قتل المسيح؟! نترك هذا السؤال للإخوة المسلمين.
+ هل قال القرآن بإلقاء شبه المسيح على آخر وصلب الآخر بدلا عن المسيح؟
بعدما استعرضنا سريعًا اختلاف علماء الإسلام أنفسهم في قضية ما المقصود، بـ”شبه لهم”، وعدم معرفتهم ما المقصود منها يقينًا، علينا الرجوع خطوة للخلف لنعرف: هل ادعى القرآن أصلًا أن هناك من أُلقيّ عليه شبه المسيح؟! فهذا السؤال كان على المسلمين أن يسألوه لأنفسهم أولا قبل الوقوع في كل هذه الاحتمالات التي لا دليل فيها، وقبل افتراض أن المسيح قد أُلقيَّ شبهه على آخر لأي سبب.
النص القرآني يقول “شبه لهم” ولكي نعرف معنى هذا النص علينا الرجوع لكيفية استخدام القرآن لهذا الجذر اللغوي، فنجد أن القرآن قال [قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) البقرة] وأيضًا [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) آل عمران] فحسب استخدام القرآن لهذه الكلمة، فإن المعنى واضح لها. فالمعنى القرآني لهذه الكلمة يأتي بمعنى التلبيس، أي خطأ التَخَيُلُ، أي الاعتقاد الخاطئ والذي يؤدي إلى الجهل. فنجد في النص الأول أنهم قد تشابه البقر عليهم، بمعنى قد تلبس الأمر عليهم فما عادوا يعرفون ما هو لون هذه البقرة المطلوب ذبحها. وفي النص الثاني، تجد المعنى أكثر وضوحا، فالنص القرآني يبين أن هناك نصوص واضحة لدرجة أنه لا تحتاج العناء الكثير لفهمها، أو كما يقول الطبري عنهن أنهن [أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهن وأدلتهن] وهناك نصوص أخر متشابهة أي يصعب فهمها مباشرة فيحتاج المرء إلى الجهد لفهم معناهن أو كما سماهن الطبري [مختلفات في المعاني]، والاختلاف في المعاني يولد الصعوبة في الفهم، والتشكك في أي المعاني هو الصحيح وأيها الخاطئ.
فالنص القرآني لم يذكر لفظ “شبيه” أو “شبه به” أو أن هناك آخر قد “تشبه به” أي بالمسيح، ولا قال “تشبه لهم” أي “تشبه هذا الآخر لهم”، بل قال “شبه لهم” أي شُبه لليهود أنهم تخيلوا وظنوا أمرا معينًا على خلاف الحقيقة. فذهب علماء الإسلام أن هذا الأمر هو وقوع شكل المسيح على آخر، وما في النص من قرينة لصرف المعنى لهذا المنحى. فنجد أن معاجم اللغة العربية قالت فيها:
(شبه) عليه وله لُبَّسَ وفي التنزيل العزيز (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم)[11]
[شبه] شِبْهٌ وَشَبَهٌ لغتان بمعنىً. يقال: هذا شِبْهُهُ، أي شَبيهَهُ. وبينهما شِبَهٌ بالتحريك، والجمع مَشابَهُ على غير قياس، كما قالوا مَحاسِنُ ومذاكيرُ. والشُبْهَةُ: الالتباسُ. والمُشْتَبِهات من الأمور: المشْكِلاتُ. والمُتشابِهاتُ: المُتَماثِلاتُ. وتَشَبَّهَ فلان بكذا. والتَشْبيهُ: التمثيلُ. وأَشْبَهْتُ فلاناً وشابَهْتُهُ. واشْتَبَهَ عليّ الشئ. والشبه: ضرب من النحاس.[12]
الشَّبَهُ: ضَرْبٌ من النُّحَاس، وشِبْهٌ أيضاً. وفلانٌ شِبْهُك وشَبَهُكَ وشَبِيْهُكَ. والمُتَشابِهاتُ: يُشْبِهُ بعضُها بعضاً. والمُشَبِّهاتُ: المُشْكِلاتُ، شَبَّهْتُ عليه: أي خَلَّطْتَ، واشْتَبَهَ الأمْرُ. وحُرُوْفُ البِئْرِ أشْبَاهٌ، وكُلُّ شَيْءٍ سَوَاءٍ فإنَّها أشْبَاهٌ.[13]
الشِّبْهُ، بالكسر والتَّحْريكِ وكأميرٍ: المِثْلُ ج: أشْباهٌ. وشابَهَهُ وأشْبَهَهُ: ماثَلَهُ، وـ أُمَّهُ: عَجَزَ، وضَعُفَ. وتَشابَهَا واشْتَبَها: أَشْبَهَ كُلٌّ منهما الآخَرَ حتى الْتَبَسا. وشَبَّهَهُ إيَّاهُ، وـ به تَشْبيهاً: مَثَّلَهُ. وأُمورٌ مُشْتَبِهَةٌ ومُشَبَّهَةٌ، كَمُعَظَّمَةٍ: مُشْكِلَةٌ. والشُّبْهَةُ، بالضم: الالْتِباس، والمِثْلُ. وشُبِّهَ عليه الأَمْرُ تَشْبيهاً: لُبِّسَ عليه. وفي القُرْآنِ المُحْكَمُ والمُتَشَابِهُ، والشَّبَهُ والشَّبَهانُ، محرَّكتينِ: النُّحاسُ الأَصْفَرُ، ويُكْسَرُ ج: أشْباهٌ. وكَسَحابٍ: حَبٌّ كالحُرْفِ. والشَّبَهُ والشَّبَهانُ، محرَّكتينِ: نَبْتٌ شائِكٌ، له وَرْدٌ لَطِيفٌ أحْمَرُ، وحَبٌّ كالشَّهْدانِجِ، تِرْياقٌ لنَهْشِ الهَوامِّ، نافِعٌ للسُّعالِ، ويُفَتِّتُ الحَصى، ويَعْقِلُ البَطْنَ، وبضمتينِ: شَجَرُ العِضاهِ، أو الثُّمامُ، أو النَّمَّامُ.[14]
ونجد أن ذات اللفظة جاءت في تاريخ أبي زرعة الدمشقي حيث جاء فيه:
والناظر للمعنى البسيط المباشر لهذه العبارة يجدها تعني أن اليهود خُيِّل إليهم أنهم بتسليمهم للمسيح وقتل الرومان له، أنهم بذلك قد قضوا عليه وأجهزوا على دعوته وبشارته، إلا أن ما حدث كان خلاف ما كانوا يقصدون. فقد استمرت وانتشرت دعوة المسيح في أرجاء العالم كله عبر تلاميذه ورسله الأطهار فهم تخيلوا أن مكرهم سيؤتي ثمار، فأنبت لهم شوكا وحسكا.
ومما ينقض تفسير البعض بإلقاء شبه المسيح على آخر عدة أمور:
أولها: أنه كيف لهذا الآخر ألا يفتح فمه ويصرخ ويقول لهم أنه ليس هو المسيح وإنما هو آخر؟ هذا على رواية أن الذي أُلقي الشبه عليه كان من أراد إيذاء المسيح، بصرف النظر عن اسمه. فليس من المنطق أن رجلاً يقاد للجلد والصلب ولا ينطق ببنت شفه ليخبرهم أنه ليس هو المسيح إنما هو آخر، إلى أن يقتلوه!
ثانيها: إن كان هذا الرجل هو من طلب من المسيح أن يوقِع الله عليه شكل المسيح ويموت هو بدلا عنه ولا يمت المسيح، فما ذنبه؟ ألا يعتبر هذا قبولا من الله لمبدأ الفداء والفدية؟ فهذا الرجل بالنسبة للمسيح صار فادي لحياته. وأيضًا، إن كان الله سيرفع المسيح ولا يقتل من أراد به سوء من أصحابه (كما يقولون) فما الداعي إذن لقتل رجل آخر؟ أليس الغرض هو نجاة المسيح من الصلب والقتل؟ فقد تحقق برفعه، فما الداعي لقتل آخر؟
ثالثها: أليس بمقدور الله وبمجرد كلمة “كن” أن يوقف كل هذا عن المسيح إن كان سيخلصه في الأخير؟ فما الداعي لكل هذه القصة التي يحار فيها علماء الإسلام فضلا عن عوامهم إلى اليوم؟
رابعها: إن كان المقتول هو الذي أراد بالمسيح شرًا، فقد عاقبه الله بموته. حسنا، فما ذنب تلامذة المسيح وأتباعه لينخدعوا بمثل هذه الحادثة؟ فقد رأوه بأم أعينهم أنه هو المسيح، فرؤية شاهد العيان هي أوثق أنواع الشهادات له ولغيره ممن يصدقونه، فكيف نطلب من شخص أن يكذب ما رآه بأم عينيه ليصدق أي شهادة من أي شخص آخر؟، وإن كانت هذه الرؤية العينية قد تم دحرها بهذه البساطة، فلا سبيل لإثبات أي شيء آخر.
+ وفقًا، للكتاب المقدس، هل يمكن أن يكون المسيح لم يصلب؟
إن المتتبع للكتاب المقدس بدقة، يجد أن قضية صلب المسيح وقتله هي قضية محورية فيه. وليس هذا فقط في خلال السرد الذي أعطته الأناجيل بتفصيل وبدقة عن هذه الحادثة في نهايات كل بشارة من البشائر الأربعة، لا أن البشائر الأربعة تذكر مرارا أن الرب يسوع المسيح قد أنبأ بصلبه وموته وقيامته في اليوم الثالوث، بل وقدومه مرة أخرى للتلاميذ. وليس هذا وحسب، بل أن الرب يسوع بعدما قام من الأموات وجاء مرة أخرى للتلاميذ، وأكَّدَ لهم أنه هو الذي صُلبَ ومات وقام بل أنه طلب منهم أن يلمسوه ليتحسسوا آثار المسامير والحربة في جنبه.
والأغرب من هذا أنه عندما سار في الطريق، بعد قيامته، مع تلميذي عمواس ولم يعرفاه، فوبخهما وابتدأ يشرح لهم من موسى والأنبياء كيف أنه كان ينبغي أن المسيح يتألم يصلب ويموت. فليس فقط أنه شهد بنفسه عن موته وقيامته، بل أنه أثبت لهما أن كل هذه الأمور مثبته عنه في أسفار موسى وبقية الأنبياء. ومن هذا يتضح أن قضية قتل المسيح وصلبه ليست قضية وليدة العهد الجديد، بل هي مؤسسة تفصيلا في العهد القديم أولًا. فسوف نبدأ في إيراد النصوص التي شهد فيها المسيح عن نفسه قبل موته وقيامته أنه سيسلم إلى أيدي الخطاة ويتألم ويصلب ويموت ويقوم في اليوم الثالث:
Mat16:21-23 من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيرا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم. 22 فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره قائلا: «حاشاك يا رب! لا يكون لك هذا!» 23 فالتفت وقال لبطرس: «اذهب عني يا شيطان. أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس».
Mat 17:9 وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلا: «لا تعلموا أحدا بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات».
Mat 17:12 ولكني أقول لكم إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا. كذلك ابن الإنسان أيضا سوف يتألم منهم».
Mat 20:17-19 وفيما كان يسوع صاعدا إلى أورشليم أخذ الاثني عشر تلميذا على انفراد في الطريق وقال لهم: 18 «ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت 19 ويسلمونه إلى الأمملكي يهزأوا بهويجلدوه ويصلبوه وفي اليوم الثالث يقوم».
Mat 26:1-2 ولما أكمل يسوع هذه الأقوال كلها قال لتلاميذه: 2 «تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلم ليصلب».
Mat 26: 31 ولكن بعد قيامي اسبقكم الى الجليل.
Mar 8:31 وابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيرا ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتلوبعد ثلاثة أيام يقوم.
Mar 9:12 فأجاب: «إن إيليا يأتي أولا ويرد كل شيء. وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألم كثيرا ويرذل.
Mar 9:31 لأنه كان يعلم تلاميذه ويقول لهم إن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثالث.
Mar 10:34 فيهزأون به ويجلدونهويتفلون عليهويقتلونهوفي اليوم الثالث يقوم».
Luk 9:22 قائلا: «إنه ينبغي أن ابن الإنسان يتألم كثيرا ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم».
Luk 17:25 ولكن ينبغي أولا أن يتألم كثيرا ويرفض من هذا الجيل.
Luk 18:31 وأخذ الاثني عشر وقال لهم: «ها نحن صاعدون إلى أورشليم وسيتم كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن ابن الإنسان 32 لأنه يسلم إلى الأمم ويستهزأ به ويشتم ويتفل عليه 33 ويجلدونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم».
Luk 24:7 قائلا: إنه ينبغي أن يسلم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة ويصلب وفي اليوم الثالث يقوم».
Luk 24:26 أما كان ينبغي أن المسيح يتألمبهذا ويدخل إلى مجده؟»
Luk 24:46 وقال لهم: «هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث.
Act 3:18 وأما الله فما سبق وأنبأ به بأفواه جميع أنبيائه أن يتألم المسيح قد تممه هكذا.
Act 17:3 موضحا ومبينا أنه كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات وأن هذا هو المسيح يسوع الذي أنا أنادي لكم به.
فكما قرأنا، أن الرب يسوع المسيح قد أنبأ تلاميذه، ولأكثر من مرة، بتسليم رؤساء كهنة اليهود إلى الأمم الرومان، فيسخرون منه ويبثقون عليه ويجلدونه ويصلبونه ويموت ويقول في اليوم الثالث. فالرب يسوع المسيح قد سبق وأخبر تلاميذه بكل ما سيحدث، وهو ما حدث فعلاً وتفصيلاً بعد هذا الوقت، حيث تخصص الأربعة بشائر أصحاحات كاملة لذكر تفاصيل دقيقة جدا عن حادثة القبض على المسيح ومتى وأين كانت وماذا حدث بها، وذهابهم إلى أي مكان بالتحديد ثم تركهم لهذا المكان وذهابهم لمكان آخر لسبب آخر ثم الجلد ثم الصلب ثم تنقله بين بيلاطس لهيرودس ثم الحكم عليه بالجلد ثم الصلب، ثم ذكروا تفاصيل دقيقة عن أثناء ذهاب المسيح إلى الصليب وماذا حدث وماذا قيل، ثم تتبع تلاميذه وأمه له عند الصليب وماذا قال له رؤساء الكهنة وماذا قال المسيح وماذا حدث تفصيلاً للكون حينها.
بل حتى عند لحظات القبض عليه وماذا قال المسيح عن نفسه (لاحظوا أنه في التراث الإسلامي يقولون أن لحظة إلقاء الشبه من الجائز جدا أن تكون حدثت في وقت القبض على المسيح كما ذكرنا أعلاه)، فنجد أن البشائر قد ذكرت تأكيد المسيح عن نفسه أنه هو المسيح نفسه:
Mat 26:55 في تلك الساعة قال يسوع للجموع: «كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني! كل يوم كنتأجلسمعكم أعلم في الهيكل ولم تمسكوني. 56 وأما هذا كله فقد كان لكي تكمل كتب الأنبياء». حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا.
Mar 14:48-49 فقال يسوع: «كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني! 49كل يوم كنتمعكم في الهيكل أعلم ولم تمسكوني! ولكن لكي تكمل الكتب».
Luk 22:52-53 ثم قال يسوع لرؤساء الكهنة وقواد جند الهيكل والشيوخ المقبلين عليه: «كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي! 53 إذ كنتمعكم كل يوم في الهيكل لم تمدوا عليّ الأيادي. ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة».
فهذه تفاصيل غنية جدًا ودقيقة جدًا، حتى أن المسيح نفسه قبيل القبض عليه، قد أنبأ تلاميذه أنه بعدما يقوم سيسبقهم إلى الجليل حيث كانوا يجتمعون (متى 26: 31)، وبعدما مات المسيح وأنزلوه من على الصليب، يذكر البشيرون تفاصيل أخرى عمن الذي وضعه في القبر، وقبر من هو وأين مكانه ومواصفاته وهل كان القبر موصدًا أم لا، وماذا قال رؤساء الكهنة لبيلاطس من حيث أنهم يعرفون أن المسيح قد أنبأ تلاميذه أنه سيقوم في اليوم الثالث، وبعد قيامته، أورد البشيرون تأكيد المسيح نفسه أنه هو من صُلب ومات وقام. فمن بشارة القديس لوقا 24: 13- 46:
فما قرأنا، إن الرواية الإنجيلية رواية مفصلة ودقيقة، وبها ثلاث عناصر تأكيد. أولها هو إخبار المسيح عن صلبه وقتله وآلامه وقيامته في اليوم الثالث، وثانيها هو ذكر تفصيلي لما حدث في وقت اقبض عليه والذهاب به من أين إلى أين ثم المحاكمات ثم الجلد ثم الصلب ثم الإنزال ثم الدفن، وثالثها هو تأكيد المسيح نفسه بعد قيامته أنه هو الذي تم صلبه وليس آخر، بل أن المسيح قد وبخ التلاميذ أنهم لا يعرفون ما قد أنبأ الأنبياء في العهد القديم عن آلام المسيح وموته. فهذه شهادة المسيح عن نفسه تفصيلاً.
أما عن نبوات العهد القديم عن أحداث صلبه، فقد ذكر بعضها المسيح بنفسه في الكتاب المقدس، وبعض آخر أكده تلاميذه ورسله بعد صعوده لليهود، فنضع منها اليسير هنا:
Luk 22:37 لأني أقول لكم إنه ينبغي أن يتم في أيضا هذا المكتوب: وأحصي مع أثمة. لأن ما هو من جهتي له انقضاء».
Joh 13:18 لست أقول عن جميعكم. أنا أعلم الذين اخترتهم. لكن ليتم الكتاب: الذي يأكل معي الخبز رفع عليّ عقبه.
Joh 17:12 حين كنت معهم في العالم كنت أحفظهم في اسمك. الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك ليتم الكتاب.
Mat 26:31 حينئذ قال لهم يسوع: «كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة لأنه مكتوب: أني أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية.
Mat 26:24 إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد».
Mat 26:54 فكيف تكمل الكتب: أنه هكذا ينبغي أن يكون؟».
Mar 14:49 كل يوم كنت معكم في الهيكل أعلم ولم تمسكوني! ولكن لكي تكمل الكتب».
Joh 19:28 بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمل فلكي يتم الكتاب قال: «أنا عطشان».
Act 13:27-29 لأن الساكنين في أورشليم ورؤساءهم لم يعرفوا هذا. وأقوال الأنبياء التي تقرأ كل سبت تمموها إذ حكموا عليه. 28 ومع أنهم لم يجدوا علة واحدة للموت طلبوا من بيلاطس أن يقتل. 29 ولما تمموا كل ما كتبعنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبر.
Act 26:22-23 فإذ حصلت على معونة من الله بقيت إلى هذا اليوم شاهدا للصغير والكبير. وأنا لا أقول شيئا غير ما تكلم الأنبياء وموسى أنه عتيد أن يكون: 23 إن يؤلم المسيح يكن هو أول قيامة الأموات مزمعا أن ينادي بنور للشعب وللأمم».
1Pe 1:10-11 الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء، الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم، 11 باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم، إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها.
1Co 15:3-4 فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب 4 وأنه دفن وأنه قام في اليوم الثالثحسبالكتب.
وحيث أن هدف هذا الجزء من البحث ليس أثبات نبوات العهد القديم عن المسيح وتحقيقها في المسيح بكل دقة، فسأقتبس بتصرف من كتاب القمص عبدالمسيح بسيط أبو الخير: هل صُلب المسيح حقيقةً أم شبه لهم؟ الطبعة الأولى، جزء من الفصل الثامن، بعض النبوات التي طرحها القمص عبدالمسيح بسيط:
1 – خيانة أحد تلاميذه له:
النبوّة:
رجل سلامتي الذي وثقت به آكل خبزي رفع على عقبه. (مزمور 41: 9)
الإتمام:
أنا أعلم الذين اخترتهم. لكن ليتم الكتاب. الذي يأكل معي الخبز رفع على عقبه… وشهد (المسيح) وقال الحق الحق أقول لكم أن واحداً منكم سيسلمني… الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه. فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الأسخريوطي. (يو18:13-26).
وفيما هو يتكلم إذا يهوذا واحد من الاثني عشر قد جاء معه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلاً الذي أقبله هو هو. امسكوه. فللوقت تقدم إلى يسوع وقال السلام يا سيدي. وقبله. (متى 26: 47 – 49).
وعند اختيار الرسل لبديل عن يهوذا قال القديس بطرس بالروح:
أيها الرجال الاخوة كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود عن يهوذا الذي صار دليلا للذين قبضوا على يسوع. (أعمال 1: 16).
2 – بيعه بثلاثين قطعة من الفضة:
النبوّة:
فقلت لهم أن حسن في أعينكم فأعطوني أجرتي وإلا فامتنعوا. فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب ألقها في حقل الفخاري. (زكريا 11: 12-13).
الإتمام:
حينئذ ذهب واحد من الاثني عشر الذي يدعى يهوذا الأسخريوطي إلى رؤساء الكهنة وقال ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم. فجعلوا له ثلاثين من الفضة. (متى 26: 14-15).
حينئذ لما رأى يهوذا الذي سلمه أنه (المسيح) قد دين ندم ورد الثلاثين من الفضة… فطرح الفضة في الهيكل وأنصرف. ثم مضى وخنق نفسه. فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم. فتشاورا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء… فتم ما قيل… وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بنى إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب (متى 27: 3-10)
3 – تركه من تلاميذه وأتباعه:
النبوّة:
أستيقظ يا سيف على راعى ورجل رفقتي يقول رب الجنود. أضرب الراعي فتتشتت الغنم… (زكريا 13: 7).
الإتمام:
وقال لهم يسوع كلكم تشكون في هذه الليلة. لأنه مكتوب إني أضرب الراعي فتتبدد الخراف. (مزمور 14: 27).
أما هذا كله فقد كان لكي تكمل كتب الأنبياء. حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا. (متى 26: 56).
4 – يقوم عليه شهود زور:
النبوّة:
شهود زور يقومون على وعما لم أعلم يسألونني. يجازونني عن الخير شرا… (مزمور 35: 11- 12)
الإتمام:
وكان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه. فلم يجدوا. ومع أنه جاء شهود زور كثيرون لم يجدوا. ولكن أخيراً تقدم شاهداً زور. (متى 26: 59 – 60).
5 – يُسخر منه ويُضرب:
النبوّة:
يضربون قاضى إسرائيل بقضيب على خده. (ميخا 5: 1).
بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين. ووجهي لم أستر عن العار والبصق. (أشعياء 7: 5-6)
محتقر ومخذول من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به. (أشعياء 53: 3).
كان منظره كذا مفسداً. (أشعياء 52: 14).
الإتمام:
حينئذ بصقوا في وجهه ولكموه. وآخرون لطموه. قائلين تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك. (متى 26: 67-68).
وكانوا يجثون أمامه ويستهزئون به، وبصقوا عليه وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه. (متى 27: 29 – 30)
6 – يصلب بتسمير يديه ورجليه:
النبوّة:
لأنه أحاطت بي كلاب. جماعه من الأشرار اكتنفتني. ثقبوا يدي ورجلي. (مزمور 22: 16).
الإتمام:
ولما مضوا به إلى الموضع الذي يدعى جلجثة صلبوه هناك. (لوقا 23: 33).
وبعد القيامة:
أراهم يديه ورجليه. (لوقا 24: 40).
ولما قال هذا أراهم يديه وجنبه. ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب. (يوحنا 20: 20).
ولكن توما لم يكن حاضراً ولم يرى هذا الظهور ولما أبلغه التلاميذ بذلك قال لهم:
إن لم أبصر في يديه أثر المسامير واضع إصبعي في أثر المسامير واضع يدي في جنبه لا أؤمن وبعد ثمانية أيام كان تلاميذه أيضا داخلا وتوما معهم. فجاء يسوع والأبواب مغلقة ووقف في الوسط وقال سلام لكم. ثم قال لتوما هات إصبعك إلى هنا وأبصر يديّ وهات يدك وضعها في جنبي (ليرى أثر الحربة) ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا. (يوحنا 20: 25 – 27).
7 – يصلب بين لصين:
النبوّة:
… وأحصى مع أثمه. (أشعياء 53: 12).
الإتمام:
لأني أقول لكم أنه ينبغي أن يتم في أيضاً هذا المكتوب وأحصى مع أثمه. (لوقا 22: 37).
حينئذ صُلب معه لصان واحد عن اليمين وواحد عن اليسار. (متى 27: 38).
8 – يصلى لأجل صالبيه:
النبوّة:
وشفع في المذنبين. (أشعياء 53: 12).
الإتمام:
فقال يسوع يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون. (لوقا 23: 39).
كل الذين يرونني يستهزئون بي. يفغرون الشفاه وينغضون الرأس. (مزمور 22: 7).
الإتمام:
وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم. (متى 27: 39).
10 – اقتسام ثيابه وإلقاء قرعه على لباسه:
النبوّة:
يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون. (مزمور 22: 18).
الإتمام:
ثم أن العسكر لما كانوا قد صلبوا يسوع أخذوا ثيابه وجعلوها أربعه أقسام لكل عسكري قسماً. وأخذوا القميص أيضاً. وكان القميص بغير خياطة منسوجاً كله من فوق. فقالوا بعضهم لبعض لا نشقه بل نقترع عليه لمن يكون. ليتم الكتاب القائل اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي القوا قرعة. (يوحنا 19: 23: 24).
يبست مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي. (مزمور 22: 15).
ويجعلون في طعامي علقماً وفي عطشى يسقونني خلاً. (مزمور 69: 21).
الإتمام:
بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمل فلكي يتم الكتاب قال أنا عطشان… فملأوا أسفنجة من الخل ووضعوها على زوفا وقدموها إلى فمه. فلما أخذ يسوع الخل. قال قد أكمل. (يوحنا 19: 28 – 30)
13 – طعن جنبه بحربه وعدم كسر عظم من عظامه:
النبوّة:
جاء عن خروف الفصح:
وعظماً لا تكسروا منه. (خروج 22: 47).
وخروف الفصح كان رمزاً للمسيح:
لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا. (كورنثوس الأولى 5: 7).
يحفظ جميع عظامه. واحد منها لا ينكسر. (مزمور 34: 20).
وعن طعنه بحربه جاء في سفر فينظرون إلى الذي طعنوه وينوحون عليه. (زكريا 12: 10).
الإتمام:
فأتى العسكر وكسروا سأقي الأول والآخر المصلوب معه. وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه لأنهم رأوه قد مات. لكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربه وللوقت خرج دم وماء… هذا كان ليتم الكتاب القائل عظم لا يكسر منه. وأيضاً يقول كتاب آخر سينظرون إلى الذي طعنوه. (يوحنا 19: 33- 37).
14 – دفنه في قبر غنى:
النبوّة:
وجعل مع الأشرار قبره ومع غنى عند موته. (أشعياء 53: 9).
الإتمام:
ولما كان المساء جاء رجل غنى من الرامة أسمه يوسف… فأخذ يوسف الجسد ولفه بكتان نقى. ووضعه في قبره الجديد. (متى 27: 57 – 60).
15- موته على الصليب بإرادته:
النبوّة:
أنه سكب للموت نفسه. (أشعياء 53: 21).
بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق. (أشعياء 50: 6).
الإتمام:
أنا هو الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف… لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً. ليس أحد يأخذها منى بل أضعها أنا من ذاتي. (يوحنا 10: 11، 18)
16 – موته نيابة عن البشرية:
النبوّة:
وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحُبره (بجروحه) شفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه أثم جميعنا… وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها. (أشعياء 53: 5، 6، 11).
الإتمام:
الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الذي بجلدته شفيتم. (بطرس الأولى 2: 24)
17 – قيامته من الموت:
النبوّة:
لأنك لم تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فساداً. (مزمور 16: 10)
الإتمام:
لأن داود يقول فيه كنت أرى الرب أمامي في كل حين أنه عن يميني لكي لا أتزعزع. لذلك سر قلبي وتهلل لساني حتى جسدي أيضاً سيسكن على رجاء. لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فساداً. عرفتني سبل الحياة وستملأني سروراً مع وجهك. أيها الرجال الأخوة يسوغ أن يقال لكم جهاراً عن رئيس الأباء داود أنه مات ودفن وقبره عندنا حتى هذا اليوم، فإذا كان نبياً وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمره صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه سبق فرأى وتكلم عن قيامه المسيح أنه لم تترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فساداً. فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك (أعمال الرسل 2: 25-32)
مما سبق يتضح لنا أن أنبياء العهد القديم وبصفة خاصة داود النبي (سنه 1… ق. م) وإشعياء النبي (سنه 700ق.م) وزكريا النبي (سنه 536ق.م) إلى جانب موسى النبي (سنه 1500ق.م) وميخا النبي (سنه 700ق.م) وغيرهم تنبأوا عن أدق تفاصيل القبض على المسيح ومحاكمته وموته وصلبه وقيامته. وهذا بدوره يؤدى إلى استحالة إنكار صلب المسيح وقيامته. وهذا ما جعل اليهود ينضمون إلى المسيحية أفواجاً خاصة في عصورها الأولى.
18 – أناشيد المصلوب في المزامير وأشعياء:
ذكرنا أعلاه نبوّات الأنبياء بما فيها نبوّات داود النبي وأشعياء النبي بحسب العناوين الجانبية أعلاه ولكي تتضح الصورة كاملة وتظهر قيمه نبوّات هذين النبيين العظيمين نذكر هنا أيضاً، إجمالاً، نبوّات مزمور 22 كاملة ونبوّات أشعياء عن الصلب كاملة:
19- مزمور (22) مزمور المصلوب وتطابقه مع أحداث صلب المسيح:
النبوّة:
إلهي إلهي لماذا تركتني (1)
وفي المقابل:
ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني (مت46:27).
النبوّة:
بعيداً عن خلاصي عن كلام زفيري. إلهي في النهار أدعو فلا تستجيب في الليل أدعو فلا هدوء لي (1و2).
وفي المقابل:
وإذ كان في جهاد كان يصلّي بأشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض (لو 44:22).
النبوّة:
أما أنا فدوده لا إنسان. كل الذين يرونني يستهزئون بي: يفغرون الشفاه وينغضون الرأس قائلين. أتكل على الربّ فلينجه. لينقذه لأنه سر به. (7 – 8).
وفي المقابل:
وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم قائلين يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلّص نفسك. أن كنت ابن الله فانزل عن الصليب. وكذلك رؤساء الكهنة أيضا وهم يستهزئون مع الكتبة والشيوخ قالوا خلّص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلّصها. أن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به. (مت39:27-43).
النبوّة:
أحاطت بي ثيران كثيرة. أقوياء باشان اكتنفتني. فغروا على أفواههم كأسد كاسرٍ مفترس مزمجر. كالماء أنسكبتُ. انفصلت كل عظامي. صار قلبي كالشمع. قد ذاب في وسط أمعائي. يبست مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي وإلى تراب الموت تضعني. لأنه أحاطت بي كلاب. جماعه من الأشرار اكتنفتني (12-16).
وفي المقابل:
والرجال الذين كانوا ضابطين يسوع كانوا يستهزئون به وهم يجلدونه. وغطوه وكانوا يضربون وجهه ويسألونه قائلين تنبأ. من هو الذي ضربك. وأشياء أخر كثيرة كانوا يقولون عليه مجدفين، (لوقا 22: 63 – 65)
فمضى به العسكر إلى داخل الدار التي هي دار الولاية وجمعوا كل الكتيبة. وألبسوه ارجوانا وضفروا إكليلا من شوك ووضعوه عليه. وابتدأوا يسلمون عليه قائلين السلام يا ملك اليهود. وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ويبصقون عليه ثم يسجدون له جاثين على ركبهم. وبعدما استهزأوا به نزعوا عنه الأرجوان والبسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه. (مزمور 15: 16 – 20).
النبوّة:
ثقبوا يديّ ورجليّ (بتسميرهم). أحصى كل عظامي. وهم ينظرون ويتفرسون في. أحصى كل عظامي. وهم ينظرون ويتفرسون في. يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون (16-18)
وفي المقابل:
فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجثة حيث صلبوه (سمروا يديه وقدميه) وصلبوا اثنين آخرين معه من هنا ومن هنا ويسوع في الوسط… ثم أن العسكر لما كانوا قد صلبوا يسوع اخذوا ثيابه وجعلوها أربعة أقسام لكل عسكري قسما. واخذوا القميص أيضا. وكان القميص بغير خياطة منسوجا كله من فوق. فقال بعضهم لبعض لا نشقه بل نقترع عليه لمن يكون. ليتّم الكتاب القائل اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي ألقوا قرعة. هذا فعله العسكر. (17 – 18؛ 28 – 29).
20- العبد المتألم عن خطايا البشرية:
جاء في نبوّة إشعياء النبي عنه قوله:
هوذا عبدي يعقل يتعالى ويرتقي ويتسامى جدا. كما اندهش منك كثيرون. كان منظره كذا مفسدا اكثر من الرجل وصورته اكثر من بني آدم. هكذا ينضح أمما كثيرين. من اجله يسد ملوك أفواههم لأنهم قد ابصروا ما لم يخبروا به وما لم يسمعوه فهموه (إش13:52-15).
من صدق خبرنا ولمن استلعنت ذراع الرب. نبت قدامه كفرخ (كنبتة) وكعرق من ارض يابسة (قاحلة) لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول (منبوذ) من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستر (محتجبة) عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به لكن أحزاننا (عاهاتنا) حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا. وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره (بجراحه) شفينا.
كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه أثم جميعنا. ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه. من الضغطة ومن الدينونة أخذ. وفي جيله من كان يظن انه قطع من ارض الأحياء انه ضرب من اجل ذنب شعبي. وجعل مع الأشرار قبره ومع غني عند موته. على انه لم يعمل ظلما ولم يكن في فمه غش أما الرب فسرّ بان يسحقه بالحزن (بالأوجاع).
أن جعل نفسه ذبيحة أثم يرى نسلا تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح. من تعب نفسه يرى ويشبع. وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها. لذلك اقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة من اجل انه سكب للموت نفسه وأحصي مع أثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين. (إش53).
والعبد المتألم هنا كما قال علماء اليهود والمسيحيين لهو شخص المسيح، المسيا الموعود والمنتظر الذي سيأتي من إسرائيل لخلاص البشرية. وقد دُعي بالعبد لأنه بتجسده أتخذ شكل العبد وصورته:
الذي إذ كان في صوره الله لم يحسب خلسة أن يكون مساوياً لله لكنه أخلى نفسه أخذاً صوره عبد صائرا في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ” (في5:2-8).
فهي تقدم لنا صورة واضحة لا لبس فيها ولا غموض عن شخص آت بلقب “عبد الرب”، هذا الشخص يرتفع ويتسامى جداً فوق البشر، فهو عبد بار لم يفعل خطية ولم يوجد في فمه غش ومع ذلك يقدم نفسه ويقدمه الله ذبيحة أثم، كحمل الله الذي يرفع خطية العالم. كما أنه سيتحمل آلام البشرية وأوجاعها وأحزانها، سواء الجسمانية أو العقلية، ويُجرح لأجل معاصينا ويُسحق بالأوجاع والآلام لأجل آثامنا ويشفينا بجروحه.
أنه المعين من الله ليضع عليه كل آثام البشرية الضالة ويضرب من أجل ذنب شعبه ويبذل نفسه للموت من أجل الخطايا، كما أنه سيتحمل الآلام في صمت ودون أن يفتح فاه، فهو العبد البار الذي بمعرفته يبرر كثيرين وخطاياهم هو يحملها على أساس تقديم نفسه ذبيحة أثم نيابة عن الخطاة، وهو سيشفع في المذنبين ويحمل خطية كثيرين بموته عن معاصي البشرية. ومع ذلك يحسب مع الأشرار عند موته ولكنه يفرح في النهاية مع المؤمنين به. وهذه الأمور لم تتم ولا يمكن أن تطبق على أي أحد غير الرب يسوع المسيح:
فهو البار الذي أخلى ذاته أخذا صورة عبد وجاء في ملء الزمان مولودا من امرأة (غل4:4)، وقدم نفسه فدية عن خطايا العالم، يقول الكتاب:
يا أولادي اكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وان اخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضا. (1يو1:2 – 2).
ويؤكد العهد الجديد، أن هذه النبوّة قد تمت حرفياً في الرب يسوع المسيح:
حمل الله الذي يرفع خطية العالم ” (يو29:1).
فقد طبق الرب يسوع نص النبوّة كاملاً على نفسه قائلاً:
لأني أقول لكم انه ينبغي أن يتم فيّ أيضا هذا المكتوب وأحصي مع أثمة. لان ما هو من جهتي له انقضاء ” (لو37:22).
وقول الكتاب:
لكي يتم ما قيل بإشعياء النبي القائل هو اخذ أسقامنا وحمل أمراضنا ” (مت17:8).
وأيضاً:
فتم الكتاب القائل وأحصي مع أثمة (مر28:15).
وقال القديس يوحنا بالروح:
ليتم قول إشعياء النبي الذي قاله يا رب من صدق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب. لهذا لم يقدروا أن يؤمنوا. لان إشعياء قال أيضا. قد أعمى عيونهم واغلظ قلوبهم لئلا يبصروا بعيونهم ويشعروا بقلوبهم ويرجعوا فاشفيهم. قال إشعياء هذا حين رأى مجده وتكلم عنه. (يو38:12-41).
كما طبقها عليه تلاميذه في كرازتهم:
وأما فصل الكتاب الذي كان يقرأه (الخصي الحبشي) فكان هذا. مثل شاة سيق إلى الذبح ومثل خروف صامت أمام الذي يجزه هكذا لم يفتح فاه. في تواضعه انتزع قضاؤه وجيله من يخبر به لان حياته تنتزع من الأرض. فأجاب الخصي فيلبس وقال اطلب إليك. عن من يقول النبي هذا. عن نفسه أم عن واحد آخر. ففتح فيلبس فاه وابتدأ من هذا الكتاب فبشره بيسوع ” (أع32:8و33).
وكذلك القديس بولس بالروح:
لكن ليس الجميع قد أطاعوا الإنجيل لان إشعياء يقول يا رب من صدق خبرنا. (رو16:10).
وقال أيضا:
هكذا المسيح أيضا بعدما قدّم مرة لكي يحمل خطايا كثيرين سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه” (عب28:9)
وأيضاً:
الذي أسلم من اجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا ” (رو25:4).
فأنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا أن المسيح مات من اجل خطايانا حسب الكتب(1كو3:15).
لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه. (2كو21:5).
وقال القديس بطرس بالروح:
فان المسيح أيضا تألم مرة واحدة من اجل الخطايا البار من اجل الأثمة لكي يقربنا إلى الله. (1بط18:3).
إن قوله:
على انه لم يعمل ظلما ولم يكن في فمه غش أما الرب فسرّ بان يسحقه بالحزن (بالأوجاع). أن جعل نفسه ذبيحة أثم يرى نسلا تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح (أشعياء 53: 8)
كما يؤكد القديس بطرس بالروح هو الرب يسوع المسيح:
الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر الذي إذ شتم لم يكن يشتم عوضا وإذ تألم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضي بعدل. الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الذي بجلدته شفيتم. لأنكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأسقفها ” (1بط22:2-25).
ويؤكد بقوله:
بذلتُ ظهري للضاربين وخدي للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق ” (إش6:50).
أما كون منظره ” مفسداً” فهذا بسبب ما وقع عليه من جلد وضرب وبصق على وجهه وإكليل الشوك الذي وضع على رأسه، ومن ثم أصبح “لا صوره له ولا جمال” برغم أنه “أبرع جمالاً من بنى البشر” (مز2:45).
أما قوله:
كنعجة صامته أما جازيها فلم يفتح فاه. (أشعياء 53: 6)
فليس معناه أنه لم يتكلم نهائياً أثناء المحاكمة بل يعنى أنه لم يدافع عن نفسه أبداً ضد كل ما أُتهم به حتى تعجب الوالي الروماني بيلاطس:
وبينما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يشتكون عليه لم يجب بشيء فقال له بيلاطس أما تسمع كم يشهدون عليك. فلم يجبه ولا عن كلمه واحدة حتى تعجب الوالي جداً. (مت12:27-14).
وأما عن:
وجعل مع الأشرار قبره (أشعياء 53: 9)
فقد صُلب المسيح بين لصين ودفنه في قبر أناس لم يكونوا قد أعلنوا إيمانهم به (مت38:27؛57-60).
كما أكد علماء اليهود عبر تاريخهم السابق للمسيح واللاحق له أن هذا الإصحاح نبوة عن المسيا المنتظر، وقد لخص القمص روفائيل البرموسى في كتابه “أما إسرائيل فلا يعرف” (ص 119 – 128) خلاصة رأي علماء اليهود كالآتي:
كل الرابيين ما عدا راشي (الذي رأى أن العبد المتألم هو شعب إسرائيل) – يرون أن هذه المقاطع من سفر أشعياء تصف آلام المسيا كشخص فردي.
ويضيف أنه جاء في ترجوم يوناثان الذي يعود للقرن الأول:
هوذا عبدي المسيايعقل…
كما أن الرابي دون أتسحاق (حوالي 1500م) يقر ويقول بدون تحفظ:
إن غالبية الرابيين في ميدراشيهم يقرون أن النبوّة تشير إلى المسيا.
وقال الرابي سيمون ابن يوخّيا من القرن الثاني الميلادي:
في جنة عدن يوجد مكان يسمى “مكان أبناء الأوجاع والآلام”. في هذا المكان سيدخل المسيا ويجمع كل الآلام والأوجاع والتأديبات التي لشعب إسرائيل، وكلها ستوضع عليه، وبالتالي يأخذها لنفسه عوضا عن شعب إسرائيل. لا يستطيع أحد أن يخلص إسرائيل من تأديباته لعصيانهم الناموس. إلا هو، المسيا. وهذا هو الذي كتب عنه “لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها”.
فإذا كان هذا هو حال العهد الجديد والعهد القديم، وعلماء اليهود، فكيف لا يكون هو المسيح المصلوب ويكون قد أُلقي على آخر شبهه؟ تلك العقيدة التي لم يقل بها القرآن أصلا، بل إعتقدها بالخطأ علماء الإسلام وأسقطوها على النص القرآني ثم بعد ذلك قالوا إن النص القرآني هو الذي يقول بعقيدة الشبيه مخطئين. ولا نغفل أيضًا الشهادات التاريخية عن صلب المسيح وموته وقيامته، والتي لا أعتقد أن هذا البحث يحتاجها مع أشخاص يؤمنون أن المصلوب لم يكن هو المسيح إنما هو شخص آخر في شكل المسيح، لكن يمكن مراجعة عدد من هذه الشهادات التاريخية عن صلب المسيح وموته وقيامته في هذا الرابط:
فكل هذه الأدلة من المسيح نفسه من العهد القديم والجديد ومن رسل المسيح ومن اليهود ومن التاريخ تقول أن المسيح هو الذي تم صلبه وقتله وقام من الأموات في اليوم الثالث وظهر لتلاميذه ثم صعد إلى الآب. فما الذي يقابلها من القرآن؟ نص واحد وحيد، لا يقول أن المسيح لم يصلب أو لم يقتل، ولا يقول بوجود شبيه، ولا يدلنا على من هو المشبه به (الذي يدعيه علماء الإسلام على النص) ولا من المشبه، ولا يقول أن هذا المصلوب أكان بارا أم شريرًا، ولا اسمه ولا لماذا لم يكتف الله برفعه بدل من هذه الرواية التي يرويها علماء الإسلام بغير دليل شرعي صحيح.
أضف إلى هذا أنه توجد شهادات من القرآن يمكن أن تُفهم أنها تؤكد موت المسيح، ولن يحتاج المرء إلى عناء مثلما يعاني في فهم ذلك النص الخاص بعدم قتل اليهود أو صلبهم للمسيح وفي معاناته في تتبع التفاسير المختلفة المتخالفة المتضاربة في تحديد معنى النص أولا وتحديد من هو الشبيه وما الظروف المعاصرة الحادثة في هذا الوقت. فمت تلك النصوص:
هذا النص ينقله القرآن على لسان المسيح عند ميلاده، حيث يشير المسيح لمراحل حياة كل إنسان، الولادة والموت والبعث، فهو يضع الموت بين الولادة والبعث كما يحدث لأي إنسان آخر. وهنا يقول المسلمون أن البعث هذا سيحدث بعدما ينزل المسيح مرة أخرى من السماء بعدما رفعه الله عند صلبه، ثم سيموت ثم يبعث من جديد.
لكن الحقيقة أن هذا التفسير لا يستند على دليل يقول أن المسيح لم يمت عند صلبه، بل مدار الدليل أنهم يعتبرون النص القائل [وما قتلوه وما صلبوه] هو دليل على “عدم صلب أو موت المسيح” ومن هنا يخرجون أن معنى “ويوم أموت” تعني موت المسيح عندما ينزل في آخر الزمان. لكن هذا ليس بلازم، فلا يلزم ألا يكون قد مات المسيح عند الصليب، فقد يكون مات ثم قامَ (بُعثَ).
وهنا يحضُرني فيديو كنتُ قد شاهدته لشخص يدعى محمد شاهين، ويُكتى بأبي المنتصر، عندما تعرض لهذا النص، ووصف المسيحي الذي يقول بأن موت المسيح واضحًا في هذا النص، وصفه بالجهل. وكان مفاد رده على استشهاد المسيحي بهذا النص أن المسيحي جاهلاً لا يعرف الفرق بين الماضي والحاضر والمستقبل! لماذا؟ لأن النص على لسان المسيح يقول “يوم أموت” وهي صيغة في زمن الحاضر ويقصد بها المستقبل، فكيف يكون المسيحي جاهلاً ولا يعرف أن هذا ليس زمن الماضي!؟ وفي الحقيقة أتذكر أني عندما سمعته يقول هذا الكلام أني قد ضربت كفا بكف ضاحكًا بصوتٍ جهوري، فهذا الشخص الذي يدعي أن المسيحي هو الجاهل، قد أثبت وأكد على جهله بكتابه، فهو لا يعرف أن هذا النص على لسان المسيح عندما كان صغيرا وطفلاً، فلنقرأ النص القرآني في سياقه:
فهذا النص يخبرنا بأن اليهود عندما وجدوا السيدة العذراء مريم قد أنجبت طفلاً فقالوا لها “من أين هو؟” فأشارت للطفل (المسيح) فقال المسيح وهو بعد طفل في أيامه الأولى، هذا الكلام الذي من ضمنه “ويوم أموت”. فالمستقبل هنا مستقبل لأن المسيح كان طفلا، فالزمن المستقبل بالنسبة له هو عندما يكبر ويصلب ويموت، فهنا قد تحقق المستقبل بالنسبة للحاضر الذي كان يقول فيه المسيح هذا الكلام، وليس كما فهم محمد شاهين جاهلًا أن المستقبل نبدأ قياسه من عصرنا هذا وعامنا هذا 2019 مثلاً. فهذا هو الذي وصف المسيحي بالجهل، فأنظر كيف كشف لنا عن علمهِ. بل وحتى إن قلنا أن هذا الكلام كان في حياة المسيح عندما كبر، فأيضًا نفس الفكرة مطبقة هنا، حيث أن المسيح كان يتكلم في وقت ما فهذا هو الوقت الحاضر والزمن الحاضر، وبما أنه يتكلم عن المستقبل، فكل لحظة تأتي بعد هذا الكلام هي لحظة في المستقبل إذا ما قيست بالنسبة للحظة الحالية، فالمستقبل هو ما أتى بعد الحاضر الذي قال فيه المسيح هذا الكلام.
النص الآخر الذي يمكن أن يُفهم منه أن القرآن يقر بقتل المسيح (وقد علق عليه محمد شاهين أيضًا وسنعلق على تعليقه هنا) هو النص الذي ورد في سورة آل عمران:
وتكون الحجة هنا هي كلمة “متوفيك” فالوفاة من ضمن معانيها الموت. وحيث أنها ذُكرت هنا في سياق الصلب ولم يذكر القرآن دليلاً ينفي صلب المسيح أو قتله فيمكن فهمها هنا بهذا المعنى، أي أن المسيح قد قُتل. لكن ماذا قال محمد شاهين هنا؟ إعترض من وجهين:
الوجه الأول: أن الله يقول للمسيح هنا “مطهرك من الذين كفروا”، وفسر محمد شاهين كلمة “مطهرك” بمعنى “رافعك”، هكذا بعيدا عن أي مرجع لغوي، فلا يوجد مرجع يقول إن التطهير يعني الرفع لغويًا. فيقول محمد شاهين أن الله قد طهر المسيح من اليهود بأن رفعه. وهنا نسأل: أين هو التطهير إذن؟ فالتطهير لا يكون إلا لشيء اتسخ او تنجس، فإن كان اليهود لم يصلبوا المسيح أو يقتلوه، فمن ماذا طهره الله إذن؟ أوليس هذا يمكن أن يكون دليلًا ضمنيًا على قتل المسيح على الصليب وان الله “طهرهُ” بعد قتله وأقامه ثم رفعه إليه. فهل يمكن تطهير من لم يتنجس باليهود أصلا؟!
الوجه الثاني: يتعلق هذا الوجه بمعنى كلمة “متوفيك” نفسها، فالكلمة يمكن أن تأتي بأكثر من معنى، ومن ضمن أشهر معانيها تداولًا واصطلاحًا هو “الموت” فيقال “توفاه الله” أي “أماته”، ويقال “توفاه ملَك الموت” أي “أنفذ أمر الله بموته” فهذا هو المعنى الظاهر من الكلمة لأنّ أصل فعل توفَّى الشيءَ أنه قَبَضه تاماً واستوفاه. وقبل أن ندلل على صحة هذا المعنى، فإن محمد شاهين بعدما عرض أربعة وجهات نظر في تفسير هذا اللفظ (متوفيك) قال إن أيٍّ من هذه الأقوال لا تتوافق مع العقيدة المسيحية! ولست أعرف، هل نسى أنه لو كان معنى “متوفيك” أي “مميتك” فهذا ما تقول به المسيحية؟ ويكون ضد فهمكم من نص “وما قتلوه وما صلبوه” أنه يعني نفي الصلب والموت عن المسيح.
علل محمد شاهين قوله هذا بأنه لو كان هذا اللفظ يعني “مميتك” سيكون هذا القول به “مشاكل”، لأنه وفقًا لهذا التفسير، عندما ينزل المسيح من السماء ويعيش على الأرض، سيموت أيضًا، وبما أنه سيموت مرة أخرى، فيلزم من هذا أن الله يحيه بعدما اماته. لكن لا يوجد ذِكر (حسبما قال هو) لكون الله أحيى المسيح مرة أخرى بعدما اماته عند الصليب. وهذا الكلام أرقى ما يوصف به أنه كلام ساذج، لماذا؟
أولاً: منطقيًا، لا يشترط على الله قول كل شيء. فهذا خطأ منطقي شهير، إذ ليس عدم وجود دليل على شيء، لهو دليلًا على عدم الوجود. أي بمعنى (جدلا): حتى إن لم يكن هناك دليلًا على أن الله سيحي المسيح مرة أخرى، فليس معنى هذا أن الله لن يحيه. فمحمد شاهين لن يخبر الله بما يجب أن يفعله وبما لا يجب أن يفعله فهذا قول باطل.
ثانيًا: يمكن معرفة هذا من سياق المذكور، فهذا يتطلبهُ كل عقل سليم تلقائيًا. فإنه طالما أن هناك موت سيتبعه موت آخر، فيلزم من هذا (جدلا) أن يكون بينهما إحياء لكي يكون بعد هذا الإحياء ذلك الموت الآخر. فيظهر من هذا أن هذا الدليل مضمن في الموت الثاني.
ثالثًا: كما أسلفنا الذكر، مسألة قتل المسيح في سبيل الله، لا يعتبرها القرآن أصلاً موت، بل حياة، والشهداء يحيون عند الله بحسب العقيدة الإسلامية، فمن هنا كان المسيح حي في السماء، على الرغم من أنه مات على الصليب على الأرض.
لكن، هل قال علماء الإسلام بأن معنى “متوفيك” هنا، أي “مميتك”؟ بالطبع قال عدد منهم هذا، ونذكر على سبيل المثال[16]:
7141 – حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:”إني متوفيك”، يقول: إني مميتك.
7142 – حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني أنه قال: توفى الله عيسى ابن مريم ثلاثَ ساعات من النهار حتى رفعه إليه.
7143 – حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: والنصارى يزعمون أنه توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياهُ الله.
وقد لخص بن عاشور كل ما قلناه هنا، وهو عالم مسلم أيضًا وليس بمسيحي. ويتبقى الآن نقطة صغيرة ألا وهي مسألة استخدام البعض النص [وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) الأنعام] ويقولون أن معنى التوفي هنا هو النوم، إلا أن في هذا نظر. فالنص لا يقول بهذا لا صراحة ولا ضمنًا. حيث يمكن ببساطة أن يكون مقصد النص أنه بما أن الله هو الذي يميت، فإما أنه يميت بالليل أو بالنهار، فهذا النص يذكر وقت من الوقتين الذي يميت الله فيهما ولا يحصر النوم ولا الموت بالليل. فإن تفسيرهم هذا لا يستقيم إذ أن هناك بشر ينامون في أوقات مختلفة من اليوم غير وقت الليل، مثلا، في النهار، فهل -وفقًا- لهذا التفسير نقول أن الله يسمح بالنوم بالليل (يتوفاكم بالليل) ولا يسمح بالنوم بالنهار أو أنه لا يوجد بشر ينامون في النهار؟!
فهذا النص هو الأوضح، فأنه يحصر معنى ووقت الوفاة في الموت، فيقول إن الله يتوفى الأنفس حين موتها، وقد علمنا أن الله توفى المسيح، فنعلم من هذا أنه أماته. ثم يتكلم النص عن الفئة الأخرى من البشر ويقول أن تلك الفئة التي لم تمت في منامها، فسيتركها الآن في الحياة إلى أجل مسمى، أما تلك التي ماتت فيمسكها الله. هكذا تجد النصوص تقول معنى واضح ومتسقًا تمامًا. بعيدا عن تناقض المفسرين بعضهم البعض.
وإلى اللقاء في الجزء الثان قريبًا…
إلى ههنا أعاننا الرب، ويُعين..
[1] ملحوظة: أنا أعرف كيف فسر علماء الإسلام هذه النقطة بوجوهها، فلم يغب عني ما قالوه، لكنهم قالوه بغير دليل من النص نفسه، بل يقيسوه بغير دليل على نصوص أخر مثل أنه اليهود قالوها سخرية من المسيح، أو أن الله قد غير كلامهم بكلامه. وليس لهذا الرأي أو ذاك دليل من النص نفسه، ولا سيما أن النص يقول “وقولهم..”، لكن لا مشكلة.
[2] تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) – ط: دار إحياء التراث العربي – بيروت 1420ه. جـ8، صـ240.
[3] النكت والعيون للماوردي. ط: دار الكتب العلمية – بيروت. جـ1، صـ 543.
[4] محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن – المحقق: أحمد محمد شاكر – الناشر: مؤسسة الرسالة – الطبعة: الأولى، 1420 هـ – 2000 م – جـ9، صـ374-376.
[6] هو الأثر رقم: 10780، وكان في المخطوطة “الذي رواه عبد العزيز عنه”، وليس في الرواة عن ابن منبه فيما سلف “عبد العزيز” بل “عبد الصمد بن معقل”، وكأنه سهو من الناسخ، وعجلة أخذته.
[7] في المطبوعة: “عاينوا عيسى وهو يرفع” بالزيادة، وأثبت ما في المخطوطة، فهو مستقيم.
[9] في المطبوعة: “أو حكوا”، وفي المخطوطة: “إذا حكوا”، والصواب ما أثبت.
[10] في المخطوطة: “وإن كان الأمر عند الله”، حذف “كان” الثانية، وقد أثبتها ناسخ المخطوطة في هامش النسخة.
[11] المعجم الوسيط – إبراهيم مصطفى ـ أحمد الزيات ـ حامد عبد القادر ـ محمد النجار – دار الدعوة – تحقيق: مجمع اللغة العربية، صـ471.
[12] الكتاب: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية – المؤلف: أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (المتوفى: 393هـ) – تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار – الناشر: دار العلم للملايين – بيروت – الطبعة: الرابعة 1407 هـ – 1987 م – جـ6، صـ 2236.
[13] الكتاب: المحيط في اللغة – المؤلف: الصاحب بن عباد – تحقيق: محمد حسن آل ياسين – جـ3، صـ396.
[14] الكتاب: القاموس المحيط – المؤلف: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى (المتوفى: 817هـ) – تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي – الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان – الطبعة: الثامنة، 1426 هـ – 2005 م – صـ1247 (الشاملة)
[15] الكتاب: تاريخ أبي زرعة الدمشقي – المؤلف: عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري المشهور بأبي زرعة الدمشقي الملقب بشيخ الشباب (المتوفى: 281هـ) – رواية: أبي الميمون بن راشد – دراسة وتحقيق: شكر الله نعمة الله القوجاني (أصل الكتاب رسالة ماجستير بكلية الآداب – بغداد) – الناشر: مجمع اللغة العربية – دمشق – صـ622.
[16] مع ملاحظة أني هنا لا أنقل كل الاحتمالات، أنا أنقل فقط هذا الرأي الذي يقول إن معنى الكلمة “مميتك”، لأن هذا هو الرأي الوحيد الذي يرفضه المسلمون غير الدارسين مثل محمود داود ومحمد شاهين وغيرهما. أقول هذا لكي لا يعتقد شخص أني أبتر النص وأنتقي ما يعجبني منه، بل أننا كمسيحيين لا نعتمد على القرآن في عقيدتنا ولو كان قال صراحة وحرفيًا كل ما نعتقد كمسيحيين، فكيف بتفاسير وآراء؟!
[17] محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن – المحقق: أحمد محمد شاكر – الناشر: مؤسسة الرسالة – الطبعة: الأولى، 1420 هـ – 2000 م – جـ6، صـ457-458.
[18] محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: 1393هـ): التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد» – الناشر: الدار التونسية للنشر – تونس – سنة النشر: 1984 هـ عدد الأجزاء : 30 – جـ 3، صـ 259. (الشاملة).
صلب المسيح – إزاي بعد 600 سنة المسلمين يقولوا “شبه لهم”؟ – الجزء الأول
خرج علينا أحمد سبيع، وهو شاب مسلم كل معرفته بالعقيدة المسيحية لا تتجاوز معرفة من لم يتجاوز عمره في المسيحية 10 أعوام، بفيديو يتكلم فيه عن عقيدة الثالوث، ويصفها بأنها عقيدة غير منطقية ووثنية وأنها عقيدة لا يمكن فهمها حتى من الآباء الأولين وأن الأمثلة التي يسوقها المسيحيون إنما هي لا تمت بصلة للثالوث ولا تشرحهُ. ونحن في هذا الرد المختصر سنقتبس كلامه بالعامية المصرية ثم نجبه في نقاط محددة مرتبة لكي يكون الاعتراض والرد واضحين.
اقتباس
من فترة بسيطة كنت بتكلم مع شخص مسيحي على الفيس بوك فبيقول لي: أنتوا عارفين أننا بنعبد إله واحد، وأنتوا يا مسلمين بتستعبطوا، أو ربما التعليم الفاشل خلاكم أغبياء مش فاهمين، فرديت عليه وقلت له: إحنا فعلا بنستعبط: إزاي مش قادرين نفهم الدين البسيط ده؟ إله واحد وعنده إبن، وهذا الإبن هو أيضًا إله، وعندهم روح قدس هو أيضا إله ومع ذلك هم مش 3 هم واحد بس. لأ فعلا إحنا بنستعبط جدًا.
التعليق:
أولًا: قال الناس قديمًا “تكلم حتى أراك” وقالوا أيضًا “لغتك تظهرك”، وما قاله أحمد سبيع هنا يُعد بيانا لمستوى علمه بالعقائد المسيحية ومثالها هنا هو الثالوث. فأحمد سبيع يعتقد أن الثالوث المسيحي هو “إله واحد وله ابن الذي هو أيضًا إله، ولهما الروح القدس الذي هو أيضًا إله، لكنهم ليسوا 3 بل واحد”، هذا الشرح الذي لربما لم يقله أي مسيحي على الإطلاق من بين كل المسيحيين، لكن أحمد سبيع ينسبه لنا كتعريف عن عقيدة الثالوث. فالثالوث القدوس هو كشف الوهي أكثر عن طبيعة الله الواحد، فعندما نبدأ شرح الثالوث نبدأ من الإله الواحد الجوهر، ثم نتعمق في معرفتنا بهذا الإله الواحد فنعرف –عن طريق الوحي- أنه مثلث الأقانيم. ومعرفتنا بأنه مثلث الأقانيم ليست خروجا عن الجوهر الواحد فنعدده إلى ثلاثة، بل هو دخول لعمق الله أكثر وأكثر لمعرفة طبيعته كما أعلنها لنا. لكن أحمد سبيع بدأ بالثالوث أولًا، وليس بالجوهر الواحد، رغم أن النصوص التي تصرح بعبادتنا لإله واحد متواجدة في شرق الكتاب وغربه، بل أنها حتى أول اعتراف في قانون الإيمان [بالحقيقة نؤمن، بإله واحد].
ثانيًا: في وصفه للعلاقات الأقنومية، استخدم احمد سبيع لفظ “عنده ابن” لوصف علاقة الآب بالابن، ولفظ “عندهم روح قدس”، في فصل واضح للأقانيم، فكيف يستقيم شرحه إذن لو علمنا أن الأقانيم الثلاثة متحدة جوهريًا وليس بين أقنوم وآخر تفاوت زمني في الوجود، فليس الآب لأنه آبًا قد سبق الابن في الوجود باعتباره ابنًا، وليس الآب لأنه باثقًا للروح القدس قد كان هناك وقت لم يكن فيه الروح القدس منبثقًا، فالعلاقات الأقنومية هي علاقات لشرح طبيعة العلاقة بين الأقانيم وليس لترتيبهم زمنيا أو تراتبيًا، فالآب دوما هو آب لأنه دومًا والدًا للابن، والابن دوما هو ابن لأنه دومًا مولود من الآب، والروح دوما هو منبثق من الآب. فالتعبيرات التي استخدمها احمد يظهر منها بجلاء الانفصالية بين الأقانيم، وكان الانسان يستطيع تحجيم الآب ورؤيته منفصلا عن ذاك الذي هو الابن مثلاً. وكيف يكون هذا وكل أقنوم هو غير محدود بمكان أو غير مكان؟
ثالثًا: العبارة الأخيرة له تقول [ومع ذلك هم مش 3 هم واحد بس]، والحقيقة أنهم 3، والحقيقة أيضًا أنهم 1، لكن واحد ماذا، وثلاثة ماذا؟ إنهم ثلاثة أقانيم وجوهر واحد. فعندما ننفي أنهم ثلاثة فإننا بذلك ننفي أنهم 3 جواهر، وعندما ننفي أنهم واحد، فإننا ننفي أنهم أقنوم واحد. فتعبير أحمد سبيع الذي يذكر أننا نؤكد أنهم ليسوا ثلاثة بل واحد، هو تعبير صبياني في هذا السياق، لأنه لم يحدد من هو الواحد ومن هم الثلاثة، بل أنه لو قرأ سيعرف أننا نقول إنهم واحد وثلاثة، وثلاثة وواحد في آن، فهم جوهر واحد وثلاثة أقانيم، فلا تنفي الأولى الثانية ولا الثانية الأولى.
اقتباس
فهل فعلا المشكلة في المسلمين ولا المشكلة في الثالوث نفسه وأنه لا يمكن أن يُفهم لأنه غير منطقي وغير صحيح.
اكتفيت باقتباس هذه الكلمات القليلة لأنها رغم قلتها إلا أنها فحوى اعتراض غير المسيحين خصوصًا العرب منهم، ولن نجد شخصًا يعبر عن أقل مستوى معرفي لاهوتي بعقائد المسيحية أفضل من أحمد سبيع، فلنناقش ما يقوله.
أولًا: المشكلة ليست في المسلمين، المشكلة في طبيعة الجنس البشري كله الذي ما ان بدأ في أي أمر جديد يجده صعبًا في البداية، حتى ابتدعنا عبارة [كل شيء في بدايته صعبًا]، فكل المواد الدراسية في بدايتها صعبة على أغلبنا، وكل تعليم صعب، جرب أن تقرأ عن أي علم آخر، بل جرب أن تقرأ عن أي لغة أخرى وتبدأ في تعلمها، ستجدها في البداية صعبة، جرب أن تتعلم فيزياء الكم، أو الفيزياء بفروعها أو الرياضيات أو الكيمياء..إلخ، فستجدها صعبة في بدايتها. هذه ليست مشكلة المسلمين، بل طبيعة الجنس البشري كله. فكم وكم تكون الصعوبة عندما تنشأ على معتقد يكفر المسيحيين، وعطي أوصافا لا يؤمن بها المسيحيون أصلًا مثل أن الله هو “ثالث ثلاثة” أي “أحد ثلاثة”، في حين أن الثالوث في المسيحية هو داخل الله، فالله ليس أحد أطراف الثالوث، بل أنه هو الثالوث، ومثل أن الثالوث هو “الله اتخذ صاحبة (مريم) وأنجب منها الولد (عيسى)”، ثم تجد السواد الأعظم منكم يؤمنون أن هذا ما نؤمن به، ويكون علينا عبء بيان أوضح الواضحات أن هذا ليس ثالوثنا ولا هذه عقيدتنا في الثالوث. فهنا تكمل المشكلة، شخص يريد أن يدرس عقيدة غيره، التي تم شيطنتها منذ نعومة أظافره في أذنيه وأمام عينيه، فكيف سيفهم بحق؟
ثانيًا: نطرح هنا سؤالًا، كف يحكم الانسان على شيء أنه منطقي أو أنه غير منطقي؟ وما هو المنطق المقصود هنا كمقياس للحكم على الأشياء؟ لكي نستطيع إجابة هذه الأسئلة يجب أولا ان نعرف كيف يُدرِك عقل الانسان. إن عقل الإنسان لهو مرآة لما مر به من خبرات عبر حواسه ليختبره ويستطيع استرجاعه في كل مرة يحدث أي شيء يذكره به. فمثلاً، أن الذين وُلدوا مكفوفين، لا يمكن أن تشرح لهم ما هو اللون الأحمر، أو الأزرق أو الأخضر أو غيرها من الألوان الأخرى، وهذا لأن كل ما يروه مجبرين هو اللون الأسود، ولا يمكن لغالبيتهم شرح ما هي الدرجات الأفتح والأغمق من أي لون، حتى الأسود، لأنهم وببساطة لم يختبروا هذا التدرج في عقولهم التي لم تر يومًا أي لون آخر. لذا، فعندما تصف لأحدهم شيء، فهو يحاول تكوين صورة عنه في ذهنه، ومتى تم ذلك، فأنه حين يذكر أحدهم هذا الاسم امامه، فأنه يسترجع هذه الصورة التي رسمها هو بنفسه في عقله عن هذا الشيء، ويمكن ان تكون هذه الصورة هي صورة غير صحيحة، لكنها هي التي استقرت في عقله في الأخير.
إذا تخيلنا وجود إنسان لا يملك حاسة الشم منذ ولادته، فكيف يمكن أن تشرح له اختلاف رائحة عطر ما عن عطر آخر؟ لكن، وعلى النقيض، عندما يشم من لديه حاسة الشم رائحة عطر ما، فهذا العطر يحفظه في عقله عبر حواسه، وإذا تعرف على رائحة عطر آخر، سيستطيع تلقائيًا التفريق بينهما، فيقول لك أن هذا العطر ليس ذاك، وإذا شم رائحته في مكان آخر سيتذكره وربما يتذكر أسمه أيضًا. كل هذا لأن رائحة العطر هذه تم تخزينها كمُعَرَّف داخل عقله. هكذا كل الموصوفات التي يعرفها الانسان يوميا، أوصاف مثل، الأقصَر والأطول، السمين والنحيف، الناعم الملمس والخشن، الكبير والصغير، القوي والضعيف، السخن والبارد، الآمن والخطر..إلخ.
كل هذه الأوصاف إنما هي أوصاف لموصوفات تعامل معها الانسان يوما ما فاستقر الوصف الذي توصف به على الموصوف، بمعنى أنك اليوم حينما تقرأ الآن أن فلانا طويلاً، فسيكون عقلك تلقائيًا قد استحضر واسترجع معنى الطول، فلن يأتي في عقلك مثلا الشخص السمين، لأن مفهوم السِمنة في عقلك مفهوم مختلف عن هذا اللفظ “طويل”. هكذا كل وصف آخر، فعملية الادراك والفهم تقع وفق ما اختبره الانسان وما جمّعه من خبرات طوال حياته ليستطيع استرجاعها متى مر امامه شيء يُذكرهُ بها.
أما عن الحكم على شيء أنه منطقي أو غير منطقي، فعقل الإنسان يربط ما يعرفه من معارف سابقًة معًا، وهذه المعارف هي الأوصاف والخبرات التي مر بها في حياته، ثم بعدما يربط هذه المعارف يرى كيف أنها تتوافق مع بعضها أم لا تتوافق، فإن توافقت فهي منطقية وإلا فهي غير منطقية. فهل من المنطق أن يوصف شخص أنه سمين ورفيع؟ هذا مع عدم تغير العوامل الأخرى مثل النسبية في الحُكم. بالطبع لا، فإن الانسان إما سمينا أو رفيعا أو لا هذا ولا ذاك. هل يمكن لإنسان أن يصف كوب من الماء مثلا أنه ساخن ومثلج في نفس الوقت بالنسبة له؟ بالطبع لا، فهذا غير منطقي ولا يمكن لعقل الإنسان اختبار هذا لأن يده لم تمس شيء ساخن ومثلج في نفس الوقت، وبالتالي، فهذا الكلام بالنسبة له غير منطقي لأنه لا يمثل له خبرة سابقة قد اختبرها.
أما الكلام عن الله، حتى في دين أحمد سبيع، فأنه غير متصور، حتى في الأوصاف التي قالها عن نفسه، فمثلا عندما يصف الإله نفسه فيقول “الرحمن على العرش استوى”، فمع أنك لو سمعت شخصًا يقول “أخي على العرش استوى” ستفهم مباشرة أن أخيه قد جلس على عرشه كأن يكون ملكا مثلاً. إنما هذا الفهم المنطقي التلقائي ستجدهم يمنعوه عن فِعل الاستواء لله ويقولون لك “الكيف مجهول” مع أن الكيف معلوم في حق غير الله لأنه متصور لدى العقل البشري كيف لإنسان أو حيوان ان يستوي على كرسي مثلا، لكن لأن الله غير متصور الهيئة والذات فلا يستطيعون رسم صورة ذهنية لاستواء الله على عرش. هكذا مع كافة الأوصاف التي يصفون الله بها، فما معنى أن لله يد؟ وساق؟ وأنه ينزل ويصعد؟ إلخ، فمع أن هذه الأوصاف هي أوصاف بسيطة وأفعال بسيطة يعرفها كل انسان اذا ما قيلت أمامه عن انسان اخر، إلا ان التوقف عن فهم كيفيتها هو المتبع لديهم، فإذا علمنا أنهم لا يتخيلون حتى الأوصاف والأفعال المذكورة لديهم عن إلههم، فكيف يتخيلون الله نفسه؟ إذا كانت أفعاله وأوصافه الواردة نصًا، غير متصورة، فكم وكم بفاعل هذه الأفعال نفسه؟ ما طبيعته؟ إن سألناهم عن طبيعته؟ فهل يعرفون؟
ثالثًا: لكي نحكم على شيء ما أنه منطقي، لابد أولا أن يكون هذا الشيء معقولًا أي متصورا داخل عقولنا لكي نستطيع قياسه على ما في عقولنا من معارف وخبرات، ولما كان هذا ممتنعا عندنا وعندهم، صار مجرد إدراك طبيعة الله الواحد، من المحال على البشر، بل أن رؤيته في طبيعته من محال أيضًا. فإن كنا لا نستطيع معرفة ذات الله الخاصة، فكيف نحكم فيها بأنها منطقية أو غير منطقية؟ نحن ليس لدينا خبرات سابقة في التعرض لآلهه في طبيعتها لكي نعرف كيف نقيس هذا الأمر أهو منطقي أم غير منطقي، فعدم فهمنا لطبيعة الله الواحد حتى ناتجة عن إنعدام معرفتنا السابقة بكينونة هذا الإله، فلم يختبر العقل البشري معرفة سابقة بإله غير محدود وغير مرئي ولا مدرك أو متصور.
فمن يصفون الثالوث أنه غير منطقي يتعدون كل قواعد المنطق، فالمنطق البشري الذي هو استقراء لقواعد بشرية عرفناها في خبراتنا البشرية المتراكمة ليس حكما على من هو خارج الزمان والمكان والقوانين الفزيائية، فكيف لإنسان يحكم بقواعد محددة بمعرفته البشرية أن يحكم على ما يتجاوز حدود كل المعرفات البشرية؟ والأكثر من ذلك، أن حتى مسألة الروح لا يعرفون لها معنى أو تفسير، ويتوقفون عن الكلام فيها بعبارة “هي من أمر ربي” فلا يمكن تخيلها، فكم وكم بالخالق؟ وسوف نورد فيما يأتي أقوال علماء الإسلام أنفسهم في نقض ما يقوله أحمد سبيع والتعدي على العقل.
رابعًا: عندما يسأل شخص عن كيف يتكلم الله، فهل يمكن لمسلم أن يجيبه؟ ستكون الإجابة العامة هي “يتكلم كما يليق بجلاله تعالى وعظمته”، وكيف استوى؟ استواء يليق بجلاله تعالى وعظمته..إلخ. فأن تكلمنا عنه هو، وقلنا، أداخل العالم هو أم خارجه؟ أفي كل مكان أم لا؟ إن سألناهم عن “ساق الله” في “يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) القلم” فالساق معروفة، فهل له مثل التي لنا؟ سيقولون لا، سنقول، إذن ما هي؟ سيتوقفون وسيقولون إنها ساق تليق بعظمته وجلاله! وخلاصة القول في هذا أن المعترض نفسه لا يمكنه التفكير في أفعال الله وصفاته لأن ذات الله عنده غير موصوفة وغير معروفة، فتجده يؤمن بالشيء ونقيضه في آن واحد، فتجده ينسب لله اليد واليد والنزول، لكنه ينزه الله عن الساق واليد والنزول ولا يعرف ماهيتهم، ثم تجده فجأة يسألك أنت عن طبيعة الله الواحد الثالوث ويريد أن يفهمها هو بنفسه، وإلا لصارت عقيدة غير منطقية!
اقتباس
الإله في الإسلام، هو إله واحد، وحدانية مطلقة، لكن في المسيحية إله واحد لكن مكون من ثلاثة أقانيم.
أولًا: نشكر الله الواحد أن أحمد سبيع اعترف أن الإله في المسيحية هو إله واحد!
ثانيًا: الإله في المسيحية ليس “مكون من” ولا “مركب”! فهذا من الجهل المدقع الذي يملأ عقول البعض ممن يتصدرون الهجوم على العقيدة المسيحية! فإن كان أحمد سبيع لا يعرف أصلا ما يعتقده المسيحيون في إلههم، فكيف يريد أن يفهمه إلههم نفسه؟
ثالثًا: عن ماهية هذا الإله الواحد في الإسلام نبدأ المناقشة، فنريد أن نعرف، أي نوع من الوحدانية هو؟ أوحدانية النوع أم العدد أم الجنس أم ماذا؟ مع العلم أن الإله في الإسلام هو “ليس كمثله شيء” وليس “ليس مثله شيء”، فالنص ينسب لله وجود المثل، وينفي أن شيء مثل هذا المثل، لكن هذه قضية أخرى. فكل نوع من هذه الأنواع يماثله آخر فيها، فوحدانية الجنس يماثله فيها وحدانية للأجناس الأخرى، فكل جنس يكون واحدا في جنسه، فكيف ليس كمثله شيء؟ ووحدانية العدد يماثله فيها وحدانية كل إنسان منا، فكل منا واحد في عدده، فأنا واحد وأنت واحد وهو واحد كما أن الواحد العددي هو واحد من ضمن العدد الكثير فالواحد جزء من الأعداد، ووحدانية النوع يماثله فيها الأنواع الأخرى، مثل الذكور والإناث وخلافه. فأي نوع من الواحد هو؟ فكلمة “واحد” ليست كلمة بسيطة إذا أردنا فهمها بشكل أعمق، فصفة الواحد يجب أن يلازمها صفة أخرى ليتم تعريف هذه الوحدانية فيها.
اقتباس
كلمة قنوما تعني شخص بالسريانية، يعني إله واحد مكون من ثلاث أشخاص.
يحلو للإخوة المسلمين اقتباس هذه الكلمة واختيار هذا المعنى من معاني كلمة “قنوما” أو “قنومو” السريانية من بين المعاني الأخرى. وعلى الرغم من أن هذا المعنى ليس كما يدل عليه اللفظ الآن، لأن هذا اللفظ لفظ قديم. فمثلاً كلمة “راجل” قديمًا تختلف عن المعنى المعروف الآن بين عوام الناس. فالكلمة قديمًا تعني “الترجل” أي السير على الأقدام، ومنها جاءت كلمة “رِجل”، لكن الآن تستخدم مثلا في مصر بمعنى “ذَكرٌ” ففلانة إمراة وفلان راجل، ويقال “راجل من ظهر راجل” وهناك كلمات كثيرة على هذا النمط. لكن ليس هذا المستغرب فقط في كلامه، بل أن أحمد سبيع من المفترض أن الكلمة السريانية هي مجرد ترجمة لكلمة أخرى أتت في الإنجيل والكلمة اليونانية أدق قليلاً في المعنى اللاهوتي عن الكلمة السريانية المنتشرة. فالكلمة لا تعني “شخص” بالمعنى المعروف الآن، أن فلان هذا شخص وفلان شخص آخر فهم منفصلون. بل أن من معاني الكلمة الطبيعة، وهنا المقصود هو الطبيعة المشخصنة أي العاقلة.
اقتباس
المسيحيون يضربون أمثلة عشان يوضحوا الثالوث، مثل الإنسان، عبارة عن جسد وعقل وروح، ولكن ليس ثلاثة أشخاص. وأنظروا للشمس، مكونة من كتلة وضوء وحرارة، ومع ذلك ليست ثلاثة شموس، ومثل الإصبع مكون من ثلاثة أجزاء، لكنه هو إصبع واحد. (بتصرف). وهذه الأمثلة يقولها كل مسيحي تتكلم معه، ولكن المشكلة أن هذه الأمثلة ليست لها علاقة بالثالوث المسيحي أصلا، فالمشكلة ليست في أن كيف ثلاثة مكونات يكونوِّا شيء واحد، هذا ليس به مشكلة، إنما المشكلة أن الثالوث ليس مكونات لشيء واحد. لكن كل واحد من الثالوث هو إله، مش جزء من إله ولا صفة من صفات الإله ولا خاصية من الإله. لكن في مثال الإصبع والشمس والإنسان فأننا نتكلم عن مكونات وخواص، فالإصبع مكون من ثلاث أجزاء، لكن لا نقول عن كل جزء منه أنه إصبع، لكن الثالوث بنقول على كل واحد منه أنه إله.
أولاً: الأمثلة لا تعطى للتطابق، بل للإيضاح، فعندما أقول لك أنك سريع مثل الفهد، فلا تقل لي أني إنسانا ولستُ حيوانًا، فسبب ضرب المثال هنا ليس كونك مطابق للفهد في كل شيء، بل التشابه في عامل السرعة فقط. هكذا الله، لا يوجد مثال له، ولا شبه مثال، ولا شبه شبه شبه مثال لطبيعة لاهوته، فهو غير موصوف وغير مدرك وغير مرئي، ولا يماثله من مخلوقاته شيء، إنما نضرب الأمثلة لكم لتقريب الفهم مع الفارق الكبير بين المثل وطبيعة الله. ففي مثال الإنسان نضرب المثل لا لكي نقول أن الله إنسانا أو أن الإنسان إلها، بل لنقول أن نفس الإنسان وروحه وجسده يمثلان الإنسان بلا انفصال، فلا يمكن فصل الروح أو النفس أو الجسد عن أي من الإثنين الآخرين، وهذا لكي نشرك لك ولو بقليل الاتحاد الثالوثي في الله الواحد. فمع معرفتنا أن هذه الأمثلة وغيرها هي أمثلة في أفضل أحوالها قاصرة جدا جدا، إلا أننا كبشر نضربها لكي نقرب المفهوم ولو من بعيد. فالقرآن مثلا يضرب لنا مثلا ويقول:
فهل نور الله هو عبارة عن مشكاة فيها مصباح في زجاجة؟ الغريب ان القرآن بنفسه يضرب الأمثال ومع ذلك لا يفهم أحمد سبيع مغزاها، فيقول القرآن في غير موضع: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) الحشر، وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) العنكبوت، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) إبراهيم
ثانيًا: في بداية كلامه، ولأكثر من مرة قال أحمد سبيع أن الثالوث “مكون من”، والآن يقول إن “الثالوث ليس مكونات لشيء واحد” فلا أعلم سبب تناقض أحمد سبيع في كلامه!
ثالثًا: عندما نقول عن الآب أنه إله وعن الإبن أنه إله وعن الروح القدس أنه إله، فهذا يعني أن الطبيعة الخاصة بالآب والإبن والروح القدس هي طبيعة اللاهوت، ولإعطاء مثال تقريبي لشرح مشكلة أحمد سبيع له. نعم عقلة الأصبع ليست هي الأصبع، ولكنها من طبيعة الإصبع، فهي عظام مثل أن الإصبع هو في طبيعته عظام. ورغم قولي أن هذا مثال تقريبي إلا أني سأجد أحدهم يقول لكن العقلة ليست هي الإصبع، فأرد عليه وأقول، ليس هذا هدف المثال، والمثال لا يتطابق مع طبيعة الله التي لا يماثلها طبيعة أو شيء. إنما غرض المثال بيان ما معنى ان العُقلة من نفس طبيعة الأصبع. لكن في حالة كلامنا عن الله، فالله ليس إصبع، فالله غير محدود ولا مجزأ ولا مركب ولا مُبَعَض. كذلك عندما نضرب لكم مثال 1 * 1 * 1 = 1 فلا نقصد به أن الله “واحد رقمي” بل نقصد به بيان أن الآب مساو للإبن مساوٍ للروح القدس وكل منهم هو الله وليس جزء منه. فلا تأخذوا الأمثال التي نضربها لهدف معين وتفهموها وكأنها لهدف آخر.
اقتباس
هذه الأمثلة لا تحل المشكلة، لكنها تعتبر إعتراف أن المشكلة ليس لها حل، فيضطر المسيحيون للجوء لأمثلة ليس لها علاقة بالثالوث. وهذا يعني أن الثالوث لا يمكن فهمه لأنه غير صحيح. وهو مجرد إيمان يؤمن به المسيحيون بدون أن يستطيعوا شرحه.
في الحقيقة، فإن هذا المقطع مليء بالقفزات والأخطاء المنطقية، وسوف نعلق عليها جميعا واحدة فواحدة.
أولاً: ما هي المشكلة أصلا، التي نبحث لها عن حل؟ هل صار عدم فهم طبيعة ذات الله الخاصة اليوم مشكلة؟ ومن الذي يقول هذا؟ مسلم لا يعرف حتى كيف يفهم أفعال وصفات الله المذكورة في كتابه؟ هل يُتوقع من الإنسان بعقله القاصر أن يفهم طبيعة من خلقه؟ هل هذه هي المشكلة؟ أم أن المشكلة أن أحمد سبيع وغيره يطالبونا بما ليس في إمكان البشر، وهم أول المتوقفين عن الكلام في طبيعة الله وصفاته وحدثت بينهم وبين المتكلمين (الباحثين في طبيعة الله وصفاته) لديهم المجازر الفكرية والتكفيرية مكفرينهم بها، وفي نهاية كلامهم تجسدهم لا يردون عليهم بشيء عندهم يخالف ما يقوله هؤلاء المتكلمين، بل تجدهم يقولون أننا نتوقف عن السؤال عن الكيف والغرض كما سنعرض بعد قليل.
ثانيًا: بالفعل، إن كانت المشكلة ان البشر لا يمكنهم وصف طبيعة الله بشيء من المخلوقات التي يعمل على فهمها أصلا العقل ولا يعمل إلا من خلالها، فهذه المشكلة ليست لها حل. فطبيعة الله تفوق بما لا يقارن طبيعة البشر وعقلهم القاصر مهما بلغ. فأنت مثلا لا تستطيع معرفة كيفية الاستواء، رغم ان الاستواء كفعل، هو فعل معروف، لكنك لا تجرؤ أن تتكلم فيه مطلقًا ولماذا؟ لأنك لا تتخيل شكلاً معينا لله، فلا تعرف كيف سيستوي ذلك الذي لا أعرف له ذات ولا شكل، فإن كان الاستواء هو مجرد فعل من أفعال هذا الذات، وانت تعجز عن شرح هذه “المشكلة” فكم وكم لو طالبناك بمعرفة وشرح ذات الله نفسها؟
ثالثًا: هذا يوضح ان المشكلة ليست في الثالوث أو الوحدانية، بل في إرادة فهم الله وفق تصورات بشرية محضة، فالبشر لكي يشرح أي شيء سيشرحه بما يتصوره في عقله القاصر، والله، أواحدا كان او ثالوث، لا يمكن الدنو من معرفة طبيعته اللاهوتية بشيء من هذا الشرح، فبدلا من أن يعترف أحمد سبيع أن الله في الإسلام لا يمكن وصف ولا فهم ولا التفكر في أفعاله وصفاته، كما لا يمكن التفكر في ذاته أيضًا، فيكتفي بما نسبه لنفسه فقط، فهو يحاول أن ينقل مشكلة البشر أجمعين وهي وصف غير الموصوف، إلى المسيحين خاصة. فبدلا من القول إن اليهودي والمسيحي والمسلم لكونهم مجرد بشر لا يمكنهم شرح عقيدة إلههم الواحد، فهو يتبرأ ويتناسى أنه لا يستطيع شرح مجرد أفعال وصفات إلهه، وينقل الكرة في ملعب المسيحي ليقول أن سبب عدم قدرة المسيحي على الشرح هو إيمان المسيحي بالثالوث، وهذا أسلوب فاسد، فالمسلم لا يستطيع وصف الروح مثلاً أو أفعال أو صفات إلهه وهو يدعي أنه يؤمن بإله واحد، وإن سألته لتوقفوا، فبدلا من أن يكون مُحقًا في عرض السبب الصحيح، وهو عجز البشر، يتغافل عامدًا عن هذا ويقول أن المشكلة هي حصرًا في إيمان المسيحين.
رابعًا: هل كل ما لا يمكن فهمه هو غير صحيح؟! أو: هل كل ما لا يمكن فهمه، فلا يمكن فهمه بسبب عدم صحته؟ حسنًا، أشرح لي الروح. أشرح لي كيف لإلهك أن يكون له ساق ويد؟ فإن عجزت عن شرح الروح وماهيتها وعن شرح كيفية الاستواء وكيف يكون لله يد وساق، أتوافق أن هذا بسبب أن عقيدتك غير مفهومة لأنها غير صحيحة! إن مبدأ أحمد سبيع لهو من الخطل، فحتى علماء الاسلام يكذبونه كما سنبين بالدليل. فهذه مجرد أفعال وصفات لألهك، فكم وكم إن طلبت منك شرح ذات إلهك الواحد؟ فهذا كله لا علاقة له بالثالوث، ومع ذلك لن تستطيع أن تخط قلم فيه وأن تبدأ برد إيجابي واحد. فلماذا تطلب من غيرك الكمال في الشرح والفهم وانت لا تستطيع شرح مستَصغر الأمور؟
خامسًا: أما الجملة الأخيرة، فتستحق أن أعيد اقتباسها هنا لنرد عليها تفصيلاً، فقد قال أحمد سبيع [وهو مجرد إيمان يؤمن به المسيحيون بدون أن يستطيعوا شرحه]، فتفاجئت أن مسلم سني سلفي يقول مثل هذه الجملة! فأحمد سبيع قد تجاوز كل عقل ومنطق قبل أن يتفوه بهذه الجملة، فهو الآن يربط بين صحة الإيمان وقدرة المؤمن على شرحه! وعلى الرغم من أن الثالوث قد صُنفت فيه المصنفات وكتب فيه آباء الكنيسة كُتبًا كاملة وعظات شاملة وشروحات وافية وردود دامغة على كل الأفكار المخالفة إلا أن أحمد سبيع يربط بين قدرة المؤمن على شرح إيمانه وبين صحة إيمانه، فهنا يجب أن نتوقف ونضع أحمد سبيع أمام علماء الاسلام، لنرى كيف أن احمد لم يعرف حتى قشور عن عقيدته ويذهب لينتقد عقائد غيره.
يقول السدي:
{وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظموه جل جلاله حق عظمته إذ عبدوا غيره تعالى وطلبوا من نبيه صلى الله عليه وسلم عبارة غيره سبحانه قاله الحسن. والسدي، وقال المبرد: أصله من قولهم: فلان عظيم القدر يريدون بذلك جلالته، وأصل القدر اختصاص الشيء بعظم أو صغر أو مساواة، وقال الراغب: أي ما عرفوا كنهه عز وجل. وتعقب بأن معرفة كنهه تعالى أي حقيقته سبحانه لا يخص هؤلاء لتعذر الوقوف على الحقيقة، ومن هنا: العجز عن درك الإدراك إدراك… والبحث عن كنه ذات الله إشراك.[1]
يقول القرطبي:
قلت: وإذا كان هذا في المخلوق لا يجوز، فالأخبار عن صفات الله عز وجل كاليد والرجل والاصبع والجنب والنزول إلى غير ذلك أولى بالمنع، وأنه لا يجوز الابتداء بشيء من ذلك إلا في أثناء قراءة كتابه أو سنة رسوله، ولهذا قال الامام مالك بن أنس رضي الله عنه: من وصف شيئا من ذات الله عز وجل مثل قوله: ” وقالت اليهود يد الله مغلولة ” (1) [المائدة 64 ] فأشار بيده إلى عنقه قطعت يده، وكذلك في السمع والبصر يقطع ذلك منه، لأنه شبه الله تعالى بنفسه.[2]
يقول الغزالي:
القسم الثاني الفكر في جلال الله وعظمته وكبريائه
وفيه مقامان المقام الأعلى الفكر في ذاته وصفاته ومعاني أسمائه وهذا مما منع منه حيث قيل تفكروا في خلق الله تعالى ولا تفكروا في ذات الله وذلك لأن العقول تتحير فيه فلا يطيق مد البصر إليه إلا الصديقون ثم لا يطيقون دوام النظر. بل سائر الخلق أحوال أبصارهم بالإضافة إلى جلال الله تعالى كحال بصر الخفاش بالإضافة إلى نور الشمس فإنه لا يطيقه البتة بل يختفي نهارا وانما يتردد ليلا ينظر في بقية نور الشمس إذا وقع على الأرض.
وأحوال الصديقين كحال الإنسان في النظر إلى الشمس فإنه يقدر على النظر إليها ولا يطيق دوامه ويخشى على بصره لو أدام النظر ونظره المختطف إليها يورث العمش ويفرق البصر. وكذلك النظر إلى ذات الله تعالى يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل فالصواب إذن أن لا يتعرض لمجاري الفكر في ذات الله سبحانه وصفاته فإن أكثر العقول لا تحتمله بل القدر اليسير الذي صرح به بعض العلماء وهو أن الله تعالى مقدس عن المكان ومنزه عن الأقطار والجهات وأنه ليس داخل العالم ولا خارجهولا هو متصل بالعالم ولا هو منفصل عنه قد حير عقول أقوام حتى أنكروه إذ لم يطيقوا سماعه ومعرفته. بل ضعفت طائفة عن احتمال أقل من هذا إذ قيل لهم إنه يتعاظم ويتعالى عن أن يكون له رأس ورجل ويد وعين وعضو وأن يكون جسما مشخصا له مقدار وحجم.
فأنكروا هذا وظنوا أن ذلك قدح في عظمة الله وجلاله حتى قال بعض الحمقى من العوام إن هذا وصف بطيخ هندي لا وصف الإله لظن المسكين أن الجلالة والعظمة في هذه الأعضاء. وهذا لأن الإنسان لا يعرف إلا نفسه فلا يستعظم إلا نفسه فكل ما لا يساويه في صفاته فلا يفهم العظمة فيه نعم غايته أن يقدر نفسه جميل الصورة جالسا على سريره وبين يديه غلمان يمتثلون أمره فلا جرم غايته أن يقدر ذلك في حق الله تعالى وتقدس حتى يفهم العظمة…
ولما كان النظر في ذات الله تعالى وصفاته خطرا من هذا الوجه اقتضى أدب الشرع وصلاح الخلق أن لا يتعرض لمجاري الفكر فيه لكنا نعدل إلى المقام الثاني وهو النظر في أفعاله ومجاري قدره وعجائب صنعه وبدائع أمره في خلقه فإنها تدل على جلاله وكبريائه وتقدسه وتعاليه وتدل على كمال علمه وحكمته وعلى نفاذ مشيئته وقدرته. فينظر إلى صفاته من آثار صفاته فإنا لا نطيق النظر إلى صفاته كما أنا نطيق النظر إلى الأرض مهما استنارت بنور الشمس. ونستدل بذلك على عظم نور الشمس بالإضافة إلى نور القمر وسائر الكواكب لأن الأرض من آثار نور الشمس والنظر في الآثار يدل على المؤثر دلالة ما وإن كان لا يقوم مقام النظر في نفس المؤثر. وجميع موجودات الدنيا أثر من آثار قدرة الله تعالى ونور من أنوار ذاته بل لا ظلمة أشد من العدم ولا نور أظهر من الوجود.[3]
يقول محمد بن المرتضى (ابن الوزير):
والذي وضح لي في هذا وضوحا لا ريب فيه بحسن توفيق الله أمور: أحدها أن الكلام في ذات الله تعالى على جهة التصور والتفصيل أو على جهة الاحاطة على حد علم الله كلاهما باطل بل من المتشابه الممنوع الذي لا يعلمه إلا الله تعالى لقوله تعالى ولا يحيطون به علما ولقوله تعالى ليس كمثله شيء وانما تتصور المخلوقات وما هو نحوها ولما روي من النهي عن التفكر في ذات الله والامر بالتفكر في آلاء الله ولما اشتهر عن أمير المؤمنين عليه السلام أن ذلك مذهبه حتى رواه عنه الخصوم ومن أشهر ما حفظ عنه عليه السلام في ذلك قوله في امتناع معرفة الله عز و جل على العقول امتنع منها بها واليها حاكمها ومن التفكر في الله والتحكم فيه والدعوى الباطلة على العقول والتكلف لتعريفها ما لا تعرفه حدثت هنا البدع المتعلقة بذات الله وصفاته وأسمائه فمن أكبرها قول البهاشمة من المعتزلة أن الله تعالى عن قولهم لا يعلم من ذاته غير ما يعلمونه قال بن أبي الحديد في شرح النهج وهذا مما يصرح به أصحابنا ولا يتحاشون عنه وقد كثرت عليهم الردود حتى تولى عليهم في ذلك كثير من أصحابهم المعتزلة كابن أبي الحديد وغيره حتى قال في ذلك قصائد كثيرة بليغة.[4]
يقول محمد الأمين الشنقيطي:
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن العرب لا تدرك كيفيات صفات الله من لغتها، لشدة منافاة صفة الله لصفة الخلق. والعرب لا تعرف عقولهم كيفيات إلا لصفات الخلق، فلا تعرف العرب كيفية للسمع والبصر، إلا هذه المشاهدة، في حاسة الأذن والعين، أما سمع لا يقوم بإذن وبصر لا يقوم بحدقة، فهذا لا يعرفون له كيفية ألبتة. فلا فرق بين السمع والبصر، وبين اليد والاستواء، فالذي تعرف كيفيته العرب من لغتها من جميع ذلك، هو المشاهد في المخلوقات. وأما الذي اتصف الله به من ذلك، فلا تعرف له العرب كيفية، ولا حداً لمخالفة صفاته لصفات الخلق، إلا أنهم يعرفون من لغتهم أصل المعنى، كما قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. كما يعرفون من لغتهم، أن بين الخالق والمخلوق، والرزق والمرزوق، والمحيي والمحيا، والمميت والممات. فوارق عظيمة لا حد لها، تستلزم المخالفة، التامة، بين صفات الخالق والمخلوق.
الوجه الثاني: أن نقول لمن قال: بينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما ذكرتم، من كونها صفة كمال، وجلال، منزهة عن مشابهة جارحة المخلوق. هل عرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة باليد، فلا بد أن يقول: لا. فإن قال ذلك. قلنا: معرفة كيفية الصفات تتوقف على معرفة كيفية الذات. فالذات والصفات من باب واحد. فكما أن ذاته جل وعلا تخالف جميع الذوات، فإن صفاته تخالف جميع الصفات. ومعلوم أن الصفات، تختلف وتتباين، باختلاف موصوفاتها. ألا ترى مثلاً أن لفظة رأس كلمة واحدة؟ إن أضفتها إلى الإنسان فقلت رأس الإنسان، وإلى الوادي فقلت رأس الوادي، وإلى المال فقلت رأس المال، وإلى الجبل فقلت رأس الجبل. فإن كلمة الرأس اختلفت معانيها، وتباينت تبايناً، شديداً بحسب اختلاف إضافتها مع أنها في مخلوقات حقيرة.[5]
يقول ابن عادل الدمشقي:
وقد كان السَّلَفُ الأولُ – رضي الله عنهم – لا يقولون بنفي الجهةِ ، ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكَافَّةُ بإثْبَاتِهَا لله – تعالى – كما نَطَقَ كِتَابهُ ، وأخبرت [ رسله ] ، ولم ينكر أحدٌ من السَّلَفِ الصَّالِح أنَّهُ استوى على عَرْشِهِ حقيقة ، وخُصَّ العَرْشُ بذلك ؛ لأنَّهُ أعْظَمُ مخلوقاته وإنما جهلوا كيفية الاسْتِوَاءِ ، فإنَّهُ لا تُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ ، كما قال مالكٌ – رحمه الله – : ” الاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ – يعني في اللغة – والكيْفُ مَجْهُولٌ ، والسُّؤالُ عن هذا بِدْعَةٌ ” ، وكذلك قالت أمُّ سلمة – رضي الله عنها – ، وهذا القدرُ كافٍ.[6]
فكل هذه الاقتباسات أنما هي ترد على أحمد سبيع، في كونه لا يعرف حتى الأفعال والصفات والأسماء التي لله، فضلا عن معرفة ذات الله نفسه! كل هذا وهو يؤمن بإله واحد كما يدعي. إذن فالمشكلة ليست في كوننا نؤمن بالثالوث القدوس المتحد في الجوهر، بل في كون طبيعة الله غير موصوفة وغير مختبرة.
اقتباس
فمعنى الكلام أن الأقانيم هي ذوات أو أشخاص، والمسيحي ينكر أنه يؤمن بثلاث أشخاص رغم أن هذا من صميم دينه، لكن طبعا لأنه عايش في مجتمعات صعب تقبل فكرة تعدد الألهه حاليا، فبيلفوا ويدوروا عشان يفسروا الثالوث على أنه مش تعدد.
أولاً: هذا الكلام لا يسوى الوقت الذي استمعنا إليه فيه. فكله أكاذيب. فالمسيحي الذي يرفض الشخص، يرفض فهمك أنت للفظ شخص، كما أنك تؤمن بـ”الله” وترفض اعتقاد العرب الوثنيين قبل الإسلام في نفس هذا الاسم “الإله” فاللفظ يجب أولا أن يتم تحرير معناه لنعرف، هل ما نؤمن به هو ما تقصده أنت أم لا؟ فإن كان هو نفسه، فسنوافقك، وإن كان لا، فسنرفض اللفظ لا لعيب في اللفظ بل لعيب في فهمك له.
ثانيًا: بعد هذا ينتقل أحمد إلى كذبة جديدة ويقول أن المسيحي بسبب أنه يعيش في مجتمعات لا تقبل تعدد الآلهه فهو يلجأ للف والدوران. ولست أعرف لماذا ينسى أحمد سبيع كلام أحمد سبيع نفسه؟! أليس هو القائل منذ قليل أن المسيحين يؤمنون “بإله واحد”؟ فكيف يؤمن أحمد سبيع أن المسيحيون يؤمنون بإله واحد، ويؤمن أيضا أنهم يؤمنون بتعدد الآلهه؟ أليس هذا يبين أن أحمد سبيع لا يعرف ما يقول ولا يعرف عقيدة المسيحين من الأساس؟ أما للرد على كلامه، فالمسيحي يؤمن بالعهد القديم الذي يكتظ بشواهد يؤمن بها بأن الإله واحد، ويؤمن أيضا بالعهد القديم الذي يمتليء بالشهادات عن أن الله واحد، فكيف يؤمن أي مسيحي بتعدد الآلهه؟! هذا إبتداءً. والمسيحيون يعيشون قبل أن يأتي الإسلام بقرابة ستة قرون، كانوا يقولون فيها ما يقولوه الآن، لكن مع عقول كانت تفهم ما يقولوه أكثر من الآن من المعارضين. فشروحات الآباء الكبار للثالوث كلها كانت قبل القرن السابع الميلادي فما علاقة وجودنا في مجتمعات لا تقبل تعدد الآلهه بشرحنا للثالوث؟ فنحن نشرحه بذات الشرح حتى قبل أن يكون هناك شيء أسمه إسلام، فدعك من الكذب الرخيص.
ثالثًا: مرة أخرى يعود أحمد سبيع لأمله في أن يفسر أحد ذات الله، وهل لهذا سبيل؟ أحمد ينسى أنه لا يستطيع حتى التفكر في بعض مخلوقات الله، ولكنه يتذكر أن المسيحي لا يستطيع شرح ذات الله الخاصة! لماذا يكيل بمكاييل؟
رابعًا: الثالوث ليس ثالوثا للألوهية، أي لطبيعة الجوهر، فليس لاهوت الإبن بآخر عن لاهوت الروح القدس عن لاهوت الآب، بل هو لاهوت واحد وطبيعة واحدة لأنه إله واحد فقط وليس إثنين أو ثلاثة. إنما الثالوث هو أن كل أقنوم له نفس ما للأقنوم الآخر من اللاهوت، حتى قال الآباء أن الصفات الأقنومية هي الصفات الوحيدة التي تميز تمييزا عقليا بين الأقانيم، فأقنوم الآب يميزه عن الأقنومين الآخرين عقليًا فقط هو كونه آبا، فهذه صفته الأقنومية، وأقنوم الإبن يميزه عن الأقنومين الآخرين عقليا فقط هو كونه إبنا، وأقنوم الروح القدس يمزيه عن الأقنومين الآخرين عقليًا فقط هو كونه منبثقا. ولا يوجد أي خلاف آخر بين الأقانيم، فالأقانيم ليست خروجا عن ذات الله الواحد فنعدده إلى إله وإله وإله، بل دخولا إلى ذات الإله الواحد فنعرفه أكثر في عمقه بحسب ما أعلن لنا عن كونه جوهر واحد وثلاثة أقانيم، فالأقانيم هي زيادة معرفة عن طبيعة الله الواحد، وليست تغييرًا لطبيعته كواحد فقط.
اقتباس
عرض أحمد سبيع فيديو للأنبا رافائيل، من عام 2004، وجاء فيه:
أولاً: وبمجرد سماعك لهذا الفيديو المبتور، ستعرف أنه مبتور وان الإقتصاص من الفديو قد غير معناه الحقيقي، فكيف لأسقف في الكنيسة بل كيف لمسيحي أن يقول أننا نؤمن بالثالوث، لو كان يقصد أن هذا ضد الإيمان بوحدانية الإله؟ فحتى إن كنت مسلمًا عارفًا من هو هذا الأسقف الذي تسمعه ستعرف أن هذا الكلام الذي سمعته بأذنيك هو غير حقيقي لأنه مبتور، وهذا واضح، ولهذا، رجعت للعظة كاملة التي إقتطع منها احمد سبيع هذا المقطع وجمعت عدد المرات التي قال فيها الأنبا رافائيل أن المسيحية تؤمن بإله واحد (طبيعة واحدة) وثلاثة أقانيم:
https://www.youtube.com/watch?v=5xf8RYkjdho
وهذه مجرد عيّنة مما قاله الأنبا رافائيل، الغريب والعجيب أن أول كلمة قالها الأنبا رافائيل في الفيديو الكامل الذي إقتطعه أحمد سبيع، كانت هي “إله واحد متحد وغير منفصل”! فهذه كانت أول كلمة وليست مثلا الكلمة الثانية أو الثالثة. فترى، لماذا التدليس؟
ثانيًا: هل هذا هو الفيديو الوحيد للأنبا رافائيل الموجود على يوتيوب لكي يفهم منه أحمد سبيع كلام الأنبا رافائيل؟ بالطبع لا، فإلى اليوم هناك أكثر من 7 فيديوهات أخرى للأنبا رافائيل عن ذات الموضوع. فلو كان أحمد سبيع صادقًا وطالبًا للحق، كان سيرجع لهذه الفيديوهات ليعرف أن ما فهمه ليس هو الصحيح بل هو الكذب بعينه. والأغرب من ذلك، هل الأنبا رافائيل هو الوحيد الذي يشرح الثالوث المسيحي على بين كل المسيحين على اليوتيوب؟ أفلا يوجد غيره من الفيديوهات لمعرفة ما يؤمن به المسيحيون متى استعصى كلامه البسيط على عقلك؟ هناك الكثير من الأساقفة والكهنة والدكاترة على اليوتيوب ستجدهم يشرحون الثالوث ووحدانية الإله في المسيحية. هذا بخلاف الكتب التي يوجد منها العشرات المنشورة هنا وهناك. فأحمد سبيع لو كان يريد أن يعرف حقيقة إيمان المسيحين لما كان هذا بالصعب عليه، فأمامه فيديوهات لنفس الشخص الذي بتر الفيديو له، وأمامه فيديوهات لآخرين على نفس الموقع الذي اقتطع منه الفيديو، وهناك عشرات المؤلفات التي كان يمكنه الرجوع إليها، لكن ماذا نقول؟ إنه التدليس وعدم الرغبة في الهداية.
ثالثًا: ألم يقل أحمد سبيع بنفسه أننا نؤمن بإله واحد؟! فهل نسى كلامه سريعًا هكذا!
رابعًا: كلمة “توحيد” على وزن “تفعيل” وهي ستعني أننا لدينا أكثر من إله ونقوم بتوحيدهم. وهذا خاطئ، فالمسيحية لا تؤمن إلا بإله واحد، أي بلاهوت واحد فقط، وثلاثة أقانيم لهم نفس هذا اللاهوت وليس مخالفا عنه. ولهذا سنجد الأنبا رافائيل عندما قال إن الـ”توحيد” مسلط علينا، أجاب بعدها مباشرة على نقطة أخرى وهي “جعل الآب هو الابن والابن هو الآب” وقال حرفيا “الآب غير الابن”، فكلام الأنبا رافائيل واضح لمن لديه عقل، وهو أننا لا نوحد الأقانيم بمعنى أننا لا نوحدهم في “أقنوم” واحد.
هل كان الآباء الأولين يفهمون الثالوث بسهولة؟
في هذا الجزء، يحاول أحمد سبيع أن يقول ان حتى الآباء الأولين لم يكونوا يفهمون الثالوث بسهولة، أو كانوا يفهمونه بطريقة خاطئة. فماذا فعل؟ أتى باقتباس للقديس يوستينوس الشهيد مبتور كعادته ولم يقرأ إلا هو، وفهم من كلامه أنه يؤمن بالتبعية، ويقصد أن يوستينوس يؤمن أن الابن أقل من الآب في اللاهوت! تخيلوا؟! ثم أتى بكتاب يقول عن أوريجانوس أنه تم اتهامه بذات البدعة (لاحظ أن الكتاب الذي أتى به لا يقول إن أوريجانوس قد وقع في التبعية حتى، بل يقول إنه تم اتهامه بها)، وهكذا عن العلامة ترتليان. ومجرد سماع هذا الكلام من ناقد محقق، أو من قارئ للآباء بعمق، سيجعله يضحك ويشفق على حال أحمد سبيع، ولكيلا نطيل عليكم، سنضع لكم اقتباسات مباشرة من هؤلاء الثلاثة الذين تكلم عنهم أحمد، وفي هذه الاقتباسات ستجدهم يصرحوا حرفيا بلاهوت المسيح وانه يهوه نفسه في مواضع معينة معبرين بذلك عن مساواة الابن والآب.
يوستينوس الشهيد:
لأن هؤلاء الذين يؤكدون أن الآب هو الابن أثبتوا انهم لم يعاينوا الآب ولا حتى عرفوا أن أبو الكون (الآب) له ابن. الذي هو (الابن) ايضًا بكر الله وكلمته، وهو أيضاً الله. وقديماً ظهر في شكل نار وصورة ملاك لموسى والأنبياء الآخرين. لكنه الآن في زماننا ـ وكما قلنا من قبل ـ تجسد من عذراء، بمشورة الآب من أجل خلاص المؤمنين به. وتحمل الهوان والمعاناة. لكي بموته وقيامته مرة أخرى يغلب الموت، وهذا الذي قاله من العليقة لموسى سابقًا “أكون الذي أكون أنا إله إبراهيم وإله أسحق وإله يعقوب، إله آبائك” (خر3: 6)؛ يوضح أن هؤلاء بالرغم من كونهم ميتين إلا أنهم موجودون وانهم رجال ينتمون للمسيح نفسه. لأنهم كانوا أول البشر الذين شغلوا بالبحث عن الله، و إبراهيم هو أبو اسحق و اسحق أبو يعقوب كما كتب موسى.[7]
وقال تريفو: لقد سمعنا رأيك في هذه الأمور فأكمل كلامك من حيث توقفت ومن ثمّ قم بإنهائه، لأنه بعضه يبدو لي أن لا يعقل وغير قابل للإثبات. حيث عندما تقول بأن هذا المسيح هو الله الكائن قبل الدهور، الذي وافق على أن يولد ويصير إنسانًا مع أنه ليس من أصل بشرى لا يبدو لي متناقضًا فقط بل مناف للطبيعة والعقل.[8]
على سبيل المثال، هم علموكم أن هذا النص المقدس الذي نناقشه الآن يشير إلى حزقيا، وكما وعدتك أني سأثبت خطأهم، فهم يضطرون للموافقة على أن بعض النصوص التي ذكرناها لهم والتي تثبت بوضوح أن المسيح لابد أن يتألم ويُعبَد (او: يسجد له) ويدعى الله تشير إلى المسيح. ولكن معلميكم ينكرون بجسارة أن هذا الرجل هو المسيح، ولكنهم يعترفون أنه سوف يأتي ليتألم ويحكم ويُعبَد (او: يسجد له) كـ”الله”.[9]
قلت: ولكن يا تريفو لو كنت تعلم من هو الذي دعيّ ذات مرة حزقيال ملاك المشورة[10] وإنسانًا بواسطة حزقيال، ومثل ابن إنسان يدعوه دانيال، وولداً بواسطة أشعياء، ويدعوه داؤود الله والمسيح لكي يُعبَد، ويدعوه (أنبياء) كثيرون مسيحًا وحجرًا، ويدعوه سليمان الحكمة، ويدعوه موسى يوسف ويهوذا والنجم، ويدعوه زكريا الشرق، ويدعوه أشعياء أيضا المتألم ويعقوب وإسرائيل والعصا والزهرة وحجر الزاوية وابن الله، لو كنت تعلم ما جدفت عليه، ذاك الذي الآن قد اتى ووُلدَ وتألمَ وصعد إلى السماوات والذي سيأتي أيضاً مرة أخرى، حينئذ تبكى وتنوح عليه أسباطكم الاثني عشر.[11]حقًا لو أنكم فهمتم ما كتبه الأنبياء لما أنكرتم أنه الله وابن الإله غير الموصوف (المرئي) والمولود (الآب).[12]
أوريجانوس:
العبارة: “تعرفونني وتعرفون من أين أنا” (يو ٧: ٢٨) خاصة بشخصه كإنسانٍ، أما العبارة “لستم تعرفونني أنا ولا أبي” فخاصة بلاهوته… فمن الواضح أن كلمات القوم الذين من أهل أورشليم: “هذا نعلم من أين هو” (يو ٧: ٢٧) تشير إلى حقيقة أنه وُلد في بيت لحم (مت ٢: ١). وقد عرفوا أنه ذاك الذي أمه تُدعى مريم وأن اخوته (أبناء خالته) هم يعقوب ويوحنا وسمعان ويهوذا (مت ١٣: ٥٥). لهذا شهد للقائلين: “هذا نعلم من أين هو” قائلاً: “تعرفونني وتعرفون من أين أنا”. لكنه حينما تحدث مع الفريسيين قال: “وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق، لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب”، إذ كان يتحدث عن طبيعته الإلهية، كشخص يتحدث عن الأساس الذي به هو بكر الخليقة (كو ١: ١٥).[13]
أن السيّد أعلن لاهوتهللذين صعدوا على الجبل العالي، أمّا للذين هم أسفل فظهر لهم في شكل العبد. إنه يسأل من يشتاق أن يتعرّف على حقيقة السيّد ويتجلّى قدامه أن يرتفع مع يسوع خلال الأناجيل المقدّسة على جبل الحكمة خلال العمل والقول.[14]
تأمَّل الرسل الله الكلمة لا بكونهم قد أبصروا المسيح المخلِّص المتجسّد، بل رأوا الله الكلمة (هنا لا يقصد انفصال المسيح إلى شخصين إنما يؤكِّد التزامنا إدراك حقيقة المخلِّص المتجسّد وبالطبع الرؤية هي رؤية إيمانية). لو كانت رؤيّة المسيح بالجسد (مجردًا) يعني رؤيّة الله الكلمة، لكان هذا يعني أن بيلاطس الذي أسلم يسوع قد رأى الكلمة، وكذا يهوذا الذي أسلمه وكل الذين صرخوا: “أصلبه أصلبه”. هذا الفكر بعيدًا عنه تمامًا، إذ لا يستطيع غير المؤمن أن يرى كلمة الله. رؤيّة الله الكلمة أوضحها المخلِّص بقوله: “الذي رآني فقد رأى الآب”[15].
صمت زكريَّا هو صمت الأنبياء عند شعب إسرائيل، فلا يتكلَّم الله بعد مع اليهود بينما جاء الله الكلمة الذي من البدء. لقد صار معنا المسيح الذي لا يصمت، لكنه صامت حتى يومنا هذا بالنسبة لليهود.[16]
إن كان ليس هو إله أموات بل أحياء، وكما أنه هو إله إبراهيم واسحق ويعقوب فهو إله بقية الأنبياء، والأنبياء هم أحياء، إذ حفظ هؤلاء كلمة ابن الله عندما جاءت كلمة الله إلى هوشع وإلى إرميا وإلى أشعياء. فإنه ليست كلمة الله جاءت إلى أي واحدٍ منهم سوى ذاك الذي من البدء مع الله، ابنه، الله الكلمة.[17]
العلامة ترتليان:
ان النطق العبري لعمانوئيل، له ترجمة او تفسير الذي هو “الله معنا”. أستفسر، اذن فيما إذا العبارة “الله معنا” التي هي عمانوئيل، استعملت اعتياديا للمسيح من حين لاح فجر نور المسيح، واظن لن تقدر ان تنكر ذلك. لان اللذين من اليهودية امنوا بالمسيح من اول ايمانهم به، وكلما ارادوا ان يقولوا عمانوئيل، يشيروا الى ان الله معنا، وهكذا اتفق ان الذي تم التنبؤ عنه كعمانوئيل هو الان وسطنا، لان ذاك الذي يشار اليه عمانوئيل قد جاء – الذي هو، الله معنا.[18]
لانالله وحده بلا خطية، والرجل الوحيد الذي هو بلا خطية هو المسيح، لان المسيح هو الله ايضا.[19]
والان رغم ان المسيح هو الله، مع ذلك، كونه ايضا انسان، مات حسب الكتب، وحسب الكتب ذاتها دفن.[20]
الآن، من الضروري ان نبين ما كان السبب المسبق لابن الله يولد من عذراء. إن الذي كان سيقدس ترتيباً جديداً للولادة، ينبغي انه هو بنفسه يولد على اسلوب الرواية، فيما يتعلق بنبوة أشعياء وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً. ماذا اذن هي الآية؟ “هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا”. وفقا لذلك، حبلت عذراء وولدت عمانوئيل، الله معنا هذه هي الطبيعة الجديدة؛ انسان يولد في الله. وفي هذا الانسان الله ولِدَ، اخذاً جسداً من سبط قديم، بدون معونة بذر قديم أيا كان، لكي يقدر ان يكون نسل جديد، على نحو روحي، ويطهره بطرح كل اللطخات او البقع القديمة.[21]
هذه الشجرة هي التي نوه عنها ارميا، عندما كان يتنبأ لليهود، قَائِلِينَ: «لِنُهْلِكِ الشَّجَرَةَ بِثَمَرِهَا، (الخبز) من ذلك هو جسده. لذلك قال الله في انجيلك الخاص بك وحتى كشف المعنى المخفي، عندما دعا الخبز جسده؛ حتى فيما بعد تفهم أنه قد أعطى لجسده هيئة الخبز، الذي جسده تحول رمزيا الى الخبز بحسب النبي في العهد القديم، والرب نفسه يصمم بإعطاء التفسير للسر.[22]
اقول لكم كيف ان ايمانها كان يفوق الكل او اعظم من الكل: جعلها تؤمن ان الهها فضل الرحمة حتى لو قادته الى التضحية والفداء؛ كانت متأكدة ان الهها يعمل من خلال المسيح؛ لمسته ولهذا، فليس لكونه انسانا مقدسا بكل لبساطة، ولا لكونه نبيا، الذي عرفته بانه قادر ان لا يتلوث في طبيعته البشرية، ولكن لأنه الله الحقيقي، الذي توقعت انه بما لا يقاس من كل احتمالات التلوث او الفساد باي شيء غير طاهر.[23]
تعلَّمنا أن الابن خرج من الله الآب، وبخروجه هذا قد وُلِدَ من الآب. إذن فهو ابن الله، ويُدعى الله لأجل وحدته مع الآب في الجوهر… فحتى شعاع الشمس عندما يخرج منها، يظل متّصلاً بها. وتظلّ الشمس في الشعاع لأنه منها. فلا يوجد إذن تقسيم في الجوهر، فالشعاع هو مجرد امتداد للشمس… هكذا المسيح هو روح من روح، وإله من إله. مثل شمعة مضيئة تُوقَد من شمعة مضيئة، فيظل لهب الشمعة الأصلية بكامله دون أن يتأثر، على الرغم من أنه قد يُوقَد منه أي عدد من الشمعات الأخرى التي لها لهب بنفس الصفات. كذلك أيضًا الذي خرج من الله (الآب) هو بآنٍ واحدٍ الله وابن الله، والاثنان هما واحد “.[24]
نؤمن حقا أنه يوجد إله واحد، ونؤمن تحت هذا التدبير، أو كما نسيمه الأيكونوميا (οικονομια)، أنه يوجد أيضاً ابن لهذا الإله كلمته المولود منه والذي به كل شيء كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. ونؤمن أنه أُرسل من الآب إلى عذراء وولد منها، إله وإنسان، ابن الإنسان وابن الله، ودعي باسم يسوع المسيح. ونؤمن أنه تألم بحسب الكتب ومات ودفن وقام ثانية بواسطة الآب ليسترد مكانه في السماء وجلس عن يمين الآب. وسيأتي ليدين الأحياء والأموات. ونؤمن أنه أرسل الروح القدس، البارقليط، من الآب، بحسب وعده، ليقدس إيمان هؤلاء الذين يؤمنون بالآب والابن والروح القدس”.[25]
فكل هذه النصوص تصرخ في وجه أحمد سبيع وتقول له: أنك على خطأ، فقد وصفوا المسيح بأنه الله نفسه، فهل الله أقل من الله؟ لكن، أريد هنا افتراض صحة ما قاله سبيع، فإن كان هناك من أخطأ في فهم الثالوث ومن أصاب، أفلا يدل هذا على إمكانية فهم الثالوث بحسب كلامك أنت؟ فأنت قد وسمت أوريجانوس ويوستينوس وترتليانوس بأنهم رغم قربهم لعهد كتابة الأناجيل إلا أنهم لم يستطيعوا استيعاب فكرة الثالوث ووجود إله وإله وإله (بحسب كلام أحمد نفسه)، أفلا يدل النقيض على النقيض؟ بمعنى، أفلا يدل فهم الآخرون للثالوث أنه يمكن فهمه كما فهموه هم؟! أم أنك ستتشدق بمن لا يفهموه (حسب رأيك) وتترك من فهموه؟
فأنت وسمت هؤلاء الثلاثة بأحد إحتمالين، إما أنهم لا يفهمون، أو أن العقيدة لا يمكن فهمها وشرحها ولا يؤمن بها إلا من يلغي عقله. فهل يدل فَهَم الآخرون لها أنهم يفهمون وأن العقيدة يمكن فهمها وشرحها ولا يؤمن بها إلا من يُعمل عقله؟ فحتى منطقيًا، وفي العلوم الطبيعية، تجد أفهام الناس مختلفة متفاوتة في الطباع والقدرات، فلا يدل عدم فهم أحدهم على خطأ العلم نفسه، لأن غيره يفهمه، فما بالك أن هذه العقيدة آمن بها المليارات منذ آلاف السنوات؟ فمع خطأ كلامك ومنطقك كاملاً، إلا أننا حين نتبعه ستكون أنت المخطيء الخاسر أيضًا، فأنظر ما فعلته بنفسك، فحتى كلامك لا ينصفك.
اقتباس
الثالوث هو نتيجة واضحة لإختلاط المسيحية بالوثنية، لذلك قالوا: حينما دخلت المسيحية روما لم تصبح روما مسيحية، بل أصبحت المسيحية رومانية.
إنه لشيء جميل يدعو للرأفة بحال أحمد سبيع أن يقتبس أحمد سبيع المسلم، من مسلم آخر كلام عن المسيحية ويعتبره حجة أو شهادة ضد المسيحية! فأحمد سبيع الذي لم يذكر مصدر هذا القول، وربما لا يعرف مصدره يقول “لذلك قالوا” فمن هم الذين قالوا؟! إنه عبدالجبار الهمذاني المتوفى 415هـ. فهل كلامه له وزن أو قيمة عندنا ليستشهد به علينا؟ ماذا لو قام أحد المسيحين باقتباس نقد ما من شخص مسيحي آخر؟ أهذا منطق. على كلٍ، تعودنا من هؤلاء عدم الخوض معهم في أمور المنطق، فلا هم يفهموها ولا يريدوها.
إن ادعاء ان عقيدة الثالوث هي عقيدة وثنية، لهو ادعاء يدعو للسخرية من قائله وذلك لعدة أمور:
أولاً: إن المسيحية نشأت في مجتمع يهودي صِرف، على يد يهودٍ صِرف وهم المسيح الذي هو بحسب الناموس يهودي، والتلاميذ الاثني عشر، وأغلب الرسل كانوا من اليهود، وتكلم المسيح والرسل عن الثالوث في مجتمع يهودي قبل خروج المسيحية للبشارة للأمم، فما علاقة الثالوث الذي أعلنه المسيح ورسله في اليهودية بين اليهود بدخول المسيحية إلى روما بعد هذا؟ إن أحمد سبيع يتخبط ولا يعرف ما يقول ليثبت فكرته الهشة. فاليهود، وبالأخص في هذا العصر، كان لديهم الطوائف المتزمتة والحرفية للنصوص، والتي تتصارع فيما بينها فيمن تكون الطائفة الأفضل في فهم الناموس وتنفيذه، أهم الصدوقيين؟ أم الكتبة أم الفريسيين؟ فكان الرب يسوع حتى ينتقد تقاليدهم وأفهامهم الحرفية للعهد القديم، فكيف يأتي شخص بعد هذا ليتهم المسيحية بأنها أخذت الثالوث من الوثنية؟ ألم يتكلم عنه المسيح في حياته شارحًا من هو الآب والابن والروح القدس؟! عجبًا.
ثانًيا: إن الكتاب المقدس بعهديه مكتظ بالنهي عن التشبة بالوثنيين بل بمجرد الاشتراك معهم في شيء، والحث على عدم فعل ما يفعلون ولا قول ما يقولون ولا حتى الأكل معهم، فكيف للمسيحية إذن أن تأخذ عقائدها من الوثنية؟! هذه بعض النصوص:
1Co 5:11 وأما الآن فكتبت إليكم: إن كان أحد مدعو أخا زانيا أو طماعا أو عابد وثن أو شتاما أو سكيرا أو خاطفا أن لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا.
1Co 6:9 أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله؟ لا تضلوا! لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور.
1Co 10:19-21 فماذا أقول؟ أإن الوثن شيء أو إن ما ذبح للوثن شيء؟ 20 بل إن ما يذبحه الأمم فإنما يذبحونه للشياطين لا لله. فلست أريد أن تكونوا أنتم شركاء الشياطين. 21 لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس شياطين. لا تقدرون أن تشتركوا في مائدة الرب وفي مائدة شياطين.
1Co 10:28 ولكن إن قال لكم أحد: «هذا مذبوح لوثن» فلا تأكلوا من أجل ذاك الذي أعلمكم والضمير. لأن للرب الأرض وملأها
2Co 6:15-17 وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟ وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟ 16 وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان؟ فإنكم أنتم هيكل الله الحي، كما قال الله: «إني سأسكن فيهم وأسير بينهم، وأكون لهم إلها وهم يكونون لي شعبا. 17 لذلك اخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجسا فاقبلكم.
ثالثًا: إن مجرد النظر لتاريخ المسيحية عموما، وتاريخ روما خصوصًا، يخبرنا أن ما يقوله أحمد سبيع هو مجرد كلامًا لا قيمة له ولا يسوى الجهد المبذول في ذِكره أو الرد عليه. فالمسيحيون عموما، وفي روما خصوصًا، قد عانوا كثيرًا بسبب تضييق الولاة الرومان عليهم، حتى بولس الرسول نفسه لم يسلم منهم عندما رفض آلهتهم وعباداتهم، فتعرض المسيحون للتضييق في الحياة والعبادة وتعرضوا للسجن والتعذيب والقتل، وكل هذا لأجل ألا يتركوا عبادة الإله الحقيقي يسوع المسيح ويعبدون ويبخرون للأوثان، ولم يحدث هذا في عام أو إثنين، بل أن هذه كانت سمة المسيحية في القرون الثلاثة الأولى، حتى أنهم المسئولون عن استشهاد القديسين بولس وبطرس. كل هذا ثم يأتي أحمد سبيع من على سريره ليتفوه بمثل هذه الكلمات الداعية للسخرية منه.
إلى ههنا أعاننا الرب، ويُعين..
[1] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي – جـ18، صـ 16.
[3] إحياء علوم الدين – محمد بن محمد الغزالي أبو حامد – دار المعرفة – بيروت – جـ4، صـ434. الشاملة.
[4] إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات الى المذهب الحق من أصول التوحيد: محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي – دار الكتب العلمية – بيروت، صـ91. الشاملة.
[5] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني الشنقيطي – دار الفكر للطباعة والنشر – بيروت – 1415هـ – 1995م – مكتب البحوث والدراسات. جـ7، صـ 276. الشاملة.
[6] اللباب في علوم الكتاب: أبو حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي الحنبلي – دار الكتب العلمية – بيروت / لبنان – 1419 هـ -1998 م – تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض – جـ9، صـ144.
[7] Justin Martyr. (1997). The First Apology of Justin [The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus.]. In The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus. (184). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[10] النص اليوناني لكلام يوستينوس في هذا اللقب هو ” ἄγγελος μεγάλης βουλῆς” وهو مأخوذ من النص اليوناني السبعيني لسفر أشعياء حيث جاء فيه اللقب “Μεγάλης βουλη̂ςἄγγελος “.
[11] زكريا 12: 10: وافيض على بيت داود وعلى سكان اورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون اليّ الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره.
[18] Tertullian. (1997). An Answer to the Jews S. Thelwall, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (161). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[19] Tertullian. (1997). A Treatise on the Soul P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (221). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[20] Tertullian. (1997). A Treatise on the Soul P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (231). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[21] Tertullian. (1997). On the Flesh of Christ P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (536). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[22] Tertullian. (1997). The Five Books against Marcion P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (337). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[23] Tertullian. (1997). The Five Books against Marcion P. Holmes, Trans.). In The Ante-Nicene Fathers Vol. III: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325 (380). Oak Harbor: Logos Research Systems.
[24] ANF, Vol. III, p. 34. مقتبس عن كتاب القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير: لاهوت المسيح حقيقة كتابية تاريخية أم تأليف مجمع نيقية؟ – صـ28.
[25] Against Praxeas, ch 1, 2. مقتبس عن كتاب القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير: لاهوت المسيح حقيقة كتابية تاريخية أم تأليف مجمع يقية؟ – ص29.
الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع
خرج علينا محمود داود، وهو المذيع المسلم المولد والنشأة والذي نعرفه منذ أكثر من عشر سنوات كاملة كطارح للشبهات المضحكة أكثر من كونها علمية، بفيديو جديد يشرح فيه إيمانه بالمسيح من الكتاب المقدس، وابتدأ يقرأ في الكتاب المقدس نصوص مختارة مسبقًا وكان يقولها طوال فترة معرفتنا به، لكن هذه المرة وضع لها قالب درامي يحث المشاهد المسيحي على التشكك فيما يعتقد، هذا إن كان يشاهده مسيحي غيرنا، فبين الفينة والأخرى تجده يكرر عبارات مفادها التشكك وازدياد الحيرة لديه كلما قرأ في الكتاب المقدس لأن لم يجد أن الناس الذين عاصروا المسيح ولا تلاميذ المسيح ولا المسيح نفسه أعلن عن ألوهيته، سواء أكان قبل موته وقيامته أم بعدها.
فتجد هدف الفيديو واضح، فبدلا من أن يعرض شبهات هي عبارة عن أفكاره الخاصة وتفسيره الخاص كما عرضه كثيرا في السنوات السابقة وتم الرد عليه وصار باهتًا مرذولًا لا يسوى ثمن قراءته وإمضاء الوقت فيه، لا، هذه المرة أراد أن ينقل الكرة في ملعب المشاهد المسيحي نفسه.
كيف؟ عن طريق أنه يبدأ في عرض النصوص من ابتداءً من الطرف الأضعف تأثيرًا للأقوى تأثيرًا، فبدأ من الجموع التي عايشت رب المجد يسوع المسيح، وانتهى بالمسيح نفسه، وبدأ ينقل أقوالهم جميعًا واحدًا تلو الآخر، وبين كل قول أو مجموعة أقوال والأخرى، تجده يمرر إلى ذهن القارئ اللاواعي عبارات تحمل إرتيابه وازدياد الحيرة عنده كـ”باحث” والبحث منه براء، لأنه يعرف أن غالبية المسيحيين لا يقرأون الكتاب المقدس بشكل منتظم وفاحص بل ونقدي أيضًا، وربما يُفاجئون بهذه النصوص.
فأراد أن يجمع عنصر المفاجئة لديهم مع العنصر التشكيكي بإيمانهم، فكيف يكون المسيحي مسيحيًا إن إكتشف – فجأة في الفيديو- أن الجموع لم تطلق على المسيح أنه الله، ولا تلاميذه، ولا المسيح نفسه، بحسب ما اختاره محمود من النصوص وترتيبه الخاص الذي تجاهل فيه السياق والنصوص الأخرى مقتطعًا أغلب النصوص من سياقها تماما وكأنها “نزلت منجمة” أي “مفرقة” عن بعضها البعض وليست في سياق واحد كقصة لحدث.
بحسب السيناريو الذي رسمه في رأسه، أن هذا الأسلوب سيشكك المسيحي، فعامل المفاجئة بالمعلومات الجديدة التي لا يعرفها المسيحي بالإضافة إلى عامل السرد القصصي الذي يستخدمه محمود، مطعمًا بين الحين والآخر بعبارات مثل[1] “أنا استغربت جدا جدا في البداية”، “لقيت (وجدتُ) أن رأي التلاميذ كان أكثر غرابة من رأي الجموع”، “أنا ازدت غرابة فعلًا”، “فأنا حسيت أن في لغز”، “قلنا لأ، كدا في حاجة مش مظبوطة”، “أصابني التعجب”، “زاد استغرابي أكثر”، “زاد استغرابي أكثر وأكثر”.
وما يؤكد هذا الغرض الصبياني الخبيث أنه ومنذ الفيديو الأول الذي أصدره حديثًا يضع عناوينًا لها يسهل تفسيرها بأنه كان مسيحيًا ثم أسلم أو كان مسلمًا متشككًا ثم لم يعد بعد متشككًا في إيمانه، ووصل الأمر إلى انتقاده هو نفسه من قِبل المشاهدين المسلمين أنفسهم، مشمئزين من هذا الأسلوب الصبياني الذي يعتمد فيه على كتابة عناوين خادعة لإيهام المشاهد بشيء غير حقيقي ليشاهد الفيديو ويتم تشكيكه، أو: هكذا كان يظن.
ولكي يكون هذا الرد مختصرًا قدر الإمكان مع التركيز الشديد فقط في النصوص التي طرحها وبيان تهافتها وتفاهتها، سيكون الرد الرئيسي في جدول نعرض فيه النص الذي استخدمه مع كتابة ما يراه في هذا النص من دليل لصالحه، وعلى الجانب المقابل سنكتب الرد بالنصوص الدالة مع شرحها وكيف أنها ترد على فكرته نفسها. لكن قبل الشروع في هذا، فنود معالجة أمر متكرر نجده عند قطاع عريض ممن يطرحون الشبهات ضد العقيدة المسيحية وربما لا يعرف هذا الأمر أيضًا -وللأسف- بعض المسيحيين.
يعتقد كثير من الأخوة طارحو الشبهات وبعض المسيحيين معهم، أن المسيحية في خضم ايمانها بلاهوت (ألوهية) المسيح، أنها بذلك تنفي ناسوته (بشريته) وأنه كان إنسانًا كاملًا تمامًا مثلنا، أو يعتقد الفاهم منهم أن المسيحية يخيفها بشرية المسيح وأنها تحاول بشتى الطرق إخفاء كون المسيح إنسانًا لأن هذا -وفق ما يعتقدون خطًأ- يطعن في لاهوته، فتجد هؤلاء الأخوة يأتون إلينا نحن المسيحيين ويعرضون علينا نصوص تثبت ناسوت المسيح، معتقدين أنهم بهذه النصوص ينفون لاهوته! وقس على ذلك مسألة كون المسيح هو نبي ورسول وابن انسانة وابن الإنسان وجاء في صورة عبد.
وما لا يعرفه هؤلاء، أن المسيحية إنما تركز الآن -في الشرق- على لاهوت المسيح لأن هذا هو المختلف عليه مع من الثقافات المجاورة لنا، وهي الثقافة الإسلامية بطوائفها وفروعها الفكرية، ولا يُعد هذا إنكارًا للجوانب الأخرى في شخصية المسيح. فلأن المتفق عليه بيننا وبينهم أنه كان إنسانا ورسولا ونبيا وجاء في شكل العبد، فما الحاجة إذن للجدال حوله؟ فالجدال يتحتم فقط في النقاط غير المتفق عليها بين مؤيد ومعارض.
فعندما يأتي إلينا بعض الأخوة المسلمين ومعهم نصوصًا تثبت ناسوت المسيح، يحضر إلينا شعورًا كمن أتى إليه شخصًا وقال له: أنت تقول إن هذا الرجل هو أبيك، لكن على العكس، هو مهندس!، فيتخالط هنا شعور الدهشة بالصدمة بالابتسامة بالشفقة على حال هذا الشخص! فما التعارض اذن بين كون هذا الرجل أبيه وكونه أيضًا في ذات الوقت مهندسًا؟ أتنفي الصفة الواحدة الأخرى؟ أولا تجتمع الصفتان؟ بلى، وهذا يسير جدًا شرحه. فكون المسيح إنسانًا ورسولًا ونبيًا، لا ينفي كونه أيضًا -في ذات الوقت- هو الإله!
فلفظ إنسان يدل على الحالة التي كان عليها عندما كان متجسدًا، فكان متأنسًا، أي متخذًا لجسد ونفس وروح حقيقية مثل أي إنسان آخر. وكونه رسولاً فلأنه بتجسده إنما يوصل لنا لرسالة الله الآب الذي أرسله ليتمم عمل الفداء والخلاص. وكونه نبيًا فلأنه تنبأ وأخبرنا بأُمورِ مستقبلية حدثت وتحدث وستحدث في المستقبل، فالنبي هو من يتنبأ، أي يخبر بأمور يدعي حدوثها مستقبلًا. وكونه جاء في شكل العبد، هذا لأن جاء في شكل ضعف بشريتنا، أي في شكل الإنسان العبد. فكل هذا لا مشكلة فيه لأي مسيحي ولا علاقة عكسية بينه وبين لاهوته.
والكنيسة دافعت ربما عن ناسوت المسيح ربما أكثر ما تدافع عن لاهوته، ففي القرون الأولى للمسيحية كانت تتواجد بعض فئات المهرطقين والمبتدعين الذي نفوا عن يسوع الناسوت كله، واعتبروه مرة روحًا تهيم بيننا، ومرة آيونا ..إلخ، ومن هذه الفئات فئة الغنوصية وغيرها من الفئات التابعة لها والمنشقة عنها والتي تتبنى نفس المفهوم، فكان على الكنيسة بداية من الرسل أنفسهم أن تدافع عن ناسوت المسيح وسط فئات تعترف بلاهوته فعلًا.
لذا، فعندما ينقل إلينا محمود داود، هذه النصوص معتقدًا أنها تثبت لنا نحن المسيحين أن المسيح هو إنسانًا ونبيًا ورسولًا وجاء في شكل العبد، فنقول له: تمخضتُ فولدت فأرًا! فهذا كله نعرفه ونُعلمه في كنائسنا ومنازلنا! وهذا إنما يدل -مع أنه يدعي العلم والمعرفة والخبرة الطويلة في المسيحيات- على جهل متجذر ومتأصل في معلوماته عن العقيدة المسيحية، فلا هكذا يُرَد على براهين وأدلة لاهوت المسيح الساطعة.
ولنبدأ بدءًا حسنا..
أولًا: ما قاله الناس عن يسوع
النصوص التي استخدمها محمود مع شرح فهمه لها
Joh 4:19 قالت له المرأة: «يا سيد أرى أنك نبي!
Joh 6:14 فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: «إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم!»
Joh 7:40 فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا: «هذا بالحقيقة هو النبي».
Joh 9:17 قالوا أيضا للأعمى: «ماذا تقول أنت عنه من حيث إنه فتح عينيك؟» فقال: «إنه نبي».
Mat 21:11 فقالت الجموع: «هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل».
Luk 7:16 فأخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين: «قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه».
فهم محمود داود:
يفهم محمود داود من هذه النصوص أن الأشخاص الذين عاصروا يسوع المسيح بأنفسهم وكانوا شهود عيان له، أعطوه صفة النبوة وليس أكثر، فهو إذن مجرد نبي كما يؤمن محمود داود، وهذا وفقًا لهذه النصوص. ونود أن نلفت الانتباه هنا إلى أنه لم يعلق بأي تعليق سلبي على هذه النصوص، فنجد أنه لم يقل مثلاً أن رأي هؤلاء غير ملزم للمسيحية فالكتاب المقدس لا يستشهد به بل يذكره فقط ولا يقام عليه عقيدة …إلخ، فقط اقتبسها ليؤكد أن المسيح نبي.
النصوص المقابلة وشرح كيف ترد على فهمه الخاطئ للنصوص التي استخدمها
قبل إيراد نصوص مقابلة لفكرة محمود داود، وبعد أن بينَّا أننا لا نرفض أن المسيح نبي، بل نرفض أنه نبيٌ فقط، أود هنا أن أناقش فكرة مبدأية، وهي: ما هو الاحتمال الأقرب للناس أن يؤمنوا به عندما يجدوا إنسانًا يفعل هذه المعجزات العجيبة؟ أي: عندما يرى الناس إنسانًا يفعل هذه المعجزات العجيبة جدًا، فما الذي سيتبادر لأذهانهم أولاً عن هذا الإنسان الذي يفعل هذه المعجزات؟ والإجابة المنطقية الطبيعية هي أنه نبي، لماذا؟ شعب إسرائيل جاء إليهم أنبياء هذا عددهم، وأقام هؤلاء الأنبياء معجزات امامهم، ومثالهم هو موسى الذي فعل امامهم المعجزات العجيبة منذ وجودهم في أرض مصر حتى موته، فعندما يأتي إليهم شخص يفعل هذه المعجزات فمن الطبيعي أن يتبادر لأذهانهم أنه نبي.
لأن الصورة النمطية عن الذي يفعل المعجزات عندهم هم الأنبياء، فلا يستطيعون أن يقولوا على المسيح أنه “ملاك” لأن الصورة النمطية للملائكة عندهم ليست أنها تأكل وتشرب وتمشي ويعرفون ابن من هو وأنه يمشي معهم في الشوارع وينام ويقوم، فهو إذن ليس بملاك، وبالطب ليس هو الله الذي لا يروه ولا يرى ولا يمكن لإنسان أن يشطح بفكره أولاً فيفترض في بادئ الأمر أنه الإله، فهو لم ير الإله مسبقًا مع علمه أن الإله هو الذي يفعل المعجزات، لكن لأنه يفعلها بأنبيائه فكان التصور الأول الأقرب لأذهانهم أنه نبي، وهذا يتضح جدا من سياق النصوص لأن هذا اللفظ اقترن بعمل المسيح للمعجزات، فكان ردا على هذه المعجزات ان اعتقدوا بهذا الوصف “نبي”.
لكن، وكما سنرى، عندما تكلم المسيح وأفصح عن نفسه، أدرك الجموع أنه ليس بمجرد نبي بل هو الله الذي يفعل المعجزات بالأنبياء، وهذا الذي ستوضحه النصوص التالية. فهل سيؤمن محمود داود بما قاله الجموع في هذه النصوص، دون أن يشغب عليها مثلما آمن بأن تلك النصوص التي اقتبسها تدل على كونه نبي؟
Joh 10:33 أجابه اليهود: «لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلها»
18-Joh 5:17 فأجابهم يسوع: «أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل». 18 فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضا إن الله أبوه معادلا نفسه بالله.
Mat 28:9 وفيما هما منطلقتان لتخبرا تلاميذه إذا يسوع لاقاهما وقال: «سلام لكما». فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له.
في هذه النصوص، نجد أن “رؤساء الكهنة” عندما سمعوا ما قاله المسيح عن نفسه، فشهدوا له أنه “يجعل نفسه إله”، وتعبير “تجعل نفسك” يدل على عدم إيمانهم به بل أنه يدعي هذا في كلامه، فإن كان محمود داود سيؤمن بأن المسيح هو نبي لأن بعض الناس قالت عنه كذلك (وهو كذلك فعلاً) فعليه أيضًا أن يكمل إيمانه بأن المسيح قد جعل نفسه إله، وأنه أيضًا عادل نفسه بالله. هكذا فعل في النصوص التي اختارها وعليه –إن كان صادقًا أمينًا مع نفسه أن يؤمن بنفس الإيمان الموجود في النصوص الأخرى، أم انه يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه الآخر؟ أما في النص الثالث، فإن المريمات قد سجدتا له، فهل يؤمن به أنه الله المتجسد ويسجد له كما آمنتا وسجدتا؟
ولا أرغب في الاطالة في هذه النقطة فالفكرة الرئيسية قد اتضحت. لكن، ما رأيكم أن نعرف رأي المسيح له المجد نفسه في الكلام الذي قاله الناس عنه؟
لنقرأ:
Mat 16:13-17 ولما جاء يسوع إلى نواحي قيصرية فيلبس سأل تلاميذه: «من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟» 14 فقالوا: «قوم يوحنا المعمدان وآخرون إيليا وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء». 15 قال لهم: «وأنتم من تقولون إني أنا؟» 16 فأجاب سمعان بطرس: «أنت هو المسيح ابن الله الحي». 17 فقال له يسوع: «طوبى لك يا سمعان بن يونا إن لحما ودما لم يعلن لك لكن أبي الذي في السماوات.
وهنا نسأل محمود داود أسئلة صريحة:
هل تؤمن بالمسيح أنه فقط نبي، أم تؤمن به بالإيمان الذي أعلنه الله الآب لبطرس والذي طوَّبه عليه المسيح وقال له “طوبى لك”؟
هل تؤمن بأن المسيح “إبن الله الحي” كما طوَّب المسيح بطرس موافقًا إياه فيما قاله؟
ثانيًا: ما قاله الرسل عن يسوع
النصوص التي استخدمها محمود مع شرح فهمه لها
Act 2:22 «أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضا تعلمون.
Luk 24:19 فقال لهما: «وما هي؟» فقالا: «المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنسانا نبيا مقتدرا في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب.
Heb 2:7-9 وضعته قليلا عن الملائكة. بمجد وكرامة كللته، وأقمته على أعمال يديك. 8 أخضعت كل شيء تحت قدميه». لأنه إذ أخضع الكل له لم يترك شيئا غير خاضع له – على أننا الآن لسنا نرى الكل بعد مخضعا له. 9 ولكن الذي وضع قليلا عن الملائكة، يسوع، نراه مكللا بالمجد والكرامة، من أجل ألم الموت، لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد.
فهم محمود داود:
يحاول هنا محمود داود أن يقول إنه ليس فقط الناس من آمنت أنه مجرد نبي، بل أن تلاميذه ورسله أنفسهم آمنوا بذات الإيمان أنه مجرد نبي، وأن هذه المعجزات ما هي إلا ما صنعه الله بيده، وليس للمسيح فضل فيها.
النصوص المقابلة وشرح كيف ترد على فهمه الخاطئ للنصوص التي استخدمها
لست أعلم بالضبط كيف ومن أين أبدأ، فلم أعتقد قبل اليوم أنه يمكن لعاقل قارئ للكتاب المقدس أن يستشهد ضد ألوهية المسيح من كلام تلاميذ المسيح ورسله! فهذا وحده إما يطعن في سلامة عقله أو في قراءته للكتاب المقدس أو في انحيازه الأعمى حتى يفعل مِثل هذا الفعل. فدعونا ننظم ردنا في نقاط محددة:
أولًا: ذكرنا سابقًا مشكلة من مشكلات الذين يطرحون هذا النوع من الشبهات، حيث أنهم يفترضون أن النص الأول طالما قال “رجل” إذن، فهو ليس “الله” وليس أي وصف آخر غير رجل! وبالإضافة إلى شرحنا السابق عن عدم معقولية هذا التفكير وأنه تفكير تتبرأ منه حتى السطحية، إلا أننا نضيف هنا أمرًا آخرًا وهو: هل يرضون أن نطبق مبدأهم هذا ونقول إن يسوع “رجل” وليس “نبي” أو “رسول”؟!
فالنص لم يذكر سوى إنه “رجل”، فهذا بيان آخر لمدى سخف تفكيرهم بهذه الطريقة التي لا يردون التخلص منها لنرتقي في الحوار ولو قليلًا معهم، ففي كل مرة نحاورهم فيها نجد أنفسها في اضطرار أن نبدأ معهم بتعليمهم بدائيات البدائيات حتى يكون لكلامهم قيمة والتي بها نستطيع أن نناقشهم بحق، وهذا يتطلب جهد كبير.
ثانيًا: لم ينزل الكتاب المقدس منجمًا (أي مُقطعًا)، فالكتاب المقدس مكتوب بالأسلوب السردي، فلا يمكن أن تقتطع نص ثم تجري به مقتنعًا أنه وحده يمثل كل الحقيقة، فمع أننا نؤمن أن يسوع المسيح رجل (أي إنسان) وأنه نبيًا ورسولاً إلا أننا لا نؤمن أنه فقط هذه الأوصاف، بل هذه الأوصاف وأوصاف أخرى مذكورة في نصوص أخرى، ولأعطي مثال على مدى سوء الاقتطاع من النصوص، فسأقتبس نص من ذات السياق، وهو كلام القديس بطرس بعد حلول الروح القدس، فمحمود داود قد اقتبس النص 22، وسأقتبس أنا النصوص: 25-28:
Act 2:25 لأن داود يقول فيه: كنت أرى الرب أمامي في كل حين أنه عن يميني لكي لا أتزعزع. 26 لذلك سر قلبي وتهلل لساني. حتى جسدي أيضا سيسكن على رجاء. 27 لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فسادا. 28 عرفتني سبل الحياة وستملأني سرورا مع وجهك.
هنا نجد القديس بطرس، هو نفسه بشحمه وبلحمه الذي قال أن يسوع “رجل” قال أيضًا أن داود قال هذا الكلام في المسيح، ووصفه هنا بأنه “الرب”، فهذا النص فيه دليلين حرفيين صريحين على أن بطرس بنفسه يؤمن بألوهية المسيح المطلقة، فالدليل الأول الذي يمكن أن يلاحظه أي شخص تقريبًا هو أن بطرس الرسول ينسب للمسيح وجودًا سابقًا على ميلاده بالجسد، فهو يقول أن داود قد قال هذا الكلام “فيه” أي في المسيح، فهذا يعني أن المسيح موجود قبل أن يوجد داود، وقبل أن يوجد إبراهيم[2].
أما الدليل الثاني فهو دليل لغوي، فكلمة “الرب” الموجودة في (أعمال الرسل 2: 25) هي في أصلها العبري هي “يهوه יהוה” وهو الاسم الخاص بالإله في العهد القديم، حيث جاء النص في سفر المزامير 16: 8-11:
فهاتين الدلالتين، أي دلالة الوجود قبل الميلاد الجسدي للمسيح ودلالة الاسم تدلان بشكل حرفي صريح على استقرار عقيدة لاهوت المسيح في عقل بطرس، فهو لا يحتاج أن يشرح لهم كيف أن يسوع هو يهوه، بل يقولها في معرض كلامه عرضًا وهذا لا يحدث إلا إن كان المتكلم مستقر عنده هذه العقيدة جدا، تماما كما يتكلم أي إنسان بلهجته الأم، فهو لا يفكر كثيرا في مخارج الحروف ولا النطق، بل يتكلم فقط. وعلى كلٍ، فها هو بطرس الذي قال عن المسيح أنه “رجل” يقول إن داود خاطبه بـ”يهوه”، وهذا يدل مرة أخرى على ما أوردناه سابقًا من أن هؤلاء الذين يريدون نقد لاهوت المسيح عبر ناسوته مخطئون جدًا ولا يعرفون أبجديات العقيدة المسيحية حتى.
ليس هذا فحسب، فطالما أن محمود داود يحب القديس بطرس ويقتبس من كلامه، فهذه ليست المرة الوحيدة التي تكلم فيها القديس بطرس، فقد تكلم أيضًا في الأصحاح الثالث عن المسيح أيضًا وقال:
Act 3:14 ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار وطلبتم أن يوهب لكم رجل قاتل.
Act 3:15 ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات ونحن شهود لذلك.
فهنا نجد القديس بطرس قد أطلق على المسيح ثلاثة ألقاب، وهي أنه القدوس والبار ورئيس الحياة، فهل يرضى محمود داود بكلام القديس بطرس في الحالتين؟ أم أنه يريد كلامه في الأصحاح الثاني ويرفض كلامه في الأصحاح الثالث؟ أليس هو نفسه بطرس الذي قال عن المسيح أنه “رجل” قال عنه هو أيضًا أنه “رئيس الحياة”؟ فليؤمن محمود أن المسيح رجل، وأنه أيضًا رئيس الحياة.
ثالثًا: اقتبس محمود داود نص من انجيل القديس لوقا، وبالطبع يقصد به أن يسوع هو إنسانًا نبيًا، وهو ما يؤمن به محمود، وكالعادة يعتقد أنه طالما أثبت أن المسيح هو إنسان ونبي، فهو ليس إلا إنسان ونبي، وقد رددنا على هذا الفكر الطفولي. أما هنا فسنقتبس من ذات الكاتب، لوقا الرسول، ما كتبه في نفس السفر، أي إنجيل لوقا أيضًا، فنجد أن الملاك عندما بشر زكريا بميلاد يوحنا، قال له أنه يوحنا سيتقدم أمام الرب:
Luk 1:16 ويرد كثيرين من بني إسرائيل إلى الربإلههم.
Luk 1:17 ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء والعصاة إلى فكر الأبرار لكي يهيئ للرب شعبا مستعدا». وعندما وُلِد يوحنا، قال له أبوه زكريا نفس هذا الكلام:
Luk 1:76 وأنت أيها الصبي نبي العلي تدعى لأنك تتقدم أمام وجه الرب لتعد طرقه.
Luk 1:77 لتعطي شعبه معرفة الخلاص بمغفرة خطاياهم
وهنا، إن سألنا محمود داود عن كلمة “الرب” هنا فسيخبرنا أنها كلمة عادية تطلق على البشر العاديين وعلى الإله نفسه، فهي ليست محصورة للإله وحده فلا يمكن الاستشهاد بها لبيان الألوهية. وعلى الرغم من أن النص الأول نفسه يقول “الرب إلههم” فنحن سنضع دليل نصي آخر أن المقصود بكلمة “الرب” هنا هو يهوه نفسه، فنقرأ في الأصحاح الثالث:
Luk 3:2 في أيام رئيس الكهنة حنان وقيافا كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية
Luk 3:3 فجاء إلى جميع الكورة المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا
Luk 3:4 كما هو مكتوب في سفر إشعياء النبي: «صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة.
وإذا رجعنا للنص العبري لسفر أشعياء 40: 3 – 5 فسنجد أن كلمة الرب هي יְהוָ֑ה:
فنجد هنا أن القديس لوقا الذي نقل كلام تلميذي عمواس، قال أيضًا أن المسيح هو “يهوه” إله إسرائيل.
رابعًا: قفز محمود داود إلى رسالة العبرانيين الأصحاح الثاني مباشرة، وأعطانا النص الذي اقتبسه، ورغم أن هذا النص لا مشكلة فيه لأي مسيحي إلا أن محمود قد أراد استخدامه ليقول إن ها هو المسيح ليس هو الله فقط، بل أنه أقل من مخلوقات الله، الملائكة، فكيف تدعون أيها المسيحيون أنه الإله؟ ها كتابكم يشهد عليكم ويقول إنه حتى أقل من الملائكة.
هذا ما أراده محمود وهذا ما لن يمر، فنحن نعرف أن المسيح عندما كان في تجسده كان أقل من الملائكة لأنه لبس جسدًا، والجسد له قيود كثيرة مثل الجوع والعطش والتعب والحزن، بينما الملائكة في طبيعتها لا تجوع ولا تعطش ولا تتعب ولا تحزن لأنها أرواح فقط، فالنص الكتابي هنا يقول إنه بتجسد المسيح قد وضع طبيعته اللاهوتية الفائدة في اتحاد مع طبيعة الإنسان الضعيفة جدا، فصار هو بهذه الطبيعة الإنسانية أقل من الملائكة.
هذا عن فِهم معنى النص، لكن السؤال هنا، لماذا قفز محمود داود إلى الأصحاح الثاني مباشرة؟ فمع أن النص كله جاء في سياق واحد لا يُفهم إلا بقراءة كامل النص، إلا أن محمود أراد اقتطاع النص من سياقه ليثبت به فكره عن المسيح، وليته حتى أثبت! لنستعرض النصوص:
Heb 1:1-14 الله، بعد ما كلم الآباء بالأنبياء قديما، بأنواع وطرق كثيرة، 2 كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه – الذي جعله وارثا لكل شيء، الذي به أيضا عمل العالمين. 3 الذي، وهو بهاء مجده، ورسم جوهره، وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته، بعد ما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا، جلس في يمين العظمة في الأعالي، 4 صائرا أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسما أفضل منهم. 5 لأنه لمن من الملائكة قال قط: «أنت ابني أنا اليوم ولدتك»؟ وأيضا: «أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا»؟ 6 وأيضا متى أدخل البكر إلى العالم يقول: «ولتسجد له كل ملائكة الله». 7 وعن الملائكة يقول: «الصانع ملائكته رياحا وخدامه لهيب نار». 8 وأما عن الابن: «كرسيك يا ألله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. 9 أحببت البر وأبغضت الإثم. من أجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الابتهاج أكثر من شركائك». 10 و«أنت يا رب في البدء أسست الأرض، والسماوات هي عمل يديك. 11 هي تبيد ولكن أنت تبقى، وكلها كثوب تبلى، 12 وكرداء تطويها فتتغير. ولكن أنت أنت، وسنوك لن تفنى». 13 ثم لمن من الملائكة قال قط: «اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك؟» 14 أليس جميعهم أرواحا خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص!
في هذا النص نجد أكثر من وصف للمسيح، نكتفي منها بأن بالابن خلق العالمين، وأن الابن هو بهاء مجد الله الآب ورسم جوهره وهو أعظم من الملائكة وجميعها تسجد له، وأنه هو الله. فالنص يقول صراحة أن الابن أعظم من الملائكة، وأن كل الملائكة تسجد له، ويقول حرفيًا أن الابن هو الله، لكن لأن محمود يعرف كل هذا فأراد أن يبدأ اقتباسه من النص من الأصحاح الثاني.
وحيث أن محمود أراد أن يأتي بأقوال رسل المسيح عنه، فنحن نحب ان نساعده أكثر وأكثر فنعطيه مجموعة قليلة جدًا من أقوالهم عنه أمام عينيه:
إنجيل يوحنا 1: 1، 3، 18
Joh 1:1 في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله.
Joh 1:3 كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان.
Joh 1:18 الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر.
نبدأ باللاهوتي، يوحنا الحبيب، التلميذ الذي كان يسوع يحبه، فماذا وصف به الرب يسوع؟ قال عنه أنه كان “في البدء” أي في “الأزل” فالكلمة هنا تعني هذا المعنى، ووصفه بأنه هو الله، ثم وصفه بأن كل شيء به قد خُلق، فهو خالق كل شيء فالآب يخلق بالابن في الروح القدس كل شيء، حتى أن القديس يوحنا يقول “وبغيره لم يكن شيء”، فبغير أقنوم الإبن، الكلمة، لم يكن ليكون شيء مما كان، لكن بالطبع محمود داود لا يؤمن بهذا، فقط هو يؤمن أن المسيح هو أحد مخلوقات الله التي لم تكن لها وجود حقيقي قبل ميلاده العذري من المطوَّبة مريم العذراء القديسة، لكنه مادام ارتضى الاحتكام للكتاب المقدس عبر من كتبوه واستشهد بكلامهم في موضع، فانه قبل على نفسه المبدأ، وها هو المبدأ يرد عليه بأن المسيح هو الله وهو الخالق والذي بغيره لم يكن شيء من كل هذه الأشياء، فبحسب هذا النص، فإن محمود داود نفسه هو أحد مخلوقات المسيح، فليشكر المسيح إذن.
يختتم اللاهوتي القديس يوحنا مقدمته لإنجيله بهذا النص رقم 18، فبعدما افتتحه بشهادة حرفية صريحة عن لاهوت الابن واصفا إياه بانه “الله” اختتم أيضا هذه المقدمة بإعادة الوصف مرة أخرى أنه “الله” لكن أين؟ النص يقول “الابن الوحيد” لكن في أقدم وأفضل وأصح المخطوطات والترجمات القديمة واقتباسات الآباء القدماء من العهد الجديد لهذا النص، يقول النص: μονογενὴς θεὸς أي “الإله الوحيد”. فالقديس يوحنا مثلما بدأ بقوله “وكان الكلمة الله” أنهى بقول أيضًا “الإله الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر”. فهذه هي شهادة يوحنا اللاهوتي عن المسيح، فهل يؤمن بها محمود؟!
يوحنا 20: 28:
Joh 20:28 أجاب توما: «ربي وإلهي».
ومع توما المؤمن، الذي بمجرد أن رأى المسيح، قال له “ربي وإلهي”، ونلاحظ هنا أن توما كيهودي، لم يكن سهلا عليه أن يؤمن بأن المسيح هو الرب والإله إن لم يكن فعلا يعرف هذا ويؤمن من صميم قلبه وعقله بهذا، والمسيح قد صادق على كلامه وقال له “أنك رأيتني يا توما آمنت! طوبى للذين آمنوا ولم يروا” فالمسيح قد وصف كلام توما هذا بأنه “إيمان”، بل وأوضح له أنه طوبى لمن يؤمن بإيمان توما (ربي وإلهي) بدون ان يرى، فهل لابد لمحمود داود ان يرى لكي يؤمن؟!
متى 13: 34:
Mat 13:34 هذا كله كلم به يسوع الجموع بأمثال وبدون مثل لم يكن يكلمهم 35 لكي يتم ما قيل بالنبي: «سأفتح بأمثال فمي وأنطق بمكتومات منذ تأسيس العالم».
نجد هنا التلميذ الآخر، متَّى، يخبر عن إيمانه بالمسيح، أهو مجرد انسان أو مجرد نبي أو رسول؟ كلا، إنه هو يهوه إله بني إسرائيل، وهو بذلك يعلن ليس فقط عن وجوده الأزلي بل عن ألوهيته بنصٍ صريح. كيف؟ لقد إقتبس القديس متى من العهد القديم، من سفر المزامير 78: 2:
Psa 78:2 أفتح بمثل فمي. أذيع ألغازا منذ القدم.
فمتى الرسول هنا يقتبس ما قاله يهوه عن نفسه وينسبه للمسيح، فالمسيح كان يكلمهم بالأمثال وبغير مثل كان لا يكلمهم وهذا تصديقًا لكلامه سابقًا (بإعتباره يهوه) الذي قال فيه: أفتح فمي بمثل، أذيع ألغازًا منذ القدم. فها هو إيمان متى الرسول أيضًا، فهل يؤمن محمود داود؟!
سفر أعمال الرسل 10: 36 ؛ 20: 28:
Act 10:36 الكلمة التي أرسلها إلى بني إسرائيل يبشر بالسلام بيسوع المسيح. هذا هو رب الكل.
فهنا يتكلم الرسول بطرس (بعدما نقلنا شهادات كل من متى ويوحنا)، عن المسيح يسوع، ويسميه بـ”رب الكل”، ولا أجد تعليق بعد كلام القديس بطرس الواضح.
Act 20:28 احترزوا اذا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه.
وهنا نجد الرسول بولس، يحث الأساقفة أن يرعوا الرعية وأن يحترزوا لأنفسهم، فإن الروح القدس قد أقامهم في كنيسة الله التي إقتناها بدمه، فهل لله دم؟! بالتأكيد نعم لان المقصود هو “دم المسيح الذي سفكه على عود الصلييب” فإننا قد أشترانا المسيح له المجد بثمن (1كو 6: 20). فهنا نجد أن القديس بولس يدعو المسيح صراحة بأنه “الله” فهل يؤمن محمود أم أن ليس للعناد والكِبر حدود؟
رسالة رومية 10: 12-13:
Rom 10:12 لأنه لا فرق بين اليهودي واليوناني لأن ربا واحدا للجميع غنيا لجميع الذين يدعون به. 13 لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص.
ربما يقرأ الكثير هذا النص غير مبالين بما يحويه، فالنص يحمل دليلًا صريحًا لألوهية المسيح، وأنه هو يهوه، كيف؟ فبعد أن صرح بولس الرسول بأنه لا فرق بين يهودي ويوناني لأن لهم ربا واحدًا، سيفهم المسيحي أن الرب المقصود هنا هو الله إلههم، وهذا صحيح، لكن سيرفض غير المسيحي هذا الفهم إن قال له المسيحي أن الرب المقصود هنا، والذي هو إله الجميع، هو المسيح، لان غير المسيحي لا يريد أن يكون المسيح هو الله، فإما أن يرفض غير المسيحي أن المقصود بكلمة الرب هنا هو المسيح، وهذا يناقضه حرفيًا السياق، لأن بولس الرسول قال قبلها [لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع] فلقب الرب هنا خصصه بولس الرسول للمسيح حصرًا، أو أنه سيقول أن الرب هنا المقصود بها المسيح، لكن هذه الربوبية لا تعطي دلالة الألوهية، فالمسيح لم ينفرد بهذا اللقب وحده، بل وُصِفَ به كثير من البشر (هكذا يقولون!)، وهنا سيكون الرد عليهم من النص التالي مباشرة، أي النص رقم 13، فهذا النص كما لا يظهر منه بحسب ترجمة فانديك أعلاه، هو اقتباس من العهد القديم من سفر يوئيل النبي 2: 32 [ويكون ان كل من يدعو باسم الرب ينجو. لأنه في جبل صهيون وفي اورشليم تكون نجاة. كما قال الرب. وبين الباقين من يدعوه الرب] وجاء هذا النص في أصله العبري:
فالنص المقتبس هنا يوضح أن القديس بولس لا يقصد هنا “أي رب” كما يقول غير المسيحيين، بل يقصد الرب الذي هو يهوه إله العهد القديم وإله إسرائيل. فهذا هو إيمان بولس الرسول، فهل يؤمن محمود؟!
رسالة يهوذا 5:
Jud 1:5 فأريد أن أذكركم، ولو علمتم هذا مرة، أن الرب بعدما خلص الشعب من أرض مصر، أهلك أيضا الذين لم يؤمنوا.
ونضيف للرسل السابقين، رسولًا آخرًا، وهو يهوذا أخا يعقوب، فبمجرد قراءة هذا النص لن يلحظ المسيحي دليلاً لألوهية المسيح، وإن سألنا غير المسيحي وقلنا له، من المقصود بكلمة “الرب” الذي يقول عنه النص أنه خلص شعب بني إسرائيل قديما من أرض مصر؟ سيقول سريعًا بغير تردد، أنه يهوه إله العهد القديم، فنسأله: وكيف عرفت أنه يهوه؟ سيقول لنا أنه هو الذي تذكره نصوص العهد القديم الخاصة بقصة خروج شعب بني إسرائيل من مصر، فنقول له بالصواب أجبت، وهنا نقدم لك المفاجئة، وهي أن كلمة “الرب” هنا في أقدم وأصح وأفضل المخطوطات والترجمات وأقوال الآباء هي “يسوع”! نعم، فالنص في أصله يقول إن يسوع هو من أخرج الشعب من أرض مصر! نعم، النصوص في العهد القديم تقول إن يهوه هو من فعل هذا، والنصوص في العهد الجديد تقول إن يسوع هو نفسه يهوه إله العهد القديم -باعتباره أقنوم الابن- وهو الذي خلص الشعب من أرض مصر، كما رأينا في الآيات السابقة للآباء الرسل، وكما سنرى أيضًا في النصوص التالية. فمرة أخرى، هذا هو كلام رسل المسيح، فهل يؤمن بها حقًا؟ أم أنها كان خطأ و”طيش” عندما أراد اقتباس قول القديس بطرس أن المسيح هو “رجل”!؟
كورنثوس الأولى 10: 4، 9:
1Co 10:4 وجميعهم شربوا شرابا واحدا روحيا – لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح.
مثل النص السابق تمامًا، وتأكيدًا أن المسيح هو يهوه إله العهد القديم، وأن من ذكرناهم لم يكونوا شذوذا عن القاعدة، بل أنهم هم القاعدة التي تؤكد أن يسوع هو إله العهد القديم باعتباره الابن، فهنا أيضًا نجد أن بولس الرسول يحكي لنا عن حدث من أحداث الخروج وتيه الشعب العبراني في الصحراء وحاجتهم للماء، ويقول إن الماء الروحي الذي كانوا يشربوه، شربوه لأن الصخرة الروحية التي هي في حقيقة الأمر “المسيح” الذي كان يتابعهم في سيرهم. فيهوه إله العهد القديم المذكور طولا وعرضًا في هذه القصة، كان المسيح كما قال الرسل أجمعين الذين ذكرنا كلامهم.
1Co 10:9 ولا نجرب المسيح كما جرب أيضا أناس منهم فأهلكتهم الحيات.
يكمل الرسول بولس كلامه، ليؤكد مفهومه أن المسيح هو يهوه، فيشير إلى تجربة شعب العبرانيين ليهوه الذين جربوه طوال فترة خروجهم من مصر وبعدها، ويوصي أهل كورنثوس ألا يجربوا المسيح كما جربه شعب العبرانيين قديما فأهلكتهم الحيات. فنجد القصة في سفر العدد والأصحاح الحادي والعشرين:
Num 21:5-6 وتكلم الشعب على الله وعلى موسى قائلين: «لماذا أصعدتمانا من مصر لنموت في البرية! لأنه لا خبز ولا ماء وقد كرهت أنفسنا الطعام السخيف». 6 فأرسل الرب على الشعب الحيات المحرقة فلدغت الشعب فمات قوم كثيرون من إسرائيل.
فالنص يذكر حرفيًا، اسمي يهوه وألوهيم. فهل يؤمن محمود داود أم أن للتشغيب رأي آخر عنده؟
العبرانيين 1: 10- 12؛ 11: 24-26؛ 13: 8؛ 13: 21:
Heb 1:10 و«أنت يا رب في البدء أسست الأرض، والسماوات هي عمل يديك. 11 هي تبيد ولكن أنت تبقى، وكلها كثوب تبلى، 12 وكرداء تطويها فتتغير. ولكن أنت أنت، وسنوك لن تفنى».
عندما أراد القديس بولس مقارنة من هو المسيح بالنسبة للملائكة، وبعد ان عرض النصوص التي عرضناها سابقًا، ذكر هذا القول، وكثير لا ينتبه له كما يجب، فهذا القول ما هو إلا إقتباس من العهد القديم، من مزمور 102: 25 – 27. حيث يقول النص العربي:
Psa 102:25 من قدم أسست الأرض والسماوات هي عمل يديك. 26 هي تبيد وأنت تبقى وكلها كثوب تبلى كرداء تغيرهن فتتغير. 27 وأنت هو وسنوك لن تنتهي.
نعم، فالقديس بولس الرسول ينسب للمسيح ما قيل أصلاً في حق يهوه إله العهد القديم، ولما لا، إن كان يسوع المسيح هو يهوه إله العهد القديم باعتبار المسيح هو أقنوم الابن. فالنص في العهد القديم ينسب الديمومة إلى الأبد، وعدم التغير للرب يهوه، والنص في العهد الجديد ينسبه للمسيح، وليس هذا النص وحده من كشف هذا الإعلان عن المسيح، بل هناك آخر في نفس الرسالة 13: 8 [يسوع المسيح هو هو امسا واليوم والى الابد]، فهذا التعليم هو تعليم أصيل وأساسي في لاهوت العهد الجديد كله.
Heb 11:24 بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون، 25 مفضلا بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية، 26 حاسبا عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر، لأنه كان ينظر إلى المجازاة.
هنا نجد أيضًا صدى للعقيدة الراسخة المترسخة في أذهان وقلوب كل الرسل، ألا وهي أن يسوع لم يبدأ في الوجود منذ ولادته من العذراء مريم، بل ناسوته فقط، إنما لاهوته، كابن، فهو قائم بلا بداية ولا نهاية. فنجد هنا أن بولس الرسول ينسب لموسى النبي أنه لما كبر شاء أن يذل مع شعب يهوه على أن يتنعم في قصر فرعون، وفضَّلَ عار المسيح على غنى خزائن مصر، فهل كان المسيح موجودا لكي يُفَضل موسى عاره على كنوز وخزائن مصر؟ نعم، إنه سرمدي بلا بداية وبلا نهاية، لأنه هو يهوه الذي فضل موسى ان يذل مع شعبه حتى أخرجه من مصر.
كولوسي 2: 9:
Col 2:9 فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا.
ونبدأ بسؤال صريح: إن كان “كل ملء اللاهوت” في المسيح، فكيف لا يكون هو الله؟! وإن كان كل الملء فيه، فمن يكون له أي لاهوت آخر؟!
كولوسي 1: 16-19:
Col 1:16 فإنه فيه خلق الكل: ما في السماوات وما على الأرض، ما يرى وما لا يرى، سواء كان عروشا ام سيادات ام رياسات ام سلاطين. الكل به وله قد خلق. 17 الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل 18 وهو رأس الجسد: الكنيسة. الذي هو البداءة، بكر من الأموات، لكي يكون هو متقدما في كل شيء. 19 لأنه فيه سر ان يحل كل الملء،
هنا نجد شرحًا لما سبق، فإن كل المخلوقات، مخلوقة بالمسيح وفي المسيح وللمسيح، إذ أن المسيح هو الله الذي هو قبل كل شيء. إذن فهو ليس مثل أي شيء، لأنه خالق كل شيء وبغيره لم يكن شيئًا مما كان، ولما لا وهو فيه كل ملء اللاهوت؟
فيلبي 2: 6 -11:
Php 2:6 الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله. 7 لكنه أخلى نفسه، آخذا صورة عبد، صائرا في شبه الناس. 8 وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. 9 لذلك رفعه الله أيضا، وأعطاه اسما فوق كل اسم 10 لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، 11 ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب.
لكن هذا الذي يقول عنه محمود داود انه مجرد إنسان ونبي ورسول، ليس هو كذلك، بل أنه معادلا لله الآب، فهذه هي طبيعته الأساسية والثابتة من الأبد وإلى الأزل، إنه الله. لكنه أخلى نفسه من كل مجد الألوهية وإرتضى بإرادته وحده أن يلبس جسد بشريتنا وضعفنا لكي يقوينا فيه ويفدينا. لك يعترف كل إنسان، ومنهم محمود، ان يسوع هو رب لمجد الله الآب، فلماذا لا يعترف محمود بهذا رغم انه يعرف هذه النصوص؟
رؤيا 1: 7
Rev 1:7 هوذا يأتي مع السحاب، وستنظره كل عين، والذين طعنوه، وينوح عليه جميع قبائل الأرض. نعم آمين.
ونختتم هذا النوع من النصوص بالنص الوارد في سفر الرؤيا 1: 7، فهذا النص هو في حقيقته تطبيقًا لنبوة من سفر زكريا 12: 10 عن المسيح:
Zec 12:10 وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون إليّ الذي طعنوهوينوحون عليه كنائح على وحيد له ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره.
والكلام في سفر زكريا قائله هو يهوه إله إسرائيل، لكن هنا يقتبسه القديس يوحنا اللاهوتي عن المسيح نفسه، موضحًا بهذا أن المسيح في لاهوته هو يهوه.
ثالثًا: ما قاله المسيح عن نفسه
Joh 8:40 ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله. هذا لم يعمله إبراهيم.
Mat 13:57 فكانوا يعثرون به. وأما يسوع فقال لهم: «ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته».
Luk 13:33 بل ينبغي أن أسير اليوم وغدا وما يليه لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجا عن أورشليم.
Joh 5:30 أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا. كما أسمع أدين ودينونتي عادلة لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني.
Joh 12:49 لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية: ماذا أقول وبماذا أتكلم. 50 وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية. فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم».
Joh 7:16 أجابهم يسوع: «تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني.
Joh 17:1 تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال: «أيها الآب قد أتت الساعة. مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضا 2 إذ أعطيته سلطانا على كل جسد ليعطي حياة أبدية لكل من أعطيته. 3 وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته.
كما جرت العادة، يركز هنا محمود داود على أن المسيح إنسان، نبي، لا يقدر أن يفعل من نفسه شيء، فهو ضعيف، يشهد بنفسه أن الآب فقط هو الإله الحقيقي وحده وليس المسيح، وأن أقوال ومعجزات المسيح ليست بقوته الشخصية بل بقوة الآب. وكما أوضحنا سابقًا فأن كون المسيح إنسانًا رسولاً نبيًا لا يضيره في شيء، بل أن الكنيسة تدافع عن كل هذه الألقاب بنفس دفاعها عن الألقاب الأخرى مثل لقب “إبن الله” ولقب “الله. لذا فالنصوص الثلاثة الأولى هي من صميم إيمان الكنيسة، وعليه، فهي لا تحتاج إلى رد لأنها عقيدتنا فعلًا في المسيح.
أما عن النصوص الأخرى فنتناولها بالترتيب:
Luk 13:33 بل ينبغي أن أسير اليوم وغدا وما يليه لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجا عن أورشليم.
Joh 5:30 أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا. كما أسمع أدين ودينونتي عادلة لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني.
Joh 12:49 لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية: ماذا أقول وبماذا أتكلم. 50 وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية. فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم».
Joh 7:16 أجابهم يسوع: «تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني.
يوجد هنا طريقتين متناقضتين لفهم النص، الأولى تعني أن المسيح ضعيف، لا يمكنه القيام بشيء، وأن كل هذا الذي يفعله إنما هو بقوة الآب وأنه مجرد أداة في يدي الآب يفعل بها ما يشاء، وهذه الطريقة هي التي يفهم منها محمود داود وآخرون النص، وهي الطريقة الخاطئة كما سنبين هذا بالأدلة النصية الصريحة. الطريقة الأخرى، وهي الطريقة الصحيحة، أن المسيح هنا يريد أن يقول لنا أنه غير منفصل عن الآب، فلا يوجد فعل من أفعاله يفعله بمعزل عن الآب، وذلك لأنه ليس بمعزل عن الآب، بل في وحدة جوهرية معه دائمًا وأبدًا. فإن كان المسيح في وحدة جوهرية مع الآب، فكيف يفعل “من نفسه” شيء؟ لا يوجد هنا “نفسه” ولا “نفس الآب” لأن الأقانيم الثلاثة متحدة، فكل الأفعال لا تكون من أقنوم واحد بانفصال عن إرادة الأقانيم الأخرى، بل أن كل فعل هو فعل جوهري يخرج من الثالوث القدوس.
بما أن محمود داود وغيره، يعبدون النص ويتشدقون به، فنلزمهم بما ألزموا أنفسهم به، ألا وهو النص الصريح وما يقوله بعيدا عن المعنى اللاهوتي للنص، وهذا فقط لنريهم كيف أن النصوص ترد على أفكارهم الخاطئة:
Joh 5:19 فقال يسوع لهم: «الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئا إلا ما ينظر الآب يعمل. لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك.
الملاحظ هنا أمران، الأول أن هذا النص هو في نفس ذات الأصحاح الذي إقتبس منه محمود داود النص الذي استشهد به، فهذا النص هو 19 والذي اقتبسه محمود هو 30، وهذا يوضح بجلاء كيف أن هؤلاء لا يقرأون بل يقصون من هنا كلمة ومن هناك نص ثم يطيرون إلينا ويقولون: ها كتابكم يقول! بل أنتم الذين تقولون.
أما الأمر الثاني وهو تطابق كلام المسيح في الجزء الأول من النص، ففي هذا النص يقول [لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئا إلا ما ينظر الآب يعمل] وفي النص رقم 30 الذي اقتبسه محمود يقول [أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا. كما أسمع أدين ودينونتي عادلة]، وهنا يمكن أن يفهم محمود هذا الكلام كما فهمه هو فعلا، لكن الرب يسوع المسيح لم يترك له حرية الفهم الخاطئ هنا، فقد أكمل على النص 19 وقال ما يناقض فكر محمود داود، حيث قال [لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك]، إذن، فالإبن يستطيع ويقدر أن يفعل أن عمل يقوم به الآب، وهذا من كلام المسيح نفسه حرفيًا. لاحظوا ان هذا الكلام مناقض تمامًا لفهم محمود من أن المسيح ضعيف ولا يقدر أن يفعل شيء، بينما قام المسيح بتصحيح هذا الفهم عبر ربط العبارتين بعضهما ببعض، فقال في شطرها الأول “لا أقدر من نفسي” ثم أضاف “لأن مهما عمل الآب هكذا أفعل أنا أيضًا”.
والآن نسأل محمود سؤالا صريحا بناء على تصريح المسيح هذا، إن كان المسيح مجرد إنسان ضعيف ونبي ورسول فقط، فكيف يكافئ قدرته بقدرة الله ويقول إن مهما يفعل الله فانا أستطيع فعله!؟ هل قالها نبي أو رسول سابقًا؟ هذا يعني أن الإبن قدير، فهل تعبد القدير؟
Joh 17:1 تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال: «أيها الآب قد أتت الساعة. مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضا 2 إذ أعطيته سلطانا على كل جسد ليعطي حياة أبدية لكل من أعطيته. 3 وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته.
مِثل النص السابق، يمكن فهم هذا النص بطريقتين متناقضتين، أحدهما الطريقة الخاطئة التي فَهم منها محمود هذا الكلام، وتعني أن المسيح ينفي عن نفسه الألوهية وينسبها للآب فقط. أما الطريقة الصحيحة هي فهم النص في سياقه، فالمسيح هنا يوَحِّد بينه وبين الآب (كما فعل كثيرا) ويقول إنه طالما نحن واحد، أي الآب والابن والروح القدس، فلا أحد غير هذا الجوهر هو الإله الحقيقي.
ولأن محمود وغيره يتشدقون بالنصوص، فنرد عليه من أكثر من وجه:
الوجه الأول: النصوص
أثبتنا كثيرًا أن رسل المسيح كانوا يعتبرونه يهوه، إله العهد القديم أي إله إسرائيل، فكيف يستقيم ان ينقلوا عن المسيح هذا النص بهذا المفهوم الذي فهمه محمود داود؟ أما كان من الأجدر أن يُخفوه؟ أو ألا يصرحوا بالنصوص الأخرى التي أتينا ببعض منها ولدينا الكثير؟ حسنا، من الذي نقل إلينا هذا النص؟ إنه يوحنا الحبيب (الذي أتينا بفكره سابقًا في شهادات الآباء الرسل عن المسيح). حسنا، دعونا نترك ليوحنا الحبيب هو نفسه تفسير هذا النص الذي نقله بنفسه، فهو الأجدر، إذًا، بإفهامنا ما كان يقصده المسيح.
1Jn 5:20 ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق. ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية.
ها هو القديس يوحنا مرة أخرى يؤكد كلامه، فبعد أن أكد ألوهية المسيح الصريحة في يوحنا 1: 1 (وكان الكلمة الله) ويوحنا 1: 3 (كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان) ويوحنا 1: 18 (الإله الوحيد الذي هو في حضن الآب)، هنا أيضًا يؤكد كلامه مرة أخرى، وهذا متوافق مع السياق في هذا الأصحاح، ومع السياق العام لأسلوب كتابة القديس يوحنا، فهو قد ابتدأ مقدمة إنجيله بهذه الشهادة الحرفية، وأنهى مقدمة إنجيله بهذه الشهادة الحرفية، وها هو ينهي رسالته الأولى بهذا الأسلوب عينه، أي بالرجوع إلى التصريح الحرفي لألوهية المسيح.
فها هو القديس يوحنا الذي ذكر النص الذي استخدمه محمود داود يعود ويفسره، فكيف يذكر يوحنا ان المسيح يقول للآب وحده أنه هو “الإله الحقيقي وحده”، حسبما يفهم محمود، ثم يعود فيذكر أن المسيح هو “الإله الحقيقي وحده” بل ويذكر أيضًا أنه الحياة الأبدية؟
الوجه الثاني: اللاهوت
لقد أخبر الرب يسوع المسيح أكثر من مرة بأنه هو والآب واحد، وقال “أنا والآب واحد” وهذه الوحدة إنما هي وحدة جوهر حسب النص اليوناني نفسه، وقال أيضًا أنه في الآب والآب فيه (يوحنا 14: 10، 11)، وان من رآه فقد رأى الآب (يوحنا 14: 9)، وأنه لابد أن يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب (يوحنا 5: 23)، وأن كل ما للآب فهو للابن (يوحنا 16: 15) وكل ما للابن فهو للآب (يوحنا 17: 10)، فلاحظوا أن كل هذه النصوص من إنجيل يوحنا فقط، وهو الإنجيل الذي يقتبس منه محمود هذا النص وحيدًا ليفسره بعيدا عن كل السياق المسرد في طول الإنجيل وعرضه. فالرب يسوع المسيح هنا كان يضع الثالوث القدوس في مقابل الآلهة الوثنية الأخرى وليس يضع نفسه في مواجهة تفريق مع الآب.
إلى هنا ينتهي الجانب الأقل غرابة وكوميدية في كلام محمود داود، وكأن هذا الجزء كان للتدريب على ما سيأتي من كلامه، مما يثير الشفقة على حاله أكثر مما يثير السخرية. فنبدأ معًا هذا الجزء.
في هذا الجزء سيترك محمود داود شهادات الناس والرسل والمسيح نفسه ويلجأ لأحداث حدثت في حياة المسيح، ويحاول أن يؤكد بها فكرته الأساسية، ألا وهي أن المسيح مجرد إنسان نبي ورسول، ليس إلا.
لوقا 2: 22 – لاويين 12: 12 – المسيح ينجس أمه
يقتبس محمود داود هذا النص:
Luk 2:22 ولما تمت أيام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به إلى أورشليم ليقدموه للرب.
ويقول، إن كان المسيح هو الله، فكيف يُنجِّس أمه؟ (نعم هو يفكر بهذا المستوى)، وللإجابة نقول، أن العذراء مريم كانت يهودية، ويوسف النجار كان يهودي، بل ان المسيح نفسه كان بحسب الميلاد يتبع اليهود، وتبعًا لكون مريم العذراء ويوسف من اليهود فهم ملتزمون بشريعة وناموس موسى حتى إن كانا في عدم احتياج لهذا التطهر. فالنص لا يقل أبدا أن المسيح نجس أمه أبدا، بل أن النص نفسه يذكر “حسب شريعة موسى”، أي وفقًا لهذه الشريعة، فالنص يعطي سببين لصعودهما إلى أورشليم، الأول في النص السابق لهذا النص وهو الاختتان، فكما في شريعة موسى فإنه يجب ان يختتن اليهود وهذه علامة بينهم وبين الله منذ العهد القديم. أما النص الثاني وهو النص التالي لهذا النص فيذكر السبب الآخر هو لكي يقدموا ذبيحة كما قيل في ناموس الرب زوج يمام أو فرخي حمام. فمحمود داود قال ما لم يأت في النص، ونسى أو تناسى ما أتى فعلا قبل هذا النص وبعده. وهناك حادثة أخرى تبين أن هذا هو أسلوب المسيح، فعندما ذهب ليعتمد من يوحنا، منعه يوحنا تواضعًا في بداية الأمر، وقال له أنه هو، أي يوحنا، المحتاج أن يعتمد منه فكيف يأتي المسيح إليه، وأن يوحنا ليس مستحقًا أن يحل سيور حذاء المسيح، فكيف يقبل أن يُعمد المسيح؟ لكن ماذا كان رد السيد المسيح؟ قال له ” هكذا يليق بنا ان نكمل كل بر”، وهذا يعني أن المسيح غير محتاج للعماد، لكن مادام هذا العماد يعتبر “عند اليهود” بر، فالمسيح أولى أن يتممه، لا لحاجته له، فهو القدوس الذي بلا خطية، بل لكيلا يكون لأحد مزية عليه حتى وإن كان المسيح تخطاها بما لا يقارن.
Luk 6:12 وفي تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلي. وقضى الليل كله في الصلاة لله.
Luk 9:18 وفيما هو يصلي على انفراد كان التلاميذ معه. فسألهم: «من تقول الجموع إني أنا؟»
Luk 22:41 وانفصل عنهم نحو رمية حجر وجثا على ركبتيه وصلى
Luk 22:45 ثم قام من الصلاة وجاء إلى تلاميذه فوجدهم نياما من الحزن.
Mat 14:22 وللوقت ألزم يسوع تلاميذه أن يدخلوا السفينة ويسبقوه إلى العبر حتى يصرف الجموع.
Mat 14:23 وبعدما صرف الجموع صعد إلى الجبل منفردا ليصلي. ولما صار المساء كان هناك وحده.
Mat 26:39 ثم تقدم قليلا وخر على وجهه وكان يصلي قائلا: «يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت».
يقتبس محمود هذه النصوص ليؤكد أن المسيح ليس بإله، وكيف يكون إلهًا وهو يصلي؟ أيصلي لنفسه إذًا؟ بالتأكيد أنه يصلي لآخر، إنه يصلي للآب الإله الحقيقي، وليس هذا فقط بل أنه يسجد للآب. ثم يرد محمود داود على رد بعض المسيحيين أن المسيح إنما صلى لكي يعلمنا أن نصلي وليس لأنه يحتاج إلى الصلاة، فيرد محمود ويقول لهم ان كلامهم خاطئ لأن المسيح كان يصلي وحده، فكيف كان يريد أن يعلمكم الصلاة وهو كان يصلي وحده؟ اما كان واجبًا عليه أن يجمع الناس ليعلمهم الصلاة؟
بالطبع، هذا الكلام مثير للشفقة والسخرية والضحك، لكن لأجل الرد سنخصص كلامنا فقط للرد. في البداية، الخطأ هنا هو نفس الخطأ العام، وهو نسيان أن المسيح إنسان أيضًا، فكما قلت سابقًا، أننا ندافع عن لاهوت المسيح كما ندافع عن ناسوته، ولا نغفل أثناء دفاعنا عن اللاهوت، الجانب الناسوتي في المسيح، والعكس صحيح، لا نغفل أثناء دفاعنا عن الناسوت، الجانب اللاهوتي فيه. فكليهما نؤمن به وباتحادهما. فالمسيح لأنه أخذ جسد إنسان وصار مثلنا تحت الآلام، كان يجوع ويعطش ويتعب ويبكي ويحزن ويصلي ..إلخ، فهذه كلها صفاته البشرية والتي لا تتعارض مع كونه هو الله المتجسد، هي تتعارض لو كنا نقول أن المسيح هو لاهوت فقط بغير ناسوت، فهنا تكون المشكلة، لكنا لا نقول بهذا، بل أن للمسيح لاهوت وناسوت متحدين إتحاد حقيقي كامل. فكل هذه الصفات والأفعال البشرية هي صفاته كإنسان ولا تنقض صفاته الأخرى كإله فقد شابهنا في كل شيء إلا الخطية. هذا عن التأصيل اللاهوتي.
أما عن الرد على كلامه بشكل منطقي فنقول: ألم يلحظ محمود داود أنه يقرأ هذه النصوص اليوم؟! بمعنى: ألم يلحظ أنه يقرأ بنفسه أن المسيح انفرد عن الرسل وصلى وفعل كذا وكذا؟! فإن كان منفردًا فكيف يقرأ محمود هذا الكلام اليوم؟ إن المسيح فعلاً صلى لكي يعلمنا جميعًا، وليس ليعلم تلاميذه فقط، فمحمود داود متأثر بخلفيته الدينية فيفترض أن المسيح كان يسلمنا طريقة معينة وكلام معين وحركات معينة في الصلاة من طبقة صحابته إلى التابعين (الآباء الرسولين)، وهذا لا علاقة له بعقيدتنا أبدًا، فالروح القدس الذي أوحى بهذا الكلام جعل الرسل يكتبون هذا كله ونحن نتعلم الصلاة إلى اليوم.
مرقس 13: 32 – علم الساعة
ذات المشكلة السابقة تتكرر الآن، وهذه مشكلة عامة في غير المسيحيين وبخاصة ممن مثل محمود، فعندما تكلمهم عن الناسوت يحاولون نقض كلامك بالكلام عن اللاهوت، وعندما تكلمهم عن اللاهوت تجدهم يحاولون نقض كلامك بالكلام عن الناسوت. فمثلا، إن قلنا لهم أن المسيح يغفر الخطايا وموجود بلاهوته في كل مكان، تجدهم يردون عليك ويقولون: كيف تقولون عنه أنه هو الله، فهل الله يأكل ويجوع ويعطش ويحزن ..إلخ؟! وعندما تكلمهم عن الصفات البشرية للمسيح، فتجدهم يكلموك عن أنه بهذا ليس هو الله، فأكله يثبت أنه ليس الإله ..إلخ. وهذا النص يدور في فلك نفس هذا الأسلوب من الفِهم، فالرب يسوع المسيح بكونه هو الإله (اللاهوت) يعرف متى تكون الساعة، لأنه هو الديان نفسه، لكنه هنا يتكلم وفقا لطبيعته الناسوتية. فكيف لا يعرف المسيح الساعة وهو المذخر فيه كل كنوز الحكمة والعلم (كولوسي 2: 3)؟ ألم يقل المسيح أن كل ما للآب هو له (يوحنا 17: 10)، فإن كان للآب معرفة الساعة، فللابن أيضًا معرفة الساعة كلاهوت. ولا أريد الإطالة هنا أكثر من ذلك، فهذا النص تم إيضاحه كثيرًا جدًا من النصوص الأخرى ومن أقوال الآباء.
لكن الغريب ليس هو استخدام هذا النص، بل أن محمود افترض الرد الذي قلناه أعلاه ورد عليه مسبقًا، أو هكذا كان ينوي وحاول. فقال أن النص لا يمكن تفسيره أن المسيح كان يتكلم هنا بالنسبة إلى ناسوته، لماذا؟ لأن النص يذكر لفظ “الإبن” وهو اللفظ المستخدم في متى 28: 20 في صيغة التعميد [فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس]، إذن فمعنى هذا اللفظ هو “اللاهوت” فلا يمكن قبول هذا التفسير. وللرد على هذا الكلام نقول:
أولا: إن كنت تؤمن فعلًا بأن لفظ الإبن يعني اللاهوت، فما أكثر النصوص التي دعى فيها المسيح نفسه “الإبن” بل ودعاه بها الآب نفسه، والرسل أنفسهم، فإن كنت تقبل بمفهومهم هذا، فقد أثبت أن المسيح هو لاهوت أي أنه هو الله، وتكون بهذا قد رددت على نفسك بنفسك دون أن تدري وتكون قد هدمت كل ما قلته سابقًا. أما إن كنت لا تظن ان لفظ “الإبن” يعني اللاهوت والألوهية، فقد رددت على نفسك في هذا النص وأثبت لنفسك أن نقدك لهذا الرد الذي يقول أن المسيح هنا كان يتكلم وفقًا لناسوته وليس لاهوته، هو نقد غير صحيح لأنك نقضت ردك بنفسك أن اللفظ “الإبن” لا يعني اللاهوت.
ثانيًا: من المعروف لكل قاريء مدقق أن المسيح يتعمد إثبات وحدانية اللاهوت والناسوت عبر إستخدام هذا الأسلوب، فلقب “إبن الله” الذي يبدو للوهلة الأولى يدل على اللاهوت، ولقب “إبن الإنسان” الذي يبدو للوهلة الأولى يدل على الناسوت، يستخدمهما المسيح بشكل متعاكس. فيستخدم لقب “الإبن” أو “إبن الله” مع الأمور البشرية في طبيعته بينما يستخدم ولقب “إبن الإنسان” مع الأمور اللاهوتية في طبيعته. ولإيضاح هذا بالنصوص نورد التالي:
لقب “إبن الله”
Heb 6:6 وسقطوا، لا يمكن تجديدهم أيضا للتوبة، إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه.
لقب “إبن الانسان”
Mat 12:8 فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضا».
Mat 13:41 يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم
Mat 16:27 فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله.
Mat 24:30 وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء. وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض ويبصرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير.
Mat 25:31 «ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده.
Mar 8:38 لأن من استحى بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فإن ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين».
Joh 3:13 وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان.
Joh 6:62 فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا!
فكما رأينا، فإن اللقبان يُستخدمان بغير الدلالة التي قد يراها البعض للوهلة الأولى. ليس هذا فحسب، بل أنه لاهوتيًا، لا يوجد فصل بين طبيعتي المسيح، فطالما المسيح هو اتحاد بينهما فيمكن أن يتكلم وفقًا لأي منهما دون انفصال.
Joh 20:17 قال لها يسوع: «لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم».
نفس الفكرة ونفس المبدأ وبالتالي سيكون نفس الرد. يظن محمود داود أن قول المسيح “إلهي” يعني أن المسيح مجرد عبد له إله مثلنا مثله إلا أن هذا مفهوم خاطئ، فكما أوضحنا أنه بسبب أن المسيح قد تجسد وأخذ جسد مثلنا تماما فصار إنسانا مثلنا تمامًا ما عدا الخطية فقط. وباتخاذه هذا الجسد صار له وعليه كل ما للجسد، فهو يصلي ويجوع ويعطش ويتعب ويحزن ويبكي وله إله بحسب الجسد.
فالمسيح ليس له جسد خيالي كما يؤمن الخياليون أو الغنوصيون، بل جسد حقيقي مثلنا تمامًا، فنحن نقول إنه أخذ ما لنا، أي جسدنا وضعفنا. لكن الملاحظ هنا في هذا النص، والذي نكرره كثيرا، أن المسيح لم يقل “أبينا” أو “إلهنا” مفرقًا بهذا بين طبيعة بنوته لله وطبيعة بنوتنا له، فالمسيح إبن للآب من حيث الجوهر والطبيعة، إبن وحيد الجنس لأبيه الآب، أما نحن فأبناء بنعمة التبني التي لا نستحقها.
وهكذا في مسألة ألوهية الآب له، فألوهية الآب للمسيح هي ألوهية وقتية غرضية، بحيث أن المسيح قد اتخذ جسدا وصار تحت الآلام مثلنا تمامًا لكن طبيعته الأولى هي طبيعة اللاهوت التي هي نفسها للآب، إنما طبيعتنا نحن هي طبيعة بشرية أصيلة، فنحن لا طبيعة أخرى سابقة لنا على طبيعتنا هذه الضعيفة، ومن هنا كان تفريق المسيح في المفهوم بين “أبي وإلهي”.
من الأخطاء التي وقع فيها محمود داود أيضًا، وهو خطأ يقع فيه كثير من المسيحيين أيضًا، لذا نعذره عليه، فمن يسقط في أبجديات المعرفة المسيحية لا نتوقع منه ألا يسقط في هذه، ولا سيما وأن ثقافته المسيحية قد أخذها من مصادر لا تعرف أي شيء عن المسيحية. هذا الخطأ يتمثل في أنه يقول أن المسيح لن يتصرف ولن يتكلم كإنسان بعد إنتهاء رسالته على الأرض ألا وهي الصليب، بحسب رأيه هو. فهو يعتقد أن كل الأحداث التي تلت مرحلة الصلب هي أحداث فعلها المسيح بلاهوته فقط وليس ناسوته، وهذا مفهوم خاطيء.
فالمسيح سيظل سيتعامل بطبيعته المتحدة حتى بعد صعودة، ألم يلحظ محمود أن المسيح بعدما قام من الموت، قام بجسده أيضًا؟ فقال لتلاميذه أن يجسوه ويلمسوه وأن يضع توما إصبعه في مكان الجراحات، وطلب منهم أن يعطوه ليأكل، ومكث معهم أيامًا كثيرة، قبل أن يصعد عنهم بجسده أيضًا، فهو للآن في السماء بجسده الممجد، إلى أن يأتي يوم القيامة ويشفع لنا بشفاعته الكفارية قدام الآب:
Heb 7:25 فمن ثم يقدر أن يخلص أيضا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله، إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم.
Heb 9:24 لأن المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقية، بل إلى السماء عينها، ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا.
1Jn 2:1 يا أولادي، أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار.
فهذا النص الذي استخدمه محمود داود، والنصان التاليين بهما نفس الخطأ اللاهوتي، والذي هو نتيجة عدم فهم اللاهوت المسيحي على الإطلاق منه:
Rev 3:12 من يغلب فسأجعله عمودا في هيكل إلهي، ولا يعود يخرج إلى خارج، وأكتب عليه اسم إلهي، واسم مدينة إلهي أورشليم الجديدة النازلة من السماء من عند إلهي، واسمي الجديد.
1Co 15:24-28 وبعد ذلك النهاية متى سلم الملك لله الآب متى أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة. 25 لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه. 26 آخر عدو يبطل هو الموت. 27 لأنه أخضع كل شيء تحت قدميه. ولكن حينما يقول «إن كل شيء قد أخضع» فواضح أنه غير الذي أخضع له الكل. 28 ومتى أخضع له الكل فحينئذ الابن نفسه أيضا سيخضع للذي أخضع له الكل كي يكون الله الكل في الكل.
فيحتج محمود من النص الأول بكلمة “إلهي” ويقول، ها المسيح الآن بلا ناسوت ومع ذلك يظل الآب إلهه، وهذا لأن محمود لا يتذكر أن المسيح إنما صعد بناسوته أيضًا إلى السماء وسيعطي به كفارة لأجل خطايانا. أما النص الأخير هنا، فيحتج محمود به على اعتبار أن المسيح نفسه سيخضع للآب، حتى في يوم القيامة، وهذا صحيح إذ أن المسيح مازال متحد لاهوته بناسوته ولم ينفصلا، فقد أخذ المسيح ناسوته خصيصًا لكي يموت به عنا ويفدينا ويقدمه للآب ذبيحة أبدية أمامه عن جميعنا، وهو بهذا الناسوت في يوم القيامة سيخضع للآب، ولكي نشرح لمحمود ما لن يفهمه إلا بالنصوص نعطي له نصوص حرفية تقول أن المسيح هو الذي يدين في هذا اليوم:
Mat 25:31 «ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده. 32 ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء 33 فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار. 34 ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم.
Mat 16:27 فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله.
2Co 5:10 لأنه لا بد أننا جميعا نظهر أمام كرسي المسيح، لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع، خيرا كان أم شرا.
إلى ههنا أعاننا الرب ويُعين…
[1] العبارات بالعامية المصرية، وما بين الأقواس () من كاتب الرد.
المذيع المسلم محمود داود يعترف: المسيح مات وقام من الأموات
المذيع المسلم محمود داود يعترف: المسيح مات وقام من الأموات
المذيع المسلم محمود داود يعترف: المسيح مات وقام من الأموات
أطل علينا الأخ المسلم المولد محمود داود بفيديو جديد يناقش فيه بعض الاختلافات المزعومة بين البشائر الأربعة (متّى ومرقس ولوقا ويوحنا) في قصة قيامة المسيح، حيث إدعى وجود تناقضات حقيقية بين البشيرين الأربعة في هذه القصة، وقد توصل إلى أن هذه التناقضات تفيد حتمًا ببطلان القصة وأنها قصة مختلقة، وحيث أن الكتاب المقدس يقول إنه إذا لم يكن المسيح قام، فيبطل كل من كرازة الرسل وإيمان المؤمنين.
وفي هذا الرد المختصر، سنغض الأعين عن عدد من الأخطاء المنطقية في كلامه وسنذكر البعض الأخر بشيء من التعليق، كما سنغض الطرف أيضًا عن الأسلوب التمثيلي الذي بدأ يتبعه في كلامه، حيث أنه يقوم بتمثيل حوار افتراضي بينه وبين أحد المسيحيين ليبيّن له خطأ الكتاب المقدس تارة وخطأ العقيدة المسيحية تارةً أخرى، في حين أنه لا يقول صراحة بأن هذا حوار تخيلي تمثيلي، بل يترك للبعض ممن لا يعرفونه فرصة للاعتقاد بأن هذا المشهد التمثيلي العبثي هو إعادة تصوير لما حدث فعلا على أرض الواقع، وهذا ما لم يكن. كما أنه يتعمد استخدام عناوين كاذبة ليشعر من لا يعرفونه أنه كان مسيحيًا ثم أسلم، أو أنه كان مسلما ثم شك ثم رجع عن شكه.
فبعيدًا عن هذا الأسلوب الصبياني في الطرح، وغير العلمي في التقديم، سنركز كلامنا دائمًا على فحوى اعتراضاته وبعض التعليقات الأخرى والتي نرى أنه لابد من التعليق عليها في وقتها، لكن بعد التعليق على الجزء الرئيسي من الفيديو الخاص به.
قدم لنا محمود داود أربع تناقضات رئيسية في هذا الفيديو، هم كالتالي:
هل عندما ذهبت النسوة إلى القبر باكرًا، كان الظلام باق أم كانت الشمس قد طلعت؟
هل كان الحجر مرفوعًا أي مدحرجًا أم كان لايزال على باب القبر يغلقه؟
هل قالت مريم لبطرس والتلاميذ أم لم تقل لأحد شيئًا؟
هل كان ملاكا واحدا أم أكثر؟ وهل كان/كانوا داخل القبر أم خارجه؟
وقبل أن نفحص هذه الاعتراضات الساذجة والتي تنم عن عدم وجود فكر نقدي لدى محمود داود، علينا أولا ان نضع الأسس المعرفية المنطقية للتفكير في أي اعتراض نجده مثل هذه الاعتراضات أو غيرها. وعلينا في البداية أن نقوم بتحرير الألفاظ المستخدمة، ألا وهي لفظ “تناقض” ولفظ “اختلاف”.
كلمة “تناقض” جاءت في أصلها من الأصل “نقض” والنقض في اللغة هو الهدم والتلاشي والإفساد. ونستطيع أن نشرح الكلمة بلغاتنا الدارجة الآن، أن التناقض في الكلام يعني ألا يمكن أن يجتمع كلاهما معًا. وبكلمات أخرى، هو الاختلاف بين جملتين الذي لا يجعلهما يبقيان سويًا، فيلزم لزوما حتميًا أن تكن إحداهما خاطئة والأخرى صحيحة. وبكلمات أخرى أيضًا، هو الكلام الذي لا يمكن الجمع بينه بأي حال من الأحوال.
أما كلمة “الاختلاف” فهي ما دون ذلك من الكلام غير المتطابق. بمعنى أنه كلاما ليس متطابقًا لكن يمكن الجمع بينه. فمثلا، إن قال أحد الأشخاص لصديقه أنه شرب الماء صباحا ثم قال له بعد حين أنه شرب الشاي صباحًا، فليس من المنطق أن يكون هذا تناقض، بل هو اختلاف، والسبب في ذلك أنه يمكن الجمع بين شربه للشاي وشربه للماء دون تعارض، فلا شرب الشاي ينفي شرب الماء ولا شرب الماء ينفي شرب الشاي، فمع أن كلا من العبارتين مختلفتين لأن كل منهما تَذكُر شيء مختلف عن الآخر (الشاي والماء) إلا أنهما ليستا متناقضتين. وهكذا عندما يقول شخص: ذهبت اليوم إلى العمل. ويقول أيضًا: ذهبت اليوم إلى الطبيب. فلا تناقض بين كلامه، لكن الاختلاف في المذكور هو الموجود فقط، لأن ذهابه للطبيب لا ينقض ذهابه إلى العمل والعكس صحيح.
فيتضح من هذا أن كل تناقض يستلزم وجود خلاف، لكن ليس كل خلاف يستلزم وجود تناقض. والآن علينا أن نحدد، هل المعلومات المذكورة في الروايات الإنجيلية مختلفة أم متناقضة؟ وللإجابة البسيطة على هذا السؤال يجب أن تسأل نفسك سؤال آخر، ألا وهو: هل هذه المعلومات متطابقة تمام الانطباق؟ هل إذا وضعت الأربعة بشائر جنبًا إلى جنب وقرأتهم كلمة بكلمة وحرف بحرف، فستجدهم أنهم عبارة عن تكرار حرفي أم لا؟
فإن كانت إجابتك “لا” فهذا يسمي اختلاف في المعلومات المذكورة. لكن هل هذا يعني أنها معلومات متناقضة؟ بالطبع لا. لأن الاختلاف لا يعني بالضرورة التناقض. بينما يتحقق التناقض إذا لم يستطع أي شخص أن يجمع بين هذه المعلومات جمعًا لا يخالف المنطق ولا السياق ولا المعلومات المذكورة الأخرى نفسها، وهذا ما ستجده في هذا الموضوع.
وبعد أن تعرفنا سريعًا على سبب رئيسي من أسباب هذا النوع من الشبهات اليوم، نمر الآن إلى استعراض النصوص التي استخدمها هذا الفتى في كلامه ثم نعرض وجهة نظره وكيف فهمها ثم نبين عوار فهمه لها مع الرد، ليته يرد.
التناقض الأول: هل عندما ذهبت النسوة إلى القبر باكرًا، كان الظلام باق أم كانت الشمس قد طلعت؟
Mar 16:2 وباكرا جدا في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس.
Mat 28:1 وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر.
Luk 24:1 ثم في أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهن أناس.
Joh 20:1 وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرا والظلام باق. فنظرت الحجر مرفوعا عن القبر.
ويتلخص اعتراض محمود داود بحسب ما يراه من تناقض في أن النص في بشارة القديس مرقس يقول “باكر جدا … إذ طلعت الشمس” بينما يقول القديس يوحنا “الظلام باق”. ويحاول محمود داود إقناع نفسه أولًا ثم إقناع من مثله في مستوى معرفته ثم إقناعنا نحن بأن هذا يمثل “تناقضًا” فجًا، لا يستطيع أن يفهمه.
والحقيقة، أن الأطفال فضلا عن البالغين يعرفون ما معنى كلمة “شروق الشمس” وما هو هذا الوقت وما يحدث فيه، لكن، يتضح من اعتراض محمود داود أن أحدا لم يخبره بهذه المعلومات البدائية أو أنه لم يشهد أبدا شروقًا أو غروبًا للشمس. فوقت الشروق والغروب هو وقت يجتمع فيه الظلام والنور لفترة زمنية ما، ففي الشروق يبدأ الظلام في التلاشي ويبدأ نور الشمس في أن يحل مكانه لعدة دقائق بينما في الغروب يبدأ نور الشمس في الاضمحلال تاركًا خلفه ظلامًا دامسًا بعد برهة من الوقت. لا يظهر نور الشمس فجأة كما المصباح الكهربي كما لا يختفي فجأة أيضًا. وهذه معلومات يعرفها محمود داود بالطبع، لكنه لا يجد غضاضة في تناسيها متعمدًا إن كان ذلك سيؤدي إلى أن يملأ الفيديو الخاص به بكلام سخيف عن هل كان الظلام باق أم أن الشمس قد طلعت، فكما يقول المصريون أن أكل العيش مُر، فلماذا لا يتناسى محمود داود هذه المعلومات البدائية إن كان سيربح من وراء هذا الجهل الذي يعرضه للعامة؟
وللإجابة على هذا الاعتراض الطفولي الوهمي نقول إن بشارة القديس يوحنا قد أجابت عنه وحدها!، فقد قالت كلمة “باكرا” وألصقت بها كلمة “والظلام باق”، وبالطبع لم يلتفت أو لم يفهم محمود كيف يمكن أن يكون الوقت “باكرًا” ويكون أيضًا “الظلام باق”! فالحقيقة أنه لا يوجد تناقض، لأن عند الشروق والغروب يتداخل الظلام والنور لوقت ما، فأي إنسان يستطيع رؤية قرص الشمس نفسه ونوره وأيضًا يرى الظلام في ذات الوقت بلا تناقض! ولن يتكلف أحد شيئًا إن قام في وقت الشروق صباحًا أو رأى مشهدًا للغروب. ولبيان سذاجة الشبهة سنعرض لحضراتكم صورًا تبين هذه الفترة الزمنية، حيث يجتمع طلوع الشمس نفسها مع وجود ظلام. فأين التناقض؟
تناقضات في قصة القيامة؟تناقضات في قصة القيامة؟تناقضات في قصة القيامة؟تناقضات في قصة القيامة؟تناقضات في قصة القيامة؟تناقضات في قصة القيامة؟تناقضات في قصة القيامة؟تناقضات في قصة القيامة؟
وأيضًا، نضع مجموعة من الفيديوهات:
https://www.youtube.com/watch?v=8gD_9WPPFb4
والسؤال هنا بعد هذه الصور والفيديوهات، هل طلعت الشمس؟ نعم طلعت وظاهرة أمامنا، هل الظلام لازال باق؟ نعم الظلام باق! إذن فلماذا لم يمفهم محمود هذا الكلام البسيط؟
لكن بعيدًا عن هذا الرد الأول، هناك رد آخر يكمله، ألا وهو أنه من المعروف أن وقت طلوع الشمس أو غروبها يتطلب زمنًا ولا يحدث في لحظة وأخرى، ونظرًا لأن قبر المسيح كان يبعد عن مكان اجتماع المريمات بمسافة ما، فهو أيضًا يبتعد عنهم بوقت ما يستغرونه ذهابًا أو إيابًا بين المكانين، وهذا الوقت كاف جدا لكي تكون المريمات قد خرجن والظلام باق بينما وصلن إذ قد طلعت الشمس.
فحتى إن تنازلنا لفكر محمود داود -رغم أن التفسير الأول كافٍ جدًا- وفهمنا النصوص بحسب ما حاول هو فهمها، فلن يكون هناك إشكال لأن القبر ليس مجاورًا لمكان اجتماع المريمات، بل يستغرق الطريق وقتًا للوصول إلى القبر، وهذا الوقت كاف جدًا لكي تتغير حالة الضوء من الظلام الدامس (جدلاً) إلى طلوع الشمس.
التناقض الثاني: هل كان الحجر مرفوعًا أي مدحرجًا أم كان لايزال على باب القبر يغلقه؟
Mar 16:3-4 وكن يقلن فيما بينهن: «من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟» 4 فتطلعن ورأين أن الحجر قد دحرج! لأنه كان عظيما جدا.
Mat 28:2 وإذا زلزلة عظيمة حدثت لأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه.
Luk 24:2 فوجدن الحجر مدحرجا عن القبر.
Joh 20:1 وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرا والظلام باق. فنظرت الحجر مرفوعا عن القبر.
يعترض هنا محمود داود قائلًا إن كل من القديس متى ولوقا ويوحنا يقولون إن الحجر تم رفعه عن القبر، أي دُحرِج عن باب القبر، بينما في بشارة القديس مرقس يفهم محمود داود من عبارة “من يدحرج لنا الحجر” أن الحجر لا يزال موجودًا على باب القبر، وهذا يراه تناقضًا.
حسنًا، لا أعرف لماذا عندما يقرأ محمود داود الكتاب المقدس وبالتحديد في هذا الفيديو يصاب بعمى البصر فضلا عن البصيرة، فالشبهة تستلزم فقط شخصًا يجيد القراءة وفهم ما يقرأه، لكي يتضح له أنه لا شبهة من الأساس، ولا أعلم هل مشكلته في القراءة أم في فهم ما يقرأه رغم أن المشكلة الأخيرة ثابتة في كل اعتراضاته. هل قرأ محمود داود وفهم جيدًا ما جاء في بداية الآية الثالثة من الأصحاح السادس عشر من بشارة مرقس والتي تقول “وكن يقلن فيما بينهم”؟ بالطبع أنه إما لم يقرأها أو -كالعادة- قرأها ولم يفهمها.
حسنًا أيضًا، هل شاهد محمود داود علامة الاستفهام الموجودة في نهاية السؤال [من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟] فإن حتى الأطفال يعرفون أن هذه العلامة تعني ان ما قبلها هو استفسار! والاستفسار هنا يفيد عدم معرفة المريمات بحال الحجر على باب القبر ومن سيزيله لهم وهن نسوة لا يقوين على حمله لأن الحجر كان ثقيلاً.
فالبشير مرقس يقول لنا “كن يقلنκαὶ ἔλεγον ” وهو فعل ماض، فهذا ما كان يدور بينهن أثناء ذهابهن إلى القبر لأنهن والتلاميذ قد شاهدوا باب القبر والحجر عليه، فهذه هي الصورة الأخيرة الثابتة في ذهنهن، فكان لديهم هذا العبء الفكري في كيف سيزلن الحجر من أمام القبر. والذي يثبت أكثر أن هذا كان سؤالهن في أثناء ذهابهن إلى القبر هو أنه كيف كن سيسألن هذا السؤال وهن عندما وصلن قد رأين الحجر قد دحرج بالفعل؟ فإن كُن يعلمن أن الحجر قد دُحرج بالفعل، فما حاجتهن بعد إلى هذا العبء وهذا السؤال!
ولهذا نجد القديس مرقس قد أوضح لنا وقال ” فتطلعن ورأين καὶ ἀναβλέψασαι θεωροῦσιν”، فالمشهد كالتالي: كانت المريمات قد خرجت للذهاب إلى القبر وهن يعرفن أن باب القبر موصدًا بحجر كبير، ولهذا كن يتفكرن ويقلن فيم بينهن في هذا الوقت أثناء ذهابهن، في الطريق، كيف سنزيل هذا الحجر لندخل إلى القبر؟ ولما وصلن وجدن أن الحجر قد دُحرج بالفعل. فالقديس متى ولوقا ويوحنا يذكرن النتيجة النهائية وهي أن الحجر قد دُحرج، لكن القديس مرقس يذكر لنا أن المريمات كن يتفكرن في عبء هذا الحجر. فأين التناقض؟
التناقض الثالث: هل قالت مريم لبطرس والتلاميذ أم لم تقل لأحد شيئًا؟
Mar 16:8-10 فخرجن سريعا وهربن من القبر لأن الرعدة والحيرة أخذتاهن. ولم يقلن لأحد شيئا لأنهن كن خائفات. 9 وبعدما قام باكرا في أول الأسبوع ظهر أولا لمريم المجدلية التي كان قد أخرج منها سبعة شياطين. 10 فذهبت هذه وأخبرت الذين كانوا معه وهم ينوحون ويبكون.
Joh 20:2, 18 فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه وقالت لهما: «أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه». 18 فجاءت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب وأنه قال لها هذا.
والتناقض الذي يراه محمود هنا هو أن القديس يوحنا يقول أن مريم المجدلية قد ذهبت وأخبرت التلاميذ، بينما يناقضه مرقس ويقول أنها لم تقل لأحد شيئًا.
وللأسف، هي ذات المشكلة التي يتحلى بها محمود داود في اعتراضاته هنا، فللأسف أصبح محمود داود لا يجيد القراءة أو يقرأ ولا يفهم ما يقرأه. فمرقس الرسول الذي ذكر أنهن لم يقلن لأحد شيئًا في النص الثامن، أضاف بعدها بنصين، أي في النص العاشر أنها ذهبت وأخبرت التلاميذ. فهل تناقض مرقس مع نفسه بهذه السرعة؟ في النص 8 يقول إنهن لم يقلن لأحد ثم في النص 10 يقول إنهن قلن للتلاميذ؟! كيف استساغ محمود داود أن يعقل هذه الفكرة ولم يشك في أنه هو الذي لا يفهم المكتوب؟ والأغرب من هذا أنه يدعي تناقض بين بشارتي القديس مرقس ويوحنا، في حين أنه لم ير أن مرقس -بحسب فهمه- قد ناقض نفسه!
فما الذي غفله محمود داود؟ إن تعبير “لم يقلن لأحد شيئًا καὶ οὐδενὶ οὐδὲν εἶπαν” لا يمكن أن يعني عقلاً أو نصًا أنهن لم يخبرن التلاميذ بشيء. فعلى مستوى العقل لأن مرقس بنفسه أخبرنا بأنهن قد قلن فعلا، وليس مثلا في أصحاح آخر بل في نفس الأصحاح ويفصل بين هذا النفي والإثبات نص واحد فقط هو النص رقم 9، فلا يمكن لعاقل أن يصدق في نفسه أن شخصًا سيناقض نفسه بهذه السرعة، فإما أن مرقس يعرف أنها أخبرت التلاميذ فسيكتب ما قاله في النص 1 فقط، أو أنه يعلم أنها لم تخبر التلاميذ فسيكتب ما كتبه في النص 8 فقط. لكن كيف له أن يدمج كل من النفي والإثبات بحسب ما يفهم ميمو؟ وأما على مستوى النص فالإثبات أقوى من النفي، لان النفي يمكن تفسيره أما الإثبات فلا لأنه واضح، ولأنه أيضًا منسجمًا مع ما قاله البشيريون الآخرون متى ولوقا ويوحنا.
فيمكن تفسير هذه العبارة التي لم يفهمها محمود داود بإحدى طريقين او بالطريقين معا:
البشير مرقس قصد أنها لم تخبر أحدا من الذين قابلتهم في طريق عودتها للتلاميذ، وهذا له وجاهة إذ أن القديس متى يذكر أنه في أثناء عودتهن لإخبار التلاميذ، جاء قوم من الحراس إلى المدينة وأخبروا رؤساء الكهنة (متى 28: 11)، فربما كان قصد القديس مرقس أن المريمات لم يقلن لاحد من الحراس هذا الكلام الذي عرفوه من الملائكة ومن المسيح نفسه بل التزمن بكلام المسيح وذهبن إلى التلاميذ لإخبارهم. وما يعضد هذا الفَهم، أن القديس متى ذكر أيضًا أن الحراس صاروا كأموات من هول ما رأوه عندما دحرج الملاك الحجر (متى 28: 3-4)، فالنسوة لم يخبرن أحدا أبدا إلا التلاميذ بهذا كله.
البشير مرقس قصد أن النسوة في بادئ الأمر لم يخبرن التلاميذ بما رأوه وعرفوه من هول الصدمة والرعدة والفزع، لكن بعد ذلك أخبروهم بكل ما رأوه، وما يؤكد هذا أن البشائر الأخرى تؤكد هذا أيضًا، وأنه ليس من المنطقي ان تؤخذ العبارة بها الفهم السقيم بحيث أن تعني أنهن لم يتكلمن مع أي أحد إلى مماتهن. ويمكن جمع كلا التفسيرين معا بلا تعارض.
التناقض الرابع: هل كان ملاكا واحدا أم أكثر؟ وهل كان/كانوا داخل القبر أم خارجه؟
كان من المتوقع من محمود داود طالما أنه لم يفهم النصوص السابقة على بساطتها، أنه لن يفهم هذه النصوص التي تتطلب بعضًا من التفكير وإعمال العقل، فأنَّى له ذلك؟! تَذكُر رواية القديس مرقس شابًا واحدًا بينما يجعل القديس متى هذا الشاب ملاكًا واحدًا، وعلى الجانب الآخر وبالمثل تَذكُر رواية القديس لوقا “رجلان” ورواية القديس يوحنا “ملاكين”، فهل هذا تناقض؟ ولماذا هذا الاختلاف في طبيعة وعدد من ظهر ملاك كان إم إنسان، وواحدًا أم إثنان؟ وللرد على كل هذا نوضح أنه لا تناقض البتة في نقاط محددة، لكن نؤسس لها منطقيًا أولا:
تَذكُر لنا البشائر الأربعة زيارتين للنسوة وليس زيارة واحدة، كما تبين رواية القديس يوحنا تفاصيل فريدة لزيارة القديس بطرس ويوحنا للقبر بعد الزيارة الأولى للنسوة، حيث لا تَذكُر هذه التفاصيل الروايات الإنجيلية الأخرى.
الملائكة كائنات روحية، غير بشرية، ليس لها جسد مثلنا، بل هي في مثل شكل النور المتوهج الأبيض كما تصفه لنا الروايات الإنجيلية، وهي كائنات يمكنها ألا تكون مرئية لنا نحن البشر. فلكي نراها لابد وأن تظهر لنا بهيئة ما، والهيئة التي ظهرت بها الملائكة هنا هي هيئة الرجل، لكن هذا لا ينفي كون طبيعتها هي طبيعة الملائكة وليست البشر الذكور. إذن، الذين ظهروا هم ملائكة في شكل بشر.
هذه القصة لها عدة أحداث وليست كلها حدث واحد، وليست كلها وقعت في وقت واحد، فلا يشترط أن تكون الإجابة هي إحدى الإجابتين دائما طوال القصة، فيمكن أن يتغير عدد الملائكة تباعا زيادة أو نقصانًا.
تركيز الراوي على ملاك واحد لا يعني عدم وجود الملاك الآخر، فعندما نقابل مع أصدقاء في الطريق ويتكلم أحدهم معنا، فلا يعني هذا أن الآخرين غير موجودين لمجرد أنهم لم يتكلموا (جدلاً).
أنت تقرأ -عزيزي القارئ- رواية يقصها أربعة بتفاصيل كثيرة، فلكي تقهم مقصدهم لا تكتف بمجرد القراءة الجوفاء، بل حاول أن تعيش داخل الأحداث كأنك فيها لتعرف كيف ولماذا يكتبون هذا.
تقع الزيارة الأولى في (مرقس 16: 1 – 8) و(متى 28: 1-7) و(لوقا 24: 1 – 10) و(يوحنا 20: 1 – 2)، بينما تقع الزيارة الثانية في (مرقس 1: 9 – 11) و(متى 28: 8 – 9) و(يوحنا 20: 11 – 18).
ظهور الملاكين في قصة القيامة
نزل ملاكًا واحدا ودحرج الحجر وجلس عليه قبل قدوم النسوة، وهذا لا ينفي وجود ملاك آخر داخل القبر عن اليمين أو ربما يكون هو نفسه الملاك الذي دحرج الحجر دخل أيضًا وجلس عن اليمين كما رأوه النسوة (مرقس 16: 5) و (متى 28: 5)، ثم ظهر الملاك الآخر كما في رواية القديس لوقا. مع ملاحظة أن هذه الأحداث حدثت في الزيارة الأولى للنسوة.
تَذكُر لنا رواية القديس لوقا في الزيارة الأولى للنسوة أن الذي ظهر كانا ملاكين، لكن لا تَذكُر لنا نصًا أين كانا يقفان وقتما تكلما مع النسوة، هل كانا خارجًا ام داخلًا، رغم أنها تَذكُر ان النسوة كُن قَد دخلن لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الملائكة قد دخلت هي أيضًا ودار الحديث داخلًا. فتخيل معي عزيزي القارئ أنك داخل غرفتك وتتحدث مع أخيك أو أبيك الموجود خارجًا في الصالة (بهو البيت) فهل يعني وجودك داخل غرفتك وحديثك مع أبيك أن أبيك بالضرورة داخل غرفتك معك؟ أم أن هذا لا يشترط طالما أن النص لم يحدد هذا نصًا؟ وعلى كلٍ، فسواء كان الحوار داخل القبر أو خارجه فهذا لا مشكلة فيه مطلقًا، فيمكننا أن نفترض ما يريده محمود داود سواء خارجًا أو داخلًا تنزلاً لا أكثر.
لا تذكر رواية القديس يوحنا أية تفاصيل حول الزيارة الأولى للنسوة سوى أنهم أتين فوجدن الحجر مرفوعًا فعادت إلى التلاميذ لتخبرهم لما حدث، ثم تركز على ذِكر ما لم تذكره الروايات الأخرى لمرقس ومتى ولوقا، وهي الروايات الأقدم في زمن كتابتها، حيث شاء القديس يوحنا ألا يكرر تفاصيل الزيارة الأولى لأنها كانت قد ترسخت في أذهان المؤمنين على مدار سنوات طويلة قبلما يكتب القديس يوحنا بشارته في نهاية القرن الأول، بل ركز القديس يوحنا على ذكر التفاصيل التي لم تأت في روايتهم مثل زيارة بطرس ويوحنا (هو نفسه) للقبر ومن الذي جاء أولا ومن الذي دخل أولا وماذا وجدا وعودتهما إلى المكان الذي كانا فيه أولاً. لكن وعلى النقيض، تركز رواية القديس يوحنا على ذكر تفاصيل الزيارة الثانية بشيء من الاسهاب حيث لم يتم ذكرها بتفاصيلها في الثلاثة بشائر الأولى الإزائية (المتشابهة). وهذا من المنطق، فلماذا يكرر ما كتبوه في الماضي ولا يذكر ما لم يأتوا على ذكره بتفصيل؟
تذكر رواية القديس لوقا ويوحنا أن الملاكين قد تكلما، بينما تذكر روايات القديس مرقس ومتى أن ملاك واحد هو الذي تكلم!، وهذا يمكن إيضاحه بالآتي:
يمكن عقلا أن يكون الملاكان قد تكلما كما ذكر لوقا ويوحنا، وطالما قد تكلما كليهما فكل واحد منهم قد تكلم، فركز مرقس ومتى على أحدهما دون ذكر الآخر، بينما ذكر لوقا ويوحنا كليهما.
يمكن أن يكون قد تكلم ملاك واحد فقط ومع ذلك يُنسب الكلام للملاكين دون مشكلة أو خطأ من البشيرين. كيف؟ لنضرب بعض الأمثلة:
يمكن أن يتكلم كل ملاك منهما بمفرده بالتناوب مع النسوة، فهذا يتكلم برهة معهن وذاك يتكلم أخرى، وتكون المحصلة أن كلا الملاكين تكلما، وأن كل ملاك بمفرده تكلم، فإن نسبت كل الكلام لكليهما فهذا صحيح وجائز إذ قد تكلما بهذا الكلام.
عندما تسمع واعظًا يعظ فيقول “يقول الكتاب المقدس …”، فهل تظن أن كل سفر من أسفار الكتاب المقدس يقول ما يقتبسه هذا الواعظ؟ بالطبع لا، بل هو سفرًا واحدا أو أكثر بقليل، لكن ليس كل سفر بمفرده قال ما اقتبسه هذا الواعظ.
عمليًا، عندما نجد أن مجموعة من البشر تتكلم مع مجموعة أخرى، وتقرأ عن هذا الحديث، فتجد النص يقول مثلاً “قالوا له” أو “قالوا لهم” فتلقائيًا لا تفهم أن كل المجموعة تحدثت في صوت واحد بنفس الكلام معًا، كأنهم كورال (جوقة) بل ستفهم أن أحدهم تكلم بما يوافقون عليه. فمثلا، في قصة يوسف في سفر التكوين عندما نزل إخوته إلى مصر ليشتروا طعامًا لهم، يقول النص:
فيتضح من هذا أنه ليس في كل مرة يُذكر فيها ألفاظ مثل “قالوا”، “قلن”، “قالا” تعني حرفيًا أن كل واحد من الموجودين قد قال هذا الكلام مع الآخر في نفس الوقت أو في وقت آخر، بل يعني فقط موافقة الموجودين عليه من حيث المضمون.
وأضع بين يديك أيها القارئ الكريم ترتيب كتابي منطقي لقصة قيامة المسيح في البشائر الأربعة المختلفة، حيث قد رتبتها بشيء من الإيجاز على وعدٍ بتناولها تفصيلاً مع تعليقات وهوامش نقدية تفصيلية في بحث جديد قريبًا.
ترتيب قصة القيامة في البشائر الأربعة
في أول الفجر جدا يوم الأحد ذهبت كل من مريم المجدلية ويونّا امرأة خوزي ومريم ام يعقوب والباقيات للقبر وحدهن ومعهن حنوط وأطياب ليدهن جسد المسيح وكان لا يزال الظلام باق في هذا الوقت إذ لم تكن الشمس قد طلعت بكامل نورها بعد، فتداخل النور مع الظلام تدريجيًا.
ملاك الرب نزل من السماء في زلزلة عظيمة، وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه، لكن البشير متى لا يقول إنهن رأين الملاك جالسا عليه، هو فقط يذكر ما فعله الملاك مع عدم التصريح أو النفي أنهن رأوه وهو جالس خارجًا، وكان منظر هذا الملاك كالبرق ولباسه ابيض كالثلج، ومن خوفه ارتعد الحراس وصاروا كأموات.
لكنهن لم يكن يعرفن أن هذا حدث، ففي أثناء ذهابهن، في الطريق، كُنَّ يتفكرن ويحملن هَمّ الحجر إذ كان ثقيلا فمن سيدحرجه لهن؟ ولكنهن عندما اقتربن وتطلعن، وجدن أن الحجر قد دُحرج.
دخلت النسوة إلى القبر فوجدن ملاكاً في هيئة شابٍ جالسًا عن اليمين ولابسًا حُلة بيضاء، وكنّ خائفات ومنكسات وجوههنّ الى الارض.
قال لهن الملاك: لا تخفن ولا تندهشن، فأني أعلم أنكن تطلبن يسوع الناصري المصلوب. لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟ ليس هو هنا لأنه قد قام كما قال، فهوذا الموضع الذي وضعوه فيه حيث كان الرب مضطجعا. ولكن اذهبن سريعًا وقلن لتلاميذه أنه قام وأنه يسبقكم إلى الجليل، حيث سترونه هناك كما كلمكم وهو بعد في الجليل وقال لكن أنه ينبغي أن يسلم ابن الإنسان في أيدي أناس خطأة ويصلب وفي اليوم الثالث يقوم. فتذكَرت النسوة كلام الرب فعلاُ.
فخرجن سريعا وهربن من القبر لان الرعدة والحيرة اخذتاهنّ ولم يقلن للتلاميذ شيئًا في البداية ثم أخبروهن بعد ذلك، أو أنهن لم يقلن فقط لأحد من الموجودين في الطريق[1]. وبعدما أخبرن التلاميذ والموجودين بكل ما حدث، تراءى كلامهنّ لهم كالهذيان ولم يصدقوهنّ.
أراد بطرس ويوحنا الحبيب أن يتأكدا من صحة هذا الكلام، فركضا سويًا، لكن يوحنا سبق بطرس ووصل أولا إلى القبر لكنه لم يدخل بل مال من خارج القبر فنظر الأكفان موضوعة، وعندئذ وصل بطرس ودخل القبر ووجد الأكفان موضوعه ولكن المنديل كان بعيدًا وحده، وهنا دخل يوحنا أيضًا إلى القبر، فرأى هذا وآمن أن المسيح قام، فرجعا معا إلى المكان الذي كانا فيه قبلاً.
عادت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب مرة أخرى إلى القبر، ولكنهما وقفا عند الباب يبكيان ولما انحنين رأت ملاكين بثياب بيض، واحدا عن رأس المسيح والآخر عند قدميه حيث كان مضطجعًا، فدخلتا إلى القبر.
فسألها الملاك عن سبب بكائها لأنها من المفترض أنها علمت أن الرب قد قام وسيسبقهم إلى الجليل كما قيل لها في زيارتها الأولى، فأجابته مريم المجدلية أنها تبكي بسبب أن جسد سيدها قد أُخذ وهي لا تعلم أين وُضع.
وهنا التفتت إلى الوراء لتجد شخصًا يسألها: يا امرأة لماذا تبكين؟ من تطلبين؟ وقد ظنته أنه البستاني ولم تعلم أنه يسوع، فردت عليه وقالت: يا سيد ان كنت انت قد حملته فقل لي اين وضعته وانا آخذه. فأجابها المسيح وقال لها: يا مريم، وهنا التفتت مرة أخرى وعرفته أنه الرب فقال له “يا معلم”. فأجابها المسيح ألا تلمسه، بل أن عليها الذهاب إلى التلاميذ وإخبارهم أنه سيصعد للآب.
فخرجتا سريعًا من القبر بخوف وفرح عظيم راكضتين لتخبرا تلاميذه، وإذ بيسوع لاقاهما مرة أخرى في الطريق وقال “سلام لكما”، فتقدمتا وامسكتا بقدميه وسجدتا له، ثم ذهبن وأخبرن الذين كانوا معه وهم ينوحون ويبكون. ولما سمع المجتمعون ما قاله المسيح لها وأنها رأته بعينها، لم يصدقوا أيضًا.
7 يونيو 2019
إلى هنا أعاننا الرب ويعيننا..
[1] لكنهم قالوا لهم في نهاية الأمر حسب البشير مرقس ذاته الذي قال أيضًا أنهن لم يخبرن أحد بشيء، فظهر من هذا إما أن عبارة “ولم يقلن لأحد شيئًا” تعني أنهن تأخرن فلم يخبرن التلاميذ في بداية الامر من الخوف والرعدة ثم أخبرن الأحد عشر والباقين بكل ما حدث أو أن المقصود أنهن لم يخبرن أحدا غير التلاميذ بهذا كله ممن كانوا في طريق العودة إلى مكان تجمع الرُسل. فمرقس الرسول الذي قال أنهم لم يخبرن أحد في النص الثامن قال في النص العاشر أنهن أخبرن التلاميذ.
المذيع المسلم محمود داود يعترف: المسيح مات وقام من الأموات