ثلاث عشرة حجة قوية لمصداقية العهد الجديد – غاري هابرمس وبنيامين شاو – ترجمة: عبدالمسيح
ثلاث عشرة حجة قوية لمصداقية العهد الجديد – غاري هابرمس وبنيامين شاو – ترجمة: عبدالمسيح
كتاب لمؤلفَيه: بنيامين شاو (Benjamin Shaw) وغاري هابرمس (Gary Habermas)
منذ سنوات، التقيت بـ”بنيامين شاو” في مؤتمر دفاعيات مسيحية، وكان وقتها مساعدًا بحثيًّا لـ”غاري هابرمس” – الذي يُعتَبَر أحد أعظم المتخصصين فيما يتعلق بقيامة يسوع. من الرائع أن نرى “شاو” ينشر كتابه الأول حول موثوقية العهد الجديد، في حين أن هناك كتبًا كثيرة عن تاريخية العهد الجديد (مثل كتاب كريغ بلومبرغ Craig Blomberg الضخم “الموثوقية التاريخية للعهد الجديد”) لطالما شعرت أننا بحاجة إلى المزيد من الموارد التي تكون موجزة وتتطرّق إلى النقاط الحقيقية والهامّة حول موثوقية العهد الجديد. يرجى ملاحظة أنني لا أقول أننا لم نعد بحاجة إلى كتاب بلومبرغ. إنه كتاب رائع. لكن كتاب شو يساعد في سد الفجوة هنا!
يقدم شاو عرضًا منهجيًا وتمهيديًا لموثوقية العهد الجديد من خلال استناده إلى 13 نقطة (انظر الصفحات 6-8). سأقدم ملخصًا صغيرًا بالإضافة إلى بعض المداخلات أيضًا.
بنيامين شاو (Benjamin Shaw)
أدلة نصية للعهد الجديد
هل العهد الجديد الذي نقرأه اليوم هو نفسه الذي كُتب قديمًا؟ وكيف نعرف ذلك؟
يقول شاو:
“النقاد النصّيون هم علماء يقارنون مخطوطات مختلفة من كتابة قديمة مثل أفلاطون أو إنجيل متى. ولأنّنا لا نملك المخطوطات الأصلية (autographs)، فإنهم يقارنون النسخ المختلفة للتأكد إن كان النصّ الحالي، كما نقرأه، يعكس النصّ الأصلي على نحو وثيق. العهد الجديد يُعدّ أفضل نصّ موثّق في العالم القديم. هناك أكثر من 5000 مخطوطة باللغة اليونانية وحدها – بعضها يعود إلى قرن أو قرنين بعد وقت تأليف الأصل. ومع هذا الكمّ من النُّسَخ، من الطبيعي حدوث اختلافات بين المخطوطات (خصوصًا وأنها جميعها مكتوبة يدويًا). أغلب الاختلافات عرضي مثل أخطاء هجاء، ويقر النقّاد النصّيون، حتى المشكّكون منهم، بأنّ جوهر المسيحية لم يتأثر بأيّة اختلافات نصّية.” – صفحة 21.
من المفيد أيضًا أن نتذكر كلام “بارت إيرمان” (Bart Ehrman)، أحد أبرز نقّاد الكتاب المقدس الناقد لفكرة الثبات النصي، عندما يقول:
“لقد نجح علماء النصّ الكتابي إلى حدّ مقبول في إعادة بناء النصّ الأصلي للعهد الجديد. وباستثناء اكتشافات مستقبلية غير عادية أو تغييرات جذرية في الأسلوب، فمن غير المحتمل أن يتغيّر جوهر نص العهد الجديد اليوناني المطبوع بشكل كبير.” (من The Text of the New Testament in Contemporary Research, الطبعة الثانية، ص. 825)
غاري هابرمس (Gary Habermas)
أنواع نصوص العهد الجديد وتوقّعات الجمهور
كيف كان القراء القدامى يفهمون أسفار العهد الجديد؟
إذا كان القراء يتوقعون أن تكون الروايات تاريخية، فإن هذا من شأنه أن يضيف إلى مصداقية النص من حيث أنه كان من المتوقع أن يؤخذ على محمل الجد. ومن ناحية أخرى، إذا كان الجمهور يعرف أنها روايات خيالية، فإن ذلك سيشير إلى أن المؤلفين كانوا أحراراً في اختراع مادة خيالية.
يشرح شاو، باعتماد جزئي على دراسات “ريتشارد بورّيدج” (Richard Burridge):
الأناجيل تُصنّف ضمن السير اليونانية–الرومانية (Greco-Roman biographies)، وليس ضمن الروايات الخيالية، وهذا يعني أنّ كُتّاب الأناجيل لم يكونوا حرّين في تأليف أحداث خيالية، خلافًا لما يحدث في الروايات. وأما رسائل بولس، فكانت موجهة داخل الكنائس، وتُعدّ جزءًا من التواصل الداخلي، وليست موجهة لتشكيل رأي أو دعاية لغير المؤمنين. – صفحة 31.
يجدر بي أن أذكر أن هناك نقاشًا مستمرًا حول التصنيف الأدبي للأناجيل. أوصي بقراءة الفصل المعنون “تصنيف الأناجيل الأدبي” (The Genre of the Gospels) بقلم وِس أولمستيد (Wes Olmstead)، ضمن كتاب حالة دراسات العهد الجديد The State of New Testament Studies، وهو سلسلة من المقالات حررها سكوت مكنايت (Scot McKnight) ونيجاي ك. غوبتا (Nijay K. Gupta).
لكن عندما سمعت لأول مرة بالدعوة لتصنيف الأناجيل ضمن السير الذاتية اليونانية-الرومانية (Graeco-Roman Biography)، وجدت نفسي أتساءل:
هل من الممكن أن الأناجيل تندرج أكثر ضمن سيرة ذاتية يهودية؟
مع ذلك، مما أستخلصه، فرغم أن الأناجيل تحتوي على العديد من العناصر اليهودية، فإنّه باستثناء محتمل لكتاب “حياة موسى” لفيلو السكندري (Philo’s Life of Moses)—والذي لا يعتبره كثير من العلماء سيرةً بالمعنى الدقيق—فليست لدينا أمثلة واضحة على سير ذاتية مكتوبة لرجال دين يهود معاصرين للمسيح.
تأريخ أسفار العهد الجديد
متى كُتبت هذه الأسفار؟ إن الأحداث التي يتم توثيقها بشكلٍ مكتوب في وقت أقرب إلى وقت حدوثها هي المفضَّلة بشكل عام على تلك التي تُوثَّق في وقت لاحق. إذا كانت هذه الأعمال قد كُتبت خلال حياة الرسل، فهذه علامة جيدة.
يشير شاو إلى أن هناك بحثًا حديثًا لـ “جوناثان بيرنييه” (Jonathan Bernier) في كتابه Rethinking the Dates of the New Testament، يرى أنه من الممكن أن الأناجيل الأربعة جميعها كُتبت قبل رسائل بولس نفسها. لكن هذا الرأي لم يُعتمد إجماعيًا بعد، وَفقًا لكريج بلومبرغ الذي لا يقبله لتأريخ إنجيل يوحنا قبل 90م.
شاو يجد أن الأناجيل كلها كُتبت خلال حياة جيل شهود العيان على حياة يسوع وخدمته. من المقبول على نطاق واسع أن الأناجيل كُتبت خلال عقود من حياة يسوع. بينما تُعد رسائل بولس أقدم، إذ كُتبت بعد نحو 20 عامًا من موت يسوع. – صفحة 42.
تأليف أسفار العهد الجديد
من كتب هذه الأسفار؟ وهل هم مشاركون مباشرون (أو كانوا يعرفون مشاركين مباشرين) في الأحداث؟
يقول شاو أنه من بين الرسائل الـ13 المنسوبة إلى بولس، فإن سبعًا منها يقبلها حتى المشككون من النقاد كأصيلة ومكتوبة من قبل بولس نفسه، بالنسبة لي، هناك حجج قوية تؤيد أصالة الرسائل كلّها.
ويقول أيضاً “رغم أن الأناجيل تُعتبَر من الناحية الفنية مجهولة الاسم (technically anonymous)، إلا أنه من غير المرجّح أنها كانت مجهولة عمليًا (functionally anonymous)، أو أنها كُتبت بنية إخفاء هوية كُتّابها.”
ويُضيف:
“هناك توافق مذهل على أسماء الكتّاب المرتبطة بكل إنجيل، وقد ظهر هذا التوافق في وقت مبكر. الأسماء الوحيدة المرتبطة بالأناجيل الأربعة هي: متى (Matthew)، ومرقس (Mark)، ولوقا (Luke)، ويوحنا (John).” – ص. 52
ما معنى “مجهولة عمليًا”؟
يقول شاو: “وفقًا لهذا، حتى ينجح الادّعاء القائل إن الأناجيل كانت مجهولة عمليًا، فسيكون علينا أن نُصدّق أن الأناجيل نُسِخت مرات عديدة، بواسطة أشخاص مختلفين وكنائس مختلفة، وعلى مدى مناطق جغرافية واسعة، ولفترة زمنية طويلة. وأثناء هذه العملية، قررت هذه الكنائس المختلفة في مناطق متفرقة من حوض البحر الأبيض المتوسط أن تبدأ فجأة بإعطاء أسماء مؤلفين لهذه الكتابات. وحدث أن جميعها اختارت نفس الاسم لكل إنجيل.
وليس مرة واحدة فقط، بل أربع مرات – لكل إنجيل من الأناجيل الأربعة. هذا السيناريو يبدو مستبعدًا جدًا، بل عشوائيًا وملفّقًا. الأرجح أن الأناجيل كانت تحمل هذه الأسماء منذ البداية، لأنها ببساطة لم تكن مجهولة.” – ص. 48-49.
تقاليد العقائد في العهد الجديد (New Testament creedal traditions)
أولاً: ما المقصود بـ “تقليد عقائدي” (creedal tradition)؟
وفقًا لشاو، التقليد العقائدي هو عبارة عن مقطع قصير محفوظ شفهيًا، كان يُتداول داخل الكنيسة الأولى قبل تدوين العهد الجديد.
ثانيًا: ما علاقتها بالمزاعم في العهد الجديد؟
هذه الصيغ ليست تلك التي ظهرت لاحقًا مثل قانون نيقية، بل هي صيغ داخلية داخل العهد الجديد نفسه وتستخدم كأدلة قوية.
يقول شاو:
“يوجد العديد من التقاليد العقائدية في العهد الجديد. هذه العقائد تعبّر عن تقاليد شفهية كانت موجودة قبل كتابة العهد الجديد نفسه. من المقبول على نطاق واسع بين العلماء أن التقاليد التي يذكرها بولس تعود إلى حوالي الثلاثينيات الميلادية. نعلم أن بولس التقى بشخصيتين كبيرتين في المسيحية: بطرس (Peter) ويعقوب (James) بحسب غلاطية 1، واحدة من أقدم العقائد في العهد الجديد تبدأ في 1 كورنثوس 15:3، وهذه العقيدة مرتبطة بشهود عيان مثل بطرس ويعقوب وبولس نفسه. وتعتبر أقدم دليل تاريخي على قيامة يسوع، لأنها سبقت الأناجيل ورسائل بولس.” (ص. 61–62)
عليَّ أن أذكر أن هذه الحُجَّة تدحض فكرة أن العقائد ظهرت كزخرفة أسطورية بعد زمن طويل؛ بل إن الأناجيل والشهادات بدأت تُشكّل بُعيد وقت قريب من موت وقيامة يسوع.
المعايير التاريخية (Historical criteria)
ما الذي يُقنع المؤرخين أن حدثًا ما قد وقع فعلاً؟
يستخدم المؤرخون معايير عدة تزيد من احتمال وقوع الحدث إذا ما تم استيفاؤها، وهي تساعدهم في البحث حتى في المصادر التي يعتبرونها غير موثوقة، مشكوكًا فيها أو منحازة.
يقدم شاو أربعة معايير تنطبق على تنبؤ يسوع بموته وقيامته:
التواتر أو الشهادات المتعددة (Multiple attestation):
تكررت هذه التنبؤات في مصادر متعددة: على سبيل المثال، يخبر يسوع تلاميذه عن موته الوشيك وقيامته، فيقوم بطرس بتوبيخه. فيرد عليه يسوع بكلمات قوية: “اذهب عني يا شيطان”.
هذا الحدث مذكور في:
مرقس 8:31–33
متى 16:21–23
أما في لوقا 9:22، فذُكرت النبوّة فقط، دون ردّ بطرس أو توبيخ الرب له.
ومع ذلك، حين يرد الحدث نفسه في مرقس ومتى ولوقا (وهي الأناجيل الإزائية أو “Synoptic Gospels”)، يُعتبر في البحث النقدي عادةً كمصدر واحد فقط، [لأن هذه الأناجيل تعتمد جزئيًا على نفس المصادر أو التقاليد الشفهية.]
تعدد الصيغ (Multiple forms):
مذكورة في الأناجيل، وفي عقائد كـ 1 كورنثوس 11:24–25، ومن خلال الأمثال التي ضربها يسوع كمثل الكرّامين الأشرار (مرقس 12: 1-12). وعلامة يونان (متّى 12: 38-40) مثال آخر. وهكذا نجد تقارير عن هذه النبوءات في صيغ متعددة (روايات، عقائد، أمثال… إلخ).
التوثيق المبكّر (Reported early):
الأحداث الموجودة في صيغ متعددة، مثل تلك التي ذكرناها، تعتبر مبكرة. بالإضافة إلى ذلك، نجد المادة العقائدية في بولس تشير إلى العشاء الأخير. وبالطبع، نجدها أيضًا في أقدم إنجيل، إنجيل مرقس.
الشهادة المحرجة (Embarrassing testimony):
على سبيل المثال، توبيخ بطرس (Peter) للرب يسوع يمكن أن يُعد أمرًا محرجًا بحد ذاته (مرقس 8:32)،
لكن ما هو أكثر إحراجًا هو أن يسوع نفسه ينادي بطرس: “اذهب عني يا شيطان” (مرقس 8:33)!
وهذه الحادثة أكثر حساسية لأنها تتعلق بـ”بطرس”، الذي أصبح لاحقًا من أعمدة الكنيسة الأولى كما يشهد بولس في غلاطية 2:9.
والأمر اللافت أن هذا الحدث مذكور في إنجيل مرقس، الذي بحسب التقليد الكنسي يُعتبر مترجم بطرس.
لذلك، من غير المنطقي أن يكون بطرس قد اخترع رواية تظهره في موقف كهذا، ما يؤكد مصداقيتها.
لا يقف الأمر هنا، بل هناك أمور أخرى محرجة في النص: طريقة موت يسوع محرجة للغاية (1 كو 1: 23)، والبعض يرى أن صلاة يسوع في بستان جثسيماني قبل الصلب مربكة للغاية (مرقس 14: 32-41). – الصفحات. 69-70.
ويضيف شاو:
“المعايير التاريخية هنا شائعة الاستخدام اليوم للتقارير الحالية. وهي تزيد من احتمال وقوع الحدث، وتطبق على مصادر يُحتمل أن تكون موثوقة أو غير موثوقة على حد سواء.” (ص. 71)
المصادفات غير المقصودة (Undesigned coincidences)
لماذا تبدو نفس الرواية مختلفة عندما ترد في مصدرين مختلفين؟ ما الذي يجب أن نفكر فيه إذا كانت الروايتان تتفقان معًا مثل قطع الأحجية وتشكلان صورة أكبر؟ عندما يضيء توثيقان مستقلان بعضهما البعض بطرق تبدو غير مصمَّمة أو مقصودة، يمكن أن يزيد ذلك من احتمالية وقوع الحدث.
يرجع شاو إلى عمل “ليديا مكغرو” (Lydia McGrew):
“المصادفات غير المقصودة تحدث عندما تؤكّد نصوص مختلفة بعضها البعض دون قصد. من الصعب تصور وجود مثل هذا التطابق في مصدرين خياليين. هذه المطابقة تزيد من موثوقية الروايات لأنها تقدم تأكيدًا متبادلًا.” (ص. 80)
علم الآثار (Archaeology)
هل هناك أي دليل مادي يدعم الادعاءات الواردة في العهد الجديد؟ هل وصلتنا أية بقايا مادية تؤثر على فهمنا للعهد الجديد؟ هل هناك اكتشافات أثرية تتحدى العهد الجديد؟ يمكن للأدلة المادية التي نجت حتى الوقت الحاضر أن تلقي الضوء على جوانب مختلفة من الادعاءات الواردة في العهد الجديد، والتي يمكن أن تظهر إما أنها متسقة أو غير متسقة.
كما يقول شاو:
“علم الآثار يشكل بُعدًا خاصًا لدراسة الماضي، فهو يؤكّد البقايا المادية، ويضيف مصداقية للأحداث الموصوفة مثل قبر قيافا مقارنة بأدواره في النصّ. هناك اكتشافات أثرية تسهم في تعزيز موثوقية العهد الجديد، مثل تحذير الهيكل و’يوحنا’ Yohanan ضحية الصلب.” (ص. 89)
يجب أن أشير إلى أن هناك العديد من الاكتشافات الأثرية التي تؤيد شهادة العهد الجديد. انظر عمل تيتوس كينيدي Titus Kennedy في هذا الشأن.
المصادر غير المسيحية (Non-Christian sources)
ماذا تذكر المصادر غير المسيحية؟ هل هناك مصادر تؤكد تعاليم العهد الجديد أو تتفق معها؟ هل هناك مصادر تطعن في تقارير العهد الجديد؟ إذا كانت المصادر غير المسيحية تؤيد مزاعم العهد الجديد، فيبدو أن هذا سيضيف موثوقية لنصوص العهد الجديد.
يقول شاو:
“هناك مصادر غير مسيحية خارج العهد الجديد تشير إلى يسوع أو المسيحيين الأوائل: مثل نصوص موسّعة ليوسيفوس، وتاسيطوس، وبلينيوس الأصغر. رغم الطعون عليها، يُمكن استعادة نص يوسيفوس وتثبيته كمصدر غير مسيحي يدعم الرواية المسيحية. لا تذكر هذه المصادر مثلًا أن المسيح صُلب في مصر أو اليونان.” (ص.99)
وبينما أتفق مع هذا، عندما يطلب مني الناس كتابات خارج العهد الجديد، أسألهم دائمًا لماذا لا يمكنهم الوثوق بالعهد الجديد؟ يجيبون عمومًا بالقول إن المؤلفين متحيزون.
وعن التحيز المسيحي، يوضح شاو:
“أريد أن أؤكد أنه لمجرد أن المؤلف مسيحي، فإن هذا لا ينفي تلقائيًا ما يقوله ذلك المؤلف. ما يُطلب منا حينها فقط أن نكون على دراية بتحيز المؤلف (وكذلك تحيزنا). يرى المتشكك بارت إيرمان Bart Ehrman أنّ أياً من المؤرخين لن يرفض الروايات المبكرة من حرب الاستقلال الأمريكية فقط لأن مؤلفيها كانوا أمريكيين، بل ينبغي استخدامها كمصادر هامة. ويتضمن ذلك روايات جورج واشنطن وأنصاره. “إن رفض استخدامها كمصادر،” يكتب إيرمان، “يعني التضحية بأهم السبل المتاحة لنا للماضي، وعلى أسس أيديولوجية بحتة، وليس تاريخية.” ما هو تأثير ذلك على الأناجيل؟ يجيب: “وكذلك الأناجيل.”- ص. 92.
المصادر المسيحية غير القانونية (Noncanonical Christian sources)
ماذا تقول هذه المصادر؟
بمعنى آخر، ما الذي كانت الكنيسة الأولى تقوله عن يسوع والرسل؟ هل ترسم هذه المصادر صورة متسقة مع العهد الجديد؟ أم أنها تقدم تعاليم جديدة ومختلفة؟ إن كانت هذه المصادر تؤكد ما ورد في العهد الجديد، فهذا يعزز موثوقيته ويضيف طبقة أخرى من الاعتماد عليه.
يشير شاو:
“هذه المصادر ليست ضمن العهد الجديد، لكنها مبكرة وتقدم نظرة قيّمة على المسيحية الأولى، مثل:
كليمنضس الروماني (Clement of Rome)
إغناطيوس الأنطاكي (Ignatius of Antioch)
بوليكاربوس أسقف سميرنا (Polycarp of Smyrna)
(ص.107)
الأسفار القانونية ومصداقية العهد الجديد (New Testament Canon and Credibility)
كيف أصبح العهد الجديد مجموعة واحدة من الأسفار؟
وماذا عن الكتب التي لم تُدرج ضمن هذه المجموعة؟
هل هي أفضل من حيث الشهادة التاريخية؟
وإذا كانت الكنيسة قد جمعت العهد الجديد بناءً على معايير اعتمدت على النصوص الموثوقة، فهل هذا يدل على أن هذه الأسفار فعلاً يمكن الوثوق بها؟
يشرح شاو هذه المسألة قائلًا: “المعايير تساعد فعلاً على فهم تكوين القانون، لكن سيكون من الخطأ التاريخي (an anachronism) أن نقول إن الكنيسة الأولى كانت تبحث هنا وهناك عن كتابات موثوقة لتجميعها. بل بالحقيقة، كانت الكنيسة تملك بالفعل بعض الكتابات التي كانت تؤمن أنها موثوقة بدرجات متفاوتة.
بمعنى آخر، فإن المعايير التي استُخدمت لاحقًا لتحديد قانونية الأسفار، لم تكن عملية تقرير لما يجب أن يُضم، بل كانت محاولة من الكنيسة لـتفسير وتوضيح ما كان بين يديها أصلًا.
وهكذا، فإن هذه المعايير المعقولة تُقدّم زاوية واحدة فقط لفهم كيفية تكوُّن الأسفار القانونية للعهد الجديد.
ويقتبس شاو من العالِم الشهير بروس متزجر (Bruce Metzger) قوله:
“الكنيسة لم تُنشئ قانون العهد الجديد، بل جاءت لتعترف به، وتقبله، وتؤكده، وتُثبت الصفة الذاتية للتوثيق التي تميّزت بها بعض الأسفار، والتي فرضت نفسها على الكنيسة باعتبارها معتمدة وموحى بها. وإذا تم تجاهل هذه الحقيقة، فإن المرء لا يقع في صراع مع العقيدة فحسب، بل مع التاريخ ذاته.” (ص. 111)
التحوّل الروحي والحياتي (Spiritual and life transformation)
هل يوجد دليل على تغيُّر حقيقي في حياة الناس بما يتوافق مع تعاليم العهد الجديد؟
بمعنى آخر: إن كانت روايات العهد الجديد عن حياة يسوع وأعماله صحيحة، ومعها تعاليم الكنيسة الأولى، فينبغي أن نرى آثارًا واضحة لذلك من خلال التغيير في حياة الأفراد.
أعتقد أن هذه النقطة كثيرًا ما يُتغافل عنها، وأنا سعيد لأن شاو قد أشار إليها.
لقد قابلت عددًا كافيًا من المورمون والمسلمين الذين قالوا لي إن كتاب المورمون أو القرآن قد غيّر حياتهم.
ويقول شاو:
“لأكون واضحًا، أنا لا أقول إن مجرد تأثير كتاب ما يجعله موثوقًا، ولا أقول إن التحوُّل في حياة الإنسان يعني تلقائيًا أن مصدره موثوق.
ما أريد التأكيد عليه هو أن الحجّة هنا تتعلق بالاتساق (consistency).
من الواضح أن هناك كتبًا قد يكون لها تأثير كبير، ومع ذلك تكون خاطئة أو غير موثوقة.
فالأثر أو التغيير لا يُثبت الموثوقية، ولكنه يتّسق معها.
الفكرة هنا هي: إن كانت تعاليم العهد الجديد، على وجه التحديد، صحيحةً بالفعل، فمن الطبيعي أن يشعر الأفراد والمجتمعات بتأثيرها في حياتهم.” – ص. 119
ويتابع قائلاً:
“أنا لا أزعم أن تأثير المسيحية بحد ذاته يثبت موثوقيتها، بل أقول إن هذا التأثير ينسجم مع كونها موثوقة.
فإن كانت المسيحية حقًا، فنتوقّع أن يكون لها الآثار التي وصفها المؤرخ ليكي (Lecky).
وكما يشير المفكّر مانغالوادي (Mangalwadi)، فعندما نقرأ العهد الجديد ونفهمه بعمق، فإن تعاليمه تواجهنا وتتحدّانا.
ملايين الناس قرأوا هذه النصوص، اكتشفوا خطاياهم، وتابوا، وتركوا حياة الشر، وتبعوا يسوع.
هذه الخبرات المباشرة قادت إلى تغيّرات جذرية، لدرجة أن حتى من حولهم شهدوا على التغيير في حياتهم بشكل غير مباشر.” – ص. 127
المقاربة القائمة على “الوقائع الدنيا” (Minimal Facts approach)
هل يمكن تأكيد الوقائع الأساسية في رسالة الإنجيل، حتى لو كانت بعض جوانب العهد الجديد غير موثوقة بنظر البعض؟
هل هناك حقائق تاريخية عن موت يسوع وقيامته يتفق عليها العلماء من خلفيات لاهوتية مختلفة، لأنها مدعومة بأدلة قوية؟
إن كان الجواب نعم، فهذا يعطي قوة إضافية للحجج التي سبقت في النقاط الاثنتي عشرة أعلاه.
يعرض شاو هنا ما يُعرف بـ”المقاربة القائمة على الوقائع الدنيا” (Minimal Facts Approach). وتقوم هذه المقاربة على معيارين:
أن تكون هذه الوقائع مدعومة بأدلة تاريخية متعددة.
أن يكون هناك إجماع واسع بين العلماء من مختلف الخلفيات (من المشككين إلى المؤمنين) حول صحة هذه الوقائع.
وتعتمد هذه المقاربة على نهج من الأسفل إلى الأعلى يبدأ بالأحداث الأكثر موثوقية.
ويورد شاو أهم هذه الوقائع الدنيا:
أن يسوع مات مصلوبًا.
أن التلاميذ اختبروا ظهورات ليسوع القائم من الموت.
أن التلاميذ كانوا مستعدّين أن يتألّموا ويموتوا من أجل إيمانهم.
أن يعقوب، أخا يسوع الجسدي والذي كان مشكّكًا، تحوّل وآمن به بعد القيامة.
أن بولس، مضطهد الكنيسة، آمن بالمسيح وتحول جذريًا.
بشكلٍ عام، أنا معجب جدًا بالطريقة التي قدّم بها شاو هذا المحتوى.
أنا شخصيًا أفضل العرض المنهجي المبني على نقاط واضحة، وهذا الكتاب لم يخيب ظني.
أراه مصدرًا ممتازًا للتعليم للمدافعين والباحثين، بل وحتى الشخص العادي الباحث عن الحق.
كما أنه يمكن أن يكون كتابًا مناسبًا لإعطائه لشخص يتساءل عن موثوقية العهد الجديد. آمل أن تحصل على نسخة منه.
لكن التقاليد الأخرى في الأناجيل تعود بالتأكيد إلى الأصول الآرامية. هذا مهم للغاية. كان اليهود الآراميون في موطن يسوع يروون قصصًا عنه قبل أن يكتب بولس رسائله في الخمسينيات من العصر المسيحي (يبدأ هذا العصر من التاريخ التقليدي لميلاد يسوع)، ويمكن القول في غضون بضع سنوات من التاريخ التقليدي لوفاته. أحد أسباب أهمية هذا الأمر هو أن معظم الأسطوريين يريدون أن يجادلوا بأنه منذ أن كُتبت رسائل العهد الجديد قبل الأناجيل، وبما أن الرسائل، وخاصة رسائل بولس، تقول القليل أو لا تقول أي شيء (كما يجادلون- الأسطوريون) عن يسوع التاريخي ولكن بدلاً من ذلك تحدثت فقط عن المسيح الأسطوري الذي -مثل الآلهة الوثنية (مرة أخرى، كما يجادلون) مات وقام من بين الأموات-، ثم لا تدعم السجلات المبكرة للمسيحية فكرة أن يسوع عاش بالفعل؛ وأنه كان مجرد مفهوم أسطوري. سوف أزعم أن هذا المنظور خاطئ من جميع النواحي. أحد الأسئلة الرئيسية، كما سنرى، هو ما إذا كانت هناك أساطير شائعة عن احتضار/موت الآلهة وقيامتها. علاوة على ذلك، من السذاجة الاعتقاد بأن مثل هذه الأساطير، إن وجدت، قد لعبت أي دور في عالم أتباع يسوع اليهود الأوائل في فلسطين. بالإضافة إلى ذلك، هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن بولس كان يعلم جيدًا أن هناك يسوعًا تاريخيًا تحدث عنه واقتبس منه بالفعل. اعتقد بولس أن هذا الشخص التاريخي قد تم رفعه إلى مستوى الألوهية، ولكن بالنسبة لبولس لم يكن إلهًا من النوع المائت-القائم من الموت مثل أولئك الذين نوقشوا بين الوثنيين، إذا كان هناك في الواقع مثل هذه النظرة الوثنية على الإطلاق. 1
في قلب كل الألغاز الوثنية المختلفة، كان جزم فريك وغاندي، بأسطورة إله متجسد مات وقام من بين الأموات. تم تسمية هذه الشخصية بأسماء مختلفة في الألغاز الوثنية: أوزوريس، ديونيسوس، أتيس، أدونيس، باكوس، ميثرا. لكن “كل هؤلاء الآلهة البشرية هم في الأساس نفس الكائن الأسطوري” (4). السبب الذي جعل فريك وغاندي يعتقدان ذلك هو أنه من المفترض أن جميع هذه الشخصيات تشترك في نفس الأساطير: كان والدهم هو الله؛ كانت امهم عذراء فانية. وُلِدَ كُلُّ منهم في كهف في 25 كانون الأول (ديسمبر) أمام ثلاثة رعاة وحكماء؛ بين معجزاتهم حولوا الماء الى خمر. جميعهم دخلوا المدينة على حمار. صُلِبوا جميعًا في عيد الفصح ذبيحة عن خطايا العالم. نزلوا الى الجحيم. وفي اليوم الثالث قاموا مرة أخرى. بما أن هذه الأشياء نفسها قيلت عن يسوع أيضًا، فمن الواضح أن القصص التي يؤمن بها المسيحيون هي مجرد تقليد للأديان الوثنية. إن المؤرخين الحقيقيين للعصور القديمة يثورون فزعاً بسبب مثل هذه التأكيدات – أو سيكونون كذلك إذا كلفوا أنفسهم عناء قراءة كتاب فريك وغاندي. لا يقدم المؤلفان أي دليل على ادعاءاتهما المتعلقة بالأساطير القياسية للألهة البشرية. لم يذكرا أي مصادر من العالم القديم يمكن التحقق منها. ليس الأمر أنهما قدما تفسيرًا بديلاً للأدلة المتاحة. لم يستشهدا حتى بالأدلة المتاحة. ولسبب وجيه. لأنه لا يوجد مثل هذا الدليل.
ما الدليل، على سبيل المثال، على أن أوزوريس ولد في 25 ديسمبر أمام ثلاثة رعاة؟ أم أنه صلب؟ وأن موته أتى بالتكفير عن الخطية؟ أم أنه عاد إلى الحياة على الأرض بقيامته من الأموات؟ في الواقع، لا يوجد مصدر قديم يقول أي شيء من هذا القبيل عن أوزوريس (أو عن الآلهة الأخرى). لكن فريك وغاندي يدعيان أن هذه معرفة عامة. وهما “يثبتان” ذلك من خلال الاستشهاد بكتاب آخرين من القرنين التاسع عشر والعشرين قالوا ذلك. لكن هؤلاء الكتاب أيضًا لا يستشهدون بأي دليل تاريخي. كل هذا يعتمد على التأكيد، الذي صدقه فريك وغاندي لمجرد أنهما قرأه في مكان ما. هذه ليست دراسة تاريخية جادة. إنها كتابة مثيرة مدفوعة بالرغبة في بيع الكتب. 2
على الرغم من أن مثل هذه الآراء حول الآلهة الوثنية كانت منتشرة على نطاق واسع في بعض الدوائر لسنوات، إلا أنها قوبلت بنقد مدمر بالقرب من نهاية القرن العشرين. هناك، بالتأكيد، علماء هنا أو هناك يواصلون الاعتقاد بأن هناك بعض الأدلة على موت الآلهة وقيامها. لكن حتى هؤلاء العلماء، الذين يبدو أنهم من الأقلية، لا يعتقدون أن هذه الفئة لها أي صلة بفهم التقاليد عن يسوع. “…” هل يمكن لأي شخص أن يذكر مصدرًا واحدًا من أي نوع يشير بوضوح إلى أن الناس في ريف فلسطين، على سبيل المثال، في أيام بطرس ويعقوب، كانوا يعبدون إلها وثنيًا مات وقام مرة أخرى؟ يمكنكم الوثوق بي، إذا كان هناك مصدر كهذا، فسيتم التحدث عنه من قبل كل من يهتم بالمسيحية المبكرة. إنه غير موجود.3
ولادة المسيح من عذراء وموته الكفاري مُقتبسان من أساطير وثنية؟
هناك مشاكل أخرى مع ادعاءات الأسطوريين بأن يسوع قد تم اختراعه ببساطة كرجل آخر من الرجال الإلهيين القدماء. في كثير من الحالات، على سبيل المثال، فإن أوجه التشابه المزعومة بين قصص يسوع وقصص الآلهة الوثنية أو الرجال الإلهيين ليست قريبة في الواقع. عندما قال المسيحيون أن يسوع وُلِدَ من عذراء، على سبيل المثال، أصبحوا يقصدون أن والدة يسوع لم تمارس الجنس قط. في معظم حالات الرجال الإلهيين، عندما يكون الأب إلها والأم فانية، يكون الجنس بالتأكيد ذا صلة. الطفل حرفيا جزء من الإنسان وجزء من الإله. المرأة الفانية ليست عذراء. لقد مارست الجنس الإلهي.
في حالات أخرى، يتم اختلاق المتوازيات ببساطة. أين تتحدث أي من المصادر القديمة عن رجل إلهي صُلِبَ كفارة عن الخطية؟ حتى الآن، على حد علمي، لا توجد أوجه تشابه مع هذا الادعاء المسيحي المركزي. ما تم اختراعه هنا ليس يسوع المسيحي بل الادعاءات الأسطورية عن يسوع. أنا لا أقول إنني أعتقد أن يسوع قد مات حقًا للتكفير عن خطايا العالم. أنا أقول إن ادعاءات المسيحيين حول تضحية المسيح الكفارية لم تُسرق من الإدعاءات الوثنية عن الرجال الإلهيين. لم يكن الموت للتكفير عن الخطية جزءًا من الأساطير الوثنية القديمة. إن الأسطوريين الذين يدعون أنه الأمور كانت كذلك يتخيلون الأشياء ببساطة. 4
هل الأناجيل مصادر تاريخية؟
في أحد طرفي الطيف، غالبًا ما يتعامل المسيحيون الإنجيليون الأصوليون والمحافظون مع الأناجيل على أنها أدب لا يشبه أي شيء آخر تم إنتاجه لأن هذه الكتب، في رأيهم اللاهوتي، موحى بها من الله. من وجهة النظر هذه، فإن الأدب الموحى به لا يخضع لنفس النوع من البحث التاريخي والنقدي مثل الأنواع الأخرى من الأدب.
أعتقد أن هذا خطأ، وليس فقط لكوني “لا أدري” لا يؤمن بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله الموحى بها. اعتقدت أن هذا النهج كان خاطئا حتى عندما كنت مسيحيًا ملتزمًا ومؤمنا. إنه خطأ لأنه أيا كان ما قد تفكر فيه بشأن أسفار الكتاب المقدس – سواء كنت تؤمن بها أم لا، سواء كنت تعتبرها موحى بها أم لا – فهي لا تزال كتبًا. أي أنه كتبها أشخاص في ظروف وسياقات تاريخية وعلى وجه التحديد في ضوء تلك الظروف والسياقات. لا توجد طريقة وهبها الله لتفسير الأدب الذي يعطيه للناس، حتى لو وجدت مثل هذه الأدبيات. لا تزال نوع من الأدب. ويجب أن يتم تفسيرها كما يتم تفسير الأدب. لا يوجد تفسير خاص تم تناقله من أعلى لتوجيه قراءة هذه الكتب في مقابل كل الكتب الأخرى. كان مؤلفوهم مؤلفين بشريين (سواء تم إلهامهم من قبل الله أم لا)؛ كتبوا بلغات بشرية وفي سياقات بشرية؛ يمكن التعرف على كتبهم على أنها كتب بشرية، كتبت وفقًا للأعراف البلاغية في حقبتهم التاريخية. إنهم بشر وتاريخيون، أيا كان ما قد تفكر فيه بشأنهم، ومعاملتهم بشكل مختلف هو إساءة معاملتهم وإساءة فهمهم.
في نفس الوقت، هناك معلومات تاريخية في الأناجيل. هذه المادة التاريخية تحتاج إلى التفكك من خلال تحليل دقيق ونقدي. قبل القيام بذلك، يجب أن أبدي ملاحظة أولية حول الأناجيل كمصادر تاريخية. في بعض الأحيان يتم فصل أناجيل العهد الجديد عن جميع الأدلة التاريخية الأخرى وتُعطى نوعًا مختلفًا من المعاملة لأنها موجودة في الكتاب المقدس، مجموعة الكتب التي جمعها المسيحيون معًا وأعلنوا الكتاب المقدس. يتم التعامل مع الأناجيل بهذه الطريقة من قبل معسكرين متعارضين بشكل أساسي من القراء، وحجتي هي أن كلاهما مخطئ تماما. ومع ذلك، تُستخدم الأناجيل – على سبيل المثال، في مجتمعات الإيمان – يمكن ويجب اعتبارها مصادر تاريخية للمعلومات.
في الطرف الآخر من الطيف، هناك مجموعة أخرى تصر على أن أسفار الكتاب المقدس تحتاج إلى معالجة منفصلة. هؤلاء هم بعض اللاأدريين والملحدين الذين يدعون أنه بما أن الأناجيل، على سبيل المثال،
جزء من الكتاب المقدس المسيحي، فإن لها قيمة أقل من الكتب الأخرى لتأسيس المعلومات التاريخية. وبقدر ما قد يبدو غريباً، فإن غير المؤمنين الذين يجادلون في هذا الأمر يشتركون مع الأصوليين الذين يجادلون في ذلك. كلتا المجموعتين تتعامل مع الأناجيل على أنها غير تاريخية، من ناحية الأصوليين لأن الأناجيل وحي إلهامي ومن ناحية الملحدين (أولئك الذين يحملون هذا الرأي) لأن بعض الناس يقبلون الأناجيل على أنها كتاب مقدس وبالتالي فهي ليست تاريخية.
إن رأي الملحدين في الكتاب المقدس على أنه غير تاريخي ليس أفضل من الرأي الأصولي. الحقيقة هي أن مؤلفي الأسفار التي أصبحت الكتاب المقدس لم يعرفوا أنهم كانوا ينتجون أسفارًا ستُعتبر فيما بعد كتابًا مقدسًا، وربما لم يكن لديهم نية لإنتاج الكتاب المقدس. كان كتاب الإنجيل – مسيحيون مجهولون يتحدثون اليونانية يعيشون بعد خمسة وثلاثين إلى خمسة وستين عامًا من التاريخ التقليدي لموت يسوع – يكتبون ببساطة الأحداث التي سمعوها من حياة يسوع. قد تكون بعض هذه الأحداث دقيقة من الناحية التاريخية، والبعض الآخر قد لا يكون كذلك. لكن المؤلفين لم يكتبوا معتقدين أنهم كانوا يقدمون الكتب المقدسة للتقاليد المسيحية. كانوا ببساطة يكتبون كتباً عن يسوع.
لم يكن لهؤلاء المؤلفين أي علاقة بالتطورات اللاحقة، مثل أن كتبهم كانت تعتبر موحى بها ووضعت في قانون وأطلق عليها اسم العهد الجديد. كان الكتاب أشخاصًا حقيقيين، أحياء، يتنفسون، تاريخيون؛ كانوا قد سمعوا تقارير عن يسوع. ربما قرأوا روايات سابقة عن حياته؛ وقرروا كتابة نسخهم الخاصة. يخبرنا “لوقا” (من كان حقا وأي اسم كان لديه) بهذا بنفسه، في بداية الإنجيل الثالث: “في حين حاول الكثيرون تجميع سرد للأشياء التي تحققت بيننا، تماما مثلما سلمها لنا شهود العيان وخدام الكلمة، بدا لي أيضًا أنه من الجيد، بعد أن تابعت كل هذه الأمور عن كثب منذ البداية، أن أكتب لك تقريرًا منظمًا”. (1: 3-1).
يجب أن أشدد على أنني لا أقول إن لوقا وكتاب الإنجيل الآخرين كانوا يحاولون تقديم روايات نزيهة عن حياة يسوع. لم يكن هؤلاء المؤلفون غير مهتمين بأي شيء، ويجب أن تكون تحيزاتهم في الصدارة والوسط في أذهان النقاد عند تقييم ما سيقولونه. لكن في الوقت نفسه، كانوا أشخاصًا تاريخيين يقدمون تقارير عن أشياء سمعوها، مستخدمين أنماطاً تاريخية من البلاغة والعرض. حقيقة أن كتبهم أصبحت فيما بعد وثائق إيمانية ليس لها تأثير على مسألة ما إذا كان لا يزال من الممكن استخدام الكتب لأغراض تاريخية. إن استبعاد الأناجيل من السجل التاريخي ليس عادلاً ولا علميًا.
ومع ذلك، فإن بعض الأسطوريين يفعلون ذلك بالضبط. وكمثال واحد فقط، يشير إنجيل لوقا إلى أن مسقط رأس يسوع كانت الناصرة. كما سنرى لاحقًا في الكتاب، ينكر العديد من الأسطوريون أن الناصرة كانت موجودة في أيام يسوع، ويرفضون أخذ كلمة لوقا والأناجيل الأخرى من أجلها، ولا يعتبرونهم مصادر تاريخية حسنة السمعة لأنهم جزء من الكتاب المقدس. لكن الحقيقة هي أن لوقا ورث التقاليد الشفوية عن يسوع وعلاقته بالناصرة، وسجل ما سمعه. ربما كان ما سمعه صحيحًا أو ربما كان خاطئًا، لكن حقيقة أن المسيحيين اللاحقين بعد وفاته بفترة طويلة وضعوا كتابه في قانون العهد الجديد لا علاقة له بذلك. كتابات لوقا عن يسوع لا تحمل وزنًا أكثر أو أقل من كتابات أي كاتب سيرة قديم آخر (سويتونيوس، على سبيل المثال، أو بلوتارخ) – أو ربما مقارنة أكثر ملاءمة، لأي كاتب سيرة لشخص متدين، مثل فيلوستراتس وروايته عن بليناس الحكيم Apollonius of Tyana.
تأمل في القياس. نحن لا نستبعد الروايات الأمريكية المبكرة عن الحرب الثورية لمجرد أنها كتبها أمريكيون. نحن نأخذ تحيزاتهم في الاعتبار وأحيانًا نأخذ أوصافهم للأحداث بكثير من الحذر. لكننا لا نرفض
استخدامها كمصادر تاريخية. لا تزال الروايات المعاصرة لجورج واشنطن، حتى من قبل أتباعه المخلصين، قيمة كمصادر تاريخية. إن رفض استخدامها كمصادر هو التضحية بأهم السبل للماضي لدينا، وعلى أسس أيديولوجية بحتة، وليست تاريخية.
وكذلك الأناجيل. أيا كان ما يعتقده المرء على أنه كتاب مقدس موحى به، فيمكن رؤيته واستخدامه كمصادر تاريخية مهمة. 5
هل تؤثر اختلافات المخطوطات على صياغة محتوى العهد الجديد؟
تحتوي مخطوطات العهد الجديد بالفعل على عدد كبير من الاختلافات فيها: طرق بديلة لصياغة آية أو مقطع. إغفال الكلمات أو الجمل؛ إدراجات إضافية للكلمات والجمل هنا وهناك. لكن المشكلة ليست من النطاق الذي يجعل من المستحيل الحصول على أي فكرة عما كتبه المؤلفون المسيحيون القدماء. إذا لم يكن لدينا أدنى فكرة عما كان في الأصل في كتابات بولس أو في الأناجيل، فقد يكون لهذا الاعتراض وزن أكبر. لكن لا يوجد ناقد نصي على هذا الكوكب يعتقد هذا، حيث لا توجد ذرة من الأدلة تقود في هذا الاتجاه. وأنا لا أعرف حتى أي خبير أسطوري على استعداد لتقديم هذا الادعاء. ونتيجة لذلك، في الغالبية العظمى من الحالات، لم تكن صياغة هؤلاء المؤلفين محل نزاع. 6
هناك مصادر كثيرة مستقلة لحياة المسيح
هنا مرة أخرى شاهد مستقل لحياة وموت يسوع [الرسالة إلى العبرانيين]. وبالتالي ليس لدينا فقط سبعة شهود إنجيلية مستقلة لمعرفة أن يسوع موجود؛ لدينا أيضًا عظات سفر أعمال الرسل، وبعضها متجذر في التقاليد الفلسطينية المبكرة، وسرد أعمال الرسل، ورسائل العهد الجديد، وثلاثة آباء للكنيسة [بابياس وإكليمندس الروماني وإغناطيوس الأنطاكي] – كلهم مستقلين بشكل واضح عن بعضهم البعض. 7
المصادر ليسوع التاريخي أكثر من أي شخص في العالم القديم & الأناجيل الأبوكريفية لا يعتد بها
هناك، بالطبع، الكثير من الأناجيل الأخرى، حوالي أربعين أو نحو ذلك، حتى أوائل العصور الوسطى، غير موجودة في العهد الجديد. وتشمل هذه روايات عن يسوع عندما كان مولودًا جديدًا وكطفل صغير، حيث يستخدم قواه الخارقة أحيانًا للإيذاء وأحيانًا للخير؛ روايات إرساليته العامة؛ روايات موته وقيامته. جميع هذه الروايات تقريبًا، بالطبع، أسطورية للغاية، ومع مرور الوقت تصبح أقل قيمة كمصادر تاريخية مستقلة. لكن إذا قصرنا أنفسنا هنا، كما فعلنا سابقًا، على مائة عام بعد التاريخ التقليدي لموت يسوع، فلدينا على الأقل سبع روايات مستقلة، بعضها واسع جدًا. (من المهم أن نتذكر: حتى إذا كانت بعض هذه المصادر تعتمد على بعضها البعض في بعض المقاطع – على سبيل المثال، متى ولوقا على مرقس – فهي مستقلة تمامًا في البعض الآخر، وإلى هذا الحد فهم شهود مستقلون). وهكذا من الخطأ القول إن مَرقُس هو شهادتنا المستقلة الوحيدة ليسوع كشخص تاريخي. التقارير الستة الأخرى إما مستقلة كليًا أو جزئيًا أيضًا. بالنسبة للمؤرخ، توفر هذه مجموعة كبيرة من المواد للعمل معها، وهو أمر غير مألوف تمامًا لتقارير قيلت أي شخص، حرفيًا أي شخص، من العالم القديم. 8
مسألة وجود يسوع وإنه كان واعظ ومعلم يهودي هي وجهة نظر كل باحث مدرب على كوكب الأرض
على الرغم من هذا النطاق الهائل من الآراء، هناك العديد من النقاط التي يتفق عليها جميع علماء العصور القديمة تقريبًا. كان يسوع رجلاً يهوديًا معروفًا بكونه واعظًا ومعلمًا، وقد صُلِب (شكل روماني للإعدام) في أورشليم في عهد الإمبراطور الروماني طيباريوس، عندما كان بيلاطس البنطي حاكمًا على اليهودية. على الرغم من أن هذه هي وجهة نظر كل باحث مدرب على هذا الكوكب تقريبًا، إلا أنها ليست وجهة نظر مجموعة من الكتاب الذين عادةً ما يُطلق عليهم، وغالباً ما يطلقون على أنفسهم، أسطوريون. 9
الأناجيل القانونية مكتوبة في القرن الأول
هذا هو الحال بشكل خاص، بالطبع، في تلك المقاطع (أغلبها) التي لا تتداخل فيها قصص يوحنا مع تلك الخاصة بالأناجيل الإزائية. وهذا صحيح بنفس القدر فيما يتعلق برواية يوحنا عن موت يسوع. يعتبر يوحنا بشكل عام آخر أناجيلنا الكنسية، وهو مؤرخ 90-95م. لذلك في القرن الأول، لدينا أربع روايات مستقلة عن حياة يسوع وموته (كان متى ولوقا مستقلين في عدد لا بأس به من قصصهما المؤيدة؛ ومن المحتمل أن يوحنا في جميع قصصه وبالتأكيد في معظمها).10
تحيز المؤرخين
علاوة على ذلك، من الواضح أنه من الأفضل أن يتم الإبلاغ عن هذه القصص المكثفة في مصادر غير مهتمة. وهذا يعني، إذا كان شخص ما متحيزا تجاه الموضوع، فيجب أخذ التحيز في الاعتبار. تكمن المشكلة بالطبع في أن معظم المصادر متحيزة: إذا لم يكن لديهم أي مشاعر حول الموضوع، فلن يتحدثوا عنه.11
تعاليم سامية عن يسوع في إنجيل يوحنا
من أبرز سمات إنجيل يوحنا ادعاءاته السامية عن يسوع. هنا، يسوع هو بالتأكيد الله وهو في الواقع مساو لله الآب قبل مجيئه إلى العالم، وأثناء وجوده في العالم، وبعد مغادرته للعالم. تأمل المقاطع التالية، الموجودة فقط في يوحنا من بين الأناجيل الأربعة:
في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، والكلمة كان الله، والكلمة صار جسداً وحل بيننا، وقد رأينا مجده، مجده كمجد فريد أمام الآب، مملوء نعمة وحق. . (1): 1، 14؛ لاحقًا سُمي هذا الكلمة المتجسد باسم “يسوع المسيح” (آية 17).
لكن يسوع أجابهم، “أبي لا يزال يعمل وأنا أيضًا أعمل” وهذا هو السبب في أن اليهود سعوا أكثر لقتله، لأنه لم يكن فقط قد كسر السبت، بل كان يدعو الله أيضًا أباه، وبالتالي جعل نفسه مساويا لله. (5: 18-17)
[قال يسوع]: حقًا أقول لكم، قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن “(8: 58)
قال يسوع] “أنا والآب واحد”. (10: 30)
فقال له فيلبس يا سيد أرنا الآب فنشبع. قال له يسوع: “هل كنت معكم كل هذا الوقت يا فيلبس وما زلت لا تعرفني؟ من رآني فقد رأى الآب”. (14: 9-8)
[صلى يسوع إلى الله]: “لقد قمت بتمجيدك على الأرض بإنهاء العمل الذي أعطيتني لأقوم به. لذا الآن، أيها الآب، مجدني في حضورك بالمجد الذي كان لي في حضرتك قبل وجود العالم.” (17: 5-4)
[صلى يسوع]: “أيها الآب، أرغب أن يكون أولئك الذين أعطيتني أيضًا معي حيث أنا، ليروا مجدي، الذي أعطيته لي لأنك أحببتني قبل تأسيس العالم.” (24: 17).
أجابه توما، “ربي وإلهي! (20: 28)
أريد أن أكون واضحًا: ليس يسوع هو الله الآب في هذا الإنجيل. لقد أمضى الإصحاح 17 كله في الصلاة لأبيه، وكما أشرت سابقًا، فهو لا يتحدث إلى نفسه. لكنه أُعطي مجدًا مساويًا لمجد الله الآب. وكان له ذلك المجد قبل أن يأتي إلى العالم. عندما يغادر هذا العالم، يعود إلى المجد الذي كان له من قبل. للتأكيد، يأتي المسيح هنا ليتم “تمجيده” – تحدث عدة مرات عن صلبه على أنه “مرفوع” – تلاعب بالكلمات التي تشير إلى “رفعه على الصليب” و “رفعه” إلى السماء كنتيجة. لكن التمجيد ليس إلى حالة أعلى من تلك التي كان يمتلكها سابقًا، كما في بولس. بالنسبة ليوحنا، كان بالفعل “الله” و “مع الله” في حالته قبل التجسد ككائن إلهي. لا يمكن رؤية هذا الرأي بشكل أوضح في أي مكان آخر مما ورد في أول ثمانية عشر آية من الإنجيل، والتي تسمى كثيرًا مقدمة يوحنا. 12
لا أعتبر نفسي معاديًا للمسيحية
أتوقع أن أحصل على رد فعل مختلف تمامًا من هذا الكتاب [هل وُجِدَ يسوع؟] عن ردود الفعل للكتب الأخرى التي كتبتها على مر السنين. عادة، ولكن لدهشتي الصادقة، يتم اتهامي – أو شكري، اعتمادًا على من إنتماء الشخص الذي يكتب لي – بكوني معاديًا للمسيحية بسبب الأشياء التي أقولها في كتبي. أجد هذا مفاجئًا لأنني لا أعتبر نفسي مُعادياً للمسيحية. عندما أخبر الناس بهذا، غالبًا ما أحصل على رد غير مصدق: بالطبع أنت مُعادٍ للمسيحية. انظر إلى كل الطرق التي تهاجم بها المسيحية!13
أحب الكتاب المقدس بشكل شخصي
أعتقد أن الكتاب المقدس هو كتاب عظيم أو مجموعة كتب. وفي هذا قد أختلف مع العديد من أصدقائي الملحدين واللاأدريين والإنسانيين الذين كانوا يهتفون لي بسبب أعمالي الأخرى. لكنني شخصياً أحب الكتاب المقدس. كنت أقرأه طوال الوقت باللغتين اليونانية والعبرية الأصليين. أنا أتعلمه وأدرّسه لغيري. لقد فعلت ذلك منذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا. ولا أخطط للتوقف في أي وقت قريبًا. 14
الكتاب المقدس أهم كتاب في تاريخ الغرب ويسوع أهم شخص في تاريخ الغرب وبولس له تأثير هائل على الغرب
لماذا يجب أن يكون مختلفًا مع الكتاب المقدس؟ أنا أقوم بتدريس الكتاب المقدس ليس لأنني شخصياً مؤمن بالكتاب المقدس ولكن لأنه، مثل كل هذه الموضوعات الأخرى، مهم. في الواقع، إنه مهم بشكل غير عادي. يمكن للمرء أن يجادل بسهولة في أن الكتاب المقدس هو أهم كتاب في تاريخ الحضارة الغربية. ما هو الكتاب الآخر الذي يقترب من حيث الأهمية التاريخية والاجتماعية والثقافية؟ من منا لا يريد معرفة المزيد عن كتاب غير حياة الملايين وأثر على حضارات بأكملها؟ من المهم ليس فقط للمؤمنين. إنه مهم لنا جميعًا – على الأقل بالنسبة لنا جميعًا المهتمين بتاريخ البشرية، والمجتمع، والثقافة.
يمكن للمرء أن يجادل أيضًا بأن يسوع هو أهم شخص في تاريخ الغرب، من منظور تاريخي أو اجتماعي أو ثقافي، بعيدًا تمامًا عن أهميته الدينية. وبالطبع فإن المصادر الأولى للمعلومات التي لدينا عنه، وهي أناجيل العهد الجديد، مهمة للغاية. وليس فقط الأناجيل، بل كل كتب العهد الجديد.
يجب أن أعترف أنه عندما أقوم بتدريس دورة مقدمة عن العهد الجديد للطلاب الجامعيين، فإنني أقضي وقتا أطول في الحديث عن يسوع والأناجيل مقارنة ببقية العهد الجديد، بما في ذلك كتابات بولس. ليس الأمر أن بولس غير مهم. بل على العكس تمامًا، فهو أيضًا يتمتع بأهمية كبيرة في كل شيء. لكن بالنظر إلى هذا الاختيار، فأنا شخصيًا مهتم أكثر بالأناجيل ويسوع وأكثر التزاما بهما. لا ينطبق هذا على العديد من أصدقائي الذين يقومون بتدريس العهد الجديد في الكليات والجامعات والمعاهد اللاهوتية ومدارس اللاهوت في جميع أنحاء أمريكا الشمالية. الكثير منهم مفتونون تمامًا ببولس ويركزون كل أبحاثهم وقدرًا كبيرًا من تعاليمهم على بولس. كان لبولس أيضًا تأثير هائل على الغرب، وفي كثير من النواحي فإن تفسير كتاباته أصعب بكثير من تفسير الأناجيل. يكرّس بعض العلماء حياتهم الدراسية بأكملها لمحاولة فهم تعاليم رسالة واحدة من رسائل بولس. 15
[عندما يقسم بولس أنه لا يكذب، فأنا أصدقه بشكل عام.]16
بولس ينقل تقليد فيه يسوع التاريخي يتوقع موته
يعرف بولس أن يسوع كان معلمًا لأنه يقتبس العديد من أقواله. سوف أتعامل مع هؤلاء بعد لحظات. في الوقت الحالي، من الجدير بالذكر أنه تم تسليم اثنين من أقوال يسوع التي اقتبسها بولس، كما يخبرنا، في العشاء الأخير في نفس الليلة التي تم فيها تسليم يسوع إلى السلطات لمواجهة مصيره.
عندما يقول بولس إنه “تلقى” هذا التقليد “من الرب”، يبدو أنه يقصد بطريقة ما – في إعلان؟ – صدق الرواية قد أكده له الله أو يسوع نفسه. لكن مصطلح “تَسَلَّمْتُ” و “سَلَّمْتُكُمْ”، كما يلاحظ العلماء غالبًا، هو نوع اللغة المستخدمة بشكل شائع في الأوساط اليهودية للإشارة إلى التقاليد التي يتم نقلها من معلم – راباي – إلى آخر. في هذه الحالة، لدينا تقليد عن عشاء يسوع الأخير، والذي يعرفه بولس بوضوح. المشهد الذي يصفه قريب جدًا من وصف الحدث في إنجيل لوقا (مع بعض الاختلافات الرئيسية)؛ إنه أقل تشابها مع متى ومرقس……. لذلك ربما لا يشير بولس إلى خيانة يهوذا في المقطع المتعلق بالعشاء الأخير في كورنثوس الأولى 11: 23-25. لكنه يشير بوضوح إلى حدث تاريخي. من المهم ملاحظة أنه يشير إلى حدوث هذا المشهد في الليل. هذه ليست إشارة أسطورية غامضة ولكنها إشارة تاريخية ملموسة. يعلم بولس أن يسوع قد تناول العشاء الأخير مع تلاميذه حيث تنبأ بقرب موته، في نفس الليلة التي تم فيها تسليمه إلى السلطات.17
كيف لشخص مثل يسوع وكل ما صنعه ألا يُذكر في مصادر كثيرة جدًا؟
لا يمكنك القول إنه يسوع كان سيذكر لأن أي شخص فعل كل تلك الأعمال المعجزية المدهشة سيُذكر بالتأكيد. كما أشرت سابقًا، يجب أن يأتي السؤال عما فعله يسوع بالفعل بعد أن نثبت أنه وُجِدَ، وليس قبل ذلك. 18
هل تمتلئ جميع قصص الأناجيل بمواد أسطورية؟
تم التأكيد على الطابع الأسطوري لروايات إنجيل يسوع من قبل جميع الأسطوريين تقريبًا، ولكن لا أحد منهم مع صرامة وشغف روبرت برايس، الذي تردد The Christ-Myth Theory and Its Problems echoes أصداء نظرية أسطورة المسيح ومشاكلها مؤخرًا، في هذا الصدد، العديد من المواضيع وتعيد ذكر العديد من الاستنتاجات التي توصل إليها في عمله السابق، The Incredible Shrinking Son of Man ابن الإنسان الخجول المذهل. سأتناول جوانب مهمة من قضية برايس ضد يسوع التاريخي في الفصل التالي. أريد الآن أن أؤكد أن تأكيده – صفحة رئيسية مطورة بعد صفحة – على أن روايات الإنجيل تحتوي على مادة أسطورية، عندما يُنظر إليها من منظور أكثر توازناً، فهي ذات صلة هامشية فقط بمسألة ما إذا كان يسوع موجودًا أم لا.
إن حجة برايس معقدة، ومن الصعب بعض الشيء تفسير النقطة المنهجية الأساسية التي تشكل عمودها الفقري بعبارات عامة. يتعلق الأمر جزئيًا بما ذكرته سابقًا عند الحديث عن نُقّاد الشكل Form Critics، المؤلفين الألمان من بداية القرن العشرين مثل مارتن ديبيليوس ورودولف بولتمان. من وجهة نظرهم، كما رأينا، شكلت المجتمعات التقاليد التي نقلوها عن يسوع بحيث اتخذت هذه التقاليد “أشكالًا” محددة اعتمادًا على السياق (Sitz im Leben – “الوضع في الحياة”) الذي تم إخبارهم فيه. لقد اتخذت قصص خلافات يسوع حول السبت حالة أو شكلاً، وقصص معجزاته شكلاً آخر، وهكذا. أحد الآثار المترتبة على هذا الرأي هو أن المجتمعات المسيحية الأولى كانت تخبر قصصًا عن يسوع فقط عندما كانت هذه القصص ذات صلة بمواقف الحياة المجتمعية الخاصة بهم. لماذا تحكي القصص التي ليس لها صلة بالموضوع؟ في منطق حجة برايس، هذه هي النقطة الأولى: المجتمعات تروي القصص فقط عندما تقدم مصالحها الذاتية بطريقة أو بأخرى.
تأتي نقطته الثانية من التطورات في العلم التي حدثت في أعقاب نقد الشكل، خاصة بين طلاب رودولف بولتمان. تساءل هؤلاء الطلاب عما إذا كانت هناك أي طريقة للوقوف وراء القصص التي تم تشكيلها ونمذجتها في المجتمعات المسيحية المبكرة، لمعرفة ما إذا كانت أي تقاليد باقية قد نجت من تأثير رواة القصص المسيحيين. لنفترض أن هناك قصصا عن يسوع لا تُظهر أي علامات على أن المجتمعات قد خلقتها، على سبيل المثال، القصص التي يبدو أنها تتعارض مع ما أرادت المجتمعات المسيحية الأولى قوله عن يسوع. إذا اختلفت التقاليد عما كان يقوله المسيحيون عن يسوع لم يكن ليخلقها أو يصوغها رواة القصص المسيحيون الأوائل. وهكذا فإن هذه التقاليد، إذا كانت موجودة، ستشمل قصصا رويت ليس فقط لأنها كانت مفيدة في حالة الحياة (Sitz im Leben) للمجتمعات التي تم نقلها إليها. ربما قيلت مثل هذه القصص لمجرد أنها كانت قصصا عن يسوع حدثت بالفعل.
هذا هو المبدأ القياسي الذي يستخدمه العلماء اليوم لتحديد أي من القصص في الأناجيل تعود بالتأكيد إلى يسوع التاريخي بدلاً من أن يتم اختلاقها من قبل رواة القصص اللاحقين الذين يتحدثون عن حياته في ضوء اهتمامات مجتمعهم واحتياجاتهم. يُطلق على هذا المبدأ اسم “معيار الاختلاف”. إذا كان هناك تقليد لا يتطابق مع ما نعرفه عن اهتمامات ومصالح وأجندة المجتمعات المسيحية الأولى – أو في الواقع يتعارض مع هذه الاهتمامات – فمن المرجح أن يكون هذا التقليد أصيلا أكثر من قول يتطابق مع مصالح المجتمع. (سأقدم بعض الأمثلة بعد قليل).
طريقة عمل برايس هي استعراض جميع تقاليد الأناجيل وإظهار أن كل قصة ليسوع يمكن إظهارها لتلبية بعض احتياجات المسيحيين الأوائل أو همومهم أو اهتماماتهم، لذلك لا توجد قصص يمكن إظهارها على أنها تعود إلى شخصية تاريخية، أي يسوع. بعبارة أخرى، فإن لبنة البناء الأولى في كل حالة تتفوق على الثانية بحيث لا توجد مواد دقيقة تاريخياً في الأناجيل.
رأيي الخاص هو أن هذا خاطئ تمامًا لعدة أسباب. من مظاهر سوء استخدام معيار الاختلاف هو استخدامه لإظهار ما لم يحدث في حياة يسوع. تم تصميم المعيار لاستخدامه كدليل إيجابي لما قاله يسوع وفعله واختبره حقًا، وليس كمعيار سلبي لإظهار ما لم يفعله. أي لنفترض أن يسوع في الأناجيل تنبأ/توقع بأنه سيذهب إلى أورشليم ويصلب ثم يقوم من بين الأموات. هل سيجتاز هذا التوقع معيار الاختلاف؟ بالطبع لا! هذا شيء ربما أراد المجتمع المسيحي وضعه على شفاه يسوع. نظرًا لأنه لا يجتاز المعيار، لا يمكننا استخدام هذا المعيار للإشارة إلى أن يسوع قد قام بالفعل بهذا التوقع. لكن هل يمكننا استخدام هذا المعيار لنقول إنه لم يتنبأ؟ مرة أخرى، لا على الإطلاق! قد يجعلنا المعيار نشك في هذا التقليد أو ذاك، لكنه لا يمكن أن يثبت بمزاياه الخاصة ما إذا كان تاريخيًا أم لا. بعبارة أخرى، لا يشير المعيار ولا يمكنه أن يشير إلى ما لم يفعله يسوع أو لم يقله، بل فقط ما فعله أو قاله.
نقطتي الثانية ذات صلة. تم تصميم هذا المعيار – وغيره من المعايير التي سنتناولها في فصل لاحق – للنظر في الاحتمالات، وليس اليقين. وكما يقر برايس نفسه، فإن هذا هو كل ما يمكن للمؤرخ فعله: تحديد ما حدث في الماضي على الأرجح. إن المطالبة بمعيار ينتج اليقين هو الخروج من البحث التاريخي. كل ما يمكننا تحديده هو الاحتمالات. وهناك عدد من التقاليد عن يسوع التي اجتازت بسهولة معيار الاختلاف، مما يجعل تاريخيتها أكثر احتمالية من عدم تاريخيتها.
أود أن أضيف، كنقطة ثالثة، أن الاحتمالات التي ينشئها المرء باستخدام معيار واحد يمكن تعزيزها من خلال استدعاء المعايير الأخرى. على سبيل المثال، رأينا في الفصول السابقة أنه بالإضافة إلى الأناجيل الباقية (سبعة في خلال مائة عام من وفاة يسوع)، هناك العديد من الشهود المستقلين على حياة يسوع، بما في ذلك العديد من المصادر المكتوبة والشفوية للأناجيل وعدد كبير من الكتابات المسيحية المستقلة الأخرى. لنفترض أن تقليدًا عن يسوع موجود في واحد فقط من هذه المصادر (زيارة المجوس ليسوع، على سبيل المثال، وُجدت فقط في متى، أو مثل السامري الصالح، الموجود فقط في لوقا). من الممكن تصور أن المصدر “اختلق” تلك القصة. ولكن ماذا لو كان لديك نفس القصص أو قصص متشابهة جدًا في شاهدين مستقلين؟ ثم لا يمكن لأي منهما أن يختلقها لأنهما مستقلان، ويجب أن تكون [القصة أو الحدث] قبلهما بشكل زمني. ماذا لو تم العثور على قصة أو نوع من القصة في عدد كبير من المصادر؟ من المرجح أن يكون هذا النوع من القصص دقيقا تاريخيًا أكثر من قصة وجدت في مصدر واحد فقط. إذا تمكنت من العثور على قصص تم التحقق منها بشكل مستقل في مصادر متعددة والتي اجتازت معيار الاختلاف، فيمكنك، إذن، إنشاء مستوى أعلى من الاحتمال بأنك تتعامل مع تقرير تاريخي. قد يكون له سمات أسطورية، لكن قلب القصة قد يكون تاريخيًا.
اسمحوا لي أن أقدم ثلاثة أمثلة سريعة. لقد رأينا في فصل سابق أنه من غير المحتمل للغاية أن يكون أتباع يسوع اليهود الفلسطينيون الأوائل قد اختلقوا الادعاء بأن المسيا قد صُلِبَ. هذا يتجاوز معيار الاختلاف. وهو ادعاء تم إثباته أكثر من مرة في جميع أنحاء تقاليدنا (مرقس، م، ل، يوحنا، بولس، يوسيفوس، تاسيتوس). الاستنتاج؟ إذا كان ما نريده هو احتمالات قوية، فهذا تقليد محتمل للغاية. صُلب يسوع.
شيء أقل أهمية بكثير، على الأقل بالنسبة لمعظم الناس، هو مسألة إخوة يسوع. تقول المصادر المستقلة لمرقس ويوحنا وبولس ويوسيفوس أنه كان لديه إخوة، وفي الكل ما عدا يوحنا، أحد هؤلاء الإخوة يُدعى يعقوب. القصص التي يظهر فيها إخوة يسوع ليس لها غرض، ولا تروج لأي أجندة مسيحية معينة. لذا فإن التقليد القائل بأن ليسوع إخوة يجتاز معيار الاختلاف بالإضافة إلى العديد من الشهادات. الخلاصة: ربما كان ليسوع أخوة، أحدهم كان اسمه يعقوب.
مثال أخير، سيصبح أكثر أهمية لاحقًا في هذا الفصل. يُقال أن يسوع جاء من الناصرة في عدة مصادر (مرقس، كيو، يوحنا، ل، م). ولا يوجد في أي مكان في أي من هذه القصص أي تلميح إلى أن المؤلف أو مُجتمعه قد قدم اهتماماته الخاصة في الإشارة إلى الناصرة على أنها مسقط رأس يسوع. في الواقع، عكس ذلك تماما: كان على المسيحيين الأوائل أن يفسروا بعيدًا حقيقة أن يسوع جاء من الناصرة، كما رأينا، على سبيل المثال، في يوحنا 1: 45-46 وفي روايات ولادة متى ولوقا، والتي تحاول بشكل مستقل عن بعضها البعض إظهار أنه بالرغم من أن يسوع من الناصرة، فقد ولد في بيت لحم. ولماذا الاهتمام؟ لأن نبي العهد القديم ميخا قال إن المخلص سيأتي من بيت لحم وليس من الناصرة (ميخا 5: 2). علاوة على ذلك، يعكس يوحنا إحراجًا عامًا بشأن الناصرة (“هل يمكن أن يخرج أي شيء صالح من الناصرة؟”). كانت الناصرة مدينة صغيرة غير مهمة (ولا حتى ذلك؛ كانت أشبه بمدينة صغيرة تافهة) لم يسمع بها أحد من قبل، على حد علمنا، قبل المسيحية. مخلص العالم جاء من هناك؟ ليس من بيت لحم؟ أو أورشليم؟ أو روما؟ ما مدى احتمالية ذلك؟ وهكذا لدينا تقليد مصادق عليه بشكل متعدد يتجاوز معيار الاختلاف. الخلاصة: ربما جاء يسوع من الناصرة.
لقد شرحت هذه المعايير التي يستخدمها العلماء جزئيًا لإظهار سبب إشكالية وجهات نظر برايس المتعارضة. على عكس برايس، لدينا بالفعل العديد من التقاليد التي ربما تعكس حياة يسوع التاريخية. سأوضح في الفصول اللاحقة أن هناك المزيد. لكن في هذه المرحلة، أريد أن أختم من خلال توضيح نقطة منهجية أكبر: إن مسألة ما إذا كانت العديد من التقاليد حول يسوع أو معظمها أو جميعها قد تم تلوينها بواسطة الأسطورة هي في الغالب غير ذات صلة بمسألة ما إذا كان يسوع موجودًا.
يمكنك إثبات أن كل شخص يتحدث عن شخص آخر يضع ميله الخاص في القصة. كل قصة فيها تحيز. نحن بشر، ولسنا آلات، ونحن بالضرورة نميل الأشياء بالطريقة التي نراها بها. ما يعنيه ذلك، على الرغم من ذلك، هو أن كل شيء تقريبًا نقوله عن شخص آخر ملطخ بالأسطورة (تحيزاتنا). لم يكن الأمر مختلفًا مع يسوع. الناس الذين رووا قصصاً عنه صبغوا حياته بالأسطورة. في بعض الأحيان، استولت الأسطورة بالكامل، وكانت القصص التي يتم سردها أسطورية في كل مكان، بدون جوهر تاريخي. في أحيان أخرى، تم تشكيل جوهر تاريخي من خلال مصلحة أسطورية. ولكن كانت هناك بالفعل بعض القصص ذات النوى التاريخية، وقدرة الباحث على إظهار أنه حتى هذه القصص تم تشكيلها بواسطة الأسطورة ليس لها أي تأثير على مسألة ما إذا كان يسوع موجودًا أم لا. لسبب واحد، لدينا النوى نفسها. علاوة على ذلك، وهذه هي نقطتي الرئيسية، فإن تشكيل القصة يختلف عن اختراع القصة. يمكنك تشكيل تقليد عن يسوع بأي طريقة تريدها بحيث تبدو أسطورية للغاية. لكن هذا ليس له تأثير على مسألة ما إذا كان يكمن خلف الشكل الأسطوري جوهر الحدث التاريخي.
ونقطة رئيسية أخرى أريد أن أواصل إلحاحها: لا تعتمد أدلة يسوع التاريخي على الأقل على ما إذا كانت هذه القصة أو تلك أو قصة الإنجيل الأخرى دقيقة من الناحية التاريخية. إنها تستند إلى اعتبارات أخرى، أشرت إليها في الفصول السابقة، بما في ذلك شهادة بولس وخطابات أعمال الرسل، التي سبقت الأناجيل بوقت طويل. 19
ردود إيرمان على بعض “غلطات الأسطوريين المضحكة” على حد تعبيره جزء أول
لم يقتبس أب الكنيسة في القرن الثاني يوستينوس أو يذكر أيًا من الأناجيل (25).
إيرمان: [هذا ببساطة ليس صحيحًا: لقد ذكر الأناجيل في مناسبات عديدة؛ وعادة ما يسميهم “مذكرات الرسل” ويقتبس منهم، ولا سيما من متى ومرقس ولوقا.]
تم تزوير الأناجيل بعد الأحداث التي يروونها بمئات السنين (26).
إيرمان: [في الواقع، تمت كتابة الأناجيل في نهاية القرن الأول، أي بعد حوالي خمسة وثلاثين إلى خمسة وستين عامًا من موت يسوع، ولدينا دليل مادي: جزء واحد من مخطوطة إنجيلية يعود تاريخها إلى أوائل القرن الثاني. كيف يمكن أن يكون قد تم تزويرها بعد قرون؟]
ليس لدينا مخطوطة للعهد الجديد ترجع إلى ما قبل القرن الرابع (26).
إيرمان: [هذا مجرد خطأ واضح: لدينا العديد من المخطوطات المتقطعة التي تعود إلى القرنين الثاني والثالث.]
النسخ الأصلية “دُمِّرت بعد مجمع نيقية” (26).
إيرمان: [في الواقع، ليس لدينا علم بما حدث للنسخ الأصلية للعهد الجديد؛ ربما تم استخدامها بكل بساطة لدرجة أنها تآكلت. ليس هناك ذرة من الأدلة تشير إلى أنهم بقوا على قيد الحياة حتى نيقية أو أنهم دُمِّروا بعد ذلك؛ الكثير من الأدلة المضادة تشير إلى أنهم لم يبقوا على قيد الحياة حتى نيقية.]
لم يقتبس بولس مطلقًا قولاً من أقوال يسوع (33).
إيرمان: [من الواضح أن أشاريا لم تقرأ أبدًا كتابات بولس. كما سنرى، يقتبس أقوال يسوع.]20
ردود إيرمان على بعض “غلطات الأسطوريين المضحكة” على حد تعبيره جزء ثاني
جعل قسطنطين المسيحية دين الدولة للإمبراطورية (11).
إيرمان: [لا لم يفعل. جعله دين شرعي. لم يتم جعله دين الدولة حتى نهاية القرن الرابع تحت حكم ثيؤدوسيوس.]
“لا يمكن تمييز أوصاف المؤلفين المسيحيين للمعمودية المسيحية عن الأوصاف الوثنية للمعمودية السرية” (36).
إيرمان: [كيف يمكننا أن نعرف هذا؟ ليس لدينا وصف واحد في أي مصدر لأي نوع من المعمودية في الديانات السرية.]
“كتبة الإنجيل” “كوّنوا/اخترعوا عن عمد” الاسم اليوناني يسوع من “ترجمة مصطنعة وإجبارية للاسم العبري يشوع” وذلك “للتأكد من أنه يعبر” عن “عدد مهم رمزيًا” وهو 888 (116).
إيرمان: [في الواقع، لم “يُكوّن” كتبة الأناجيل الاسم اليوناني يسوع على الإطلاق. إنه الاسم اليوناني للآرامية يشوع-Yeshua، العبرية يشوع-Joshua. إنه موجود في العهد القديم اليوناني، على سبيل المثال، قبل فترة طويلة من حياة كتاب الإنجيل وهو اسم شائع في كتابات المؤرخ اليهودي يوسيفوس.]
اشتهر الرومان “باحتفاظهم بسجلات دقيقة لجميع أنشطتهم، لا سيما إجراءاتهم القانونية”، مما جعل من المدهش “عدم وجود سجل لمحاكمة يسوع على يد بيلاطس البنطي أو إعدامه” (133).
إيرمان: [إذا كان الرومان هم من أمناء السجلات، فمن الغريب أننا لا نملك سجلات، ليس فقط ليسوع ولكن تقريبًا لأي شخص عاش في القرن الأول. ليس لدينا ببساطة بيانات الميلاد أو سجلات المحاكمات أو شهادات الوفاة – أو أنواع قياسية أخرى من السجلات التي يمتلكها المرء اليوم. بالطبع، لا يستشهد فريك وغاندي بمثال واحد على شهادة وفاة أي شخص آخر من القرن الأول.]
رفض العديد من المسيحيين الأوائل إنجيل مرقس باعتباره “غير قانوني” (146).
إيرمان: [في الواقع، تم قبول مَرقُس في كل مكان باعتباره قانونيًا؛ في الواقع، كل وثيقة مسيحية باقية تشير إليه تقبل قانونيته.]
لم يذكر بولس يسوع في تعاليمه الأخلاقية (152).
إيرمان: [كما سنرى، هذا ببساطة خطأ؛ انظر 1 كورنثوس 7: 10-11؛ 9: 14؛ 11: 23-25.]
النسخة الأصلية لمرقس “لم تتضمن القيامة على الإطلاق” (156).
إيرمان: [غير صحيح. لا تحتوي النسخة الأصلية من مَرقُس على جزء يظهر فيه يسوع لتلاميذه بعد القيامة، لكن النص لا لبس فيه تماما أن يسوع قد أقيم من بين الأموات. انظر، على سبيل المثال، مرقس 16: 6، الذي هو جزء أصلي من الإنجيل.]
لم يقبل المسيحيون القدماء “من جميع المعتقدات”، بما في ذلك مؤرخ الكنيسة الشهير يوسابيوس، رسائل تيموثاوس الأول والثانية وتيطس كجزء من قانونهم الكتابي (161).
إيرمان: [في الواقع، كل من يذكر هذه الرسائل يقبلها على أنها قانونية، بما في ذلك يوسابيوس، الذي يقتبسها مرارًا وتكرارًا في كتاباته.] 21
[1] Bart D. Ehrman, Did Jesus Exist? : The Historical Argument for Jesus of Nazareth, HarperOne (March 19, 2013), p. 82.
في ختام الفصل الثالث الذي يجادل فيه لجانب استخدام الاناجيل كمصادر تاريخية.
2 Ehrman, Did Jesus Exist?, p. 26.
3 Ehrman, Did Jesus Exist?, 195-196.
4 Ehrman, Did Jesus Exist?, р. 187.
5 Ehrman, Did Jesus Exist?, ch. 3. A Preliminary Comment on the Gospels as Historical Sources, pp. 65-68.
6 Ehrman, Did Jesus Exist?, chapter 6, p. 159.
7 Ehrman, Did Jesus Exist?, p. 104.
8 Ehrman, Did Jesus Exist?, p. 70.
9 Ehrman, Did Jesus Exist?, An Introduction to the Mythical View of Jesus, p. 14.
10 Ehrman, Did Jesus Exist?, p. 68-69.
11 Ehrman, Did Jesus Exist?, p. 39-40.
12 Ehrman, Bart D, How Jesus became God: the exaltation of a Jewish preacher from Galilee, pp. 271-272.
13 Ehrman, Did Jesus Exist?, p. 34.
14 Ehrman, Did Jesus Exist?, p. 35-36.
15 Ehrman, Did Jesus Exist?, p. 85-6.
16 Ehrman, Did Jesus Exist?, p. 107.
17 Ehrman, Did Jesus Exist?, The Life of Jesus in Paul, p. 107-108.
تُعرف السيرة الغيرية (بالإنجليزية: Biography، باليونانية bioi) بأنها سيرة حياة شخص تم كتابتها بواسطة شخص آخر، وهي شكل من أشكال الأدب، والتي تُعتبر عادةً غير خيالية، ويتمحور موضوعها حول حياة شخص معين، حيث تعد السيرة الغيرية من أقدم أشكال التعبير الأدبي، والتي تسعى إلى إعادة تشكيل حياة إنسان من خلال الكلمات عن طريق المنظور التاريخي أو الشخصي للمؤلف، حيث تعتمد على جميع الأدلة المُتاحة؛ كالأدلة المحفوظة في الذاكرة، أو المكتوبة، أو الشفهية.
مقدمة
في هذه المرحلة من تحقيقنا، قد يرغب بعض القراء في التوقف عن طرح أسئلة حول الأناجيل والانتقال إلى أقوال يسوع وأفعاله. بعد كل شيء، إذا عادت الأناجيل الأربعة بالفعل إلى الرسل وأتباعهم، فماذا هناك أيضًا للمناقشة؟ بالتأكيد يجب أن تعطينا هذه الكتابات روايات موثوقة عن كلمات يسوع وأفعاله، أليس كذلك؟
ليس بالضرورة. على الرغم من أننا اكتشفنا الأصول التاريخية للأناجيل، فلا يزال يتعين علينا النظر إلى النوع الأدبي للأناجيل. باختصار، عندما ننظر إلى “النوع الأدبي” نطرح السؤال: أي نوع من الكتب هذا؟ هل هي تاريخ؟ هل هي سيرة حياة؟ هل هي خيالية مثل الرواية؟ هل هي أسطورة؟ السبب في أهمية النوع الأدبي هو أنه إذا أخطأت في النوع الأدبي، فسوف تسيء تفسير الكتابة. فكر في الأمر: إذا دخلت إلى مكتبة تبحث عن تاريخ للحرب العالمية الثانية ولكنك التقطت عن طريق الخطأ رواية غير متطابقة من قسم الخيال، فإنك ستفقد وجهة نظر المؤلف بشكل خطير. السبب الأساسي الذي يجعل المكتبات في كل مكان تنظم مجموعاتها وفقًا لأنواع الكتب المختلفة هو أن النوع الأدبي مهم. ولهذا أيضًا تم ترتيب الكتاب المقدس وفقًا للأنواع: الشريعة (القانون)، والتاريخ، والنبوة، وأدب الحكمة، والأناجيل، وأعمال الرسل، والرسائل، وما إلى ذلك.
غالبًا ما يقدم المؤلفون أدلة على النوع الأدبي للعمل. يعمل كل من الشكل والمحتويات والطول والأسلوب وما إلى ذلك معًا لمساعدة القارئ على تحديد النوع الأدبي للكتاب. إذا بدأت القصة بالكلمات “ذات مرة …”، فأنت تعلم أن ما توشك على قراءته هو قصة خرافية، وليس تاريخًا.
يعد الحصول على النوع الصحيح من الأدب عند تقييم الأناجيل الأربعة كمصادر تاريخية للمعرفة عن يسوع أمرًا مهمًا لأن بعض العلماء اليوم يدعون أن الأناجيل تشبه إلى حد كبير الفولكلور أكثر من كونها سيرة حياة أو تاريخًا. يدعي أحد العلماء الجدد أن مؤلفي الأناجيل لم يحاولوا في كثير من الأحيان حتى إعطاء قرائهم “معلومات عن السيرة الحياتية” حول “ما قاله يسوع وفعله حقًا”.[1] هل هذا صحيح؟ هل الأناجيل شكل من أشكال الفولكلور؟ أم أنها سير قديمة؟ ما هي القرائن الأدبية التي تحتويها والتي قد تساعدنا في تحديد نوعها؟ للإجابة على هذه الأسئلة، لنبدأ بإلقاء نظرة موجزة على النظرية الحديثة القائلة بأن الأناجيل ليست سير حياة.
الأناجيل كـ فولكلور (حكايات شعبية)؟
خلال الثمانمائة عام الأولى أو نحو ذلك من وجودهم، تمت قراءة الأناجيل الأربعة كما لو كانت سير -روايات عن “حياة” (باليونانية bios) ليسوع، تخبرنا بما فعله حقًا وما قاله حقًا. على سبيل المثال، في القرن الثاني الميلادي، يشير يوستينوس الشهيد إلى الأناجيل على أنها “مذكرات [الرسل]” ويفسرهم على أنهم “سجلوا” ما قاله يسوع وفعله بالفعل (انظر يوستينوس الشهيد، الدفاع الأول، 66؛ الحوار مع تريفو، 100. 4). من خلال الإشارة إلى الأناجيل على أنها “مذكرات” (باليونانية apomnēmoneumata)، يستخدم يوستينوس لغة من تقليد السيرة في العالم الهلنستي وبالتالي يعطينا فكرة عن كيفية قراءة الأناجيل بواسطة القراء القدامى.[2] على نفس المنوال، وصف أوغسطينوس الأناجيل الأربعة بأنها “شهادات جديرة بالثقة”، بناءً على “ذكر” التلاميذ، و “الكلمات التي سمعت من شفتيه، والأفعال التي صنعها تحت أعينهم” (أوغسطينوس، تناغم الأناجيل Harmony of the Gospels، 1.1). في ضوء مثل هذه الأمثلة، يستنتج الباحث في العهد الجديد جراهام ستانتون: “ليس هناك شك … أن القراء المسيحيين الأوائل للإنجيل قد قرأوها كسير حياة.”[3]
تقدم سريعًا لما يقرب من 1500 عام، ويحدث تحول دراماتيكي. في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بدأ بعض العلماء في الإصرار على أن الأناجيل ليست سيرًا.[4] ربما كان أكثر مؤيدي هذه الفكرة تأثيرًا هو العالم الألماني رودولف بولتمان، الذي كتب:
هل يجب أن ننظر حولنا بحثًا عن مقارنات لتفسير شكل الإنجيل؟ ما هي المقارنات التي يمكن اقتراحها؟ لا يوجد شيء في التقليد اليوناني. لأنه لا جدوى من التفكير في المذكرات التي ربما كان يوستينوس … يفكر فيها بالإشارة إلى الأبومونيوماتا apomnēmoneumata، أو السيرة الهلنستية. لا يوجد اهتمام تاريخي بالسيرة الحياتية في الأناجيل، ولهذا ليس لديهم ما يقولونه عن شخصية يسوع البشرية، ومظهره وصفاته، وأصله، وتعليمه، وتطوره.[5]
لاحظ أن بولتمان يعرف جيدًا أن يوستينوس الشهيد وصف الأناجيل بأنها “مذكرات” أي سير حياة. ومع ذلك، يتجاهل ببساطة هذا الدليل جانبًا ويؤكد أنه لا يوجد “اهتمام تاريخي بالسيرة” في الأناجيل لأنهم لا يخبروننا عن شكل يسوع! يبدو أنه يقول ذلك لأن الأناجيل ليست مثل السير الحديثة – التي تركز على التفاصيل الدقيقة مثل المظهر والنمو النفسي والتعليم – فهي ليست سيرًا على الإطلاق. بدلاً من ذلك، بالنسبة إلى بولتمان، تشبه الأناجيل “الحكايات الشعبية” و “القصص الخيالية”.[6]
هذه الفكرة القائلة بأن الأناجيل تشبه الفولكلور هي فكرة حية وبصحة جيدة. على سبيل المثال، في مقدمته الأكثر مبيعًا للعهد الجديد – مرة أخرى، الكتاب المدرسي الذي استخدمته عندما كنت في المدرسة – يدعي بارت إيرمان أن المسيحيين القدامى لم يكونوا مهتمين بالحقيقة التاريخية، لأنهم آمنوا أن قصة ما عن يسوع يمكن أن تكون صحيحة “سواء حدث ذلك أم لا.”[7] كتشبيه حديث، يناشد إيرمان الحكاية الشعبية المعاصرة للشاب جورج واشنطن الرافض للكذب بشأن قطع شجرة كرز والده! حيث يكتب:
تأمل، على سبيل المثال، قصة سمعها كل طالب في الصف الثاني في البلاد، قصة جورج واشنطن وشجرة الكرز …. نحن نروي القصة، ليس لأنها حدثت بالفعل، ولكن لأننا نعتقد أنها صحيحة بطريقة ما. ربما كانت القصص عن يسوع في الكنيسة الأولى متشابهة.[8]
لكي نكون منصفين، يعترف إيرمان بأن العديد من أحداث الأناجيل هي روايات لأحداث حدثت بالفعل. بل إنه يضع بعض المعايير لكيفية تحديد ما هو تاريخي وما هو ليس كذلك.[9] ومع ذلك، لا يزال يختار الحكاية الشعبية لأطفال العصر الحديث التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها خاطئة لتوفير القياس الأساسي لأنواع القصص التي يعتقد أن الأناجيل تحتوي عليها. وهو بذلك يخلق انطباعًا بأن الأناجيل تعادل الفولكلور القديم، الذي له علاقة ضئيلة بالأحداث التاريخية الفعلية أو لا علاقة له بها على الإطلاق.
الأناجيل سير حياة قديمة
عندما تأخذ الوقت الكافي لمقارنة الأناجيل بالكتابات القديمة الأخرى، فإن أقرب التشابهات الأدبية هي في الواقع السير اليونانية الرومانية.[10] تُعرف هذه السير باسم “الحياة” (باليونانية bioi) لأنها تركز على حياة شخص معين، سواء كان فيلسوفًا أو مدرسًا أو سياسيًا أو إمبراطورًا أو أيًا كان. فيما يلي بعض الأمثلة على بعض السير القديمة المكتوبة بعد فترة زمنية قصيرة من الأناجيل:
في هذا القسم، سنقارن بعض السمات الرئيسية في السير اليونانية الرومانية مع حياة يسوع كما هو مسجل في الأناجيل الأربعة. أقوم بصياغة هذه المناقشة على الكتاب الذي نال استحسان النقاد لعالم العهد الجديد ريتشارد بوريدج، ما هي الأناجيل؟ مقارنة بالسيرة اليونانية الرومانية (2004).[11] يسلط هذا الكتاب الضوء على أوجه التشابه الرئيسية التي قادت العديد من الباحثين الجدد إلى استنتاج أنه من حيث النوع الأدبي، فإن الأناجيل هي الأقرب إلى السير اليونانية الرومانية القديمة.[12]
تركز السير القديمة على حياة وموت فرد واحد. أول تشابه بين السير القديمة والأناجيل الأربعة هو أنهما يركزان على “حياة” (bios) شخص واحد – سواء كان ذلك الشخص هو المؤرخ اليهودي يوسيفوس أو الإسكندر الأكبر، الإمبراطور نيرون، الفيلسوف ديموناكس، أو يسوع الناصري. يمكن عادةً تقسيم الهيكل العام للسيرة القديمة إلى ثلاثة أجزاء رئيسية – ولادة الشخص، والحياة (المهنية) العامة، وموت الشخص – مع تخصيص الجزء الأكبر من الكتاب للحياة المهنية للشخص موضوع السيرة:
السير اليونانية الرومانية
الأناجيل الأربعة
الميلاد والطفولة
(بشكل مختصر او غير مدرجة كلية)
الميلاد والطفولة
(متى 1-2، لوقا 1-2، غير مدرجة في مرقس ويوحنا)
الحياة المهنية العامة
(أطول فصول الكتاب)
الحياة المهنية العامة
(متى 3-25، مرقس 1-13، لوقا 3-21، يوحنا 1-12)
الموت
(مختصر بشكل نسبي)
الموت
(متى 24-27، مرقس 14-15، لوقا 22-23، يوحنا 18-19)
بالطبع، لا تغطي كل سيرة قديمة طفولة شخصيتها الرئيسية. على سبيل المثال، تتعمق حياة بلوتارخ في حياة رجل الدولة اليوناني تيموليون مباشرة في قصة أعماله العامة (انظر تيموليون Timoleon 1). وبالمثل، فإن إنجيل مرقس لا يبدأ بميلاد يسوع بل بخدمة يوحنا المعمدان (انظر مرقس 1). ومع ذلك، فإن التركيز العام على حياة وموت شخص واحد يشير إلى أن السيرة تختلف عن الأنواع الأخرى من الكتابة، مثل التاريخ، والتي تميل إلى التركيز على أحداث أمة أو شعب بأكمله.
غالبًا ما يتراوح طول السير القديمة بين 10000 و20000 كلمة. كما يعلم أي شخص قضى وقتًا في محل لبيع الكتب، يمكن أن يكون حجم الكتاب في كثير من الأحيان دليلًا مهمًا جدًا النوع الأدبي للكتاب. تميل كتب التاريخ إلى أن تكون طويلة ومفصلة؛ يمكن أن تكون الروايات بأي طول؛ تميل كتب الأطفال إلى أن تكون قصيرة. الكتب الطويلة التي تحتوي على الكثير من الهوامش تخبر القارئ على الفور أنها: “للعلماء فقط!” وما إلى ذلك وهلم جرا. وفقًا لريتشارد بوريدج، غالبًا ما يتراوح متوسط السير اليونانية الرومانية في مكان ما بين 10000 و20000 كلمة -“المقدار الموجود في لفيفة نموذجية يبلغ طولها حوالي 30-35 قدمًا”.[13] (لإعطاء فكرة عن عدد الصفحات التي سيتم ترجمة هذا إليها في يومنا هذا، عادةً ما تستغرق 10000 إلى 20000 كلمة ما بين 40 إلى 80 صفحة مطبوعة على الآلة الكاتبة.) عندما نفحص طول الأناجيل الأربعة، فإنها تقع ضمن هذا النطاق.
السير اليونانية-الرومانية
الأناجيل الأربعة
الطول الشائع
بين 10000-20000 كلمة
متى: حوالي 18000 كلمة
مرقس: حوالي 11000 كلمة
لوقا: حوالي 19000 كلمة
يوحنا: حوالي 15000 كلمة
من المؤكد أن بعض السير كانت أطول بكثير من الأناجيل (مثل كتاب Philostratus’s Life of Apollonius of Tyana). في حالات أخرى كانت قصيرة جدا. على سبيل المثال، يمكن قراءة إنجيل مرقس وسيرة لوسيان عن ديموناكس بسهولة في جلسة واحدة. ومع ذلك، كانت معظم السير عادة متوسطة الطول. ثم، كما هو الحال اليوم، كانت تميل إلى أن تكون أطول من الرسائل ولكنها أقصر من التواريخ.
غالبًا ما تبدأ السير القديمة بالنسب. عادة ما تكون بداية الكتاب هي المكان الذي يرشدك فيه المؤلف إلى النوع الأدبي. كما ذكرت سابقًا، عندما تبدأ القصة بالكلمات “ذات مرة …”، فأنت تعلم أنك تقرأ قصة خرافية. وبالمثل، إذا بدأ جزء قصير من الكتابة بالكلمات “بولس … إلى كل محبوبي الله في روما”، فأنت تعلم أنك تقرأ رسالة (رومية 1: 1-7). على هذا المنوال، غالبًا ما تبدأ السير القديمة بنوع من سلاسل النسب. على سبيل المثال، تبدأ كل من السيرة الحياتية ليوسيفوس وسيرة لوسيان عن ديموناكس بإدراج نسب شخصياتهما:
عائلتي ليست بائسة، حيث تعود أصولها إلى أسلافها الكهنوتيين…. علاوة على ذلك، من ناحية أمي أنا من الدم الملكي…. كان جد جدي الأكبر سمعان ولقبه بسيلوس. كان معاصرا لكبير الكهنة هيركانوس…. أذكر [نسبي] كما أجده مسجلاً في السجلات العامة. (Josephus, Life, 1)
كان [ديموناكس] قبرصيًا بالولادة، وليس من الأصول العادية فيما يتعلق بالرتبة المدنية والممتلكات…. (Lucian, Life of Demonax, 3)
وبنفس الطريقة، يقدم اثنان من الأناجيل الأربعة سلاسل أنساب مفصلة ليسوع، مما يعطي أفكارًا مهمة عن شجرة عائلته:
مرة أخرى، لم تبدأ كل سيرة قديمة بسلسلة نسب، ولا يحتوي كل إنجيل على أي منها (قارن مرقس 1: 1-3؛ يوحنا 1: 1-14). احتواء كل من متى ولوقا على سلاسل الأنساب في بداية روايتهما يعد دليلًا مهمًا على حقيقة أنهما يعتزمان تزويد القراء بمعلومات عن سيرة حياة يسوع.
لا يجب أن تكون السير القديمة مرتبة ترتيبًا زمنيًا. تشابه مهم آخر بين السير اليونانية الرومانية والأناجيل الأربعة هو أنها ليست بالضرورة تقارير كرونولوجية (مرتبة زمنياً) صارمة لحياة الشخص. في الواقع، يمكن أيضًا ترتيب النص حسب الموضوع او الفئة.[14] على سبيل المثال، كتب كاتب السير الروماني سوتونيوس ما يلي في حياته أوغسطس قيصر:
بعد أن قدمت ملخصًا لحياته، سأتناول الآن مراحلها المختلفة واحدة تلو الأخرى، ليس بترتيب زمني، ولكن حسب الفئات (المواضيع)، لجعل التقرير أكثر وضوحًا وأكثر قابلية للفهم. (Suetonius, Life of the Deified Augustus, 9).[15]
هذا مشابه بشكل مذهل لما قاله بابياس، أحد أباء الكنيسة الأوائل، عن إنجيل مرقس:
بعد أن أصبح مرقس مترجم بطرس، كتب بدقة كل ما يتذكره، ولكن ليس بالترتيب، الأشياء التي قالها أو فعلها المسيح. (بابياس من هيرابوليس)[16]
بعبارة أخرى – وهذا أمر مهم – لم يكن كتّاب السير القدامى قلقين بشأن الدقة مثل كتّاب السير المعاصرين، الذين غالبًا ما يريدون تقديم التاريخ والوقت والمكان الدقيق الذي حدث. تمنحك السير القديمة أحيانًا هذا النوع من المعلومات، لكنها في كثير من الأحيان لا تمنحك ذلك. نتيجة لذلك، عندما يتعلق الأمر بالسير القديمة، لا يمكنك الافتراض أنه نظرًا لتسجيل شيء تلو الآخر، فإن الأحداث حدثت بالضرورة بهذا الترتيب بالضبط. من ناحية أخرى، فإن ترتيب السيرة حسب الموضوع بدلاً من التسلسل الزمني لا يحولها بطريقة سحرية إلى فولكلور أو خيال. نفس الشيء ينطبق على الأناجيل. فقط لأن مؤلفي الأناجيل لم يتبعوا معايير السيرة الحديثة لا يعني أنهم لم يقصدوا إخبارنا بما قاله يسوع وفعله بالفعل.
لا تخبرك السير القديمة بكل شيء عن الشخص. لم يحاول كتّاب السير القدماء -على عكس بعض كتّاب السير المعاصرين، الذين غالبًا ما يسعون جاهدين لتقديم صور شاملة لشخصياتهم – حتى إخبار القراء بكل شيء عن الشخص الذي كانوا يصفون حياته. تأمل، على سبيل المثال، كلمات بلوتارخ، المؤرخ اليوناني، في سيرته للإسكندر الأكبر:
إنها حياة الإسكندر الملك والقيصر الذي أطاح ببومبي، وأنا أكتب في هذا الكتاب، كما أن كثرة الأعمال التي يجب معالجتها كبيرة جدًا لدرجة أنني لن أقدم أي مقدمة أخرى سوى دعوة القراء، في حال لم أتحدث عن كل الأعمال الشهيرة لهؤلاء الرجال، ولا حتى أتحدث بشكل شامل على الإطلاق في كل حالة بعينها، ولكن في أغلب الأحيان، لا أشكو. لأنني لا أكتب “التاريخ”، بل “الحياة”.
نظرًا لأن بلوتارخ لا يكتب “تاريخًا” (باليونانية historia) للإمبراطورية اليونانية بل “حياة” (باليونانية bios) للإسكندر الأكبر، فلن يتحدث باستفاضة عن جميع الأعمال التي قام بها الإسكندر. هذا لا يعني أن سيرة بلوتارخ “غير تاريخية”. هذا يعني فقط أنه غير كاملة.[18]
نفس الشيء ينطبق على الأناجيل: فهي ليست مكتوبة لتخبرنا بكل ما فعله يسوع وما قاله. إذا كان هناك أي شك في هذا، فلاحظ التشابه المذهل بين نهاية سيرة لوسيان لمعلمه ديموناكس ونهاية إنجيل يوحنا:
هذه أشياء قليلة جدًا من بين العديد من الأشياء التي قد أذكرها، لكنها ستكون كافية لإعطاء قرائي فكرة عن نوع الرجل الذي كان عليه [ديموناكس].
يا له من تشابه مذهل! هل يمكن أن يكون من الواضح أن يوحنا يكتب نوعًا من سيرة حياة يسوع؟ في ضوء هذه الأدلة، فإن فكرة أن الأناجيل ليست سير حياة لمجرد أنها سجلات غير مكتملة لحياة يسوع تمثل إخفاقًا تامًا في الالتفات إلى القرائن الأدبية في الكتب. إن الطبيعة الانتقائية للأناجيل تضعهم على قدم المساواة مع السير القديمة، والتي كانت تميل أيضًا إلى أن تكون انتقائية للغاية.
في ضوء مثل هذه التشابهات، قام علماء العهد الجديد في القرن الحادي والعشرين بتحويل كامل تقريبًا حول مسألة ما إذا كانت الأناجيل هي سير حياة أم لا. على حد تعبير جراهام ستانتون وجيمس دن:
لا أعتقد أنه من الممكن الآن إنكار أن الأناجيل هي مجموعة فرعية من النوع الأدبي الواسع “للحياة”، أي السير.[20]
منذ سبعينيات القرن الماضي … أصبح من الواضح أن الأناجيل هي في الواقع مشابهة جدًا من حيث النوع للسير القديمة (باليونانية bioi، باللاتينية vitae).[21]
يمكن إعطاء أمثلة أخرى عديدة، ولكن دع هذين الأمرين كافيين لتوضيح هذه النقطة. إن الفكرة القديمة القائلة بأن الأناجيل ليست سيرًا بل قصصًا فولكلورية وقصصًا خرافية تفشل تمامًا في حساب الأدلة الأدبية. لقد مضى وقت طويل منذ أن أُلقيت في سلة مهملات التاريخ. الأناجيل هي سير حياة.
بالطبع، هذا لا يعني أنه لا توجد فروق بين الأناجيل الأربعة والسير اليونانية الرومانية القديمة. ولعل أكثرها وضوحًا هو أن هذه الكتب الأربعة تحمل عنوان “الأناجيل” أو “الأخبار السارة” (باليونانية euangelion) وليست “الحياة” (باليونانية bios). لماذا؟ في الوقت الحالي، يكفي أن نشير إلى أن لغة “الأخبار السارة” تأتي مباشرة من سفر إشعياء، الذي يعلن “الأخبار السارة” بمجيء الله:[22]
تقتبس الأناجيل الأربعة صراحةً هذا المقطع في فصولها الافتتاحية (انظر متى 3: 1-3؛ مرقس 1: 1-3؛ لوقا 3: 1-6؛ يوحنا 1: 23). على هذا النحو، قد تزودنا نبوءة إشعياء بدليل على الاختلاف الحقيقي بين الأناجيل والسير اليونانية الرومانية القديمة. لا تتعلق الأناجيل بحياة الإنسان يسوع الناصري فقط؛ هم عن مجيء الله في شخص يسوع. كما سنرى في الفصول اللاحقة، قد تكون الأناجيل نوعًا فريدًا من السيرة، لأنها تسجل حياة شخص فريد.
الأناجيل سير حياة تاريخية
لكن لا يمكننا التوقف عند هذا الحد. ليست الأناجيل الأربعة مجرد نوع من السيرة القديمة. إنها سير حياة تاريخية، اثنتان منها تدعيان صراحة أنهما تخبرانا بما فعله يسوع بالفعل وقاله وأنهما تستندان إلى شهادة شهود عيان (لوقا 1: 1-4؛ يوحنا 21: 20-24).
سبب أهمية الطابع التاريخي للأناجيل هو أن بعض العلماء يدّعون أن مؤلفي الأناجيل لم يقصدوا حتى إعطائنا الحقيقة التاريخية حول أقوال يسوع وأفعاله. الطريقة الوحيدة لتبني مثل هذا الرأي، مع ذلك، هي تجاهل حقيقة أن كتاب السيرة القدامى يصرون في كثير من الأحيان على أنهم يسجلون الحقيقة حول ما فعله شخص ما وقاله. على سبيل المثال، في سيرته للفيلسوف ديموناكس، يتأكد لوسيان من إخبار القارئ بأنه كان شاهد عيان وتلميذ لديموناكس نفسه:
أتحدث بالإشارة إلى بويوتيان سوستراتوس Boeotian Sostratus … وإلى ديموناكس، الفيلسوف. رأيتُ هذين الرجلين بنفسي، ورأيتُهما بذهول: وعند أحدهما، ديموناكس، كنت طالباً لفترة طويلة. (Lucian, Life of Demonax, 1)[23]
أحد الأسباب التي قد تجعل لوسيان يؤكد هذه النقطة هو أنه في مكان آخر من كتاباته، يصر على التزام المؤرخ القديم بقول الحقيقة:
مهمة المؤرخ واحدة: أن يقول الأمر كما حدث…. هذه هي السمة الفريدة للتاريخ، ويجب التضحية من أجل الحقيقة وحدها. (Lucian, How to Write History, 39, 40).[24]
على نفس المنوال، يصر الكاتب اليهودي يوسيفوس في القرن الأول على الحقيقة التاريخية لسيرة حياته:
بعد أن وصلت إلى هذه النقطة في روايتي، أقترح توجيه بضع كلمات إلى يوستس، الذي قدم روايته الخاصة لهذه الأمور، والآخرين الذين، بينما يدعون كتابة التاريخ، لا يهتمون كثيرًا بالحقيقة، سواء عن طريق الحقد أو التحيز، ليس لديهم تردد في الكذب/الباطل. إن إجراءات هؤلاء الأشخاص تشبه في الواقع مزوري العقود، ولكن، مع عدم وجود عقوبة ليخافوا منها، يمكنهم تحمل ازدراء الصدق…. [لكن] الصدق على عاتق المؤرخ. (Josephus, Life, 336–39)
لاحظ أنه لا يوجد أي أثر لفكرة أن التقارير في السيرة يمكن أن تكون صحيحة “سواء حدثت أم لا.” على العكس من ذلك، يصر يوسيفوس على أن السيرة الذاتية التي يكتبها هي مجموعة فرعية من “التاريخ” (باليونانية historia). هذا يعني أنه يجب على المؤلف أن يقول “الحقيقة” (باليونانية alētheia) حول ما حدث، بدلاً من “الباطل” (باليونانية pseudos). بالطبع، قد يجادل العلماء فيما إذا كان يوسيفوس أو أي كاتب سيرة آخر قد نجح في قول الحقيقة أم لا. لكن لا يمكن أن يجادلوا في أن نوع كتاباته هو سيرة حياة تاريخية، وأنه يدعي أن يخبرنا بما حدث بالفعل. ونتيجة لذلك، فإن أي عالم يقارن السيرة الذاتية ليوسيفوس بـ “الفولكلور” أو “القصص الخيالية” سيعتبر سخيفًا. مع ذلك، هذه هي بالضبط الطريقة التي يصور بها علماء مثل رودولف بولتمان الأناجيل.
إذا نظرنا إلى ما تقوله الأناجيل الأربعة فعليًا عن أنواع الكتب التي كانوا عليها، نكتشف أن اثنين منهم يؤكدان أنهما يسجلان ما فعله يسوع بالفعل وقاله. كما يزعمون أنهم يستندون إلى شهادات شهود عيان. بعبارة أخرى، يصرون على أنهم سير حياة تاريخية. تأمل مرة أخرى في مقدمة إنجيل لوقا:
لفهم أهمية مقدمة لوقا في حجتنا، يجب شرح أربع نقاط. أولاً، كما يشير العديد من العلماء، تتشابه مقدمة لوقا بشكل لافت مع المقدمات الموجودة في التواريخ اليونانية الرومانية القديمة، من قبل مؤلفين مثل هيرودوت، وثيوقيديدس، ويوسيفوس.[25] مثل مقدمات التواريخ القديمة الأخرى، تهدف مقدمة لوقا إلى الإشارة إلى القارئ بأن الإنجيل تاريخي في طبيعته. ثانيًا، يستخدم لوقا كلمة “سرد” (اليونانية diēgēsis) لوصف سفره. كما أوضح جوزيف فيتزماير، غالبًا ما يستخدم المؤلفون اليونانيون الرومانيون هذه الكلمة تحديدًا “لكتابة التاريخ” (انظر يوسيفوس، الحياة، 336؛ لوسيان، كيفية كتابة التاريخ، 55).[26] ثالثًا، يصر لوقا على أن روايته التاريخية تستند إلى شهادة “شهود العيان (باليونانية autoptai) منذ البداية” لخدمة يسوع العامة. الآن، لماذا يؤكد لوقا على طبيعة شهود العيان لمصادره إذا كان يروي فقط الحكايات الشعبية؟ من الواضح أن لوقا يريد أن يعرف قرائه أن ما يقوله عن يسوع يمكن أن يؤيده أولئك الذين عرفوه. رابعًا وأخيرًا، يصرح لوقا صراحةً أنه يكتب حتى يعرف جمهوره “الحقائق” (باليونانية asphaleian). على الرغم من أن بعض الكتب المقدسة باللغة الإنجليزية تترجم الكلمة اليونانية asphalēia على أنها “حقيقة”، إلا أن لوقا يستخدمها باستمرار للإشارة إلى حقائق آمنة ويمكن التحقق منها (انظر أعمال الرسل 21: 34؛ 22: 30؛ 25: 26).[27] بعبارة أخرى، يبدأ إنجيل لوقا بالإصرار على أنه سرد دقيق وواقعي، يستند مباشرة إلى شهادة شهود عيان لما فعله يسوع وقاله. ودعماً لذلك، يشير لوقا في سفر أعمال الرسل إلى إنجيله باعتباره وصفًا لـ “كل ما بدأ يسوع يفعله ويعلّمه” (أعمال الرسل 1: 1). الكثير عن فكرة أن كتبة الأناجيل لم يقصدوا أن يقولوا لنا “ما فعله يسوع حقًا وما قاله”![28] بحسب لوقا، هذا بالضبط ما فعله في كتابة إنجيله.
وليس “لوقا” فقط. نفس الشيء ينطبق على إنجيل يوحنا. في رواية يوحنا عن موت يسوع على الصليب وفي نهاية الإنجيل، يصر المؤلف على أن إنجيله مبني على شهادة شاهد عيان:
لاحظ أن “شهادة” شاهد العيان (باليونانية martyria) الواردة في إنجيل يوحنا ليست مجرد نوع من الحقيقة. إنها حقيقة الأشياء التي “فعلها” يسوع (باليونانية epoiēsen). بهذه الطريقة، يشير كاتب الإنجيل لقرائه إلى أنه يكتب نوعًا من السيرة التاريخية التي ينوي فيها تسجيل ما فعله يسوع بالفعل (انظر أيضًا يوحنا 20: 30؛ 21: 25).[29]
هل الأناجيل نصوص حرفية؟
قبل أن أنهي هذا الفصل، من المهم أن نكون واضحين بشأن ما يعنيه القول بأن الأناجيل هي سير حياة تاريخية وما لا يعنيه ذلك. من ناحية -ولا يمكنني المبالغة في التأكيد على النقطة – لا يعني ذلك أن الأناجيل هي نسخ حرفية لما قاله يسوع وفعله. أحد أسباب الحاجة إلى التأكيد على ذلك هو أنه من السهل جدًا على الأشخاص المعاصرين في عصرنا من تسجيل الصوت والفيديو أن يوازنوا بين الحقيقة التاريخية للأناجيل ودقة الكلمة بكلمة. من ناحية أخرى، فإن الطابع التاريخي للأناجيل يعني أن المؤلفين يعتزمون تسجيل جوهر ما قاله وفعله يسوع حقًا.
على سبيل المثال، يوضح المؤرخ اليوناني القديم ثيوقيديدس أنه عندما يسجل الخطب التي ألقيت خلال الحرب البيلوبونيسية، فإنه لا يعطي بالضرورة وصفًا حرفيًا:
بالإشارة إلى الخطب في هذا التاريخ، أُلقي بعضها قبل بدء الحرب، والبعض الآخر أثناء استمرارها؛ بعضهم سمعت بنفسي، وآخرون سمعتهم من جهات مختلفة؛ كان من الصعب في جميع الحالات نقلها كلمة بكلمة في ذاكرة المرء، لذلك كانت عادتي هي أن أجعل المتحدثين يقولون ما هو مطلوب منهم في رأيي في المناسبات المختلفة، وبالطبع التمسك بأكبر قدر ممكن من المعنى العام لما قالوه حقًا.
(Thucydides, History of the Peloponnesian War 1.22.1)[30]
لاحظ هنا أنه عندما يتعلق الأمر بمسألة محتوى الخطب التاريخية، “حجم واحد لا يناسب الجميع”. تستند بعض الخطب إلى ذاكرة ثيوقيديدس، وبعضها على شهادة الآخرين. في كلتا الحالتين، يحاول دائمًا التمسك بأكبر قدر ممكن من “المعنى العام” لما قيل حقًا. ربما ينطبق الأمر نفسه على الأناجيل: بعض الروايات عما قاله يسوع هي شهادة مباشرة، تستند إلى ذاكرة التلاميذ، بينما البعض الآخر يعتمد على التقليد الشفهي (انظر لوقا 1: 1-4). في كلتا الحالتين، لا يتمثل الهدف الأساسي بالضرورة في تقديم تقرير كلمة بكلمة، ولكن تسجيل مضمون ما قاله يسوع بالفعل.
لهذا السبب، لا ينصب التركيز الأساسي لهذا الكتاب على التفاصيل الدقيقة لروايات الإنجيل، بل بالأحرى -لاستخدام كلمات ثيوقيديدس -“المعنى العام” لما “قاله يسوع حقًا”. في الواقع، تُظهر لنا الأناجيل أنه على الرغم من اهتمام الكتاب بالتاريخ الحقيقي، إلا أنهم لم يقصدوا إنشاء نصوص حرفية. على سبيل المثال، إذا قارنت كلمات يسوع المؤسسة في العشاء الأخير بين مختلف روايات العهد الجديد، فسوف تكتشف بسرعة أنها ليست متطابقة (انظر متى 26: 26-29؛ مرقس 14: 22-25؛ لوقا 22: 19 -20؛ 1 كورنثوس 11: 23-26). كما يشير عالم العهد الجديد جون ماير:
هناك سبب حقيقي للتساؤل عما إذا كان التقليد الإنجيلي والإنجيليون مهتمين بالصياغة الدقيقة لما قاله يسوع…. على سبيل المثال، لدينا أربعة تقارير عما قاله يسوع على الخبز والنبيذ في العشاء الأخير … وتختلف الإصدارات الأربعة فيما بينها…. من الواضح أن يسوع كان قادرًا على قول هذه الكلمات مرة واحدة فقط قبل أن تنتهي حياته فجأة…. لدينا هنا دليل معبر: من الواضح أن “الكلمات الإفخارستية” كانت مهمة للكنيسة الأولى -شاهد صيغها الأربعة! ومع ذلك، فإن الأهمية بالنسبة للكنيسة الأولى ضمنت الاتفاق من حيث الجوهر، وليس في الصياغة الدقيقة. إذا كان هذا صحيحًا بالنسبة إلى “كلمات المؤسسة” الحيوية هذه في العشاء الأخير، فهل لدينا أي سبب للاعتقاد بأن كلمات يسوع الأخرى تم الحفاظ عليها بحماس أكبر لدقة الكلمة بكلمة؟[31]
على نفس المنوال، شدد جوزيف راتزينغر (البابا بنديكتوس السادس عشر) على أن الأناجيل الأربعة “لا تدعي الدقة الأدبية” على غرار “النص المسجل”. ومع ذلك، فإنهم يدّعون أنهم يقدمون “جوهر خطابات” يسوع بشكل صحيح.[32] إنهم يفعلون ذلك على وجه التحديد لأنهم سير حياة.
لتلخيص ما تعلمناه في هذا الفصل: يجب أن يكون واضحًا الآن أن الزعم بأن الأناجيل ليست سير حياة هو مجرد خطأ واضح. علاوة على ذلك، فإن استخدام الحكايات الشعبية للأطفال في العصر الحديث مثل قصة جورج واشنطن وشجرة الكرز كمقارنات لنوع القصص التي تحتويها الأناجيل لا يمكن الدفاع عنه تاريخيًا، وبصراحة تامة، غير مسؤولة أكاديميًا. مثل لعبة الهاتف، تفشل هذه المقارنات تمامًا في إنصاف النوع الأدبي الفعلي والخصائص التاريخية للأناجيل الأربعة. الأناجيل هي السير القديمة التي تهدف إلى تسجيل جوهر ما فعله يسوع الناصري بالفعل وقاله.
[9] المرجع نفسه، 75، 244-50. للانتقادات الأخيرة لهذه المعايير، انظر على وجه الخصوص،
Chris Keith and Anthony Le Donne, eds., Jesus, Criteria, and the Demise of Authenticity (London: T. & T. Clark, 2012); Dale C. Allison, “How to Marginalize the Traditional Criteria of Authenticity,” in The Handbook for the Study of the Historical Jesus, ed. Tom Holmén and Stanley E. Porter, 4 vols. (Leiden: Brill, 2009), 1:3–30
[10] من المدهش إلى حد ما أن يقبل بارت إيرمان في مكان آخر الاستنتاج العلمي القائل بأن الأناجيل أمثلة على السير اليونانية الرومانية القديمة. انظر Ehrman, The New Testament, 84. ومع ذلك، فإن هذا الاستنتاج ليس له تأثير يذكر على كيفية تعامله مع تاريخية ادعاءات الإنجيل. بدلاً من ذلك، يصر إيرمان على أن معظم كتّاب السير القدامى كانوا أقل عزمًا على نقل ما “حدث بالفعل” من رسم صورة لشخصية موضوعهم وصفاته (Ehrman, The New Testament, 84). وقد أسس هذا الادعاء على مقدمة بلوتارخ لحياته للإسكندر الأكبر، والتي ذكر فيها بلوتارخ أنه لن يروي “كل” ما فعله الإسكندر “بالتفصيل الكامل” (Plutarch, Life of Alexander, 1). بفعله هذا، أساء إيرمان تفسير بلوتارخ بجدية. لا يقول بلوتارخ إنه لم يكن مهتمًا بما حدث بالفعل في حياة الإسكندر الأكبر؛ إنه يقول إنه لم يكن لديه مساحة لإعطاء “التفاصيل الكاملة” بل يجب عليه “اختزال القصة”.
[11] Richard Burridge, What Are the Gospels? A Comparison with Graeco-Roman Biography, 2nd ed. (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2004).
[12] Bird, The Gospel of the Lord, 221–98; Luke Timothy Johnson, The Writings of the New Testament: An Interpretation (Minneapolis: Fortress, 2010), 139; Craig S. Keener, The Historical Jesus of the Gospels (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2009), 73–108; Samuel Byrskog, Story as History, History as Story: The Gospel Tradition in the Context of Ancient Oral History (Leiden: Brill, 2002); Stanton, The Gospels and Jesus, 14–18. These more recent studies are indebted to the earlier work of my teacher David E. Aune, The New Testament in Its Literary Environment (Philadelphia: Westminster John Knox, 1987), 17– 76.
[13] Richard Burridge, “About People, by People, for People: Gospel Genre and Audiences,” in The Gospels for All Christians: Rethinking the Gospel Audiences, ed. Richard Bauckham (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1998), 122.
[14] The Gospel of the Lord, 236, citing Quintilian, Institutes of Oratory 3.7.15–16.
[15] اللغة اللاتينية ليست حسب الأزمنة بل بالأنواع neque per tempora sed per species. الترجمة لـ
John C. Rolfe, 2 vols., Loeb Classical Library 31 (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1998, 1997), 1.161.
[16] Eusebius, Church History, 3.39.15, trans. Michael W. Holmes.
[17] Trans. in Plutarch, Lives, trans. Bernadotte Perkin; Loeb Classical Library 99 (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1919), 225.
هل تمتلئ جميع قصص الأناجيل بمواد أسطورية؟ – بارت إيرمان – ترجمة: مينا مكرم
هل تمتلئ جميع قصص الأناجيل بمواد أسطورية؟ – بارت إيرمان – ترجمة: مينا مكرم
تم التأكيد على الطابع الأسطوري لروايات إنجيل يسوع من قبل جميع الأسطوريين تقريبًا، ولكن لا أحد منهم مع صرامة وشغف روبرت برايس، الذي تردد The Christ-Myth Theory and Its Problems echoes أصداء نظرية أسطورة المسيح ومشاكلها مؤخرًا، في هذا الصدد، العديد من المواضيع وتعيد ذكر العديد من الاستنتاجات التي توصل إليها في عمله السابق، The Incredible Shrinking Son of Man ابن الإنسان الخجول المذهل.
[1] سأتناول جوانب مهمة من قضية برايس ضد يسوع التاريخي في الفصل التالي. أريد الآن أن أؤكد أن تأكيده – صفحة رئيسية مطورة بعد صفحة – على أن روايات الإنجيل تحتوي على مادة أسطورية، عندما يُنظر إليها من منظور أكثر توازناً، فهي ذات صلة هامشية فقط بمسألة ما إذا كان يسوع موجودًا أم لا.
إن حجة برايس معقدة، ومن الصعب بعض الشيء تفسير النقطة المنهجية الأساسية التي تشكل عمودها الفقري بعبارات عامة. يتعلق الأمر جزئيًا بما ذكرته سابقًا عند الحديث عن نقاد الشكل، المؤلفين الألمان من بداية القرن العشرين مثل مارتن ديبيليوس ورودولف بولتمان. من وجهة نظرهم، كما رأينا، شكلت المجتمعات التقاليد التي نقلوها عن يسوع بحيث اتخذت هذه التقاليد “أشكالًا” محددة اعتمادًا على السياق (Sitz im Leben – “الوضع في الحياة”) الذي تم إخبارهم فيه.
لقد اتخذت قصص خلافات يسوع حول السبت حالة أو شكلاً، وقصص معجزاته شكلاً آخر، وهكذا. أحد الآثار المترتبة على هذا الرأي هو أن المجتمعات المسيحية الأولى كانت تخبر قصصًا عن يسوع فقط عندما كانت هذه القصص ذات صلة بمواقف الحياة المجتمعية الخاصة بهم. لماذا تحكي القصص التي ليس لها صلة بالموضوع؟ في منطق حجة برايس، هذه هي النقطة الأولى: المجتمعات تروي القصص فقط عندما تقدم مصالحها الذاتية بطريقة أو بأخرى.
تأتي نقطته الثانية من التطورات في العلم التي حدثت في أعقاب النقد الشكل، خاصة بين طلاب رودولف بولتمان. تساءل هؤلاء الطلاب عما إذا كانت هناك أي طريقة للوقوف وراء القصص التي تم تشكيلها ونمذجتها في المجتمعات المسيحية المبكرة، لمعرفة ما إذا كانت أي تقاليد باقية قد نجت من تأثير رواة القصص المسيحيين. لنفترض أن هناك قصصًا عن يسوع لا تُظهر أي علامات على أن المجتمعات قد خلقتها، على سبيل المثال، القصص التي يبدو أنها تتعارض مع ما أرادت المجتمعات المسيحية الأولى قوله عن يسوع.
تختلف التقاليد عما كان يقوله المسيحيون عن يسوع لم يكن ليخلقها أو يصوغها رواة القصص المسيحيون الأوائل. وهكذا فإن هذه التقاليد، إذا كانت موجودة، ستشمل قصصًا رويت ليس فقط لأنها كانت مفيدة في حالة الحياة (Sitz im Leben) للمجتمعات التي تم نقلها إليها. ربما قيلت مثل هذه القصص لمجرد أنها كانت قصصًا عن يسوع حدثت بالفعل.
هذا هو المبدأ القياسي الذي يستخدمه العلماء اليوم لتحديد أي من القصص في الأناجيل تعود بالتأكيد إلى يسوع التاريخي بدلاً من أن يتم اختلاقها من قبل رواة القصص اللاحقين الذين يتحدثون عن حياته في ضوء اهتمامات مجتمعهم واحتياجاتهم. يُطلق على هذا المبدأ اسم “معيار الاختلاف”. إذا كان هناك تقليد لا يتطابق مع ما نعرفه عن اهتمامات ومصالح وأجندة المجتمعات المسيحية الأولى – أو في الواقع يتعارض مع هذه الاهتمامات – فمن المرجح أن يكون هذا التقليد أصيلًا أكثر من قول يتطابق مع مصالح المجتمع. (سأقدم بعض الأمثلة بعد قليل).
طريقة عمل برايس هي استعراض جميع تقاليد الأناجيل وإظهار أن كل قصة ليسوع يمكن إظهارها لتلبية بعض احتياجات المسيحيين الأوائل أو همومهم أو اهتماماتهم، لذلك لا توجد قصص يمكن إظهارها على أنها تعود إلى شخصية تاريخية، أي يسوع. بعبارة أخرى، فإن لبنة البناء الأولى في كل حالة تتفوق على الثانية بحيث لا توجد مواد دقيقة تاريخياً في الأناجيل.
رأيي الخاص هو أن هذا خاطئ تمامًا لعدة أسباب. لسبب واحد، من مظاهر سوء استخدام معيار الاختلاف هو لاستخدامه لإظهار ما لم يحدث في حياة يسوع. تم تصميم المعيار لاستخدامه كدليل إيجابي لما قاله يسوع وفعله واختبره حقًا، وليس كمعيار سلبي لإظهار ما لم يفعله. أي لنفترض أن يسوع في الأناجيل تنبأ/توقع بأنه سيذهب إلى أورشليم ويصلب ثم يقوم من بين الأموات. هل سيجتاز هذا التوقع معيار الاختلاف؟ بالطبع لا! هذا شيء ربما أراد المجتمع المسيحي وضعه على شفاه يسوع.
نظرًا لأنه لا يجتاز المعيار، لا يمكننا استخدام هذا المعيار للإشارة إلى أن يسوع قد قام بالفعل بهذا التوقع. لكن هل يمكننا استخدامها لنقول إنه لم يتنبأ؟ مرة أخرى، لا على الإطلاق! قد يجعلنا المعيار نشك في هذا التقليد أو ذاك، لكنه لا يمكن أن يثبت بمزاياه الخاصة ما إذا كان تاريخيًا أم لا. بعبارة أخرى، لا يشير المعيار ولا يمكنه أن يشير إلى ما لم يفعله يسوع أو لم يقله، فقط ما فعله أو قاله.
نقطتي الثانية ذات صلة. تم تصميم هذا المعيار – وغيره من المعايير التي سنتناولها في فصل لاحق – للنظر في الاحتمالات، وليس اليقين. وكما يقر برايس نفسه، فإن هذا هو كل ما يمكن للمؤرخ فعله: تحديد ما حدث في الماضي على الأرجح. إن المطالبة بمعيار ينتج اليقين هو الخروج من البحث التاريخي. كل ما يمكننا تحديده هو الاحتمالات. وهناك عدد من التقاليد عن يسوع التي اجتازت بسهولة معيار الاختلاف، مما يجعل تاريخيتها أكثر احتمالية من عدم تاريخيتها.
أود أن أضيف، كنقطة ثالثة، أن الاحتمالات التي ينشئها المرء باستخدام معيار واحد يمكن تعزيزها من خلال مناشدة المعايير الأخرى. على سبيل المثال، رأينا في الفصول السابقة أنه بالإضافة إلى الأناجيل الباقية (سبعة من مائة عام من وفاته)، هناك العديد من الشهود المستقلين على حياة يسوع، بما في ذلك العديد من المصادر المكتوبة والشفوية للأناجيل وعدد كبير من الكتابات المسيحية المستقلة الأخرى.
لنفترض أن تقليدًا عن يسوع موجود في واحد فقط من هذه المصادر (زيارة المجوس ليسوع، على سبيل المثال، وجدت فقط في متى، أو مثل السامري الصالح، الموجود فقط في لوقا). من الممكن تصور أن المصدر “اختلق” تلك القصة. ولكن ماذا لو كان لديك نفس القصص أو قصص متشابهة جدًا في شاهدين مستقلين؟ ثم لا يمكن لأي منهما أن يختلقها لأنهما مستقلان، ويجب أن تكون [القصة أو الحدث] قبلهما. ماذا لو تم العثور على قصة أو نوع من القصة في عدد كبير من المصادر؟
من المرجح أن يكون هذا النوع من القصص دقيقًا تاريخيًا أكثر من قصة وجدت في مصدر واحد فقط. إذا تمكنت من العثور على قصص تم التحقق منها بشكل مستقل في مصادر متعددة والتي اجتازت معيار الاختلاف، فيمكنك، إذن، إنشاء مستوى أعلى من الاحتمال بأنك تتعامل مع حساب تاريخي. قد يكون لها سمات أسطورية، لكن قلب القصة قد يكون تاريخيًا.
اسمحوا لي أن أقدم ثلاثة أمثلة سريعة. لقد رأينا في فصل سابق أنه من غير المحتمل للغاية أن يكون أتباع يسوع اليهود الفلسطينيون الأوائل قد اختلقوا الادعاء بأن المسيا قد صلب. هذا يتجاوز معيار الاختلاف. وهو ادعاء تم إثباته أكثر من مرة في جميع أنحاء تقاليدنا (مرقس، م، ل، يوحنا، بولس، يوسيفوس، تاسيتوس). الاستنتاج؟ إذا كان ما نريده هو احتمالات قوية، فهذا تقليد محتمل للغاية. صُلب يسوع.
شيء أقل أهمية بكثير، على الأقل بالنسبة لمعظم الناس، هو مسألة إخوة يسوع. تقول المصادر المستقلة لمرقس ويوحنا وبولس ويوسيفوس أنه كان لديه إخوة، وفي الكل ما عدا يوحنا، أحد هؤلاء الإخوة يُدعى يعقوب. القصص التي يظهر فيها إخوة يسوع ليس لها غرض، ولا تروج لأي أجندة مسيحية معينة. لذا فإن التقليد القائل بأن ليسوع إخوة يجتاز معيار الاختلاف بالإضافة إلى العديد من الشهادات. الخلاصة: ربما كان ليسوع أخوة، أحدهم كان اسمه يعقوب.
مثال أخير، سيصبح أكثر أهمية لاحقًا في هذا الفصل. يُقال أن يسوع جاء من الناصرة في عدة مصادر (مرقس، كيو، يوحنا، ل، م). ولا يوجد في أي مكان في أي من هذه القصص أي تلميح إلى أن المؤلف أو مجتمعه قد قدم اهتماماته الخاصة في الإشارة إلى الناصرة على أنها مسقط رأس يسوع.
في الواقع، عكس ذلك تماما: كان على المسيحيين الأوائل أن يفسروا بعيدًا حقيقة أن يسوع جاء من الناصرة، كما رأينا، على سبيل المثال، في يوحنا 1: 45-46 وفي روايات ولادة متى ولوقا، والتي تحاول بشكل مستقل عن بعضها البعض إظهار أنه بالرغم من أن يسوع من الناصرة، فقد ولد في بيت لحم. ولماذا الاهتمام؟ لأن نبي العهد القديم ميخا قال إن المخلص سيأتي من بيت لحم وليس من الناصرة (ميخا 5: 2). علاوة على ذلك، يعكس يوحنا إحراجًا عامًا بشأن الناصرة (“هل يمكن أن يخرج أي شيء صالح من الناصرة؟”).
كانت الناصرة مدينة صغيرة غير مهمة (ولا حتى ذلك؛ كانت أشبه بمدينة صغيرة تافهة) لم يسمع بها أحد من قبل، على حد علمنا، قبل المسيحية. مخلص العالم جاء من هناك؟ ليس من بيت لحم؟ او أورشليم؟ او روما؟ ما مدى احتمالية ذلك؟ وهكذا لدينا تقليد مُصادق عليه بشكل متعدد يتجاوز معيار الاختلاف. الخلاصة: ربما جاء يسوع من الناصرة.
لقد شرحت هذه المعايير التي يستخدمها العلماء جزئيًا لإظهار سبب إشكالية وجهات نظر برايس المتعارضة. على عكس برايس، لدينا بالفعل العديد من التقاليد التي ربما تعكس حياة يسوع التاريخية. سأوضح في الفصول اللاحقة أن هناك المزيد. لكن في هذه المرحلة، أريد أن أختم من خلال توضيح نقطة منهجية أكبر: إن مسألة ما إذا كانت العديد من التقاليد حول يسوع أو معظمها أو جميعها قد تم تلوينها بواسطة الأسطورة هي في الغالب غير ذات صلة بمسألة ما إذا كان يسوع موجودًا.
يمكنك إثبات أن كل شخص يتحدث عن شخص آخر يضع ميله الخاص في القصة. كل قصة فيها تحيز. نحن بشر، ولسنا آلات، ونحن بالضرورة نميل الأشياء بالطريقة التي نراها بها. ما يعنيه ذلك، على الرغم من ذلك، هو أن كل شيء تقريبًا نقوله عن شخص آخر ملطخ بالأسطورة (تحيزاتنا). لم يكن الأمر مختلفًا مع يسوع. الناس الذين روا قصصاً عنه صبغوا حياته بالأسطورة. في بعض الأحيان، استولت الأسطورة بالكامل، وكانت القصص التي يتم سردها أسطورية في كل مكان، بدون جوهر تاريخي.
في أحيان أخرى، تم تشكيل جوهر تاريخي من خلال مصلحة أسطورية. ولكن كانت هناك بالفعل بعض القصص ذات النوى التاريخية، وقدرة الباحث على إظهار أنه حتى هذه القصص تم تشكيلها بواسطة الأسطورة ليس لها أي تأثير على مسألة ما إذا كان يسوع موجودًا أم لا. لسبب واحد، لدينا النوى نفسها. علاوة على ذلك، وهذه هي نقطتي الرئيسية، فإن تشكيل القصة يختلف عن اختراع القصة. يمكنك تشكيل تقليد عن يسوع بأي طريقة تريدها بحيث تبدو أسطورية للغاية.
لكن هذا ليس له تأثير على مسألة ما إذا كان يكمن خلف الشكل الأسطوري جوهر الحدث التاريخي. ونقطة رئيسية أخرى أريد أن أواصل إلحاحها لا تعتمد أدلة يسوع التاريخي على الأقل على ما إذا كانت هذه القصة أو تلك أو قصة الإنجيل الأخرى دقيقة من الناحية التاريخية. إنها تستند إلى اعتبارات أخرى، أشرت إليها في الفصول السابقة، بما في ذلك شهادة بولس وخطابات أعمال الرسل، التي سبقت الأناجيل بوقت طويل.
[1] Robert Price, The Christ-Myth Theory and Its Problems (Cranford, NJ: American Atheist Press, 2011); Price, The Incredible Shrinking Son of Man (Amherst, NY: Prometheus Books, 2003).
من هم كتبة الأناجيل؟ كيف نعرفهم؟ تيموثي بول جونز – ترجمة: مينا كرم
كيف نعرف من هم كتبة الأناجيل؟ تيموثي بول جونز – ترجمة: مينا كرم
كيف نعرف من هم كتبة الأناجيل؟ تيموثي بول جونز – ترجمة: مينا كرم
عزيزي القارئ، قم بفتح نُسختك الخاصة للكتاب المُقدس، وأنظر الى قائمة المُحتويات، حسناً، ستجد الأناجيل بحسب متى ومرقس ولوقا ويوحنا، ولكن السؤال هنا هل هذه “المجموعة الرباعية” من المسيحين الأوائل لهم أية علاقة بهذه الأسماء المكتوبة على الأناجيل؟ هل متى ومرقس ولوقا ويوحنا حقاً هم الذين كتبوا هذه الأناجيل؟ إذا كانوا هم من كتبوها فكيف نستطيع أن نعرف ذلك حقاً؟
قد تكون إجابتك الأولى على هذا السؤال هي “حقاً هم من كتبوها لأن أسمائهم عليها” حقيقة ستكون على الصواب هذه الأسماء الأربع قد كُتبت على مخطوطات الأناجيل الأربعة لأكثر من ألف عام.
ولكن..
ربما هذه الأسماء لم تكن موجودة من الأساس على المخطوطات الأصلية!!! وفي حقيقة الأمر إن بعض العلماء لديهم قناعة تامة أن متى ومرقس ولوقا ويوحنا لا يُمكن أن يكونوا هم كتبة الأناجيل، فبحسب أحد الباحثين. [1]
“كُتبت الأناجيل بعد وفاة يسوع بين خمسة وثلاثين وخمسة وستين سنة، وليس بواسطة شهود العيان ولكن بواسطة أشخاص عاشوا في وقت لاحق للأحداث “
“من أين حصلوا على هذه المعلومات؟ بعد وفاه يسوع، بدأ الناس يتناقلون القصص الخاصة به وينشرونها ليضموا أشخاصًا أخرين إلى الإيمان، وعندما أدرك المسيحون الحاجة إلى السلطة الرسولية نسبوا هذه الكتب إلى الرسل (متى ويوحنا) وأيضا مرقس الذي كان مساعدًا لبطرس وأيضا لوقا الذي كان رفيقَ بولس، ونظراً لأن المخطوطات اليونانية المُتاحة تختلف فيما بينها وتُعطي لنا عناوين مختلفة للأناجيل فقد ادرك علماء النقد النصي مُنذ فترة طويلة أن على سبيل المثال “الانجيل بحسب متى” عنوان غير مُمتد من النص الأصلي الى النسخ، ولكن تمت إضافته من خلال النُساخ في وقت لاحق”
رائع، إذا كانت هذه الادعاءات صحيحةً، فنستطيع أن نفهم من ذلك أن المسيحين الأوائل لم ينسبوا الأناجيل الأربعة لمتى ومرقس ولوقا ويوحنا لأنهم حقاً كتبوها، فبحسب بارت إيرمان وغيره أيضاً، كانت الأناجيل مجهولة الهوية والمصدر، وقام المسيحيون الأوائل بتأسيس روابط بين هذه الأناجيل وبين الرسل؛ لإعطاء الأناجيل سمة الرسولية في القرن الثاني الميلادي، وبهذا تحظى الأناجيل بموثوقية أعلى، ولكن دليل بارت إيرمان على هذا الافتراض هو التنوع في العناوين الموجودة على المخطوطات.
دعونا نُلقي نظرة دقيقة على احتمالية أن الأناجيل الأربعة للعهد الجديد كتبها بالفعل متى ومرقس ولوقا ويوحنا.
يبدو أن أقدم مخطوطات الإنجيل التي تم نسخها في أواخر القرن الثاني وبدايات الثالث (البردية 66 وربما البردية 4 والبردية 75)، أي إننا نتحدث على فترة قرن كامل أو أكثر من كتابة الأناجيل، وهذا جزء من السبب الذي يجعل بعض العلماء يدعون أن أناجيل العهد الجدد كانت مجهولة المصدر، ولكن هل غياب العناوين نستطيع أن نعتبره دليلًا على أن الأناجيل قد انتشرت بشكل مجهول المصدر، وأن الأسماء المكتوبة عليها أُضيفت فيما بعد؟
أنا لا أعتقد ذلك.
في المقام الأول، لم تنجُ الكثير من المخطوطات القديمة بما يكفي لإتاحة المعرفة إذا كان المخطوط احتوى على عنوان في نسخته الأولى أم لا، فمن الممكن أن أجزاء من المخطوط تهتكت أو انفصلت بالكامل عن المخطوط في رحلة المرور بين قرون طويلة، وكثيرا جدا ما يتم كتابة العناوين على ما يُسمى flyleaves، وهو عبارة عن جزء فارغ في بداية أو نهاية المخطوط وفي حالات أخرى تُكتب العناوين على ما يُسمى sillyboi، ويتم تخييطها في حواف المخطوط بهدف الغلق والحفاظ، من المحتمل جدًا أن تكون قد فُقدت ببساطة بسبب العامل الزمني، ولذلك لا نستطيع أن نجزم أن المخطوطات لم تكن تحتوي على عناوين في الأساس فعدم وجودها لا يُعني أنها لم تكن موجودة في وقت ما.
وفي الحقيقة كل المخطوطات المتاحة التي بقيت سليمة بما يكفي لتتضمن أي عنوان، فما نكتشفه أنه لا يوجد أي مخطوطة لم تحتفظ بعنوانها سليمًا بما يكفي! فالمؤلف لا يُحذف اسمه مثلا…الخ، حقيقةً المُشكلة الأولى والكبرى لنظرية الأناجيل المجهولة التي يفترضها إيرمان وغيره أنه لم يتم العثور على نسخ مجهولة لمتى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا في أي وقت مضى وقد أشار Brant Pitre إلى ذلك.
أما عن اختلاف المخطوطات في العناوين التي يعتبرها إيرمان اختلافات كبيرة، فهي ليست كذلك، لكن على اي حال فلماذا يستمر العلماء في الادعاء أن الأناجيل كانت مجهولة المصدر، فوفقًا لإيرمان يرجع سبب هذا في تنوع العناوين بين المخطوطات وهذا يوضح من وجهة نظر إيرمان أن هذه الأسماء تمت إضافتها لاحقاً بعد فترة طويلة من انتشار الأناجيل.
لحظة عزيزي القاري، هل تعرف ما هو هذا الاختلاف الكبير الموجود في مخطوطات الأناجيل في القرون الأولى!؟
أريد أن أقوم بإبهارك وأقول لك ان الاختلاف فقط هو بين أن عنوان المخطوط قول “بحسب المؤلف” أو “بحسب الإنجيل ” ثم يضع اسم المؤلف!
الفارق فقط في كون العنوان كاملًا أو مختصرًا، ليس أكثر، هذا الاختصار يُمثل تقريبا كل حالة من الاختلافات التي يفترض إيرمان أنها كبيرة.
فبالفعل المخطوطات لا تختلف في نسب الإنجيل للمؤلف، فعلى سبيل المثال فإن عنوان انجيل متى في مخطوطة واشنطن هو ” الإنجيل حسب متى ” أما في المخطوطة السينائي هو “بحسب متى”، لكن كلا المخطوطتين ينسب الإنجيل لنفس الشخص وهو متى!
وبنفس الطريقة أيضاً فإن عنوان إنجيل مرقس في المخطوطة السكندرية هو “الانجيل بحسب مرقس”، أمَّا في المخطوطة الفاتيكانية هو “بحسب مرقس”، مجرد اختصار للعنوان، وهكذا في كل المخطوطات يتم نسب أي إنجيل لصاحبه، ربما تختلف الصياغة قليلا ولكن المؤلف لا يختلف أبداً، فمثلا إنجيل يوحنا لا يوجد له أي اسم مؤلف أخر على أي مخطوط، كل مخطوطات إنجيل لوقا عنوان المؤلف لوقا وفقط وهكذا متى ومرقس.
ولكن دعني اخبرك بسيناريو عجيب وهو سيناريو التلفيق، ففي القرن الثاني انتشرت الأناجيل بسرعة جدا من كنيسة إلى أخرى في جميع أنحاء الإمبراطورية، فكانت موجودة في روما حيث أشار يوستينوس أن إنجيل مرقس هو مذكرات بطرس، وكان بابياس في اسيا يجمع معلومات حول صحة شهادة العيان من كتبة الأناجيل، وايرينيئوس في ليون يعتمد على الأربعة أناجيل لدحض التعليم الهرطوقي في كنيسته، وربما في مصر، بالنظر إلى التوزيع الجغرافي الواسع للأناجيل في القرن الثاني، فماذا تتوقع أن يحدث لو قرر المسيحيون في القرن الثاني فجأة محاولة اختلاق أسماء لكتبة الأناجيل لتظهر بشكل أوثق؟
لا يجب أن نتناسى أن المسيحيين في منطقة ما لا يستطيعون الوصول بسرعة لمجموعة مسيحية أخرى في مكان آخر، وحتى لو كان توصيل المعلومات إلى الجميع في نفس الوقت فلم تكن هناك سلطة بشرية واحدة تستطيع أن تطلب من جميع المسيحين في كل مكان أن يحافظوا على ربط هذه الألقاب للأناجيل، ومن الطبيعي ستكون نتيجة هذا، على فرض أن المسيحيين سيختلقون أسماءً للأناجيل في القرن الثاني.
فستجد جماعة تطلق على إنجيل أنه إنجيل أندراوس وجماعة مسيحية أخرى تُطلق عليه بطرس أو بارثلماوس..الخ، لو حدث هذا الأمر سوف نجد حقاً تنوعًا كبيرا في العناوين التي يفترض الآن إيرمان أنه في المخطوطات، سوف نجد أن كل إنجيل له مجموعة متنوعة من الأسماء المختلفة تماما عن بعضها البعض.
لكن هذا الأمر ليس حتى بالقريب بما نجده في المخطوطات، فالمخطوطات تحمل نفس اسم المؤلف ربما الصياغة تختلف قليلاً، لكن النسب للمؤلف ليس متغيرًا أو مختلفًا من مخطوطة لأخرى.
ولكن كل هذا يقودُنا إلى سؤالٍ آخرَ، وهو إذا كانت ظروف التواصل صعبة والكنيسة ليست مركزية، كيف نجد اسماء كتبة الأناجيل مرتبطة بهذه الطريقة مع الأناجيل بهذا الاتساق الموحد؟ أعتقد أن الطريقة الأكثر منطقية هي إدراك أن كل إنجيل في العهد الجديد قد ارتبط باسم مؤلفٍ واحد منذ اللحظة التي بدأ فيها نص الإنجيل في الانتشار.
ربما سبب ذلك أن أسماء الكتبة كانت موجودة على المخطوطات وفقدت بالطرق التي ذكرناها سابقا أو بسبب تاريخ شفوي في مرحلة انتشار كل إنجيل حيث تتم قراءته في كنيسة ويذهب إلى كنيسة أخرى، ربما الأمران معاً! فإذا كان يوجد رواية شفوية عن أصولية الأناجيل أو شيء مكتوب مصاحب للأناجيل منذ انتشارها فلا ينبغي أن نتفاجأ بأننا نجد روايات عن أصول الأناجيل في المصادر القديمة، دعونا نلقي نظرة على الكتابات المسيحية في القرن الثاني.
يقول بابياس المولود في القرن الأول والذي يكتب في أوائل القرن الثاني:
“مرقس بعد أن صار مترجمًا لبطرس كتب بدقة كل ما تذكره، وبالرغم من ذلك لم يكتب أقوال وأعمال المسيح بشكل مُرتب ودقيق، لأنه لم يسمع من الرب ولم يرافقه بل سمع ورافق بطرس الذي استوعب توجيهاته لضروريات مستمعيه، ولكن دون نية ان يسرد أقوال الرب، فلذلك لم يُخطئ مرقس في كتابة كل الأشياء التي تذكرها واهتم بعدم حذف أي شيء سمعه وعدم وضع أي شيء وهمي، وقام متى بجمع الأقوال باللغة العبرية وقام كل شخص بترجمتها بأفضل طريقة مستطاعة “
وثيقة موراتوري :
“الإنجيل الثالث بحسب لوقا الطبيب بعد صعود المسيح حيث أخذه بولس معه كعارف بالتعليم، دونه باسمه حسب فكره مع أنه لم يرَ الرب في أيام جسده، ولأنه كانت لديه المقدرة على التحقق منه، فقد بدأ يخبره بالقصة منذ ميلاد يوحنا، رابع الأناجيل هو ليوحدنا أحد الرسل، حينما طلب منه رفقائه أن يكتب إنجيلًا، طلب أن يصوموا معًا من اليوم ولمدة ثلاث أيام وما يتم إعلانه لكن فرد يقوله للجميع.
وفي نفس الوقت كشف أندراوس أن ما يفحص الكل فيه يجب أن يدون يوحنا كل شيء باسمه، وعلى الرغم من وجود أفكار مختلفة تعلم في الأناجيل ككل، إلا أن هذه الأمور لا تسبب اختلافًا لإيمان المؤمنين لأن كل ما فيها تم الإعلان عنه بالروح الواحد، تم الإعلان عن ما يختص بالميلاد والألآم والقيامة والحديث مع تلاميذ الرب وما يختص بمجيئه الأول محتقر في تواضع، والمجيء الثاني الذي سيكون ممجدًا فيه بشكل ملوكي “
يقول وإرينيئوس:
توجد أربعة أناجيل وأربعة فقط لا أكثر ولا أقل، يفتتح يوحنا إنجيله قائلا ” في البد كان الكلمة ” ولوقا يبدأ بذكرى زكريا وبدأ متى بالنسب البشري للمسيح، ويقود مرقس بدعوة الروح النبوية، قد كتب متى إنجيلًا بين العبرانين بلغتهم، بينما كان بطرس وبولس يكرزان في روما ووضعا أسس الكنيسة، وقد سلَّم لنا مرقس ما بشر به بطرس، كما سجل لوقا رفيق بولس ما بشر به فيما بعد، وكتب يوحنا تلميذ الرب الذي اتكأ على صدره إنجيلًا أثناء إقامته في أفسس.
يشهد ايرينيئوس ووثيقة موراتوري معا، أنَّ المسيحيين في ليون وروما استلموا أربعة أناجيل موثوقًا بها وفقط، نعرف من بابياس وإرينيئوس أن من كتب الأناجيل المعروفة بإنجيل متى ومرقس، أن مرقس كتب بأمانة كلمات بطرس وأن إنجيل متى كتب بالعبرية وتم تداوله بالعبرية، والأهم من ذلك أن شهادة بابياس نشأت في وقت شهود العيان الذين كانوا ما زالوا أحياءً!
إن ما نكتشفه من المخطوطات وأقوال المسيحيين الأوائل في القرن الثاني، أنه لا يوجد أي دليل يُشير الى أن أناجيل العهد الجديد قد انتشرت بطريقة مجهولة المصدر، ولو كان هذا حدث حقا وتم تلفيق مؤلفيها، فبالتأكيد إن كل إنجيل من الأناجيل الأربعة سيُنسب لمجموعة من المؤلفين المُختلفين وهذه الاختلافات كانت ستظهر في المخطوطات اللاحقة وأيضا في اقتباسات الآباء الأوائل، وهذا التنوع غير موجود، فإننا نعرف أن منذ نشأة الأناجيل وهي معروفة بهؤلاء المؤلفين.
صحيح أن هذا وحدَه لا يثبت أن متى ومرقس ولوقا ويوحنا كانوا مؤلفي الأناجيل، ولكن بذلك يتم إثبات أن هذه الأسماء مرفقة بالأناجيل منذ لحظة انتشارها، وقبل نهاية القرن الثاني كانت الأناجيل الأربعة في حالة استقرار ولها تقليد واضح يُمكن تتبعه من خلال شهادة شهود العيان لأربعة مؤلفين بعينهم من القرن الأول، يشهد ايرينيئوس وبابياس ووثيقة موراتوري على سلطة الأناجيل الاربعة التي يمكن تتبع بدايتها واصلها الى متى ولوقا ومرقس ويوحنا.
قد تواصلت مع تيموثي بول جونز للحصول على إذن ترجمة مقاله هذا الرائع[2]
[1]B. Ehrman, Jesus, Apocalyptic Prophet of a New Millennium (Oxford: Oxford University Press, 1999), 248-249; B. Ehrman, Lost Christianities (Oxford: Oxford University Press, 2005), 235; B. Ehrman and W. Craig, “Is There Historical Evidence for the Resurrection of Jesus?: A Debate between William Lane Craig and Bart Ehrman” (March 28, 2006).
في دراستنا لحياة يسوع وتعليمه، أخذناه أمراً مسلماً به أنه بمقدورنا أن نتعلم بالفعل شيئاً عنه من الأناجيل العهد الجديد. وقد عرفنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتيه ليسوع. وقد عرفنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتية ليسوع، بقدر ما هي مختارات منتقاة من أقواله وأعماله، جمعت معاً بسبب نفعها في خدمة الكرازة التي قامت بها الكنائس الأولى، ولكننا لم نأخذ هذه الحقيقة كسبب للتشكيك في مصداقيتها العامة بالنسبة ما روته عن حياة يسوع وتعليمه.
وفي غالبية النقاط شعرنا بأنه لدينا ما يبرر قبولنا لهذه السجلات كصورة عما كان عليه يسوع بالفعل، لا أن نعتبرها دراسات للحالة النفسية التي كان عليها المسيحيون الذين كانوا أول من كتبوا عنه.
ومع ذلك، يجب الاعتراف صراحة أن هذا الافتراض كان عرضة للشك من قبل عدد من الاتجاهات المختلفة. ولسنا في حاجة أن نتقبل بجدية أولئك الكتبة الذين يدعون بين آونة وأخرى أنه لم يكن ليسوع وجود على الإطلاق، ذلك أن لدينا دليلاً واضحاً على عكس ذلك من عدد من المصادر اليهودية واللاتينية والإسلامية. إلا أنه حين يدعي أناس درسوا العهد الجديد فترة طويلة أن الأناجيل لا تكشف شيئاً له أهميته عن يسوع، هنا علينا أن نواجه حججهم بك جدية.
ولعل أكثر التعبيرات تطرفاً في جيلنا بالنسبة لهذا الرأي ترتبط باسم رودولف بولتمان. ذلك أنه في كتاب صدر لأول مرة سنة 1934، ذكر قولته اللافتة للنظر: “أعتقد أننا نكاد لا نستطيع أن نعرف الآن شيئاً عن حياة يسوع وشخصيته”. وما يقصده بولتمان على وجه الدقة من قوله هذا يجب أن نقرره على ضوء بعض كتاباته الأخرى، حيث يوضح أنه يؤمن بالفعل بعناصر معينة من تعليم يسوع التي نجد في الأناجيل أن يسوع هو الذي قالها بنفسه. إلا أن بولتمان وحتى آخر يوم في حياته ظل متشككاً من ناحية احتمالية وقيمة المعرفة عن “يسوع التاريخي”.
وليس كل أتباع بولتمان كانوا متشككين مثله تماماً. وبمقدورنا أن نلمس هذا بوضوح كاف من كتاب جونثر بورنكام Gunther Bornkamm “يسوع الناصري” حيث يبين هذا حتى من وجهة النظر المتطرف التي يقول بها نقاد الصيغ. إلا أنه يتبقى مع ذلك الكثير مما يمكن معرفته بثقة عن يسوع. ولكنه، برغم كل هذا، فإن هؤلاء الباحثين الذين كانوا هم أكثر تأثراً ببولتمان وتناوله لنقد صيغة الأناجيل، فإنهم أخذوه أمراً مسلماً به بصفة عامة أن الأناجيل هي بصفة أساسية تعتبر سجلاً لمعتقدات الكنيسة الأولى عن يسوع، أكثر من كونها نوعاً من الروايات عن يسوع بالشكل الذي كان عليه حقيقة.
ومن الواضح أن معرفتنا بيسوع ليست هي نفس معرفتنا ونستون تشرشل Winston Churchill أو مارتن لوثر Martin Luther أو حتى بولس الرسول مثلاً. لأنه بمقدورنا أن نعرف هؤلاء الناس من خلال كتاباتهم وأقوالهم المسجلة. والواقع أنه بالنسبة لحالة لوثر وبولس، فإن المصدر الرئيسي لمعلوماتنا عنهما هي الكتب التي كتباها بنفسيهما. غير أن يسوع لم يكتب كتاباً. فقط أمضى حياته القصيرة كمعلم متجول، يعمل في أنحاء قاصية تقريباً من الإمبراطورية اليونانية، وبين أناس ربما لم يكن لهم أية اهتمامات بالموضوعات الأدبية.
ومن غير المحتمل إطلاقاً أن تكون أقوال يسوع وأعماله قد كتبت سواء بنفسه أو بواسطة أي شخص من معاصريه. وفضلاً عن ذلك نعرف أن يسوع كان يعيش في مجتمع لغته الأساسية هي اللغة الآرامية، ومع ذلك فإن معرفتنا بتعليمه جاءت من مصادر مكتوبة باليونانية. ومن المحتمل أن اللغة اليونانية كانت معروفة لشخص نشأ في الجليل. إلا أنه من المؤكد أن معظم تعاليم يسوع لم تعط أساساً بهذه اللغة، ولذلك فإن الأناجيل كانت ترجمة لأقوال يسوع باللغة التي كانت سائدة في الإمبراطورية الرومانية.
وعلاوة على ذلك، فإنه من نتائج تناقل أقوال يسوع باللغة اليونانية، أنه لدينا الآن في أناجيلنا قصص متباينة مما هو واضح أنه نفس التقليد الأساسي. فعلى سبيل المثال، إذا أخذنا الصلاة الربانية، سنجد أن إنجيلي متى ولوقا يحتفظان بترجمات مختلفة[1]. والتشابهات وثيقة جداً حتى إنه لا يوجد أي شك في أننا نتعامل مع نفس التقليد الأساسي. لكن الاختلافات بارزة ولا يمكن تفسيرها على أنها مجرد أشكال مختلفة من الترجمات. ونفس الملاحظات يمكن أن تقال بالنسبة لنقاط كثيرة أخرى في الأناجيل، وهي الحقائق الجوهرية التي يهتم بها نقاد الصيغ والتنقيح والمصدر.
ولا ينبغي علينا أن نضخم المشاكل. فهناك أجيال كثيرة من قراء الإنجيل ممن لا يعرفون شيئاً عما توصل إليه مفكرو العصر الحديث، لم يجدوا صعوبات كبيرة في التعامل مع هذه الأمور. فعلى الرغم من وضوح القصص المختلفة عن يسوع، أو التقارير الخاصة بتعليمه، فمن الواضح أنه يوجد ترابط منطقي داخلي في الأناجيل ككل. وليس من الصعوبة بمكان أن نجمع معاً قصة مما قدمته لنا الأناجيل مجتمعة من “تعليم يسوع”، ثم إن العناصر الأساسية لهذا التعليم هي نفسها التي نجدها في كل الأناجيل الأربعة.
التعرف على أقوال يسوع الصحيحة
ولكن كيف لنا أن نتأكد من أن الأناجيل تحتوي على تعليم يسوع نفسه، وليس انطباعات الكنيسة الأولى عن يسوع؟ كان هذا السؤال موضوع مناقشة بين باحثي العهد الجديد طوال العقد الماضي أو ما يقرب من ذلك، ولا زال النقاش مستمراً. وكإجابة محتملة صممت بعض الاختبارات والتي اعتبرت وسائل يمكن الاعتماد عليها للتعرف على التعليم الحقيقي ليسوع في الأناجيل.
ولقد طبقت هذه الاختبارات بشكل شامل على الأناجيل المتشابهة بواسطة البروفسور نورمان بيرين Prof. Norman Perrin. وقد حدد ثلاثة اختبارات أو معايير منفصلة، تباحث على أساسها بأن هناك على الأقل ثلاثة مجالات في الإنجيل يمكن بيان مصداقيتها، وهي: الأمثال، التعليم الخاص بملكوت الله، والموضوعات المذكورة في الصلاة الربانية.
اختبار التمييز The test of distinctiveness
اختبار التمييز، سبق أن استعمله بولتمان نفسه في كتابه: “تاريخ تقليد الأناجيل المتشابهة”. وهو يقوم على افتراض أن أي شيء في تعليم يسوع يمكن أن يكون له نظير في التعليم اليهودي، أو في الفكر اللاهوتي للكنيسة الأولى يكون عرضة للشك في مصداقيته، لأنه يكون قد جاء وليد هذين المصدرين وليس من ذكريات حقيقية ليسوع.
وذلك حيث يكون تعليم يسوع فريداً تماماً ومميزاً فهنا نكون على ثقة أننا في اتصال مباشر بيسوع نفسه. ويمكننا أن نقدم أمثلة على ذلك باستعمال يسوع لكلمة “أبا” (أي أب) في مناجاته لله، وأسلوبه المميز في استهلال أقواله الهامة بعبارة الحق…). وعلى قدر علمنا فإن معلمي اليهود أو الكنيسة الأولى لم يستعملا هاتين الوسيلتين.
وهناك مفكرون كثيرون قد يتفقون مع بروفسور بيرن Perrin حين يدعي أن المعلومات التي تستخلص من الأناجيل بهذه الوسيلة تمثل حداً أدنى من المعرفة التاريخية عن يسوع لا يمكن انتقاصه.
لكننا إذا فحصناه بمزيد من العناية، فإنه من المشكوك فيه أنه حتى هذا الادعاء المتواضع يمكن تبريره تماماً على أساس هذه الوسيلة بعينها. لأن استخدامها بنجاح يعتمد بشكل كلي على الافتراض الآخر بأن معرفتنا الحاضرة باليهودية والكنيسة الأولى هي على وجه التقريب معرفة كاملة. ومع ذلك، فالحقيقة هي أننا لا نعرف سوى القليل جداً عن شكل اليهودية أيام يسوع.
فالمعلومات الجديدة تكتشف وتقيم بصفة مستمرة، ومن المؤكد أنه ستظهر معها نظائر جديدة لتعليم يسوع. وعلى ذلك فإن معيار التمييز كوسيلة يعد مشورة يائسة. والأمر لن يحتاج إلا إلى فترة من الوقت حتى يتم التوصل إلى النتيجة المنطقية، وهي أنه لا يمكن أن يعرف شيء مؤكد عن يسوع. إلى جانب ضعف هذه الوسيلة، توجد مشكلتان كبيرتان تتعلقان بهذا المنهج بالذات.
وحتى هذه الصورة المحدودة عن يسوع والتي جاءت وليدة هذه الوسيلة لا بد أن تكون غير واقعية وغير صحيحة في واقع الحياة، لأنها تفترض أن يسوع كان معزولاً تماماً عن الظروف المحيطة به. والقول المأثور: النص بلا قرينة هو نص مزعوم “A text without a content is a pretext” ينطبق هنا، كما هو الحال كثيراً بالنسبة للعظات الحديثة. فلا بد وأن يكون للمسيح سياق أو قرينة. ومن المؤكد أن قرينته كانت يهودية.
ومن المؤكد أيضاً أنه لا بد وأنه كان هناك قدراً من الاستمرارية بين يسوع والكنيسة الأولى. ويسوع الفريد بمعنى أن تعليمه لا علاقة له باليهودية أو بالكنيسة الأولى ليس من المحتمل أن يكون يسوع الحقيقي. وإذا لم يستطع هذا الاختبار الكشف عنه فلا بد وأن يحكم عليه بالفشل.
هناك مساحات كبيرة وهامة في الأناجيل لا تصلح فيها هذه الطريقة إطلاقاً. لنأخذ موضوع تعليم يسوع عن نفسه. فبالنسبة لهذا الموضوع يؤدي اختبار التمييز إلى نتائج سلبية تماماً بالنسبة لكل الألقاب الكبرى التي تمت نسبتها ليسوع. فألقاب (المسيا)، (ابن الله)، (ابن الإنسان)، استعملها كثيرون في الكنيسة الأولى، ومن ثم فإن تطبيق هذا الاختبار سيؤدي إلى استنتاج أن يسوع لم يعط أي تعليم عن مصيره وشخصه.
ونفس الشيء يحدث بالنسبة لموضوعاته الأخروية، لأن هذه يمكن أن يوجد لها مثيل في اليهودية وفي مصادر الكنيسة الأولى. بل أن التعليم المميز الخاص بالموعظة على الجبل سوف يستبعد للسبب نفسه، ذلك أن بولس يظهر أنه على معرفة واضحة بذلك (انظر رو 12-14). وعلى ذلك فإنه توجد غلطة جوهرية في مفهوم هذه العملية كلها. لأنه لا مفر من أن هذا سيؤدي – سواء من الناحية النظرية أو العملية – إلى الادعاء بأنه لا يمكن أن نعرف شيئاً مفيداً عن يسوع من الأناجيل.
اختبار الترابط المنطقي The test of coherence
الذين يستخدمون هذه الاختبارات لا يجهلون المشاكل المرتبطة باختبار التمييز. ولذلك يقدم بيرين Perrin اختباراً آخر يمكن استخدامه معها. وهذا هو ما يعرف باسم “اختبار الترابط المنطقي”. وهي يقوم على افتراض أن أية مادة في الأناجيل تتناغم مع التعليم الذي ينجح في اجتياز اختبار التمييز يمكن اعتبارها تصريحاً حقيقياً لما قاله أو علمه يسوع.
ومن الناحية الظاهرية، يبدو هذا الاختبار الآخر واعداً. ولكن هذا بالطبع يعتمد وبشكل كبير جداً على التطبيق الصحيح للاختبار الأول. وسبق لنا أن عرفنا الصعاب التي تحيط به، فإذا لم يؤد إلى نتائج أكيدة، فهنا يكون هذا الاختبار بلا فائدة أيضاً.
وعلى أية حال فإنه من الصعب جداً الحكم على ما هو مترابط منطقياً، وما هو ليس كذلك. وحتى لو افترضنا أنه يمكننا أن نصدر حكمنا في هذا الشأن، فليس من ضمان في أن ما بدا لنا مترابطاً سيبدو كذلك بالنسبة للكنيسة الأولى. وهكذا نواجه مرة ثانية مصاعب عملية بالغة في تطبيق هذا الاختبار على تقاليد الإنجيل.
اختبار أكثر من مصدر The test of more than one source
هناك محك ثالث كثيراً ما استخدم لتقييم التقاليد التي تتحدث عن يسوع، وهو لا يعتمد بصفة مباشرة على المحكمين الآخرين. وكثيراً ما كان يستخدمه مانسون T. W. Manson الذي لم يكن لديه وقت لمنهج نقاد الصيغ.
واستناداً لهذا الاختبار، فالتعليم المذكور في الأناجيل يكون من تعاليم يسوع حقاً إذا لم يوجد في أكثر من مصدر واحد من مصادر الإنجيل. وهذا الاختبار نافع في هذا النطاق، لأنه إذا ما تولد فينا نفس الانطباع من إنجيل مرقص ومن المصدر Q عن مضمون تعاليم يسوع، فإنه من المعقول والحال هذه أن نعتقد أن هذا الانطباع أصيل. ولكن اختبار المصداقية هذا اكتنفته أيضاً عدة مصاعب، ولو أنها ليس كبيرة كتلك التي كانت تواجه تطبيق الاختبارين الآخرين.
ç لا يمكن – بواسطة هذه الوسيلة – أن نقرر شيئاً بالنسبة لأقوال محددة نسبت إلى يسوع، لأنه توجد قصص أو أقوال قليلة جداً متضمنة في أكثر من مصدر واحد من مصادر الإنجيل. والواقع أن هذه الحقيقة تعد من الأسس التي يقوم عليها منهج نقل مصادر الإنجيل بجملته. فإذا كان نفس التعليم مقدماً في كل مكان، لما كان في وسع “ستريتر” أن يصيغ نظريته عن مصادر الإنجيل. وهذا مفاده أن أقصى ما تستطيع أن تكتشفه هذه الطريقة هو اللهجة العامة لتعليم يسوع وليس تقريراً مفصلاً عنه.
ç ثم إن هناك قيد آخر يشكل جزءًا لا يتجزأ من هذا الاختبار، لأنه قد يرفض تلك الأجزاء من تعليم يسوع التي توجد في مصدر واحد فقط من مصادر الإنجيل باعتبار أنها غير حقيقة. ومع ذلك، فهذه هي الحالة بالنسبة لبعض من أكثر أجزاء تعاليم يسوع المميزة. باستخدام هذا الاختبار، سينتج عنه رفض قصص مثل السامري الصالح (لوقا 10: 25-37)، أو الابن الضال (لوقا 15: 11-32) بصفة قاطعة من قصة حياة يسوع وتعليمه، وذلك لأنها لم توجد سوى في إنجيل لوقا فقط.
ç حين طبق مانسون وآخرون هذا الاختبار على الأناجيل استطاعوا أن يفترضوا فرقاً شديداً حقاً بين مصادر الإنجيل المختلفة، لأنه في ذلك الحين كان الباحثون البريطانيون يتبنون نظرية “ستريتر” وعلى نطاق واسع في صيغتها الأصلية تقريباً. إلا أن دراسة أكثر حداثة بينت أن موضوع العلاقات بين الأناجيل ومصادرها أكثر تعقيداً وبدرجة تفوق إلى حد كبير ما كان يعتقده “ستريتر”. فلم يعد بوسعنا الآن أن نفترض أن التقسم البسيط إلى أربعة مصادر مستقلة هي: مرقص والمصادر Q، M، L، على أنه تقسيم طبيعي.
عيب أساسي
من الواضح أنه توجد مشاكل عويصة كثيرة تتعلق باستخدام هذه الاختبارات للتعرف على الأقوال الحقيقية التي فاه بها يسوع، والتي تضمنتها الأناجيل. ولذلك فلربما لا يكون الأمر مدعاة للدهشة أن يكون بعض الباحثين قد توصلوا بالأحرى إلى نتائج سالبة. ومن الصعوبة أن نفهم كيف أنه كان بإمكانهم أن يفعلوا خلاف ذلك.
والواقع أنهي يوجد عيب أساسي في كل النهج الذي تمثله هذه الاختبارات. فكلها تبدأ من الافتراض الجوهري بأن الأناجيل في معظمها تحتوي على معتقدات الكنيسة الأولى، ولا تضم سوى القليل جداً، إن لم يكن لا شيء على الإطلاق مما جاء مباشرة من يسوع نفسه. ويعرض البروفسور بيرين سببين رئيسيين ليبرر بهما هذا التشاؤم.
ç فقد كتب يقول: “إن الكنيسة الأولى لم تبذل أية محاولة للتمييز بين الأقوال التي قالها يسوع كإنسان، وتلك التي قالها الرب المقام بواسطة نبي في المجتمع، أو بين تعليم يسوع الأساسي والفهم الجديد وإعادة الصياغة بالنسبة لذلك التعليم الذي تم التوصل إليه في الكنيسة تحت إرشاد رب الكنيسة.
ونقطة البداية لهذه الحجة تتمثل في حقيقة أن المسيحيين الأولين اعتقدوا بكل وضوح أن يسوع المقام كان حاضراً وعاملاً بين أتباعه في الكنيسة. وهو بالطبع لم يعد بعد حاضراً بالجسد، ومن ثم لا يمكن توصيل كلمته للمسيحيين إلا بطريقة غير مباشرة.
هناك مثال عن كيفية إمكان حدوث ذلك، يقال إنه وجد في الأصحاحات الثلاثة الأولى من سفر الرؤية. حيث نجد أن النبي المسيحي يوحنا يقوم بتسليم رسائل من المسيح السمائي إلى سبع كنائس في أسيا الصغرى، كذلك يذكر بولس أنبياء يعملون في الكنيسة (1كو 12: 27-31)، وكثيراً ما قيل إن عمله الرئيسي كان إصدار “أقوال ليسوع” لمواجهة حاجة معينة في حياة الكنيسة.
وعلى الرغم من أن هذه الحجة لاقت قبولاً على نطاق واسع لدى باحثي العهد الجديد، إلا أنها مشكوك فيها إلى حد كبير. ويمكن أن تقدم ضدها عدد من الاعتراضات الخطيرة.
أولاً: قامت على دليل مشكوك فيه. وعلى الرغم من أنه كثيراً ما كان يقال بثقة إن دور النبي المسيحي هو أن يخترع أقوالاً عن يسوع، إلا أنه لا يتوافر لدينا في الحقيقة دليل حقيقي لكي نبين ما الذي كان الأنبياء يعملونه في الكنيسة الأولى. فالرسائل إلى الكنائس السبع في سفر الرؤيا كانت خارج الموضوع تماماً، لأنه تم عمل فرق واضح هناك بين اختبار وأقوال كاتب السفر ورسالة المسيح المقام.
وعلى أية حال فقد ادعى أنه تلقاها في رؤية، وليس بمقدورنا القول بأنه اختلقها إلا إذا طرحنا الافتراض الآخر المشكوك فيه وهو أن الرؤى لا يمكن أن تحدث. والدليل الصريح الوحيد في العهد الجديد عن عمل هؤلاء الأنبياء نجده في (أعمال 13: 1-3) حيث يصدرون تعليمات بخصوص العمل المرسلي لبولس وبرنابا. وحتى التعليمات لم تعط باسم يسوع، بل بسلطان الروح القدس. والدليل من هذه النوعية يعد دليلاً ضعيفاً حتى إنه لا يعطينا سوى إشارة واهية إلى عمل الأنبياء على نحو من الدقة في حياة الكنيسة.
ثانياً: القول بأن الأنبياء لهم الحرية في اختلاق “أقوال ليسوع” يفترض أيضاً أن المسيحيين الأوائل لم يفرقوا بشكل واضح بين تعليم يسوع وتعليمهم. ولكن هذا أمر بعيد تماماً عن الصحة. ومما يبدو متناقضاً، أن دليلنا على هذا واضح للغاية في كتابات بولس، ولهذا السبب كان ملفتاً للنظر بشكل متزايد. لأنه، من بين كل كتبة العهد الجديد نجد بولس بالذات هو الذي كثيراً ما يتهم بأنه يتساهل في تعاليم يسوع.
ثم إنه ادعى أيضاً وأكثر من مرة أنه يتمتع بمواهب الله الخاصة بدرجة أعظم من كل معاصرين (1كو 14: 18-19؛ 2كو 12: 1-10) وهاتان الحقيقتان وحدهما تجعلانه مرشحاً مثالياً لأن يكون مورداً لأقوال يسوع. ولنا أن نتوقع أن تكون رسائله عامرة بمثل هذه الأقوال التي صنعها بنفسه بإلهام من الروح القدس من أجل تقديم النصح لقرائه. غير أننا في واقع الأمر نجد النقيض من ذلك. فعلى سبيل المثال، في (1كو 7) يخرج من نهجه ليميز بين آرائه وبين تعاليم يسوع.
ثالثاً: توجد مشكلة أخرى بالنسبة لافتراض أن الكنيسة الأولى كانت تختلق كثيراً من أقوال يسوع، وهي أن هذا افتراض يفتقر إلى المنطق. و”الدليل” الوحيد على أن الأنبياء كانوا يصيغون مثل هذه الأقوال يتمثل في فكرة أن تقاليد الإنجيل كان لها أصلها في الكنيسة الأولى وليس في خدمة يسوع.
وهناك إطار حياة مفترض تم تخيله بالنسبة للأناجيل، تم تفسير الأناجيل على ضوئه. وهذه عمليه مشكوك فيها للغاية، وليس إلى حلقة مفرغة دون أن يكون لها أي دليل خارجي. وليس ما يدعو للدهشة أنه حتى على هذا الأساس يمكن القول إن الأناجيل ما هي إلا نتاج تخيل تقي للكنيسة الأولى، وضع فيها الدليل بعد بداية البحث.
ç أما السبب الثاني لشكوك البروفسور بيرين فله أساس أقوى. فهو يؤكد – وعن صواب تام – أن القصد الأساسي من الأناجيل لم يكن تقديم معلومات تاريخية أو سيرة ذاتية ليسوع، بل بنيان قرائها. وكل شيء في الأناجيل يخدم غرضاً معيناً في حياة الكنيسة. ولكنه يستطرد قائلاً إن هذه الحقيقة في حد ذاتها تستبعد احتمال أن الأناجيل تضم ذكريات تاريخية ليسوع، على هذا النحو الذي كان عليه حقاً. وهذه حجة أخرى كثيراً ما يراد تأكيدها، إلا أنه نادراً ما تلقى التأييد.
ومع ذلك، لا يوجد على الإطلاق سبب منطقي، فما الداعي أن قصة أو جزءًا من تعليم يبلغ رسالة عملية أو لاهوتية أن يوصف بالزيف من الناحية التاريخية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما ألقيت عظات على قول بولس إنه في المسيح “ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر. ليس ذكر ولا أنثى لأنكم جميعاً واحد….” (غلا 3: 28).
ولا شك أن عظات كثيرة ألقيت حول هذا الموضوع، حيث نسبناها إلى مشاكلنا المعاصرة المتعلقة بالظلم وعدم المساواة. ومن المؤكد أنها مناسبة تماماً لهذا الموضوعات. إلا أن حقيقة أنني ألقي عظة تقوم على هذا النص، وأنسبها إلى مشاكل القرن العشرين لن تؤدي عادة بالناس إلى القول إنني وضعت الأقوال بنفسي، وإن بولس الرسول لم يكتب إطلاقاً الرسالة إلى أهل غلاطية، أو إنه حتى لم يكن له وجود على الإطلاق.
ذلك سيكون أمراً سخيفاً. ومع ذلك فإن هذا هو بالضبط من نوعية المبررات التي يطلقها بعض الباحثين على الأناجيل حين يحاجون بالقول إنه بالنظر إلى أن محتوياتها تناسب الحياة في منتصف القرن الأول، فقد لا يكون لها أي سياق تاريخي في حياة يسوع نفسه. إنها ببساطة تأكيد ليس له أي معنى.
مدخل لفهم الأناجيل
كثيرون من الباحثين يرون أن شكوك بولتمان وأتباعه غير مقبولة على الإطلاق. وهم عوضاً عن هذه الشكوك ينادون بأنه يوجد عدد من الأسباب القوية للبدء من الافتراض القائل بأن الأناجيل يعول عليها، وليس العكس، من ناحية اعتبارها سجلات تصف يسوع بالشكل الذي كان عليه فعلاً. وهناك عدد من الحجج الهامة تشير إلى هذا الاتجاه.
إذ نبدأ على المستوى العام، يتعين علينا ألا ننسى أن الكتبة القدامى لم يكونوا على وجه الإجمال حمقى أو مخادعين. فكثيرون من لاهوتي العصر الحديث (ولو أنهم ليسوا مؤرخين) يتحدثون باستخفاف عن مؤرخي العالم الروماني حتى إنه كثيراً ما يتولد لدينا الانطباع بأن مفهوم كتابة التاريخ على نحو صحيح لم يكون معروفاً لهم على الإطلاق. وإنها الحقيقة بالطبع أن المؤرخ في العصر القديم لم يكون تتوافر له كل الوسائل المساعدة الحديثة التي تتوافر لنا في أيامنا هذه.
ولكن هذا ليس معناه القول ببساطة إنه اختلق قصصه. فكل من المؤرخين اللاتين واليونان كانت لديهم معايير عالية، وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا دائماً يلتزمون بها، إلا أنه من المؤكد أن ذلك لم يكن سببه الافتقار إلى المحاولة. والمبادئ التي حددها أناس مثل لوسيان وثوسيديدس Lucian and Thucydides توضح لنا تماماً أنهم كانوا يعملون في إطار خطوط إرشادية لا يزال معمولاً بها حتى يومنا هذا.
وأي شيء آخر قد يقال عن الناس الذين كتبوا الأناجيل، فمن الواضح أنهم كانوا يعتقدون أنهم كانوا يعملون في إطار هذه النوعية من التقليد التاريخي. ولوقا يقول بوضوح إنه تخير كل مصادر معلوماته، وإنه كتب بحرص قصته على هذا الأساس. وبالنظر إلى أن كتبه الأناجيل المتشابهة الآخرين استعملوا أسلوباً مماثلاً تقريباً في التعامل مع مصادرهم، فإنه من الطبيعي افتراض أنهم عملوا أيضاً على نفس هذه الأسس.
ومن المؤكد أنهم جميعاً كانوا يعتقدون أنهم يقدمون معلومات حقيقية عن شخص كان يعيش بالفعل وبالطريقة التي وصفوها. ولم يكونوا يدرون أنهم يكتبون عن أقوال صدرت عن معاصريهم ونسبوها ليسوع. لقد اعتقدوا أن ربهم المقام كان بالفعل معلماً يهودياً من الجليل، وأنه كمعلم متجول فقد عاش وتكلم كما صوروه.
وهذه الحجة ليست بالطبع قوية جداً في حد ذاتها، لأن الإنجيليين ربما كانوا قد أخطأوا أو غرر بهم، ولكنها تكتسب قوة مضافة كبيرة حين نكتشف أن تفاصيل قصصهم تعطي بالفعل صورة صادقة للحياة في فلسطين في الوقت الذي قالوا إنهم كتبوا فيه. وحين نتذكر أنهم جميعاً كتبوا باللغة اليونانية لقراء من غير اليهود تقريباً، وأن اثنين منهم على الأقل لم يكونوا عائشين في فلسطين حين كتبا، فإن هذا يبدو أمراً رائعاً.
وفي نقطة تلو أخرى نكتشف أن خلفية الإنجيل صادقة وحقيقية. وفضلاً عن ذلك، ففي المواضع التي ساد الاعتقاد ذات مرة، أن ما سجلوه فيها جانبه الصواب (كما في حالة إنجيل يوحنا)، فإن الاكتشافات التالية لمعلومات جديدة كثيراً ما بينت أن الأناجيل تحتفظ بكتابات يعول عليها لعدد من التفاصيل الجغرافية والاجتماعية الهامة.
أرجعت أصول الأناجيل إلى سياق وقرينة يهودية بعمل اثنين من المفكرين الاسكندنافيين هما: هيرالد ريزنفلد Herold Riesenfeld وتلميذه بريجر جيرهاردسون Birger Gerhardsson. فقد عرض جيرهاردسون الرأي القائل إن تعليم يسوع كان مماثلاً جداً في الشكل لتعليم معلمي اليهود، وفي تحليل مطول لوسائل تعليمهم بين كيف أنهم يبذلون كل جهد للتأكد من أنه قد تم حفظها جيداً أو أنها انتقلت شفاهة إلى أتباعهم.
ويقول جيرهاردسون Gerhardsson إن يسوع تبنى نفس هذه الطرق، وإنه صاغ تعليمه على أساس أن يحفظها تلاميذه عن ظهر قلب حتى يستطيعوا أن يسلموها لأتباعهم بنفس صيغة الاستظهار السهلة هذه. وقيل إن تعليم يسوع سلم بهذه الطريقة “ككلمة مقدسة” في الكنيسة الأولى، وأن الأناجيل ما هي إلا كتابة التقاليد التي تعود إلى يسوع نفسه.
ومع ذلك، لا يتوافر لدينا دليل على أن المسيحيين الأوائل اعتبروا أنفسهم ناقلي التقليد. فقد كانوا كارزي الأخبار السارة، شارحين كيف أن حياة يسوع ورسالته تناسب احتياجات جيلهم. ولدينا الشهادة التي أجمعت عليها الأناجيل، بأن يسوع كان مختلفاً تماماً عن معلمي اليهود. وكان يعلم “كمن له سلطان”[2]، ولم يقم ببساطة بتسليم أقوال محفوظة عن ظهر قلب من مجموعة من التلاميذ إلى مجموعة أخرى.
ومع ذلك، وعلى الرغم من أن ما ادعاه ريزيفلد وجيرهارسون قد يكون مبالغاُ فيه، إلا أنهما قاما بتذكيرنا أن تعليم يسوع أعطي في سياق وقرينة يهودية، وفي ظل هذا فإنه تعليم قائد صاحب سلطان كان يعامل باحترام عظيم. وحتى لو لم يكن التلاميذ الأوائل قد تعلموا تعاليم يسوع بحفظها عن ظهر قلب، فمن المؤكد أنهم كانوا يقدرونها حق قدرها.
وهناك أيضاً دليل كاف على حفظ القصص شفاهة، وبطرق يعتمد عليها على نطاق العالم الهليني كله. لنأخذ مثلاً: حياة أبولونيوس التياني Apollonuis of Tyana، والتي سبق أن ذكرناها في فصل سابق. كان أبولونيوس هذا من معاصري يسوع، مع أنه عمر طويلاً ومات قرب نهاية القرن الأول. ومع ذلك، فإن قصة حياته لم تتم كتابتها حتى بداية القرن الثالث.
ومع أن الكاتب جمع قصص حياته من عدد من المصادر المختلفة، ومع أنه لم يكن كاتب سيرة غير متحيز، فإن عدداً قليلاً جداً من المؤرخين القدامى هم الذين ستتولد لديهم شكوك خطيرة عن الخطوط الرئيسية لقصته. وبالنسبة للأناجيل، فنحن نتعامل مع مصادر كتبت بعد الأحداث التي تتناولها بفترة قصيرة. وبالنسبة لمعظم الناس العاديين سيبدو أمراً سخيفاً أن يفترض أن أحداثاً كهذه لا فائدة منها من ناحية معرفة شيء ما عن يسوع نفسه.
وطبقاً لما يقوله المفكر الألماني يواقيم جرمياس فإن الأناجيل تجعلنا حقاً على اتصال وثيق بيسوع بالشكل الذي كان عليه بالفعل. وقد فحص جيرمياس النواحي اللغوية وقواعدها بحسب ما وردت في الإنجيل، ويقول بأننا نستطيع أن نسمع صوت يسوع الحقيقي فيها.
وبين آونة وآخرى نصادف كلمات آرامية حقيقية، حتى في النص اليوناني للأناجيل. وفي حالات أخرى كثيرة توجد فقرات نجد أن تراكيب لغوية آرامية قد استعملت في كتابة الأناجيل باللغة اليونانية. كما يحدد جيرمياس أيضاً عدداً من طرق الكلام يقول إن يسوع بصفة خاصة كان يستعملها. وكثير من تعليمه تم كتابته في صيغة الشعر الآرامي، ويمكن التعرف على ذلك حتى في الترجمة الإنجليزية.
وفي نقاط أخرى، كما سبق لنا القول، توضح أنه حين تترجم الأقوال المنسوبة إلى يسوع ثانية إلى اللغة الآرامية، فإنها غالباً ما تأخذ صيغة سامية نمطية، بل وتبين أساليب الجناس والسجع، والتي لا يمكن أن تكون لها معنى إلا في اللغة الآرامية فقط، ثم إن هناك الأمثال، والتي تختلف تماماً عن تعليم معلمي اليهود، واستخدام يسوع الخاص لكلمات مثل أبا (في عبارة أبا الآب) وآمين.
ومثل هذه السمات لا تثبت في حد ذاتها أن تقاليد الإنجيل ترجع إلى يسوع. وإذا حددنا كلامنا بدقة نقول إن أقصى ما تستطيع أن تظهره هو أنها ترجع إلى صيغة أمكن بواسطتها أن تحفظ بواسطة المسيحيين الذي كانوا يتكلمون اللغة الآرامية، إلا أننا حين نعود إلى ذلك السياق، فإننا نعود أيضاً إلى فترة تأتي بعد أحداث حياة يسوع، وموته وقيامته بوقت قصير. وفي ذلك الحين لا بد وأنه كان كثيرون من شهود العيان ما يزالون على قيد الحياة لكي يدحضوا أية أقوال تكون قد جاءت من محض الخيال.
وعلى هذا، فإن هذه الأحداث تؤيد صحة روايات الإنجيل عن تعليم يسوع، وجيرمياس على سبيل المثال لم يكن يساوره شك في أنها تضع عبء الإثبات على عاتق هؤلاء الذين يشككون في صحتها. في التقليد الخاص بالأناجيل المتشابهة، يكون المطلوب هو إثبات عدم صحة أقوال يسوع وليس صحتها.
وثمة اعتبار آخر يعطينا ثقة في قبول الأناجيل على أنها بصفة عامة سجلات صحيحة عن حياة يسوع وتعليمه، يتمثل في حقيقة أنها مختلفة عما نعرفه عن حياة واهتمامات الكنائس الأولى غير اليهودية. ومن الخطأ تصور أنه بالنظر إلى أن الأناجيل قد كتبت لخدمة احتياجات الكنائس، فهي لا تزيد عن كونها مرآة تعكس حياة الكنيسة الأولى. فبقية العهد الجديد تبين أنه كانت للكنيسة احتياجات لم تظهر – ولو من بعيد – في الأناجيل.
فمثلاً، لا يوجد تعليم حقيقي عن الكنيسة نفسها في الأناجيل. فهناك ثغرة واضحة للغاية حتى إننا نجد لزاماً علينا أن نسأل في أصحاح من الأصحاحات الأولى ما إذا كان يسوع مهتماً على الإطلاق بتأسيس الكنيسة. ولقد قيل في هذا الخصوص إن ظهور الكنيسة لم يكن بأي حال متعارضاً مع تعليم يسوع، غير أننا لا زلنا في حاجة إلى الاعتراف أنه لا يوجد في الواقع أي إرشاد محدد بالنسبة لهذا الموضوع في الأناجيل.
وحتى المعمودية، والتي سرعان ما أصبحت طقساً لدخول الشركة المسيحية، لم يذكرها يسوع مطلقاً باستثناء حالة واحة بعينها[3]. ويسوع نفسه لم يعمد أحداً، بل ولم يتخذ من المعمودية جزءًا رئيسياً من تعليمه. ومع ذلك فإن هذا كان موضوعاً له أهميته البالغة بالنسبة للكنيسة الأولى. وإذا كانوا حقاً قد دأبوا على اختلاق أقوال ليسوع لمواجهة احتياجاتهم، فمن المؤكد أنهم فقدوا هنا فرصة هامة.
ونجد نفس الافتقار إلى توجيه صريح بالنسبة لموضوعات هامة أخرى. فعلى سبيل المثال، نجد أن موضوع اليهود وغير اليهود لم تتعرض له الأناجيل في واقع الأمر، على الرغم من معرفتنا من بقية العهد الجديد الذي سرعان ما أصبح أحد الموضوعات الهامة على الإطلاق.
وفي مواضيع أخرى، نجد أن الأناجيل تشدد على أمر يختلف تماماً عما يشدد عليه بقية العهد الجديد. فمصطلح “ابن الإنسان” على سبيل المثال، أكثر الأسماء المستعلمة بالنسبة ليسوع في الأناجيل، لكنه بالكاد يظهر في أي موضع آخر. وهكذا أيضاً مصطلح “ملكوت الله” الذي كان يشكل جوهر تعليم يسوع، بالكاد نجد له ذكراً في بقية العهد الجديد.
والحقيقة هي أنه إذا حاولنا أن نعيد تركيب وضع حياة الكنيسة في الأناجيل، فلن نصل إطلاقاً إلى نوعية الصورة التي نعرف أنها حقيقية من رسائل العهد الجديد. لأنه توجد سمات عديدة جداً في قصص الإنجيل عن يسوع تختلف اختلافاً بيناً عن حياة واهتمامات الكنيسة الأولى.
وعلى هدى حقائق كهذه، يبدو من المعقول أن نستنتج أن هناك أسباباً قوية لافتراض أن الأناجيل تحتفظ بذكريات صادقة عن يسوع بالشكل الذي كان عليه فعلاً. وبالطابع كله الذي تقدمه صورتهم ليسوع جاء على نحو نحتاج معه إلى حجج قوية ومنطقية لنبين أنهم كانوا مخطئين بصفة جوهرية.
وهذا الافتراض لا يعني بالطبع أنه يمكننا أن نتبنى موقفاً ساذجاً لا يتفق مع قواعد النقد النزيه. ولم يكن الإنجيليون مجرد مسجلين للتقليد، بل كانوا مفسرين للحقائق التي سلمت لهم، ونحن في حاجة إلى أن نفحص عملهم بحرص لنتفهم الطبيعة الصحيحة لما كانوا يعملونه.
إلا أنه مما يعطينا ثقة بالفعل هو اعتقادنا أن التقليد الذي فسروه لقرائهم الأوائل كان تقليداً أصيلاً، وأنهم بصفة عامة حفظوا لنا قصة عن حياة يسوع وتعليمه. أما من ناحية ما إذا كانوا قد فعلوا هذا في أمثلة معينة، فهذا ما يجب بالطبع تحديده عن طريق فحص أجزاء معينة من عملهم من الناحيتين الأدبية والتاريخية.
الإعلان الإلهي والتاريخ
على ضوء كثير من الأسباب التي حملتنا على افتراض أصالة الأناجيل كسجلات لتعليم يسوع، فقد تأخذنا الدهشة تماماً أن مفكرين كثيرين جداً قد اتخذوا موقفاً سلبياً تجاهها, وثمة سبب جوهري لهذا من المؤكد أن نجده ليس في تناولهم للأناجيل ذاتها من الناحيتين التاريخية والأدبية، بقدر ما نجده في فهمهم الكلي لموضوع الإعلان الإلهي بجملته ومعرفة الله.
وحتى نفهم هذا، نحن في حاجة للرجوع إلى ما كتبه فريدريك شيلرميكر Friedrich Shleiemacher (1768-1834) والذي يطلق عليه “أبو الفكر اللاهوتي الحديث”. وفي محاولته مواجهة حركة التنوير الأوروبية، قال شيلرميكر إنه إذا كان للاعتقاد الديني أن يحتفظ بأية مصداقية بالنسبة للشعوب الغربية في العصر الحديث، فلسوف يتطلب الأمر أن يبعد تماماً عن نطاق البحث العقلاني. لأن العلم التاريخي في أيامنا هذه متشكك تماماً في كل ما يتعلق بفكرة أن الله يستطيع أن يجعل نفسه معروفاً في التاريخ من خلال نوعية الأحداث التي سجلها الكتاب المقدس.
ولذلك استهدف شيلرميكر إنقاذ المعتقد الديني مما شعر بأنه سيكون سبب خنقه لا محالة في جو التشكك هذا. وقد نادى بأن جوهر الإيمان مختلف بالكلية عن جوهر النواحي الأخلاقية التي توجه الجانب العملي في الحياة، أو العلم الذي يهتم بعمليات التفكير العقلاني، وقال إن الإيمان هو شعور خالص، وهذا معناه أن الاعتقاد الديني الذي يمكن أن يكون صحيحاً يجب أن يكون بمعزل عن أي شيء يمكن تفسيره علمياً.
وقام مفكرون في وقت لاحق بتحدي هذه الفكرة وتعديلها في نقاط كثيرة إلا أن تمييز شيلرميكر بوجه عام بين الديانة والأدلة العقلية كان أمراً حاسماً للتطور اللاحق في الفكر اللاهوتي في كثير من أنحاء العالم الغربي. وفي دراسة الأناجيل تم التعبير عن ذلك بقبول مبدأين أساسيين يسيطران على تفكير الكثيرين من المفكرين.
ç إعلان الله والتاريخ: يوجد لاهوتيون كثيرون وخاصة أولئك الذين هم على شاكلة بولتمان، ممن يتبنون التقليد اللوثري، يعتقدون أن الكون هو نظام مغلق، يعمل على أساس “نواميس طبيعية” صارمة لا يمكن كسرها. وهذا الاعتقاد إذا وصل إلى نتيجته المنطقية، فمعناه أنه من المستحيل أن توفق أي نوع من الأحداث المعجزية أو الفريدة في مفهومنا عن التاريخ. وإذا كانت أعمال العلم يمكن التنبؤ بها كلها، فهنا وبالتحديد، لا يمكن وقوع ما لا يمكن التنبؤ به.
ولذا فإنه بناء على هذا الرأي فلا مفر أن ينظر إلى الأناجيل على أنها شيء غير التاريخ، لأنها تتضمن بالفعل قصصاً عن عدد من الأحداث الفريدة التي يبدو أنها انتهكت “نواميس الطبيعة” كما هي معروفة لدينا.
وهناك حجج عديدة يمكن طرحها ضد مثل هذه النوعية من الآراء المتعلقة بالعالم وأحداثه، ويمكن القول إن هذا أمر عفا عليه الزمن. ومن المثير أن نلاحظ أنه عند هذه النقطة، نجد أن افتراضات بعض الفلاسفة واللاهوتيين أقل مرونة من آراء كثيرين من علماء العصر الحاضر. وعلى سبيل المثال فإن الاكتشافات التي توصل إليها علماء الطبيعيات في القرن العشرين، أوضحت في نقاط كثيرة مدى غموض المفهوم الذي ينظر إلى الكون على أنه نظام مغلق، وهناك علماء كثيرون يدركون الآن أن أعماله تتضمن أكثر من مجرد عملية آلية لقوانين العلة والمعلول.
ثم أنه، من وجهة نظر أخرى، فالاعتقاد بأن الكون نظام مفلق يمكن بسهولة أن يصبح وسيلة لتفادي الحاجة إلى اتخاذ الدليل الفعلي المستمد من التاريخ بمأخذ الجد. فإذا سمحنا لأنفسنا أن نتأمل المضامين الكاملة لروايات الإنجيل، أو في الواقع، في التاريخ ككل، علينا من حيث المبدأ أن نكون مستعدين أن نعمل في ظل تحديد أرحب للتاريخ والحقيقة أكثر مما يسمح به كثيرون من لاهوتي العصر الحديث. فالقول بأن الأحداث الاستثنائية لا يمكن أن تقع، أو أنه لا يوجد ما هو خارق للطبيعة، لا يعد إجابة من أي نوع للأسئلة التي طرحها التاريخ. فهذا معناه الاحتياج لأسئلة أكبر وأكثر أهمية.
ç الحقائق والإيمان: وهناك افتراض آخر كثيراً ما يطرحه اللاهوتيون وهو أنه ليس ثمة ارتباط بين الحقائق والإيمان، وأن العقيدة الدينية لا يمكن أن تقوم على حقائق التاريخ. وثمة مشكلة تواجه المسيحية عند هذه النقطة… لأنه أياً كان ما نقوله عن الإيمان المسيحي، فإنه بشكل ما مرتبط بيسوع الذي عاش ومات في القرن الأول في فلسطين. ولذلك، فإنه من جانب، لا بد أن يكون إيماناً “تاريخياً” ولكن ما الذي نعنيه حين نقول هذا؟
حين نتحدث عن “التاريخ” أو “الأحداث التاريخية”، فمن الممكن أن نعني أمرين: فمن ناحية، “التاريخ” يمكن أن يعني “الماضي”. فهو ما وقع في مناسبة معينة. وهو ما يمكن أن نكون قد رأيناه بعيوننا وسمعناه بآذاننا لو كنا نحن هناك. وهذه هي نوعية “التاريخ” الذي كان العقلانيون في القرن التاسع عشر يحاولون اكتشافه في بحثهم عن يسوع التاريخي، إلا أنه بوسعنا أيضاً أن نستخدم كلمة “تاريخ” لنعني بها الإشارة إلى الماضي، ما يمكن أن يطلق عليه “تاريخ – كقصة” وليس “تاريخاً – كحقيقة”.
ففي إحدى الحالتين نحن نتعامل مع الأمور الفعلية التي حدثت، وليس شيئاً آخر. وفي الحالة الأخرى، نتأمل الأحداث في نطاقها الصحيح وفي ضوء مغزاها الأساسي بالنسبة لوجودنا.
تمسك عدد من اللاهوتيين الألمان بهذا الفرق التقني، كوسيلة للفصل بين يسوع الذي هو موضوع الإيمان المسيحي (الرب المقام) عن يسوع التاريخي. وقد استعملوا كلمتين ألمانيتين مختلفتين لوصف نوعيتي التاريخ. فاستخدموا كلمة “Historie” للإشارة إلى “التاريخ كحقيقة” وكلمة “Geschichte” للإشارة إلى “التاريخ كقصة”. ويقولون إن النوع الثاني هو الذي يهم الإيمان المسيحي حقاً. إن مغزى التاريخ من ناحية تأثيره فينا هو الذي يهم، وليس التاريخ نفسه. وهذا معناه أن معرفة يسوع نفسه كشخص تاريخي لا علاقة له بالإيمان.
وهذه النوعية من التأكيد لا تكفي إطلاقاً، سواء كقول عن الفكر اللاهوتي بصفة عامة، أو كتصريح عن قصص الإنجيل التي تتناول حياة يسوع وتعليمه. والفرق الحاج الذي اصطنع بين التاريخ كحقيقة، والتاريخ كقصة، قام على أساس سوء فهم للطبيعة الأصلية للتاريخ كحقيقة، والتاريخ كقصة. لأن الناحيتين مرتبطان بعضهما ببعض برباط وثيق للغاية، ومن المستحيل أن نفكر في أحدهما دون أن نفترض الآخر أيضاً.
وما من أحد يكتب إطلاقاً التاريخ كقصة ما لم يكن مقتنعاً بأن شيئاً ما قد حدث فعلاً وله من الأهمية ما يكفي لأن يستحق الكتابة عنه. وعلى مثال ذلك، بمقدورنا الوصول إلى “ما حدث فعلاً” من خلال القصص والسجلات التي تتحدث عن ذلك في سياقها وفي مغزاها الشامل دون الحاجة إلى أي شيء آخر.
ولذلك فإنه من الناحية المنطقية فإنه لا مفر من أنه حين نتحدث عن “التاريخ”، سواء بصفة عامة أو في علاقته بالعهد الجديد، فإنه يتعين علينا أن نضمن شيئاً من كلا المعنيين. ثم إنه من المرغوب تماماً أن نفعل ذلك أيضاً. وإذا حصرنا انتباهنا في معنى التاريخ فلسوف نكون في موقف مشكوك فيه تماماً، لأنه إذا لم يقع حدث ما فعلاً، فأي تفسير نقيمه على أساسه لا بد وأن يكون بعيداً تماماً عن أي معنى.
وعلى سبيل المثال، سيكون من الحماقة أن أقنع نفسي أن يسوع مات من أجل خطيئتي، إذا لم يكن – كحقيقة تاريخية – قد مات على الإطلاق. وإذا ما قلت إن الإيمان مهم، والحقائق ليست هامة فلسوف تكون ساذجاً. فذلك يقودك بعيداً عن الموضوعية، ويشكل عقيدة دينية وهمية غير منطقية.
وكتبة العهد الجديد لم يكونوا يجهلون هذه الأسئلة، وقد قدموا إجاباتهم عليها. وفي قصة بولس الهامة عن قيامة يسوع ومغزاها، أكد وبقوة على أهمية الحقائق كعنصر لا غنى عنه في إيمانه المسيحي. وعلى الرغم من أنه هو نفسه أصبح مسيحياً نتيجة لقاء مباشر بالمسيح المقام، إلا أنه يضع فكره اللاهوتي بثبات وقوة في سياق حدث تاريخي اعتقد أنه يمكن إثباته بالطريقة العادية بواسطة تقارير الشهود. ولم يتردد إطلاقاً في القول إنه إذا كان الشهود على خطأ، وأنه “إن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم….”[4].
والقصص المختلفة للكرازة المسيحية الأولى تؤكد أيضاً أن التاريخ مهم، والكثير من الكرازة “Kerygma” كما وصفها “دود Dodd” ما هي إلا سرد لحقائق عن يسوع. فالمسيح الذي يقابلنا في العهد الجديد، وكشخص سام في الأناجيل، ليس شبحاً أو خيالاً ليس له أهمية إلا في مغزاه. فهو شخص حقيقي يمكن أن يناسب عالمنا لأنه عاش بالفعل فيه.
لكن الأخبار السارة لا تتطلب منا أن نصبح مؤرخين قدامى لكي نكون مسيحيين. والحقائق تتطلب منا أن نعمل، وأن نمارس الإيمان. وإذ كان يسوع قد قام من الأموات، فعلينا أن نواجه المضامين المترتبة على ذلك، الحاجة إلى الخضوع إلى الرب المقام ومتطلباته بالنسبة لحياتنا. ولكن هذا يؤكد لنا أيضاً أن كلاً من متطلباته ومواعيده معقولة وعادلة وحقيقية لأنه يمكن تبريرها من أحداث التاريخ.
وأخيراً نقول، إن يسوع التاريخي لا يمكن إلا أن يكون يسوع الذي آمنت به الكنيسة، لأنه في أحداث حياة وموت وقيامة هذا الشخص، كان الله يعمل، ويكشف لنا عن طبيعته، مصالحاً العالم لنفسه.
أقوال ليسوع خارج العهد الجديد
وفي مواضع مختلفة من هذا الكتاب أشرنا إلى تقاليد عن حياة يسوع وتعليمه مما لا توجد في العهد الجديد. وثمة عدد من “الأناجيل” التي كتبت في القرن الثاني تزعم أنها تتحدث عن طفولة يسوع المبكرة. ثم ذكرنا أيضاً مجموعات من أقوال يسوع، مثل “إنجيل توما”. وهناك عدد كبير من هذه التقاليد التي تتحدث عن حياة يسوع معروفة لنا.
هذه المصادر ليست الوحيدة التي تحتوي على معلومات عن يسوع لا نجدها في أناجيل العهد الجديد. وبعض آباء الكنيسة يحتفظون بعدد قليل من القصاصات عن تعليم يقولون إن أول ما أعطاه هو الرب يسوع، وبالطبع نجد أحياناً في أجزاء أخرى من العهد الجديد نفسه إشارات إلى أقوال ليسوع لا توجد في الأناجيل. فعلى سبيل المثال، نجد أن بولس في ختام رسالته إلى شيوخ كنيسة أفسس يلخص ما قاله على أنه كلمات يسوع الذي قال “مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ”[5]. ومع ذلك لا توجد أقوال ليسوع كهذه مسجلة في أي موضع آخر في الأناجيل.
والمادة المحفوظة في مصادر القرن الثاني هي من طابع مختلف بشكل ملحوظ. والكثير منها، ولا سيما في قصص الطفولة، من الواضح أنها من الأساطير. وقد كتبت لتسد الثغرة التي تركتها أناجيل العهد الجديد، لأنها لم تذكر لنا شيئاً على الإطلاق عن طفولة يسوع. وكثير من قصص أناجيل الطفولة الأبوكريفية بعيدة عن الحقيقة، ولا هدف لها، ولا يحتاج الأمر إلا إلى قراءتها حتى ندرك أنها من طابع مختلفة تماماً عن قصص العهد الجديد التي يرويها عن يسوع.
ومع ذلك ثارت أسئلة أخرى حول مجموعات أقوال يسوع التي وجدت في مصادر مثل إنجيلي فيلبس وتوما، أو البرديات العديدة التي اكتشفت في البهنسا في صعيد مصر. ومعظم هذه المستندات كتبت لأغراض دينوية، وكثير منها جاء من المجموعات الغنوصية المختلفة التي كانت منتشرة في القرن الثاني، وبعده.
و”إنجيل توما” في صيغته الحالية تم وضعه لدعم حياة المجموعات السرية في الكنيسة. والعلماء غير متأكدين ما إذا كانت هذه جماعة غنوصية، أو نوعية أخرى من الجماعات المرتبطة بالمسيحية اليهودية، ولكنهم متفقون من ناحية اعتباره مصدراً أنتج لتأييد معتقدات شيعة معينة. وكثيراً من أقواله أخذت من العهد الجديد والبعض الآخر ربما أخذت مباشرة من مصدر غنوصي آخر.
إلا إنه إلى جانب هذا توجد أيضاً أقوال أخرى يبدو أنها من مصدر مستقل. فعلى سبيل المثال، القول 82 من إنجيل توما جاء به “قال يسوع: ذاك الذي بالقرب مني هو قريب من الإلهام، ذاك الذي هو بعيد عني هو بعيد عن الملكوت”. وهذا القول بالذات كان معروفاً لأب الكنيسة أوريجانوس (185-245م)، وربما تكون هناك إشارات إليه في كتابات بعض المسيحيين الأوائل الآخرين. ومن المؤكد أنه من سمات نوعية أقوال يسوع المسجلة في العهد الجديد، وعلاوة على ذلك، فإنه يتسم بصيغة الشعر الآرامي، والتي هي أيضاً سمة منتظمة من سمات تعليم يسوع في الأناجيل الأربعة.
ويوجد عدد من أقوال كهذه نجدها في كتابات الكنيسة الأولى. فهي لا تتضمن أي تعليم لعقيدة طائفية، وحين تتفق بشكل عام مع تعاليم يسوع الواردة في العهد الجديد، فلا يبدو أنه لا يوجد سبب للشك في أنها تعود إلى تقاليد صحيحة عن يسوع. أما إذا كانت على نفس المثال الذي أوردناه، تحمل صيغة الشعر السامي، فإن هذا يعد دلالة أخرى على طابعها البدائي. وفي كتابه “أقوال غير معروفة ليسوع” عزل البروفسور جيرمياس عدداً من هذه القصص التي تحوي تعليماً، وعدداً قليلاً من القصص التي قيلت عن يسوع، والتي يعتقد أنها قد تكون ذكريات حقيقية عن حياة يسوع نفسه.
ولا شك أن البعض منها يحمل علامات صحته. وحقيقة أن هذه المعلومات حفظت خارج العهد الجديد لا يجب أن تدهشنا. فكاتب إنجيل يوحنا يشير إلى قصص كثيرة عن حياة يسوع وتعاليمه كانت معروفة له، ولكنه لم يستخدمها في إنجيله. ولكن بوسعنا أن نكون على ثقة من أنها لن تكون معروفة على الإطلاق بالنسبة للكنيسة. ولا شك أنه تم تذكرها، وتم تكرارها، وربما انتهى الأمر ببعض منها إلى أن سجل في السجلات المختلفة السابق ذكرها هنا.
إلا أنه من الأهمية أن نلاحظ أنه بالمقارنة مع العدد الكبير من التقاليد الأبوكريفية عن يسوع، فإن نسبة ضئيلة فقط، هي التي يمكن وعن حياء الادعاء بصحتها. أما الأغلبية الساحقة من المادة لا قيمة لها على الإطلاق كمصدر تاريخي للمعرفة عن يسوع. وليس من شك أن البروفسور جيرمياس كان محقاً حين يعلق قائلاً: القيمة الحقيقية للتقليد الموجود خارج الأناجيل تتمثل في أنه يلقى الضوء على القيمة الحقيقية للأناجيل القانونية نفسها.
وإذا كنا نود أن نتعلم عن حياة يسوع ورسالته، فإننا “لن” نجد ما نبتغيه إلا في الأناجيل الأربعة القانونية. أما الأقوال الربانية المفقودة، فقد تدعم معرفتنا المشتتة هنا وهناك في بعض الأمور الهامة، ولكنها لا تستطيع أكثر من ذلك.
المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان
المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان
المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟
بعد أن تقابل يسوع مع يوحنا واعتمد منه، قضى معظم حياته كمعلم ديني. وكان من الطبيعي تماماً لمعلمي اليهود الدينيين، أو “الربيين” كما كانوا يسمونهم، أن يعيشوا حياة الترحال، حيث يتجولون بين مكان وآخر، وفي غالبية الأحيان يصحبون معهم تلاميذهم. ومن الواضح أن يسوع اتبع هذا النهج.
فقد كان له تلاميذه[1]، وكثيراً ما كان يخاطب بلقب “معلم”. ومثل غيره من المعلمين اليهود كان ينجز معظم عمله في المجمع، وهو المكان الذي كان اليهود يجتمعون فيه للعبادة كل يوم سبت. وكان أيضاً يتحدث إلى الناس أينما قابلهم. وقد دعا أول تلاميذه من قوارب صيدهم، وكثيراً ما كان يعلم في الخلاء حيث كانت الجماهير العريضة تستطيع أن تلتف حوله[2].
وتعليم يسوع هو الذي أسر في الواقع قلوب الشعب. لأنهم فيما كانوا يسمعونه، أدركوا أنهم ليسوا أمام معلم عادي. فلم يكن مجرد تلميذ لمعلم آخر، يقول للشعب ما سبق أن سمعه من آخرين. بل كان يتحدث عن أمور جديدة تماماً عن الرجال والنساء وعلاقتهم بالله. وكان يقول ذلك بطريقة لم يكن معها مفر بالنسبة لأي واحد من أن يتخذ قراره بشأنه.
وكان لا بد لمن يستمع إليه من أن يقبل حكم الكثيرين من الناس العاديين بأنه “كان يعلمهم كمن له سلطان”[3]، أو يقبل رأي الفريسيين بأنه كان مدعياً دينياً من أسوأ النوعيات.
والتعليم الذي تسبب في هذا الانقسام الحاد بينه وبين سامعيه، كان بخصوص موضوعين. فمن ناحية قال يسوع أشياء عظيمة وجسورة عن شخصه وأهميته. وكان يعتقد بكل وضوح أنه هو نفسه المخلص الموعود الذي كان اليهود ينتظرون أن يرسل لهم من قبل الله. فهو وحده المسيا الذي يستطيع أن يقيم المجتمع الجديد. ومن ناحية أخرى، فإلى جانب ما قاله يسوع عن مصيره وأهميته، نجد الأقوال التي تحدث بها عن الطبيعة الحقة للمجتمع الجديد ومعناه، ذلك المجتمع الذي اعتقد يسوع أنه جاء ليبدأه.
ولسوق نستعرض بعض أقوال يسوع عن المجتمع الجديد في الباب الثاني. ومن المهم أولاً وقبل كل شيء أن نتأمل فيما قاله يسوع عن نفسه. ذلك أن أفكاره عن مجتمع الله الجديد، ومكانه في حياة البشر لن تكون ذات معنى ما لم نفهم ما قاله يسوع عن أهميته الشخصية في خطة الله.
ابن الإنسان:
إلى هنا، رأينا كيف أن الشعب اليهودي كان يتطلع إلى الله لكي يرسل لهم المخلص الموعود، المسيا، الذي يبدأ المجتمع الجديد. ومن الطبيعي أن تعبير “المخلص الموعد به من الله” لم يستخدم في الأناجيل: ولقد استخدمته هنا لمحاولة أن أوصل للقارئ بلغة الحياة اليومية العادية شيئاً عن مفهوم الشعب اليهودي لكلمة المسيح (المسيا).
غير أنه مما يدعو للدهشة أن تطلع على الأناجيل وترى كيف أنه في مرات قليلة استخدمت فيها كلمة “المسيا” (أو ترجمتها اليونانية “المسيح”) لوصف يسوع. ولنأخذ على سبيل المثال إنجيل مرقص. وربما كان هذا أول ما كتب من الأناجيل، ولقد استخدمت فيه كلمة “المسيا” (المسيح) سبع مرات فقط. منها مرة في عنوان الإنجيل، ومن بين المرات الست الأخرى[4]، ثلاث مرات فقط يمكن أن تؤخذ على أنها تشير إلى يسوع على أنه المسيا أو المسيح.
وفي مرة واحدة فقط قال يسوع عن نفسه بصفة مباشرة إنه المسيح. وما يلفت النظر أيضاً أنه في الفقرة الوحيدة التي قال فيها يسوع عن نفسه صراحة إنه المسيح[5]، إذا به في الحال يستطرد ليتكلم عن شخص مختلف، ويعرف المسيح على أنه شخص يسميه “ابن الإنسان”[6].
إذاً، من هو ابن الإنسان؟ من غير الممكن أن تتأمل أياً من القصص التي تتناول حياة يسوع دون أن تدرك أن لقب “ابن الإنسان” هذا يشكل مفهوماً في غاية الأهمية عن يسوع. والتعبير الحالي استخدم أربع عشرة مرة في إنجيل مرقص، أما في قصة متى الأكثر طولاً فقد ورد ما لا يقل عن إحدى وثلاثين مرة. والواقع أن “ابن الإنسان” هو التعبير الذي كثيراً ما استخدمه يسوع ليصف به نفسه وعمله. إذاً ما معنى هذا التعبير؟
قد يقول البعض إنه حين كان يسوع يتحدث عن نفسه على أنه “ابن الإنسان”، فإنه كان يريد ببساطة أن يؤكد على أن جانباً من طبيعته كان إنساناً عادياً، في حين أن جانباً منه يمكن أن يوصف بتعبير “ابن الله”. غير أن عبارة “ابن الأنسان” لا بد وأنها تعني أكثر من هذا. فعلى سبيل المثال، تحدث يسوع عن “ابن الإنسان آتياً في سحاب بقوة كثيرة ومجد” (مر 13: 62)، أو “جالساً عن يمين قوة الله” (لو 22: 69). ومثل هذه الأقوال لا يمكن أن يقصد به التأكيد على طبيعة يسوع كإنسان بالمقابلة مع أقواله بأن له أهمية خاصة في خطط الله.
معنى “ابن الإنسان”
المعنى الدقيق لعبارة “ابن الإنسان” كان من أكثر الموضوعات التي أثير حولها جدل عنيف في الدراسات الحديثة للعهد الجديد. وما سنذكره هنا هو ملخص مختصر جداً لما يقوله أحد الباحثين.
وهناك نقطة اتفق عليها جميع المفسرين وهو أن أفضل سؤال مفيد في هذا الموضوع هو: ما الذي فهمه أولئك الناس الذين كانوا يعرفون يسوع بالفعل حين سمعوه يستخدم تعبير “ابن الإنسان”. وبالنظر إلى أن أول مستمعيه كانوا من اليهود، فإنه من الأفضل أن نبحث في الديانة اليهودية عن الجواب. ومن المفيد دائماً أن نرجع أولاً إلى العهد القديم. وهنا نجد أن تعبير “ابن الإنسان” قد استخدم بطريقتين.
في أغلب الأحيان، يأتي هذا التعبير للتمييز بين الله والإنسان. وفي هذا السياق، فإنه يؤكد عادة ضعف البشر وفقرهم بالمقابلة مع قدرة الله وقوته (عدد 23: 19؛ أيوب 25: 6، مز 8: 4؛ 146: 3؛ إشعياء 51: 12). وهناك نبي أو اثنان من أنبياء العهد القديم خاطبهما الله بعبارة “ابن الإنسان”، (أي يا ابن آدم) وكان هذا في معرض التأكيد على الفرق بينهما وبين سيدهما (حزقيال 2: 1؛ دانيال 8: 17).
ولكن التعبير استخدم بطريقة مختلفة تماماً في دانيال 7: 13-14. وكان أبعد ما يكون عن الإشارة إلى ضعف الإنسان بالمقابلة مع عظمة الله، مثل عبارة “ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة”، “وسلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض”.
وبمقدورنا أيضاً أن نطلع على بعض الأسفار الرؤوية التي ربما كانت سائدة في زمن يسوع. ففي “2أسدارس”، و”تشبيهات أخنوخ” يظهر “ابن الإنسان” ثانية كشخص خارق للطبيعة أرسله الله على اعتبار أنه قاض البشرية مستقبلاً (2أسدارس 13، 1أخنوخ 37-71). وليس بمقدورنا التأكد من أن أياً من هذين السفرين الرؤويين كان مكتوباً بالفعل أيام يسوع. ولكن من المؤكد أنهما يعكسان بالفعل أفكاراً كان يعتنقها كثيرون من معاصريه.
ونحن في نفس الوقت في حاجة إلى أن نتذكر أنه لم يكن كل اليهود مهتمين بمثل هذه الأفكار. بل وما كانوا جميعهم على معرفة جيدة بالعهد القديم بحيث يستطيعون أن يربطوا بصفة آلية بين هذه الأفكار واستخدام يسوع لهذا التعبير. والواقع أن بعض الباحثين الآراميين المتمكنين قالوا إن الكلمات التي استخدمها يسوع بالفعل ربما لم يكن لها أي معنى محدد على وجه الإطلاق.
ولذلك، فنحن لدينا ثلاث حقائق يجب تأملها قبل أن نقرر ما الذي قصده يسوع حين أطلق على نفسه لقب ابن الإنسان:
الكلمات الآرامية التي استخدمت بالفعل في عبارة “ابن الإنسان” ربما كانت لا تعني إلا القليل، وربما كانت عبارة مطولة تعني “إنسان”.
استخدم تعبير “ابن آدم” (ابن الإنسان) في العهد القديم لوصف البشر واختلافهم عن الله.
في سفر دانيال، وغيره من الأسفار الرؤوية اليهودية استخدم التعبير للإشارة إلى شخصية سامية تشارك الله في سلطانه.
ومن المحتمل جداً أن هذه الحقائق كلها، لها مغزاها. وإذا لم يكن لتعبير “ابن الإنسان” أي معنى واضح محدد في اللغة الآرامية التي كان يتكلم بها يسوع، فلربما رأى استخدامه بكل بساطة، لأن هذا يعطيه حرية استخدامه بحيث يعني تماماً ما قصده من استخدامه. ولو كان قد استخدم لقب “المسيح” لما سهل عليه أن يفسر بدقة دوره حسبما فهمه هو، بالنظر إلى أن الكثيرين كانت لديهم تصورات عديدة مسبقة بالنسبة لهذا الموضوع. وإذا استخدم يسوع التعبير الغامض “ابن الإنسان”، فقد استطاع بذلك تجنب هذه المشاكل.
وفي ذات الوقت، فإنه بالنسبة لمن لهم القدرة على فهم هذا التعبير، فإن خلفيته تقدم بعض الإشارات المهمة للأشياء التي أراد يسوع قولها عن نفسه. ذلك أنه أراد أن يثبت أنه كان إنساناً عادياً فيما يختص بالجانب الإنسان، وأنه أرسل بصفة خاصة من الله نفسه.
وكل من هاتين الفكرتين يمكن أن نجدهما في استخدام العهد القديم لعبارة “ابن الإنسان”.
ولقد استخدم يسوع هذا الاسم في الواقع بثلاث طرق مختلفة توضح هذا.
غالباً ما كان يستخدم تعبير “ابن الإنسان” عوض أن يستخدم ضمير المتكلم للمفرد “أنا”، وما ذلك بكل بساطة إلا كوسيلة لوصف وجوده كإنسان عادي. وفي النقاط التي نجد أن الأناجيل المختلفة قد جاءت بنفس الأقوال، نجد أن أحد الأناجيل كثيراً ما يستخدم عبارة “ابن الإنسان”، في حين يستخدم آخر الضمير “أنا”. قارن على سبيل المثال مرقص 10: 45؛ لوقا 22: 27؛ أو مرقص 8: 27؛ متى 16: 13، أو متى 19: 28؛ لوقا 22: 30.
في أحيان أخرى كان يسوع يستخدم لقب “ابن الإنسان” في الإشارة إلى مجيئه الثاني على السحاب وإلى ارتفاعه إلى يمين الله. وهذا نفس الاستخدام الذي نجده في دانيال 7، والكتابات الرؤوية اليهودية.
غير أنه يستعمل في الغالبية بطريقة جديدة ومختلفة، مع بعض الإشارات إلى الآلام والموت اللذين كان يسوع يتوقعهما كجزء من حياته. وفي تسع مرات من أربع عشرة مرة استخدم فيها تعبير “ابن الإنسان” في إنجيل مرقص، كان يسوع يشير به إلى موته الذي كان وشيكاً. (مرقص 8: 31؛ 9: 9؛ 14: 21؛ ومتى 26: 2). وعند هذه النقطة أعطى معنى جديداً تماماً لفكرة لم تكن تعرف إلا قليلاً قبل أيامه. وكان من سماته أن يتعين عليه أن يتحدث عن نفسه في معظم الأحيان كابن الإنسان المتألم.
حياة يسوع المسجلة في الأناجيل المتشابهة
ليس من الممكن عمل جدول كامل من الأحداث التي تخللت حياة يسوع، ولكن هذا الجدول يحتوي على أهم هذه الأحداث بحسب ورودها في الأناجيل:
متى
مرقص
لوقا
ميلاده وطفولته
سلسلة أنساب يسوع
1: 1-17
3: 23-28
الوعد بولادة يسوع من مريم
1: 26-38
ولادة يسوع
1: 18-25
2: 1-20
زوار من الشرق
2: 1-12
ختان يسوع
2: 21-40
هروب والدي يسوع إلى مصر
2: 13-23
يسوع في الثانية عشرة من عمره
2: 41-52
في الجليل وما حولها
معمودية يسوع
3: 13-17
1: 9-11
3: 21-22
التجربة
4: 1-11
1: 12-13
4: 1-13
أول كرازة في الجليل
4: 12-17
1: 14-15
4: 14-15
رفض يسوع من أهل الناصرة
4: 16-30
دعوة التلاميذ الأوائل
4: 18-22
1: 16-20
تعليم وشفاء في كفر ناحوم
1: 21-38
4: 31-43
صيد السمك الوفير
5: 1-11
الموعظة على الجبل
5: 1 – 7: 29
يسوع يشفي الأبرص
8: 1-4
1: 40-45
5: 12-16
شفاء المرضى وإسكات الريح
8: 5-34
شفاء المفلوج
9: 1-8
2: 1-12
5: 17-26
دعوة متى ليكون تلميذاً ليسوع
9: 9-13
2: 13-17
5: 27-32
نقاش حول الصوم
9: 14-17
2: 18-22
5: 33-39
شفاء ابنه يايرس وامرأة عجوز
9: 18-26
5: 21-42
8: 40-56
شفاء أعميين وآخر مجنون
9: 27-34
إرسالية الاثني عشر
9: 35-10: 42
6: 6-13
9: 1-6
يسوع يتحدث عن يوحنا المعمدان
11: 1-19
7: 18-35
تعليم عن السبت
12: 1-14
الموعظة في السهل
6: 20-49
شفاء عبد وإعادة ابن إلى الحياة
7: 1-17
المرأة التي خدمت يسوع
7: 36-8: 3
مناقشة يسوع مع القادة الدينين
12: 22-50
3: 20-35
أمثال الملكوت
13: 1-58
4: 1-41
8: 4-25
مجنون كورة الجدريين
5: 1029
8: 26-39
معجزة إطعام 5000 شخص
14: 13-21
6: 30-44
9: 10-17
يسوع يمشي على الماء
14: 22-33
6: 45-52
تعليم بخصوص التقاليد الدينية
15: 1-20
7: 1-23
يسوع يشفي مرضى كثيرين
15: 21-31
7: 24-37
يسوع يشبع 4000 شخص
15: 32-16: 12
8: 1-21
تنبأ يسوع بموته
16: 13-28
8: 27-37
9: 18-27
التجلي
17: 1-27
9: 2-32
9: 28-45
إرسالية السبعين
10: 1-24
المحبة والصلاة ومحبة المال
10: 25-12: 59
شفاء وأمثال
13: 1-30
يسوع يغادر الجليل
13: 31-35
بعض الأمثال الشهيرة
14: 15-16: 31
شفاء البرص
17: 11-19
يسوع يتوجه إلى أورشليم
يسوع يتنبأ ثانية عن موته
20: 17-19
10: 32-24
18: 31-34
ابنا زبدى يطلبان ميزة
20: 20-28
10: 35-45
شفاء بارتيماوس الأعمى
20: 29-34
10: 46-52
18: 35-43
زكا يقابل يسوع
19: 1-10
يسوع يدخل أورشليم كملك
21: 1-9
11: 1-10
19: 28-44
يطرد التجار من الهيكل
21: 10-22
11: 11-26
19: 45-48
أمثلة أخرى
21: 28-22: 14
اتهام الفريسيين
23: 1-36
12: 37-40
20: 45-47
يسوع يتنبأ بخراب الهيكل
24: 1-3
13: 1-4
21: 5-7
يسوع يتحدث عن الرؤويات
24: 4-36
13: 5-37
21: 8-36
موت يسوع وقيامته
التآمر على يسوع
26: 1-5
14: 1-2
22: 1-2
يهوذا يخون يسوع
26: 14-16
14: 10-11
22: 3-6
التلاميذ يعدون الفصح
26: 17-19
14: 12-16
22: 7-13
العشاء الأخير
26: 20-29
14: 17-25
22: 15-38
القبض على يسوع
26: 30-56
14: 26-52
22: 39-53
محاكمة يسوع
26: 57-27: 26
14: 53-15:15
22: 54-23: 25
صلب يسوع
27: 27-44
15: 16-32
23: 26-43
موته
27: 45-56
15: 33-41
23: 44-49
دفنه
27: 57-66
15: 42-47
23: 50-56
القبر الفارغ
28: 1-10
16: 1-8
24: 1-12
يسوع يظهر لأتباعه بعد القيامة
28: 11-20
24: 13-53
المسيا
لسنا في حاجة لإضاعة كثير من الوقت في التفكير فيما قاله يسوع عن نفسه من أنه هو المسيح. وهذا لم يكن لقباً اتخذه يسوع لنفسه، وفي إنجيل مرقص[7]، وهو أول الأناجيل من ناحية الكتابة، لا نجد إلا مثالاً واحداً قال يسوع فيه إنه المسيح. ومع ذلك فتوجد أربع مناسبات هامة جداً قال أناس آخرون فيها عن يسوع أنه المسيح، ويبدو أنه قبل هذا اللقب.
حين أدرك بطرس أخيراً حقيقة ما قاله يسوع عن نفسه وقال له: “أنت المسيح”، أجاب يسوع بأن بطرس قد طُوب إذ حصل على هذا الإعلان الخاص[8].
ومناسبة أخرى كانت أثناء محاكمته أمام السلطات اليهودية حيث اعترف يسوع أمام رئيس الكهنة أنه هو المسيح[9].
هناك أيضاً القصة التي تتحدث عن كيفية شفاء يسوع لرجل به روح نجس. فهو لم يسمح لهذا الرجل أن يخاطبه على اعتبار أنه “ابن الله العلي” فحسب بل قال له أيضاً: “اذهب إلى بيتك وإلى أهلك وأخبرهم كم صنع الرب بك”[10].
في مناسبة أخرى كان يسوع سائراً في الطريق على مقربة من أريحا حين صرخ أحد المتسولين، وكان أعمى اسمه بارتيماوس، وخاطب يسوع بقوله: “يا ابن داود”. وعلى الرغم من أن الواضح أن آخرين ممن كانوا واقفين هناك طلبوا منه أن يصمت، إلا أن يسوع لم يفعل هذا، ومن هنا يبدو أنه وافق أن يطلق عليه هذا اللقب[11].
ويتضح من هذه الأمثلة الأربعة أنه لم يكن ليسوع نفس الموقف بالنسبة للقول بأنه المسيح “ابن داود” في كل مناسبة، وحين جاء الوقت الذي وقف فيه أمام رئيس الكهنة، كان من الواضح أنه سيدان بأي طريقة، وعلى ذلك لم يكن هناك ما يمنعه من الاعتراف بأنه المسيح. على الرغم من أنه حتى في هذا الموقف أخذ يعيد تحديد مفهوم “المسيح” في إطار لقبه المفضل “ابن الإنسان”. لكنه في مرحلة سابقة، حين اعترف بطرس أنه هو المسيح، طلب يسوع منه ومن التلاميذ الآخرين ألا يخبروا أحداً عن ذلك، بل عليهم أن يحتفظوا بالأمر سراً.
أما في المناسبتين الأخريين فيبدو أنه قبل لقب “المسياني” من أناس آخرين دون أن يعلق على ذلك بشيء. وفي حالة الرجل الذي كان به روح نجس طلب منه أن يشارك اختباره مع أصحابه وأهله. ومن الواضح أن موقف يسوع من ناحية السماح للناس أن يعرفوا أنه المسيح كان يختلف طبقاً للظروف، وكان الأمر يعتمد إلى حد ما على ما إذا كان يجب أن يخفى هذا الأمر أو يذاع. فما الذي نفهمه من كل هذا؟ يبدو أن هناك تفسيرين محتملين لهذا الموضوع:
لم يقل يسوع إطلاقاً إنه المسيح. وأحد طرق حل هذه المشكلة هو أن نقول بأن يسوع في الواقع لم يدع إطلاقاً أنه المسيح، وأن مرقص وكتبة الأناجيل الآخرين كتبوا قصصهم عن حياة يسوع وتعاليمه وذهنهم مشغول بالأكثر بما يؤمنون به عن يسوع وليس ما يدعيه هو عن نفسه. وكانوا يؤمنون بأنه المسيح، لأنهم كانوا على قيد الحياة بعد القيامة. ومن هذا المنظور الجديد أدركوا أنه من المناسب بالأكثر أخذ يسوع على أنه الشخص الذي حقق مواعيد الله المذكورة في العهد القديم.
ومع ذلك، فإنه حين جاء الوقت ليكتبوا الأناجيل أرادوا أن يوضحوا بكل جلاء أن يسوع هو في الواقع المسيح الموعود. ولذلك سدوا الثغرة بين معتقداتهم الخاصة، ولم يكونوا يعرفون أنه الحقيقة التاريخية، وذلك بأن ابتكروا فكرة “إبقاء مسيانية يسوع سراً”. وهذه عبارة صيغت لأول مرة بمعرفة أحد المفسرين الألمان وهو “ويلهلم ريد Wilhelm wrede”.
وذلك لتفسير السبب في أنه حين كان يجيء الحديث عن المسيح وهو يتكلم مع تلاميذه عن وضعه باعتباره المسيح، كان دائماً يطلب منهم إبقاء هذا الأمر سراً. وقد اعتقد “ريد Wrede” أن فكرة “السر المسياني” هذه كانت بجملتها من ابتكار مرقص كاتب أقدم إنجيل.
والصعوبة التي تكتنف هذا الاقتراح هي أنه على الرغم من أنه يتناغم مع جزء من الدليل، إلا أن هناك بعض المعلومات الأخرى التي لم تتفق معه. فعلى سبيل المثال هناك الأحداث التي تضمنت الرجل الذي كان به روح نجس في كورة الجدريين وبارتيماوس في أريحا. ثم أن هناك الحقيقة التي لا يمكن إنكارها وهي أن يسوع في واقع الأمر حكم عليه بالموت لأنه ادعى أنه “ملك اليهود” أي مسيحهم. ومن الصعوبة معرفة كيف ترك مرقص هذه القصص في إنجيله، وبهذه الصيغة إذا ما كان مصمماً على جعل فكرة “السر المسياني” مقنعة.
كان يسوع على قناعة بأنه المسيح، ولكنه لم يدع ذلك إطلاقاً. ويبدو أننا تركنا وعندنا الانطباع أن يسوع كان يعتقد أنه المسيح، غير أنه لم يقل ذلك صراحة. ولكن كيف لنا أن نفسر هذا الغموض؟
هناك ثلاثة أمور يمكن قولها في هذا الصدد:
أولاً: علينا أن نتذكر أن الأناجيل لم تكتب فقط لحفظ قصة حياة المسيح وتعليمه، بل لتكون سنداً بعد ذلك للمسيحيين في القرن الأول. والمسيحيون الذين قرأوا الأناجيل لأول مرة كانت لهم النظرة التي لدينا الآن. كانوا يعرفون قيامة المسيح ومجيء قوة الله في حياتهم. وعلى هذا الأساس، لم تكن أمامهم أية صعوبة في معرفة أن يسوع لا بد وأن يكون هو المسيح المخلص الموعود به من الله والذي أرسل ليبدأ المجتمع الجديد، فكيف تخامرهم أي شكوك وهو أنفسهم أعضاء في هذا المجتمع الجديد؟ وشيئاً فشيئاً بدأت كلمة “المسيا” أو “المسيح” تستعمل كاسم ثان ليسوع، ولا تزال تستعمل على هذا النحو حتى يومنا هذا.
وهذا يفسر لنا السبب في أن كلمة “المسيح” استعملت عدة مرات في إنجيل يوحنا، في حين أنها نادراً ما كانت تستعمل في الأناجيل الثلاثة الأخرى. وكان الاعتقاد بصفة عامة أن يوحنا كتب إنجيله في وقت متأخر عن الآخرين، وفي ذلك الحين أصبحت الكلمة تقريباً لقباً ليسوع.
ثانياً: الأناجيل نفسها أوضحت أنه كانت ليسوع ومعاصريه مقاصد متعارضة حين كانوا يتكلمون عن المسيح. فبالنسبة لليهود كان المسيا عندهم ملكاً من الناحية السياسية. أما بالنسبة ليسوع فالمسيا معناه عند متواضع مطيع لمشيئة الله. ولو كان يسوع قد تحدث عن نفسه صراحة بأنه المسيح لكان بذلك قد أخفى المعنى الحقيقي لمجيئه، ولتسبب ذلك في مواجهة قبل أوانها مع السلطات الرومانية.
فحتى التلاميذ، بما فيهم بطرس الذي أعلن أن يسوع هو المسيح، لم يعرفوا على وجه الدقة من هو يسوع إلا بعد القيامة. فعلى الرغم من علاقتهم الوثيقة بيسوع فقد أظهروا جهلهم بمقاصده في أكثر من مناسبة. ويمكن أن نكون متأكدين من أن هذه صورة تاريخية حقيقية، لأنه حين كتبت الأناجيل كان التلاميذ أبطال الكنيسة، وما من أحد كان له أن يكتب قصصاً تصورهم بمظهر سيء.
ثالثاً: يبدو من المؤكد أن موقف يسوع كان يختلف بالفعل، وأن حياته كلها وعمله كان مزيجاً من الإعلان والسرية، فقد تم تغطية هذا بالطريقة التي كان يحب أن يسمي نفسه “ابن الإنسان”، وهو لقب لم يكن له معنى واضح. وهو بالنسبة لأولئك الذين لم يكونوا مستعدين لأن يتأملوا هذا اللقب بعمق، كان اسماً بمقدوره أن يربكهم ويخفى ادعاءات المسيح لا أن يظهرها[12]. وفي نفس الوقت، فإن أحداثاً كثيرة في حياة يسوع بما فيها المعجزات[13]، بل وأيضاً مناسبات مثل عماده، والتجربة في البرية، ودخوله أورشليم سوف تفقد معناها لو لم يقل يسوع إنه المسيح[14]. فكثير من الأمور التي عملها وقالها كانت هي الأمور التي كان من المتوقع أن يعملها ويقولها المسيح حين يأتي.
وأفضل نتيجة نستخلصها من ذلك هي أن يسوع لم يستخدم كلمة المسيح عند الإشارة إلى نفسه لأنه كان يعرف أنها ستوحي لمستمعيه بملك أرضي ودولة سياسية جديدة. ومن المؤكد أنه لم يكن لدى المسيح أية نية لأن يكون “مسيحاً” من هذه النوعية. فلقد سبق ورفض هذه الفكرة بكل حسم حين جرب من إبليس. ولذلك صاغ خدمته كلها في قالب يخفي حقيقة أنه المسيح عن أولئك الذي لا يرغبون في فهم معنى هذه الكلمة بنفس مفهومه هو، ولكنها تكشف عن هويته الحقيقية لأولئك الذين يريدون بالفعل أن يعرفوا.
ابن الله
إيمان الكنيسة المسيحية منذ نشأتها هو الإقرار بأن يسوع هو “ابن الله”. وهذا تعبير مألوف لشعب يسوع في أيامنا هذه، والشعوب الناطقة باليونانية كثيراً ما يستخدمون هذه العبارة للإشارة بها إلى شخصية إنسان نبيل يوصف بالبطولة، وحين قال قائد المئة الروماني عند الصليب “حقاً كان هذا ابن الله”[15]. فلربما كان كل ما يعنيه بهذا هو أن يسوع كان رجلاً عظيماً حقاً، وقصة لوقا تشير إلى هذا بكل وضوح، حيث أن قائد المئة قال “بالحقيقة كان هذا الإنسان باراً”[16].
وعلى مثال تعبيري “ابن الإنسان” و”المسيح” استخدم أيضاً تعبير “ابن الله” في العهد القديم[17]، فأمة إسرائيل كثيراً ما كان يشار إليها بعبارة “ابن الله”. وملوك إسرائيل ولا سيما أولئك الذين كانوا من نسل داود كانوا أيضاً يحملون هذا اللقب. وثمة مزامير كثيرة تشير إلى الملك على أنه “ابن الله” على الرغم من أنه سرعان ما نظر اليهود إلى هذه الفقرات باعتبارها تشير إلى المسيح الآتي.
إلا انه ليس من شك أن عبارة “ابن الله” في الأناجيل قد استعملت للإشارة إلى أن يسوع يقول إنه في علاقة خاصة مع الله نفسه. وكان يسوع مدركاً تماماً بعلاقته الروحية الوثيقة بالله باعتبار أنه أبوه. بل إنه وهو في مقتبل عمره، حين كان في الثانية عشرة[18]، كان يعتبر هيكل أورشليم بين أبيه “فيما لأبي”[19]. وفي قصة مستأجري الكرم الأشرار أوضح بجلاء أنه نفسه ابن المالك الذي أرسله ليضع الأمور في نصابها.
والادعاءات التي لُمّح إليها في هذه القصص وضحها يسوع بشكل تام. لتأخذ على سبيل المثال هذا القول الذي سجله كل من متى ولوقا “كل شيء قد دفع إلي من أبي. وليس أحد يعرف الابن إلا الآب. ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له”[20]. ومن الواضح أن يسوع كان يشير هنا إلى علاقة فريدة مع الله، وأنه فعل ذلك دون أن يترك أي فرصة ولو ضئيلة لسوء الفهم.
ومن المؤكد أنه لا يوجد مجال للقول – كما يفعل كثيرون من غير المسيحيين – أن يسوع كان رجلاً صالحاً، ادعى في الواقع أنه ذو طبيعة أسمى من طبيعة البشر. وإذا كان ما قاله يسوع عن نفسه ليس صحيحاً فإما أنه دجال شرير، وإما أنه أبله مخدوع – وليس هناك دليل في الأناجيل أو الآراء التاريخية العامة تتصوره على أي من هاتين الصورتين.
إذاً ما الذي كان يعنيه يسوع حين قال إنه “ابن الله” ومن الطبيعي أن هذا يوضح أهم الأسئلة التي فكر اللاهوتيون وتحدثوا عنها لعدة قرون. وعلى ذلك ليس هناك ما نستطيع قوله هنا مما يحتمل أن يكون الإجابة الشافية والحاسمة لهذا السؤال، غير أنه توجد على الأقل ثلاث حقائق جوهرية يجب مراعاتها إذا كنا نريد أن نفهم – وبوعي – ما كان يقوله يسوع والمسيحيون الأوائل حين استخدموا هذا التعبير:
علينا ألا ننسى إطلاقاً حين نصف يسوع بأنه “ابن الله” أننا نستخدم لغة تصويرية لوصف أمر هو في حقيقته فوق أي وصف. فقد كان يسوع يستخدم صيغة تشبيهية. وقد أخذ العلاقة البشرية بين الابن وأبيه وقال “علاقتي بالله تشبه هذه العلاقة”. ولا يجب أن نأخذ هذا التشبيه بمعناه الحرفي. بل وما كان يشير إلى أن كل ناحية من نواحي علاقتنا بآبائنا تماثل تماماً العلاقة بين يسوع والله. وليس كل واحد في علاقة سعيدة مع أبويه.
على الرغم من أن هناك كثيرين ممن يستطيعون القول بإخلاص “الذي يكرهني يكره أبي أيضاً”[21]، إلا أنه ما من إنسان بمقدوره أن يقول: “أنا والآب واحد”[22]. والواقع أن تعليم يسوع كله، ولا سيما في إنجيل يوحنا، يوضح أن هذه العلاقة بين الآب والابن هي علاقة فريدة، وكانت موجودة قبل أن يولد يسوع في بيت لحم بزمن طويل. فيسوع “كان في البدء عند الله”[23].
ومثل كل الألقاب التي استعرضناها هنا، فإن هذا اللقب أيضاً استخدم في العهد القديم. وتعبير “ابن … ” كان تعبيراً شائعاً في اللغة العبرية. فنجد في العهد القديم – على سبيل المثال – أن الإسرائيليين كانوا يدعون دائماً “بنو إسرائيل”[24]، على الرغم من أن الترجمات الحديثة تجاهلت هذا التعبير وكثيراً ما يطلق على الأشرار عبارة “بنو لئيم” أو “بني بليعال”[25]. وبالنسبة لعبارة “الجنس البشري” فإن اللغة العبرية تترجمها “بنو البشر”[26].
ولذلك فإننا إذا وصفنا أنفسنا بأننا “بنو بشر”، فمعنى هذا أننا نقول إننا نشارك كل الجنس البشري الذي كان قبلنا في نفس سماته وطبيعته. ولذلك فإنه عندما يقول العهد الجديد أن يسوع هو “ابن الله” فهو يقرر هنا أن يسوع يشارك في طبيعة وصفات الله نفسه. وكان يقول إنه حقاً وبالفعل له طبيعة إلهية. وهناك أناس، مثل شهود يهوه – على سبيل المثال – لم يستطيعوا أن يفهموا هذا، لأنهم نسوا أن يسوع كان يستخدم تشبيهاً حين وصف نفسه بأنه “ابن الله” ثم إنهم تجاهلوا أيضاً تعبير “ابن….” في اللغة التي كان يسوع يتكلم بها.
في الأصحاح الأول من إنجيل يوحنا، وفي سفر الرؤيا، تم التعبير عن هذه العلاقة بين يسوع والله بطريقة أخرى[27]. فهناك سُمي يسوع “الكلمة” أو كلمة الله (اللوغوس)[28]. وكلمة الله بالطبع هي الطريقة التي يتصل بها الله بنا، ولكن عندما يقول العهد الجديد عن يسوع إنه “الكلمة” فهو يقصد شيئاً أكثر من ذلك. لأن يوحنا يقول “وكان الكلمة الله”[29]. أي أن رسالة الله للبشرية لم تكن مكتوبة في كتاب فحسب، بل أظهرت في شكل الله نفسه كما قال أيضاً “والكلمة صار جسداً”[30] أي أن الله نفسه تجسد في “الكلمة” في يسوع.
وعلى هذا فإنه حين قال يسوع إنه “ابن الله”، وحين يصف كتبة العهد الجديد هذا بعبارة “كلمة الله” فجميعهم كانوا يقولون هذا لأنه في المسيح نستطيع بحق أن نعرف الله. ولقد قال يسوع نفسه “الذي رآني فقد رأى الآب”[31]. وكلنا لدينا أفكارنا عن الله. وهي أفكار تشكلت طبقاً لتحليلاتنا وأفكارنا المسبقة، ولكن إذا كان ما يقوله يسوع عن نفسه صحيحاً، يصبح بمقدورنا الآن أن نضع الصورة الصحيحة عن الله بدلاً من الصورة الخيالية التي اختلقناها عنه. وهذا هو السبب في أنه من المهم لنا جداً أن نعود إلى ما كان يسوع يقوله ويعلمه فعلاً، لأننا من خلال حياته وتعاليمه نستطيع حقاً أن نرى الله ونسمعه.
العبد
ولعلنا نكتشف شبه الله بشكل أوفى في هذا اللقب الأخير “العبد” الذي يبدو أن يسوع طبقه على نفسه وعلى عمله. حتى أننا لا نجد في أي موضع في الأناجيل أن يسوع استخدم لقب “عبد الله” في مجال الحديث عن نفسه. ومع ذلك فلقد سبق لنا أن رأينا أنه نتيجة أنه عاش ومات بالطريقة التي تم التنبؤ بها عن العبد المتألم في إشعياء[32]، فإن مفهومه عن معنى أن يكون المسيح كان مختلفاً للغاية عن نوعية المسيح الذي كان يتوقعه اليهود في أيامه. كذلك نجد إشارات عديدة لقناعة يسوع أنه سيكون من نصيبه أن يتألم وكما سبق ولاحظنا، فإن أبرز استخدامات تعبير “ابن الإنسان” كانت في إطار أقوال يسوع عن آلامه وموته.
ومنذ أن تعمد، وربما قبل ذلك، رأي يسوع أن مجرى حياته سيكون عبر الآلام[33]، والصوت الذي سمعه عند عماده، والذي يردد كلمات من إحدى الفقرات في سفر إشعياء عن العبد المتألم[34]، أوضح أمامه أن عمل حياته يتركز على التواضع وإنكار الذات، وهذه القناعة كانت تتردد بشكل قوي في تصرفه إزاء اختبار تجربته في البرية. وطبقاً لما جاء في إنجيل مرقص، فقد حذر يسوع تلاميذه في مرحلة مبكرة جداً من خدمته أنه قد اقترب اليوم الذي سوف يرفع هو “العريس”[35] فيه، عن أصحابه. وفور أن أعلن بطرس إيمانه أن يسوع هو المسيح، أخذ يسوع يكرر “أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً”[36]. وثمة غرض عظيم سوف ينجز من خلال خدمته وآلامه:
“لأن ابن الإنسان أيضاً لم يأت ليُخدم بل ليخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين”[37].
لقد صرفنا وقتاً كثيراً نتأمل فيه الألقاب المختلفة التي وصف بها يسوع نفسه. ومعظمها من الصعب فهمه على وجه التفصيل. غير أن لها كلها مضموناً واحداً واضحاً جداً. فلا ريب أن يسوع باستخدامه هذه الألقاب كان يشير إلى علاقته الفريدة بالله وإلى سلطانه الفريد، ونجد أن سلطانه هذا يتم التعبير عنه في قوله إن بمقدوره غفران خطايا الناس.
ولقد رأي علماء الدين اليهودي – وكانوا محقين في ذلك تماماً – أن يسوع يدعي بهذا أنه يمارس سلطاناً يختص به الله وحده. كما أنه طلب من تلاميذه ولاءً وإخلاصاً بشكل لا يمكن أن يكون لأي إنسان عادي الحق في ادعائه على الإطلاق. ولقد قال لكل من سيؤمنون به مستقبلاً: “ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً”[38].
وقول المسيح إن له علاقة فريدة مع الله تم التعبير عنه في إنجيل يوحنا بالتساوي التام بين يسوع والله “أنا والآب واحد”[39] ونجد نفس هذه الأقوال في إنجيلي متى ولوقا[40].
وعلى الرغم من هذا فكثيراً ما يقول لنا المؤرخون غير الدينيين إن يسوع عاش كمعلم متجول، بل إنه لم يدع أنه نبي، وإن الكنيسة الأولى وبولس بصفة خاصة، هو الذي خلع الألوهية عليه. لكن ما قاله يسوع عن نفسه تم التعبير عنه في نفس المصادر الأولى التي سجلت عنه، وعلينا ألا ننسى أنه بمقارنة الأناجيل بالكتابات التاريخية الأخرى للعصر ذاته نجد أنها كتبت بعد الأحداث التي وصفوها بفترة قصيرة جداً.
وأكثر من ذلك فإن عمل الباحثين الذين فحصوا الطريقة التي تمت بها فعلاً كتابة الأناجيل ومهم “نقاد الصيغ” قد أوضحوا أنه لا توجد أية إشارة في أي موضع في العهد الجديد إلى وجود يسوع لم ينسب إلى نفسه قوى خارقة للطبيعة.
والواقع أنه يستحيل حقاً الفصل بين شخص يسوع كإنسان “يسوع التاريخي” وبين المسيح الرب المقام المساوي لله وذلك في الفكر اللاهوتي للكنيسة الأولى.
وإذا كانت ادعاءات يسوع زائفة، نكون والحالة هذه بصدد معلم يهودي تقي كما يحلو لبعض المؤرخين أن يتخيلوا أحياناً، أو نكون بصدد رجل مريض بالوهم، أو مخادع يعرف أنه كذلك. وفي كلتا الحالتين، لا يصنف يسوع إلا مع المسحاء الآخرين الذين كانوا يظهرون على فترات متقطعة في القرن الأول، والذين لم يعش تأثيرهم إلا لفترات وجيزة، والذين قد أصبحوا الآن تقريباً في عالم النسيان، غير أن يسوع لم ينس. وإذا كان تلاميذه قد ادعوا في وقت لاحق ادعاءات جديدة عن أهميته، فإن هذه الادعاءات راسخة تماماً في تعاليمه عن نفسه وعن مكانه في خطط الله.
[1] يوحنا 1: 38؛ 3: 2؛ 9: 12.
[2] مرقص 1: 16-21؛ لوقا 4: 16؛ 6: 6.
[3] متى 7: 29؛ مرقص 2: 7.
[4] مرقص 1: 1.
[5] مرقص 8: 29؛ 9: 41؛ 14: 61-62.
[6] مرقص 14: 62.
[7] مرقص 9: 41.
[8] متى 16: 16-17.
[9] مرقص 14: 61-62.
[10] مرقص 5: 1-20.
[11] مرقص 10: 46-52.
[12] مرقص 1: 9-11.
[13] لوقا 4: 1-13.
[14] مرقص 11: 1-11.
[15] متى 27: 54.
[16] لوقا 23: 47.
[17] هوشع 11: 1.
[18] لوقا 2: 49.
[19] مرقص 12: 1-11.
[20] متى 11: 27؛ لوقا 10: 22.
[21] يوحنا 15: 23.
[22] يوحنا 10: 30.
[23] يوحنا 1: 2.
[24] قضاة 1: 1.
[25] تثنية 13: 13.
[26] صموئيل الأول 2: 12.
[27] يوحنا 1: 1-18.
[28] رؤيا 19: 13.
[29] يو 1: 1.
[30] يو 1: 14.
[31] يوحنا 14: 9.
[32] إشعياء 52: 13؛ 53: 12.
[33] مرقص 1: 11.
[34] إشعياء 42: 1.
[35] مرقص 2: 20.
[36] مرقص 8: 31.
[37] مرقص 10: 45.
[38] لوقا 14: 27.
[39] يوحنا 10: 30.
[40] لوقا 10: 22.
المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان
ما هو الفرق بين الأناجيل الأربعة؟ وماذا عن التناقض الموجود بها؟!
ما هو الفرق بين الأناجيل الأربعة؟ وماذا عن التناقض الموجود بها؟!
ما هو الفرق بين الأناجيل الأربعة؟ وماذا عن التناقض الموجود بها؟!
لماذا أربعة أناجيل؟ وهل بها تناقض؟
سؤال: ما هو الفرق بين الأناجيل الأربعة؟ وماذا عن التناقض الموجود بها؟!
الإجابة:
الأناجيل كلها إنجيل واحد، ولا يوجد أي تناقض أو اختلاف فيما بينها .. بل هي فقط أربعة بشاير كُتِبَت بوحي الله إلى أربعة أشخاص هم متى -مرقس – لوقا – يوحنا. وكل شخص منهم كان يكتب لطائفة معينة من الناس، وهذا هو سبب الاختلاف الظاهري بينهم.. والمتعمق في دراسة الكتاب المقدس، لا يجد أي اختلاف في الأناجيل الأربعة.. بل هي مكملة لبعضها البعض..
أما بالنسبة لتاريخ كتابة الأناجيل، فيصعب تحديد السنة بالضبط.. لكن الشهادات الخارجية والأدلة والنظريات العلمية الحديثة تحدد أن الأناجيل الثلاثة الأولى -متى ومرقس ولوقا- كتبت قبل سنة 70م، أي قبل خراب أورشليم الذي حدث في تلك السنة. وتحددت التسعينات لإنجيل يوحنا.. وهناك اجتماع عام بين العلماء على أن بشارة مرقس هي أقدم البشائر الأربعة، تليها بشارة متي، ثم لوقا.
نظرة سريعة على الأناجيل الأربعة:
1- الإنجيل كما دونه متى – مت:
تنبأ أنبياء العهد القديم وانتظروا بشوق مجيء المختار، الذي سيدخل التاريخ ليقوم بفداء الشعب وخلاصه، وجاءت أول آية في إنجيل متى تعلن تحقيق أمل إسرائيل في مجيء المسيا المنتظر“كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود بن إبراهيم” لقد وضع رجال الكنيسة الأوائل إنجيل متى كأول كتاب في العهد الجديد لأنه حلقة وصل بين كتب العهد القديم والعهد الجديد ويصف إنجيل متى شخص وعمل المسيا الملك.
2- الإنجيل كما دونه مرقس – مر:
إنجيل مرقس (ويكتبه البعض خطأ إنجيل مرقص) قصر الأناجيل الأربعة، ويعطى نظرة واضحة وسريعة عن حياة المسيح ويركز على معجزات المسيح، وينتهي هذا الإنجيل إلى الحديث عن نهاية الزمان وعن ما سيحدث عند رجوع المسيح، ثم يسرد الأحداث المتعلقة بآلام المسيحوموته وقيامته وصعوده إلى السماء، ويؤكد على مساندة المسيح لتلاميذه فيما هم ينشرون البشارة في العالم أجمع.
3- الإنجيل كما دونه لوقا – لو:
يبنى لوقا إنجيله على الحقائق التاريخية، ونظرا لتدقيقه في تسلسل الأحداث الصحيحة، جاء إنجيله أشمل الأناجيل الأربعة من هذه الناحية، ويقدمالسيد المسيح على أنه الإنسان المثالي الذي أتى ليبحث عن الخطاة ويخلصهم.
4- الإنجيل كما دونه يوحنا – يو:
إنجيل يوحنا غير عادى في محتواه وفي أسلوبه، وهو إضافة جديدة للثلاثة أناجيل فهو أسهلها في القراءة، وأعمقها علمًا ودرسًا ويقدم المسيحبكونه الكلمة الأزلي الذي أظهر محبة الله إذ صار بشرا سويا لكي يخلص من الهلاك من يؤمنون به ويهبهم الحياة الأبدية والغرض من هذا الإنجيل، كما هو واضح من المعجزات الواردة فيه هو التحريض على الإيمان بالمسيح لنوال الحياة.
متى
مرقس
لوقا
يوحنا
لمن كُتب ؟
لليهود
للرومان
لليونان
للعالم المسيحى
موضوعه
المسيّا الملك
المسيا غالبإبليس
المسيح صديق البشرية
المسيح الكلمةالمتجسد
رسالة المسيح
يتمم الناموس
يصنع عجائب
يخلص البشرية
يحل في وسطنا
مادة
الإنجيل
اهتم بالنبوات
اهتم بالعمل
اهتم بالتاريخ
اهتم باللاهوت
رمزه
وجه إنسان
الأسد
الثور
النسر
الإدعاء يوجود تناقض بين الأناجيل: هذا المقال منقول من موقع كنيسة الأنبا تكلا.
أولًا: الزعم بوجود تناقض بين إنجيل يوحنا والأناجيل الثلاثة الأخرى:
نحن لا ننكر بأن إنجيل يوحنا ينفرد بمنهج خاص، لكن ذلك يرجع للأسباب الآتية:
1- كَتَبَ يوحنا إنجيله بعد أن كتبت الأناجيل الثلاثة الأولى الأخرى. كُتِبَ في أواخر القرن الأول، حوالي سنة 95م، وكانت غايته تكملة ما جاء بهذه الأناجيل الأخرى؛ بمعنى تفصيل ما أجمل ذكره، أو ذكر ما أغفل كتابته. (ستجد النص الكامل للكتاب المقدس هنا في موقع الأنبا تكلا) فلم يكن هناك داع لتكرار ما قد تم كتابته بالفعل..
2- يوحنا كان له هدف أساسي هو إثبات إلوهية المسيح، وهذا ما يكشفه صراحة في خاتمة إنجيله: “وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تُكتَب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح إبن الله. ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه” (يو30:20، 31).
3- كتب يوحنا إنجيله أواخر القرن الأول، وكان في ذلك الوقت ظهرت هرطقات ضد لاهوت المسيح.. فكان من أغراضه ضحد هذه الهرطقات وإثبات خطأها. وهذا واضح من رسائله الثلاثة (2يو10، 11).
ثانيًا: الزعم بوجود تعارض بين الأناجيل الثلاثة الأولى:
ونحن نقول أن الاتفاقات بينها أكثر بكثير مما بينها من اختلافات ظاهرية. ونقول اختلافات ظاهرية لأنها ليست حقيقية. وليس أدل على التوافق بين الأناجيل الثلاثة الأولى، من وضع مضمونها في ثلاثة أنهار متوازية في بعض الكتب. كل جزء من إنجيل متى مثلًا مع ما يقابله من إنجيلي مرقس ولوقا وهكذا.. وقد بدأ هذا العمل منذ وقت مبكر في تاريخ الكنيسة، حتى أن القديس والفيلسوف أغسطينوس (القرن الرابع)، وضع كتابًا أسماه “اتفاق الأناجيل””Harmony of the Gospels”.
ونستطيع إجمال هذه الاختلافات المزعومة في ثلاث نقاط: الترتيب الزمني للأحداث، ثم تفاصيل الأحداث، وأخيرًا حرفية كلام السيد المسيح.
1- الترتيب الزمني للأحداث:
إن أسلوب الترتيب الزمني للأحداث ليس هو الطريقة الوحيدة الواجب على المؤرِخ إتباعها. فهناك الترتيب المنطقي، الذي يربط الأحداث بمسبباتها.. وهناك الترتيب النفسي الذي يخضع لتأثير الكاتِب، وتتمشى مع الغرض الذي لأجله كُتِبَ.. فمثلًا لاحَظ علماء الكتاب أن لوقا في أنجيله اهتم بذكر وتدوين معجزات الشفاء التي فعلها المسيح. والسبب في ذلك واضح؛ فلقد كان لوقا طبيبًا (لو14:4)، وكطبيب اهتم بذكر معجزات الشفاء التي كان يعجز الطب إزاءها…
2- تفاصيل الأحداث:
الإنجيليين يتفقون في جوهر الأحداث، ومن الناحية الأخرى فإن وجود تباين ينفي عنهم تواطئهم معًا أو اتفاقهم المسبق..! ونلاحظ أن بعض هذه الاختلافات راجع إلى بعض التفاصيل التي لم يرد أن يسجلها أحد الإنجيليين من وجهة نظره، بينما سجلها آخر.. كما أن هذا الاختلاف قد يحدث نتيجة أحداث متشابهة.. أي حدوث أكثر من حادثة من نفس النوع. كما حدث في معجزة إشباع الألوف والبركة (فلدينا إشباع الخمسة آلاف من خمسة أرغفة وسمكتين، ثم إشباع الأربعة آلاف من سبع خبزات وقليل من صغار السمك (مت15:14-20؛ 32:15-38؛ مر35:6-44؛ 1:8-9).. الهدف هنا من الكتابة هو إظهار بركة المسيح..
ونود أن نشير إلى نقطة هامة وهي أن الكتبة الملهمين لهم أن يستعملوا ما درج عليه عصرهم من قواعد لغوية وعوائد شائعة. فمثلًا قول المسيح “جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال” (مت39:12، 40). وحينما نحسب المدة التي مكثها المسيح لا تكون ثلاثة أيام وثلاث ليال كامل.. كان اليهود في عصر المسيح يقصدون بكلمة نهار وليل إلى غير يوم كامل (أي ليس 24 ساعة).. وبهذا المفهوم تكلم السيد المسيح في النص السابق المرتبط بيونان وبقائه في بطن الحوت.. وفي عصر الرسل كان يطلق اليوم الثامن على يوم الأحد الذي يُدعى “أول الأسبوع”.
هذه مجرد أمثلة.. فإذا وجدن بعض ما يبدو أنها متناقضات فالسبب يرجع إلى جهل البشر ببعض الظروف والقوانين أو العادات التي تكشف الدراسات عنها.
كتاب: كتابنا المقدس ومسيحنا القدوس – نيافة الأنبا يؤانس (أسقف الغربية المتنيح)
ما هو الفرق بين الأناجيل الأربعة؟ وماذا عن التناقض الموجود بها؟!
اليقين في عدم اختلاق كتبة الاناجيل حادثة القيامة ورنر والاس
اليقين في عدم اختلاق كتبة الاناجيل حادثة القيامة ورنر والاس
اليقين في عدم اختلاق كتبة الاناجيل حادثة القيامة ورنر والاس ترجمة Jane Keriakous
هل نستطيع التاكد من حادثة القيامة ؟
هل كتب كُتاب الاناجيل ما امنوا به حقاً ، ام انهم تأمروا لأختلاق قصة شيقة تستمر عبر الأزمنة؟
هل القيامة مجرد أكذوبه تم تداولها ؟
عن تجربتي كمحقق، لقد قمت بالتحقيق في كثير من المؤامرات و الجرائم متعددة الشبهات. في حين أن المؤامرات الناجحة تعد من أكثر موضوعات الآفلام و الروايات شعبية. و بناء عليه توصلت الي ان (في الواقع) من الصعب جدا نجاحهها. ونجد ان هذه المؤامرات الناجحة تتشارك في عدة خصائص:
عدد قليل من المتأمرين: حيث انه كلما انخفض عدد المتأمرين، كلما ارتفعت احتمالية نجاح المؤامرة. فمن البديهي استيعاب ان الأكاذيب لا تستمر طويلا، و انه من الأفضل ان يقل عدد الآشخاص الذين عليهم أن يستمروا في الآكذوبة.
التواصل الكامل و اللحظي هما الآساس بين المتأمرون:فعندما يتعذر علي المتأمرون التأكد اذا كان شركاءهم في المؤامرة قد اقروا بالحقيقة، فغالبا ما يعترفوا املا منهم الفرار من العقاب. فبدون التواصل الكافي و اللحظي لا يستطيع المتأمرون فصل الكذب عن الحقيقة، فيسهل علي المحقق خداعهم عند مواجهة احدهم بالأخر.
الآكاذيب ذات المدة الزمنية القصيرة: يصعب المجاهرة بها لمرة واحدة، و يصعب أكثر تكرارها بنفس الترابط و الأتساق عبر فترة زمنية طويلة. لهذا السبب تكون المؤامرات التي تتناول فترة زمنية قصيرة هي الأفضل. و المؤامرة المثلي هي التي يشترك فيها اثنان فقط من المتأمرين، و التي يقتل فيها احد المتأمرين الأخر بعد اتمام الجريمة. فهذه مؤامرة يصعب اكتشافها.
صلة القرابه المؤثرة ما بين الأطراف. فعندما تكون هناك صلة عميقة و مؤثرة ما بين المتأمرين يتعذر اقناع احدهم بالآعتراف علي الأخر. و عندما يكون مثلا المتأمرون افراد عائلة واحدة، يكون ذلك شبه مستحيل. فتزداد احتمالية نجاح المؤامرة كلما كان رباط العلاقة أقوي.
عدم الضغط او الضغط القليل: بعض المشتبه بهم لا يعترفون بالحقيقة الا عندما يدركون مخاطرة استمرارهم في الكذب. فبدون استخدام الضغط علي المتأمرون، لن يعترفوا بالمؤامرة. ليس بالضرورة ان يكون هذا الضغط جسديا. فعندما يخشي المشتبه به عقوبة السجن او ادانة رفقاءه له، غالبا ما يحاول جاهدا النجاه او حماية نفسه. يتضاعف هذا كلما زاد عدد المشاركين بالمؤامرة. فكلما زاد الضغط علي المشاركين بالمؤامرة، كلما كان من المرجح فشلها.
سوف يكون من المذهل عدد المتأمرين المطلوب لانجاح المؤامرة المسيحية. فسفر أعمال الرسل يخبرنا أنه كان يوجد حوالي 120 شاهد عيان في العلية عقب صعود يسوع (أعمال الرسل 1 : 15). دعونا نفترض ان هذا الرقم مبالغ به، دعونا نستخدم رقم أصغر لتوضيح هذه النقطة. فالنقتصر نقاشنا علي الأثني عشر رسولا (مضيفين متياس الذي حل محل يهوذا). حتي مع هذا العدد القليل، يظل غير منطقيا تصديق ان التلاميذ تأمروا ليكذبوا حول حادثة القيامة لهذه الآسباب:
قلة او انعدام الوسائل لدي الرسل التي تسهل لهم التواصل فيما بينهم بشكل سريع و كامل.
كان يتحتم علي الرسل حماية أكاذيب مؤامرتهم لفترة زمنية طويلة.
علي الرغم من وجود شهود عيان من بعض الأخوة ضمن مجموعة الرسل، الا ان اخرين كثيرين لم يكن بينهم اي صلة قرابة علي الاطلاق.
لقد واجه الرسل اضطهاد عنيف لدرجة انهم شتتوا من ايطاليا الي الهند.
لا تسيء فهمي، فالمؤامرات الناجحة تحدث كل يوم. و لكنهم يتضمنون حتما عدد مدهش من المشاركين المترابطين، الذين علي صلة دائمة احدهم بالآخر، لفترة زمنية قصيرة، دون اي ضغوط خارجية. و هذا لم يكن وضع التلاميذ. هؤلاء الرجال و السيدات كانوا احد الامرين،اما ان يكونوا متورطين بأكبر مؤامرة عبر كل الآزمنة، او كانوا ببساطة شهود عيان يخبرون الحقيقة. و الآمر الثاني هو التحليل الأكثر منطقية الي حد كبير.
حيث قد قلت بمشهدي بالجزء الثاني من (الله ليس ميت)، “هناك العديد من الخصائص المشتركة للمؤامرات الناجحة، و أنا لا اجد اي من هذه الخواص متواجدة بالقرن الأول لهؤلاء المدعوين شهودا لحياة يسوع، و خدمته، و قيامته.” هذا المقال مأخوذ من كتابي (المسيحية القضية الباردة) حيث هناك محقق قاتل يحقق في ادعاءات الأناجيل. لمزيد من المعلومات، برجاء الرجوع للفصل السابع: قاوم نظريات المؤامرة.
المرجع
Chapter 7: Resist Conspiracy Theories. Cold-Case Christianity: A Homicide Detective Investigates the Claims of the Gospels .
اليقين في عدم اختلاق كتبة الاناجيل حادثة القيامة ورنر والاس
خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية7 – الأناجيل – رواية واحدة، أبعاد كثيرة
طبيعة الأناجيل.
القرينة التاريخية.
القرينة الأدبية.
بعض الملاحظات التفسيرية.
وكما هو الحال مع (الرسائل) وسفر الأعمال، قد تبدوالأناجيل للوهلة الأولى سهلة التفسير بمقدار كاف. وحيث أنه يمكننا تقسيم مادة الأناجيل تقريباً إلى قسمين، أقوال وقصص، أي إلى تعاليم الرب يسوع وإلى قصص عنه، إذاً يترتب على الدارس أن يكون قادراً من الناحية النظرية على تتبع المبادئ المتعلقة بتفسير الرسائل من جهة، والمبادئ المتعلقة بدراسة القصص التاريخية من جهة أخرى.
طبعاً هذا النمط من الدراسة صحيح إلى حد ما، لكنه ليس على تلك السهولة البادية؛ لأن الأناجيل الأربعة تُشكَّل نموذجاً أدبياً فريداً من نوعه يكاد لا يوجد له من النماذج المشابهة إلا القليل. وهذه الفرادة التي يتمتع بها هذا النموذج علينا فحصها بإيجاز، لأنها هي التي تبرز للعيان معظم مشاكلنا ومعظم المعضلات التي تصادفنا أثناء عمل التفسير الاستنتاجي. إضافة إلى الصعوبات التي تواجهنا في التفسير الحياتي، والذي يرتبط بعضها بالأقوال الصعبة المتعددة في الأناجيل.
إلا أن الصعوبة الحقيقية في التفسير الحياتي تكمن في مدى قدرتنا على استيعاب مفهوم ملكوت الله، وهو تعبير في غاية الأهمية يصف مجمل خدمة الرب يسوع، وفي الوقت نفسه قد تم تقديمه بلغة يهودية تناسب القرن الأول وتناسب مفاهيمه والمشكلة هنا هي في إمكانية ترجمة تلك الأفكار لتتناسب مع المحيط أو البيئة المعاصرة.
طبيعة الأناجيل
إن معظم الصعوبات التي عادة ما يواجهها الدارس أثناء تفسيره للأناجيل تنبع من حقيقتين واضحتين:
لم يقم الرب يسوع بكتابة أي إنجيل بنفسه، فالأناجيل كتبت من قِبَل آخرين.
هناك أربعة أناجيل.
إن حقيقة أن الأناجيل لم تُكتب بيد الرب يسوع المسيح هي حقيقة ذات أهمية كبيرة. فلو أنه هو مَنْ قام بكتابة الإنجيل، لكانت كتابته هذه ستبدو أقل شبهاً بالأناجيل وأكثر مماثلة لكتب العهد القديم النبوية، كسفر عاموس مثلاً، الذي يحتوي على مجموعة من التعاليم والأقوال الإلهية إضافة إلى قصص شخصية مختصرة (مثل عا 7: 10-17).
نعم هذه الأناجيل تحتوي وبلا شك على مجموعات من الأقوال، إلا أنها أقوال منسوجة كجزء متكامل في القصة التاريخية لحياة يسوع وخدمته. وهي ليست بكتب كتبها السيد المسيح لكنها كتب مكتوبة عنه، وهي تحتوي في الوقت ذاته على قدر كبير من تعاليمه.
وهنا علينا أن لا نبالغ في تصوير هذا الأمر وكأنه بالأمر الصعب، إلا أنه لابد لنا من الإقرار بوجود صعوبة فيه والسعي للتعامل معها. وطبيعة هذه الصعوبة قد تظهر على أحسن وجه فيما لو قورنت بما قد كُتب عن بولس الرسول في رسائله أو في سفر الأعمال.
فحتى إن لم يتوفر لدينا شيء عن حياة بولس الرسول في سفر الأعمال، على سبيل المثال، إلا أننا استطعنا جمع بعض عناصر من حياته من خلال رسائله، ولكن سجلاً من هذا النوع كان سيكون ناقصاً، لو لم تكن قد توافرت لدينا رسائل بولس الرسول، ولكان فهمنا لفكره اللاهوتي المبني فقط على عظاته في سفر الأعمال فهماً ناقصاً وغير متوازن إلى حد كبير؛ لذلك، ولأجل الحصول على النقاط الهامة في حياة بولس الرسول، نحن احتجنا إلى قراءة سفر الأعمال وإلى إضافة تلك المعلومات التي يعطيها لنا عنه في رسائله.
فمن أجل الحصول على فكر وتعليم بولس الرسول لا يمكن أن نذهب أولاً إلى سفر الأعمال بل إلى الرسائل مع الاحتفاظ بسفر الأعمال كمصدر إضافي.
أما الأناجيل فهي ليست كسفر الأعمال، لأن بها قصة حياة الرب يسوع ومقاطع من أقواله (تعاليمه) باعتبارها جزاءً لا يتجزأ من تلك الحياة. لكن أقوال الرب يسوع لم تُكتب بيده، كما فعل بولس الرسول في رسائله.
لقد كانت لغة الرب يسوع الأساسية هي الآرامية إلا أن تعاليمه لم تأتينا إلا مترجمة إلى اللغة اليونانية. زيادة على ذلك فإن القول ذاته –قول الرب يسوع– كثيراً ما تكرر في اثنين أو ثلاثة من الأناجيل، وحتى عندما كان هذا القول يأتي في سياق الترتيب الزمني ذاته والبيئة التاريخية نفسها، فإنه قلما كان يرد بنص الكلمات ذاتها في كل إنجيل.
نعم قد يكون هذا الواقع مصدر قلق للبعض، لكن لا يوجد ما يبرر هذا القلق. صحيح أن بعض أنواع الدراسات كانت قد شوهت حقيقة مصداقية الإنجيل وحاولت القول بأنه لا يوجد في الأناجيل ما يمكن أن يوثق به. وصحيح بأنه لا مبرر لاستخلاص مثل هذا الاستنتاج. فقد قام علماء متخصصون في دراسة الكتاب المقدس بإثبات جدارة ما جاء في الأناجيل من الناحية التاريخية.
إن قصدنا هنا من كل هذا بسيط. لقد قام الله بإعطائنا معرفة عما يمكن أن نسميه خدمة الرب يسوع الأرضية من خلال هذه الطريقة، وفي الحقيقة لا يوجد طريقة أفضل يمكن أن تتناسب مع عقلية البعض الآلية التي كانت ستفضل قصة مروية على شريط كاسيت. وعلى أية حال، فإن حقيقة أن الرب يسوع لم يكتب الأناجيل بنفسه بل كُتبت الأناجيل بالحري عنه هي جزء من عبقرية تلك الأناجيل في اعتقادنا وليست بنقطة ضعف فيها.
إن حقيقة وجود أربعة أناجيل، في اعتقادنا هي جزء من عبقرية فرادة تلك الأناجيل.
وفضلاً عن ذلك، هناك أربعة أناجيل! كيف حدث هذا؟ ولماذا؟ على كل حال، ليست لدينا أربعة أسفار لأعمال الرسل. وعلاوة على ذلك، فالمواد المدونة في الأناجيل الثلاثة الأولى لهي من التماثل لدرجة أنها سميت بالأناجيل المتشابهة أو الإزائية.
طبعاً من حق الدارس أن يتساءل عن سبب الاحتفاظ بإنجيل مرقس، طالما أن مقدار المادة التي ينفرد هذا الإنجيل بتدوينها بالكاد تكفي لملء صفحتين اثنتين لا أكثر. لكننا نكرر القول، إن حقيقة وجود أربعة أناجيل، باعتقادنا هي جزء من عبقرية فرادة الأناجيل.
إذن، ما هي طبيعة الأناجيل، ولماذا تعد طبيعتها الفريدة جزءاً من عبقريتها؟ قد تكون أفضل إجابة عن هذا السؤال هو البدء بالإجابة أولاً على السؤال القائل لماذا أربعة هنا؟ لا يمكننا إعطاء جواب شاف والسؤال المؤكد، ولكننا سنقدم سبباً واحداً على الأقل وهو سبب بسيط ولكنه عملي.
كانت كل جماعة من الجماعات المسيحية المختلفة (اليهود- اليونان) بحاجة إلى كتاب عن المسيح. ولأسباب عديدة ومتنوعة، لم يكن الإنجيل المخصص إلى جماعة من تلك الجماعات المسيحية يُشبع بالضرورة حاجة الجماعات الأخرى. وما نؤمن به كل الإيمان أن كل ما كتب قد تمت كتابته بقيادة الروح القدس.
بالنسبة إلى الكنيسة المعاصرة، لا يمكن أن يحل أحد الأناجيل محل أخر، لأنها تقف جنباً إلى جنب من حيث السلطة والقيمة. وكيف ذلك؟ لأن الاهتمام في كل إنجيل من هذه الأناجيل ينصب على الرب يسوع على مستويين:
المستوى الأول: كان هناك الاهتمام التاريخي المجرد والهادف لإظهار هوية الرب يسوع وما قاله وما عمله، وأن يسوع المسيح هذا هو ذاك الذي صُلب وقام من الأموات وهو نفسه الذي نعبده الآن كالرب المقام والممجد.
المستوى الثاني: كان هناك ذلك الاهتمام المتجدد لإعادة رواية تلك القصة، قصة يسوع، من أجل إشباع حاجات الأجيال التي تلت والتي لم تكن تتكلم الآرامية بل اليونانية، والتي لم تكن تحيا في ظل بيئة ريفية، زراعية، يهودية في أساسها، لكن كانت تعيش في روما مثلاً، أو أفسس، أو أنطاكية، حيث كان الإنجيل يواجه بيئة وثنية ومتمدينة.
بالرغم من أن هذه الأناجيل هي التي تخبرنا فعلياً بكل ما نعرفه عن الرب يسوع، إلا أنها بمثابة سير حياة بالرغم من كونها تروي جزئياً سيرة حياة. هي ليست كالكتب التي تُكتب عن حياة الرجال العظام المعاصرين – مع أنها فعلياً تسجل حياة أعظم رجل. نعم هي وكما سماها أحد آباء الكنيسة في القرن الثاني، وهو (يوستين الشهيد): (مذكرات الرسل).
لا يمكن أن نجد سير حياة أربعة تستطيع أن تعزز بعضها البعض جنباً إلى جنب بذات القيمة، إلا أن الأناجيل فعلت هذا لأنها في نفس الزمن الواحد دونت الحقائق عن السيد المسيح واسترجعت تعاليمه، وكل إنجيل منها كان يشهد عنه. نعم هذه هي طبيعتها، وهذا هو نبوغها، وهذان الأمران كلاهما هامان من حيث النواحي الاستنتاجية والحياتية.
التفسير الاستنتاجي للأناجيل إذاً، يتطلب منا أن نفكر على مستويين، أحدهما يستند إلى خلفية الرب يسوع التاريخية، وثانيهما يستند إلى الخلفية التاريخية لكُتاب الأناجيل.
القرينة التاريخية
إن القرينة التاريخية الأولى تتعلق بالرب يسوع نفسه. ومن أجل بنائها، علينا معرفة ثقافة وديانة القرن الأول، واليهودية الفلسطينية التي عاش وعلم في وسطها، كما يتضمن بناؤها محاولة فهمنا للقرينة المحددة لقول ما أو لمثل ما. لكن القرينة التاريخية الثانية ترتبط بالكُتاب كأفراد (البشيرين) وبأسباب قيامهم بالكتابة.
القرينة التاريخية للرب يسوع –بشكل عام
يتحتم من أجل فهم يسوع المسيح أن تنغمس في يهودية القرن الأول التي كان الرب يسوع جزءاً منها، هذا يعني أن تزيد معرفتك عن مجرد العلم بأن الصدوقيين لم يؤمنوا بالقيامة. تحتاج كدارس هنا إلى أن تعرف سبب عدم إيمانهم وسبب عدم تعامل يسوع المسيح معهم إلا بالقليل والنادر. وللحصول على هذا النوع من المعلومات، لا مفر لك من اللجوء إلى بعض القراءات الخارجية.
إن كل دارس يعلم ان الرب يسوع المسيح كثيراً ما قام باستخدام الأمثال في التعليم.
إن أحد المعالم الهامة لهذا البعد المختص بالقرينة التاريخية كثيراً ما تم إغفاله وهو يتصل بالشكل الذي اتخذته تعاليم الرب يسوع. إن كل دارس يعلم بأن الرب يسوع المسيح كثيراً ما قام باستخدام الأمثال في التعليم. ولكن ما لا يعرفه كل الناس وبنفس المقدار هو أن الرب يسوع المسيح استخدم جميع أنواع و أشكال التعليم. فعلى سبيل المثال، كان الرب يسوع يستخدم صيغ المبالغة ببراعة وتعمُّد.
كما يقول الرب يسوع لتلاميذه أن يقلعوا عيناً من عيونهم إن كانت فخاً لهم أو يقطعوا إحدى يديهم إن أعثرتهم. (مت 5: 29- 30 وما يقابله في مر 9: 43- 48)، وبالطبع، كلنا يعلم بأن الرب يسوع لم يكن يعني ذلك حقاً. لكن ما كان يقصده هو أن ينزع الإنسان من حياته كل ما من شأنه أن يوقعه في الخطية.
ولكن كيف عرفنا أن يسوع المسيح هنا لم يعن حقاً ما قاله؟ لأننا جميعاً وبكل بساطة ندرك تماماً بأن صيغة المبالغة إن استخدمت كوسيلة تعليمية لهي في غاية الفاعلية علينا، ففيها يكون التركيز فيها على المعنى الذي يريده المعلّم وليس على الكلمات التي ينتقيها!
لقد قام الرب يسوع أيضاً باستخدام الأمثال بفاعلية (مت 6: 21؛ مر 3: 24)، وكذلك التشابيه البلاغية والاستعارات المجازية (مت 10: 16؛ 5: 13) والشعر (مت 7: 7-8؛ لو 6: 27- 28)، والأسلوب التهكمي (مت 16: 2-3)، والأسئلة (مت 17: 25).
القرينة التاريخية للرب يسوع –بشكل خاص
محاولة معرفة القرينة التاريخية للرب يسوع تُعد الأكثر صعوبة، وصعوبتها تكمن في آلية تصورها أو إرجاعها خاصة فيما يتعلق بكثير من تعاليمه، والتي يكثر ذكر الأناجيل لها بدون قرائن كثيرة. والسبب في ذلك هو أنه قد تم تداول كلمات و أفعال الرب يسوع شفوياً خلال مدة من الزمن تناهز الثلاثين عاماً أو أكثر، ولم يتم تناقل كافة الأناجيل خلال تلك المدة. فما كان قد تم تناقله في قالب القصص الفردية أو المقتطفات هو محتوى الأناجيل، إذ تم تناقل الكثير من تلك الأقوال إلى جانب قرائنها الأصلية.
ولقد تعارف واعتاد علماء الكتاب المقدس على تسمية هذه المقتطفات (بالقصص التعليمية)، وسبب هذه التسمية هو أن هدف القصة عادة يكمن في أهمية التعليم الذي يختمها. ولعل مرقس 12: 13-17 هو نموذج للقصة التعليمية، فقصة القرينة كلها تتلخص في مسألة دفع الضرائب إلى الرومانيين. وهي تنتهي بقول المسيح الشهير: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”. وهنا السؤال: هل يمكنك صديقي الدارس تخيل ما كنا سنفعله عند استرجاع القرينة الأصلية لذلك القول لو لم يصلنا ضمن قرينته الأصلية؟
إن الصعوبة الحقيقية، بطبيعة الحال، تنتج عن حقيقة أن الكثير من أقوال المسيح وتعاليمه قد تم نقلها بدون قرائنها. وبولس الرسول نفسه شهد لهذه الحقيقة، فقد اقتبس أقوالاً ليسوع المسيح ثلاث مرات (1كو 7: 10؛ 9: 14؛ أع 20: 35) دون أن يُلمِّح إلى قرائنها التاريخية الأصلية. اثنان من تلك الأقوال في كورنثوس الأولى اُقتبسا من الأناجيل. فمثلاً الأقوال المتعلقة بالطلاق موجودة في قرينتين مختلفتين (إحداهما في متى 5: 31-32 في تعليم الرب يسوع لتلاميذه، وثانيمها هو ذلك النقاش الذي دار في متى 19: 1-10 ومرقس 10: 1-12).
أما القول الخاص (بالعطاء) فنراه موجوداً في متى 10: 10 وما يوازيه نجده في لوقا 10: 7 ضمن قرينة إرسال الاثنى عشر (متى) والسبعين (لوقا). غير أن القول المشارإليه في سفر الأعمال لا نراه موجوداً على الإطلاق في الأناجيل، وهو بالتالي ظلًّ بالنسبة لنا بدون قرينة أصلية.
لذا، علينا أن لا نستغرب أبداً خاصة إن عرفنا أن كثيراً من تلك الأقوال التي كانت ترد دون قرينتها كانت متوفرة عند البشيرين، وأن البشيرين أنفسهم، بقيادة الروح القدس، هم الذين أعطوا لتلك الأقوال قرائنها الحالية. ولعل هذا هو أحد الأسباب التي جعلتنا نجد القول نفسه أو التعليم ذاته وارداً في قرائن مختلفة في الأناجيل. وهذا أيضاً أحد الأسباب التي جعلتنا نرى الأقوال ذات الأفكار الرئيسية المتشابهة أو ذات الموضوع نفسه، مصنفة في الأناجيل بحسب المواضيع.
فعلى سبيل المثال، نجد في إنجيل متى خمس مجموعات موضوعية كبيرة –(أي أنها مصنفة بحسب الموضوعات وينتهي كل منها بعبارة هكذه “فلما أكمل يسوع هذه الأقوال…. –من هذه الموضوعات: الحياة في الملكوت (أو ما يسمى بالموعظة على الجبل، الإصحاحات 5-7)، تعليمات إلى خدام الملكوت (10: 5-42)، أمثلة عن الملكوت العامل في العالم (13: 1-52)، تعاليم عن العلاقات والتلمذة في الملكوت (18: 1-35)، الأمور الأخروية، أو اكتمال الملكوت (الإصحاحات 23-25).
أيضاً يمكننا إيضاح هذه المجموعات الموجودة في متى بطريقتين وذلك باستخدام المجموعة الواردة في الأصحاح العاشر كمثل:
إن القرينة هنا هي تلك الإرسالية التاريخية للاثنى عشر وتوجيهات الرب يسوع لهم عند إرسالهم (الأعداد 5-12). أما الأعداد 16-20 فهي عبارة عن توجيهات جاءت لتخدم زمناً لاحقاً لذلك بكثير، ففي العددين 5،6 الرب يوصيهم بالذهاب إلى خراف بيت إسرائيل الضالة فقط، أما في العدد 18 فهو يتحدث عن مثولهم أمام (الحكام) و(الملوك) و(الأمم) بينما إرسالية الاثنى عشر لم تشمل أيَّا من الذين سلف ذكرهم.
نجد هذه الأقوال الجميلة الترتيب مبعثرة في كافة أقسام إنجيل لوقا، بهذا الترتيب (9: 2-5؛ 10: 3؛ 21: 12-17؛ 12: 11-12؛ 6: 40؛ 12: 2-9؛ 12: 51-53؛ 14: 25-27؛ 17: 33؛ 10: 16) وهذا يفيدنا بأنه كان للوقا المقدرة على تلقي تلك الأقوال ولكن كمجموعات أو كوحدات مستقلة، ثم قام هو بالتالي بتصنيفها في قرائن مختلفة وذلك بإرشاد واضح من الروح القدس.
وهنا نقول إنه أثناء قراءتك للأناجيل، قد تحتاج لأن تطرح سؤالاً ربما لن يأتيك جواب شاف عليه، وهو إلى مَنْ كان المسيح يوجه حديثه عادة عادة عند قيامه بتعليم ما، هل كان يوجه حديثه لتلاميذه المقربين إليه، أم للجموع المحتشدة من حوله، أو ربما لمعارضيه؟ إن معرفة المستمع الرئيسي للرب يسوع، أو اكتشاف القرينة التاريخية ليسوع المسيح، لا يعني بالضرورة أن يؤثر. هذا على المعنى الأساسي لهذا التعليم، لكنه من المؤكد سيُسهم فيتوسيع أفاق نظرتك للأمور، وكثيراً ما سيساعدك في فهم النقطة الجوهرية الموجودة في كلام الرب يسوع.
القرينة التاريخية للبشير (كاتب الإنجيل)
لسنا هنا بصدد الحديث عن القرينة الأدبية التي استخدمها البشير في موضوع مادته عن الرب يسوع، بل نحن نتحدث عن القرينة التاريخية التي دفعت البشير أصلاً إلى كتابة إنجيله.
فإنجيل مرقس مثلاً، اهتم ولدرجة كبيرة بشرح طبيعة ميسانية يسوع (أي كونه المسيا). مع أن مرقس كان يعرف جيداً بأن المسيا هو بالحق ابن الله (1: 1) الذي يجول في الجليل بقوة وبرأفة (1- 8: 26)، وهو أيضاً على معرفة تامة بأن يسوع المسيح أبقى مسيانيته طي الكتمان مرات ومرات (انظر مثلاً 1: 34؛ 1: 43؛ 3: 12؛ 4: 11؛ 5: 43؛ 7: 24؛ 7: 36؛ 8: 26؛ 8: 30).
والسبب في ذلك يعود إلى أن يسوع المسيح وحده كان يفهم الطبيعة الفعلية لمصيره المسياني –مصير العبد المتألم الذي سينتصر بالموت– وعلى الرغم من تكرار المسيح شرح هذا الأمر لتلاميذه ثلاث مرات، إلا أنهم أخفقوا في فهمه (8: 27-33؛ 9: 30-32؛ 10: 32-45). مثلهم في ذلك مثل الأعمى الذي شفاه الرب يسوع على مرحلتين (8: 22-26)، لقد كانوا في حاجة إلى لمسة ثانية هي لمسة القيامة لكي يفهموا بوضوح ما كان يجب أن يفهموه.
كان اهتمام البشير مرقس الأساسي هو بطبيعته الخادم المتألم، الطبيعة التي تميزت بها مسيانية يسوع. ويتضح هذا الاهتمام بشكل أكبر بسبب حقيقة أن مرقس البشير لم يُشر إلى أي تعليم من تعاليم يسوع المسيح حول التلمذة إلا بعد إعطائه التفسير الأول لآلام الرب يسوع في 8: 31-33 والإشارة الضمنية هنا كانت في ذات الوضوح الذي كان للإشارة التصريحية.
إن الصليب والحياة الخادمة اللتين عاشهما الرب يسوع المسيح صارا أيضاً الدليلين على التلمذة الصادقة. وإن كان هذا هو الطريق الذي ساره السيد فما الذي ينتظره إذاً العبد؟
كل هذا يمكن إدراكه من خلال القراءة المتأنية لإنجيل مرقس. فهذه هي قرينته التاريخية. أما أن نضع هذه القرينة في موضعها بالتمام فسيكون الأمر ميالاً إلى الحدس أكثر منه إلى اليقين. إلا أننا لا نجد سبباً يمنعنا من اتباع التقليد القديم الذي يقول: بأن إنجيل مرقس يعكس (مذكرات) بطرس التي ظهرت في روما بعد فترة قصيرة من استشهاد بطرس الرسول في وقت كان فيه الاضطهاد المرير ضد المسيحيين في روما على أشده. على أية حال، فمثل هذه القراءة ومثل هذه الدراسة للقرينة تعد هامة للإنجيل كما هي للرسائل.
القرينة الأدبية
نركز اهتمامنا في هذا المقام على أمرين:
مساعدتك عزيزي الدارس على عمل التفسير الاستنتاجي أي على قراءة القول أو القصة ضمن قرينتها الحالية في الأناجيل.
مساعدتك على فهم طبيعة تركيب الأناجيل بوجه عام، وبالتالي على تفسير أي من تلك الأناجيل، وليس فقط مجرد تفسير حقائق منفصلة عن المسيح.
تفسير الأقوال التي ترد منفردة
في سياق بحثنا في كيفية تفسير الرسائل، ذكرنا ضرورة تعلّمك أن تفكر بحسب الفقرات. لكن هذا لا يعد مهماً جداً لتفسير الأناجيل، مع أنه يصح استخدامه من وقت لآخر، وبخاصة عند التعامل مع المقاطع التعليمية الكبيرة. وكما ذكرنا في البداية، سيكون لتعاملنا مع هذه المقاطع التعليمية بعض الجوانب التي تشبه الطريقة التي تعاملنا بها مع الرسائل. لكن، وبسبب الطبيعة الفريدة للأناجيل، علينا كدارسين لها أن نفعل أمرين: أولاً أن نفكر أفقياً، وثانياً أن نفكر عمودياً.
إضافة إلى ذلك يمكننا أن نقول: إنه عند شرح أو قراءة واحد من الأناجيل، يحتاج الدارس إلى مراعاة الحقيقتين التاليتين والمتعلقتين بالأناجيل: أولاً: هناك أربعة منها، ثانياً هي وثائق ذات مستويين.
التفكير الأفقي
على الدارس عند دراسة قول ما في أحد الأناجيل، أن يراعي ما يوازيه في الأناجيل الأخرى.
إن التفكير الأفقي معناه أنه على الدارس عند دراسة قول ما في أحد الأناجيل، أن يراعي ما يوازيه في الأناجيل الأخرى، فقط لمجرد التوضيح. ونقر بعدم ضرورة الإفراط في هذا الأمر، حيث أنه لم يقصد أي واحد من البشيرين أن يقوم قراؤه بقراءة إنجيله مقارنة مع الأناجيل الأخرى. مع الحفاظ على حقيقة أن الله قد أوحى بأناجيل أربعة في العهد الجديد ومعنى هذا عدم إمكان قراءة تلك الأناجيل قراءة صحيحة بمعزل كامل عن بعضها البعض.
ولعل خير ما نبدأ به كلامنا الآن هو التحذير التالي: ليس الغرض من الدراسة المتوازية للأناجيل إكمال قصة في إنجيل ما بتفاصيل من أناجيل آخرى. نعم عادة ما تميل مثل هذه القراءة إلى التوفيق بين جميع التفاصيل حتى تلقي ضوءاً على الجوانب الخاصة التي يتميز بها كل إنجيل والموحى بها أصلاً من الروح القدس. إن مثل هذا التكميل للتفاصيل قد يثير اهتمامنا بما يتعلق بتاريخ يسوع المسيح لكن ليس من المفترض أن يكون هذا الأسلوب هو اهتمامنا الأول.
هناك سببان رئيسيان للتفكير بشكل أفقي:
أولاً: إن دراستنا للأجزاء المتوازية في الأناجيل عادة ما ترفع من تقديرنا لما يتميز به كل واحد منها. وعلى كل حال، فإن هذا التميُّز هو السبب في وجود أربعة أناجيل بين أيدينا.
ثانياً: إن دراستنا للأجزاء المتوازية تساعدنا على فهم أنواع القرائن (البيئات والجماعات) المختلفة التي كتب إليها كل بشير إنجيله. سنقوم فيما بعد بإيضاح كل من هذين السببين. ولكن، إليك أولاً صديقي الدارس أمراً هاماً يتعلق بالافتراضات المسبقة.
إنه من المستحيل عليك قراءة الأناجيل دون أن يكون هناك أي نوع من الافتراض المسبق حول علاقة كل منها بالآخر –حتى وإن لم يكن قد سبق لك التفكير في مثل هذا الأمر. فالافتراض المسبق والأكثر شيوعاً– مع أنه قد يكون الأضعف احتمالاً– هو أن كل إنجيل قد كُتب بمعزل عن الأناجيل الأخرى.
فعلى سبيل المثال، خذ حقيقة وجود درجة كبيرة من التشابه اللفظي بين قصص البشيرين لوق ومتى ومرقس، وكذلك خذ ذلك التشابه في تسجيلهم لأقوال الرب يسوع. ليس من الضروري أن يفاجئنا التشابه اللفظي الواضح، خاصة عندما يتعلق بأقوال المسيح الذي تكلم بما “لم يتكلم به إنسان قط”. لكن أن نرى مقياس الشبه نفسه منطبقاً على القصص، فهذا أمر آخر خاصة إذا عرفنا بأن:
تلك القصص قد رويت في اللغة الآرامية أصلاً، في الوقت الذي كُتبت به بكلمات يونانية.
ترتيب الكلمات داخل الجمل في اللغة اليونانية عادة ما يأخذ أكثر من شكل، ومع ذلك فإن التشابه الذي نقابله في الأناجيل يمتد ليغطي الترتيب الدقيق للكلمات.
من غير المحتمل حقاً أن يقوم ثلاثة أشخاص من ثلاث أنحاء مختلفة في الإمبراطورية الرومانية برواية القصة نفسها بالكلمات نفسها –حتى في تلك النقاط الثانوية المتعلقة بالأسلوب الفردي مثل حروف الجر والعطف. وبالرغم من ذلك فهذا ما نراه فعلاُ وقد تكرر في الأناجيل الثلاثة الأولى.
من الممكن أن نلقي المزيد من الضوء حول هذا الأمر باستخدام قصة إشباع الخمسة آلاف والتي تعد إحدى القصص القليلة المدونة في الأناجيل الأربعة. ادرس الإحصاءات التالية (مع ملاحظة أن هذه الأرقام تقريبية إذ تختلف من لغة لأخرى):
عدد الكلمات المستخدمة في سرد قصة إشباع الجموع في:
إنجيل متى 157
إنجيل مرقس 194
إنجيل لوقا 153
إنجيل يوحنا 199
عدد الكلمات المشتركة في جميع الأناجيل الثلاثة الأولى 53 كلمة.
عدد الكلمات في الأصل اليوناني لإنجيل يوحنا المشتركة مع الأناجيل الثلاثة الأخرى هو 8.
النسبة المئوية للاتفاق:
متى مع مرقس 59%
متى مع لوقا 44%
لوقا مع مرقس 40%
يوحنا مع متى 8.5%
يوحنا مع مرقس 8.5%
يوحنا مع لوقا 6.5%
وهنا لابد من تقديم الاستنتاجات التالية: أولاً: يقدم يوحنا البشير رواية واضحة الاستقلال عن بقية الأناجيل؛ إذ أنه لا يستخدم إلا الكلمات الضرورية جداً لسرد القصة فهو استخدم على سبيل المثال كلمة يونانية مختلفة للتعبير عن السمك! أما باقي البشيرين فمن الواضح أنهم قد اعتمدوا على بعضهم البعض بشكل أو بآخر.
هذا ما يمكن أن يثبته لنا أولئك الضليعون باللغة اليونانية إذ أنهم يعلمون مدى صعوبة احتمال قيام شخصين كل على حدة ومستقلين عن بعضهما البعض برواية القصة ذاتها وبأسلوب قصصي يتفق إلى درجة 60% في استخدامها للكلمات، ليس هذا فقط بل وفي عمل ترتيب دقيق لها في مرات كثيرة.
لمزيد من الإيضاح خذ مثلاً هذه الجملة “ليفهم القارئ” الواردة في مرقس 13: 14 وما يوازيها في متى 24: 15. من الصعب طبعاً قبول فكرة أن هذه الكلمات كانت جزءاً من التقليد الشفهي، لأنها تقول (القارئ) وليس السامع، ومن غير المحتمل أيضاً أن تكون قولاُ ليسوع المسيح يشير فيه إلى سفر دانيال مثلاً.
إذاً، لقد كتبت هذه الكلمات بواسطة أحد البشيرين، وذلك من أجل أن يوضح أمراً ما لقرائه. وبالطبع من غير الممكن أن تكون هاتان الكلمتان “ليفهم القارئ” قد كُتبتا أصلاً في النص في الموضع عينه بواسطة كاتبين كتب كل منهما بالاستقلال عن الآخر.
ولعل أفضل تفسير لكل هذا هو الرأي القائل بأن مرقس البشير قام أولاً بكتابة إنجيله، وربما كان قد اعتمد جزئياً على وعظ وتعاليم بطرس الرسول. أما متى ولوقا البشيران فكانت لديهما فرصة الاطلاع على إنجيل مرقس أولاً، ومن ثم قام كل منهما مستقلاً عن الآخر، باستخدام ها الإنجيل كمصدر أساسي لإنجيله. إلا أنهما فيما بعد اعتمدا على عدة مصادر تتحدث عن الرب يسوع، من بينها مصادر اشتركت بينهما. إلا أنها قلما ظهرت بالترتيب نفسه في الإنجيلين، مما يدل على عدم إمكانية أن يكون أحد الكاتبين قد استعان بإنجيل الكاتب الآخر.
أخيراً، كتب يوحنا إنجيله مستقلاً عن الثلاثة الآخرين، وبالتالي تضمن إنجيله القليل من الأمور المشتركة مع الأناجيل الأخرى. هذه هي الطريقة التي نؤمن بأن الروح القدس قد أوحى بالكتابة بواسطتها للبشيرين.
النموذج التالي قد يوضح لك كيف ستساعدك هذه الاستنتاجات في تفسير الأناجيل. لاحظ مثلاً كيفية سرد ما قاله الرب يسوع عن “رجسة الخراب” عند قراءتك للأجزاء المتوازية التالية:
متى 24: 15-16
مرقس 13: 14
لوقا 21: 20-21
“فمتى نظرتم (رجسة الخراب) التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس –ليفهم القارئ– فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال”.
“فمتى نظرتم (رجسة الخراب) التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان حيث لا ينبغي –ليفهم القارئ– فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال”.
“ومتى رأيتم أورشليم مُحاطة بجيوش، فحينئذ اعلموا أنه قد اقترب خرابها. حينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال، والذين في وسطها فليفروا خارجاً، والذين في الكور فلا يدخلوها”.
لكن وقبل كل شيء لاحظ بأن هذا القول قد جاء ضمن حديث كان على جبل الزيتون، وبنفس التسلسل في الأناجيل الثلاثة. لكن عندما سجل مرقس البشير تلك الكلمات، كان يهدف إلى دعوة قرائه للتمعن العميق فيما قصده الرب يسوع من قوله “رجسة الخراب قائمة حيث لا ينبغي”. أما البشير متى فبوحي من الروح القدس، ساعد قراءه بقدر أكبر إذ جعل هذا القول أكثر وضوحاً.
فهو يذكرهم بأن “رجسة الخراب” تلك هي التي قد سبق للنبي دانيال الحديث عنها، وأن ما قصده الرب يسوع بالقول “حيث لا ينبغي” كان “المكان المقدس” أي الهيكل الذي في أورشليم. أما لوقا البشير وبوحي مساو من الروح القدس فقد فسر هذا القول ببساطة أكبر حتى يتمكن قراؤه الأمميون من فهمه. وقد نجح لوقا فعلاً في جعلهم يفهمون ما قصده الرب يسوع فالذي قصده من كل مل تحدث به كان ما يلي: “عندما تحاط أورشليم بالجيوش، اعرفوا إذاً بأن خرابها قريب”.
وهكذا، يمكنك صديقي كدارس للكتاب المقدس أن ترى كيف يمكن للتفكير الأفقي من جهة، ولمعرفة أن متى ولوقا البشيرين قد استفادا من مرقس من جهة أخرى، تساعدك في تفسيرك لأي واحد من الأناجيل أثناء قراءتك له. وكذلك، فإن إدراكنا لوجود أجزاء متوازية بالأناجيل يساعدنا على رؤية إمكانية استخدام المعلومات نفسها ضمن قرائن جديدة عبر أجيال الكنيسة المتعاقبة.
وفي ذلك نضرب المثال التالي: خذ رثاء الرب يسوع لأورشليم، تلك الحادثة التي اشترك البشيران متى ولوقا في سردها بينما لم يفعل مرقس البشير ذلك. في تلك الحادثة تظهر أقوال الرب يسوع في كلا هذين الإنجيلين متطابقة كلمة كلمة تقريباً.
في لوقا 13: 34-35 جاءت هذه الحادثة منتمية إلى مجموعة طويلة من أقوال وتعاليم الرب يسوع وهو في طريقه إلى أورشليم (9: 51- 19: 10). لقد وردت مباشرة بعد التحذير الذي أطلقه عن هيرودس والذي ختم به حديثه بقوله “لا يمكن أن يهلك نبي خارجاً عن أورشليم” (لو 13: 33). والفكرة المطروحة هنا هي أن رفض المُرسَل من قبل الله الآب يؤدي إلى دينونة إسرائيل.
أما في متى 23: 37-39 فقد جاء رثاء يسوع المسيح لأورشليم كخاتمة للويلات على الفريسيين، والتي تعكس اخرها قضية قتل الأنبياء في أورشليم. وهنا أيضاً كان القصد من هذا القول كقصد البشير الذي سبقه، إذاً القول واحد في كلا الإنجيلين على الرغم من ذكره في إطار خلفيات مختلفة.
هذا الأمر انطبق أيضاً على أقوال أخرى كثيرة. فالصلاة الربانية مثلاً مدونة في كلا الإنجيلين (مت 6: 7-13؛ لو 11: 2-4) ضمن قرائن تعلقت بتعليم الصلاة مع أن الدافع الرئيسي لكل من المقطعين كان مختلفاً عن الآخر وبشكل ملحوظ: لاحظ مثلاً الصلاة في إنجيل متى لقد جاءت كنموذج للصلاة: “فصلوا أنتم هكذا”، بينما نرى بأن لوقا قد سمح ببعض التكرار. ففي إنجيل لوقا: نجد الآية وقد وردت هكذا “متى صليتم، فقولوا…”.
كذلك في التطويبات (مت 5: 3- 11؛ لو 6: 20- 23) التي نجدها في إنجيل متى، وقد ذكرت هكذا المساكين هم المساكين بالروح، بينما في إنجيل لوقا فالآية ترد على الشكل التالي: “طوباكم أيها المساكين” بالتباين مع “أيها الأغنياء” (6: 24). وهنا نقول: نعم يميل الناس في أمور إلى التركيز على جانب واحد دون الجانب الآخر. فالبعض يميل إلى قراءة “المساكين بالروح” فقط، أما البعض الآخر فيميل إلى قراءة “أيها المساكين” فقط. ونحن هنا نصر على قانونية القولين معاً.
إذ نستند إلى المعنى العميق الذي يشير إلى المساكين الحقيقيين وهم أولئك الذين يرون أنفسهم فقراء أمام الله. إلا أن إله الكتاب المقدس، الذي تجسد في يسوع الناصري، إله يدافع ويحامي عن المظلومين والمهضومي الحقوق. وبالكاد يستحيل على الدارس أن يقرأ إنجيل لوقا دون أن يلاحظ هذا الوجه من الإعلان الإلهي (انظر 14: 12- 14؛ 12: 33- 34 بالمقارنة مع مت 6: 19- 21).
التفكير العمودي
معنى التفكير العمودي هو أنه عليك عند قراءتك أو دراستك عزيزي القارئ لقصة ما في الأناجيل، مراعاة كلا القرينتين قرينة يسوع المسيح، وقرينة البشير نفسه (أي الخلفية البيئية منهما).
وللمرة الثانية نقول: أول ما سنفعله الآن هو إعطاء كلمة تحذير. وهي أن الغرض الأول من التفكير العمودي ليس دراسة حياة يسوع المسيح التاريخية، مع أنه من الواجب أن يثير هذا الأمر اهتمامنا دائماً.
لكن الأناجيل في وضعها الراهن هي كلمة الله لنا نحن، أما عملية استرجاعنا لحياة يسوع وتصويرها فهي ليست كذلك؛ إذ أنها مجرد دعوة إلى إدراك أنه يوجد الكثير مما قد جاء في الأناجيل يدين أصلاً في قرينته الكتابية إلى البشيرين أنفسهم، والتفسير السليم لما قد استند إلى قرينة البشيرين يحتاج منا إلى فهمه أولاً ضمن قرينته التاريخية الأصلية وذلك كمقدمة مناسبة لفهمه فيما بعد ضمن قرينته الكتابية.
يمكننا أن نوضح ذلك من خلال استخدام متى 20: 1- 16، كمثال، حيث نجد هنا ذلك المثل الذي قاله الرب يسوع عن الفعلة في الكرم. واهتمامنا وسؤالنا الذي يجب أن نطرحه هو: ما الذي كان يعنيه ذلك المثل ضمن قرينته الأصلية في إنجيل متى؟ إن قمنا بالتفكير الأفقي أولاً، سنلاحظ أنه ومن كلا جانبي هذا المثل، يوجد مقاطع طويلة تحيط به وتتضمن موضوعات يسير فيها البشير متى على أثر خطوات البشير مرقس وعن قرب (مت 19: 1- 30؛ 20: 17- 34 بالتوازي مع مر 10: 1- 52).
في 10: 31 يقول البشير مرقس “ولكن كثيرون أولون يكونون آخرين والآخرون أولين” وقد رواها البشير متى بحرفيتها في أصحاح 19: 30. لكن متى وفي تلك اللحظة عينها، أورد هذا المثل، وختمه بتكرار ذلك القول في أصحاح 20: 16، ولكن بترتيب معكوس. وهكذا، نرى أن القرينة المباشرة في إنجيل متى حول مَثل الفعلة في الكرم هي قول الرب يسوع في متى 19: 30.
وأنت صديقي الدارس عندما ستدرس محتوى المثل نفسه (20: 1- 15)، ستلاحظ بأنه ينتهي بتبرير صاحب الكرم لسخائه. الذي معناه أن الأجرة في ملكوت السماوات بناء على ما أعلنه الرب يسوع، لا تقاس بما هو عدل أو إنصاف، بل بنعمة الله.
ففي قرينته الأصلية، ربما كان هذا المثل نوعاً من التبرير لعملية قبول المسيح للخطاة في ضوء اعتراضات الفريسيين عليه. فالفرسيون كانوا يعتبرون أنفسهم كمَنْ ينهض بأعباء جيله (نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر) وبالتالي فهم مستحقون لأجرة أعظم. لكن الله سخي ومُنعم، وهو يقبل الخطاة تماماً كما يقبل الأبرار.
وهنا نسأل: إذا اعتبرنا بأن هذه الخلفية هي الخلفية الأصلية الأرجح احتمالاً، فما هو دور هذا المثل في إنجيل متى؟ في الحقيقة تبقى نقطة المَثَل الجوهرية والخاصة بسخاء الله المنعم على غير المستحقين كما هي لا تتغير. إلا أن هذا الأمر هنا لم يعد وجوده ضرورياً لتبرير أعمال الرب يسوع بذاتها.
لأن إنجيل متى يفعل هذا عادة بطرق أخرى وفي مواضع أخرى. إن المثل هنا يعمل في إطار موضوع التلمذة، حيث يكون أولئك الذين تركوا كل شيء وتبعوا المسيح هم الآخرون الذين صاروا أولين (ولعل البشير متى يشدد على هذه النقطة مرة تلو الأخرى، لعمل مقارنة مع القادة اليهود).
تفسير كل إنجيل من الأناجيل ككل
قام البشيرون، بصفتهم كُتاباً موحى لهم من قِبل الله، بانتقاء القصص والتعاليم التي ناسبت أهدافهم.
لعل واحداً من أهم أجزاء دراسة القرينة الأدبية هو تعلُّم تمييز أنواع الاهتمامات التي تغلغلت إلى بنية كل إنجيل، فجعلت كل واحد منها فريداً ومتميزاً.
لقد أشرنا في كل أقسام هذا الفصل وفيما يتعلق بقراءة ودراسة الأناجيل، أنه ينبغي على الدارس أن يأخذ في عين الاعتبار وبجدية ليس فقط اهتمام البشيرين بالمسيح في حد ذاته أو بما قاله وفعله، بل أيضاً الاهتمام بالأسباب التي دعتهم إلى إعادة سرد كل قصة لقرائهم. نعم لقد درسنا بأن البشيرين كانوا كُتاباً وليس فقط مجرد جامعي قصص أو سير ذاتية. إلا أن كونهم كُتاباً لا يعني بالضرورة أنهم كانوا مبدعين للمادة التي كتبوها بل في الحقيقة العكس هو الصحيح.
فهناك عوامل عديدة كانت تمنعهم وتتعارض مع عملية الإبداع الواسع، وهذا باعتقادنا يتضمن إلى حد ما تلك الطبيعة الثابتة للمادة المقدمة و سلطان الروح القدس في الإشراف على عملية نقل الرسالة صحيحة تماماً. لقد كانوا كُتاباً بمعنى أنهم قاموا بمعونة الروح القدس بتركيب وإعادة كتابة المادة الموحى بها وبشكل خلاق من أجل سد حاجات قرائهم. وما يهمنا هنا هو مساعدتك صديقي الدارس على إدراك البناء الأدبي لكل بشارة أثناء دراستك أو قراءتك لها.
في عملية بناء الأناجيل اُعتمد مبدأن هامان: أولاً الانتقائية، ثانياً التكيُّف. فمن جهة، قام البشيرون، بصفتهم كُتاباً موحى لهم من قبل الله، بانتقاء القصص والتعاليم التي ناسبت أهدافهم. وصحيح، بالطبع، كان اهتمامهم الأول حفظ ما قد وصل إليهم. ومع ذلك فإن يوحنا البشير ، ومع قلة عدد قصص إنجيله وأحاديثه التي اتصفت في الوقت ذاته بالإسهاب الملحوظ، إلا أنه أخبرنا علانية بأنه كان انتقائياً جداً (20: 30- 31؛ 21: 25).
ولعل الشاهد الأخير (21: 25)، يُعبِّر عن موقف الأناجيل الأخرى أيضاً. فلوقا البشير على سبيل المثال، اختار ألا يورد في إنجيله قسماً كبيراً من إنجيل مرقس (مر 6: 45- 8: 26).
إن في مبدأ التكييف عادة ما يساعد في الرد على معظم الاداعاءات التي تقول بوجود تناقض بين الأناجيل. وهو أيضاً يشح ويفسر سبب وجودها.
في الوقت نفسه، كان للبشيرين وكنائسهم اهتمامات خاصة جعلتهم يقومون بتكييف ما انتقوه. فيوحنا البشير، مثلاً، صرح لنا علانية أن هدفه كان هدفاً لاهوتياً واضحاً ألا وهو: “لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله…” (20: 31). وربما كان هذا الاهتمام بيسوع –كالمسيا اليهودي– هو السبب الرئيسي الذي جعل أكثر ما كتبه يوحنا البشير يتعلق بخدمة الرب يسوع في اليهودية وأورشليم، في مقابل خدمته في الجليل والتي أوردتها الأناجيل الثلاثة المتشابهة.
فبالنسبة لليهود، كان الوطن الحقيقي للمسيا هو أورشليم. وبالتالي، كان يوحنا البشير يُعلَّم بما قاله الرب يسوع عن أنه “لا كرامة لنبي في وطنه”. نعم فقد قال الرب يسوع هذا القول أصلاً عندما رفضه أهل الناصرة (مت 13: 57؛ مر 6: 4؛ لو 4: 24). لكن في إنجيل يوحنا فقد تمت الإشارة إليه كتوضيح لرفض المسيا في أورشليم (4: 44) – وهذا يكشف عمقاً لاهوتياً جديداً في معنى خدمة الرب يسوع.
إن مبدأ التكييف عادة ما يساعد في الرد على معظم الاداعاءات التي تقول بوجود تناقض بين الأناجيل. وهو أيضاً يشرح ويفسر وجودها. فعلى سبيل المثال، من أبرز تلك الادعاءات قصة لعن شجرة التين (مر 11: 12- 14، 20- 25؛ مت 21: 18- 22) لقد روى الرسول مرقس هذه القصة لإبراز أهميتها اللاهوتية الرمزية، فقد لاحظ أن الرب يسوع قد نطق بالدينونة على الديانة اليهودية عندما طهر الهيكل وذلك في ذات الفترة التي لعن فيها شجرة التين فيبست.
غير أن لقصة شجرة التين معنى عظيماً للكنيسة الأولى أيضاً وذلك بسبب الدرس الذي ختمت به تلك القصة عن الإيمان. ففي إنجيل متى، كان الهدف الوحيد من تلك القصة هو إعطاء درس عن الإيمان، لذلك نراه يجمع ما بين لعن الشجرة وهلاكها ليُركِّز على هذه النقطة. تذكر صديقي الدارس أن سرد هذه القصة في جميع الحالات هو عمل الروح القدس الذي أوحى لكلا البشيرين بما كتباه.
ولكي نوضح بشكل أكيد عملية البناء هذه، دعونا نلقي نظرة على الأصحاحات الافتتاحية لإنجيل مرقس (1: 14- 3: 6) تُعد هذه الأصحاحات تحفة فنية، فهي مبنية بناء جيداً يتمكن القراء من خلالها فهم قصد مرقس الرسول.
إذ نجد فيها ثلاثة خطوط رئيسية لخدمة الرب يسوع المعلنة والتي تُشكل أهمية خاصة عند مرقس الرسول: أولاً: شعبيته وسط الجموع، ثانياً: تلمذته لعدد قليل، ثالثاً: معارضته من قبل السلطات. ارجع إلى إنجيل مرقس و اقرأه ولاحظ مهارة مرقس البشير في إبراز هذه المواقف لنا من خلال انتقائه وترتيبه للقصص. فبعد الإعلان عن خدمة الرب يسوع العلنية (1: 14- 15)، سجلت لنا القصة الأولى فيه دعوة يسوع المسيح للتلاميذ الأوائل.
بالإضافة إلى مزيد من التفاصيل عن هذا الهدف والتي جاءت لاحقاً في المقاطع التالية (3: 13- 19؛ 4: 10- 12؛ 4: 34- 41… إلخ). إن اهتمام البشير مرقس الأكبر في هذين الأصحاحين الأولين كان بالموضوعين الأخرين. فبداية من 1: 21 إلى 1: 45، نجد أربع لقطات أوردها مرقس البشير: يوم في كفر ناحوم (1: 21- 28 و29- 34) جولة وعظ قصيرة في اليوم التالي (1: 35- 39)، وقصة شفاء الأبرص (1: 40- 45).
كان الهدف المشترك في كل هذا هو إعلان سرعة انتشار شهرة الرب يسوع وشعبيته (انظر الأعداد 27- 28، 32- 33، 37، 45)، هذه السرعة التي وصلت أوجها حتى عجز الرب يسوع معها عن “أن يدخل مدينة ظاهراً، بل كان خارجاً في مواضع خالية، وكانوا يأتون إليه من كل ناحية”. كل هذا كان يبدو وكأنه يقطع الأنفاس إلا أن مرقس البشير تمكن فعلاً من رسم هذه اللوحة بأربع قصص فقط، إضافة إلى استخدامه لتعبيره المتكرر “وللوقت” (1: 21، 23، 28، 29، 30، 42)، وقيامه ببدء كل جملة تقريباً بحرف العطف (واو).
بعد أن وضع مرقس البشير هذه الصورة أمامنا، قام باختيار خمسة أنواع من القصص، ترسم في مجموعها، لوحة المعارضة وتبدي أسبابها. لاحظ القاسم المشترك العام للقصص الأربع الأولى إنه السؤال: لماذا؟ (الأعداد 7، 16، 18، 24). فالمعارضة تنشأ بسبب غفران الرب يسوع للخطايا، وبسبب أكله مع الخطاة، وسبب عدم مراعاته للتقليد المتعلق بالصيام، وكسره السبت. ولعل مرقس قد اعتبر هذه المخالفة الأخيرة هي الإهانة الكبرى عند اليهود مما جعله يضيف قصة ثانية من هذا النوع (3: 1- 6).
وهنا لا نقصد القول أن جميع المقاطع في كل الأناجيل ستساعد الدارس بسهولة في اكتشاف الاهتمامات التي تحكمت بما كتبه البشيرون. لكننا نقترح بأن مثل تلك النظرة إلى الأناجيل هي النظرة المطلوبة.
بعض الملاحظات التفسيرية
إن المبادئ التفسيرية للأناجيل عادة ما تكون بمثابة مزيج لكل ما سبق وقيل في الفصول السابقة عن (الرسائل) والقصص التاريخية.
التعاليم والوصايا (الواردة بصيغة الأمر)
لو افترضنا عزيزي القارئ بأنك قد قمت فعلاً بمهمة عمل التفسير الاستنتاجي بعناية، إذاً عليك الآن إدخال تعاليم ووصايا الرب يسوع التي تم ذكرها في الأناجيل إلى هذا القرن الحالي تماماً بذات الطريقة التي تعاملنا بها مسبقاً مع رسائل بولس الرسول أو بطرس أو يعقوب.
حتى قضايا النسبية البيئية والتي تحتاج إلى أن تثار بالطريقة ذاتها، كالطلاق مثلاً، والذي يكاد ألا يكون خياراً مطروحاً أمام زوجين مؤمنين بالرب يسوع المسيح، وهذه القضية التي كررها الرسول بولس في كورنثوس الأولى (7: 10- 11).
لكن للأسف ما وجدناه في بعض المجتمعات الغريبة المعاصرة أن بعض المسيحيين قد اختبروا فعلاً الطلاق، وهنا ينبغي عليك صديقي الدارس أن تتفحص بإمعان افتراضات البعض السريعة لمعنى كلمات الرب يسوع التي نطق بها في خلفية حضارية كانت مختلفة في زمنها تماماً عن زمننا الحالي. وبالمثل سيندر طبعاً أن تتاح لنا فرصة لإيجاد جندي روماني يُسخَّرنا ميلاً واحداً (مت 5: 41). ولكن في حالة كهذه، تبقى النقطة الجوهرية والتي قصدها الرب يسوع والمتعلقة بقصة الميل الثاني سارية المفعول على أي أمر أو حالة مشابهة.
وهنا يجدر بنا قول كلمة هامة وهي: بسبب ورود الكثير من وصايا المسيح في نطاق تفسير شريعة العهد القديم، ولأنها كانت تعني للكثيرين بأنها مثالية ومستحيلة التطبيق، فقد تم تقديم الكثير من الحيل التفسيرية بغية الالتفاف حول كون تلك الوصايا هي السلطة المعيارية للكنيسة. وهنا لا يمكننا وللأسف في هذا المقام أن نخصص حيزاً لدراسة ونقد تلك المحاولات المتنوعة.
القصص:
قصص المعجزات كانت ذات دور توضيحي حيوي لقوة الملكوت التي تفجرت من خلال خدمة الرب يسوع.
كان للقصص في الأناجيل أكثر من دور وهدف وطريقة. فقصص المعجزات، على سبيل المثال، لم تُدون من أجل غايات أدبية ولا من أجل تسجيل سابقة معينة؛ لكنها بالأحرى كانت ذات دور توضيحي حيوي لقوة الملكوت التي تفجرت من خلال خدمة الرب يسوع. فهي فعلاً قدمت شرحاً بطريقة غير مباشرة لماهية الإيمان، أو الخوف، أو الفشل. غير أن الأمور التعليمية لم تكن عمل القصص الرئيسي.
ومع ذلك فقصة مثل قصة الشاب الغني (مر 10: 17- 22 وما يوازيها) أو قصة طلب الجلوس عن يمين الرب يسوع (مر 10: 35- 45 وما يوازيها) قد وُضعتا في قالب تعليمي، حيث جاءتا كإيضاح لما يتم تعليمه. وهنا نرى أن استخدام مثل هذه القصص وبتلك الطريقة نفسها كان أمراً مناسباً وسلمياً من ناحية التفسير الحياتي.
وهكذا، فإن القصد من قصة الشاب الغني لم يكن قيام جميع تلاميذ الرب يسوع ببيع كل ممتلكاتهم كي يتبعوه؛ لأن هناك الكثير من الأمثلة في الأناجيل والتي تدل على استبعاد مثل هذا القصد (لو 5: 27- 30؛ 8: 3؛ مر 14: 3- 9).
في الحقيقة جاءت هذه القصة لتوضح مدى صعوبة دخول الأغنياء إلى ملكوت الله، وذلك لأنهم التزموا مسبقاً بمحبة المال في محاولة منهم لتأمين ولضمان مستقبل حياتهم. غير أن المسيح أراد أن يقول محبة الله المنعمة تستطيع أن تُجري المعجزات في الأغنياء أيضاً، ولعل قصة زكا العشار تصلح لأن تكون مثلاً على ذلك (لو 19: 1- 10).
صديقنا الدارس نكرر ما قلناه مسبقاً بأنك تستطيع أن تكشف أهمية التفسير الاستنتاجي السليم، وخاصة عندما نصل في تفسيرنا الاستنتاجي هذا إلى القصد الأساسي الذي هو ما عنته الأناجيل نفسها.
كلمة أخيرة غاية في الأهمية
هذه الكلمة الأخيرة يمكن أن تنطبق أيضاً على القرينة التاريخية ليسوع المسيح، ونحن إذ نوردها هنا فلأهميتها البالغة للمسألة التفسيرية الحياتية. خلاصة هذه الكلمة هي: لا يمكن لأحد أن يتجاسر على الظن بأنه يستطيع تفسير الأناجيل تفسيراً سليماً ما لم ينل فهماً واضحاً لمعنى ولمفهوم ملكوت الله الذي ورد وطرح في خدمة السيد المسيح. وفيما يلي سنورد موجزاً بسيطاً يحمل النقاط الرئيسية لهذا المفهوم وتأثيره على عملية التفسير.
أولاً عليك صديقي أن تدرك بأن الإطار اللاهوتي الأساسي للعهد الجديد بأسره هو إطار إسخاتولوجي. ما معنى إسخاتولوجي؟ معناه دراسة الأمور المتعلقة بوقت نهاية هذا الدهر. لقد كان لمعظم اليهود في زمن الرب يسوع تفكير إسخاتولوجي شامل، بمعنى أنهم كانوا يعتقدون بأنهم كانوا يعيشون في أواخر الأيام وعلى مقربة تامة من وقت دخول الله التاريخ فجلب نهاية هذا الدهر وتأسيس “الدهر الآتي”.
“إسخاتون” هي كلمة يونانية معناها (النهاية) التي كانوا ينتظرونها. وبالنسبة لهم، فإن الإنسان الذي يحمل في تفكيره فكراً إسخاتولوجياً هو ذلك الذي يتطلع إلى وقت النهاية.
لقد ورث المسيحيون الأوائل هذه الطريقة الإسخاتولوجية في النظر إلى الحياة والتفكير فيها. فبالنسبة لهم، كانت أحداث مجيء الرب يسوع وموته وحياته وإعطائه الروح القدس لهم كلها أمور تتعلق بتوقعاتهم عن مجيء النهاية. وهنا يمكننا شرح هذا الأمر على النحو التالي:
كان مجيء النهاية معناه حلول بداية جديدة في نفس الوقت –والتي هي بداية عصر الله الجديد أو عصر المسيا– لقد أشير أيضاً إلى هذا العصر الجديد “بملكوت الله” أي عصر حكم الله. لقد كان من المفترض أن يكون هذا العصر الجديد زمناً للبر (مثلاً إش 11: 4- 5)، وأن يحيا الناس في سلام (مثلاً إش 2: 2- 4). كما أنه سيكون زمناً لكمال انسكاب الروح (يو 2: 28- 30)، وفيه سيتحقق العهد الجديد الذي تحدثعنه إرميا (إر 31: 31- 34؛ 32: 38- 40)، ولن يكون فيه موضع للخطية أو المرض (مثلاً زك 1: 13؛ إش 53: 5).
وأيضاً الخليقة غير العاقلة ستبتهج وستفرح وسيسودها السلام في هذا العهد الجديد (مثلاً إش 11: 6- 9).
وهنا نجد أنه عندما أعلن يوحنا المعمدان اقتراب مجيء النهاية ثم معموديته للمسيح، اضطرمت الحمية الإسخاتولوجية، لأنه قد جاء المسيا الذي كان منتظراً أن يجلب عصر الروح الجديد (لو 3: 7- 17).
نعم لقد جاء يسوع المسيح وأعلن من خلال خدمته عن اقتراب الملكوت الآتي (مثلاً مر 1: 14- 15؛ لو 17: 20- 21). ولقد أخرج الأرواح الشريرة وصنع المعجزات وقبل الخطاة والمنبوذين قبولاً بلا قيود. وكل هذه كانت بوادر بداية النهاية (مثلاً لو 11: 20؛ مت 11: 2- 6؛ لو 14: 21؛ 15: 1- 2). فلقد كان الجميع يراقبونه ليروا ما إذا كان هو فعلاً “الآتي” وما إذا كان سيجلب حقاً عصر المسيا بكل روعته وبهائه. وفجأة صُلب الرب يسوع– وانطفأت الأنوار!
لكن، لم تكن هذه هي نهاية القصة! لأنه كان قد ترتب أمر مجيد على موته إذ قام من الأموات في اليوم الثالث وظهر لكثيرين من أتباعه. فأيقن الناس وصدقوا عندئذ أنه “سيُرد المُلك لإسرائيل” (أع 1: 6). لكنه وبدلاً من ذلك عاد إلى الآب وسكب روح الموعد انسكاباً كاملاً.
وهنا وبكل صراحة وبالتحديد بدأت إساءة الفهم من جانب الكنيسة الآولى ومن جانبنا أيضاً. فلقد تحدَّث الرب يسوع فعلاً عن الملكوت الآتي باعتباره قد حل تماماً بمجيئه. وكان مجيء الروح القدس بالقوة والكمال وما صاحبه من آيات ومعجزات ومجيء العهد الجديد دليلاً على حلول الدهر الجديد.
لكن لم ينتهِ هذا الدهر الحالي على ما يبدو. فكيف إذاً بإمكان الكنيسة الآن أن توفق بين الأمرين؟
منذ وقت باكر جداً، وبالتحديد بداية من عظة بطرس الواردة في أعمال 3، أدركت الكنيسة أن الرب يسوع لم يأت ليجلب نهاية النهاية بل بدايتها. وعرف المؤمنون أنه بموت الرب يسوع وقيامته وبمجيء الروح، قد جاءتهم بالفعل البركات والفوائد المستقبلية. لذلك، فمن وجهة نظر معينة يمكن أن نقول بأن النهاية قد أتت بالفعل. إلا أنه من وجهة نظر أخرى، يمكننا أن نرى أن النهاية بكمالها لم تأتِ وتمامها حتى الآن. بمعنى أنها قد جاءت بالفعل، لكنها لم تكتمل بعد.
لأجل هذا السبب، نظر المؤمنون الأوائل إلى ذواتهم كأناس إسخاتولوجيين حقاً؛ لأنهم عاشوا في فترة انتقالية بين زمني ابتداء النهاية واكتمالها. وحول مائدة الرب، احتفلوا بوجودهم الإسخاتولوجي بإعلانهم موت الرب، إلى أن يعود(1كو 11: 26). لقد اختبروا بالفعل غفران الله المجاني والكامل، لكنهم لم يصبحوا كاملين بعد (في 3: 7- 14). وقد أصبح الموت ملكهم بالفعل (1كو 3: 22)، ولكنهم لم يصبحوا غير قابلين للموت بعد (في 3: 20- 22).
كانوا يعيشون بالروح بالفعل، لكنهم لم يسلموا بعد من هجمات الشيطان (مثلاً غل 5: 16- 26) إذ كانوا لا يزالوا يعيشون في العالم. وكانوا قد تبرروا بالفعل إذ لا تنتظرهم أية دينونة (رو 8: 1)، لكن وقوفهم أمام عرش المسيح لنوال استحقاق أعمالهم لم يكن قد حدث بعد (2كو 5: 10)، لقد كانوا شعب الله المستقبلي وكان مستقبلهم قد تحدد بالفعل. وقد أدركوا فوائده وعاشوا في ضوء قيمه، إلا أنهم توجب عليهم الحياة في العالم الحاضر وفقاً لمزايا مستقبلهم وقيمه. لقد بدا الإطار اللاهوتي الأساسي لفهم العهد الجديد كما يلي:
الرجاء الإسخاتولوجي
الإسخاتون (النهاية)
ابتداؤها اكتمالها
هذا الدهر الدهر الآتي
ينقضي لا نهاية له
الصليب والقيامة المجيء الثاني
تم بالفعلليس بعد
بر بر تام
سلام سلام كامل
صحة لا مرض ولا موت
روح في كمال تام
يتمثل المدخل المؤدي إلى تفسير معظم العهد الجديد، وبخاصة خدمة الرب يسوع وتعليمه، في هذا النوع من التوتر. (بين ما تحقق بالفعل وما لم يتحقق بعد) فبالتحديد لأن الملكوت، أي زمن مُلك الله، قد ابتدأ فعلاً بمجيء الرب يسوع نفسه، فنحن إذاً مدعوون لأن نحيا في الملكوت، أي أن نحيا تحت ربوبية الرب يسوع، الذي قبلنا وغفر لنا مجاناً، على أن نلتزم بأخلاقيات الدهر الجديد، وأن نعمل على إظهارها في حياتنا وفي العالم في هذا الدهر الحاضر.
وهكذا، فنحن عندما نصلي قائلين: “ليأت ملكوتك” نصلي أولاً كي يتم الاكتمال. ولكن بما أن الملكوت الذي نتوق أن نحيا فيه قد ابتدأ فعلاً، فهذه الصلاة نفسها مليئة بالمعاني الضمنية التي تخص الوقت الحاضر.