يدعي البعض ان مريم ويوسف كان لديهم اولاد غير يسوع ونوجز الرد في النقاط التالية
1- وحده يسوع من بين “اخوته” فيطلق عليه لقب ” ابن مريم ” بحسب نص مرقس 6 : 3 .المشدد بأل التعريف” υἱὸς ὁ “
2- اذا كان ليسوع اخوه من أبيه وأمه,فلماذا أوكل يسوع الي يوحنا تلميذه رعاية امه وهو علي الصليب (يوحنا 19 : 25 – 27 ).
3- ان مفهوم البكرية عند اليهود,والذي يطبقه لوقا علي يسوع (“وولدت ابنها البكر لوقا 2 : 7 ) لا يحتم وجود ابناء آخرين فالولد الاول يكون البكر ففي العبرية يسمي البكر من يفتح رحم امه ,وهذا يؤكده احد النقوش القديمة علي قبر يحوي رفات أم ماتت وهي تضع ابنها “البكر” .
4- لا تذكر اناجيل الطفولة وجود ولد آخر غير يسوع في بيت يوسف ومريم ,لاسيما نص زيارة الحج الي الهيكل في اورشاليم عندما بلغ يسوع الثانية عشرة من عمره بحسب ما ورد في لوقا 2 : 41 -50 وتاتي نصوص الحج عادة علي ذكر افراد العائلة كلها :الاب والام والابناء جميعهم ,وذلك نظراً لاهمية هذا الحدث بالنسبة الي اليهودي.غير اننا في نص لوقا لا نجد ابناً مع يوسف ومريم سوي يسوع وحده . ويتساءل هنا رينيه لورنتان قائلاً :-ان كان لمريم أولاد آخرون ,هل كان بامكانها عندئذ ان تقوم برحلة الحج الي اورشاليم كل سنة حسبما ورد في لوقا 2 : 41 .(1)في الواقع ,كانت رحلة الحج الي أورشليم تستغرق بين ثلاثة وأربعة أيام ,وكانت لا تخلو من التعب والمشقة .لهذا لم تكن النساء مجبرات علي القيام بها كل سنة ,خصوصاً اللواتي لديهن اولاد عديدون .
5- ان عباره انا لا اعرف رجلاً التي قالتها مريم للملاك جبرائيل بحسب لوقا 1 : 34 تعبر عن حالة مريم في الحاضر (كما يمكن ان تدل صيغة الفعل )وفي المستقبل,أي في الزمان الذي كتب فيه لوقا انجيله,اي تم تدوين القصة فهناك فرق زمني بين حدوث القصة وما بين التدوين .ولو كانت مريم تقصد في جوابها علي الملاك انها لم تعرف بعدً رجلاً لكان جواب جبرائيل ” اذهبي اذاً واعرفي يوسف .وهذا ما لم يقله .
6- ان ايرونيموس في اواخر القرن الرابع تكلم ان كلمة ” أخ” تدل علي قريب من العائلة مثل “ابن العم او ابن الخال “وهذا اسلوب كتابي مستخدم كثيراً في الكتاب ولا داعي لضرب امثله عنه لانه معروف
المرجع سنوات يسوع الخفية بتصرف ميلاد جاويش
r.laurentin,vie authentique de jesus Christ ,fayard ,paris 1996 p 87 (1)
المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو يرفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة.
والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المضللة، فيدركون فجأة سر ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.
فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي. فما هي المداخل التي نقصدها؟
حتى عهد قريب، كان الاتجاه السائد في الدفاعيات يعتمد على استخدام الحجج للدفاع عن الإيمان المسيحي بشكل عقلاني. إلا أن هذا الاتجاه كان يمثل إلى حد كبير استجابة لثقافة عقلانية اتخذت من التوافق مع العقل معيارًا للحق. وسنرى أن استخدام الحجة ما زال يمثل جزءًا لا يتجزأ من الدفاعيات المسيحية ولا يجب تهميشه أبدًا. إلا أن تراجع المذهب العقلاني في الثقافة الغربية أدى إلى الإقلال من أهميتها. وخلَق جوًا يتطلب إدراكَ جوانب أخرى في الإيمان المسيحي، وعلى رأسها ما يتمتع به من جاذبية عظمى على مستوى الخيال، والأخلاق.
والكُتاب المسيحيون القدامى، وخاصةً كُتاب العصور الوسطى وعصر النهضة، علقوا أهمية كبرى على الصور التشبيهية والقصص الكتابية في تعليم الأشخاص المخلصين، إلا أن صعود تيار الحداثة أدى إلى الحط من قيمة هذين العنصرين، بقدر ما أدى ظهور تيار ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف قوة تأثيرهما.
وقد أدى نمو تيار ما بعد الحداثة مؤخرًا إلى تأكيد أهمية القصة والصورة من جديد لأن كلاً منهما يجذب الخيال البشري بشكل خاص. وكل من له دراية بتاريخ الدفاعيات المسيحية لا يصعب عليه أن يدرك أن المدافعين القدامى كانوا يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على هذين العنصرين باعتبارهما مداخل للإيمان، وخاصةً في عصر النهضة. ولذلك، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الأساليب القديمة في الدفاعيات لخلق منهج متوازن يدافع عن الإيمان المسيحي ويبرز جماله في ظل ما تشهده ثقافتنا من تحولات.
وعلينا أن نكيف دفاعياتنا بم يتلاءم مع مستمعينا، مع الانتباه لوجود عدة نقاط للتلاقي بين الإنجيل والنفس البشرية. ويتضح أن العهد الجديد نفسه يُعنى بربط الإنجيل مع مفاهيم وخبرات المتلقين على اختلاف نزعاتهم. فإن كانت النفس تَعطش لله “كَأَرضٍ يَابِسَةٍ” (مز143: 6)، فكيف ترتوي؟ إن مهمتنا تحديد القنوات المتاحة التي تتدفق فيها مياه الإنجيل الحية فتنعش النفس البشرية وتغيرها، ثم استخدام هذه القنوات بأمانة وفاعلية. وفي هذا الفصل سأستخدم صورة المدخل لتساعدنا على فهم هذه المنهجيات المختلفة.
المداخل والدفاعيات: بعض الأفكار:
تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل” Alan of Lille (المتوفى سنة 1203) مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة. ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء.
إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزاً من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.
وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية. إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.
والمدخل وسيلة تنفتح بها عيوننا على حقيقة حالتنا، وقدرة الإنجيل على تغييرها. ولكي نفهم هذه النقطة المهمة، تخيل أنك مصاب بتسمم في الدم، وحياتك ستنتهي في غضون ساعات لو لم تحصل على الأدوية اللازمة، ولكنك لا تعرف ما أصابك على وجه التحديد، ولا تعرف بوجود علاج لهذه الحالة. حاول أن تتخيل نفسك في ذلك الموقف. والآن فكِّر في الطرق التالية التي يمثل كلٌّ منها مدخلاً يؤدي إلى تغيير وضعك:
يخبرك طبيب من أصدقائك أن ما تعانيه هو تسمم في الدم، ويشرح لك أن هذه الحالة إن لم تعالج تؤدي إلى الوفاة، ويعطيك أسماء عدة أدوية ويخبرك بالمكان الذي تحصل عليها منه وبكيفية استخدامها.
يخبرك صديق آخر أنه أصيب بهذه الأعراض عينها، إلا أن شخصًا أخبره بدواء معين أنقذ حياته. يقترح عليك أن تجرب هذا الدواء. أي أنه يحكي لك قصته الشخصية التي تتقابل مع قصتك في هذه النقطة الحرجة.
الطريقة الأولى تمثل حجة تستند إلى أدلة، أما الثانية قصة تستند إلى خبرة شخصية يرى صاحبها أنها مطابقة للموقف الذي تمر به. ورغم أن كل أسلوب يختلف تمامًا عن الآخر، فكلٌّ منهما يمثل مدخلاً. كيف؟
أولاً، كلٌّ منهما يساعدك على رؤية الأمور على حقيقتها. ثانياً، كلٌّ منهما يتيح لك أن تدرك ما يجب فعله لتغيير الأوضاع. ثالثًا، كلٌّ منهما يشجعك على اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة بالحصول على الدواء، وتناوله حتى تتحسن حالتك.
إن الدواء هو سبب شفائك، ولكنك لو لم تدرك حقيقة حالتك، وأنك تحتاج للدواء، لكان شفاؤك مستحيلاً. ونعمة الله هي الدواء، وبعد أن تُشفى بهذه النعمة يمكنك أن تساعد الآخرين على إدراك حاجتهم لها، ويمكنك أن تشهد عن قوتها. والله هو من يغير الناس ويأتي بهم للإيمان. أنت جزء صغير (ولكنه حقيقي) في عملية الشفاء هذه. ومن ثم، فما تقوله يمكن أن يمثل مدخلاً يسمح للناس برؤية الأمور من منظور مختلف، مما يساعدهم على تخيل طريقة جديدة للتفكير والعيش.
فما هذه المداخل المتاحة للدفاعيات المسيحية؟ سوف نبحث في هذا الفصل بعض الإمكانات المتوفرة للدفاعيات. وسنبدأ بأبسط الأساليب الدفاعية، ألا وهي شرح ماهية المسيحية.
المدخل الأول: الشرح:
أفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان.
ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[1] كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.
وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا. ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟
اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروز Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا.
اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه.[2]
وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروز (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روجتها المانوية عن المسيحية. وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروز بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.
ولابد أن البعض ممن نلتقي بهم في خدمتنا الدفاعية يحمل أفكارًا مضللة ومشوهة تمامًا عن المسيحية. وهذه المفاهيم الخاطئة التي يلتقطها البعض دون وعي، والبعض الآخر ينشرها عن قصد، لابد من تحديدها وإبطال مفعولها بخطة مُحكمة مدروسة.
ننتقل الآن لنبحث ما قد يُعتبر أكثر مداخل الإيمان شيوعًا، ألا وهو استخدام الحجة المنطقية.
المدخل الثاني: الحجة:
تؤكد المنهجيات الكلاسيكية في الدفاعيات أهمية العقل في كلٍّ من بناء حجة فكرية تؤيد فكرة وجود الله، ونقد الأفكار المغايرة. وقد بحثنا فيما سبق دور الحجج في الدفاع عن وجود الله، ومنها:
الحجة المبنية على التصميم argument from design: وهي تَعتبر أن ملاحظة التصميم الموجود في العالم، مثل ما يميزه من “ضبط دقيق”، أو بنية معقدة يشير إلى أن الله هو المصمم (ص 99، 100).
الحجة المبنية على الإنشاء argument from origination: إن كانت للكون بداية، فهذا يعني أن له مسببًا أنشأه، وقد يكون هذا المسبب شخصًا أو شيئًا، وهو ما يشير تلقائيًا إلى فكرة الله في المسيحية باعتباره خالقَ كل شيء (ص 96- 98).
الحجة المبنية على الترابط argument from coherence: وهنا نركز على قدرة الإيمان المسيحي أن يقدم تفسيرًا لما نلاحظه في العالم المحيط ولما نختبره داخلنا (ص79- 86، 101- 103).
الحجة المبنية على الأخلاق argument from morality: تقول هذه الحجة باستحالة وجود قواعد ثابته وموثوق بها للقيم الأخلاقية إلا إذا كان لها أساس يتجاوز هذا العالم المادي، كإله بار مثلاً (ص 104-109).
وقائمة الحجج تطول، ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا أن هذه الحجج لا يجب أن تُفهم على أنها “براهين” بالمعنى المنطقي الدقيق للكلمة. ولكن ما توضحه هذه الحجج بكل جلاء أن الإيمان بالله له أسباب وجيهة، أو أن الإيمان بالله له مبرراته، حتى وإن كان لا يمكن البرهنة عليه بشكل مطلق.
وكلمة “برهان” بمعناها الدقيق لا تنطبق إلا على المنطق والرياضيات، فكما يمكننا أن نبرهن على أن الكل أكبر من الجزء، يمكننا أن نبرهن أن 2+2 =4. إلا أنه يجب أن نحترس من الخلط بين “قابلية البرهنة” و”الحق”. ففي مطلع القرن العشرين أثبت عالم الرياضيات العظيم “كرت جودل” Kurt Gödel أنه بالرغم من كثرة ما نصوغه من قواعد الاستدلال، ستظل هناك بعض الاستدلالات التي لا تخضع لهذه القواعد، ومع ذلك فهي مقبولة.
أي أن هناك عددًا من الأفكار الصحيحة التي قد لا يمكننا إثبات صحتها،[3] وهذه الحقيقة تنطوي على معانٍ غاية في الأهمية من الناحية الفلسفية.[4]
ويمكن استخدام الحجج أيضًا في نقد بدائل الإيمان المسيحي وتقييمها، وذلك بإظهار عدم ترابطها على المستوى الفكري أو افتقارها لأساس من الأدلة يمكن الوثوق به. فقد أبرزنا مثلاً عبر صفحات هذا الكتاب قدرة الإنجيل على خلق معنى للأشياء.
ونحن بذلك لا نحصر جاذبية المسيحية في أبعادها العقلانية فحسب، لأنها غنية بالجوانب الوجدانية، والأخلاقية، والتخيلية، والوجودية. ويجب على المدافع الذي يتحلى بروح المسئولية أن يستفيد منها استفادة كاملة. ولا شك أن الكثيرين ينجذبون إلى الإيمان المسيحي بسبب قدرته على خلق معنى للأشياء.
ولكن ماذا عن بدائل المسيحية؟ ما مدى قدرة النظم المنافسة على خلق معنى للأشياء؟ هل تصمد أمام اختبار الاتساق التجريبي، أي هل تنجح نظرياتها في خلق معنى للملاحظة وللخبرة؟ وقد أكدنا في فصل سابق أهمية إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من قدرة على خلق معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ولا يكفي هنا أن يقتصر المدافع على إظهار تفوق المسيحية في هذا الصدد، ولكنه لا بد أن يبين قصور البدائل الأخرى.
ويرجع الفضل في تصميم هذا الأسلوب لواحد من أهم المدافعيين الكتابيين في أمريكا الشمالية أثناء القرن العشرين، وهو “فرانسيس شِفَر” (1912- 1984). ويُبرز أسلوب “شِفَر” في الدفاعيات الكثير من النقاط التي تناولناها في هذا الكتاب.[5]
فهو يلفت النظر مثلاً لأهمية أخذ الجمهور في الاعتبار، والابتعاد عن استخدام منهج موحد للجميع: “إن أردنا أن نتواصل مع مستمعينا، لابد أن نصرف الوقت والجهد لنفهم لغتهم، حتى نوصل لهم الرسالة باللغة التي يفهمونها.”[6] أي أن المدافع لابد أن يستمع لجمهوره حتى يتعلم لغتهم ليتمكن من التواصل معهم بهذه اللغة.
ويبدو أن “شِفَر” اكتشف بنفسه أهمية الإصغاء لأفكار جمهوره ومخاوفهم وتطلعاتهم أثناء عمله المرسلي في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا في أواخر الخمسينات وفي الستينات من القرن العشرين. ونظرًا لأنه كان يقيم في كوخ سويسري (اسمه “لابري” L’Abri وهو مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعنى “مأوى” أو “ملجأ”) في قرية بجبال الألب تدعى “إيموز” Huemoz، فقد كان يستضيف الكثير من الطلاب الذين يتجولون في أنحاء أوروبا، ولاسيما الشباب الأمريكيين الذين كانون يتجولون في مختلف البلدان الأوروبية بحقيبة ظهر.
فكان يسمع آرائهم في الأفلام والروايات المعاصرة أو في الفلسفات الجديدة التي ظهرت آنذاك. وكان يتساءل كيف يمكن تقديم الكتاب المقدس بشكل يناسب الأفكار الوجودية العنيدة التي روجها الفلاسفة المؤثرون في تلك الحقبة مثل “جان بول سارتر” Jean Paul Sartreوكذلك “سورن كيركجارد”. وإذ استمع “شِفَر” لهؤلاء الطلاب وهم يُعبرون عن أفكارهم، اكتشف أنه يمكنه التفاعل معهم في مستواهم وبلغتهم، مستخدمًا صورًا توضيحية من عالمهم ليساعدهم على إدراك معقولية الإيمان المسيحي.
إلا أن أعظم إساهم قدمه “شِفَر” للدفاعيات يكمن في الأهمية التي يعلقها على تحديد مَواطن الصراع في الفلسفات غير المسيحية واكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ أشمل. والمقصود أن أي فلسفة حياتية ترتكز على افتراضات مسبقة معينة، فإن كانت هذه الافتراضات المسبقة من صنع الإنسان ولا تتضمن تفويضًا أو تخويلاً إلهيًّا، فلن تتمكن من التوافق مع بِنَى الكون الذي خلقه الله.
كلما كان مَن يؤمن بفكر غير مسيحي منسجمًا مع افتراضاته المسبقة، ابتعد عن العالم الحقيقي، وكلما اقترب من العالم الحقيقي، تَبدد انسجامه مع افتراضاته المسبقة.[7]
ويقول “شِفَر” إن كل شخص يعيش بإحدى قدميه في أحد العالمَين ويضع الأخرى في العالم الآخر: العالم الحقيقي الخارجي الذي يتميز بعمقه وتعقيده، وعالم داخلي من الأفكار يشكله الاشتياق للتفهم، والحب، والقيمة. فإن وُجِد صراع بين هذين العالمين، يستحيل على الفرد أن يحيا حياة لها معنى.
فلابد من وجود توافق بين خبرتنا في العالم الخارجي وعالمنا الداخلي.[8] ولذلك، يرجح “شِفَر” أن المدافع لابد أن يستخدم الحجة المنطقية لتحديد وكشف التناقضات والصراعات الداخلية التي تحويها الفلسفات الحياتية غير المسيحية. وهو يبين أنها تقوم على فرضيات أو افتراضات مسبقة لا تتسق مع الوجود الإنساني الحقيقي ولا تتوافق معه.
كل مَن نتحدث إليه، سواءً أكان بائعًا في متجر أم كان طالبًا جامعيًا، يحتفظ بمجموعة من الافتراضات المسبقة، سواء قام بتحليلها أم لم يقم… ويستحيل على أي شخص غير مسيحي أو جماعة غير مسيحية أن تتوافق مع النظام الذي تتبعه سواء على مستوى المنطق أو على مستوى الممارسة.
وعندما يحاول الشخص إخفاء الصراع، عليك أن تساعده على كشفه، وفي نقطة معينة سيكتشف عدم الاتساق. وعندئذٍ سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار، وهذا الصراع ليس صراعًا فكريًا فحسب، ولكنه يقع في صميم الكيان الإنساني ككل.[9]
ومن ثم، على المدافع أن يساعد الفرد على إدراك هذا “الصراع” والشعور بقوته الفكرية والوجودية، وهو ما يتضمن مساعدته على اكتشافه أولاً، وتقدير أهميته ثانيًا. ويرى “شِفَر” أن البشر يَقُون أنفسهم من هذا الصراع بحمايتها داخل شرنقة فكرية تمنعهم من مواجهة ذلك الاكتشاف المزعج بأن أفكارهم لا تتفق مع الواقع. ويستخدم “شِفَر” صورة يقتبسها من شتاء سويسرا لوصف هذه الحالة، فهو يشبه هذه الشرنقة الفكرية بأسقف أكواخ جبال الألب التي تعمل كمصدات تحمي المسافرين من الانهيارات الثلجية:
فهو يشبه المصدات الكبيرة التي تبنى على بعض الممرات الجبلية لحماية العربات من انهيارات الصخور والحجارة التي تهوي من فوق الجبل من آن لآخر. وهذه الانهيارات الثلجية في حالة غير المسيحي هي العالم الحقيقي الساقط المشوه الذي يحيط بهم. وعلى المسيحي أن يزيل المصدة بحب ويسمح لحقيقة العالم الخارجي وحقيقة الإنسان بأن تصدمه.[10]
ومن ثم يمكن النظر إلى الدفاعيات باعتبارها نزعًا لسقف هذا الكوخ لإجبار الشخص على إدراك أن طريقة تفكيره عاجزة عن الصمود في مواجهة العالم الحقيقي الخارجي.
فكيف يمكن تطبيق هذا المنهج؟ يعطينا “شِفَر” مثالاً يوضح هذا الأسلوب جيدًا. فقد كان يتحدث إلى مجموعة من الطلاب في غرفة بإحدى الكليات في جامعة كامبردج. وبينما كان الماء يغلي لتحضير الشاي، ابتدره أحد الطلاب الهنود قائلاً إن المسيحية لا معنى لها. فسأله “شِفَر” عن عقيدته قائلاً: “ألستُ على صواب إن قلت إن القسوة وعدم القسوة متساويات في عقيدتك، وليس بينهما أي فارق أصيل؟” فوافقه الطالب. ثم يروي “شِفَر” ما حدث بعد ذلك:
الطالب الذي اجتمعنا في غرفته فهم جيدًا ما يعنيه اعتراف الطالب السيخي، فتناول الغلاية الممتلئة بالماء الساخن الذي كان سيعمل به الشاي، ووضعها أعلى رأس الشاب الهندي والبخار يتصاعد منها. فنظر الشاب لأعلى وسأله: ماذا تفعل؟ فأجابه بنبرة حاسمة باردة ولكنها مهذبة: “لا فرق بين القسوة وعدم القسوة.” وعندئذ خرج الهندي صامتًا واختفى في ظلام الليل البهيم.[11]
وأسلوب “شِفَر” يتسم بقوته وبقدرته على الوفاء بالعديد من الأغراض، مما يجعله صالحًا لعدد من المواقف المختلفة. خذ مثلاً الوضعية المنطقية Logical Positivism، وهي حركة فلسفية حققت نجاحًا كاسحًا في العالم الناطق بالإنجليزية في ستينات القرن العشرين. وقد أعلنت هذه الحركة أن كل العبارات الميتافيزيقية*، بما فيها ما يتعلق بالله، عديمة المعنى.
وكان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الفلسفة في ذلك هو “مبدأ التحقق” الذي قصر العبارات ذات المعنى على القضايا الصحيحة في حد ذاتها (مثل “كل العزاب غير متزوجين”) أو التي تتأكد بالخبرة (مثل “كان في الحديقة الأمامية لقصر “باكينجهام” ست إوزات الساعة 5:23 صباحًا يوم 1 ديسمبر 1968″). وتطبيق منهج “شِفَر” يتيح لنا أن نؤكد أن مبدأ التحقق نفسه عديم المعنى لأنه لا يتماشى مع المعيار الذي اعتمدته الوضعية المنطقية لقياس المعنى.
أو خذ مثالاً أبسط للهجمة الشرسة التي غالبًا ما نواجهها في جامعات أمريكا الشمالية: “لا يمكن أن تتأكد من أي شيء”. وهذه النظرة تهدف إلى الإطاحة برؤية “الصورة الكبرى” للواقع، كتلك التي يقدمها الإيمان المسيحي لأنها تعني أننا لابد أن نتشكك حتى في كل العبارات المؤكدة المختصة بالحياة.
ولكن من الواضح أن هذا التصريح ذاتي المرجعية يعتمد في صدقه أو كذبه على ذاته self-referential، ويمكن تقويضه والقضاء عليه بطرح سؤال بسيط ردًا عليه: “هل أنت متأكد من ذلك؟” وهكذا فإن المنطق الذي يقوم عليه الادعاء هو نفسه الذي يُسقطه.
إلا أن هذا لا يعنى أن مهمتنا هي مجرد الفوز بالمجادلات أو تقديم المؤهلات العقلانية للإيمان. فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.
أولها، أنه ليس مؤسسًا على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في العهد القديم، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تَثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهومًا علاقاتيًا.
والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[12]
لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.
وأخيرًا اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى.”[13] وجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.
أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأسًا على عقب. فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعًا في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة.
وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصًا عظيمة للدفاعيات الكتابية نظرًا لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.
ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافًا؟[14] وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها.
ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحيانًا أن نُظهر أنها حقيقية.
المدخل الثالث: القصص:
إن تركيز تيار ما بعد الحداثة على القصص يمثل أهمية خاصة في الدفاعيات. فقد كانت الحداثة تنظر بعين الريبة للقصة في التعامل مع الواقع. ومن ثم، سعت لإجهاضها أو التخلص منها بالاستناد إلى التحليل أو الحجة العقلانية، بحيث تتحرر تمامًا من قيود عشوائية التاريخ الأليمة. وقد انعكس ذلك بكل وضوح في تفسير الكتاب المقدس. وكما أشار “هانس فري” Hans Frei (1922- 1988) أستاذ اللاهوت في “جامعة ييل” Yale University، مختزلاً ما به من روايات تاريخية وأشكال قصصية (كأمثال المسيح) إلى أفكار مجردة من الزمن.[15] وكان يُنظر إلى القصة كأنها قشرة مزعجة غير مستحبة تغطي على الجوهر الفكري والأخلاقي للكتاب المقدس.
إلا أن تيار ما بعد الحداثة شهد استعادة للاهتمام بالقصة الكتابية بما فيها الأشكال القصصية الخاصة كالأمثال التي رواها يسوع ليُعَلم الجموع عن ملكوت الله. ولم يعد إثبات الحق يتوقف على الحجة، ولكن بدأ يُنظر للقصص على أنها قادرة على تكوين هوية مميزة من الناحية الأخلاقية والمفاهيمية.
فالمسيحية تعلن عن عالم يتشكل بالقصص وهي تسكن في هذا العالم، والأساس الذي يشكل أفكار هذا العالم وقيمه هو قصة تعاملات الله مع شعبه التي تبلغ ذروتها في قصة يسوع الناصري. وهكذا فالمسيحية في أساسها ليست مجرد مجموعة أفكار.
منذ حوالي سبعينات القرن العشرين، تزايد الاهتمام بدراسة دور القصة في كلٍّ من اللاهوت والفلسفة، وعلى صعيد الفلسفة الإنجليزية والأمريكية، ظهر بعض الكُتاب البارزين أمثال “بول ريكور” Paul Ricoeur وكذلك “ألاسدير ماكينتاير” وأيضًا “تشارلز تيلور” الذين تصدوا لتقديم معالجات جادة لما ينطوي عليه القَصَص من موضوعات أساسية. فقد درس “ريكور” القصة بوصفها أساسًا لكل صور فهمنا للعالم وبوصفها إطارًا يعيش فيه البشر. ويقول “ماكينتاير” بأن قرارات حياتنا تتشكل وتترتب بناءً على فهمنا لها باعتبارها تشكل جزءًا في “قصة” (أو تقليد) أكبر.
وهو يقول “لا يمكنني أن أجيب عن سؤال “ماذا يجب أن أفعل؟” إلا بعد أن أجيب عن سؤال أسبق، وهو “ما هي القصة التي أشكل جزءًا منها؟”[16] وكما سنرى، يمكن أن تمثل هذه المنهجيات قيمة عظمى للدفاعيات المسيحية.
والكثيرون اليوم يؤيدون الرأي الذي يقول بأن القصص هي المنظار الأساسي الذي يرى البشر الواقع من خلاله. فنحن نرى العالم باعتباره قصة تجيب عن الأسئلة المحورية المختصة بالوجود، والهوية، والمستقبل.
وهذه القصص يمكن أن تجيب عما يسميه الفيلسوف “كارل بوبَر” Karl Popper “الأسئلة العليا” “ultimate questions” وهو بذلك يريدنا أن نفهم المسائل الكبرى التي تتناول “معنى الحياة”، ومنها تلك التي يطرحها “روي بوميستر” Roy [17]Baumeister، وهي التي تتعلق بالهوية، والغرض، والتكليف، والقيمة وتتخذ شكل أسئلة مثل: “من أنا؟” “ما هدف الحياة؟” ” ماذا أفعل لأُحدث فرقًا؟”
وقد أدرك البشر من قديم الزمان الأهمية الثقافية والفكرية لوجود قصة تفسيرية شاملة. وغالبًا ما يستخدم مصطلح “الأسطورة” في المجال الأكاديمي للإشارة إلى هذه القصص التفسيرية التي تشرح الواقع والهوية الشخصية والاجتماعية. (عادةً ما يساء فهم مصطلح “الأسطورة” على أنه “قصة غير حقيقية”، إلا أن هذا المعنى ليس هو المقصود هنا). ولكن كما أشار “لويس” وآخرون، كلمة “أسطورة” تشير أساسًا إلى قصة عن العالم تُمكن الأفراد من فهمه والعيش فيه.
وهذه “الأساطير” تمثل العدسات التي ينظر بها أي مجتمع للعالم، فهي تقدم إطارًا يسهم في حل التناقض بين الخبرات العديدة ويعمل على خلق رابطة بينها.
والقصة المسيحية عند “لويس” التي يعتبرها المنحة الإلهية التي تكمل وتتوج المحاولات البشرية الأخرى في صنع الأسطورة، تمثل أعلى وأسمى قمة نرى منها الحقيقة ونفهمها. فالقصة المسيحية عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تعطي معنى لكل القصص الأخرى التي نرويها عن هويتنا وغاياتنا الحقيقية. إنها القصة الأم، الرواية العليا التي تضع سائر الروايات المختصة بأصل الإنسان ومصيره في مكانها الصحيح.
ويؤكد هذه النقطة أستاذ العهد الجديد والمدافع البريطاني ” ن. ت. رايت” N.T. Wright الذي يقول إننا عندما نروي قصة الكتاب المقدس كاملةً فنحن بذلك نعلن النظرة المسيحية للواقع وفي الوقت نفسه نتحدى البدائل العلمانية الأخرى. فبروايتنا لقصة الكتاب المقدس
مؤكد أننا نتحدى جوانب عديدة في نظرة العالم للأمور (أي نظرته للسلطة والقوة). ونقوض نظرته لماهية العالم ولغرضه بالكامل، ونقدم نظرة جديدة للعالم بأفضل طريقة ممكنة.[18]
والكتاب المقدس عند “رايت” يتحدى طرق التفكير الأخرى ويبرز جمال طريقته ويجسدها بوضوح. وهو يروي قصة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:
من نحن؟ الكتاب المقدس يخبرنا أننا بشر مصنوعون على صورة خالقنا، ولا نكتسب هويتنا الجوهرية من العنصر الذي ننتمي إليه، ولا النوع، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الموقع الجغرافي.
أين نحن؟ نتعلم من الكتاب المقدس أننا نحيا في عالم حسن وجميل، ولكنه مؤقت. وقد خلقه الله الذي نحمل صورته.
ما المشكلة؟ نفهم من الكتاب المقدس أن البشرية تمردت على خالقها، وبالتالي انحرف العالم عن القصد المخلوق له.
ما الحل؟ يطمئننا الكتاب المقدس أن الله عمل، ويعمل، وسوف يعمل في الخليقة من خلال المسيح يسوع والروح القدس ليتعامل مع الشر الذي نتج عن تمرد البشرية، وليصل بعالمه إلى الغاية التي صنعه من أجلها، ألا وهي أن يكون في توافق تام مع حضوره ومجده.[19]
وتطالعنا أعمال الروائي “ج. ر. ر. تولكين” بنظرة مشابهة. وقد عُرف “تولكين” بدفاعه المستميت عن الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في خلق معنى للواقع وبمحاولته أن يطبق هذا الفكر في ثلاثيته الملحمية “ملك الخواتم” The Lord of the Rings.[20] ووفقًا لهذا النهج، تظهر قدرة القصة المسيحية الكبرى على تفسير الأمور في تَمَكُّنها من وضع غيرها من القصص الكبرى في موقعها الصحيح، وتفسيرها، وشرحها. والقصة المسيحية، مثل سائر القصص، لا يمكن “البرهنة عليها” بالوسائل الموضوعية منطقية كانت أم علمية.
بل يجب تقييمها بناءً على قدرتها أن تخلق للأشياء معنى أعمق من منافساتها الحالية أو التي قد تظهر فيما بعد، وذلك ببساطتها، وأناقتها، وسهولة فهمها، وقدرتها على خلق معنى يتجاوز حدودها.
فكيف نستفيد من عودة الاهتمام بالقصة في محاولتنا لفهم كيفية تقديم الإيمان المسيحي لثقافتنا؟ سأطرحُ هنا بعض الأفكار الشخصية. عندما كنت أصغر سنًا كنت أعتقد أن أفضل طريقة لمساعدة الآخرين على اكتشاف حق المسيحية المدهش هو مناقشتهم بالحجة. أي إقناعهم بأن المسيحية صحيحة وحق. وباختصار، كونت ما يطلق عليه الكثيرون اليوم منهجًا “حداثيًا”. ولكني اليوم أوصل حق الإنجيل بطريقة مختلفة. فأنا أحكي قصة قبولي للإيمان.
لماذا؟ لأن القصة أكثر تشويقًا من أي حجة، ولكن السبب الأهم أن قصتي تبين أن المسيحية حقيقية، أي أنها قادرة على تغيير حياة البشر، وإعطائهم أسباب جديدة للحياة ورجاء أكيد للمستقبل. فالقصة تدور حول فلسفة حياتية أصبحت تمثل نظرة شخصية في حياة صاحبها، وهي قادرة على التجديد والتغيير والاستثارة. وروايتي لهذه القصة الشخصية تؤكد أن الإنجيل حقيقي في حياتي.
إننا نعيش في عالم تشكله القصص. بالإضافة إلى أن “القصص الكبرى” قادرة على إضفاء معنى على العالم وعلى خلق علاقة مفيدة بين من يلاحظ الأحداث والأحداث نفسها. وهذه القصص عبارة عن شباك من المعاني نحكيها لنجمع فيها خبراتنا الشخصية ونحتفظ بها، ولنختزن فيها المعنى الذي نرى أنها تنقله أو تنطوي عليه.
والمسيحية تروي واحدة من هذه القصص، والإلحاد الجديد يروي قصة أخرى، وهناك قصص لا تحصى يرويها أولئك ممن لديهم أغراض يريدون تنفيذها، ورؤى ينشرونها، ومصالح أو أغراض شخصية يروجونها. إن القصص تحدد أماكن الحقائق بوضعها في إطار قصصي.
والآن بعد أن وضعنا أساسًا نظريًا لتأكيد أهمية القصص في الدفاعيات، سنتناول كيفية استخدامها. وسنبدأ بعد قليل بقصتين تُستخدمان في تدعيم الدعاوى التي يقيمها بعض الكُتاب ضد المسيحية، وسنرى كيف يمكن نقدهما.
على الدفاعيات المسيحية أن تنقد وتُقَيم غيرها من القصص الكبرى، مثل القصص العلمانية التي تعمل على تقويض المسيحية أو تهميشها. ولكنها لابد أن تُقدر في الوقت نفسه ما تتضمنه المسيحية من قصص خاصة بها. فالقصة المسيحية الكبرى عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تساعدنا أن نفهم معنى العالم، كما أشار “لويس” وغيره. ولكن هذه كلها “قصص كبرى” فماذا عن القصص العادية؟ وكيف يمكن استخدامها في الدفاعيات المسيحية؟
أَوضَحُ نموذج يمكننا البدء به هو أمثال المسيح. فاستخدام الرب يسوع للقصص حتى يتفاعل مع مستمعيه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكن هذه القصص كان لها غالبًا أساس في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية والزراعية التي سادت فلسطين في القرن الأول. وقد كانت قصصًا غاية في السهولة تجذب انتباه المستمعين وتثير خيالهم. وكلُّ من هذه الأمثال يحمل داخله قدرة دفاعية هائلة يجب اكتشافها وفهمها، بل استخدامها. وإذا استُخدمَت هذه الأمثال بحكمة فإنها تتمتع اليوم بذات التأثير الذي كانت تتمتع بها عندما قيلت لأول مرة.
والمدافع الحكيم هو من يدرس الأمثال الرئيسية ويسأل هذه الأسئلة المحورية: كيف تساعدني هذه القصة في توصيل الإنجيل؟ كيف تساعدني على التواصل مع هذه الفئة؟ فالقضية هنا ليست دراسة ما في المثل من صور ومفردات في ضوء الديانة اليهودية إبان القرن الأول، بل اكتشاف وسائل لاستخدامه دفاعيًا اليوم.
ولنأخذ مثالاُ لوضيح هذه النقطة، وليكن تلك القصة المعروفة التي عادةً ما يشار إليها باسم “مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن.”
بالرغم من صياغة القصة بأقل عدد ممكن من الكلمات (خمس وعشرون كلمة فقط في الأصل اليوناني)، فالخيال البشري يمكنه بسهولة معالجتها وتذوق تأثيرها. والخبرة البشرية تؤكد صحتها. بالإضافة إلى أنه من السهل البناء عليها وتطبيقها. فكيف نستخدمها في الدفاعيات؟ سأعرض لك كيف أستخدمها، وأترك لك الحرية في تطويرها:
إننا جميعًا نبحث عن شيء له قيمة في الحياة. إلا أننا غالبًا ما نكتشف أن الأشياء التي كنا نظن أنها ستسعدنا وتفرحنا لا تفعل ذلك، فنشعر أنه ما من شيء يمكنه أن يمنحنا الفرح والسلام. ولكن يسوع روى قصة عن هذا الموضوع. فقد قال إن تاجرًا وجد لؤلؤة ثمينة كانت معروضة للبيع، فقرر أن يبيع كل شيء ليحصل عليها. لماذا؟ عندما رأي التاجر تلك اللؤلؤة المميزة أدرك أن كل ممتلكاته باهتة وتافهة مقارنةً بها. وكما يغطي لمعان الشمس على لمعان النجوم، فلا يُرى إلا ليلاً، هكذا أتاحت هذه اللؤلؤة الثمينة للتاجر أن يرى ممتلكاته من منظور مختلف.
فما كان يظن أنه سيشبعه ثبت أنه يكشف عدم شبعه، ويثير اشتياقه لشيء لم يكن في متناوله. ولكنه رأى تلك اللؤلؤة المتميزة، فأصر أن يحصل عليها، لأنها شيء عظيم القيمة، شيء يستحق الامتلاك، حتى إن كل مقتنياته الأخرى تبدو قليلة القيمة مقارنةً بها. هذا هو الإنجيل عندما تكتشفه لأول مرة. إنه شيء في غاية الروعة حتى إنه يتفوق على كل ما عداه.
وهنا نرى مثالاً لاستخدام قصة كتابية لتوضيح نقطة دفاعية مهمة. إلا أن القصص الكتابية يمكن أن تُستخدم أيضاً لتكوين أطر تقدم معاني أو تفسيرات يمكن استخدامها لإضفاء معنى على الحياة. وعندما نستخدم القصص ندعو المستمع للدخول في القصة ونسأله عما إذا كانت تعطي معنى لخبراته وملاحظاته.
ولكن ليست كل القصص الكتابية تلقي الضوء على نقاط محددة بهذا الشكل. فبعض القصص تتيح لنا أن نرى خبراتنا الحياتية وملاحظاتنا من منظور مختلف. ولتوضيح هذه الفكرة سنأخذ قصة من أعظم قصص العهد القديم، وهي قصة السبي البابلي وَرَدّ مسبيي أورشليم إلى أرضهم بعد سقوط الإمبرطورية البابلية.
وتُعتبر قصة السبي البابلي سنة 586 ق. م من أهم قصص العهد القديم. ففي سنة 605 ق.م هزم الإمبرطور البابلي نبوخذ نصر الجيوش المصرية التي تجمعت في كركميش، وهكذا أسس بابل باعتبارها أعلى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. إلا أن يهوياقيم ملك يهوذا تمرد على الحكم البابلي، فقامت القوات البابلية بغزو يهوذا، وهو ما فسره الكُتاب آنذاك بكل وضوح باعتباره تنفيذًا للقضاء الذي أخبر به الرب على شعبه الخائن وملكهم.
وفي مطلع سنة 597 ق.م استسلم كلٌّ من الملك، والعائلة المالكة، ومستشارو البلاط الملكي لقوات الحصار. وتم ترحيلهم إلى بابل مع عدة آلاف من المسبيين غيرهم. ثم حدثت موجة أخرى من الترحيلات سنة 586 ق.م ولم يحصل اليهود على حريتهم في العودة إلى أرضهم إلا بعد سقوط بابل أمام الفرس سنة 539 ق.م.
وغالبًا ما تستخدم هذه القصة التاريخية المؤثرة لخلق معنى للوضع البشري. فمن منظور مسيحي، يرمز وضع اليهود أثناء سبيهم في بابل لحالة البشر. وذلك لأن اليهود لم يكونوا ينتمون لبابل، ولكنهم كانوا مسبيين يتوقون للعودة إلى أرضهم. ومزمور 137 يرسم صورة تنبض باشتياقهم للعودة وتعبر عن ذكرياتهم المرتبطة بأرضهم: “عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ.” (ع1).
إن هذا الإطار يعطي الحياة الإنسانية معنى. فليس المفترض أن نكون هنا، وهذه الأرض ليست وطننا، ولكننا ننتمي لوطن آخر. ومازلنا نحمل في أعماقنا ذكرى هذا الوطن التي لا تستطيع قوة في الوجود أن تمحوها. إننا نتحرق شوقًا للعودة إلى وطننا، ونحيا على رجاء أننا يومًا ما سنكون في الوطن الذي ننتمي إليه بالفعل. إن هذا الإطار يشير إلى مصدرنا الحقيقي ومآلنا، ويعطي معنى للشوق والتوق العميق الذي تتناوله “الحجة المبنية على الرغبة.”
ولكن ماذا عن القصص التي تتحدى المسيحية؟ سنستعرض قصتين تهدفان لهدم المصداقية التاريخية لأهمية يسوع الناصري كما يصورها التقليد المسيحي. أولهما “شفرة دافينشي” The Da Vinci Code (2003) لكاتبها “دان براون” Dan Brown، والثانية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (2010) لمؤلفها “فيليب بولمان” Philip Pullman. ما المنهجيات التي يتبعها كلٌّ منهما؟ وكيف نرد عليهما؟
إن القصص تدعونا لنتخيل عوالم بديلة ونقارنها بعالمنا: أيهما أكثر معقولية؟ وأكثر جاذبية؟ وتجدر الإشارة إلى أن إعادة قراءة التاريخ بشكل مختلف عادةً ما يكون وراءها دوافع هجومية أو أخلاقية، ومنها على سبيل المثال تصوير شخصية تاريخية خبيثة بشكل أفضل، أو شخصية محبوبة بشكل أسوأ. فرواية “أنا كلوديوس” I, Claudius (1934) مثلاً لكاتبها “روبرت جرفز” Robert Graves تتعاطف مع الإمبرطور الروماني كلوديوس (10ق.م – 54 م) وترسم له صورة إيجابية، وهو شخص كان يُنظر إليه في التاريخ على أنه رجل أحمق لا يضر ولا ينفع.
إلا أن “جرفز” يبرز كلوديوس على أنه يروج هذه الصورة عمدًا حتى يخدع الآخرين فيضمن بقاءه في زمن ملئ بالمخاطر السياسية.
وقد تَمكَّن كتاب “دان براون” الذي صدر سنة 2003 من تحقيق نجاح باهر واستحوذ على انتباه قرائه بفضل حبكته المتقنة التي تروي بداية تاريخ المسيحية بدرجة عالية من المعقولية حتى إن القارئ لا يلحظ التحريفات الجذرية المدسوسة في الكتاب ببراعة. (والطبعات الأولى من الكتاب كانت بحمل على غلافها كلمة “رواية” تحت العنوان. ولكنها حُذفَت فيما بعد). والقصة المحورية في هذا الكتاب تتلخص في أن الكنيسة اخترعت صورة خاصة بها ليسوع وجعلت منه إلهًا وفرضت هذه الصورة بالمؤامرة السياسية والتهديد بالعنف. ويصور “براون” الإمبراطور قسطنطين على أنه شخص مكيافلي انتهازي يغير طبيعة المسيحية لتخدم أغراضه السياسية.
ويروي “براون” قصة خداع وقمع تنتهي بكشف “الحق” وتحرير الناس. ويركز جزء كبير من القصة على بداية تاريخ المسيحية، فيروي أن الإمبراطور قسطنطين أراد للمسيحية أن تكون الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكنه أدرك أنها تحتاج لنوع من إعادة الصياغة حتى تفي بهذا الغرض. ومن ثم، كان لابد من رفع رتبة يسوع الناصري بحيث لا يظل ذلك المعلم الريفي الفلاح، فأعلن فسطنطين أن يسوع هو الله. وقد استلزم ذلك الحصول على عدد مناسب من الأصوات والتلاعب في النصوص.
ويتم إطلاع القارئ على هذه الأسرار في شخصية السير “لي تيبينج” Sir Leigh Teabing الذي يعلم بهذه الخفايا التاريخية، فيصرح بأنه لم يكن أحد يعتقد أن يسوع هو الله حتى مجمع نيقية سنة 325 عندما طُرحَت المسألة للتصويت، وحصلت على غالبية الأصوت بفارق ضئيل. وتُصدم “صوفي نفو” Sophie Neveu المتخصصة في فك الشفرات عندما تسمع هذا الكلام وتقول في حالة من الذهول: ” لست أفهم ما تقول. هل تتحدث عن ألوهيته؟”
صرح لها “تيبينج”: “عزيزتي، حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبيًا فانيًا مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.
[قالت “صوفي”]: “ليس ابن الله؟”
أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسميًا للتصويت في مجمع نيقية.”
ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته.[22]
ويتم تعريف القارئ بالحقائق المحظورة الخطيرة التي تتعلق بتاريخ الكنيسة ويركز الكاتب بشكل خاص على جماعة يلفها الغموض تعرف باسم “جمعية سيون” Priory of Sion ويقدمها باعتبارها حارسة لأحد الأسرار الخطيرة. ويخبر “براون” قراءه بأن هذه “الجمعية” هي جماعة سرية تكونت سنة 1099 ومازالت موجودة حتى اليوم ويؤكد لهم أن هذه حقائق ثابتة.
والحقيقة أن هذا كلام خاطئ بكل المقاييس، لأن “جمعية سيون” عبارة عن منظمة اخترعها “بيير بلانتار” Pierre Plsntard (1920- 2000) سنة 1956، وقد كان “بلانتار ” بارعًا في تأليف القصص الخيالية، فنسج قصصًا غاية في الإتقان عن هذه الجماعة التي اخترعها وربط بينها وبين أحداث من العصور الوسطى والأرض المقدسة.[23] أي أن الموضوع لا يمت بصلة لأي نوع من الحقائق.
ولست أعرف أي سند تاريخي ذا قيمة يؤيد أيًا من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها “شفرة دافينشي” التي يمكن تفنيدها جميعًا بمنتهى السهولة. ولكن مربط الفرس أن “براون” يروي قصة يتمنى الكثيرون أن تكون صحيحة ويدعوهم أن يصدقوها. وقصة “براون” تقوض الفكر المسيحي التقليدي في أذهان عموم القراء بتصويره لهذا الفكر على أنه نشأ من إساءة ممارسة السلطة والرغبة في قمع العناصر الأنثوية للإيمان.
والقصة “تُعرفنا” بأن الحقيقة هي أن يسوع تزوج مريم المجدلية وأن ابنتهما أنجبت نسلاً ملكيًا في فرنسا. وقد قال “براون” ردًا على الانتقادات الكثيرة التي تناولت الأخطاء التاريخية الفادحة في روايته إن كل ما فعله أنه وضع الكلمات في أفواه شخصيات الرواية وترك القارئ يفهم منها ما يفهمه.
وتكمن جاذبية منهج “براون” في المقام الأول في قدرته على الهدم. فالقصة مكتوبة بأسلوب ركيك يبدو أن معظم القراء يتقبلونه خاصةً مع سرعة توالي الأحداث. وهي من حيث الأسلوب على النقيض تمامًا من “يسوع الصالح والمسيح الشرير” لكاتبها “فيليب بولمان” التي صدرت سنة 2010.[24] فأسلوب “بولمان” يتبع نوعًا ما أسلوب ترجمة الملك جيمز King James للكتاب المقدس، وهو يتميز بفصاحة لا نجد لها أثرًا في أسلوب “براون” الممل الركيك.
وكتاب “بولمان” يعيد سرد قصة الإنجيل في قالب تخيلي يحتفظ بالأسلوب الأصلي للأناجيل ولكنه يغير المحتوى تغييرًا جذريًا. وتنطوي إعادة صياغة القصة بهذا الشكل على تقديم فرضية محورية يبني عليها “بولمان” أطروحته. فهو يصور مريم على أنها فتاة تعاني من ضعف قدراتها العقلية وصعوبات في التعلم، يخدعها أحد الرجال لتنام معه مؤكدًا لها أنه ملاك، فتلد توأمين، يسوع والمسيح، ولكن العلاقة بينهما تسوء منذ سن مبكرة.
كان يسوع رجلاً تقيًا، وواعظًا متجولاً يكرز بملكوت الله وينتظر من أتباعه أن يتغيروا أخلاقيًا. ويخبرنا “بولمان” أن يسوع، كأي كارز بروتستانتي ليبرالي من القرن التاسع عشر، لم يصنع معجزات بالمعنى المفهوم. ولكنه كان يجعل الأمور تحدث بشكل طبيعي. فما الذي حدث في إشباع الخمسة الآلاف؟ كل ما في الأمر أنهم تقاسموا ما كان معهم من طعام.
وهكذا يتضح أن يسوع شخص صالح ينتمي إلى عالم مثالي غير عالمنا ولا يحتك بواقع السلطة السياسية. إلا أن المسيح مختلف. فهو يلتقي بشخصية غامضة اسمها “الغريب” The Stranger تزرع في عقله فكرةَ أن يعيد كتابة قصة يسوع وتعاليمه على نحو يجعلها أكثر جاذبية وأطول عمرًا.
والنتيجة إنجيل أسطوري كُتِب أصلاً لأسباب تافهة بقلم توأم يسوع المزعوم. وما يريد “بولمان” أن يشير إليه من طرف خفي أن إنجيل المسيح “المحسَّن” والمزوَّر هو السبب الأساسي في ظهور كتابات بولس في العهد الجديد.
وهكذا تصبح الكنيسة مؤسسة على إنجيل المسيح الوهمي، وليس على حقيقة يسوع التاريخية المفقودة. فالمسيح يدرك بدهائه ضرورة خلق قصة كبرى، فلسفة حياتية مغرية لتضمن استمرار الكنيسة على مر التاريخ.
ونظرًا لفشل يسوع في تقديم هذه القصة، يقوم المسيح بتعويض هذا العجز بنفسه بتأليف قصة قادرة على إنشاء مؤسسة قوية والحفاظ عليها. والقوة المؤسسية تعتمد على الأمر الإلهي الذي يُفرض دون هوادة ويصبح أيديولوجية راسخة تضمن استمراريته. ويظهر بكل وضوح من هذه الرواية ومن ثلاثية “مواده السوداء” His Dark Materials أن “بولمان” يستهدف مؤسسة الكنيسة.
وأخيرًا يحرض “الغريب” المسيح على خيانة أخيه، خيانة تؤدي إلى موت الشقيق (نعم، يتضح في النهاية أن المسيح هو يهوذا الإسخريوطي). ثم تصبح القيامة مسرحية يحاول فيها المسيح الحي أن يُظهر نفسه على أنه يسوع الميت، وهو ما يعني طبعًا أن القيامة تمثيلية اخترعها المسيح ليعوض عن موت يسوع ميتة مؤسفة عادية. والموضوع مألوف لدى قراء الأعمال العقلانية التي أعادت تأليف حياة يسوع في القرن الثامن عشر، ولكن “بولمان” أدخل عليها تعديلات تاريخية جديدة ولكنها مستحيلة الحدوث.
وهذه هي المشكلة، فهذه القصة الهجومية غير معقولة على الإطلاق لدرجة أنها لا تطابق أدنى المعايير المستخدمة لتحديد صحة الأحداث من الناحية التاريخية. والقصة معقدة ومتداخلة حتى إنها لا يمكن أن بؤخذ على محمل الجد من الناحية التاريخية. ورغم أن الكاتب قَصَّاص من الطراز الأول عندما يؤلف قصصًا خاصة به، فعندما يعيد إنتاجَ قصص غيره، وخاصةً إذا كانت قصة مألوفة كقصة يسوع الناصري يتعثر كثيرًا. فالحبكة مفتعلة بشكل مفرط حتى إن براعة “بولمان” الأسلوبية تعجز عن التعامل مع هذا الخط القصصي المعقد اللازم لتحقيق أغراضه في مهاجمة التقليد.
وقد أقحم “بولمان” نفسه في القصة الكتابية على نحو سافر، فلم يكن دوره فيها سلبيًا ولا صامتًا. وأكثر المواقف التي يظهر فيها هذا الإقحام بشكل صريح هو صلاة يسوع في جثسيماني التي يفاجئنا بأن يسوع يختمها قائلاً أنه لا يوجد إله. ويأتي صوت المؤلف مملاً رتيبًا في مواقف كهذه، ولا سيما عندما يعظ يأخذ مكان يسوع ويعظ قراءه بنبرة حادة مزعجة.
وهو ما يختلف عن أسلوبه في ثلاثية “مواده السوداء”. وهو في رواية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” يفتعل حالة من التقوى المفرطة بشكل يثير الاشمئزاز. علاوة على أنه يَسهل على القارئ التنبؤ بما سيحدث قبل قراءته.
ومن الواضح أن القصة مستحيلة الحدوث التي نطالعها في هذه الرواية تهدف إلى هدم مؤسسة السلطة الدينية. ويتضح هذا الهدف بجلاء في سؤال طرحه أثناء لقاء أجري معه عقب نشر كتابه بفترة وجيزة: “إن استطعت أن ترجع بالزمن وتنقذ ذلك الرجل من الصَلب وأنت تعلم أن هذا يعني عدم ظهور الكنيسة لحيز الوجود، هل ستنقذه أم لا؟” وترتكز هذه الحجة على افتراض مسبق مفاده أن القارئ يشارك “بولمان” في كراهيته الشديدة للمؤسسة الكنسية، وهو ما يظهر بكل وضوح في أعماله الأسبق.
ولكن هل الأمور حقًا بهذه البساطة؟ وهل الحق التاريخي يتوقف على ما نحب؟ وهل الإنجيل يتمحور فعلاً حول الكنيسة باعتبارها مؤسسة؟
معروف أن “بولمان” يريد أن يزعزع أساس الإيمان المسيحي. ولكن كيف يدعم هذا الكتاب حجته؟ إن ما حصل عليه هذا الكتاب من ردود أفعال فاترة على المواقع الإلكترونية الإلحادية يؤكد مدى غموضه. وقد سألني أحد زملائي من الأساتذة الملحدين مؤخرًا: “ولكن ما الفائدة منه؟ ومن سيلتفت لهذا الهراء؟” وقد راودتني هذه الأسئلة الوجيهة الواضحة وأنا أقرأ هذا الكتاب. ورغم استمتاعي بأسلوبه، لم أتمكن من تصديق حبكته الركيكة. ولابد أن أعترف أني لم أجد إجابة مقنعة حتى الآن.
المدخل الرابع: الصور:
تُعتبر الصور، لا الكلمات، أعلى أشكال التواصل عند كُتاب ما بعد الحداثة. وشركات الدعاية والإعلان تنفق أموالاً طائلة لتحصل على أفضل صورة للشركة المعلِنة، وتصمم إعلانات تليفزيونية تعرض صورًا تجعلنا نريد أن نشتري منتجات معينة دون غيرها. إلا أن الكثير من المسيحيين، مثلي، يفضلون استخدام الكلمة (ولا سيما الكلمة المكتوبة، في حالتي) لتوصيل الإيمان وإبراز جماله. ولكن علينا أن نعي أن الصور يُنظر إليها في إطار ما بعد الحداثة على أنها تتمتع بمصداقية وقوة من نوع خاص وتتجاوز الحدود المفروضة على الكلمات.
والعقل البشري يعمل عن طريق توليد صور تساعدنا على “تصوير” العالم المحيط بنا وفهم معناه. ويمكن تشبيه الصور بالخرائط الذهنية التي تساعدنا على رسم أرض الواقع وتحديد مكاننا في الإقليم المحيط بنا. وهذه الصور مفيدة جدًا للمدافع، لأن الصور التي تُعبر عن الفكر المسيحي يمكن تقديمها بأشكال تجذب الخيال البشري. وعمومًا نحن نتعلم أن نسكن في صورة نستخدمها ونكتشف مدى ملاءمتها لواقع عالمنا.
وسنفحص في هذا الجزء عددًا من هذه الصور ونبحث كيفية استخدامها لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله. وبعضها مأخوذ من الكتاب المقدس، والبعض الآخر من الثقافة العلمانية. وأولى هذه الصور مأخوذ من أحد كلاسيكيات الفلسفة اليونانية القديمة، ألا وهو كتاب “الجمهورية” Republic لأفلاطون. (إن كنت قد قرأت رواية “الكرسي الفضي” The Silver Chair، وهي إحدى روايات سلسلة “نارنيا” لكاتبها “لويس”، ستكون الصورة مألوفة لك، حتى وإن لم تكن تعرف أصلها التاريخي[25]).
يدعونا أفلاطون لأن نتخيل كهفًا مظلمًا عاشت فيه مجموعة من الناس منذ مولدهم. وقد ظلوا محبوسين في هذا الكهف طيلة حياتهم حتى إنهم لم يعرفوا عالمًا آخر سواه. وفي أحد أطراف الكهف تشتعل نيران متوهجة بالدفء والضوء. اللهُّب المتصاعدة تلقي ظلالاً على جدران الكهف، فيشاهد الناس هذه الظلال التي تسقط أمامهم على الحائط، ويفكرون فيما تعنيه، فهذه الظلال المرتعشة هي كل ما يعرفه سكان الكهف عن العالم. وإدراكهم للواقع منحصر فيما يرونه ويختبرونه في هذا السجن المظلم.
فإن كان هناك عالم خارج الكهف، فإنه شيء لا يعرفونه ولا يمكنهم أن يتخيلوه، وكل آفاقهم محدودة ومحددة بالظلال وبما ينالونه من ضوء خافت. ولكنهم لا يعرفون أن الكهف سجن ولا أنهم محبوسون فيه، وليس لهم أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف إلا إذا عرفوا بوجود عالم آخر.
ويزين أفلاطون هذه الصورة بالعديد من التفاصيل، منها أن سكان الكهف مقيدون بأغلال تمنعهم من الحركة في أنحاء الكهف. ولا يمكنهم أن يروا إلا الجدار المقابل لهم. ويمتد خلفهم ممر يعبر فيه أشخاص يحملون أشياء متنوعة على رؤوسهم، والنار تلقي هذه الظلال المتحركة على جدران الكهف.
والناس الذين يعبرون الممر يتحدثون بعضهم مع بعض فتُرَجِّع أصواتهم صداها في جنبات الكهف، ولكنها تأتي مشوهة بفعل الجدران. وهكذا يرى السجناء ظلالاً متحركة ويسمعون أصداء أصوات. فهم لا يرون ولا يسمعون أي شيء بشكل مباشر، ولكن خبرتهم بكل شيء تأتي على نحو غير مباشر وغير واضح المعالم.[26]
ولا يعنينا هنا البناء الفلسفي لهذا التشبيه كما وضعه أفلاطون، ولكن ما يعنينا هو إمكانية استخدامه في الدفاعيات. فكيف نستخدم هذه الصورة لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله في عالم اليوم؟ تخيل نفسك الآن تسكن في هذه الصورة بضع دقائق، ولاحظ أنك لابد أن تنسى كل شيء عن العالم الذي نعرفه جميعًا حيث الشمس الساطعة، والهواء العليل، والورود، والبحيرات، والأشجار. وتَذَكر أن العالم الوحيد الذي تعرفه هو ذلك الكهف المظلم الذي يمثل لك الواقع كله.
وأنت لا ترى إلا ظلالاً ولا تسمع إلا أصداء. وما يظهر من هذه الأشياء يصبح واقعًا لك.
احترس من مقارنة عالم الكهف بأي واقع آخر، ففكرة التشبيه كلها تقوم على أساس أنك لا تعرف أي شيء غير هذا الكهف الذي يمثل لك تعريف الواقع. وعندما تشعر بأنك اعتدت على الصورة، سنبدأ في فحصها ودراسة كيفية تطبيقها في الدفاعيات.
اسأل نفسك هذا السؤال: كيف يتأتى لسكان الكهف أن يدركوا أن هناك عالمًا أفضل خارج جدران الكهف المظلمة المدخنة؟ فكر قليلاً في السؤال ثم واصل القراءة بعد أن تصل إلى بعض الإجابات.
ثلاث وسائل تُمكن سكان الكهف من اكتشاف وضعهم الحقيقي:
يدخل شخص من العالم الحقيقي الخارجي إلى داخل الكهف ويخبر سكانه بالعالم الحقيقي. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة فكرة الإعلان الإلهي.
بنية الكهف نفسه تحتوي على دلائل تشير إلى وجود عالم خارج جدرانه. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بناءً على المؤشرات التي نراها في بنية العالم.
عند هؤلاء المساجين معرفة حدسية تقول لهم إن هناك عالمًا أفضل من الكهف المظلم المدخن. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بالاستناد على المشاعر الإنسانية، ومنها الحجة المبنية على الرغبة.
وسوف نبحث فيما يلي ما تتضمنه كل وسيلة من إمكانية دفاعية مع الاحتفاظ بصورة الكهف.
أولاً، قد يقتحم الكهف شخص من عالم آخر، ويخبرنا عن ذلك العالم الآخر مستخدمًا تشبيهات مستمدة من الكهف. بل إنه قد يفعل ما هو أفضل من هذا فيعرض علينا أن يرشدنا لطريق الخروج. وقد يفعل ما هو أفضل من هذا وذاك، فيعرض علينا أن يُخرجنا بنفسه.
وهذا الأسلوب هو الذي ينعكس في عقيدة التجسد المسيحية التي ترى يسوع المسيح باعتباره الشخص الذي يدخل إلى عالم التاريخ والخبرة البشرية، ليُظهر لنا الأمور على حقيقتها وليعطينا القدرة أن نتحرر من ربط العالم وقيوده. وبالرغم من أن هذا الموضوع يملأ صفحات العهد الجديد، فهو يَبرز بشكل خاص في إنجيل يوحنا، كما يتضح من الآيتين التاليتين:
والوسيلة الثانية تقول بأن عالم الكهف نفسه مرصع بمؤشرات ومفاتيح تشير إلى أنه ليس العالم الوحيد. فقد يكون على جدران الكهف علامات تشير إلى أصله أو إلى مصيره الحقيقي، مثل العلامات التي لاحظها أريستبوس على شاطئ جزيرة رودس (ص 122). فربما الكهف يكشف عن أدلة تشير إلى وجود تصميم أو بنية معقدة تثير أسئلة جوهرية عن نشأته. وقد تكون جدرانه مزينة بالرسوم أو غيرها من الدلائل التي تشير إلى أصله وتاريخه.
أما الحل الثالث هو أن من يلاحظون الكهف أنفسهم يملكون في أعماقهم حسًا فطريًا أصيلاً بوجود عالم آخر. وقد يتخذ هذا الحس شكل قناعة عميقة أن الحياة أكثر من مجرد ظلمة هذا الكهف المدخن، أو معرفة حدسية قوية بأن مصيرهم يجب أن يكون في مكان آخر، أو رغبة في شيء يشعر صاحبها أنها لن تُشبع أبدًا، وهو شعور يشير إلى أن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن إشباعنا الحقيقي لن يتحقق فيه.
فنار الشوق التي تشتعل داخلنا ولا تطفئها خبراتنا في هذا العالم تمثل مفتاحًا جوهريًا يشير إلى وضعنا الحقيقي ويدعونا لاكتشاف الواقع الأعظم الذي تشير إليه.
هكذا قمنا ببحث الأساليب الثلاثة وشرحها بسهولة مستخدمين صورة كهف أفلاطون. وكل وسيلة منها تتيح للدافع أن يبحث أحد جوانب الإيمان المسيحي ويكتشف تلامسه مع خبرتنا بالعالم المحيط ومع معرفتنا الحدسية وأشواقنا العميقة وقدرته على خلق معنى لكل هذه الأمور.
ويمكن إدماج هذه الصورة المعبرة بسهولة في الأحاديث، والعظات، والمحاضرات، ويمكن تطويرها بالعديد من الطرق المبتكرة. ويسهل كذلك إضافة طرق أخرى للثلاثة المذكورة أعلاه.
فما الصور الأخرى التي يمكن استخدامها في الدفاعيات؟ يستخدم بولس مجموعة من الصور القوية في رسائله ليساعدنا على فهم ما فعله المسح لأجلنا بصلبه وقيامته. ومن هذه الصور صورة التبني. وفيها يؤكد لنا بولس أننا أصبحنا أبناء الله بالتبني في المسيح (رو 8: 23، غل 4: 5). ويرى بولس أن هذه الصورة المستمدة من قانون الأسرة الروماني تلقي الضوء على امتيازات المؤمن ومكانته في علاقته بالله.[27] وهي صورة تتطلب منا أن ندركها في عقولنا ونقدرها في قلوبنا.
وصورة التبني سهلة الفهم نسبيًا، فهي تُعبر عن أسرة تقرر أن تمنح طفلاً لم يولد في أحضانها الامتيازات القانونية نفسها التي يحصل عليها الطفل المولود في الأسرة. وهو ما يستتبع أن الطفل المتبنى يتمتع بحقوق الميراث التي يتمتع بها الطفل الطبيعي.
وهكذا يمكن أن يرى المؤمن نفسه باعتبار أنه أُدخِل في عائلة الله ومُنح ذات الامتيازات القانونية التي يتمتع بها أي ابن طبيعي. ومن هو الابن الطبيعي لله؟ إنه المسيح نفسه. وبذلك، يشرح بولس هذه الفكرة القوية، ألا وهي أن كل ما منحه الله للمسيح باعتباره ابنه سيؤول إلينا في النهاية باعتبارنا أولاد الله:
ولذلك فالسمات الأسرية التي تميز أولاد الله هي الألم في هذه الحياة والوعد بالمجد في الحياة الآتية. وهو ما يعني أن المجد يكمن وراء الألم، ولابد أن نتعلم أن نرى الألم باعتباره امتيازًا نحتمله مسرورين بوصفه نتيجة لمركزنا الجديد بصفتنا ورثة الله.
ولكن صورة التبني لا تخاطب العقل فحسب، بل تستحوذ على الخيال والقلب أيضًا. وهي بذلك تدعونا أن نترجمها بشكل تخيلي، ولا نكتفي بفهمها. فالتبني معناه أن الطفل مرغوب فيه، وهو يتضمن أيضًا معنى الانتماء. وهذه قضايا وجدانية عميقة تتلامس مع اهتمامات الكثيرين ومخاوفهم في مجتمعات تزداد انكسارًا يومًا بعد يوم.
فالتبني يعني دعوة الشخص ليدخل في بيئة مُحبة حانية. وهي تعني الترحيب بالشخص والرغبة في وجوده وتقديره . والتبني يقدر امتياز الدعوة التي يتم بمقتضاها الترحيب بشخص من خارج الأسرة وإدخاله في كنف الإيمان والحب.
والصورة التي يرسمها بولس للتبني تتوافق بشدة مع اشتياق الإنسان العميق للانتماء إلى مكان ما. فنحن نحتاج أن نشعر أننا مقبولون ومرغوبون. وتؤكد “سيمون فيّ” كثيرًا في كتاباتها أهمية هذه النقطة.
فهي تشير في كتابها “البحث عن الجذور” The Need for Roots إلى أهمية المجتمعات في تكوين الهوية الشخصية وحمايتها: “قد تمثل الحاجة للجذور أهم احتياجات النفس البشرية ولكنها الأقل حظًا من حيث إدراكها والاعتراف بها.”[28] ويتناول “ولتر بروجمَن” Walter Brueggemann أستاذ العهد القديم المعروف هذه الفكرة بمزيد من العمق عندما يشير إلى أن
الشعور بالضياع والتشرد وفقدان المأوى يسود ثقافتنا المعاصرة. وتوق الإنسان لأن ينتمي لمكان، ويكون له بيت، يحتمي في موضع آمن هو سعي عميق يثير في النفس لهيبًا من المشاعر المتأججة.[29]
ونجاح المسلسل التليفزيوني الأميريكي “في صحتك” Cheers يعكس هذه النقطة على أكمل وجه. وقد بدأ عرض المسلسل الذي تجري أحداثه في حانة في بوسطن سنة 1982 واستمر على مدى 271 حلقة حتى سنة 1993. ويرجع نجاحه الباهر إلى ما خلقه من شعور قوي بالانتماء لجماعة.[30]
فقد كانت الحانة مكانًا للأحاديث الخفيفة والأحاديث الجادة، وكانت ملجأ يرحب بكل من يأتيه، والجميع هناك يعرفك. أما خارج الحانة هناك جموع مجهولة من بشر لا يعرفهم أحد ولا يعرفون بعضهم البعض. ولكن داخل الحانة، أنت شخص مميز، ومهم عند الآخرين، أنت تنتمي لمكان. وقد عبَّرت أغنية المسلسل عن هذا المعنى أوضح تعبير: أنت تريد أن تكون في مكان “كل من فيه يعرف اسمك.”
ويمكن للمدافع أن يستخدم صورة التبني التي يرسمها بولس مشيرًا إلى ما تحمله من معانٍ على مستويات مختلفة. فهي لا تلقي الضوء على ما يعود علينا من موت المسيح وقيامته فحسب، ولكنها تخاطب اشتياق القلب البشري العميق للانتماء.
وهناك صور كتابية أخرى يسهل الاستفادة منها في الدفاعيات، مثل صورة الله الراعي، أو المسيح خبز الحياة. فالدفاعيات تتمتع بصندوق زاخر بالكنوز التي يمكننا الاستفادة منها، وهي تستخدم الخيال باعتباره مدخلاً للنفس البشرية. وينبغي على المدافع الناجح أن يجدد هذا الصندوق باستمرار مضيفًا إليه قصصًا وصورًا جديدة.
خطوة للأمام:
المداخل الأربعة التي تناولناها في هذا الفصل كلها مهمة ويمكن تطبيقها بسهولة في الدفاعيات. إلا أنها مجرد أمثلة توضيحية لا تشمل كل المداخل التي يمكن الاستفادة منها، بل يمكن إضافة مداخل أخرى لها. ومنها على سبيل المثال تجسيد المؤمن لإيمانه في حياته العملية، وهو مدخل يؤدي وظيفة دفاعية مهمة.
فالكثيرون يسألون عن الإيمان عندما يرون أن أصدقائهم يتميزون بشيء غير متوفر لهم، كالشعور بالسلام أو بوجود غرض للحياة، أو الشعور العميق بالحنان والحب للبشر، وهو ما يثير لديهم السؤال: “من أين لهم هذا؟” ويتمنون في أعماقهم أن يتمتعوا بما يتمتع به هؤلاء. ومحبة الله تتجسد وتعلَن عندما يخدم المسيحي الحقيقي العالم المحيط به.
والطريقة التي يتعامل بها المؤمن مع الموت تقدم شهادة مهمة لرجاء القيامة المغير الذي يمثل ركيزة أساسية في الإنجيل. فممارسة الحق في حياتنا العملية هي “دفاعيات متجسدة” تمثل في حد ذاتها شهاد قوية لذلك الحق. أي أننا نحتاج لما هو أكثر من الحجج، نحتاج أن نظهر أن الإيمان المسيحي يغير الحياة ويمنحها قوة، كما أشار المدافع “فيليب د. كنِسون” Philip D. Kenneson في ملاحظة حكيمة قائلاً:
إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس الاستمرار في تقديم مزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الآخرين سبباً للالتفات لهذا الحق.[31]
علاوة على ذلك، تقدم الحياة المسيحية شهادة مهمة لقدرة الإنجيل على تغيير حياة البشر، فعندما نشهد عن قصتنا الشخصية، نقدم شهادة غير مباشرة على أن الإنجيل حقيقي، وليس صحيحًا فحسب.
ومن السهل إضافة المزيد من الأساليب أو تطويرها حسب القضايا التي يواجهها المدافع أو الاتجاهات الثقافية التي يشعر أنه يجب التعامل معها. ومن الأمثلة الواضحة التي يمكن استخدامها في الدفاعيات من بعض المجالات الفنية والأدبية الأخرى:
الأفلام: ربما يعتبر الفيلم، لما يميزه من المزج بين القصة والصورة، أفضل وسيلة للتواصل مع جيل يطَلِّع على الواقع بطريقة بصرية أكثر منها نَصية. والكثير من الأفلام الحديثة تثير قضايا لاهوتية ودفاعية كبرى، مما يتيح الفرصة لفتح مناقشات دفاعية.
الشعِر: تُعبر الكثير من القصائد عن شعور بالقلق الشديد تجاه الوضع الحالي للعالم، وعن تطلع نحو الهدف الأسمى للبشرية. وليس من الصعب على المدافع أن يحدد بعض القصائد، وكلمات بعض الأغاني المشهورة، التي تتيح الفرصة لإثارة أسئلة أو فتح مداخل للدفاعيات.
اللوحات الفنية: الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، ناهيك عن الصور المشهورة، يمكن أن تمثل مداخل دفاعية. فإذا أجريت بحثًا سريعًا على الإنترنت مثلاً ستجد لوحة مشهورة للفنان “إدفارد مونك” Edvard Munch اسمها “الصرخة” The Scream(1893) يظهر فيها شخص في حالة من اليأس الوجودي المريع لعجزه عن التعامل مع العالم. فكيف نستفيد من هذه اللوحة؟ إنها مدخل ممتاز للدفاعيات، ويمكنك أن تجد الكثير غيرها بسهولة.
الآن وقد اطلعنا على أساليب تساعدنا في إبراز جمال الإيمان المسيحي وربطه بحياة الناس العاديين، لابد أن ننتقل للعثرات والشكوك التي يواجهها الناس في الإيمان وكيفية التعامل معها .
لمزيد من الاطلاع:
Garson, D.A.The God Who Is There: Finding Your Place in God’s Story. Grand Rapids: Baker, 2010.
Johnston, Robert K.Reel Spirituality: Theology and Film in Dialogue، 2nd ed. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.
Keller, Timothy J. The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism. New York: Dutton, 2008.
Marsh, Clive. Theology Goes to the Movies: An Introduction to Critical Christian Thinking. New York: Routledge, 2007.
McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville: Westminster john Knox, 2011.
Nash, Ronald H. Faith and Reason: Searching for a Rational Faith. Grand Rapids: Academie Books, 1988.
Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.
Piper, John. Think: The Life of the Mind and the Love of God. Wheaton: Grossway, 2010.
Sire, James W. Naming the Elephant: Worldview as a Concpt. Downers Grove, IL: Inter Varsity, 2004.
Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: HarperSanFrancisco, 2006.
[1] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).
[3] James Robert Brown, Philosophy of Mathematics: An Introduction to the World of Proofs and Pictures (London: Routledge, 1999, 71-78); George Bools, “Gödel’s Second Incompleteness Theorem Explained in Words of One Syllable,”, Mind 103 (1994): 1-3.
[4] For a highly influential discussion, see John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.
[5] For two good assessments of Schaeffer’s approach, see Thomas V. Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics: A Critique (Grand Rapids: Baker, 1987); Bryan A. Follis, Truth with Love: Apologetics of Francis Schaeffer (Wheaton: Crossway, 2006).
[6] Francis Schaeffer, The God Who Is There, Complete Works of Francis Schaeffer, vol. 1 (Westchester, IL: Crossway, 1982), 130.
* metaphysical وتترجم أحياناً إلى “ما وراء الطبيعة” والمقصود كل ما يختص بالبحث الفسلفي في المبادئ أو العلل الأولى للكينونة والمعرفة. (المترجمة)
[12] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.
[13] C. S. Lewis, Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.
[14] See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.
[15] Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Biblical Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1977).
[16] Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1985), 216.
[18] N. T. Wright, “How Can the Bible Be Authoritative?” Vox Evangelica 21 (1991): 7-32.
[19] N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), 132.
[20] See Verlyn Flieger, Splintered Light: Logos and Language in Tolkien’s World (Kent, OH: Kent State University, 2002); Jeffrey L. Morrow, “J. R. R. Tolkien as a Christian for Our Times,” Evangelical Review of Theology 29 (2005), 164-77.
[21] Dan Brown, The Da Vinci Code: A Novel (New York: Doubleday, 2003), 233.
[22] Brown is totally wrong on all these points. See, for example, Bart D. Ehrman, Truth and Fiction in The Da Vinci Code: A Historian Reveals What We Really Know About Jesus, Mary Magdalene, and Constantine (Oxford: Oxford University Press, 2004), 23-24.
[23] The best account of the fabrication of this myth is Massimo Introvigne, Gli Illuminatie il Priorate di Sion (Milan: Piemme, 2005). An English summary of this work is available at http://www.cesnur.org/2005/pa_introvigne.htm.
[24] Philip Pullman, The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (Edinburgh: Canongate, 2010).
[25] You might enjoy reading the interesting study of William G. Johnson and Marcia K. Houtman, “Platonic Shadows in C. S. Lewis’ Narnia Chronicles,” Modern Fiction Studies 32 (1986), 75-87.
[26] For a detailed discussion, see Gail Fine, Plato on Knowledge and Forms: Selected Essays (Oxford: Oxford University Press, 2003).
[27] James C. Walters, “Paul, Adoption, and Inheritance,” Paul in the Greco-Roman World, ed. J. Paul Sampley (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2003), 42-76.
[28] Simone Weil, The Need for Roots (London: Routledge, 2002), 43.
[29] Walter Brueggemann, The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith, 2nd ed. (Philadelphia: Fortress Press, 2002), 1.
[30] Bill Carter, “Why ‘Cheers’ Proved So Intoxicating,” New York Times, Sunday, May 9, 1993.
[31] Philip D. Kenneson, “There’s No Such Thing as Objective Truth, and It’s a Good Thing, Too.” Christian Apologetics in the Postmodern World, ed. Timothy R. Phillips and Dennis L. Okholm (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1995), 155-70.
المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
تُعنى الدفاعيات بإقناع الناس بأن المسيحية تخلق للحياة معنى، حتى إن “سي.إس.لويس” الذي قد يُعتبر أعظم مدافع مسيحي في القرن العشرين يصف قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للأشياء بفصاحة بليغة وبإيجاز قاطع قائلاً: “إني أؤمن بالمسيحية كما أؤمن بأن الشمس قد أشرقت، لا لأني أراها فحسب، ولكن لأني أرى كل الأشياء الأخرى بواستطها.”[1] وما يقوله “لويس” أساسي في الدفاعيات المسيحية: فالمسيحية لها معنى في حد ذاتها وهي قادرة على إضفاء المعنى على سائر الأشياء أيضًا.
ويعرض “لويس” في كل أعماله، حتى الخالي منها، نظرة المسيحية للأمور باعتبارها نظرة منطقية، ومقنعة، ومتصلة بحياة البشر. فما أن ننظر للعالم من منظار مسيحي حتى يتضح قصور وجهات النظر الأخرى. وقد أشار أحد زملاء “لويس” في جامعة أكسفورد، وهو اللاهوتي وأستاذ العهد الجديد “أوستين فارِر” Austin Farrer إلي أن تفوق “لويس” في الدفاعيات يرجع إلى قدرته على إظهار الإيمان بالله منطقي وطبيعي.
لم تكمن قوة “لويس” الحقيقية في البرهان، بل في التصوير. فقد سكن في كتاباته عالَمٌ مسيحي يمكن للقارئ أن يفكر فيه ويشعر به. وكان يشعر في هذا العالم بارتياح تام، وقد تمكن من نقل الشعور ذاته لقرائه. كان يقدم القضايا الأخلاقية بمنتهى الوضوح ويبين ارتباطها بالإرادة الإلهية، وعندما يتمكن المرء من رؤيتها على هذا النحو، لا يمكنه أن يراها غير ذلك أبدًا.[2]
يُعتبر الاتساع الفكري الذي يتميز به الإيمان المسيحي من أعظم نقاط قوته، ويمكن استخدامه بكل قوة في الدفاعيات كما سنرى في هذا الفصل. وعندما اقول إن المسيحية قادرة على خلق معنى أعمق للواقع أكثر من غيرها لا أقصد أن وجهات النظر الأخرى غير منطقية.
فمعظم أشكال الإلحاد مثلاً لها منطقها الذي يفترض بعض الملحدين مثل “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins وكذلك “كرستوفر هيتشنز” Christopher Hitchens أنه الشكل الوحيد للعقلانية، وهو افتراض طفولي ساذج. إلا أن المسيحية تتفوق على غيرها من حيث قدرتها على إضفاء معنى أكثر عمقًا ومنطقية على الأمور، كما يرى معظم المدافعين.
والروائي الإنجليزي “إفيلين وُه” Evelyn Waugh (1903-1966) الذي اشتهر بروايته ” العودة إلى برايدزهد” Brideshead Revisited (1945) يشير إلى نقطة مشابهة. فبعد أن آمن بالمسيحية سنة 1930 كتب لأحد أصدقائه يشرح له كيف مَكًنه إيمانه الجديد من رؤية الأشياء بوضوح لأول مرة.
الاهتداء إلى الإيمان يشبه الخروج من عالم “أليس في بلاد العجائب”، حيث يبدو كل شيء كاريكاتيريًا وعبثيًا، والدخول إلى العالم الحقيقي الذي صنعه الله، ثم تبدأ بعد ذلك رحلةٌ بهيجة لا نهائية لاستكشاف هذا العالم.[3]
فقبل الإيمان لم يرَ “وُه” إلا عالمًا مشوهًا وهميًا، ولكنه بعد إيمانه رأى الأمور على حقيقتها. وبدأ رحلة اكتشاف هذا العالم الجديد تملؤه مشاعر الحماس والدهشة والإثارة كما يتضح من كتاباته بعد الإيمان.
بإظهار القاعدة القوية من الحجج والأدلة المؤيِّدة للعقائد الجوهرية في المسيحية: يتضمن هذا المنهج بناء حجج عقلانية تثبت وجود الله، أو حجج تاريخية تثبت قيامة يسوع الناصري. في هذا المنهج يتم الدفاع بشكل مباشر عن مصداقية العناصر الأساسية للأمان المسيحي.
بإظهار أنه إذا كان الإيمان المسيحي صحيحًا، فهو يخلق للواقع معنى أعمق وأكثر منطقية من البدائل الأخرى: تتفوق المسيحية على البدائل الاخرى من حيث توافقها مع ملاحظاتنا وخبرتنا على نحو أكثر منطقية. وهي بذلك تشبه اختبار النظريات العلمية للتأكد من اتساقها مع الملاحظات أو قدرتها على تفسير هذه الملاحظات.
هذان المنهجان لا يلغي أحدهما الآخر، بل يمكن استخدامها معًا في الدفاعيات. سنتناول الآن بعض الأفكار والخطوط المنهجية التي تمثل قيمة محورية في الدفاعيات بوصفها أداة تُظهر لثقافتنا ما يتميز به الإيمان المسيحي من عقلانية ومنطقية.
وسنبدأ دراستنا بالنظر إلى طبيعة الإيمان. طبيعة الإيمان:
أدى صعود تيار”الإلحاد الجديد” سنة 2006 إلى خلق اهتمام جديد بطبيعة الإيمان، وأصبح السؤال المطروح: لماذا نؤمن بالله إن كنا لا نستطيع إثبات هذا الإيمان بيقين مطلق؟ ومن أشد انتقادات الإلحاد الجديد وأكثرها شيوعًا هو القول بأن “الإمان بالله غير منطقي”، حتى إن “ريتشارد دوكينز”، ذلك الملحد الذي يعتمد أسلوب المواجهات في دعم قضاياه ، يرى أن الإيمان هروب من الأدلة بدفن الرؤوس في الرمال، ورفض التفكير.
وبالرغم من أن الكثير من المراقبين الإعلاميين أظهروا نوعًا من القبول لهذه الانتقادات في بادئ الأمر، فقد أظهر الفحص الدقيق مدى ضحالتها، لأن هذا الإلحاد الجديد نفسه له معتقداته وتعاليمه غير المثبَتة، وغير القابلة للإثبات، مثل غيره من الأفكار.
يقول نقاد حركة التنوير من الفلاسفة، مثل “ألاسدير ماكينتاير” Alasdair Maclntyre أو “جون جري” John Gray إن محاولة حركة التنوير أن تضع أساسًا ومعيارًا واحدًا وشاملاً للمعرفة قد ضعُف حتى انهار تمامًا تحت وطأة كمية ضخمة من الأدلة المضادة.[4] فالنظرة القائلة بوجود عقل وحيد شامل لا يمكن الدفاع عنها ولا يمكن تحقيقها. وذلك، لأننا باعتبارنا بشرًا محدودين ليس أمامنا خيار سوى أن ندرك أننا لابد أن نعيش في غياب بعض الحقائق العقلانية الصرفة، الواضحة، المطلقة التي لا تتحمل أي لبس.
فمؤكد طبعًا أنه علينا أن نضع معايير تثبت صحة معتقداتنا، وعلينا أن ندافع عن هذه المعايير، ولكننا في الوقت نفسه لابد أن ندرك أن تلك المعتقدات قد تستعصي على الإثبات. إلا أنها، على حد التعبير الذي أطلقه “وليم جيمز” William James أحد علماء النفس بجامعة “هارفارد” Harvard ، وتُفهم على أنها “فرضيات مقبولة” ” Working hypotheses”.[5]
وسوف أضرب مثالاً لتوضيح هذه النقطة. بعض العبارات الأخلاقية مثل “الاغتصاب فعل خاطئ” لا يمكن إثباتها لا بالمنطق ولا بالعِلم، وهو ما ينطبق على بعض العبارات السياسية أيضًا، مثل “الديمقراطية أفضل من الفاشية.” ولكن هذا لا يمنعنا من الإيمان بهذه المعتقدات السياسية والأخلاقية والتصرف وفقًا لها. ولا يقتصر ذلك على الأخلاقيات الشخصية والآراء السياسية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المعتقدات الاجتماعية، وأهمها العدالة. فما من أمة أو مجتمع يمكنه أن يبقى على قيد الحياة دون أن يكون عنده مفهوم للعدالة. ومع ذلك، لا يمكننا أن نثبت بالمنطق البشري المحض صحة مفهوم بعينه من مفاهيم العدالة.
ومؤخرًا أكد “مايكل ساندل” Michael Sandel أستاذ الحكومة في جامعة “هارفارد” أن أي فكرة للعدالة تقوم على مفهوم ما للحياة الطيبة بما يتضمنه من شبكة معتقدات عن الطبيعة البشرية وقيمها وغرضها.[6] وقد أشار إلى أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، وهو محق في ذلك. صحيح أن بعض مفكري عصر التنوير، تلك الفترة العظيمة في الثقافة الغربية التي قالت بالمرجعية العليا للعقل البشري، آمنوا بأن العقل قادر على تقديم إجابات قاطعة لهذه الأسئلة.
فلا يمكن العثور على إجابات ذات معنى للأسئلة المتعلقة بالعدالة دون الاعتماد على معتقدات لا يمكن إثباتها بشكل نهائي. وقد تلاشى حلم التنوير بتأسيس العدالة على المنطق البحت، لأن فكرة “المنطق الخالص” هي فكرة خيالية، لأن مفاهيم العقلانية تتشكل وفقًا للبيئة الثقافية، كما أشار “ستيفن تولمين” Stephen Toulmin في ملاحظة صائبة قائلاً:
إن ممارسة الحكم العقلاني في حد ذاتها تتم في إطار معين وتعتمد عليه في الأساس، والحجج التي نواجهها توجد في زمان معين وفي طروف معينة، وعندما نُقَيٍّمها لابد أن نحكم عليها في ظل هذه الخلفية.[7]
يبدو أن الكثير من مفكري التنوير نجوا من هذه الحقيقة التي تقوض بناءهم الفكري، وذلك بفضل محدودياتهم الأكاديمية التي كانت شديدة الارتباط آنذاك بالتقليد الغربي الكلاسيكي، ولكن هذا الوهم قد تلاشى، حتى إن “ألاسدير ماكينتاير” يختم تحليله العبقري للتناول العقلاني لكلٍّ من المعرفة والأخلاق بأن التنوع الكبير في طريق التناول “العقلاني” للعدالة والأخلاق لابد أن يؤادي للاستنتاج بأن “الإرث الذي خَلَّفته حركة التنوير هو نموذج مثالي للتفسير العقلاني الذي ثبتت استحالة تحقيقه.”[8]
فالعقل يعد بالكثير ولكنه يعجز عن الوفاء بكل ما يعد به.
ويمكننا في هذا الصدد أن نسوق الكثير من الأمثلة التي تصل جميعها إلى الاستنتاج ذاته الذي أشار إليه منذ عدة سنوات فيلسوف أكسفورد العظيم والمؤرخ الفذ السير “أيزيا برلين”” Sir Isaiah Berlin (1909 – 1997 ) عندما قال بأن القناعات البشرية يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات:
قناعات يمكن إثباتها بالملاحظة التجريبية.
قناعات يمكن إثباتها بالاستنباط المنطقي.
قناعات لا يمكن إثباتها بأي من الطريقتين السابقتين.[9]
تتمثل الفئتان الأولى والثانية فيما يمكن التحقق منه بالعلوم الطبيعية، وما يمكن إثباته بالمنطق والرياضيات. وبذالك، ينحصر”البرهان” في نوعية محدودة من العبارات التقريرية، مثل: 2+2= 4 الكل أكبر من الجزء. التركيبة الكيميائية للماء هي H₂O.
العبارة الأولى والعبارة الثانية يمكن إثباتهما منطقيًا، والأخيرة يمكن إثباتهما علميًا. أما الفئة الثالثة فهي التي تضم القيم والأفكار التي تشكل الثقافة البشرية وتُعَرِّف الوجود الإنساني، أي أنها المعتقدات التي تعطي للحياة الإنسانية سببًا، واتجاهًا، وغرضًا، ولا يمكن إثباتها بالمنطق أو العلم.
ما الذي يندرج تحت هذه الفئة؟ سنة 1948 أكدت الأمم المتحدة “إيمانـ]ها[ بحقوق الإنسان الأساسية.” ورغم أهمية هذا المعتقد، فبنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يمكن إثباتها منطقيًا ولا علميًا، كما لا يمكن إثبات الاعتقاد بأن الظلم شر أو أن الاغتصاب خطأ. فهذه أمور مستحيلة الإثبات. ومع ذلك يتخذ الناس منها عملاً لهم طيلة حياتهم انطلاقًا من اعتقادهم بأنها، أولاً صحيحة، وثانيًا مهمة.
وقد أشار الناقد الأدبي البريطاني “تِري إيجلتون” Terry Eagleton في نقد قوي لكتاب “وهم الإله” the God Delusion لمؤلفه “ريتشارد دوكينز” قائلاً: “إننا نؤمن بالكثير من المعتقدات التي ليس لها مبرر عقلاني يفوق مستوى الشبهات، ومع ذلك هذه المعتقدات منطقية إلى الدرجة التي تجبرنا على أخذها بعين الاعتبار.”[10] والإيمان بالله واحد من هذه المعتقدات.
وقد أكد الفيلسوف “ألفين بلانتيجا” Alvin Plabtinga هذه النقطة منذ سنوات بالإشارة إلى مشكلة دائمة وهي مشكلة “العقول الأخرى”[11] التي تقول بأنه لا يمكنك أن تبرهن برهانًا مطلقًا على أن اللآخرين عندهم عقول. ومع ذلك لم يشغل أحد نفسه بهذا الأمر، لأنه افتراض مقبول ويتفق مع طبيعة الأمور. ثم يقول “بلانتينجا” بوجود توازٍ بين إثبات وجود “عقول أخرى” وإثبات وجود الله.
ويستطرد قائلاً إنه لا يمكن إثبات أي منهما، ويمكن تقديم حججٍ قوية ضد كلٍّ منهما، ولكن مؤيدي هاتين النظرتين يرون أنهما منطقيتان جدًا.
إن “ريتشارد رورتي” Richard Rorty (1931- 2007 ) الذي قد يُعتبر أعظم فيلسوف أمريكي في القرن العشرين عرض نقطة مشابهة في خطابه الرئاسي أمام “الجمعية الفلسفية الأمريكية” American Philosophical Society منذ عدة سنوات أشار إلى أنه
إذا كان أي شخص يؤمن بالفعل أن قيمة أي نظرية تتوقف على أساسها الفلسفي، عندئذٍ لابد أن يشك في أشياء مثل الفيزياء والديمقراطية إلى أن نتغلب على نسبية النظريات الفلسفية، ونجعل منها نظريات مطلقة. ولكن من حسن الحظ أنه ما من أحد يؤمن بشيء كهذا.[12]
ماذا يقصد “رورتي” بهذا الكلام؟ يقصد أننا يمكن أن نؤمن بالمفاهيم الجوهرية في عصرنا دون أن يتوفر لدينا إثبات مطلق.
إن الكل يؤمن منطقيًا بصحة معتقدات معينة رغم إدراكه أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، بالمعنى الضيق لكلمة إثبات. ألا أن نقاد العقائد الدينية غالبًا ما يرجحون أن “الإيمان” نوع من المرض العقلي لا يصيب إلا المتدينين. ولكن هذا خطأ لأن الإيمان جزء من إنسانيتنا.
وقد عبَّرت الفيلسوفة “جوليا كريستفا” Julia Kristeva عن ذلك مؤخرًا بالقول: “سواءً أكنت أنتمي إلى دين، أو كنت لاأدرية، أو ملحدة، فعندما أقول “أنا أؤمن” فهذا يعني أني أقول “أنا أعتبر ]ما أؤمن به [ صحيحًا.”[13] فالإيمان بالله، وبالعدالة، وبحقوق الإنسان تعاني جميعًا من هذه المشكلة المزعومة، وهذه ليست إلا ثلاثة أمثلة، ولكن القائمة تطول.
وعادةً ما يعجز الكُتاب الملحدون عن أن يأخذوا في الاعتبار محدودية العقل البشري، ويرون أن قناعتهم تتميز بالصلابة والمصداقية والقدرة على التحدي. وهم يقولون إنهم لا يؤمنون بأي شئ، ويقتصرون على ما هو صواب، حتى إن المدافع الملحد “كريستوفر هيتشنز” أعلن بكل جرأة أن الملحدين الجدد من أمثاله لا يأخذون العقائد في حسبانهم قائلاً إن “عقيدتنا هي اللاعقيدة.”[14]
هذا خطأ، وأخشى أن “هيتشنز” يضلل نفسه، لأنه يتضح أن تحليله للدين يقوم على معتقدات جوهرية معينة لا يمكن إثباتها، حيث إن نقده العنيف للدين يقوم على قيم أخلاقية معينة (كما في القول بأن “الدين شر” أو ” الله غير صالح” لا يمكن إثباتها، وهو ما يمثل في النهاية نوعًا من التسليم القائم على مجرد شعور بالثقة في في صحة هذه الأفكار. ومادام تقييم “هيتشنز” للدين أخلاقيًا في المقام الأول، فهو مجبر على افتراض قيم أخلاقية معينة لا يمكنه إثباتها. وكل القيم الأخلاقية تقوم في النهاية على معتقدات.
ونقد”هيتشنز” للمسيحية يقوم في نهاية الأمر على معتقداته ويُعبر عنها، أي أنه يقوم على ما يعتقد أنه صواب ويفترض أن أناسًا أخرين يعتقدون أنه صواب، ولكنه لا يستطيع إثباته فعليًا لا بالمنطق ولا بالعلم.
إلا أن مفهوم الإيمان في المسيحية أعمق بكثير من مجرد الاعتقاد بصحة بعض الأفكار. لأن الإيمان عند المسيحيين ليس معرفيًا (“أنا أعتقد أنا هذا صواب”) فحسب، ولكنه في الوقت نفسه يحمل بعدًا علاقتيًا ووجوديًا (“أنا اثق في هذا الشخص”). فالأمر لا يتوقف عند الاعتقاد بوجود الله، بل يمتد إلى أكتشاف حكمة هذا الإله ومحبته وصلاحه، مما ينتج عنه قرار إرادي بتسليم الحياة لهذا الإله. وهو ما عبَّر عنه “سي.إس.لويس” عندما قال إنك لا تواجه “حجة تطالبك بأن توافق عليها، بل شخصًا يطالبك بأن تثق فيه.”[15]
ولذا، فالإيمان يعني الثقة في شخص، وليس مجرد الاعتقاد في وجوده. وقد أشار الكاتب الدنماركي “سورن كيركجارد” Soren Kierkegaard (1813 – 1855) إلى هذه الفكرة عندما أكد أن الايمان الحقيقي بالله هو “قفزة نوعية” من وجود إلى وجود مختلف. فالايمان المسيحي ليس مجرد إضافة بند الايمان بالله لما نختزنه من أفكار عن العالم. ولكنه يعني إدراك واعتناق “النظام الوجودي” mode of existence” ” الجديد الذي تتيحه هذه الثقة.
وتجدر الإشارة إلى أن الفيلسوف النمساوي “لودفيج فيتجنشتاين” Ludwig Wittgenstein الذي يُعتبر عند الأغلبية من عباقرة القرن العشرين العظماء، كان يعاني من شكوك مضنية في فكرة “إثبات” وجود الله. وقد صرح بأنه لم يلتقِ بشخص واحد آمن بالله نتيجةً للحجة العقلية!
وقد تنبأ “جوناثان إدواردز” Jonathan Edwards (1703- 1785 ) عالمِ اللاهوت البيوريتاني الأمريكي العظيم بهذا الموضوع في كتاباته حيث رأى أن الحجة العقلية لها قيمتها وأهميتها في الدفاعيات المسيحية، ولكنها قد تؤدي إلى مجرد الايمان بوجود الله دون أي تأثير يغير الحياة. وكما يشير ” إدوردز”، البعض “يخضع لحق الديانة المسيحية بناءً على البراهين أو الحجج العقلية التي تثبت صحته.”[16] إلا أن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الحياة أو “الإيمان الحقيقي.”
وما يقصده “إدواردز” أن الشخص قد يؤمن بوجود إله دون أن يؤمن بهذا الإله. وهو موقف معروف من العهد الجديد. “أَنتَ تُؤمِنُ أَنَّ الله وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤمِنُونَ وَيَقشَعِرُّونَ!” (يع19:2). فالفرق شاسع بين القبول العقلاني والتغير الشخصي. ويصرح “إدواردز” بأن ما يغير الناس ليس الحجة بل “إدراك” مجد الله، أي التقدير الواعي لهذا المجد، أو لقاء مباشر أو اختبار شخصي مع الله.
قد تلعب [الحجج] دورًا فعالاً في تنبيه غير المؤمنين وحثهم على التفكير بجدية، وفي تثبيت إيمان القديسين الحقيقيين. ولكنها لا تتمتع بالأهمية ذاتها في خلق الإيمان الخلاصي لدي الأشخاص. فالاقتناع الروحي لا ينتج عن الحكم العقلاني، بل من إدراك مجد الأمور الإلهية وجمالها الروحي.[17]
ولكن قيادة الناس للتحول إلى الإيمان هي في النهاية مهمة الكرازة. فالدفاعيات تمهد الطريق لهذا التحول بإظهار أن الإيمان بالله منطقي. إنها تزيل الأحجار والركام من طريق الكرازة. وقد لا يمكننا أن نثبت وجود الله بالمعنى الجامد والمطلق لكلمة إثبات. ولكن مؤكد أنه يمكننا أن نبين أن الإيمان بوجود هذا الإله منطقي تمامًا من حيث أنه يعطي معنى أعمق للحياة وللتاريخ وللخبرة الإنسانية على نحو يتفوق على غيره من البدائل، وبعدها يمكننا أن ندعو الشخص ليتجاوب مع هذا الإله المحب ويثق في مواعيده.
ما أهمية منطقية الإيمان المسيحي؟
لماذا تمثل هذه النقطة أهمية كبرى؟ لماذا يجب علينا أن نظهر أن العقيدة المسيحية منطقية؟ لماذا لا نكتفي بإعلان هذه الفكرة وحسب؟ من النقاط الدفاعية التي يجب تأكيدها هنا أنه من الصعب أن ندافع عن الأفكار التي تسير في اتجاه مضاد لطريق التفكير السائدة في الثقافة.
وقد أشار “أوستين فارر” إلى أن نجاح “سي. إس. لويس” المبهر في عمله بالدفاعيات يرجع في جانب منه لقدرته على “عرض قوة الأفكار المسيحية على المستوى الأخلاقي، والخيالي، والعقلاني عرضًا إيجابيًا.”[18] ويرى “فارر” أن منهج “لويس” في الدفاعيات أظهر أن المسيحية تعطي معنى لأعمق انطباعات العقل البشري والقلب والخيال.
إلا أن “فارر” كان معنيًا بوجه خاص بتأكيد أهمية إظهار منطقية الإيمان. ولكنه لم يقصد بذلك أن المنطق يخلق الإيمان، أو أن الناس يؤمنون بالله بفضل الحجج العقلانية. إلا أنه أراد أن يؤكد مدى صعوبة الدفاع عن الايمان المسيحي علنًا إن كان المجتمع يراه غير منطقي. ولذلك، فإن أعظم إنجاازات “لويس”، من وجهة نظر “فارر”، أنه أظهر منطقية الإيمان بشكل يَسَّر قبوله على المستوى الثقافي.
رغم أن الحجة لا تخلق قناعة، غيابها يضرب الإيمان في مقتل. فما يُثبَت، قد لا يُعتنق، ولكن ما لا يستطيع أحد أن يدافع عنه سرعان ما يتخلى الناس عنه. وإن كانت الحجة العقلانية لا تخلق الإيمان، فهي تحفظ على مناخ ملائم يسمح له بالنمو.[19]
وإظهار منطقية الإيمان لا يعني إثبات كل عنصر فيه، بل يعني القدرة على إظهار أن الاعتقاد في مصداقية هذه العناصر وصحتها يقف على أسس سليمة. ومثال ذلك تبيان أن الإيمان المسيحي يعطي معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ومن ثم، يمكن تشبيهه بعدسة تضع كل شئ في البؤرة، أو بضوء يسمح لنا بالرؤية على مسافات أبعد وبشكل أوضح مما تتيحه لنا قدرتنا العادية.
وقد أكدت هذه الفكرة الفيلسوفية والناشطة الاجتماعية الفرنسية “سيمون فيّ” Simone Weil ، وهي مفكرة يهودية آمنت بالمسيحية في شبابها. فقد استخلصت بعد إمعان النظر فيها يتضمنه إيمانها الجديد من معانٍ أن الإيمان بالله ينير الواقع على نحو أفضل من البدائل العلمانية الأخرى بكثير. وإن كانت طريقة تفكير بعينها قادرة على وضع الأشياء في البؤرة أو إنارة ما هو مظلم وملتبس، فهذا يعد دليلاً على مصداقيتها.
إن أنرتُ كشافًا كهربائيًا في شارع مظلم، لن أحكم على قوته بالنظر إلى المصباح الموجود بداخله، بل بعدد الأشياء التي يسلطه على الأجسام المظلمة. وقيمة أي منهج ديني، أو روحي، بوجه عام، تقَيَّم بكمية النور الذي يُسلِّطه على ما في هذا العالم من أمور.[20]
إن قدرة النظرية على إنارة الواقع ووضعه في بؤرة التركيز تُعتبر في حد ذاتها مقياسًا مهمًا لمصداقيتها. وهنا ترى موضوعًا جوهريًا في الدفاعيات المسيحية، ألا وهو أن الإيمان بصحة المسيحية له أسباب وجيهة، ومنها مدى قدرته على خلق معنى منطقي لما نراه حولنا وبداخلنا. وقد علًّق “برايان لفتو” Brian Leftow الفيلسوف بجامعة أكسفورد على اختباره المسيحي الذي مكنه من رؤية الأشياء على حقيقتها قائلاً: “إن كنت ترى الأشياء على حقيقتها من الموقع الذي تقف فيه، فأنت في المكان الصحيح.”[21]
فماذا عن العلوم؟ إن “جون بولكينجهورن” John Polkinghorne (المولود سنة 1930 ) الفيزيائي الذي ترك المجال العلمي وتخصص في اللاهوت يثير نقطة وثيقة الصلة بموضوع هذا الفصل:
إن البحث عن الحق مهما كان شكله لا يمكنه الوصول إلى استنتاجات يقينية مطلقة. ولكن الشخص الواقعي في تطلعاته هو من يطمح إلى الوصول لأفضل شرح ممكن للظواهر المعقدة، وهو هدف يمكن تحقيقه بالبحث عن فهم شامل مدفوع بدوافع طيبة ليوفر أساسًا للقبول العقلاني. فلا العلم ولا الدين يمكنه أن يأمل في بناء برهان قاطع تجبر منطقيتُه علي قبوله حتى إنه لا ينكره إلا الحمقى.[22]
إن كلاً من العلم والعقيدة المسيحية ملتزمان بإيجاد أفضل تفسير مدعوم بالدليل لما نلاحظه ونواجهه فعليًا في هذا العالم. ومن وجهة نظر المسيحي، تمثل الدفاعيات في جزء منها تأكيدًا للتوافق المفاهيمي بين الإطار النظري للمسيحية والأنظمة العميقة للعالم كما تكشفها العلوم الطبيعية.
فهل الإيمان بالله منطقي؟ أم أنه مجرد وهم، ونموذج أليم للتفكير الرغبوي عند بشر يعانون مشاعر الوحدة والتعطش؟ لقد قال “لويس” نفسه معلِّقًا على معتقداته الإلحادية قبل الإيمان” “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[23] لقد اكتسبَت هذه القضية أهمية في الآونة الأخيرة نتيجةً للمناقشات السائدة حاليًا في ثقافتنا.
وبالرغم من أن الإلحاد الجديد الذي انفجر سنة 2006 فقدَ الكثير من الجاذبية التي تكسو أي شيء جديد، فالأسئلة التي يطرحها مازالت موضع مناقشة، ومنها هل الإيمان بالله يُعبر عن حالة من التجاوب العقلاني مع الواقع، أم أنه ضلالة قديمة الطراز تتفشى بين الجماهير بفعل فيروسات عقلية تعيش على منطق هش ساذج وتفرضها مؤسسات وأفراد سلطويون؟
وهنالك طبعًا نظرة أكثر تشددًا تقول: إن المحاولات البشرية لتكوين معنى أو تأسيس قيم تتساوى في أنها جمعيًا ضلالات سواءً أكانت تؤمن بوجود الله أم كانت إلحادية. وهي نظرة للواقع شديد التشاؤم وتنعكس بكثرة في كتابات “ريتشارد دوكينز” كما في تصريحه الشهير بأن “خواص هذا الكون الذي نراه هي ذات الخواص التي يمكن أن نتوقعها في كون هو أساسًا بلا تصميم ولا غرض ولا شر ولا خير، ولا أي شيء سوى حالة من الحياد القاسي الأعمى حيث يكون كل شيء عاديًا، لا هو بالجيد ولا بالرديء.”[24]
وترى هذه النظرية أننا نفرض معنى وقيمة على عالم بلا معنى، فيصبح المعنى مخترعًا، وليس شيئًا أصيلاً يكتشفه الإنسان. وهذه الفكرة على قدرة اتساقها، إلا أنها شديدة القسوة على نحو يجعل الكثيرين يرونها لا تطاق.
ونحن في هذا الفصل نبحث قدرة الإيمان المسيحي على إضفاء معنى على الأشياء. وتركيزي على مسألة منطقيته لا يعني اختزال المسيحية إلى تفسير عقلاني للأمور، ولا يعني أنه القيمة العليا في اللاهوت المسيحي. ولكن الغرض من ذلك توضيح أن المحيط الثقافي الحالي تَشَكَّل بصعود تيارات عدائية يؤكد أن الإيمان في الأساس غير عقلاني، ومن ثم وجب الرد على هذه الادعاءات بشكل واعٍ ومحسوب.
وقد شهد القرن العشرين طاقة فكرية جديدة تم حقنها في الدراسات الفلسفية للأدلة العقلية والتجريبية التي تتعلق بالله، وكان ظهور تفاسير علمية جديدة لنشأة الكون من العوامل التي حفزت هذه الطاقة الجديدة. وقد أكد فلاسفة الأديان مثل “ألفين بلانتينجا” وكذلك “ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne مجددًا على منطقية الإيمان وأحيوا الحجج القديمة التي تشرح اساب الإيمان بالله، وهنالك تزيد في الاتفاق على أن الإيمان بالله عقلاني تمامًا، إلا إذا عرَّفت “العقلانية” على نحو يتعمد إقصاء هذا الإيمان.[25]
والأمر الذي يزداد وضوحًا أن العقلانية يمكنها فعليًا أن تسجن البشرية في نظرة جامدة متحجرة تحصر الواقع فيما يمكن إثباته عقلانيًا وحسب. وكما أشار “أيزيا برلين” أنه من اللافت للانتباه أن التيار السائد في الثقافة الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر وما بعده يتمثل في “رفض العقل والنظام باعتبارهما سجنًا للروح.”[26] فحصر الإنسان لنفسه فيما يمكن إثباته بالعقل والعِلم هو عبارة عن الأخذ بالقشرة السطحية للواقع والعجز عن اكتشاف ما يمكن تحتها من أعماق.
أما الكتُاب المسيحيون يرون أن الإيمان الديني ليس تمردًا على العقل بل ثورة على سَجن البشرية بين جدران الجمود العقلاني الباردة. فالمنطق والحقائق لا يمكنهما إلا أن “يصلا بنا إلى نقطة معينة في الرحلة، بعدها يجب علينا أن نكمل المسيرة حتى نصل للإيمان.”[27]
فقد يكون المنطق البشري كافيًا على المستوى العقلاني ولكنه قاصر على المستوى الوجودي. والإيمان يعلن عما هو أعمق من العقل، ولا يتعارض معه، بل يفوقه. فالإيمان يستخلص الموافقة العقلانية، ويدعو إليها، ولكنه لا يفرضها، وهو يصل إلى حيث يصل العقل ولكنه لا يحد نفسه عند نقطة تَوقُّف العقل بل يتجاوزها.
فلسفة العلوم باعتبارها أحد الموارد التي تعتمد عليها الدفاعيات:
يوضح “سي.إس.لويس” في روايته لقصة إيمانه بالمسيحية في كتاب “مندهش من الفرح” أن إيمانه بالله لم يأتِ نتيجةً لحجة استدلالية، بل نتيجةً لإمعان التأمل في خبرته، وهو ما يبين أنه يمكننا الاستفادة من منهجيات العلوم الطبيعية في الدفاعيات.
إن العلم يعتمد على الاستدلال inference لا على استنباط براهين رياضية deduction of mathematical proof ، ويتم ذلك بتراكم سلسلة من الملاحظات التي تطرح السؤال الأعمق: كيف نقدم تفسيرًا حقيقيًا صحيحًا لما نلاحظه؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع ما نلاحظه فعليًا في خبرتنا الواقعية؟ وقد استخدم العالم والفيلسوف الأمريكي “تشارلز إس.بيرس” Charles S. Peirce مصطلح “الاستدلال الاحتمالي” “abduction“ للإشارة إلى الطريقة التي يتبعها العلماء لتوليد النظريات التي من شأنها تقديم أفضل تفسير للأشياء.
إلا أن هذه الطريقة أصبح يشار إليها الآن باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” “inference to the best explanation”. وهنالك اتفاق عام الآن على أن هذا الأسلوب هو الفلسفة المميِّزة للعلوم الطبيعية في تقصيها للعالم. فكيف تتم؟
يُعبر “بيرس” عن عملية التفكير التي تؤدي إلى تكوين نظريات علمية جديدة أو طرق تفكير في الواقع كما يلي:
لاحظنا واقعة مفاجئة سنرمز لها بالرمز (ج).
ولكن إذا كانت الواقعة (أ) حقيقية يمكن أن تكون الواقعة (ج) متوقعة.
إذَن هناك سبب يدعو إلى الشك في أن الواقعة (أ) حقيقية.[28]
فالاستدلال الاحتمالي هو عملية ملاحظة أشياء معينة ومحاولة اكتشاف الإطار الفكري الذي يمكن أن يفسرها. وقد كان “شرلوك هولمز” Sherlock Holmes ، المخبر الشهر بطل الروايات البوليسية، يستخدم هذه الطريقة رغم أنه كان يطلق عليها خطأ مصطلح “الاستنباط.” ويرجح “بيرس” أن الاستدلال الاحتمالي أحيانًا ما “يعبر بعقولنا كومضة خاطفة سريعة كأنه “فعل استبصار”.”[29] ولكنه أحيانًا ما يحدث عن طريق عملية بطيئة من التفكير المنهجي العميق أثنا محاولتنا لتوليد كل الاحتمالات التي من شأنها تفسير ما نلاحظه.
وقد فحص “بيرس” بدقة كيفية تكوين العلماء لأفكارهم، وهو يعتبر أن هذه العملية هي التي تكمن وراء المنهج العلمي. فالعلم يبدأ بجمع سلسلة من الملاحظات ثم يبحث عن إطار تفسيري يقدم أفضل شرح لهذه الملاحظات. وقد يكون هذا الإطار نظرية موروثة من عصر سابق، وقد يكون أسلوب تفكير جديد تمامًا.
والسؤال الذي يتطلب إجابه هنا هو: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟ وغالبًا ما يُستخدم مصطلح “الاتساق التجريبي” “empirical fit” للإشارة إلى هذا التوافق بين ما يُرى في العالم وما تقدمه النظرية.
خذ مثلاً حركة الكواكب التي خضعت للملاحظة على مدى آلاف السنين. ما أفضل تفسير لها؟ في العصور الوسطى كان يُعتقد أن أفضل تفسير لهذه الملاحظات هو النظام “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تام مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا أن العالم في حاجة لأسلوب جيد.
وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus ويوهانس كِبلر Johannes Kepler إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في السماء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علاقة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.
ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة. ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ماهي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.
وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة، والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينتطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟
للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation ، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيراتexplanation unificatory. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلٍّ منها في الدفاعيات.
التفسير بتحديد المسببات:
أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي شيوعًا. ويقول بأن (أ) تفسر (ب) إن تمكنَّا من إثبات أن (أ) تسبب (ب).[30] فهل هذا يعني أن المسيحيين يؤمنون أن الله يجول في الطبيعة ويخبط التفاح برفق ليسقط من الشجر فيجذبه إلى الأرض؟ لا. ولكن الله يفوض فاعلاً مسببًا في هذا النظام المخلوق.
وقد قال توما الأكويني Thomas Aquinas بفكرة “السببية الثانوية” “secondary causality” باعتبارها امتدادًا للسببية الأولية primary causality أي الله نفسه وليست بديلاً لها. أي أن ما يتم من أحداث في النظام المخلوق يتم عن طريق علاقات سببية معقدة دون أي إخلال باعتمادها النهائي على الله باعتباره العلة النهائية.[31]
والنقطة الجوهرية التي يجب إدراكها أن النظام المخلوق إذَن يعكس علاقات سببية يمكن للعلوم الطبيعية أن تبحث فيها. وتلك العلاقات السببية يمكن تقصيها وربطها معًا على هيئة “قوانين الطبيعية” مثلاً دون أن يعني ذلك مطلقًا أو يستلزم تبني نظرة إلحادية. ولتبسيط هذه الفكرة قدر المستطاع نقول: إن الله خلق العالم بأنظمة وعمليات خاصة تُسيره.
ولكن ماذا عن نشأة الكون؟ ظهر ميل بين العلماء في أواخر القرن التاسع عشر نحو الاعتقاد بأن الكون موجود أزلاً. إلا أنه في القرن العشرين بات واضحًا أن الكون دخل حيز الوجود بفعل انفجار ضخم يُعرف عادةً باسم “الانفجار الكبير” “the big bang”.[32] ومنذ أدرك العلماء أن الكون له بداية سعت فلسفة العلوم لإيجاد تفسير لكيفية وجود شيء من العدم. فكيف نقول إن العدم سبَّب شيئًا؟ ولكن انتشار فكرة أن الكون نشأ في الزمن وأنه ليس ازليًا أحدث تحولاً كبيرًا لصالح الاعتقاد في وجود “علة أولى” “first cause” وصانع عاقل intelligent designer.
فما الذي تسبب في ظهور الكون؟ محتمل أنه خلق نفسه، أو أنه وُجد بالصدفة، أو أنه خُلق بفعل فاعل، وليكن الله مثلاً. وإن كان هذا طبعًا لا يُثبت شيئًا بالمعنى المنطقي الجامد للكلمة، إلا أنه يعطي مصداقية جديدة لحجة من أشهر الحجج التقليدية المختصة بوجود الله التي يمكن التعبير عنها كما يلي:
كل ما يظهر إلى الوجود له سبب.
العالم ظهر إلى الوجود.
إذَن العالم له سبب.
البحث عن أفضل تفسير:
منذ حوالي سنة 1970 تكوَّن شبه اتفاق على أن الفلسفة الأساسية للعلوم الطبيعية تتمثل في النهج المعروف عمومًا باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات.”[33] “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تامٍ مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا ان العالم في حاجة لأسلوب جديد.
وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus ويوهانس كِبلرJohannes Kepler إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في المساء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علامة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.
ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة. ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ما هي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.
وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة، والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟
للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيرات unificatory explanation. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلًّ منها في الدفاعيات.
التفسير بتحديد المسببات:
أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي ويتلخص أساسًا في طرح السؤال: أي النظريات تقدم أفضل تفسير لما نلاحظه فعليًا في الطبيعة؟ وتطرح الكتابات الفلسفية الكثير من الآراء المهمة حول كيفية تحديد أفضل تفسير: هل هو الأبسط؟ أم الأفخم؟ أم الأكثر قدرة على توليد أفكار جديدة؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع الأدلة؟ والطريقة التي اعتمدها “تشارلز داروين” Charles Darwinفي وضع نظرية “الانتخاب الطبيعي” “natural selection” تُعتبر حاليًا نموذجًا لهذا المنهج.
وتبرز هنا نقطتان في غاية الأهمية. الأولى، أن هذا المنهج يدرك أنه لا يمكن أن نثبت أي تفسير يُعتبر الأفضل، فهي مسألة تتوقف على حالة من الثقة والارتياح، أو القدرة على التمييز لدى أفراد المجتمع العلمي. وهذا ما نراه فيما يدور حاليًا من جدل حول “الأكوان المتعددة” “multiverse” حيث نجد تفسيرين مختلفين اختلافًا جذريًا للملاحظات نفسها، ومع ذلك نجح كلٌ منهما في حشد التأييد اللازم من المجتمع العلمي. ولكن لا أحد يعرف على وجه الدقة أيهما صحيح.
لذلك، فأنت تختار ما يعتقد في صحته على أساس الأدلة المتاحة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأدلة ليست قاطعة بما يكفي لإثبات تفسير دون الأخر. (وقد يكون هذا المنهج غير مريح ولكنه على الأقل يضمن لك أن تعامل خصومك بالحسنى بدلاً من أن تتهمهم بأنهم مضلَّلون).
والنقطة الثانية أن “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” يدرك احتمالية وجود تفاسير عديدة للأشياء، ويحاول أن يتوصل لإطار يؤدي إلى حل النزاع بين الآراء المتصارعة، ونادرًا ما يمكن إثبات صحة نظرية، ولكن هذا ليس ضروريًا، لأن المهم أن نتأكد أن نظريةً ما أفضل من منافساتها، بمعنى أن الكثير من النظريات العلمية لها ما يدعمها أو يبررها (أي أنها تستند على أدلة قوية) دون أن يعني ذلك أنها مثبَتة.
ومسألة الله تتلاءم تمامًا مع هذا المنهج، حتى إن “ريتشارد سوينبرن” فيلسوف الأديان بجامعة أكسفورد يقول إن الإيمان بالله يقدم أفضل تفسير لمجموعة ضخمة من الأشياء التي نلاحظها في العالم.[34] ويشير الفيزيائي “جون بولكينجهورن” في ذات الصدد إلى أن الإيمان بالله يقدم تفسيرًا لأسئلة “ما وراء النظرية” “metatheoretical” التي تبحث في أساس النظرية، وهي المعتقدات التي ينبغي على العلم أن يعتمد عليها رغم أنه لا يستطيع أن يثبت صحتها.
التفسير بتجميع عناصر رؤيتنا للواقع:
منذ حوالي عام 1990 ازداد الاهتمام في مجال فلسفة العلوم بفكرة “التجميع التفسيري” “explanatory unification” وقد نشأ هذا الأسلوب في التفسير العلمي إبان السبعينات من القرن العشرين، وهو يحاول تكوين إطار مشترك يجمع الأحداث التي كان يُنظر إليها باعتبارها لا تمت بصلة بعضها لبعض.[35] ومنذ ذلك الحين تطور هذا الأسلوب تطورًا كبيرًا واستُخدم لتفسير بعض السمات الجوهرية في تكوين المنهج العلمي الحديث.[36] وموضوعه الأساسي بسيط يتلخص في ضرورة إيجاد إطار يتسع لأكبر عدد ممكن من العناصر.
ويقوم هذا الأسلوب في فهم التفسير العلمي على فكرة أن أَوجُه الواقع التي كان يُعتقد أنها تتطلب تفسيرات مختلفة يمكن أن تدخل ضمن إطار تفسيري واحد. ويُعَد التفسير الشهير الذي قدمه “جيمز كلرك ماكسويل” James Clerk Maxwell للترابط بين الكهرباء والمغناطيسية مثالا واضحًا على هذا المنهج الذي كان له الفضل في اعتبار الكهرباء والمغناطيسية وجهين لعملة واحدة بعد أن كان يُظن أنهما متمايزتان تمامًا.
وهكذا يعني تفسير الشيء، وفقًا لهذا المنهج، أن يوضع في إطار أكبر يسمح بفهم علاقاته المتداخلة مع أوجه الواقع الأخرى. ويصبح السؤال هو: أي شبكة من الأفكار توفر أقصى درجة ممكنة من الترابط بين مختلف المجالات والنظريات العلمية؟
ولا يصعب علينا أن نرى التوافق الكبير بين هذا الفكر وأحد الموضوعات الجوهرية في الإيمان المسيحي. فقد رأى القديس أغسطينوس أن الله مثل شمس فكرية تنير أرض الواقع وتتيح لنا رؤية أعمق أنظمته واكتشاف مكاننا فيها. وكتابات “سي. إس. لويس” تشير إلى معانٍ مشابهة.
معنى الأشياء: دراسة حالة:
لمزيد من التعمق في هذا الأمر سنتناول مدى فاعلية النظرة المسيحية للأشياء في إضفاء معنى على ما نلاحظه. وسنحاول أن نجيب على سؤال: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟
كيف يمكننا إذَن أن نفهم معنى التاريخ والخصائص المميِّزة للثقافة البشرية؟ قد تم طرح عدد من القصص التفسيرية لشرح هذه الأمر. تقول إحداها، وهي المفضلة لدى الإلحاد الجديد، بحدوث تطور تقدمي للوضع البشري نتيجةً لتآكل خرافة الدين، وتحرر البشرية من كل المحرَّمات والقيود الاعتباطية.
إلا أنه أصبح من الصعب الاستمرار في اعتناق هذه القصة في الغرب نظرًا لما مُنيت به اللبرالية الغربية من إخفاقات واضحة. ومن اللافت للانتباه أن هذه القصة التفسيرية الكبرى تمثل واحدًا من الموضوعات الرئيسية التي يستهدفها “إيجلتون” بتحليله الذي أجراه مؤخرًا للإلحاد الجديد الذي يواجه فيه انتقادات عنيفة لهذا الفكر.
فهو يصف “حلم التقدم البشري الذي لا يقف أمامه عائق” بأنه “خرافة متجسدة”، قصة خيالية من قصص الجنيات تفتقرِ لأي نوع من الأدلة. “إن وُجِدَت أسطورة دينية وخرافة ساذجة، فإنها ذلك الاعتقاد الليبرالي العقلاني بأننا نسير قدمًا على الطريق إلى عالم أفضل، باستثناء بعض الانتكاسات القلية.”[37] ومن اللافت للنظر أن “كريستوفر هيتشنز” ينهي هجومه على الدين بدعوة للرجوع إلى فكر التنوير ولاسيما للشكل الذي اتخذه في القرن الثامن عشر.
وهكذا يبدو أن أسطورة العصر الذهبي المفقود لا تزال قائمة في هذا الفكر بعيد المنال. ولكن لا شك أننا مدعوون لفحص الخيالات المتعلقة بكلٍّ من الفرد والمجتمع حتى لو كانت هذه الخيالات متأصلة في العقل الغربي العلماني.
وتتحدث القصة الشاملة (أو القصة الكبرى) للإلحاد الجديد عما عانته البشرية من عبودية للخرافات البدائية. ولكن تطبيق المنطق والعلم تطبيقًا ذكيًا في القرون الأخيرة مَكنَّها أن تتحرر من هذا القهر الطويل وتدخل عالمًا جديدًا مشرقًا بالحرية والاستنارة. عالم جديد مشرق يواجه حاليًا خطر عودة ما يشار إليه باسم “الخرافة” وباسم “اللاعقلانية.” فالدين عاد لمكانته وكانت عودته متوقعة ولكن غير مرغوب فيها. لذلك لابد من إنقاذ الموقف قبل فوات الأوان!
وكأي قصة جديدة، تتميز هذه القصة بالبساطة، ولكنها سرعان ما تفقد قيمتها عندما يثبت عجزها عن شمول التاريخ ككل، وليس فقط مجرد بضعة مقتطفات منتقاة بعناية. ووفقًا لهذه القصة يُفرض أن يكون الدين قد مات في الغرب منذ سنوات، ففي الستينات من القرن العشرين تنبأ علماء الاجتماع الأوربيون بقرب حلول نظام عالمي علماني وكانوا واثقين من ذلك كثافة الجيل السابق من المُنَظِّرين السياسيين السوفييت عندما أعلنوا أن سيادة الماركسية – اللينينية حتمية تاريخية.
وقد أجمع “أكبر علماء الاجتماع والأنثروبولوجي وعلم النفس” أن “أبناءهم، وإن لم يكن فأحفادهم، سيشهدون بزوغ عصر جديد تنضج فيه البشرية فتتخلى عن أوهام الدين الطفولية على حد تعبير “فرويد”.”[38]
إلا أن الدين لم يختفِ، بل إن الكثيرين الآن يقولون إنه أصبح أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى، بالرغم مما يُفرض من ضوابط اجتماعية للحج من تأثيره الاجتماعي في الكثير من بلدان أوروبا الغربية. فالاتحاد السوفيتي انهار، وعلمانيته التي كانت تُفرض بالقوة حلَّت مكانها حالة من النشاط والحماس الدينيين اللذين اجتاحا الأمم التي كانت تحت سيطرته. وهذا ما يخيف الملحدين الجدد لأن قصتهم الكبرى تواجه تحديًا خطيرًا، مما يبين أنها غير صالحة للاستخدام.
والقصة الكبرى لعصر التنوير تعجز عن تفسير أي شئ ذي قيمة. وكما أشار “ريتشارد شودَر” Richard Shweder مؤخرًا أن “قدرتها التنبؤية تكاد تساوي صِفرًا.”[39] وهو يقول في ملاحظة فكاهية إن الدين قد يتضح في نهاية الأمر أنه ضلالة، ولكنه ضلالة لها مستقبل. “إن شعبية الهجوم على الدين حاليًا تخفي وراءها حالة من القلق الشديد الذي عاد مجددًا للمجتمع العلماني لا لأن قصة الدين وهمية بل لأن قصة التنوير هي الوهمية.”[40]
والقصة التي يتبناها التنوير ويعتمد عليها الإلحاد الجديد اعتمادًا كبيرًا لا تحمل ذرة واحدة من الواقع، وهي تشبه في ذلك تأكيد الماركسية على الحتمية التاريخية لسيادة الاشتراكية. فالصحوة الدينية في الكثير من مناطق العالم التي تم قمع الدين فيها على يد الحكومات الإلحادية مؤشر واضح على ضعف هذه القصة وهشاشتها. وفي كل الأحوال تُعَد فكرة “الحتمية التاريخية” حكمًا يصدره علم الاجتماع. ومن ثم، فهو لا يتصل كثيرًا بالصواب والخطأ من الناحية الفكرية أو الأخلاقية.[41]
فسواءً أكان أحد التطورات الاجتماعية “حتميًا” أم لا ، فهذا لا يعني صحته أوخطأه. وأحد التطورات الثقافية أو التاريخية قد يكون حتميًا بوصفه مرحلة تاريخية عابرة وليس تطورًا مستديمًا.
غالبًا ما يتهم الإلحاد الجديد من يؤمنون بالله بأنهم يتمسكون “بعقائد بلا دليل” عكس حقائق الملحدين “المستنيرين” التي لها إثباتات قوية. ولكن هل ينطبق هذا الكلام على اعتقاد الإلحاد الجديد بالتقدم البشري؟ يرى “إيجلتون” أن هذه الأسطورة ليست جديرة بأي اهتمام لأنها كالعمل الفني المزيَّف وأنها مثال صارخ على “الإيمان الأعمى.”[42]
فهل من شخص عاقل يقبل أسطورة علمانية كهذه تتعامل مع الكوارث التي صنعها البشر مثل هيروشيما، وأوشفتز Auschwitz أكبر معسكرات الاعتقال النازية، والتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا باعتبارها “بضع انتكاسات محلية بسيطة” لا تنفي التقدم المستمر للتاريخ ولا تعطله على الإطلاق؟ إن الفرق بين المسيحية والإلحاد الجديد يكمن في اختيارهما لما يطلق عليه المعتقدات التي لا تقوم على دليل والأساطير الكبرى الشاملة، ورغم أن كليهما غير قابل للإثبات، فهذا لا يمنعنا من تمييز أيهما أكثر مصداقية وجاذبية.
فماذا عن القراءة المسيحية للثقافة والتاريخ؟ يحكم هذه القضية موضوعان أساسيان أولهما أن الإنسان مخلوق على “صورة الله”، وثانيهما أنه خاطئ. وبالرغم من اختلاف اللاهوتيين والمدارس الفكرية الدينية فيما يولونه من أهمية لهذين العنصرين في الفهم المسيحي للطبيعة البشرية، فهما القطبان التوأمان اللذان يُكونان أي محاولة مسيحية لفهم لغز السلوك البشري على مستوى الأفراد والمجتمعات وحل طلاسمه.
ووفقًا لهذه النظرية فإننا نمتلئ حماسًا وإلهامًا بفضل رؤيتنا لله التي تجذبنا لأعلى، ولكننا في الوقت نفسه ننجذب لأسفل بسبب ضعف الطبيعة البشرية وسقوطها. وهو مأزق مألوف عَبَّر عنه بولس في إحدى فقرات الكتاب المقدس الشهيرة قائلاً: “لَستُ أَفعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَستُ أُرِيدُهُ فَإِيَاهُ أَفعَلُ.” (رو 19:7).
ومن هنا يتضح أننا من وجهة النظر المسيحية ندرك أن البشرية تتمتع بتطلعات وقدرات تفوق بكثير ما تسمح به معظم الأنظمة السياسية أو الفلسفية، وندرك في الوقت نفسه أنها تملكُ قدرة متساوية على العجز عن تحقيق هذه التطلعات.
وتساعدنا هذه النظرة على وضع إطار للصورة المعقدة للثقافة والتاريخ التي تتسم بالتطلع نحو العظمة والصلاح من ناحية، والظلم والعنف من ناحية أخرى. وقد علق الكثيرون على الغموض الرهيب الذي يكتنف التاريخ وتفنيده للنظريات الساذجة التي تقول بصلاح البشرية. وقد أشار الكثيرون أمثال “تِري إيجلتون” مؤخرًا إلى الجانب المظلم في الثقافة والتاريخ المعاصرين.
إن البشر باعتبارهم من المخلوقات يتمتعون بقدرة على فعل الصلاح، ولكن هذه القدرة تعادلها قدرة أخرى على فعل الشر. وإدراك هذا الغموض الشديد هو ما يساعدنا على التخلص من احلام المدينة الفاضلة المثالية في المجالات السياسية والاجتماعية التي تقوم على أحكام قيمية أيدولوجية ساذجة لم تخضع للتجربة. فالنظرة الساذجة للبشرية تُوَلد يوتوبيا سياسية حيث يفضي “التقدم” إلى كارثة، “ج.ر.ر. تولكين” J.R.R Tolkien في نظرة ثاقبة للمستقبل سنة 1931 ليلة صعود النازية:
درسنا في هذا الفصل أهمية إظهار “منطقية” الإيمان في العمل بالدفاعيات. فما من أحد يحب أن يعتنق إيمانًا غير منطقي. إلا أن بعض المسيحيين يرجحون أنه مادام بولس يتحدث عن الإنجيل باعتباره نوعًا من “الجهالة” التي تخزي معرفة العالَم وحكمته (كما في 1كو 18:1 مثلاً) فلا داعي لاستخدام الوسائل العقلانية للدفاع عن الإنجيل. إلا أنه من الواضح أن هذه النظرة تعكس خطأً في قراءة ما يشغل بولس في كنيسة كورنثوس من ناحية، وفهمهِ لدور “العقل” في الحياة المسيحية من ناحية أخرى.
لقد كانت المسائل التي تشغل بولس في كنيسة كورنثوس معقدة.[44] فالكنيسة كانت عرضة للتأثر بأشكال سابقة من الغنوصية التي كانت تقول بأن الأفراد يخلصون عن طريق معرفة سرية باطنية لا تتاح إلا للقلة. وكان البعض في كورنثوس يمجدون التحزلق الفكري ولم يكونوا مستعدين لقبول أي شئ يخلو منه أو أي نوع آخر من المعرفة الثقافية.
وبولس يرفض هذه الأفكار تمامًا ويصر أن الإنجيل لابد أن يؤخذ كما هو حتى لو كان يتعارض مع الفكر الثقافي السائد والمقبول في كورنثوس. فهو هنا يتحدى النظرية العلمانية للحكمة ولكنه لا يدعو للتخلي عن المنطق البشري.
وبولس يؤكد أننا نحن المسيحيين “لَنَا فِكرُ المَسِيحِ” “have the mind of Christ” (1كو 16:2) مميزًا بينه وبين غيره من منهجيات الحكمة التي سادت كورنثوس قبل دخول المسيحية. ويُعتبر “العقل المسيحي” “Christian mind” تركيبة عقلية متميزة من حيث إنه طريقة تفكير تتشكل وتزدهر بالإيمان المسيحي. فهو ليس سعيًا نحو الوصول إلى معرفة غريبة أو باطنية، ولا حالة من الغرور الإكاديمي، ولا انتكاسًا إلى عقلانية حركة التنوير التي سادت القرن الثامن عشر وفقدت مصداقيتها.
ولكنه السماح لنور المسيح أن يشرق على عقولنا حتى تتمكن قوة الله المغَيرة أن تجدد أذهاننا كما تجدد أرواحنا. إنه النتيجة التي يستحثها الله ويبغيها ونحن نسعى لخدمته في هذا العالم.
فكيف يعطي الإنجيل معنى للأشياء؟ كيف نفهم خطابه العميق الموجَّه لعقولنا ومشاعرنا وخيالنا وبحثنا عن المعنى وكيف نطبقه؟ سنستعرض في الفصل القادم ثمانية اتجاهات رئيسية في الدفاعيات يسهم كلٌّ منها بدور خاص في إفساح مجال للإنجيل في الثقافة المعاصرة.
لمزيد من الاطلاع:
Evans, C .Stephen. Natural Signs and Knowledge of God: A New Look at Theistic Arguments. New York: Oxford University Press, 2010
McGrathm, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville, Westminster John Knox, 2011
Morris, Thomas V., ed. God and the Philosophers: The Reconciliation of Faith and Reason. Oxford University Press, 1994.
Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: Harper San Francisco, 2006.
[1] C. S. Lewis, “Is Theology Poetry?” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper-Collins, 2000), 21.
[2] Austin Farrer, “In His Image,” Remembering C. S. Lewis, ed. James T. Como (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 344-45.
[3] Letter of 1949 to Edward Sackville-West, cited in Michael de-la-Noy, Eddy: The Life of Edward Sackville-West (London: Bodley Head, 1988), 237.
[4] See, for example, Alasdair MacIntyre, Whose Justice? Which Rationality? (London: Duckworth, 1988); Stephan Toulmin, Cosmopolis: The Hidden Agenda of Modernity New York: Free Press, 1990); John Gray, Enlightenment’s Wake: Politics and Culture at the Close of the Modern Age (London: Routledge, 1995).
[5] William James, “The Sentiment of Rationality,” The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy (New York: Longmans, Green, and Co., 1897), 63-110.
[6] See Michael J. Sandel, Justice: What’s the Right Thing to Do? New York: Farrer, Straus and Giroux, 2010).
[7] Stephan Toulmin, The Uses of Argument (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), 183.
[9] Isaiah Berlin, Concepts and Categories: Philosophical Essays New York: Viking Press, 1979), 2-5, 161-62.
[10] Terry Eagleton, “Lunging Flailing, Mispunching: A Review of Richard Dawkins’s The God Delusion,” London Review of Books, October 19, 2006.
[11] Alvin Plantinga, God and Other Minds: A Study of the Rational Justification of Belief in God (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1990).
[12] Richard Rorty, “Pragmatism, Relativism, and Irrationalism,” Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association 53 (1980): 719-38, quote at 730.
[13] Julia Kristeva, The Incredible Need to Believe (New York: Columbia University Press, 2009), 3.
[14] Christopher Hitchens, God Is Not Great: How Religion Poisons Everything (New York: Twelve, 2007), 5. For criticism of this approach, see Aloster McGrath, Why God Won’t Go Away: Is the New Atheism Running on Empty? Nashville: Thomas Nelson, 2011).
[15] C. S. Lewis, “On Obstinancy in Belief,” C. S. Essay Collection (London: Harper-
[16] Collins, 2000), 213-14. Jonathan Edwards, The Works of Jonathan Edwards, vol. (Edinburgh: Banner of Truth Trust, 1974), 290.
[20] Simone Weil, First and Last Notebooks London: Oxford University Press, 1970), 147.
[21] Brian Leftow, “From Jerusalem to Athens,” God and the Philosophers, ed. Thomas V. Morris (Oxford: Oxford University Press, 1994), 191.
[22] John Polkinghorne, Theology in the Context of Science (London: SPCK, 2008), 85-86.
[23] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 197.
[24] Richard Dawkins, River out Eden: A Darwinian View of Life London: Phoenix, 1995), 133.
[25] See, for example, Alvin Plantinga, “Reason and Belief in God,” Faith and Philosophy: Reason and Belief in God, ed. Alvin Plantinga and Nicholas Wolterstorff (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1983), 16-93.
[26] Isaiah Berlin, The Cooked Timber of Humanity: Chapters in the History of Ideas (London: Pimkico, 2003), 208-13. The curious title of this important collection of essays reflect a famous dictum of Immanuel Kant: “Nothing straight was ever made out of the crooked timber of humanity.”
[27] See M. Neil Browne and Stuart M. Keeley, Asking the Right Questions: A Guide to Critical Thinking, 8th ed. (Upper Saddle River, NJ: Pearson Prentice Hall, 2007), 196.
[28] Charles S. Peirce, Collected Papers, vol. 5, ed. Charles Hartshome and Paul Weiss (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960), 189. I reflect further on the importance of this approach in Alister E. McGrath, Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things (Louisville: Westminster John Knox), 2011.
[30] The best studies are Paul Humphreys, The Chances of Explanation: Casual Explanation in the Social, Medical, and Physical Sciences (Princeton: Princeton University Press, 1989); and James Woodward, Making Things Happen: A Theory of Casual Explanation (Oxford: Oxford University Press, 2003).
[31] For a good discussion of Aquinas of this point, see William E. Carroll, “Divine Agency, Contemporary Physics, and the Autonomy of Nature,” Heythrop Journal 49 (2008): 582-602.
[32] Helge S. Kragh, Conceptions of Cosmos: From Myths to the Accelerating Universe: A History of Cosmology (Oxford: Oxford University Press, 2006).
[33] See especially Peter Lipton, Inference to the Best Explanation, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).
[34] Routledge, 2004). Richard Swinburne, The Existence of God, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).
[35] Michael Friedman, “Explanation and Scientific Understanding,” Journal of Philosophy 71 (1974): 5-19; Paul Kitcher, “Explanatory Unification and the Causal Structure of the World,” Scientific Explanation, ed. P. Kitcher and W. Salmon (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989), 410-505.
[36] For example, Margaret Morrison, Unifying Scientific Theories: Physical Concepts and Mathematical Structures (Cambridge: Cambridge University Press, 2000).
[37] Terry Eagleton, Reason, Faith, and Revolution: Reflections on the God Debate (New Haven: Yale University Press, 2009), 28.
[38] William S. Bainbridge and Rodney Stark, The Future of Religion: Secularization, Revival, and Cult Formation (Berkeley: University of California Press, 1985), 1.
[39] Richard Shweder, “Atheists Agonistes,” New York Times. November 27, 2006.
[41] A point famously emphasized by Karl R. Popper, The Poverty of Historicism (London: Routledge & Kegan Paul, 1957).
[42] Eagleton, Reason, Faith, and Revolution, 87-98.
[43] J. R. R. Tolkien, “Mythopoeia,” Tree and Leaf (London: HarperCollins, 1992), 85-90; quote at p. 89.
[44] See especially Walter Schmithals, The Theology of the First Christians (Louisville: Westminster John Knox, 1997), 122-23, 146-51. See further Raymond Pickett, The Cross in Corinth: The Social Significance of the Death of Jesus (Sheffield, England: Sheffield Academic Press, 1997), 213-16; and Edward Adams and David G. Horrell, esd., Christianity at Corinth: The Quest for the Pauline Church (Louisville: Westminster John Knox, 2004).
يطرح الناس هذا السؤال لان الله لم يظهر لهم بالطريقة التي تناسب فكرهم .او بالمعني الصحيح التي يجب عليه ان يُظهر ذاته لهم بناءاً علي متطلباتهم .فلا يتساءل هؤلاء هذا السؤال لماذا ” ؟لماذا يتوجب علي الله الظهور لاي شخص بالطريقة التي يريدها الشخص نفسه؟ فهل الامر هو حقاً واجب علي الله ظهوره للناس بحسب الطلب والهوي؟ وهل الله لم يضع الكون ليشهد عن وجوده بشكل كافي .فكما يذكر الكتاب المقدس وضع العالم ليشهد عن الله ؟ فالاجابة علي هذا السؤال نقول نعم .فالامر ايضاً يتطلب ايمان ولا ينبغي ان نتجنب الناحية الايمانية ونتجاهلها .يوضح الكاتب والمبشر رافي زكرياس الاتي .
” جعل الرب العالم بشكل كافي لندركه ولنؤمن به وهو الشئ الاكثر منطقية . و تَرَك منه ما يجعل الحياة بالمنطق المُجرّد أو المُلاحظة وحدها مُستحيلاً.” (1)
فيسوع نفسه تكلم عن الشق الايماني في مرقس 10 : 52 , متي 17 : 20 . وكان يحزن حينما يجد القلوب الفاتره لديها نقص ايماني كما جاء في مرقس 6 : 5 . ويتكلم بولس الرسول ايضاً عن الايمان ويؤكد عليه رومية 1 : 17 . وايضاً يتكلم في موضع اخر بما قام به الله لنا من خلال يسوع .في رومية 10 : 10 .ففي الواقع لا يمكن فصل الايمان في الاعتقاد بالله . فبدون ايمان لا يمكن ارضاؤه كما جاء في عبرانين 11 : 6 .هذا هو السبب في لماذا الله لا يظهر ذاته لأولئك الذين يرغبون في ذلك . فالايمان هو السعي الي الله والدخول في علاقة حقيقية معه .
ثانياً الله غير مختفي بالفعل .هو يبدوا انه مخفي في الطريق الذي نتوقع منه وجوده .وعلينا ان نتذكر اننا نطرح هذا السؤال لان الانسان انفصل عن الله كما يخبرنا التكوين 3 : 17 وهذا نتيجة السقوط ومع ذلك كشف الله لنا عن نفسه من خلال يسوع الناصري .فيسوع يقف في قلب التاريخ ليراه الجميع .ففي الواقع خدمة يسوع تخضع للاستكشاف التاريخي والحقيق وهي لب ومنبع حقيقة المسيحية .يفسر لنا المؤرخ Jaroslav Pelikan هذا قائلاً :-
“بغض النظر عن أي شخص قد نعتقد او نفكر فيه .كان يسوع الشخصية الاكثر بروزاً في تاريخ الثقافة الغربية لما يقرب من عشرين قرناً .وايضاً التقويم وبجوار اسمة يلعنه كثيرين وبجواء اسمة يصلي ايضاً كثيرين “
وانا لا اعتقد ان هذا الامر ليس صدفة .فالله بالفعل وضع بصمته في التاريخ لنراه .واعتقد ان المرء قبل ان يذهب الي انكار الله ان يذهب ليري بصمت الله في التاريخ من خلال يسوع المسيح .
فالله منظور لنا في العالم المادي .كما جاء في رومية 1 : 20 لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته، حتى إنهم بلا عذر. كتب Fred Hoyle عالم الفلك الانجليزي الشهير ذات مره “
“A common sense interpretation of the facts suggests that a superintellect has monkeyed with physics, as well as with chemistry and biology, and that there are no blind forces worth speaking about in nature. The numbers one calculates from the facts seem to me so overwhelming as to put this conclusion almost beyond question”
“الحس السليم في شرح الوقائع يشير الي ان superintellect عله تتحكم بقوانين بالفيزياء بالتوازي مع الكمياء بالتوازي مع الاحياء.وانه لا توجد قوي عمياء تستحق ان نتحدث عنها في الطبيعة.الارقام والحسابات من ضمن الحقائق الهائله التي تجعل هذا الاستنتاج غير قابل للشك ” (2)أأيسيسييسي
فلم يكن هناك قوه عمياء تتحكم في الطبيعة واسفرت عن وجود هذا التصميم .ولا يوجد بديل لله ليفعل ..!َ
وبولس يخبرنا ان الله كشف لنا عن ذاته من خلال ضمائرنا كما جاء في رومية 2 : 15 الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبا في قلوبهم، شاهدا أيضا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة،ونحن نعلم جميعاً ان الضمير هو الاحساس الاخلاقي تجاه ما هو شر وما هو خير لذلك يعرف ب moral realism الواقعية الاخلاقية .علي الرغم ان بعض الناس تحاول ان تقتل ضمائرهم لانه في وجهة نظرهم يضعفهم في العالم.لكن ايضاً صورة الله انطبعت داخلنا لاننا علي صورته كما جاء في تكوين 1 : 17 ويوضح الفيلسوف ويليام كريج . ” انه في حاله عدم وجود الله لم يكون هناك معايير موضوعية للحق والباطل (3)
وتكلم الرب مع انبياءه بشكل واضح فلم تكن الصوره المادية هي المرجوه فقد تعامل الله مع شعب بني اسرائيل بما هو مادي فما ان تاخر موسي صنعوا العجل ليعبدوه ..! فليس المقياس الصوره المادية .
فيتسائل البعض لماذا لا يتكلم الله بصوت مسموع اليوم ؟
ذلك لان الله تحدث بالفعل عن طريق الوحي الكتابي فلدينا كلمات الله .والوحي قد اكتمل الآن ووصل الي ما وصل اليه .لكن هل لا يزال الله يتكلم ايضاً بعيداً عن الكتاب المقدس ؟ بالطبع يستطيع ان يحدث الينا من خلال روحة القدوس . واشهد انا علي هذه الحقيقة وساكتب عليها فيما بعد .وعلي اي الاحوال متي اراد الله واين اراد الله ان يتكلم هو امر يخص مشيئته.وايضاً الخطية لها دور مهم في هذا الموضوع فالشخص الغير تائب الواقع في الخطية لا يري الله فتكرار الخطايا تصيبة بالصمم وتبعد الانسان عن علاقة حقيقية مع الله .
وفي الختام نقول
ان الله تحدث من خلال وسائط متعدده الي البشرية في ملئها .” الكون المادي , الكتاب المقدس , الضمير الاخلاقي ” واكثر هذه الوسائل حسماً هو يسوع التاريخي .فعندما نشعر انه غير موجود وانه لا يهتم حينما نصلي بصدق له هذا استنتاج .لكن هو قريب فكما جاء في ارميا 29 : 13 وتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم .فالرب يتمم ما هو صالح حسب مشيئته. فالانسان يري الظلمة ولا يري النور في اوقات الاحتياج
واختم بمقوله فرانسوا فاريون
“اثنان يتميزان بالخساسة عندما يعطي الله فنمدحه وعندما يحجب الله فنسخط عليه “
المراجع
Ravi Zacharias. 2004. The True Face of Atheism. p. 115.
Hoyle, F. 1981. ‘The Universe: Past and Present Reflections’ in Engineering and Science. p. 8–12,
لم يستطع سمعان وكلوبا أن يتعرفا على الرب على طريق عمواس
لم يستطع سمعان وكلوبا أن يتعرفا على الرب على طريق عمواس
لماذا لم يستطع سمعان وكلوبا أن يتعرفا على الرب على طريق عمواس؟
لنعد قليلاً إلى النص كما ورد في إنجيل لوقا الأصحاح الرابع والعشرين من العدد الثالث عشر وحتى العدد السادس عشر: “وإذا اثنان منهم كانا منطلقَين في ذلك اليوم إلى قرية بعيدة عن أورشليم ستين غلوة اسمها عمواس وكانا يتكلّمان بعضهما مع بعض عن جميع هذه الحوادث وفيما هما يتكلّمان ويتحاوران اقترب إليهما يسوع نفسه وكان يمشي معهما. ولكن أُمسكت أعينهما عن معرفته”.
هكذا أمسك الربّ يسوع أعين سمعان وكلاوبا عن معرفته حتى يمشي معها ويفسّر لهما الأحداث كما قال عنها وهو بينهم، وكما وردت من موسى وجميع الأنبياء بعد سماعه منهما رأيهما بالذي جرى، أي بموته وقيامته.
وبقي الربّ ممسكاً أعين التلميذّين عن معرفته لأنّه أراد أن يدخل معهما المنزل ويثبت بعد قيامته الكنيسة في أول خدمة كسر للخبز ومناولتهما….
هكذا أقام يسوع الكنيسة… وأقام هو بذاته “القدّاس” الأوّل أي أوّل خدمة ليتورجية للمناولة المقدّسة ثمّ وبعد أن “اتكأ معهما أخذ خبزاً وبارك وكسر وناولهما”. فانفتحت أعينهما وعرفاه ثمّ اختفى عنهما…. مظهراً لكل مَن يتبعه أنّه بالمناولة المقدّسة وبكسر الخبز تنفتح أعين البصر والبصيرة لمعرفته. (الأم مريم زكا)
“وأنت تسأل الآن كيف يصير الخبز جسدّ المسيح، وكيف يصير الخمر والماء دمَ المسيح؟ أقول لك: إن الروح القدس ينزل ويصنع هذه الأسرار الإلهية… جسد المسيح ودمه” (القديس يوحنا الدمشقي)
” أيها الرب يسوع المسيح إلهنا، أصغِ من مسكنك المقدّس ومن كرسي مجد ملكك، وهلمَّ لتقديسنا أيها الجالس في الأعالي مع الآب، والحاضر ههنا معنا غير المنظور، وارتضِ أن تناولنا بيدك العزيزة جسدك الطاهر ودمك الكريم، وبواسطتنا لكل شعبك” (القداس الإلهي)
لم يستطع سمعان وكلوبا أن يتعرفا على الرب على طريق عمواس
من طبائع الباحثين والنقاد الذين لا يتناولون أمراً بالنقد، إلا اذا قلبوه بين أيديهم، ونثروه بين ثنايا أفكارهم بكل دقة.. وإلا لشابهوا العجائز القابعين على قهاوي الحارة يتندرون بالحكايات ويذيعونها زائدين عليها تسعة أعشار من الأكاذيب!
لكن (علامة!) عصره الشيخ ديدات، كل طامته انه “متعالم!”، فلا هو من الباحثين ناهيك عن الناقدين.. فهو يلقي الكلام على عواهنه، ويسلط لسانه في كل ميدان، منتهجاً “الأدلجة” و الاقتطاع، والتدليس في استخدامه لنصوص الكتاب المقدس، موهماً المسلمين بعبقريته وألمعيته الفذة.. بينما هو مجرد “شيخ شعبي”! من الذين يسمعون الحكايا ويوصلونها مثقلة بالفبركات!!
فها هو أحد (الفيديوهات) التي ينشرها أتباعه علناً.. معتقدين ان المسيحيين نائمون ومتغافلون عن صدها وتهشيمها.. وهو عبارة عن سؤال وجواب، من سائلة استرالية الى الشيخ ديدات في احدى محاضراته التي أقامها في رحلته الأخيرة الى استراليا[1].
تسأله سائلة عن المسيح في الاسلام كيف عاش ومات؟
فكيف أجابها ديدات؟
أجاب ديدات:
” قرأت عليك الآية “بل رفعه الله اليه”.. وانا اقول انه سيعود ثانية ليدينكم! نحن المسلمون نؤمن ان الاسلام هو خاتم الرسالات، فلسنا بحاجة لنتعلم شيئاً جديداً من يسوع او موسى او محمد، فكل ما ارد الله ان يخبرنا به فقد اعطاه لنا واخبرنا به. اذن لماذا سيعود المسيح ثانية؟ اقول كلا! انه سيعود ليصحح مساركم ويقومكم، وها هو يقول لكم في انجيل القديس متى: كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أي يوم عودته يوم قدومه الثاني، “كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ “( متى 22:7). ستسألون يسوع لقد بنينا مسشفيات ومراكز العناية بالزنوج واعتنينا بالبرابرة والافارقة والهنود، نعم كل تلك الاشياء الحسنة صنعتموها، لقد علمتم اولئك الحمقى وجعلتموهم متحضرين، فبماذا سيرد يسوع على كل ذلك؟ سيقول: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ.. انه أمر مذهل، انتم تعملون باسم المسيح وتعتنون بمرضى الجذام والبرص، كما تفعل الام تيريزا وحقا اعمالها عظيمة، اني احني رأسي احتراماً لها، ما تفعلونه رائع، اعتناءكم بالحيوانات، فما سيقول لكم المسيح وانا اسأل المسيحيين اجيبوني؟ اتعلمون السبب (لرفضه لكم)؟ اتعلمون؟ لأنكم ناديتموه: “رب”! انه ليس ربكم ولا الهكم (تصفيق). هذا هو السبب.، المسيح علمكم الصلاة الربانية كما يعلم الاطفال الصغار. ابانا الذي في السموات.. اين قال ابانا ويسوع الذي في السموات؟ لكنكم نسيتم هذا، فبدلاً من ان تعبدوا الآب عبدتموه هو “.
“علاّمة العصر!” دأب على إيهام جمهوره بشتى المحاولات بأنه واسع المعرفة، المتبحر في صنوف العلوم.. إنما بقراءة متأنية لما يكتب، وبتفحص قليل لما يقوله خلف المايكرفونات ستكتشفون بأنه شيخ “شعبي”! أي مجرد متلقف من هنا وهناك، وان ثقافته لا تعدو مقصوصات الجرائد القديمة، مكرراً ما يسمع دون دراسات ومراجع.. علاوة على براعته في اضافة “نكهات” مختلفة من التدليس والفبركة على النصوص ليقدم “طبخة” مؤذية للصحة الفكرية لدى مستمعيه! وعلى عاتقنا تنقية الأذهان مما علق بها من سمومه..
وسينقسم تفنيدنا لشبهاته على عدة محاور:
المحور الأول: هل أنكر المسيح ربوبيته؟ (المعنى الصحيح لكلام المسيح)
المحور الثاني: شهادة الإنجيل: المسيح هو (الرب)!
المحور الثالث: هل يستحق المسيح العبادة والصلاة؟
المحور الأول: هل أنكر المسيح ربوبيته؟ (المعنى الصحيح لكلام المسيح)
أولاً: ديدات يتشقلب مدلساً على كلام المسيح!
مارس ديدات اسلوب (التدليس) الذي ينبغ فيه ببراعة، مخفياً باقي كلام المسيح!!
وسنبدأ بتحليل هذا النص المقدس جيداً وكيف تعامل معه ديدات باعوجاج شديد.. مع ثانياً..
ثانياً: بقية كلام المسيح ينسف رد ديدات!
في اجابة ديدات على السائلة، قام كالحاوي باقتطاع الآية (22) من سياقها وقراءتها.. مخفياً بداية الكلام من الآية (21)! فلماذا أزعجته الآية (21) فتعامى عنها؟!
الجواب لا يخفى على اللبيب، إذ أنها ببساطة ستدك وتنقض كل بناءه الطيني!
المسيح قال حرفياً: “ليس كل”! وبما انه “ليس كل” من القائلين (يا رب) سيدخلون الملكوت، اذن هناك “منهم” من القائلين (يا رب) سيدخلون الملكوت. مع انهم يعترفون به كرب ويقولون (يا رب يا رب)!
فمفتاح الآية الذي يوضح الأمر هو عبارة “ليس كل” وهي “تبعيضية” من البعض وليست شاملة.
فالمسيح لا ينفي دخول كل القائلين (يا رب يا رب) للملكوت السماوي، كما يحاول ديدات ان يدلس على الجمهور!
اذ لو كان قصد المسيح هو (النفي!) المطلق لكل من دعاه رباً، لكنا سمعناه يقول:
” كل من يقول لي يا رب يا رب لن يدخل الملكوت “!
وهذا لم يتفوه به المسيح ولو كره ديدات!
ثالثاً: ما سبب رفض المسيح لبعض من سيقولون له: يا رب يا رب؟
هل سيرفضهم لأنهم اعترفوا بلاهوته كما أوهم ديدات سامعيه؟
كلا مطلقاً! لأننا لو تابعنا قراءة كلام المسيح سنجد الجواب وهو: انه سيرفضهم لأنهم كانوا “فاعلي إثم”!
أساس رفض المسيح لهم ليس (عقيدي) قائم على معتقدهم فيه واعترافهم بلاهوته، انما (سلوكي) لكونهم اشرار خطاة. وايمانهم لا يعدو سوى اعتراف سطحي عقلي دون ثمر.
فالإيمان الحقيقي هو الذي يثمر أعمالاً صالحة تتوافق مع الطبيعة الجديدة التي يحصل عليها المؤمن. اذ قال الوحي: “أَرِنِي إِيمَانَكَ بِدُونِ أَعْمَالِكَ، وَأَنَا أُرِيكَ بِأَعْمَالِي إِيمَانِي” (يعقوب 2: 18).
وقد فهم توما ان المسيح “أنا هو” أي الله، فناداه: ربي وإلهي.
اعترض شهود يهوه وقلدهم ديدات بتهور!
كالعادة لجأ الشيخ ديدات الى منشورات الهراطقة كشهود يهوه للنيل من عقيدة لاهوت المسيح، فاستعار كلامهم بالحرف للهرب من تصريح توما الرسول الرائع الذي خاطب فيه المسيح كربه والهه “ربي والهي”.. اذ كتب ديدات:
” هل ادرك توما في تلك اللحظة وعند ذاك المنحنى ان يسوع المسيح كان الهه؟ هل خر له وخر رفاقه ساجداً مع سجد؟ كلا على الاطلاق! ان كلماته المشار اليها انما كانت تعبيراً عن استعادة الانسان لجأشه. نقول مثلها يومياً عندما نقول: “ يا الهي لقد كنت في غفلة!” فهل تخاطب المستمع اليك كما لو كان الهك “.
( مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء- احمد ديدات – ترجمة علي الجوهري – ص 170 )
“Did Thomas realise at that juncture that Jesus Christ was his Jehovah? Did he and the other disciples fall down in prostration before him. Never! His words were the words of self-reproach. We utter them daily, “My God! What a fool I have been!” Are you addressing your listener, as your God?” (Crucifixion or Cruci-Fiction? Page 77)
ونرد بردنا الهادي:
الرد الأول:
ان عبارة توما الرسول قد قالها للمسيح مباشرة موجهاً بها اليه كمخاطب.. ولم تكن صرخة في الهواء للتعجب!
واليك الدليل من الانجيل يا صديقي المسلم :
اقرأ: ” أجاب توما وقال له ربي والهي ” ( يوحنا 28:20).
فالحوار لم يكن للغائب انما للمخاطب، فتوما كان يخاطب المسيح , بدلالة قول الوحي: “وقال لــه!”
قالها للمسيح “لــه“.
“أجاب توما “اجاب توما من؟ اجاب المسيح.
“وقال لـه “قال توما لمن؟ وعلى من يعود الضمير “ له “؟
“ربي والهي “ اعتراف بألوهية المسيح..!
اذن الحوار يجري سلساً بين الاثنين. فلا يوجد ضمير غائب في الحوار الذي دار بين المسيح وتوما.
الرد الثاني:
اليهود لم يكونوا يستخدمون اسم الرب للتعجب لأنه مخالف للوصية الثالثة: “لا تنطق بإسم الرب الهك باطلاً “!
وبسبب حرصهم على توقيره فكانوا يستبدلونه بغيره من الألقاب، مثل استعمال عبارة: “ملكوت السماوات” بدلاً من: “ملكوت الله”، وعبارة: “أخطأت إلى السماء” بدلاً من “أخطأت إلى الله” (لوقا 15: 18). ولا دليل لاستخدام اليهود اسم الرب للتعجب، فتسقط مجادلة ديدات!!
والان نسأل تلامذة ديدات:
عبارة “ربي والهي” عندما يطلقها تلميذ على رسول ونبي. الا تعتبر كفراً بواحاً يقتضي التوبيخ والتأنيب وطلب المغفرة؟ فلماذا لم يوبخ المسيح عبده ورسوله توما على تلك العبارة بدلاً من تصديقها؟
اليهود كانوا على يقين تام بأن السبت هو يوم خاص بالرب يهوه وشريعة حفظ السبت ملزمة للجميع لأنها وصية من يهوه، لكن المسيح أثبت لهم لاهوته بأنه هو رب هذا السبت أي هو الذي أعطى شريعته، فهل هذا كلام نبي عادي يا أتباع ديدات..؟!
(2) المسيح الرب الذي رحم المجنون!
حين شفى المسيح الرجل المسكون بجيش من الشياطين (لجؤون).. أمره قائلاً: ” اذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ وَإِلَى أَهْلِكَ، وَأَخْبِرْهُمْ كَمْ صَنَعَ الرَّبُّ بِكَ وَرَحِمَكَ”. ( مرقس 19:5).
فالمسيح ابن داود وفي الوقت نفسه هو ربه! (مزمور 110: 1)، وهو يخرج من يسى من جهة الجسد، وهو “أصل يسى”
بلاهوته! (إشعياء11: 1، 10).
ولم يتمكن اليهود من اجابته بكلمة!
آه.. يا ديدات لو كنت تقرأ فقط!!
يقول ديدات كما هو في الصورة اعلاه:
” إنه ليس بربكم “!!
وهنا نسأل ديدات: لو كان المسيح سيرفض من الملكوت كل من يقول له يا رب يا رب، فتماشياً مع هذا المنطق الفاسد، عليه اذن ان يطرد الملائكة من ملكوته لأنهم يعترفون بلاهوته وانه (الرب)!!
من يمكنه ان ينطق بهذا التصريح ويجعل كل ما يملكه الله ملك شخصي له؟ وماذا يملك الله؟ يملك كل الخليقة والكون والملائكة والعبادة والتمجيد.. وكل هذا يملكه الابن كما يملكه الآب.
كل تلك التصريحات جاءت بفم المسيح المبارك، لكي نسد المنفذ على اتباع ديدات، وزعمهم أن المسيح لم “يقل”.. بل ها هو قد قال!!
استفانوس الشهيد المسيحي الاول صلى الى المسيح واصعد روحه اليه.
ومن الرائع ان نذكر بأن استفانوس قد رأى اقنومي اللاهوت (الآب) و (الإبن) معاً في رؤياه وهو يموت شهيداً، وقد خصص الشهيد صلاته لترفع الى المسيح.. فلو كانت الصلاة الى يسوع المسيح لا تجوز، فلماذا سمح الله بظهور المسيح (الابن) قائماً عن يمينه..ليصلي اليه استفانوس؟
وعبارة “الرب يسوع” قالها الشهيد الأول في أحرج لحظة وهي الموت، وليس أي موت انما موت الرجم، فقد اتكل على المسيح في أقسى لحظات الحياة.
والمعلوم أن البار يحرص على التلفظ بكل نطق صحيح اثناء موته.
لقد أنكر ديدت أن المسيح هو (الرب) وان الصلاة ترفع اليه.. وها هو الشهيد الأول استفانوس قد فعل الأمرين:
(1)- دعا المسيح: الرب LORD!
(2)- رفع الصلاة اليه وهو يموت!
إسمع ختام الإنجيل.. يا ديدات!!
ختام العهد الجديد.. بل ختام كل أسفار الوحي الالهي المقدسة، تتلخص في الحقيقتين التي أنكرهما أحمد ديدات، وهما:
الأولى: ان المسيح هو الرب!
الثانية: الصلاة ترفع اليه!
اذ نقرأ في سفر الرؤيا وفي الصفحة الأخيرة من كل الكتاب المقدس:
أدلة شهود العيان، هل تصمد سيرة حياة يسوع أمام التمحيص؟ لي ستروبل محاورا بلومبرج
أدلة شهود العيان، هل تصمد سيرة حياة يسوع أمام التمحيص؟ لي ستروبل محاورا بلومبرج
لقد كانت كلمات مايكل مكولوغ ذو الستة عشرة سنة خافتة جداً حتى إن المحلفين لم يستطيعوا سماعها مع صوت اللهاث الخفيض لجهاز التنفّس الصناعي الذي يبقيه على قيد الحياة. لذا يكون لزاما أن ينحني قارئ شفاه على سرير مايكل، ليميز ما كان يقوله، ثم يكرر شهادته لقاعة المحكمة المؤقتة.
ولما كان ميشيل مشلولاً بسبب رصاصه اصابة في أسفل الرقبة مما تسببت في قع حبله الشوكي، لقد كان مايكل ضعيفاً جداً حتى أنه كان لا يمكن نقله إلى المحكمة حيث يُحاكم الشابين المتهمين بمهاجمته. وبدلاً من ذلك، إحتشد في غرفته بالمستشفى، القاضي، وهيئة المحلفون، والمتهمون، والمحامون، والمراسلون، والمشاهدون، والتي تم الإعلان عنها كفرع مؤقت تحت اسم محكمة كوك كانتي للمقاطعة.
وتحت الإستجواب من قبل المدّعين، تذكّر ميشيل كيف ترك شقته في مشروع إسكان شيكاغو وفي جيبه دولارين. قال بأن المتهمين قد تحرّشا به على السلم، وإنهما أصاباه عمداً في وجهه كما حاولا سرقة ماله. وقد دُعمت قصته من قبل شابين آخرين قد راقبا وهما مرعوبين كيف حدث الاعتداء. لم ينكر المتهمين إطلاق النار؛ وبدلا من ذلك إدّعوا بأن الرصاص قد أطلق عرضياً فيما كانا يلوحان به إليه. بالطبع يعرف محامي الدفاع بأن الطريقة الوحيدة للحصول على أحكام مخففة لزبائنهم هي أن ينجحوا في تقويض شهادة إطلاق الناس كعمل من أعمال العنف مع سبق الإصرار والترصد.
لقد بذلوا ما بوسعهم لإثارة الشكوك حول روايات شاها العيان فشككوا في قدرة الشاهدان في رؤية ما حدث، بيد أن كل محاولاتهم بانت بالفشل. كما حاولوا إستغلال التضارب في الروايات، بيد أن الأعتبارات توافقت مع النقاط المركزية. وطالبوا ببراهين أكثر، لكن لم يكن هذا، وبشكل واضح، سوي مجدر إحتجاج.
كما حاولوا أثارة الشبهات حول الأشخاص، لكن الضحية والشاهدان كانوا شبّاناً مطيعون للقانون وليس لهم سجل إجرامي. تمنوا أن يظهروا أي تحيّز ضد المتهمين، لكنهم لم يستطيعوا أن يجدوا شيئاً. كما شككوا في أحد الشهود، عمره تسع سنوات اسمه كيث، إلا أن سنه كان كافياً لفهم المقصود من قول الحقيقة تحت القسم، لكن كان من الواضح للجميع أنه فهم.
ونظراً لأن مُحامي الدفاع عجزوا عن زعزعة مصداقية الضحية وشهود الإثبات، فقد تم إدانة المتهمين بمحاولة اغتيال، وحُكم عليهما بالسجن المؤبّد خمسون سنة. ومات مايكل بعد ثمانية عشر يوماً.
محامو الدفاع ليديهم مهمة صعبة: لإثارة الأسئلة، وتوليد الشكوك، وتقصي النقاط الضعيفة والقابلة للنقد لرواية الشاهد. إنهم يفعلون هذا بإخضاع الشهادة إلى مجموعة متنوعة من الاختبارات. والفكرة هنا هي أن الشهادة الصادقة والدقيقة ستحتمل التمحيص، فيما ستنكشف الشهادة المضللة أو المُبالغة أو الباطلة.
لقد إنتصرت العدالة في قضية مايكل لأن المحلفين تمكنوا من معرفة أن الشهود والضحية كانوا بصدق يحكون وبدقة ما واجهوه.
دعونا الآن نعود إلى تحقيقنا عن الدليل التاريخي المُتعلُّق بيسوع.
لقد حان الوقت لإخضاع شهادة الدكتور بلومبيرج للإختبارات التي إما أن تكشف عن نقاط ضعفها أو تؤكد قوتها. العديد من هذه الاختبارات ستكون نفس الاختبارات التي استخدمها مُحامي الدفاع في قضية مايكل منذ عدّة سنوات.
قلت لبلومبيرج فيما كنا نجلس بعدما إسترحنا خمسة عشر دقيقة “هناك ثمانية اختبارات مختلفة أودُّ سؤالك حولها”.
التقط بلومبيرج كوبا ساخنا من القهوة السوداء وهو يتكئ للخلف. لم أكن متأكداً، إلا أنه كان بدا متطلعاً للتحدي.
1 . اختبار القصد
يسعي هذا الاختبار لتحديد إذا ما كان القصد المُعلن او المكنون للكُتّاب هو الحفاظ على التاريخ بشكل دقيق. سألته قائلاً “هل كان كُتّاب القرن الأول هؤلاء مهتمين حقاً بتسجيل ما حدث بالفعل؟”
أومأ بلومبيرج برأسه وقال “نعم، بالتأكيد، ويمكنك أن تري ذلك في بداية إنجيل لوقا، الذي يُقرأ بشكل مشابه جداً لمقدمات الأعمال التاريخية والمتعلقة بالسيرة المؤتمنة عموماً في العصر القديم”.
إسترسل بلومبيرج في الحديث قائلا “كما ترى، فأن لوقا يقول بشكل واضح بأنه عندما نوى الكتابة عن هذه الأمور تحرى الدقة للتحقيق منها ووجد أنه من اللازم دعمها بشكل جيد بشهادة الشهود”.
سألت قائلاً “وماذا عن بقية الأناجيل؟ والتي لم تُستهل بتصريحات مشابهة؛ هل يعني ذلك أن كُتابها لم يكن لديهم نفس المقاصد؟”
فجاءت إجابة بلومبيرج “صحيح أن مرقس ومتي ليس لديهما هذا النوع من البيان الواضح، إلا أنهما قريبين جدا من لوقا من ناحية النوع، ويبدو من المعقول أن قصد لوقا التاريخي يعكس قصديهما بطريقة محكمة”.
سألت “وماذا عن يوحنا؟”
“بيان القصد الآخر الوحيد في الأنجيل يأتي في يوحنا 31:20 “وَأَمَّا هَذَهَ فَقَدْ كُتَبَتْ لَتُؤْمَنُوا أَنَّ بَسُوعَ هُوَ الْمَسَيحُ ابْنُ اللَّهَ وَلَكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إَذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بَاسْمَهَ”.
إعترضتُ قائلاً “ذلك يبدو كتصريح لاهوتي أكثر مما هو تاريخي”
أجاب بلومبيرج “سأوافقك في ذلك، لكن إذا ما كنت ستقتنع بدرجة كافية لأن تؤمن، فإن اللاهوت ينبغي أن يتدفق من التاريخ الدقيق، هذا بالإضافة إلى أنه يوجد دليل ضمني هام لا يمكن إغفاله. فكّر في الطريقة التي تُكتب بها الأناجيل –بأسلوب واقعي ومسؤول-بعرض تفاصيل دقيقة، وبحرص شديد ودقة. فلن تجد الأمور الغريبة وأساطير سمجة كتلك التي تراها في الكثير من الكتابات القديمة الآخري.
سأل قائلاً: “إلى ماذا يضيف كل هذا؟” ثم أجاب على سؤاله قائلاً: “يبدو واضحاً جداً أن هدف كُتَّاب الوحي الإلهي بأنهم حاولوا تسجيل كل ما حدث بالفعل”.
الإجابة على الاعتراضات:
ومع ذلك، هل هذا هو ما حدث فعلاً؟ هناك سيناريو مُعارض ومناقض ورّجحه بعض النقّاد.
قالوا بأن المسيحيين الأولىن إقتنعوا بأن يسوع سيعود أثناء فترة حياتهم ليتمم التاريخ، لذا فإنهم لم يروا ضرورة لحفظ أي سجلات تاريخية عن حياته أو تعاليمه. وباختصار، لماذا القلق طالما أنه سيأتي وينهي العالم في أي لحظة؟
فقلت “لذا، بعد سنوات وعندما أصبح من الواضح أن يسوع لم يكن راجعاً سريعاً، وجدوا أن ليس لديهم أي مادة تاريخية دقيقة فانجذبوا إلى كتابة الأناجيل. ل ميُنتزع شيئاً للأغراض التاريخية. أليس ذلك ما يحدث حقاً؟”
أجاب بلومبيرج “هناك بالتأكيد طوائف وجماعات، بما في ذلك الدينية عبر التاريخ، والتي يعمل لأجلها هذا الجدال، لكن ليس مع المسيحية المبكّرة”
فقلت له متحدياً “ولما لا؟ ما الذي كان مختلفاً في المسيحية؟”
فأجاب” أولاً، أعتقد أن المقدمة مُبالغ فيها قليلاً. الحقيقة هي أن أغلبية تعاليم يسوع تفترض مسبقاً امتداداً كبيراً للوقت قبل نهاية العالم، لكن ثانياً، حتى إذا ما اعتقد بعض من أتباع يسوع بأنه ربما سيعود سريعاً إلى حد ما، فتذكّر أن المسيحية ولدت من اليهودية.
“لثمانية قرون عاش اليهود مع التوتر بين الإعلانات المتكررة للأنبياء بأن يوم الرب كان قريباً، والتاريخ المستر لإسارئيل. وكان لا يزال أتباع هؤلاء الانبياء يسجلون، ويقيّمون، ويحفظون لكمات الانبياء. وطالما أن أتباع يسوع نظروا إليه كأعظم من نبي، فيبدوا من المعقول جدا أنهم كانوا سيفعلون نفس الشيء”.
فيما بد ذلك معقولاً، إلا أن يعض الباحثين أثاروا أيضاً اعتراضا آخر وهو ما أردت عرضة على بلومبيرج. “يقولون بإن المسيحيين الأوائل أمنوا تكراراً أن يسوع الميت جسدياً كان يتحدث من خلالهم برسائل، أو “نبوءات”، لكنائسهم. وطالما إنٍ هذه النبوءات كانت تعتبر موثوقة ككلمات يسوع حين كان حياً على الأرض، فإن المسيحيين الأوائل لم يميزوا بين هذه الأقوال الجديدة والكلمات الأصلية ليسوع التاريخي. وكنتيجة لذلك، تمزج الاناجيل هذين النموذجين من المواد، لذا فإننا لا نعرف حقا ما الذي يعود ليسوع التاريخي والذي لا. ذلك اتهام مزعج لكثير من الناس. كيف تردُّ على ذلك؟”
قال وهو يبتسم “هذا الجدال له دعم تاريخي أقل مما سبقه. في الحقيقة، يتضمّن العهد الجديد نفسه دليل يدحض هذه الفرضية.
“يوجد مناسبات بُشار فيها إلى النبوة المسيحية المبكرة، لكنها مميزة دائماً عما قاله الرب. على سبيل المثال، في 1كورنثوس 7 يُميَز بولس بشكل واضح بين كلامه هو وبين ما اقتبسه من كلام الرب، يسوع التاريخي. وفي سفر الرؤيا يمكن للفرد أن يميز بوضوح مقدار الوقت القصير الذي يتحدث فيه يسوع مباشرة إلى هذا النبي -يُفترض تقليديا أنه يوحنا الرسول – وعندما يسرد يوحنا رؤياه الخاصة المُوحاة له.
“وفي 1كورنثوس 14، عندما يناقش بولس المعايير للنبوة الحقيقية، يتحدث عن مسئولية الكنيسة المحلية لامتحان الأنبياء، وبالدنو من خلفيته اليهودية، نعرف بأن المعايير للنبوة الحقيقية كانت ستضمن إذا ما كانت النبوة تتحقق أو إذا ما كانت هذه التصريحات الجديدة تتوافق مع كلمات الرب المُعلنة.
“لكن الجدال الأقوي هو ما لا نجده أبداً في الأناجيل: فبعد صعود يسوع كان هناك عجج من الخلافات التي هددت الكنيسة المبكرة، إذا ما كان يجب أن يُختتن المؤمنين، وكيف يجب أن يُنظم التكلم بألسنة، وكيف يمكن الحفاظ على اليهودي والأممي متحدين، وما هي الأدوار الملائمة للنساء في الخدمة، وإذا ما كان يمكن للمؤمنين أن يُطلقوا من الأزواج والزوجات غير المسيحيين.
“كان يمكن أن تُحل هذه القضايا بطريقة ملائمة إذا ما كان المسيحيون الأوائل رجعوا إلى ما أخبرهم به يسوع من العلام البعيد في الأناجيل، لكن هذا لم يحدث مطلقاً. فاستمرار هذه الخلافات يُظهر أن المسيحيين كانوا مهتمين بالتمييز بين ما حدث أثناء حياة يسوع على الأرض وما تم مناقشته فيما بعد في الكنائس”.
2- اختبار القدرة
حتى إذا ما كان يميل الكُتَّاب إلى تسجيل التاريخ بشكل موثوق، فهل كانوا قادرين على عمل هذا؟ كيف يمكننا التأكد من أن المادة الخاصة بتعاليم وحياة يسوع تم حفظها بشكل جيد لمدة ثلاثين عاما قبل أن تكون قد كُتبت كاملة في الأناجيل؟
سألت بلومبيرج “ألا تعترف لأن الذكريات التي تحتوي عيوباً، والتفكير الآمل، ونشوء الأسطورة كانت ستشوه التقليد عن يسوع بشكل يتعذر إصلاحه قبل كتابة الأناجيل؟”
بدأ إجابته بتوطيد السياق قائلاً “لا بد أن نتذكر أننا في أرض غريبة، في زمان ومكان بعيدين، وفي ثقافة لم تخترع بعد الكمبيوتر أو حتى آلة الطباعة. فالكتب -أو بالحقيقة لفائف ورف البردي- كانت نادرة نسبياً، ومن ثم فالتربية، والتعليم، والعبادة، والتعلم في الجماعات الدينية كانت جميعها تتم بالسماع.
“لقد إشتهر الحاخامات بحفظهم غيباً لكامل العهد القديم، ومن ثمَّ فمن الجيد، وفي إطار قدرة أتباع يسوع على الاستظهار، أنهم قد اعتمدوا بنسبة أكبر على الذاكرة، ومما يظهر في كل الأناجيل الأربعة أن هذا قد تمّ تسليمه وتسلّمه بشكل دقيق”.
قاطعته قائلاً “انتظر لحظة. بصراحة، يبدو ذلك النوع من الإستظهار غير معقول. كيف يمكن أن يكون ذلك ممكناً؟”
إعترف قائلاً “نعم، من الصعب علينا تصوَر ذلك اليوم، لكنها كانت ثقافة شفهية، حيث كانت هناك اعتماد كبير على الاستظهار. ويجب أن تلاحظ أنه ما بين ثمانين إلى تسعون بالمائة من أقوال يسوع كانت أصلاً بصيغة شعرية. وهذا لايعني أنها كانت محشوّة بالقافية الشعرية، لكنها كانت موزونة، وسطروها متوازنة، ومتوازية، وهلم جرا، وهذا سيُشكّل مساعدة كبيرة على التذكر.
“الشيء الآخر الذي من الضروري قوله هو أن التعريف عن طريق الإستظهار كان أكثر مرونة من ذلك الحين. ففي دراسات الثقافات بالتقاليد الشفهية، كان هناك حرية لتباين المقدار الذي يتم إخباره من القصة في أي مناسبة؛ ما خُتم به، وام تم تركه، وما تم تفسيره، وما تم توضيحه، وهلم جرا.
“اقترحت إحدي الدراسات أنه في الشرق الأوسط القديم، فإنه في أي مكان من عشر إلى أربعون في المائة لأي إعادة رواية معطاة بتقليد مقدس يمكن أن تتباين من مناسبة لأخري. وبرغم ذلك، إلا أنه كان هناك دائما نقاط ثابتة لا يمكن تعديلها، وكان للجماعة الحق في التدخل والتصحيح للراوي إذا ما أخطأ في إحدي هذه السمات الهامة للقصة.
توقف باحثاً في ذهنه هن الكلمة الصحيحة وقال “إنه شيء ممتع. مصادفة أن النسبة من عشرة لأربعون في المائة متناسقة إلى حد ما مع مقدار التباين بين الاناجيل الأزانية في أي فقرة مُعطاة”.
لقد كان بلومبيرج يُلمّح إلى شيء ما؛ رغبت أن يوضحه أكثر فقلت” وضح هذا لي. ما الذي تقوله بالضبط؟”
“أقول إنه من المرجح أن الكثير من التشابهات والاختلافات بين الأناجيل الازانية يمكن توضيحها بافتراض أن التلاميذ والمسيحيين الأوائل الآخرين إستظهروا الكثير مما قاله وفعله يسوع، لكنهم شعروا بحرية في إعادة سرد هذه المعلومات في صيغ مختلفة، محافظين دائماً على مغزى تعاليم وأعمال يسوع الأساسية.
مازال لدي بعض الأسئلة حول قدرة هؤلاء المسيحيين الأوائل على حفظ هذا التقليد الشفهي بدقة. كان لدي أيضا ذكريات كثيرة عن ألعاب طفولية التي من خلالها كنا نُغربل الكلمات ثم نعيد ترتيبها في غضون دقائق.
لعبة التليفون
من المحتمل أنك لعبت لعبة التلفون بنفسك: يهمس أحد الأطفال بشيء ما في طفل آخر، على سبيل المثال” أنت أفضل أصدقائي”، ويُهمس بهذا لآخر، وهكذا في دائرة كبيرة إلى أن تصير في النهاية مُشوهة بشكل مُفرط، وربما تكون قد تحرّفت إلى “أنت أفحل أصدقائي”.
قلت لبلومبيرج “لنكن صرحاء، أليس هذا تشبيهاً جيداً لما قد حدث للتقليد الشفهي عن يسوع؟”
لم يكن بلومبيرج يقبل ه1ا التفسير فقال” لا، ليس حقاً، وإليك السبب: عندما تستظهر شيئاً بعناية وحرص فإنك تحرض على تمريره وفي نفس الوقت تتاكد من أنك حصلت عليه بطريقة صحيحة، فبذا أنت تفعل شيئ مختلف جداً عن لعب لعبة التلفون.
“جزء من اللعبة التلفون، هو المرح بأن الشخص قد لا يُصيب الحقيقة أو يسمع بشكل جيد في المرة الأولى، ولا يمكنه أن يطلب من الشخص أن تكرار ما ذكره. ثم عليك فوراً نقلها إلى الشخص المجاور لك، أيضاً في النغمات المهموسة التي تجعل على الأرجح إمكانية الخطأ للشخص التالي بدرجة كبيرة. لذلك نعم، ففي الوقت إمكانية الخطأ للشخص التالي بدرجة كبيرة. لذلك نعم، ففي الوقت الذي تكون فيه المعلومة ثد درات في غرفة بها ثلاثون شخص، فإن النتائج ستكون مرحة”.
ثم سألت” لماذا إذاً يُشابه ذلك عملية تمرير وتسليم التقليد الشفهي القديم؟”
رشف بلومبيرج من قهوته قبل الإجابة” إذا أردت حقاً تطوير هذا التشبيه في ضوء رقابة جماعة القرن الأول، فيجب أن تقول إن كل شخص ثالث، وهو يسمع بصوت واضح جداً، ويجب أن يسال الشخص الاول “هل ما زلت أقولها بشكل صحيح؟” ويغيرها إذا لم يكن ما يقوله صحيح.
فقال” فالجماعة الأولى ستراقب باستمرار ما قيل وتتدخل لإجراء التصحيحات على طوال الطريق. وهو ما يحفظ نزاهة الرسالة. والنتيجة ستكون مختلفة جداً عن نتيجة لعبة التلفون الطفولية”.
3- اختبار الشخصية
ينظر هذا الاختبار فيما إن كان في شخصية هؤلاء الكُتَّاب بكونها صادقة. وإن كان هناك أي دليل على عدم الأمانة أو عدم الأخلاقية الذي قد يفسد قدرتهم أو رغبتهم في نقل التاريخ بدقة؟
هز بلومبيرج رأسه وقال “إننا ببساطة لا نملك أي دليل معقول لإقتراح أنهم كانوا أي شيء عدا أنهم أُناس ذوي نزاهة عظيمة”.
“إننا نراهم يُبلغون كلمات وأفعال إنسان دعاهم إلى مستوي من النزاهة والإستقامة تفوق ما دعت إليه أي ديانة أخري. وهم كانوا راغبين للعيش وفق إعتقاداتهم لدرجة أن عشرة من بيت الأحد عشر تلميذا الباقين تعرضوا لميتات مروعة، وهو ما يُظهر عظمة شخصياتهم:
“من جهة الإستقامة، من جهة الصدق، من جهة الفضيلة الأخلاقية، فلدي هؤلاء الأشخاص سجل حافل بالنجاحات يُحسدون عليه”.
4- اختبار الاتساق
هذا اختبار يتهم فيه المتشككين غالباً الأناجيل بالفشل. باختصار، هل هم متناقضين بلا أمل مع بعضها البعض؟ ألا يوجد تعارضات لا تقبل المصالحات بين أوصاف الإنجيل المختلفة؟ وإذا كان يوجد فكيف يمكن لأي شخص أن يثق في أي شيء يقولونه؟
أقرَّ بلومبيرج بأن هناك نقاط عديدة التي تبدو فيها الأناجيل متعارضة فقال “يمتد هذه طوال الطريق من التباينات الصغيرة جداً في الكلام إلى التناقضات الظاهرة الأكثر شهرة”.
“اقتناعي، هو أنك عندما تسمح للعناصر التي تحدثت عنها من قبل -من أعادة صياغة، والاختصار، والإضافات التوضيحية، والاختبار، الحذف- فإنك ستجد أن الأناجيل متسقة جداً مع بعضها البعض بالمعايير القديمة، التي تمثل المعايير الوحيدة التي من الإنصاف الحكم بها “.
أشرت قائلاً “على نحو ساخر، لو كانت الأناجيل مطابقة لبعضها البعض، كلمة بكلمة، فإن ذلك كان سيرفع الاتهامات التي تقول بأن الكُتَّاب تآمروا فيما بينهم لتنسيق قصصهم مسبقاً، والتي كانت ستثير الشك حولهم”.
وافق بلومبيرج وقال” هذا صحيح. إذا ما كانت الأناجيل متطابقة تماماً، فإن ذلك في حد ذاته كان سيبطلهم كشهود مستقلين. ومن ثم كان الناس سيقولون إننا حقاً لدينا شهادة واحدة لذلك فإن كل شخص آخر يردد الكلام كالببغاء”.
أومض ذهني بكلمات سيمون جرينفيلف من كلية حقوق هارفارد، أحد الشخصيات القانونية البارزة ومؤلف دراسة مؤثرة عن الأدلة. بعد دراسة الإتساق بين كُتَّاب الأناجيل الأربعة، قدَّم تقييمه هذا: “يوجد ما يكفي من تناقض ليرينا أنه لا يمكن أنه كان هناك اجتماع سابق بينهم؛ وفي نفس الوقت فإن مثل هذه الموافقة الجوهرية كما لو أنها تظهر أنهم جميعاً كانوا رواة مستقلين لنفس التعامل العظيم”.
ومن منظور مؤرخ كلاسيكي، اتفق العالم الألماني هانز ستير على أن الموافقة على المعلومات الرئيسية وتباين التفاصيل يقترحان مصداقية؛ لأن الروايات المُلفقة تميل إلى أن تكون متطابقة ومتوافقة تماماً. لقد كتب “كل مؤرخ متشكك على نحو خاص في تلك اللحظة التي يتم فيها تقرير حدث غير عادي في روايات خالية تماماً من التناقضات”.
في حين أن ذلك صحيح، إلا أنني لم أرد إهمال الصعوبات التي تثيرها التناقضات المزعومة بين الأناجيل. فقررت تقصي القضية أكثر بمهاجمة بلومبيرج ببعض التناقضات الواضحة الظاهرة التي ينتهزها الشكاكون تكرارا كأمثلة على السبب بأن الأناجيل لا يمكن الاعتماد عليها.
التعامل مع التناقضات
بدأت بقصة معروفة لمعجزة شفاء. أشرت إلى أنه “في متي يقول إن قائد المئة نفسه جاء ليطلب من يسوع أن يشفي خادمه رغم أن لوقا يقول إن قائد المئة أرسل الشيوخ ليفعلوا هذا. ألس ذلك بتناقض واضخ، أليس كذلك؟”
أجاب بلومبيرج “لا، لا أعتقد ذلك. فكر في الأمر بهذه الطريقة: في عالمنا اليوم نسمع تقريرا إخباريا يقول “أعلن اليوم الرئيس أن … ” بينما في الحقيقة بأن الخطاب قد تم كتابته من قبل كاتب أحاديث وسلّم من قبل السكرتير الصحفي- وربما بمقدار ضئيل من الحظ ألقي الرئيس نظرة عليه فيما بين هذه وذاك. ومع ذلك لم يتهم أحد المذيع بأنه مخطئ.
“وبطريقة مشابهة كان من المفهوم والمقبول جيدا في العالم القديم أن الأفعال كانت تُنسب غالباً إلى أشخاص فيما تكون في الحقيقة قد حدثت من خلال أتباعهم أو مبعوثهم، في هذه الحالة من خلال شيوخ الشعب اليهودي.
“إذاً فأنت تقول إن متي ولوقا يمكن أن يكونا كليهما على صواب في نفس الوقت؟”
أجاب “هذا بالضبط ما أقوله”.
بقد بدا ذلك معقولاً، من ثمَّ إلى مثال آخر. “ماذا عن مرقس ولوقا بقولهما بإن يسوع قد أرسل الشياطين إلى الخنازير في الجرجسيين، بينما يقول متي بأن ذلك قد حدث الجدريين.
ينظر الناس إلى ذلك ويقولون هذه تناقض واضح لا يمكن توفيقه- إنهما مكانين مختلفين تماماً. أقفلت القضية”.
ضحك بلومبيرج بينه وبين نفسه وقال “حسنا، لم تُقفل القضية حتى الآن. هناك حل واحد ممكن: الأولى كانت مدينة، أما الثانية فكانت مقاطعة”.”
بدا لي ذلك سطحياً جداً. بدا وكأنه يتخطي الصعوبات الحقيقية التي تثيرها هذه القضية.
قلت “إن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك. فالجرجاسيين، المدينة، لم تكن قريبة من بحر الجليل في أي مكان، ومع ذلك هو المكان الذي من المفترض أن الشياطين- بعد دخولها إلى الخنازير- أخذت القطيع فوق المنحدر الصخري ليلقوا حتفهم”.
فقال “حسنا، تلك نقطة جيدة، لكن كان هناك حطام مدينة تم الكشف عنها عند الجانب الأيمن بالضبط على الشاطئ الشرقي لبحيرة طبرية. غالبا ما تُنطق الصياغة الإنجليزية لاسم المدينة خيرسا ،Khersa، لكنها ككلمة عبرية فإنها ترجمت أو تُرجمت صوتياً في اليونانية، يمكن أن تنتج صوتً شبيهاً جداً بكلمة ،الجرجاسيين Gerasa،. لذلك ربما كان هذا في خيرسا على الأرجح- والتي هجائها في اليونانية تم ترجمته كجرجاسيين- في مقاطعة الجدريين”.
سلمت بذلك بابتسامة وقلت “حسنا، سأسلم بذلك التفسير، ولكن يوجد هنا مشكلة ليست سهلة: ماذا عن التناقضات بين سلسلة نسب يسوع في متي ولوقا؟ غالبا ما يشير إليهما المتشككون كمتعارضتين بشكل بلا حل”.
فقال “هذه قضية أخري ذات خيارات متعددة. مثل ماذا؟ البديلان الأكثر شيوعا هما أن متي يقدّم سلسلة نسل يوسف، لأن أغلب الأصحاح الأول يُخبر من منظور يوسف، ويوسف، كالأب المتبني، كان يمكن أن يكون السلف القانوني الذي من خلاله كان سيتتبع نسب يسوع الملكي. فهذه موضوعات هامة بالنسبة لمتي.
“فيما تتبّع لوقا سلسلة النسب من خلال نسب مريم. ونظرا لأن كليهما من نسل داود، فإنك عندما تحصل على ذلك فإن الأنسال تلتقي عند نقطة واحدة.
“الخيار الثاني هو أن كلا السلسلتين يعكسان نسب يوسف كي يشكلان الشرعيات الضرورية، لكن واحد يمثل سلسلة نسب يوسف البشرية -إنجيل لوقا- والآخر يمثل سلسلة نسب يوسف الشرعية، والاثنين يتشعبان عند النقاط التي لم يكن لشخص ما في السلسلة نسلا مباشراً. كان لزاما أن ينشئا ورثة شرعيين من خلال ممارسات متنوعة للعهد القديم.
“تتضخم المشكلة أكثر لأن بعض الأسماء محذوفة، الأمر الذي كان مقبولا تماما بمقاييس العالم القديم. وهناك المغايرات النصية —– أسماء، المترجمة من لغة لأخري، غالبا ما يكون لها تهجئات مختلفة ومن ثم تشوش بسهولة لاسم شخص مختلف”.
أثار بلومبيرج نقطته الرئيسية: هناك على الأقل بعض التفسيرات المعقولة. حتى إذا لم يكن خالية من نقاط الضعف، إلا أنها على الأقل تزودنا بتوافق معقول للروايات الإنجيلية.
نظرا لأنني لم أرد أن تتفسّخ محادثتنا إلى نقطة جدال فقد قررت أن أنتقل، وفي نفس الوقت وافق بلومبيرج وأنا على أن أفضل منهاج شامل هو دراسة كل موضوع بشكل منفرد لرؤية ما إذا كان يوجد طريق عقلاني لحل التعارض الظاهري بين الأناجيل. بالتأكيد ليس هناك عجز في الكتب الجديرة بالاعتماد عليها والتي تفحص بشكل كامل، أحيانا بالتفصيل المفرط، كيف يمكن التناغم بين هذه الاختلافات.
قال بلومبيرج “هناك مناسبات قد نحتاج فيها لتأجيل الحكم ونقول ببساطة إنه نظراً لأننا قد قمنا بوعي من الأغلبية الشاسعة من النصوص وقررنا أنها جديرة بالثقة، فإننا نستطيع ثم إفتراض أنها تقول الحقيقة متي كنا غير متأكدون من بعض التفاصيل الأخري”.
5- اختبار الانحياز
يحلل هذا الاختبار ما إذا كان لدي كُتَّاب الأناجيل أي تحيزات والتي كانت ستصبغ عملهم. هل كان لديهم أي مصلحة شخصية في تحريف المادة التي كانوا يخبرون عنها؟
أشرت قائلاً “لا يمكننا أن نقلل من تقدير حقيقة أن هؤلاء الأشخاص أحبوا يسوع. إلا أنهم لم يكونوا مراقبين محايدين؛ لقد كانوا أتباعه المكرسين. ألا يدفعهم ذلك لتغيير بعض الأشياء لجعلها تبدو في صورة جيدة؟”
أجاب بلومبيرج “حسنا، سأسلم بهذا إلى حد كبير؛ فإنه يخلق إمكانية حدوث هذا، لكن من الناحية الآخري، يمكن للناس أن يكونوا مكرمين جداً ويحترمون شخص ما حتى يدفعهم ذلك إلى تسجيل حياته بأمانه عظيمة. وتلك هي الطريقة التي كانوا سيظهرون بها محبتهم له، وأنا أعتقد أن ذلك هو ما حدث هنا.
“هذا بالإضافة إلى، أن هؤلاء التلاميذ لم يكن لديهم شيء ليكتسبوه سوى النقد، والنبذ، والاستشهاد. لم يكن بالتأكيد هناك شيء يكسبونه مادياً. وإذا ما كان هناك أي شيء فإن هذا كان سيزود الضغط على السكوت، وإنكار يسوع، والتقليل من شأنه، بل وأيضاً نسيان أنهم قابلوه على الإطلاق، ومع ذلك فبسبب أمانتهم أعلنوا ما رأوه، حتى عندما كان هذا يعني المعاناة والموت”.
6- اختبار التغطية
عندما يشهد الناس على أحداث رأوها، فإنهم سيحاولون غالباً حماية أنفسهم أو آخرين بالتغافل، بطريقة ملائمة، عن ذكر التفاصيل المُحرجة أو الصعبة التفسير. وكنتيجة لهذا، يثير ذلك شكاً حول مصداقية شهادتهم كلها.
لذا سألت بلومبيرج “هل تضمن عمل كُتَّاب الاناجيل أي مادة قد تكون مُحرجة؟ أو عملوا على تغطيتها لجعل مظهرهم لائقاً؟ هل ذكروا أي شيء يمثل إزعاجاً أو صعوبة لهم للتوضيح؟”
فقال “في هذه الخط هناك جزء صغير للغاية واقعي؛ فهناك مجموعة كبيرة من تعاليم يسوع تُدعي الأقوال الصعبة ليسوع. وبعضها يطالب بمطالب أخلاقية مشددة. إذا ما كنت أبتدع ديانة لتناسب مع أهوائي، فعلى الأرجح أنني ما كنت أطالب نفسي بأن أكون كاملاً كأبي السماوي الكامل، أو أعُرّف الزنا ليتضمّن شهوة القلب”.
اعترضت قائلاً” هناك عبارات صعبة التحقيق في الديانات الأخري أيضاً”.
“نعم، ذلك صحيح، لهذا السبب فأن النوع الأكثر إقناعاً للأقوال العسرة هو تلك التي يمكن أن تتصف بالإرباك عندما أرادت الكنيسة تعليمه عن يسوع”.
بدت تلك الإجابة مُبهمة فقلت “أعطني بعض الأمثلة”.
فكر بلومبيرج للحظة ثم قال “على سبيل المثال، يقول مرقس 5:6 بإن يسوع قام بمعجزات قليلة في الناصرة لأن إيمان الناس هناك كان قليلاً، وهو ما يبدو كتحديد لقدرة يسوع. وهناك مثال آخر، في مرقس 32:13 قال يسوع إنه لا يعرف اليوم أو ساعة رجوعه، وهو ما يبدو أنه كتحديد لكلية علمه.
“الآن، في النهاية لم يجد علم اللاهوت مشكلة في هذه التصريحات، لأن بولس نفسه، في فيلبي 2: 5-8، يتحدث عن أن الله في المسيح قد تخلي طوعاً وعمداً عن صفاته الإلهة.
“لكن إذا ما شعرت بحرية في التصرف بشكل غير مسؤول بالتاريخ الإنجيلي، فسيكون أمراً أكثر ملائمة إذا ما حذفت تلك الأقوال عامة، ومن ثم فلست مضطراً للإنزعاج بأمر تفسيرها.
“مثال آخر، معمودية يسوع. مع أنه يمكن تفسير لماذا اعتمد يسوع، الذي بلا خطية، لكن ألا كان من الأسهل تغافل هذا الحدث عامة؟ وكذا الأمر مع صراخ يسوع وهو على الصليب “إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟” كان يمكن أن يكون حذفها لمصلحة الكُتَّاب الشخصية، إذ أنها تُثير الكثير من الأسئلة”.
أضفت قائلاً” بالتأكيد، هناك عدد وفير من المواد المُربكة بشأن التلاميذ”.
قال بلومبيرج “بلا ريب؛ فوجهة نظر مرقس لبطرس غير مفضلة على نحو متناغم إلى حد ما، وهو زعيم الجماعة! تكراراً ما يخطئ التلاميذ فهم يسوع. فيعقوب ويوحنا يريدان أن يكونا عن يمين ويسار يسوع، وكان لزاما أن يعلمهم دروسا قاسية عن القيادة الخادمية بدلا من ذلك. إلا أنه يُظهرهم كفنة نفعية أنانية، السعي الذاتي، وكأناس متبلدين الذكاء في أحيان كثيرة.
“الآن، نحن نعرف بان كُتّاب الإنجيل كانوا إنتقائيون؛ حيث ينتهي إنجيل يوحنا بالقول، على نحو متسم بالغلو إلى حد ما، إن العالم بأكمله لا يستطيع أن يسع لكل المعلومات التي يمكن أن تُكتب عن يسوع. لذلك تركوا بعضه، والذي في حد ذاته ما كان بالضرورة سيتم رؤيته كتزييف للقصة.
“لكن هنا النقطة: فإذا لم يشعروا بحرية في ترك المواد التي من المناسب والمساعد في ذات الوقت، لكان من المعقول جداً الإعتقاد بأنهم أضافوا وإختلقوا كلياً مادة بدون أساس تاريخي؟”
ترك بلومبيرج السؤال معلقاً للحظة قبل أن يختم بثقة “أقول لا”.
7- اختبار التأييد
قدمت هذا الاختبار التالي بسؤال بلومبيرج “عندما تُشير الأناجيل إلى أشخاص، وأماكن، وأحداث، فهل تحققوا من صحتها في الحالات التي يمكن فيها أن يُثبت صحتها بشكل مستقل؟” غالبا ما يكون هذا التأييد ثمين في التقييم إذا كان لدي الكاتب لديه إلتزام بالدقة.
أجاب بلومبيرج “نعم، تحققوا، وكلما اكتشف الناس هذا لمدة أطول، كلما تم تأكيد التفاصيل أكثر. ففي غضون المائة سنة الأخيرة كشف علم الآثار مراراً وتكراراً عن اكتشافات أكدت إشارات محدد في الأناجيل، وبخاصة إنجيل يوحنا، الإنجيل الذي من المفترض انه موضع اشتبها جداً، فيا لها من سخرية للقدر!
“إلا أنه، نعم، ما زالت هناك بعض القضايا عالقة، وكانت هناك مشكلات جديدة قد أوجدها علم الآثار، لكن تلك المشاكل أقلية بالغة مقارنة بعدد أمثلة التأييد.
“بالإضافة إلى أننا يمكن أن نعلم من خلال المصادر غير المسيحية الكثير من الحقائق حول يسوع والتي تؤيد التعاليم الأحداث الرئيسية لحياته. وعندما تتوقف لتفكر في أن المؤرخين القدماء تعاملوا في الغالب مع حكام سياسيين، وأباطرة، وملوك، ومعارك عسكرية، وأُناس دينيين رسميين، وحركات فلسفة هامة، فستلاحظ المقدار الكبير الذي يمكن أن نتعلمه عن يسوع وأتباعه برغم أنهم لا يتناسبون مع أي من تلك الفئات في الوقت الذي كان يكتب فيه هؤلاء المؤرخين”.
كانت تلك إجابة دقيقة ومساعدة. رغم ذلك، ففي حين أنه لم يكن لدي سبب لشك في تقييم بلومبيرج، قررت أنه سيكون من الجدير أن أقوم ببحث أكثر على امتداد هذه الخطوط. التقطت قلمي ودونت سريعاً رسالة تذكير لنفسي على هوامش مذكراتي: احصل على آراء الخبراء من عالم آثار ومؤرخ.
8- اختبار الشاهد المضادّ
يطرح هذه الاختبار سؤال، هل يُقدّم الآخرين ما يناقض أو يُصحح الأناجيل إذا ما كانت مشوهة أو زائفة؟ وبمعني آخر، هل نري أمثلة لمعاصري يسوع يشكون بأن روايات الأناجيل خاطئة تماماً؟
قال بلومبيرج “كان لدي العديد من الناس أسباب متنوعة لتشويه هذه الحركة وكانوا سيفعلون ذلك إذا ما كانوا يستطيعون ببساطة أن يخبروا التاريخ بشكل أفضل”.
“ومع ذلك انظر لما قاله معارضيه. في الكتابات اليهودية فيما يعد يسوع تدّعي بأنه الساحر الذي قاد إسرائيل إلى الضلال، وهي تعترف بأنه حقاً صنع عجائب مذهلة، ولو أن الكتاب يُعارضون مصدر قوته.
“لقد كانت تلك فرصة مثالية لقول شيء مثل “سيخبرونك المسيحيين بأنه صنع معجزات، لكننا هنا لنخبرك بأنه لم يصنع“ ومع ذلك هذا هو الشيء الوحيد الذي لا نري معارضيه يقولونه. لكن بدلاً من ذلك يعترفون بشكل واضح بأن ما كتبته الأناجيل، وأن يسوع صنع معجزات، صحيح”.
سألت قائلاً ” هل كان يمكن لهذه الحركة المسيحية أن تتأصل هناك في أورشليم -في المنطقة التي قام يسوع فيها بمعظم خدمته، وصُلب، ودُفن، وقام- إذا ما كان الذين عرفوه على وعي بأن التلاميذ كانوا يبالغون أو يشوهون الأشياء التي صنعها؟”
فأجاب بلومبيرج ” أنا لا أعتقد ذلك. فلدينا صورة لما كانت عليه حقاً فقد كانت حركة ضعيفة وهشة جداً وكانت عرضة للاضطهاد. وإذا ما كان بإمكان المعارضون أن يهاجموها على أساس أنها مليئة بالأمور الزائفة أو التشويشات فإنهم كانوا سيفعلون ذلك.
إيمان مُدعم بالحقائق
أعترف بأنني كنت مُعجاً بلومبيرج؛ المقنع والعلمي المطلّع واللبق، فقد بني قضية قوية لموثوقية الأناجيل. برهانه على كتابها التقليدية، وتحليله للتاريخ المبكر جدا للاعتقادات الأساسية حول يسوع هو ابن الله الفريد. في الحقيقة، بعد الحديث مع بلومبيرج، أصبحت مهمتي التالية واضحة: تقرير ما إذا كانت هذه الأناجيل- التي رأينا مع بلومبيرج أنها جديرة جداً بالثقة- تمَ تسليمها لنا عبر القرون بشكل موثوق. كيف يمكن لنا أن نتأكد من أن النصوص التي نقرأها اليوم تحمل أي تشابه لما كان مكتوباً في الأساس في القرن الأول؟ والأكثر من ذلك، كيف نعرف أن الأناجيل تخبرنا بكامل قصة يسوع؟
نظرت إلى ساعتي. فإذا ما كانت الشوارع غير مزدحمة، فهذا يعني وصولي للمطار مبكراً في رحلة العودة إلى شيكاغو. وفيما كنت أجمع مذكراتي، وأغلق جهاز التسجيل، طار نظري مُحدقاً مرة أخري إلى رسومات الأطفال على حائط بلومبيرج -وفجأة فكرت فيه للحظة ليس كعالم، ولا كمؤلف، ولا كأستاذ جامعي، بل كأب يجلس على حافة أسرّة بناته في المساء ويتحدث بهدوء معهم عما هو هام حقا في الحياة.
تساءلت عما يخبرهم به عن الكتاب المقدس، وعن الله، وعن يسوع هذا الذي يدعي هذه الادعاءات الخيالية حول نفسه؟
لم أستطع أن أقاوم الخيط الأخير من الأسئلة فسألت “ماذا عن إيمانك؟ كيف أثر كل بحثك على معتقداتك؟”
بالكاد أخرجت الكلمات من فمي قبل أن يجيب “لقد رسخها، بلا شك. أعرف من بحثي أنه يوجد دليل قوي جداً لجدارة روايات الإنجيل.”
ظل صامتا للحظة، ثم استرسل قائلاً” أنت تعرف، إنه شيء ساخر: الكتاب المقدس يعتبر أنه من الجدير بالمدح أن يكون لديك إيمان لا يتطلب برهانا. تذكر كيف أجاب يسوع على شك توما: “أنت تؤمن لأنك تري؛ طويس لمن أمن ولم يري“ وأنا أعرف أن البرهان لا يمكن أبداً أن يجبر أو يكره على الإيمان. فنحن لا يمكننا أن نأخذ مكان ودور الروح القدس، الذي يمثل غالبا اهتماما للمسيحيين عندما يسمعون مناقشات من هذا القبيل.
“لكنني سأخبرك بهذا: هناك الكثير من قصص باحثين في مجال العهد الجديد الذين لم يكونوا مسيحيين، ومع ذلك فمن خلال دراستهم لهذه القضايا أمنوا بالمسيح. وهناك باحثين أكثر بلا عدد، مؤمنين بالفعل، تقوي إيمانهم، وترسخ، زاد تأسيسا، بسبب البرهان، وتلك هي الفئة التي أقع فيها.“
أما بالنسبة لي، فقد كنت في الأساس من الفئة الأولى، لا، ليس باحثاً بل شكاكاً، محطماً للمعتقدات التقليدية، مراسلاً متصلب المشاعر على تحقيق يبحث عن الحقيقة عن يسوع الذي قال إنه الطريق والحق والحياة
أغلقت حقيبتي ووقفت كي أشكر بلومبيرج. لأعود بالطائرة إلى شيكاغو مرضياً لأن، بحثي الروحي اتسم ببداية جيدة.
مشاورات
أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة
* بشكل عام، كيف أثرت ردود بلومبيرج على الاختبارات الثمانية الواضحة على ثقتك بموثوقية الأناجيل.. ولماذا؟
* أي من هذه الإختبارات الثمانية دُرست بشكل أكثر إقناعاً، ولماذا؟
* عندما تعتمد على أشخاص تدلي بتفاصيل مختلفة قليلاً عن نفس الحدث، تشك في مصداقيتهم تلقائياً، أم تُري تحاول إيجاد طريق معقول للتوفيق بين رواياتهم؟ كيف وجدت تحليل لومبيرج المقنع حول للتناقضات الظاهرية بين الأناجيل؟
لمزيد من الأدلة، مصادر أخري حول هذا الموضوع
Archer, Gleason L. The Encyclopedia of Bible Difficulties. Grand
Rapids: Zondervan, 1982. Blomberg Craig. “The Historical Reliability of the New Testament.” In Reasonable Faith, by William Lane Craig 193-231. Westchester
111: Crossway 1994 ______ “Where Do We Start Studying Jesus? »In Jesus under Fire, edited by Mi-chael J. Wilkins and J. P. Moreland, 17-50. Grand Rapids: Zondervan 1995.
Dunn James. The Living ord. Philadelphia: For-tress 1988. Marshall, I. Howard. I Believe in the Historical Jesus. Grand Rapids: Eerdmans 1977.
يصف الكتاب علي الاقل عشرة ظهورات مختلفة للمسيح، بين قيامته وصعوده. فقد ظهر: 1) لمريم المجدلية عند القبر (مر16: 9، يو20: 11- 18)، 2) للنساء علي الطريق (مت 28: 9، 10)، 3) لتلميذين منطلقين إلي عمواس (لو24: 13- 32)، 4) لبطرس (لو24: 34)، 5) لعشرة من التلاميذ لان توما كان غائباً (لو24: 36- 43، مر16: 14، يو20: 19- 25)، 6) بعد ثمانية ايام ظهر للاحد عشر حيث كان معهم توما (يو20: 26- 31)، 7) سبعة تلاميذ علي شاطئ بحر الجليل (يو21: – 25)[1].ومن القراءة لنصوص للعهد الجديد التي ذكرت حدث القيامة والظهورات نري ان التشديد علي قيامة يسوع في الاناجيل الاربعة ليس مُركزاً علي دليل واقعي للعالم غير المسيحي، بل علي تأثير هذه الحقيقة العجيبة علي تلاميذ يسوع المذهولين المبتهجين وعلي خوفهم وفرحهم، شكوكهم ويقينهم[2].
ولذلك يجب علي كل قارئ أن لا يُعثر من الاختلافات التي تبدو للوهلة الاولي في قصة القيامة، لأن الذي يتحدَّث عن القيامة إنما يتحدَّث عن أمور ليست تحت ضبط العقل والفكر والحواس والعين والتمييز البصري، فالقيامة بكل ظهوراتها وأقوالها وتسجيلاتها تمَّت بسبب انفتاح خاص في الوعي الروحي ليُرى ما لا يُرى، ولكل إنسان وعي خاص بإمكانيات خاصة، وكل وعي يختلف في القدرة والدقة والانفتاح والشمول عن الوعي الآخر، حتى أن القيامة نفسها يوجد من عاينها ويوجد مَنْ لم يعاينها لأنها تعتمد على قطبين:
الأول: إرادة المسيح في أن يُعلن أو لا يُعلن نفسه، وبوضوح كامل أو بوضوح أقل كما حصل لتلميذي عمواس.
والقطب الثاني: قدرة الذي يتلقَّى الاستعلان كما قلنا. لذلك يوجد مَنْ يحكي بإسهاب ومَنْ يحكي باختصار شديد، ومَنْ يقول كثيراً ومَنْ يقول قليلاً، ومَنْ يقول اثنين ومَنْ يقول بل واحداً. وهكذا فكل ما يخص القيامة لا يدخل تحت النقد أو الفحص أو التحقيق أو الإيضاح.
ولكن لمرَّة واحدة أراد المسيح حقـًّا وبالفعل أن يُدخل نفسه كيسوع المسيح القائم من الأموات لتحقيق التلاميذ العقلي والحسِّي والنظري حتى باللمس: (ما بالكم مضطربين، ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم (شك)؟ انظروا يديَّ ورجليَّ (أثر المسامير): إني أنا هو (المصلوب). جسُّوني وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي (قيامة بالجسد كما كان). وحين قال لهم هذا أراهم يديه ورجليه. وبينما هم غير مصدِّقين من الفرح، ومتعجِّبون، قال لهم: أعندكم ههنا طعام؟ فناولوه جزءًا من سمكٍ مشويٍّ وشيئاً من شهد عسل. فأخذ وأكل قدَّامهم (ولكن ليس معناه أن في القيامة يأكلون ويشربون) «(لو 24: 38- 43)، » ثم قال لتوما هات إصبعك إلى هنا وأبصر يديَّ، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمنٍ بل مؤمناً. « (يو 27:20).
ويقرِّر العالِم بورنكام هكذا: [إن قيامة المسيح حقيقة تفوق الواقع التاريخي، ولا يستطيع التاريخ أن يفحص كيفيتها، ولكنه يتيقَّن من حدوثها كحقيقة أُومن بها بواسطة التلاميذ بيقين راسخ يسجِّله التاريخ، وبدونه لا يكون إنجيل ولا خبر ولا حرف في العهد الجديد. لأنه لا إيمان ولا كنيسة ولا عبادة ولا صلاة ولا مسيحية حتى هذا اليوم بدون قيامة يسوع المسيح من الأموات. وبالرغم من ذلك فإنه مستحيل أن نصل إلى قناعة عن فحص كيف تمَّت القيامة. وكل ما نعرفه أن القيامة كانت أعظم تدعيم وأعظم شهادة قدَّمها الله الآب لشخص يسوع المسيح إزاء رفض العالم له والشكوك الأُولى لتلاميذه[3]].
ولكن قد سبق أعلاه وأن شرحنا للقارئ لماذا هو عدم اليقين العقلي والحسِّي بمنتهى الوضوح. فالأمر يتخطَّى الإمكانيات البشرية ليدخل في الهبة البسيطة والعظمى التي أسكنها الله قلوب أولاده “الإيمان”!! فهو المسئول عن فتح وعي الإنسان لإدراك ما لا يُدرك: آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك! (أع 31:16)[4].
فالرؤية تتعلَّق بإمكانيات الانفتاح للوعي وهي موهبة لا يشترك في درجتها اثنان. لذلك لا ينبغي إطلاقاً عمل موازنات بين ما قيل وما رؤي وما سُمع بالنسبة للقيامة التي قامها المسيح. لذلك بكل وضوح لا نجد الجميع يشتركون في رواية بحذافيرها، فكل إنجيل يصف ما سمع أو رأى أو استلم من التقليد. بل والتقليد نفسه يستحيل أن يقدِّم حادثة واحدة من عدة زوايا الأناجيل الأربعة بنفس الكلام أو الوصف أو التأثر. وحتى قارئ الإنجيل أو مَنْ يسمعه بالنسبة للقيامة فهو يسمع ويفهم ويتحقَّق بقدر انفتاح وعيه ولا يشترك اثنان في تحقيق فعل واحد أخروي.
لذلك حينما ندخل إلى حقيقة القيامة نجد الأناجيل تقدِّم خبرات متعددة تشترك في حقيقة واحدة وهي قيامة المسيح من الأموات ولكن بلغة ووصف وتحقيق متعدد المستويات. ولكن تعدد الخبرات والرؤى والتحقيق يجمع في النهاية كل زوايا حقيقة قيامة الرب من بين الأموات في أكمل صورة لها دون الأخذ برواية وترك الأخرى[5].
ولا يجب ان نخلط النقد الفلسفي وهو من المفترض ان يكون مختصاً بالميتافيزيقا (اي ما وراء الطبيعة او العلوم الغير محسوسة او مدركة اومادية كتلك الخاصة بالاديان واللاهوت)، وبين النقد التاريخي، والذي يبحث بحيادية تاريخية عن الحدث مُقارناً إياه بأساليب البحث التاريخية للوصول إلي اقرب صورة للحقيقة، فبينما يري الفيلسوف قصتين بينهما اختلاف فيقول ان القصص المختلفة لا يمكن ان تعبر عن الحقيقة، فنجد المؤرخ عندما ينظر الي الروايات المتضاربة عن حدث تاريخي، يقول: اري بعض التضارب لكني الاحظ شيئاً فيها، انها جميعاً في التفاصيل الثانوية، لان هُناك جوهر أساسي اعتمدت عليه هذه القصص يمكن الاعتماد عليه وتصديقه مهما كانت التفاصيل الثانوية متناقضة[6].
فصحيح ان اكتشافات القبر الفارغ توصف بطرق مختلفة في الاناجيل المختلفة، لكن لو طبقنا نفس المعايير التي نطبقها علي اي مصادر ادبية قديمة اخري، فسنجد الادلة حاسمة ومقبولة لدرجة انها تستلزم الاستنتاج بأن القبر في الحقيقة وجد فارغاً[7].
ولعالم الاحياء التطوري د. ريتشارد داوكينز قول يجب ان نستخدمه هُنا، إذ هو أكثر تناسباً مع الآحداث التاريخية التي ذُكِرَت عرضاً في النصوص الدينية ومحاولاتنا لفهمها والبحث عن حقيقتها عن إستخدامه مع العلوم المعملية، فيقول: اننا مثل المُحققين الذين جائوا إلي مسرح الجريمة بعد إرتكابها. لقد تلاشت افعال المجرم في الماضي. ليس لدي المُحققق أمل في مشاهدة الجريمة الفعلية بعينيه الخاصة. علي أي حال، فما لدي المُحقق فعلياً هو الأثار التي بقيت، وهُناك مقدار عظيم من الثقة هنا. هُناك أثار اقدام، بصمات اصابع لطخات دم، رسائل، دفاتر يومية. وهذا هو السبيل لتحديد معالم تاريخ العالم وصولاً إلي الحاضر[8].
ولذلك فلا مجال ابداً للتشكيك في حدث القيامة ذاته نتيجة الإختلاف الظاهري بين الروايات الإنجيلية، فتكرار رروايات كثيرة حول حدث واحد يؤكد ان هذا الحدث حصل فعلاً، وهكذا يُنظر ايضاً إلي كل رواية تاريخية فمستحيل ان نجد رواية واحدة لم يختلف حولها المؤرخون، ومع ذلك فنجدهم جميعاً مُتفقين ان الحدث الذي يدور حوله جدلهم هذا قد حدث بالفعل وغير مقبول التشكيك في ذلك.
وكما قلنا هُناك صعوبة في ترتيب الأحداث، لأن كل إنجيل اٍنفرد بذكر بعض الأحداث دون الأخرى، والصعوبة لا تتصل بحقيقة القيامة ولكن في ترتيب الأحداث. والصعوبة تنشأ لو تصورنا أن الأحداث كلها حدثت في وقت واحد. ولكن:-
1- الأحداث لم تحدث كلها في وقت واحد.
2- نفس الحدث يراه كل إنجيلي ويرويه بطريقة مختلفة، ولكن الحقيقة واحدة[9].
فلا عجب إذاً من الاختلاف في القصص التي تسرد ما حدث يوم الاحد عند قيامة يسوع، فمشهد خلو المقبرة منه ورسل السماء يبدون ردود افعال مختلطة، والفرح والقلق والخوف والتعجب، وايضاً بعض التشويش عندما اسرع الناس لاخبار غيرهم، حيث قام احد الكتبة بتسجيل ما سمعه من شخص بينما كتب آخر ما سمعه من شخص آخر، ولكن الحقائق لا خلاف عليها، فكان القبر خالي ويسوع قام، وفي هذا الجزء سنلخص الاحداث وترتيبها كما امكن:
1- المشهد الاول يضم مجموعتين من النساء قد اتيا من اماكن متفرقة ومعهم العطر لمسح جسد يسوع، فالمجموعة الاولي تضم: (مريم المجدلية، ومريم ام يعقوب ويوسي، وسالومة ام الرسولين يعقوب ويوحنا)، والمجموعة الآخري تتكون من يونا وبعض الاصدقاء (مت28: 1، مر16: 1- 3، لو24: 1).
2- تصل القديسة مريم المجدلية وحدها وقبل الجميع بكثير. اما رفيقاتها، فتأخرن بسبب شراء الحنوط ولحقا بها حين بزوغ الشمس. الارض تزلزلت ونزل ملاك من السماء ورفع الحجر عن باب القبر. ولكن ق. يوحنا لا يذكر سوي القديسة الاشد حباً. فقد ابتدأت الجماعة سيرها ليلاً، وكان لكل من في الجماعة دوافعه، ولكل منهم درجة لشجاعته تختلف من واحد لآخر، والحب القوى يعطى دفعة للشجاعة الضعيفة. لذلك فغالباً بدأت الجماعة سيرها كمجموعة واحدة ولكنها سرعان ما أصبحت صفاً، ومع الإستمرار في السير ما لبثت أن تفرقت إلي مجموعات، في المقدمة مجموعة تكاد تركض ركضاً (حب قوى) وأخرى تلحق بها في عجلة وهكذا. وفي المجموعة الأولى كانت مريم المجدلية هذه التي أحبت كثيراً لأن المسيح غفر لها كثيراً (لو47:7). فالمجدلية ظلت بجانب القبر تراقب الدفن، وها هي أول من يصل، لذلك رأت الزلزلة وكل ما حدث لحظة القيامة، فإرتعبت ولم تستطع الكلام هي ومن معها.
3- تأخذ مريم المجدلية الدهشة والحيرة عند رؤيتها القبر مفتوحاً. تقدمت بسرعة نحو القبر وسعت مفتشة عن الجسد في البستان ولم تجد يسوعها، فارتبكت مريم المجدلية ودون ان تري ملاكاً او تسمع صوتاً تركت رفيقاتها وركضت الي بطرس ويوحنا تخبرهما بأن الجسد قد سُرق (يو20: 1- 2)، ولكن مريم وسالومة بقيا مكانهما، فرأيا ملاك يجلس عند الحجر خارج القبر، وملاك آخر داخل القبر وبمجرد سماع قيامة يسوع وانضمام تلاميذه في الجليل اسرع الجميع إلي المكان لينقلوا هذه الاخبار والفرحة تغمرهم (مت 28: 2- 7، مر16: 4- 8).
4- في الوقت نفسه هرع الجنود الرومانيون للكهنة ليخبروهم بما حدث، كان هؤلاء الكهنة ممن طلبوا وضع حراسة علي قبر يسوع حتي يمنعوا تابعيه من سرقة جسده، فقام الكهنة برشوة الحرس حتي يذيعوا خبر سرقة تلاميذ يسوع لجسده اثناء نوم الحرس، كان الكهنة في السابق يخشون ان يخدع تلاميذ يسوع الناس اما الآن فهم انفسهم من يخدع الناس (مت28: 11- 13، 27: 62- 66)، ولكن ان سمع بيلاطس بنوم حرسه اثناء خدمتهم سيقوم الكهنة بحمايتهم برشوة بيلاطس نفسه (مت28: 14- 15).
5- بالرجوع للقبر، فبعد دقائق قليلة من رحيل المجموعة الاولي من النساء اتت يونا واصدقاؤها ودخلن المقبرة فوجدن ملاكين لكن من الملائم اشد الملائمة لطبيعة الحال ان يُترك الكلام لواحد منهما، واستمعن لاخبار قيامة يسوع فأسرعن ليخبرن التلاميذ (لو24: 2- 8).
6- وبمجرد رحيل النساء اتي بطرس ويوحنا ودخلن المقبرة ورأيا القماش الذي لُفَّ به يسوع موضوع علي الارض، فأمنوا ان هذا دليل علي قيامة يسوع من موته، ولكنهما تركا القبر وهما في حيرة ولا يفهمانما هي اهمية هذا الحدث (يو20: 3- 10، لو24: 12). فلوقا يريد ان ينهي كلامه عن النسوة، قبل ان يبدأ التكلم عن بطرس، فالزيارة التي ينسبها الي بطرس هي اذاً عين الزيارة التي قام بها بطرس ويوحنا معاً.
7- بعد ان تغلبت النسوة القديسات علي هلعهن الاول عزمن اخيراً علي اعلان الخبر، ليس لاحد عشر فقط، بل لجميع التلاميذ، اما القديسة المجدلية فترجع اليه وفكرة ان اليهود اخذوا الجسد ليدنسوه بإلقائه خارج القبر تخالط عقلها. ورجعت المجدلية والتي كانت تتبع بطرس ويوحنا للقبر بعد رحيلهما ومكثت هُناك بمفردها وهي تبكي فرأت الملاكين بالداخل، ثم رأت رجلاً لم تتعرف عليه في الحال (مر16: 9، يو20: 11- 15)، وعندما اكتشفت انه يسوع امسكت به وكأنها لا تريده أن يرحل، فقال لها يسوع لا حاجة لك للإمساك بيهكذا فهو لن يصعد الآن للسماء (سيكون معهم لاسابيع قليلة)، ولا يجب عليها ان تعتمد علي حضوره المادي وإلا ستحبط ثانية، فعليها الذهاب لتلاميذه لتخبرهم بما قال لها (يو20: 16، 17).
8- بعد فترة وجيزة جداً من مقابلته لمريم المجدلية ظهر يسوع لمجموعة النساء الآخريات (المريمات وسالومة)، وهن في طريقهن للتلاميذ ليخبروهن بما حدث (مت28: 8- 10).
9- مجموعتي النساء وصلتا لمنزل الرسل في نفس الوقت وتبعتهما مريم المجدلية حيث أخبرن الرسل بما حدث لهن في مقابلتين منفصلتين في آن واحد مع يسوع، ولكن الرسل لم يصدقوا أي من القصتين (مر16: 10- 11، لو24: 9- 11، يو20: 18).
وجميع هذه الاحداث المذكورة في التسع نقاط لم تتجاوز الساعة من الزمان بقليل[10].
[1] John Jr MacArthur, The MacArthur Study Bible, electronic ed. (Nashville: Word Pub., 1997, c1997), Lk 24:34.
[2] R. T. France, vol. 1, Matthew: An Introduction and Commentary, Tyndale New Testament Commentaries (Nottingham, England: Inter-Varsity Press, 1985), p. 411.
[3] Bruner, Frederick Dale, Matthew, A Commentary, 2 vols., Word Publishing, 1987, 1990. P. 1076.
[6] وليم لين كريج، القضية المسيح، لي ستروبل، ص 288
[7] Michael Grant, Jesus: An Historians Review Of The Gospels, p. 176.
[8] The Greatest Show on The Earth-The Evidence for Evolution, ch 1, p. 15.
[9] آلام وقيامة السيد المسيح في الاناجيل الاربعة، الاب انطونيوس فكري، ص 259
[10] التفسير المُعاصر للكتاب المقدس، دون فليمنج، ص 639، 640، انظر ايضاً: آلام وقيامة السيد المسيح في الاناجيل الاربعة، الاب انطونيوس فكري، ص 259: 262.. و الازائية الإنجيلية، الابوان لاكرانج ولافيرن الدومنيكان، ص 304: 306. see also: John G. Butler, Jesus Christ: His Resurrection (Clinton, IA: LBC Publications, 2006), p. 327.
ترتيب ظهورات القيامة وتفسير التناقضات حول الظهورات | أ/ أمجد بشارة
لماذا أؤمن أن المسيح قد قام من الاموات؟ | ترجمة: ميرفت القمص
جون بيبر
عميد كلية بيت لحم للاهوت لمدة 33 عاماً وله اكثر من خمسين مؤلف.
١- يسوع نفسه شهد لقيامته من الأموات
تكلم يسوع علانية معلناً ما سوف يحدث : عن صلبه ثم قيامته من بين الاموات. وهذا ما ورد في مرقس 8 : 31 فنجد اعلان واضح عن موته وايضاً قيامته من خلال الفم الطاهر. “وابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيرا، ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويقتل، وبعد ثلاثة أيام يقوم.” راجع ايضا (متى ٢٢:١٧، لوقا ٢٢:٩ )
الرافضين للقيامة سيقولون ان كلام يسوع مضلٓل او ان الكنيسة الاولى وضعت الكلمات على لسانه لجعله يعلم بالضلاله لكن بالحقيقية هم من ابتدعو الضلال. فمن يقرأ الكتاب المقدس ويصل لقناعة بأن الذي يتكلم بسلطان مثل هذا يصعب ان لا يتم قبول كلامه و شهادة عن قيامته بفمه.
وخصوصاً الكلمات التي تنبأت عن القيامة لم تكن فقط تلك الواضحة الصريحة السابق ذكرها ولكن إيضا بطرق رمزية وأمثلة لم تكن تصلح كتأليف او اختراع من مخادع. مثلا، شهادتين مختلفتين بطريقتين مختلفتين تكلم المسيح عن نقض هيكل ( جسده) وانه سيقيمه مرة اخرى وهذا ما جاء ب ( يوحنا ١٩:٢ ، مرقس ٥٨:١٤، متى ٦١:٢٦) وتكلم ايضا عن أية يونان النبي- وعن وجوده ثلاث ايام في قلب الارض(متى ٣٩:١٢، ٤:١٦)
و تلميحه في متى ٤٢:٢١ عن ان الحجر الذي رفضه البناؤون هذا قد صار رأسا للزاوية. وبالإضافة لشهادته .فقد شهد عنه مقاوميه ايضاً ان هذا كان جزء من ما قاله الرب يسوع: متى٦٣:٢٧. إذن اول إثبات لدينا هو ان الرب يسوع نفسه شهد عن قيامته. عمق واتساع كلماته تجعل احتمالية اختراع هذا الكلام على يد الكنيسة غير وارد. وشخصية يسوع نفسه في هذه الشهادات لم تقول انه كان مختل او مضلل.
٢- القبر كان فارغا يوم القيامة
أوائل النصوص تقول انهم ذهبوا الى القبر ولم يجدوا جسد الرب. ( لوقا ٣:٢٤) واعداء يسوع أكدوا على ذلك بترويجهم إشاعة ان التلاميذ سرقوا الجسد (متى١٣:٢٨)
لم يوجد جسد يسوع. وهناك أربعة تفاسير لذلك.
٢أ: اعدائه سرقوا الجسد. ولو تم هذا علي الرغم من انه لا ذكر له علي الاطلاق.لكانوا اظهروا الجسد لمنع انتشار المسيحية في نفس المدينة التي صُلب فيها. ولكنهم لم يقدروا على إظهاره.
٢ب: التلاميذ سرقوا الجسد. وهذه كانت إشاعة منذ البداية. (متى ٢٨: ١١-١٥). هل هذا ممكن؟ هل أمكنهم مقاومة الجنود الحراس على باب القبر؟ وأكثر أهمية، هل كانوا بداوا على الفور بالكرازة يهذه القوة بقيامة يسوع، عالمين انه لم يقم؟ هل خاطروا بحياتهم “التلاميذ” وتحملوا الاضطهاد وهم يعلمون انها اكذوبة؟
٢ج: الرب يسوع لم يمت، ولكن فقط فاقد الوعي عندما وضعوه في المقبره. فاستيقظ ورفع باب القبر وانتصر على الحراس واختفى من التاريخ للأبد بعد ان ظهر بضعة مرات لتلاميذه وأقنعهم انه قام من الأموات. حتى أعداء الرب يسوع لم يقدموا هذه الاطروحة. فقد كان من المؤكد انه مات. الرومان عرفوا ذلك. وايضاً الحجر لا يمكن رفعه من قبل رجل واحد طعن في جنيه بالحربة ومكث معلقا على الصليب ستة ساعات ومن الداخل القبر.
٢د: الله أقام يسوع من الأموات. “اي اللاهوت اقام الناسوت ” هذا ما قال انه سيحدث. انه ما قال التلاميذ انه حدث. ولكن لو وجد اي طيف من تفسير بطريقة منطقية سيقول لك البعض لا نقفز لتفسير معجزي. هل هذا منطقي؟ لا أظن. بالطبع لا اريد ان أكون ساذجا ولكن لن نرفض الحق فقط لانه غريب.
لابد ان ندرك ان التزامنا في هذه المرحلة متأثر بميولنا- سواء بحقيقة القيامة او عدم تصديق القيامة. لو ان رسالة الرب يسوع قد فتحت قلبك واحتياجاتك للغفران، مثلا، إذن ستفقد فكرة ضد المعجزة سلطانها على ذهنك. هل يمكن ان يكون هذا الانفتاح ليس تحيزا للقيامة وإنما حرية من التحيّز ضدها؟
٣- التلاميذ انتقلوا حالا من رجال بلا أمل وخائفين (لوقا٢١:٢٤، يوحنا ١٩:٢٠) لرجال واثقين وشهود اقوياء للقيامة. ( اعمال ٢٤:٢، ١٥:٣، ٢:٤)
وتفسيرهم لهذا التغيير انهم رأوا الرب يسوع قائما من الأموات وأنهم قد اخذوا قوة ليكونوا شهودا له ( اعمال ٣٢:٢). اما التفسير المعاكس لهذا فهو ان ثقتهم هذه نابعة من هلوسة. وهذا التفسير له مشاكل عديدة. التلاميذ لم يكونوا سذج، ولكن شكاكين متزني العقل قبل وبعد القيامة. ( مرقس ٣٢:٩، لوقا ١١:٢٤، يوحنا ٢٠: ٨-٩ ،٢٥) وبالأكثر هل التعاليم السامية والنبيلة التي كرز بها شهود قيامة المسيح منسوجة من هلاوس؟ ماذا عن رسالة بولس الرسول الى أهل رومية؟! شخصيا اجد من الصعوبة ان اصدق ان احدا بهذه العقلية الفذة والروح الشفافة العميقة يمكن ان يكون مُضٓلل او مُضلِل بشأن قيامة المسيح.
٤- بولس الرسول قال انه ليس هو فقط من رأى المسيح القائم بل اكثر من ٥٠٠ اخ أكثرهم حي حين قال هذا.
(١كورنثوس٦:١٥) وما يجعل هذا ذو أهمية ان هذه الكلمات مكتوبة لليونانيين الذين يتشككون من هذه الادعائات في حين ان اكثر الشهود احياء. فهذه مخاطرة ان كان يمكن تفنيدها بمجرد بحث بسيط.
٥- مجرد وجود كنيسة حية نامية منتصرة على الامبراطورية،
يساند حقيقة القيامة. فالكنيسة نمت بقوة الشهادة بيسوع الذي اقامه الله وجعله ربا ومسيحا ( اعمال ٣٦:٢) فروبوبية المسيح على كل الامم مبنية على انتصاره على الموت. وهذه هي الرسالة التي انتشرت في العالم اجمع وقوتها في عبور الثقافات وخلق شعب جديد لله هي اكبر شهادة على صدقها.
٦- إيمان بولس الرسول يؤيد حقيقة القيامة.
فهو يحاجج أناس من غلاطية ١: ١١-١٧ ان إنجيله وكرازته هي من يسوع المسيح، وليس من الناس. وحجته ان قبل رحلته لدمشق قبل ان يرى الرب يسوع كان مضطهدا للكنيسة والإيمان المسيحي. (اعمال ١:٩) ولكن الان والدهشة الجميع، فهو يخاطر بحياته للكرازة بالإنجيل. ( اعمال ٩: ٢٤-٢٥) وتفسيره : ان الرب يسوع القائم من الأموات ظهر له واعطاه مهمة الكرازة للأمم. (اعمال ٢٦: ١٥-١٨). فهل نصدق مثل هذه الشهادة؟ وهذا يأتي بِنَا للنقطةالتالية.
7- شهود العهد الجديد ليس لديهم سمة المدلسين.
كيف تقيم شاهد؟ كيف تقرر اذا ما كنت ستصدق شهادة احدهم؟ قرار ان تصدق شهادة احد ليس مثل حل مسألة حسابية. التاكيد له طابع مختلف، ولكن في مثل ذات القوة. عندما يموت شاهد، نبني مصداقيته على ما كتبه ومن شهادات الآخرين عنه. إذن كيف تبدو الأمور بالنسبة لبطرس ويوحنا ومتى وبولس الرسل؟
في تقديري ( وعند هذه النقطة سنعتمد على رؤيتنا- لوقا ٥٧:١٢) ، فإن كتابات هؤلاء الرجال لا تبدو ككتابات أناس سذج، يسهل التغرير بهم او مضللين. ان بصيرتهم للطبيعة لإنسانية عميقة. التزامهم عاقل ومكتوب بدقة. تعاليمهم واضحة وليست من اختراع بشر. المستوى الاخلاقي والروحي عالي جداً. وحياة هؤلاء الرجال مكرسة تماما للحق ولمجد الله.
٨- يوجد مجد داخلي في بشارة انجيل موت المسيح وقيامته كما وصفها البشيريون.
يعلم العهد الحديد ان الله أرسل الرب القدس ليمجد المسيح كإبن الله. قال الرب يسوع: متى جاء روح الحق، فهو يرشدكم للحق… ويمجدني. (يوحنا ١٣:١٦) والروح القدس لا يخبرنا بهذا كمعلومة ان يسوع قام. ولكن يفتح اعيننا لنرى مجد المسيح في قصة الصلب والقيامة.
فهو يمكننا من رؤية يسوع كما هو، كمال الجمال والحق. وقد كتب الإنجيليون عن مشكلة العمى الروحي وحلها. (كورنثوس الثانية٤: ٦،٤). ان المعرفة المؤدية الى الخلاص بالمسيح مصلوبا وقَائِما ليست معلومات تاريخية. ولكنها نتيجة استنارة روحية لؤية الأمور على حقيقتها: استعلان مجد وحق الله في وجه المسيح- الذي هو هو أمس واليوم والى الأبد.
المرجع:
Eight Reasons Why I Believe That Jesus Rose from the Dead “John Piper”
John Piper (@JohnPiper) is founder and teacher of desiringGod.org and chancellor of Bethlehem College & Seminary. For 33 years, he served as pastor of Bethlehem Baptist Church, Minneapolis, Minnesota. He is author of more than 50 books.
لماذا أؤمن أن المسيح قد قام من الاموات؟ | ترجمة: ميرفت القمص